ثالثا ـ كنز الاستعفاف

ثالثا ـ كنز الاستعفاف

سرت مع معلم السلام نبحث عن قصر الاستعفاف، لاح لنا قصر جميل، يشبه في شكله يدا ممتدة للسماء تتساقط عليها أنواع الجواهر، وتنتشر منها أصناف الروائح الطيبة.

قلت للمعلم: ما أروع هذا القصر، لكأن الذي صممه فنان لا مهندس.

قال: كل مصممي هذه القصور يجمعون بين الفن والهندسة.

قلت: إذن هم تخرجوا من جامعة واحدة.

قال: نعم.

قلت: فأي جامعة هي، فإن لي شوقا لأن أتعلم مثل هذه الفنون.

قال: هي جامعة موجودة في كل مكان.

قلت: في كل مكان.. أمتأكد  أنت؟

قال: نعم.. في السماء والأرض، والحقول والبراري، والبحار والصحارى.. في كل مكان، بل في كل خلية تنبض بالحياة، أو كل ذرة تمتلئ بالحركة.

قلت: فأنت تقصد شيئا لا أفهمه.

قال: أقصد الصنعة الإلهية، فإن من أحب الله تخلق بأخلاق الله.

قلت: ولكنها صنعة إلهية، فكيف تقلد؟

قال: كل صنعة إلهية يجتمع فيها كمال الهندسة مع كمال الفن، فلا تعجب لكون كل مؤمن مهندسا وفنانا.

قلت: ولكن..

قال: دعنا من هذا، فله محله الخاص في هذه الرسائل، ولندخل إلى هذا القصر لنغنم جواهره.

قلت: لا شك أن هذا هو قصر الاستعفاف، فاليد تدل على السؤال والشحاذة، والجواهر المتساقطة عليها تدل على العطايا الممنوحة لهذه اليد.

 قال: نعم، هذا هو قصر الاستعفاف، وفيه أربعة طوابق، كل طابق منها يرفع همتك، ويحمل يدك ليضعها في موضعها الصحيح.

قلت: يدي هي في يدي، فكيف يضعها في موضع صحيح.. أتقصد أني لن أخرج من هذا القصر بيدي؟

قال: افهم الحقائق، ولا تناقش الألفاظ.

قلت: فما تريد بيدي، أليست اليد غير الجارحة!؟

قال: يدك التي يمتد بها طمع عينيك إلى جيوب الناس، أو خزائن الناس.

ابتسمت، وقلت: تقصد يد الشحاذين لا يدي، فقد عافاني الله من الشخاذة.

قال: هي حرفة يتقنها الكل، ويتهرب منها الكل.

قلت: ما تقصد؟

قال: من هم الشحاذون بين قومك؟

قلت: الذين يقفون على عتبات المساجد والأسواق يبكون ويولولون ويبتكرون صنوف الحيل التي تستدر عطف الناس، فتستخرج ما في جيوبهم.. إنهم الشحاذون الماهرون في جلب المال بلا تعب.

قال: أهؤلاء هم الشحاذون في تصورك؟

قلت: وفي تصور جميع الناس، إنهم الذين حكى عنها الحريري والهمذاني في مقاماتهما.

قال: وسائر الناس؟

قلت: لقد عافاهم الله من الشحاذة.

قال: وما أدراك أن الله عافاهم منها؟

قلت: لأنهم لا يمدون أيديهم للناس.

قال: ولكنهم يمدون أعينهم وقلوبهم، ولو استطاعوا لخنقوا الناس ليستولوا على ثرواتهم.

قلت: كيف.. أنا لا أرى ما تقول.

قال: ما تقول في الاستعمار؟

قلت: هم يقولون: جئنا لنعمر أرضكم.

قال: ولكنهم أبادوا شعوبكم، ومرغوا كرامتكم، ونهبوا ثرواتكم، ثم لم يخرجوا إلا بعد أن عاهدتموهم على أن تضعوا أيديكم المجروحة في أيديهم الآثمة.

قلت: كل ذلك صحيح.. ولكن الأيام سرعان ما تطوي الأحقاد.

قال: أنا لا أتكلم عن الأحقاد، ومعلم السلام يملأ القلوب بالإيمان لا بالأحقاد.

قلت: فلماذا نتحدث عن الاستعمار إذن؟

قال: لنعرف نوعا خطيرا من أنواع الشحاذة التي يتهرب منها الكل، ويتقنها الكل.

قلت: ولكن الاستعمار ولى، ونحن الآن تحت رحمة حكومات منا، لا تستجدينا ولا تطمع في أموالنا.

قال: ولكني رأيت وزراء شحاذين.

خطر على بالي وزير المالية أو الاقتصاد وهو يقف على باب من أبواب المساجد يطلب الصدقات ليملأ البنوك، فضحكت، فقال: أنت تتعجب من تحول وزير المال إلى شحاذ.

قلت: أجل.. لقد عرفت ما يجول في خاطري.

قال: نعم.. ألم يمد يده للموظفين ليقبل رشاواهم، ألم يمد يده لعموم الناس ليقبل مصالحهم؟

قلت: ذلك من الرسوم.

قال: أنتم تعرفون كيف تحولون المعاني بتحويل الألفاظ، فتسمون قتل الشعوب للاستيلاء على ثرواتها استعمارا، وتسمون أكل أموال الناس بالباطل رسوما، وتسمون الرشاوى هدايا..

قلت: لقد ذكرتني بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها )([1])

قال: وقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: أجل، فنحن نسمي الخمور مشروبات روحية.

قال: ألم تكتفوا بتسميتها مشروبات حتى نسبتموها إلى الروح؟

قلت:.. فما الطريق لأتخلص من الشحاذة، وأعف عن أموال الناس؟

قال: بقطعك هذه الطوابق الأربع، وجمعك لجواهرها.

قلت: فماذا أقطع في الأول؟

قال: تقطع طمعك من نفسك، فتيأس منها، ولا تمد يدك إليها.

قلت: ففي الثاني؟

قال: تقطع طمعك من الخلق، فتيأس منهم، ولا تمد يدك إليهم.

قلت: ففي الثالث؟

قال: تمد أعناق طمعك كلها إلى الله، فلا ترى مستحقا للتفضل غيره.

قلت: ففي الرابع؟

قال: تمد يدك إلى الله الذي طمعت فيه، وحينذاك تضع يدك موضعها الصحيح، وحينذاك سينعم عليك بالفضل الذي تستغني به عن الكل، وتمتزج يدك مع اليد التي رأيتها في هذا القصر.

لا أمل فيك :

وقفت مع المعلم أمام الجوهرة الأولى من جواهر الاستعفاف، فسألت المرشد عنها، فقال: هذه جوهرة نفيسة، لا يحل صعود طوابق القصر إلا بعد المرور عليها.

قلت: فما اسمها؟

قال: هي جوهرة ( لا أمل فيك )

ابتسمت في نفسي من هذه الأسماء الغريبة، ثم التفت إلى المعلم ليشرح لي حقائقها، فلا يمكن أن أنالها بدون الوصول إلى حقيقتها والاقتناع بها.

نظر إلي المعلم، وقال: ألا تعلم أول بيت يقصده الشحاذ، وأول من يمد إليه يده؟

فكرت قليلا ، ثم قلت: ربما.. جاره.. لا، فقد لا يريد أن يظهر بمظهر الذلة أمام جاره.. لعله السوق أو المسجد.. أو لعله يخرج من بلده حفظا لكرامته ليمد يده للغادي والرائح.

قال: كل من ذكرتهم بعيدون، والشحاذ لا يمد يده إليهم إلا بعد أن يمد يده إلى غيرهم.

قلت: فمن؟ لقد عجزت عن معرفته.

قال: أول من يمد الشحاذ يده إليه بالسؤال والافتقار هو نفسه.

قلت: نفسه؟

قال: التي بين جنبيه، فافتقاره إلى الخلق يبدأ من افتقاره لنفسه، وافتقاره لنفسه هو الذي يجعله يدق أبواب الخلق.

قلت: فكيف يمد يده لنفسه.. لم أر في حياتي رجلا يقف في مكان خال أمام مرآة يضع يده ينتظر أن توضع فيها أي صدقة.. إلا إذا كان مجنونا.

قال: بل كل الشحادين يقفون هذا الموقف، بل كل من لم يمد يده إلى الله يمد يده إلى نفسه، ويقف هذا الموقف الذي استنكرته.

قلت: لكني لم أر أحدا يفعل ذلك.

قال: الفقراء والأغنياء يفعلون ذلك.

قلت: اشرح لي، فلا أطيق الإلغاز.

قال: عندما يقرر الملك أمرا من الأمور، ويحب أن ينفذه، ماذا يفعل؟

قلت: يستنجد بوزرائه وأعوانه.

قال: أيمد يده إليهم طالبا المعونة؟

قلت: نعم، مثلما قص القرآن الكريم على ملكة سبأ، حيث قالت لقومها:{ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ}(النمل: 32)

أو مثلما قال الملك في قصة يوسف u لأعوانه:{ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ}(يوسف:43)

قال: ولا حرج عليك أن تشبه ذلك بقول سليمان u لحاشيته:{ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}(النمل: 38)

قلت: نعم، ولكني خشيت أن تقول شيئا قد لا يتناسب مع مقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

قال: لا، بل هذا من كمالهم، فمن كمال الملك استنجاده بأعوانه واستشارته لهم.

قلت: فما في هذا؟

قال: قد نسمي الملك شحاذا في هذه الحالة.

قلت: نعم إن جعلنا الشحاذة هي كل مسألة أو كل طلب معونة.

قال: فإذا استقر رأي الملك وحاشيته على أمر.

قلت: يبدأون في تنفيذه.

قال: أين؟

قلت: حسبما خططوا.

قال: فإن ظهر ذلك الأمر في الواقع، فلمن ينسب؟

قلت: للملك والحاشية، وقد ينسب للقصر نفسه.

قال: فالقصر إذن هو الباني والهادم، وهو الذي يتخذ كل القرارات.

قلت: خاصة الصعبة منها، لأن ما عداها قد تتكفل به الأكواخ.

قال: ألم تسمع من الغزالي بأن الإنسان مع لطائفه، كالملك مع حاشيته؟

قلت: نعم، لقد مثل الغزالي نفس الإنسان وعلاقتها بقواها بالملك، فقال:( مثل نفس الإنسان في بدنه أعني بالنفس اللطيفة المذكورة، كمثل ملك في مدينته ومملكته، فإن البدن مملكة النفس وعالمها ومستقرها ومدينتها وجوارحها، وقواها بمنزلة الصناع والعملة، والقوة العقلية المفكرة له كالمشير الناصح والوزير العاقل، والشهوة له كالعبد السوء يجلب الطعام والميرة إلى المدينة، والغضب والحمية له كصاحب الشرطة )([2])

قال: فلو أن هذا الملك اختار بصواب رأيه وما أوتي من الحكمة بطانة صالحة.

قلت: ستكون رعيته في أحسن حال، ولن ينال منها، ولن تنال منه إلا الخير، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصمه الله )([3])

وقد قال الشاعر ناصحا:

واجعلْ بطانتكَ الكرامَ فإِنهمْ
 
أدرى بوجهِ الصالحاتِ وأخبرُ
  
إِن الكريمَ له الكرامُ بطانَةٌ
 
طابتْ شمائلُهم وطابَ العنصرُ
  
إِن لاحَ خيرٌ قَرَبوه ويَسْروا
 
أو لاحَ شرٌ باعدُوه وَعَّسروا
  
أما اللئيمُ فحولَه أمثالُهُ
 
قرناءُ سوءٍ ليس فيهم خيَّرُ
  
إِن لاحَ خيرٌ باعدوهُ وعَسَّروا
 
أو لاحَ شرٌ قَرَّبوه ويَسَّروا
  
ولكل كونٍ كائناتٌ مثلُهُ
 
فقبيلُهُ من جنسِه والمعشرُ
  

قال: فإذن ما يصدر من الملك وحاشيته هو الذي يظهر في البلاد وبين الرعية؟

قلت: نعم، على حسب المثال الذي ذكره الغزالي.

قال: فمد الشحاذ يده للناس، أليس موقفا من المواقف الخطيرة التي اتخذها في حياته؟

قلت: أجل، بل هو أخطر المواقف على الإطلاق، فيكفي ما فيه من الذلة.

قال: فهل أرغم على ذلك، أم اتخذ القرار بنفسه؟

قلت: قد يكون مرغما، فقرار مثل هذا لا يكون عن طواعية.

قال: وكذلك مثل قرارات كثير من الملوك الذين لا يرون إلا جهة واحدة، ثم يتصورون أنهم مضطرون.

قلت: فليسوا مضطرين إذن؟

قال: من رحمة الله بعباده أو من ابتلائه لهم أن يضع لهم الكثير من الحلول، ولكنهم يعمون أعينهم عنها، ويتصورون أنهم مضطرون لأبشع الحلول.

قلت: فهذا القرار الذي اتخذه في نفسه سواء كان مكرها عليه أو مختارا من لجأ إليه فيه.

قلت: إلى وزرائه وأعوانه وحاشيته.

قال: فقد وثق فيهم إذن عندما استشارهم.

قلت: لقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(  إن المستشار مؤتمن )([4])

قال: ولكن المستشار قد يكون أخرق؟

قلت: أجل، وحينذاك يكون من البطانة السيئة.

قال: فلماذا لم يمد يده إلى جهة عليا موثوقة يستشيرها.

قلت: لثقته بوزرائه.

قال: فقد رضي إذن عن نفسه حين مد يده إليها.

قلت: نعم.

قال: فمبدأ الشحاذة إذن الرضى عن النفس وعن قرارات النفس، ولذلك كان علاجها الحقيقي لا بنهي الشحاذ عن مد يده إلى الناس، وإنما نهيه عن مد يده إلى نفسه.

قلت: نعم، لقد اقتنعت بهذا الكلام، ولكن ما هو السبيل لإقناعه بعدم مد يده إلى نفسه؟

قال: هو نفس السبيل الذي نقنع به الملك بعدم الثقة في مستشاريه.. إن أول خطوة تخطوها لقطع مد يدك إلى نفسك هو عدم ثقتك بها، وعدم رضاك عنها.

قلت: لقد ذكرتني بقول ابن عطاء الله:( أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها. ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه، خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه، فأي علم لعالمٍ يرضى عن نفسه؟ وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه؟ )

قال: لم نصحه بأن لا يرضى عن نفسه؟

قلت: لتبديلها الحقائق، كما قال الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة
 
كما أن عين السخط تبدي المساويا
  

قال: فهل يمكن أن يصلح من يرضى عن تصرفات نفسه.

قلت: لا، فإن كل ما كسب من المحرمات ناتج عن الرضى عن النفس والسماع لأوامرها، كما قال تعالى عن إخوة يوسف u:{ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}(يوسف:18)

وكما قال عن السامري:{ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}(طـه:96)

قال: ما سبب قتل ابن آدم الأول لأخيه؟

قلت: لقد ذكر المفسرون في ذلك أقوالا، منها ما قال السدي عن ابن عباس وعن ابن مسعود: أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ومعه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل وقابيل، كان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه، وقال هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها، وأنهما قربا قرباناً إلى اللّه عزَّ وجلَّ أيهما أحق بالجارية، قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها، فنزلت النار فأكلت قربانا هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب، وقال لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل:{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}(المائدة: 27) )([5])

قال: ولكن القرآن الكريم ذكر قولا واحدا؟

قلت: القرآن الكريم ذكر ذلك.. أين، فأنا لا أراه؟

قال: ألم تسمع إلى قول الحق تعالى:{ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(المائدة:30)، فما سولت له نفسه من المعصية هو السبب، أما ما ذكر من الأسباب، فمجرد خيوط عنكبوت، لأنه إن لم يقتله بهذا السبب قتله بغيره.

قلت: فما علاقة هذا بمد اليد إلى النفس؟

قال: لأن النفس التي استطاعت أن تقهر صاحبها، فيمد يده لقتل أخيه، لن تعجز أن تسول له أن يمد يده للناس يستجديهم.

قلت: لقد اقتنعت بما قلت، لكن أنى لي أن أتخلص من مد يدي إلى نفسي.

قال: بعلمك بتحقق نفسك بعدم أهليتها للاستشارة.

قلت: وكيف أعلم ذلك؟

قال: أربعة صفات في النفس إذا علمتها ارتفعت ثقتك فيها، وكففت عن مد يدك إليها.

قلت: ما هي؟

قال: الجهل والظلم والهوى والخداع.

قلت: لماذا هذه الأربع؟

قال: جهلها يجعلها تكذب عليك في نقل الحقائق.

قلت: وظلمها؟

قال: يجعلها تضع الأشياء في غير مواضعها.

قلت: وهواها؟

قال: يجعلها تسترالروائح المنتنة ببعض العطور السامة.

قلت: وخداعها؟

قال: هو احتيال النفس على نفسها.

الجهل:

قلت: فكيف أعرف جهل نفسي؟ ولماذا أبحث عن جهلها؟ ألا يزيدني ذلك حزنا وأسفا وألما؟.. وكل ذلك ينافي السلام الذي تعلمني إياه.

قال: علمك بجهل نفسك هو الذي يدعوك إلى السلام وإلى السعادة وإلى الطمأنينة، ويكف شر نفسك عنك.

قلت: كيف؟

قال: علمك بعلمك يدلك عليك، وعلمك بجهلك يجعلك تبحث عنه.

قلت: زدني توضيحا.

قال: كلام الله سيزيدك توضيحا.. بماذا أجاب قارون الصالحين من قومه عندما قالوا له:{ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}(القصص: 76)

قلت: أجابهم بقوله:{ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}(القصص: 78)

قال: فقد كان يعزل الله إذن عن إعطائه ذلك المال.

قلت: أجل.

قال: فعلمه إذن كان ساترا لجهل عظيم له أثره الخطير في حياته.

قلت: نعم، ولذلك رد القرآن الكريم عليه قائلا:{ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ }(القصص: 78)

قال: أتدري ما يقول له بهذا؟

قلت: نعم، كأنه يقول له:( لماذا اكتفيت بذلك العلم، ولماذا لم تبحث عن علم آخر أهم، وهو العلم بمصاير الأقوام الذين أبيدوا، وعن سبب إبادتهم، ليكون لك ذلك موضع عبرة )

قال: صدقت، ولكن لماذا لم يتعلم قارون هذا النوع من العلم؟

قلت: لعله لم يجد معلما.

قال: لا.. ولكنه لم يجد استعدادا من نفسه لتعلمه.. ولو وجد الاستعداد لأرسل الله له من يعلمه.

قلت: كيف؟

قال: إن العلم الذي عنده، والذي هو في حقيقته جهل يستر علما، منعه من قبول غيره أيا كان ذلك الغير، ألم تسمع قوله تعالى:{ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} (غافر:83)

قلت: بلى، فالله تعالى في هذه الآية يخبر عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر، وماذا حل بهم من العذاب الشديد مع شدة قواهم، وما أثروه في الأرض وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئاً ولا رد عنهم ذرة من بأس اللّه، وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات لم يلتفتوا إليهم ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل.

قال: فقد أرسل الله إلى هؤلاء من يعلمهم، ولكنهم لتعالمهم الذي هو عين الجهل وأساس الجهل لم يقبلوا منه.

قلت: نعم، هذا صحيح، وقد وقع فيه أكثر المنحرفين عن الله المجادلين أولياء الله.

قال: بل قل: وقع فيه كل المنحرفين عن الله، فأول خطوة للانحراف هي الجهل، كما أن أول خطوة للتحقيق هي العلم.

قلت: ولهذا جعل الله تعالى علة ما حاق بالقرى من هلاك هو الجهل، كما قال تعالى:{ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} (الأنعام:111)

قال: ألا ترى القوة التي يتمتع بها الجهل في التأثير في صاحبه، وفي صده عن الحقائق؟

قلت: نعم.

قال: بل إن الله تعالى يخبر بأن كل المعجزات لن تستطيع التأثير في الإنسان الجاهل.

قلت: لماذا؟

قال: لأنه سيجد من الحلول ما يغير به الحقائق، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ}(الحجر:14 ـ 15)

قلت: نعم، فالله تعالى يخبر عن قوة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق بحيث أنه لو فتح لهم باباً من السماء فجعلوا يصعدون فيه لما صدقوا بذلك، بل بل أرجعوا ذلك إلى عماهم أو إلى السحر.

قال: فما سبب عمى أعينهم عن آيات الله؟

قلت: ما جعل فيها من الغشاوة، وما جعل في قلوبهم من الأكنة، كما قال تعالى:{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}(الأنعام:25)

قال: وتلك الأكنة التي منعتهم من معرفة الحقائق ماذا تضع بدلها؟

قلت: الأوهام، والجهل، بحيث تجعلهم يكابرون كل شيء حتى المحسوس، كما قال تعالى:{ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}(الأنعام:7)، فهؤلاء كابروا ما لمسوه بأيديهم.. وقال تعالى:{ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ}(الطور:44) وهؤلاء كابروا المرئي المشاهد.

قال: بل هم كابروا بحواسهم جميعا كل آيات الله، كما قال تعالى:{ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ}(القمر:2)

قلت: لقد اقتنعت بكل هذا، ولا أحسبني أخالفه.. ولكني لم أفهم علاقة هذا بالاستعفاف؟

قال: الاستعفاف هو بذل الجهد لتحصيل العفاف عن أيدي الناس، وقد عرفنا أن ذلك لا يكون إلا بعد الاستعفاف عن النفس، والنفس لا يستعف عنها إلا إذا علم جهلها.. أيمكن لملك عادل أن يسلم أي وزارة من وزاراته لغير المختصين؟

قلت: هذا محال.. لأنهم سيفسدون ولا يصلحون.

قال: فإذا وكل الإنسان لنفسه الجاهلة تدبير أمره، ألا تكله إلى الخراب؟

قلت: نعم، مثل النفوس التي خربت بنيان قارون وفرعون وجميع المشركين والملحدين.

قال: بل تخريب كل سلوك، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(  إن اللَّه عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني! قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني! قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه! أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي! )([6])، فقد أرجع الله جهل العبد بهذه المعاني هو الذي أوصله إلى ذلك التقصير.

قلت: بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن تأثير الجهل من الناحية الاجتماعية، فقال:( إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا )([7])، فقد أرجع صلى الله عليه وآله وسلم سبب الضلالة إلى اتخاذ الرؤساء الجهال.

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن الهلاك الذي حاق بالأمم نتيجة تعالمها على كتبها، فقال:( إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه بعضا، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا ولا يكذب بعضه بعضا، ما علمتم فيه فقولوا وما جهلتم فكلوه إلى عالمه )([8])

قال: فلذلك كانت أول حلقة تقطع من سلسلة الطمع في النفس هي يقينك بجهلها، فيقينك بجهلها يوصلك إلى التعلم منه، فلا يتعلم إلا الجاهل.

قلت: لقد ذكرتني بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(  لا يزال الرجل عالما حتى يقول علمت، فإذا قالها فقد جهل)

الغرور:

قال: ألم تعلم ما الذي جعل فرعون يدعي الألوهية؟

قلت: قومه، فقد قال تعالى:{ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ}(الزخرف:54)

قال: وقبل قومه.

قلت: أنا لم أقرأ تاريخ فرعون حتى أعلم مصادر ادعائه الربوبية بالضبط، فقد يكون تأثر في ذلك بالديانات الفارسية أو الهندية..

قال: لا.. فقد ذكر القرآن الكريم ذلك.

قلت: أين؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ}(القصص:38)

قلت: بلى، وقد ذكر القرآن الكريم ذلك في موضع آخر، قال تعالى:{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ}(غافر:36 ـ 37)

قال: فما هي العلة التي ذكرها القرآن الكريم، والتي كانت سبب ما ادعاه من دعاوى؟

قلت: أليس هو الغرور الذي جعله يعتقد أنه يعلم العلم الذي لا جهل فيه، أو لا جهل معه.

قال: نعم، فالجهل بالجهل يولد الغرور.

قلت: فالغرور إذن وليد الجهل.

قال: وقد يكون ولدا غير شرعي للعلم.

قلت: كيف؟

قال: إذا حبس في قفص علومه، أو سقط في مهاوي معارفه، أو تاه في ظلمات كتبه وأوراقه.

قلت: ما أرى العلم إلا نورا، فكيف ترميه بالظلام، وما أره إلا حرية، فكيف ترميه بالقفص، وما أراه إلا رقيا، فكيف ترميه بالهاوية.

قال: ذلك هو العلم الذي لا يقف صاحبه عنده، بل يظل دائما صفحة بيضاء تنتظر أقلام الأبد لتكتب عليها.

قلت: فسر لي هذا، وما الفربق بين الجهل والغرور؟

قال: الجاهل قد يسأل، فيتعلم، ولكن المغرور لا يسأل ولا يتعلم.

قلت: وإذا هداه الله، فسأل؟

قال: يسأل ليجادل، لا ليتعلم.

قلت: فإذا هداه الله، وتعلم؟

قال: يتعلم ليضم إلى غروره كبرياءه.

قلت: فما علاقة هذا بمد اليد إلى النفس؟

قال: المغرور لا يمد يده إلا إلى نفسه، لأنه يرى ما عداه أياد ممدودة إليه.

قلت: إذن المغرور لا يكون شحاذا على عتبات المساجد.

قال: قد يكون كذلك، ولكنه يتكبر على اليد التي تمده بالعطاء، وقد يحاول قطعها إن استغنى واكتفى، أترى استحالة ذلك؟

قلت: ربما، فما أكثر ما نسمع عنه من مقابلة الجميل بالكفران، والإحسان بالإساءة.

قال: ولهذا كان الغرور هو منبع جميع الأمراض النفسية.

قلت: كيف.. الأمراض النفسية كثيرة جدا، والمستشفيات تستقبل كل يوم أنواعا جديدة من هذه الأمراض.

قال: ليست المستشفيات وحدها هي التي تستقبل هذا النوع من الأمراض، بل إن الشوارع تعج بها والمدارس والبيوت..

قلت: فكيف يكون الغرور منبعها؟

قال: اسمع القرآن الكريم، وستجد كيف تدلى الخلق بحبال الغرور في مهاوي السخط.

قلت: نعم.. القرآن الكريم يذكر كثيرا الغرور باعتباره سببا من أسباب الكفر والضلالة، فقد قال تعالى عن بني إسرائيل الذين تصوروا أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة:{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}(آل عمران:24)

قال: وتحسب ذلك خاصا ببني إسرائيل؟

قلت: لا أظن أن في هذه الأمة المرحومة من ادعى أنه لن يمكث في النار إلا أياما معدودات بسبب ذنوبه.

قال: إن كلمة ( الأمة المرحومة ) التي ذكرتها منبع غرور للكثيرين.

قلت: كيف، فهذه الأمة مرحومة بلاشك.

قال: ولكن كل من ولد في هذه الأمة يتصور أنه من المرحومين، ولو بغير عمل يعمله، أو حسنة يقدمها، ولعله يتصور نفسه يحمل في صدره صكا من صكوك الغفران التي تقول له:( اعمل ما شئت فقد غفرت لك )

قلت: هذه حقيقة، وكل المبشرات تدل على هذا.

قال: وعلى ماذا يدل قوله تعالى:{ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} (النساء:123)

قلت: نعم.. إن الآية تقرر أن الجزاء الإلهي لا يخضع لأماني الناس، بل يخضع لقانون واحد يشمل الجميع.. ولكن مع ذلك فنحن..

قاطعني، وقال: الله رب الجميع، ألم تسمع قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات:13)، فهل قال الله تعالى أكرمكم فلان أو فلان؟

قلت: لقد ذكرتني بقول ابن عباس t:( ثلاث آيات جحد من الناس) وذكر منها قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات:13)، قال: (ويقولون: إن أكرمهم عند اللّه أعظمهم بيتاً )

قال: ثم تظن بعد هذا أن هذا الغرور خاص ببني إسرائيل.. إن كل ما في القرآن الكريم لهذه الأمة، ولكنكم هربتم من الحقائق التي تواجهكم لتحولوه قصصا تسرد، وحكايات تروى، وأمثالا يلغز بها.

قلت: يا معلم، النسب إذن سبب من أسباب الغرور، ولكنه خاص بفئات محدودة، وقومي ـ عموما ـ لا يكادون يعتبرونه.

قال: ولكنهم يعتبرون ما هو أخطر من النسب.

قلت: وماذا يعتبرون؟

قال: أم الخطايا.

قلت: لست أعرف للخطايا أما، ولا أبا.

قال: حب الدنيا هو رأس الخطايا وأمها وأصل أصولها، ألم تسمع قوله تعالى:{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}(آل عمران:185)

قلت: بلى، فقد وردت الآيات الكثيرة المحذرة من الاغترار بالدنيا، فالله تعالى يقول:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}(فاطر:5)

قال: أتعلم الحبال التي يتدلى منها الغررو بالدنيا؟

قلت: ما هي.. دلني عليها لأقطعها وأخلص الخلق منها؟

قال: هي حبال الشيطان، ألم تسمع قوله تعالى:{ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً}(النساء:120) .. ألم تسمع قوله تعالى:{ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً}(الاسراء:64)

قلت: يا معلم.. لقد جلنا جولة في رحاب القرآن الكريم عرفنا من خلالها خطر الغرور وثماره، فما علاقة ذلك بالاستعفاف، وما علاقة ذلك بالفقراء؟

قال: مد اليد بالسؤال علة خطيرة لا تكفي في معالجتها المراهم التي تداوون بها جراحكم، بل لا بد من عملية ضخمة تبدأ من تصحيح الذات، وتصحيح الذات لا يمكن إلا بالتعرف عليها وعلى مواضع الغرور منها.

قلت: فاذكر لي مثالا على تأثير الغرور في هذا؟

قال: اسمع قوله تعالى:{ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ}(آل عمران:196)، وقوله:{ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ}(غافر:4)

قلت: في هاتين الآيتين يحذر الله تعالى من الاغترار بما حصل للكفار من أنواع المتاع الدنيوي.. ولكن لماذا حذر من هذا الاغترار؟

قال: لأن الغرور هو نقطة الضعف التي يتسرب منها الشيطان ليملأ قلب الإنسان هما وحزنا على حاله الهزيل، ويقارنه بحال المنتفخين، فإذا ما حصل الاغترار طلب الهزيل أن ينتفخ بنفس الأسلوب الذي انتفخ به غيره، فيقع فيما وقعوا فيه.

قلت: أريد توضيحا أكثر.

قال: أرأيت لو أن سلطانا عادلا اتخذ وزيرا مغرورا، أيمكنه أن يدير دفة وزارته إدارة تتناسب مع عدل السلطان؟

قلت: لا، بل قد يشوه عدل السلطان، بل قد يرمى بالجور لغرور وزيره.

قال: أرأيت لو أن وزير الحرب كان جاهلا بقوة جيش السلطان، ولكنه مع ذلك مغرور، أيمكن أن يزف البلاد إلى حرب لا طاقة لها بها؟

قلت: نعم، ذلك ممكن جدا خاصة إذا تصور أنه لن يحقق ذاته إلا بخوض الحروب.

قال: فكذلك النفس لو أمرت عليها الغرور، فإنها ستتردى في حروب لا طاقة لها بها، ليس مع ذاتها فقط، بل مع ذاتها ومع الناس ومع الله.

قلت: فما الحل؟

قال: أن تهرب منها إلى الله، فلا تمد يدك إلا إليه، ألم تسمع ما قال الصالح:( دع نفسك وتعال )

قلت: كيف أدع نفسي، وهي أنا؟

قال: دع ما يحول بينك وبين ربك من نفسك، فلا يمكن أن تمد يدك إليه ويدك ممدودة إلى نفسك..

ثم التفت إلي، فرأى تساؤلات كثيرة في عيني فقال: أتعلم ما هو أشد المواقف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فترة رسالته الأولى قبل البعثة.

قلت: أشدها ذهابه إلى الطائف، حيث تقطن ثقيف، وهي تبعد عن مكة نحو الخمسين ميلاً، سارها محمد صلى الله عليه وآله وسلم على قدميه جيئة وذهوباً، فلما انتهى إليها قصد إلى نفر من رجالاتها الذين ينتهي إليهم أمرها، ثم كلمهم في الإسلام ودعاهم إلى الله، فردوه -جميعاً- رداً منكراً، وأغلظوا له الجواب. ومكث عشرة أيام، يتردد على منازلهم دون جدوى.

فلما يئس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من خيرهم قال لهم: إذا أبيتم، فاكتموا عليَّ ذلك -كراهية أن يبلغ أهل مكة، فتزداد عداوتهم وشماتتهم- لكن القوم كانوا أخس مما ينتظر. قالوا له: اخرج من بلدنا، وحرّشوا عليه الصبيان والرعاع فوقفوا له صفين يرمونه بالحجارة. وزيد بن حارثة يحاول الدفاع عنه حتى شج في ذلك رأسه.

وأصيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أقدامه، فسالت منها الدماء واضطره المطاردون إلى أن يلجأ إلى بستان لعتبة، وشيبة، ابني ربيعة، حيث جلس في ظل كرمة يلتمس الراحة والأمن([9]).

قال: وعندما استراح في ذلك البستان، وهو في تلك الحال، هل مد صلى الله عليه وآله وسلم يده إلى نفسه يطلب منها إغاثته بصنوف الحيل ليخرج من ذلك المأزق؟

قلت: لا، بل روى علماء السير أنه بمجرد جلوسه في ظل الكرمة أخذ يدعو الله قائلا:( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس..أنت أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي.. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي.. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك، أو أن ينزل بي سخطك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.. )

قال: فهل شكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس إلى ربه؟

قلت: لا، بل شكى نفسه، واستعاذ من غضب ربه عليه.

قال: فلو كان في هذا الموقف مغرورا بنفسه معظم لها ماذا كان سيفعل؟

رأيت أن أحسن وسيلة للإجابة على سؤال المعلم هي أن أعرض نفسي على ذلك الموقف لأرى ما الذي سيمكن أن أفعله.. لقد تصورت نفسي مادا يدي إلى الله أسأله أن يدمرهم ويبيد خضراءهم ويقطع نسلهم ويشردهم، فيذوقوا من الأهوال أضعاف ما ذقت.. أو رأيتني أقول لنفسي:( لئن تمكنت منهم لأرينهم شر ما صنعوا )

قال لي معلم السلام، وقد رأى شرودي: وتبقى وحدك بعدها مع وزيرك المغرور الذي حرم أمما من فضل الله بسبب موقف من مواقف الأنفة.

قلت: لقد ذكرتني بمتسول كان يمد يده إلى الناس، وكان يختلف عن سائر المتسولين في أنه لا يدعو لمن أعطاه، وإنما يدعو على من لم يعطه.. وكان مع ذلك أكثر المتسولين مكاسب، فالناس يخافون من دعوات السوء أكثر من رجائهم لدعوات الخير..

الهوى :

قال لي معلم السلام: الصفة الثالثة التي تجعلك تمد يدك إلى نفسك هي الهوى.

قلت: ما الهوى؟

قال: هو وزير من وزراء النفس تعرض عليه الحلول المختلفة لجميع المشاكل، فلا يبصر منها إلا ما يوافق ذوقه.

قلت: وماذا يفعل بالحلول الأخرى؟

قال: يرميها، أو يتهمها، أو ينكرها، أو يلتمس صنوف الحيل ليقنع عقله بمخالفتها.

قلت: ولكن الدين أعظم من العقل، فنوره أكثر امتدادا من امتداد العقل، فلذلك قد تقتنع حقيقة الإنسان بما يمليه الدين، ويترك ما يمليه العقل الذي سلم نفسه للهوى.

قال: ولكن الدين نفسه قد يصبح لعبة بيد صاحب الهوى.

قلت: ولكن الدين بيد الله، ولا يمكن أن يصبح بيد أحد من الناس؟

قال: ألم تعلم بأن الهوى من أخطر أسباب تحريف الأديان، ومن أكبر سراديب الاعتراض؟

قلت: بلى، فقد قرأت في القرآن الكريم كثيرا من هذا، قال تعالى:{ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(القصص:50)

ثم أخذت نفسا عميقا، وقلت: الحمد لله لقد من الله على هذه الأمة، فحفظ كتابها وسنة نبيها صلى الله عليه وآله وسلم، فلذلك لم تستطع كل شياطين الهوى أن تبدل هذا الدين أو تغيره.

قال: نعم، هذا من رحمة الله، ولكن للهوى سلطانه على النفوس، فلذلك قد يفسر الحق الذي لا مرية فيه بالباطل الذي لا شك فيه، أولم تسمع نهي الله لهذه الأمة عن طريق نبيها من الجثو أمام الأهواء، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ}(الرعد:37)

قلت: أيمكن للهوى أن يقلب الحقائق المستقرة؟

قال: في نفس صاحب الهوى تنقلب الحقائق انقلابا تاما.

قلت: لماذا؟

قال: ألم تعلم بأن الهوى قد يتحكم في الإنسان فيصير معبودا له من دون الله، ألم تسمع قوله تعالى:{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}(الجاثـية:23)؟

قلت: بلى، وقد سمعت أن الله تعالى قال لموسى u:( يا موسى، خالف هواك فإني ما خلقت خلقا نازعني في ملكي إلا الهوى )

قال: فإذا انقلب وزير الهوى على الملك إلها واستوى على عرشه، أيمكن لأحد أن يقنعه باتباع حق أو بالارتداع عن باطل؟

قلت: فكيف أنقلب على هواي؟

قال: برفع ثقتك من نفسك، وبتركك الأمل فيها، وباللجوء إلى الله.

قلت: فما مثل ذلك؟

قال: إذا أراد الوزير الانقلاب على الملك، ماذا يفعل؟

قلت: يستعين بالجند وبكل ما أمكنه من طاقات.. ولكن الهوى أخطر من الملك فهو يدعي الألوهية من دون الله.

قال: فحاربه بالله.

قلت: كيف؟

قال: بمد يدك إليه.

قلت: وكيف أمد يدي إليه؟

قال: بعدم مدها إلى نفسك، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ((النازعـات:41)

الخداع:

قلت: وعيت هذا.. فما الصفة الرابعة التي تجعلني أمد يدي إلى نفسي؟

قال: هي قدرة نفسك العظيمة على الخداع.

قلت: وما الخداع؟

قال: هو وزير من وزراء النفس يضع لك الحيل المختلفة، ويوجد لك الحلول لمختلفة، ولكنها كلها ترمي بك في الهاوية.

قلت: لعلك تقصد ما قال الغزالي في قوى النفس:( والعبد الجالب للميرة كذاب مكار خداع خبيث يتمثل بصورة الناصح وتحت نصحه الشر الهائل والسم القاتل وديدنه وعادته منازعة الوزير الناصح في آرائه وتدبيراته حتى لا يخلو من منازعته ومعارضته ساعة )([10])

قال: نعم رحم الله الغزالي، فقد كان خبيرا بالنفوس.

قلت: ولكن كيف أكتشف خداع نفسي لي، وكيف أفرق بين نصائح الوزير الناصح، وخداع العبد المحتال؟

قال: بخروجك من نفسك ورفعك ثقتك عنها، وعودتك إلى الله.

قلت: أتضرب لي أمثلة على خداع النفس.

قال: نعم، سأضرب لك مثالين على خداع النفس، وتلاعبها بصاحبها.

قلت: فما المثال الأول؟

قال: خدعة اسمها ( خدعة الإحسان السابق )

قلت: ما هي هذ الخدعة؟

قال: عبر عنها شاعركم بقوله:

لقد أحسن الله فيما مضى       كذلك يحسن فيما بقي

قلت: هذا قياس، ولعل معناه صحيح، فإن صاحب الإحسان السابق لا يستغرب منه الإحسان اللاحق.

قال: والمخادع هو الذي يلبس لباس الحق ليشتري به الباطل أو ليبيع به الباطل.

قلت: فأي باطل هذا الذي يريد ببيعه أو شراءه؟

قال: هو باطل الهوى، فهو كلما هوى شيئا اشتراه بمخادعته لنفسه، ألم تسمع قوله تعالى في خبر الرجلين المتحاورين:{ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً}(الكهف:36)؟

قلت: بلى .. ولكن كيف احتالت النفس على نفسها بهذه الحيلة؟

قال: هو قياس من أقيسة إبليس .. وذلك أنهم ينظرون مرة إلى نعم الله عليهم في الدنيا فيقيسون عليها نعمة الآخرة، وينظرون مرة إلى تأخير العذاب عنهم فيقيسون عليه عذاب الآخرة، كما قال تعالى:{ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ }(المجادلة: 8)، فقال تعالى جواباً لقولهم:{ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ}(المجادلة: 8)

وترتيب القياس الذي نظمه في قلوبهم أنهم يقولون: قد أحسن الله إلينا بنعيم الدنيا، وكل محسن فهو محب، وكل محب فإنه يحسن أيضاً في المستقبل([11]).

قلت: أليس كل محسن محب، أو لم تستدل أنت على كون الله محبا لنا بإحسانه إلينا؟

قال: بلى .. كل محسن محب، ولكن من قال لهم: إن هذا إحسان محبة، ألم يجعل الله الدنيا دارا للابتلاء، كما قال تعالى:{ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}(الانبياء: 35)، فالله تعالى يبتلي بالغنى كما يبتلي بالفقر، ويبتلي بالقوة كما يبتلي بالعجز؟

قلت: لقد فهمت هذه الخدعة، وما أكثر انتشارها بين قومي، بل إن القرآن الكريم نص عليها باعتبارها مغالطة من المغالطات الكبرى التي قد يخدع بها كل إنسان إلا أولو الألباب، فقال تعالى:{ فأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}(الفجر:15 ـ 16)

قلت: لقد فهمت المثال الأول، ورأيت نوع المغالطة فيه، فهات المثال الثاني.

قال: هذه الخدعة تسمى خدعة النعامة.

ضحكت، وقلت: وما خدعة النعام؟

قال: أنتم تنسبون أشياء كثيرة للحيوانات، فتسمون الرقص الماجن ( رقصة البجعة )، فكيف غابت عنكم ( خدعة النعامة )؟

قلت: لا أدري.. أرقصة هي كذلك؟

قال: هي نوع من رقص الشياطين على عقل الإنسان.

قلت: أفيتحول عقل الإنسان بذلك إلى مرقص.

قال: إن العقل الذي يستطيع أن يصير عرشا للملوك، وجنة من جنان الكمال، وجامعة من جامعات العلم، لن يستحيل عليه أن يصير مرقصا أو مستنقعا أو ساحة حرب.

قلت: فاشرح لي هذه الخدعة حتى لا تنطلي علي.

قال: يحكى أنه قيل للنعامة ( إبل الطير ): لـماذا لا تطيرين؟ فانك تـملكين الـجناح، فقبضتْ وطوتْ جناحيها قائلةً: أنا لست بطائر بل إبل، فأدخلت رأسها في الرمل تاركةً جسدها الضخـم للصياد، فاستهدفها.. ثم قالوا لـها: فاحـملي لنا إذن هذا الـحـمل إن كنتِ إبلا كما تدّعين، فعندها صفّت جناحيها ونشرتهـما قائلة: أنا طائر، وتفلت من تعب الحمل. فظلت فريدة وحيدة دون غذاء ولا حماية من أحد وهدفاً للصيادين.

قلت: هذه حكاية جميلة متداولة، فما وجه الخدعة فيها؟

قال: هذا المثال ينطبق تماما على النفس المخادعة التي تحاول أن تتهرب من التكاليف الحلوة اللذيذة لتقع في الحفر التي لم تحسب حسابها.

لا أمل فيهم:

وقفت مع المعلم أمام الجوهرة الثانية من جواهر الاستعفاف، فسألت المرشد عنها، فقال: هذه جوهرة ( لا أمل فيهم )

ابتسمت في نفسي من هذه الأسماء الغريبة، ثم التفت إلى المعلم ليشرح لي حقائقها، فلا يمكن أن أنالها بدون الوصول إلى حقيقتها والاقتناع بها.

نظر إلي المعلم، وقال: إن أردت أن تيأس مما في أيدهم فقل:( هم فقراء.. هم عاجزون.. هم ظالمون.. هم بخلاء )

قلت: هم فقراء.. هم عاجزون.. هم ظالمون.. هم بخلاء.. لكن يا معلم لا أرى هذه الكلمات أغنتني شيئا.

قال: أنت تداوي جرح رجليك بمسح المرهم على يديك.

قلت: كيف؟

قال: ذلك الدواء الذي وصفته لك لا تأكله بفمك.. بل دع قلبك يلتهمه ليمسح عنه ذلك الأمل الكاذب.

قلت: ولكن القلب لا يأكل ولا يشرب، ولا تعتريه العوارض.

قال: بلى .. إنه يأكل ويشرب.. يأكل الحكمة ويشرب العلم.. لينبت شجرة الإيمان التي قال الله تعالى فيها:{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}(ابراهيم:24)

قلت: وكيف آكل تلك الكلمات، وكيف أشربها؟

قال: بأن تتعلم ما فيها من حقائق الحكمة، فلا يمكن لأشعة جوهرة ( لا أمل فيهم ) أن تنزل على صدرك لتحققك بحقائق الاستعفاف إلا إذا علمت ما فيها.

قلت: وما فيها؟

قلت: فيها الترياق الذي يرفع أملك عن الخلائق.

قلت: لماذا أرفع أملي من الخلائق؟

قال: لترفع يدك عنهم، فإن يدك لا تمتد إلا لمن تطمع فيه..

قلت: فلنفرض أني قطعت أملي من الخلائق؟

قال: تلك أول خطوة تحققك بالاضطرار، ألم تسمع الحق تعالى وهو يقول:{ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}(النمل:62)؟

قلت: أتحققي بالاضطرار نعمة؟

قال: من أكبر نعم الله عليك أن لا تحتاج إلا إليه، وأن لا تمد أعناق همتك إلا إليه.

قلت: لكأني بك تقصد قول ابن عطاء الله:( لا تتعد نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال)

قال: فمن الكريم هنا؟

قلت: الله، فهو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يبالي كم أعطى، ولا لمن أعطى، وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جفي عاتب وما استقصى، ولا يضيع من لاذ به والتجا، ويغنيه عن الوسائل والشفعاء.

قال: فهل يستحق هذه الصفات بكمالها أحد من خلق الله؟

قلت: لا.. فذلك مستحيل.. فإن مثل هذا الكرم لا يمكن أن يكون إلا ممن خزائنه لا تنفذ.. أما خزائننا فسريعة النفاذ.. ولو امتلأت ففينا من البخل ما يمنع التكرم بها.

قال: فلماذا إذن تتخطون الرقاب، ولماذا تتركون عزة المادين أيديهم إلى الله لتسحقوا في ذلة المادين أيديهم إلى خلقه.

ثم سكت هنيهة، وأخذ يردد قول الشاعر الصالح:

حرام على من وحد  الله ربه
 
وأفرده أن  يجتدي أحداً رفدا
  
ويا صاحبي قف بي مع  الحق وقفة
 
أموت بها وجداً وأحيا بها وجدا
  
وقل لملوك الأرض تجهد جهدها
 
فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى
  

ثم التفت إلي، وقال: ألم تسمع ما قال الحكيم بعد تلك الحكمة؟

قلت: بلى، فقد قال:( لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك، فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعاً؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه، فكيف يستطيع أن يكون لها عن غير رافعاً؟ )

قال: فهذه الجوهرة شرح لتلك الحكمة.

قلت: فلماذا كانت هذه الأربع هي الترياق الذي يقيني من مد همتي إلى الخلائق.. فقد ذكر الله تعالى الإنسان بسلبيات كثيرة غير هذه،  فقد ذكر أنه كثير النسيان وناكر للجميل، وأنه موجود ضعيف، وأنه ظالم وكافر، وأنه بخيل قتور، وأنه عجول، وأنه مجادل خصيم، وأنه موجود قليل التحمل والصبر، يبخل عند النعمة ، ويجزع عند البلاء، وأنه طاغية عند الغنى.. فلماذا اكتفيت بهذه الأربع عن هذه الصفات جميعا؟

قال: خصائص الإنسان كثيرة كما ذكرت، بل هي أكثر مما ذكرت، فإن كل صفة مذكورة يتفرع عنها صفات أخرى، تجعل الإنسان مستعدا لأن ينزل أسفل سافلين، ولكنا نتحدث هنا عن الصفات التي تيئسك مما في أيديهم.

قلت: فما وجه الحصر في هذه الصفات؟

قال: إذا علمت مساواتهم لك في الفقر لم تمد يدك إليهم، وهل يمد مريض يده لمريض مثله.. وهل يمد غريق يده إلى غريق؟

قلت: ولكن الناس ليسوا كلهم فقراء، فلذلك لا أمد يدي إلا إلى الأغنياء منهم.

قال: فهم بخلاء.. يكنزون أموالهم، ويخافون إهدارها عليك وعلى أمثالك.

قلت: ولكن فيهم الكرام، وهل عقمت الأرحام أن يلدن مثل حاتم؟

قال: فهم ظالمون يضعون كرمهم في المواضع التي لا تصيبك.

قلت: سأعرفهم بحاجاتي التي أعرفها وأشرحها لهم.

قال: فهم عاجزون.. لأن حاجاتك أكثر من أن يسدها فقير وظالم وبخيل وعاجز.

قلت: يا معلم، لدي شبهة هنا، قد يتعلق بها من يتعلق.

قال: وما هي؟

قلت: إن هذه المعارف تحيلني يائسا قانطا، أليس القنوط كفرا؟

قال: ذلك هو القنوط من الله، واليأس من رحمته، فقد قال تعالى على لسان يعقوب u:{ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(يوسف: 87)

قلت: ومع ذلك، فقد يقاس اليأس من الخلق باليأس من رحمة الله بنوع من القياس أليس الخلق واسطة من وسائط الفضل!؟.. فاليأس من وسائط الفضل يأس من الموسوط صاحب الفضل.

قال: ألا تعلم أن أول من قاس إبليس حين قال:{ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}(لأعراف: 12)؟

قلت: تخليت عن القياس.. فأنا لا أكاد أومن به .. ولكن ماذا يفيدني أن أعلم فقر الخلائق وعجزها وبخلها وجهلها.

قال: يخلصك من عبوديتهم والأمل مما في أيديهم ويجعل أملك في الله.

قلت: فكيف لقلبي أن يرفع الأمل من الخلق، ويتحقق باليأس مما في أيديهم.

قال: بتعلم حقائق هذه الكلمات، فإن القلب لا يتغذى إلا االكلمات النابعة من منابع الحكمة.

الفقر:

قلت: فعلمني أولها.

قال: أول حقيقة يتشربها القلب لتبث فيه اليأس من أيدي الخلائق أن يعلم فقرهم.

قلت: فالفقر إذن ليس خاصا بفلان من الناس، ولا بدولة من الدول.

قال: الفقر هو سمة الكون جميعا.. أما الغني الوحيد في هذا العالم فهو الله تعالى، ألم تسمع قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر:15)

قلت: فهلا أفهمت بصيرتي ما تعنيه هذه الآية.

قال: الفقر في حقيقته هو الحاجة، وهي ليست مختصرة فيما اصطلح عليه الناس من أصناف الحاجات، بل هي كل شيء وهبه الله تعالى لعباده ابتداء من وجودهم، وانتهاء بالأرزاق التي تفاض عليهم في كل حين.

قلت: فاضرب لي أمثلة على ذلك تجعلني أتصور الحقائق، فلا يمكنني تعقل الحقائق قبل تصورها.

قال: ما هي أصناف الحاجات التي يحتاج الخلق إلى سدها؟

قلت: هي كثيرة جدا، ففي الإنسان من الحاجات بحسب عدد خلاياه.. بل بحسب عدد الذرات التي يتشكل منها بنيانه.

قال: ففي الإنسان من الفقر إذن بحسب الذرات التي يتشكل منها بنيانه.

قلت: كيف؟

قال: لأن الفقر هو الحاجة.. ففي كل ذرة حاجة من الحاجات.. وفاقة تستدعي أن تسد.

قلت: هذا صحيح.. ولكن لحاجات الأغنياء ما يسدها بخلاف حاجات الفقراء.

قال: الأغنياء يسدون جزءا من مليون جزء من حاجاتهم.. أو هو جزء لا يكاد يرى.

قلت: كيف؟ أكل تلك الثروات التي يمتلكونها.. والخزائن التي يوصدونها.. والأموال التي يرصدونها لا يسدون بها إلا حويجات قليلة.

قال: بل في الحقيقة لا يسدون شيئا، ألم تسمع موعظة ابن السماك حين دخل عل بعض الخلفاء..

قلت: وبيد الخليفة كوز ماء يشربه، فقال له:( عظنى ) فقال:( لو لم تعط هذه الشربة إلا ببذل جميع أموالك وإلا بقيت عطشان، فهل كنت تعطيه؟ قال:  نعم فقال:( لو لم تعط إلا بملكك كله، فهل كنت تتركه؟ قال: نعم قال: فلا تفرح بملك لا يساوى شربة ماء.

قال: فهل فهمت ما في هذه الحكمة من حكمة؟

قلت: هي واضحة، فنعم الله على عباده لا تعد ولا تحصى، وكأنه يقول له: إن نعمة الله تعالى على العبد فى شربة ماء عند العطش أعظم من ملك الأرض كلها.

قال: فنعم الله إذن لا تعد، ولا تحصى؟

قلت: أجل، بل قد ورد التنصيص على هذا مرتين في القرآن الكريم، قال تعالى:{ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}(ابراهيم: 34)

قال: فلماذا تنزل نعم الله؟

قلت: تنزل من فضل الله وجوده، فالله كريم جواد:

وَهُوَ الجَوَادُ فَجُودُهُ عَمَّ الوُجُو
 
دَ جَمِيعَهُ بِالفَضْلِ وَالإحْسَانِ
  
وَهُوَ الجَوَادُ فَلا يُخَيِّبُ سَائِلاً
 
وَلَوْ أنَّهُ مِنْ أُمَّةِ الكُفْرَانِ
  

قال: لم أسألك عن مصدر النعم، وإنما سألتك عن علل نزولها.

قلت: هي تنزل لتسد حاجات الخلائق.

قال: كيف يكون ذلك؟

قلت: إن الجود الإلهي يسد فاقة الجوع بالإطعام، كما يسد فاقة البرد باللباس، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي:( يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم )([12]

قال: فأنت تقر إذن بأن نعم الله لا تحصى، وأن فضله لا يعد، ثم تذكر بأن ذلك الفضل وتلك النعم غايتها سد حاجات الخلق.

قلت: كل هذا صحيح، فما علاقته بفقر الخلائق؟

قال: إن هذا يوصلك إلى حقيقة فاقة الخلائق، لأنه لولا حاجاتهم الكثيرة غير المحصورة لما نزلت النعم غير المحصورة، والفاقة هي عين الفقر.

البخل:

قلت: نعم فاقة الخلائق ضرورة لا ينفكون عنها، فما بخلهم؟ وهل البخل إلا لمن يملك؟

قال: نعم يملكون.

قلت: كيف يملكون.. وهم فقراء.. أليس في ذلك تناقضا؟

قال: إن الله بحكمته أعطى الأغنياء بعض ما قد تمس إليه حاجة الفقير ليبتلي الغني بالفقير، والفقير بالغني، ألم تسمع قول الحق تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}(الأنعام:165)؟

قلت: فما تحمل هذه الآية من الإشارة إلى هذا المعنى؟

قال: هذه الآية تشير إلى الحقائق التي ينطوي عليها بخل الإنسان.

قلت: كيف ذلك؟.. لا أرى فيها ما تقول.

قال: قوله تعالى:{  وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ } يدل على أن الله تعالى جعل في أيدي بعض الناس ما يوصلون به الفضل الإلهي لعباده، فهم خلفاء في توصيل هذا الفضل، بدليل قوله تعالى بعدها:{ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ (

قلت: أي فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوي، والمناظر والأشكال والألوان، وقد ورد مثل هذا في القرآن الكريم، قال تعالى:{ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً }(الزخرف: 32)، وقال:{ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} (الاسراء:21)

قال: ولكن أكثر الخلائق يحبسون هذا الفضل.

قلت: لماذا؟

قال: لما في طبعهم من البخل، ألم تسمع قول الحق تعالى:{ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ}(النساء: 128)، فالشح طبع فيهم يغذونه بسلوكهم المنحرف.

قلت: ولكن لماذا غذوا بالشح الفطري، لماذا لم يغذوا بالكريم الفطري؟

قال: لأن الكرم الذاتي من صفات الغني، وليس ذلك إلا الله، أما الخلائق فلفقرهم وحاجاتهم اللامتناهية يخشون دائما نفاذ ما عندهم، فيبخلون على الخلائق به.

قلت: والكرماء من الخلق.. كيف يكرمون؟

قال: الأولياء يكرمون من خزائن الله لا من خزائنهم، فلذلك لا يعرفون البخل.

قلت: لماذا، وما الفرق بينهم وبين سائر الناس؟

قال: لأن البخيل يبخل بما يملك، وهم يعتقدون أنهم لا يملكون شيئا مع الله.

قلت: ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول:( أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا)([13])

قال: أتدري إلى أي شيء التفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما ربط بين ذي العرش والإنفاق؟

قلت: إلام؟

قال: التفت إلى عرش الله العظيم، فظهرت له الأرض جميعا كشيء لا وجود له.

قلت: أجل، فإن العلم يؤكد هذا.. فالأرض بالنسبة للكواكب والنجوم لا تكاد تساوي شيئا..

قال: وهل اكتشفتم شيئا!؟.. إن كل ما ذكره علماؤكم لا يعدو أن يكون جزءا ضئيلا من سماء الدنيا، وأين السماء الثانية والثالثة إلى السابعة!؟

قلت: وما نسبة هذا كله إلى العرش الذي التفت إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: إنها النسبة التي وردت بها النصوص المقدسة، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(  والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة )([14]

قلت: وما علاقة هذا بما نحن فيه؟

قال: لتعرف بهذا  سر قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا)، فقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم بوصفه صاحب العرش، ليذكر بلالا بأنه لا ينفق من عنده، وإنما ينفق من عند الله.

قلت: وما في هذا من العزاء للفقير، ومن تيئيسه مما في أيدي الخلائق؟

قال: فيه العزاء العظيم، فالفقير الذي ينشغل برؤية عرش الله، وخزائن الله لا يمد يده لأي أحد من الناس، بل يكتفي بمدها لله، فماذا يساوي الخلق جميعا أمام أبسط مخلوقات الله.

قلت: وهذا أيضا يجعل الفقير يشعر بفقر الخلق جميعا، فلا يحسدهم ولا يسألهم، ولا يتمنى أن يحصل له ما حصل لهم، كما قال تعالى:{ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}(النساء:32)

قال: ألم تسمع الحق تعالى، وهو يقول في هذه الآية:{ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ}؟

قلت: بلى، فما وجه علاقتها بالنهي عن التمني؟

قال: لأن التمني يبدأ بجحود فضل الله، وينتهي بتمني زوال فضل الله، فلذلك نصحوا بدل الغرق في أودية الأماني أن يتوجهوا إلى المعطي والمتفضل، فمن أعطى أولا يعطي آخرا، ومن أعطى لفلان لا يعجز عن العطاء لفلان.

قلت: فهذا إذن أكبر علاج للحسد الذي يقع من الفقراء للأغنياء.

قال: بل هو أكبر علاج لأمراض الطبقية الاجتماعية، فالطبقية ليست محصورة في الغنى والفقر.

ثم سكت هنيهة وقال: ليت بخلكم كان قاصرا على المال.

قلت: وهل هناك بخل أعظم من بخل المال؟

قال: نعم بخلكم بالابتسامة والبشر، فإنها وإن لم تشبع بطن الفقير، فإنها تطمئن قلبه، وتخرجه من الكوابيس التي يعيشها، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( تبسمك في وجه أخيك صدقة )([15])

قلت: صدقت، فإن معاناة الفقير النفسية أخطر من معاناته المادية.

قال: فلذلك إن لم تطيقوا علاج جوعه، فعالجوا نفسه.

قلت: والكمال في استعمال كلا العلاجين.

خطر على بالي حينها ما ذكره الشعراء في آداب المضيف من خدمته لأضيافه وإظهار بسط الوجه لهم، فقلت: يا معلم لقد قال الشعراء في هذا كلاما جميلا، فهل أجزت لي ذكره؟

قال: اذكره، فإن الحكمة أشرف من قائلها.

قلت: لقد نشر العرب في هذا مثلا يقول:

بشاشة وجه المرء خير من القرى        فكيف بمن يأتي به وهو ضاحك

   وقال الآخر:

وإنا لنقري الضيف قبل نزوله    ونشبعه بالبشر من وجه ضاحك

قال: لقد أشار القرآن الكريم إلى كل هذا، فقال في خبر إبراهيم u عندما جاءه أضيافه من الملائكة:{ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} (هود:71)، فضحكها في هذا المحل يدل على مدى البشر الذي لاقوا به أضيافهم.

ثم التفت إلى الأفق البعيد وصاح من أعماقه هامسا، أو همس من أعماقه صائحا:( ليت البخلاء إذا خافوا على خزائنهم من الكرم أن لا يبخلوا بالبشر، فهو لا يكلفهم دينارا ولا درهما )

قلت: ولكنهم يخافون من جرأة الفقراء عليهم، فلذلك يعبسون في وجوههم كما تعبس خزائنهم، أو كي تعبس خزائنهم.

الظلم:

قال لي المعلم: أتعلم الصفة الثالثة التي ترفع أملك عن الخلق لتوجهه إلى الله؟

قلت: إنها الظلم، لقد ذكرت لي ذلك، ولكنها صفة الجبابرة، وقل من أراه يتصف بها.

قال: ومن قال ذلك؟ ألم يقل الله تعالى يصف البشر جميعا:{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}(الأحزاب:72)

ثم التفت إلي، وقال: أتدري ما الظلم الذي وصف به البشر في هذه الآية؟

قلت: هو ما قاله المفسرون من أنه وضع الأشياء في غير مواضعها.

قال: كيف ذلك؟

قلت: كوضع القسوة بدل الرحمة، والإساءة بدل الإحسان، والجفاء بدل اللطف، والعبوس بدل الابتسامة.

قال: فكيف يعامل أغنياء قومك فقراءهم؟

قلت: هناك من يكرمهم، وهناك من يقهرهم.

قال: ومن يقهرهم، كيف يقهرهم؟

قلت: بحرمانهم من حقهم.

قال: وبأخذ حقهم، فلولا قهر الأغنياء وجشعهم ما وقع الفقراء في مستنقعات الفقر؟

قلت: كيف ذلك؟

قال: لو علم الأغنياء أن هذا الرزق الذي خلقه الله خلقه للجميع، وعلموا أنهم فرد من ذلك الجميع أو أفراد من ذلك الجميع لم يستأثروا بنعم الله دون خلق الله.

ثم التفت إلي، وقال: أرأيت لو أن شخصا دعاك إلى وليمة، ودعا لها جمعا من الناس، وكانت لك ملاعق كثيرة تستطيع أن تنهب بها أكبر قدر من الطعام، أكنت تحضر معك تلك الملاعق لتأكل بيديك جميعا، فإن لم تكف يداك للاستيلاء على ذلك الطعام، ملأت من الأواني ما يدع المدعوين لشر المسغبة.

قلت: لا يمكن هذا، ولا أظن عاقلا يفعل هذا.

قال: ولكنكم تفعلونه، وتصرون على فعله، بل وتبررونه.

قلت: كيف ذلك، فأنا لم أر من يفعل هذا؟

قال: ما دور الملعقة في الطعام؟

قلت: هي وسيلة الطعام، بها نوصل الطعام إلى أفواهنا؟

قال: وما التجارة والصناعة والفلاحة؟

قلت: هي وسيلة الرزق، فبدونها لا يحضر الطعام، كما أنه بدون الملاعق لا يصل إلى الأفواه.

قال: فما الفرق بين استئثار الأغنياء بوسائل الكسب، واستئثارهم بالملاعق؟

قلت: فرق كبير جدا، فالملاعق يمكن أن يستعملها الغني والفقير والصبي والشيخ، بينما وسائل الكسب لا يمكن أن يستعملها غير من له قدرات كبيرة في الإدارة والتسيير، بالإضافة إلى الصبر والمجاهدة.

قال: هذا صحح، ولهذا خلق الله الأغنياء والفقراء، ولكن هل يصح للغني الذي مكنه الله من هذه الوسائل أن يستأثر بمنافعها بدعوى أنه هو المجتهد، وهم الكسالى، أو أنه هو الذكي وغيره بلداء.

قلت: لا، وإلا صار كقارون لما قال:{ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} (القصص: 78)

قال: فعد إلى الثروات التي ينعم بها قومك، وأخبرني: لو أن خيرات تلك الثروات وصلت الفقراء، من دون أن نحرم الأغنياء ما يملكون هل يبقى فقير واحد؟

قلت: لا، فالثروة التي ينعم بها أفراد محدودون في العالم يمكنها تغطية حاجيات الملايين من البشر إن لم نقل ملاييرهم.

قال: فالأغنياء إذن لم يكتفوا بحرمان الفقراء، بل استولوا على طعامهم الذي أعد لهم في دار الضيافة الإلهية.

ثم التفت إلي وقال: ما نسبة هذا النوع من الأغنياء من مجموعهم؟

قلت: هي نسبة عالية جدا.

قال: ولا بد إن تكون عالية، ولو لم تكن عالية لما ظهر في الأرض فقير واحد.

قلت: ولكنهم يبررون ذلك تبريرات مختلفة بعضها يستند لأحكام شرعية.

قال: هي تبريرات لا تختلف في كثير أو قليل عن تيريرات سلفهم الأول الذين قال الله فيهم:{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}(يّـس:47)

ثم التفت إلي، وقال: ومن يكرمهم، كيف يكرمهم؟

قلت: يختلفون، منهم من يكرمهم لوجه الله، كما قال تعالى:{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً}(الانسان:9)، ومنهم من يكرمهم لغير وجهه يبتغي بذلك قصائد تمدحه، أو ثناء ينشر عليه.

قال: فتلك الآيات التي ذكرتها فيمن نزلت؟

قلت: في فئة محدودة من هذه الأمة.

قال: وما نسبة تكرر هذه الثلة؟

قلت: أما المقربون، فهم ثلة قليلة، كما قال تعالى:{ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ}(الواقعة:14)، وأما غيرهم، فكثير بحمد الله.

قال: فما نسبتهم في كل واقع؟

قلت: قليلة.

قال: أنتم تتعاملون بمنطق النسب، فتتفاءلون للنسب العالية، وتتشاءمون من النسب الضعيفة، فهل هذه النسبة تستدعي التفاؤل أم التشاؤم؟

قلت: التشاؤم.. فنسبة هؤلاء لا تكاد تذكر، بل لو كان في كل ألف من الأمة رجل من أمثال هؤلاء لارتفعت الأمة إلى آفاق عالية من الكمال.

قال: كيف؟

قلت: لو كان في كل ألف منا واحد من أولئك السابقين، لصار في كل مليون ألفا، وفي كل مليار مليونا، ونحن الآن نتجاوز المليار، ولا أظن أن فينا مليونا من أولئك.

قال: فنلفرض صحة هذه النسبة التي ذكرتها، فكم فيها من الأغنياء الذين يسمح  لهم غناهم بالكرم الأصيل العالي؟

قلت: نسبة قليلة هي الأخرى، لا تكاد تذكر.

قال: فدعنا من هؤلاء إذن، فلا يمكن أن تتعلق القلوب بمثل هذه النسب الضعيفة.. فأخبرني، كيف يكرم كرماؤكم؟

قلت: يعطون المحتاجين؟

قال: وهل يبحثون عن المحتاجين فيعطوهم، أم يمدون أيديهم لكل سائل؟

قلت: في العادة يمدون أيديهم لمن يسألهم.

قال: ولو كان من يسألهم لا يستحق العطاء.

قلت: يقولون: المهم أن أجرنا قد وصل بغض النظر عمن نعطيه،  وربما يتسدلون بما روي عن أبي يزيد معن بن يزيد بن الأخنس قال:  كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها فقَالَ: واللَّه ما إياك أردت! فخاصمته إِلَى رَسُول اللّهِ صلى الله عليه وآله وسلم  فقال:( لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن )([16])

قال: أنت تسيئون فهم أحاديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: كيف نسيء فهمها، وظاهرها صريح؟

قال: لقد وضع الأب صدقته في المسجد لينالها المستحق، فجاء ابنه وأخذها لا بسبب كونه ابنا له، وإنما لكونه من المستحقين، فلذلك أخبر صلى الله عليه وآله وسلم بقيول صدقة يزيد، وحل ما أخذه معن.

قلت: ولهذا أرشد الله إلى المستحقين للزكاة بقوله:{ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}(البقرة:273)

قال: دعنا من هذا، فلهذا محله الخاص، ولنعد للظلم الذي يقع فيه الكرماء.

قلت: لقد تحدثنا عن الظلم الذي يجعل الكرم موضوعا في غير موضعه، وبالتالي لا يحقق الغرض المقصود منه.

قال: وهناك ظلم أشنع منه.

قلت: أشنع منه.. ما هو؟

قال: أرأيت لو زرت طبيبا ليعالج جرحا طفيفا أصابك، فأخذ هذا الجراح أدواته فداوى جرحك..

بادرته، قائلا: أشكره جزيل الشكر، وأعطيه جزاءه على خدمته.

قال: لكنه لم يطلب جزاء ماديا على ذلك، بل جعل جزاءه أن يمسك سكينه ويضع في قلبك جرحا بدل الجرح الذي في يدك.

قلت: أقاتله إن هم بذلك، فإني أرضى أن تجرح يداي جميعا، بل جميع أطرافي، ولا أرضى أن يجرح قلبي، فهو المحرك الذي يضخ الحياة لأعضائي وأجهزتي.

قال: وهكذا يفعل المتكرم الذي يضع بعض فضلاته في يد هؤلاء المساكين، ثم يمسك سكينه، ويقطع قلوبهم إربا إربا.

قلت: فهمت قصدك، أنت تريد المن والأذى الذي يتعامل به المكرمون مع المساكين.

قال: نعم، فإن المن أخطر من الفقر، فالمن يصيب الروح والقلب والحقيقة الإنسانية، بينما الفقر لا يصيب إلا بعض أجزائك الظاهرة.

قلت: ذلك صحيح،  فقد اشتد القرآن الكريم في النهي عن كل ما يؤذي الفقير.

قال: لأن الله تعالى الرحيم يعلم دخيلة الفقير، فهو لا يشكو من الجوع بقدر ما يشكوا من الحرمان النفسي والاجتماعي.

قلت: ولهذا اعتبر الله تعالى القول المعروف والكلمة الطيبة التي تقال للفقير تطمينا له واحتراما لشخصه أفضل من الصدقة التي يتبعها أذى، قال تعالى:{ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}(البقرة:263)

قال: ولهذا نهى الله تعالى عن المن والأذى، واعتبره محبطا للصدقات، فقال:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}(البقرة:264)

قلت: لقد شبه الله تعالى صدقاتهم بالتراب الذي يكون على صخر أملس، يراه الناس ترابا غنيا، ولكن مطر الأذى إذا نزل عليه تركه أملس يابساً، لا شيء عليه من ذلك التراب.. وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند اللّه، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب.

قال: وشبه الله مآل أعمالهم، فقال:{ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}(البقرة:266)

قلت: هذا مثل ضربه القرآن الكريم لمن يحسن العمل أولاً، ثم ينعكس سيره فيبدل الحسنات بالسيئات، فيبطل بعمله الثاني ما أسلفه من العمل الصالح، فيخونه سلوكه هذا أحوج ما يكون إليه.

العجز:

قال: أتعلم الصفة الرابعة التي ترفع أملك عن الخلق لتوجهه إلى الله؟

قلت: إنها العجز، لقد ذكرت لي ذلك، ولكنها صفة المستضعفين، وهي بالفقراء ألصق، فهم إن لم يقعد بهم عجز قواهم الصحي قعد بهم عجز جيوبهم، فعيونهم بصيرة وجيوبهم قصيرة.

قال: بل الخلق كلهم عاجزون، لا ينفعون ولا يضرون ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم  لبعض أصحابه:( يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف )([17])

قلت: لقد قرأت الحديث وحفظته.

قال: ليس الشأن أن تحفظه، ولكن الشأن أن تعيشه.

قلت: فكيف أعيشه؟

قال: تقرر معانيه في قلبك، لتنتقل من كونها علما إلى كونها حقيقة، ومن كونها حقيقة إلى كونها معرفة.

قلت: فما الفرق بين كونها علما وكونها معرفة؟

قال: كالفرق بين رؤيتك للنار ولمسك لها.

قلت: فرق كبير.. فأنا أتمتع برؤية النار، ولكني لا أطيق لمسها.

قال: فكذلك أنت تفهم عجز الخلائق، ولكن لا تطيق الاستغناء عنهم، فلذلك تمد يدك، بل يداك إليهم كل حين.

قلت: فكيف أعلم عجز الخلائق؟

قال: بأن تقارن قواهم بقوى غيرهم.

قلت: كيف ذلك؟

قال: كيف تعلم عجز المصارع؟

قلت: إذا صرعه من هو أقوى منه.

قال: أفيمكن للذي صرع أمامك أن يتيه عليك بقوته؟

قلت: لا.. بل إنه سيستحي من إظهار قوته، لأنها ستنطق بعجزه.

قال: فقارن قوة الخلق التي يتيهون بها، ويتصورون أن لهم القدرة على مصارعة الكون بها بما تراه من مظاهر القوة في الكون.

قلت: إن عقلي ليتيه عندما يحاول إجراء مثل هذه المقارنة، إن الكون أعرض بكثير، والإنسان أضعف بكثير.. إنه يسحق سحقا.

قال: ومع ذلك ظهر فيكم من يدعي القوة التي يستعلي بها على الله.

قلت: أجل.. وقد قص علينا القرآن الكريم نماذج من ذلك، فذكر نموذج عاد، فقال:{ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ((فصلت:15)

قال: وهل هناك خلفاء لعاد؟

قلت: هناك ثمود، وفرعون، والقرى الكثيرة التي أشار إليها القرآن الكريم من غير أن يسميها.

قال: فما كان جزاؤها؟

قلت: هلكوا، ولم تنفعهم قواهم التي تاهوا بها على الله، كما قال تعالى:{ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ}(التوبة:69)

قال: ولكنكم لا تزالون تسيرون على خطاهم.

قلت: ذلك صحيح، فلا زلنا نتيه بالقوة، ونخاف من الأقوياء، بل نسمي الشعوب التي تضخمت عضلاتها بما تملكه من أسلحة بـ ( القوى العظمى )

قال: وأنتم ماذا تسمون؟

قلت: الشعوب المستضعفة.

قال: وتمدون أيدكم إليها.

قلت: نمد أيدينا إليهم بثرواتنا، ويمدون أيديهم إلينا بما يشبع بطوننا.

قال: فاخرجوا من ضعفكم وعجزكم.

قلت: لا نملك أسلحة نووية ولا جرثومية ولا مصانع جبارة كمصانعهم.

قال: تخرجون من ذلك بالاعتماد على قوة الله، وباعتقاد عجزهم وفاقتهم وحاجتهم وضعفهم.. ألا تسمع القرآن الكريم؟

قلت: بلى.. أسمعه من مقرئين يحركون الجبال بترانيمهم.

قال: اسمعه ممن يحرك روحك، لا ممن يحرك الجبال.

قلت: ما تقصد؟

قال: لقد ضرب الله لكم أمثالا عن الذين يستعبدونكم من دون الله.

قلت: ما هي؟

قال: الذباب والعنكبوت.

ضحكت وقلت: أهذه القوى العظمى ذباب وعناكب؟.. أنت لا تعرفها.

قال: اسمع قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}(الحج:73)، وقوله تعالى:{ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}(العنكبوت:41)

قلت: قرأت كلا الآيتين، ويقرؤهما جميع الناس، فما الذي يمكن أن أسمعه منهما؟

قال: أما الآية الأولى، فالله تعالى يتحدى فيها قواكم العظمى أن تخلق ذبابة واحدة، بل يتحداهم فيما هو دون ذلك أن يستنقذوا الطعام الذي يسلبهم الذباب إياه.

قلت: صدقت في هذا.. والعلم الحديث يقر بذلك.. فما إشارة الآية الثانية؟

قال: إن البيوت التي تعتصمون بها أو تخافون منها لا تعدوا أن تكون خيوط بيت عنكبوت، فهل رأيت أوهن منها؟

قلت: لا.. إن بيتها الذي تتفنن في بنائه سرعان ما يتهدم بداخل أو بخارج.. وهي لغبائها لا تختار إلا المداخل أو المخارج.

قال: وأنتم لا تختلفون عنها، فإن قواكم التي منحكم الله لا تضعونها إلا في المواطن التي تصيبكم بالهلكة.

قلت: كيف؟

قال: أنتم لا تستعملوها لترحموا المستضعفين، بل لتقتلوهم وتقضوا عليهم، وتتفننون في ذلك أكثر من تفنن العناكب في صناعة بيوتها.

قلت: ولكن خيوط العناكب واهية.

قال: وخيوطكم أوهى، ولكن الزمن الذي تتوهمونه هو الذي يحول بينكم وبين رؤية خيوطكم وهي تتقطع خيطا خيطا.

قلت: فكيف أتخلص من خيوط العنكبوت التي أرتبط بها، ويرتبط الضعفاء بها؟

قال: بأن تعلم بأنها خيوط عنكبوت.

قلت: كيف؟

قال: أرأيت لو وقعت في البحر، وحام بك الموت ليلتهمك، فرأيت حبلا متينا مرتبطا بسفينة ضخمة فيها كل وسائل الإنقاذ، أكنت تتعلق بذلك الحبل الذي يوصلك إلى سفينة النجاة، أم تتعلق بخيوط عنكبوت تراها من بعيد كما يرى الظمآن السراب؟

قلت: أحمق أنا إن التجأت لخيوط العنكبوت، وتركت سفينة النجاة.

قال: وحمقى أنتم عندما تتعلقون بالأيدي الفقيرة العاجزة وتتركون يد الله الممدودة إليكم.

قلت: نعم.. لقد أدركت مدى ما نقع فيه من جهل عندما نرى الخلق ولا نرى الله، ونرى الخيوط الواهية التي يمدنا بها الخلق أو يغروننا بها، وننسى حبال الله الممدودة إلينا.

الأمل فيه :

صعدت طابقا آخر في قصر الاستعفاف، ووقفت مع المعلم أمام الجوهرة الثالثة من جواهره، فسألت المرشد عنها، فقال: هذه جوهرة نفيسة اسمها ( الأمل فيه) من حازها حيزت له الدنيا بحذافيرها، بل كل شي بحذافيره.

ابتسمت في نفسي من هذه الأسماء الغريبة، ثم التفت إلى المعلم ليشرح لي حقائقها.

نظر إلي المعلم، وقال: هذه الجوهرة النفيسة لم تكن لتصل إليها، لو لم تنل الجوهرتين السابقتين.

قلت: لم؟

قال: ألم تقرأ ما ورد في بعض الكتب الإلهية من أن الله تعالى يقول:( وعزتي وجلالي لأقطعن أمل كل مؤمل غيري بالياس، ولألبسنه ثوب المذلة عند الناس، ولأخيبنه من قربي ولأبعدنه من وصلي، ولأجعلنه متفكرا حيران يؤمل غيري في الشدائد، والشدائد بيدي، وأنا الحي القيوم، ويرجو غيري ويطرق بالفكر أبواب غيري، وبيدي مفاتيح الأبواب، وهي مغلقة، وبابي مفتوح لمن دعاني )

قلت: أنا لا أومن إلا بما في كتابه الخاتم وسنة نبيه الصحيحة، أما سائر الكتب، فقد عراها التحريف، ولا آمن كثيرا مما فيها.

قال: ألم تقرأ قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الأثر الإلهي الصحيح:( قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه )([18])

قلت: بلى، قرأته كثيرا، وما أكثر ما خفت منه، فما وجه الإشارة في هذا.

قال: الأمل هو مفتاح الطلب، والطلب هو عنوان الاستعانة، والاستعانة لا تكون إلا به، فلذلك من وضع أمله في الخلق وكله الله إليهم، فإذا رفع يده عنهم وجد الله أقرب إليه من نفسه.

قلت: نعم، فهمته، لكأني بك تذكرني بقول ابن عطاء الله:( كما لا يحب العمل المشترك، كذلك لا يحب القلب المشترك، العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يقبل عليه )

قال: بل أقصد ما ورد في القرآن الكريم، وفي أم الكتاب، السورة التي اختزنت الحقائق.

قلت: تقصد قوله تعالى:{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}(الفاتحة:5)

قال: لا، بل أقصد السورة جميعا، فما قبلها مقدمات لما ذكرت، وما بعدها متممات لها، ألم تسمع قول علي:( لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب )

قلت: صدقت .. فما هي الحقائق الأربعة التي تنشر الأمل في قلبي في الله، فلا أرى سواه، ولا أعتمد على غيره؟

قال: وما أدراك أنها أربعة.

قلت: عهدي بك تجعل الأمور كلها أربعة.

ضحك، وقال: أنا لا أجعلها، بل هي كذلك، ألا ترى جدران بيتك الأربع؟

قلت: فاذكر لي جدران الأمل في الله الأربع.

قال: الغنى والكرم والقرب والإجابة.

قلت: فما وجه الحصر فيها؟

قال: لا يمكنك أن تأمل في فقير، فالفقير يطلب منك، ومن كان يطلب منك لا تطلب منه.

قلت: فالكرم؟

قال: قد يكون الغني بخيلا، لا يصيبك نواله، ولا تمتد إليه أعناق طمعك.

قلت: فالقرب؟

قال: قد يكون كريما، ولكنه بعيد عنك، تحبه وتعجب من سيرته، ولكن نواله يظل بعيدا بقدر بعده عنك.

قلت: فالإجابة.

قال: قد يكون كريما وغنيا وقريبا، ولكنه لا يلتفت إليك ولا يهتم بك، فمشاغله أكثر من أن تنحصر فيك.

قلت: فعلمني من الحكمة ما يقرر هذه الحقائق في نفسي.

قال: هذه الحكمة تتصل بالله، فالبس لها لباسها، وأحرم لها إحرامها.

قلت: وما لباسها؟

قال: الأدب، فمن لم يتأدب عند الباب، رد إلى سياسة الدواب.

قلت: وما إحرامها؟

قال: أن تحرم على قلبك الالتفات لغيره أو النظر لسواه، ألم تسمع ثناء الله تعالى على أدب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أمام الحضرة الإلهية، حيث قال:{ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}(لنجم:17)؟

الغنى:

قلت: علمت فقرهم، فحدثني عن غناه.

قال: لا تطيقه.

قلت: فقرب لي.

قال: ما هي الوسائل التي يغتني بها قومك؟

قلت: يختلفون، فمنهم من تدر عليه التجارة بشآبيب الربح، ومنهم من تدر عليه الفلاحة، ومنهم من يكون حظه في الصناعة.. ومنهم من يكون حظه في تجارة السلاح.. ومنهم المخدارت.. ومنهم..

قال: فكم تدر عليهم؟

قلت: بالملايين أو بالملايير، بحسب نشاطهم واجتهادهم.

قال: فلو أن أحدا منهم ملك طلسما بحيث لا يتعب نفسه في تجارة ولا صناعة ولا شيء من ذلك، بل يكتفي أن يذكر الشيء، فيكون أمامه.

قلت: يبزهم بغناه، بل يملكهم بغناه.

قال: فإذا ملك وسائل إنتاجهم بغناه.

قلت: يحولهم خدما لبابه، بل يتحولون فقراء بين يديه يستجدون طلسمه كما يستجديهم الشحاذون.

قال: فإذا لم يملكهم فقط، بل ملك الكواكب جميعا، بل السماء جميعا.. بل الكون جميعا، ومع ذلك لا يفتقر إلى شيء منها.

قلت: ذلك هو الغني المحض.

قال: ذلك هو الله، فإنه {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(البقرة:117){ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(يّـس:82)

ثم التفت إلي، وقال: فمن كان مدد خزائنه قوله { كن } أتنفذ خزائنه؟

قلت: لا، فما أسرع أن يملأها إن نفذت.

قال: أخبرني عن خزائن قومك التي يتيهون بها، والتي تجعلكم تستجدونها.

قلت: فيها الذهب والجواهر الكريمة.. وفيها الأرزاق المختلفة وأنواع المآكل والمشارب.. وفيها بعض أنواع المتع الطيبة والخبيثة.. وفيها بعض الأدوية التي تخفف الآلام أو تقهرها.

قال: وهل فيها السكينة؟

قلت: دعهم أولا يجدوها، فليس في الأرض عقار صالح لتحقيقها.

قال: فهل فيها الخلود؟

قلت: ذلك حلم، ما أجمله لو تحقق، ولكن البشر يئسوا منه، فاكتفوا بالتنعم بما عندهم من أنواع النعيم الزائل.

قال: فهل فيها الشباب الدائم؟

قلت: لا، فذلك إكسير أحمر، ما أسرع ما تهب عليه رياح الخريف.

قال: فهل فيها الأمن الدائم والنعيم المقيم..؟

قلت: ما شأنك يما معلمي.. أراك مغرما بما لا يكون.

قال: فلماذا تتعلقون بالخزائن الخاوية التي تضعون فيها بعض اللعب التي لا تختلف عن لعب الأطفال.

قلت: لعب الأطفال!

قال: نعم ما الفرق بين لعبكم ولعب الأطفال.. الأطفال يشتغلون بلعبهم وقت الصبا، وأنتم تشتغلون بها في ربيع العمر وخريفه.

قلت: فهل توجد خزائن تحوي الكنوز التي ذكرتها؟

قال: نعم.. إنها خزائن الغني الحقيقي، خزائن الله، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}(الحجر:21)، ألم تسمع قوله تعالى:{ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ}(صّ:9)، فقد جعل للرحمة خزائن خاصة بها.

قلت: فأين هذه الخزائن؟

قال: { وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }(المنافقون: 7)

قلت: فمن يملك مفاتيح هذه الخزائن؟

قال: خزائن الله لا مفاتيح لها، بل هي متسعة للكل، ألم تسمع قوله تعالى:{ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً}(الاسراء:100)

قلت: فلماذا إذن نلجأ لغير باب الله، ونستمطر الخزائن الفارغة.

قال: لأنكم تصورتم أن خزائن الله بيد عباده، والله تعالى ينفي ذلك..

قاطعته قائلا: بلى.. لقد سمعت الساعة الله تعالى وهو يقول:{ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ}(الطور:37)، فخزائن الله بيد الله، لا بيد أحد من الناس.

الكرم:

قال لي: أتعلم حقيقة الكرم.

قلت: أن تنيل المحتاج من فضلك ما يضطر به إلى شكرك.

قال: ألا تعلم ما ينطوي عليه تعريفك هذا من البخل؟

قلت: كيف، فهذا هو الكرم.

قال: انتظارك المحتاج إلى أن يحتاج بخل، وتنعمك عليه بفضلك لا برأس مالك بخل، واضطراره إلى شكرك بخل..

قلت: فما الكرم؟

قال: الكريم ( هو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يبالي كم أعطى ولمن أعطى، وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جفي عاتب وما استقصى، ولا يضيع من لاذ به والتجأ ويغنيه عن الوسائل والشفعاء، فمن اجتمع له جميع ذلك لا بالتكلف، فهو الكريم المطلق)([19])

قلت: هذا هو تعريف الغزالي للكريم.

قال: وهو لا يصدق إلا على الله، فهو الكريم الحقيقي وغيره كريم على المجاز.

قلت: كيف يكون كريما على المجاز؟

قال: لو أن كريما من كرماء قومك وكل ـ لسعة أمواله ـ وكلاء ينوبون عنه في إيصال كرمه إلى الناس.. من يكون الكريم في نظر الناس: هل الوكلاء، أم من وكلهم؟

قلت: بل الكريم صاحب المال، أما الوكلاء فهم مجرد عمال ينالون أجورهم، بل هم يعيشون تحت ظل كرم ذلك الكريم، فكيف يطمعون في وصفه.

قال: ولكنكم انشغلتم بمدح الوكلاء، ومد أيديكم إليهم، ونسيتم من وكلهم.

قلت: كيف؟

قال: من أين ينفق كرام قومك؟

قلت: من أموالهم.

قال: وهي من أين؟

قلت: منها ما ورثوه، ومنها ما حصلوا عليه باجتهادهم.

قال: أرك تردد دائما مقالة قارون:{ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} (القصص: 78)

قلت: فما أقول؟

قال: قل مقالة القرآن الكريم.

قلت: وما هي؟

قال: المال مال الله، ألم تسمع الله وهو يقول:{ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ( (النور: 33)؟

قلت: فزدني تفصيلا.

قال: أو لم تؤمن؟

قلت: بلى، ولكن ليطمئن قلبي.

قال: ذكرنا سابقا نوعين للكرم، أو ركنين للكرم.

قلت: نعم: الكرم النفسي، والكرم المادي.

قال: فما منتهى الكرم النفسي؟

قلت: البشر والابتسامة والكلمة الطيبة.

قال: فلو أذن لك مسؤول كبير في الدخول إلى مكتبه والحديث معه وتقديم طلباتك بين يديه؟

قلت: يكون قد أكرمني غاية الإكرام، بل لا أظن أنني سأنسى جميل صنعه، ولا كريم طبعه.

قال: فلو كانت المبادرة بالدعوة منه لا منك؟

قلت: يكون أكرم وأنبل.

قال: فلو تكرر ذلك منه كثيرا؟

قلت: لا طاقة لي حينها بشكره.

قال: فهل يكون بذلك قد أحسن إليك؟

قلت: يكفيني سلوكه هذا ليكون محسنا لي، ولو لم أنل منه أي شيء، فحسبي أن أنتسب إليه.

قال: فالله تعالى خالق كل شيء ـ والذي لا يشكل ذلك المسؤول الذي كان له ذلك الخطر في نفسك سوى شيء ضئيل جدا من ملكه ـ يدعوك في كل لحظة لأن تقف بين يديه تكلمه ويكلمك بلا حجاب ولا رقيب، فهل هناك أكرم من هذا؟

قلت: ومع ذلك نظل نغلق الأبواب بيننا وبينه.

قال: وتأبون إلا الذلة على أبواب الذين يحتقرونكم، ويسدون أبوابهم في وجوهكم.. أخبرني هل ورد في القرآن الكريم ما يدل على حرمان الفقراء من الحديث مع الله؟

قلت: كلا.. بل أراه يخبر عن فضلهم، بل يثني عليهم من الثناء ما لم ينله غيرهم، قال تعالى:{ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}(الأنعام:52)

قال: فهؤلاء هم الفقراء إلى الله على الحقيقة شغلتهم إرادة الله عن الطواف ببيوت عباده، وشغلهم الرجاء في الله عن التعلق بغير الله، وشغلهم النظر لما في يد الله عن الطمع فيما في أيدي عباده.

قلت: صدقت في هذا..

قال: ما المدة التي يستطيع كرامكم، حاتم وغيره، أن يكرموا بها؟

قلت: مدة الضيافة، وهي ثلاث، وقد تمتد أسابيع، أو أشهرا.

قال: فلنفرض أنها تمتد العمر جميعا.. فماذا بعد ذلك؟

قلت: لا بد أن ينتهي الكرم في يوم ما.

قال: الكريم الحقيقي لا ينتهي كرمه، بل يستمر أبد الآباد، بل إنه ادخر كرمه الحقيقي إلى الوقت الذي ييأس فيه الخلائق من كرم بعضهم بعضا.

قلت: متى ذلك؟

قال: بعد الموت مباشرة تتدفق بحار كرمه على عباده الصالحين بما لا قدرة على وصفه، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}(الحجر:21)

قلت: بلى، فما وجه الإشارة فيها؟

قال: إن كل ما تراه من خزائن الكرم لا يعدوا أن يكون جزءا ضئيلا جدا لا يكاد يرى من الكرم المعد في دار القرار.

القرب:

قال لي: لقد ذكرت لي بأن في قومك كراما.

قلت: لا أجحد ذلك، ولو أني اقتنعت بأن لهم كرما مجازيا لا حقيقيا.

قال: فأين هم؟

قلت: هم في مناطق مختلفة من العالم .. منهم من يرمون الدراهم في الطرقات لينالها الغادي والرائح، ومنهم من يرحل إلى أوروبا وأمريكا حيث يتلذذ برؤية الشحاذين من الأغنياء، وهم ينحنون لجمعها.

قال: فهل يصلك منها شيء؟

قلت: تصلني أخبارها، وقد تسمعني القنوات الفضائية رنينها.

قال: وفي الأقدمين، هل تعرف كراما؟

قلت: كثيرون هم، يسرني ذكرهم، وتنتشي روحي بأخبارهم.

قال: فهل يصلك نوالهم؟

قلت: كيف يصلني نوالهم، وقد رمموا؟

قال: فلماذا تشغل قلبك بكرم بعيد إما في أصقاع الأرض، أو في أطباق الثرى، وتنسى الكريم الذي هو أقرب إليك منك.

قلت: الله؟

قال: الله، فهو أكر م الأكرمين، وأقرب الأقربين، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}(يونس:61)

قلت: فما علاقة هذا القرب بالكرم؟

قال: القرب نفسه كرم، فمن عرف قرب الله أعطاه الله من الغنى والسعادة ما يحتقر به الأحجار التي تتباهون بها، وتملأون بها خزائنكم؟

قلت: فهل وجد المقربون لله هذه الثمرة الزكية؟

قال: وكيف لا يجدونها، وقد عاشوا بها.. فقد عمر الله عليهم حياتهم، فامتلأت أنسا، وعمر عليهم أنفاسهم، فامتلأت ذكرا، وشغل خواطرهم فلم يخطر عليها غيره.

ثم التفت إلي، وقال: من صادق منكم أميرا أو وزيرا أو ملكا أيشعر بالفقر والحاجة، أو الحزن والألم؟

قلت: كيف يشعر بذلك، وهو محل غبطة جميع الناس؟

قال: فمن كان في صحبة الله، كيف يشعر بالفقر والحاجة، أو كيف تصيبه الذلة والهوان؟

الإجابة:

قال لي المعلم: من المجيب من قومك؟

قلت: من إذا سألته أعطاني، وإن ظرقت بابه فتح لي.

قال: ومن أعطاك قبل أن تسأله، وفتح لك بابه قبل أن تطرقه؟

قلت: ذلك المجيب المطلق.

قال: فذلك هو الله.

قلت: أبهذه النظرة كان ينظر ابن عطاء الله حين قال:( طلبك منه اتهام له )؟

قال: وبهذه النظرة نظر العارفون حين رددوا مع الصالحين قولهم: ( لا يكن همك في دعائك الظفر بقضاء حاجتك فتكون محجوباً، وليكن همك مناجاة مولاك ) ، أو حين رددوا مع ابن عطاء الله قوله:( لا يكن طلبك تسبباً إلى العطاء منه، فيقل فهمك عنه. وليكن طلبك لإظهار العبودية، وقياماً بحقوق الربوبية)

قلت: أفنترك الدعاء لهذا؟

قال: لا تسئ فهم كلام العارفين، فتحجب دون مقاماتهم.

قلت: لكني أسمع كلاما صريحا لا يحمل إلا معنى واحدا، فهذا الواسطي يقول:( أخشى إن دعوت أن يقال لي: إن سألتنا مالك عندنا فقد اتهمتنا، وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد أسأت الثناء علينا، وإن رضيت أجرينا لك من الأمور ما قضينا لك في الدهور )

قال: الواسطي يعبر عن حالة وجدانية، لا عن حقيقة شرعية.

قلت: فكيف أجمع بينهما؟

قال: إذا توقف علاج علتك على دواء مسهل، أتتناوله؟

قلت: كيف لا أتناوله، وعليه يتوقف علاج علتي؟

قال: ولكنه سيصيبك بإسهال، وهو علة أخرى.

قلت: ولكني سوف أحتال فأبادر الإسهال بما يقيني منه.

قال: فهذا ما لحظه العارفون، فقد خشوا أن يخطئ العامة فيسيئوا فهم الدعاء، فيشبهوا الله بخلقه.

قلت: كيف يكون التشبيه في هذا المحل، ولا أسمع يدا ولا ساقا.

قال: التشبيه لا يتوقف على اليد والساق، بل إن في قياس إجابة الله بإجابة عباده رمي لله ببخل العباد.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لأن عناية الله بعباده لا تفتقر إلى سؤالهم.

قلت: فلماذا أمرهم بسؤاله؟

قال: لتسوقهم حاجاتهم إلى الله، فيكون دعاؤهم أفضل من حاجاتهم.

قلت: فهلا ضربت لي على ذلك مثالا.

قال: أرأيت لو أن أبا رحيما رأى في ولده تقصيرا في طلب العلم، ورأى انشغاله باللعب قد ملك عليه كل وقته، فخشي إن نهره أن ينفلت منه بالكلية، فبحث عن شيخ مرشد، وأعطاه من اللعب التي يرغب فيها الصبيان الكثير، وقال له:( سيأتيك ابني طالبا اللعب، فلا تعطه اللعبة حتى تعلمه علما)، ثم قال لابنه:( أي لعبة رغبت فيها.. فافزع إلى فلان، فإن عنده ما تشتهي )

فكان ابنه يذهب إلى ذلك المعلم ليأخذ اللعب، فلا يتركه المعلم حتى يعلمه ما شاء من العلوم إلى أن زرع الله محبة العلم في قلبه، فجاءه يوما ليقول له:( لم آتك اليوم لطلب اللعب، وإنما أتيتك لطلب العلم )

قلت: فما محل هذا المثال من الدعاء؟

قال: لقد علم الله حبنا للدنيا ولهوها ولعبها.

قلت: نعم، فقد قال تعالى معبرا عن طبيعة الإنسان:{ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}(العاديات:8)، وقال تعالى:{ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً}(الفجر:20)

قال: فلو قال لكم الله تعالى:( دعوا أموالكم وتعالوا إلي ) لم تطيقوا ذلك، لتصوركم أن أموالكم أعظم من الله.

قلت: هذه حقيقة نعيشها، وإن كنا لا نجرؤ على التصريح بها.

قال: فلذلك جعل الالتجاء إلى بابه، وطرق خزائن كرمه أسبابا لا لرزقكم فقط، فقد ضمن ذلك لكم، وإنما لتسعدوا بلقائه، وقد يجعلكم ذلك تطلبونه، ولا تكتفون بالطلب منه.

قلت: وما الفرق بينهما؟

قال: كالفرق بين الحقيقة والخيال.

قلت: وما الفرق بينهما؟

قال: كالفرق بين قامتك وظلها.

قلت: فما الفرق بينهما؟

قال: كالفرق بين الوجود والعدم.

قلت: ولكن ظلي موجود.

قال: بك لا به.

مد يدك إليه:

صعدت مع المعلم طابقا آخر في قصر الاستعفاف، وهو آخر طوابقه، ومنه تمتد اليد التي رأيتها خارج القصر، فوجدنا شعاعا عظيما متلألئا، سألت المرشد عنه، فقال: هذه جوهرة نفيسة من جواهر الاستعفاف اسمها ( مد يدك إليه )

التفت إلى المعلم، وقلت: أفي هذا المحل أضع يدي كما ذكرت؟

قال: نعم، في هذا المحل تضع يدك في محلها الصحيح.

قلت: أهناك حجر كالحجر الأسود ألمسه في هذا القصر؟

قال: الحجر الأسود حجر واحد تلتقي عنده أفئدة المؤمنين.

قلت: فأين أضع يدي إذن؟

قال: املك يدا أولا، ثم اسأل عن المحل الذي تضعها فيه.

التفت إلى يدي، وقلت: ها هي ذي يدي في جسدي، فكيف أحتاج إلى امتلاك يد.

قال: تحتاج للتحقق بحقائق هذه الجوهرة إلى امتلاك أربعة أيد.

قلت: تقصد يدين ورجلين؟

قال: لا.. أربعة أيد، لكل يد لسان يعبر عنها.

قلت: هذا وصف غريب.. لعلك تريد أن تحولني كائنا أسطوريا.

قال: ما فائدة اليد؟

قلت: إمساك النعمة.

قال: فكيف تأتيك النعمة؟

قلت: بسؤالها.

قال: فهل يمكن أن تمد يدك لبعض الناس من غير أن يتكلم لسانك بما تحتاج؟

قلت: لا.. لأنه ربما يظن أني أمد يدي لمصافحته، لا لسؤاله..

قال: وربما يعطيك ما لم تسأل.

قلت: وربما يمد يده إلي ليبطش بي لتصوره أني مددتها للبطش به.

قال: فما الذي يعبر عن قصدك من مد يدك؟

قلت: لساني.

قال: ولذلك يستعمل الشحاذون ألسنتهم.

قلت: ولولاها لم ينالوا أي شيء.

قال: فمن أشطرهم؟

قلت: أقدرهم على إظهار اضطراره وفقره وعجزه ومسكنته.

قال: فكيف يظهر ذلك؟

قلت: للاضطرار لسانه، وللافتقار لسانه، وللعجز لسانه، وللمسكنة لسانها.

قال: فقد أقررت إذن بالألسنة الأربع التي تعبر عن الأيدي الأربع.

قلت: نعم.. ذكرت الألسنة الأربع، ولكني لم أذكر الأيدي الأربع.

قال: كل يد تعبر عن حاجة من الحاجات.. إذا مد الغريق يده إليك، فوضعت فيها دينارا، هل يقبله أم يظل يمد يديه إليك؟

قلت: بل لو أعطيته مليارا لرماه، فما يغني عنه إن تلقفه الموت، بل سيظل مادا يده إلي.

قال: وما يده التي يمدها؟

قلت: يد اضطراره.

قال: فقد أقررت إذن بأن للاضطرار يده التي تختلف عن يد الافتقار، ومثل ذلك يد الضعف ويد المسكنة.

قلت: فكيف أتحقق بهذه الأيدي؟

قال: بتحققك بألسنتها.

قلت: وكيف أتعلم ألسنتها، وهل في العالم مدرسة لغات تدرس هذه الألسن؟

قال: في مدرسة القرآن الكريم تتعلم كل اللغات التي لا يفهمها البشر فقط، بل لا يفهمها الكون جميعا.

قلت: ولكن القرآن الكريم لم ينزل إلا باللغة العربية؟

قال: تلك كسوته التي يمكن أن تصبغ بلغات العالم المختلفة، ولكن حقائقه تعلمك كيف تحل الشيفرة التي تفهم بها أسرار الكون وأسرار التعامل مع الكون.

قلت: فعلم لساني هذه اللغات.

قال: التعليم للسان قلبك، لا للسان فمك.

لسان الاضطرار:

قلت: علمني لغة الاضطرار.

قال: لن تتعلم لسان الاضطرار حتى تعلم حقيقة الاضطرار.

قلت: لكني أعلم حقيقة الاضطرار.

قال: وما هي؟

قلت: ألا يبقى لي من الخيارات إلا خيار واحد، فأضطر إلى استعماله، ولو كان ثقيلا على قلبي.

قال: فاضرب لي مثالا على ذلك.

قلت: أقذر شيء إلى نفسي أن أتناول جيفة أو أشرب دما أو أذوق لحم خنزير، ومع ذلك، فإني إذا اضطررت إلى تناولها تناولتها لأحفظ حياتي، كما قال تعالى:{ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(النحل:115)

قال: ولماذا اضطررت إلى هذه المستقذرات؟

قلت: لعزة غيرها، وعدم ظفري به.

قال: ففي تلك الحالة التي تقف فيها على أعتاب الموت ماذا تشعر؟

قلت: أشعر بضياع عظيم وانحدار عميق، فالموت بأشباحه ينتهز فرصة غفلتي ليضمني إلى حزبه.

قال: ألا تيأس في ذلك الحين؟

قلت: أيأس فقط؟.. بل تجتمع في بحري كل أنهار الكآبة وكل سيول الحزن.

قال: في ذلك الحين يمكنك أن تتعلم لسان الاضطرار؟

قلت: كيف؟

قال: لسان الاضطرار يتولد من شعورك بعدم كل شيء إلا وجوده، وبفقد كل شيء إلا رحمته، وباليأس من كل شيء إلا الأمل فيه.

قلت: أهذا الشعور وليد ظرف خاص أمر به، أم هو وليد كل ظرف؟

قال: أما العارفون، فيعيشون الاضطرار، وهم في بحار النعم، لأنهم لا يرون منعما غير الله، فلا يضطرون لغير الله.

قلت: لقد ذكرتني بقول ابن عطاء الله:( ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب إليك مثل الذلة والافتقار )

قال: بل ذكرتك بقوله تعالى:{ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}(النمل:62).. أتدري السر الذي جعل العارفين يشعرون باضطرارهم الدائم إلى الله؟

قلت: ما هو؟

قال: هو ما عبر عنه الحق تعالى في هذه الآية بقوله:{ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ }

قلت: هذا خطاب للمشركين يذكرهم بالله.

قال: وهو خطاب للغافلين يدعوهم لتحطيم الأصنام التي ترقد في جوانب كعباتهم، وتحول بينهم وبين الاضطرار لله.

قلت: لا أعلم أن في الأرض كعبة غير الكعبة.

قال: في قلب كل إنسان كعبة، منهم من يعمرها بالتوحيد، ومنهم من يملؤها بالأصنام.

قلت: ولكني لم أفهم كيف يشعر بالاضطرار من يعيش في بحار النعم، فلا أعلم الاضطرار إلا في الوقت الذي يباح فيه أكل الميتة.

قال: ولكن العارفين يشعرون دائما أنهم في حال من أبيح له أكل الميتة.

قلت: لم أفهم.. فلم أسمع أن العارفين يبيحون لأنفسهم أكل الميتة باعتبارهم مضطرين.

قال: هم لم يضطروا للميتة، ولن يضطروا لها، فخزائن الله تغنيهم عنها، ولكنهم مضطرون لله.

قلت: لم أفهم.

قال: لا يرون لحياتهم معنى ولا وجودا من غير الله.

قلت: كل الخلق كذلك، فلا يمكن أن يوجد موجود من غير إيجاد الله.

قال: ولكنهم يعيشون هذا المعنى ويستشعرونه ولا يكتفون بوضعه في زاوية مهملة من زوايا عقولهم.

قلت: فكيف يستشعرون هذا؟

قال: أتضطر أنت إلى التنفس؟

قلت: وكيف لا أضطر، ولولاه لاختنقت.

قال: فكذلك ضرورتهم إلى الله، بل هي أشد في أنفسهم من ضرورة الهواء والماء، ألم تسمع إلى بعض الصالحين، وقد جاءه رجل، فقال: رأَيت في المنام كأَنك تموت إلى سنة، فقال الصالح: لقد أجلتنى إلى أجل بعيد أعيش إلى سنة.

قلت: فهذا يتمنى الموت الذي نهانا صلى الله عليه وآله وسلم أن نتمناه؟

قال: هذا يحب لقاء الله الذي أمرنا الله تعالى برجائه، فقال:{ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(العنكبوت:5) .. ألم تعلم بما اختبر الله دعوى محبة اليهود لله؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى:{ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}(الجمعة:6)

قال: فلذلك فإن العارفين قد يصبرون على كل شيء، ولكنهم لا يصبرون عن الله.

قلت: لقد ذكرتني ببعض الصالحين.

قال: حين وقف عليه رجل، فقال: أي صبر أشد على الصابرين فقال: الصبر في الله قال السائل: لا، فقال: الصبر لله، فقال: لا، فقال: الصبر مع الله، فقال: لا، قال: فإيش هو قال: الصبر عن الله، فصرخ الصالح صرخة كادت روحه تتلف.

قلت: قد فهمت اضطرار العارفين، فما اضطرار غيرهم؟

قال: أما غيرهم، فلا يشعرون بالله إلا عندما تضيق بهم السبل، وتوصد في وجوههم جميع الأبواب، ألم تسمع قوله تعالى:{ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}(يونس:22)

قلت: بلى، ولها نظيرات في القرآن الكريم، فالله تعالى يقول:{ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}(النحل:53)

قال: ومع ذلك، فإن الله برحمته يجيب من دعاه بهذا اللسان ولو كان ما كان، ولهذا لا تعجب ما يحكى من إجابة دعوات الكافرين إن وقفوا مواقف الاضطرار.

قلت: لقد ظللت زمنا محتارا في سبب هذا.

قال: إن الله برحمته التي لا تعد وبفضله الذي لا يحد يمهل عباده ويوفر لهم من السبل ما يدعوهم إلى لزوم بابه، فأبواب الله لا توصد، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا لثلث الليل الآخر، فيقول من يدعوني فأستجيب له، أو يسألني فأعطيه، ثم يبسط يديه ويقول: من يقرض غير عديم، ولا ظلوم )([20]) .. ألم تسمع بفرح الله برجوع عبده إليه؟

قلت: بلى، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ومعه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ، وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش، قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت فرجع فنام نومة، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده، عليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده)([21])

قال: فما يفهم قومك من هذا الحديث؟

قلت: يجادلون ويتصارعون في معنى الفرح وعلاقته بالله، وهل يفوض أم يؤول أم يشبه أم يعطل أم يثبت أم..!؟

قاطعني، وقال: ألم تسمعوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أتوا الجدل )([22])

قلت: بلى، سمعوه.

قال: فماذا عملتم فيه.

قلت: اختلفوا فيه أيضا.. فأجازوه في علم الكلام.

قال: علم الكلام، أم علم الخصام؟.. انصحهم أن يتعلموا بدل ذلك علم السلام.

قلت: فإلام ينظر علم السلام في فرح الله بعبده؟

قال: إن من آتاه الله السلام في قلبه لا ينشغل بالألفاظ، فيتيه في الجدل، بل ينشغل بالحقيقة والمعاني، فيستشعر من الفرح والسرور والقرب والاتصال عند سماع هذا الحديث ما لا يستشعره الغافلون المكفنون في أكفان الحروف والأصوات.

قلت: فكيف يعبرون عن تلك المشاعر؟

قال: وهل يملك أحد أن يعبر عن مشاعره؟

قلت: أجل، هناك من يعبر عن مشاعره.

قال: وهل يفهمها الجامدون، أم لا يفهمها إلا من يعيشها؟

قلت: بل يقتصر فهمها على من يعيشها.

قال: فما داموا متفقين على معايشتها، فما الحاجة للتعبير عن ذلك؟

قلت: يعبرون بها للجامدين.

قال: وهل يملكون أن يفهموهم معناها؟

قلت: يقربون.

قال: فقد قرب صلى الله عليه وآله وسلم ذلك إذن وكفانا، فلنقتصر على ظواهر ما عبر.

لسان الافتقار:

قلت: علمتني لسان الاضطرار، فعلمني لسان الافتقار.

قال: لن تتعلم لسان الافتقار حتى تعلم حقيقة الافتقار.

قلت: الافتقار معروف.

قال: فما هو؟

قلت: أن تعود إلى بيتك خالي الوفاض، وعليك ثياب مرقعة، وأبناؤك من حولك يتضاغون من الجوع.

قال: وحينها يراودك وحش الحزن القاتل ليبعدك عن ربك، وينزع من قلبك الابتسامة.

قلت: ربما.

قال: فهذا افتقار كافر، يحجبك عن ربك، ولا يقربك إليه.

قلت: فهل هناك افتقار مؤمن؟

قال: أجل، هناك افتقار الصديقين.

قلت: ولكني علمت منك في كنز الاستغناء أن الصديقين أغنياء بالله.

قال: لا يتحقق الصديق بالغنى بالله حتى يتحقق بالافتقار لله.

قلت: فما لسان الافتقار؟

قال: هو عزل النفس عن مزاحمة الربوبية.

قلت: فهو السلام مع الله إذن؟

قال: هو قمة السلام مع الله.

قلت: كيف؟

قال: لأن من دخل على الله مستغنيا خرج من عنده فقيرا، ومن دخل عنده فقيرا خرج مستغنيا.

قلت: لا أراك تفسر الغوامض إلا بالغوامض، فهلا فسرت لي.

قال: أرأيت لو دخل عليك رجل يستجديك، فقعد يفخر عليك بمعلقة عمرو بن كلثوم أكنت تلتفت إليه؟

قلت: كنت أزدريه، فمن قال ما قال عمرو لا ينبغي أن يستجدي.

قال: فكذلك أنتم تطلبون الله، ولا تغضون أطرافكم عن أنفسكم التي تزاحم الله.

قلت: كيف نزاحم الله؟

قال: تدبرون وتعارضون وتناقشون وتجادلون.

قلت: نحن نفعل هذا مع الله؟

قال: نعم، أنتم تطلبون الله.. ولكنكم تمتلئون في نفوسكم استغناء عن الله، ألم يقل الله فيكم:{ كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} (العلق:6 ـ 7)

قلت: فحقيقة الفقر إذن ألا تكون لنفسك، ولا يكون لها منك شيء بحيث تكون كلك لله.

قال: أجل، هذا هو الافتقار، وهذا هو لسانه.

قلت: ولكن هذا حقيقة كونية، فمن يجادل في أن العبد ليس له شيء إلا ما وهبه مولاه.

قال: نعم لا أحد يجادل في ذلك، ولكن قل من يؤمن بذلك، ويعيش لذلك.

قلت: هذا تناقض.

قال: أنتم تعيشونه.

قلت: لماذا؟

قال: لأنكم تحبسون معارفكم في زنازن، وتقيدونها بالأغلال، ولا ترجعون إليها إلا في استجوابات كاستجوابات المحققين.

قلت: فيكف تعامل المعارف عند العارف؟

قال: العارف يعيش المعارف، فيحرر الحقيقة من زنزانة العقل، ليضعها في رياض الوجدان.

قلت: فما تنبت؟

قال: تنبت كل الأزهار، وتثمر كل الثمار.

تذكرت كلام بعض الصالحين في هذا، فقلت: ما أحلى كلام الأولياء في هذا الباب.

قال: كل من اتصل بالله حلا كلامه.

قلت: لقد قال ابن عطاء الله في هذا حكما.

قال: وما قال؟

قلت: قال:( كل كلام يبرز، وعليه كسوة القلب الذي منه برز )

قال: فقلوب الأولياء منورة بنور الله، فلذلك تلوح عليها أنوار الإيمان.

قلت: يا معلم، لو قيل لي: لماذا نطرق أبواب الفضل ما دام للافتقار هذا الفضل؟

قال: فقل: إن الله يقيم عبده في المواقف المختلفة ليعرفه في كل موقف، فتتكامل بالمواقف المختلفة ما أتيح له من معرفة الله، ألم تسمع مناجاة أولياء الله التي يقولون فيها:( إلـهي! قد علمت باختلاف الآثار وتنقلات الأطوار، أن مرادك أن تتعرف إلي في كل شيء، حتى لا أجهلك في شيء )

قلت: ولكن خلو اليد من المال باب للتجريد، وتجريد الظاهر ميسر لتجريد الباطن.

قال: لا، فلم يكن هكذا سلوك الأنبياء الذين جعلهم الله قدوة لعباده، ولا هكذا نصح الأولياء، ألم تسمع حكمة ابن عطاء الله:( إرادتُكَ التجريدَ مع إقامةِ الله إِيَّاكَ في الأسباب من الشَّهوة الخفيةِ، وإرادتُكَ الأسبابَ مع إقامةِ الله إِيَّاكَ في التجريد انحطاطٌ عن الهِمَّةِ العَلَيَّةِ )؟

قلت: بلى، ولكن..

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل يوم القيامة: الشيخ الزاني، والعائل المزهو، والإمام الكذاب)([23])

قلت: بلى.

قال: فقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم الفقير المتكبر بعيدا عن الله قريبا من النار، فإفراغ الجيوب ليس هو الطريق، بل الطريق هو إفراغ القلب من حب الدنيا والرغبة فيها..

لسان العجز:

قلت: فعلمني أن أتكلم بلسان العجز.

قال: لن تتعلمه إلا إذا تحققت بالعجز.

قلت: لقد عرفت في الجوهرة السابقة عجزي.

قال: ذلك عجز الخلائق، فأين عجزك؟

قلت: أنا من الخلائق.

قال: هناك فرق كبير بين رؤيتك للخلق، ورؤيتك لنفسك.

قلت: كيف ذلك؟

قال: عجزك وعجز الخلائق ضروري، ولسان العجز يستدعي شعورا، فقد يعيش المرء أشل، ولكنه يغيب عن شلله متصورا أن له قوى المصارعين وحملة الأثقال.

قلت: وكيف أتحقق بشعور العجز؟

قال: بأن ترى نفسك عبدا له، لا تتحرك إلا بتحريكه، ولا تتوقف إلا بإيقافه، ليس لك من ذاتك قوة، ولا لك من ذاتك حول.

قلت: تعني أن أقول:( لا حول ولا قوة إلا بالله )

قال: تقولها ترجمة عن حقيقتك، لا حروفا وأصواتا من لسانك.

قلت: فما ألحظ فيها؟

قال: تلحظ قوته، فتطيش قوتك أمام قوته، وتلحظ حوله، فيطيش حولك أمام حوله.

قلت: فترجم ذلك لخيالي ليستوعبه وجداني.

قال: انظر إلى القوى التي تتيه بها.

قلت: قوة الإرادة، فهي القوة التي تدكدك الجبال، وتفل الحديد، و..

قال: أدبها بقوة الله حتى لا توقعك في المهالك، أو ترمي بك في أودية العجب والغرور.

قلت: وكيف أؤدبها؟

قال: لا تنسبها لنفسك، بل تنسبها لله.

قلت: كيف، وأنا أشعر أنها قوتي وحيلتي.

قال: شعورك بها يدلك على الاعتماد عليها، واعتمادك عليها يحجبك عن الله، ألم تعرف أن الله لا يقبل على القلب المشترك؟

قلت: بلى، فقد عرفنا حكمة ابن عطاء الله:( كما لا يحب العمل المشترك، كذلك لا يحب القلب المشترك. العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يقبل عليه )

قال: وهذا ما كان عليه أكبر العارفين.

قلت: تقصد الجنيد، أم.. ؟

قال: أقصد محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، فما الجنيد وغيره إلا أشعة من نور المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وقطرات من بحره، ومفردات من فهرس كمالاته، فلا تنشغل بالأشعة عن الجواهر، وبالقطرات عن البحار، وبالمفردات عن الفهارس.

قلت: فكيف كان صلى الله عليه وآله وسلم متحققا بهذا الشعور بالعجز أمام الله؟

قال: ما هو دعاؤه صلى الله عليه وآله وسلم الذي دعا به في الطائف؟

قلت: الدعاء معروف، وقد سبق أن ذكرناه في بعض مجالسنا، ومن صيغه:( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني؟ أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات وأشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تحل علي غضبك أو تنزل علي سخطك ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك )([24])

قال: كيف ترى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث؟

قلت: أراه ملتجئا إلى الله متضرعا إليه، كما يلتجئ الصبي الصغير الضعيف إلى والديه.

قال: وهل تاه صلى الله عليه وآله وسلم بحيلة أو بقوة؟

قلت: لا، بل تبرأ من كل حيلة أو قوة، وأسند أمره كله لله.. ولكن يا معلم قد كان هذا في حالة شديدة، ونحن قد نلتجئ إلى الله في مثل هذه الأحوال، ولكنا في مواقف العزة ننسى ذلتنا، وفي مواقف القوة والشدة ننسى عجزنا.

قال: كان هذا حاله صلى الله عليه وآله وسلم الدائم، ألم تسمع إليه، وهو يقول في ورد نومه الدائم:( اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت )([25])

قلت: ولكن كثيرا من قومي استغنوا عنها بأوراد وضعوها لأنفسهم.

قال: أهم أعرف بالله من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أم لم يبلغهم ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم؟ أم لم يكفهم ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم؟ أم يريدون التميز بأنفسهم عن أمته صلى الله عليه وآله وسلم؟

قلت: أهم مبتدعون؟

قال: أنا لست قاضيا حتى أحكم عليهم، ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم هو ربان سفينة النجاة، وهو الدليل في المتاهات، فمن ابتعد عن الربان قد يغرق، ومن ابتعد عن الدليل ستلتهمه المفازات.

قلت: لكن يا معلم ألا ترى أن هناك تعارضا بين مد اليد إلى الله بلسان العجز، وبين استعاذته صلى الله عليه وآله وسلم من العجز، فقد صح في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر وفتنة الدجال)([26]) فقد استعاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من العجز ولواحقه.

وقد ورد في حديث آخر النهي عن العجز، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( المؤمن القوى خير وأَحب إِلى الله من المؤمن الضعيف، وفى كل خير)([27]

قال: ليس هذا فقط، بل ورد ذم العجز في القرآن الكريم، فقد قال تعالى مخبرا عن عجز المنافقين عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:{ الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}(آل عمران:168)

قلت: إذن أنت تقر معي بذم العجز، فكيف يستقيم هذا مع طلب العجز، ومد اليد بلسان العجز؟

قال: العجز والقوة أمران نسبيان، فقد تظهر قوتك مع شخص، وتظهر عجزك مع آخر، فتكون قويا في الأول عاجزا في الثاني.

قلت: هذا صحيح، فإظهار قوتي مع من هو أقوى مني فضيحة لي، وقد يجرني إلى المتاعب التي لا أتحملها.

قال: فكيف إذا كان هذا القوي الذي يفوقك قوة هو الله؟

قلت: إظهار قوتي مع الله حمق.

قال: وهذا هو الذي عناه الأولياء بلسان العجز، فهم لا يريدون عجز الكسل، وإنما يريدون عجز الأدب.. ألم تسمع قصة الصاحبين المتحاورين في القرآن الكريم؟

قلت: بلى.

قال: فما هو المظهر الذي ظهر به الصاحب الذي رزقه الله الجنتين؟

قلت: بمظهر الكبرياء والاعتزاز بالقوة، كما قال تعالى:{ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً}(الكهف:34 ـ 36)

قال: فإلى ماذا دله صاحبه الناصح؟

قلت: إلى التواضع لله، كما قال تعالى:{ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}(الكهف:37 ـ 38)

قال: وما هو الموقف الصحيح الذي دله عليه؟

قلت: هو ما نص عليه قوله تعالى على لسان الصاحب الناصح:{ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً}(الكهف:39 ـ 41)

قال: فما هي نتيجة مصارعة الكافر لله؟

قلت: هو ما نص عليه قوله تعالى:{ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً}(الكهف:42 ـ 43)

قال: أتدري لم قال:{ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً }؟

قلت: لم، فلم يذكر القرآن الكريم أن هذا الصاحب من عباد الأصنام.

قال: بلى، فقد كان من عباد أخطر الأصنام، وهو صنم الأنا، صنم القوة التي تريد أن تصارع الله، وتعجز الله.

قلت: ألهذا إذن تكون عاقبة هؤلاء الهلاك الحتمي؟

قال: إذا جاء مصارع من المصارعين مدينة من المدن، وتحدى كل مصارعيها، فسكتوا، ولم ينبسوا ببنت شفة، ألا يعتقد أهل تلك المدينة، بل غيرها من المدن، بأن سكوتهم كان عن عجز؟

قلت: بلى.

قال: فلذلك سيأتي أبطال تلك المدينة بكل قواهم ليتحدوا ذلك المصارع، ويعجزوه.

قلت: كل هذا صحيح.

قال: فلذلك كل من تحدى الله يعجزه الله، ألم تسمع القرآن الكريم وهو يخبرنا بسقوط كل من تحدى الله في أودية العجز والهلاك؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى مخاطبا المشركين:{ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ}(التوبة:2) .. وخاطب الذين تصوروا عجز الله عن أن يعيدهم أحياء بعد أن يصيروا ترابا، فقال:{ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ}(الأنعام:134)، وقال تعالى:{ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ}(يونس:53)

 لسان المسكنة:

قلت: يا معلم، لقد تعلمت ثلاثة ألسن أستطيع أن أمد بها يدي إلى الله، أفلا يكفي ذلك؟

قال: لا.. حتى تمد يد التذلل مستشفعة بلسان المسكنة.

قلت: وما لسان المسكنة؟

قال: هو اللسان الذي تخفض به جناحك أمام الله.

قلت: أفلا يكفي الاضطرار والافتقار والعجز؟

قال: لا.. فقد يبقى في المضطر والفقير والعاجز ما يتطاول به على ربه ويتكبر به عليه، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر )([28]

قلت: فكيف أتحقق بلسان المسكنة؟

قال: بالافتقار إلى الله طلبا لها، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( اللهم أحييني مسكينا وتوفني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين فإن أشقى الأشقياء من جمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة )([29])

قلت: البعض يتهم هذا الحديث، بل يرويه في الموضوعات([30]).

قال: من فعل ذلك فقد أوهم، وما كان لنا أن نرد حديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بسبب سوء الفهم له.

قلت: ولكن هذا الحديث قد يعارض بما ورد في النصوص من النهي عن التذلل، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحل لمؤمن أن يذل نفسه )([31])  

قال: هذا صحيح، فإن المؤمن أعز من أن يذل نفسه.

قلت: فكيف يجمع بين النهي عن الذلة وطلبها؟

قال: كما جمع بين النهي عن العجز وطلبه.

قلت: أتعني أن الذلة محرمة مع الخلق واجبة مع الله.

قال: لا أقول مثل هذه التعبيرات، فهذه تعبيرات الفقهاء، ولكني أقول: المؤمن يذل نفسه لله، ولمن أمر الله.

قلت: أجل.. لقد تذكرت.. هناك من أمرنا بالتذلل لهم، كما قال تعالى في الأمر بالتذلل للوالدين:{ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}(الاسراء:24)

قال: ومع ذلك، فإن التذلل إلى الله يحمل كل معاني العزة.

قلت: كيف؟

قال: لأن التذلل إلى الله انتساب له، ومن انتسب إلى الله أعطاه الله من العزة ما يناطح السحاب.

قلت: ولكن.. يا معلم، هذه حقيقة..  ولكن قومي يكادون يأبون عليها.

قال: وما يقولون؟

قلت: فيهم من يبالغون في المظاهر من لباس ومراكب وبنيان بحجة التعزز بها لنصرة دين لله، حتى أن بعضهم قال:( لو جاء صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الزمان للبس بذلة عصرية، وامتلك سيارة مرسيدس.. )

قال: وما مرسيدس؟

قلت: سيارة فخمة، لا يملتكها إلا الكبار.

قال: فقد أخطأ من قال هذا، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعظم شأنا من أن نتكلم عنه بهذا الأسلوب، فمن نحن حتى نملي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يفعل؟

ثم التفت إلي، وقال: ألم يقرأوا كيف كانت حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

قلت: بلى، ولكنهم يقولون: ذلك واقع، وهذا واقع، وأحكام الدين تتغير بتغير الواقع.

قال: أي واقع هذا؟ أتنسخون الدين بالواقع؟.. لقد كان في عهده صلى الله عليه وآله وسلم من أنواع الترف ما كان، ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم آثر الحياة التي عاشها على كل ذلك الترف، مؤثرا حياة العبودية.

قلت: بلى، وقد رويت النصوص الكثيرة المؤيدة لهذا.

قال: فحذر قومك من سراديب الاعتراض على النصوص وتأويلها والفرار من مستلزماتها.. فإن الأديان ما حرفت إلا بالاعتراض.

قلت: فكيف أمد يدي بلسان المسكنة؟

قال: بالكيفية التي علمنا صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان يلجأ إلى الله مطأطئ الرأس متواضعا بين يدي الله.


([1]) )  أحمد وأبو داود.

([2]) )  الإحياء: 3/6.

([3]) البخاري والنسائي.

([4]) )  الترمذي وقال: حديث حسن.

([5]) )  ابن جرير.

([6]) )  مسلم.

([7]) )  البخاري ومسلم.

([8]) )  البيهقي ن ابن عمرو.

([9]) )  فقه السيرة للغزالي.

([10]) )  الإحياء: 3/6.

([11]) )  الإحياء: 3/283.

([12])   رواه مسلم.

([13]) )  أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (3/126) وقال: رواه الطبراني في الكبير .. ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن.

([14])   رواه ابن حبان.

([15]) )  البخاري في الأدب والترمذي وابن حبان.

([16]) )  البخاري.

([17]) )  الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

([18]) )  مسلم.

([19]) )  المقصد الأسنى.

([20]) )  مسلم.

([21]) )  البخاري ومسلم.

([22]) )  أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم.

([23])  رواه البزار .

([24]) )  الطبراني في الكبير.

([25]) )  البخاري ومسلم.

([26]) )  مسلم.

([27])   رواه مسلم.

([28]) )  النسائي.

([29]) )  الحاكم وقال صحيح ووافقه الذهبي.

([30]) )  مثل ابن الجوزي.

([31]) )  ابن ماجه.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *