ثانيا ـ مزارع الشفاء

ثانيا ـ مزارع الشفاء

خرجت من مطاعم الشفاء، وقد امتلأت قناعة بأن الله تعالى وضع في الأغذية الكثيرة المتنوعة كل ما يصلح بدن الإنسان، ويرمم عطبه، ويحوله إلى أداة صالحة يستأنف بها صاحبها مسيرته على الأرض.

وفوق ذلك أدركت أن المعدة بيت الداء، ومعدن البلاء.. فلذلك لا ينجو من الشرور التي تحيق بها إلا من جعل هواه فيما يدخل إليها هو هواه فيما يصلحه ويعافيه ويخدمه.. لا فيما يكتفي بخداع ذوقه، أو التغرير بأنفه، أو العبث بما تراه عيناه.

كنت سائرا وحدي فيما أرى.. لست أدري كم سرت.. فجأة وجدت نفسي قد دخلت مزرعة مملوءة بكل ما خلق الله من أصناف الأعشاب.. والروائح المختلفة تبوح بما تحتويه هذه المزرعة العظيمة من أصناف النباتات.

لم يكن أمامي المعلم لأسأله عن سر هذه المزرعة، فبقيت سائرا مملوءا بالدهشة لجمالها.. وبينما أنا كذلك إذ رأيت رجلا يحمل فأسا ورفشا وكيسا صغير، فاستوقفته، فوقف لي، وحييته، فرد التحية بأحسن منها، فأحسست بببعض الأنس، فقلت: لقد كنت في مدائن السلام.. ولست أدري كيف خرجت حتى وجدت نفسي في مزرعتك، فأرجو أن تدلني على طريق العودة إليها.

قال: أأنت مريض تطلب العلاج؟

قلت: لا ـ بحمد الله ومنته ـ ولكن لي معلما جاء بي إليه، ليريني من تفاصيله ما لم أر.. وليعلمني من علومه ما لم أعلم.

قال: المعلمون كثيرون.. فأيهم معلمك؟

غضبت، وقلت: ما أكثر فضولك يا رجل.. سألتك أن تدلني على مدائن السلام.. فإذا بك تتحرى معي كما تتحرى الشرطة مع المجرمين.

قال: لا.. أنت فهمتني خطأ.. أنا أسأل عن حاجتك لأقضيها على كمالها.. ولا يمكنني أن أفعل ذلك ما لم أعرف التفاصيل التي تدلني على طريق خدمتك.

 قلت: اعذرني.. فقد استفزني الغضب.. فلا زالت جذور الصراع التي نبتت بين قومي تمدني كل حين بمادتها.

قال: لا بأس عليك.. فأهل السلام لا يثيرهم أهل الصراع.

قلت: أأنت من أهل السلام؟

قال: أجل.. بحمد الله ومنته.. فقد تخرجت من جامعتها.

قلت: تخرجت من جامعتها.. ثم تحمل هذا الفأس.. لم لم تصر مديرا أو وزيرا في مدائنها!؟

قال: ألم يخبرك معلمك بأن مدائن السلام لا يتمنى أهلها ما تتمنون من المناصب؟

قلت: ألم تتمن من المناصب إلا أن تصير فلاحا تحمل الفأس والرفش.. ما أدنى همتك!؟

قال: ليس في هذا علو همة أو دنو همة.. فالهمة محلها القلب لا الجوارح.. فالقلب الساكن إليه الراضي به المتطلع لما في يده لا يهمه أن تشتغل جوارحه بالفأس أو بغيره.

قلت: فلم اخترت الفأس على غيره؟

قال: لقد رأى الله في الحب لما تمتلئ به الأرض من أصناف الأعشاب والنباتات.. ورأى في بجانب ذلك حنانا ورحمة فائضتين على الخلائق المتألمين.. فدلني برحمته وفضله على البحث في الأرض عن أسرار الشفاء.

قلت: أأنت تعمل بهذه المدائن إذن؟

قال: أجل.. وقد اختارني أهلها لإدارة مزارع الشفاء.

قلت: أهذه مزراع الشفاء.. وأنت مديرها!؟

قال: بل أجيرها.. فالمدير في مدائن السلام أجير قد كلف بوظيفة التسيير.. لا المدير الذي تعرفونه في مدائن الصراع!؟

قلت: ولكن كيف تحمل هذه الفأس؟

قال: ألم أقل لك: إني أجير.. ووظيفتي تستدعي هذه الفأس؟

قلت: فما تعمل بها؟

قال: أرعى النباتات، وأوصل لها ما كتب الله لها من رزق، لأقطف منها بعد ذلك ترياق الشفاء.

قلت: أي النباتات تعتمدون في علاجكم للمرضى في هذا القسم؟

قال: نحن نعتمد نباتات كثيرة.. كثيرة جدا، منها ما تعرفه، ويعرفه قومك، وأكثرها لا تعرفه، ولا يعرفه قومك.

قلت: فكيف اهتديتم إليها؟

قال: ذلك شأن آخر.

فجأة سكت، وطلب مني السكوت.. وإذا به ينظر إلى السماء، ويتمتم بكلمات لم أفهمها.

ظننت الرجل مخبولا.. لكني صبرت حتى انتهى من تمتمته، وقلت: أهذه الحالة التي تأتيك قديمة أم جديدة؟.. ولم لم تلتمس علاجها؟

قال: أي حالة؟

قلت: ما رأيتك تفعله الآن من نظرك إلى السماء وتمتمتك.

قال: لقد جاءتني مكالمة عنك..

قلت: أما رأيته هو مكالمة.. لم أرك تخرج جوالك.. أم أنك تخبئه في سترتك!؟

قال: لا.. لقد اخترع علماء السلام أجهزة محادثات خاصة تعتمد على ما في الإنسان من طاقات الاستماع، وهي لا تحتاج إلى وسائط خارجية.

قلت: ونظرك إلى السماء.. أهناك أقمار صناعية خاصة بكم؟

قال: يمكنك تسميتها كذلك.. ولكنها أنواع من الأجهزة لم تسمعوا بها، ولا يمكنني أن أشرحها لك.

قلت: لقد زعمت بأن المكالمة التي وردت إليك تخبرك عني، فممن، وما قالوا؟

قال: هي من حاكم هذه المدائن.. وهو يطلب مني أن أرشدك في أقسام هذه المزراع.

قلت: أيعرفني حاكمكم؟

قال: نحن إخوان في الله لا يجهل بعضنا بعضا.

قلت: ولكنكم كثير.. فكيف يعرف بعضكم بعضا؟

قال: ألم يخبر صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يعرف أمته من آثار الوضوء؟

قلت: فكيف يعرف بعضكم بعضا؟

قال: من آثار السلام.. فللسلام من السكينة والوقار ما يوحي للمتفرسين بالمسالمين والمصارعين.

قلت: فحدثني عن أقسام هذه المزراع.

قال: لا.. سأنزل بك عليها واحدة واحدة.

قلت: قبل ذلك عرفني بها.. حتى أعلم بداية مسيرتي ونهايتها.

قال: هي أربعة أقسام.

قلت: أعلم أنها أربعة.. فما هي؟

قال: أما الأولى.. فهو حقل للتجارب، نقوم فيه بتجريب العلاج بالنباتات المختلفة.

قلت: والثاني؟

قال: هو صيدلية أعشاب نمونها من حقل التجارب لنعطي منها كل مريض ما يحتاجه.

قلت: والثالث؟

قال: هو ليس قسما كالأقسام التي تعرفون.. ولكنه مزرعة يتجول فيها المرضى مع الأطباء ليعطوهم من الأعشاب ما يتناسب مع أمراضهم.

قلت: والرابع؟

قال: نحن نسميه (دستور الأطباء).. ونتناول فيه البحث والدراسة والمناقشة فيما يحتاجه العلاج من قوانين تحفظ الصحة، وتحمي من الدجل.

قلت: فهل سنزور هذه الأقسام جميعا؟

قال: لا مناص لنا من زيارتها.. فقد طلب مني أن أفعل ذلك.

حقل تجارب

سرت مع مدير هذا القسم إلى ما يطلقون عليه (حقل التجارب)، وقد كتب في مدخله قوله تعالى: { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا } (العنكبوت:20)

فقلت: أنحن نسير إلى الحقل.. أم سنسير في الأرض؟

قال: بل إلى الحقل.

قلت: فلم وضعتهم هذه الآية هنا؟

قال: لقد أحضرنا جميع الأرض هنا.. فلذلك إن سرنا في هذا الحقل نكون قد سرنا في الأرض جميعا.

قلت: كيف تحضرون جميع الأرض هنا.. ألا تعلم أن الكل أكبر من الجزء؟.. فكيف تزعم أن الجزء يحتوي على الكل؟

قال: هذا حقل تجارب على الأثر الطبي للنباتات المختلفة.. وهو يستدعي التعرف على جميع النباتات.. فلذلك استنبتنا كل ما نعرفه من نباتات الأرض في هذ الحقل.. لنجري عليه تجاربنا.

قلت: أتعرف ما تقول يا رجل.. إن نباتات الأرض أكثر من أن تحصروها في هذا الحقل!؟

قال: ولكن لله هدانا بمنه وكرمه إلى أساليب نجمع فيها كل نباتات الأرض من غير أن نحتاج إلى جميع الأرض.

قلت: تقصد البركة التي تحول القليل كثيرا.

قال: البركة عنصر من عناصرها.

قلت: وباقي العناصر.

قال: ذلك علم لم يؤذن لي في كشفه.

قلت: بقيت مشكلة أخرى.

قال: ما هي؟

قلت: نباتات الأرض تتوزع بحسب الأقاليم والتضاريس والمناخ، فبعضها يؤثر الصحاري.. وبعضها يؤثر الصقيع.. وبعضها لا يعيش إلا في المناطق الاستوائية.. وبعضها..

قال: لقد حسبنا حسابا لكل ذلك..ألم أقل لك بأن الأرض جميعا اختصرناها في هذا الحقل.. الأرض جميعا بتضاريسها ومناخها وكل ما تراه فيها من تغيرات!؟

قلت: بأي تقنية فعلتم ذلك؟

قال: بتقنية نسميها (الجوامع)

قلت: لم أسمع بهذه التقنية من قبل.

قال: لا.. لقد سمعت بها.. فقد استخدمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: أين.. ومتى؟

قال: ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:(أعطيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه)([1])، وكان يقول في دعائه:(اللهم إني أسألك فواتح الخير وخواتمه وجوامعه)([2])

قلت: بلى.. وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(عليك بالكوامل الجوامع)([3])

قال: لقد انطلق علماء هذا المستشفى من هذه النصوص، فاختصروا أجواء الأرض جميعا في هذاالحقل.. فنبتتت فيه بفضل الله كل نباتات الأرض من غير استنبات.

قلت: لقد فعل قومي مثل هذا.. فوضعوا خارطة لتضاريس الأرض.

قال: هذا مثل ذلك.. ولكن بفارق بسيط.

قلت: ما هو؟

قال: أرضكم التي صنعتموها ميتة، وأرضنا حية.. فأرضكم لا تنبت، وأرضنا تنبت.

قلت: بالبركة.

قال: بالجوامع والبركة.. وتقنيات أخرى لم يؤذن لي في كشفها لك.

قلت: لا بأس.. سلمت لك بما تقول.. ولكن بقيت مشكلة أخرى.

قال: ما هي؟

قلت: ألا توجد هناك نباتات سامة؟

قال: أجل.. وهي كثيرة.. ولكنها سامة نافعة.

قلت: ما تعني؟

قال: إن كونها سامة يعني أن لها مفعولا قويا لا يتناسب مع أجهزة جسم الإنسان.

قلت: لم أسأل عن هذا.. ولكني سألت عن وصفك لها بالنفع.. أتراكم تستعلمونها في القتل؟

قال: نحن أهل السلام نفضنا أيدينا مما تسمونه قتلا.

قلت: فما تفعلون بها؟

قال: نحن نخلطها بنباتات أخرى، فينشأ من سم هذه، وترياق الأخرى ما يمدنا بما نحتاجه من داوء.

قلت: لم أفهم هذا؟

قال: ألا تعرف التلقيح؟

قلت: بلى..

قال: فما تفعلون فيه؟

قلت: نلقح الإنسان بالداء ليتعلم كيف يقاومه.

قال: فنحن نلقح بعض النباتات بالسموم لنستخرج الأمصال التي تقاوم بها السموم، فنستعملها علاجا.. وقد رأينا جدواها لعلل كثيرة.

قلت: فكيف تميزون النباتات السامة من غيرها؟.. ألديكم فئران تجارب؟

قال: لا.. نحن نستخدم حيوانات خاصة أعطاها الله من علم السموم ما تميز به السم عن الترياق.

قلت: سلمت لك فيما قلت.. ولكن المشكلة لم تحل بعد.

قال: ما هي المشكلة؟.. فلم أسمعك تذكرها.

قلت: كيف تعرفون تأثير النباتات العلاجي!؟.. فهذا ليس شيئا بسيطا.. خاصة مع عدم استخدامكم الفئران أو غيرها للتجارب.

قال: لقد أخبروك بعدم جدوى استعمال الفئران.. فلذلك نستعمل وسائل كثيرة بديلة.

قلت: المهم أن الإنسان ليس من بينها.

قال: قد يكون الإنسان من بينها.

قلت: ألا تعلمون تحريم إجراء التجارب على الإنسان؟

قال: بلى.. ولكنا لا نطعمه أي عشب حتى نتأكد من عدم خطورته عليه.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد صمم أهل هذا لمستشفى اختراعا يضاهون به أجهزة الإنسان ليروا مدى تأثير أنواع الأعشاب فيه.

قلت: كيف؟.. أهو إنسان آلي.

قال: لا.. ولكنه جهاز توضع فيه النبتة.. فيعطيك كل التفاصيل المرتبطة بها من عناصر ومركبات وقوى وين ويانغ وبركة وغيرها.. بالإضافة إلى الآثار السلبية التي قد تنجم عن استعمالها، وأنواع الاستعمالات التي قد تصلح لها.

قلت: فهذا جهاز متطور إذن!؟

قال: في إمكانكم صنعه لو تخلصتم من بارونات الكيميائيات التي تجثم على صدوركم.

قلت: لقد ذكرت العناصر والمركبات مع القوى والين.. وغيرها.. بأي أسلوب تتعاملون.. هل بالطب القديم أم بالحديث؟

قال: نحن لا نحتقر أي علم يأتينا.. فلذلك زودنا أجهزة بكل تلك المعارف لنستخلص الشفاء على مختلف مدارسه.

قلت: فأي جهة تعتمدون؟

قال: كل الجهات.. المهم عندنا أن ينهض المريض معافى.

قلت: فما المنطلق الذي تنطلقون منه؟

قال: من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(تداووا فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله)([4])

قلت: كل أهل هذه الديار سمعتمهم يرددون هذا الحديث.

قال: كل سمعه على ضوء اختصاصه.

قلت: فما يسمع منه هذا القسم؟

قال: لقد بشرنا صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لا ينزل داء إلا نزل معه الدواء.. وتعببيره بالنزول يدل على أن لكل داء نباته الخاص به.. والذي يقضي عليه.

قلت: ألا يمكن أن يدخل في هذا الادوية الكيميائية؟

قال: لا.. لأنها صنعت.. ولم تنزل.. ولفظ التنزيل ينافيها.

قلت: فأنتم تعادوناها إذن؟

قال: لا.. نحن لا نعاديها.. بل نتعاون معا.. ولكنا في نفس الوقت نبحث عن العلاج المنزل لنتقي أخطار العلاج المخترع.

قلت: ولكن..

قال: تقصد أن قومك اطلعوا على جميع النباتات، وبالتالي لا حاجة لمثل هذا الحقل.

قلت: لقد فهمت ما قصدت.. فمع كون النباتات كثيرة إلا أن قومي لم يقصروا في البحث عما تمتلئ به من ألوان الشفاء..

قال: لا.. النباتات أكثر بكثير.. وأنتم لم تعرفوا من العلاج بها إلا القليل.

 قلت: أراك لا تعرف قومي؟

قال: كيف لا أعرفهم.. وقد نبتت فيهم.

قلت: لديك أخبار قديمة عنهم.. إنهم يتطورون بين عشية وضحاها.

قال: لا.. إن أخبارهم تصلني الساعة تلو الساعة.. وقد كان آخر ما وصلني من أخبار أنهم في أمريكا والدول الأوربية قاموا ببعض المؤتمرات تتعلق بالعلاج بالأعشاب.. وقد خرجوا منها بتوصيات هامة.. ليتهم ينفذونها.

قلت: فما هي؟

قال: من أهم توصياتهم دعوة العلماء إلى البحث عن نباتات جديدة قد تكون مصدر للدواء.

قلت: فهل بدأوا بذلك؟

قال: أجل.. وهي بداية مشجعة نتمنى أن لا يقف في وجهها اللوبي الكيميائي.

قلت: فما فعلوا؟

قال: لقد تم اكتشاف نباتات جديدة لها فوائد طبية وأخرى اقتصادية لم تكن معروفة من قبل.

قلت: أهناك نباتات لم يكونوا يعرفونها؟

قال: أجل..

قلت: وكم يعرفون؟

قال: الكثير.. ولكنها معرفة سطحية.. وقد علمت أن هناك ما لا يقل عن 1800 معشبة منتشرة في الأمريكيتين وأوربا، تحتوي على ما يقرب من 175 مليون نبات، تمثل 25000 نوع، وعلى كل نموذج من هذه النباتات المجففة بيانات عن هذه النباتات من حيث اسمها العلمي وفصيلتها وجامعها وتاريخ جمعها ومكان انتشارها، كل ذلك بجانب معلومات عن قيمتها الطبية والاقتصادية إن وجدت.. ولكن كل ذلك يظل قليلا.. قليلا جدا بجانب ما أودع الله في الأرض من بركات الشفاء.

قلت: فهل وجد هؤلاء الباحثون ما قد يشجعهم على المضي في هذا السبيل؟

قال: أجل.. لقد قام فريق من العلماء الأمريكيين بالبحث عن نباتات تحتوي على عناصر فاعلة لها القدرة على القضاء على الخلايا السرطانية، وقد اتخذوا مركز أبحاثهم منطقة شرق إفريقيا، واستطاعوا الكشف عن ما يزيد على 1200 نوعا من النباتات التي تنمو في هذه المنطقة، ولها القدرة على القضاء على الخلايا السرطانية في حيوانات التجارب.. ومن أمثلة ذلك نبات الفنكا، فقد استخلص من أنواعه المختلفة عقاقير تعالج أدواء كثيرة.

قلت: فهل تنشرون ما تعرفونه من نتائج، أم تحتفظون بها لأنفسكم، ليبقى العلاج بها خاصا بهذا المستشفى.

قال: لا.. نحن لا نكتم العلم.. كما أنا لا نسلم العلم لمن لا يستحقه.. ألم تسمع مقولة المسيح u:(لا تعلقوا الدر على أعناق الخنازير)؟

قلت: بلى.. وقد نفعني الله بها.. ولكن ألا تخافون من أن يتسلم هذه الأدوية التي تعرفونها شركات الأدوية لتتاجر بها؟

قال: لقد فعلوا ذلك مع نباتات كثيرة تم اكتشافها.

قلت: وسكتم.. ولم تحاكموهم.

قال: ولم نحاكمهم؟

قلت: على سرقة ما اكتشفتموه.

قال: لقد فرحنا لذلك.. فلا يهمنا إلا أن يتنشر الشفاء.. فنحن تجار لا يهمنا من تجارتنا إلا ابتسامة الأنين.. فهي أغلى عندنا من كل مال.

قلت: فاذكر لي بعض ما اكتشفتموه.. ليستخلص منه غيركم العلاج، وينسبه لنفسه.

قال: من أمثلة ذلك الصبر، فإنا قد عرفنا تأثيره في تقوية الشعر وعلاج سقوطه، فاستخلصوا منه مستحضرات صيدلية لنفس الأغراض.

ومنها ثمار الخلة البري، فقد استعملناه للعلاج الأمراض الجلدية والبهاق، وهم يستخدمون الأمودين المستخلص منها في نفس الأغراض.

ومنها ثمار الخلة البستاني، فقد استخدمناه لإدرار البول، وتخفيف آلام المغص الكلوي، ولإنزال الحصى من الجهاز البولي، وهم يستخدمون مادة الخلين المستخلصة منها في نفس الأغراض، وفي علاج الذبحة الصدرية.

ومنها العرقسوس، فقد استخدمناه ملينا وعلاجا لأمراض المعدة والجهاز التنفسي، وهم يستخدمون مادة الجلسرهيزين المستخلصة منه لنفس الأغراض.

ومنها الترمس، فقد استخدمنا بذوره لعلاج التهاب الجلد وحب الشباب ومرض السكر، وهم يستخدمون الحبوب لنفس الأغراض، ولتخفيض نسبة السكر في الدم.

***

 دخلت مع مدير القسم إلى الحقل.. لقد كان أرضا حقيقة بكل ما تحمله الكلمة من معاني.. حتى أن شكله شكل الأرض وحدوده حدود الأرض.. كان منظرا بهيجا لا يمكن وصفه.. وقد رأيت فيه ما لو أذن لي لملأت الأسفار الصخمة منه.. ولكني منعت من أن أخرج شيئا إلا بإذن أهله، وفي وقته المناسب.

صيدلية أعشاب

سرت مع مدير هذا القسم إلى ما يطلقون عليه (صيدلية الأعشاب)، وهي صيدلية لا كالصيدليات التي نعرفها.. بل هي صيدلية في الهواء الطلق.. وشكلها لا يختلف كثيرا عن حقول التجارب التي مررت بها.

سألت مرافقي عن الفرق بين هذه الصيدلية والحقل، فقال: في هذه الصيدلية لا توضع إلا النباتات التي تم اكتشاف آثارها الصحية.. وقد وضعنا بجانب كل نبتة ما يتعلق بها من معلومات، ليتسفيد الأطباء منها في وصفها للمرضى.

قلت: فهل سنزور هذه النباتات؟

قال: لا يمكن ذلك.. فهي أكثر من أن يمكن حصرها.. ولذلك ستكتفي بزيارة عشرة منها، والتعرف على آثاره العلاجية.

قلت: فلم العشرة؟.. عهدي بكم تذكرون الأربعة.

قال: لست في مقام البحث عن الأركان.. أنت تبحث عما يملؤك قناعة بجدوى هذا النوع من العلاج.. والعشرة هي العدد الذي يستخدم في مثل هذه الأمور.. ألم تر كيف أقنعوك بكون المرض نعمة بعشرة أمور؟

قلت: بلى.. ومثلها ما ذكروا من خزائن أدوية السماء ومشافيها.

قال: لقد استنبط أهل السلام ذلك من قوله تعالى: { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ }(البقرة:196)، فقد وصف الله العشرة بالكمال، وهي دليل على ما في الوصول إليها من بث القناعة في النفس.

قلت: والأربعة؟

قال: ذلك سر آخر.. ستعرفه من معلمك.

قلت: لقد ذكرت بأني سأذهب وحدي.. فأين ستكون أنت؟

قال: ستحدثك هذه النباتات كما حدثتك أدوية البركة.

قلت: ولكني في الأرض.. ولست مع المتوسمين في السماء..

قال: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }(البقرة:107)

قلت: بلى.. ولكن تلك أوية من السماء، وهذه أدوية من الأرض.

قال: وبركات الله في أدوية السماء كما هي في أدوية الأرض، فالله رب السماء والأرض.

قلت: وأين ستذهب أنت؟

قال: إلى حقل التجارب.. فلدي أبحاث مهمة هناك.

قلت: فأين أجدك بعد انتهاء زيارتي؟

قال: لا تحمل هما لذلك.. فإن لدينا من الوسائل ما تعجز عن فهمه.

البابونج:

ما سرت إلا قليلا بعد أن تركني حتى سمعت زهرة البابونج([5])، وقد كانت تحت قدمي تقول لي بصوت رخيم: ارفع رجلك عني.. فإن نعلك آذاني.

قلت: اعذريني.. فلم يكن لي بد من ارتدائه.

قالت: لا بأس عليك.. المهم أن تنظر تحت قدميك حتى لا تطأنا.

قلت: أيؤلمكم ذلك؟

قالت: كما يؤلمكم أنتم، ألسنا أمة مثلكم؟.. أم تراك نسيت قوله تعالى: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ }(الأنعام:38)؟

قلت: ولكن الآية ذكرت الحيوانات.

قالت: كل شيء في ملك الله سواء.. النبات والحيوان.

قلت: فحدثيني عن أسرار الشفاء التي أودعها الله فيك.

قالت: من الخصائص الفريدة التي وهبني الله إياها أن لي مفعولاً مقاوماً لحدوث الأحلام المفزعة والكوابيس.

قلت: فما سر ذلك؟.. أهو منظرك الجميل؟.. أم رائحتك العطرة؟

قالت: سر ذلك هو أني مهدئة عامة للجسم والنفس معاً، ولذلك أفيد فى حالات الأرق والإكتئاب والخوف والأزمات النفسية التى تزيد خلالها فرصة التعرض لحدوث الكوابيس.

قلت: هذه فائدة عظيمة تغنينا عن كثير من سموم الكيمياء.

قالت: ليس هذا فحسب.. بل يستعمل مسحوق أزهاري من الخارج لمعالجة الالتهابات الجلدية والقروح والجروح في الفم والتهاب الأظافر.. ويستعمل بخار مغلي أزهاري للاستنشاق في حالة التهاب المسالك الهوائية من الأنف والحنجرة والقصبة الهوائية.. ويستعمل مستحلب الأزهار من الخارج لغسل العيون المصابة بالرمد، ولعمل غسيل مهبلي لمعالجة إفرازات المهبل البيضاء أو النتنة، أو للتقيحات الجلدية بشكل عام.

ليس ذلك فقط.. بل يستعمل مغلاي في حالات الاضطرابات الهضمية([6])، بالإضافة إلى أني مضادة للتقلصات، وخافضة للحرارة.

قلت: ما شاء الله.. أكل هذه بركاتك أيتها الصغيرة الجميلة؟

قالت: ليس ذلك فقط.. بل إني ـ بفضل الله ومنته ـ أعمل على شفاء الالتهابات.. ولهذا أستعمل ككمادات الالتهابات الجلدية([7])، فتشفى بسرعة، كما أني أعمل نفس عمل المضادات الحيوية في شفاء الالتهابات.. فإذا ما غلي شيء مني واستنشقه الشخص، استطاع أن يزيل الالتهاب من تجاويفه الأنفية والجبهية بسرعة، وأن يقضي على جميع الجراثيم الموجودة خلال مدة قصيرة([8]).

قلت: فما سر التأثير الذي وضعه الله فيك؟

قالت: بحسب ما تعرفون.. أم بحسب الحقيقة؟

قلت: الحقيقة لا يفهمها قومي.. فحدثيني عن الرسوم.

قالت: إن مادة الأزولين هي المادة الفعالة التي تكسبني تأثيري الشافي([9]) ـ على حسب ما يذكر قومك ـ

قلت: فما خواص هذه المادة؟

قالت: هي كزيت الزيتون الذي يحتوي على حوامض دهنية غير مشبعة، كثيرة الألفة الكيميائية، سريعة الاندماج بالمواد الأخرى لتركيب مواد نافعة منها.. وانتبه.. فهناك فرق بين مادة الأزولين الموجودة في وبين الأزولين الموجود في النباتات الأخرى.

قلت: فكيف أفرق بينهما؟

قالت: لقد أطلقوا على الأزولين المتواجد بي اسم شام أزولين.. وهو أزرق اللون، ويخرج مني إذا ما صنعت شايا أو إذا ما جرى تعريض أزهاري لبخار الماء في المختبرات.

قلت: إن من قومي من يستخدمك.. ولا أراه ينتفع بك.

قالت: كيف ذلك.. ومن يجرؤ على قول مثل هذا؟

قلت: لقد قرأت مرة تأثيرك في علاج القرحة([10])، فوصفت هذه الوصفة لبعض أصدقائي.. ولكنه عاد إلي بعد فترة يبشرني بخيبة التجربة.. بل ويعاتبني فوق ذلك.

قالت: حق له أن يعاتبك.

قلت: لم؟

قالت: لأنك وصفت الدواء، ولم تبين كيفية استعماله.

قلت: لقد نصحته بأن يجعل منك شايا كما ذكرت الآن.

قالت: أنسيت أن الشاي يغادر المعدة بسرعة.. فلذلك لا يتمكن من علاجها.

قلت: فماذا أفعل؟.. هل أشرح معدته.. وأعلق فيها أزهارك؟

قالت: في إمكانك أن تفعل ذلك.

قلت: هو لا يرضى بذلك.. وأهل السلام لا يرضون بتقطيع بنيان الله.

قالت: في إمكانك أن تفعل ذلك من غير تقطيع.

قلت: كيف ذلك؟

قالت: اسمع هذه النصيحة الغالية.. واستفد منها لجميع النباتات المرتبطة بعلاج المعدة.

قلت: أفيديني أفادك الله.

قالت: إذا استخدمت شايي في معالجة القرح المعدية، والتي يلعب الأزولين دورا هاما في شفائها، فلا بد أن تسلك في المعالجة طريقة خاصة.

قلت: أنا أنتظرها.

قالت: يتناول المصاب شايي، ثم يستلقي خمس دقائق على ظهره، ومثل ذلك على جانبه الأيسر، ثم على بطنه، وأخيرا على الجانب الأيمن.

قلت: لم كل هذه الطقوس؟.. أليس ذلك بدعة؟

قالت: الغرض من ذلك كله مرور شايي على مختلف جدران المعدة.. فلا بد من اتباع هذا النظام لأن الشاي ـ كل شاي، يغادر المعدة بسرعة إذا ما ظل المريض منتصبا بعد تناوله.

قلت: هل أنصحه بهذا؟

قالت: إذا بقي واثقا فيما تقول انصحه.

قلت: المسكين يثق في كل ما أقول، وما يقوله غيري.. فقد أرهقته أدوية القرحة بسمومها وأسعارها.. فأفرغت جيبه، ودمرت صحته.

قالت: ولا تنسى أن تنصحه بالاستمرار على استعمال هذا الدواء بصورة مركزة مدة طويلة([11])، فإن تأثيري لا بد أن يصل إليه بإذن الله.. بالإضافة إلى ما أفعله في نفسه من تهدئة قد تكون لها علاقة بما حصل له من القرحة.

قلت: سأفعل ذلك.. ولن يكلفه ذلك درهما ولا دينارا.. فقد ملأ الله أرضنا من أزهارك.

قالت: ولا تنس أن تعلمه كيفية تحضير شايي.

قلت: ألك أسلوب خاص في التحضير؟

قالت: هو أسلوب أشترك فيه مع كثير من النباتات الحساسة.

قلت: أهناك نباتات حساسة؟

قالت: أجل.. وهي نباتات تؤذيها درجات الحرارة العالية.

قلت: فكيف نتعامل معك معشر النباتات الحساسة حتى لا نؤذي مشاعرك؟

قالت: يجب أن لا أغلى في الماء، بل يصب الماء الغالي فوقي، ثم يصفى ويؤخذ.

قلت: لم؟.. وهل يؤذيك غليك في الماء؟

قالت: لقد أثبتت الفحوص الأخيرة بأن هذه الطريقة أحسن الطرق لاستخراج أكبر كمية ممكنة من مادة الأزولين وغيرها من المواد النافعة الأخرى التي وهبها الله لي.

قلت: ألا يؤذيك صب الماء الحار عليك؟

قالت: نحن مسخرون في طاعة الله.. فلذلك لا نشعر بالحرارة والبرودة ولا نتألم لهما.

قلت: فما الذي يغيبكم عنهما؟.. ألك ألبسة واقية؟

قالت: لنا لباس لا يعرفه قومك.

قلت: ما هو؟.. لعلني أنصحهم به.

قالت: الحب..

قلت: ذاك ما يحسن قومي.

قالت: هم يحسنون الحب المدنس.. أما نحن فنسبح في بحار الحب المقدس.

الزعتر:

ما إن ابتعدت قليلا عن البابونج حتى شممت رائحة الزعتر([12])، وهي تناديني بصوت عذب: تعال.. لتعرف أسرار النبتة التي جعلها الله غذاء وشفاء.

قلت: صوتك صوت جميل.. ورائحتك في الطعام لذيذة.

قالت: ورائحتى على الصحة أجمل من ذلك كله.. فتعال أخبرك عنها.

اتكأت بالقرب منها، لأسمع ما تناجيني به من أسرار ما وضع الله فيها من بركات الصحة، قالت: أتعلم آخر أخباري؟

قلت: أعلم بعض أولها.. ولا أدري آخرها.. فلست من متتبعي الأخبار.. ولكن لماذا لا تبدئين من أولها؟

قالت: لأرغبك في أولها أذكر لك آخرها.

قلت: فشنفي سمعي.. فإن لك حكمة جعلت المفكرين يهتمون بك، ويرعونك، ويستعملونك.

قالت: وكيف لا يستعملوني، وقد جعلني الله منبهة للذاكرة.. ولهذا يقبل طلاب العلم علي لأساعدهم في مراجعتهم.

قلت: نعم.. أرى كثيرا من قومي يفعلون ذلك، فيتناولونك كسندويش مع زيت الزيتون صباحا، وقبل الذهاب إلى المدرسة طمعا في هذه الفائدة.

قالت: وانصحهم بأكلي بعد الوجبات للتغلب على النعاس المصاحب لعملية الهضم، فهكذا يفعل المفكرون كي يتمكنوا من متابعة أعمالهم بجد ونشاط.

قلت: ما شاء الله هذه فائدة قد تغنينا عن الشاي والقهوة.

قالت: تلك فائدة بسيطة من فوائدي.. وقد ذكرت لك أني سأبدأ من آخرها.

قلت: فاذكري لي هذا الأخير الذي أراك مسرورة به.

قالت: لقد أكد باحث مصرى([13]) ـ بالمركز القومى للبحوث ـ في دراسة كيميائية له دوري في شفاء كثير من الأمراض، لاسيما ما يتعلق منها بالجهاز التنفسى مثل السعال الديكى والالتهابات الشعبية والربو بالاضافة إلى فاعليتي في علاج مرض نقص المناعة المكتسبة.

قلت: الأيدز!؟

قالت: أجل.. وذلك لأني أحتوي على مواد شديدة تعمل على تقوية الجهاز المناعى.. وخاصة إذا أضيف ذلك إلى بعض المكونات الأخرى التي تؤدي نفس الغاية، مثل غذاء الملكات، والحبة السوداء، والزنجبيل.. والبحوث مع ذلك لا تزال جارية في هذا.

قلت: هذه فائدة عظيمة.

قالت: وهناك غيرها.. فقد أوضح أني أحتوى على بعض المواد شديدة الفاعلية، والتي من شأنها علاج بعض الأمراض، حيث أحتوى على مواد لها خاصية مسكنة للألم ومطهرة ومنشطة للدورة الدموية.

وقد ذكر من فوائدي أني أحتوى على مادة الثيمول التى تعمل على قتل الميكروبات وتطرد الطفيليات من المعدة إضافة إلى مادة الكارفكرول، وهى مسكنة ومطهرة وطاردة للبلغم ومضادة للنزيف والاسهال.

وذكر أني أحتوى على مواد راتنجية مقوية للعضلات، وتمنع تصلب الشرايين، وطاردة للأملاح.

وأني أحتوى على مواد مضادة للأكسدة، مما يمكن الاستفادة مني بإضافة زيتي إلى المواد الغذائية ليمنع الأكسدة، بدلا من إضافة مواد صناعية قد تضر بالصحة.

قلت: هذه فوائد عظيمة.

قالت: بالإضافة إلى ما ذكر.. فإني معروفة بدوري في تطهير الجروح وتنقية الأمعاء من البلغم، وتلطيف الأغذية، خاصة إذا وضعت مع الخل، فإني ألطف اللحوم وأكسبها طعما لذيذا.

وأنا طاردة للديدان.. وقد أثبتت التجارب العلمية أن زيتي يقتل الاميبا المسببة للدوسنتاريا في فترة قصيرة، ويبيد جراثيم القولون، وأني مسكن للسعال وأقوي المناعة إذا استخدمت مع الثوم وحبة البركة والعسل.

قلت: نحن نستعملك علاجا للسعال.

قالت: صحيح ما تفعلون.. فإني أخفف السعال([14]) بأنواعه المختلفة، بما في ذلك السعال الديكي، وفي هذه الحالة أعمل على تليين المخاط الشعبي مما أسهل طرده للخارج، كما أهدئ الشعب الهوائية وألطفها.

قلت: والحلق.. فإن البعض يستعملك للأمراض المرتبطة به.

قالت: أجل.. فقد أثبتت الدراسات والأبحاث الطبية الحديثة دوري في معالجة التهابات الحلق والحنجرة والقصبة الهوائية، وأني أعمل على تنبيه الأغشية المخاطية الموجودة في الفم وتقويتها.

قلت: ما شاء الله.. فأنت تغنينا بهذا عن كثير من سموم الأدوية.

قالت: أجل.. وليس هذا فقط.. بل إني أعمل على تنبيه المعدة، وطرد الغازات، وأساعد على الهضم وامتصاص المواد الغذائية، وطرد الفطريات من المعدة والأمعاء.

وأعمل على توسيع الشرايين، وتقوية عضلات القلب، وأعالج التهابات المسالك البولية والمثانة، وأشفي من المغص الكلوي، وأخفض الكوليسترول.

قلت: والجمال.. ألا تخدمينه فإن لك صوتا لا شك في معرفته بالجمال واهتمامه به؟

قالت: لقد جعل الله في برحمته ولطفه من حب الجمال ما سخرني لخدمته، فأنا منشطة ممتازة لجلد الرأس، وأمنع تساقط الشعر، وأكثفه وأنشطه.

أما الأسنان مرآة الإنسان.. فإن مضغي ينفع في وجعها، وفي التهابات اللثة، خاصة اذا طبخت مع القرنفل في الماء، لهذا أنصح بالتمضمض بي بعد أن أبرد.

بل إني أقي الأسنان من التسوس، وخاصة اذا مضغت، وأنا خضراء غضة.

قلت: عرفت فوائدك، فما الاستعمال السليم لك؟

قالت: يختلف بحسب نوع الاستعمال.. فمضغي مثلا يطهر الفم ويسكن آلام الأسنان.. واستعمالي غرغرة يفيد في التهاب اللوزتين.

قلت: فكيف تغلين؟

قالت: تغلى عروقي المزهرة وأوراقي مع الماء، وتشرب كما يشرب االشاي.

عرقسوس:

ناداني صوت لا يكاد يسمع.. وكأنه من باطن الأرض ينبع، فقلت: من أنت يا صاحب الصوت المهموس؟

قال: أنا جذور عرقسوس([15]).

قلت: فاخرج إلي أحدثك.. فإني لا أكاد أسمعك.

قال: لا.. لم أنضج بعد حتى تراني.. فأرهف سمعك لي.. فإن الصادق لا يفرق بين المجهور والمهموس كما لا يفرق المحب بين الخمول والظهور.

قلت: أنت تعرض بخمولك.

قال: ألم تسمع قول الحكيم:(ادفن وجودك في أرض الخمول.. فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه)؟

قلت: أجل.. فهل تراك تعمل بما قال؟.. أم لا اختيار لك فيما حصل؟

قال: نحن نعبد الله بالحب والاختيار.. فلا يعبد الله إلا بالاختيار.

قلت: فحدثني عن بركات منافعك.. أم تراك ترضى الخمول.. فلا تخرج.

قال: بئس من يكمل، ويبقى خاملا.. من كمل عليه أن يخرج لينتفع به الناس.

قلت: فإذا كملت بما تنفع الناس.

قال: لقد نفعتهم ـ باسم الله النافع ـ على طوال الدهور، فقد عرفت جذور نبتتي منذ أكثر من أربعة ألاف سنة عند البابليين كعنصر مقو للجسم ومناعته.

وقد عرفني المصريون القدماء، وأعدوا العصير من جذوري.. وقد وجدت جذور العرقسوس في قبر الملك توت عنخ أمون الذي تم أكتشافه في عام 1923.. فقد كان الأطباء المصريون القدماء يخلطوني بالأدوية المرة لإخفاء طعم مرارتها، وكانوا يعالجون بي أمراض الكبدوالأمعاء.

وكان الطبيب اليوناني ثيوكريتوس يعالج بي السعال الجاف والربو والعطش الشديد.

قلت: والعرب.. أمتي التي تمتد فيها جذوري.

قال: لقد عرفوني وأحبوني، وكانوا يستخدموني كطعام ودواء.. وقد وصفوني لعلل كثيرة.

قلت: حدثتني عن ماضيك.. فحدثني عما وضع الله فيك من بركات الشفاء.

قال: لقد ذكرني ابن سينا في القانون، فقال:(إن عصارته تنفع في الجروح، وهو يلين قصبة الرئة، وينقيها وينفع الرئة والحلق، وينقي الصوت ويسكن العطش وينفع في التهاب المعدة والأمعاء وحرقة البول)

وقال عني ابن البيطار:(أنفع ما في نبات العرقسوس عصارة أصله، وطعم هذه العصارة حلو كحلاوة الأصل مع قبض فيها يسير، ولذلك صارت تنفع الخشونة الحادثة في المريء والمثانة، وهي تصلح لخشونة قصبة الرئة إذا وضعت تحت اللسان وامتص ماؤها، وإذا شربت وافقت التهاب المعدة والأمعاء وأوجاع الصدر وما فيه، والكبد والمثانة ووجع الكلى، وإذا امتصت قطعت العطش، وإذا مضغت وابتلع ماؤها تنفع المعدة والأمعاء كما ينفع كل أمراض الصدر والسعال، ويطري، ويخرج البلغم، ويحل الربـو، وأوجاع الكبد والطحال وحرقة البول ويدر الطمث ويعالج البواسير ويصلح الفضلات كلها)

قلت: هذا قول السلف.. فما قال الخلف؟

قال: لقد أجمعت البحوث العلمية التي أجراها الخبراء على فوائدي الكثيرة([16])، فأنا أساعد على ترميم الكبد لإحتوائي على معادن مختلفة.. وأني أدر البول.. وأشفي السعال المزمن باستعماله كثيفا أو محلولاً بالماء الساخن، ولذا يفضل أستعمالي ساخناً للوقاية من الرشحوالسعال وآثار البرد.. وأني أجلب الشهية باستعمالي أثناء الطعام.. وأني أسهل الهضم باستعمالي بعد الطعام.. وأني أفضل شراب مرطب للمصابين بمرض السكر لخلوي تماماً من السكر العادي.. وأني منشط عام للجسم ومروق للدم.. وأني مفيد في شفاء الروماتيزم لأحتوائي على عناصر فعالة.. وأني مفيد في شفاء الروماتيزم لاحتوائي على عناصر تعادل الهدروكورتيزون، وأساعد في تقوية جهاز المناعة في الجسم.

قلت: أنت صيدلية أدوية، فكيف غفل قومي عنك.. وهربوا إلى سموم الكيمياء.

قال: سلهم.. فهم قومك.. ولكن هناك من بينهم من عرف فوائدي فراح يلتمسها.

قلت: تقصد الألمان، فقد سمعت أنهم أكثر انفتاحاً من غيرهم في استعمال الأدوية العشبية.

قال: أجل.. وقد قاموا بدراسات موسعة علي.

قلت: فاذكر لي بعض ما اكتشفوا.

قال: لقد اعتبرني الدستور الألماني ـ مع بعض الدساتير العالمية الأخرى ـ أحد الأعشاب الهامة في علاج أمراض كثيرة، ومن أهمها قرحة المعدة([17]) والاثنا عشر.

قلت: فبم فسروا ذلك؟

قال: أنا أحتوي على عدة مركبات مضادة للقرحة، ومن أهمها مركب حمض الجلاسيرازين Glycyrrhizic acid الذي يشبه تأثيره تأثير الكورتيزون، ولكنه لا يسبب التأثيرات الجانبية التي يسببها الكورتيزون، وهو مضاد للالتهابات.

قلت: لقد سبق أن أخطأت في وصفة للقرحة بالبابونج.. فما الوصفة السليمة لاستعمالك يا عرقسوس؟

قال: الجرعة من مسحوقي هي ملعقة صغيرة في ملء كوب ماء سبق غليه، وتقلب جيداً، ثم تغطى مدة ما بين 10 إلى 15دقيقة، ويشرب بمعدل ثلاثة أكواب في اليوم.

ويفضل استخدامي بعد الأكل بساعتين، وأن لا تزيد مدة استعمالي على ستة أسابيع([18]).

وعلى المرضى المصابين بارتفاع ضغط الدم، ومرضى السكري، ومرضى القلب، والذين يعانون من أمراض السمنة، والحوامل، عدم استعمالي.

قلت: وتفوتهم جمع ما ذكرت من فوائد.

قال: من رحمة الله أن جعل من كل شيء عوضا.. وليس منه وحده عوض.. فكل من فاتك بطريق.. أدركته من طريق إلا هو.. ألم تسمع قول الحكيم:(ماذا وجد من فقدك)؟

قلت: أراك تفهم حكمه.

قال: وأراني أعيشها.

قلت: وترى ذلك سر ما جعل الله فيك من بركات الشفاء.

قال: إن عبوديتي لله تجعلني أسلم أمري لله.. فلا أنسب لنفسي شيئا.

قلت: وهل ما ذكرت لك فيه هذه النسبة؟

قال: أجل.. وهي نسبة شركية.. فالله هو النافع.. وما نحن إلا أقمار منفعته ووسائطها.

الهندباء:

نادتني أزهار الهندباء([19]) الجميلة: هلم إلي.. فقد تفتحت لك أزهاري([20]).

قلت: لست نحلة.. فتضميني.. ولا بعوضا فتؤويني.. فما حاجتي إلى تفتحك أو انغلاقك؟

قالت: تعال لأخبرك عن بركات شفائي.

قلت: لقد رغبني عنك كذب الرواة بسببك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد رووا في حقك ثلاثة أحاديث مكذوبة، فقالوا:(كلوا الهندباء، ولا تنفضوه، فإنه ليس يوم من الأيام إلا وقطرات من الجنة تقطر عليه)، وقالوا:(من أكل الهندباء، ثم نام عليها لم يحل فيه سم ولا سحر)، وقالوا:(ما من ورقة من ورق الهندباء إلا وعليها قطرة من الجنة)

قالت: وما يضرني أن يكذبوا علي.. ألم يكذبوا على المسيحu، فقالوا هو ابن الله.. فأيهما أعظم جرما: ما كذبوه علي.. أم ما ذكروه عن المسيح u؟

قلت: لا شك في أن قولهم في المسيح u أعظم جرما، وأخطر خطرا.. وكلا الكذبين خطر.

قالت: فهل صرفك ذلك عن حبك للمسيح وتعظيمك له؟

قلت: وكيف أنصرف عن محبة رسول من رسل الله الكرام؟

قالت: فلا تنصرف عن حبي لما قالوا.

قلت: لقد أقمت علي الحجة.. فاذكري لي من بركاتك ما تمسحين به الغشاوة التي وضعها الكذابون.

قالت: أول ما يدلك على بركاتي أن الله هدى البشر لمنافعي منذ القديم، فقد عرفني قدماء المصريين منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، حيث كانوا يأكلون أوراقي كخضار.. وظللت منذ أيام الفراعنة، وحتى أوائل القرن السابع عشر الميلادي أستخدم كغذاء وعلاج ممتاز ومعترف به بين الأطباء لعلاج الكبد.

وكان أول من نصح باستخدامي كعلاج الأطباء العرب، ثم تلا ذلك نصيحة أطباء ويلز ببريطانيا في القرن الثالث عشر، حيث نصحوا المواطنين باستخدامي كأحد الأعشاب الجيدة لعلاج كثير من الأمراض.

قلت: أنت مشهورة.. وتاريخك عريق.

قالت: وقد وصفوني للعلل لما رأوه في من بركات الشفاء، فقد قال عني ابن البيطار:(كل أصناف الهندباء إذا طبخت وأكلت عقلت البطن، ونفعت من ضعف المعدة والقلب، والضماد بها ينفع للخفقان وأورام العين الحارة، وهي صالحة للمعدة والكبد الملتهبتين، وتسكين الغثيان وهيجان الصفراء، وتقوي المعدة)

وقال عني داود الانطاكي:(الهندباء تذهب الحميات والعطش والخفقان واليرقان والشلل وضعف الكبد والكلى شرباً مع الخل والعسل، والصواب دقها وعصرها)

قلت: ما شاء الله.. لقد ذكرك الكل، وأثنى عليك الكل.

قالت: وقومك ـ مع تقصيرهم في حقهم، وتعويضنا بسموم المصانع ـ رأوا من منافعي ما دفعهم إلى الثناء علي ووصفي للعلل.

قلت: فاذكري لي ما قالوا.. فإن قومي لا يحبون أن يسمعوا غير ما أنتجته مخابرهم.

قالت: هم يقسمون منافعي بحسب أجزائي، فللجذور منافعها.. وللأوراق منافعها.

قلت: فلنبدأ بالجذور([21]).. فهي الأصول.. ولا فرع من دون أصله.

قالت: لقد نشرت الأبحاث الألمانية أن جذوري لها تأثير مميز على الكبد وأنها تنشط المرارة لإفراز الصفراء.. وأني أعتبر من أفضل الأعشاب على الاطلاق لطرد سموم الكبد([22]).. ولهذا أتعامل أساساً مع الكبد والمرارة لمساعدتهما على إخراج المخلفات منهما.

قلت: فجذورك مختصة في التطهير من السموم.

قالت: أجل.. وليس مع الكبد فحسب.. بل إني أقوم على تنظيف الكلى واخراج سمومها.. فقد أثبتت الدراسات أن جذوري تعتبر علاجاً فعالاً للكلى حيث يخلصها من المواد السامة عن طريق البول([23]).

وليس ذلك فقط.. بل إن جذوري وأوراقي من أفضل الأدوية العشبية للمرارة، حيث تعمل على عدم تكون حصاة المرارة، وربما تذيب الحصوات المتكونة.

كما أثبتت الدراسات الحديثة أني أخفض نسبة السكر في الدم، وذلك في حيوانات التجارب، ويمكن أن يلعب ذلك دوراً كبيراً في علاج سكر الدم لدى الإنسان بعد الانتهاء من دراسته.

كما أثبتت الدراسات أنه يمكن استخدام جذوري لتخفيف آلام النقرس.. وقد نجح الصينيون في أبحاثهم في علاج أمراض الشعب الهوائية والجهاز التنفسي بواسطة استعمال جذوري.

قلت: ما شاء الله.. بورك فيك وفي جذورك.. فكيف أستعملها؟

قالت: ذلك شيء يسير.. فليس عليك سوى أن تنقع حوالي ثلاث ملاعق من جذوري بعد سحقها مع حوالي لتر من الماء، وتترك لمدة حوالي خمس دقائق، ثم تغلى بعد ذلك لمدة 15 دقيقة، وتشرب منه كأسا قبل كل وجبة، وذلك لعلاج الكبد والمرارة، حيث تمنع تكون حصى في المرارة، وتفتتها إن وجدت، كما أن هذه الوصفة جيدة لتخفيض الوزن([24]).

ويستعمل مغلي أوراقي وأزهاري وجذوري معاً بمقدار ثلاث ملاعق في لتر من الماء بمقدار كوب صباحاً وآخر مساء، وذلك لعلاج حالات الانيميا والضعف العام وفقد الشهية.

ويستعمل مغلي جذوري على هيئة كمادات دافئة لعلاج التهابات العين.

قلت: فحدثيني عن أسرار الشفاء في أوراقك.

قالت: لقد وصفتها الدراسات العلمية كأفضل وسائل إخراج السوائل الزائدة من الجسم([25])..

 ويستعمل مغلي أوراقي لعلاج سوء الهضم ولنقص الشهية، حيث يؤخذ ملعقة إلى ملعقتين صغيرتين بعد سحقها أو تقطيعها وإضافتها إلى كوب ماء مغلي، ثم يصفى الماء بعد 15دقيقة من وضع أوراق الهندباء في الكوب ويشرب دافئاً.

ويمكن عمل منقوع من الأوراق المسحوقة حيث تضاف ملعقة صغيرة من مسحوق الأوراق إلى كوب ماء بارد، ويترك لمدة نصف ساعة، ثم يصفى ويشرب.

ولعلاج الامساك ينقع حوالي ثلاث ملاعق من أزهار النبات في حوالي لتر من الماء البارد، ويشرب منها كأس قبل كل وجبة.

كما يستعمل منقوع أوراقي وأزهاري الطازجة في علاج آلام الأطراف بواسطة التدليك.

قلت: عرفت منافعك.. فهل لك من مضار؟

قالت: المضار ليس في ذاتي، وإنما في سوء استخدامي.. وهي ـ مع ذلك ـ لا تتعدى حدوث ارتفاع في نسبة الحموضة في المعدة عند قليل من الناس، وفي حالات نادرة جداً، وربما يظهر طفح جلدي لدى بعض الأفراد الذين عندهم تحسس لكثير من المواد.

كما أن الأحسن عدم الاستمرار في تعاطي مستحضراتي لأكثر من شهر ونصف، ثم التوقف لمدة شهر، ثم معاودة الاستعمال.

قلت: هذه المحاذير.. فمن تنصحين بالابتعاد عنك؟

قالت: لقد حذر قومك من استخدامي للذين يعانون من سدد في القناة الصفراوية بالمرارة أو التهابات في المرارة.. كما حذروا من استخدام مستحضراتي للمرأة الحامل أو المرأة التي تخطط للحمل في المستقبل القريب ومثلهما المرضع.. مع عدم اعطاء هذه المستحضرات إطلاقاً للأطفال قبل سن الثانية.

المريمية:

لم أستفق من الدهشة التي ملأتني بها بركات الهندباء حتى نادتني المريمية([26]) برائحتها العطرة، وشكلها الجميل، فأجبتها: من تقصدين؟

قالت: وهل هناك في الحقل غيرك؟

قلت: لقد امتلأت ببركات الهندباء.

قالت: فتعال لتشملك بركاتي.. وتغمرك منافعي.. فالله تعالى الجواد الكريم وزع جوده في خلقه.. فلا ترى من شيء إلا يدل عليه.

قلت: أراك من العارفين.

قالت: وما لي لا أكون كذلك.. وقد تشرفت من بين أخواتي بحمل اسم الطاهرة العذراء البتول مريم ـ عليها السلام ـ فإن لم يكن لي غير اسمها لكفاني فخرا وتيها.

قلت: نعم.. وقد كان من أسباب إعجابي بك وحبي لك حملك هذا الاسم.. فالله يعلم كم يكن قلبي لتلك المرأة التي بزت الرجال وزاحمت الأبطال، وصارت مثلا أعلى للأولياء، وأسوة حسنة للأصفياء.

قالت: فنحن مشتركان في حبها، أخوان في الرضاعة من لبان فضلها.

قلت: فقد عقدت بيننا عقد الأخوة.. فأسسيه على المعرفة.. فلا أخوة بلا معرفة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا آخى الرجل الرجل، فليسأله عن اسمه واسم أبيه وممن هو، فإنه أوصل للمودة)([27])

قالت: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وسأحدثك عن نفسي لتعرف فضل من آخيته.. وأول ما أبدأك به ما جعله الله في من حب للطهارة، وبغض لغيرها.. فلذلك تراني لا أجد عفونة في الجسم إلا أوقفتها.

ألا ترى أن مستخلصي يسهم ـ إلى حد كبير ـ في معالجة أمراض اللثة واللوزتين والحلق وعسر الهضم والسكري.

قلت: ما شاء الله.. أكل هذه من بركات الاستشفاء بك؟

قالت: أجل.. بل أكد باحث علمي([28]) أهميتي في معالجة بعض الأمراض المستعصية، وفي مقدمتها مرض السرطان.. فقد أجريت تجارب عملية وعلمية على مستخلصي، فأعطت نتائج جيدة في وقف انتشار خلايا مرض السرطان التي تصيب بعض أجزاء الجسم، وخاصة القولون والرئة والثدي.

قلت: إن هذا يشجع على العودة إليكم ـ معشر الأعشاب ـ للبحث عن أدوية العلل المستعصية.

قالت: لقد ذكر العالم جيرارد في القرن السابع عشر بأنني أقوي الذاكرة الضعيفة، وأعيدها في وقت قصير، وقد أكد باحث إنجليزي هذه المقولة، حيث أثبت أن المرمية تهبط الانزيم المسئول عن تحطيم استيايل كولين الدماغ والذي يسبب الزهيمر.

قلت: رأيت بعض قومي يستخدمك كمخفض للسكر، فهل ذلك صحيح؟

قالت: لا شك في ذلك.. فأنا أخفض البول السكري، ولكن بنسبة بسيطة.. وأدلك على ما هو أحسن مني في هذا؟

قلت: وما هو؟

قالت: ما مررت عليه في أدوية السماء من الحلبة البلدي، وعروق البصل.

قلت: لقد أنصفت في ذكر غيرك.. فقلما نجد هذا فينا معشر البشر.

قالت: لا تجد عندنا إلا الإنصاف.. فمن تحقق بعبودية الله لا يكون إلا منصفا.

قلت: فواصلي في ذكر بركات الاستشفاء بك.

قالت: لقد ذكروا أني مادة مقبضة ومطهرة ومعطرة وطاردة للغازات ومخفضة للعرق ومقوية.. وأني أصلح علاجا ضد الالتهابات، وضد تقلصات العضلات.. وأني مضادة لعدة أنواع من البكتيريا.. كما أستخدم مقوية للأعصاب.

قلت: فكيف أستعملك؟

قالت: أنا أؤخذ بجرعة تقدر بملء ملعقة الأكل من أوراقي تضاف إلى ملء كوب ماء سبق غليه، ويترك لمدة ربع ساعة، ثم يصفى ويشرب.. ويمكن تناول ثلاثة أكواب في اليوم الواحد.

قلت: فهل لاستعمالك من محاذير؟

قالت: ليس هناك أي أضرار في تناولي إذا استخدمت حسب الجرعات المحددة.. مع عدم استخدامي بصفة مستمرة([29]).

وأنبهك إلى أن من أهم مركباتي الزيت الطيار([30]) الذي يحتوي على مركب الثيوجون (Thujone).. فيجب الحذر من استخدام كمية كبيرة من هذا المركب، فهو يسبب بعض التشنجات.

كما أنبه المرضعات إلى أن الابحاث الجديدة تشير إلى أني أقلل حليب المرضع، لأني مولدة للاستروجين الخافض لإنتاج الحليب.. فانصحهن بتجنبي فترة الرضاعة.

الشوفان:

نادتني بذرة شوفان([31])، فقلت لها: لقد سمعت بأهميتك في مطعم العناصر والمركبات.

قالت: لقد رأيت فائدة واحدة من فوائدي.. وهي كثيرة تكتب بماء الذهب.

قلت: فحدثيني عنها.. فيشهد الله أني أحببتك مذ عرفت تأثيرك في حماية القلب والأوعية الدموية.

قالت: أحبك الذي أحببتني له.. كما تعلم.. فإن قومك من العرب لم يكونوا على معرفة بي.. ولا يضيرني ذلك.. فقد أخرج الله من ينتبه لفوائدي وبركات الشفاء بي.

قلت: فما قال فيك إخواننا من العجم؟

قالت: لقد أولوني كل احترامهم، فقد ذكرت في الطب الإنجليزي، حيث ذكر العالم Nicholas Gulpeper عام 1652م لبخة تحضر من عجينة بذور الشوفان مع الزيت، وذكر أنها تفيد في علاج الحكة ومرض الجذام.

وقبله ـ في عام 1597م ـ ذكر العالم John Genand لبخات من سيقان وأوراق الشوفان ووصف أنها جيدة للأمراض الجلدية، وربما للروماتزم.

ولهذا كان إخوانكم من بني أوروبا يستخدمون سيقاني وأوراقي في حماماتهم كعلاج للروماتزم، ولمشاكل المثانة والكلى.

بالإضافة إلى استعمالي كعلاج لأمراض الصدر، وبالأخص أمراض الرئة والسعال المزمن.. كما كنت أستعمل كلصقات مفيدة لمرض النقرس والبثور.

قلت: هذا ما قال فيك سلفهم، فما قال خلفهم؟

قالت: لقد أثبتت الدراسات العلمية تأثير بذوري وسيقاني وأوراقي على بعض الأمراض، وأثبتت جدواها كعلاج.. بل قامت مصانع كبيرة لصناعة مستحضرات متعددة مني ومن مشتقاتي.

قلت: ما كل هذا الاهتمام بك؟

قالت: لقد أدركوا دوري في شفاء كثير من العلل المستعصية.. فقد قامت دراسة إكلينيكية أثبتت أن الألياف النباتية الذائبة مثل الموجودة في الشوفان بمعدل 40جراماً في اليوم خفضت كوليسترول الدم خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع.

كما نشرت دراسات في مجلات علمية محترمة أوضحت أن 3جرام من الألياف الذائبة اذا أخذت يومياً خفضت الكولسترول بنسبة 5 بالمائة([32]).

وفي دراسة أخرى أثبتوا أني أخفض مستوى حمض اليوريك في الدم.. ففي دراسة عملت على رياضي في أستراليا، والذي وضع على غذاء مخصص من الشوفان فقط، ولمدة 3 أسابيع وجد أن زيادة 4 بالمائة من أسدية نبات الشوفان إلى الغذاء المخصص من الشوفان للرياضي أثرت كثيراً في وظائف عضلات الرياضي خلال التمارين الرياضية.

قلت: فدورك التخفيض إذن.

قالت: أجل.. أنا أخفض كل من ارتفع ليأكلني كما تأكلني الأنعام.

قلت: أحقدا.. وأنت في أرض السلام!؟

قالت: لا.. بل رحمة.. لقد أكل بعض المترفين من قساة القلوب بعض إخواني.. فانخفض كوليسترول دمه.. وانخفض معه من الكبر ما كا يعانيه.. فراح يرحم عباد الله.

قلت: فأنت داعية الله إذن.

قالت: الواعي يسمع من كل شيء.. ويفهم عن كل شيء.

قلت: فزيديني من بركات شفائك.. فلا أحسبك إلا حكيمة.

قال: لقد جعل الله في من القوى ما أسكّن به نوبات حصاة المجاري البولية واضطرابات البول وألين وأسكن آلام البواسير.. وينصح الأطباء مرضى الأعصاب والمفكرين والمرهقين ومرضى السكر ومرضى الغدة الدرقية بتناولي لما يجدون من بركاتي على عافيتهم.

قلت: سمعت أن بعض قومي يستعملك لمقاومة الإجهاد.

قالت: هناك من يستعمل مشتقاتي لذلك.. ولا يزال ذلك غير مثبت علمياً إلا أن لي إيجابيات جيدة مثل استخدامي كمضاد للإجهاد والأرق ومهدئ وجالب للنوم ومقوٍ للأعصاب ومنشط.. كما استخدمني الهنود لعلاج إدمان مشتقات الأفيون والتبغ.

الزيزفون:

رأيت شجرة زيزفون([33]) جميلة، فاقتربت منها، وحييتها، فردت التحية بأحسن منها، فقلت لها: أتأذنين لي أن أرتاح بقربك قليلا.. فقد أعياني الوقوف.

قالت: ألا ترى أوراقي قلوبا متفتحة لكل ناظر.. وأزهاري مونعة معطرة لكل حاضر؟

قلت: لا أراك إلا محلا للأضياف.. فهل أنت حاتم، أو من جذر حاتم؟

قالت: ما حاتمكم الذي تفخرون به إلا بخيل من بخلائنا..

قلت: اعرفي ما تقولين.. فلا تكوني من أهل الإجحاف وكوني من أهل الإنصاف.. إنه حاتم أبو الكرم.

قالت: لقد أنفق حاتم من ماله.. ولم ينفق من جسده.. أما نحن فننفق من أجسادنا.. وحاتم أطعم ما قد يؤذي، ويضر، أما نحن فلا نطعم إلا البركات المضمخة بعطر الشفاء.. وحاتم مات وانقضى، ونحن لا يزال عطاؤنا ممتدا لا ينقضي.

قلت: لقد حججتني.. ولو كان حاتم معنا لاستحيا من كرمه.. ولتبرأ مما ينسبه الناس إليه.

قالت: لكنا مع ذلك نكرم حاتما وأحفاد حاتم.. لا لكرمه.. ولكن لنغيظ بذلك مادرا وأحفاده من البخلاء.

قلت: لقد زعمت لنفسك كرما.. فحدثينا عنه.

قالت: من زعم لنفسه الكرم.. فهو البخيل.. ألا تعلم أن الكريم واحد!؟

قلت: من هو؟

قالت: الواحد.. لأنه يتكرم مما يملك.. أما نحن، فلا نملك شيئا حتى نتكرم به.. حقق التوحيد.. ولا تلتفت للعبيد.

قلت: لقد جعلكم الله وسائط لكرمه.. فحدثينا عما بث فيكم من البركات.

قالت: أما إن قلت هذا.. فلا بأس.. وسأذكر لك من فضل الله ما يرغبك في وفي اخواتي من بنات الحقول.

قلت: ما علمتكن إلا كريمات.. فحدثيني.

قالت: لقد ذكر داود الإنطاكي أني أفتح السدد، وأذهب أمراض الصدر كالربو وقرحة الرئة، وأمراض الكبد كالاستسقاء واليرقان والفالج واللقوة والكزاز والنافض والضربان البارد.

وقال عني ابن سينا:(يحبس كل سيلان.. ويقمع الصفراء المنصبة داخل الأحشاء، وينفع من السعال الحار، ويحبس القيء، ويخفض السكر)

وقد استعمل أوراقي لصقة لإزالة الورم وتسكين الألم، كما استخدمها كشراب مغلي لمعالجة الدوالي.

قلت: لقد عرفك العرب إذن، بخلاف الشوفان الذي جهلوه.

قالت: لقد عرفني الناس من زمان قديم، فقد كنت وما زلت بجميع أقسامي، أتمتع بصفات طبية ومتنوعة، فقد عرفني المؤرخ الروماني بلين في القرن الأول بعد الميلاد حيث استعمل أوراقي لمعالجة تقرحات كان يشكو منها في فمه.

قلت: والمحدثون.. قومي المحدثون.. فإني أحن لما عرفوا.

قالت: لقد عرفت كمهدئ ومسكن لآلام المعدة منذ عصر النهضة، وقد بدأت أزهاري تأخذ مكانها في الصيدليات، وأصبحت أستخدم كمنشطة للقلب، ومضادة للصرع، ولجميع أنواع إصابات التشنج.

وفي أيامكم هذه أستعمل كمسكن للآلام المعدية والتشنجات، وأوصف للذين يعانون من الأرق والقلق وتوتر الأعصاب.

قلت: لقد سمعت بأنه يستخرج من أخشابك عقاقير الشفاء.

قالت: أجل.. فكلي منافع بحمد الله.. وقد دلت التجارب التي أجريت على بعض الحيوانات أن الخشب الأبيض([34]) لشجيرتي له ثلاثة تأثيرات أساسية: عرقية، وتشنجية، وصفراوية.. فالتأثير العرقي يوسع العروق والشرايين ويخفض الضغط.. والتأثير التشنجي يتبدى بالمستقيم والأمعاء.. والتأثير الصفراوي، وهو الأهم والأعم، ويشمل المرارة والقناة الصفراوية.

قلت: فأنت مفيدة للكبد إذن؟

قالت: أجل.. فخشبي الأبيض أفضل منظم لعمل الأقنية الصفراوية وتهدئة الاضطرابات الكبدية والصداع الحاد، فهو يشفي 75 إلى 90 بالمائة من الإصابات.

قلت: فكيف يستعمل هذا الخشب النافع؟

قالت: يستعمل كشراب مغلي، إلا أن استعمال أبخرته أفضل وأسرع تأثيرا، ولا يمكن الحصول على هذه الأبخرة إلا عن طريق تحضيرها في المختبرات، وتوجد في الأسواق على شكل حبوب.

قلت: فلا يمكن الاستفادة منك إذن إلا بعد المرور على المصانع والمختبرات.

قالت: لا.. يمكنكم صنع شراب من قشر خشبي.. وهو نافع بإذن الله لغسل الكليتين، كما يستعمل في تهدئة الأعصاب.. اشربه ولا تخف.. فليس هناك أي محذور في تناول أية كمية من هذا الشراب.

قلت: عرفت فضل خشبك.. فما فضل أزهارك العنقودية الطيبة؟

قالت: يستخرج من أزهاري مرهم يستعمل في تطرية الجلد وتنقيته من النمش.

قلت: أهذا ما صل إليه كرم أزهارك المسكينة.. إنها أبخل أجزائك.

قالت: استغفر ربك.. ولا تقل هذا.. فالكريم هو الذي يقبل كل ما يوهب له.. ولا تنظر إلى صغر النعمة، وانظر إلى عظم مهديها.

قلت: صدقت.. واعذريني أيتها الأزهار الجميلة.

نطقت زهرة منهن، وقالت: أما إن قلت هذا.. فقد أكد باحثون بريطانيون أن زهور شجرة الزيزفون يمكن استخدامها كشراب مفيد للهضم والسعال كما تفيد أيضا في علاج الدوالي.

ويستعمل مغلاي عن طريق الاستحمام والغسول والمسح والتكميد والحقن الشرجية.

قلت: أسمع عن شاي الزيزفون.. فحدثيني عنه.

قالت: هو يستعمل لتهدئة الأعصاب، والمساعدة على النوم، وتسكين الآلام والأرق والصداع النصفي، ولمعالجة تصلب الشرايين، وتنشيط الدورة الدموية، والاحتقانات، والنزلات الشعبية والربو، كما يسكن السعال، ويسهل التقشع، ويثير إفراز العرق، فتنخفض درجة حرارة الجسم، ويسهل التنفس، ويزيل صداع الزكام واحتقانه..

قلت: نفعك عظيم.. وبركاتك كثيرة.

قالت: حتى فحم أخشابي يمكن الاستشفاء به.. فمسحوقه يعالج الجروح والقروح النتنة في الجلد.. حيث يذر المسحوق فوقها مرة أو أكثر في اليوم حسب الحاجة، فيمتص العفونة ويزيل الرائحة.

قلت: والغسول بك.. فيم ينفع.. فقد سمعت عن بعض تأثيره!؟

قالت: صحيح ما سمعت، فإن له تأثيره على الجلد، وتنشيط البشرة، وإزالة الإفرازات الزائدة منها، كما يعمل على تليين الجلد، وإعطاء الجسم نعومة وطراوة ورائحة عطرة، وهو يفيد في علاج ضربات الشمس والحمى الشديدة.

العوسج:

سرت خطوات قليلة بعيدا عن الزيزفون.. فإذا بي أفاجأ بشجيرة عوسج([35]).. فقلت: سبحان الله الذي يجمع بين المتناقضات.. تلك كانت ترحب بي بأزهارها وقلوبها المتفتحة.. وهذه بجانبها تنذرني وتخيفني بأشواكها السامة.

فنطقت بصوت لا يقل عن أذى أشواكها، وقالت: ولكنا لا نتصارع كما نتصارعون.. ولا يؤذي بعضنا بعضا كما يفعل بعضكم مع بعض.

قلت: ولكن.. حسب الزيزفون ألما أن تقفي بجانبي.

قالت: لا تقل هذا.. فلو خطر على باله هذا لحوله الله شجرة الزقوم التي يطعمها الله في القيامة لأهل النار.

قلت: ألا يسخر منك.. وأنت تقفين بجانبه بأشواكك السامة؟

قالت: هو لا يسخر مني ولا يخاف.. بل نحن لا ننظر إلى بعضنا كما ينظر بعضكم إلى بعض، وقد قال تعالى فيكم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ }(الحجرات:11).. ولم ينزل الله فينا ما أنزل فيكم.

قلت: ذلك أنكم لستم مكلفين.

قال: كيف تقول ذلك.. وقد قال تعالى: { ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }(فصلت:11)

قلت: قد قال ذلك عن السماء والأرض.

قالت: وهل الأرض إلا مكوناتها؟

قلت: سلمت لك كما سلمت لأخواتك حسن الخلق.. ولكني لا أبحث عن الأخلاق.. بل أبحث عن الترياق.

قالت: فلا تصرفك أشواكي السامة عما أودع الله في من منافع؟

قلت: أفيك من المنافع ما يرغب فيك؟

قالت: لولا منافعي ما وضعني أهل السلام في صيدلية الشفاء.

قلت: صدقت.. نسيت أني في الصيدلية التي انتقيت أعشابها واختيرت.. فحدثيني عما وضع الله فيك من بركات الشفاء.

قالت: أنا من النباتات المشهورة منذ آلاف السنين، وقد وصفني الأغارقة القدماء في مداواة القشرة التي تكون على الجفنين ولعلاج اللثة الملوثة.. والتشققات التي تصيب الشفتين، ولعلاج الدسنتاريا والسعال.

وقد وصفني داود الانطاكي، فقال:(يبرئ سائر أمراض العين خصوصاً البياض وإن قدم، كيف استعمل، وقد يمزج ببياض البيض، أو بلبن النساء.. وطبيخ جذره يوقف الجذام أو يبرئه، وهو مجرب.. وإن تمودي عليه قطع القروح السائلة والجرب، والحكة والآثار حتى الحناء إذا عجنت بمائه واختضب بها.. وهو ينبت الشعر.. وثمره كذلك في كل ما ذكر.. ورماده يزيل القروح)

قلت: هذه منافع عظيمة.. فاذكري لي ما قال المحدثون.

قالت: لقد ذكروا أن جذوري تفتت الحصى المتولدة في الكلى.. وأني أفيد في علاج المغص ومدرة للبول وملينة للبطن.. وفي شمال عمان تطحن ثماري ونباتاتي اللينة، وتصنع منها خلاصة تستخدم في تخفيف المغص ولتحسين حدة البصر.

كما تؤكل ثماري لتسكن الآلام وتعالج الاضطرابات التي تصيب المعدة.

وتقول الدراسات الحديثة أن جذوري تخفض ضغط الدم.. كما ذكرت الأبحاث العينية الحديثة أن لجذوري تأثير ملحوظ على تخفيض الحمى، وقد عملت دراسة اكلينيكية، وأعطت نتائج متميزة في تخفيض الحمى وبالأخص في الملاريا.. كما تقول دراسة أخرى أن الثمار العينية للعوسج تقوي الكبد والكلى.

قلت: أراك جمة المنافع.

قالت: هذه بعض منافعي.. ولا زالت الأبحاث تجري علي في حقل التجارب.. وقد ذكر لي أن نتائج ستظهر هذا المساء.. فإن مررت علي.. فسأذكرها لك.

ناردين:

ما سرت خطوتين حتى سمعت شجرة ناردين([36])تناديني بصوت هادئ كهدوء النسيم، فقلت: لبيك.. فمن أنت؟.. فإن صوتك جلب النعاس إلي عيني.. والفتور إلى عضلاتي.

قالت: أنا الناردين جعلني الله دواء نافعا، وترياقا شافيا.

قلت: أعلم ذلك.. ولولا ذلك ما كنت في هذ المحل.

قالت: إذا علمت ذلك فاعلم بأني استخدمت كمهدئ ومرخ للأعصاب منذ عصر الرومان.. وقد اعتبرت في القرون الوسطى ترياقاً، وعندما لم تكن الكينا متوفرة آنذاك كنت أستعمل بدلاً عنها في مكافحة الحمي.. كما أكد بعض المصابين بداء الصرع أنهم شفوا بواسطتي.

وأنا إلى يومكم هذا أعتبر من أفضل أنواع المهدئات المستعملة ضد الاضطرابات العصبية.

قلت: أرى أن قومي من العرب لم يعرفوك.

قالت: لا.. لقد عرفوني.. واستعملوني، وقد قال في داود الأنطاكي:(إنه مقو للمعدة، ومفتت للحصى، ومدر للفضلات، ومسقط للبواسير، كما انه إذا طلي على الجسم قطع العرق، وطيب رائحة البدن. وإذا اكتحل به أزال حمرة العين، وأنبت الشعر في الأجفان، وأحد البصر، وإذا خلط مع العفص واكتحل به قطع الدمعة، وإذا ذر على الجروح أدملها.

وقال ابن سينا في قانونه:(الناردين محلل للأورام، ومجفف للرطوبة السائلة من القروح، ينفع من الخفقان، وينقي الصدر والرئة، مقو للمعدة، يدر الطمث، ويفيد أورام الرحم إذا جلست المرأة في طبيخه، وله خاصية في حبس النزف المفرط من الرحم)

وقال ابن البيطار في جامعه:(إن الناردين ينفع الكبد وفم المعدة، ويدر البول، ويشفي الحرقان الحادث في المعدة، وإذا عملت منه تحميلة واحتملته النساء قطع النزف، ويجف الرطوبة السائلة من القروح، وإذا شرب بماء بارد سكن الغثيان، ونفع من الخفقان، وإذا طبخ بالماء وتكمد به النساء، وهن جلوس في مائه أبرأهن من الأورام الحارة العارضة للأرحام)

 قلت: فما قال فيك قومي من المحدثين؟

قالت: لقد أكدت الأبحاث الواسعة في ألمانيا وسويسرا أنني أحث على النوم، وأحسن نوعيته، وأخفض ضغط الدم.

قلت: فما عرفوا من سر هذا التأثير؟

قالت: لقد ذكروا أن المواد الفعالة التي يعود لها هذا التأثير هي الفاليبوترياتات.. كما أن هناك مواد أخرى مسؤولة عن مفعولي لم يتم التعرف عليها بعد.. ويقوم عملي على تخفيض النشاط العصبي على إطالة مفعول ناقل عصبي مثبط.

قلت: فأنت ترياق إذن لما يعتري البدن من أعراض عصبية؟

قالت: أجل.. فقد أثبتت الدراسات تأثيري على القلق والأرق.. بل أعتبر من أفضل العلاجات للأرق الذي كان سببه القلق أو فرط الإثارة.. فأنا أرخي العضلات المفرطة التقلص، ومفيدة لتوتر الكتف والعنق والربو والمغص وألم الحيض وتشنج العضلات.. كما أني مع بعض الأعشاب الأخرى أستعمل كعلاج لفرط ضغط الدم الناتج عن الكرب والقلق.. كما أني ضد الأرق الناتج عن ألم الظهر، ومثله التوتر السابق للحيض بالإضافة إلى القلق المزمن.

قلت: إن الأرق يزور عيني أحيانا، فيمنعها من الاكتحال بإثمد النوم، فكيف أستعملك؟

قالت: لقد أثبتت التجارب العملية أن جزموري يزيد من زمن النوم، ولهذا أعتبر من المنومات التي يمكن استخدامها بأمان.. فأنا علاج لاضطرابات النوم الذي يصاحبه اضطرابات عصبية.

قلت: ذكرت الكثير من المنافع، فحدثينا عن المضار التي قد يقع مستعملك فيها.

قالت: أنا من الأدوية الآمنة إذا استخدمت بالكميات المنصوح بها([37]).. ومع ذلك فقد أثبتت هيئة الدواء والغذاء الأمريكية أنه يصح استعمالي غذاء.

أما من الناحية الدوائية فقد أثبتت التجارب التي أجريت على 12000 مريض استخدموني لمدة 14يوماً عدم ظهور أو وجود أي أعراض جانبية.

قلت: والاستعمال الطويل؟

قالت: لقد أثبتت الدراسات أن بعض مستعملي يصيبهم شيء مشابه للإدمان أي أنهم لا يستطيعون التوقف عن استعمالي.

قلت: فهل تتعارضين مع الأعشاب الأخرى التي لها نفس تأثيرك؟

قالت: إن أساس عملي هو التهدئة، فإذا استخدمت مع أدوية مهدئة أخرى قد يزيد التأثير.. وتكون هناك الخطورة.

اليانسون:

كان بجانب الناردين عشبة يانسون([38])، فقلت لها: ما الذي جعلك تنامين بجانب الناردين ألا تخافين أن يذيقك ترياقه فتنامين كنومة أهل الكهف؟

 قالت ـ بهدوء لا يختلف عن هدوء الناردين ـ: وماذا في ذلك.. ألم تعلم أن نوم العابد خير من عبادة الجاهل؟

قلت: ولكن قيام العالم العابد خير من نوم العالم القاعد.

قالت: فإذا نعس العالم العابد بعد طول قيام كان نومه خير له من صلاته، أو كان نومه هو صلاته التي أمره الشرع بأدائها بحلول مواقيت النعاس.

قلت: اعرفي ما تقولين.. فلم أر من أهل العلم من فضل النوم على الصلاة.. لا أرى إلا أنك تجهلين صلاة الفجر، ولا تعرفينها؟

قالت: بلى أعرفها.. وأعرف معها ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: أي حديث سمعته جعلك تذهبين هذا المذهب؟

قالت: لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فينم حتى يعلم ما يقول)([39])، وقال:(إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فلينصرف لعله يدعو على نفسه وهو لا يدري)([40])

قلت: لقد حججتني.. وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولكن ما سر علمك بهذا؟

قالت: لقد جعل الله في ما جعل في الناردين من تهدئة الأعصاب وجلب النوم.. فأنا أستعمل شرابا ساخنا مع الحليب لعلاج الأرق وهدوء الأعصاب.

قلت: ما دام الأمر كذلك لم لم تشكلا نبتة واحدة، بدل تفرقكما على نبتتين.

قالت: نحن لا نتفق في كل شيء.. فلي من الفوائد ما ليس فيه.. وله من الفوائد ما ليس في.

قلت: لو كنتما بين قومي لتصارعتما.

قالت: نحن نتكامل ولا نتصارع.

قلت: فحدثيني عما تميزت به عن الناردين؟

قالت: لقد قال عني داوود الإنطاكي في تذكرته:(يطرد الرياح، ويزيل الصداع وآلام الصدر وضيق التنفس والسعال المزمن، ويدر البول، ودخانه يسقط الأجنة والمشيمة، ومضغه يذهب الخفقان، والاستياك به يطيب الفم، ويجلو الأسنان، ويقوي اللثة)  

وقال عني ابن سينا في قانونه:(إذا سحق الينسون وخلط بدهن الورد وقطر في الأذن أبرأ ما يعرض في باطنها من صدع عن صدمه أو ضربة ولأوجاعهما أيضا)

قلت: فما قال المحدثون؟

قالت: لقد ذكروا أني مهدئة للأعصاب، ومسكنة للمغص والسعال، ومنشطة للهضم ومدرة للبول، وأني أفيد للولادة ولإدرار اللبن.. وأن مغلي شرابي الساخن يسكن المغص المعوي عند الرضع والأطفال والكبار، كما ينفع في طرد الغازات، كما يفيد في نوبات الربو، وأدخل في كثير من أمزجة الكحة، كما أفيد في بعض أنواع الصداع، وضيق التنفس.. وأنا منبهة قوية للجهاز الهضمي وفاتحة للشهية.. وأني من الأعشاب الجيدة في إخراج البلغم.

قلت: كيف تستعملين في هذا كله؟

قالت: تؤخذ ملء ملعقة صغيرة إلى ملعقتين وتجرش، وتضاف إلى ملء كوب ماء سبق غليه، ويترك لمدة ربع ساعة، أو نحوها، ثم يصفى ويشرب، ويؤخذ كوب في الصباح، وكوب آخر عند النوم.

أطباء في الحقول

خرجت من صيدلية الأعشاب، وقد كانت الأعشاب والأشجار والشجيرات تناديني بألسنة عذبة تطلب مني الاستماع إليها لتروي ما وضع الله فيها من أسرار الشفاء.. ولكني أكملت العشرة.. وبمجرد إكمالها جاءني مدير المزرعة بهيئته وتواضعه، فقلت له مبادرا: دعني أزيد عشرة أخرى.. فللحديث مع هذه الأعشاب لذة لا تعادلها لذة.

قال: لا.. أنت محكوم بقوانين أهل السلام.. ولا مناص لك من تنفيذها.. فإن أردت المزيد.. فاذهب للعلماء في أرضك يعلمونك.

قلت: لا.. أنا أرضى بتعليم هؤلاء.

قال: أنت لم تدخل هذه الديار لتتعلم العطارة.. ولكنك دخلتها لتتعلم السلام.. فإن أردت العطارة، فاذهب إلى معلم العطارين.

قلت: لست أدري ما علاقة تلك الأعشاب بالسلام.

قالت: لقد خلق الله تلك الأعشاب لنستعملها ـ كما استعملها أهل التاريخ الطويل ـ في العلاج.. لكنكم أبيتم في هذا العصر إلا أن تتخلوا على الصيدلية التي وضعها الله لكم، ورحتم تصنعون بدلها السموم التي هداكم إليها غروركم.

قلت: أتريد منا أن نغلق المصانع، ونفتح بدلها حقولا؟

قال: أجل.. كل حقل ينوب عن مصنع، فالحقل أولى منه.

قلت: ماذا تقصد؟

قال: لقد مررت على أعشاب كثيرة لها فوائد صحية ثابتة.

قلت: أجل.. لقد رأيت كل ذلك، واقتنعت به.

قال: ولكنكم تركتم كل تلك الوصفات النافعة التي تخلو من كل ضرر، واستبدلتموها بتراكيب مصانعكم، فصارعتم بذلك أجسامكم التي خلق الله لها هذه النباتات، وصارعتم النباتات حين رميتموها في سلة المهملات.. وصارعتم الله بعد ذلك حين اتهتموه بأنه أنزل الداء، ولم ينزل الدواء.

قلت: صحيح هذا.. أفتريد أن نغلق تلك المصانع؟

قال: أنا لم أقل ذلك.. وستمر على مصانع الشفاء.. وترى أنواع الأدوية الذي تصنع فيه وشروطه وكيف تنزع عقاقير الصراع منه.

قلت: فلنذهب الآن إليه.

قال: لا.. أنسيت أنك ستذهب إلى الأطباء في الحقول.

قلت: اعذرني.. فما أكثر نسياني.

لست أدري كيف خرجنا من الصيدلية الجميلة لنجد أنفسنا في حقل جميل.. بل حقول جميلة ممتدة امتداد الأفق.. وقد كانت عامرة بمختلف أصناف الناس، فسألت مدير المزارع عن هذا المنظر البديع، فقال: هؤلاء أطباء خرجوا إلى الحقول بمرضاهم ليصفوا لهم ما يحتاجون لأدوائهم من أصناف الدواء.

قلت: فلم لم يكتفوا بوصفها داخل عياداتهم؟

قال: أنواع النباتات كثيرة مختلفة.. ومن المرضى من لا يعرفها.. فلذلك احتاج الأطباء إلى الخروج إلى الحقول.. واستقبال المرضى فيها.

قلت: فهل سنزور هؤلاء الأطباء؟

قال: ستزورهم أنت لتسمع ما يقولون للمرضى([41]).. ولا حرج عليك أن تسألهم ما بدا لك.. فقد شرط أهل السلام على طبيب السلام أن يفصل الطبيب للمريض كل ما يتعلق بمرضه مما يحتاجه لشفائه.

قلت: وأنت؟

قال: سأذهب لأعمالي الكثيرة التي تنتظرني..

دساتير الأطباء

بعد أن زرت الكثير من الأطباء، ورأيت الوصفات التي يصفونها للمرضى شعرت بقناعة تملؤني بفضل الله، وأن رحمته التي تدراكت كل شيء، فغطت عوزه لا تعجز أن تغطي حاجات الإنسان من دواء.

بل إن الله تعالى في تغطيته للحاجات، وكفايته لخلقه ما يهمهم ينوع لهم كل ذلك الفضل ليتناول كل إنسان ما يناسبه، وتنفتح له شهيته، فهو عندما جعل البروتين من حاجات الإنسان لم يجعله في الحيوانات فقط.. ولا في البقول.. بل وضعه في أكثر ما خلقه من أغذية، ليتناوله الفقير والغني، والنباتي والحيواني.

وهكذا في كل شيء نوع الكفايات.. وغطى الحاجات.. وأغاث في جميع الأحوال والأوقات.. فلذلك لا يستحيل أن ينزل مع كل داء دواءه، بل أدويته.. بل ذلك من آثار رحمته التي وسعت كل شيء.. وآثار فضله الذي غمر كل شيء.

بينما أنا كذلك، وقد امتلأت بهذه القناعة الجميلة، إذ جاءني المكلف بهذا القسم، وقال: هذا ما قصدنا من تجوالك بين الأطباء.. فلم نقصد أن تتعلم وصفات تعالج بها المرضى.. أو تفتح حانوت عطار.. فذلك لأهل الاختصاص من الأطباء.. ولكنا قصدنا أن تغمرك بالقناعة بأن الله الذي أنزل الداء أنزل الدواء.. وأن البشر هم الذين قصروا في البحث عنه وتناوله.

قلت: لقد اقتنعت بهذا.. فهل تريد إقناعي بشيء آخر، قبل أن أخرج من هذا القسم؟

قال: أجل.. لا بد أن نمر على دستور الأطباء..

قلت: لم؟

قال: لأن من الخلق من أساء التعامل مع هذا النوع من الدواء، فراح يجعل من خلق الله فئران يجرب عليها بضاعته، فيقتلهم، ويدمر صحتهم.

قلت: لقد ذكرتني بنفر من قومي..

قال: تقصد الرقاة الذين راحوا يداوون بالأعشاب من غير أن يعرفوا أسرارها.. أو يتخصصوا فيها.

قلت: أجل.. وهم يغالون كثيرا في بيعها.. فتجد أحدهم يبيع بعض الأعشاب المخلوطة بالعسل بالأموال الكثيرة التي تنفر الناس من الأعشاب.. وتلجئهم إلى الكيميائيات.

قال: أولئك هم الجهلة الذين يعبثون ببنيان الله.. فلا تحزن عليهم..

قلت: أنا لا أحزن عليهم.. بل أحزن على من يأتيهم.

قال: لهذا وضع هذا المستشفى دستور الأطباء حتى يحفظ لهذه الصناعة أهلها، وشروط الاستفادة منها.

قلت: وهل لهذه الدستور قسم خاص؟

قال: إن شئت سمه مجلسا خاصا.

قلت: أهو مجلس شورى الأطباء؟

قال: نعم.. يجتمع فيه أهل الحل والعقد منهم ليناقشوا ما يجعل من الدواء الذي أنزله الله دواء نافعا.

قلت: فما وجدوا؟

قال: هناك أربعة أقسام ستزروها.. وفي كل قسم دستور خاص به وستذهب إليهم، وتسمع منهم، ويمكنك أن تسألهم لتعرف ما يجعل من هذا الدواء ترياقا نافعا.

قلت: سأذهب أنا إليها.. وأين ستذهب أنت؟

قال: أنا ذاهب إلى حقل التجارب.. فهو محلي الأول.. وقد اكتشفت منذ فارقتك عشر أدوية نافعة تهدم عشر أدوية كيميائية كان أهل هذا المستشفى يستعملونها للضرورة.

الخبرة

قصدت القسم الأول من دساتير العطارين، وهو الدستور الخاص بالخبرة، فوجدت لافتة مكتوبا عليها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من تطبب، ولم يعلم منه الطب قبل ذلك، فهو ضامن)([42])

دخلت القاعة، فرأيت جمعا من الناس، وكأن على رؤوسهم الطير، يستمع بعضهم إلى بعض، ويحترم بعضهم بعضا، وكان الجو مملوءا بالخشوع الهادئ الجميل.

سألت أحد الجالسين: من هذا الجمع المبارك.. فإني أشم فيه من روائح الأدب ما لا أشمه في مجالس قومي.

قال: هذا جمع من الفقهاء والأطباء يتناصحون فيما بينهم في الدستور الذي ينظم وظيفة الطبيب، ويجعلها رحمة للمريض.

 فجأة.. وجدتهم تفرقوا على أربعة أقسام، فسألت صاحبي: ما بالهم.. أدخل الشيطان فيما بينهم ففرق جمعهم، وشتت صفوهم؟

قال: لا.. لا يدخل الشيطان المجالس العامرة بذكر الله.. الشيطان يحب المجالس التي تنتفخ فيها الأنا.. فيغذيها الصراع.

قلت: ولكن ما بالهم تفرقوا.. أم أن عيني هل التي أصابها الصراع ففرقت وحدتهم!؟

قال: لقد تفرقوا.. كما تتفرقون أنتم إلى لجان عمل.

قلت: وهؤلاء؟

قال: تفرقوا إلى لجان.. تختص كل لجنة بالبحث في ناحية معينة من النواحي التنظيمية لوظيفة الطبيب.

اقتربت من أقرب لجنة لي، وأصخت بسمعي، فإذا بأحدهم يقرأ بصوت جميل قوله تعالى: { وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً } (طـه:114)، ثم يعقب على ذلك بقوله: نعم.. يا إخواني.. لا بد أن نستزيد دائما من العلم.. فالأمراض كل يوم تنزل.. والأدوية تنزل معها.. وقد أقامنا الله في هذا الثغر الذي نحرس فيه قلاع الجسد من أن يداهمها العدو.. فإن قصرنا سرى هذا التقصير لجميع مناحي الحياة..

قال آخر: صدقت.. ونحن في عملنا هذا لا نقل عن الفقهاء شأنا.. فإن هم حرسوا الدين.. فنحن نحرس الثغور التي لولاها لم يقم الدين.. ألم تسمعوا ما قال الشافعي:(إنما العلم علمان: علم الدين، وعلم الدنيا.. فالعلم الذي للدين هو الفقه، والعلم الذي للدنيا هو الطب)

وقال ـ مبينا فضل هذا العلم الذي وفقنا الله لدراسته ـ:(لا أعلم بعـد الحلال والحرام أنبل من الطب، إلاَّ أنّ أهل الكتاب قد غلبونا عليه)

وقال متأسفا على تقصير المسلمين في تعلمه:(ضيعوا ثلث العلم، ووكلوا إلى اليهود والنصارى)([43])

قال آخر: ومثله تأسف الغزالي على تضييع المسلمين للطب، وتركه لغيرهم، فقال:(فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة.. ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الفقه.. ثم لا نرى أحدا يشتغل به)([44])

ثم يذكر علة ذلك، وهو الاهتمام بالجدل والصراع، فيقول:(ويتهاترون على علم الفقه، لا سيما الخلافيات والجدليات والبلد مشحون من الفقهاء وبمن يشتغل بالفتوى، والجواب عن الوقائع.. فليت شعري كيف يرخص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة وإهمال ما لا قائم به)

ثم يبين سوء نية هؤلاء بقوله:( هل لهذا سبب إلا أن الطب ليس يتيسر الوصول به إلى تولي الأوقاف والوصايا، وحيازة مال الأيتام، وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على الأفران، والتسلط به على الأعداء.. هيهات هيهات قد اندرس علم الدين بتلبيس العلماء السوء.. فالله تعالى المستعان وإليه الملاذ في أن يعيذنا من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن ويضحك الشيطان)([45])

قال آخر:وقد كان هذا دافعا للفقهاء لتعلم الطب، وقد روي أن المازري كان يفزع إليه في الفتوى في الطب في بلده، كما يفزع إليه في الفتوى في الفقه.. ويحكي أن سبب تعلمه الطب ونظره فيه أنه مرض، فكان يطبه يهودي، فقال له اليهودي يوما:(يا سيدي مثلي يطب مثلكم، أي قربة أجدها أتقرب بها في ديني مثل أن أفقدكم للمسلمين)، فمن حينئذ نظر في الطب([46]).

قال آخر: لقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى ضرورة الخبرة في الطب، فقال:(نعم، يا عباد الله تداووا، فإن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله)، ففي هذا الحديث دعوة إلى التعلم، بل إلى مداومة البحث..

قال آخر: نعم.. هذا الحديث فيه أعظم تشجيع على البحث العلمي.. لأن الباحث الذي ينطلق في بحثه من يقينه بوجود ما يبحث عنه، سوف يبذل كل جهده بنشاط وحيوية.. بخلاف من يشك في وجود ما يبحث عنه، فإن ذلك قد يصرفه عما هو فيه.

قال آخر: إن مثل ذلك مثل رجلين، أما أحدهما، فقد أخبره مهندس مختص لا تتخلف فراسته بوجود ماء في محل معين، وأما الآخر، فذهب يحفر من غير أن يستعلم عن ذلك.

فأما الأول، فقد كفي الهم والحزن، فيحفر إلى أن يظفره الله بمطلوبه، وأما الثاني، فيحفر خائفا أن يذهب جهده هدرا، وقد يتوقف في أي لحظة يائسا.. وقد لا يبقى بينه وبين الماء بعد توقفه إلا أمتار محدودة.

قال آخر: ولهذا يجب أن ينص دستور الطبيب على ضرورة كون الطبيب من أهل البحث.. فلا يكفي أن يأخذ الطب تقليدا.

قال آخر: ولا بد أن نحدد العلوم التي يجب على الطبيب إتقانها.

قال آخر: لا يكفي أن نذكر الإتقان.. بل لا بد من النبوغ.. ثم نمتحن النابغين.. فقد كان امتحان الأطباء سنة من سنن السلف.

قال آخر: لا بد أن يعرف الطبيب كل ما يتعلق بالطب من العلوم.. من علم بجسم الإنسان بتفاصيله.. وعلم بما يمكن أن يعتريه من أدواء وسببها.. وعلم بأنواع العلاج المرتبطة بكل علة.

قال آخر: ولا بد أن يستمر في تعلمه.. فحقول التجارب تزودنا كل يوم بالمزيد من العقاقير الشافية.. فينبغي أن يهتم بها كاهتمامه بمصالحه.

قال آخر: ولا بد من المجالس المختلفة الكثيرة التي يجتمع فيها الأطباء لتبادل الخبرات.. فقد يفتح الله على بعضهم ببعض ما يجهل غيره.

قال آخر: نقطة مهمة لا ينبغي إهمالها رأيتها في أرض الصراع..

قالوا: وما رأيت؟

قال: رأيت بعض الأطباء يوفقه الله لدواء يعالج العلل المستعصية، فيحتفظ به سرا لنفسه، ليجلب الزبائن إليه.

قالوا: كيف يفعل هذا؟.. أيتاجر بأجساد الناس من أجل هواه..!؟

قال أحدهم: ضعوا هذا القيد في دستور الطبيب: لا يجوز لطبيب يعرف مسألة من الطب أو فائدة إلا وينشرها بين أصحابه.

قال آخر: هذا لا يتعلق بالأفراد فحسب، بل يتعلق بمراكز البحث المختلفة.. فينبغي التعاون بينها، ولا يكتم بعضهم ما وصل إليه من نتائج عن البعض الآخر.

قال آخر: لقد رأيتهم في أرض الصراع يتناطحون في هذا كتناطح الكباش.. كل يريد أن يكون السبق له.. فلذلك يستعمل كل وسائل الصراع.

قال آخر: إن أكثر ما يتخلف به البحث العلمي في أرض الصراع هو عدم التعاون، والحرص على براءة الاختراع.. وكأن تلك البراءة هي الهدف من البحث لا خدمة الإنسان وحفظ بنيان الله.

قال آخر: الصادقون من أهل الله كانوا يحملون الجبال على ظهورهم، ويتسترون بالبراقع لئلا يراهم الناس.

قال آخر: هذا يستدعي وضع مادة أخرى.

قالوا: وماهي؟

قال: وضع بنك معلوماتي تصب فيه معلومات الأطباء وخبراتهم.. ليراها الأطباء ويستفيدون منها.

قال آخر: ولا بد أن تتعرض للتمحيص قبل طرحها.

قال آخر: أضيفوا مادة أخرى.

قالوا: وما هي؟

قال: إذا جاء الطبيب أي مريض، ولم يعرف كيف يعالجه يرسله لمن يثق في خبرته وقدراته..

قال آخر: بل.. لقد ورد حديث في المسألة، فقد روي أن رجلا فى زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصابه جرح، فاحتقن الجرح الدم، وأن الرجل دعا رجلين من بنى أنمار، فنظرا إليه فزعما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لهما:(أيكما أطب؟)، فقال: أو فى الطب خير يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(أنزل الدواء الذى أنزل الداء)([47])

قال آخر: فى هذا الحديث دلالة صريحة على أنه ينبغى الاستعانة فى كل علم وصناعة بأحذق من فيها فالأحذق، فإنه إلى الإصابة أقرب.

قال آخر: وهذا ما دلت عليه فروع الشريعة الكثيرة.. فالمستفتى يجب أن يستعين على ما نزل به بالأعلم فالأعلم، لأنه أقرب إصابة ممن هو دونه.. وكذلك من خفيت عليه القبلة، فإنه يقلد أعلم من يجده، وعلى هذا فطر الله عباده، كما أن المسافر فى البر والبحر إنما سكون نفسه، وطمأنينته إلى أحذق الدليلين وأخبرهما، وله يقصد، وعليه يعتمد، فقد اتفقت على هذا الشريعة والفطرة والعقل([48]).

قال آخر: وينبغي إضافة مادة أخرى مهمة.

تركتهم وانصرفت قاصدا قسما آخر.

المسؤولية

دخلت القسم الثاني من أقسام (دساتير الأطباء)، فوجدت جمعا لا يقل نشاطا وأدبا عن الجمع السابق.. إلا أني لاحظت وجود رجال الحزم في هذا القسم، وهم رجال كالرجال الذين يقفون على الأبواب تظهر عليهم الشدة والغلظة.

اقتربت من مجموعة منهم، فسمعت أحدهم يقول: إن الطبيب يتحمل مسؤولية عظيمة بوظيفته.. فقد جعل الله بنيانه بين يديه ليتصرف في إصلاحه.. فلذلك لا بد من وضع القوانين التي تنظم كيفية تعامله مع المرضى.. فلا يصيبها بالخراب.. ولا يصيب بنيانها بالدمار.

قال آخر: لقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذه المسؤولية، فقال:(من تطبب، ولم يعلم منه الطب قبل ذلك، فهو ضامن)([49])

قال آخر: لقد فكرت في الأصول التي يمكنها أن تحفظ مسؤولية الطبيب، فوجدتها أربعة أرى أن ينصب جميع كلامنا حولها.

قالوا: نعلم أنها أربعة.. ولكن ما هي؟

قال: الحسبة، والاختبار، والتضمين، والتحذير.

قالوا: فكيف توصلت إلى وجه الحصر فيها؟

قال: أول شيء هو أن نبحث عن الأطباء لنرى مدى شعورهم بالمسؤولية المعلقة عليهم.. ولا يقوم بهذا إلا المحتسب.

قالوا: فإن وجد هؤلاء الأطباء؟

قال: يختبرهم ليرى مدى صلاحيتهم لممارسة هذه المهنة.

قالوا: والتضمين؟

قال: إن قصروا ضمنوا.. وإن لم يقصروا ضمن المسؤول.

قالوا: والتحذير؟

قال: إن رأوا من طبيب من الأطباء عدم الكفاءة حذروا منه.

الحسبة

قالوا: فلنبدأ بقوانين الحسبة.

قال: الحسبة هي النظام الإسلامي الذي يحمي مصالح الأفراد والمجتمعات، والصحة من المصالح، فلذلك لا ينبغي تركها لمن يعبث بها.

قال آخر: لقد كانت ممارسة التطبيب خاضعة لشروط وقيود دقيقة تحدد ما للأطباء وما عليهم، وكان المحتسب يقوم بهذه المراقبة حفاظا على سلامة المجتمع ودفعا ليصل ما يكون سببا في ايذائة، وبث الفوضى والفساد فيه.

قال آخر: لقد كنت في أرض الصراع.. وسأذكر لكم ما يدل على وجوب تشدد أهل الحزم مع المجرمين الذين يلبسون لباس الأطباء.

قالوا: فصف لنا ما رأيت.

قال: أشياءا كثيرة رأيت([50]).. يتفتت لها القلب، وتعتصر لها الكبد.. لقد رأيت جهلة كثيرين يقومون بعمليات الكي، أو تجبير الكسور، أو الحجامة.. وهناك من يعالج بالأعشاب والمشتقات الحيوانية والمعدنية.. وهناك من يجلو الماء الأزرق من العين.. وهناك من يقوم بفصد الجبهة لعلاج الشقيقة.. وهناك المشعوذون والسحرة.. وهناك من يتكسبون بالرقية التي ينسبونها للشرع.. والشرع منها برئ.. وهناك.. وهناك..

قال آخر: صدقت.. فقد لاحظت الكثير من المحجمين لا يفقهون شيئا عن التعقيم، أو تطهير أدوات الحجامة.. بل رأيتهم يستخدمون سكاكين ملوثة، ربما تتسبب في نقل فيروسات خطيرة.

بل إنهم لا يكتفون بذلك.. بل يستخدمونها في حجامة أكثر من شخص.. وتصوروا معي لو أن شخصا يحمل فيروس الكبد الوبائي أو فيروس الأيدز، أو خلاف ذلك، فإنه بدون شك سيصيب بالعدوى كل من ذبحه بتلك السكين.

قال آخر: بل رأيت من المحجمين من يقوم بشفط الدم في المحاقن المستخدمة لذلك الهدف بأفواههم، واذا حصل أن لعاب أي من المحجين ملوث بفيروس ما فسوف يعطيه للمريض.

قال آخر: لقد اختبرتهم لأرى مستوياتهم العلمية.. فوجدت عجبا فالبعض منهم اكتفى بتعليم من يسميها مدرسة الحياة.. والبعض اكتسب هذه المهنة عن طريق الوراثة.. والبعض يحمل مؤهلات ثانوية وجامعية ولكنها لا علاقة لها بما يطبب به.. والكثير منهم أمي لا يقرأ ولا يكتب.

ولم أر فيما رأيت ـ إلا نادرا ـ من درس طب الأعشاب أو الممارسات الأخرى.

قال آخر: لقد جلت مناطق كثيرة من العالم كالهند والباكستان والصين ومن تسمى بالدول المتقدمة.. فرأيتهم لا يؤذن لهم في مزاولة هذه المهنة أو في وصف أي دواء إلا بعد تحصيل الكفاءات المرتبطة به.

قال آخر: أما في بلادنا التي كان عليها أن تصبح نموذجا صالحا لسائر الأمم، فإنها تقصر في ذلك تقصيرا عظيما.

قال آخر: سببه الجشع والحرص على المال.. لقد رأيت من يقومون بعمل خلطات، ويروجونها لعلاج بعض الأمراض وباهظة الثمن جدا، قد تصل إلى الآلاف، وربما تكون هذه الخلطات قاتلة.

قال آخر: بل يوجد من العطارين والأطباء المختصين في العطارة من يغشون الأعشاب بمستحضرات صيدلانية يشترونها من الصيدليات، ويسحقونها، ثم يخلطونها بأي عشب، ويبيعونها للمرضى على أنها أعشاب.

قال آخر: وقد اكتشفت ذلك بنفسي، حيث رأيت من يقوم بشراء أقراص مخفضات سكر الدم وسحقها وخلطها مع أوراق نباتية وبيعها بأغلى الأسعار كعلاج للسكر.. ورأيت من يفعل ذلك مع حبوب الضغط والكورتزون.. وكلها تعمل بنفس الطريقة.

قال آخر: وقد رأيت بعض العطارين يقوم بتحضير بعض الخلطات العشبية والمشتقات الحيوانية دون إلمام بالتداخلات التي يمكن أن تحدث عند خلط هذه الأعشاب أو المشتقات الحيوانية.. خاصة وأنهم لا يعرفون المجاميع الكيميائية التي تحتويها هذه المواد، والتي يحدث عنها تداخلات فيما بينها عند السحق ينتج عنها مركبات جديدة قد تكون خطيرة على حياة المستهلك.

قال آخر: ولهذا كله لا بد أن نضع في دساتير الأطباء هذا الشرط.. لا يحق لأي شخص معالجة المرضى ما لم يكن حاملا لمؤهلات علمية كافية في الطب والجراحة من جهات معترف بها.

قال آخر: وهذا يقتضي وضع تراخيص خاصة بالمستحقين.. وتكليف المحتسبين وكل جهات الحزم بتطبيق ذلك.

قال آخر: ليس هذا فقط.. بل إن هناك أمورا أخرى كثيرة ينبغي ذكرها هنا.

قالوا: ما تقصد؟

قال: لقد رأيت في دكاكين العطارين خلطات مستوردة من دول كثيرة على هيئة مساحيق وأقراص وكبسولات وحبيبات ذات استعمالات خطيرة لا ندري ما الذي وضع فيها من مركبات.

قال آخر: لقد رأيت بنفسي كثيراً من الزيوت الحيوانية والنباتية وكثيرا من كريمات البشرة تحتوي على مواد خطيرة.. ربما تسبب تسرطن الجلد.. أو ربما تسبب عاهات مستديمة.. وهذه الزيوت والكريمات تحضر مع الأسف في محلات العطارة.. ويروج لها في مدارس البنات وفي محلات الحلاقة، وهي غير مقننة، وغير مدروسة.

قال آخر: لهذا لا بد من وضع مادة ترتبط بهذه القضية.

قال الكاتب: كيف نصيغ هذه المادة؟

قال: لنقل: يحرم شرعا وقانونا بيع أي دواء عشبي أو حيواني أو معدني يوجد على هيئة مسحوق أو على هيئة سائل أو مرهم أو كريم أو مخلوط بعسل أو المستحضرات المستوردة من كل الدول إلا بعد اطلاع المختصين من أهل الرقابة عليها.

قال آخر: أضف إلى هذا: لا تباع الأعشاب أو المشتقات الحيوانية إلا بوصفها الطبيعي كما هي دون جرش ودون تكسير ودون سحق ودون إضافات.. بل على هيئة أوراق، وأزهار، وبذور، وجذور، وجزامير، وهكذا.

قال آخر: أضف إلى هذا.. يمنع استيراد وبيع بعض الأعشاب الخطيرة والموجودة حالياً لدى محلات العطارة مثل عين الديك والسورنجان والسمفتون وأصبع العذراء.. وغيرها لما لها من خطورة على بنيان الله.

قال آخر: أضف إلى هذا.. تسحب كل المستحضرات غير المقننة والموجودة على هيئة مستحضرات صيدلانية سواء كانت في محلات العطارة، أوتباع في بعض الصيدليات.. ومثلها الخلطات العشبية وخلطات العسل من الصيدليات.. بل ينبغي إصدار تعميم يحذر من بيع هذه المواد.. وأي صيدلية يكتشف بيعها لمثل هذه المواد تقفل، ولا يصرح لها بالاستمرار في ممارسة المهنة.

قال آخر: أضف إلى هذا.. يمنع الباعة المتجولون الذين يروجون لبعض الخلطات أمام أبواب المساجد وأمام المراكز الكبيرة وعند إشارات المرور أو باستعمال الجوال.. ويجب على الجهات المسؤولة متابعة ومطاردة مثل هؤلاء الذين ربما يروجون لأشياء أخطر من المستحضرات العشبية.. وأن يصدر بحق من يمسك متلبساً ببيع وترويج مثل تلك المستحضرات العقوبة الرادعة.

الاختبار:

قالوا: ما تقصد بالاختبار؟

قال: امتحان الأطباء لاختبار كفاءتهم، فلا يتقدم لهذه المهنة الخطيرة إلا الأكفأ فالأكفأ.

قال أحدهم: هذا يحتاج لوضع برنامج تعليمي يتم على أساسه الاختبار.

قال آخر: أجل.. بل لا بد أن تتبني الوزرات المكلفة بالصحة قوانين تنظم بها الحياة الصحية للمجتمع.. حتى لا تصبح لعبة ببين أيدي المجربين.

قال آخر: لا يكفي أن يقوم المحتسبون وحدهم بالاختبار.. بل لا بد من نشر الوعي الصحي في أفراد المجتمع حتى لا يعبث بصحتهم العابثون.

قال آخر: لا بد من استعمال كل ما توصلنا إليه من تقنيات لهذا الغرض.

قال آخر: لا ينبغي أن نجنب المساجد هذه المهمة.. فالمسجد هو الذي يعلم الحياة الصحية بجميع معانيها.. وليس لنا من أسوة في ذلك غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فقد كان يحمل نظرية صحية متكاملة.

قال آخر: هذا يستدعي تعليم من يقوم بشؤون المساجد ما يؤدي به هذا الدور.

قال آخر: لا يكفي ذلك.. بل ينبغي أن يكلف الأطباء بنشر مل هذه التوعية لتفتح للرعية جميع منافذ الصحة.

قال آخر: أكل هذا يدخل في الاختبار؟

قال آخر: أجل.. فليس الاختبار ما يقوم به أهل الصراع من امتحانات صورية يعبث بها العابثون، وتقدم في سبيلها الرشاوى.. بل إن الطبيب الذي لا يتوفر على أهلية التطبيب يظل محاصرا من جميع أفراد المجتمع.

قال آخر: فلنسجل كل هذا.. ولنرسل لوزراة الحزم لتقوم بمهمتها.

التضمين:

قالوا: فما التضمين؟

قال: هو ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:(من تطبب ولم يعلم منه الطب فهو ضامن)، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن مسؤلية الطبيب عن أي خطر يتعرض له المريض..

قال آخر: وهذه المسؤولية ليست مسؤولية معنوية فحسب.. بل هي مسؤولية مادية.. فللمريض حق تعويض الضرر الذي أصابه.

قالوا: أهذه مسألة مجمع عليها؟

قال: وكيف يختلفون.. وقد نص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك.

قلت: ولكن الطبيب قد يعمل ظنه في كثير من الأحيان.. فهل يحاسب على ظنه.. أليس هو كالمجتهد إن أصاب فله أجران.. وإن أخطأ فله أجر واحد؟

قال: أجل ذلك صحيح.. ولهذا فقد رأيت تقسيم الأطباء إلى خمسة أصناف.. لكل صنف منهم حكمه الخاص.

قالوا: فحدثنا عن أولهم.

قال: هو طبيب حاذق أعطى الصنعةَ حقَّها، ولم تجن يده، فتولَّد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع، ومن جهة مَن يطبُّه تلفُ العضو أو النفس، أو ذهابُ صفةٍ..

قالوا: فما حكم من هذا وصفه؟

قال: هذا لا ضمان عليه اتفاقاً، فإنه تصرف مأذون فيه.

قلت: لم؟.. لقد أخطأ.. ألا يحاسب على خطئه؟

قال أحدهم، ويظهر عليه أنه من الفقهاء المعاصرين: الطبيب الحاذق لا يسأل عن الضرر الذي يصيب المريض، ولو مات المريض من جراء العلاج، ما دام المريض قد أذن له بعلاجه، ولم يقع من الطبيب خطأ في هذا العلاج، بل كان الضرر أو الموت الحاصل نتيجة أمر لم يكن في حسبان الطبيب، وهو ما يسميه الفقهاء المحدثون:(أمرلا يمكن توقعه او تفاديه)

وكذلك فإن من القواعد المقررة في الشريعة الاسلامية أن عمل الطبيب عند الإذن بالعلاج أو عند طلبه يعد واجبا، والواجب لا يتقيد بشرط السلامة، ولو أن واجب الطبيب متروك لاختياره وحده ولاجتهاده العلمي والعملي، فهو أشبه بصاحب الحق لما له من السلطان الواسع والحرية في اختيار العلاج وكيفيته.

قلت: أتقصد أن انتفاء المسؤولية عن الطبيب يتطلب..

قاطعني، وقال: يتطلب أربعة أمور: إذن الشارع.. ورضى المريض.. وقصد الشفاء.. وعدم وقوع الخطأ من الطبيب.

قالوا: فمن الثاني؟

قال: متطبِّبٌ جاهِلٍ باشرت يدُه مَن يَطُبُّه، فتَلِفَ به، فهذا إن علم المجنىُّ عليه أنه جاهل لا عِلْمَ له، وأَذِنَ له فى طِبه لم يضمن.

قلت: كيف تقول هذا أراك تشجع الجهلة من الأطباء على اللعب بالناس.. ثم كيف تعارض الحديث، وهو صريح في التضمين؟

قال: لا.. لا تُخالف هذه الصورة ظاهرَ الحديث، فإنَّ السِّياق وقوة الكلام يدلُّ على أنه غرَّ العليل، وأوهمه أنه طبيب، وليس كذلك.. أما إن ظنَّ المريضُ أنه طبيب، وأذن له فى طِبه لأجل معرفته، ضَمِنَ الطبيبُ ما جنت يده، وكذلك إن وصف له دواء يستعملُه، والعليلُ يظن أنه وصفه لمعرفته وحِذْقه فتَلِفَ به، ضمنه، والحديثُ ظاهر فيه أو صريح.

قلت: سلمت بهذا.. ولكن كيف يترك للطبيب الجاهل استغلال غباء الناس وغفلتهم.. ألم تسمع بإجماع الفقهاء على وجوب منع الطبيب الجاهل- الذي يخدع الناس بمظهره ويضرهم بجهله- من العمل، بل من القواعد المقررة في الحجر أن ثلائة يحجر عليهم ويمنعون عن العمل: المفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس.

قال: أنا لم أقل بأنه لا يعاقب.. ولكني قلت بأنه لا يضمن.

قلت: فما الفرق بينهما؟

قال: الضمان عقوبة للطبيب، وفائدة للمريض.. أما العقوبة فتخص الطبيب وحده.

قلت: ولم حرمت المريض من الفائدة.. وخصصت الطبيب بالعقوبة؟

قال: حتى يكون ذلك رادعا لأفراد المجتمع من الانخداع للأطباء الجهلة.. فإني أرى نفرا من قومك يتركون المختصين من الأطباء ويسلمون بنيانهم لعبث العابثين.

قلت: صدقت.. وأرى لكلامك قوة وحجة.

قالوا: فحدثنا عن الثالث؟

قال: طبيبٌ حاذِق، أُذن له، وأعطى الصَّنعة حقها، لكنه أخطأت يدُه.

قالوا: فما حكمه؟

قال: هذا يضمَنُ، لأنها جِنَايةُ خطإٍ..

قلت: ما نوع الخطأ الذي يتطلب التضمين؟

قال الفقيه المعاصر: علماء الشريعة الاسلامية يقصدون بخطأ الطبيب، الخطأ الفاحش الذي لا تقره أصول الطبابة، ولا يقره أهل الاختصاص.. ولهذا فإن الطبيب في الشريعة الاسلامية لم يكن يسأل عن الخطأ اليسير الذي يمكن أن يقع فيه أي طبيب، ولكنه يسأل عن الخطأ الذي لا يجوز أن يقع فيه طبيب، وذلك إما نتيجة الجهل أو عن خطأ فاحش لا تقره أصول فن الطب ولا أهل المعرفة فيه.

قلت: اضرب لي مثالا على هذا.

قال: كأن يريد طبيب قلع سن، فيقلع غيرها خطأ.. أو أن تمتد يده إلى غير موضع العلاج فتنال الجسم أو عضوا منه بتلف.. أو يعطي المريض دواء غير مناسب للداء فيضره.

قالوا: فمن الرابع؟

قال:الطبيب الحاذق الماهر بصناعته، اجتهد فوصف للمريض دواء، فأخطأ فى اجتهاده، فقتله، فيعتبر قتيلا، وتدفع دية لأهله.

قالوا: فمن الخامس؟

قال: طبيب حاذق، أعطى الصنعة حقها، فقطع سلعة من رجل أو صبى، أو مجنون بغير إذنه، أو إذن وليه، أو ختن صبيا بغير إذن وليه فتلف، فهذا يضمن، لأنه تولد من فعل غير مأذون فيه، وإن أذن له البالغ، أو ولى الصبى والمجنون.

العقوبة:

قالوا: فما العقوبة؟

قال: هو ما يضعه ولي أمر المسلمين من أصناف الروادع التي تمنع الجهلة من الجرأة على أجساد الناس.

قالوا: ولكن الشرع لم يرتب عقوبات معينة على المتطببين الجهلة.

قال: ليس بالضرورة.. فهذا من صلاحيات ولي الأمر.. فيمكنه أن يرتب بعد استشارة أهل الحل والعقد من أهل الاختصاص ما يراه رادعا من العقوبات.

قال أحدهم: هذا مما اتفق عليه البشر بجميع طوائفهم ومذاهبهم.. فلا يجوز اللعب بالصحة.

قال آخر: أجل.. ففي عهد البابليين وضعت قوانين صارمه لمزاولة مهنة الطب، وتشددوا في محاسبة الأطباء على أخطائهم، وقد تضمن قانون حمورابي القواعد المشددة لمحاسبة الأطباء حيث نصت المادة 128منه على ما يلي:(إذا عالج الطبيب رجلا حراً من جرح خطير بمشرط من البرونز، وتسبب بذلك في موت الرجل، أو اذا فتح خراجا في عينه، وتسبب بذلك في فقد عينه، تقطع يداه)

قال آخر: وقد أمر الاسكندر الأكبر بصلب الطبيب جلوكيس في الاسكندرية لإهماله في علاج مريض مما تسبب في وفاته.

قال آخر: وفى عهد الرومان لم تكن هناك نصوص خاصة بالمهنة الطبية مما دعا إلى تطبيق القانون العام على الأطباء، وكانوا يعتبرون الجهل وعدم المهارة خطأ موجباً للتعويض، وكان الطبيب يعتبر مسئولا عن التعويض اذا لم يبد دراية كافية في إجراء عملية أو أعطاء دواء ترتب عليه موت المريض، وكان العقاب يختلف بحسب المركز الاجتماعي للطبيب، فإذا كان من طبقة وضيعة أعدم، أما اذا كان من طبقة راقية نفي في جزيرة!

قال آخر: وفي العصور الوسطى في أوروبا اذا مات المريض بسبب عدم عناية الطبيب أو جهله يسلم الطبيب إلى أسرة المريض ويترك لها الخيار بين قتله أو اتخاذه رقيقا.

قال آخر: وكانت محاكم بيت المقدس تحكم في عهد الصليبيين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين بأن الطبيب مسئول عن جميع أخطائه، فإذا تسبب بجهله في وفاة رقيق، وجب عليه أن يدفع ثمنه لسيدة، ويترك المدينة، وان كان المجنى عليه رجلا ًحراً، وكانت المسألة تتعلق بجرح بسيط أو سوء العناية بما لم يترتب عليه موت المريض قطعت يد الطبيب، ويشنق الطبيب إذا مات المريض.

النصح

دخلت القسم الثالث من أقسام (دساتير الأطباء)، وقد كان الصفاء الخالص باديا على وجوه أهل هذا القسم، قال أحدهم: تعرفون اهتمامي باللغة.. فلذلك فإن في مصطلح الطب دلالة على ما ينبغي أن يكون عليه الطبيب.

قالوا: وضح لنا ما تقصد.

قال: الطِّب يراد به معان في اللغة، من أهمها الإصلاح.. فالطبيب لا بد أن يكون مصلحا.

ومن معانيه اللطف والسياسة.. ولهذا على الطبيب أن يكون لطيفا صاحب سياسة.

ومن معانيه الحِذق.. فلهذا يحتاج أن يكون حاذقا عارفا بأسرار مهنته.

قال آخر: لم نأت لنتحدث هنا عن أسرار اللغة ولا دلالاتها.. ولكنا جئنا للبحث في أصول النصح التي ينبغي وضعها في دساتير الأطباء.

قال آخر: لقد بحثت في أصول ذلك، فوجدتها أربعة.

قالوا: نعلم أنها أربعة.. فما هي؟

قال: تعليم المرضى، ومراعاة أحوالهم، واستعمال جميع وسائل الاستشفاء، ثم التنفيس عنهم.. ولا أرى أنكم ستعانون في وجه الحصر فيها.

قالوا: صدقت، وبورك فيك.. فلا نرى شيئا من النصح يعدو ما ذكرت.. فلنبدأ الحديث عنها.

تعليم المريض:

قالوا: فما تقصد بتعليم المريض؟

قال: لقد رأيت في أرض الصراع من العجائب ما ينقضي دونه العجب.

قالوا: وما رأيت؟

قال: رأيت المريض يدخل على الطبيب، فيجده متجهم الوجه عبوسا قمطريرا لا يكاد ينبس ببنت شفة.

قالوا: فكيف يعرف علته؟

قال: يسأله كما تسأل الآلة.. وربما سأله منتهرا.. فإن ذكر علته وانتهى منها.. بادر إلى مكتبه ليكتب الوصفة.. ثم يسلمه إياه بعد أن يقبض أجرته.. دون أن يخبره عن سر علته.. ولا إمكانية شفائها.. ولا ما تتطلبه من تدبير.. ولا نوع الدواء الذي سلمه له أو كيفية استعماله.

قال آخر: وقد رأيت أعجب من ذلك.. من الأطباء من يدخل جمعا من المرضى، ثم يسألهم بجانب بعضهم بعضا لا يراعي في ذلك حرمة ولا أدبا.. ثم لا يجد من الوقت الكافي ما يشرح به لمرضاه أسرار العلاج.

قال آخر: دعونا من عجائب أهل الصراع.. فقد غرهم بريق الذهب ورنين الفضة عن الإنسان وعن كل شيء.. وحدثونا عن أهل السلام.. وقوانين أهل السلام.

قال: من قوانين الطب عند أهل السلام لزوم تعليم المريض أو من يحيط به من العلوم ما يحفظ عليهم الصحة.

قلت: لعلك تقصد الثقافة الصحية.

قال: نعم، فحفظ الصحة للصحيح أو المريض يستدعي المعرفة بما تستوجبه الصحة من شروط.

قلت: فهل لذلك من دليل؟

قال: لا تصح الصلاة إلا بعلم الفرائض والسنن والمواقيت والمبطلات، ولا يصح الحج إلا بمعرفة السعي والطواف والوقوف، كذلك لا يصح الصحيح إلا بعلم قوانين الصحة والمرض؟

قلت: فأنت تقيس حفظ الصحة بالعبادات التي هي توجه لله بالعبودية؟

فقال: وهل يعبد الله بالعلل؟

قالوا: فلنتحدث عما يجب على الطبيب تعليمه المريض.

قال أحدهم: أول ما يجب تعليمه النظام الحياتي الذي ينبغي أن يسير عليه في حياته من أكل وشرب ونوم، وما يتطلبه مرضه من تصرفات.

قالوا: ولكن ذلك قد يجعل المريض مدرسا أكثر منه طبيبا.. ومن العامة من يثقل فهمه.

قال: إن نظم الحمية المتبعة مع الأمراض المختلفة محدودة.. فلذلك من الممكن تسجيلها على أوراق مطبوعة تسلم للمرضى، كما تسلم الوصفة، ليتولى أهلهم شرح ذلك لهم.

قالوا: هذه فكرة جيدة.. وهي تكفي هذا الجانب.

قال آخر: ومن العلوم التي أرى على الطبيب تعليمها المريض ما يتعلق بمرضه من الناحية الجسمية، كأن يعرف الأعضاء التي يرتبط بها مرضه، ومثلها الأجهزة، ومن اليسير طبع أوراق خاصة بذلك أيضا.. فالأمراض المنتشرة بين العامة في عمومها محدودة.

قال آخر: ونرى أن يعلموا كيفية تناول الدواء.. فهناك أخطاء كثيرة في هذا الجانب.

قال آخر: ونرى أن تذكر لهم مضاعفات الأدوية ليحترزوا منها.

قال آخر: ونرى أن نبين لهم نوع تأثير الأدوية.. هل هي من المسكنات، أم من المعالجات..

قال آخر: ونرى أن يذكر لهم كون المرض معديا أو غير معد حتى يطبقوا ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سنن التعامل مع الأوبئة.

قال آخر: أرى أن تكليف الطبيب بكل ذلك قد يرهقه.. فلماذا لا نقترح تأسيس عيادات خاصة بتثقيف المرضى.. ألم تنشأ الصيدليات لخدمة توزيع الدواء.. فلتنشأ عيادات خاصة تهتم بتثقيف المريض.. أو قد يرجع إليها إذا طلب الاستشارة!؟

قالوا: فكرة جيدة.. ولكن كيف تطبق؟

قال: تطبيقها سهل.. فالطبيب يكتب لهذه الجهة نوع المرض.. وهم يتولون شرح ما يتعلق به من المعلومات الخاصة التي يحتاجها.

مراعاة الأحوال:

قالوا: فما تقصد بمراعاة الأحوال؟

قال: للمرض أربعة أحوال: ابتداء، وصعود، وانتهاء، وانحطاط.. فالمرض لا يخلو من هذه الأحوال الأربع.

قالوا: فما فائدة التعرف عليها.

قال: هي فائدة جليلة.. فعلى الطبيب مراعاةُ كل حال من أحوال المرض بما يُناسبها ويليق بها، ويستعمِلُ فى كل حال ما يجبُ استعمالُه فيها.

قالوا: فاضرب لنا على ذلك مثلا..

قال: إذا رأى الطبيب في ابتداء المرض أنَّ الطبيعة محتاجة إلى ما يُحَرِّك الفضلات، ويستفرِغُها لنضجها، بادر إليه، فإن فاته تحريك الطبيعة فى ابتداء المرض لعائق منع من ذلك، أو لضعف القوة وعدم احتمالها للاستفراغ، أو لبرودة الفصل، أو لتفريط وقع، فينبغى أن يَحْذَرَ كل الحَذرِ أن يفعل ذلك فى صعود المرض، لأنه إن فعله، تحيَّرت الطبيعة لاشتغالها بالدواء، وتخلَّت عن تدبير المرض ومقاومته بالكلية.

قالوا: وضح لنا ما تريد.. فلكل قوم لسانهم.

قال: أقصد تشجيع المقاومة الذاتية في ابتداء المرض.. فإن كان المرض شديدا احتاج إلى استعمال الدواء.. ولم تجد المقاومة لضعف الجسم وقوة المرض.. ومثل ذلك مثل أن يجىءَ إلى فارس مشغول بمواقعة عدوه، فيشغله عنه بأمر آخر، ولكن الواجب فى هذه الحال أن يُعين الطبيعة على حفظ القوة ما أمكنه.

فإذا انتهى المرض ووقف وسكن، أخذ فى استفراغه، واستئصال أسبابه، فإذا أخذ فى الانحطاط، كان أولى بذلك.

ومثالُُ هذا مثال العدو إذا انتهت قُوَّته، وفرغ سِلاحُه، كان أخذُه سهلاً، فإذا ولَّى وأخذ فى الهرب، كان أسهلَ أخذاً، وحِدَّته وشَوْكتُه إنما هى فى ابتدائه، وحال استفراغه، وسعة قُوَّته، فهكذا الداء والدواء سواء.

قالوا: أراك تتعامل مع المرض كعدو يهجم على الإنسان.

قال: أجل.. فلذلك أسسنا الحصون التي تحمي الروح والجسد من العلل.

قالوا: أهذا فقط ما يراد بمراعاة الحوال؟

قال: لا.. هناك شيء أسميه التدرج..

قالوا: فما التدرج؟

قال: هو سنة من سنن الصالحين.. بل قبل ذلك هو سنة من سنن رب العالمين.. فلذلك من حِذق الطبيب أنه حيث أمكن التدبير بالأسهل، فلا يَعْدِلُ إلى الأصعب، ويتدَّرج من الأضعف إلى الأقوى إلا أن يخاف فَوتَ القُوَّة حينئذ، فَيجبُ أن يبتدىء بالأقوى.

قالوا: تقصد أن لا يبدأ بالدواء الأكثر تركيزا حتى يبدأ بما هو دونه.

قال: أجل.. ولهذا ينبغي أن يسجل التاريخ المرضي لكل مريض، ويحفظ بحيث يتعرف الطبيب على كل ما أصاب المريض من علل، وأنواع العلاج التي يستخدمها ليتسنى له علاجها وعدم حصول تداخل بين الأدوية.

قالوا: فكيف نطبق هذا؟

قال: أنتم أعلم بأمور ديناكم.. ولكن التقنيات التي توصلم لها في حفظ المال طبقوها في حفظ الصحة.. فحفظ الصحة أهم من حفظ المال.

قالوا: ما تقصد؟

قال: رأيت في بنوك أرض الصراع كيف تسجل كل جزئية صغير أو كبيرة ترتبط بالمال.. فالبنك يسجل كل ما يدخل أو يخرج بمواقيته.. وإلى كل الأمكنة تنتقل المعلومات.

قالوا: أجل.. يمكن تطبيق مثل هذا مع المرضى.. بحيث تسجل كل معلوماتهم ليعالج على ضوئها.

قال: شيء آخر له علاقة بالتدرج..

قالوا: ما هو؟

قال: إذا أمكنه العِلاجُ بالغذاء، فلا يُعالِج بالدواء.. وإذا أمكنه أن يعتاضَ عن المعالجة بالاستفراغ بالجوع أو الصوم أو النوم، لم يستفرغه، وكُلّ صحة أراد حفظها، حفظها بالمثل أو الشبه، وإن أراد نقلها إلى ما هو أفضلُ منها، نقلها بالضد.

قال أحدهم: هذا صحيح.. ولهذا.. فإن المريض في مدائن السلام ينزل قسم البركة أولا.. ثم مطاعم الشفاء.. ثم مزراعها.. ثم مصانعها.. فإن لم يجد كل ذلك نزل مناسجها.

قال: هناك شيء آخر له علاقة بهذا.

قالوا: ما هو؟

قال: إذا اجتمعت أمراض مختلفة في المريض، فإن له في ذلك منهجا خاصا رأيت أنه يتكون من ثلاث خصال.

قالوا: فما أولاها؟

قال: أن يكون بُرء الآخر موقوفاً على بُرئه كالورم والقُرحة، فإنه يبدأ بالورم.

قالوا: فما الثانية؟

قال: أن يكون أحدهُما سبباً للآخر، كالسَّدة والحُمَّى العَفِنة، فإنه يبدأ بإزالة السبب.

قالوا: فما الثالثة؟

قال: أن يكون أحدهما أهمَ من الآخر، كالحاد والمزمن، فيبدأ بالحاد.. ومع هذا فلا يغفُلُ عن الآخر.. وإذا اجتمع المرض والعَرَض، بدأ بالمرض، إلا أن يكون العَرَضُ أقوى كالقُولنج، فيُسكن الوجع أولاً، ثم يُعالج السَّدة.

قالوا: بورك فيك.. فكل ما ذكرته ينبغي تسجيله في دستور الأطباء..

قال: لقد ذكرت عشرين أمرا يحتاج الطبيب الحاذق الناصح مراعاتها نرى أنها تستحق التسجيل.

قالوا: فما هي؟

قال: أولها: النظر فى نوع المرض من أى الأمراض هو؟

قالوا: والثانية؟

قال: النظر فى سببه من أى شىء حدث، والعِلَّةُ الفاعلةُ التى كانت سببَ حدوثه ما هى؟

قالوا: والثالثة؟

قال: قوة المريض، وهل هى مقاومة للمرض، أو أضعفُ منه؟ فإن كانت مقاومةً للمرض، مستظهرة عليه، تركها والمرض، ولم يُحَرِّكْ بالدواء ساكناً.

قالوا: والرابعة؟

قال: التعرف على نوع مزاج البدن الطبيعى ليرده إلى أصله؟

قالوا: والخامسة؟

قال: التعرف على المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعى.

قالوا: والسادسة؟

قال: سِنُّ المريض.. فلكل سن علاجه الخاص به.. فما يصلح للكبير لا يحصل للصغير.

قالوا: والسابعة؟

قال: عاداته.. فإن لها تأثيرا كبيرا في التعرف على سبب مرضه.. وكيفية علاجه.

قالوا: والثامنة؟

قال: الوقت الحاضر من فصول السنة وما يليق به.

قالوا: والتاسع؟

قال: بلدُ المريض وتُربتُه.. فإن لكل منطقة جوها المناسب لها.

قالوا: والعاشرة؟

قال: حال الهواء فى وقت المرض.

قالوا: والحادي عشر؟

قال: النظر فى الدواء المضاد لتلك العِلَّة.

قالوا: والثانى عشر؟

قال: النظر فى قوة الدواء ودرجته، والموازنة بينها وبين قوة المريض.

قالوا: والثالث عشر؟

قال: ألا يكون كلُّ قصده إزالة تلك العِلَّة فقط، بل إزالتُها على وجهٍ يأمن معه حدوث أصعبَ منها، فمتى كان إزالتها لا يأمن معها حدوث عِلَّةٍ أُخرى أصعبَ منها، أبقاها على حالها، وتلطيفها هو الواجب، وهذا كمرض أفواه العروق، فإنه متى عُولج بقطعه وحبسه خِيف حدوث ما هو أصعبُ منه.

قال أحدهم: بورك فيك.. هذا من المواد التي ينبغي التركيز عليها.. فكثير من الأطباء يعالجون عللا بسيطة بأدوية تنشئ عللا أخطر من التي يريدون علاجها.

قالوا: فما الرابع عشر؟

قال: أن يُعالِج بالأسهل فالأسهل، فلا يَنتقِلُ من العلاج بالغذاء إلى الدواء إلا عند تعذُّرِه، ولا ينتقِلُ إلى الدواء المركَّب إلا عند تعذرِ الدواء البسيط، فمن حذق الطبيب علاجُه بالأغذية بدل الأدوية، وبالأدوية البسيطة بدل المركَّبة.

قالوا: فما الخامس عشر؟

قال: أن ينظر فى العِلَّة، هل هى مما يمكن علاجُها أو لا؟ فإن لم يُمكن علاجُها، حفظ صِناعته وحُرمتَه، ولا يحمِلُه الطمع على علاج لا يفيد شيئاً.. وإن أمكن علاجها، نظر هل يمكن زوالُها أم لا؟.. فإن علم أنه لا يمكن زوالُها، نظر هل يمكن تخفيفُها وتقليلُها أم لا؟.. فإن لم يمكن تقليلُها، ورأى أنَّ غاية الإمكان إيقافُها وقطعُ زيادتها، قصد بالعلاج ذلك، وأعان القوة، وأضعف المادة.

قالوا: فما السادس عشر؟

قال: ألا يتعرَّض للخلط قبل نُضجه باستفراغ، بل يقصد إنضاجه، فإذا تمَّ نضجُه، بادر إلى استفراغه.

قالوا: فما السابع عشر؟

قال: أن يكون له خِبْرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها، وذلك أصل عظيم فى علاج الأبدان، فإنَّ انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمرٌ مشهود، والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح وعلاجهما، كان هو الطبيبَ الكاملَ، والذى لا خِبْرة له بذلك وإن كان حاذقاً فى علاج الطبيعة وأحوالِ البدن نصفُ طبيب.

وكلُّ طبيب لا يداوى العليل، بتفقُّد قلبه وصلاحه، وتقويةِ روحه وقُواه بالصدقة، وفعل الخير، والإحسان، والإقبال على الله والدار الآخرة، فليس بطبيب، بل متطبِّبٌ قاصر.

ومن أعظم علاجات المرض فعلُ الخير والإحسان والذِّكر والدعاء، والتضرع والابتهال إلى الله، والتوبة، ولهذه الأُمور تأثيرٌ فى دفع العلل، وحصول الشفاء أعظمُ من الأدوية الطبيعية، ولكن بحسب استعداد النفس وقبولِها وعقيدتِها فى ذلك ونفعه.

قال أحدهم: صدقت.. وقد رأيت في أرض الصراع الأطباء الجفاة الذين يتعاملون مع الإنسان طينا لا روح فيها

قالوا: فأخبرنا عن الثامن عشر؟

قال: التلطفُ بالمريض، والرِّفق به، كالتلطُّف بالصبى؟

قالوا: فالتاسع عشر؟

قال: أن يستعمل أنواع العِلاجات الطبيعية والإلهية، والعلاج بالتخييل، فإنَّ لِحذَّاق الأطباء فى التخييل أُموراً عجيبة لا يصل إليها الدواء، فالطبيب الحاذق يستعين على المرض بكل مُعين.

قالوا: فالعشرون؟

قال: هو مِلاك أمر الطبيب أن يجعل علاجَه وتدبيرَه دائراً على سِتَّة أركان: حفظ الصحة الموجودة، وردِّ الصحة المفقودة بحسب الإمكان، وإزالة العِلَّة أو تقليلها بحسب الإمكان، واحتمالُ أدنى المفسدتَيْن لإزالة أعظمهما، وتفويتُ أدنى المصلحتَيْن لتحصيل أعظمهما، فعلى هذه الأُصول السِّـتَّة مدارُ العلاج، وكلُّ طبيب لا تكون هذه أخِيَّته التى يرجع إليها، فليس بطبيب.

استعمال كل الوسائل:

قالوا: فحدثنا عن الركن الثالث من أركان النصح.

قال: لا ينبغي للطبيب أن يقصر في استعمال أي وسيلة علاجية يمكن أن تنهض بالمريض.

قالوا: ولكن قدرات الطبيب محدودة.

قال: لا بد من توفير هيئات أخرى تهتم بالصحة من غير الأطباء.. فهناك أدوية البركة.. وهناك المتوسمون.

قال أحدهم: نرى أن لفتح هذا الباب خطرا على صحة المجتمع.

قالوا: كيف؟

قال: لقد رأيت في أرض الصراع تلاعب الرقاة بصحة الناس.. وأخشى لو سمحنا للمتوسمين بهذا لعالجنا داء بأدواء.

قالوا: ولكن الناس يحتاجون إلى من يعالجهم بغير الأدوية العادية.

قال: فلنضع من الحلول ما نسد به ذرائع الفساد.

قال أحدهم: نرى اشتراط الزهد في المتوسمين.. فإن أكثر ما يجر الناس إلى هذا هو الطمع في الأموال.

قالوا: ولا تنس الجاه.. فهو أخطر من المال.

قال: صدقتم.. فلا بد أن نفكر في حل لهذه المعضلة..

قال آخر: نرى أن نترك هذا للواقع.. فلا نتعرض للحديث عنه.. ولكن نحذر من تلاعب المفسدين.

قال آخر: لا.. لا بد أن نضبط الأمور.. فإن الفساد قد يسري من غفلة ولي الأمر عن النقير والقطمير.

قلت: صدقتم.. بل قد يدخل الفساد من الخير.. فللشر من المنافذ ما يستحيل حصره.

قالوا: نراك غريبا.. فهلا أدليت بدلوك معنا.. لعل الله يفتح علينا بسببك ما نهتدي به.

قلت: لقد رأيت في (ابتسامة الأنين) من تمرنوا على الرقية الشرعية البديلة عن رقيا المشعوذين.. فيمكن الاستعانة بهم.

قالوا: كيف؟

قال: يكونون تكوينا ممزوجا بين العلم والدين.. وطب الجسد وطب الروح ليعالجوا الناس على أساس الجمع بين الأمرين.

قالوا: صدقت.. ولكن منافذ الفساد.

قلت: لقد سمعت بوزارة الحزم.. فلتتول أمرها.

غرس الأمل:

قالوا: فحدثنا عن غرس الأمل.

قال: لقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا الركن من أركان النصح، فقال وهو يعلمنا كيف نتعامل مع المرضى:(إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل، فإن ذلك لا يرد شيئا، وهو يطيب بنفس المريض)([51])

قال آخر: وقد روي في الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم زار أم العلاء الانصارية ـ وهي تتوجع ـ فقال لها:(أبشري يا أم العلاء، فإن مرض المسلم يحط الله به عنه خطاياه كما يحط عن الشجرة أوراقها في الخريف)

قال آخر: لقد رأيت بعض الأطباء في أرض الصراع يخبر مريضه بما يحطم روحه وجسده.

قال آخر: لهذا ينبغي أن نذكر مادة تنهى الطبيب عن تيئيس المريض.

قالوا: ولكن المريض قد يضطر للتعرف على مرضه ليعرف كيف يتعامل معه وفي ذكره ما يحقق هذاالخطر.

قال: هناك أساليب يمكن أن يتفادى بها الطبيب هذا.. فيجمع بين الحسنيين.. حسنى العلاج وحسنى التنفيس.

الخلق

دخلت القسم الرابع من أقسام (دساتير الأطباء)، فرأيت الطيبة بادية على وجوه أهله، وكأن جميع ما أنزل الله من مكارم الأخلاق قد صورت في وجوههم وسلوكهم.

قال أحدهم: لا بد أن نحدد مقاييس أخلاق الطبيب.

قال آخر: الخلق واحد.. ولكن لكل محل أخلاقه المرتبطة به.. وبما أن الطبيب له علاقة بالمرضى، وهم شديدو الإحساس فإن وظيفته تستدعي أخلاقا لها علاقة بهذا.

قال آخر: أرى أن أصول أخلاق الأطباء أربعة..

قالوا: نعلم ذلك.. ولكن ما هي هذه الأصول الأربعة التي ترجع إليها أخلاق الأطباء.

قال: لقد تأملت فوجدت أنها تنحصر في الإخلاص والرحمة والتواضع والرفق.

الإخلاص:

قالوا: فما تريد بالإخلاص؟

قال: الإخلاص هو الأساس الذي يقام عليه كل بنيان، وأساس الانحراف هو فقدان الإخلاص، كما أن أساس النجاح هو وجوده.

قالوا: لا نشك في قيمة الإخلاص.. ولكنا نسأل عن كيفية تخلق الطبيب به.

قال: لقد كنت في أرض الصراع.. فرأيت كثيرا من الأطباء أجشع من التجار.. فلا يقصدون من علاجهم إلا الطمع في المال الذي يمتلئ به جيب المريض.

قالوا: فإن كان جيبه خاويا.

قال: أعرضوا عنه.. بل منهم من يصرفه كما تصرف الكلاب.

قالوا: ولكن الطبيب يحتاج إلى أجرة على عمله.

قال: ولكن مع ذلك لا يصح أن ندع الفقراء يلتهمهم المرض.

قال آخر: إن فراغ جيوب الفقراء في أرض الصراع يحول بينهم وبين التداوي الذي يخص المترفين، فبعض العمليات عندهم تتطلب أموالا ضخمة تنوء بها كواهل الأغنياء فكيف بالفقراء؟

قالوا: ذلك لأنهم حولوا من الطب تجارة.

قلت: وهل هو شيء غير التجارة؟

قال: لا يصح أن تصبح الحاجات الأساسية للخلق تجارة.

قلت: أتقصد أن يداوي الأطباء مجانا؟

قال: الناس مختلفون، فيهم الغني الذي يقدر على أن يدفع، وفيهم الفقير ولا قدرة له على الدفع..

قلت: تقصد أن يقبض الطبيب من الأغنياء حق خدمته، ولا يقبض من الفقراء.

قال: هذا صحيح، فكيف يقبض منهم ما ليس عندهم؟

ضحكت، وقلت: لكأني بكم لا تعرفون هؤلاء الأطباء، إنهم لا يضعون سماعاتهم على صدرك حتى يضعوها على جيبك.

قالوا: كيف.. أجيبك ينبئهم عن مرضك؟

قلت: لا.. بل ينبئهم عن استحقاقك للعلاج أو عدم استحقاقك.

قال: أيتركونك للموت من أجل فراغ جيبك؟

قلت: هم يخلون أنفسهم من المسؤولية.

قال: فأين زكاة صناعتهم؟

قلت: يدفعون ربع العشر عند مرور الحول.. هذا إن بقي لهم النصاب الذي لم يأت عليه ما يتطلبه الترف.

قالوا: هناك زكاة المال، وهناك زكاة الصناعة.

قلت: لا أعرف في أبواب الزكاة ما يسمى بزكاة الصناعة.

قالوا: ألا تعرف أن زكاة العلم إنفاقه؟

قلت: بلى، فلا يصح أن يكتم العلم، وقد قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }(البقرة:159)، و قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (البقرة:174)

وقد ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من كتم علماً يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن من الصدقة أن تعين صانعاً أو تصنع لأخرق)

قالوا: أليس الطب علما من العلوم؟

قلت: بلى.. بل هو علم من العلوم الشريفة.. فلولاه ما حفظت الصحة التي هي الأصل لحفظ الدين.

قالوا: فكيف يكتمون ما يحفظ الصحة ولا يبذلونه؟

قلت: ولكن كيف يصطادون المال إن بذلوا هذا النوع من العلم النفيس.

قالوا: لا نتصور أبدا أن تصبح الصحة موضعا للتجارة.. ولا أتصور طبيبا يقف أمام مريض على شفا الموت، يتركه لمعاناته لأجل خلو جيبه من المال.

قلت: هذا هو الواقع.

قالوا: هذا هو واقعكم.. أما واقعنا، فمختلف تماما.. اكتبوا كل ما يقينا من هذه الانحرافات التي وقع فيها أهل الصراع.

قال أحدهم: أنا اقترح تأسيس مستشفيات للفقراء تغنيهم عن البخلاء من الأطباء.

قالوا: بماذا نؤسسها؟ وكيف نؤسسها؟

قال: بأموال المحسنين، وزكاة الأطباء.

الرحمة:

قالوا: فما يتعلق بدساتير الأطباء من الرحمة؟

قال: لا يصح أن يخلو قلب الطبيب من الرحمة.. فبالرحمة يعالج الطبيب.

قال آخر: هناك مسألة مهمة إن رأيتم أن نبت فيها هنا.. فلها علاقة بهذا الباب.

قالوا: وما هي؟

قال: ذهبت إلى أرض الصراع.. فرأيتهم يتصارعون فيما يسمى بالقتل الرحيم.

قالوا: وما رأوأ؟

قال: الحديث عن ذلك طويل.. وقد نقلت صورة لما رأيت.. وسأعرضها عليكم في هذا الرائي.

التفتت الجماعة نحو جهاز كذلك الجهاز الذي رأيته في حصون العافية، والذي يعمل بتقنية قوس قزح.. لقد كانت الصورة واضحة، وكأن أعيننا هي التي انتقلت لا الصورة هي التي حضرت.

ظهرت صورة جمع من الناس مجتمعين كما في البرلمانات التي عهدناها، قال رئيس الجلسة([52]): جلستنا اليوم تتمحور حول موضوع مهم أرجو أن نبت فيه.. وهو ما يسمى بالقتل الرحيم..

فهل من حق الطبيب الحكم بالإعدام على المريض الميئوس من شفائه؟.. هل نرحمهم من عذاب بلا نهاية؟.. هل نجعلهم يموتون بشكل إنساني رحيم؟.. هل نوفر عليهم وعلى أسرهم المعذبة استمرار نزيف المعاناة النفسية والمعنوية والمادية بلا أمل؟.. هل نريحهم من آلام الإبر المغروسة في أوردتهم ليلاً ونهاراً؟.. هل نخلع تلك الوصلات التي تربطهم بحياة هي في الحقيقة حياة وهمية؟.. هل نفعل ذلك … أم نتمسك بأمل مجهول … معجزة إلهية تدفع النبض من جديد في الجسد الكائن في سكون؟.. هل من حق الإنسان الميئوس من شفائه أن يظل حتى الدقيقة الأخير تحت العلاج … حتى ونحن نعلم أنه علاج بلا جدوى؟.. هل تفرض علينا الإنسانية أن نبقي إنساناً ميتاً حياً … أو حياً ميتاً على قيد الحياة؟

قال أحدهم: أنا من الهند.. وقد اجتمع مؤتمر الاتحاد الدولي لجراحي المخ والأعصاب بنيودلهى من 8-13 أكتوبر 1989 م وأجمع أعضاؤه.. وكانوا أربعة آلاف طبيب على اتخاذ قرار ينص على أنه في حالات الأمراض غير القابلة للشفاء.. وفى المرحلة الأخيرة يحق للطبيب بعد مناقشة واضحة وقرار من المريض أو أقرب أقاربه أن يحد تدخله من هذا العلاج بشكله المناسب إلى قدر الإمكان لنوعية الحياة التي تقترب من نهايتها.

قال آخر: كنت معه في هذا المؤتمر، وقد نص أيضا على أنه من الواجب العناية بالمريض الذي على حافة الموت حتى النهاية.. ولكن بطريقة تسمح للمريض بالمحافظة على كرامته.

قال آخر: كنت معهم.. وكان القرار الذي وافق عليه أربعة آلاف طبيب من مختلف دول العالم على أن من حق الطبيب في إيقاف علاج المريض الذي أصبح ميئوساً من شفائه.

قال آخر: لقد أبدعنا في بلادنا (اليوتانيجا)

قالوا: وما (اليوتانيجا)؟

قال: تستطيعون تسميته (القتل من أجل الرحمة) أو (القتل يأساً من الشفاء)

قالوا: وضح ما تريد.

قال: هذه قضية متفجرة في أكثر من دولة في كل أنحاء العالم.. وهناك دول تمارس بالفعل ظاهرة القتل الرحيم.. ولكنها حتى الآن لم تصدر التشريعات والقوانين التي تنظم ممارسة هذا العمل.

قالوا: إلى الآن لم نفهم ما تريد.

قال: سأضرب لكم مثالا يوضح لكم هذا.. في مارس عام 1991 نشرت إحدي المجلات الطبية الأمريكية واقعة حول هذا الموضوع أشارت الكثير من الجدل وفيها يروي الطبيب (تيموثي كيل) حالة المريضة (دياني) التي كانت مصابة بسرطان حاد في الدم، وقررت ألا تتناول جرعة الدواء الكيميائي المخصص لها، والتي وصفها لها الطبيب المعالج.. ونظراً لاقتناعه بأن دياني قد اتخذت بالفعل القرار الحكيم، فقد وصف لها الطبيب المحاليل الكيميائية التي ساعدتها على التخلص من حياتها.

قالوا: وصف لها ما يقتلها.

قال: أجل.. وفى يوليو في نفس العالم رفضت هيئة المحلفين إدانة الطبيب (كيل) بتهمة مساعدة المريض على الانتحار.

ثم جاءت (المبادرة 119) وهى استفتاء ولاية واشنطن على مشروع قانون يبيح ممارسة القتل الرحيم، ليصبح أكبر دليل على تزايد التأييد لهذه الفكرة في الولايات المتحدة.

قالوا: فهل يجد هذا تأييدا شعبيا عندكم؟

قال: أجل.. ولم يقتصر الأمر على ذلك.. ففي عام 1990 كان الطبيب المتقاعد جاك كينعوركاتاب حديث العناوين الرئيسية في الصحف عندما ساعد جانيت إدكيز، وهي سيدة مصابة بمرض عضال على الانتحار في مدينة ميتشجان باستخدام آلة الانتحار التي اخترعها.. والتي من خلالها يستطيع المريض حقن نفسه بمادة سامة من خلال أنبوبة خاصة.

وفى سبتمبر عام 1991 ساعد الطبيب كيفور اثنين من مرضاه على الانتحار أيضاً في ميتشجان التي ليس لديها أي قوانين حدية تمنع تدخل الطبيب لمساعد مرضاة على الانتحار.

وفى أبريل 1919 نشرت جمعية هيملوك كتاب ديري همفري (المخرج الأخير Final Exit) الذي يصف أكثر من طريقة للانتحار، ويقدم بيانياً كاملاً بالأقراص التي يستطيع الشخص تناولها للانتحار وعددها، وسرعان ما أصبح هذا الكتاب في مقدمة أكثر الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد امتدح مؤيدو الكتاب مضمون الكتاب واعتبروه مادة قيمة لمساعدة المرضي الميئوس من شفائهم.. خاصة المصابين بالإيدز الذين يخشون فقد السيطرة على أنفسهم وعدم كيفية موتهم.

بل إن انتشار الكتاب على هذا النحو قد يدفع أصحاب الأمراض العصبية بقوة إلى الانتحار.

قال آخر: أنا من هولندا.. ولنا طرقنا الخاصة بالقتل الرحيم.. فعندنا يعطي المريض محاليل بهدف قتله رحمة به.. وهذه العقاقير تصيب المريض بغيبوبة عميقة لا إفاقة منها خلال 30 دقيقة على أن تضع حداً لحياته في غضون عدة ساعات.

قال آخر: أنا من بلده.. وقد أصدرنا وثيقة خاصة بـ (الليثمانميا)، وصدرت عن أطباء الجمعية الهولندية الملكية للأدوية.. وهي تنص على أنه يجب عدم منح المريض أي عقاقير خاصة بالهلوسة أو التشنجات.. وإن حصل احتمال للتقيؤ فيجب أن يواجه بإعطاء المريض المزيد من العقاقير.

ومنذ نحو 20 عاماً مضت قبل أن تصبح اليوتانجيا عملاً مقبولاً في النظام الطبي الهولندي كان المريض الذي يطلب تطبيق اليوثانيي عليه يخاطر بمواجهة موت أقل راحة وكرامة.. ففي ذلك الوقت كان الأطباء الذين يشعرون بالأسي لوضع حد لآلام المرضي يلجئون إلى إصابة المريض بنسبه نقص السكر من خلال حقن بجرعات مضاعفة من الأنسولين وحقنه بعقاقير أخري تساعد على إصابة نوبة قلبية، وأحياناً كانوا يخنقون المرضي بالوسائد.

قال آخر: أما الآن فيتم تخيير المريض بين حقن بعقار سام تحت الجلد حتى يغرق في غيبوبة كاملة يعقبها حقن آخر بمواد تساعد على ارتخاء العضلات من أجل شل عمل الجهاز التنفسي علاوة على طرق أخري يتم خلالها قتل المريض الميئوس من شفائه على عدة مراحل تستغرق عدة ساعات من خلال عقاقير سامة أيضاً.

قال آخر: والأمر يزداد شدة.. ونخشى أن يخرج الأمر على السيطرة.. فيصبح الأطباء منفذي إعدام أكثر منهم أطباء.. وخاصة إذا أصبح الأمر بيد الطبيب، ولم يعد المريض هو صاحب القرار.. فإن ذلك سيفتح الباب أمام ممارسات غير مشروعة لا أول لها ولا آخر وقد يصعب وقفها.. وليس بعيداً عن الأذهان تجارة الأعضاء التي أصبحت رائجة عند الكثيرين لدرجة أنه يمكن التأكيد على أن هناك طرقا خاصة بهذه التجارة.

أغلق الرائي بعد أن بث وقائع هذه الجلسة، فقام المتحدث، وقال: لقد سمعتم ما يحصل في أرض الصراع، فاذكروا رأيكم.. وانظروا كيف تسدون ذرائع الفساد.

قال أحدهم: أول شيء لا أتصور أنكم تخالفونه هو أنه لا يجوز لأحد أن يقتل نفسه، أو أن يقرر أن يقتل نفسه، كما يرى من سمعنا من المصارعين.

قال آخر: وقد دلت النصوص المقدسة على هذا، فالله تعالى يقول: { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }(النساء:29)

قال آخر: وقد دل الحديث الصريح الصحيح على هذا، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من تردي من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً أبداً، ومن تحسي سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في النار خالداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً أبدا)([53]

قال آخر: وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة)([54])

قال آخر: وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكيناً نحر بها يده فما رقأ الدم حتى مات، قال اللّه عزَّ وجلّ: عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة)([55])

قال آخر: المادة الأولى المتعلقة بهذا إذن هي: حرمة قتل المريض لنفسه سواء بالفعل أو بالقرار.

قالوا: أجل.. فلا نظن أن هناك من يخالف في هذا.

قال أحدهم: بقيت مسألة الاستمرار في العلاج من مرض ميئوس منه، هل يجب على الطبيب والمريض الاستمرار في العلاج، أم يجوز قطع العلاج في حال اليأس؟.. مع العلم أن قطع العلاج يؤدي لا محالة إلى الموت.

قال آخر: أرى أن المقصد من العلاج هو حصول الشفاء أو تسكين الألم.. فإن لم يتحقق أحد الغرضين.. فلا جدوى من العلاج.

قالوا: ما تقصد؟

قال: أي أن هذا الشخص إن كان يستعمل الدواء ليبقي بصيص الحياة.. ولكنه يظل ـ مع ذلك ـ يعاني، فأرى أنه لا حرج في وقف العلاج.

قالوا: هذه مسألة خطيرة لا يمكن البت فيها إلا بفتوى الفقهاء.

قال: أظن أن هناك نصوصا وردت عن الكثير من الصالحين في هذا، وهي تدل على عدم لجوئهم إلى الطبيب إذا يئسوا من الشفاء.. وهي تدل على أن القصد هو الشفاء أو تسكين الألم مع الاستمرار في الحياة..

قال آخر: لقد قرأت نصوصا كثيرة عن هذا.. منها أنه لما مرض عبد اللَّه بن مسعود قيل له: ألا نأمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني([56]).

قال آخر: ومن جهة أخرى، فإن هذا المريض سيجعل نفسه وأهله في معاناة مستمرة.. وأعرف أن بعضهم ـ وكانوا فقراء محدودي الحال ـ أرسلوا والدتهم لإجراء عملية في الخارج بأموال ضخمة، وقد كانت عجوزا مسنة، وكان المرض ميئوسا منه.. ولكنها ما إن وصلت، وأجريت لها العملية حتى لفظت أنفاسها الأخيرة.

قال آخر: صدقت.. فلو أن هؤلاء تركوا والدتهم تموت بجانبهم كان أفضل لهم ولها.. ولو أن تلك الأموال الكثيرة التي ذهبت لجيوب المستشفيات الخاصة ذهبت إلى أهل الحاجة لكان أنجح لهم جميعا.

قال آخر: أظن أننا نتفق على هذه النقطة.. فالعلاج الواجب هو ما حقق مقصد الشرع من التداوي.. أما ما لا طائل وراءه إلا التعب فلا حاجة له.. والأفضل للمريض هو الاستسلام لقدر الله بالموت..

قال آخر: ولكن..لا بد من سد ذرائع الفساد التي قد يتخذها البعض لقتل مريضه قتل الرحمة الذي يتصوره.

قال آخر: هم يتصورون أن الرحمة في تخلصه من العذاب.. مع أن ذلك العذاب الذي يعانيه في تلك اللحظات من الرحمة.. لأن الله تعالى يطهره من ذنوبه، ولعل ذنوبه تغفر في تلك الدقائق التي تمتلئ ألما.

قال آخر: ولهذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم  أن (موت الفجأة أخذة أسف)([57])

قال آخر: ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يتعوذ من موت الفجأة وكان يعجبه أن يمرض قبل أن يموت([58]).

قال آخر: ولهذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن للموت سكرات.. وقد ورد في الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه،ويقول:(لا إله إلا الله إن للموت سكرات)،ثم نصب يديه فجعل يقول:(في الرفيق الأعلى حتى قبضومالت يده)([59])

قال آخر: وفي هذه السكرات رحمة لا ينبغي أن نتسبب في حرمان المريض منها..

قال آخر: وقد روي في الحديث عن ابن مسعود قال: دخلت عَلَى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يوعك فقلت: يا رَسُول اللَّهِ إنك توعك وعكا شديدا، قال:(أجل إني أوعك كما يوعك رجلان مِنْكم)، قلت:(ذلك أن لك أجرين) قال:(أجل ذلك كذلك، ما مِنْ مسلم يصيبه أذى: شوكة فما فوقها إلا كفر اللَّه بها سيئاته، وحطت عَنْه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها)([60])

قال آخر: ما دمنا قد بتتنا في هذا.. فلنتحدث عن نقطة مهمة اختلف فيها بعض أهل الصراع.

قالوا: وما هي؟

قال: هناك مرضى في عداد الموتى.. ولكنهم مرتبطون بأجهزة تمدهم بحياة صورية لا معنى لها.. مع العلم أن تكاليف هذه الأجهزة ضخمة لا يمكن تحملها.. وهي في نفس الوقت تجول دون استفادة الغير منها.

قالوا: هذه المسألة مثل التي قبلها.

قال: ولكن ألا يعتبر وقف الجهاز عن العمل نوعا من قتل المريض!؟

قال أحدهم: لقد تحدث الفقهاء عن هذا.. ففرقوا بين مجموعة صور للحياة.. فهناك الحياة المستقرة، وهناك الحياة غير المستقرة.

قال آخر: لقد قرر بعض الفقهاء المعاصرين([61]) على أن الشخص يُعتبر ميتا إذا تبينت فيه إحدى علامتين:إذا توقف قلبه وتنفسه توقفاً تاماً، وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.. أو إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلا نهائيا، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل.

وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص، وإن كان بعض الأعضاء لايزال يعمل آليا بفعل الأجهزة المركبة.

قال آخر: وقد وافق المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة (1408هـ) على رفع أجهزة الإنعاش وإيقافها متى تبين بالفحوصات الطبية المؤكدة من قبل المختصين بأن هذا الشخص قد مات دماغيا.

قال آخر: أيمكن الاستفادة من أعضاء هذا الذي حكم عليه بالموت؟

قال آخر: أجل.. وبهذا يمكن إنقاذ مئات المرضى الذين يعانون من فشل نهائي لأعضائهم الحيوية الهامة، وبالتالي إنقاذهم.

التواضع:

قالوا: فما تريد بالتواضع؟

قال: لقد كنت في أرض الصراع.. فرأيت من عجائب كبر الأطباء ما ينقضي دونه العجب.

قالوا: عجبا.. أطبيب، ويتكبر؟.. كيف يتعامل المريض مع طبيب مستكبر؟

قال: لقد رأيت من المرضى من يرتج عليه إذا وقف أمام الطبيب.

قالوا: فما ترى من علاج لهذا؟

قال: أرى أن يتصرف الطبيب بكل ما يزيح الهيبة منه من نفس المريض حتى يستطيع أن يصف له حاله.

قال آخر: ولا أرى ما يفعله كثير من الأطباء من الانقباض عن المرضى بحجة حفظ هيبتهم.. فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم أعظم الناس هيبة مع أنه كان أعظم الناس تواضعا.

الرفق:

قالوا: فما تريد بالرفق؟

قال: لقد نص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الخلق، فقد ورد في الحديث عن أبي رمثة قال: دخلت مع أبي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأى أبي الذي بظهره([62])، فقال:(دعني أعالجه فإني طبيب)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( الله الطبيب)([63]).. وقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم علة كون الله هو الطبيب الحقيقي، فقال:(الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق، طبيبها الذي خلقها)

 قال آخر: لقد قرأت نصوصا جميلة لابن الحاج تتعلق بهذا.. إن شئتم قرأتها لكم.

قال آخر: لا حاجة لأن تقرأها.. فها هو ابن الحاج.. وسيذكرها لكم.

قال ابن الحاج: من آداب المريض أنه عند مباشرته لمريضه يتعين عليه أن يؤنسه ببشاشة وطلاقة وجه ويهون عليه ما هو فيه من المرض اقتداء بالسنة المطهرة.. وينبغي للطيب أن يكون أمينا على أسرار المرضى فلا يطلع إلا إذا علم أن المريض لم يأذن له في ذلك إلا بقصد استجلاب خواطرالاخوان أومن يتبرك بدعائه.. وينبغي ألا يقعد مع الطبيب غيره لمن هو مباشر للمريض وعالم بحال مرضه بشرط أن لا يستحى المريض أن يذكر مرضه بحضرته.

 ومن آكد ما على الطيب حين جلوسه عند المريض أن يتأنى عليه بعد سؤاله حتى يخبره المريض بحاله، ويعيد عليه السؤال لأن المريض ربما تعذر عليه الإخبار بحاله لجهله به أو تأثره بقوة ألمه.

قلت: أراك تنتقد كثيرا من أهل عصرك في المدخل.. فهل انتقدت الأطباء؟

قال: كيف لا أنقدهم.. وكيف أرضى عن منكرهم.. هم لا يمهلون المريض حتى يفرغ من ذكر حاله، بل عندما يشرع في ذلك فإن الطيب يجيب أو يكتب.. والحال أن المريض لم يفرغ من ذكر حاله..

قلت: يزعم بعضهم أن ذلك من قوة المعرفة والحذق وكثرة الدراية بالصناعة.

قال: لا.. فالعجلة لغير الطبيب قبيحة لمخالفتها لآداب السنة المطهرة فكيف بها في حالات الطيب.. فيتعين على الطبيب أن يسمع كلام المريض إلى آخره، فلعل آخره ينقض أوله أو بعضه.. ولربما يغلط المريض في ذكر حاله أو يعجز عن التعبيرعنه، فإذا تأنى الطيب وأعاد عليه السؤال برفق أمن من الغلط.. فإن الغلط في هذا خطر لأن أصل الطب والمقصود منه هو معرفة المرض، فإذا عرف سلمت مداواته غالبا.

قالوا: وهل هناك ناحية أخرى تتعلق بالرفق؟

قال: أجل.. ينبغي للطيب أن لا يقتصر على سؤال المريض وحده، بل يسأل من يخدم المريض إذ ربما يعرف عن المريض أكثر مما يعرفه هو.

قالوا: هذه ناحية مهمة.. فقد لا يعرف المريض كيف يعبر عن مرضه.

قال: وينبغي للطيب أن يعرف حال المريض في حال صحته في مزاجه ومرباه وأقليمه وما أعتاده من الأطعمة والأدوية، سواء بالسؤال من المريض أو ممن يلوذ به.. وإذا تعذر عليه ذلك فليسأل عن والدي المريض، ويطبه بمقتضى حالهما.

قالوا: فهل هناك ناحية أخرى تتعلق بهذا؟

قال: أجل.. ينبغي للطبيب أن ينظر في حال المريض.. فإن كان مليا أعطاه من الأدوية ما يليق بحاله، وان كان فقيرا أعطاه ما تصل إليه قدرته من غير كلفة ولا مشقة.

قالوا: فهل هناك ناحية أخرى تتعلق بهذا؟

قال: أجل.. ينبغي للطبيب أن يكون الناس عنده على أصناف فصنف يأخذ منه، وصنف لا يأخذ منه، وصنف إذا وصف لهم شيئا من الأدوية أعطى لهم ما ينفقونه فيه..  فالصنف الأول من له سعة في دنياه.. والصنف الثاني العلماء والصلحاء المستورون في حال دنياهم، فلا يأخذ منهم شيئا إلا أن يكون محتاجا.. والصنف الثالث الفقراء الذين لا يقدرون على كفايتهم في حال الصحة، فهؤلاء يعطيهم ثمن ما يصفه لهم إن كان في سعة.

قالوا: فلنسجل كل ما ذكره ابن الحاج.. فكل هذه أخلاق يحتاج الطبيب إلى التحلي بها.


([1])  البيهقي في الشعب.

([2])  الطبراني في الكبير والحاكم.

([3])  الحاكم.

([4])  مسلم.

([5])  نبات حولي من فصيلة المركبات، يوجد في الحقول وعلى جوانب الطرق بالمناطق الحارة، ويتراوح ارتفاعه ما بين 15 ـ 50 سم، ساقه متفرعة، أوراقه طويلة ومجنحة، وأزهاره بيضاء، ولزهرة البابونج رائحة عطرية تميز العشبة عن أعشاب تشبهها لا رائحة لها.

([6])  يساعد البابونج على رفع التشنجات الحاصلة في المعدة، وسائر أقسام الجهاز الهضمي، ويزيل المغص من المعدة والأمعاء والمرارة أحيانا.

([7])  يساعد البابونج على شفاء الجراح غير الملتئمة بسرعة، وعلى الأخص في تلك الأماكن من الجسم التي تعسر معالجة الجراح فيها، كالقسم الأسفل من الساق، فيمكن معالجة الجراح بكمادات البابونج أو المراهم المركبة منه، فتندمل بعد وقت قصير.

([8])  يمكن استخدام أبخرة البابونج في معالجة النزلات الصدرية والرشوحات الرئوية، وذلك بأن يسخن الماء في قدرعلى النار ويلقى فيه شئ من البابونج، ثم يغطى الرأس مع القدر بقطعة كبيرة من القماش، ويبدأ المريض في استنشاق بخار البابونج مدة ربع ساعة على الأقل، فيقوم البابونج بقتل هذه الجراثيم ورفع الالتهابات.

([9])  كما يحتوي على فلافو نيدات وجلوكوزيدات مرة وكومارينات ومواد عفصية.

([10])  يستخدم مغلي البابونج في أوروبا كمشروب لعلاج القرحة، وقد نصح عدد كبير من العشابين المتميزين باستعمال هذا النبات، وقد قال الطبيب رودلف فرتزويس عميد الأعشاب الطبية الألمانية ومؤلف كتاب Herbal medicine أن البابونج هو الوصفة المفضلة لعلاج القرحة، ولا يوجد وصفة أخرى يمكن أن تجاريه من المستحضرات الكيميائية المشيدة المستخدمة لعلاج القرحة.

([11])  لا يجب الإكثار من تناول شاي البابونج، إلا في حالات خاصة ينصح بها الأطباء، لأن ذلك يؤدي في هذه الحالة إلى عكس المفعول، فيشعر الشخص بثقل في الرأس وصداع عند القيام بتحريك الرأس، ويستولي عليه الألم، في كل مرة يهتز بها جسمه، وتعتريه الدوخة والعصبية، وحدة المزاج والأرق، أي أنه تنتابه جميع تلك العوارض التي يوصف البابونج في مكافحتها.

([12])  الزعتر: هو السعتر ويسمى الصعتر، وهو نبات مشهور من الفصيلة الشفوية، ويكثر بصفة عامة في دول حوض الأبيض المتوسط، ويطلق عليه صفة مفرح الجبال لأنه يعطر الجبال برائحته الذكية.

واسمه العلمي Thymus Vulgaris، والجزء الطبي المستعمل منه: الفروع المزهرة،والأوراق، وهو من التوابل، وله رائحة عطرية قويةوطعم حار مر قليلاً، وله نوعان: بريونوع آخر يزرع.

([13])  هو الدكتور محمد أحمد مطر في تصريح لوكالة الانباء الكويتية (كونا)

([14])  المادة الفعالة في معظم أدوية السعال مستخلصة من السعتر، وهي مادة التيمول.

([15])  عرقسوس ة، ويعرف علمياً باسم Glycyrrhiza glabra، وهو نبات شجري معمر ينبت في كثير من بقاع العالم مثل سوريا وآسيا الصغرى وأواسط آسيا وأوربا ومصر وكان قدماء المصريين يتناولون نقيع جذوره في الماء… والجزء المستخدم منها الجذور.

([16])  المادة الفعالة في السوس هي الكلتيسريتسن، وثبت أن عرق السوس يحتوي على مواد سكرية وأملاح معدنية من أهمها البوتاسيوم، والكالسيوم، والماغنسيوم، والفوسفات، ومواد صابونية تسبب الرغوة عند صب عصيره، ويحتوي على زيت طيار.

([17])  عقار الكاميتداس وهو علاج قوي لقرحة المعدة مستخرج من نبات العرقسوس، وقد وجد أن المادة الموجودة في العرقسوس « صابونين » هي التي تقوم بالأثر العلاجي، وتدخل أيضا في الأدوية المعالجة لآلام الحنجرة والكحة وضعف التنفس كما أنها تصلح كمضاد للإمساك.

([18])  مع ملاحظة أن الاستمرار في استعماله لمدة طويلة أو زيادة الجرعة له تأثيرات سلبية مثل الصداع، ارتفاع ضغط الدم واحتباس السوائل ونقص في البوستاسيوم.

([19])  الهندباء Taraxacum afficinalis من الفصيلة المركبة، وهي نبات غض يتراوح ارتفاعه ما بين  40 __80 سم، ولها ساق أجوف قليل الأوراق، تكسو الأوراق شعيرات خشنة… وهو حولي أو ثنائي الحول، والقليل منها معمرة تنمو عفوياً في الأراضي الرملية والجافة، كما تزرع الهندباء، ويعرف النوع المزروع بالنوع البستاني، والنوع الآخر بالهندباء البري.

([20])  أزهار الهندباء مستديرة برتقالية إلى صفراء اللون، وربما يوجد بعض الأنواع بلون أزرق، وهي تتفتح بطريقة عجيبة حيث تنفتح صباحاً وتنقفل بإحكام مساءً.

([21])  جذر الهندباء غليظ مخروطي يتعمق في التربة وينبعث منه جذامير جانبية عرضية، كما تحوي بعض سيقان الهندباء عصارة لبنية.

([22])  تعتبر جذور وجذامير  الهندباء  أحد العقاقير المسجلة في دستور الأدوية الأمريكي كعلاج لأمراض الكبد.

([23])  اعتبرت الدساتير العلاجية الألمانية جميع أجزاء  الهندباء  صالحة لعلاج أمراض الكلى ولأفضل المواد ادراراً للبول.

([24])  كان الهولنديون أول من فكر في استعمال جذور الهندباء  اليابسة ومزجها بالبن، وصنع قهوة الهندباء منها وجعلها مشروباً مقوياً للأمعاء.

([25])  وهناك دراسات علمية أجريت على أوراق الهندباء حيث نشر بحث قيم في مجلة النباتات الطبية العالمية توصي باستخدام أوراق الهندباء كأفضل مادة لإدرار البول.

([26])  المربمية sage هي نبات عشبي معمر صغير، ويعرف علميا باسم salvia officinalis من الفصيلة الشفوية، التي تضم الريحان والنعناع والحبق والزعتر.

وهي من أشهر وأقدم النباتات التي تستخدم في الطب القديم والحديث، وتشتهر بها بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط.

وهي تحتوي على زيوت طيارة وفلافونيدات وأحماض فينولية ومواد عفصية، والمادة الفعالة تعود إلى مركبات الزيت الطيار.

([27])  ابن سعد، والبخاري في التاريخ والترمذي.

([28])  هو الدكتور أحمد كمالي أستاذ علم العقاقير والنباتات الطبيعية في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية.

([29])  المريمية لا تسبب فشلاً كلوياً كما يشاع.

([30])  المرمية من النباتات التي تحتوي على الزيوت الطيارة، واهم مركباتها ثوجون والذي يمثل 50% من محتويات الزيت الطيار. كما تحتوي على تربينات ثنائية مرة وفلافو نيدات واحماض فينولية ومواد عفصية.

([31])  الشوفان Avena Sativa من الفصيلة النجيلية GRAMINEAE: هو نبات عشبي حولي يشبه الحنطة والشعير في الشكل، وهو ينبت عادة بينهما، وبذوره متوسطة بين حب الحنطة والشعير، والجزء المستخدم منه هو البذور والسيقان الجافة.

ولم يرد اسم الشوفان في المعاجم العربية القديمة، ولا في المفردات، وقد عرف في الماضي بأسماء مختلفة مثل هُرطُمان، وهي كلمة فارسية وخافور وقرطمان، والنوع الذي يزرع يسمى خرطان زراعي أو خرطان معرف… أما كلمة شوفان فهي جديدة حيث أطلقت في القرن الماضي فقط.

ومن محتوياته: قلويدات، وسيترولز، وفلافونيدات، وحمض السليسيك ونشا، وبروتين، والذي يشمل الجلوتين، وفيتامينات، وبالأخص مجموعة فيتامين ب، ومعادن مثل البوتاسيوم والكالسيوم والمغنيسيوم والفوسفور والحديد والصوديم وهيدرات الكربون… ما يحتوي على دهن وهرمون قريب من الجريبين (الهرمون المبيضي) وعلى الكاروتين بالاضافة الى فيتامين ب ب (PP) وفيتامين د… وتتفاوت المحتويات الكيميائية بين أنواع الشوفان العادي والتركي والأحمر والقصير والنبوي لكن المواد الأساسية والجوهرية توجد في جميع الأنواع.

([32])  وفي عام 1997 سمحت منظمة الأغذية والأدوية الأمريكية (FDA) للشركات المصنعة للشوفان لإضافة هذا الادعاء على منتجاتهم الغذائية من الشوفان.

([33])  هي شجرة معمرة من فصيلة الزيزفونات، وساقها خشبية، ذات قشرة ملساء كثيرة الأغصان، ولهذه الشجرة أنواع عديدة لا فرق بينها من الناحية الطبية، وأوراقها كبيرة على شكل قلب مائل، وهي مسننة وبعضها رمحية شبيهة بأوراق الزيتون، ولونها فضي وهذا الصنف شائع في البلاد العربية، وأما أزهارها فهي عنقودية بيضاء أو شقراء لها رائحة عطرية طيبة.

ومن عناصره الفعالة: تانين والسكر والصمغ والفانيلين.

([34])  اللحاء أو الخشب الأبيض: هو طبقة في الشجيرة، تتوسط القشرة والخشب، لونها أبيض، وتدعى اصطلاحا باللحاء أو الخشب الأبيض الكاذب، وهي تحتوي على مادتين رئيستين:سكرية وعفصية قابضة، بالإضافة إلى الفيتامينات: ب1، ب2، ج.

([35])  يعرف العوسج بعدة أسماء منها: قصر، عوسجة، وعنب الديب، كما يعرف علمياً باسم Lycium shawi، وهو عبارة عن شجيرة شوكية معمرة يصل ارتفاعها إلى حوالي مترين.. له سيقان خشبية متفرعة والفروع متعرجة ومتداخلة.. الأوراق صغيرة وبسيطة ذات لون أخضر يميل إلى الصفرة.

([36])  الناردين الطبي هو المعروف بحشيشة القطة، ويعرف علمياً باسم Valeriana officinalis، وهو عبارة عن نبات معمر يتراوح ارتفاعه ما بين  80- 150سم، له ساق مستقيمة قوية جوفاء ومضلع اغصانه قليلة، وله أوراق متقابلة مركبة ريشية الشكل تضم كل ورقة ما بين  5-  11وريقة عريضة أو ما بين  11-  33وريقة ضيقة وهي مسننة الحواف، الأزهار تجتمع في قمم الأغصان على هيئة باقات بلون ابيض إلى زهري. الثمرة تاجية لها صرة ريشية. جذور النبات قصيرة له فسلات تحت الأرض  ورائحته كريهة وقوية… والموطن الأصلي له أوروبا وشمال آسيا وينمو في البراري في ظروف رطبة ويزرع في وسط أوروبا وشرقيها.

([37])  الجرعة المعروفة للناردين هي أخذ كوب شاي مرة إلى أربع مرات في اليوم ويحضر شاي الناردين بأخذ  2-  3جرامات من الجذومور المسحوق ووضعها على 150ملي من الماء المغلي ويترك ما بين  5-  10دقائق ثم يصفى ويشرب. والجرعة القصوى للناردين هي 15جراماً في اليوم الواحد.

أما فيما يتعلق بالحمام المائي لغسل الجسم بالناردين فيخلط 100جرام من مسحوق الجذمور مع  2لتر ماء مغلي ثم يضاف هذا المزيج إلى حوض المغطس المملوء ويجلس فيه الشخص حوالي نصف ساعة وذلك لقطع العرض ولاضفاء رائحة طيبة للجسم، وكذلك مفيد لمشاكل الرحم عند النساء.

([38])  هو نبات عشبي معروف من فصيلة الخيميات وهو غير الآنسون المعروف بالشمر، ساقه رفيعة مضلعة تتشعب منها فروع طويلة تحمل أوراقاً مسننة مستديرة، والأزهار صغيرة بيضوية الشكل، وتستعمل ثماره الناضجة… من مكوناته: زيت طيار 3% مادة انيثول وميثيل شانيكول من الزيت الطيار، وهرمون الاستروجين وزيت ثابت.

([39])  أحمد والبخاري وأبو داود.

([40])  النسائي وابن حبان.

([41])  كنا قد عرضنا في الطبعة السابقة من الكتاب مجموعة نماذج عن الوصفات التقليدية والحديثة للعلاج بالأعشاب لكن أعرضنا عن ذكرها هنا خشية أن يعتقد القارئ أن هدف الكتاب هو تلك المعلومات الطبية التي هي شأن المختصين.

([42])  أبو داود، والنسائىُّ، وابن ماجه.

([43])  انظر: آداب الشافعي ومناقبه، ص 321.

([44])  الإحياء: 1/21.

([45])  الإحياء: 1/21.

([46])  ذكر هذا ابن فرحون في الديباج، ص 253.

([47])  مالك.

([48])  زاد المعاد.

([49])  أبو داود، والنسائىُّ، وابن ماجه.

([50])  انظر: جريدة الرياض.

([51])  الترمذي.

([52])  انظر: القتل الرحيم: هل هو رغبة إنسانية أم دعوة شيطانية؟، الدكتور محمد السقا عيد، موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. وانظر: مجلة زهرة الخليج في عددها رقم 694 يوليو 1992 السنة الرابعة عشرة.

([53])  البخاري.

([54])  البخاري ومسلم.

([55])  البخاري ومسلم.

([56])  قال المنذري:« ذكره رزين في جامعه، ولم أره في شيء من الأصول، وذكره أبو القاسم الأصبهاني في كتابه بغير إسناد » الترغيب والترهيب: 2/294.

([57])  أبو داود..

([58])  الطبراني في الكبير.

([59])  البخاري.

([60])  البخاري ومسلم.

([61])  مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة المنعقدة في عمان – الأردن – 1407هـ/ 1986م.

([62])  وهو خاتم النبوة وكان ناتئاً فظنه سلعة تولدت من الفضلات.

([63])  الترمذي والنسائي مختصرا ومطولا وقال الترمذي: حسن غريب.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *