خامسا ـ النبات

في اليوم الخامس.. كانت المحاضرات عن النباتات في القرآن الكريم، وقد غلب على محاضرات هذا اليوم ما غلب على محاضرات سائر الأيام من الاهتمام بالجانب البياني، وإغفال الجانب العلمي.
ثم قدم عالم النبات محاضرته التي ذكر فيها المبادئ العامة التي يعتمد عليها النظام الزراعي.
وهذا العالم ـ على حسب ما عرفته في الأيام السابقة ـ شخص شديد الاحتكاك بالطبيعة، شديد الحب لها، وقد كان يتألم كثيرا لكل خبر جديد يسمعه عن تأثير الإنسان في الطبيعة.
وكان أقرب الجماعة إلى التدين.. لقد كان يقول لي: أنا أشعر بأن هذه النباتات التي نتعامل معها كما نتعامل مع الجماد كائن حي له مشاعر لا تختلف كثيرا عن مشاعرنا.. وله توجه لخالقه الذي برأه لا يختلف عن توجهنا.
ولكنه ـ مع ذلك ـ كان منصرفا انصرافا كليا عن الكنيسة، وعن الكتاب المقدس، فلم يكن يشعر نحوهما بأي مشاعر إيمانية، وقد أفصح لي عن ذلك، وذكر لي من أسبابه ذلك التقزيم المفرط لله وعلاقته بكونه في الكتاب المقدس.
فالخالق الذي خلق كل شيء، وأبدع كل شيء ينحدر في الكتاب المقدس انحدارا عميقا ليصبح ربا لثلة محدودة من الناس، لا هم له إلا رضاها وتدليلها.
وقد
اتخذ لذلك موقفا من سائر الأديان.. بما فيها الإسلام، ولو أنه لا يعلم عنه شيئا.
في ذلك اليوم أرسل إلي علي مع صديقه حذيفة بأن نلتقي في مزرعة نموذجية للبيئة الصحراوية.
سرنا إليها في مساء ذلك اليوم، وقد كانت في غاية الروعة والجمال، وقد كتب على بابها قوله تعالى:{ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (الرعد:4)
بقي صاحبي يتأمل الآية مستغرقا في معناها، وهو يسير، حتى كاد يسقط في بعض الأوحال..
قلت له: ما بالك ـ يا صاحبي ـ تنشغل بهذه الآية كل هذا الانشغال؟
قال: أهذه آية من القرآن.. كتاب المسلمين؟
قلت: أجل..
قال: إن الذي كتب هذه الآية خبير زراعي بارع.. لقد رسمت هذه الآية الملامح العامة لنظام زراعي شامل ومتكامل خاص بالبيئة الصحراوية، حيث العوامل القاسية.
فالبيئة الصحراوية تستدعي نظاما زراعيا يتكون من نسيج له ثلاثة طبقات نباتية مختلفة، نصت عليها كلها هذه الآية، فالأول هو الزرع، وهو الطبقة العشبية، والثاني، الأعناب،أو الأشجار المثمرة بصفة عامة، والثالث النخيل، وهو الطبقة الشجرية.. وقد نصت على هذه جميعا هذه الآية..
سرنا قليلا، فرأينا لافتة أخرى.. وقد كتب عليها قوله تعالى:{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً } (الكهف:32)
فصاح صاحبي، وهو يقرؤها، ووقف، ولم يتحرك، وقال: أهذا النص أيضا من القرآن؟
قلت: أجل..
قال: هذا النص لا يكتبه إلا خبير زراعي بارع.. ومثل هذه الأبحاث بهذه الدقة لا تعرف إلا بالتجارب الطويلة.
ثم التفت إلي، وقال: هل نستطيع أن نتعرف على صاحب هذه المزرعة؟
ما قال ذلك حتى قدم علي، وهو يقول: ما الذي تريد منه؟
عالم النبات: أريد أن أسأل عن سر وضعه لهذه الآية هنا، وعن سر هذه الآية.. فإني أرى لها شأنا.
علي: أنا مفوض عنه.. فهلم نجلس تحت ظل تلك النخلة، ولنتحدث بما يحلو لك ولأصحابك الحديث عنه.
عالم النبات: ما السر في وضعكم لهاتين الآيتين في مدخل هذه المزرعة؟.. وهل تدركون ما فيهما من العلم؟
علي: لقد أسسنا هذه المزرعة النموذجية الخاصة بالبيئة الجافة انطلاقا من هاتين الآيتين([1]).. نحن نعلم أن القرآن كلام الله.. وكلام الله يمتلئ بالنصح لعباد الله.. فهو لذلك ينصحنا ـ نحن أصحاب المناطق الجافة ـ بهذا الأسلوب من أساليب الزراعة.
طبعا بالنسبة لكم قد لا تحتاجون لهذا الأسلوب.. ولكن أرضنا القاسية تستدعي إجراءات خاصة.
لقد رأى صاحب هذه المزرعة، وهو مهندس زراعي متخصص في الزراعة الصحراوية، ما تحتاجه بلاده من أنظمة خاصة للزراعة تتناسب مع البيئة الجافة التي تتواجد فيها.. فوجه اهتمامه لهذه البيئة.
وبما أنه كان ملتزما بالقرآن معظما له، فقد كان يشعر أن هذا النظام يتواجد بالقرآن الكريم.. وكان يقرؤه، ويتعرف على الله من خلال قراءته، ولكنه يشعر في نفس الوقت أن حروفه تختزن معلومات كثيرة ترتبط بما يبحث عنه من علم.
وذات يوم صلى ركعتين خاشعتين لله، وطلب منه أن يريه ما ينفع به قومه في هذا الباب، ولما انتهى من صلاته، وفتح المصحف وقعت عينه على الآية الأولى، فعلم أركان النظام الزراعي، ولم يعلم كيفية تنفيذه، فسأل الله أن يريه ذلك، فسمع قارئا يقرأ الآية الثانية، فعرف من خلالها هذا النظام.. فراح ينفذه.. وهذه المزرعة التي تراها نتيجة لتينك الآيتين.
عالم النبات: وهل اكتفى بما أصابه من نجاح؟
علي: لا.. هو لم يرد النجاح لنفسه، بل طلب النجاح لجميع المسلمين.. بل لجميع أهل الأرض ممن يعيشون في البيئة القاسية التي يعيشها..
لقد ضحى بالكثير من أجل أن يصيب هذا النجاح.. وقد وفقه الله فوصل إلى خير كثير..
عالم النبات: فهلا شرحت لي ما يعتمد عليه هذا النظام؟
علي: هذا النظام أولا سماه مكتشفه (جنان الصحراء) تفاؤلا بقوله تعالى:{ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } (الرعد:4)
وهذا النظام يتكون أساسا من جنتين من أعناب، وهي الطبقة الجنبية يحيط بها النخيل، وهي الطبقة الشجرية، وبين هاتين الجنتين يوجد الزرع، وهو الطبقة العشبية.
وقد بينت الآية الكريمة النتيجة الحتمية لهذا الترابط بين الطبقات النباتية الثلاثة، وهي الرفع من مستوى الإنتاج {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً }(الكهف: 33)) أي أنه لا يوجد خسائر في الانتاج نتيجة توفير كل العوامل الملائمة لإنتاج جيد كمّا وكيفا.
عالم النبات: فهل تحقق هذا في المزرعة النموذجية التي أسسها صاحبك هذا؟
علي: أجل.. فهذا النظام الزراعي بتركيبته النباتية أعطانا فوائد وتأثيرات إيجابية كثيرة على مستوى المناخ والتربة.. بل ساهم مساهمة فعالة في رفع مستوى الإنتاج من ناحية وتحقيق التوازن لجميع الكائنات المتواجدة بهذه المنطقة من ناحية أخرى.
عالم النبات: فلنتكلم نقطة نقطة.. ما الفوائد المناخية التي أفادها هذا النظام الزراعي الذي استمددتموه من القرآن؟
علي: كثيرة هي الفوائد المناخية التي يمكن أن نجنيها من هذا النظام:
منها التخفيف من حدة الرياح، فالرياح تمثل أخطر العوامل التي تهدد الإنتاج النباتي بالمناطق الجافة، خاصة بالنسبة للطبقة العشبية (الزرع).
ففي هذا النظام يلعب النخيل دور جدار أولي من مصدات الرياح لحماية الأشجار المثمرة، إذ أنه يؤثر على ارتفاع هام في حين أن نفاذية منطقة الجذع تعتبر هامة جدا، فتأتي الطبقة الجنبية التي هي الأشجار لتكوّن جدارا ثانيا من مصدات الرياح ذات نفاذية منخفضة وارتفاع منخفض، وبالتالي فإن نسبة الرياح الواصلة إلى الطبقة العشبية التي هي الزرع غير معتبرة، وفاعليتها جد ضعيفة، علما وأن هذه الطبقة هي أكثر الطبقات حساسية ضد الرياح.
ومنها التخفيض من حدة جفاف الهواء، فهذا النظام بتركيبته هذه وطبقاته النباتية يوفر جوًا أكثر رطوبة.
ومنها التخفيض من درجة الحرارة، والفارق الحراري بين الليل والنهار.
ومنها التخفيض من نسبة التبخر، وبالتالي توفير اقتصاد أكثر في نسبة مياه الرّي.
عالم النبات: هذه فوائد معتبرة.. فما فوائد هذا النظام على التربة؟
علي: كثيرة هي فوائده على التربة..
منها تعديل درجات حرارة التربة.. وهذا يؤدي إلى تحسين حركة الكائنات المجهرية داخل التربة، وبالتالي تحسين نسبة تحلل المواد العضوية.
ومنها أن هذه الطبقات النباتية لها ثلاث مستويات للامتصاص، وبالتالي هناك نوع من توازن المواد الكيميائية في هذه المستويات المختلفة من التربة.
عالم النبات: فما الفوائد الاقتصادية والاجتماعية؟
علي: كثيرة.. منها تنويع الإنتاج بالمناطق الصحراوية، وهو يؤدي إلى الاكتفاء الذاتي الغذائي للسكان، وبالتالي توفير مصاريف النقل من أماكن بعيدة.
ومنها توزيع المحاصيل بالمزرعة، مما يساهم في تخفيف الخسائر في حالة الكوارث الطبيعية والتقلبات المناخية والاقتصادية.
ومنها الاستعمال الأمثل للأرض واليد العاملة طيلة أيام السنة.
ومنها أن تناسق هذه الطبقات النباتية الثلاث يعطي منظرا طبيعيا رائعا وظروف عيش أكثر رفاهية وجمالا.
عالم النبات: أرى أن قرآنكم يهتم بالزراعة.
علي: وكيف لا يهتم بها.. أليست من خلق الله.. القرآن الكريم كلام الله.. وكلام الله يتحدث مع جميع خلق الله، وعن جميع خلق الله.
إن في القرآن الكريم نظاما متكاملا للزراعة([2]).. لو أذنت لي، وأذن لي أصحابك لحدثتك عنه.
أشار الجميع بالإذن.. فبدأ علي يتحدث بكل طلاقة.
قال: أول مبدأ ينطلق منه القرآن الكريم في هذا النظام، هو أن الله هو الزارع الحقيقي، وما على الإنسان في عملية الزرع إلا أن يتعاطى كل الأسباب بجده وجهده وعقله لإنجاح هذه العملية، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
لقد نصت آيات كثيرة على ذلك، فالله تعالى يقول:{ وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ} (يّـس:32-35)
ففي هذه الآيات يخبر الله تعالى أنه هو الذي يحي الأرض وهو الذي يخرج الحب ويجعل الجنات ويفجّر الأنهار.. فهو المزارع الحقيقي على الإطلاق، وما الإنسان إلا مجرد وسيلة.. فالله هو المالك الحقيقي، وفي الآن نفسه أكد على حقيقة أخرى وهي دور الإنسان وأهمية جده واجتهاده فقال { وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ}
ويقول في آية أخرى:{ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67)}(الواقعة)
ويقول في آية أخرى:{ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } (النمل:60)
عالم النبات: إن هذه حقيقة عظيمة تقوم عليها فلسفة النظام الزراعي.. فنحن نقر بأن هذا النظام يرتبط إلى حد كبير بالقدرة الإلهية..
فالإنبات من أهم العمليات الحيوية التي تتم على سطح الكرة الأرضية وهي من دلائل القدرة الإلهية في الكون، ولولا الإنبات ما كان في الدنيا نبات، ولولا النبات ما كان على الأرض حياة.
بالإضافة إلى ذلك فهو نظام مرتبط بالمشيئة الإلهية، فهو نظام مرتبط بالكوارث المناخية والظواهر الطبيعية.. وبأشياء كثيرة ليس في قدرتنا الإحاطة بها.
علي: لقد أخبر القرآن الكريم عن هذا.. فذكر بعض الكوارث التي اجتاحت بعض الزروع التي أشرك أصحابها، وتصوروا أن أمرها لهم، فقال تعالى:{ نَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27)}(القلم)
وفي قصة صاحب الجنتين ذكر الله تعالى يعض الكوارث التي يمكن أن تصيب الزراعة، فقال:{ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)}(الكهف)
وقد أخبر الله تعالى عما حصل لتلك الجنة، فقال:{ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43)}(الكهف)
عالم النبات: إن القرآن بهذا يربي في نفوس الفلاحين معاني إيمانية عميقة تقيهم الأثر الخطير لما يحصل لأرضهم من جوائح.. والتي قد تجعل الكثير من الفلاحين يرغبون عن الفلاحة خوفا من تلك الجوائح.
علي: ولهذا كان المبدأ الزراعي الثاني الذي وردت به الكثير من النصوص هو التشجيع على الزراعة.
وأول ذلك إخبار القرآن الكريم بأن حب الزراعة والنباتات فطرة فطر عليها الإنسان، قال تعالى:{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } (آل عمران:14)
وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن الأجر العظيم الذي يناله من زرع زرعا أو غرس غرسا، فقال:(ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) ([3])
بل أمر بالاهتمام بالغرس، ولو في أحرج الساعات، فقال: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها) ([4])
علي: والركن الثالث الذي يعتمد عليه النظام الزراعي ـ كما ورد في النصوص ـ هو الماء، فلا بد من توفير الماء لضمان المحصول الزراعي، فلهذا يرتبط ذكر الماء في القرآن الكريم بالحياة وبالإحياء.. فالماء هو الركيزة الأساسية لأي نظام زراعي، قال تعالى:{ وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً(16)}(النبأ)
وقال تعالى:{ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } (النمل:60)
وقال تعالى:{ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } (لقمان: 10)
وقال تعالى:{ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ } (قّ:9)
عالم النبات: لقد ربطت هذه الآيات بين الماء والإنبات، فالماء شرط ضروري وأساسي للإنبات، وقد تظل البذور أو الحبة في التربة سنوات عدة لا تنبت ولا تتحرك إلى أن ينزل عليها الماء، فتبدأ العملية العجيبة المعجزة، عملية الإنبات.
علي: والركن الرابع الذي يقوم عليه النظام الزراعي الذي يمكن فهمه من القرآن الكريم هو إرشاده أو أمره بتنويع المحاصيل النباتية.. ففي الآيات الكثيرة نجد القرآن الكريم يذكر المحاصيل الكثيرة، وكأنه يرشد إلى استنباتها جميعا:
فالله تعالى يقول:{ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ َإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } (المؤمنون18، 22)
ويقول:{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} (النحل).
فقد أشارت هذه الآيات إلى تنوع المحاصيل والمنتجات النباتية، ومن الأصناف التي ركزت عليها هذه الآيات: الزرع والزيتون والنخيل والأعناب.
وهذه الأنواع تمثل مختلف الطبقات النباتية: العشبية، والجنبية والشجرية.. وتواجد هذه الطبقات في النظام الزراعي يمكن من التوازن الايكولوجي في هذا النظام البيئي.
وفي التركيز على هذا التنوع داخل النظام الزراعي، تعريض غير مباشر إلى مساوئ الزراعات الوحيدة، والتي أظهرت التجارب الزراعية الحديثة البعض منها مثل افتقار التربة، وكثرة الأمراض والآفات النباتية والحشرات واكتسابها المناعة ضد المبيدات.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا في قوله تعالى:{ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)}(الحجر)
ففي كلمتي (موزون، وقدر معلوم) دلالة واضحة على أن النظام الزراعي الصالح نظام متوازن ومتكامل يقوم على التوسط والاعتدال في كل مراحل الإنتاج ابتداء من الحرث والسقي إلى المداواة والتسميد والجني.. فالتوازن هو الركيزة الأساسية لضمان النجاح والاستمرارية لكل نشاط زراعي.
ونحن نرى الآن الاهتمام المتزايد بهذا النوع من الزراعة، وهو ما يعبر عنه بالزراعة المستديمة أو الزراعة البيولوجية، كما ارتفعت هذه الأيام أصوات حماة البيئة للحد من التلوث والاستغلال المفرط لثروات الأرض.
ونلاحظ أيضا أن القرآن ركز على عدة أنواع من المحاصيل كان يعرفها العرب مثل الرمان، والزرع، والعنب، والزيتون والنخيل وهي أصناف مقاومة للظروف المناخية الصعبة وتتلاءم مع مختلف أصناف التربة.
بل نلاحظ أن القرآن الكريم لم يكتف بذكر التنوع النباتي، بل ضم إليه ذكر الأنعام من الحيوانات، وفي ذلك إشارة إلى التكامل بين الإنتاج النباتي والحيواني.
بل إن الله تعالى ذكر في القرآن الكريم نموذجا لمزرعة متكاملة، فقال:{ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)}(النحل)
ففي هذه الآيات الكريمة نجد نموذجا لمزرعة تتوفر على كل الاحتياجات الغذائية والدوائية من الأنعام التي ينتفع بلحومها وألبانها، والمزروعات التي ينتفع بثمراتها، وما ينتج منها، وخلايا النحل التي ينتفع بعسلها.
كما أشارت هذه الآيات إلى نشاط تكميلي للنشاط الزراعي، وهو الصناعة الغذائية التحويلية مثل عملية التخمر لانتاج الخل والخبز، وتخمر الحليب لانتاج الجبن، واشتقاق العديد من المنتوجات الجديدة انطلاقا من هذه الثمرات كاستخراج الزيت من الزيتون والدبس من التمور، وعصير الغلال والمشروبات، والمربيات وتصبير الزيتون واستخراج الدقيق من القمح.
وفي هذه الصناعات دورة اقتصادية هامة وربح اقتصادي عظيم عبر عنه القرآن الكريم بالرزق الحسن.
عالم النبات: لكأن القرآن بهذه الإشارات المهمة التي ذكرتها يقوم بدور المرشد الفلاحي.
علي: وما له لا يقوم بذلك.. الفلاحة ركن أساسي لا تقوم الحياة إلا بها.. والقرآن جاء لحياة الروح والجسد.. ومن رحمة الله أن ضمن كلامه ما يخدم الروح والجسد.
ومما يدخل في هذا الباب ما ذكره القرآن من أنظمة تشريعية تختص بعالم النبات، ومن ذلك ما تضمنه قوله تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } (الأنعام:141)
فقد تضمنت هذه الآية الكريمة بعض الأحكام التي تتماشى مع هذا النظام الزراعي والتي من شأنها أن تحفظه من الهلاك، وتضمن نجاحه وديموميته وفاعليته.
فقد أمر الله عباده في هذه الآية بثلاثة أوامر تشريعية:
الأول: الأمر بالأكل، وقد جاء بهذه الصيغة { كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } أي أن الأكل لا يكون إلا عند تمام النضج والإثمار، وقد أثبت العلم أن القيمة الغذائية للثمرة لا تكون متوازنة إلا عند اكتمال النضج، فهناك من التفاعلات الكيميائية والإفرازات والتحولات الأنزيمية ما لا يتم إلا بتمام النضج.. ومنها زيادة نسبة السكريات عند تمام النضج.
كما أن في هذا التشريع صيانة للمحصول من الغش والاحتكار من طرف التجار، لأن الثمار في أول وقتها يكون ثمنها أغلى.
والثاني: ما ورد في قوله تعالى:{ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ }، وحقه يعني زكاته كي يبارك الله لنا في هذه النعم ويحفظها من الزوال وتزيد وتنمو.
وفي قوله { يَوْمَ حَصَادِهِ } دقة تعبيرية بالغة لأن الثمار سريعا ما تتلف، خاصة التي تحتوي على نسبة عالية من الماء، بالإضافة إلى أن هناك العديد من العمليات والتفاعلات البيوكيميائية التي تحدث في الثمرة، والتي من شأنها أن تنقص من قيمتها الغذائية أو تقود إلى اتلافها بالعديد من الحشرات أو الفطريات.
ولهذا ـ كي تكون زكاة طيبة ـ أمرنا أن نسرع بإخراجها قبل إتلافها، وفي هذا الإسراع ـ أيضا ـ إشارة إلى توفير تكاليف الخزن، ففي أيامنا هذه صار هذا النشاط ذا أهميّة اقتصادية كبرى، كتقنيات التبريد والتكييف والتعبئة واللف وغيرها. وهناك عدة عوامل تتحكم في عملية الخزن: كالحرارة والرطوبة والتهوئة وصارت هذه التقنيات علما قائما بذاته.
والأمر الثالث، هو قوله تعالى:{ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ }، والنهي عن الإسراف هنا عام.. وفي ذلك إشارة إلى المخاطر الكثيرة التي ترتبط بالإسراف في الجانب الزراعي، بالإضافة إلى مخاطر الإسراف في الأكل.
سار بنا علي إلى مخازن خبئ فيها القمح بسنابله([5])، وقد كتب على بابها قوله تعالى:{ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48)}(يوسف)
عالم النبات: أهذه آية من القرآن؟
علي: أجل..
عالم النبات: فما سر وضعك لها هنا في هذه المخازن؟
علي: هذه إشارة قرآنية لكيفية ادخار هذا النوع من المحاصيل، فقد أرشد يوسف u إلى طريقة تخزين متميزة، فقال للمصريين: اتركوا الحبوب في سنابلها، واطمروها، وحصنوها للأيام القادمة.
عالم النبات: إن ما ذكرته حقيقة علمية.. فلترك الحبوب في سنابلها أهمية كبرى، فهو يحفظ الحبوب من التلف لمدة طويلة.
ومن أسباب ذلك أن الأغلفة بها مواد مثبطة للنمو تمنع إنبات الحبوب وهو على النبات الأم، وبأغلفة الحبة مواد مثبطة للإنبات أيضاً تمنع إنبات الحبوب وقت الدراس والتذرية والتخزين السليم.
ومنها أن الأغلفة تحفظ درجة حرارة الحبوب من الارتفاع في الصيف، والانخفاض في الشتاء، لأن هذه الأغلفة عازلة للحرارة، وهذا يحفظ البذور بعيدًا عن التأثيرات الخارجية،ويساعد على حيوية الجنين، وصلاحية الغذاء المدخر فيها لمدة أطول.
وغيرها من الأسباب..
علي: وفوق هذا كله فإن الله تعالى أمرنا بأن ننظر إلى طعامنا وكيفية تكونه لنستفيد قربا من الله، ونستفيد إلى جانب ذلك ما نطور به غذاءنا ونصلحه، فالله تعالى يقول:{ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)}(عبس)
انتفض عالم النبات، وقال: أعد علي قراءة هذه الآيات.
أعادها علي عليه، فقال: أتدري.. هذه الآيات تبرز جميع العوامل الأساسية والآليات التي يقوم عليها هذا النظام الزراعي.
فهي تشير إلى العوامل المناخية { أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا}، ففي هذا إشارة إلى جل التأثيرات التي تساهم في إنزال المطر من الرياح، والسحب، والحرارة، والتبخر وغيرها، وقد اختزلت الآية كل هذه العوامل في نتيجتها الطبيعية وهي نزول المطر.
وهي تشير إلى عوامل التربة { ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا}ففي هذا إشارة إلى دور التربة في النظام الزراعي ككل وطرق الحرث وقلب الأرض.
وهي تشير إلى النبـات { فَأَنْبَتْنَا } وهذا العامل الثالث الأساسي لتحديد مدى نجاح العملية الزراعية، ويشمل ظروف عملية الإنبات ونوع البذور المستعملة.
فهذه العوامل الثلاثة هي التي تـحدد مدى نجاح أي عملية زراعية.. فهي معادلة ذات ثلاث عناصر: المناخ، والتربة والنبات.
وهذه الحقيقة التي جمعت هذه الآية أركانها هي التي تُدّرس حاليا في الجامعات في أساسيات علم الهندسة الزراعية.. فقبل إنجاز أي مشروع زراعي لا بد من دراسة العوامل المناخية لتلك المنطقة، وتحديد مصادر المياه، وتحليل نوعية الماء ونسبة ملوحته.. ثم تحليل التربة، مع معرفة نسبة المواد العضوية والمعدنية ونسبة نفاذيتها، وقوامها وحموضتها ونوعية الطين والرمل والطمث ونسبهم في التربة.. وعلى ضوء هذه المعطيات نقوم باختيار النبات المناسب والدورة الزراعية المناسبة، ونوعية البذور.
بل إن في الآيات إشارة أخرى جليلة، فبعد أن ذكرت الآيات أصنافا كثيرة من الإنتاج النباتي، بينت مصير هذا الإنتاج:{ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} فقد أشارت إلى أن ذلك الانتاج الذي أنتجته الأرض هو للإنسان ثم للحيوان.
وفي تقديم الإنسان على الحيوان في هذا الموقع حكمة بالغة، وهي أنه يمكن للإنسان أن يستفيد من الإنتاج النباتي بالقدر الذي يحتاج إليه، ثم يعطي للأنعام مالا يحتاجه وهو ما يعبر عنه بمخلفات الإنتاج النباتي، كالتبن والنخالة التي يطرحها الإنسان ويأخذ القمح فقط، وأيضا رديء الثمار ونوى التمر ورديء التمر وأوراق الخضروات وقشور الثمار وغيرها، مما يساهم مساهمة كبيرة في تغذية الحيوانات.
علي: بورك فيك، وفي فهمك للقرآن.. لقد وردت آية أخرى في القرآن الكريم تشير إلى المزج بين تغذية الإنسان والأنعام، فقال تعالى:{ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ } (السجدة:27)
لاحظت علامات السرور على وجه عالم النبات، وقال: ما أدق القرآن في استعمال كلماته.. فهذه الآية لما ذكرت الزرع فقط ولم تذكر الثمار، قدمت الأنعام على الإنسان.. فتغذية الأنعام تعتمد بالدرجة الأولى على مخلفات الزرع، والزرع ذاته، خاصة الشعير والذرة والفول والصوية في حين أن غذاء الإنسان لا يعتمد على الزرع فقط بل على العديد من المنتوجات الأخرى من بينها الأنعام ولحومها.
علي: وفي تقديم الأنعام في هذا الموقع حكمة أخرى ربما لم يدركها إلا أهل عصرنا، فالأنعام نظام غذائها نباتي، وليس حيواني أو مختلط، لكن في هذه السنين الأخيرة، اخترق الإنسان هذه السنة الكونية وراح يطعم الأنعام طحينا حيوانيا بحجة الرفع من مستوى الانتاج، فكانت النتيجة كارثية، فقد ظهر مرض جنون البقر وتسبب في هلاك الملايين من رؤوس الماشية، لذلك عقب الله تعالى هذه الآية بقوله { أَفَلا يُبْصِرُونَ }
سكت علي قليلا، ثم قال: ليست تلك الآيات فقط هي الآيات التي لخصت آليات النظام الزراعي.. هناك آيات أخرى ذكرت بعض التفاصيل المرتبطة بذلك.
فقد ذكر الله تعالى الماء والعوامل المناخية، باعتبارهما من أهم أركان هذه الآلية، فقال:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ } (الملك:30)، وفي حوار صاحب الجنة المؤمن مع المشرك قال المؤمن، وهو يعدد له الآفات التي قد تفسد جنته:{ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً } (الكهف:41)
عالم النبات: في هذه الآيات إشارات مهمة إلى ضرورة الحفاظ على المياه.. ففي هذه السنين، ومع كثرة استعمال الآبار الارتوازية، نلاحظ أن ضغطها قد نقص، فبعد أن كان الماء يتدفق بصفة تلقائية بفعل قوة الضغط الداخلي، أصبح المزارعون ينفقون أموالا طائلة وإمكانيات هائلة لاستخراج المياه بالمضخات، كما أن الدراسات الحالية تشير إلى نقص في المخزون المائي بالموائد المائية في باطن الأرض.
علي: لقد أشار القرآن الكريم إلى هذا، فقال تعالى:{ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } (المؤمنون:18)
عالم النبات: هذه الآية تلخص علما بأكمله يدعي الـهيدروجيولوجيا الذي يعتني بالموائد المائية وتحركات المياه داخل الأرض وكميته ونوعيته.
علي: وقد ورد في القرآن الكريم الإشارة إلى أنواع المياه، قال تعالى:{ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) َأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُون(70)}(الواقعة)
عالم النبات: أجل.. هذه إشارة جليلة.. فنسبة الملوحة في الماء جد هامة، ولها تأثير مباشر على الإنتاج.
علي: أما التربة، والتي هي الركن الثاني.. فقد أكد القرآن الكريم على أن الأراضي تختلف في أنواعها، فقال تعالى:{ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (الرعد:4)
بل بين أن الاختلاف في نوعية التربة له تأثير مباشر على مستوى الإنتاج، فقال:{ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } (لأعراف:58).
عالم النبات: هذه آية عظيمة دقيقة في تعبيرها.. فقد سمت هذه الآية التربة بالبلد، فالتربة بمكوناتها وكائناتها الحية تشبه البلد.. فهي تحتوي على مليارات الحشرات الصغيرة، وعلى مليارات الكائنات المجهرية كالفطريات والبكتيريا التي تتغذى على المواد العضوية وتحولها إلى مواد معدنية في إطار دورات جيوكيميائية: كدورة الأزوت والفوسفور والكبريت، فهذه المصانع للتحويل تشتغل بدون انقطاع طيلة السنة.
كما تحتوي التربة على قنوات مياه السيلان والتبخر وتحتوي على الهواء والأكسجين للتهوئة وتحتوي على مساكن تؤوي هذه الكائنات (حبيبات الرمل والطين والطمث).. إنها بكل هذه الشبكات من العلاقات والأنشطة الحيوية بين الكائنات ومحيطها تمثل التربة بلدا بأتم معنى الكلمة.
علي: وفي موضع آخر من القرآن الكريم ضرب الله لنا مثلا رائعا في جودة الأرض والتربة، ودورها المباشر في الرفع من مستوى الإنتاج فقال تعالى:{ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (البقرة:265)
ففي هذه الآية إشارة إلى أن الأرض الطيبة إن توفرت لها كل الظروف الملائمة، فستنتج ضعفين.. وفي هذا تنبيه إلى ضرورة الاعتناء بالتربة؟
وفي آية أخرى، وهي قوله تعالى:{ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ } (الرعد:17) إشارة إلى أهمية التربة التي تقع بالقرب من الوديان.
عالم النبات: أجل.. لقد بينت الأبحاث والتجارب الزراعية ان الأراضي التي تقع بالقرب من الوديان ومصباتها تكون خصبة وغنية، فهذا الذي ينفع الناس هو إشارة إلى عامل (floculation)، وهو عبارة عن التصاق حبيبات الطين مع جزيئات المواد العضوية بواسطة بعض المعادن مكونة بذلك ما يعرف باسم (Complexe argilo-humique) الذي هو أساس مصدر خصوبة التربة وغناها وقدرتها على احتفاظها بالماء، فالذي يمكث في الأرض وينفع الناس هو هذا الجزء الهام من التربة الخصبة.
علي: أما الركن الثالث، الذي هو النبات، فقد أشار القرآن الكريم إلى أن النبات كالتربة يمكن أن يكون طيبا أو خبيثا، قال تعالى:{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)}(إبراهيم)
ففي هذه الآيات بين الله تعالى صفات النبات الطيب، وهي أن أصله ثابت، أي جذوره ضاربة في الأرض وسليمة من الآفات، كما أن فرعه في السماء، أي جهازه الخضري من أوراق وأغصان سليم وينمو جيداً، كما أنه يثمر في وقته، ويكون ثمره طيباً، بعكس النبات الخبيث تكون جذوره مجتثة فوق الأرض فيكون ثمره خبيثا.
عالم النبات: وفي هذا تلميح إلى دور البذور في إنتاج الثمر.. ونحن في عصرنا الحالي نشهد ثورة في مجال إنتاج البذور وتحسين الأصناف والمشاتل بواسطة الهندسة الجينية. وتصب كل الجهود في تحسين الجودة في هذه العوامل الثلاثة: جذور سليمة ومقاومة للأمراض، جهاز خضري هام وثمار جيدة وكثيرة.
علي: وفوق ذلك.. فقد ورد في القرآن الكريم الحديث عن المراحل التي تمر بها عملية الإنبات، والتي تمر أولاً بعملية الفلق، ثم إخراج النبتة الحية من البذرة الميتة، كما قال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } (الأنعام:95)
بل ورد في آية أخرى تفاصيل دقيقة عن أكثر المراحل التي يمر بها النبات، فقال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأنعام:99)
إن هذه الآية الكريمة ـ إلى جانب كونها من دلائل عظمته سبحانه وتعالى ـ تتضمن إعجازاً قرآنياً، فهي منهج متكامل الكلية للنبات والزراعة، ويظل المرء يتعلم منها طوال الحياة ثم يموت ولا يصل إلى سر هذه الآية وحدها، فهي تشرح المراحل المختلفة في حياة المملكة النباتية، فعند نزول الماء على الأرض يحدث فيها العديد من التغيرات الفيزيقية والكيماوية مما يؤدي إلى إنبات الجراثيم والبذور والدرنات والسيقان الأرضية كله، وهو ما أشار إليه قوله تعالى:{ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} أي كل ما ينبت وما هو منتسب إلى النبات سواء كان بذوراً، أو جراثيم أو حويصلات، وأية تراكيب أخرى تنتظر نزول الماء.
وكل هذا يحدث في الحال، وبالتتابع دون أن يظهر اللون الأخضر سواء كان النبات متميزاً باليخضور أو بدونه { نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ }، وبدون الحاجة إلى عملية البناء الضوئي، لأن معظم هذه التراكيب والعضيات بها مخزون من الغذاء يغنيها عن التمثيل الضوئي لدرجة أن البذور يمكن أن تنبت مدة طويلة بعيداً عن الضوء وفي غياب اللون الأخضر، ولكن لا إنبات بدون ماء حتى ولو توفرت جميع الشروط اللازمة للإنبات (الحرارية ـ الأكسوجين ـ الحيوية ـ نضج البذور ـ تمضية فترة سكون ـ توافر الغذاء ـ وجود العائل)
فكل شيء ينبت بعد المطر من البكتريا ـ الفطريات والطحالب ـ والنباتات الزهرية حتى الجراثيم وحويصلات بعض الديدان والحيوانات.
بعد ذلك تأتي مرحلة أخرى للنبات وصفها الله تعالى بقوله:{ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً}(الأنعام: 99) وفي هذا نص على أعجب عملية في الكون، وهي عملية البناء الضوئي التي لولاها ما كانت على الأرض حياة، فلولا النبات وخضرته لملأ ثاني أكسيد الكربون الجو، واختلت نسبة الأوكسجين في الكون، واختفت الحياة تماماً من على الأرض.
عالم النبات: أجل فباليخضور (الكلوروفيل) ـ وهي المادة الخضراء في النباتات ـ يقوم النبات بتحويل الضوء إلى طاقة كيماوية مخزنة داخل النبات.
وهذه العلمية تبدوا بسيطة ظاهرياً، ولكنها شديدة التعقيد فعندما تشرق الشمس على الأوراق الخضراء يحول النبات ثاني أوكسيد الكربون والماء إلى سكر وكربوهيدرات مكافئ وأكسيجين خالص.
وقد كان التمثيل الضوئي محلاً لدراسات مستفيضة استمرت قرناً من الزمان تقريباً، وبالرغم من ذلك فإن تفاصيل العمليات الكيماوية التي يشتمل عليها لم تتضح إلا مؤخراً.
علي: وبعد تكوين الخضر تبدأ مرحلة النمو الخضري للنبات بتكون حاملات الأصباغ والبلاستيدات الخضراء، وهذا الاخضرار يترتب عليه عملية التمثيل الضوئي، فيأخذ النبات الماء وثاني أكسيد الكربون والطاقة الضوئية ليعطي نباتا كاملاً (الطور الخضري) الذي يبدأ في تكشف براعم الأزهار وتكوين هرمون الإزهار وخروج النورات التي تعطي الحبوب المتراكبة.
والعلماء عند التصنيف الزهري لا يستطيعون الحكم على نبات زهري جديد (نوعه ـ جنسه ـ اسمه) إلا إذا مر بمراحل الإنبات والاخضرار والإزهار والإثمار.
وقد أشار قوله تعالى:{ منه خضراً } إلى أن بعض النباتات بدون يخضور والبعض ينشأ فيها اليخضور بعد ذلك.
سكت قليلا، ثم قال: وفوق هذا كله، فقد أشار القرآن الكريم إلى أن اليخضور هو الذي يختزن طاقة الشمس، فقال تعالى:{الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} (يّـس:80)
عالم النبات: هذا مستغرب.. فذكر القرآن هذا بهذا اللفظ سبق علمي عظيم.. فالنظر العامي البسيط يعلم أن الشجر الأخضر غير قابل للاحتراق، وإنما الذي يتمّ حرقه هو الشجر اليابس، فكيف أمكن للقرآن أن يتجاوز هذا الواقع المرئي، بأن أخبرنا بأن الشجر الأخضر هو الذي يحترق ليكون نـاراً؟
إن هناك حقيقتان علميتان في هذه الآية سبق القرآن في تسجيلهما أصحاب العلوم والاكتشافات، وهما حقيقة كيماوية وأخرى جيولوجية:
أما الحقيقة الكيماوية، فهي أن النباتات الخضراء تستطيع أن تقتنص أو تمتص أشعة الشمس، وتستغلها في أهم عملية بناء في الحياة، وتتقدم هذه النباتات الخضراء في العمر، وتقتنص المزيد من أشعة الشمس، وتختزنه في أجسامها إلى هيئة طاقة مصنعة ومحفوظة في صور شتى أو تتراصّ بجوار بعضها في جـذع الشجرة وفروعها فتكون طبقات خشبية تتراكم فوق بعضها البعض، حتى إذا ما احتاج الإنسان إليها في الطهي أو الصناعة أو غير ذلك من الاستعمالات المختلفة أشعل بعض هذه الأفرع من النباتات أو الأشجار الخضراء، فتنطلق الطاقة الكامنة أو المختزنة التي اقتنصتها النباتات الخضراء، واختزنتها لحين الحاجة إليها.
أما الحقيقة الجيولوجية، فيشير إليها قوله:{ فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} فهذه الكلمة تعطينا إعجازاً قرآنياً آخراً في علم الجيولوجيا، وهو أن أصل الوقود هو النبات، أو الحيوانات التي تتغذى من ضمن تغذيتها على النبات، وبعوامل الطبيعة طُمرت في طوايا التراب.
***
ما وصل صاحبي عالم النبات من حديثه إلى هذا الموضع حتى أذن آذان المغرب، فاستأذننا علي، وقال: ائذنوا لي.. إن ربي يدعوني للاتصال به.. ولا بد أن أذهب لأشكر فضله، وأستزيد كرمه، وأسجد له كما سجد له كل شيء.
لقد قال القرآن الكريم معبرا عن سجود الشجر والنبات:{ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} (الرحمن:6)
انتفض عالم النبات، وقال: أيسجد النبات؟
علي: كل من عرف الله سجد له.. وللنبات من المعرفة بالله ما يجعله يسجد بكل كيانه لله.
عالم النبات: وهل للنبات من العقل ما يعي به؟
علي: عندنا.. وفي قرآننا.. ما خلق الله شيئا إلا خلق له من الوعي ما يعرفه به.. الله لا يخلق الجماد.. إن الله تعالى يذكر تسبيح كل شيء لله، فيقول:{ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} (الاسراء:44)
عالم النبات: إن قرآنكم يحوي حقائق جليلة تشتاق لها القلوب.
أخرج علي مصحفا من جيبه.. كان أخضر كلون النبات.. مزخرفا بزخارف في جمال الورود.. تفوح منه روائح العطور، وقال: خذ هذا المصحف هدية لك من ربك.. اقرأه بقلبك وروحك وكل كيانك.. وسترى فيه من الحقائق ما لم يكن يخطر لك على بال.
أخذ عالم النبات المصحف، وقال: هذا أكبر تكريم كرمت به في حياتي.. وأعدك أن أقرأه للزهور والزروع والأشجار.. ولكل نبات ذكره القرآن.
علي: واقرأه لقلبك لتحوله ربيعا دونه كل ربيع.
أحسست
بأنوار عظيمة بدأت تنزل على صاحبي عالم النبات.. وبمثله شعرت بأن بصيصا من النور
قد نزل علي.. اهتديت به بعد ذلك إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
([1])انظر بحثا في هذا بعنوان: محاولة لصياغة الأشكال التطبيقية لنظام زراعي خاص بالبيئة الصحراوية يستمد قواعده الأساسية من القرآن الكريم، بقلم: المهندس الزراعي محمد عبد الهادي الشيخ مهندس دولة في الزراعة الصحراوية، وهذا البحث قدم في مؤتمر الإعجاز العلمي الذي عقد في دبي في عام 2004م.
([2])انظر: مدخل لدراسة النظام الزراعي في القرآن والسنة ومظاهره الإعجازية.
([3])البخاري.
([4])رواه البخاري في الأدب المفرد، والإمام أحمد.
([5]) فذروه في سنبله – معجزة علمية، بقلم الدكتور نظمي خليل أبو العطا، أستاذ علم النبات في جامعة عين شمس سابقا، ومدير مركز ابن النفيس في البحرين للاستشارات الفنية، موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.