ثالثا ـ حصن الاستعانة

ثالثا ـ حصن الاستعانة

ذهبنا إلى الحصن الثالث من حصون الروح، وهو حصن (الاستعانة بالله)، وقد كتب على بابه بحروف من نور: { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة:5)

قلت للمعلم: لم كانت الاستعانة بالله تالية لحسن الظن بالله؟

قال: أول نتيجة للمعرفة بالله هي حسن الظن به والثقة فيه، وهما مفتاح الأمل الذي يجعل القلب متوجها لله طالبا غوثه مستمدا عونه.. فمن ثمرات حسن الظن بالله الاستعانة به، كما أن من ثمرات سوء الظن بالله عدم الالتفات إليه.

ولهذا عقب الله تعالى العبادة بالاستعانة في سورة الفاتحة، فقال:{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة:5)، فمن عبد الله كما أمر لا بد أن يصل إلى نصيبه من المعرفة الذي يضعه في عبودية الاستعانة بالله.

قلت: فما ثمرة الاستعانة بالله؟

قال: القوة التي تتحدى كل الصعاب، وتنفرج لها كل الكروب، أرأيت لو استعنت بأقوياء قومك على بناء بيتك.. ألا تبنيه؟

قلت: بل أبنيه.. وأبني قصورا معه.. فلا قوة كقوة الاستعانة.

قال: هذا أثر الاستعانة بالبشر، وبجهد البشر، فكيف بالاستعانة بالله الذي يملك الكل؟

قلت: فما يحقق هذه الاستعانة بالله؟

قال: الإيمان بالله، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي يبين فيه أسس القوة التي يتمتع بها المؤمن، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فان لو تفتح عمل الشيطان)([1])

قلت: فما حدود القوة التي أحققها بالاستعانة؟

قال: لا حدود لهذه القوة، فكل ما يخطر ببالك قليل بالنسبة للحقيقة.. ألم يواجه الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ الانحراف بجميع أشكاله، مستعينين بقوة الله !؟.. ألم تسمع قوله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في لحظة من اللحظات الحرجة التي مر بها:{ إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:40) 

وقوله عن موسى u وهو بين عدو يتربص به، وبين بحر يحول بينه وبين الفرار:{ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} (الشعراء:62)

وقول موسى u لقومه من الجبناء:{ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (لأعراف:128)

قلت: فما مكامن القوة في الاستعانة بالله؟

قال: لا تكمن قوة الاستعانة بالله في المدد الذي يحصل ثمرة لها فقط، وإنما قوتها في نفس الاستعانة بما تحدثه من أمل في القلب، وانشراح في الصدر، وابتسامة للأنين.

بينما أنا كذلك إذ رأيت طبيبا يظهر عليه من خلال مظهره، ومن خلال صعوبة نطقه بالعربية أنه أعجمي، فسألت المعلم عنه، فقال: هذا طبيب من قومك([2]).

قلت: وما الذي حضر به إلى هنا؟

قال: هو أستاذ زائر بهذا القسم.. ألا تعرف الأستاذ الزائر؟

قلت: بلى.. فجامعاتنا تفعل هذا.. حيث تستقدم بعض الأساتذة ليحاضروا في جامعاتها مدة، ثم يعودون إلى مراكز عملهم الأصلية.

قال: فهذا الطبيب كان يتصور العلاج عملية رياضية محضة، تكفي فيها المواد الكيميائية، ولا علاقة لها بالحالة النفسية أو التوجه الإيماني([3])، ولكنه تحول بعد ذلك ليقر بدور الإيمان والاستعانة بالله في الشفاء، فلهذا استقدمته إدارة المستشفى ليدلي بشهادته هنا.. فهلم نقترب لنسمع ما يقول.

تقدمنا، فسمعته يقول: لقد درست ـ عندما كنت أتعلم الطب ـ أحد المبادىء المادية الأساسية التي تفسر ما يحدث من تغيرات داخل الجسم عندما يصيبها عطب أو تلف، تفسيراً مادياً صرفاً، كما فحصت قطاعات مجهرية لهذه الأنسجة، وتبينت أن الظروف المناسبة تعينها على أن تلتئم بسرعة وتتقدم نحو الشفاء، وعندما اشتغلت جراحاً في أحد المستشفيات بعد ذلك، كنت أستخدم المبدأ السابق استخداما يتسم بالثقة فيه والاطمئنان إليه. ولم يكن علىّ إلا أن أهيئ الظروف المادية والطبية المناسبة، ثم أدع الجرح يلتئم، وكلي ثقة بالنتيجة المرتقبة.

قلت: هذه هي المعرفة التي يؤمن بها أكثر الأطباء، ويكتفون بها.

قال المعلم: ولكن هذا الطبيب انتقل إلى مرحلة أخرى، سار من خلالها نحو الإيمان، فاسمع لما يقول.

قال الطبيب: ولكنني لم ألبث غير قليل حتى اكتشفت أنني قد فاتني أن أُضِّمن علاجي وأفكاري الطبية أهم العناصر وأبعدها أثراً في إتمام الشفاء ألا وهو الاستعانة بالله.

قلت: فهل ذكرت لنا سر تحولك هذا؟

قال: سأذكر مثالا على التجارب التي مرر بها، والتي جعلتني أتحول إلى هذه القناعة.. عندما كنت أعمل جراحاً في أحد المستشفيات، جاءتني ذات يوم جدة  جاوزت السبعين تشكو من شدخ في عظام ردفها،  وبعد أن وضعت فترة تحت العلاج أدركت من فحص سلسلة الصور التي أخذت لها على فترات تحت الأشعة أنها تتقدم بسرعة عجيبة نحو الشفاء، ولم تمض أيام قليلة حتى تقدمت إليها مهنئاً بما تم لها من شفاء نادر عجيب، عندئذ استطاعت السيدة أن تتحرك فوق المقعد ذي العجلات،  ثم سارت وحدها متوكئة على عصاها، وقررنا أن تخرج تلك السيدة في مدى أربع وعشرين ساعة وتذهب إلى بيتها، فلم يعد بها حاجة إلى البقاء في المستشفى.

وكان صباح اليوم التالي هو الأحد، وقد عادتها ابنتها في زيارة الأحد المعتادة حيث أخبرتها أنها تستطيع أن تأخذها والدتها في الصباح إلى المنزل لأنها تستطيع الآن أن تسير متوكئة على عصاها.

ولم تذكر لي ابتنها شيئاً مما جال في خاطرها، ولكنها انتحت بأمها جانباً وأخبرتها أنها قد قررت بالاتفاق مع زوجها أن يأخذا الأم إلى أحد ملاجيء العجزة لأنهما لا يستطيعان أن يأخذاها إلى المنزل.

ولم تكد تنقضي بضع ساعات على ذلك حتى استدعيت على عجل لإسعاف السيدة العجوز، ويا لهول ما رأيت.. لقد كانت المرأة تحتضر، ولم تمض ساعات  قليلة حتى أسلمت الروح.

إنها لم تمت من كسر في عظام ردفها، ولكنها ماتت من انكسار في قلبها، لقد حاولت دون جدوى أن أقدم لها أقصى ما يمكن من وسائل الإسعاف، وضاعت كل الجهود سدى.

لقد شفيت من مرضها بسهولة، ولكن قلبها الكسير لم يمكن شفاؤه برغم ما كانت قد تناولته في أثناء العلاج من الفيتامينات والعقاقير المقوية وما تهيأ لها من أسباب الراحة، ومن الاحتياجات التي كانت تتخذ لتعينها على المرض وتعجل لها الشفاء.. لقد التأمت عظامها المكسورة التئاماً تاماً ومع ذلك فإنها ماتت.

صحت: لماذا؟

نظر إلي، وقال: إن أهم عامل في شفائها لم يكن الفيتامينات ولا العقاقير ولا التئام العظام، ولكنه كان الأمل، وعندما ضاع الأمل تعذر الشفاء.

قلت: فما نواحي الأمل التي غابت عن ذهن هذه العجوز في تصورك كطبيب؟

قال: أثرت هذه الحاثة في نفسي تأثيراً عميقاً، وقلت في نفسي: لو أن هذه السيدة وضعت أملها في الله ما ضيعها وما انهارت ولما حدث لها ما حدث.. وبرغم أنني كنت أومن بالله خالق كل شيء بحكم اشتغالي بالعلوم الطبية، فإنني كنت أفضل بين معلوماتي الطبية والمادية، وبين اعتقادي في وجود الله كما لو لم تكن هنالك صلة بين هذين الأمرين.

قلت: فقد وصلت إذن إلى ضرورة الإيمان للشفاء والعافية والسعادة؟

قال: لقد أيقنت أن العلاج الحقيقي لابد أن يشمل الروح والجسم معاً وفي وقت واحد، وأدركت أن من واجبي أن أطبق معلوماتي الطبية والجراحية إلى جانب إيماني بالله وعلمي به، ولقد أقمت كلتا الناحيتين على أساس قويم.. بهذه الطريقة وحدها استطعت أن أقدم لمرضاي العلاج الكامل الذي يحتاجون إليه.. ولقد وجدت بعد تدبر عميق أن معلوماتي الطبية وعقيدتي في الله هما الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه الفلسفة الطبية الحديثة.

قلت: أهذه قناعتك وحدك؟.. أم ترى من زملائك من اقتنع بهذه القانعة؟

قال: الواقع أن النتيجة التي وصلت إليها تتفق كل الاتفاق مع النظرية الطبية الحديثة عن أهمية العنصر السيكولوجي في العلاج الحديث، فقد دلت الإحصائيات الدقيقة على أن 80 بالمائة  من المرضى بشتى الأمراض في جميع المدن الأمريكية الكبرى ترجع أمراضهم إلى حد كبير إلى مسببات نفسية، ونصف هذه النسبة من الأشخاص الذين ليس لديهم مرض عضوي في أية صورة من الصور.. وليس معنى ذلك أن هذه الأمراض مجرد أوهام خيالية حقيقة، وليست أسبابها خيالية ولكنها موجودة فعلاً ويمكن الوصول إليها عندما يستخدم الطبيب المعالج بصيرته بها.

***

قلت للمعلم: هاهو الطب بدأ يسلم وجهه إلى الله، ويرتفع عنه ذلك الغرور الذي أصابه بعد اكتشافه لأسباب العلل، وكيفية علاجها.

قال: وسيرى من آيات الله ما يحمله إلى الله حملا.. ويوشك لو امتد بك العمر أن ترى المستشفيات مساجد يعبد فيها الله، ويذكر فيها بالله، لا تختلف عن سائر المساجد.

قلت: أرى بابان مقابلان.. إلى أين يؤديان؟

قال: إلى ركنين عظيمين من أركان الاستعانة.

قلت: ما أولهما؟

قال: التضرع إلى الله ودعاؤه وطلب مدده وعونه، وهو الذي يقصد بالاستعانة عند الإطلاق.

قلت: وما الثاني؟

قال: العمل الصالح، فالله تعالى يمد بعونه من أطاعه، كما يحرم منه من عصاه، وقد ورد في الحديث القدسي: (يقول الله تعالى: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين)([4])

قلت: فكيف يكون العمل الصالح ركنا من أركان الاستعانة؟

قال: ألا تمد بالعون من استغاث بك طالبا النجدة؟

قلت: بلى.. وهذا هو الركن الأول.. وسؤالي عن الركن الثاني.

قال: ألا تمد بالعون من نطق لسان حاله بالحاجة مع صلاحه وعفافه؟

قلت: لم أفهم هذا.

قال: إذا سألك مسكين ألا تعطيه؟

قلت: بلى.. وهذا هو الركن الأول.

قال: فإذا رأيت فقيرا طيبا عفيفا استحيا من مد يده.. ألا تعطيه؟

قلت: بل أقدمه على السائل.

قال: لم؟

قلت: الله تعالى هو الذي أمرنا بذلك، فقد قال تعالى:{ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (البقرة:273)

قال: فكذلك من عرف بسيما الصلاح كان الله في عونه، سأل، أو لم يسأل.

الدعاء

اقتربنا من الباب الأول من أبواب الاستعانة بالله، وقد كتب عليه بحروف من نور قوله تعالى:{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } (البقرة:186)

فقال لي المعلم: أول مفتاح من مفاتيح الاستعانة بالله هو الدعاء، فبه تطرق أبواب الجود، وتمد أيدي العون، وترسل أمداد الإغاثة.

قلت: ما سر أمر الله لنا بالدعاء، مع كونه لا يتضمن إلا مصالحنا، وهي من الفطرية بحيث لا تحتاج إلى الإلحاح في طلبها؟

قال: هذا سر من أسرار كرم الله.. فالكريم ليس من أعطاك بعد أن تسأله، وإنما الكريم هو الذي يسألك أن تسأله.

قلت: كيف؟

قال: لأنك إذا اضطررت إلى سؤال من لم يطلب منك أن تسأله قد يشق عليك السؤال خوفا من الرد.. ولكنه إن فتح لك المجال بطلبه حل عقدة لسانك بالسؤال.

قلت: لهذا ـ إذن ـ كان من رحمة الله ودلائل فضله أنه يحثنا على دعائه وطلب الحاجات منه، واعدا إجابة من دعاه وتحقيق سؤله، قال تعالى:{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } (غافر:60)

قال: ليس ذلك فقط، بل اعتبر عدم رفع الأيدي بالدعاء نوعا من أنواع الكبر، فقال تعالى تتمة للآية التي ذكرتها:{ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر:60)

قلت: لم كان عدم رفع الدعاء كبرا؟

قال: لأنه ناتج عن إعظام النفس لنفسها، فلم تر الله كفؤا لتسأله حاجاتها.

قلت: أتتجرأ النفوس على هذا؟

قال: وكيف لا تتجرأ.. والكبر ابن إبليس.. ألم يكن في وسع إبليس أن يقول ما قال آدم u طالبا مغفرة الله؟

قلت: بلى..

قال: فما الذي منعه من ذلك.. متحملا غضب الله في سبيل ذلك؟

قلت: الكبر الكاذب الذي امتلأت به نفسه.

قال: فهكذا من يرث من إبليس كبره.

قلت: لقد أدركت الآن سر قول الشاعر الصالح:

لا تسألنَّ بُنيَّ آدم حاجة

     ولإضافة شطر

  وسل الذي أبوابه لا تُحجَبُ
الله يغضب إن تركت سؤالَهُ

  وبُنَيُّ آدم حين يُسأل يغضبُ

 قال: أجل.. فترك الدعاء نوع من أنواع الكبر، أو درك من دركات الغفلة، وكلاهما موجب لغضب الله.

***

سمعت صوتا في القاعة يردد بصوت جميل: ورد في بعض الكتب الإلهية أن الله تعالى يقول: (وعزتي وجلالي لأقطعن أمل كل مؤمل غيري باليأس، ولألبسنه ثوب المذلة عند الناس، ولأخيبنه من قربي، ولأبعدنه من وصلي، ولأجعلنه متفكرا حيران يؤمل غيري في الشدائد، والشدائد بيدي، وأنا الحي القيوم، ويرجو غيري، ويطرق بالفكر أبواب غيري، وبيدي مفاتيح الأبواب، وهي مغلقة، وبابي مفتوح لمن دعاني)

قلت للمعلم: ما هذا؟.. أيتلى غير القرآن الكريم؟

قال: معناه موجود في القرآن الكريم، ألم يقل الله تعالى موبخا المتكبرين الذين أصابهم ببلائه ليرفعوا أيديهم إليه طالبين نجدته، ولكن كبرهم حال بينهم وبين ذلك:{ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ((المؤمنون:76)

بل بين تعالى أن غاية البلاء المرسل على الخلق هو دعوتهم إلى طرق أبواب الله، والاستمداد من فضله، ليكون ذلك سببا لاتصالهم بالله وعبوديتهم له، فقال تعالى:{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام:42 ـ43)، أي هلا إذ جاءهم بأس الله ورأوه في الدنيا تضرعوا ورجعوا إلى الله سبحانه وتعالى، فعلموا أنه ربهم وإلههم ومولاهم، وأنه كما أنه قادر على نفعهم قادر على ضرهم، فاستفادوا من ذلك بالعودة إلى الله، وطاعة رسله..

***

جاءني رجل.. وكأنه يعرفني، فقال: ولكن..

قلت له: ولكن ماذا؟

قال: مع أهمية الدعاء وتأثيره الفاعل في تحقيق المطالب، وفي بث السكينة في النفوس المضطربة، إلا أن وحي الشيطان لا يزال يتسرب إليك ـ أيها المتألم لدائك ـ لينفخ فيك داء اليأس القاتل، ويبعدك عن جوار ربك القوي إلى جوار نفسك القاصرة.

قلت  ـ وقد تصبب مني العرق حياء ـ: أجل، وأستغفر الله.. فما المخرج؟

قال: لقد توصل أطباء هذا المستشفى  ـ انطلاقا من القرآن الكريم ـ إلى وضع أربعة أدوية تعالج الأوهام التي يبني بها الشيطان الأبراج التي تحول بينك وبين الاستمداد من ربك.

قلت: أأنا الآن مريض بأربعة علل؟

قال: كل من رأى يده قاصرة عن الدعاء، أو لسانه خافتا بالطلب، فهو مريض بأحد أوهام أربعة.

قلت: فما الأول؟

قال: وهم الضعف الذي يقول لك: (اعمل وراع الأسباب، فالكون كله أسباب، لا مكان فيه للخوارق)

قلت: فما الوهم الثاني؟

قال: وهم المعارضة الذي يقول لك: (من أنت حتى تعارض مقادير ربك، فقد جف القلم بما كان، ولن يؤخر دعاؤك، ولن يقدم)

قلت: فما الوهم الثالث؟

قال: وهم النقص الذي يقول لك: (الدعاء سلوى القاصرين، أما الكمل، فليس لهم خيار مع ربهم، ولا يريدون إلا ما أراد:

وليس لي في سواك حظ                   فكيفما شئت فاختبرني)

قلت: فما الوهم الرابع؟

قال: وهم اليأس الذي يقول لك: (كل الناس يرفعون أيديهم، ولكن كل أيديهم ترجع صفرا.. فالتمس لك أسبابا أخرى)

قلت: هذه الأمراض، فأين الأدوية؟

قال: فبأي الأمراض أصبت أنت حتى أدلك على موضع الدواء.

قلت: لعلي مريض بجميعها.. لا أدري.

قال: فسر إلى هذه العيادات الأربع بصحبة معلمك، ففيها أدوية الأوهام الأربع.

وهم الضعف:

سرنا إلى القاعة التي يعالج فيها وهم الضعف، فقرأت على بابه مكتوبا: (هذا وهم ينفخه الشيطان في النفوس التي تتصور الكون بصورة معادلات رياضية، تتحكم في الله، ولا يتحكم الله فيها، فلذلك قد تنكر الخوارق، أو لا تنسبها إلا للأنبياء والصديقين، أما من عداهم فهم تحت رحمة القوانين حلوة كانت أو مرة، والتعامل معها ينبغي أن يكون بالسعي والاجتهاد لا بالسؤال والتواكل)

قلت للمعلم: إن هذا الكلام يحتوي على بعض الحق على الأقل، فالله تعالى قدر للكون مقادير ثابتة ووضعه بنظام دقيق، كما قال تعالى:{ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر:49)

وأخبر أن ما ينزل من فضله ينزل بمقادير محددة، فقال تعالى:{ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} (الحجر:21)

بل أخبر أن الغيث النازل نازل بمقادير دقيقة محددة، فقال تعالى:{ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} (الزخرف:11)

قال: ولكن مع ذلك، فإن الله تعالى رب القوانين، وهو الذي يتحكم فيها، وليست هي التي تتحكم فيه، ولذلك من الخطأ اعتقاد عدم ربوبية الله على القوانين، والله هو رب كل شيء.. أرأيتم لو أن أحدكم وضع نظاما من أنظمة هذا الجهاز الذي تدمنون على الجلوس بجانبه.

قلت: الحاسب الآلي..

قال: أجل.. فهل يمكن له أن يضع له من الاختيارات والخصائص ما يشاء.. ثم يغيرها كما يشاء؟

قلت: مثل ماذا؟

قال: بأن يغير نوع الخط مثلا أو لونه، أو يضع صورا بدل صور أخرى.

قلت: ذلك بإمكانه.. بل بإمكانه أشياء أخرى كثيرة.

قال: فلو أن أحدا من مستعملي برنامجه تعود على لون معين.. فتصور أن ذلك اللون هو اللون الوحيد لذلك النظام.

قلت: هذا إما جاهل أو مكابر.. ومن البساطة الرد على دعواه.

قال: كيف؟

قلت: نتصل بمصم النظام ليضع له واجهة أخرى تفند رأيه ومذهبه.

قال: فهذا الاتصال هو الدعاء.. والله هو واضع قوانين الخلق وبرامجهم.

قلت: ولكن.. كيف نرد على من يعتبر الدعاء نوعا من التواكل والقعود؟

قال: لا.. الدعاء نوع من الاستعانة بالله، وهو لما يحدثه في النفس من الأمل قوة فاعلة لها تأثيرها الإيجابي في الخروج من الأزمات.. واسمع لما يقول الشهود.

قلت: أهنا شهود أيضا؟

قال: الشهود في كل مكان..

رأيت أعجميا يقول بعربية مختلطة بعجمة: (الدعاء ـ إضافة إلى قدرته في بث الطمأنينة في النفس ـ يؤدي إلى نوع من النشاط الدماغي في الإِنسان، وإلى نوع من الانشراح، والانبساط الباطني وأحياناً إلى تصعيد روح البطولة والشجاعة فيه. الدعاء يتجلى بخصائص مشخصة فريدة.. صفاء النظرة، وقوة الشخصية، والانشراح والسرور، والثقة بالنفس، والاستعداد للهداية، واستقبال الحوادث بصدر رحب، كل هذه مظاهر لكنز عظيم دفين في نفوسنا، وانطلاقاً من هذه القوّة يستطيع حتى الأفراد المتخلفون أن يستثمروا طاقاتهم العقلية والأخلاقية بشكل أفضل، وأكثر)([5])

سرنا قليلا، فرأينا أعجميا آخر يقول بعربية مختلطة بعجمة: (حينما ندعو فإننا نربط أنفسنا بقوة لا متناهية تربط جميع الكائنات مع بعضها.. إنّ أحدث العلوم الإِنسانية ـ أعني علم النفس ـ يعلّمنا نفس تعاليم الأنبياء، لماذا؟ لأن الأطباء النفسانيين أدركوا أن الدعاء والصلاة والإِيمان القوي بالدين يزيل عوامل القلق والاضطراب والخوف والهيجان الباعثة على أكثر أمراضنا)([6])

قلت: فالدعاء إذن عامل قوة لا عامل الضعف.

قال المعلم: الضعيف المؤمن بالله المتوكل عليه قد يتوجه للأعمال العظيمة، ويقوم بها خير قيام، لأنه لم يقم بها بذاته، بل قام بها بمعونة الله، وبمدده وفضله.. بينما القوي ـ الذي يتصور نفسه قويا ـ قد يقف أمام أبسط الأمور، لأن المعادلات التي رسمها له شيطان الأسباب لا تسمح له بالإقدام.

بينما نحن كذلك دخل طبيب بمئزره الطبي، فرنت له العيون، فقلت للمعلم: من هذا؟

قال: هذا الطبيب مختص بذكر النماذج التي تحطم أوهام المختبئين تحت عباءة الأسباب والقوانين الغافلين عن رؤية مسبب الأسباب.

قلت: فهو عالم بالرجال إذن.

قال: عالم بالأولياء.. لا بكل الرجال.. فأصخ سمعك إليه.

قال: أما النموذج الأول، فهو موسى u عندما وقع في الحصار، البحر أمامه، والعدو من ورائه، حينذاك قال الغافلون من قومه: (أين المفر؟ { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} (الشعراء:61)

ولكن موسى u قال بثقة المؤمن:{ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ((الشعراء:62)

وعندما قالها انخرمت قوانين السيولة في البحر، واستسلم البحر لربه، وتحول إلى طريق يبس سار فيه موسى u ومن معه.

صاح المرضى: الله ! الله !

وصحت معهم بلا شعور: الله ! الله ! لقد كان الدعاء هو مدد موسى u، وهو مصدر قوته، كما أن الاعتماد على الأسباب هو سبب ضعف قومه المخذولين.

قال الطبيب: والنموذج الثاني، مع موسى u أيضا، وهو موقف قومه من أمر موسى u لهم بدخول الأرض المقدسة، قال لهم باعتباره الزعيم الذي أنقذهم من بطش فرعون، وباعتباره محل ثقتهم، فالخوارق يرونها أمامهم كما نرى القوانين العادية:{ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} (المائدة:21)

لكنهم غفلوا عن قدرة الله التي شقت البحر لتنقذهم، وواجهوا هذا الأمر الإلهي ـ كما واجهوا غيره ـ بتخاذلهم، قالوا:{  يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} (المائدة:22)

ولكن رجلين صالحين قويين منهم دلوهم على الطريق الذي يدخلون به إلى هؤلاء القوم، قال تعالى واصفا هذا الموقف:{ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (المائدة:23)

فقد دلوهم على أمرين:

مراعاة الأسباب: بالدخول عليهم من الباب.

مراعاة قدرة الله: بالتوكل عليه والاستعانة به.

لكن هؤلاء أبوا إلا النظر إلى قوتهم وحدها وأسبابهم وحدها، فقالوا، وبإصرار عظيم: {يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة:24)

حينذاك لم يجد موسى u حلا إلا الفرار إلى ربه، فقال:{ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} (المائدة:25)

واستجاب له ربه كما عوده، وطمأنه، قال تعالى:{ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} (المائدة:26)

صاح المرضى: الله ! الله !

وصحت معهم بلا شعور: الله ! الله !

قلت للمعلم: إن حياة موسى u في القرآن الكريم مثال عظيم على التوجه إلى الله في جميع الساعات: ساعات الشدة، وساعات الرخاء.

قال: أجل.. فإنه بعد أن قتل نفسا، وهو الذي يملك شفافية الإيمان وحساسيته، لم ينهد كيانه، ولم تخر قواه، بل قال متوجها لربه:{ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي } (القصص:16)، وما إن قالها حتى غفر له، بل نجاه من الغم الذي يصيب المؤمنين بعد وقوعهم في الخطأ، قال تعالى يذكر فضله عليه:{  وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ } (طـه:40)

وحينذاك لم ينس الله الذي أجاب دعاءه، بل توجه إليه بقلبه الرقيق شاكرا: { رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} (القصص:17)

وعندما جاءه الرجل يسعى محذرا قائلا:{ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ }(القصص:20)، قدم موسى الأسباب وهو ملتجئ لرب الأسباب، قال تعالى:{ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}(القصص: 21)

أما الأسباب فخروجه خائفا مترقبا محتاطا متخذا كل الأسباب المادية، أما لجوؤه لرب الأسباب، فهو دعاؤه الله بأن ينجيه من القوم الظالمين، وهو يؤمل في فضله:{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} (القصص:22)

وعندما ورد ماء مدين، ولم يكن الوقت كافيا لأي عمل يمكن أن يكسب منه قوته توجه إلى ربه ـ كما يتوجه الصغير إلى والديه ـ قائلا:{  رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (القصص:24)

وفي تلك اللحظة جاءه المدد الإلهي الذي لم يتخلف عنه لحظة من اللحظات.

قلت: إن من قومي من يقرأون هذه الأحداث التي يقصها القرآن الكريم كما يقرأون ألف ليلة وليلة، وهم يملأونها بالأساطير فوق ذلك.

قال: لا.. هذا تحريف خطير.. إن القرآن الكريم لا يرسم هذه الصور، ولا يعيد الحياة في هذه الأحداث إلا ليزيل عنكم الأوهام التي تحول بينكم وبين ربكم متلبسة ثياب العلم والحكمة.. فلا تتخذوا آيات الله هزؤا..

قلت: أهذا من ذاك؟

قال: بل هو أخطر من ذاك.. فالمستهزئ قد يتوب، أما هؤلاء فتشغلهم غفلتهم وما زين لهم عن مد أيديهم لله بالتوبة.

وهم المعارضة:

سرنا إلى القاعة التي يعالج فيها وهم المعارضة، فقرأت على بابها مكتوبا: (هذا وهم ناشئ عن سوء الفهم للقدر، ولعلاقة الله بعباده، وعنه تنشأ أوهام كثيرة تصور الله صورا لا تليق بجلاله وجماله ورحمته وحكمته)

قلت للمعلم: فسنبحث في هذا الباب إذن مسألة القدر.

قال: لا.. ليس بتفاصيلها.. فلذلك رحلة خاصة ودرس خاص نعرفه عندما نبحث في (أسرار الأقدار)

قلت: والآن.. وفي هذه القاعة؟

قال: سنعرف عدم التعارض بين الدعاء والقدر.

قلت: فما أول علاج نستفيده لعلاج هذا الوهم؟

قال: أول ما نستضيء به لدفع هذا الوهم هو التسليم لله واعتقاد عجزنا عن فهم حقائق الكون.

قلت: لا أرى الوهم يزال إلا بالعلم، فكيف تدلنا على التسليم الذي يبقي الجهل راسبا في محله؟

قال: ألستم تستفيدون من الكهرباء؟

قلت: لو انقطعت الكهرباء على البشرية يوما واحدا لأصبحت الأرض غير الأرض.

قال: فكم من الخلق يعرفون أسرارها؟

قلت: أفراد معدودون اختصوا في هذا الجانب.. ومع ذلك.. فإنهم كل يوم يكتشفون أشياء جديدة، ويصححون معلومات كانت خاطئة.

قال: فإذا سلمتم لهؤلاء، فلم لا تسلمون لله الذي خلق كل شيء وقدر كل شيء.

قلت: ما نسلم؟

قال: ما يتوهمه الغافلون تناقضا.

قلت: كيف ذلك؟

قال: الله تعالى أخبرنا بأنه قدر مقادير كل شيء، ودعانا في نفس الوقت أن ندعوه، ووعدنا بإجابة دعواتنا.

قلت: هذا صحيح، وليس في ذلك أي تناقض.

قال: لا.. الغافلون اعتبروا هذا تناقضا، فقالوا: كيف يجيب دعواتكم، وقد قدر المقادير وانتهى منها، وما سجل سيكون([7]

قلت: ألم ينتبهوا إلى أن الذي أخبر عن قدره هو الذي أمر بدعائه؟

قال: هم يأخذون ببعض الكتاب، ويهجرون بعضه.

قلت: والمؤمنون المسلمون لله؟

قال: لا يسألون هذا السؤال، بل لا يخطر ببالهم، كما لا يخطر ببال كل الناس ما يقوله الطبيب أو المهندس ما داما يتكلمان انطلاقا من خبرتهما واختصاصهما.

قلت: ألهذا إذن يخبر صلى الله عليه وآله وسلم بأن البلاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يغنى حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان الى يوم القيامة)([8])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( لا يرد القدر الا الدعاء، ولا يزيد في العمر الا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)([9])

قال: أجل ليكون ذلك زادا للمؤمنين المسلمين لله، ويكون علاجا نافعا للغافلين المتوهمين.

قلت: فما البذرة التي أنبتت هذا الوهم؟

قال: كيف وأخواتها.

قلت: لم أفهم قصدك.

قال: هو سؤالهم عن الكيفية، وهي تعني البحث عن أمور لا طاقة للعقل بفهمها أو للخيال بتصورها، فلذلك كان الكمال في التسليم للخبير لا معارضته.

قلت: ولكن هؤلاء يقعون في خطأ عظيم، فهم يمارسون في حياتهم العادية خلاف ما يقتضيه تصورهم لمسألة الدعاء.

قال: أجل.. فهم يأكلون إذا جاعوا، ويشربون إذا عطشوا، ويتداوون إذا مرضوا، ولا يقول أحد منهم: إن ذلك معارضة للمقادير، ولو شئنا لقلنا لهم: لماذا تفرون من الموت بأسباب الحياة التي تتفننون في الحرص عليها، ألا تعارضون بذلك المقادير التي حددت آجالكم؟

قلت: فالدعاء سبب من الأسباب، لا يختلف عن سائر الأسباب التي يمارسها كل البشر في جميع الأحوال.

قال: أجل.. هكذا أخبرت النصوص.

رأيت رجلا في تلك القاعة، قد التف حوله جمع من المرضى، سألت المعلم عنه، فقال: هذا الغزالي، وهو ـ كما تعلم ـ من أطباء هذا المستشفى.

اقتربنا من الغزالي، فسمعته يقول بحماسة، وكأنه يرافع في محكمة من المحاكم ـ وهو يشير إلى بعض المرضى الجدد ـ: (فإن قلت: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له؟ فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء ووجود الرحمة، كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء ألا يحمل السلاح، وقد قال تعالى:{ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} (النساء:102)، فقدَّر الله تعالى الأمر وقدَّر أسبابه)([10])

قال المعلم: لقد تحقق هذا المعنى في منتهى كماله في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان يعطي لكل مقام حقه من العبودية، ولعل أدل مثال على ذلك ما وقع منه في غزوة بدر، فقد أراه الله مصارع المشركين حتى أنه أخذ يرها للصحابة،  ومع ذلك لم يكف صلى الله عليه وآله وسلم من الإلحاح على ربه في الدعاء، عن علي قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح.

وفي يوم المعركة نام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم استيقظ فزعا، وهو رافع يديه يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول: (اللهم إن تظهر على هذه العصابة يظهر الشرك ولا يقم لك دين)

قلت للمعلم: لكن بعض سالكي طريق المعرفة تأدبوا، فقالوا بشرعية الدعاء، ولكنهم قصروه على المعنى التعبدي المحض الذي يطلب به العبد مجرد الثواب من غير أن يكون له أي تأثير في تحقيق المطلوب.. فلا فرق عند هؤلاء بين الدعاء والامساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب.. بل إن ارتباط الدعاء عندهم بتحقيق المطلوب كارتباط السكوت، لا فرق بينهما.

قال: هذا الرأي يتناقض مع ما صرحت به النصوص من جعل الله تعالى الدعاء سببا في تحقيق المطالب، بل هو يتناقض أصلا مع تشريع الدعاء، بل يعتبر قوله تعالى:{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (غافر:60) قولا لا معنى له.. بل يعتبر كل ما ورد من النصوص الحاثة على الدعاء، والمخبرة عن إجابة الله تعالى دعاء الداعين وتضرع المتضرعين لا حقيقة لها.

قلت للمعلم: لقد ذهب بعضهم إلى اعتبار الدعاء علامة جعلها الله تعالى أمارة على قضاء الحاجة، فمتى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له على أن حاجته قد قضيت، وشبهوا ذلك بدلالة الغيم الأسود في الشتاء على أنه يمطر.

وعمموا هذا القول على جميع الطاعات والمعاصي، فهي أمارات محضة عندهم لوقوع الثواب والعقاب، لا أسباب حقيقية له.

بل عمموا ذلك في جميع ما يحدث في الكون من آثار، فكلها أمارت فالكسر مع الانكسار ليس سببا، بل لا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا مجرد الاقتران، لا التأثير السببي.

قال: فهل يمنع هذا القول الداعين من رفع أيديهم لله بالدعاء؟

قلت: لا..

قال: فلا حرج في هذا القول ما دام لا يمنعهم من رفع أيديهم إلى الله بالدعاء.

قلت: لقد أنكر بعضهم هذا القول، واشتدا في الإنكار، بل اعتبراهم مخالفين لـ (الحس والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء، بل أضحكوا عليهم العقلاء)([11])

قال: لا نرى صحة هذا الإنكار، بل نرى أن الاختلاف فيها مجرد اختلاف نظري لا مبرر له، ولا حاجة إليه، أو هو اختلاف تنوع، أو هو اختلاف في التفسير لا أثر له، فسواء قلنا بأن الدعاء أمارة أو سبب لا يختلف الأمر بالنسبة للداعي، ولا يقعده ذلك عن الدعاء.

قلت: ولكن القول بالسببية له تأثيره الخاص.

قال: لا.. بل إن القول بكون الدعاء أمارة قد يكون أكثر تأثيرا في الدعوة إلى استعمال الدعاء من القول بالسببية.

قلت: كيف هذا؟

قال: لأن الداعي إذا عرف أن الدعاء علامة على استجابة الله قد يجعله أكثر إقبالا عليه من اعتقاده سببا، فالسبب قد يقصر عن تحقيق المطلوب بخلاف جعله علامة..

قلت: لقد ذكرتني بشاعر اقتبس هذا المعنى، فأحسن، فقد قال:

لو لم ترد نيل ما أرجوه وأطلبه    من جود كفيك ما علمتنى الطلبا

قال: وهناك ناحية أخرى أهم من هذه.

قلت: وما هي؟

قال: هي الأثر الروحي الذي يتركه اعتقاد كون الدعاء أو العبادة أمارة لا سببا في حد ذاته.

قلت: أإلى هذه الناحية أشار العارفون عند حديثهم عن الدعاء، فقد نبه أبو  الحسن الشاذلي إلى الاشتغال بمناجاة الله قبل الاشتغال بتحقيق المطالب، فقال: (لا يكن همك في دعائك الظفر بقضاء حاجتك فتكون محجوباً، وليكن همك مناجاة مولاك)؟

وقال ابن عطاء الله: (لا يكن طلبك تسبباً إلى العطاء منه، فيقل فهمك عنه. وليكن طلبك لإظهار العبودية، وقياماً بحقوق الربوبية)؟

ثم علل كون الطلب لا يكون سبباً للعطاء بثلاث علل:

أما العلة الأولى، فعبر عنها بقوله: ( كيف يكون طلبك اللاحق سبباً في عطائه السابق؟)، فعطاء الله للعبد عطاء أزلي سابق، وهو السبب في العطاء الحادث، والسبب لا بد من تقدمه على المسبب، وهو كما  قال الواسطي: أقسام قسمت، وأحكام أجريت، كيف تستجلب بحركات أو تنال بسعايات؟

أما العلة الثانية، فعبر عنها بقوله: ( جل حكم الأزل أن ينضاف إلى العلل)، أي أن حكم الله يتنزه ويتقدس أن يؤثر فيه أي مؤثر.

أما العلة الثالثة، فعبر عنها بقوله: (عنايته فيك لا لشيء منك، وأين كنت حين واجهتك عنايته، وقابلتك رعايته؟ لم يكن في أزله إخلاص أعمال، ولا وجود أحوال. بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال، وعظيم النوال)

قال: هذا صحيح.. وهو لا يتناقض مع ما سبق ذكره، بل يكمله ويضفي على الدعاء من المعاني الجميلة والارتباط بالله ما يرفعه إلى مستويات عالية من العبودية.. فإن معرفة كون عناية الله الأزلية هي السبب في كل نعمة يشعر القلب بمحبة الله واصطفائه على الكثير من خلقه، وهو ما يجعله يعبد الله مستشعرا منته عليه، وإحسانه السابق إليه.

قلت: أهذا هو مقصود العارفين من ذكر التوحيد بجانب الدعاء؟

قال: أجل.. الدعاء سبب شرعي معتبر، ولكن الشرع الذي شرع الدعاء وبين تأثيره في قضاء الحوائج هو الذي بين سبق عناية الله بعبده، فيفنى العارف في الفضل السابق، وينشغل الغافل بالسبب اللاحق.

وهم النقص:

سرنا إلى القاعة التي يعالج فيها وهم النقص، فقرأت على بابها مكتوبا: (هذا الوهم ناشئ من سوء فهم لكلام الأولياء)([12])

قلت: ما هذا الوهم ـ يا معلم ـ؟

قال: هو ما كتب على الباب.

قلت: ولكنه لم يحدد الموضوع الذي أسيء فهمه.

قال: الأولياء والمقربون ربما تركوا الدعاء رضى بالقسمة الإلهية.

قلت: لقد عبر على موقفهم هذا ابن عطاء الله بقوله: (ربما دلهم الأدب على ترك الطلب؛ اعتماداً على قسمته؛ واشتغالاً بذكره عن مسألته)

قال: فهذه الحكمة لا تدل على تركهم الدعاء مطلقا، بل يدل على أنهم ربما تركوا الدعاء في بعض الأحيان لاشتغال بعبادة أو رضى بما قسم لهم.

قلت: ولكن مع ذلك.. أليس فيه مخالفة للنصوص، فإنها تحث على الدعاء مطلقا؟

قال: لا.. ليس الأمر بهذه الصورة، فإن ما ذكروه في هذا الباب صحيح لا مشاحة فيه، وقد ورد ما يؤيده من النصوص كقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)([13])

ألم نقل في بداية هذا القسم: إن الاستعانة بالله قد تتحقق بالسؤال، وقد تتحقق بالعمل الصالح؟

قلت: بلى، وقد ضربنا المثل على ذلك بالفقير المتسول، والمسكين المتعفف.. ولكن كيف نتعفف مع الله، وهو الذي أمرنا بالسؤال؟

قال: ليس الأمر كذلك.. بل إن الأمر لا يعدو مجرد رضا بقسمة الله، وانشغالا بطاعته.

قلت: ولكني قد قرأت للواسطي قولا يجعل العلة غير هذا.. فقد قال: (أخشى إن دعوت أن يقال لي: إن سألتنا مالك عندنا فقد اتهمتنا، وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد أسأت الثناء علينا، وإن رضيت أجرينا لك من الأمور ما قضينا لك في الدهور)

قال: هذا القول من الواسطي تعبير عن حالة وجدانية معينة، وليس تعبيرا عن مذهب أو فكرة كما قد يتصور.

قلت: ولكنه قد يكون معارضا للدعاء، أو يكاد يعتبره نقصا.

قال: لا.. سوء الفهم هو الذي جر إلى هذا المعنى.. لم يحتقر أحد من الأولياء ما عظمه الله، ولكن هذا تعبير عن أحوال معينة.

قلت: ولكن كلامه واضح.. فلماذا نتعسف في تأويله.. وهو ليس قرآنا حتى ندافع عنه.

قال: القرآن الكريم أعظم من أن يحتاج للدفاع عنه.. ولكنا ندافع عن الحقيقة التي أسيء فهمها.. فلا ينبغي أن نقول: أخطأت إلا لمن أخطأ.

قلت: فلماذا لا نقول لهذا: أخطأت؟

قال: ألم يمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمواقف كثيرة كان يكتفي فيها بتصاريف الأقدار عن الإلحاح في الدعاء.

قلت: بلى.. ويكفي من ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعصب الحجر على بطنه من الجوع.. ومع ذلك لم يسأل الله رغيفا واحدا.

قال: بل إن في القرآن الكريم ما قد يستدل به على هذا.

قلت: أين؟

قال: تأخر طلب أيوب تعالى وصبره تلك الفترة الطويلة، كما قال تعالى: {، وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ((الانبياء:83)

قلت: لقد روي أنه مكث في البلاء مدة طويلة ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له، كان يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم واللّه لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه اللّه فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل، حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب u: ما أدري ما تقول غير أن اللّه عزَّ وجلَّ يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران اللّه، فارجع إلى بيتي فأكفّر عنهما كراهية أن يذكرا اللّه إلا في حق)([14]

قال: والأصرح من ذلك تأخر دعاء نوح تعالى على قومه كل تلك السنين الطويلة.

قلت: أجل، فقد ذكر الله تعالى مدة ذلك، فقال:{ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً } (العنكبوت:14)

قال: ومن ذلك تأخر دعاء إبراهيم وزكريا ـ عليهما السلام ـ في طلب الولد إلى أن بلغا من العمر عتيا.

قلت: أجل، فقد ذكر الله تعالى تعالى عن زكريا u: { رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّا ً } (مريم:4 ـ5)

قال: فزكريا u مع علمه بأنه لم يكن بدعاء ربه شقيا، أي ولم يعهد من الله إلا الإجابة في الدعاء، إلا أنه لم يستعمل هذا السلاح إلا بعد أن اضطر إليه اضطرار.

قلت: فكيف نوفق بين هذا وذاك؟

قال: بأن يوضع كل شيء في محله.

قلت: كيف ذلك؟

قال: الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ دعوا الله في مواقف كثيرة، وتركوا الدعاء في مواضع أخرى اكتفاء بالله.. فالكمال في الجمع بين الأمرين.

قلت: ما ضوابط ذلك؟

قال: ليس لذلك ضوابط محددة، ولو كانت هناك ضوابط لما اختلف الناس في هذا الباب.

قلت: فالأمر يرجع إلام؟

قال: يرجع إلى الحالة الوجدانية.. أليس الدعاء علاقة وجدانية بين الله وعبده، فقد يدفع العبد أحيانا، وبدون شعور إلى أن يسأل الله أمرا معينا، فيسأل الله، وقد لا يشعر بذلك الدافع، فيكتفي بنظر الله.

وهم اليأس:

سرنا إلى القاعة التي يعالج فيها وهم اليأس، فقرأت على بابها مكتوبا: (هذا الوهم ناشئ عن علتين، إحداهما فطرية، والثانية مكتسبة)

العلة الفطرية:

قلت: فما الفطرية؟

قال: العجلة، ألم تسمع قوله تعالى:{ خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } (الانبياء:37)، وقوله تعالى:{ وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً} (الاسراء:11)

قلت: بلى.. فالاستعجال صفة فطرية في الإنسان باعتبار عمره القصير، وبسببها آثر العاجلة على الآجلة، والنقد على النسيئة، كما قال تعالى:{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً} (الاسراء:18)

وبسببها طلب المشركون العذاب ليتأكدوا من صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى:{ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } (العنكبوت:54)

قال: وقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذه العلة، واعتبرها حجابا بين العبد واستجابة ربه له، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يستجاب لأحدكم ما لم يَعجَل فيقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي) ([15])، فالله عز وجل لا يعجل بعجلة ابن آدم، ولكن لكل قضاء عنده موعد.

قلت: فما علاج هذه العلة؟

قال: هنا أربعة رقاة مختصون في علاج هذه العلة.

قلت: أيدخل لهذا المستشفى الجن أيضا؟

قال: الجن خلق من خلق الله، وفيهم الصالحون، فما الذي يمنع دخولهم؟

قلت: ويسكنون بني آدم.

ضحك، وقال: ولم يسكنونهم؟.. أضاقت عليهم الأرض حتى يسكنوا الإنسان؟.. ما مناسبة هذه الأسئلة؟

قلت: لقد ذكرت الرقاة.

قال: الرقاة هم الأطباء الذين يعالجون هذه العلل.. انظر لقد بدأوا في العلاج، فهلم نستمع إليهم.

قال الراقي الأول: أول ما يجرك من هذا الوهم هو تسليمك الأمر لله في تحقيق المطلوب أو عدم تحقيقه، لأن الله أعلم بمصالح العباد منهم بمصالح أنفسهم.

ويكون الإنسان في هذه الحالة كصبي صغير بين يدي والديه، يطلب منهما كل ما يلوح لبصره، وقد يكون في بعض ما يطلبه داؤه وضرره، فيمنعانه لا بخلا وشحا، وإنما حرصا ورحمة.

وهكذا، فقد يدعو الإنسان بما يتراءى له خيرا، غافلا عن الشر المنطوي في ذلك الخير، والذي أعمته العجلة عن تبصره، ولهذا قال تعالى:{ وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً} (الإسراء:11)

زيادة على ذلك، فإن الإنسان في مواقف الغفلة قد يدعو دون نظر لعواقب ما يدعو، ومما دعا به المشركون كما نص القرآن الكريم:{ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (لأنفال:32)

بل قد يدعو المؤمن في موقف من مواقف الغفلة أو الضجر، فيلعن نفسه وأهله وولده وماله، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم أن توافقوا من اللّه ساعة إجابة يستجيب فيها)([16])

وإلى هذا المعنى يشير العارفون ـ كما يعبر على لسانهم ابن عطاء الله ـ بقوله: (لا يكُنْ تَأخُّرُ أَمَد العَطاء مَعَ الإلْحاح في الدّعَاءِ موجبَاً ليأسِك؛ فهو ضَمِنَ لَكَ الإجابَةَ فيما يختارُهُ لكَ، لا فيما تختاره لنَفْسكَ وفي الوقْتِ الذي يريدُ، لا في الوقْت الذي تُريدُ)

وإلى ذلك أشار في الحكمة الأخرى بقوله: (ربما منعك فأعطاك وربما أعطاك فمنعك)

بل ذلك ما يدل عليه قوله تعالى:{ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:216)

قال الراقي الثاني: أما الرقية الثانية، فهي أن الدعاء قد يكون مجابا، ولكنه ينتظر الحين الذي يبرز فيه، وتكون الرحمة في ذلك التأجيل.

وإلى هذا أشارت الحكمة السابقة: (لا يكُنْ تَأخُّرُ أَمَد العَطاء مَعَ الإلْحاح في الدّعَاءِ موجبَاً ليأسِك؛ فهو ضَمِنَ لَكَ الإجابَةَ فيما يختارُهُ لكَ، لا فيما تختاره لنَفْسكَ وفي الوقْتِ الذي يريدُ، لا في الوقْت الذي تُريدُ)

وقد روي في الآثار أن موسى u حين دعا على قوم فرعون فقال:{  رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} (يونس:88)، وقال الله تعالى له:{ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا((يونس:89) أربعين سنة.

قال الراقي الثالث: أما الرقية الثالثة، فعبر عنها محمد بن علي حين مر على رجل رآه مغموما، فقال: ما لي أراك مغموماً ؟ فقال: لدين فدحني، قال محمد بن علي: أفتح لك في الدعاء؟ قال: نعم، قال: لقد بورك لعبد في حاجة أكثر فيها دعاء ربه، كانت ما كانت.

وعبر عنها النورسي بقوله: (ولهذا فان عدم القبول الظاهري لدعوتي بالشفاء من مرضي طوال ثلاثين سنة لم يصرفني أبداً من أن أفكر في يوم من الأيام بتركه والتخلي عنه، ذلك لأن المرض أوان الدعاء ووقته، والشفاء ليس نتيجة الدعاء بل إذا وهب الله سبحانه – وهو الحكيم الرحيم – الشفاء فإنه يهبه من فضله وكرمه، وان عدم قبول الدعاء بالشكل الذي نريده لا يقودنا إلى القول بأن الدعاء لم يُستَجب، فالخالق الحكيم يعلم أفضل منا ونحن نجهل، وأنه سبحانه يسوق إلينا ما هو خير لنا وانفع، وأنه يدّخر لنا الأدعية الخاصة بدنيانا أحياناً لتنفعنا في أُخرانا، وهكذا يقبل الدعاء. ومهما يكن فان الدعاء الذي اكتسب الإخلاص والنابع من سرّ المرض والآتي من الضعف والعجز والتذلل والاحتياج، قريبٌ جداً من القبول. والمرض أساس لمثل هذا الدعاء الخالص ومداره. فالمريض والذين يقومون برعايته من المؤمنين ينبغي أن يستفيدوا من هذا الدعاء)([17])

قال الراقي الرابع: أما الرقية الرابعة، فهي أن تعلم ـ أيها اليائس الحزين ـ أنك في كل الأحوال لن ترجع صفر اليدين، بل الغنائم التي تنالها من عند ربك لا تعد ولا تحصى، بل هي أبلغ بكثير مما طلبته.

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم يعبر عن هذا العلاج: (ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها.. أو صرف عنه من السوء مثلها.. ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم)، فقال رجل: إذاً نُكثر قال: (الله أكثر)([18])

العلة المكتسبة:

قلت: عرفنا العلة الفطرية وعلاجها، فما العلة المكتسبة؟

قال: هي سوء المعرفة بالله، والتي ينتج عنها سوء الظن به.

قلت: فما سبب ذلك؟

قال: سببان قد يجتمعان، وقد يفترقان.

قلت: فما الأول منهما؟

قال: الغفلة التي ترين على القلوب، فتجعلها محجوبة عن الله يائسة من فضله..

قلت: وما الثاني؟

قال: ما سبق من الإنسان من المعاصي، فيتصورها جدارا يحول بينه وبين دعوة ربه أو استجابة ربه لدعائه.

قلت: فأين الرقاة الذين اختصوا بعلاج كلا العلتين؟

قال: أما من كان سبب علته الغفلة، فإنه يرسل إلى قسم (حسن الظن بالله)، ليتعرف على الأسماء الحسنى الكثيرة التي تستدعي حسن الظن بالله، فتنزاح غفلته.

قلت: والسبب الثاني؟

قال: بتقوية الصلة بالله، ألم يقل الله تعالى بعد الأمر بالدعاء:{ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة:186)

قلت: بلى..

قال: فمن أراد أن يستجيب الله له، فليستجب هو لله.

قلت: ألا يجيب الله إلا الصالحين.

قال: تعالى الله.. فهو أكرم من ذلك، إنما الدعاء الذي يخرج من فم الخطيئة غير معطر بمسك التذلل والتضرع لا يخرج طاهرا نقيا، فإذا نزلت الإجابة لا تجد المحل الملائم لها.

قلت: لم أفهم هذا.. اضرب لي مثالا يوضحه لي.

قال: لقد استبعد صلى الله عليه وآله وسلم أن يستجاب لمن هذا حاله، فقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم: (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك)([19])

قلت: لا أزال أحتاج إلى توضيح أكثر.

قال: لتمثيل حيلولة الجسم الذي نبت من حرام بين الداعي وبين الإجابة نستعير ما تسمونه بصحون الاستقبال الفضائي، فإن هذه الصحون إن حصل لها ما يشوش الصورة بانحنائها أو عدم توجيهها الوجهة المعينة، فإنها لا تستقبل البث الفضائي مع أن موجاته تملأ الأثير.

قلت: فالبخل ليس في الموجات، وإنما في المستقبل لها.

قال: فلذلك ورد في النصوص التنبيه إلى شروط الدعاء، وهي ترجع جميعها إلى الاستقامة والتأدب بين يدي الله ظاهرا وباطنا، قال تعالى مبينا أدب الدعاء:{ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (لأعراف:55)، أي بخشوع قلوبكم وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه، لا جهاراً مراءاة.

قلت: لقد ذكرتني بقول علي لنوف البكالي: (يا نوف، إن اللّه أوحى إلى داود أن مر بني إسرائيل ألا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، وأيد نقية، فإني لا أستجيب لأحد منهم، ما دام لأحد من خلقي مظلمة)

وقد ذكر ابن عطاء شروط الدعاء ودعائمه التي يقوم عليها، فقال: (إن للدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا، فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه أنجح. فأركانه حضور القلب والرأفة والاستكانة والخشوع، وأجنحته الصدق، ومواقيته الأسحار، وأسبابه الصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم)

وعندما سئل إبراهيم بن أدهم: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال بقوة وصراحة: (لأنكم عرفتم اللّه فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعم اللّه فلم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس)

قال: ولكن مع ذلك، لا ييأس المؤمن من رحمة الله مهما كثرت خطاياه أو حالت الحوائل بينه وبين الإجابة، فرحمة الله أشمل وأعم، وقد قال بعضهم: (لا يمنعن أحدا من الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن اللّه قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس، قال:{ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} (الحجر:36 ـ 37))

قلت: فهذا هو علاج هذه العلة إذن.

قال: هذه ناحية من العلاج.

قلت: أهناك ناحية أخرى؟

قال: أجل.. فإن الدعاء يقتضي اليقين في الله وفي فضله وقدرته، فلذلك إن دعا يائسا من الإجابة كان ذلك حائلا بينه وبين استجابة دعائه.

قلت: فاضرب لي مثالا يقرب لي هذا.

قال: إن أي أحد من الناس إن طلب منك شيئا، وهو ينظر إليك بعين الاحتقار، احتقار قدرتك أو كرمك، فإنك لا تعامله وفق ما قال بلسانه، بل وفق ما دل عليه حاله.

وكذلك الله تعالى فإنه لا يجرب، فمن دعا مجربا الله ردت عليه دعوته.

قلت: ألهذا ـ إذن ـ ورد في النصوص النهي عن الاستثناء في الدعاء مع كونه مرغبا فيه في كل الأحوال، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم (إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني، فإنه لا مستكره له)([20])

قال: أجل، وذلك لما قد ينشره في النفس من احتمال عدم الإجابة، وذلك لأن في قوله (إن شئت) نوع من الاستغناء عن مغفرته وعطائه ورحمته، كقول القائل: إن شئت أن تعطيني كذا فافعل، لا يستعمل هذا إلا مع الغني عنه، وأما المضطر إليه فإنه يعزم في مسألته، ويسأل سؤال فقير مضطر إلى ما سأله.

***

خرجنا من هذا القسم، وفي طريقنا لقيت حلقة يجتمع فيهم قوم حول رجل، وكأن على رؤوسهم الطير، فسألت المعلم من هذا؟

قال: هذا القاص.

قلت: الذي يقص القصص.

قال: أجل..

قلت: هلم بنا إليه.. فإن في طبعي ولعا عظيما بالقصص.

قال: ذلك طبع جميع بني جنسك.. فاستخدموه في طاعة الله.

اقتربنا من القاص، فسمعناه يقول: أيها اليائس الذي ينظر بعينه الكئيبة إلى الكون ورب الكون، تخلص من قنوطك وارفع يديك بالدعاء، فإن رحمة الله الشاملة ستشملك ما دمت مادا يدك إلى الله.

قالت الجماعة المحيطة به: حدثنا عن تضرعات الصالحين لتكون نبراسا يطفئ نيران أوهامنا.

سكن القاصا قليلا، وقلب صفحات كتاب بجانبه، ثم قال: لقد حدث بعضهم، قال: إني لفي الحجر ذات ليلة، إذ دخل علي بن الحسين، فقلت: رجل صالح من أهل بيت الخير، لأستمعن إلى دعائه الليلة، فصلى، ثم سجد، فأصغيت بسمعي إليه، فسمعته يقول: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك. قال الراوي: فحفظتهن، فما دعوت بهن في كرب، إلا فرج الله عني.

قلت للمعلم: هذا لم يدعو.. بل وصف حاله.

قال المعلم: أعظم الدعاء هو الفقر والمسكنة.

قال القاص: ويروى عن عبد الله بن جعفر: أن رجلاً أصابه مرض شديد، منعه من الطعام والشراب والنوم، فبينا هو ذات ليل ساهراً، إذ سمع وجبة شديدة في حجرته، فإذا هو كلام، فوعاه، فتكلم به، فبرأ مكنه، وهو: اللهم أنا عبدك، وبك أملي، فاجعل الشفاء في جسدي، واليقين في قلبي، والنور في بصري، والشكر في صدري، وذكرك بالليل والنهار- ما بقيت- على لساني، وارزقني منك، رزقاً غير محظور ولا ممنوع.

وحدث آخر، قال: أخبرت أن رجلاً، أخذ أسيراً، فألقي في جب، وألقي على رأس الجب صخرة، فتلقن فيه: قل: سبحان الله الحي القدوس، سبحان الله وبحمده، فأخرج من غير أن يكون أخرجه إنسان.

وروي أن الحجاج بن يوسف أتي برجل كان جعل على نفسه، إن ظفر به، أن يقتله، قال: فلما دخل عليه، تكلم بكلام، فخلى سبيله، فقيل له: أي شيء قلت ؟ فقال: قلت: يا عزيز، يا حميد، يا ذا العرش المجيد، اصرف عني ما أطيق، وما لا أطيق، واكفني شر كل جبار عنيد.

العمل الصالح

اقتربنا من الباب الثاني من أبواب الاستعانة، وقد كتب عليه بحروف من نور قوله تعالى:{ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ((البقرة:45)

فقال لي المعلم: المفتاح الثاني من مفاتيح الاستعانة العمل الصالح، فبه تطرق أبواب الجود، وتمد أيدي العون، وترسل أمداد الإغاثة.

قلت: ولكن الآية التي كتبت على الباب لم تتحدث عن المستعان عليه، بل اكتفت بإطلاق الاستعانة، ومثل ذلك قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة:153)

قال: لقد جاء لفظ الاستعانة مطلقا ليبين دور الصبر والصلاة في كل شيء، فهما عون في الدين كما أنهما عون في الدنيا، وعون في الأمراض النفسية كما أنهما عون في الأمراض الجسدية.

قلت: ولكن الله تعالى قد رتب على الأعمال أجورها المعلومة، كما ورد في الحديث القدسي: (إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة)([21])

قال: إن الله شكور حليم، فلذلك يمن على عباده بأجور الدنيا وأجور الآخرة.

قلت: كيف ذلك؟

قال: سنعرف تفاصيل هذا في محلها من: (أسواق التجارة الرابحة)([22]).. ولكن ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)([23])

قلت: بلى.. وقد روي في أخبار الأنبياء أن يونس u حين بدا له أن يدعو الله بالكلمات حين ناداه وهو في بطن الحوت، فقال:{ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنبياء:87)، فأقبلت الدعوة نحو العرش فقالت الملائكة: يا رب! هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب! من هو؟ قال: ذلك عبدي يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة، قالوا: يا رب! أفلا ترحم من كان يصنع في الرخاء فتجيبه في البلاء، قال: بلى! فأمر الحوت فطرحه بالعراء([24]).

قال: فلذلك يكون العمل الصالح شفيعا لصاحبه عند الله.

قلت: ولهذا إذن توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة إلى الله بأعمالهم الصالحة، فنجاهم الله، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (بينما ثلاثة رهط من بني إسرائيل يسيرون، إذ أخذهم المطر، فأووا إلى غار، فانطبقت عليهم صخرة، فسدت الغار، فقالوا: تعالوا فليسأل الله تعالى كل رجل منا بأفضل عمله.

فقال أحدهم: اللهم إنه كانت لي ابنة عم جميلة، وكنت أهواها، فدفعت إليها مائة دينار، فلما جلست منها مجلس الرجل من المرأة، قالت: اتق الله يا ابن عم، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها، وتركت المائة دينار، اللهم إن كنت تعلم، أني فعلت هذا خشية منك، وابتغاء ما عندك، فأفرج عنا، فانفرج عنهم ثلث الصخرة.

وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت أغدو عليهما بصبوحهما، وأروح عليهما بغبوقهما، فغدوت عليهما يوماً، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أنصرف عنهما، فيفقدا غداءهما، فوقفت حتى استيقظا، فدفعت إليهما غداءهما، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك ابتغاء ما عندك، وخشية منك، فأفرج عنا، فانفرج الثلث الثاني.

وقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم، أني استأجرت أجيراً، فلما دفعت إليه أجره، قال: عملي بأكثر من هذا، فترك علي أجره، وقال: بيني وبينك يوم يؤخذ فيه للمظلوم من الظالم، ومضى، فابتعت له بأجره غنماً، ولم أزل أنميها وأرعاها، وهي تزيد وتكثر، فلما كان بعد مدة، أتاني، فقال لي: يا هذا إن لي عندك أجراً، عملت كذا وكذا في وقت كذا وكذا، فقلت: خذ هذه الغنم، فهي لك، فقال: تمنعني من أجري، وتهزأ بي، فقلت: خذها فهي لك، فأخذها ودعا لي، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا خشية منك، وابتغاء ما عندك، فأفرج عنا، فانفرج عنهم باقي الصخرة، وخرجوا يمشون)([25])

قال: هذا الحديث لا يدل فقط على جواز التوسل لله بالأعمال الصالحة، وإنما يدل على أن الأعمال الصالحة شافعة لصاحبها، سأل أو لم يسأل.

***

رأيت بابين مفتوحين، وكأنهما يطلبان منا الدخول منهما، فقلت للمعلم: ما هذان البابان اللذان ينفتحان لنا طالبين منا الدخول؟

قال: هذان البابان يشيران إلى أركان العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، ويمد صاحبه بالعون.

قلت: الأعمال الصالحة كثيرة، فكيف يشير إليهما هذان البابان؟

قال: هذان البابان يجمعان شتاتهما.

قلت: فما الأول منهما؟

قال: هو النوع الذي يجعل العبد متصلا بالله، ذاكرا له، متوجها إليه، مناجيا له، جالسا معه.

قلت: فما دليل تأثيره في الاستعانة؟

قال: لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم  إذا اشتدت به الأمور هرع إلى الصلاة، فعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى([26]).

وعن أبى هريرة قال: رآنى رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا نائم أشكو مِن وجع بطنى، فقال لى: (يا أبا هُرَيْرَة؛ أشِكَمَتْ دَرْدْ([27])؟)، قال: قلتُ: نعم يا رسولَ الله، قال: (قُمْ فَصَلِّ، فإنَّ فى الصَّلاةِ شِفَاءً)([28])

قلت: وما الباب الثاني؟

قال: هو باب إغاثة الملهوف، ورحمة الخلق، وقضاء حوائجهم.

قلت: فما دليل تأثير هذا النوع من الأعمال الصالحة؟

قال: وردت النصوص الكثيرة في تأثير ذلك في رفع البلاء، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).. فمن رحم الخلق استعد لرحمة الله، ومن أغاثهم استعد لغوثه، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

قلت: فهل هما بابان على الخيار أم يجبر على الدخول من كليهما؟

قال: ألا تعلم أن السلام يتنافى مع الجبر؟

قلت: أقصد أن كلا الركنين أساسيان بحيث لا يغني أحدهما عن الآخر.

قال: أجل، فمن قصر في أحدهما كان له تأثيره في قضاء حاجته.. ولهذا يجمع الله كلا الوصفين للمؤمنين الصالحين، كما قال تعالى:{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة:55)، فقد وصفهم بإقامة الصلاة التي تدعم صلة العبد بربه، ووصفهم بإيتاء الزكاة، وهي التي تنمي علاقتهم بربهم.

قلت: ألهذا إذن اقترنت الصلاة بالزكاة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم.

قال: أجل.. فلا يمكن أن يصل القلب إلى الله بالصلاة، وفي قلبه قسوة على الخلق.

قلت: لقد ذكرتني بقوله صلى الله عليه وآله وسلم في المرأة التي قيل له: إنها تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها، فقال: (هي في النار)

قال: وأذكرك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم في المرأة التي قيل له: إنها تصلي المكتوبة وتصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها: (هي في الجنة)([29])

قلت: فهل ندخل لكلا البابين.. فقد عرفنا ما فيهما؟

قال: لا مناص لنا من ذلك.. ألا ترى انفتاحهما لنا، وترحيبهما بنا؟

الصلة بالله:

دخلنا قاعة الصلة بالله، وكانت أشبه بمحراب للعبادة، وقد فوجئت بوجود مرضى في هذه القاعة، ولكن لا كالمرضى، فإن كل واحد منهم يفترش سجادته، ثم يختلفون.. منهم من يمد يديه بالدعاء والمناجاة، ومنهم من هو قائم أو راكع أو ساجد.

قلت للمعلم: ما يفعل هؤلاء في هذا المستشفى؟.. أأخطأوا الطريق، أم تصوروا المستشفى مسجدا؟

قال: لا.. هؤلاء يتدربون على تقوية الصلة بالله.

قلت: يتدربون!؟.. أراهم يصلون ويدعون.

قال: هناك من يدربهم على الصلاة الموصلة والدعاء المجاب.

قلت: أليس كل صلاة موصلة؟

قال: لا.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها، وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها)([30]).. ألم يتفق الصالحون على عدم اعتبار الصلاة الخالية من الحضور مع الله؟

قلت: أجل.. فقد قال بعضهم: (من لم يخشع فسدت صلاته)، وقال آخر: (كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع)

قال: بل قال آخر: (من عرف من على يمينه وشماله متعمدا وهو في الصلاة فلا صلاة له)

قلت: فكيف يدربونه على الخشوع؟

قال: ألستم تدربون المرضى على أشياء معينة لينسجموا مع حياتهم؟

قلت: أجل.. لدينا أقسام كثيرة خاصة بالتدريب في مستشفياتنا.

قال: وقد لاحظ هذا المستشفى أهمية الصلاة في العلاج.. ولاحظوا في نفس الوقت التقصير في القيام بها.. حيث صارت مجرد حركات، وصار الدعاء مجرد تمتمات، فلذلك قررت إدارة المستشفى وضع هذا القسم لتدريب المرضى على الصلاة النافعة المؤثرة.

قلت: لقد ظفرت ببغيتي.. كم أشتاق لأتعلم صلاة الخاشعين.

قال: لا.. لن نبحث ذلك هنا.. لذلك محله الخاص من دروس السلام.

بينما أنا كذلك إذ أخذ بيدي أحدهم، وقال: إن أرادت دوام الصحة والعافية، فعليك بقيام الليل، فقد جربت فوائده العلاجية.

قلت: وما أدلة اعتبار قيام الليل دواء، والمريض مرخص له في النوم والراحة، فكيف يطالب بقيام الليل؟

فقال: أما الدليل، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم وهو يعدد فضائل قيام الليل: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد)([31])، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه مطردة للداء عن الجسد.

قلت: ولكن المريض يعجز عن صلاة الفرض، فكيف تطلب منه القيام؟

قال: القيام يتحقق بأي صورة، فإن كان المريض لا يستطيع أن يصلي التهجد قائماً يتهجد قاعداً أو مضجعاً والأجر يكتب له كاملاً.

زيادة على ذلك، فإنه لو طلب الطبيب من المريض أن ينهض ساعة في جوف الليل ليتحرك حركات معينة، ألا يؤخذ قول الطبيب الخبير بثقة ويقين بدون أن يجادله أحد؟

قلت: بلى، وكيف يجادل الخبير؟

فقال: فقد أخبر المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى بهذا، فخذ بما يقول وسلم.

تدخل رجل عليه سيما الخبراء، وقال:دعه لي، فإني أعرف اللغة التي يفهم بها.

قلت: فحدثني بلساني.

قال: لقد جاء في كتاب (الوصفات المنزلية المجربة وأسرار الشفاء الطبيعية)، وهو كتاب بالإنكليزية لمجموعة من المؤلفين الأمريكيين([32]) أن القيام من الفراش أثناء الليل، والحركة البسيطة داخل المنزل والقيام ببعض التمرينات الرياضية الخفيفة، وتدليك الأطراف بالماء، والتنفس بعمق له فوائد صحية عديدة، وهذه النصائح تماثل تماماً حركات الوضوء والصلاة عند قيام الليل.

وسر علاقة هذه الأمور بالصحة أنها تؤدي إلى تقليل إفراز هرمون الكورتيزون([33])خصوصاً قبل الاستيقاظ بعدة ساعات، وهو ما يتوافق زمنياً مع وقت السحر، مما يقي من الزيادة المفاجئة في مستوي سكر الدم، والذي يشكل خطورة علي مرضي السكر، ويقلل كذلك من الارتفاع المفاجئ في ضغط الدم، ويقي من السكتة المخية والأزمات القلبية في المرضى المعرضين لذلك، كما يقلل من مخاطر تخثر الدم في وريد العين الشبكي، الذي يحدث نتيجة لبطء سريان الدم في أثناء النوم، وزيادة لزوجة الدم بسبب قلة تناول السوائل، أو زيادة فقدانها. أو بسبب السمنة المفرطة وصعوبة التنفس مما يعوق ارتجاع الدم الوريدي من الرأس.

ويؤدي قيام الليل إلى تحسن وليونة عند مرضى التهاب المفاصل المختلفة، سواء كانت روماتيزمية أو غيرها نتيجة الحركة الخفيفة والتدليك بالماء عند الوضوء.

كما أن قيام الليل علاج ناجح لما يعرف باسم (مرض الإجهاد الزمني) لما يوفره من انتظام في الحركة ما بين الجهد البسيط والمتوسط، الذي ثبتت فاعليته في علاج هذا المرض.

ويؤدي قيام الليل إلى تخلص الجسد من ما يسمي بالجليسيرات الثلاثية (نوع من الدهون) التي تتراكم في الدم خصوصاً بعد تناول العشاء المحتوي علي نسبه عالية من الدهون والتي تزيد من مخاطر الإصابة بأمراض شرايين القلب التاجية بنسبة 32 بالمائة   في هؤلاء المرضي مقارنة بغيرهم.

ويقلل قيام الليل من خطر الوفيات بجميع الأسباب، خصوصاً الناتج عن السكتة القلبية والدماغية وبعض أنواع السرطان.

ويقلل قيام الليل من مخاطر الموت المفاجئ بسبب اضطراب ضربات القلب لما يصاحبه من تنفس هواء نقي خال من ملوثات النهار، وأهمها عوادم السيارات ومسببات الحساسية.

وقيام الليل ينشط الذاكرة وينبه وظائف المخ الذهنية المختلفة لما فيه من قراءه وتدبر للقرآن وذكر للأدعية واسترجاع لأذكار الصباح والمساء. فيقي من أمراض الزهايمر وخرف الشيخوخة والاكتئاب وغيرها.

***

جاء آخر، وقال: عليك بالاستغفار، فقد جربت التداوي به، فوجدته علاجا ناجعا لا تقف أمامه الأدواء.

قلت: فكيف وصلت إلى هذا النوع من العلاج؟

قال: لقد قرأت قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب)([34])، فدلني هذا على البحث في سر هذه الوصفة، فوجدت نصوصا كثيرة تدل عليها، فقد قال تعالى على لسان نوح u:{ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً} (نوح:10 ـ 11)، وقال على لسان هود u:{ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً([35]) وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} (هود:52)، فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية جوامع النعم([36])، واعتبر الاستغفار سببا لها.

قلت: فما السر الذي وجدته لذلك؟

قال: لقد اتفق العقلاء على أن المعاصى والفساد توجب الهم والغم، والخوف والحزن، وضيق الصدر، وأمراض القلب، حتى إن أهلها إذا قضوا منها أوطارهم، وسئمتها نفوسهم، ارتكبوها دفعا لما يجدونه فى صدورهم من الضيق والهم والغم، كما قال شاعرهم:

وكأس شربت على لذة          وأخرى تداويت منها بها

وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب، فلا دواءَ لها إلا التوبةُ والاستغفار.

قلت: ففصل لنا علل ذلك وأسبابه.

قال المعلم: لذلك قسم خاص في هذا المستشفى، سنمر عليه في حصن الاستعاذة.

***

بينما كنت مع المعلم في هذه القاعة نتأمل الصلوات الخاشعة، ونستمع إلى الأدعية الرقيقة مر رجل بنا هو يقول: (صلوا على رسول الله.. صلوا على رسول الله)

قلت: من هذا؟

قال: هذا ممرض بهذا القسم يسقي المرضى دواء الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: أعلم أن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبادة.. ولكني لا أعلم أنها دواء.

قال: كل عبادة دواء.. والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصوصا أعظم دواء.. ألم تقرأ ما ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: (يا أيها الناس اذكروا الله اذكروا الله جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه)، فقال له رجل: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي، قال: ما شئت،  قال الرجل: الربع؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير، قال الرجل: فالنصف؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير، قال الرجل: فالثلثين؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير، قال الرجل: أجعل لك صلاتي كلها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك)([37])، فقد أخبره صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يكفى كل ما أهمه.

قلت: وقد روي حديث آخر يقارب هذا، فقد روي أن رجلا قال: يا رسول الله أجعل ثلث صلاتي عليك؟ قال نعم إن شئت، قال: الثلثين؟ قال: نعم إن شئت، قال فصلاتي كلها؟، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك)([38])

قال: فقد وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة عليه علاجا لهموم الدنيا والآخرة.

قلت: فهمت هذا.. ولكن ما سر ذلك؟

قال: سر ذلك يسير، فالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تربط المؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتملأ قلبه محبة له وشوقا إليه.

قلت: وما في ذلك من العلاج؟

قال: المحبة تحرق كل من عداها.. فتحرق الهم والغم.. وتملأ صاحبها بالبشر والسرور.

قلت: لقد ورد في النصوص الإخبار أن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تجعل صاحبها أهلا لصلاة الله عليه، كما ورد في الحديث: أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم جاء ذات يوم والسرور يرى في وجهه، فقالوا: يا رسول اللّه إنا لنرى السرور في وجهك، فقال: (إنه أتاني الملك فقال: يا محمد أما يرضيك ربك عزَّ وجلَّ يقول: إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشراً) قلت: (بلى)([39]).. 

لكن ما سر ذلك؟ وهل له علاقة بالاستشفاء بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: أجل.. له علاقة عظيمة، فقد ورد في القرآن الكريم الإخبار بالتأثير العظيم الذي تحدثه صلاة الله على عبده، كما قال تعالى:{ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً } (الأحزاب:43)

قلت: لقد أخبر الله تعالى بأن صلاة الله على عباده تخرجهم من الظلمات إلى النور.

قال: وهل الهموم والأحزان والمصائب إلا ظلمات، وهل النور إلا الفرج والعافية وانشراح الصدر.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن النور إذا دخل الصدر انفسح)([40])

***

دخل ممرض آخر على المرضى، وهو يقرأ قوله تعالى:{ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} (الأحزاب:41).. اذكروا الله يشرح الله صدوركم، وينور قلوبكم)

قلت للمعلم: أهذا الممرض مكلف بدواء الذكر؟

قال: أجل.. فهو يحضهم في كل حين، لا على الذكر فقط.. بل على كثرة الذكر.. فالذكر لا يؤتي أكله إلا بكثرته، ألم تسمع الحق تعالى وهو يقول:{ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ} (الأحزاب:35)

قلت: بلى إن الله تعالى لم يقرن أي عمل صالح بالكثرة ما عدا الذكر، وفي هذه الآية قال تعالى:{ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب:35)، فجعل الذكر وحده مخصوصا بالكثرة.

قال: أتدري علة ذلك؟

قلت: لطرد الغفلة.. فالغفلة تعتري الإنسان كل لحظة، فيحتاج إلى مقاومتها بالذكر.

قال: أجل.. والغفلة عن الله هي التي تجر إلى اليأس، وتملأ القلب ظلمة، فلا يعرف الله ولا يشاهد أفضاله، فإن سمع باسمه كان كسماعه أي اسم لا علاقة له به، ولا صلة بينه وبينه.

قلت: ألهذا كان من أسباب انشراح الصدر وطمأنينته الإكثار من ذكر الله؟

قال: أجل.. فإن له تأثيراً عجيباً في انشراح الصدر وطمأنينته، وزوال همه وغمه، وامتلائه أملا وثقة بالله، ألم تسمع الحق تعالى، وهو يقول:{ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } ((الرعد:28)، أي تطيب وتركن إلى جانب اللّه وتسكن عند ذكره، وترضى به مولى ونصيراً.

قلت: بلى، فما سر ذلك؟

قال: لقد جعل الله تعالى القلب محلا لمعرفته، ولا يكون كذلك إلا إذا كان طاهرا نظيفا منورا بنور الإيمان، وإلا أثرت فيه الأنجاس التي يحملها، فتجعله معرفته بالله معرفة مشوهة تؤدي إلى إساءة الظن بالله، كما قال تعالى:{ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (فصلت:23)

قلت: فما دور الذكر في هذا؟

قال: دور الذكر هو أنه جلاء القلوب وصقالتها، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لكل شئ صقالة، وان صقالة القلوب ذكر الله عز وجل وما من شئ انجى من عذاب الله عز وجل من ذكر الله عز وجل) قالوا: (ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل)، قال: (ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع)([41])

قلت: ألهذا نهي عن مصاحبة أهل الغفلة، كما قال تعالى:{ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} (الكهف:28)؟

قال: أجل، لما يملأون به القلوب من وساوس.

قلت: ولهذا إذن وردت النصوص الكثيرة تصف الأذكار الرافعة للهم والحزن، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال في كل يوم أربع مرات: أشهد أن الله هو الحق المبين، وأنه يحي ويميت، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، صرف الله عنه السوء)([42])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كلمات الفرج: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع، ورب العرش الكريم)([43])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال لا إله إلا الله، قبل كل شيء، ولا إله إلا الله بعد كل شيء ولا إله إلا الله يبقى، ويفنى كل شيء، عوفي من الهم والحزن)([44])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( لا حول ولا قوة إلا بالله دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم)([45])

قال: أجل، وكلها تضمنت المعارف الإلهية التي تنزع الهم والغم، وتبشر بالفرج، ومن أيقن بالفرج حصل له، فالله لا يخلف ظن عبده.

***

دخل ممرض آخر على المرضى، وهو يقرأ قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } (يونس:57)، وقوله تعالى:{ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } (الإسراء:82)

قلت: هذا الممرض يرشد المرضى إلى الاستشفاء بالقرآن الكريم.

قال: نعم، فهو الكتاب الوحيد في العالم الذي يعرف بالله المعرفة الصحيحة، لأنه كلام الله.. ولا يعرف الله إلا الله.

قلت: إن قومي خبراء بالعلاج بالقرآن الكريم ولهم تجارب كثيرة في هذا تمتلئ بها كتب الرقية.

قال: أولئك يتاجرون بالقرآن الكريم، ولا يعالجون به.. القرآن الكريم يعالج بالحقائق لا بالدجل.

قلت: كيف؟.. هم يستخدمون القرآن الكريم في العلاج.

قال: سنعرف دجلهم في محله من أقسام هذا المستشفى..

قلت: فكيف يعالج القرآن الكريم المرضى؟

قال: يعالجهم بالتعريف بالله، وإحسان الظن به، ولهذا كان شفاء لما في الصدور.

قلت: ألهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يرشد من أصابه الهم والحزن بهذا الدعاء، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما أصاب عبدا هم ولا حزن، فقال اللهم إني عبدك، وابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هم لك سمّت به نفسك، أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدا من خلقك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي وغمّي، إلا أذهب الله همّه وغمّه، وأبدله مكانه فرحا)، قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلّمهن؟ قال: (بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلّمهن)([46])..؟

قال: أجل.. فالقرآن ربيع القلوب، وفي الربيع يكون الأنس والفرحة والسرور والابتسامة،  ولهذا كان بعض الصالحين يقول: (ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن، إن القرآن ربـيع المؤمن كما أن الغيث ربـيع الأرض) 

الإحسان إلى الخلق:

دخلنا قاعة الإحسان إلى الخلق، وقد كتب على بابها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)([47])

قلت للمعلم: لم كان الإحسان إلى الخلق قرينا للصلة بالله؟

قال: لأنه ثمرة أساسية من ثمار الصلة بالله، فيستحيل على القلب المنور بنور الذكر، المؤدب بتأديب القرآن الكريم أن يقعد عن إغاثة الملهوف أو إجابة المحتاج أو الإحسان إلى الضعفاء.

ويستحيل على القلب المنور بنور الإيمان أن يؤذي إخوانه، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صعد المنبر، فنادى بصوت رفيع فقال: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله)([48])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته)([49])

قلت: عرفت صلة الصلة بالله بالاستعانة بالله، فما صلة الإحسان إلى الخلق بالاستعانة؟

قال: الله تعالى يعامل عباده بحسب ما يعامل به بعضهم بعضا، ألم تقرأ ما كتب على لافتة الباب؟

قلت: بلى.

قال: فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن معاملة الله لعباده بجنس ما يعامل به بعضهم بعضا، وقد أخبر في الحديث القدسي عن صلته لمن وصل رحمه وقطعه لمن قطعها، فقال: (أنا الرحمن خلقتُ الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته)([50])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)([51])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيام،ة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)([52])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه (لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره يوم القيامة)([53])

قلت: أمن هذا الباب ما ورد من علاج المرضى بالصدقة، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع)([54])

قال: هذا الحديث يؤخذ على ظاهره، ويسلم لقائله.

قلت: فما السر في ذلك؟

قال: إن لم يدع لك لسان الفقير دعا لك قلبه، فإن جحد قلبه دعت لك الملائكة، فإن لم يدع لك أحد، فالله شاكر حليم، يعطيك ما عجز الكل عن إعطائه لك، فسلم لقول نبيك، ولا تسأل عن الكيفية.

قلت: ليطمئن قلبي.

قال: سأورد لك ما يطمئن به قلبك، لقد جاء بعضهم لبعض الصالحين، وشكا له عن قرحة خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فقال الرجل الصالح: (اذهب فاحفر بئراً في مكان الناس بحاجة إلى الماء، فإني أرجوا أن ينبع هناك عينً ويمسك عنك الدم) ، ففعل الرجل فبرأ.

فهكذا يفعل الصالحون والربانيون، فأنبئني لو أن هذا الرجل جاء لقومك من الرقاة، بماذا سيشيرون عليه؟

قلت: يخبرونه ـ بعد رقية التشخيص ـ بأن الشيطان ركضه ركضة يحتاج معها إلى التجول على الرقاة جميعا ليجد من يحرق له شيطانه، وقد يموت قبل ذلك.

قال: وسأزيدك أخرى لترى منهج الصالحين في التسليم للنصوص المقدسة، حدث بعضهم قال: مرضت مرضا خطرا، فرآني جار لي صالح، فقال استعمل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (داووا مرضاكم بالصدقة)، وكان الوقت ضيقا، فاشتريت بطيخا كثيرا، واجتمع جماعة من الفقراء والصبيان، فأكلوا ورفعوا أيديهم إلى الله عز وجل، ودعوا لي بالشفاء، فوالله ما أصبحت إلا وأنا في كل عافية من الله تبارك وتعالى.

قلت: تلك أزمنة الصالحين.

فقال: كل الأزمة أزمنة الصالحين ، ولا زمان للصالحين، وإن شئت أن أزيدك، فانشر إعلانا في الصحف، تطلب فيه استعمال هذا الدواء بيقين وتسليم، لترى آلاف الرسائل تنهال عليك تخبرك بمدى جدواه، فمن وصفه لا ينطق عن الهوى.


([1])  أحمد.

([2])  هو بول إرنست أدولف، أستاذ مساعد التشريح بجامعة سانت جونس وعضو جمعية الجراحين الأمريكية.

([3])  عن كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) جمعها:  جون كلوفر مونسما، ترجمة الدكتور الدمرداش عبد المجيد سرحان، الناشر مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع  القاهرة.

([4])  البخاري في خلق أفعال العباد، وابن شالهين في الترغيب في الذكر، وأبو نعيم في المعرفة.

([5]) نقلا عن: الأمثل للشيرازي: 1/462.

([6]) الأمثل: 1/462.

([7])  ذكر الفخر الرازي ما استدل به المتعلقون بهذا الوهم، ومما ذكره:

1. أن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع عند الله تعالى كان واجب الوقوع، فلا حاجة إلى الدعاء، وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع، فلا حاجة أيضا إلى الدعاء.

 2. أن حدوث الحوادث في هذا العالم لا بد من انتهائها بالآخرة إلى المؤثر القديم الواجب لذاته، وإلا لزم إما التسلسل، وإما الدور وإما وقوع الحادث من غير مؤثر وكل ذلك محال وإذا ثبت وجوب إنتهائها بالآخرة إلى المؤثر القديم، فكل ما اقتضى ذلك المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديما أزليا كان واجب الوقوع، وكل ما لم يقتض المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديما أزليا كان ممتنع الوقوع، ولما ثبتت هذه الأمور في الأزل لم يكن للدعاء أثر.

3. أن الأقدار سابقة والأقضية متقدمة والدعاء لا يزيد فيها وتركه لا ينقص شيئا منها، فأي فائدة في الدعاء،.

4. أنه سبحانه علام الغيوب يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور، فأي حاجة بالداعي إلى الدعاء؟

5. أن المطلوب بالدعاء إن كان من مصالح العبد فالجواد المطلق لا يهمله وإن لم يكن من مصالحه لم يجز.

6. أن أجل مقامات الصديقين وأعلاها الرضا بقضاء الله تعالى والدعاء ينافي ذلك لأنه اشتغال بالإلتماس وترجيح لمراد النفس على مراد الله تعالى وطلبه لحصة البشر.

7. أن الدعاء يشبه الأمر والنهي وذلك من العبد في حق المولى الكريم الرحيم سوء أدب.

([8])  ابن عدي، والحاكم.

([9])  البيهقي في الشعب، والطبراني في الكبير.

([10])  الإحياء: 1/328.

([11])  انظر: مدارج السالكين: 3/409.

([12])  ذكرنا في هذه الرسائل كثيرا أن دور العارفين التربوي هو الحديث عن الجوانب المعرفية المتعلقة بالتكاليف الشرعية، وجمع القلوب على حقائق التوحيد، تكميلا لدور الفقهاء، لا مناقضة لهم، لهذا تحدثوا في هذا الباب عن جانب مراعاة العبودية في الدعاء مع الاعتقاد بالمنة لله في الدعاء أو في تحقيقه.

([13])  البخاري في خلق أفعال العباد، وابن شالهين في الترغيب في الذكر، وأبو نعيم في المعرفة، والبيهقي.

([14])  ابن أبي حاتم.

([15])  البخاري ومسلم.

([16])  أبو داود عن جابر.

([17])  اللمعة الخامسة والعشرون: 331.

([18])  رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

([19])  مسلم.

([20])  البخاري ومسلم.

([21])  البخاري ومسلم.

([22])  من رسائل المجموعة الثالثة.

([23])  الترمذي، وقال حسن صحيح.

([24])  ابن أبي الدنيا.

([25])  البخاري ومسلم.

([26])  أبو داود، وقد رُوى هذا الحديثُ موقوفاً على أبى هُرَيرةَ، وأنه هو الذى قال ذلك لمجاهد، وهو أشبهُ.

([27])  معنى هذه اللفظةِ بالفارسى: أيوجعُكَ بطنُكَ؟

([28])  ابن ماجه.

([29])  ابن النجار في حقوق الراكب والمركوب.

([30])  أبو داود والنسائي وابن حبان.

([31])  الإمام أحمد والترمذي والبيهقي والحاكم في المستدرك عن بلال وابن عساكر. 

([32])  انظر: مقالة لـ د. صلاح أحمد حسين أستاذ بطب أسيوط،جريدة الأهرام   27/7/2004  بتصرف.

([33])  وهو الكورتيزون الطبيعي للجسد.

([34])  أحمد والحاكم.

([35])  متتابعا مرة بعد أخرى.

([36])  وقد فصل الفخر الرازي سر اجتماع النعم في هذه الآية، فقال:(ثم إنه u قال: (إنكم متى فعلتم ذلك فالله تعالى يكثر النعم عندكم ويقويكم على الانتفاع بتلك النعم) وهذا غاية ما يراد من السعادات، فإن النعم إن لم تكن حاصلة تعذر الانتفاع وإن كانت حاصلة، إلا أن الحيوان قام به المنع من الانتفاع بها لم يحصل المقصود أيضا، أما إذا كثرت النعمة وحصلت القوة الكاملة على الانتفاع بها، فههنا تحصل غاية السعادة والبهجة فقوله تعالى:) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً( إشارة إلى تكثير النعم لأن مادة حصول النعم هي الأمطار الموافقة، وقوله:) وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ( إشارة إلى كمال حال القوى التي بها يمكن الانتفاع بتلك النعمة، ولا شك أن هذه الكلمة جامعة في البشارة بتحصيل السعادات، وأن الزيادة عليها ممتنعة في صريح العقل)

([37])  أحمد وعبد بن حميد وابن منيع والروياني والحاكم والبيهقي.

([38])  الطبراني في الكبير وأبو النعيم.

([39])  أحمد ورواه النسائي بنحوه.

([40])  الحاكم، وتعقب، عن ابن مسعود.

([41])  البيهقي.

([42])  الحاكم في تاريخه.

([43])  ابن أبي الدنيا.

([44])  الطبراني في الكبير.

([45])  ابن أبي الدنيا في الفرج.

([46])  أحمد والبيهقي في الشعب، والحاكم، والطبراني في الكبير.

([47])  الترمذي.

([48])  الترمذي، وقال: حسن صحيح.

([49])  أبو داود.

([50])  الترمذي وصححه.

([51])  مسلم وأبو داود واللفظ له والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه.

([52])  أبو داود واللفظ له والترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب.

([53])  مسلم.

([54])  أبو داود في المراسيل ورواه الطبراني والبيهقي وغيرهما.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *