خامسا ـ البخل

خامسا ـ البخل

بعد أن انتهينا من الدراسة في القسم الرابع، وبعد أن رأيت تأثير التعاليم التي بثها الحليمي في نفوس السامعين، سرت مع أهل السوق إلى القسم الخامس، وكان اسمه (قسم البخل)، وقد عرفنا أن شيخه هو أديب الأدباء عمرو بن بحر الجاحظ([1]).

وعلى خلاف ما كنا نتوقع، فقد استقبلنا في هذا القسم بطعام لم نذق مثله في حياتنا، وكان المشرف على الإطعام هو الجاحظ نفسه، وقد سأله بعضنا حينها متهكما: لقد كان سميك مشهورا بالبخل، وقد كتب عن البخلاء كتابه المعروف.

قال الجاحظ: لا.. لقد أساء الناس فهم كتابه، فهو أولى باسم (المقتصدين) منه باسم (البخلاء)، ذلك أنه وضع فيه آداب تدبير المعيشة، وذلك ليس من البخل في شيء..

نعم لقد خلط فيه بعض نكات البخلاء، وهو من السلوى التي تعود العلماء أن يزينوا بها كتبهم ليرغبوا القارئين في قراءتها.

قال رجل منا: وما الفرق بين التدبير والبخل.. أليسا شيئا واحدا؟

قال الجاحظ([2]): لا.. شتان بينهما.. نعم قد يتفقان في بعض الصور والمظاهر، ولكنهما يختلفان اختلافا شديدا من حيث الحقيقة، فكما أن التواضع – الذي هو من الأخلاق المحمودة – يخالف معنىً التذللَ الذي هو من الأخلاق الـمذمومة مع أنه يشابهه صورة، وكما أن الوقار الذي هو من الخصال الحميدة يـخالف معنىً التكبّر الذي هو من الأخلاق السيئة مع أنه يشابهه صورة.. فكذا الـحال في الاقتصاد الذي هو من الأخلاق النبوية السامية، بل هو من المحاور التي يدور عليها نظام الحكمة الإلهية المهيمن على الكون، لا علاقة له أبداً بالخسة التي هي مزيج من السفاهة والبخل والجشع والحرص.. بل ليست هناك من رابطة بينهما قطعاً، إلاّ ذلك التشابه الظاهري.

قال الرجل: فما دمت تعتقد هذا الاعتقاد، فكيف أكرمتنا بهذا الكرم.. فقد علمنا أنك أنت الذي أنفقت عليه.

قال الجاحظ: بل الله هو الذي أنفق عليكم، وما أنا إلا واسطة..

قال الرجل: أليس ما فعلته أسرافا؟

قال الجاحظ: ألا تعرف ما قدم إبراهيم u لأضيافه؟

قال الرجل: بلى.. لقد ذكر الله ذلك، فقال :{ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26)} (الذاريات)

قال الجاحظ: ما دمت قد ذكرت ذلك، فما صنعت أنا بجنب ما صنع الخليل؟

قلنا: فحدثنا عن سر اختيارك لهذا القسم لتدرس فيه دون سائر الأقسام.

قال الجاحظ: لقد هداني إلى ذلك أولا واقع عشته، ثم سنن تأملتها، رأيت للبخل فيها أثره الخطير في هدم النفس وهدم المجتمعات بل هدم الأمم.

وقد قصدت النصوص المقدسة لأتأكد من مدى صحة اكتشافي، فوجدتها تقرر هذه الحقيقة، بل تضع لها من الأهمية فوق ما اكتشفته.

لقد قال صلى الله عليه وآله وسلم يذكر مدى تأثير البخل في تفكك المجتمعات: (اتّقوا الظّلم؛ فإنّ الظّلم ظلمات يوم القيامة، واتّقوا الشّحّ، فإنّ الشّحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلّوا محارمهم)([3]

وقال يبين العلاقة بين البخل وسفك الدماء: (يتقارب الزّمان، وينقص العلم، ويلقى الشّحّ، ويكثر الهرج) قالوا: وما الهرج؟ قال: (القتل القتل)([4])

بل رأيت أن البخيل قد يصل به بخله إلى أن يبخل بأيسر الأشياء على لسانه كالسلام، وكالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ أعجز النّاس من عجز عن الدّعاء، وأبخل النّاس من بخل بالسّلام)([5]

وروي أنّ رجلا أتى النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إنّ لفلان في حائطي عذقا([6])، وإنّه قد آذاني وشقّ عليّ مكان عذقه فأرسل إليه النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (بعني عذقك الّذي في حائط فلان) قال: لا، قال: (فهبه لي) قال: لا. قال: (فبعنيه بعذق في الجنّة) قال: لا. فقال النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (ما رأيت الّذي هو أبخل منك إلّا الّذي يبخل بالسّلام)([7]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (البخيل من ذكرت عنده ثمّ لم يصلّ عليّ)([8]

ولذلك، فقد ورد الوعيد الشديد للبخلاء ينذرهم المغبة التي يوقعهم فيها بخلهم:

ففي القرآن الكريم وجدت هذه الآيات التي تخاطب البخلاء لتملأ قلوبهم رعبا، قال تعالى:{ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)} (آل عمران)، وقال:{ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (38) وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39)} (النساء)، وقال:{ وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78)} (التوبة)، وقال:{ إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (36) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (37) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (38)} (محمد)، وقال:{ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)} (الحديد)، وقال:{ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (1) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (2) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (10)} (الليل)

وفي كتب الحديث وجدت الأحاديث الكثيرة التي تؤكد وتفصل ما ورد في القرآن الكريم من أنواع العذاب التي تلحق البخلاء، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لمّا خلق اللّه جنّة عدن خلق فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثمّ قال لها: تكلّمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، قال: وعزّتي لا يجاورني فيك بخيل)([9]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله فضلا أعطاه اللّه إيّاه فيبخل عليه إلّا أخرج اللّه له يوم القيامة من جهنّم حيّة يقال لها: شجاع، فيطوّق بها)([10]

وقال: (ما من رجل له مال لا يؤدّي حقّ ماله إلّا جعل له طوقا في عنقه شجاع أقرع وهو يفرّ منه وهو يتبعه، ثمّ قرأ مصداقه من كتاب اللّه- عزّ وجلّ- :{ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ (180)} (آل عمران)([11]

وقال: (مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبّتان من حديد من ثديّهما إلى تراقيهما([12])؛ فأمّا المنفق فلا ينفق إلّا سبغت، أو وفرت على جلده حتّى تخفي بنانه وتعفو أثره. وأمّا البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلّا لزقت كلّ حلقة مكانها، فهو يوسّعها ولا تتّسع)([13]

وقال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلّا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللّهمّ أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللّهمّ أعط ممسكا تلفا)([14]

وقال: (ما نقض قوم العهد قطّ إلّا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم قطّ الّا سلّط اللّه- عزّ وجلّ- عليهم الموت، ولا منع قوم الزّكاة إلّا حبس اللّه عنهم القطر)([15])

وقال: (لا يجتمع غبار في سبيل اللّه ودخان جهنّم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الشّحّ والإيمان في قلب عبد أبدا)([16])

قال رجل منا: وعينا هذا.. ولكن ما حد البخل.. فقد اختلط علينا الأمر، فقد يصدر فعل من إنسان فيختلف فيه الناس فيقول قوم: هذا بخل، ويقول آخرون: ليس هذا من البخل، ثم إنه ما من إنسان إلا ويجد من نفسه حباً للمال ولأجله يحفظ المال ويمسكه، فإن كان يصير بإمساك المال بخيلاً فإذا لا ينفك أحد عن البخل. وإذا كان الإمساك مطلقاً لا يوجب البخل، ولا معنى للبخل إلا الإمساك فما البخل الذي يوجب الهلاك؟ وما حد السخاء الذي يستحق به البعد صفة السخاوة وثوابها([17]

قال الجاحظ: لقد خلق الله المال لحكمة هي صلاحه لحاجات الخلق، ويمكن إمساكه عن الصرف إلى ما خلق للصرف إليه، ويمكن بذله بالصرف إلى ما لا يحسن الصرف إليه، ويمكن التصرف فيه بالعدل، وهو أن يحفظ حيث يجب الحفظ، ويبذل حيث يجب البذل.

فالإمساك حيث يجب البذل بخل، والبذل حيث يجب الإمساك تبذير، وبينهما وسط وهو المحمود وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه؛ إذ لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بالسخاء، فقد قال الله تعالى له :{ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)} (الإسراء)، وقال :{ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)} (الفرقان)، فالجود وسط بين الإسراف والإقتار وبين البسط والقبض، وهو أن يقدر بذله وإمساكه بقدر الواجب، ولا يكفي أن يفعل ذلك بجوارحه ما لم يكن قلبه طيباً به غير منازع له فيه. فإن بذل في محل وجوب البذل ونفسه تنازعه وهو يصابرها فهو متسخ وليس بسخي، بل ينبغي أن لا يكون لقلبه علاقة مع المال إلا من حيث يراد المال له وهو صرفه إلى ما يجب صرفه إليه.

قال الرجل: فقد آل الأمر إلى أن الجود الذي هو نقيض البخل مرتبط بمعرفة الواجب.. فما الذي يجب بذله؟

قال الجاحظ: إن الواجب قسمان: واجب بالشرع، وواجب بالمروءة والعادة([18]).. والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة، فإن منع واحداً منهما فهو بخيل، ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل كالذي يمنع أداء الزكاة ويمنع عياله وأهله النفقة، أو يؤديها ولكنه يشق عليه، فإنه بخيل بالطبع، وإنما يتسخى بالتكلف، أو الذي يتيمم الخبيث من ماله ولا يطيب قلبه أن يعطي من أطيب ماله، أو من وسطه، فهذا كله بخل.

وأما واجب المروءة فهو ترك المضايقة والاستقصاء، فإن ذلك مستقبح، واستقباح ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فمن كثر ماله استقبح منه مالا يستقبح مع غيره.

قال الرجل: عرفنا أن البخيل هو الذي يمنع حيث ينبغي أن لا يمنع إما بحكم الشرع وإما بحكم المروءة.. ولكن ذلك يحتاج إلى تحديد.. فهل ورد ما يدل على التحديد في هذا؟

قال الجاحظ: إن كنتم من أرباب الإشارة، فسأقص عليكم قصة توضح لكم هذا، فأراب

قد روي عن بعض المتعبدات أنها وقفت على حيان بن هلال وهو جالس مع أصحابه فقالت: هل فيكم من أسأله عن مسألة؟ فقالوا لها: سلي عما شئت – وأشاروا إلى حيان بن هلال – فقالت: ما السخاء عندكم؟ قالوا: العطاء والبذل والإيثار، قالت: هذا السخاء في الدنيا فما السخاء في الدين؟ قالوا: أن نعبد الله سبحانه سخية بها أنفسنا غير مكرهة، قالت: فتريدون على ذلك أجراً؟ قالوا: نعم، قالت ولم؟ قالوا لأن الله تعالى وعدنا بالحسنة عشر أمثاله، قالت: سبحان الله! فإذا أعطيتم واحدة وأخذتم عشرة فبأي شيء تسخيتم عليه؟ قالوا لها: فما السخاء عندك يرحمك الله؟ قالت: السخاء عندي أن تعبدوا الله متنعمين متلذذين بطاعته غير كارهين ولا تريدون على ذلك أجراً حتى يكون مولاكم يفعل بكم ما يشاء! ألا تستحيون من الله أن يطلع على قلوبكم فيعلم منها أنكم تريدون شيئاً بشيء؟ إن هذا في الدنيا لقبيح!

وقالت بعض المتعبدات: أتحسبون أن السخاء في الدرهم والدينار فقط؟ قيل: ففيم؟ قالت: السخاء عندي في المهج.

وقال المحاسبي: السخاء في الدين أن تسخو بنفسك تتلفها لله عز وجل ويسخو قلبك ببذل مهجبتك وإهراق دمك لله تعالى بسماحة من غير إكراه، ولا تريد بذلك ثواباً عاجلاً ولا آجلاً، وإن كنت غير مستغن عن الثواب ولكن يغلب على ظنك حسن كمال السخاء بترك الاختيار على الله، حتى يكون مولاك هو الذي يفعل لك ما لا تحسن أن تختار لنفسك.

قال رجل منا: وعينا هذا.. فحدثنا عن الجذور التي ينبت منها البخل عسى الله أن يوفقنا لاستئصالها.

قال: الجذر الأكبر للبخل هو حب المال.. وقد ذكر الله تعالى أن الإنسان عندما يتخلى عن حقيقته يصير عاشقا للمال، قال تعالى :{ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)} (الفجر)

قلنا: فكيف يستأصل حب المال من القلب؟

قال: بما أن المال هو الوسيلة التي تقضى بها الحوائج والضرورات، فمن المحال استئصال حبه من القلب استئصالا كليا، لأنه لا يمكن الاستغناء عن الحاجات والضرورات، ولهذا أخبر القرآن عن فطرية بخل الإنسان، قال تعالى :{.. وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ.. (128)} (النساء)

قلنا: فقد آل الأمر إلى توجيه هذا الحب، وتحصينه من أوزار البخل؟

قال: أجل..

قلنا: فكيف يكون ذلك؟

قال: لذلك وسائل كثيرة.. منها كثرة التأمل في الأخبار الواردة في ذم البخل ومدح السخاء وما توعد الله به على البخل من العقاب العظيم.

قال رجل منا: لقد ذكرت لنا من ذلك ما ملأتنا به رهبة.. فهل من علاج غيره؟

قال: كثرة التأمل في أحوال البخلاء ونفرة الطبع عنهم واستقباحهم له، فإنه ما من بخيل إلا ويستقبح البخل من غيره، ويستثقل كل بخيل من أصحابه، فيعلم أنه مستثقل ومستقذر في قلوب الناس مثل سائر البخلاء في قلبه.

قال آخر: وعينا هذا.. فهل من علاج غيره؟

قال: يتفكر البخيل في مقاصد المال، ولماذا خلق..

قال آخر: وعينا هذا.. فهل من علاج غيره؟

قال: يجاهد نفسه على بذل المال ما أطاق.. وعليه إن أجابت نفسه لبذل المال أن يجيب الخاطر الأول ولا يتوقف، فإن الشيطان يعده الفقر ويخوفه ويصده عنه.

وقد روي في هذا أن أبا الحسن البوشنجي كان ذات يوم في الخلاء فدعا تلميذاً له وقال: انزع عني القميص وادفعه إلى فلان، فقال: هلا صبرت حتى تخرج؟ قال: لم آمن على نفسي أن تتغير، وكان قدر لي بذله!

قال الرجل: أليس هذا تكلفا.. وقد ذكرت أن الكريم هو الذي يتكرم عن طيب نفس؟

قال: في العلاج لا بد من التكلف.. فلا تزول صفة البخل إلا بالبذل تكلفاً كما لا يزول العشق إلا بمفارقة المعشوق بالسفر عن مستقره؛ حتى إذا سافر وفارق تكلفاً وصبر عنه مدة تسلى عنه قلبه، فكذلك الذي يريد علاج البخل ينبغي أن يفارق المال تكلفاً بأن يبذله، بل لو رماه في الماء كان أولى به من إمساكه إياه مع الحب له.

ومن لطائف الحيل التي ذكرها علماؤنا في ذلك أن يخدع نفسه بحسن الاسم والاشتهار بالسخاء، فيبذل على قصد الرياء حتى تسمح نفسه بالبذل طمعاً في حشمة الجود، فيكون قد أزال عن نفسه خبث البخل واكتسب بها خبث الرياء، ولكن ينعطف بعد ذلك على الرياء ويزيله بعلاجه، ويكون طلب الاسم كالتسلية للنفس عند فطامها عن المال، كما يسلي الصبي عند الفطام عن الثدي باللعب بالعصافير وغيرها لا ليخلى واللعب، ولكن لينفك عن الثدي إليه، ثم ينقل عنه إلى غيره.

فكذلك هذه الصفات الخبيثة يسلط بعضها على بعض كما تسلط الشهوة على الغضب وتكسر سورته بها، ويسلط الغضب على الشهوة وتكسر رعونتها به.

بالإضافة إلى هذا ينبغي منع القوت عن هذه الصفات الخبيثة.. ومنع القوت عنها أن لا يعمل بمقتضاها، فإنها تقتضي لا محالة أعمالاً، وإذا خولفت خمدت الصفات وماتت.. فالبخل – مثلا- يقتضي إمساك المال، فإذا منع مقتضاه وبذل المال مع الجهد مرة بعد أخرى ماتت صفة البخل وصار البذل طبعاً وسقط التعب فيه.

***

بقينا مع الجاحظ أياما معدودات يحدثنا فيها عن مرض (البخل)، ويستعمل في التنفير عنه كل ما آتاه الله من العلم والحكمة.. وبعد أن رأى أن المحيطين به قد فقهوا عنه ما أراد أن يبلغهم إياهم ويدربهم عليه، طلب منهم أن يسيروا للقسم السادس.


([1]) أشير به إلى عثمان عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ (150هـ – 255هـ) أشهر أدباء القرنين الثاني والثالث الهجريين وأوسعهم ثقافة. وقد جمع بين العلم والأدب، فكان ملمًا بجميع معارف عصره من لغة وشعر وأخبار وعلم كلام وتفسير وطبيعة، وقد كان كاتبًا متكلمًا معتزليًا، بل كان رأس طائفة من المعتزلة عرفت بالجاحظية نسبة إليه.. وقد اخترناه هنا لأجل كتابه الشهير (البخلاء)، وهو كتاب صوّر فيه البخلاء وتصوراتهم وماتنطوي عليه من سخرية لاذعةٍ بسلوكهم. واتخذ من القصص وصناعة الأخبار وسيلة في هذا الكتاب، متهكما بالبخلاء وبفلسفاتهم. ووفر لهذه القصص معالم توهم بواقعيتها ممثلاً في أشكال الإسناد وتحديد أسماء لشخصيات واقعية، وأسماء مدن وقرى وطوائف كانت معروفة في عصره، بالإضافة إلى استعمال اللغة المحكية في حوار شخصياته. (انظر: الموسوعة العربية العالمية)

([2]) نقلنا المعاني الواردة هنا في الفرق بين الاقتصاد والخسة من اللمعة التاسعة عشر من كليات رسائل النور للنورسي.

([3]) رواه مسلم.

([4]) رواه البخاري ومسلم.

([5]) رواه الطبراني في الدعاء، ورواه أبو يعلى موقوفا ورجاله رجال الصحيح.

([6]) العذق: العرجون بما فيه من شماريخ الرطب، والعرجون: العود الأصفر الذي يحمل الشماريخ، والحائط: البستان.

([7]) رواه أحمد والبزار.

([8]) رواه أحمد والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

([9]) رواه الطبراني في الكبير، والأوسط بإسنادين أحدهما جيد ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة.

([10]) رواه الطبراني في الأوسط والكبير وإسناده جيد.

([11]) رواه النسائي وابن ماجة.

([12]) تراقيهما: جمع ترقوة- بفتح التاء- والترقوتان: العظمان المشرفان بين ثغرة النحر والعاتق.

([13]) رواه البخاري ومسلم.

([14]) رواه البخاري ومسلم.

([15]) رواه البيهقي والحاكم واللفظ له، وقال: صحيح على شرط مسلم.

([16]) رواه النسائي.

([17]) هذه المسألة والجواب عليها نقلناه بتصرف من الإحياء.

([18]) تحدثنا بتفصيل عن هذا النوع من الواجبات في رسالة (عدالة للعالمين).

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *