ثانيا ـ كنز القناعة

ثانيا ـ كنز القناعة

خرجت من قصر الاستغناء، وقد جمعت ثروة طائلة من جواهره النفيسة..سرت مع المعلم في أرجاء مدائن الغنى بحثا عن قصر جديد، لجمع جواهر جديدة.

فجأة وقفنا أمام قصر مهيب، كل ما فيه جميل، مستغن بما فيه عن المدينة وأهل المدينة، وكأنه معزول عنها تماما، سألت المعلم عن سر هذا القصر، فقال: هذا قصر القناعة.. فالقنوع مكتف بما عنده، لا تمتد عيناه لغيره.

دخلت القصر، فقد كان معي جواز الافتقار، وإذا بي أرى مرشد القصر في حلة جميلة وطلعة بهية لا تقل عن حلة وطلعة مرشد قصر الاستغناء، فتقدمت إليه، وسألته، محاولا إظهار خبرتي بتلك القصور، قلت له: أنا لي علاقة طيبة بالمرشدين، وقد صحبت في الأيام السابقة مرشدا، ليتك رأيت ما يتمتع به من طاقات.

قال: بلى.. أعرفه.

قلت: أهو قريبك إذن أم صديقك، فالحرفة الواحدة تجعل أصحابها أصدقاء رغم أنوفهم؟

قال: أنا أعرفه لا لصداقة بيننا..

قلت: إذن هو قريبك..  ولكن الشبه بينكما بعيد.

قال: ليس هو قريبي، بل..

قاطعته قائلا: فكيف عرفته إذن؟

قال: أنا هو..

بهت متأملا صورته محاولا إيجاد شبه بينهما، ثم قلت: أهو أنت محبة ومودة، أم هو أنت شحما ولحما؟

قال: ما بك يا هذا، ألا ترى الإنسان إلا شحما ولحما!؟

قلت: اعذرني، فأنا من قوم يقولون مثل هذا الكلام، ولكن اصدقني ما المعنى المجازي في قولك:( هو أنا )

قال: ليس هناك معنى مجازيا، كل ما في الأمر أني هو، وهو أنا.

قلت: والصورة مختلفة!؟

قال: ألم تسمع عن سوق الصور؟

قلت: بلى، قرأت ما رواه المحدثون عنه صلى الله عليه وآله وسلم:( إن في الجنة لسوقا ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى  الرجل صورة دخل فيها )([1])

قال: فهذا من ذاك.

قلت: ولكن ذاك في الجنة، ونحن في الدنيا.

قال: ولكن.. ألم تسمع بأن الأولياء تعجل لهم جنانهم في الدنيا، ألم تسمع قول من قال:( في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة )؟ 

قلت: بلى.

قال: فهذا كذلك من ذاك.

ثم التفت إلي، وقال معاتبا: دعك من الأقنعة، واقنع بالحقيقة، وهلم لتجمع كنوز القناعة، ولا تنس قلمك.

***

 التفت إلى المعلم، وقلت: كم طوابق هذ القصر، وكم جواهره؟

قال: أربع: التدبير، والاقتصاد، والكفاية، والأمن.

قلت: فما سر كون هذه الجواهر أربع.. أهو مجرد غرام بالأربع؟

قال: لأن القناعة علاج الطمع والحرص.

قلت: وما في ذلك؟

قال: لأن الطمع والحرص ناتج عن أربع علل، كل علة منها تداوى بأشعة جوهرة من الجواهر.

قلت: فما هي، وما سر انحصارها؟

قال: الطمع والحرص ناتجان من فراغ عظيم يجده الطامع والحريص، ألا ترى أن حروف الطمع جميعها جوفاء.. هي تشبه تماما نفس الطامع..

قلت: لعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى ذلك بقوله:( لو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون له ثان، ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب)([2])

قال: صدق صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أشار إلى علة الحرص والطمع أتم إشارة.

قلت: وهذه الصفة.. ما علاقتها بالعلل الربع؟

قال: إن الفراغ الذي يعانيه الطامع يجعله حريصا على ملئه، كما أخبر صلى الله عليه وآله وسلم بأنه إن كان له واديان، وملأ بهما جوفه، يشعر بأن جوفه لا زال يحتمل المزيد، فيظل حبيس فقره وحاجته وطمعه.

قلت: وهذا إلى ما يؤدي.. لا زلت حريصا على سر الأربع.

قال: يؤديه ـ أولا ـ إلى اختلاط في تصرفاته ، وجشع في تناول الأشياء، مثله كمثل من أدخل سوقا مملوءا بالكنوز، ثم أعطي ساعة ليجمع منها ما يشاء.. فتراه في تلك الساعة، وقد اختلط عليه أمره.. لا يدري كيف يتصرف.. ولا ماذا يجمع؟.. ولا أين يضع؟

قلت: هذا صحيح، فبم يعالج هذا؟

قال: يعالج بالتدبير والتنظيم والتثبت.

قلت: فما العلة الثانية؟

قال: الفراغ الذي يعانيه يجعله يسرف في تناول الأشياء، لأنه يعتقد أن جوفه لا زال يحتمل المزيد، ألا ترى الشره كيف يأكل فوق حاجته إلى أن يصاب بالتخمة، لا لكونه جائعا، ولا لكونه مشتهيا، وإنما للمرض الذي يعانيه!؟

قلت: مرض فراغ الجوف.

قال: وهو مرض لا يقل خطورة عن كثير من الأمراض التي يحرص قومك على طلب علاجها.

قلت: فبم يعالج هذا؟

قال: بالاقتصاد، ألم تسمع أن الاقتصاد نصف المعيشة!؟

قلت: بلى .. فما العلة الثالثة؟

قال: الفراغ الذي يعانيه الطامع والحريص يجعله يطلب أشياء كثيرة لا حاجة له إليها حرصا على ملأ فراغه، هو كمن يريد أن يملأ حفرة عميقه، فوضع فيها التراب، فلم يكف، فوضع فيها الحجارة، فلم تكف، فراح يضع المزابل والقمامات.

قلت: فما وجه التشيه في هذا؟

قال: هذا الذي كان طمعه سبب فقره، فلم ينظم حياته، ولم يدبر معيشته، ولم يقتصد.. سيؤديه ذلك لا محالة لمزابل الناس وقماماتهم وأيديهم ليملأ جوفه.

قلت: فبم تعالج هذه العلة؟

قال: تعالج بالكفاية والزهد.

قلت: ولكني سمعت أن الزهد داء لا دواء.. ودخيل على الدين لا أصيل.

قال: ذلك ما أسمعك قومك.. أما الحقيقة فهي أن الزهد هو باب الكمال، ومفتاح الغنى.

قلت: ولكنه يدعوني إلى الجوع.

قال: بل يدعوك إلى أن تقتصر من حياتك على ما يكفيك ويغنيك، فلا تمتد عيناك لغير ما جعل الله لك من حاجات..  أريد أن أسألك سؤالا.

قلت: سل.

قال: لماذا يخيط نساجو قومك السراويل برجلين فقط، ولماذا يكتفون بصناعة قدمين للأحذية.

ضحكت وقلت: وهل رأيت رجلا بثلاثة أرجل أو بأربعة أقدام؟

قال: لو فقهوا سر هذا لما وجد في الدنيا فقير واحد؟

قلت: كيف؟

قال: لأن سبب الفقر هو استيلاء الغني على مائدة الفقير ليضيف إلى مائدته أصنافا جديدة، ولو أنه زهد واكتفى بما يحتاجه، ولم تمتد عيناه لمائدة أخيه لعاش الجميع بالكفاية.. فالله تعالى أنزل من الأرزاق ما يكفي الجميع.. ألم تسمع الحق وهو يقول:{ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ}(فصلت: 10) ؟

قلت: فالزهد والكفاية إذن علاج لمرض الفقر.

قال: بل سم لقتله، ورصاصة في نحره، وحربة في صدره.

قلت: ولكن هناك من يسيء فهمه.

قال: إساءة الفهم لا تقلب الحقائق.. أرأيت لو أن الناس أجمعوا على أن الشمس برتقالة كبيرة وضعت في الفضاء، لغرامهم بالبرتقال، أكان ذلك يغير من حقيقة الشمس؟

قلت: لو كان ذلك كذلك لأجمعوا على أن حجارة الجبال كلها عقيق وزبرجد وجواهر، وأن تربة الأرض كلها دراهم ودنانير.

قال: فلا تسمع لما يقال.. وابحث عن الحقيقة.. واكتف بها.

قلت: أين؟

قال: في نور البصيرة، وبصيرة النور.. في كتاب ربك.. وفي الفطرة التي نور الله بها بصيرتك.

قلت: فما العلة الرابعة؟

قال: الفراغ الذي يعانيه الطامع والحريص يجعله خائفا على المستقبل، وكأن الذي رزقه اليوم قد يحرمه غدا.. أو كأنه أمام رب مزاجي يتصرف بحسب ذوقه، لا بحسب ما تتطلبه حاجات عباده.

قلت: فإلام يؤدي هذا؟

قال: يؤدي إلى نسيان الحريص ليومه، وانشغاله بيده، فهو لا يقول:( أنا لدي اليوم ما يكفيني، فأنا غني بفضل الله )، بل يقول:( ليس لدي في غد ما يكفيني.. فأنا فقير )

قلت: لقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك بقوله:( ابن آدم عندك ما يكفيك، وأنت تطلب ما يطغيك، ابن آدم لا بقليل تقنع، ولا من كثير تشبع، ابن آدم إذا أصبحت معافى في جسدك آمنا في سربك([3]) عندك قوت يومك، فعلى الدنيا العفاء )([4])، وفي حديث آخر أو في لفظ آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(  من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا )([5])

قال: هذا حديث عظيم.. لو عملتم به لقهرتم الجوع، وقتلتم الفقر.

قلت: كيف؟

قال: لأن خزائن الأغنياء مملوءة بطعام الفقراء.

قلت: لماذا؟

قال: لأنهم يخافون أن تغور مياه الأرض، أو تجف عيون السماء، أو تقوم أعشاب الأرض وأشجارها بإضراب، فلا تنبت كلأ ولا تثمر ثمرا.

قلت: ولكن الحاجات ليست طعاما فقط، والفقير عندنا قد يجد ما يأكل، والغني لا يشح عليه بذلك.. ولكن هناك مشاكل أخرى.. هناك السكن، وهو أخطر المشاكل.

قال: والغني لا يكتفي من المسكن بما يؤويه كما لا يكتفي بالطعام بما يكفيه.

قلت: لقد ذكرتني بحديث لا أعلم مدى صحته، يقول فيه صلى الله عليه وآله وسلم:( يا أيها الناس! أما تستحيون! تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تعمرون، وتأملون ما لا تدركون، ألا تستحيون من ذلك )([6])

قال: أرأيت لو أن الأموال المبذولة في قصور الأغنياء بنيت بها مساكن بسيطة للفقراء، أكان ذلك يعالج ما تسميه بمشكلة السكن.

قلت: بل يكفي لبناء مساكن فارهة لا بسيطة.

قال: فحرصكم إذن هو الذي أوقعكم في الفقر، لا فضل الله.

قلت: فما علاج هذه العلة الرابعة.

قال: الأمن.

قلت: وما الأمن؟

قال: الثقة في فضل الله، والرضى بتقدير الله وتقسيمه وأن تعيش يومك وتسأل الله لغدك.

قلت: فكيف أتحقق بهذه الأدوية الأربع.

قال: بأن تملأ جوفك بهذه الأدوية الأربع.

قلت: وأين أجدها؟

قال: في هذا القصر، وبالتعرض لأشعة جواهره، وتفهم أسرار حقائقه.

***

تأملت ما قاله، فإذا بخاطر جميل يلوح لي يملؤني نشوة وينزع بعض الكدر، لقد قلت لنفسي: إن أكثر من تراهم من الفقراء الذين تحزن لهم ليسوا فقراء، وإنما هي أجوافهم التي جعلوها كهاوية عميقة لا يملؤها شيء.

وتذكرت حينها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس )([7])

وذكرت قوله صلى الله عليه وآله وسلم ناصحا:( إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع؛ واليد العليا خير من اليد السفلى)([8])

وتذكرت قوله صلى الله عليه وآله وسلم  وهو يبين منبع من منابع الفلاح:(  قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه اللَّه بما آتاه )([9])

وعلمت أن المراد بالفلاح هنا ليس ما نتوهمه من قصره على الآخرة، بل المراد به النجاح في كلا الحياتين: الحياة الدنيا والآخرة، فالله رب الدنيا والآخرة.

جوهرة التدبير:

وقفت مع المعلم أمام أول جوهرة من جواهر كنز القناعة، لأملأ جوفي بأشعتها، قال لي المعلم: هذه جوهرة نفيسة.. حقيقتها تخلق بأخلاق الله.

قلت: هذا كلام خطير، فما علاقة القناعة والفقر بصفات الله؟

قال: أليس الله هو المدبر؟

قلت: بلى، ولكن تدبير الله مختلف، فخزائن الله لا تنفذ.. وخزائننا محدودة مقدرة.

قال: وهذا ما يزيد في عمق الإشارة.

قلت: لم أفهم.

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم لسعد عندما رآه يتوضأ، ويسرف في الوضوء:( ما هذا السرف يا سعد؟)، فقال سعد:( أفي الوضوء سرف؟)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( نعم، وإن كنت على نهر جار )([10])

قلت: بلى، ولكن ما علاقة ذلك بالإشارة؟

قال: لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يبين لنا أن الإسراف لا يرتبط بكم الأشياء، وإنما هو خلق، فقد تجد الفقير يسرف، والغني يقتصد.

قلت: هذا صحيح وواقع، ولعله من أسباب الفقر، ولكن ما علاقته بالإشارة؟

قال: إن الله تعالى يملك كل شيء، ومع ذلك دبر الكون تدبيرا محكما بحيث لا نجد زيادة ولا نقصا في أي محل.

قلت: أهذا ما يشير إليه قوله تعالى:{ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ}(فصلت:10)؟

قال: ومن هذه الآية يتخلق المؤمن بخلق التدبير الذي يملأ جوفه بالحق لا بالباطل، وبالخير لا بالشر.

قلت: كيف، فلا أرى في الآية ما يشير إلى هذا، بل هي تتحدث عن عظمة الربوبية وتصرفها في الكون.

قال: إن الله قدر أقوات الأرض في أربعة أيام.

قلت: ولكن ما علاقة هذه بتدبير الله، ثم ما علاقة تدبير الله بتدبيرنا، وقبل ذلك ما حقيقة هذا التدبير؟

قال: اسأل خبراء قومك، وسيجيبونك.

قلت: بلى .. وقد درسنا في مراحل تعليمنا المختلفة الكثير من ذلك..

قال: وبالإضافة إلى ذلك، فإن الله تعالى دبر للأرض من الأقوات في جوفها ما تتنعمون به الآن مما لم يظفر به أسلافكم.

قلت: ولعل من يأتي بعدنا سيظفر بأقوات لم نظفر بها نحن.

قال: إن ذلك لكائن، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحدثنا عما يختزنه المستقبل من أحداث:(  ثم يرسل اللَّه عز وجل مطراً لا يكِنّ منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزَّلَقَةِ، ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك ودِرّي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقِحْفِها، ويبارَك في الرِّسل حتى إن اللِّقْحَةَ من الإبل لتكفي الفئام من الناس، و اللِّقْحَةَ من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللِّقْحَةَ من الغنم لتكفي الفخذ من الناس )([11])

ثم تمتم بينه وبين نفسه: ومن رحمة الله أن ستره عليكم كما ستر على من قبلكم.

قلت: لم؟ فالله هو الجواد الكريم.

قال: لأنه لو أظهره لما تركتم منه أخضر ولا يابس.

قلت: لم أفهم إلى الآن كيف يكون التدبير خلقا من أخلاق الله.

قال: كيف تدبر المرأة الحكيمة شؤون بيتها؟

قلت: تحاول أن تحول من القليل كثيرا، ومن الصغير كبيرا، وتنظم مصاريف البيت بحيث لا تصل إلى ضرورة، ولا تضطر إلى حاجة.

قال: أريد توضيحا أكثر لما تقول.

أحسست بانشراح لتحولي معلما، فاندفعت أقول: أرأيت لو أن عائل البيت لم يكن يتسوق ـ لفاقته أو لضرورة ـ إلا يوما واحدا في الأسبوع، فأتى بما يكفي ذلك الأسبوع، فما هي المدة التي ينبغي أن تتعامل معها المرأة المدبرة لذلك الرزق الذي سيق لها؟

قال: أسبوع.

قلت: هذا ما تفعله المرأة الحكيمة المدبرة، أما الخرقاء، والتي هي سبب فقر زوجها، فإنها قد تضعه جميعه في القدر في يوم واحد.

قال مندهشا: وسائر الأسبوع، ماذا تفعل فيه؟

قلت: تقترض من جيرانها، أو تضطر زوجها للسؤال والشحاذة.

قال: فسبب الفقر إذن قد يكون سوء التدبير.

قلت: هذا صحيح.

ثم التفت، وقلت: ولكني إلى الآن لا زلت مصرا على سؤالي.

قال: تقصد العلاقة بين تدبير الله وتدبير العبد.

قلت: أقصد سر كون التدبير تخلقا من أخلاق الله.

قال: لقد ذكرت لك بأن الله دبر أقوات الأرض في أربعة أيام، أي أن هذه الأقوات تنزل بقدر معين، بل إن القرآن الكريم سماها أقواتا، والقوت هو الرزق المحدود المعتدل.

قلت: فذلك يشبه إذن تدبير المرأة الحكيمة.

قال: بل إن تدبير المرأة الحكيمة هو الذي يشبه هذا التدبير، فهي متخلقة بأخلاق الله.

قلت: نعم لقد دبرالله رزق الرضيع تدبيرا حكيما، ولكنه وكل تدبير حياتنا نحن الكبار لنا، فليته دبرها كما يدبر الرضيع.

قال: لو كان الأمر كذلك لما احتجتم إلى شيء.. ولكن البلاء الذي اقتضته خلافتكم اقتضى أن يوكل بعض من رزقكم لبعض.

قلت: ليس بعض رزقنا فقط، بل كل رزقنا، فنحن تحت رحمة الأغنياء.

قال: لو كان كل رزقكم بيد الأغنياء لما عشتم لحظة واحدة.

قلت: كيف؟

مد يده إلي، فأغلق فمي وأنفي، فصحت بيدي، وقد كدت أختنق: لماذا تحاول قتلي، ألست تلميذك؟ وهل أخطأت في شيء؟

قال: لقد أجبتك عن سؤالك.

قلت: كيف تجيبني، وأنت تخنقني.

قال: تصور لو أن هؤلاء الأغنياء الذين تتوهمهم قد ملكوا رزقك، فمنعوك منه، ملكوا هذا الهواء الذي تتنفسه، أكنت تعيش بعده لحظة واحدة؟

قلت: كلا.. إلا إذا استعبدوني لمصالحهم.

قلت: صدقت.. فالله هو المدبر، ولولا تدبيره لهلك الخلق جميعا.

قال: فخذوا من تدبير الله، وتخلقوا به، لتحفظوا وجودكم، وتقتلوا الفقر الكافر الذي يتربص بكم ويستعبدكم.

قلت: أي فقر يتربص بنا، ونحن نختزن ثروة العالم، ألم تعلم ما أفاء الله على بلاد المسلمين من ثروات النفط.. الذهب الأسود؟

قال: إن الله لم يرزقكم ذلك الذهب لتعلقوه على أعناق الحسان، وتهدروه في المواخير، وإنما لتنصروا به المستضعف، وتملأوا به البطون الخاوية، وتطعموا به الأفواه الجائعة، وتحملوه معكم لتنصروا دين الله، وترفعوا راية الله.

 قلت: ولكن راية الله نرفعها على أجسادنا وجماجمنا.

قال: قبل أن ترفعوها على جماجمكم ارفعوها على أموالكم وأرزاقكم، فالله دعا إلى الجهاد بالمال والنفس، لا بالنفس فقط.

قلت: صدقت، فإنه ما يأتي الجهاد في القرآن الكريم بالنفس إلا ويقترن بالجهاد بالمال، قال تعالى:{ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}(التوبة:20)

قال: بل يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس.

قلت: وهل في ذلك سر؟

قال: لأن من قدم نفسه سوف لن يستطيع تقديم ماله.

قلت: كيف؟

قال: لأنه لا يستطيع أن يتكسب.

قلت: فماذا تريد هذه الآيات أن تقول إذن؟

قال: تريد أن تقول لكم: ابذلوا جميع جهودكم الخيرة، ثم اجعلوا خاتمتها موتكم في سبيل الله، أو هي تقول لكم:( قبل أن تموتوا في سبيل الله، حاولوا أن تحيوا في سبيل الله )

قلت: لأجل هذا إذن قال صلى الله عليه وآله وسلم:( خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله )([12])

قال: بل ورد في حديث آخر ما هو أعظم من هذا، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ليس أحد أفضل عند الله عز وجل من مؤمن يعمر في الإسلام، لتكبيره وتحميده وتسبيحه وتهليله )([13])

قلت: ولكن ما علاقة هذا كله بالتدبير.. ألم نخرج إلى الاستطراد، وأنت تعلم عيوبه؟

قال: لا.. ذاك تدبير الطعام، وهذا تدبير الحياة.. والحكيم هو الذي يدبر لمستقبله كما يدبر لبطنه، ويدبر لنشHji hGأته الآخرة كما يدبر لنشأته الدنيا.

 قلت: نعم، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن كيفية تدبير المؤمن لآخرته فقال:( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة )([14])

قال: وهذا يشبه تدبير الإنسان لأمر دنياه بحيث يحاول الموازنة بين حاجاته، فيسد بعضها ببعض.

قلت: ما أعظم ما تشير إليه النصوص من معان.. ولكن..

***

ما قلت هذا الكلام حتى شعرت بجوهرة كريمة تنزل أعماق صدري، تنجلي من نورها بعض الظلمات.

قلت في نفسي بعدها: لو أن أكثر الفقراء الذين ملأوا نفوسهم هما وحزنا، وملأوا العالم بكاء وعويلا، لو عرفوا كيف يتعايشون مع حالتهم، واطمأنوا بها، كما يتعايش المرضى مع أمراضهم، فيتناولون من الحمية ما يسد فاقتهم لانتفى فقرهم وعادت إليهم كرامتهم ولم يحجبهم اعتراضهم.

بل إن من الأغنياء من يبتليه الله بالمرض، فيعيش في حمية قاسية دونها حمية الفقراء، فما أهمية امتلاء جيوب الأغنياء، وخواء بطونهم؟

ثم لماذا لا يعتبر الفقير بما يحصل لهؤلاء، فيحمد الله لكون حميته بسبب خارجي، لا بسبب داخلي، ولكونها ممكنة الزوال لا مستقرة فيه، وبكونها لا تؤثر في سير حياته ولا سلامة عقله ولا طمأنينة ضميره؟

ثم تذكرت الأغنياء المترفين الذي دعاهم جزعهم وهلعهم وحرصهم إلى تدبير لا يكفيهم فقط، بل يكفي أمما من الناس، فمن الأغنياء في العالم من له ثروة توازي ميزانيات دول بحالها، ثم هو لا يقنع بكل ذلك، بل يفعل ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم:( لو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون له ثان ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ثم يتوب الله على من تاب)([15])

جوهرة الاقتصاد:

صعدت مع المعلم طابقا آخر في قصر القناعة، فوجدنا شعاعا عظيما متلألئا، سألت المرشد عنه، فقال: هذه جوهرة نفيسة من جواهرالقناعة، اسمها الاقتصاد.

قلت: نحن نعرف هذا الاسم، فهو الذي يسير سياسات العالم، ويحكم على شعوبها بالتقدم والتأخر.

قال: ذلك من تحريفكم للمعاني، لأن اقتصادكم يقوم على أهوائكم وتغليب مصالحكم، مبتوتا عن الأخلاق والمثل.

قلت: ذلك شأن كل شيء عندنا.. فما الاقتصاد عند أهل السلام؟

قال: اقتصاد أهل السلام يقوم على توزيع ثروات الله لخلق الله بما يتوافق مع مصالحهم جميعا، فلا نجيع بطنا لنشبع بطنا، ولا نفرغ جيبا لنملأ جيبا، ولا نبيد أمة لتعيش أمة أخرى على تراب جماجمها، وتملأ أنهارها من خالص دمائها.

قلت: كيف ذلك؟

قال: إن الله خلق رزق الخلق ليكفي الخلق، أليس هو الكافي والحسيب!؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى:{ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}(الزمر: 36)، وقال تعالى:{ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ}(آل عمران:124)

قال: ولكنكم ـ للفراغ الذي تشعرون به في أجوافكم ـ اعتديتم على الأرزاق التي جعلها الله لغيركم.

قلت: كيف ذلك، وهل يملك أحد أن يأخذ رزق أحد؟

قال: أجل.. ألا يعتبر السارق معتديا على رزق غيره، آخذا له بطريق الحرام؟

قلت: أجل، ولهذا عاقبه الشرع بتلك العقوبة الخطيرة، ليقول له: هذه اليد لم أخلقها لك لتأخذ رزق غيرك، بل لتأخذ رزقك، وتسعى لرزقك.. ولكن ما علاقة هذا بذاك، فأغنياؤنا لم يستولوا على أرزاق غيرهم، بل كسبوها بالطرق الصحيحة التي أقرها الشرع؟

قال: ولكنهم صرفوها في غير ما شرع الله، فأجاعوا بطونا كثيرة ليملأوا الفراغ الذي تشعر به أجوافهم.

قلت: أشيوعي أنت؟ إني أسمع في صوتك نبرة شيوعية.

قال: الشيوعي يهدم القصر، لينبي على أطلاله الكوخ، والذي يهدم مصارع، والمصارع لم يتعلم السلام.. وأنا معلم السلام.

قلت: فالرأسمالية في نظرك إذن أشرف؟

قال: الرأسمالية لاتهدم القصر ولا الكوخ، ولكنها تمارس كل الحيل لتجعل من حجارة الكوخ لبنات جديدة تزين بها القصر.

قلت: وأنت.. وأهل السلام؟

قال: أنا لا أهدم القصر ولا الكوخ، لأني صاحب سلام، ولكني أطلب من صاحب القصر أن يزين الكوخ لكي لا يشوه جمال قصره، وليحفظ التناسق في الكون.

قلت: أليس في طلبك صراع واعتداء على الحرية الشخصية لصاحب القصر؟

قال: لا.. لأنه لولا الكوخ ما بني القصر.

قلت: وهؤلاء الذين هدموا الكوخ أو القصر ما سر هدمهم له.. وهم يزعمون أنهم أعيان اقتصاد.

قال: لأنهم نظروا إلى أجوافهم الفارغة.. ولم ينظروا إلى الحقيقة.. فأحالهم ذلك إلى الإسراف.

قلت: وما الإسراف؟

قال: هو مجاوزة الاعتدال والتوازن الذي طبع الله بهما الأشياء جميعا، فلذلك لا ترى فيها أي فطور.

قلت: صدق الله العظيم:{ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ}(الملك:3)

قال: إن لم يكفك ذلك لتبصر هذه الحقيقة، فـ { ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ}(الملك:4)

قلت: لكأني بك تريد أن تقحمني في ما أقحمتني فيه في الطابق السابق، فتزعم لي بأن الاقتصاد خلق من أخلاق الله.

قال: ما قلت ذلك، فلا نسمي الله إلا بما سمى به نفسه.

قلت: فقد قال:{ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ }(السجدة: 5)، ولم يقل:( يقتصد)

قال: ومع ذلك فهو يحب المقتصدين، ويبغض المسرفين، فإن لم تقصد التشبه به، فتشبه بما يحبه.

قلت: كيف يحب المقتصدين؟

قال: ألم تسمع إلى الحق تعالى، وهو يقول:{ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(الأنعام: 141)، وهو يحض على تناول نعمه من غير إسراف، قال تعالى:{ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(لأعراف:31)

وقد يأخذ الإسراف أسماء أخرى، كلها لا يحبها الله، ولا يحب أهلها، قال تعالى:{ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}(البقرة:190)، فالمعتدي قد تجاوز حد الاعتدال إلى الظلم، فصار مسرفا، ولذلك تقوم الحروب بسبب الإسراف.

والإسراف نوع خطير من الفساد لا يحبه الله، قال تعالى:{ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}(البقرة:205)

قلت: وقد أخبر تعالى بأن المبذرين إخوان الشياطين، فقال:{ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً}(الاسراء:27)

قال: إن القرآن الكريم ـ هنا ـ يجعل التبذير والكفر في سلة واحدة، أتدري لم؟

قلت: لم؟

قال: لأن المسرف لا يعرف نعم الله، أو أن إسرافه يجعله يلتهم الأشياء التهاما يشغله عن معرفة مصدرها، فلذلك لا يبالي المسرف ما ملأ جوفه أمن حلال، أم من حرام، ولا يبالي أفيه منفعة، أم فيه مضرة، ولا يبالي ما عاقبة ما يتناوله أسجن أم زنزانة أم موت.. كل همه أن يملأ جوفه.

قلت: فالمسرف إذن يضر مصالحه.

قال: لا يضر مصالحه فقط، بل يضر مصالحه، ومصالح المجتمع، ومصالح الدنيا، ومصالح الآخرة.

قلت: فهلا تفصل لي مظاهر هذا الإضرار، فإن قومي لا يخافون من شيء كما يخافون على مصالحهم.

قال: سنتحدث عن مضار الإسراف وضرورة الاقتصاد في حفظ المصالح الخاصة والعامة، فالفقر فقر افراد وفقر مجتمعات، ومن الخطأ أن نعالج الفرد، ونترك المجموع للأويئة تلتهمها.

المصالح الخاصة:

قلت: فلنبدأ بأثر الإسراف في تهديم مصالح النفس؟

قال: إن الله تعالى خلق لنفس الإنسان التي هي جسم وروح طاقات معينة وحدودا محددة، فمن جاوزها وقع في الإسراف.. قل لي: لو أن جهازا من أجهزتكم الكهربائية يحتاج فقط إلى فرق كمون قدره 12 فولت، فأوصله شخص بتيار كهربائي قدره 380 فولط، ما يكون مصيره؟

قلت: التلف.

قال: فإن الله خلق لأجسامكم وأرواحكم التي هي حقيقتكم حدودا معينة، فمن جاوزها حصل له التلف، لا من الله، بل بما كسبت أيديكم، ألم تسمع قوله تعالى:{ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ}(الرحمن:33)

قلت: أجل.. ويستدل البعض بهذا على إمكانية غزو الإنسان للفضاء.

قال: ولكن الله تعالى قال بعدها:{ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ}(الرحمن:35)، أتدري لم؟

قلت: لعل في هذا تنبيها للمخاطر التي تعترض الإنسان إن فكر في سلوك هذا السبيل.

قال: لأن الله تعالى خلق الأرض للإنسان، ولم يخلق له أي كوكب آخر، فإن فكر في الخروج منها حصل له ما حصل للعبد الآبق، أو ما حصل للفراش المتهافت على النار، يحسبه لؤلؤا أو ياقوتا.

قلت: هذا قد يحصل في المستقبل، وقد يراد بالآية غير ما فهمنا، ولكن أريد معرفة أنواع الضرر التي يحملها الإسراف على مصالح الإنسان في جسمه وروحه.

قال: أما روحه، وهي حقيقته، فقد وضع الله لها قانونا تسير عليه، فإن جاوزته وقعت في الإسرف.

قلت: ألهذا يرد ذكر الإسراف في القرآن الكريم في غير المأكل والمشرب؟

قال: لكل ما يضر الجسد الظاهر قرين يضر الجسد الباطن، ولكل ما يضر الروح الظاهرة مثال يضر الروح الباطنة، فالروح كالجسد، لكليهما صانع واحد.

قلت: لقد كنت أحتار في هذا، فأقول: كيف اعتبر الله فعل قوم لوط إسرافا، فقال تعالى:{ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ}(لأعراف:81)

قال: لأن الله تعالى خلق حدودا للذة تتناسب مع حاجات الإنسان ومصالحه، فالخروج بها كما خرج قوم لوط، أو كما خرج قومك، إسراف عظيم.

قلت: قومي ليسوا سدوما ولا عمورية؟

قال: سدوم وعمورية مجرد ناديين صغيرين من نوادي حضارتكم.

تصبب عرقي حياء، وقلت: نعم، إن قومي أسرفوا كثيرا في هذه الأنواع من الانحراف حتى ابتدعوا ما عجزت عنه سدوم وعمورية.

قال: فكيف تزعم احترامهم للاقتصاد.

قلت: الاقتصاد عندهم لا علاقة له بهذا.. بل دوره الوحيد ملء خزائن الكبراء، وإفراغ جيوب الضعفاء.

قال: ومع ذلك فإنهم لو احترموا هذا النوع من الاقتصاد، لحقق لهم مصالح ما يعرفون من الاقتصاد؟

قلت: كيف؟

قال: إن أكثر ما يحزن له الفقير من بني قومك أنه لم يكن له من الشهوات ما يتمتع به الغني.

قلت: هذا هو مقياس الفقر عندنا.

قال: ولم لا ينظر الفقير إلى ما عنده من المتاع الذي قد لا يوجد مثله في قصر كسرى وقيصر!؟

قلت: كيف هذا؟

قال: أليس في بيت أكثر الناس مذياعا يسمع به أخبار العالم، ومصباحا يضيء عليه أرجاء بيته؟

قلت: بل أشياء كثيرة لا تنقل له الأصوات فقط، بل الأصوات والصور.. ولكن ما علاقة هذا بالمصالح الاقتصادية؟

قال: لأن أخطر ما يفرغ جيوب المستضعفين هو ذلك الاستهلاك العشوائي لكل الأشياء، فيعيشون في نهم لكل شيء، ولا يظفرون بأي شيء، ولو أنهم تماسكوا وقبضوا أيديهم قليلا، وقتروا نوعا من التقتير لوفروا لأنفسهم من السعادة والاستقرار ما يوفر لهم من السعادة ما تعجز عنه اللعب التي يتفانون في جمعها.

قلت: فلنفرض أنه حصل ذلك؟

قال: سيرتفع شبح الفقر، وسيسعد الناس جميعا لا بعض الناس.

قلت: ولكن ذلك قد يجعل خزائن الأغنياء متوقفة في حدود معينة لا تتجاوزها.

قال: ولكنها حدود تكفيهم وترضي نهمهم.

قلت: ولكن نهمهم لا حدود له، ألم تقرأ علي قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون له ثان ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ثم يتوب الله على من تاب )

قال: ولكنا لو أطعنا هذا النهم لجعلنا الأرض جميعا مزرعة في يد غني واحد، وجعلنا أهلها جميعا عبيدا بين يديه.

قلت: هذه حقيقة.

قال: وهذا مبدأ الصراع.

قلت: لهذا صارعت الشيوعية.

قال: ولهذا تصارع الرأسمالية، وكل من يصارع يهلك.

قلت: الشيوعية سقطت، ولكن الرأسمالية في أوج عنفوانها.

قال: والرأسمالية سقطت في أوج عنفوانها؟

قلت: كيف؟

قال: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا.

قلت: ويأتيك بالأخبار من لم تزود.. هذا شعر وأنا أريد نور البصيرة أو بصيرة النور؟

قال: إن الله تعالى توعد المجتمعات المسرفة بالخراب.

قلت: أين؟وكيف؟

قال: سنعرف ذلك عند الحديث عن مضار الاسراف العامة، أما لآن فنحن في مضار الإسراف الخاصة.

قلت: عرفت ضرر الإسراف على مصالح الروح، فما مضاره على مصالح الجسد؟ فقومي أحرص على أجسادهم من كل شيء.

قال: لقد ربط الحق تعالى بين تناول الشهوات وبين الاقتصاد في مواضع من القرآن الكريم، فقال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(الأنعام:141)

قلت: لقد ذكر تعالى في هذه الآية ما أنعم به على عباده من نعيم، فالله هو الذي خلق انواع البساتين والمزارع الحاوية على أنواع الأشـجـار والنباتات ، فمنها ما يعتمد في موقفه على الأعمدة والعروش حيث تحمل ما لذ وطاب من الـفـواكه والثمار، وتخلب بمنظرها الساحر العيون والألباب ، ومنها ما لا يحتاج الى عريش ، بل هو قـائم على سوقه يلقي بظلاله الوارفة على رؤوس الادميين ، ويسد بثماره المتنوعة حاجة الانسان الى الغذاء.

قال: وبعد أن أغرى الحق تعالى عباده بتناول هذه الشهوات بين لهم ضوابط تناولها، وهي ثلاثة: الأكل منها والإنفاق والاقتصاد.

قلت: كيف يكون الأكل ضابطا من ضوابطها، وهو ضرورة؟

قال: ليرد على الذين حرموا ما أحل الله، واعتقدوا الكمال في التعفف عما رزق الله من الطيبات، ألم تسمع قوله تعالى:{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}(لأعراف:32)

قلت: تقصد الزهاد.

قال: لا.. الزهاد من الأولياء، والأولياء يفهمون عن الله ويأتمرون بأمر الله، وإنما أقصد الرهبانية التي قال الحق تعالى فيها:{ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا } (الحديد: 27)

قلت: ولكن من زهاد هذه الأمة من وقع في مثل هذه الرهبانية.

قال: فلا نسميه زاهدا.

قلت: فماذا نسميه؟

قال: راهبا، كما سماه القرآن الكريم.

قلت: فما الضابط الثاني؟

قال: ترك الإسراف، لأن من أكل فوق حاجته كان كمن يريد أن يملأ خزان وقود سيارته بربطه بعين ماء مغدقة، أو ببئر متدفق.

قلت: لعل هذا ما يشير إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( المؤمن يأكل في معي واحد والمنافق يأكل في سبعة أمعاء)([16])

قال: أتدري سر ذلك؟

قلت: وما سر ذلك؟

قال: لأن المؤمن ـ حقيقة الإيمان ـ ممتلئ ثقة بفضل الله، فلا يشعر بالفراغ الذي يشعر به الكافر والجاحد والذي لم يكتب الإيمان في قلبه.

قلت: ألهذا إذن قال تعالى:{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ}(محمد: 12)، أي هم في دنياهم يتمتعون بها ويأكلون منها كأكل الأنعام، خضماً وقضماً ليس لهم همة إلا في ذلك.

قال: ولهذا ربط الله تعالى بين الإسراف والكفر كما مر معنا، فالكافر لا يرى في النعمة ما يراه المؤمن من فضل الله، فينشغل بتناولها كما تنشغل البهائم بالرعي.

قلت: ولكنا نرى السمنة في بلاد المسلمين فاشية، بل تكاد تبز غيرها من الأمم، فكيف يرتبط المفر بالإسراف؟

قال: نحن نتحدث عن الحقيقة، ولا يهمنا من تلبس بها أو عري عنها، وقد ورد في النصوص إنكار السمنة، فلا ينبغي غض الطرف عنها لكون الأمة مصابة بها، فالحق أحق أن يتبع.

قلت: تقصد قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يكون من بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن )([17])

قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. هذا هو الاقتصاد.

قلت: فالسمن إذن ظاهرة خطيرة.. ولكنا يمكن أن نتخلص منها بالرياضة، بل هناك أدوية كيمياوية يكفي دهن الجلد بها ليتخلص من الدهون الزائدة.

قال: ولماذا يدخلها أصلا حتى يبحث عن مخرجها؟ 

قلت: إنها شهوة المطعم، فهل حرم الله لذائذ الأطعمة؟

قال: أكلما اشتهى أحد شيئا أكله، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت)([18]) .. وتجشأ بعضهم عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له:( أقصر عنا من جشائك، إن أطول الناس جوعاً يوم القيامة أكثرهم شبعاً في الدنيا )([19])

قلت: فلنعد لما ورد في الآية([20])من ضوابط التعامل مع نعم الله، فقد ذكرنا الأكل والإسراف، فما محل الإنفاق في هذا المحل ،ولماذا ربط بالإسراف؟

قال: لأن المسرف في الأكل والشرب وتناول الشهوات لن يبقى له من المال ما ينفق منه، أو يبقى له ما يدخره لنفسه التي لا تشبع.. أو هو في انشغاله بملأ الفراغ الذي يعاني منه لا يفكر في الإخراج بل يفكر في الإدخال، ولا يفكر في الإطعام، بل يفكر في الاستطعام.

قلت: ألهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:( طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية )([21])

قال: ولكن هذا لا يكون إلا لمن مرن نفسه، فلم يدع الفراغ النفسي يؤثر فيه، ولا للشهوات أن تتحكم في سلوكه.. ارجع لقومك، وادعهم إلى الاشتغال بالله، وبأمر الله، فسيملؤون كل فراغ، فإن الشره يهرب إلى الطعام ليهرب من الحقيقة، ولو أنه امتلأ بها لكفته.

ألا ترى أنك في انشغالك بفرح أو حزن لا تكاد تستقر اللقمة في فمك حتى تنهض عن طعامك غير عابئ بلذته.

قلت: نعم، ذلك صحيح، وكل الناس يحصل منهم هذا.. لقد أرشدتني إلى دواء جديد للسمنة، فالسمنة عندنا ظاهرة خطيرة.

قال: ولكنكم تعالجونها ـ كشأنكم في كل شيء ـ بالاتجار فيها، فتنتجون العقارات والسموم، لتصوركم أن الإنسان مجموعة وظائف بيولوجية أو ظواهر فيزيائية لا حقيقة من الحقائق العليا.

قلت: فقد نهينا عن الإسراف، فما مضاره على أجسادنا؟

قال: ألم تعلم أن المعدة بيت الداء؟

قلت: كما أنها بيت الدواء.

قال: هي بيت الدواء إن احترمت ما يدخل إليها، أما إذا لم تحترمه، فستكون بيتا لا لداء واحد، بل لأدواء كثيرة.

قلت: أأنت تقول إذن ما قال ابن سينا؟

قال: وما قال ابن سينا؟

قلت: لقد قال:

جمعتُ الطبَّ في بيتين جمعاً
 
وحُسن القولِ في قِصَر الكلام
  
فقلّل إن اكلتَ وبعد أكل
 
تجنّب، والشفاءُ في الإنهضام
  
وليس على النفوس أشدُّ حالاً
 
من إدخال الطعامِ على الطعام
  

قال: بل أقول ما قال طبيب الأطباء وحكيم الحكماء صلى الله عليه وآله وسلم:( ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه)([22])

المصالح العامة:

قلت: لقد عرفنا مضار الإسراف، ومحاسن الاقتصاد على المصالح الخاصة، فما ضرره على المصالح العامة.

قال: المصالح العامة هي المصالح الخاصة، وضرر الأفراد ضرر المجتمع، ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:( المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسه اشتكى كله، وإن اشتكى عينه اشتكى كله )([23])

قلت: ذلك للمؤمن، ونحن نتحدث مع الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم، فالمصالح العامة مصالح البشر جميعا.

قال: ألم يقل الحق تعالى لليهود، وقد كانوا كفرة:{ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ }(البقرة: 85)، فقد عبر الحق تعالى عن قتلهم لبعضهم بعضا بقتلهم لأنفسهم.

قلت: نعم.. فما الأضرار المرتبطة بهذا الجانب.

قال: الهلاك الذي توعد الله به المسرفين، والهلاك إذا حل بقرية لم يميز صالحها من فاسدها، ولا طيبها من خبيثها.

قلت: تقصد ما ورد في القرآن الكريم من الإخبار بما حصل للمسرفين، كقوله تعالى:{ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} (الانبياء:9)، وقوله:{ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ}(الذريات:34)

قال: ولذلك قال تعالى:{ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ}(الشعراء:151)

قلت: وما سر النهي عن طاعتهم، وما علاقة ذلك بهلاك الأمم؟

قال: سر النهي عن طاعتهم هو ما عبر عنه الحق تعالى بقوله في الآية التالية لتلك الآية:{ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ}(الشعراء:152)، فهم لا يكتفون بالإفساد فقط، بل يضيفون إليه ترك الإصلاح.

قلت: كنت أتصور أن ذكر الإفساد وحده كاف، فلماذا ذكر معه ترك الإصلاح؟

قال: لأن الإفساد قد يقع، فيأتي الإصلاح فيسد مواقع الفساد، ويحمي الخلق من أضراره، لكنه إن اجتمع الإفساد مع ترك الإصلاح كان ذلك الفساد شديدا.

قلت: فذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}(هود:114)

قال: نعم.. ألم أقل لك إن السنن التي تحكم الأفراد هي التي تحكم المجتمعات، والسنن التي تحكم الدين هي التي تحكم الدنيا.. لأن ربها جميعا واحد؟

قلت: فهمت ما تعلق بهذا في الدين، لأنه أمر غيبي، ولكني لم أفهم ما يتعلق بذلك من الدنيا، ومن مصالح الناس.

قال: قد وضع الله في جميع مصالح الدنيا من الفرص ما يصلح به المخطئ ما أفسده، فإن فعله سد منافذ الفساد ووقي المجتمع شر انحرافه، وإن ترك الإصلاح استقر الفساد، واشتد عوده، حتى يصل إلى درجة لا يمكن أن يصلح أبدا.

قلت: فهلا ضربت  لي مثالا يوضح لي هذا المعنى.

قال: لو أن أحدهم رمى بعود ثقاب في غابة في حر شديد، أليس ذلك إفسادا؟

قلت: نعم، فللأشجار حرمة لا تقل عن حرمة البشر.

قال: فإن أسرع وأطفأها قبل أن تتمكن وتنتشر، ألا يكون بذلك قد واجه الفساد بالإصلاح؟

قلت: أجل، يكون قد عمل حسنة لتمحو أثر خطيئة.

قال: ولكنه إن تركها حتى انتشرت، وعمت الغابة، أكان يملك حينها القدرة على الإصلاح؟

قلت: لا.. بل يخرج الأمر من يده، بل قد يخرج الأمر من يد المطفئين أنفسهم.. فنحن نسمع الحرائق الهائلة التي تعجز الدول العظمى عن إطفائها.

قال: فلذلك أخبر الله تعالى عن المسرفين أنهم لا يفسدون فقط، بل يفسدون، ويتركون الإصلاح.

قلت: فليس ترك الإصلاح إذن مرادفا للفساد؟

قال: ليس في القرآن الكريم مرادفات ولا تكرارا، بل في كل كلمة معنى جديد، وحقائق جديدة، ألم تسمع قوله تعالى في وصف كتابه:{ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}(فصلت:42)، والتكرار لغو، واللغو باطل، والقرآن الكريم منزه عن اللغو.

قلت: فهمت هذا.. ولكن ما علاقة ذلك بالهلاك العام الذي يحيق بالمسرفين؟

قال: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يقول:( يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، قيل: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:( نعم، إذا كثر الخبث )([24])، فقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم كثرة الخبث سببا للهلاك العام.

بل أشار إلى هذا قوله تعالى:{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}(الاسراء:16)، فتأمير المترفين أو تكثيرهم مؤذن بهلاك القرى، وهل المترفون إلا المسرفون؟

قلت: اضرب لي أمثلة على هذا، لعلي أعي ما تقول.

قال: سأضرب لك على هذا أربعة أمثلة.

المثال الأول:

قلت: أعلم غرامك بالأربع، فهات المثال الأول.

قال: أنتم تسرفون في السيارات.

قلت: السيارات ضرورة، فهي من المراكب التي خلقها الله لنا، ألم يقل الحق تعالى:{ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} (النحل:8)

قال: وكذلك الطعام، فهو من الخلق الذي خلقه الله لنا، ومع ذلك كان متعرضا للإسراف.

قلت: فما الإسراف في السيارات؟

قال: هذا الكم الهائل من السيارت بأنواعها المختلفة، وأثمانها المرتفعة، والتي لا يحتاج إلى أكثرها ألا تؤذي ـ بالخراب الذي تنشره في الجو ـ ملايين الرئات التي لا تتنفس هواء، وإنما تتنفس سموما.

قلت: هذا صحيح، فالبيئة في خطر، ولكن كيف يصلحون ليدرؤوا منافذ الفساد؟

قال: بترك الإسراف، فما حل الإسراف في شيء إلا أفسده، ألم تسمع قول الحق تعالى:{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(الروم:41)

قلت: نعم، فالله تعالى يرجع الفساد الذي ظهر في البر والبحر إلى ما كسبت أيدي الناس.

قال: وهذه الاختراعات الكثيرة التي تفخرون بها وتتكاثرون بها من هذا النوع من الإفساد.

قلت: أفنحرم السيارات إذن على الناس؟

قال: لا:{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ}(لأعراف: 32)، ولكن نكف شرهم على الناس بالإصلاح الذي أمر الله به، فلا تملك هذه المخترعات التي تجتمع فيها المصالح مع المفاسد إلا بشروط أهمها أن يصلح المفسد ما أداه إليه فساده.

قلت: أتقصد أن تغرم شركات السيارات والأفراد غرامات تصلح من البيئة ما فسد؟

قال: هذا لا يكفي، فالفساد ليس متعلقا بالبيئة وحدها، بل إن هذا المثال، وهو واحد من آلاف الأمثلة له علاقة بعقد الحياة جميعا.

قلت: فنأمرهم إذن بشراء دراجات هوائية تغنيهم عن العوادم وعما تخلفه العوادم.

ابتسم، وقال: إن قبلوا منك ذلك، فانصحهم به.

المثال الثاني:

قلت: فما المثال الثاني؟

قال: هو ما عبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:( وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان )([25])

قلت: هذا حديث عن علامة من علامات الساعة، فما علاقته بهذا؟

قال: وهل علامات الساعة إلا علامات لهلاك الأرض والأمم؟

قلت: ولكن هذه العلامات أخبار، وهي لا تحمل أي معنى تشريعي، فلا يستطيع أحد أن يستدل بهذا على تحريم التطاول في البنيان.

قال: نحن لا نتحدث عن الحلال والحرام.. فذلك للفقهاء.. ولكنا نتحدث عن أثر هذا النوع من الإسراف في الخراب والفساد والهلاك.

قلت: فلا أرى في هذا أي فساد، بل هو العمران والحضارة والرقي، فلولا التقدم العلمي الذي وصلت إليه البشرية ما حققنا هذه المنجزات؟

قال: ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل:( يطيلون البنيان ) وإنما قال:( يتطاولون في البنيان ) وهو ما فعلتموه، فوقعتم في الإسراف.

قلت: أتقصد أن التفاخر في التطاول في البنيان هو الإسراف لا إطالة البنيان؟

قال: نعم، وهو ما نطق به صلى الله عليه وآله وسلم، فليس محرما أن يطيل الشخص بنيانه، وقد قال تعالى في بنيان الجنة:{ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ}(الزمر:20)، ولكن المحرم أن يتطاول في البنيان.

قلت: وما الفرق بينهما ما دامت النتيجة واحدة؟

قال: لا.. ليست النتيجة واحدة، فالمتطاول في البنيان قد يبني ما لا حاجة له إليه، لأن غرضه ليس ملأ جوفه الفارغ فقط، وإنما ليظهر انتفاخ جوفه أمام جيرانه.

قلت: ذكرتني بقول ابن رشيق القيرواني:

مما يزهدني في أرضِ أندلسٍ
 
أسماء مقتدرٍ فيها ومُعْتضِدِ
  
ألقابُ مملكةٍ في غيرِ موضعِها
 
كالهرَّ يحكي انتفاخاً صَوْلة الأسدِ
  

المثال الثالث:

قال: صدق شاعركم، وقد كانت تلك الألقاب المنتفخة التي أسرف فيها حكام الأندلس سببا في خراب الأندلس.

ابتسمت وقلت: وهل في الألقاب أيضا إذن إسراف؟

قال: نعم.. وأعظم إسراف.. أليست واجهات المحلات هي الألقاب التي تعرف بالمحلات؟

قلت: نعم.

قال: فكذلك الألقاب هي التي تعرف بأصحابها، وتدعو إليهم، ألستم توزعون الألقاب كما تشاءون، فتسمون الجاهل بالحكيم، والفاسق بالفنان، والمرابي برجل الأعمال؟

قلت: بلى.

قال: ولا تكتفون بألقاب الدنيا، فتضيفون إليهم ألقاب الآخرة وأجزيتها؟

قلت: كيف؟

قال: ألا تقولون عن الداعر الفاسد الذي يسب الله في ظلام الليل وضوء النهار إذا مات:( تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنانه ) فلم ترضوا أن تسكنوه الجنة حتى أسكنتموه فسيحها.

قلت: أجل، وما في ذلك؟

قال: ألم تسمع ما روي عن أم العلاء – وكانت بايعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قالت:( طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون، فاشتكى عثمان فمرَّضناه حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت:( رحمة اللّه عليك أبا السائب شهادتي عليك، لقد أكرمك اللّه تعالى، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:( وما يدريك أن اللّه تعالى أكرمه؟)، فقلت:( لا أدري بأبي أنت وأمي )، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:( أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وأني لأرجو له الخير، واللّه ما أدري وأنا رسول اللّه ما يفعل بي )، قالت، فقلت:( واللّه لا أزكي أحداً بعده أبداً )([26])

فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول عن نفسه هذا، وقد قال تعالى مشيرا إلى هذا المعنى:{ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} (الاحقاف:9)

قلت: أهذا أيضا من الإسراف؟

قال: بل من أخطر الإسراف، فمثل هذا القول الذي يحمل روائح التألي على الله يجعل من أولئك الأقزام الملطخين أولياء صالحين يتهافت الخلق على الاقتداء بهم.

قلت: لقد استطردنا، فهات المثال الثالث.

قال: لم نستطرد، بل هذا هو المثال الثالث.

قلت: أهو الإسراف في الألقاب، والإسراف في توزيع الجنان.

قال: ليس هذا فحسب، بل تسرفون في تعظيم عصركم وتبجيله، وتعتبرونه القمة التي وصل إليها التاريخ، وكأن ما قبلكم مقدمات لكم وأنتم النتيجة، أو كأن ما قبلكم همج بدائيون، وأنتم وحدكم أرباب الحضارة وصناعها، وهذا كله مؤذن بهلاككم.

قلت: كيف يكون سببا لهلاكنا؟

قال: ألم يقل من قبلكم مثل قولكم، فهلكوا؟

قلت: أتقصد قوله تعالى:{ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}(فصلت: 15)، فرد الله عليهم بقوله:{  أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ} (فصلت: 15)

قال: بل أقصد قول كل جبار عنيد.. ألم يقل فرعون ما يقوله أسيادكم.. ألم يقل:{ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ} (الزخرف: 51)، فما كان جزاؤه؟

قلت: فخر بالأنهار التي تجري من تحته، فأجراها الله من فوقه، وكانت سببا لهلاكه.

قال: فليعتبر قومك بفرعون وعاد، فلم يذكرهما الله في كتابه قصصا ولهوا، ولا أحداثا وتاريخا، وإنما هي سنته في عباده.

المثال الرابع:

قلت: فهات المثال الرابع.

قال: أنت تسرفون في اللهو واللعب وفرص الراحة.

قلت: وهذا مما لا شك في إباحته إن انضبط بالضوابط الشرعية.

قال: كل شيء ينضبط بالضوابط الشرعية مباح، ولكنا نتحدث عن الإسراف، فأنتم تملؤون الأرض بمئات القنوات الفضائية، وآلاف المسارح والملاعب، ومئات الآلاف من دور اللهو، وملايين اللعب من كل الأصناف.

قلت: وما الخطر في هذا؟

قال: أنتم تشغلون الناس عن حياتهم ورسالتهم وحقائقهم، فتقتلونهم لا بإهلاك أجسادهم، وإنما بقتل أرواحهم.

قلت: كيف ذلك، وهل اللهو ـ الذي هو فرح الروح ـ قتل لها؟

قال: ألم يقل الشيطان:{ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}(لأعراف:17)، فهذا تعبير عن محاصرة الشيطان للإنسان من كل الجهات وتوسله إلى إغوائه بكل وسيلة ممكنة ، وسعيه في إضلاله بكل طريق.

قال: نحن نعبر بهذا الأسلوب في حياتنا اليومية، فنقول: فلان حاصرته الديون أوالامراض من الجهات الاربع، ولكن ما علاقة هذا بحياة اللهو اللعب التي نعتبرها من علامات التحضر في هذا العصر؟

قال: لقد أجبت عن سؤالك، فالذي يحاصر من الجهات الأربع، هل يجد له وقتا يجلس فيه مع نفسه يفكر ويتأمل؟

قلت: كيف؟

قال: أنتم تملأون برامج يومكم ملأ تاما، فلا تتركون لحظة تتفرغون فيها لحقائقكم، بل قد تعتبرون كثيرا من القضايا التي يسأل عنها العقل السليم، أو تتطلبها الفطرة النقية، والتي جعلها الله سببا لطرق بابه، جدلا فارغا، أو ترهات لا معنى للبحث فيها.

قلت: أريد مثالا على هذا أكثر توضيحا.

قال: أتعلم معنى قوله تعالى:{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}(فصلت:26)

قلت: نعم، فالله تعالى يخبر عن المشركين أنهم تواصوا فيما بينهم أن لا يطيعوا القرآن ولا ينقادوا لأوامره، فإذا تلي لا يسمعوا له.

قال: وبماذا توسلوا إلى ذلك؟

قلت: باللغو، وهو ـ كما قال مجاهد ـ  المكاء والصفير والتخليط في المنطق على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ القرآن.. وكانوا يلغون بقصص اسفنديار ورستم كما فعل مالك بن النضر ليصرف الناس عن القرآن، ويلغون بالصياح والهرج. ويلغون بالسجع والرجز..

قال: كل ذلك أساليب قديمة، أما في عصركم، فقد تطورت أساليب الشيطان في المحاصرة كما تطورت أساليب سدنته في اللغو.

قلت: أتقصد أن كل هذه المحلات التي يوزع فيها اللهو بالمجان هي نوع من أنواع المحاصرة واللغو؟

قال: نعم.. هي زنازين تحاصر المدمنين عليها.. ليحيوا حياتهم جميعا فلا يعرفوا من أين ابتدأوا، ولا أين سينتهون.

قلت: أهذا هو خطر هذه الوسائل الحديثة؟

قال: هذا جزء من مخاطرها.. أما خطرها الأكبر، فهي أنها قوالب كتلك القوالب التي تضعون فيها الفخار لتكونوا منها أواني تأكلون فيها وتشربون.

قلت: فهل الإنسان آنية فخار، حتى يوضع في القوالب؟

قال: نعم لأن أرباب المصالح من المترفين يأبون إلا أن يشكلوا عقول الناس وقلوبهم وأهواءهم بحسب ما تتطلبه خزائنهم من أموال، وفراغهم من شغل.

قلت: كيف؟

قال: هم يمجدون الرذيلة، إن كانت سببا لكسب يدر عليهم الأرباح، وهم يحقرون الفضيلة، ويرمونها بأبشع التهم إن وقفت حائلا بينهم وبين مآربهم.

قلت: فلو سمعوا بك إذن لقتلوك؟

قال: هم لا يستطيعون قتلي، ولكن يستطيعون التشويش علي، ومن شوش عليك خنق صوتك، ومن خنق صوتك قتله.

قلت: ومن قتل صوتك قتلك.

قال: لا.. لن يستطيع..  يوشك أن يهلك الباطل ليرتفع صوت الحق، فالحق لا يموت، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}(الاسراء:81)

قلت: فكيف يكون هذا النوع من الإسراف سببا للهلاك؟

قال: لقد سمعت الآية، فالباطل الذي يصادم الحق لا بقاء له، ألم تسمع هذا المثل الذي ضربه الله تعالى:{ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ}(الرعد:17)؟

قلت: فكيف يكون هذا الهلاك، أبخسف أم بمسخ؟

قال: لا يكون بخسف ولا بمسخ، ولكن الباطل سيقتل نفسه بنفسه.. سينتحر انتحارا بطيئا..

ثم غاب نظره في الأفق البعيد، وقال بصوت لا يكاد يسمع: لكأني أراه الآن يمسك سكينا مسموما، وهو يقطع أجزاءه إربا إربا، وهو بين ذلك يرسل ضحكات مختلطة بأنات كالمجنون.

قلت: يا معلم، فهو الآن إذن ينتحر.

قال: إن أول خطوة يخطوها كل باطل خطوة يتقدم بها نحو الموت.

قلت: لقد ذكرتني، فقد أخبرتني عن هلاك هذا النظام الذي يستولي على دفة العالم، فكيف ذلك، ونحن نراه في أوج قوته؟

قال: هو الآخر ينتحر كانتحار كل باطل، ولا تزيده السنون التي يمهل فيها إلا سقوطا فوق سقوط وانحدارا فوق انحدار.

قلت: هم لا يقبلون هذا إلا بأرقام.

قال: وهم لا يؤمنون بالأرقام؟

قلت: بل هم لا يؤمنون إلا بها، ألسنا في عصر الأرقام؟

قال: لو كانوا يؤمنون بها لوصولوا إلى الحقيقة من أقرب أبوابها؟

قلت: كيف؟

قال: هي ذي الإحصائيات أمامهم.. الانتحار.. التلوث.. الإدمان.. الشذوذ.. العصابات.. الجرائم.. الإبادة..

وغرق المعلم في العد، فقلت: أظن أنني اقتنعت، فالإسراف سبب الهلاك.

قال: هلاك الفقير والغني.

قلت: صدق الله العظيم إذ قال:{ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ}(الشعراء:151 ـ 152)

جوهرة الزهد:

صعدت مع المعلم طابقا آخر في قصر القناعة، فوجدنا شعاعا عظيما متلألئا، سألت المرشد عنه، فقال: هذه جوهرة نفيسة من جواهر القناعة، اسمها الزهد.

قلت: نحن نعرف هذا الاسم، لكن قومي يمقتونه ويسبونه ويضحكون على أهله، ويكتبون الكتب الكثيرة في الرد عليهم، ويحاضرون المحاضرات الطويلة ليحاصروهم ويحبسوهم.

قال: عن أي زهد يتحدثون؟

قلت: هم يطلقون القول إطلاقا..

قال: أخطأ من أطلق، فالحكمة تطلب التقييد، ألم تسمع إلى الحق تعالى وهو يقول عن أهل الكتاب:{ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}(آل عمران:113)؟

ألم تسمع إلى القرآن الكريم في حديثه عن الأعراب؟

قلت: اشتد عليهم القرآن الكريم اشتدادا عظيما، لما صدر منهم من أنواع الانحراف، قال تعالى:{ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(التوبة:97)، وقال تعالى:{ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(التوبة:98)

قال: ولكن حكمة القرآن الكريم تأبى أخذ البرئ بذنب الجاني، فقد أثنى الله على الأعراب ثناء عظيما، فقال تعالى:{ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(التوبة:99)

قلت: فأنت تقول إذن بأن الزهاد كأهل الكتاب والأعراب منهم المحسن، ومنهم المسيء.

قال: نحن لا نتحدث عن هذا الآن، فذلك موضوع آخر.. نحن نريد هنا تبيين دور الزهد بمعناه الصحيح في تربية النفس على القناعة، وفي ملأ الفراغ الذي ينشئه الطمع، وفي قتل الفقر الذي يجر صاحبه إلى الكفر.

قلت: ولكن الحكماء من قومي يقصرون الزهد على الأغنياء، ففيم يزهد الفقير!؟ 

قال: الزهد مقام من مقامات الدين، وخلق من أخلاق المرسلين، ووصف من أوصاف الأولياء والصالحين، لا يحرم منه مؤمن لفقره، ولا يبعد عنه لغناه.

قلت: كيف ذلك، فالفقير ليس لديه ما يزهد فيه، وقد قيل لبعض الصالحين: يا زاهد، فقال:( الزاهد عمر بن عبد العزيز، إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها، وأما أنا ففيماذا زهدت )

قال: ما كان له أن يقول غير ذلك، وإلا لكان مدعيا.

قلت: إن قومي يفهمون من قوله هذا قصر الزهد على الكبراء.

قال: أصابوا وأخطأوا.

قلت: هذا تناقض.. أو بين لي فيم أصابوا، وفيم أخطأوا؟

قال: أصابوا في كون الزهد لا يظهر ولا يكمل معناه إلا في الأغنياء، وأخطأوا في حصره فيهم، ففرق بين أن يكمل فيك الشيء، وبين أن يكون فيك أصله.

قلت: اضرب لي على ذلك مثالا.

قال: أرأيت لو كان في بيتك مائة صرة من الذهب الخالص، ولم يسمع بها أحد، أكنت بها غنيا لا تحل لك الزكاة.

قلت: أجل، لأني أستطيع صرفها في أي لحظة.

قال: ولكن الناس بسبب عدم رؤيتهم لها قد يعتبرونك فقيرا.

قلت: ذلك أرحم لي، ولا يضرني ما اعتقدوا.

قال: فإن أظهرتها بما اشتريت من المتاع.

قلت: خرجت من وصف الفقر إلى وصف الغنى.

قال: في نظرهم، أم في حقيقة الحال؟

قلت: في نظرهم، لأني كنت غنيا قبل نظرهم، بدليل عدم حل الزكاة لي.

قال: فكذلك الزهد.

قلت: فما وجه المقارنة؟

قال: أي سلوك أو مقام من مقامات الدين لا ينفك عن ثلاثة أمور: العلم والحال والعمل، فالعلم دافعها، والحال حقيقتها، والعمل مظهرها وثمرتها.

قلت: اضرب لي مثالا على ذلك من الحس، فإني لا أكاد أفهم المعاني المجردة.

قال: أرأيت لو قربت إلى نار لتحرق بلظاها، ماذا كنت ستفعل؟

قلت: أصيح وأولول، وأدفع بجهدي كله من يريد أن يلقيني فيها.

قال: فهذا العمل، أتعلم أنه لم يكن ليحصل منك ما حصل لولا العلم والحال.

قلت: كيف؟

قال: علمك بأن النار محرقة ملأ نفسك رعبا منها، وذلك الرعب جر إلى ذلك الصياح الذي وقعت فيه.

قلت: فهمت الآن، ولكن ما علاقة ذلك بزهد الفقراء والأغنياء.

قال: أرأيت لو أن ذلك العدو الذي أراد إلقاءك في النار لم يفعل، أو لم يوجد، أتقول بأن حال الخوف من النار لا يوجد فيك؟

قلت: لا، بدليل أني لو تعرضت في أي لحظة لذلك لأبديت نفس السلوك.

قال: فكذلك الزهد، فهو في الفقير قوة كامنة، وفي الغني قوة ظاهرة.

قلت: ولذلك إذن نهاهم ذلك الصالح عن تلقيبه بالزاهد خشية أن يلقبوا به كل فقير.

قال: نعم.. فقد يكون الفقير أحرص على الدنيا من الغني، ولكنه يستر حرصه بإظهار الزهد.

قلت: فبين لي سر الزهد وحقيقته، فقد شوقتني إليه.

قال: لقد عرفنا عند الحديث عن القناعة أن الطامع همه من حياته أن يملأ جوفه.

قلت: نعم بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون له ثان ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب )([27])

قال: وذكرنا بأن الفراغ الذي يعانيه الطامع والحريص يجعله يطلب أشياء كثيرة لا حاجة له إليها حرصا على ملأ فراغه.

قلت: نعم، وقد شبهته حينها بمن يريد أن يملأ حفرة عميقه، فوضع فيها التراب، فلم يكف، فوضع فيها الحجارة، فلم تكف، فراح يضع المزابل والقمامات.

قال: فهذا هو الفرق بين الزاهد والحريص، فالزاهد لا يشعر بفراغ جوفه فلذلك يملؤه بالقوت من الحلال من غير أن تتشتت عليه نفسه، وأما الحريص، فيلجئه ذلك إلى كل باب، ولو إلى قمامات الناس ومزابلهم.

قلت: لكأني بالزهد هو عين الاقتصاد.

قال: لا.. الاقتصاد يتناول الكم، والزهد يتناول الأنواع.

قلت: كيف؟

قال: المقتصد لا يسرف، والزاهد لا يرغب.

قلت: كيف لا يرغب، والرغبة فطرة.

قال: هو يرغب، ولكن رغبة الزاهد تختلف عن رغبة الحريص.

قلت: كيف ذلك؟

قال: الحريص يرغب في المتاع، والزاهد يرغب في متاع أعظم منه، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ}(يوسف:20)

قلت: نعم، هذه الآية تتحدث عن إخوة يوسف u الذين باعوه بثمن قليل لزهدهم فيه.

قال: أرأيت لو أن أصحاب تلك القافلة لم يعطوا شيئا لإخوة يوسف u، أكانوا سيبيعونه لهم؟

قلت: نعم، لأن غرضهم التخلص منه.

قال: فسماهم الله زاهدين.

قلت: نعم، لقد زهدوا في أخيهم، وفضلوا تلك الدراهم القليلة عليه.

قال: فكذلك الزاهد الذي تحقق بهذا المقام من مقامات الدين، فإنه يقارن بين ما ادخر الله له في الآخرة إن أرضى الله، وبين المتاع الدنيوي، فيرى عظمة ما ادخر بجانب ما يرى من متاع، فتنصرف نفسه إلى متاع الآخرة، زاهدا في متاع الدنيا.

قلت: أيسعد بذلك؟

قال: كل السعادة.. ولهذا عالجت الشريعة آلام الفقير بحضه على الزهد، أي ترك الرغبة فيما لم يؤت، وتوجيهها إلى الرغبة في الله وفيما في يد الله.

قلت: فالذين يحرمون الفقير من الزهد يسيئون إليه.

قال: كل الإساءة.. لأنهم حرموه من التسلي بما ادخر له عما لم يؤته.

قلت: فاضرب لي على ذلك مثالا.

قال: أرأيت إن كنت في سفر مع قافلة من القوافل، وكان في القافلة أمير محسن، فوهب الكل هبات مختلفة، ولكنك كنت المحروم الوحيد في القافلة.. أكنت تحزن لذلك وتتأثر له؟

قلت: أجل.. خاصة إن فخروا علي بما أعطوا.

قال: وهل سيمتلئ قلبك حقدا على هذا الذي عمي بصره أن يراك، أو شحت خزائنه أن تصلك؟

قلت: أجل.. بل سأسأل نفسي كثيرا عن علة حرماني مع فيض خزائنه.

قال: أرأيت إن استدعاك إلى جنابه، ثم صرف الحجاب، وأسر لك قائلا:( لقد ادخرت لك هدية عظيمة تفوق كل الهدايا التي وهبتها لجميع القافلة، وهي من العظمة بحيث لا يمكن أن تأخذها هنا)، أتفرح لذلك؟

قلت: أجل، بل أقبل قدميه، ويمتلئ قلبي محبة له.

قال: فإن فخر عليك رجال القافلة بما أوتوا، وضحكوا على حرمانك.

قلت: أضحك عليهم في قلبي، لأني أعلم أني قد أعطيت أضعاف ما أعطوا بالإضافة إلى القرب العظيم الذي نلته من أمير القافلة.

قال: فطبق هذا المثال على ما نحن فيه، فالله قد أعطى كثيرا من الأغنياء من كل الأموال، فإن نظر الفقير إلى ما أعطوا حزن وتأسف، بل قد يؤديه ذلك إلى الكفر، لكنه إن نظر إلى ما ادخر الله له إن أطاعه، لا يلبث حتى ينال قسمته الموعودة.

قلت: لقد ذكرتني بحديث له علاقة بهذا، فقد روي في الحديث أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة([28])، وهم أصحاب الصفة حتى يقول الأعراب هؤلاء مجانين. فإذا صلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم انصرف إليهم فقال:( لو تعلمون ما لكم عند اللَّه تعالى لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة )([29])

ثم التفت إلى نفسي، فإذا بالاعتراض لا يزال مستقرا لم أستطع قلعه، فقلت: ولكن القافلة في سفر قصير.

قال: والدنيا سفر، وهي أقصر مما تصور، ألم تسمع قول الحق تعالى:{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}(يونس:45)

قلت: بل قد نص على هذا آيات من القرآن الكريم، قال تعالى:{ َاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ}(الاحقاف:35)، وقال تعالى:{ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}(النازعـات:46)

 قال: بل نطق بهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعن عبد اللَّه بن مسعود قال: نام رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم  على حصير فقام وقد أثر في جنبه. قلنا: يا رَسُول اللَّهِ لو اتخذنا لك وطاء. فقال:( ما لي وللدنيا! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها )([30])

قال: فهذه الحقيقة العظيمة التي نطقت بها هذه النصوص أعظم سلوى للفقير، وأعظم دافع له على ترك الرغبة فيما لم يؤت ليتحقق بالزهد، ولينال عن طريقه ما ادخر له من الفضل.

قلت: لقد ذكرتني بقول لأبي يزيد،  قاله لأبى موسى عبد الرحيم، قال له:( فى أى شىء تتكلم؟)، قال:( فى الزهد )، قال:( فى أى شىء؟)، قال:( فى الدنيا )، فنفض يده وقال:( ظننت أنه يتكلم فى شىء، والدنيا لا شىء، إيش يزهد فيها )

ثم التفت إلى المعلم، وقلت: فقد حببت لي الزهد وعظمته، فما السبيل إليه؟

قال: بأن تعلم الجوائز التي ينالها الزاهد في الدنيا قبل الآخرة.

قلت: أينال الزاهد جوائزه في الدنيا أيضا؟

قال: بالإضافة إلى ما ادخر له في الآخرة.

قلت: إن هذا سيجعل قومي يقبلون عليه، ويتنفاسون في تحصيله، فإني أعلم مدى رغبتهم في الجوائز وحرصهم عليها.. فما هذه الجوائز؟

قال: أربع: الهمة، والكمال، والعزة، والراحة، كل جائزة منها بالدنيا وما فيها.

الهمة:

قلت: فما الجائزة الأولى؟

قال: جائزة الهمة العالية التي يتحقق بها الزاهد.

قلت: لم أفهم.

قال: أرأيت من كان أمله في مستقبل حياته أن يكون حمالا أو حطابا، أيتساوى مع من همته أن يصير وزيرا أو ملكا أو استاذا كبيرا وعالما خطيرا.

قلت: بل همة الثاني أعلى.. ولكن أنى له أن يتحقق بما يحلم به.

قال: أرأيت إن وجدت من يوفر لك دواعي الهمة الثانية، وييسر لك سبيلها، ألا يكون بذلك قد قد كافأك؟

قلت: أعظم مكافأة، بل يكون قد قدم لي الخدمة التي تحولني إنسانا آخر، ففرق كبير بين أن أجمع الحطب للناس أو أحمل متاعهم، وبين أن أنال تلك المناصب الرفيعة.

قال: فإن الله تعالى وفر للفقير الذي يهزأ الناس من فقره، أو يرحموه لفقره من الفرص ما يلتحق به مع أصحاب الهمم العالية لينال ما نالوه.

قلت: كيف؟

قال: أليست الهمة العالية هي طلب المعالي والترفع عن السفاسف؟

قلت: بلى.

قال: فإن الزهد في الدنيا لا يتحقق به إلا أصحاب الهمم العالية.

قلت: كيف يكون ذلك، ولا أرى أحدهم يحلم بأن يصير وزيرا أو ملكا؟

قال: بلى، هو يحلم بذلك، بل يحلم بما هو أرفع من ذلك.

قلت: فهو راغب إذن لا فرق بينه وبين الحريص.

قال: هو راغب ولكن رغبته ليس في الأحمال والحطب، وليس في الوزارة أو الملك، وإنما في أمور أخطر وأعظم.

قلت: فيم يرغب، ما دام لم يرغب في هذه الأمور التي يرغب فيها الناس؟

قال: الزهاد نوعان: منهم من يرغب في الله ويكتفي به، ومن وجد الله لم يفقد شيئا.. ومنهم من يرغب في متاع لا يتحول، وزاد لا يتطرق إليه الفساد، نظر إلى الدنيا، فأنفها وطلب دارا أجمل منها وأكمل.

قلت: أتقصد الدار الآخرة، والجنة.

قال: نعم.. فإن الزهاد قارنوا بين هذه الدار وتلك الدار، وعلموا أن حرصهم على هذه الدار قد يبعدهم عن تلك الدار، فملأوا همتهم بتلك الدار، وزهدوا في هذه الدار.

قلت: لكأني بالقرآن الكريم يحث على الزهد.

قال: بل يحث على أصل أصول الزهد، وهو الاطلاع على حقيقة الدنيا، ومقارنتها بالدار التي لا تبيد، والملك الذي لا يفنى.

قلت، وكأني أتذكر شيئا كنت أعلمه، ولكني كنت أجهله: بلى يا معلم لكأني أول مرة أسمع الحق، وهو يقول:{ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(النحل:96)

قال: نعم، فقد كنت تقرأ هذه الآية، ولم تكن تسمعها، فالله تعالى يرغبك في الآخرة ببقائها، ويزهد في الدنيا بفنائها، ودينار دائم تملكه خير من عشرة آلاف ما تستقر في يدك حتى تخرج منها.

قلت: بل إن الله تعالى لا يصف متاع الدنيا بالنفاد فقط، بل يصفه بالقلة، فمتاع الدنيا أقل من متاع الآخرة، قال تعالى:{ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى}(النساء: 77)

قال: وفي هذه الآية أعظم الرد على من يصفون الزهد بالسلبية، ويصفون الزاهد بالكسل.

قلت: كيف؟

قال: ألم يقل الله تعالى في هذه الآية:{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}(النساء:77)

قلت: نعم، فالله تعالى يخبر عن علة كسل المتقاعدين وسلبيتهم.

قال: ولا سبب لذلك يذكره إلا حرصهم على الدنيا ورغبتهم في البقاء فيها، فلذلك أخبرهم أن متاع الدنيا قليل يستحق أن يرغب عنه، ومتاع الآخرة عظيم يستحق أن يرغب فيه.

قلت: ولهذا يعاتب الله تعالى من آثر الحياة الدنيا على الآخرة، ويبين له مبلغ الغبن الذي وقع فيه، قال تعالى:{ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (الأعلى:17)

قال: ذلك أن الإنسان يحب الخير ودوام الخير، ولذلك أخبره تعالى بأن هذين الوصفين لا يتحققان بكمالهما إلا في الدار الآخرة.

قلت: أجل، وقد ورد ذلك في مواضع من القرآن الكريم، قال تعالى:{ وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}(طـه:131)

قال: هذه الآية تحض الأمة عن طريق رسولها بالزهد حتى لا يغرهم المتاع الموجود عن المتاع المدخر.

قلت: وقال تعالى:{ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ}(القصص:60)

قال: وفيها ترغيب أعظم، فالله تعالى يصف ما في الدنيا من الزخارف بكونه مجرد متاع للحياة الدنيا، وهي الحياة البسيطة الحقيرة، ثم يختم ذلك بالدعوة للتأمل والتفكر، فمن الغبن أن يباع الغالي بالرخيص، والزهيد بالنفيس.

قلت: وقال تعالى:{ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}(الشورى:36)

قال: بين لهم تعالى في هذه الآية وصفا من أوصاف الزاهدين، وهو الإيمان والتوكل، فليس كل جائع زاهد، بل الزاهد من زهد بالله ولله.

قلت: ولهذا قال تعالى حاكيا عن سحرة فرعون بعد أن لاقوا لذة معرفة الله:{ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}(طـه:73)

قال: لقد أشاروا إلى أعظم الزهد، وهو الرغبة في الله، وهو زهد المقربين الذين انشغلوا بالنظر لله عن النظر لكل شيء.

قلت: فهلا تضرب لي أمثالا على هذه المعاني أنقلها لقومي، فالأمثال جند من جند الله يصل بالمعاني إلى خزانة الخيال ليضعها في العقول والقلوب.

قال: إن القرآن الكريم كفانا ضرب هذه الأمثلة، فهو يقرب صور هذه الحقائق بالأمثال العظيمة، قال تعالى:{ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(يونس:24)، وقال:{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً}(الكهف:45)

قلت: فهلا تقرب لي هذه الأمثلة وتصورها لي؟

قال: لا يوجد ما هو أعظم من تصوير القرآن الكريم للحقائق.

قلت: ولكن الحقائق تحتاج أحيانا لتفسيرها، فمن الناس من لا يطيق تفهم الحقائق لكثافته وغلاظة طبعه، ولا أنكر أني مبتلى ببعض هذا الطبع.

قال: أخرجت إلى الحقول في الربيع الجميل؟

قلت: وكيف لا أخرج، وهل الدنيا إلا جمال الربيع وزهر الربيع ونسائم الربيع.

قال: فهل رأيت الأزهار المتفتحة، والأعشاب النظرة..؟

قلت: والجمال المتدفق الحي الذي يشرق من الجبال والوهاد، وكأن الدنيا كلها تبتسم.. بل ترسل ضحكات عريضة.

قال: فهل مررت به في الصيف عندما ترسل الشمس لهيبها؟

قلت: عندها يتحول الحي ميتا، والجمال دمامة، وتنقلب الابتسامة الجميلة آهات وأحزانا.

قال: فهذه هي الدنيا.. أيام معدودة من الابتسامة.. ثم يعقبها صيف الألم وخريف الأحزان.

قلت: والآخرة؟

قال: الآخرة ربيع دائم، فهل تستبدل الربيع الذي لا يستمر إلا أياما معدودة بالربيع الذي لا تفنيه الأيام، ولا تبلي ثيابه السنون.

قلت: فهمت المثال.. لكأني بنا قد غرقنا في نسائم زهرة من زهرات هذا الربيع الفاني، واستبدلنا بها ربيع الأزل.

قال: بل أنتم فعلتم أخطر من ذلك.. بعتم الله بالعدم، وبعتم الجنة بالمستنقعات.. وبعتم السعادة بالأحزان..

قلت: فما المخرج؟

قال: الزهد..

قلت: تقصد رفع الهمة عن الدنيا..

قال: إن استطعتم أن ترفعوا الهمة عن الأكوان جميعا، وتكتفوا بالله.. فستنالون من يديه ما لا يخطر لكم على بال.. وما لا تستطيع أحلامكم أن تفكر فيه.

الكمال:

قال لي المعلم، وقد رآني مستغرقا فيما قال: هاك الجائزة الثانية التي أنعم الله بها على الزهاد.

مددت يدي، وقلت: هاتها.

ابتسم، وقال: امدد يد بصيرتك، فما تمتد إليه يد جارحتك ينفد.

قلت: تعودنا ألا نعرف المدد إلا في اليد.

قال: ولذلك تنكرون الزهد، وتنكرون فيوضات الله وأمداده على عباده الزاهدين الذين اصطفاهم بالكمال حين رفعوا هممهم إليه وإلى ما عنده.

قلت: فأنا في انتظار جائزة الكمال، فما هي؟

قال: إن قومك في مجالسهم يميزون بين الكبار والصغار، فيجعلون لكل منهم محله الخاص به.

قلت: نعم، فللكبار كراسيهم التي تتناسب مع طولهم وعرضهم، بينما الصغار لا تتناسب معهم إلا الكراسي الصغيرة لصغر أحجامهم.

قال: أنا لا اتحدث عن صغار السن، بل عن الصغار المحتقرين المستضعفين.

قلت: وأنا لا أتحدث إلا عنهم، فإنهم في منطق الكبراء، أو نتيجة للهزال الذي عرضهم له الكبراء صارت كراسيهم لا تختلف عن كراسي الصغار.

قال: ففي أي المجالس تحب أن تجلس أنت، أو يحب أن يجلس قومك؟

قلت: إن أردت الصراحة، فإنه لا أحد من الناس إلا ويحلم بالجلوس على تلك الكراسي الوثيرة، والركوب في تلك المراكب الفارهة، والنزول في تلك الفنادق الفخمة ذوات النجوم الكثيرة.

قال: فأنت إذن تحب مصاحبة الكبار..

قلت: لست وحدي في ذلك، بل كل قومي.. بل أحسب ذلك طبيعة إنسانية.

قال: نعم هي طبيعة إنسانية.. بل طبيعة كونية، فالكمال محبوب بالطبع.

قلت: فما علاقة هذا بهذه الجائزة؟

قال: الزهد هو الطريق الوحيد الذي يضعك مع الكبار، ويجلسك مجالسهم، وينزلك فنادقهم.

قلت: كيف؟ فالزهد يمنعني من مجرد الرغبة، والتفكير في ذلك.

قال: يمنعك من التلطخ، ولا يمنعك من التمتع.

قلت: اشرح لي.. أو بالأحرى مثل لي لما تقول.. فإني لا أطيق التجريد.

قال: سأضرب لك مثلا من القرآن الكريم، ضربه الله تعالى لمواقف الناس من الكبراء الذين كنت تحلم بالقعود معهم، بينما هم لا يساوون شيئا، لأن ضخامتهم مجرد انتفاخ سرعان ما تعبث به رياح الزمان.

قلت: أفي القرآن الكريم الحديث عن هذا؟.. لقد قرأته وحفظته وقلبت الطرف في تفاسيره، فلم أجد مثل هذا.

قال: لعلك قرأته ولم تسمعه، ففي القرآن الكريم كل العلوم وكل حقائق الكون، ولكن لمن سمعه لا لمن قرأه.

قلت: فما هو هذا المثال؟

قال: قارون، فقد جعله الله مثالا على هؤلاء الكبراء الذين صرفوا الناس عن الزهد، فملأوا قلوب الفقراء رغبة في الدنيا، فأراد الله أن يبين لهم ما ينتظر ذلك الحرص والرغبة من جزاء.

قلت: لقد قال الله تعالى في شأنه:{ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ } (القصص: 76)

قال: فماذا قال له الكمل من قومه من الذين آتاهم الله العلم والزهد؟

قلت: لقد قالوا له ـ كما نص القرآن الكريم ـ:{ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص:76 ـ77)

قال: فقد نصحوه بالزهد فيما آتاه الله.

قلت: ولكنهم لم يحرموا عليه التمتع بما أوتي من الكنوز، فقد قالوا له:{ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا }

قال: ولكنهم حرموا عليه التلطخ بتلك الكنوز، وقد قلنا:إن فرقا كبيرا بينهما.

قلت: كيف؟

قال: التلطخ أن تملأ الدنيا قلبك فتشغلك عن الله، وعن توظيف نعم الله فيما أمر الله.

قلت: وهو ما نصح به هؤلاء قارون فقد نصحوه بالإحسان بما تفضل الله عليه.

قال: عندما خرج قارون في زينته تجلى موقفان من مواقف الناس، هي في الحقيقة مواقف البشر جميعا من الرغبة والزهد.

قلت: نعم، موقف الذين يريدون الحياة الدنيا، وموقف الذين أوتوا العلم.

قال: فما حكى القرآن الكريم عنهما؟

قلت: أما موقف الفئة الأولى، فقد نص عليه قوله تعالى:{ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}(القصص:79)، فقد اعتبروا قارون صاحب حظ عظيم، فحسدوه على ما أوتي، وتمنوا أن يكون له مثل ما أوتي.

قال: وما هو موقف الذين أوتوا العلم؟

قلت: ما نصه علينا القرآن الكريم كذلك، وهو قوله تعالى:{ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ}(القصص:80)

قال: فما كانت نهاية الحرص والرغبة الممثلة في قارون؟

قلت: هو ما قصه القرآن الكريم علينا أيضا حين قال:{ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ}(القصص:81)

قال: فمن كسب الرهان من الحريصين أو من الزاهدين، ومن كان الحق معه؟ ومن تحقق بالكمال؟

 قلت: هو ما قصه علينا القرآن الكريم أيضا، قال تعالى:{ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} (القصص:82)

قال: فالمفلح من؟.. هل الزاهدون أم الحريصون؟

قلت: الزاهدون، بل إن الحريصين حمدوا الله على أنهم لم يؤتوا مثل ما أوتي قارون لئلا يحل بهم ما حل به.

قال: فلماذا يصر قومك على أن يلتحقوا بالعالم الأول، وهم يعلمون حقيقته التي لا تختلف عن حقيقة قارون، بل هم يرددون ما ردد قارون:{ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}(القصص: 78)

قلت: لأنهم يعتقدون أن الأولية والكمال في ذلك؟

قال: أو لم يعلموا:{ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً}(القصص: 78)؟

قلت: ولكن مطالبهم الدنيوية تتطلب منهم ذلك.

قال: لا، بل الحرص الكاذب الذي يمليه فراغ أجوافهم هو الذي يطلب منهم ذلك، فالكمال في الحقيقة لا في المظاهر، وفي الصدق لا في الزور.

قلت: فقد ذكرت لي مثالا من أمثلة الكمال في الزهد، ولكن قومي قد لا يفهمونه حق الفهم، أو قد يؤولونه، فما أسهل تأويل النصوص وإلباسها أي لباس يشاءون.

قال: ولكن النص واضح.

قلت: ولكنهم لن يقرؤوه ولن يفسروه، بل سيكتفون منه بعبارة يجعلونها هي المحكم الوحيد فيه، وما عداه متشابه.

قال: فما هذه العبارة التي نالت هذا الفضل عندهم دون من عداها؟

قلت: قوله تعالى:{ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا }(القصص: 77)

قال: ويفعلون ذلك؟

قلت: بل فعلوه، فإن هذه العبارة القرآنية أصبحت مثلا دارجا يردده العامة والخاصة، وكأن القرآن الكريم جميعا اختصر فيها.

قال: فقد وقعتم فيما وقع فيه أهل الكتاب من التحريف، فقد قال تعالى في شأنهم:{ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض}(البقرة: 85)،

قلت: ولهذا أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحكم المؤمنين بجميع ما أنزل عليه، قال تعالى:{ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ }(المائدة: 49)

قال: فهلا اطلعوا على سنن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ، وكيف كانت حياتهم مليئة بمواقف الزهد فيما في أيدي الناس، والرغبة فيما في يد الله.

قلت: هم يتخيرون من مواقفهم ما يخدمون به آراءهم، فلن يعجزهم ذلك، وقد قال تعالى في أهل الكتاب: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}(النساء:150)، فهم يؤمنون ببعض المواقف ويكفرون ببعض.

قال: أوصلت بهم الجرأة إلى الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ

قلت: لقد سمعت بعضهم يتحدث عن حب رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم للحم والحلواء وأنواع المآكل الفاخرة ما يجعلك تتصور أن السنة في ارتياد المطاعم الفاخرة لإحياء سنة أكل اللحم والحلواء.

قال: ألم يقرؤوا النصوص الواردة في مصادركم الصحيحة؟

قلت: فرق ـ يا معلمي ـ بين أن تقرأ وأن تسمع ألم تقل لي ذلك دائما.

العزة:

قال: أراك اقتنعت بما قلت.

قلت: أجل.. وبورك فيك.. فهات الجائزة الثالثة.. جائزة العزة.

قال: أرأيت إن قرب لك طعام لذيذ، ثم رأيت الذباب متساقطا عليه متهافتا على أكله، فهو لا يبالي في سبيله أن تذبه أو تقلته، أكانت نفسك تشتهيه؟

قلت: لكأني بك تريد ما قال الشاعر:

إذا لم أترك الماء اتقاء
 
تركت لكثرة الشركاء فيه
  
إذا وقع الذباب على طعام
 
رفعت يدي ونفسي تشتهيه
  
وتجتنب الأسود ورود ماء
 
إذا كان الكلاب يلغن فيه
  

قال: هو ما أريده بالضبط، فقد علمت غرامك بالشعر.

قلت: وكيف لي أن أشارك الذباب طعامهم، فإنه إن لم يكن ذلك مضرا بالصحة، فإن النفس تعافه بالضرورة.

قال: فكذلك الزهد، فالزاهد يأنف من مشاركة الذباب، وقد قيل لبعضهم: ما الذي زهدك في الدنيا؟، فقال:( قلة وفائها، وكثرة جفائها، وخسة شركائها )

قلت: ولكن الدنيا لا يملكها الذباب.

قال: ولكن يملكها اللاهثون وراء السراب.

قلت: فهناك فرق بينهما.

قال: لا فرق بينهما، ولهذا ساوى الله تعالى بين الذباب والبشر في الضعف، فقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}(الحج:73)

قلت: صدقت، فكلاهما ضعيف الطالب والمطلوب.

قال: وأزيدك مثالا يجعلك ترى عالم الذباب بين يديك وملء بصرك.

قلت: هات.

قال: ذلك الطعام اللذيذ الذي قدم لك.

قلت: أتقصد ذلك الذي تهافت عليه الذباب؟

قال: أجل.. لماذا تهافت عليه؟

قلت: لأنه طعام دسم غني بما يشتهيه الذباب من المطاعم.

قال: فكذلك هؤلاء الذين امتلأت نفوسهم رغبة في الدنيا يسلط الله عليهم الذباب ليمتص رحيقهم.

قلت: ولكن قومي اخترعوا أنواع المبيدات.

قال: تلك لا تبيد هذا النوع من الذباب، فإنه ذباب له من الحذق ما لا يستطيع أحد ذبه أو قتله.

قلت: فهمت قصدك.. تعني الأصدقاء المحيطين بهؤلاء الراغبين ينافقونهم ويخادعونهم ليمتصوا بعض ما يمتصه الذباب من مآكل.

قال: نعم، فقد صدق الشاعر في كل ما قال.

قلت: أول مرة أسمعك تصدق فيها شاعرا.

قال: ألم تسمع بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن من الشعر حكما )([31])

قلت: بلى، سمعت، وقد قال أبو تمام:

ولولا خِلالٌ سَنَّها الشِّعْرُما درى     بناةُ المعالي كيفَ تُبْنى المكارمُ

قال: ولكن.. لا كل الشعراء أقصد.

قلت: أجل، فـ:

الشعراءُ فاعلــمـنَّ أربـعةْ      فشاعرٌ يجري ولا يُجـرى معهْ

وشاعـرٌ ينشدُ وسـطَ المعمعهْ  وشاعرٌ مـن حَقِّه أن تَسْـمَعَهْ

وشاعرٌ من حَقِّهِ أن تَصْــفَعَهْ

قال: فاترك الشعر، وعد بنا إلى جائزة العزة.

قلت: فهمت.. فإن العزة تاج فوق رؤوس الزهاد لا يراه الراغبون.

قال: والقرآن الكريم يدل على ذلك.

قلت: أفي القرآن الكريم هذا؟

قال: أجل، فلنعد إلى قصة قارون، ما هو موقف الرغبين في الدنيا عندما رأوه؟

قلت: لقد سال لعابهم، وهم يرون مراكبه الفاخرة وزينته التي خرج بها، كما قال تعالى:{ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}(القصص:79)

قال: ولماذا خرج في زينته ما دام قومه سيحسدونه هذا الحسد؟

قلت: بل خرج لأجل أن يحسدوه، فهو يكاد يشمت بهم بخروجه.

قال: وفي ذلك الحين الذي يراهم فيه مشدوهين نحو طلعته ومراكبه وزينته، ماذا كان يتصورهم؟

قلت: يراهم كالذباب المتهافت حول الطعام.

قال: هم أذلاء إذن؟

قلت: بل أذل من الذباب، لأن الذباب إن تهافت حول الطعام نال منه، وهؤلاء لا ينالون إلا الحسرة والألم.

قال: ولو أن هؤلاء لم يلتفتوا إلى زينة قارون، ولم يأبهوا له، ولم يعيروهم نظراتهم، أكان يهتم بمثل هذه الزينة، ويخرج بهذا الكبر.

قلت: لا أظنه سيفعل، فما الفائدة التي يجنيها بخروجه بكل تلك الزخارف، بل سيخرج كما سيخرج سائر الناس؟

قال: أفلا ترى أنهم بذلك الموقف الذليل الذي وقفوه جذروا في نفسه كبرياءه، وجذروا في نفوسهم الذلة؟

قلت: أجل، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا حين قال تعالى:{ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ}(الزخرف:54)

قال: أفكان فرعون يجرؤ على أن يقول:{ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}(القصص: 38)، ويقول:{ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (النازعـات: 24) لولا قلة عقول قومه وتهافتهم بين يديه كتهافت الفراش؟

قلت: لا، فالذلة هي المحل الذي يمكن للكبراء، ولو أن الناس أروا من أنفسهم عزة لما تجرأ عليهم أحد..  فالزهد إذن هو ما يقي المؤمنين من مهاوي الذلة التي يوقعهم فيها الحكام.

قال: ليس الحكام فقط، فقد كان قارون غنيا، ولم يكن حاكما.

قلت: الحكام وأشباه الحكام.

قال: ألا تقولون بأن العبرة بالخاتمة؟

قلت: ونقول بأن الناجح من يضحك أخيرا.

قال: فمن كان أعز الناس في قصة قارون؟

قلت: كانت لقارون بعض العزة عندما خرج بتلك الزينة.

قال: فما خاتمتها؟

قلت: ما نص عليه القرآن الكريم بقوله:{ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ}(القصص:81)

قال: فنهايته إذن الذل المحض، بل الهلاك الذي هو فوق الذل.

قلت: نعم.

قال: فمن كان أعز الناس إذن؟

قلت: الذين أوتوا العلم، فقد قال تعالى في شأنهم:{ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} (القصص:80)

قال: وهل كانوا حينها أعز من قارون؟

قلت: أجل، لأن عزته بمراكبه، وعزتهم بما أتاهم الله من العلم.

قال: وهل جرهم علمهم إلى الدنيا أم زهدهم فيها؟

قلت: بل زهدهم فيها.

قال: ولو جرهم إلى الدنيا، وإلى أبواب قارون هل سيتحلون بالعزة التي تحلوا بها؟

قلت: لا.

قال: فعزتهم إذن ليس بعلومهم.

قلت: بم إذن؟

قال: بزهدهم، فالزهد باب العزة.

قلت: في النفس من كلامك شيء.

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(لأعراف:176)

قلت: بلى، فهذه قصة بلعم بن باعوراء، وقد ذكر المفسرون أنه ( كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة يقدمونه في الشدائد، بعثه نبي اللّه موسى u إلى ملك مدين يدعوه إلى اللّه فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى u )([32])

قال: دعك من القصص، واعتبر بالقصة كما وردت في القرآن الكريم، فهي ليست قصة بلعم وحده، بل قصة آلاف وعشرات آلاف البلاعم.

قلت: ماذا تريد أن تقول؟

قال: ما الذي جعل هذا الذي آتاه الله العلم ينسلخ عن علمه؟

قلت: هو ما ذكره القرآن الكريم من إخلاده إلى الأرض وسكونه إليها.

قال: فلو أنه لم يخلد إلى الأرض ولم يسكن إليها، ولم تشتد رغبته فيها، ما هي الجائزة التي كان سينالها؟

قلت: الرفعة والعزة، كما ذكر القرآن الكريم، قال تعالى:{  وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا (، ولكنه بسبب خلوده إلى الأرض صار ذليلا كالكلب { إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ (

قال:  أتدري لما شبهه الله بالكلب؟

قلت: نعم، فـهـو لـفرط اتباعه الهوى وتعلقه بعالم المادة انتابته حالة من التعطش الشديد غير المحدود وراء لـذائذ الـدنـيـا، وكل ذلك لم يكن لحاجة ، بل لحالة مرضية ، فهو كالكلب المسعور الذي يظهر بحالة عـطش كاذب لا يمكن إرواؤها، وهي حالة العبيد الذين لا يهمهم غير جمع المال واكتناز الثروة فلا يحسون معه بشبع ابدا.

قال: فأيهما أرفع شأنا العالم الزاهد، أم العالم الراغب؟

قلت: بل الزاهد.

قال: لماذا؟

قلت: لينال من العزة ما لا يظفر به الراغب.

قال: ليس هذا فحسب، بل إن الرغبة والحرص على الدنيا وترك الزهد فيها هي السبب فيما حاق بالأديان من أنواع التحريف.

قلت: هذه دعوى خطيرة، فهل لها من بينات تقوم عليها؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ}(لأعراف:169)

قلت: بلى، فما في الآية مما تدعيه؟

قال: لقد ذكر تعالى تمسكهم بالدنيا، وأخذهم بالمتاع الأدنى، فبماذا عاتبهم الله تعالى بعد ذلك؟

قلت: عاتبهم على أنهم لم يوفوا بالميثاق الذي أخذ عليهم.

قال: وما هو؟

قلت: ألا يقولوا على الله إلا الحق.

قال: فذلك يدل على أنهم لم يفعلوا ذلك.

قلت: نعم وإلا لما عاتبهم الله تعالى.

قال: فما الذي جرهم إلى ذلك؟

قلت: أول الآية وآخرها يشيران إلى أن علة ذلك هي الحرص على الدنيا، فقد قال تعالى في أول الآية:{  فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى }، وقال في آخرها:{ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ }

قال: فهذه الآية تدل على علة التحريف في دين الله.

قلت: نعم.

قال: أزيدك آية أخرى، ألم تسمع قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}(التوبة: 34)

قلت: أجل، فقد جمع الله في هذه الآية بين أكلهم أموال الناس بالباطل، وصدهم عن سبيل الله، وهو يشير إلى أن الحرص حول من هؤلاء الأحبار والرهبان إلى تجار بضاعتهم تحريف الكتاب بما يتناسب مع الأهواء.

قال: فانصح علماء قومك أن يحذورا من أبواب السلاطين، فإن العلم يذل عند أبوابهم.

قلت: ولكنهم ينصحونهم، وفي ذلك مصلحة الرعية.

قال: فانصحهم إذا ذهبوا أن يطهروا أرض قلوبهم من شوك الحرص، وحجارة الرغبة، لئلا ينبتوا الحصرم والعلقم.

قلت: ومن أنا حتى يسمعوا لي..!؟

قال: إن عليك إلا البلاغ..

قلت: ومن لي بأن يصلهم صوتي!؟

قال: ذلك لله، فلله الأمر من قبل ومن بعد.

الراحة:

قلت: جزاك الله خيرا .. لقد اقتنعت بما قلت.

قال: فهلم لأخذ الجائزة الرابعة من جوائز الزهد.

قلت: لقد كفاني ما نلت من الجوائز، فلذلك لا تهمني المشاق التي أتحملها من أجل السعي لتحصيله.. خاصة بعد علمي بعلاقته الخطيرة بما حاق بالأديان من تحريف.

قال: لن تتحمل أي مشقة في تحصيله، بل إن الزهاد أكثر الناس راحة.

قلت: كيف؟

قال: لأن الحرص هو الذي يجلب التعب لأصحابه، أما الزهد، فلا يجلب إلا الراحة.

قلت: لكأني بك تقصد قول الشاعر:

ليس بالزاهدِ في الدنيا امرؤٌ
 
يلبسُ الصوفَ ويهوى الرُقَعا
  
ظَنَّ دينَ اللّهِ في تَرْكِ الدُّنا
 
ورأى الإِعراضَ عنها أنْفعا
  
وهو لو جاءَتْهُ منها بَدْرَةٌ
 
طلقَ التقوى وعفافَ الوَرَعا
  
فهو لا زُهْداً بها عنها نأىْ
 
لكنِ الجدُّ يذيبُ الأَضْلُعا
  
خافَ أن يسعى فيدمي رجلَه
 
فرأى الراحةَ فيما صَنَعا
  

قال: صدق الغلاييني، وما أريد هذا، فقد ذكرنا إيجابية الزاهد، وسنذكر طرقه لأبواب فضل الله، ولكن التعب ليس في السعي، وإنما في الحرص.

قلت: كيف؟

قال: عندما لا تكون لك طاقة تحمل معينة، فتحمل عليها ولا تتجاوزها، أيصيبك التعب لذلك؟

قلت: لا، لأني لم أجاوز مقدار طاقتي.

قال: فالزاهد لا يجاوز مقدار طاقته التي وهبه الله إياها، أما الحريص، فلحاجته لملأ الفراغ النفسي الذي يشكوا منه تجده يحمل نفسه ما تطيق وما لا تطيق.

قلت: كيف؟

قال: هو يتصور الدنيا كمنجم ذهب محدود عليه يتهافت الراغبون، فلو قعد لحظة واحدة لسبقه غيره، ولا يبقى له منه شيئا.

قلت: والزاهدون كيف يرون الدنيا؟

قال: بنظرة مختلفة تماما، فهم يرون الدنيا دار ضيافة إلهية لا يعدم الساكن فيها من رزق يساق إليه، فلذلك يتناوله هنيئا مطمئنا مرتاحا يقول في نفسه: إن نفذ هذا، فسيرسل إلي صاحب المائدة رزقا آخر، قد أصل إليه بسعيي، وقد يجيئني بسعيه إن قعد سعيي.

قلت: ولكن الناس لا يكتفون بالرزق القليل؟

قال: ولكن تضحياتهم في سبيل الكثير الذين يملأون به فراغ نفوسهم لا يقاوم ما ينالونه.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أرأيت من ضحى بصحته وقوته وعرضه ودينه من أجل لقمة شهية كاسبا أم خاسرا؟

قلت: بل خاسرا أعظم خسارة، فما تجدي اللقمة أمام كل ما ضاع منه.. بل هو كمن باع قصرا فخما بحجارة لا تغني ولا تسمن من جوع.

قال: فهذا هو عناء الحريص، وراحة الزاهد.

قلت: ولكن مع ذلك.. لا ينبغي أن نستنكر ما لتلك اللقمة من لذة.

قال: لذة مكتنفة بالغصص، ولا يعدم الزاهد مثلها، أو أكثر منها مع ما استفاده من الراحة والأمن.

قلت: الراحة والأمن؟

قال: فإن الزاهد ينعم من الراحة والأمن ما لا ينعم به الحريص.

قلت: فاضرب لي على ذلك مثالا.

قال: بل سأحكي لك عن كل منهما حكاية، فالحكايات كالأمثال جند من جند الله.

قلت: فما حكاية الراحة؟

قال: كان إبراهيم بن أدهم من أهل النعم بخراسان، فبينما هو يشرف من قصر له ذات يوم إذ نظر إلى رجل فى فناء القصر، وفى يده رغيف يأكله، فلما أكل نام، فقال لبعض غلمانه:( إذا قام فجئنى به )، فلما قام جاء به إليه، فقال إبراهيم:( أيها الرجل أكلت الرغيف وأنت جائع ) قال:نعم، قال: فشبعت، قال: نعم قال: ثم نمت طيبا قال: نعم فقال إبراهيم فى نفسه: فما أصنع أنا بالدنيا والنفس تقنع بهذا القدر.

قلت: لقد ذكرتني بعامر بن عبد القيس، فقد مر برجل وهو يأكل ملحا وبقلا فقال له: يا عبد الله أرضيت من الدنيا بهذا؟ فقال: ألا أدلك على من رضى بشر من هذا؟ قال: بلى قال: من رضى بالدنيا عوضا عن الآخرة.

وذكرتني بمحمد بن واسع فقد كان  يخرج خبزا يابسا، فيبله بالماء، ويأكله بالملح ويقول: من رضى من الدنيا بهذا لم يحتج إلى أحد.

قال: أما حكاية أمن الزاهد أمام المخاطر التي يتعرض لها الحريص، فقد روي أنه صحب رجل عيسى بن مريم u فقال:( أكون معك وأصحابك) فانطلقا فانتهيا إلى شط نهر، فجلسا يتغديان، ومعهما ثلاثة أرغفة، فأكلا رغيفين وبقي رغيف ثالث، فقام عيسى u إلى النهر، فشرب، ثم رجع فلم يجد الرغيف، فقال للرجل: من أخذ الرغيف، فقال: لا أدري. فهذا أول آثار الحرص.

فانطق ومعه صاحبه فرأى ظبية ومعها خشفان لها، فدعا أحدهما فأتاه فذبحه فاشتوى منه، فأكل هو وذلك الرجل، ثم قال للخشف:( قم بإذن الله)، فقام فذهب، فقال للرجل:( أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف )، فقال: لا أدري، ثم انتهيا إلى وادي ماء، فأخذ عيسى بيد الرجل، فمشيا على الماء، فلما جاوزا قال له:( أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف )، فقال:لا أدري، فانتهيا إلى مفازة، فجلسا، فأخذ عيسى u يجمع ترابا وكثيبا، ثم قال:( كن ذهبا بإذن الله تعالى )، فصار ذهبا فقسمه ثلاثة أثلاث، ثم قال:( ثلث لي، وثلث لك، وثلث لمن أخذ الرغيف )، فقال:( أنا الذي أخذت الرغيف )، فقال:( كله لك )

وفارقه عيسى u فانتهى إليه رجلان في المفازة، ومعه المال، فأرادا أن يأخذاه منه ويقتلاه، فقال:( هو بيننا أثلاثا )، فابعثوا أحدكم إلى القرية حتى يشتري لنا طعاما نأكله )، فبعثوا أحدهم فقال الذي بعث:( لأي شيء أقاسم هؤلاء هذا المال، لكني أضع في هذا الطعام سما فأقتلهما، وآخذ المال وحدي )، ففعل وقال ذانك الرجلان:( لأي شيء نجعل لهذا ثلث المال ولكن إذا رجع قتلناه واقتسمنا المال بيننا )، فلما رجع إليهما قتلاه، وأكلا الطعام، فماتا، فبقي ذلك المال في المفازة وأولئك الثلاثة عنده قتلى، فمر بهم عيسى u على تلك الحالة فقال لأصحابه:( هذه الدنيا فاحذروها )

قلت: هذه قصة جميلة.. ولكن لست أدري هل هي صحيحة أم لا، فقد قرأت العهد الجديد حرفا حرفا، فم أرها؟

قال: وما يهمك أن تصح أو لا تصح، كل البقلة ولا تسأل عن البقال.

قلت: ولكن معناها صحيح، فأكثر الناس تعرضا للجرائم هم الأغنياء طمعا في مالهم وثرائهم، بل قد يقتلهم أقرب الناس إليهم.

قال: فإن حرصوا على ملء بطونهم من أصناف الشهوات.

قلت: ستقتلهم حينها شهواتهم، أما سمعت بأمراض الأثرياء.

فجأة خطر على بالي قوله تعالى:{ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ}(الشرح:7)، فقلت: يا معلم، فقد قال الله تعالى:{ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ}(الشرح:7)، فكيف تحمد الراحة، والله تعالى يأمرنا بالنصب؟

قال: فاقرأ ما بعدها.

قلت: { وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}(الشرح:8)

قال: كل نصب لا يرغبك فيه، ولا يضعك ببابه باطل، لأنك تلهث بذلك وراء السراب.

قلت: كيف؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}(النور:39)

قلت: بلى، ولكن ما الذي تعنيه؟

قال: السعي وراء السراب هدر.

قلت: ولكن الحريص لا يلهث وراء السراب، بل يلهث وراء ثروة حقيقية.

قال: ولماذا؟

قلت: ليرضي نهمه.

قال: وهل ينتهي نهمه؟ 

قلت: لا، فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.

قال: فهو يجري وراء السراب إذن، ومن جرى وراء السراب، كان كالكلب { إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث}(لأعراف: 176)

ثم التفت إلي، وقال: وأزيدك أمرا آخر، فيه كل الراحة للزهاد، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(  من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره، وفرق عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له همه، وحفظ عليه ضيعته، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة )([33]

قلت: هذه ناحية مهمة جدا، فالضياع عندنا شائع، والتشتت النفسي منتشر.

قال: أتدري ما علة ذلك؟

قلت: ما نص عليه الحديث.

قال: ومثل هؤلاء كمثل من وضع في مفازة ووضع له فيها من كل أصفر وأبيض وأخضر، فاحتار ما يأخذ وما يدع، فتشتت عليه أمره، ولم ينل في الأخير إلا التعب والنصب.

ثم التفت إلي، وقد رأى في بعض الوجوم: أزيدك أمرا آخر، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم عندما سئل:( أي الناس خير؟)

قلت: بلى، لقد قال:( كل مؤمن محموم القلب، صدوق اللسان )([34])

قال: فمن هو محموم القلب؟

قلت: لقد عرفه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:( التقي النقي الذي لا غل فيه ولا غش ولا بغى ولا حسد )

قال: فهذا هو قلب الزاهد بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذا لما سئل:( يا رسول الله فمن على أثره؟)، قال:( الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة )

قلت: لا أراني أعدم على هذا أمثلة، فأكثر الأمراض النفسية ناشئة من هذا، فكل واحد يريد أن ينفرد بجميع رزق الله، ولا يرضى لغيره أن ينافسه فيه.

قال: وما سبب ذلك؟

قلت: الحرص، بل قد ورد الحديث المؤكد لهذا، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(  إن النور إذا دخل في القلب انشرح له الصدر وانفسح ) قيل:( يا رسول الله وهل لذلك من علامة؟)، قال:( نعم التجافى عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله )([35])

قال: فما العلاج؟

قلت: الزهد.

قال: فالزهد إذن راحة وصحة.

جوهرة الأمن:

صعدت مع المعلم طابقا آخر في قصر القناعة، فوجدنا شعاعا عظيما متلألئا، سألت المرشد عنه، فقال: هذه جوهرة نفيسة من جواهر القناعة، اسمها الأمن.

التفت إلى المعلم، وقلت: ذاك الذي تكفل به مجلس الأمن؟

قال: أمنكم يبذر الشقاق، وينبت الحروب، وهذا أمن يمسح الدموع، ويسكن الآهات، ويشرح الصدور.

قلت: بماذا يمسح الدموع، أبالمساعدات الغذائية التي ترميها طائرات قومي من جو السماء.

قال: وترمي بعدها القنابل العنقودية والنووية والجرثومية والكيميائية..

قلت: لكأني بك تعلم مخترعاتنا من الأسلحة.

قال: ومن لا يعلم مخترعاتكم منها، حتى النمل في جحوره، والحيتان في أعماق المحيطات، والذرات في خلايا الفضاء يعرفون أسلحتكم، ويمسهم الرعب منها.

قلت: ولكن على العموم، فإن قومي يحسنون إذ يرسلون هذه الأمداد من الأغذية لهذه الشعوب المستضعفة.

قال: هم يسمنوهم ليأكلوهم سمانا لا عجافا، كما تسمنون الدجاج والأرانب.

قلت: ولكن لولا تلك المساعدات التي تنزل كل حين لضاعت تلك الشعوب، بل لضاعت شعوبنا أيضا.

قال: وما الثمن الذي تقدمونه لذلك؟

قلت: كل ما يطلبون.. كرامتنا.. مواقفنا..

قال: ودينكم وحياتكم ومصيركم وربكم؟

قلت: لعلهم لو طلبوهم منا لأعطيناهم لا نساومهم في ذلك.

قال: فسيطلبون ذلك.. إن لم يكونوا قد فعلوا..

قلت: بلى.. لقد بدأو يجرؤون.

قال: أتدري ما سبب ذلك؟

قلت: لا أدري.. ولا أدري لماذا نحن نتحدث عن هذا الموضوع الآن، أمام هذه الجوهرة النفيسة.

قال: هذا الحديث عنها.. فهي جوهرة الأمن.. وخوفكم على أرزاقكم، وعدم ظفركم بحقائق هذه الجوهرة هو الذي جعلكم تنحدرون كل ذلك الانحدار.

قلت: فحلل لي سبب ذلك خطوة خطوة حتى أفهم ما تقول.

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}(القصص:57)؟

قلت: بلى، وقد ذكرهم الله بما أنعم عليهم في الحرم من الأمن، فقال:{ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}(العنكبوت:67)

قال: فما هي العلة التي استند لها المشركون في تركهم اتباع الهدى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

قلت: ما نص عليه القرآن الكريم من خشيتهم على أنفسهم وأرزاقهم.

قال: على أي أرزاق خافوا، هل على أرزاق حاضرهم، أم أرزاق مستقبلهم؟

قلت: رزق حاضرهم يأكلونه، فلن يخرجه أحد من أفواههم، ورزق ماضيهم أكلوه، فلا يمكن أن يسلبه منهم أحد، فلم يبق إلا رزق مستقبلهم.

قال: وبماذا طمأنهم الله تعالى، ونزع من قلوبهم المخافة؟

قلت: بذكر ما وفر لهم من النعم، والتي تجعلهم في غنية عن مخافة التخطف أو ذهاب الرزق.

قال: فهذه الآية إذن تشير إلى ما يحمله الخوف على الرزق من أضرار على حقيقة الإنسان وحياة الإنسان.

قلت: بلى، وقد وجههم الله بعدها إلى توجيه المخافة لله وحده، فقال تعالى:{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ}(القصص:58)، أي لا ينبغي أن تخافوا إن اتبعتم الهدى أن يتخطفكم الناس، ولكن خافوا إن لم تتبعوه أن يتخطفكم الله.

قال: فتلك إشارة مؤكدة مكملة للإشارة السابقة.

قلت: لكني لا أزال لم أفهم وجه العلاقة بين الأمن وكنز القناعة؟

قال: لقد عرفت أن الحرص يجعل الحريص في هم دائم وبحث دؤوب على كل ما يملأ جوفه.

قلت: أجل بدليل الحديث الذي عبر يه صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسية الإنسان الطامع.

قال: وهذا الإنسان الطامع الذي يسرف ولا يدبر ولا يزهد كل ذلك حرصا على ملء الفراغ الذي يعانيه.

قلت: نعم، وقد اقتنعت بكل ما ذكرته من ذلك.. ولكن ما جذور الأمن، وما علاقتها بالقناعة، وكيف كان جوهرة نفيسة من جواهرها، بل من أعلى جواهرها وأغلاها.

قال: الحريص لا يفكر في لحظته فقط، بل يفكر في المستقبل الطويل.. لا يقول بملأ قلبه:( الحمد لله، لقد شبعت اليوم، وكفيت )، بل يقول:( لست أدي ما الذي سآكل السنة القادمة، أو السنة التي بعدها )

قلت: فإذن هو لا يعيش لحظته ويومه.

قال: بل لا يعيش غده وشهره، فهو يفكر، ويتألم لما ينتظره.

قلت: والقانع.

قال: القانع فرح بالرزق الذي سيق إليه، مطمئن بما وهب، ويأمل أن يوهب في مستقبله ما وهب في ماضيه.

قلت: فهو سعيد إذن.

قال: هو سعيد ومسالم.

قلت: وما علاقة ذلك بالسلام.

قال: ألم نكن نتحدث عن القنابل ومن أرسل القنابل، أليس ذلك وليد الحرص.

قلت: لم أفهم.

قال: أولئك الجناة المجرمون المصارعون لم يقتنعوا بما آتاهم الله من الرزق، فطلبوا أراضي جديدة لتضمن المستقبل الذي يخافون منه، فراحوا يرمونكم ويرمون المستضعفين، ثم يسكتوكم أو يسمموكم ببعض السموم.

قلت: فلم سميت هذه الجوهرة بالأمن؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً}(الاسراء:31)؟

قلت: بلى، فالله تعالى ينهى المشركين عن قتل أولادهم خشية الفقر، ووعدهم بأنه سيرزقهم في مستقبل الأيام.

قال: فقد كان الخوف إذن هو سبب قتل الأولاد.. ومثله قتل الشعوب.

قلت: هذا صحيح.

قال: فلذلك كانت هذه الجوهرة هي جوهرة الأمن الذي يمسح المخاوف، ويطمئن القلوب، ويشعرها بالاستقرار والسكينة.

قلت: نعم، فقد رغبتني في امتلاك هذه الجوهرة النفيسة، فبين لي طريق تملكها.

قال: بأربعة حقائق، إن تشربتها حلت فيك السكينة، ونزل بساحتك الأمن.

قلت: فما الحقيقة الأولى؟

قال: أن تعلم بأن المكلف برزقك خزائنه لا تنفد، وهو لا يغفل عنك لحظه، وهو مع ذلك رحيم بك لطيف ودود.

قلت: فيكف ينشئ هذا في نفسي الأمن على رزقي؟

قال: الصبي الصغير الذي يعيش في كفالة والدين رحيمين غنين، هل يفكر في مصدر رزقه، أو يحزن على غداء غده؟

قلت: كلا.. فلماذا يفكر، فهو في كفالتهما؟.. ولكنه مع ذلك صغير لا طاقة له بحمل هموم الكبار.

قال: فالطالب الكبير الذي ينتمي إلى معهد من المعاهد التي تتكفل برزقه، هل يحزن على رزق غده؟

قلت: كلا، فهو تحت كفالة معهد له ميزانيته الغنية، فلذلك لا يصيبه هم رزقه.

قال: فإذا علم العبد أن رزقه بيد الله، وأن الله غني حميد، وأنه كريم جواد، وأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا تصيبه غفلة ولا نسيان، أيخاف على رزقه؟

قلت: كلا، فهات الحقيقة الثانية.

قال: ألا تعلم أن مطالب الإنسان الحقيقة التي يتطلبها استقراره على هذه الأرض لتأدية ما كلف به من وظائف لا يستدعي كل ذلك الكم من الجهود ومن الحزن.

قلت: كيف؟ والضرورات كثيرة، وكل ضرورة تؤدي إلى ضرورات أخرى.. وهكذا تتعقد الحياة ومطالب الحياة.

قال: سبب ذلك ليس مطالب الحياة كما هي، وكما خلقها الله، وإنما هي مطالب الأجواف الفارغة التي تستدعي وديانا كثيرة لتملأها.

قلت: فالمطالب إذن وهمية، والضرورات ليست ضرورات.. كيف هذا؟

قال: سأبين لك هذا بتفاصيله، ولكن قل لي: من كانت له جهة غنية تكفله، ثم كان لا يحتاج إلا إلى حاجات بسيطة أكان ذلك يجعله خائفا؟

قلت: اضرب لي مثالا على ذلك.

قال: رأيت قومك يحبون تربية القطط.

قلت: ويتفنون في تربيتها وأنواع طعامها.

قال: أرأيت لو أن شخصا ترك قطه عند جزار، أو صاحب مطعم، أيخاف على قطه من الموت جوعا؟

قلت: كلا.. فإنه وإن لم يلتفت الجزار أو صاحب المطعم إلى حاجات القط، فإن غذاء القط بسيط، فيكيفيه أن يحمل أي عظم أو أي شيء في الأرض ليسد به رمقه.

قال: فكذلك الإنسان في ملك الله، فإن مطالبه أقل بكثير من خزائن الرزق التي جعلها الله له.

قلت: فهمت، فما الحقيقة الثالثة؟

قال: إذا علمت أن لكل زمان رزقه الخاص به، لا تحزن على المستقبل، لأنه لا يأتي إلا ومعه رزقه.

قلت: كيف؟

قال: سبب الخوف على المستقبل هو تصور خلو المستقبل من الرزق، فإذا علمت أن لكل زمان رزقه الخاص به لم تحزن، كالرضيع الذي يسوق الله له في كل لحظة من الرزق ما يتناسب مع حاجاته.

قلت: فما الحقيقة الرابعة؟

قال: إذا ركبت باخرة ضخمة، وكان في الباخرة كل وسائل الأمان، بما فيها الزوارق وقوارب النجاة، وكنت تتقن السباحة، وكان البر قريبا، أكنت تخاف؟

قلت: لا.. ولماذا أخاف، فأنا قريب أولا، وقوارب النجاة موجودة، ومع ذلك، فإن مهارتي في السباحة قد تكفي لنجاتي.

قال: فكذلك الله، فقد زودك بالإضافة إلى كل ما ذكرت قوى لتعمل بها، فإن لم تكن لك قوى وفر دواعي الإحسان في الخلق ليحسنوا إليك.

قلت: هذه الجملة، فهات التفصيل.

الحقيقة الأولى:

قلت: ففصل لي الحقيقة الأولى.

قال: الحقيقة الأولى وصفه، واسمه الذي به ينادى، وفعله الذي به يفيض الأرزاق على خلقه.

قلت: نعم، فالله {هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}(الذريات:58)، ففصل لي ما يشرح صدري لهذا الاسم، وما يملأ قلبي بحقيقته، فإني وإن علمت ذلك ولم أجحده إلا أن حقيقته لم تصل قلبي، فأجدني جزعا خائفا.

قال: الشأن في الحقيقة أن تلامس شغاف الروح لا أن تلامس خلايا العقل، فالعلم وحده لا يكفي ما لم يصحبه اليقين وطمأنينة القلب.

قلت: فما الطريق إلى ذلك؟

قال: طريق اليقين رسمه الله لإبراهيم u عندما سأله أن يبين له كيفية إحياء الموتى.

قلت: نعم، لقد قال الله تعالى حاكيا عن ذلك:{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(البقرة:260)

ولهذا قال تعالى عن إبراهيم u:{ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}(الأنعام:75)

قلت: ولكن هل نطلب من الله تعالى معجزة مثلما طلب إبراهيم u؟

قال: وهل نفتقر إلى طلب المعجزات؟

قلت: وكيف نراها؟

قال: في ملك الله وملكوته.. فهي من الكثرة بحيث لا تحد ولا تعد.

قلت: لم أفهم.. فأنا لم أر في حياتي معجزة.

قال: بل، لم تر في حياتك إلا المعجزات.

قلت: فسر لي، فإني لا أكاد أفهم.

قال: ألم تسمع تمهيد الله تعالى لقصة أهل الكهف؟

قلت: بلى، لقد قال فيهم:{ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً}(الكهف:9)

قال: فما المراد منها؟

قلت: يخبر الله أن له آيات أكثر عجبا من قصة أصحاب الكهف التي عجب لها الناس وخلدوها واهتموا بها.

قال: وفيم هذه الآيات، وما محالها؟

قلت: في السماء والأرض، وكل شيء.

قال: فقد أجبت عن سؤالك، فرزق الله آية اسمه الرزاق، أو هو فيض من فيوضات الرزاق، وهذه الفيوضات تستدعي الظهور حتى لا ينكرها أحد، ولهذا لم ينكر المشركون كون الله رزاقا.

قلت: نعم، فقد قال الله تعالى:{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ}(يونس:31)

ولكن.. فصل لي مظاهر رزقه حتى يطمئن قلبي، فلو لامست الطمأنينة لرزق الله شغاف قلوب المشركين ما كفروا بالله.

قال: سأكتفي بذكر آية من آيات رزق الله، وهي أنه وضع رزقه في محال لا يطيق أحد نزعها.

قلت: لماذا، وكيف؟

قال: أما لماذا، فقد دل عليه قوله تعالى:{ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً}(الكهف:82)

قلت: ما وجه الإشارة في هذا؟

قال: هذا الوالد المسن لأولاده، لماذا خبأ الكنز في مكان لا يراه فيه أحد، ما عدا أولاده؟

قلت: لئلا يطمع فيه أحد، فيسلبه منهم.

قال: فكذلك الله تعالى وضع رزقه في محال بحيث لا يستطيع أحد أن يسلبها من الخلق.

قلت: فهلا مثلت لما تقول، فإني أكاد أفهم، ولكني أريد أن أرى الحقيقة لا أن أسمعها؟

قال: سأضرب لك مثالا قريبا من مثال الكنز.

قلت: أخبأ الله كنوزا، وما الحاجة إلى ذلك.

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر عن علامات الساعة، فقال عند ذكره لموت يأجوج ومأجوج:( فيرغب نبي الله عيسى u وأصحابه إلى الله عز وجل، فيرسل عليهم طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله تعالى، ثم يرسل الله عز وجل مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها([36])، ويبارك الله في الرسل([37]) حتى أن اللقحة([38]) من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس )([39])

قلت: بلى، فما وجه الإشارة فيه؟

قال: الإشارة فيه عبارة، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن إخراج الأرض لبركاتها قبل قيام الساعة، بحيث يرى من بركاتها ما لا يخطر على بال.

قلت: وما في هذا؟

قال: لقد ادخر الله تلك البركات لذلك الزمان حتى لا يموت آخر إنسان على هذه الأرض جوعا.

قلت: تلك بركات ذلك الزمان؟

قال: ولكل زمان بركاته.

قلت: كيف؟

قال: ألم يكن النفط كنزا عظيما مخبأ في صناديق لا يصلها أحد لتتنعموا به في هذا الزمان، ولا تمدوا أيديكم لأحد من الناس؟

قلت: بلى، بل أصبحنا نحن الذين نمد أيدينا للناس بالمعونة من غير حساب.

قال: فذاك كنز خبأه الله لكم لينظر ماذا تعملون.

قلت: ولكن هذا الرزق محصور في بلاد محدودة.

قال: وهي البلاد التي تحتاج إليه لقلة موارد رزقها الظاهرة، ألا ترى أن الأب الرحيم قد يفضل ابنه الضعيف أو المريض أو المحتاج بالعطية ليسد حاجته، ويكل الأقوياء لقوتهم؟

قلت: بلى.

قال: فكذلك الله تعالى برحمته جعل في البلاد التي تشح أرضها، أو يحبس قطرها من أسباب الرزق ما يسد حاجاتها.

قلت: إن في القرآن الكريم إشارة جميلة إلى هذا، فقد قال تعالى على لسان إبراهيم u:{ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}(ابراهيم:37)، فمكة المكرمة بواد غير ذي زرع، فحنن الله القلوب إليها، فإذا برزقها يفاض عليها من كل مكان.

قلت: تلك مكة المكرمة..

قال: ومثلها كثير من بلاد الله، بل قد تجد أهل الأرض الشحيحة أكثر غنى من أهل الأرض السخية.

سكت، فقال: سأعطيك مثالا لن يخالفك فيه أحد.

قلت: ما هو؟

قال: هذا الهواء الذي تتنفسه، هل جعل الله في طاقة البشر تملكه ومنع العباد عنه؟

قلت: لو أطاقوا لحجزوه في قارورات، وباعوه للناس.

قال: وهذا الماء الذي تشربه، والذي تفيض به الأنهار، والوديان والسماء.

قلت: هم كذلك لا يطيقون حبسه ولا منعه عن الناس.

قال: فهذه أهم الأرزاق لا يمنعها أحد.

قلت: ولكن الطعام.

قال: الطعام موجود مبثوث في كل مكان.

قلت: ولكنه بأيديهم يرفعون فيه ويخفضون، فيمتلكون به رقاب الناس.

قال: لا.. الطعام لا يختلف عن الماء والهواء، ولكن الناس بما ابتدعوه فيه سلموا رقابهم لمن يسقيهم الويلات بسببه.

قلت: كيف؟

قال: أنتم لا تأكلون ما يسد حاجتهم، ويحفظ قوامكم، ولكنكم اتخذتم الأكل حرفة، تظل المرأة طول نهارها من أجل وجبة أو وجبات أكثر ما فيها لغو وعلل.

قلت: نعم.. إني حينما أرى تلك الجهود المبذولة في التقطيع والتصفيف والمزج والتخليط أشعر بالضيق يدب إلى نفسي، لأن كل ذلك التخليط سينزل إلى المعدة، ولا يهمها أن يأيتيها مصففا أو غير مصفف.

قال: فأنتم الذي ضيقتم على أنفسكم، أما الله فإن رحمته وسعت كل شيء، ورزقه لم يحرم منه أحدا، وسنرى تفاصيل هذا في الحقيقة الثانية.

قلت: فقد فهمت هذه الآية، فهل من آية أخرى؟

قال: لو ظللنا نعد آيات الله في رزقه لبقينا جميع دهرنا أمام هذه الجوهرة لا نبرحها، ولكن سأدلك على ملاك ذلك كله.

قلت: فهات، فما أحوجني إلى المجامع والأصول.

قال: أرأيت إن ضمنت لك جهة ما رزقك، بحيث يأتيك مياومة أو مشاهرة أو مسانهة، أكنت تخاف عليه؟

قلت: وكيف أخاف عليه، وهو يأتيني رغدا وبانتظام، ولكن قد أخاف إن لم تكن جهة موثوقة.

قال: فإن كانت جهة موثوقة.

قلت: قد لا أخاف على وعدها ووفائها وجميل صدقها، ولكني أخاف على التقلبات التي قد تحدث فتمنعها من الوفاء بما ضمنته.

قال: فإن كانت فوق التقلبات.

قلت: تقصد أن يأتيني رزقي من جهة لا دخل للوزارة فيها.. فالوزراء يتحولون كل حين، ويعزل كل جديد كل قديم.

قال: ولا دخل للملوك والأمراء والرؤساء.

قلت: إذن أنام قرير العين لا أختلف عن الملوك ولا عن الوزراء والرؤساء.

قال: فقد وعد الله إذن عباده برزقه، ووعده لا يتخلف، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}(هود:6)، فقد وعد الله بتنزل أرزاقه على كل ذي حياة على هذه الأرض، فهل ترى في هذا من تخلف؟

قلت: لا، بل أرى أرزاق الحيوانات تساق إليهم عفوا، لا يحتاجون إلا إلى تناولها.

قال: ومثل ذلك أرزاق الإنسان إلا أنه يأبى إلا أن يعقد ما بسط الله.. أتدري لم يحرم الموكل بأرزاق البشر بعض العباد رزقه؟

قلت: إن خالف الوزير أو الأمير.

قال: أما الله، فإن رزقه لا يفرق بين مؤمن متعبد، وكافر متعنت.

قلت: نعم، ولهذا قال تعالى مجيبا إبراهيم u عندما سأل الرزق لعباد الله المؤمنين([40]) دون غيرهم { وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ( (البقرة:126)، فأخبره الله تعالى أن رزقه يناله المؤمن والكافر.

قال: وسأضرب لك مثالا على ذلك.. ألا تعلم أنواع الجرائم والكفر التي وقع فيها بنو إسرائيل بعد أن أنجاهم الله؟

قلت: كثيرة، بل إنهم بمجرد خروجهم وهلاك عدوهم التفتوا فوجدوا قوما { يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}(لأعراف: 138)

قال: وهل استجابوا لقوله؟

قلت: كلا، فبمجرد غيبته عنهم أياما معدودات، عبدوا العجل، قال تعالى:{ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}(البقرة:51)

قال: وعندما أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة، بماذا أجابوا؟

قلت: ما قصه علينا القرآن الكريم من قوله:{ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}(المائدة:24)

قال: فما هي العقوبة التي حاقت بهم بعد هذا القول؟

قلت: ما نص عليه قوله تعالى:{ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}(المائدة:26)

قال: فكان دخولهم في التيه إذن عقوبة لهم؟

قلت: نعم.

قال: والأصل في العقوبة أن يشدد على صاحبها، ويضيق عليه.

قلت: لا شك في ذلك، ومن شك فعليه بزيارة السجون والمعتقلات.

قال: ولكن اسمع لما أنزل الرزاق الكريم على هؤلاء في فترة عقوبتهم، قال تعالى مخاطبا لهم:{ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(البقرة:57)

قلت: لقد ذكر الله تعالى ثلاث نعم عظمى: الغمام، والمن، والسلوى.

قال: فقد وقاهم الله حر الشمس، وصدى العطش، ولهيب الجوع.

قلت: لم يقهم فقط، بل متعهم، فقد قال قتادة في المن:( كان المن ينزل عليهم في محلّهم سقوط الثلج، أشدّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك )، وقال ابن عباس في السلوى:( السلوى طائر يشبه السماني كانوا يأكلون منه )

قال: وعندما عطشوا؟

قلت: لم يكلفهم بحفر آبار ليشربوا، بل خرق العوائد من أجل أن يسقيهم، قال تعالى:{ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}(البقرة:60)

قال: وليس هذا فقط، بل إن الله تعالى يأمر عباده بأن يأكلوا من رزقه ويعرض عليهم أصناف نعيمه كما يعرض الضيف الكريم طعامه على ضيفه.

قلت: أجل، فقد ورد ذلك في آيات كثيرة، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (البقرة:172)، وقال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(الأنعام:141)

قال: ومع ذلك كله، فالله لا يغفل ولا ينسى، فهل يخاف من عرف الله على رزقه؟

الحقيقة الثانية:

قلت: كلا.. وعيت هذا فهات الحقيقة الثانية.. وهي حقيقة ضعف مطالب الإنسان وقلتها بجانب الرزق المفاض عليه.

قال: أجل، وقد أشار إلى هذه الحقيقة قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( من أصبح منكم معافى في جسده، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنهما حيزت له الدنيا بحذافيرها )([41]) ، وقد ورد في لفظ من ألفاظ الحديث ما هو أكثر دلالة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(  ابن آدم عندك ما يكفيك، وأنت تطلب ما يطغيك، ابن آدم لا بقليل تقنع، ولا من كثير تشبع، ابن آدم إذا أصبحت معافى في جسدك آمنا في سربك عندك قوت يومك، فعلى الدنيا العفاء )

قلت: ويشير إليها قوله تعالى:{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ}(المائدة:20)، فقد أخبر الله تعالى أنه جعلهم ملوكا مع أن الملك لم يكن إلا في بعضهم.

قال: أراك لم تكتف بهذا.. ألم تؤمن؟

قلت: بلى، ولكن ليطمئن قلبي.

قال: فقارن بين حاجات الإنسان الغذائية البسيطة، وبين ما كنز في البحر من أصناف الأغذية.

قلت: نعم، فقد قال تعالى وهو يعدد نعمه التي جعلها في البحار:{ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(النحل:14)

الحقيقة الثالثة:

قال: أما الحقيقة الثالثة، فأن تعلم لكل زمان رزقه الخاص به.

قلت: وماذا تقول هذه الحقيقة؟

قال: تقول لك:( عش يومك، ولا تحزن على المستقبل، لأنه لا يأتي إلا ومعه رزقه )

قلت: كيف؟

قال: سبب الخوف على المستقبل هو تصور خلو المستقبل من الرزق، فإذا علمت أن لكل زمان رزقه الخاص به لم تحزن.

قلت: فاضرب لي على ذلك مثالا.

قال: ألا يرزق الجنين؟

قلت: بلى، ولو توقف الرزق عنه لحظة هلك.

قال: وماهو رزقه؟

قلت: كل ما يتطلبه جسده لبنائه من معادن وبروتين وفيتامين وغير ذلك من المكونات.

قال: ولو نقص أحد هذه المكونات؟

قلت: سيهلك الجنين، أو سيخرج مشوها، وأحسن أحواله أن يخرج سقيما يحتاج إلى علاج.

قال: ولكن الجنين يمر بمراحل مختلفة.

قلت: أجل، لقد نص على جميعها القرآن الكريم، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً }(الحج: 5)

قال: وهل يحتاج في كل المراحل إلى غذاء واحد؟

قلت: كلا، ففي كل مرحلة يحتاج غذاء خاصا.

قال: وهل يوفر له ذلك الغذاء الخاص؟

قلت: أجل، مثلما يوفر الطعام في المطاعم بحسب رغبة الطاعم.

قال: ولكن الطاعم هنا ضعيف ليس له أي قدرة.

قلت: ولكن مطعمه يعلم حاجته، ويوفرها له.

قال: تقصد أمه.

قلت: أمه، لا تدري أي شيء عنه، هو في رحمها، لكنه غيب بالنسبة لها.

قال: فمن إذن؟

قلت:  الله الرزاق ذو القوة المتين.

قال: فقد فهمت إذن بأن لكل زمان رزقه.

قلت: نحن لا نخاف على رزق الجنين، ولكن نخاف على رزق الوليد، ولهذا أخبر الله تعالى عن قتل المشركين لأولادهم، ولم يخبر عن إجهاضهم لنسائهم، قال تعالى:{ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} (الأنعام: 151)

قال: فالوليد عند نزوله، أيطيق أكل طعام الناس؟

قلت: كلا.

قال: فهل وفر الله له ما يقوم بغذائه؟

قلت: نعم، لقد أدر الله ثدي والدته لتسقيه من حليبها.

قال: فهل في لبن الأم ما يكفي حاجة رضيعها؟

قلت: بل ما يكفي ويشفي.

قال: فهل يتناسب ذلك مع حاجاته المختلفة.

قلت: أجل، فحلييب الأم ـ كما يقرر الخبراء  ـ يتطور تركيبه من يوم لآخر بما يلائم حاجة الرضيع الغذائية، وتحمل جسمه، و بما يلائم غريزته وأجهزته التي تتطور يوماً بعد يوم.

قال: ولكن الرضيع ليس بحاجة إلى الغذاء فقط، بل هو بحاجة إلى الدواء، أو بالأحرى تقوية جهاز مناعته، ليواجه الأعاصير التي تتربص به.

قلت: وذلك كله موجود في لبن الأم، فهو يحوي أجساما ضدية نوعية، تساعد الطفل على مقاومة الأمراض.

ثم التفت إلى المعلم، فرأيته، وكأنه يحضر لي سؤالا، فقلت: وأزيدك، فإنه زيادة على هذه الفوائد الصحية، هناك فوائد نفسية واجتماعية كثيرة، فقد أكد علماء النفس أن الرضاعة  ليست مجرد إشباع حاجة عضوية إنما هو موقف نفسي اجتماعي شامل، تشمل الرضيع والأم وهو أول فرصة للتفاعل الاجتماعي .. وفي الرضاعة يشعر الطفل بالحنان والحب والطمأنينة ويحدث اندماج في المشاعر بين الطفل وأمه.

قال: فأنت أقررت إذن بأن الله تعالى وفر للرضيع كل ما يحتاجه.

قلت: لا شك في ذلك، وذلك ليس كلامي، بل هو كلام الخبراء.

قال: أفتدرك الآن قيمة الرزق الذي ساقه الله لهذا الرضيع، أليس في هذا اللبن آية؟

قلت: نعم، بل آية كبرى، فالمصانع الضخمة عندنا، والخبراء الكثيرون لم يستطيعوا أن يكونوا قطرة واحدة من حليب الأم.

قال: فاسمع إذن لما يقول الحق تعالى عن هذه الآية، قال تعالى:{ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ} (النحل:66)

قلت: ولهذا أمر الله تعالى تحقيق شكر هذه النعمة باستخدامها لا بتعويضها بأي شيء آخر، فقال تعالى:{ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } (البقرة:233)

قال: فإذا كبر الرضيع وفطم من أن يأتيه رزقه؟

قلت: لقد جعل الله من الرحمة في قلوب والديه ما يحيل عليهما التفريط في تغذيته وصحته، بل إنهما يؤثرانه على نفسيهما، ويطعمانه ولا يأبهان بما يعاملهما به من القسوة.

قال: فالرحمة الفطرية إذن هي التي توفر الدواعي على رزق الصبي بعد فطامه؟

قلت: نعم، وهي في أحيان كثيرة لا تقتصر على الوالدين، بل إن كل من طلب منه صبي طعاما أو شيئا أعطاه عن طيب نفس.

قال: فرزق الصبي مساق إليه من غير تعب ولا كد.

قلت: نعم، بل يساق إليه أفضل الرزق، هو تماما مثل دود الفواكه نائم في وسط غذائه، بل في أفضل غذاء على الإطلاق.

قال: فإذا كبر الصبي وشب؟

قلت: أعطاه الله من القوة والجلد ما يتمكن به من جلب رزقه بلا عناء ولا تعب.

قال: فإذا أصيب بآفة تحيط بقواه، أو بكبر ينهش عظمه؟

قلت: يوفر له من الدواعي الفطرية في أقاربه أو في الأبعدين من يتكفل به.

قال: فإذا مات؟

قلت: لن يعدم من يغسله ويكفنه ويدفنه.

قال: فإذن هو لا يحتاج إلى شيء، ففي كل زمان له من الرزق ما يكفيه ويغنيه.

قلت: ولكن هناك مطالب أخرى أنتجتها الحضارة قد يعجز عنها، وبسببها يرمى في سلة الفقراء التي لا تختلف في نظر المجتمع عن سلة المهملات.

قال: ذاك شيء ساقه لنفسه، وعقوبة جلد بها ذاته.

الحقيقة الرابعة:

قلت له: فما الحقيقة الرابعة؟

قال: من ألقاك في متاهة، أيكون بذلك قد عاقبك؟

قلت: أعظم عقوبة، بل لعله لم يرد إلا قتلي، ولكنه خشي تلطيخ يديه فاكتفى برميي للموت يلتهمني.

قال: فإن أعطاك بوصلة تهتدي بها، وعلمك كيفية استخدامها؟

قلت: يكون قد أحسن لي بذلك، ولكنه مع ذلك فقد أساء، فما عساها تصنع البوصلة لي، أأركب عليها، أم أشرب ماءها، أم آكل طعامها؟

قال: فإن أعطاك كل ذلك: مركبا وزادا وماء؟

قلت: يكون إحسانه أعظم.

قال: وهل تأمن حينها.

قلت: نعم يزداد أمني، ولكني مع ذلك أخاف السباع أن تعتدي علي.

قال: فإن أمنك من السباع، أو أعطاك ما تقتل به السباع.

قلت: يكون قد أحسن إحسانا عظيما، وأنقذني من الموت، لكني سأظل أتساءل عن علة وضعي في تلك المتاهة؟

قال: فإن أرسل لك بأنه لم يرد لك إلا الخير، وأنك إذا رجعت إليه من تلك المتاهة سيعطيك قصرا فخما ويتوجك ملكا.

قلت: سينتفي حقدي عليه حينها، ولكني سأظل أتساءل عن علة ذلك.

قال: فإن أرسل لك يخبرك بأن غرضه أن يمرنك على مهمات الملك، ويختبر مدى قدراتك.

قلت: حينها سأعظمه وأجله.. وأحبه.

قال: وتلك الأدوات التي أعطاك، أتستخدمها؟

قلت: كيف لا أستخدمها، وهي وسيلتي إليه، فلولا البوصلة لتهت، ولولا السلاح لافترست، ولولا الطعام لهلكت جوعا.

قال: فهذه هي الحقيقة الرابعة.

قلت: أي حقيقة؟ فقد كنا نتحدث عن المتاهة.

قال: وهذ المتاهة هي الدنيا، والذي اختبرك هو ربها، وجزاؤك إن رجعت إليه سالما هو الجنة.

قلت: والبوصلة والأدوات..؟

قال: تلك هي القوى التي منحك الله إياها، فإن استخدمتها نجوت ، وإلا هلكت.


([1]) )  الترمذي،  وقال: هذا حديث غريب.

([2]) )  البخاري ومسلم والترمذي.

([3]) )  السرب: بكسر السين وسكون الراء: المأوى.

([4]) )  ابن عدي والبيهقي.

([5]) )  البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجة.

([6]) )  الطبراني والديلمي.

([7]) )  البخاري ومسلم.

([8]) )  البخاري ومسلم.

([9]) )  مسلم.

([10])   رواه أحمد.

([11]) )  مسلم.

([12]) )  أحمد والترمذي،  وقال: حسن صحيح، والحاكم.

([13]) )  أحمد وعبد بن حميد.

([14]) )  البخاري والنسائي.

([15]) )  البخاري ومسلم والترمذي.

([16]) )  البخاري وغيره.

([17]) )  الترمذي والحاكم.

([18]) )  ورد في سنن ابن ماجة.

([19]) )  مجمع الزوائد للهيثمي.

([20]) )  هي قوله تعالى:) كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ((الأنعام:141)

([21])  مسلم.

([22]) )  أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم.

([23]) مسلم.

([24]) )  الترمذي.

([25])  البخاري ومسلم.

([26]) البخاري.

([27]) )  البخاري ومسلم والترمذي.

([28]) )  الفاقة والجوع الشديد.

([29]) )  التِّرمِذِيُّ وقال حديث صحيح.

([30]) )  التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح.

([31]) )  الترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن ماجة.

([32]) )  هذا قول مالك بن دينار.

([33]) )  ابن ماجة من حديث زيد بن ثابت بسند جيد والترمذي من حديث أنس بسند ضعيف.

([34]) )  ابن ماجه بإسناد صحيح.

([35]) )  الحاكم.

([36]) )  أراد قشرها، تشبيها بقحف الرأس، وهو الذي فوق الدماغ.

([37]) )  ما كان من الابل والغنم من عشر إلى خمس وعشرين.

([38]) )  الناقة القريبة العهد بالنتاج.

([39]) )  رواه أحمد والترمذي ومسلم.

([40]) )  ونص قوله هو:{ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } (البقرة:126)

([41]) )  البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجة .

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *