ثالثا ـ الكون المسخر

ثالثا ـ الكون المسخر

الكون ـ في النصوص المقدسة، وكما يفهمه المؤمن ـ كون مسخر في خدمة الإنسان، يستجيب لجميع مطالبه، ليحقق له الأمن بجميع أشكاله، ويوفر له القوت بجميع أنواعه، بل يضم إلى ذلك رعاية جوانبه النفسية، فيملأها بالحيوية والجمال.

وهذه الرؤية هي الرؤية الوحيدة التي يتفق فيها المؤمن مع غيره، وهي رؤية مشتركة من حيث الظاهر، فالكل يتمتع بخيرات الكون، ويستغلها، ويستسخرها في مصالحه، معتبرا مصالحه أعلى من مصالحها.

لكن النصوص المقدسة تميز نظرة المؤمن عن نظرات غيره تمييزا كليا، فتكسبها طابعا روحيا مؤدبا غير موغل في البهيمية([1]) ولا مفرط في الأنانية.

وسنذكر هنا بعض خصائص الكون المسخر، كما وردت في النصوص، وهي من السمو والرفعة ما تجعل المؤمن يتعامل مع الكون بإحساس مرهف، عميق المشاعر.

وهذا الحس النبيل هو الوحيد الذي نعيش فيه السلام مع الكون، ويعيش فيه الكون السلام معنا.

وسنكتفي بأربع خصائص كبرى تكاد كل الخصائص الأخرى تؤول إليها:

أما أولها، فالربانية، وهي خاصبة أساسية، فهذا الكون الذي سخر لنا لم يسخر لنا من ذاته، وإنما سخر لنا من الله، فلذلك هو ينتسب إلى الله قبل أن ينتسب إلينا، أو هو يطيع الله في طاعته لنا.

وهذه النظرة ترفع عنا الكبرياء التي تجعلنا نهين الكون من حيث لا نشعر، فنستكبر عليه، أو نطالبه بما نريد وكأننا أربابه.

وأما الثانية، فالسلام، فالكون خلقه الله مسالما لنا، لا مصارعا لنا، ومن الخطأ الذي يتسرب من غياب هذه النظرة التعامل مع الكون تعامل المحاربين لا تعامل الأصدقاء.

وأما الثالثة، فالحكمة، وهي أن هذا الكون بما فيه خلق لحكم جليلة، ومن الأدب مع الله أن نراعي ما خلق له، فنستعمله فيما خلق له.

وأما الرابعة، فالطهارة، فهذا الكون الذي سخر لنا خلق على الفطرة الأصلية، وهي فطرة طاهرة سليمة.. ومن العبث بخلق الله والاستهانة به احتقار فطرته، أو تحويلها.

1 ـ الربانية:

أول خاصية من خصائص الكون ربانيته، فالكون كون الله ملكا، وكون الله تدبيرا.

وهذان الجانبان هما اللذان وردت النصوص الكثيرة للدلالة عليهما، وملء القلوب والعقول بمعانيهما.

وهذان المعنيان هما اللذان ينشأ عنهما الأدب الرفيع مع الكون، فالذي يشعر بأن ما يتصور أنه يملكه ملك لله، وأنه مجرد عارية له، يستحيي من الله أن يسيئ إليه في ملكه.

والذي يرى أن ما يحدث في الكون من أحوال تدبير من تدبير الله يستحيي أن يعارض الله في تدبيره.

الملكية:

{ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } (النساء: 170) هي اللازمة القرآنية التي تتردد كل حين، لتبين ملكية الله المطلقة لكل ما نراه وما لا نراه من الأشياء.

وليس الغرض من هذا التكرير تقرير هذه الحقيقة فقط، والتي تدل عليها كل الدلائل، بل الغرض منها التنبيه في كل مناسبة تدب فيها الغفلة إلى أن الله مالك السموات والأرض وما فيهن. قال تعالى:{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (المائدة:120)

أو في كل مناسبة تستدعي التعرف على عظمة الله، أو التصديق بوعده ووعيده، كما قال تعالى:{ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} (يونس:55)

أوفي كل مناسبة تستدعي التعرف على مصنوعات الله المستدرة للحمد، قال تعالى:{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} (الأنعام:1)

أو في كل مناسبة تستدعي تبيان قدرة الله المطلقة، قال تعالى:{ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7)} (الدخان)

أو في كل مناسبة تستدعي تذكير النفس بالله وبأوصاف الله وبأفعال الله، قال تعالى:{ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} (الأنعام:12)

والقرآن الكريم يخبر في المناسبات المختلفة عن ملكية الله للأشياء، ويرتب عليها ما يقتضيه اعتقاد هذه الملكية:

فيرتب عليها تفرد الله تعالى بالولاية والنصرة، قال تعالى:{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} (البقرة:107)، وقال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} (التوبة:116)

ويرتب عليها تفرد الله بالثواب والعقاب، قال تعالى:{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (المائدة:40)

ويرتب عليها استحقاقه وحده للحمد، قال تعالى:{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} (الاسراء:111)

ويرتب عليها أنه وحده الذي يجير ولا يجار عليها، قال تعالى:{ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (المؤمنون:88) لأن الإجارة لا تكون إلا لمالك قادر.

ولهذا كان من أسماء الله تعالى الملك والمالك، وهذا الاسم لا يعني بأي وجه من الوجوه ما نفهمه من الملكية التي ندعي حصولها لنا في بعض الأشياء، فهي ملكية مجازية اعتبارية يحيط بها القصور من كل النواحي بخلاف ملكية الله تعالى.

فالملك ـ كما يقول الغزالي ـ هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود، بل لا يستغني عنه شيء في شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في وجوده ولا في بقائه، بل كل شيء فوجوده منه أو مما هو منه، فكل شيء سواه هو له مملوك في ذاته وصفاته وهو مستغن عن كل شيء([2]).

والملك بهذا الوصف لا يكون إلا لله، أما العبد فلا يتصور أن يكون ملكا مهما اتسعت أملاكه وقوي نفوذه.

فهو ( لا يستغني عن كل شيء، فإنه أبدا فقير إلى الله تعالى، وإن استغنى عمن سواه، ولا يتصور أن يحتاج إليه كل شيء بل يستغني عنه أكثر الموجودات، ولكن لما تصور أن يستغني عن بعض الأشياء ولا يستغني عنه بعض الأشياء كان له شوب من الملك)([3])

وقد أشار بعض العارفين لما قال له بعض الأمراء:( سلني حاجتك)، فأجابه العارف:( أوتقول لي هذا ولي عبدان هما سيداك) فقال:( ومن هما؟) قال:( الحرص والهوى، فقد غلبتهما وغلباك وملكتهما وملكاك) إلى أن الملك الذي يزعم لنفسه ملكية الخلق لا يملك حتى نفسه.

 وبذلك يكون شعور المؤمن بملكية الله لكل الأشياء هو المنطلق للتعرف عليه من خلالها، ثم لتسخيرها وفق إرادة الله.

ولهذا يتفق الأنبياء على تذكير أقوامهم بهذه الحقيقية، وقد أخبر القرآن الكريم أن فرعون لما سأل موسى عن حقيقة الله طالبا التعرف على الماهية قائلا:{ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } أجابه موسى u ببيان ملكية الله لجميع الأشياء، فقال:{ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} (الشعراء: 24)

وكأن موسى u يرد بهذه الإجابة على كل الأسس التي يقوم عليها تصور فرعون لألوهيته، وهو ما عبر عنه ذات يوم بقوله:{ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ } (الزخرف: 51)

وبذلك يكون التعرف على ملكية الله للأشياء هو أساس الشعور بالعبودية التي تقتضي تناول الأشياء من يد الله، وهو ما يرفع الإنسان إلى آفاق عليا من الأدب مع الكون ومع الله.

* * *

 وفي ذلك الحين يتحول الكون المسخر هدايا ربانية مقدمة من الله للإنسان، ليفيض قلب الإنسان ومشاعره بجميع أنواع الحمد.

وبسر هذا المعنى يرتبط حمد الله ـ كما ورد في الآثار ـ بالأشياء، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثلا يعلمنا عندما نريد أن نلبس ثوبا أن نقول كما ورد في الحديث:( من لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه)([4])

فقد جاء التعبير النبوي معبرا على أن الله هو الكاسي وهو الرازق، وأنه ليس للعبد من حول ولا قوة ليحقق لنفسه هذه المصلحة.

ولهذا ورد اللباس في القرآن الكريم بصيغة الإلباس، كما قال تعالى:{ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (الأعراف: 26)

والقرآن الكريم يعبر عن النعم المفاضة على العبادة مهما اختلف نوعها بصيغة الإنزال، ليشير إلى أن ملكيتها الحقيقية لله، وأنها وافدة على العباد لا ملكا مستقرا لهم.

قال تعالى في بيان عمومية نزول كل ما يتصور العباد ملكيته من الكون:{ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} (الحجر:21)

ويستوي في هذا الإنزال ما يكون حسا أو ما يكون معنى:

قال تعالى عن إنزال الكائنات الحسية:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} (يونس:59)

وخص بعض الكائنات الحسية بالذكر بصفة الإنزال لأهميتها، ومنها الأنعام، قال تعالى:{ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} (الزمر:6)

ومنها إنزال الماء، وهو أكثرها ورودا في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى:{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} (النحل:10)

 وليس المراد بالإنزال هنا ما يتوهم من كون المطر نازلا من السماء فقط، وإنما المراد ربطه بملكية الله، ولهذا سبق الإنزال ذكر الضمير المنفصل العائد على الله تعالى.

ومن النعم الحسية المنزلة الحديد، قال تعالى:{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحديد:25)

وفي المزج بين إنزال الحديد، وإنزال الكتاب والميزان، وتقديم الكتاب والميزان على الحديد إشارة إلى أن تسيير منافع الحديد مقيد بالضوابط التي يفرضها الكتاب والميزان.

ومثل إنزال ملكية الله للكائنات الحسية إنزال الله للكائنات المعنوية، ومنها السكينة والجند الرباني، قال تعالى:{ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} (التوبة:26)، وقال تعالى:{ إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:40)، وقال تعالى:{ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} (الفتح:26)

ومن هذا الباب إنزال الملائكة والروح، كما قال تعالى:{ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} (النحل:2)

ومنه إنزال الشعور بالأمن الذي يملأ النفس بالراحة، ويتيح لها النوم، قال تعالى:{ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ } (آل عمران:154)

وبهذا يعيش المؤمن، وهو يرى كل شيء من الله حتى الطعام الذي يأكله، واللباس الذي يكسوه، وقد قال تعالى في الحديث القدسي:( يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم)([5])

وبهذا الشعور المعطر بالاعتراف بالنعمة لمسديها يخف غرور الإنسان، بل يتلاشى، وهو ما يجعله يتعامل مع الأشياء تعامل العبودية التي تفيض باللطف والرحمة.

وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صيغ الذكر ما يغرس هذه المعاني في نفوسنا، أو ما يحوله إلى واقع حي يرفع أرواحنا، ويهذب سلوكنا.

فقد كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا أصبح قال:( أصبحنا وأصبح الملك لله عز وجل، والحمد لله، والكبرياء والعظمة لله، والخلق والأمر والليل والنهار وما سكن فيهما لله تعالى، اللهم اجعل أول هذا النهار صلاحا، وأوسطه نجاحا وآخره فلاحا، يا أرحم الراحمين)([6])

وفي كون هذا الذكر في الصباح ـ الذي يعني بداية عمر اليوم ـ وهو الحين الذي يكون فيه عقل الإنسان فارغا مهيئا لأي فكرة، وتكون جوارحه نشطة مهيئة لأي عمل، إشارة إلى أن التعرف على ملكية الله للأشياء هو الأساس الذي يحفظ التعامل معها ويرقيه.

وفي المساء يعود التذكير بهذه المعاني متصدرا أعمال الإنسان في الشطر الثاني من يومه، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول إذا أمسى:( أمسينا وأمسى الملك لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها رب أعوذ بك من الكسل ومن سوء الكبر أو الكفر رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر)([7])

بل علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نطرد الغفلة عن هذه المعاني حتى في اللحظات القصيرة التي ننتبه فيها من الليل، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من تعار من الليل فقال حين يستيقظ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم دعا رب اغفر لي ـ قال الوليد أو قال دعا ـ استجيب له فإن قام فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته)([8])

وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام من الليل يتهجد يبدأ بهذه المعاني لتكون أساسا لهبات الله النازلة على الروح:( اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد صلى الله عليه وسلم حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت أو لا إله غيرك)([9])

وقد أمرنا أن ننطق بهذه الحقيقة ونجعلها شعارا في أكبر تجمع للمسلمين، وفي أكبر تظاهرة بشرية، فقد كانت تلبية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)

وفي تخصيص ذلك التجمع بهذا الذكر الجليل تعليم للأمة أن لا تقدم أي ملك على ملك الله، ولهذا ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه وأغيظه عليه رجل كان يسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله تعالى)([10])

وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالإضافة إلى هذه الأذكار الوقتية ـ أن ننبه أنفسنا دائما إلى ملكية الله للأشياء في كل حين، بل دعا إلى التنافس في ذلك، فقال:( من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك)([11])

* * *

هذا هو أساس تعامل المؤمن مع الأشياء، أما الجاحد فهو في تخرصاته وكبريائه وتيهه عن الحق لا يستشعر شيئا من اللذة التي يستشعرها المؤمن وهو يتناول الأشياء من يد الله، قال تعالى:{ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} (يونس:66)

وقال عن الذين اتخذوا من دونه أولياء:{ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (الرعد:16)

وهؤلاء خبطوا وخلطوا، فـ { جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (الأنعام:136)

ونتيجة خلطهم وخبطهم أنهم يعبدون السراب، ويدعون من لا يملك شيئا، قال تعالى:{ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} (سـبأ:22)

بل لو كان بيد هؤلاء أي ملك، فإن ملكهم سيبقى قاصرا عليهم، قال تعالى:{ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً} (النساء:53)، وقال تعالى:{ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً} (الاسراء:100)

وهؤلاء الجاحدون ـ الذين غفلوا عن ملكية الله للأشياء في الدنيا ـ سيدركونها يوم القيامة، ولذلك يجيئ التعبير القرآني مخبرا عن ملكية الله للأشياء في الآخرة، وهو لا يعني عدم ملكيته لها في الدنيا، وإنما هو إخبار عن تعرف الجاحدين والغافلين حينها على هذه الملكية، كما قال تعالى:{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (الفاتحة:4)

وهؤلاء الجاحدون ـ كما يخبر القرآن الكريم ـ يقرون بهذه الملكية:{ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (غافر:16)

وقد صور ابن مسعود ذلك المشهد بقوله:( يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله جل وعز عليها، فيؤمر مناد ينادي:( لمن الملك اليوم)، فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: (لله الواحد القهار)، فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا.

ويصور سيد قطب هذا المشهد الذي تنكشف بها الحقيقة بقوله:( ويومئذ يتضاءل المتكبرون، وينزوي المتجبرون، ويقف الوجود كله خاشعاً، والعباد كلهم خضعاً. ويتفرد مالك الملك الواحد القهار بالسطان. وهو سبحانه متفرد به في كل آن. فأما في هذا اليوم فينكشف هذا للعيان، بعد انكشافه للجنان. ويعلم هذا كل منكر ويستشعره كل متكبر. وتصمت كل نأمة وتسكن كل حركة. وينطلق صوت جليل رهيب يسأل ويجيب ؛ فما في الوجود كله يومئذ من سائل غيره ولا مجيب: لمن الملك اليوم؟ .. لله الواحد القهار)([12])

وينفي الغزالي ما قد يتوهمه الغافلون من انحصار الملك لله في الآخرة بقوله:( ولا قادر الا الملك الجبار، واذا انكشفت الغطاء عن أعين الغافلين فشاهدوا الامر كذلك سمعوا عند ذلك نداء المنادي لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ولقد كان الملك لله الواحد القهار كل يوم لا ذلك على الخصوص، ولكن الغافلين لا يسمعون هذا النداء الا ذلك اليوم فهو نبأ عما يتجدد للغافلين من كشف الاحوال حيث لا ينفعهم الكشف)([13])

ومثل الكلام في تينك الآيتين الكلام في قوله تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} (الأنعام:73)، وقوله تعالى:{ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً} (الفرقان:26)

فالملكية المخصوصة باليوم الآخر، لا تنفي ملكية الدنيا، بل هي استمرار لها، والمراد بتخصيصها هو الإخبار عن اكتشاف الجاحدين والغافلين لها، وهو اكتشاف بعد فوات الأوان، ولات ساعة مندم.

ولهذا لا يصح ما يردده المسيحيون، وينسبونه للمسيح u:( دعوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله)، بل الصحيح أن قيصر وما لقيصر لله ملكا وتدبيرا، وحكما وتقديرا.

التدبير:

كما أن كل شيء من الكائنات ملك لله، لا يحق التصرف فيه إلا باسم الله، فإن كل شيء مما نراه من أنواع التدبير ملك لله كذلك، فالله تعالى هو المتصرف في كل شيء المحرك لكل شيء الفاعل لكل شيء([14])، قال تعالى:{ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} (يونس:3)

والقرآن الكريم مليء بذكر أنواع التدبير الإلهي للأشياء، وهو يعرضها بصيغ مختلفة ليقرأ المؤمن من خلال تدبير الله للأشياء صفات الكمال لله، قال تعالى:{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} (يونس:31)

وهذا التدبير يشمل جميع الأشياء، حتى ما نتوهمه مظاهر طبيعية، ناتجة عن أسبابها الفلكية الحسية، قال تعالى:{ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} (فاطر:13)

فالله تعالى هو الذي يمدنا بضوء النهار وسكينة الليل، لا حركات الأرض، قال تعالى:{ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} (الاسراء:12)

والله هو الذي يقلب الليل والنهار، لا ما نتوهمه من أسباب، قال تعالى:{ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} (النور:44)، وقال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً} (الفرقان:47)، وقال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} (الفرقان:62)

وليس هناك من تناقض بين الأمرين، فلا علمنا بتدبير الله ينفي الأسباب التي وضعها الله، ولا الأسباب تنفي تدبير الله، فالأشياء وأسبابها جميعا خلق من خلق الله.

ولهذا ورد التعبير القرآني عن تعاقب الليل والنهار بصيغة التقليب، قال تعالى:{ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} (النور:44) وهذا التقليب لا يبصره إلا من رفع الغشاوة التي تقصر بصره على ما يتوهمه.

وبمثل ذلك يتحدث القرآن الكريم عن جميع المظاهر التي ينسبها الجاحدون والغافلون للطبيعة، فالرياح لا تهب، وإنما ترسل.

وقد كرر تعالى هذا المعنى في آيات كثيرة، قال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (لأعراف:57)

فالآية ترجع الأمر لله في كل شيء، فنلاحظ هذه التعابير التي يتيه عنها الماديون: (يُرْسِلُ، سُقْنَاهُ، فَأَنْزَلْنَا، فَأَخْرَجْنَا..) وكلها تشير إلى تدبير الله للكليات والجزئيات.

وبمثل ذلك جاء تعبير ( فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ) بدل تعبير ( فشربتم) في قوله تعالى:{ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} (الحجر:22)

وبمثل ذلك جاء تعبير ( فَأَحْيَيْنَا) بدل ( حيت) في قوله تعالى:{ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} (فاطر:9)

وفي مراعاة التعبير عند الحديث عما يسمى بمظاهر الطبيعة جاء قوله صلى الله عليه وآله وسلم حاكيا عن ربه تعالى:( قال الله تعالى ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين يقولون الكوكب وبالكوكب)([15])

والكوكب المراد هنا هو ما كان أهل الجاهلية ينسبون به الحوادث، إما باعتباره مؤثرا أو باعتباره علامة، وهو نفس ما تذهب إليه الجاهلية الحديثة حين تفسر الأشياء بعللها التي تتوهمها نافية تصريف الله تعالى وتدبيره.

ولذلك اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم هذه النسب الوهمية من الجاهلية، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( أربع من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس التعيير في الأحساب والنياحة على الميت والأنواء وأجرب بعير فأجرب مائة من أجرب البعير الأول)([16])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن عدم تماسك التفسير الطبيعي المتناسي لتصريف الله بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لو أمسك الله عز وجل المطر عن عباده خمس سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة من الناس كافرين يقولون سقينا بنوء المجدح)([17])

وقد بين لنا صلى الله عليه وآله وسلم الطريقة الصحيحة في التعبير عن الحوادث الكونية بحادثة وقعت، فقد صلى صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال:( هل تدرون ماذا قال ربكم؟)، قالوا:( الله ورسوله أعلم) قال:( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب)([18])

بل إن القرآن الكريم يرشدنا إلى نسبة ما نتوهمه من أفعالنا إلى الله، فالله تعالى ينسب إليه ما يتصور الإنسان تفرده بتصريفه، قال تعالى عن عملية الحرث والزرع التي ينسبها كل إنسان إلى نفسه:{ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ }، ومثله قوله تعالى:{ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} (لأنفال: 17)، فالله تعالى هو المتفرد بالتدبير والتصريف.

وهكذا مما لا يمكن حصره في القرآن الكريم.

فالقرآن الكريم ينبهنا إلى الفاعل الحقيقي حتى لا ننحجب بعالم الحكمة عن قدرة الله، فعالم الحكمة يرينا الأسباب، وعالم القدرة يرينا رب الأسباب، وكلاهما يدل عليه العقل والذوق.

ولهذا كان أكبر القوادح في التوحيد نسبة أحداث الكون للكون، بل نص القرآن الكريم على كونه شركا، قال تعالى:{ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (العنكبوت:65)

قال الغزالي يبين حقيقة العلم الذي يضع الأشياء موضعها:( ومن انكشف له أمر العلم كما هو عليه علم أنّ الريح هو الهواء، والهواء لا يتحرّك بنفسه ما لم يحرّكه محرّك، وكذلك محرّكه، وهكذا إلى أن ينتهي إلى المحرك الأوّل الذي لا محرّك له ولا هو متحرك في نفسه عز وجل)([19])

ولهذا بين لنا الله تعالى ما ينبغي أقواله عند ركوب الفلك:{ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (هود:41) فمجرى السفينة ومرساها من الله تعالى .

وعلمنا أن نقول:{ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} (الزخرف:13)

فالأنعام مسخرة ـ كما تنص الآية ـ وهي لذلك تسير بأمر الله، وتتحرك بتصريف الله، والعاقل هو الذي يلجأ إلى الآمر لا إلى المأمور.

* * *

وهذا الإدراك ليس سلبيا كما يتصور المجادلون في الله بغير علم، فيقولون، أو يقول الشيطان على ألسنتهم:( أنتم تهربون من الواقع بنسبة التدبير إلى الله)، بل يضحكون بسخرية واستهزاء إن نسب ما يتوهمونه مظاهر طبيعية للتصريف الإلهي.

ولا يمكن الحديث مع هؤلاء أو تبادل الجدال معهم، ولكنا نقول ـ بأسلوبهم ـ إن النتائج العملية النافعة من التحقق بهذا الإدراك والشعور به لا تكاد تحصى:

ومن هذه النتائج السامية: احترام تصريف الله، والشعور بالأنس حين يمتلئ القلب بنشوة النظر إلى الله وهو يجيب الحاجات المختلفة للكائنات، كما قال تعالى:{ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} (الرحمن:29)، ثم بعد هذا التطلع لما في يد الله والتضرع إليه في تحقيقه.

ومنها التأدب مع الكون، واحترامه فقد وردت بها النصوص الكثيرة تنهى عن سب الريح أو الناقة أو الدهر لأن كل ذلك من الله.

أما سب الزمان والدهر، الذي يعني تقلبات الحوادث، فقد ورد النهي عنه في أحاديث كثيرة قال صلى الله عليه وآله وسلم:( قال الله عز وجل يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)([20])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تسموا العنب الكرم ولا تقولوا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر)([21])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الله عز وجل قال استقرضت عبدي فلم يقرضني وسبني عبدي ولا يدري يقول وادهراه وادهراه وأنا الدهر)([22])

ونهى صلى الله عليه وآله وسلم عن سب الريح، وأخبر بأنها لا تتحرك حسب رغبتها، وإنما تتحرك بهدي الوحي الإلهي الذي يسير كل شيء، فقد روي أن رجلا لعن الريح عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:( لا تلعن الريح فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه)([23])

وعلمنا صلى الله عليه وآله وسلم الطريقة الصحيحة في التعامل معها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( الريح من روح الله، فروح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها وسلوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها)([24])

وقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم عقوبة من يسب بعض هذه الكائنات التي لا تملك من أمر نفسها شيئا، وهي عدم جواز الانتفاع بها، فعن عائشة أنها ركبت جملا فلعنته، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تركبيه)([25])

وفي ذلك أبلغ التحذير من التطاول على خلق الله.

بل إنه لا ينبغي احتقار حتى البعوض الذي قد يؤذينا بلسعه، قال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } (البقرة: 26)

بل إن القرآن الكريم ينبه الذين يحتقرون بيت العنكبوت أن بيوتهم أوهن، قال تعالى:{ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (العنكبوت:41)

وينبه الذين يحتقرون الذباب إلى ما يشير إليه من نواحي ضعفهم، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} (الحج:73)

ومن نتائج هذه النظرة السامية: الراحة من منازعة الأقدار اكتفاء ببتقدير الله:

وهي نتيجة مهمة، فإن العالم بتصريف الله للكائنات لا يحزن ما يحصل له منها، أو ما يفوته من منافعها، لأن سبب الحزن هو فوات المقدور عليه، أما ما يعتقد استحالته فإن نفس استحالته تعزيه عن عدم حصوله عليه.

فلذلك لا يخاف مالك على ملكه، ما دام الله هو مؤتي الملك ونازعه، فإن أتى فبفضل الله، وإن ذهب فبقدرة الله، ولن تستطيع قوة في العالم نزعه أو تثبيته، قال تعالى:{ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران:26)

ولا يخاف على رزقه ما دام الله هو الرازق قال تعالى:{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} (يونس:31)

ولا يخاف الضر، ولا يرجو النفع من غيره، قال تعالى:{ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (يونس:49)

وهكذا في جميع شؤون حياته.. قال الغزالي مبينا التأثير النفسي لهذه المعارف:(.. أن ينكشف لك أن لا فاعل إلا الله تعالى، وأن كل موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع وحياة وموت وغنى وفقر إلى غير ذلك مما ينطلق عليه اسم فالمنفرد بإبداعه واختراعه هو الله عز وجل لا شريك له فيه، وإذا انكشف لك هذا لم تنظر إلى غيره، بل كان منه خوفك وإليه رجاؤك وبه ثقتك وعليه اتكالك، فإنه الفاعل على الانفراد دون غيره، وما سواه مسخرون لا استقلال لهم بتحريك ذرّة من ملكوت السموات والأرض، وإذا انفتحت لك أبواب المكاشفة اتضح لك هذا اتضاحاً أتم من المشاهدة بالبصر)([26])

وهذه المعارف إذا انصبغ بها كيان الإنسان وتوحد قلبه عند النظر للكون أو التعامل معه هو الكفيل الوحيد بتحقيق الراحة والسعادة والطمأنينة.

لأن مصدر القلق والاضطراب هو الشتات الذي يحصل في الإنسان نتيجة رؤية الأشياء قائمة بذاتها، فتتوزع في نفسه الرغبة منها أو الرهبة، وهي متناقضة مختلفة، فيحصل فيه من التناقض بحسبما في الأشياء من تناقض.

أما إذا رآها جميعا بيد الله، فإن قلبه يتوحد مع الله.

ومن نتائج هذه النظرة السامية: اللجوء إلى الله لا إلى الكون، وطلب الأشياء من الله لا من الأشياء، فالله هو المتصرف لا الأشياء.

ومن الحماقة أن نترك الآمر ونتوجه إلى المأمور، وقد ذكر الغزالي مثالا يبين تهافت الذين ينسبون الأشياء إلى ما يتوهمونه، ثم يلجؤون إليه بضراعة والرجاء بقوله:( فالتفات العبد في النجاة إلى الريح يضاهي التفات من أخذ لتحز رقبته فكتب الملك توقيعاً بالعفو عنه وتخليته، فأخذ يشتغل بذكر الحبر والكاغد والقلم الذي به كتب التوقيع يقول: لولا القلم لما تخلصت، فيرى نجاته من القلم لا من محرّك القلم وهو غاية الجهل)([27])

ولهذا وردت النصوص الكثيرة تدعونا إلى طلب منافع الكون من الله، ولو كانت هذه المنافع مما ننسبه إلى أنفسنا أو ننسبه إلى الطبيعة.

ففي الوقت الذي يستسقي فيها الجاهلون بالأنواء، أو يقولون ما يقول قوم هود حين رأوا سحاب العذاب، مما قصه علينا الله تعالى، قال تعالى:{ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} (الاحقاف:24)

في ذلك الوقت يتوجه المؤمنون إلى الله رب المطر ومنزله بالدعاء والعبودية، وقد وردت صيغ رقيقة عميقة في الاستسقاء تبين الروح التي يتعامل بها المؤمن مع الأشياء والحوادث.

منها ما روي أن الناس شكوا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قحوطَ المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناسَ يوماً يخرجون فيه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبر وحمد الله عزوجل، ثم قال: (إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله سبحانه أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم)، ثم قال: (الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين)

ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره وقلب، أو حول رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين.

وكانت نتيجة هذا الدعاء، وما اشتمل عليه من مظاهر الذلة لله تعالى ما نصت عليه الرواية:( فأنشأ الله تعالى سحابة، فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه، فقال:( أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله)([28])

ومثلما طلب صلى الله عليه وآله وسلم السقيا من الله طلب الصحو من الله، فقد روي أنه لما كثر المطر سألوه الإستصحاء فاستصحى لهم وقال:( اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والجبال والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر)([29])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى مطرا قال:( اللهم صيبا نافعا)([30])، وكان يحسر ثوبه حتى يصيبه من المطر، فسئل عن ذلك، فقال:( لأنه حديث عهد بربه) ([31])

ويروى أنه كان إذا سال السيل قال:( اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورا فنتطهر منه، ونحمد الله عليه)([32])

ومثل اللجوء إلى الله في الاستسقاء وطلب المنافع التي أودعها الله المطر، اللجوء إلى الله في جميع المنافع، وحمد الله عند حصول كل خير.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا طلعت الشمس قال:( الحمد لله الذي جللنا اليوم عافيته، وجاء بالشمس، من مطلعها، اللهم أصبحت أشهد لك بما شهدت به لنفسك، وشهدت به ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك إنك أنت الله لا إله إلا أنت القائم بالقسط، لا إله إلا أنت العزيز الحكيم، اكتب شهادتي بعد شهادة ملائكتك وأولي العلم، اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك السلام، أسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تستجيب لنا دعوتنا، وأن تعطينا رغبتنا، وأن تغنينا عمن أغنيته عنا من خلقك، اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معيشتي، وأصلح لي آخرتي التي إليها منقلبي)([33])

2 ـ السلام:

تكاد كل النعم المسخرة في الكون تقول للإنسان:( أنا بين يديك.. أنا رهن إشارتك.. أنا مخلوق لخدمتك)

أو تقول ما قاله بديع الزمان، وهو يعبر عن خطاب الشمس لنا، وترحيبها بنا:( يا إخوتي لا تستوحشوا مني ولا تضجروا! فأهلاً وسهلاً بكم. فقد حللتم أهلاً ونزلتم سهلاً. أنتم أصحاب المنزل، وأنا المأمور المكلف بالإضاءة لكم، أنا مثلكم خادم مطيع سخرّني الأحد الصمد للاضاءة لكم، بمحض رحمته وفضله. فعليّ الاضاءة والحرارة وعليكم الدعاء والصلاة)([34])

وهكذا يخاطبنا كل شيء بلسان حاله، ( فيا هذا هلاّ نظرت إلى القمر.. إلى النجوم.. إلى البحار.. كل يرحب بلسانه الخاص ويقول: حياكم وبياكم. فأهلاً وسهلاً بكم)

وهكذا تخاطبنا كل الأشياء رافعة ألوية السلام، فتسخير الله للكون تسخير مصحوب بالسلام.

ولا ينبغي أن يحجبنا ما قد يمر بنا من المتاعب والمشاق عن رؤية سلام الكون، فهي متاعب يقتضيها البلاء، وهي متاعب بسيطة بجنب الثمرات والمصالح المتحققة.

والمؤمن ينظر إلى الكون، وما سخر له فيه بهذه النظرة، فهو يتعامل مع كون سخر له، لا كون معاند يحتاج فيه إلى الصراع معه من أجل تحقيق مصالحه.

وهذه النظرة تخالف نظرة الكافر الجاحد، الذي يمتلئ كبرا وغرورا، فيتصور أنه مصارع عنيف، فلذلك يفرض وجوده على هذه الأرض بجهده وحيلته وقوته، ويقول ـ كما عبر القرآن الكريم على لسان قارون ـ:{ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } (القصص: 78) فلذلك رد عليه تعالى مكملا:{ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ } (القصص: 78) فهل علمه من القصور ما جعله لا يمتد إلى معرفة مصاير القرى الهالكة، ليرى أسباب هلاكها؟

ومثل قارون من أنعم الله عليه بنعمة العافية بعد البلاء، فينسى المبتلي والمعافي، لا يذكر إلا نفسه، قال تعالى:{ فَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} (الزمر:49)

وهكذا الإنسان الثامل بخمرة العلم الحديث، والساجد أمام وثن العقل يتصور أنه يصارع الطبيعة، ويغلبها غلبة الأبطال.

وفي مقابل ذلك نجد القرآن الكريم يصور النعم المستسخرة بصورة الهدايا المقدمة على أطباق، ومعها ختم المهدي، فالله تعالى صور ـ مثلا ـ الأرض بصورة المركب الذلول، المحتوية على كل المنافع، فقال تعالى:{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك:15)

فالآية تصف الأرض بكونها ذلولا، وهذا الوصف يطلق عادة على الدابة، ليصور في الأذهان ويغرس في العقول والقلوب ( أن هذه الأرض التي نراها ثابتة مستقرة ساكنة، هي دابة متحركة.. بل رامحة راكضة مهطعة([35])، وهي في الوقت ذاته ذلول لا تلقي براكبها على ظهرها، ولا تتعثر خطاها، ولا تخضه وتهزه وترهقه كالدابة غير الذلول، ثم هي دابة حلوب مثلما هي ذلول!)([36])

بينما يصورها الجاحدون في صورة الدابة الرامحة الراكضة التي تحتاج فارسا قويا مثل فرسان رعاة البقر ليقوم بترويض جماحها على نغمات تصفيق المعجبين.

ولهذا نجد في القرآن الكريم روعة التعبير عن الكون المسخر، بخلاف تعبير العلوم الحديثة، والتي كان تقهقرها في فلسفة ما اكتشفته من معارف مساويا لتقدمها في اكتشافاتها واختراعاتها.

وقد عقد النورسي هذه المقارنة بين التعبير القرآني في وصف الشمس في قوله تعالى:{ وَجَعَلَ الشمسَ سراجاً } (نوح:16)، وبين التعبير العلمي الحديث الجاف، فقال عن التعبير القرآني:( في تعبير السراج تصوير العالم بصورة قصر، وتصوير الأشياء الموجودة فيه في صورة لوازم ذلك القصر، ومزيّناته، ومطعوماته لسكان القصر ومسافريه، واحساسٌ أنه قد أحضَرتها لضيوفه وخدّامه يدُ كريمٍ رحيم، وما الشمسُ إلاّ مأمور مسخَّر وسراج منوَّر. ففي تعبير السراج تنبيه الى رحمة الخالق في عظمة ربوبيته، وافهامُ إحسانه في سعة رحمته، واحساسُ كرمه في عظمة سلطنته)([37])

أما العلم الحديث فيعرف الشمس بأنها ( كتلة عظيمة من المائع الناري تدور حول نفسها في مستقرها، تطايرت منها شرارات وهي أرضنا وسيارات أخرى فتدور هذه الاجرام العظيمة المختلفة في الجسامة.. ضخامتها كذا.. ماهيتها كذا..)

وعقب على هذه المقارنة بقوله:( فانظر ماذا أفادتك هذه المسألة غيرَ الحيرة المدهشة والدهشة الموحشة، فلم تُفِدْك كمالاً علمياً ولا ذوقاً روحياً ولا غاية إنسانية ولا فائدة دينية)

وعلى هذا تقاس جميع التعبيرات القرآنية المتعلقة بالكون المسخر، ولذلك من الجهل العظيم ما أنكره بعضهم من أن القرآن الكريم لا يتكلم عن الكائنات من الزاوية التي يسمونها علما، ويقصرون العلم عليها، قال النورسي:( فقس على هذا لتقدّر قيمة المسائل الفلسفية التي ظاهرُها مزخرفة وباطنُها جهالة فارغة، فلا يغرّنك تشعشع ظاهرها وتُعرِض عن بيان القرآن المعجز)

* * *

 والنظرة المسالمة للكون، أو شعورنا بأن الكون مسالم لنا يدعونا إلى احترام هذا السلام، فلا نبادله بالحرب، ولا نتعامل معه وفق ما يمليه الصراع.

ولهذا ورد في النصوص الحث على رحمة الكائنات، ومحبتها في الله، وأخذ ما نأخذ منها باسم الله.

وقد ورد فيها ما يرغب في الجزاء الذي أعد للتعامل المسالم مع الكائنات، وما يرهب في نفس الوقت من التعامل معها كما يتعامل معها المصارعون:

فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:( إني أنزع في حوضي حتى إذا ملأته لأهلي ورد علي البعير لغيري فسقيته، فهل لي في ذلك من أجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( في كل ذات كبد حرى أجر) ([38])

وجاء رجل آخر، فقال: يا رسول إن الضالة ترد على حوضي فهل لي فيها من أجر إن سقيتها؟ قال:( أسقها، فإن في كل ذات كبد حراء أجرا ً)([39])

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه الحر، فوجد بئرا ًفنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفرله، قالوا:يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرا ً؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر)([40])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الله تعالى غفر لمومس مرت بكلب يلهث كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء فغفر لها بذلك([41]).

وفي حديث آخر، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:( الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال في مرج أو روضة فما أصابت في طلبها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت أرواؤها وأثارها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له..)([42])

والجزاء على الإحسان للكائنات لا يقتصر على الجزاء الأخروي، بل هو جزاء يشمل الدنيا والآخرة، قال مطرف بن عبدالله:( إن الله ليرحم برحمة العصفور)

وقد ذكر الشعراني واقعة حدثت له تشير إلى هذا، قال:( مما وقع لي أن زوجتي فاطمة القصبية أم ولدي عبدالرحمن نزل عليها حادر وأشرفت على الموت وغابت عن إحساسها وصاحت أمها وأهل الدار عليها حين رأوا أمارات الموت فحصل عندي كرب شديد لأجلها من جهة موافقتها للمزاج ودينها وخيرها فإذا بقائل يقول لي:( ادخل مجاز الخلاء تجد ذبابة في شق سحبها ضبع الذباب وهي صائحة يريد أكلها فخلصها ونحن نخلص لك زوجتك)، فدخلت ونظرت إلى الشق، فسمعت صياح الذبابة فوجدت الشق ضيقا لا يسع الأصبع فأدخلت عودا برفق واستخرجتها وخلصتها من ضبع الذباب، فأفاقت أم عبدالرحمن في الحال، وزغردت أمها، هذا أمر وقع لي)([43])

وما ذكره الشعراني ليس مستغربا، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء)، وهو يشير إلى أن الرحمة بالخلق هي العين التي تتدفق منه رحمة الله بالعبد، وقد روي من ذلك أيضا عن بعضهم أنه رؤي في المنام فقيل له: ما فعل اللّه بك قال: غفر لي ورحمني، وسببه أني مررت بشارع بغداد في مطر شديد فرأيت هرة ترعد من البرد فرحمتها وجعلتها بين أثوابي)

***

 وبمثل ما رغبت النصوص في هذه الخدمات ذاكرة أنواع الجزاء المرتبطة بها، رهبت من عكسها ترهيبا شديدا يبين خطورة تعامل المصارعين مع هذه المخلوقات.

ففي الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( عذبت امرأة في هرة لم تطعمها ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض)([44])

وصور صلى الله عليه وآله وسلم ذلك تصويرا مخيفا، فقال:( دنت مني النار حتى قلت: أي رب وأنا معهم، فإذا امرأة حسبت أنه قال: تخدشها هرة _: قال ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعا)([45])

وربط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعذاب هذه المرأة بتعذيب الهرة يدل على أنه سبب تعذيبها، لا كونها كافرة، وهذا ما حمل النووي على قوله في شرح هذا الحديث:( إن المرأة كانت مسلمة وإنها دخلت النار بسببها، وهذه المعصية ليست صغيرة بل صارت بإصرارها كبيرة)([46])

ونحن لا نرى في الحديث ما يدل على كونها مسلمة أو غير مسلمة، ولكن الحديث يشير إلى ما هو أعمق من ذلك.. وهو أن هذا السلوك يستوجب العقوبة بغض النظر عن كون من سلك هذا السلوك مسلما أو غير مسلم([47])، بلغته الرسالة أو لم تبلغه، لأن الرحمة المرتبطة بهذا مندرجة في البرمجة الإلهية للفطرة الإنسانية، ولذلك يؤاخذ مخالفها سواء بلغته الرسالة أو لم تبلغه([48]).

بالإضافة إلى ما أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم من اقتصاص الحيوانات من بعضها بعضا يوم القيامة.. فإن كان ذلك كذلك، فالبشر ـ بما أعطوا من طاقات ـ أولى بأن يحاسبوا.

***

 والنصوص المقدسة لم تكتف بهذه التوجيهات التي قد لا تجد من غلاظ القلوب من لا يهتم لها، ولذلك شرعت التشريعات المختلفة التي تحفظ حرمة هذه الكائنات، والتي تخول لولي الأمر من خلالها أن يمارس ما يراه من عقوبات زاجرة.

وهذه ميزة هامة في الإسلام، من حيث عدم اكتفائه بالتوجيهات دون التشريعات.. وللأسف لا زال يتولى مهمة الرفق بالحيوان في عصرنا هذا جمعيات خيرية ليس لها أي سلطة ردعية.

ومن التشريعات التي شرعها الإسلام، والمرتبطة بعالم الحيوان تحريم تصبير البهائم، وهو أن تحبس لترمى حتى تموت، ففي الحديث: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل([49]).

ومثل ذلك تحريم المثلة، وهي قطع أطراف الحيوان، ففي الحديث: (لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مثّل بالحيوان)([50])

واللعن من أخطر صيغ التحريم، والتحريم يقتضي العقاب، والعقاب أثر من آثار الجريمة، وهذا يعني: أن الإساءة إلى الحيوان وتعذيبه وعدم الرفق به يعتبر جريمة في نظر الشريعة الإسلامية.

ومثل ذلك ورد النهي عن كي الحيوان لغير غرض صحي، والأحاديث في النهي عن الكي في الوجه كثيرة.

فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرّ على حمار قد وسم في وجهه فقال:( لعن الله الذي وسمه)([51])، وفي رواية له:( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه)

وفي حديث آخر ًعن جنادة بن جراد قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإبل قد وسمتها في أنفها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( يا جنادة فما وجدت عضوا تسمه إلا في الوجه أما إن أمامك القصاص) فقال: أمرك إليها يا رسول الله([52]).

وفي حديث آخر عن جابر بن عبد الله قال: مرّ حمار برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كوي وجهه يفور منخراه من دم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( لعن الله من فعل هذا)، ثم نهى عن الكي في الوجه والضرب في الوجه([53]).

ومثل ذلك ورد النهي عن خصاء البهائم، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يخصى الإبل والبقر والغنم والخيل..

ومما يلحق بهذا الباب تحريم كل لهو لا هدف له إلا العبث بهذه العوالم التي أمرنا برحمتها واحترامها، وقد روي في الحديث:( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن التحريش بين البهائم)([54])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من قتل عصفورا عبثا ًعجّ إلى الله يوم القيامة يقول: يا رب إن فلانا قتلني عبثا ًولم يقتلني منفعة)([55])

ويحكي في ذلك بعض الصحابة قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمّرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تعرش، فلما جاء رسول الله قال:( من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها) ([56])

ويدخل في هذا الباب تحريم جميع الممارسات التي تنظر لها الحضارة الحديثة على أنها تقاليد، وتحسب أن ذلك كاف لإعطاء بعد شرعي لها، ومنها تعذيب الحيوانات بإغراء بعضها على بعض وتهييجها، كمصارعة الثيران، ومصارعة الديكة، والكباش ونحو ذلك، أو نصبها غرضا ًللرماية والصيد، أو قتلها بدون فائدة ولا منفعة.

***

 ومما ورد النهي عنه إرهاق الحيوانات بالعمل الشاق، أو التعامل القاسي معها، ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كيفية وضع الحمل عليها، مما يكون عونًا لها على السير، وتخصيص كل دابة بما تطيقه، والمبادرة لحلِّ الرِّحال عن النزول عنها، وتقديم علفها على أكل صاحبها، وكذا المباردة إلى سقيها، كل ذلك شفقة عليها وإبقاء لها([57]).

ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( أخروا الأحمال، فإن اليد مغلقة، والرجل موثقة)([58])

وفي حديث آخر عن عائشة قالت:( خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع، وخرج معه نساؤه، وكان متاعي فيه خف، وهو على جمل ناج، وكان متاع صفية في ثِقل، وهو على جمل ثِفال بَطيء، يَتبطأ بالركب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( حوِّلوا متاع عائشة على جمل صفية، وحولوا متاع صفية على جمل عائشة، حتى يمضي الركب)([59])

وقد بنى الفقهاء على هذا وغيره حرمة الجمع بين الركوب وحمل المتاع إلا إن كانت الدابة المركوبة محتملة للحمل عليها ([60])

وفي حديث آخر عن أنس قال: كنا إذا نزلنا منزلًا لا نسبّح حتى نحُل الرِّحال([61]).. يريد بذلك: لا نصلي سُبحة حتى نحط الرحال، ونُجمَّ المطي.

وقد استنبط الفقهاء من هذا أنه يستحب لمن نزل منزلًا أن لا يَطعَم حتى يعلف الدابة، ولا يقصِّر في سقيها.

ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من النهي عن وقوف الدابة وراكبها جالس على ظهرها؛ ففي الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله عز وجل إنما سخَّرها لكم لتُبْلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجتكم)([62])، وفي رواية قال رسو ل الله صلى الله عليه وآله وسلم:( اركبوا هذه الدواب سالمة، وابتدعوها([63]) سالمة، ولا تتخذوها كراسي)([64])

وفي رواية أنه صلى الله عليه وآله وسلم مرَّ على دوابِّ لهم ورواحل، وهم وقوف، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(اركبوها سالمة، وانزلوا عنها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم ومجالسكم، فرُب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرًا لله عز وجل)([65])

ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من النهي عن ركوب ثلاثة في آن واحد، ففي الحديث عن جابر قال:( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يركب ثلاثة على دابة)([66])

وفي حديث آخر: أنه رأى ثلاثة على بغل، فقال: لينزل أحدكم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن الثالث([67]).

بل ورد ما هو أخطر من ذلك، ففي الحديث عن علي قال: إذا رأيتم ثلاثة على دابة فارجموهم حتى ينزل أحدهم)([68])

ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من الأمر بالنزول عنها عند المرور بالأرض المخصبة بالكلأ المباح لتَرعى فيها، وعد كفِّها عن المكان السهل، ففي الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا أخصبت الأرض فانزلوا عن ظهركم فأعطوه حقه من الكلأ، وإذا أجدبت الأرض فامضوا عليها بنقيها)([69])

وفي حديث آخر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا ركبتم هذه الدواب فأعطوها حظها من المنازل)([70])

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا سافرتم في الخصب لأمكنوا الركاب من أسنانها، ولا تجاوزوا المنازل) الحديث([71])، وفي لفظ: (إذا كانت الأرض مخصبة فأمكنوا الركاب وعليكم بالمنازل)

وفي حديث آخر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا ركبتم هذه البهائم العُجم، فإذا كانت سَنة فانجوا عليها)([72])

وفي حديث آخر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا كانت أرض مخصبة فتقصَّوا في السير واعطوا الركاب حقها، فإن الله رفيق يحب الرفق، وإذا كانت أرض مجدبة فانجوا عليها)([73])

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الله رفيق يحب الرفق ويرضاه ويعين عليه ما لا يعين على العُنف، فإذا ركبتم الدواب العجم فنزلوها منازلها، فإن أجدبت الأرض فانجوا عليها)([74])

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا ركب أحدكم الدابة فليحملها على ملاذها([75]) ـ أو قال: على ملاذة ـ فإن الله تعالى يحمل على القوي والضعيف)([76])

ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من النصوص دالا على إراحتها من الركوب لتستريح([77])، وقد ورد في الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم (كان إذا صلى الفجر في السفر مشى)([78])

وقد روي عن بعض الصالحين([79]) أنه كان في بعض أسفاره راكبًا ناقة، فسمعها وهي تقول له: أتعبتني يا صالح، فنزل عنها فمشى إلى أن سمعها وهي تقول: اركب فقد استرحت.

ولا استبعاد في هذا، وقد مر معنا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه فقالت: لم أخلق لهذا، خُلقْتُ للحراثة)([80])

ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من النصوص دالا على استحباب تنشيطها بالحُداء([81]) وإراحتها بذلك، وقد جرت عادة الإبل أنها تسرع السير إذا حدي بها، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في مسير له لعبد الله بن رواحة (يابن رواحة، انزل فحرك الركاب)، فقال:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزل السكينة علينا         وثبت الأقدام إن لاقينا ([82])

ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من الأمر بالرفق في السير بها إبقاء عليها وعلى نفسه؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (المنبَتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى([83])) ([84])

***

وعلى هذا الهدى المضمخ بعطر السلام، سار الصالحون متأدبين مع الكون مسالمين له، وقد عبر الشعراني عن الأساس الذي نبعت منه رحمة الصالحين على الكائنات بهذا التعبير الرمزي الجميل:( أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نشفق على جميع خلق الله تعالى من مؤمن وكافر بطريقه الشرعي، كل بما يناسبه من الرحمة، لكن لا نبالغ في الرحمة كل المبالغة بحيث نرحم الشاة فلا نذبحها مثلا، لأن للرحمة حدا لا تتعداه، وقد سمى الحق تعالى نفسه أرحم الراحمين وأمرنا بذبح الحيوانات فنذبحها مع رقة القلب، ونضرب من شرد عن طريق الاستقامة من رعية وعبد وولد وبهيمة رحمة به على وجه التأديب لا التشفي للنفس، ونكون أرحم به من نفسه)([85])

وقد ذكر الشعراني التزام الربانيين بهذا العهد الذي أخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمته، فذكر عن علي الخواص قوله:( من شروط من تخلق بالرحمة على العالم أن يعامل الجماد معاملة الحي، فيمسك كوز الماء مثلا ويضعه برفق وشفقة، خوفا أن يتألم من الوضع)

وقد بلغت به شفافية الروح المسالمة أن قال عن نفسه:( وقد وضعت الكوز مرة بعنف فقال: أه، فمن ذلك اليوم وأنا أضعه برفق)

ويتحدث عنه الشعراني أنه كان يملأ أواني الكلاب ويقول:( إنهم مساكين لا يقدرون أن يملؤوا من البئر إذا عطشوا ويمنعهم الناس من دخول دورهم، ومن الشرب من حيضان دوابهم خوف التنجيس)

ويروي عنه أنه كان يرسل بعض تلامذته إلى المذبح فيأتي بشعث اللحم وبالطحال ونحوهما للقطط كل يوم ويقول:( إن غالب الناس اليوم لا يطعم قطة الدار شيئا، وإنما تخطف كلما قدرت عليه إذا جاعت على رغم أنفه)

ويروي عنه أنه كان يتفقد النمل الذي في شقوق الدار ويضع له الدقيق ولباب الخبز على باب جحره ويقول:( يمنعهم من الانتشار لأجل القوت، فإن النملة إذا جاعت خرجت تطلب رزقها ضرورة، وعرضت نفسها لوقوع حافر أو قدم عليها فتموت أو تنكسر رجلها، فإذا وجدت ما تأكل على باب جحرها استغنت عن الخروج)

ويروي عن صالح آخر، قال:سمعت أخي أفضل الدين مرة يقول:( من الأدب إذا ركب العبد دابة أن يرحمها بالنزول عنها ولا يركب إلا عند الضرورة)

ويروي عنه أنه رآه مرة قلب حافر الحمارة لما نزل من عليها وقبله، فأخذ يخاطبها قائلا:( اجعليني في حل)، وصار يعتذر إليها كما يعتذر لمن اعتدى عليه من الناس.

ويروي عن الإمام الجليل السيد أحمد بن الرفاعي أنه وجد بأم عبيدة كلبا أجرب أبرص أجذم عافته نفوس الناس وأخرجوه من البلد، فمكث الشيخ يخدمه في صحراء أم عبيدة نحو أربعين يوما، وعمل عليه مظلة من الحر وصار يدهنه حتى برئ وغسله بالماء الحار، وقال: خفت أن يقول الله لي يوم القيامة:( أما كانت فيك رحمة تشمل كلبا من خلقي)

ويروي عنه أنه كان يقول:( لا ينبغي لفقير أن يجعل للنمل الطائف على رزقه مانعا يحول بينه وبينه من قطران ونحوه إلا بعد أن يخرج له نصيبا معلوما من ذلك ويضعه له على باب جحره)

ومما يروى في هذا أن عدي بن حاتم كان يفت الخبز للنمل ويقول: إنهن جارات ولهن حق.

وكان أبو إسحاق الشيرازي يمشي في طريق يرافقه فيه بعض أصحابه، فعرض لهما كلب فزجره رفيق الإمام أبي إسحاق، فنهاه الإمام، وقال: أما علمت أن الطريق بيني وبينه مشترك.

ولا زال الربانيون ـ في كل العهود ـ مسالمين للكون، وقد كان النورسي مثالا للشفقة على الكائنات قل نظيره، يقول المصاحبون له([86]):( كان للاستاذ علاقة متينة مع المخلوقات ويشفق كثيراً جداً على الأشجار والحيوانات بل حتى على الأحجار ايضاً، فعندما يرى كلباً – مثلاً – في الطريق يشفق عليه ويبادرنا بالقول:( هل لديكم كسرة خبز؟ فيأخذها ويعطيها للكلب)

ويعتذر عن سباع الحيوانات بقوله:( هذه حيوانات وفية، وإن عدوها وعواءها ناشئان عن صدقها ووفائها)

وكان عندما يرى في السهول السلحفاة – مثلاً – على حوافي السواقي يقول:( ما شاء الله، بارك الله، ما أجملها من مخلوق، فالصنعة والإتقان في خلقها ليس بأقل منكم)

أما النمل، فله معه قصص كثيرة ـ ذكرنا بعضها ـ ومنها ما عبر عنه هذا الصاحب بقوله:( أحياناً عندما كان الأستاذ يرى مملكة النمل او يرانا نحرك حجراً وتحته مملكة النمل كان يعيد الحجر إلى مكانه ويقول:( لا تقلقوا راحة هذه الحيوانات)

وهذه قصة يذكرها بعض تلاميذه كمظهر من مظاهر احترامه لهذا العالم، والتي يتجلى من خلالها سمو السلوك الإسلامي مع الكون، يقول هذا التلميذ:( بدأ الجو يبرد شيئاً فشيئاً حيث الشتاء مقبل ونحن لازلنا على جبل أرك، كنا نتوقع هطول أمطار غزيرة وتساقط الثلوج بكثرة وكان المكان الذي نبقى فيه هو على شكل ربوة او مرتفع صغير، فأراد الأستاذ ان نبني غرفة. فبدأنا ببناء الغرفة على هذا المرتفع، وعندما حفرنا الأساس وجدنا مملكة للنمل، ولما رأى الأستاذ النمل أمرنا بالتوقف. فسألناه عن السبب. قال:( هل يجوز بناء بيت بهدم بيت آخر؟ لا تخربوا بيوت هذه الحيوانات. احفروا في مكان آخر غيره)

قال: فبدأنا نحفر في مكان آخر فوجدنا مملكة أخرى ايضاً للنمل. وحفرنا ثالثة فوجدنا نفس الشئ. وهكذا تكررت العملية ثلاث مرات. فسألني أحد الطلاب الذي كان يساعدني في هذا العمل: هل سيستمر الأمر هكذا؟ علينا ان نحفر في مكان ما فإذا ظهر النمل واريناه التراب لئلا يراه الأستاذ ومن بعد ذلك نستمر بالحفر، وإلا فسوف نظل إلى العشاء ولما نقم بشئ، فليس في هذه المنطقة شبر الا وفيها مملكة للنمل.

قال: وعلى كل حال بنينا غرفة صغيرة للاستاذ هناك، فكان الأستاذ كلما يرى النمل ويشاهد مملكته في الغرفة يقدم له البرغل والسكر وفتات الخبز، فسألناه عن سبب تقديمه السكر للنمل فأجابنا ضاحكاً:( فليكن السكر شاياً لهم)([87])

وكان عندما يلتقي في تجوله صيادي الأرانب والطيور يقول لهم:( لا تروعوا هذه الحيوانات ببنادقكم ولا تؤذوا غيرها)

وبهذا الأسلوب كان ينصح الصيادين الهواة حتى جعل الكثيرين منهم يتخلون عن الصيد.

وكان عندما يلتقي الرعاة في السهول الخضراء وهم يرعون حيواناتهم في مروج بين الجبال والوديان والسهول، يلاطفهم ويقول لهم:( إنكم إذا ما أديتم الصلاة في أوقاتها الخمسة خلال اليوم يصير اليوم بكامله بمثابة عبادة لكم، لأنكم برعيكم هذا تقدمون خدمة كبيرة للبشرية فان انتفاع بني البشر من أصوافها ولحومها وألبانها هو بحكم الصدقة لكم، فلا تؤذوا إذن هذه الحيوانات البريئة النافعة)

3 ـ الحكمة:

ينظر المؤمن إلى الخدمات الجليلة التي تفاض عليه من الكون المسخر، فيراها هدايا ربانية، فيتمتع بها، ويتعرف على مهديها، بينما يراها الغافل فرصة لاستغلالها أو الصراع معها والتغلب عليها.

والقرآن الكريم يلفتنا إلى وجوه الحكم في هذا الكون المسخر، لنرعاها، ونتعامل معه وفق مقتضاها، فلا نحيد بها عن مراد الله، بينما يتصوره الغافلون الجاحدون كونا مستباحا، لا قوانين تحكمه، ولا ضوابط أخلاقيه تقيد التعامل معه.

وأساس النظرة الإيمانية ـ كما سبق بيانه ـ هو اعتقاد المؤمن ملكية الله تعالى لهذا الكون، وهذه الملكية هي التي تجعل له وحده حق إباحة منافعه أو حظرها، وكيفية الانتفاع به، بخلاف النظرة المادية الجاحدة التي تتصوره مشاعا لا مالك له، فلا يخشون حسابا ولا عقابا.

وأساسها ـ أيضا ـ هو اعتقاده أن هذا الكون بني على أحسن نظام وأدقه، وأن أي تغيير فيه على ما هو عليه انحراف كبير وفساد عظيم، ويشير إلى هذا القاعدة المعروفة:( ليس في الإمكان أبدع مما كان)

قال الغزالي شارحا لها:( لا ريب أن الله عز وجل لو خلق الخلق كلهم على عقل أعقلهم وعلم أعلمهم وخلق لهم من العلم ما تحتمله نفوسهم وأفاض عليهم من الحكمة ما لا منتهى لوصفها، ثم زاد مثل عدد جميعهم علماً وحكمة وعقلاً، ثم كشف لهم عن عواقب الأمور وأطلعهم على أسرار الملكوت وعرّفهم دقائق اللطف وخفايا العقوبات حتى اطلعوا به على الخير والشر والنفع والضر، ثم أمرهم أن يدبروا الملك والملكوت بما أعطوا من العلوم والحكم، لما اقتضى تدبـير جميعهم مع التعاون والتظاهر عليه أن يزاد فيما دبر الله سبحانه الخلق به في الدنيا والآخرة جناح بعوضة، ولا أن ينقص منها جناح بعوضة، ولا أن يرفع منها ذرّة ولا أن يخفض منها ذرّة، ولا أن يدفع مرض أو عيب أو نقص أو فقر أو ضر عمن بلي به، ولا أن يزال صحة أو كمال أو غنى أو نفع عمن أنعم الله به عليه، بل كل ما خلقه الله تعالى من السموات والأرض ـ إن رجعوا فيها البصر وطولوا فيها النظر ـ ما رأوا فيها من تفاوت ولا فطور وكل ما قسم الله تعالى بين عباده من رزق وأجل وسرور وحزن وعجز وقدرة وإيمان وكفر وطاعة ومعصية، فكله عدل محض لا جور فيه، وحق صرف لا ظلم فيه بل هو على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي وكما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي، وليس في الإمكان أصلاً أحسن منه ولا أتم ولا أكمل)([88])

ثم علل ذلك بقوله:( ولو كان وادخره مع القدرة ولم يتفضل بفعله لكان بخلاً يناقض الجود وظلماً يناقض العدل)([89])

ومن هذا المنطلق وردت الآيات القرآنية الكثيرة تتحدث عن منافع هذا الكون المسخر، وهي منافع تستدر حمد العبد من جهة، كواجب أخلاقي يقتضيه استشعاره للنعمة، وهي في نفس الوقت ضوابط تحد من التصرف العشوائي العبثي للكون بعيدا عن مراعاة الحكمة.

وإلى هذا المعنى الثاني الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت إني لم أخلق لهذا ولكني إنما خلقت للحرث)([90])، وهذا الحديث إنكار شديد على الجاحدين العابثين بالثيران في الساحات بوحشية وقسوة.

وإليه الإشارة كذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجتكم)([91])

وبما أن لكل شيء في خلق الله حكم كثيرة لا يمكن إحصاؤها، أو أن إحصاءها يستدعي علوما كثيرة، فلذلك سنكتفي بأربعة مظاهر لحكم الله، هي مجامع لكثير من الحكم، ومن خلالها نرى ما يتطلبه التعامل مع حكمة الله في أكوانه، كما رأينا ما يتطلبه السلام معها.

الجمال:

لا يلفتنا القرآن الكريم إلى المنافع المادية الموجودة في الكون فقط، بل يدلنا على مظاهر الجمال المبثوثة فيه، وكأنه يأمرنا بالتطلع فيها والحفاظ على رونقها وبهائها.

فالقرآن الكريم يحدثنا ـ مثلا ـ عن البحر بهذا الأسلوب، قال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:14)

فالبحر في التصوير القرآني ليس ذلك الطوفان الهائج الذي ينقض على السفن فيغرقها، وإنما هو نعمة من نعم الله التي جمعت بين الفضل والمنفعة والجمال.

والقرآن الكريم يلفتنا إلى هذه المعاني جميعا، فـ ( نعمة البحر وأحيائه تلبي كذلك ضرورات الإنسان وأشواقه. فمنه اللحم الطري من السمك وغيره للطعام. وإلى جواره الحلية من اللؤلؤ ومن المرجان، وغيرهما من الأصداف والقواقع التي يتحلى بها أقوام ما يزالون حتى الآن. والتعبير عن الفلك يشي بتلبية حاسة الجمال لا بمجرد الركوب والانتقال: وترى الفلك مواخر فيه، فهي لفتة إلى متاع الرؤية وروعتها:رؤية الفلك مواخر تشق الماء وتفرق العباب)([92])

وهذه الآية وغيرها تنطوي على حكم تشريعي خفي، وهو وجوب المحافظة على هذه النعم الموجودة في البحر، وهو ما لم تأخذه المدنية الحديثة في الحسبان، فلوثت البحر، كما لوثت الجو، وأغرقت الأرض في طوفان من التلوث.

وقد أشار القرآن الكريم إلى تأثير الانحراف في فساد الأرض والبحر بقوله تعالى:{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم:41)

وهكذا تقترن في القرآن الكريم مظاهر الجمال في المكونات بالضرورة والحاجة، لنتملى هذا الجمال ونستمتع به، ولا نحبس أنفسنا داخل حدود الضرورات والحاجات.

ومثل ذلك ما ورد عند التعبير عن منافع الأنعام، فمن منافعها، كما قال تعالى:{ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} (النحل:5 ـ 6)

ففي هذه الآيات إحصاء دقيق لمنافع الحيوانات لتشمل المطعم والملبس والمسكن،وتضيف إليها الناحية الجمالية ( ففي الأنعام دفء من الجلود والأصواف والأوبار والأشعار، ومنافع في هذه وفي اللبن واللحم وما إليها. ومنها تأكلون لحما ولبنا وسمنا، وفي حمل الأثقال إلى البلد البعيد لا يبلغونه إلا بشق الأنفس. وفيها كذلك جمال عند الإراحة في المساء وعند السرح في الصباح. جمال الاستمتاع بمنظرها فارهة رائعة صحيحة سمينة)

ولهذه اللفتة قيمتها في بيان نظرة القرآن ونظرة الإسلام للحياة، فالجمال عنصر أصيل في هذه النظرة، وليست النعمة هي مجرد تلبية الضرورات من طعام وشراب وركوب ؛ بل تلبية الأشواق الزائدة على الضرورات.

ولهذا ينبهنا الله تعالى إلى النظر إلى مخلوقاته، وإلى ما أودع فيها من الحكمة والجمال، فيدعو إلى النظر إلى ما أودع في جسم الإبل من مظاهر الجمال والحكمة، قال تعالى:{ أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} (الغاشية:17)

وينبهنا إلى النظر إلى السماء وكيفية رفعها قال تعالى:{ وإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ} (الغاشية:18)

ويدعونا إلى النظر إلى الجبال وكيفية تثبيتها قال تعالى:{ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ} (الغاشية:19)

ويدعونا إلى النظر إلى الأرض وكيفية تسطيحها قال تعالى:{ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} (الغاشية:20)

وكما يشير القرآن الكريم إلى الجمال المودع في الكون يشير إلى الجمال الذي يساهم الإنسان في تكوينه، وكأنه يدعونا من خلال وصفه إلى مراعاته عند القيام بأي مشروع مرتبط بالكون:

فالقرآن الكريم يبدع في وصف مظاهر الجمال والتناسق التي قام بها السبأيون في مزارعهم، قال تعالى:{ لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } (سبأ:15)

ويبدع في وصف جنتي الرجل الكافر، قال تعالى:{ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً (32)كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً (33)} (الكهف)

والقرآن الكريم لا يذم ذلك الترتيب الذي رتب الله به جنته، وإنما ينكر عليه غروره وكفره وجحوده لفضل الله.

ولهذا يمن الله على عباده بما أنبت لهم من حدائق ذات بهجة، قال تعالى:{ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } (النمل:60)

التنوع:

وهو مظهر من مظاهر حكمة الله في الكون، ودليل من أدلة الوحدانية، لأن الربط بين المختلفات وتوجيهها وجهة واحد لا يكون إلا من إله واحد.

وهذا التنوع شامل لجميع الأشياء، فالأشياء تتنوع في المهام والوظائف والتراكيب الداخلية والأشكال الخارجية.

وعلى هذا التنوع جاءت النصوص لتدل أولا على أن عظمة الله تعالى لا تبدو في مجرد إيجاد الأشياء من العدم، بل بإبداعها بهذه الصور المختلفة، ليكون ذلك دليلا على توحيد الله وإبداعه، وهذه هي الفائدة المعرفية الكبرى في هذا التنوع، وهي التي سنتحدث عنها في كون العارفين.

أما الفائدة العملية الثانية المرتبطة بالكون المسخر، فهي الدعوة إلى المحافظة على هذا التنوع المحسوب بحساب دقيق.

ولذلك يدعونا القرآن الكريم إلى النظر إلى أصناف النباتات ما تشابه منها وما لم يتشابه، قال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأنعام:99)، وكأن هذه الآية تدعو إلى التصنيف العلمي لأجناس الكائنات، والذي يكون أساسا للمحافظة عليها.

بل هي تدعونا إلى تأمل الأطوار التي تمر بها الكائنات، وهي تسير في طريقها إلى استكمال وجودها، قال تعالى:{ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } لتكون هذه الدراسة سبيلا للتعرف على حاجتها، ثم رعايتها انطلاقا من ذلك.

وهذه الآية تجمع مع قوله تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأنعام:141) الحكم المرادة من أصناف الكائنات، فهي في الآية الأولى نظر واستمتاع وعبور منها إلى المبدع، وهي في الآية الأخيرة استهلاك واستثمار وانتفاع.

فالآية الأولى تغذي الروح وجمال الروح، والآية الثانية تغذي الجسد وحاجات الجسد.

وكما نبه القرآن الكريم إلى النظر إلى تنوع أصناف النباتات نبه إلى تنوع التضاريس والمناخ الذي يساهم في ذلك التنوع النباتي، قال تعالى:{ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (الرعد:4)

وسنتحدث هنا عن ناحيتين وردت النصوص بتنوع المكونات فيهما، وهو ما يفيد وجوب المحافظة على هذا التنوع:

تنوع الأحياء:

من مظاهر حكمة الله تعالى في الأرض أن عمرها بأنواع الأحياء من النبات والحيوان، وذلك لإعالة الحياة من ناحية، وتحقيق التوازن البيئي من ناحية أخرى، فقد أودع الله تعالى فى مكونات البيئة الحيوية الكثير من المنافع التى سخرها بقدرته وحكمته لخدمة الإنسان وتوفير الحاجات المختلفة لحياته.

والباحثون يؤكدون([93]) ـ اليوم ـ أن عالم الحيوان أشبه بالمدن الهائلة والشعوب المتعددة الأعراف والأعراق واللغات والعادات والأجناس التي لا حصر لها ويعجز العقل عن تصور أعدادها الهائلة والضخمة وأنسب وصف لهذه الكائنات ذوات الأعداد الهائلة هو مصطلح (الأمم) كما وصفها القرآن الكريم.

فعدد الطيور الجاثمة وحدها أكثر من 5000 نوع، وكل نوع من هذه الطيور هو أيضا أنواع عدة، فمثلا طيور الفران الأمريكية الإستوائية حوالي 221 نوعا صغيرة الحجم نوعا ما، وذوات عادات متنوعة جدا.

وهناك 223 نوعا من الطيور النملية والدج النملي والبيتا النملية مرتبطة ارتباط وثيقا بطيور الفران الأمريكية الجنوبية والوسطى.

وأما طيور كوتنجا المزركشة فتضم تقريبا 90 نوعا تقريبا من الطيور المزركشة والمبهرجة جدا.

كما تعد طيور الجنة ـ وسميت بذلك لأن لديها ريشا فاتنا جدا حتى اعتقدوا أنه آت من الجنة ـ فتبلغ أنواعه 42تقريبا.

وأما طيور النمانم ـ وهي طيور صغيرة عاملة ـ فتضم أكثر من 60 نوعا، وهي طيور مدهشة جدا لما تصدره من أصوات البقبقة المرتفعة إلى درجة لاتصدق وتنتشر بكثرة في أمريكا.

كما تبلغ أنواع صياد الذباب أكثر من 1200 نوع.

وتضم آكلات الحشرات أكثر من 370 نوعا.

وهناك أكثر من 300 نوع من الطيور المخوضة والنوارس وطيور الأوك.

وتضم طيور زمّار الرمل أكثر من 60 نوعا.

وتبلغ أنواع طيور النورس أكثر من 90 نوعا.

أما أنواع الحمام واليمام فهنالك حوالي 290 نوعا منها موزعة في أرجاء العالم، ويبلغ أنواع الببغاوات أكثر من 500 نوعا.

وتبلغ أنواع البوم أكثر من 123 نوعا.

وتبلغ أنواع طيور الضوع والسبد نحو 90 نوعا.

وتبلغ طيور الرفراف حوالي 87 نوعا تتواجد في أنحاء العالم.

كما يبلغ طير نقّار الخشب أكثر من 200 نوعا في جميع أنحاء العالم.

وفي عالم القرود تبلغ قرود العالم القديم أكثر من 60 نوعا.

وبالنظر إلى الزواحف نجدها أعدادا هائلة جدا وأنواعا لا حصر لها، فالحيات العمياء تبلغ أنواعها 150 نوعا، وهي تعيش وتحيا تحت الأرض.

كما تشتمل مجموعة السلحفيات على السلاحف والحمسات ـ وهي سلحفة المياه العذبة ـ وتضم حوالي 100نوع، وتبلغ أنواع السحالي العملاقة أكثر من 700 نوع في مناطق العالم الجديد.

وتبلغ أنواع الحرباء حوالي 85 نوعا كما تبلغ السحالي السامة حوالي 3000 نوعا من السحالي ونوعان فقط منها يفرزان السم وهي السحالي المخرزة والهيلية.

والأفاعي أيضا أنواع شتى، منها السام، ومنها غير السام، وهي متعددة الأشكال والألوان، فنوع منها فقط، وهي أفاعي الكوبرا والممبا تبلغ أكثر من 200 نوع تقريبا.

كما تشتمل الحيات الخبيثة على حوالي 100 نوع، وتقول بعض المصادر العلمية أن عدد أنواع الثعابين الحالية أكثر من 2700 نوع ثلثها فقط سام.

أما الخنافس فتضم أكثر من 300 ألف نوع.

وأما الثدييات عموما فتضم أكثر من 4200 نوع.

وتبلغ الخفافيش حوالي 900 نوع أو أكثر.

وتضم فصيلة الكنغر والولبات حوالي 55 نوعا متفاوتا في الحجم.

كما تضم مجموعة السنوريات حوالي 36 نوعا تعيش تقريبا في كافة أنحاء العالم عدا أستراليا والقطب الجنوبي، ويبلغ نوع سنور الزباد والرّباح والنمس حوالي 80 نوعا.

وهكذا يعتقد العلماء بإمكانية وجود أكثر من عشرة ملايين نوع أو جنس من الحيوانات في العالم، ومع ذلك، فقد تكون هناك أنواع أخرى أكثر بكثير بانتظار اكتشافها.

والقرآن الكريم يذكر تسخير البيئة الحيوية للإنسان، ويبين الوجوه الشرعية للانتفاع بها، وهو في ضمن ذلك يحث على وجوب المحافظة عليها.

قال تعالى عن عالم البحر وما يحتويه من أحياء:{ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:14)

والشكر في هذه الآية لا يعني فقط أن نقول: الحمد لله، بل رأس الشكر أن يتعامل مع النعمة وفق حكمة الله ومراده.

وقال تعالى عن عالم النبات:{ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} (يّـس:80)

وقال عن عالم الحيوان:{ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} (النحل:5)

وقد وردت الأحاديث الكثيرة تحث على وجوب المحافظة على البيئة الحيوية:

فذكر صلى الله عليه وآله وسلم الأجر العظيم المعد لمن يساهم في زراعة الأرض، وهو أجر لا يقل عن أجور الصلاة والزكاة والحج، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طيرا أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)([94])

وفي حديث آخر يشير صلى الله عليه وآله وسلم إلى منافع إحياء الأرض زيادة على الأجر المعد للمحيي بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ما من امرئ يحيى أرضا فتشرب منها كبد حرى أو تصيب منها عافية إلا كتب الله تعالى له به أجرا)([95])

بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم يحث على هذه العبودية بغض النظر عن المنافع المرجوة منها، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة فليغرسها)([96])، وفي ذلك إشارة إلى أن منافع النبات لا تقتصر على الثمر.

وقد جاءت الأوامر التشريعية ترغب في إحياء الأرض، وتجازي من يساهم في الإحياء، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، من أحيا مواتاً فهو له)([97])

بل إن الأوامر التشريعية ـ للمحافظة على البيئة الحيوية ـ تمتد حتى في حال الحرب ـ التي تتناسى فيها البشرية اليوم كل المقومات الأخلاقية ـ فقد كانت الأوامر تصدر صريحة إلى قواد المسلمين تنهاهم عن قطع الأشجار أو تدميرها وضرورة المحافظة عليها.

والسر في هذه الدعوة الحثيثة على الاستزراع وحماية البيئة الحيوية ـ زيادة على ما سبق بيانه ـ هو المنافع العظيمة التى تقدمها البيئة الحيوية للإنسان، إذ تلعب النباتات دوراً مهماً فى إحداث التوازن فى تركيبة الهواء خاصة غازي الأكسجين وثاني أكسيد الكربون والتوازن فى الدورة المائية من خلال عملية النتج، وحماية التربة من الجرف لما للغطاء النباتي من قدرة كبيرة على مقاومة عوامل الجرف المائي والهوائي.

كما أن للبيئة الحيوية أهمية طبية حيث تضم نباتاتها وحيواناتها الكثير من المواد أو العناصر الفعالة فى صناعة الدواء.

ولكن الفكر المنحرف لا يبالي ـ لا بالتوجيهات الربانية التي وردت في النصوص، ولا بالمنافع التي أثبتها العلم، ولا بالمخاطر التي حذر منها الحكماء ـ ولذلك فإن البيئة الحيوية ـ اليوم ـ فى تدهور مطرد نتيجة الاستغلال المفرط والجائر.

وتشير ورقة عمل أعدها برنامج الأمم المتحدة للبيئة (اليونب) ومنظمة الفاو والبنك الدولي سنة 1988 أن الغابات المدارية تختفي بمعدل 11 مليون هكتار سنويا، وأن نصف الغابات المدارية فى العالم قد اختفى منذ بداية القرن الحالي، وأن هناك حاجة لاستثمار نحو 8 مليار دولار على مدى السنوات الخمس القادمة لتنمية الغابات واحتواء الأثر الضار لإزالة الغابات.

ومثل الضرر الذي حصل بعالم النبات حصل بعالم الحيوان، فانقرضت كثير من الحيوانات، وحيوانات أخرى تسير نحو الانقراض.

وهذا كله بسبب جشع الإنسان وحرصه.

وفي مقابل ذلك جاءت الشريعة الإسلامية بالتشريعات التي تحافظ على هذا العالم، وقد ذكر العلماء الكثير من الأسرار والحكم المرتبطة بما أبيح أو حرم من أنواع الحيوان، وأكثرها مما يرتبط بمصلحة الإنسان.

ونرى أن من الحكم الشرعية ـ كذلك ـ هو حماية عالم الحيوان:

فلذلك وردت النصوص بإباحة الحيوانات التي يكثر وجودها أو يسهل تنميتها، بخلاف الحيوانات التي يندر وجودها.

فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير([98])، والسر في ذلك أن هذه الأنواع من الحيوانات هي التي تحقق التوازن البيئي من ناحية، وهي نادرة من ناحية ثانية بحيث يؤدي صيدها إلى انقراضها.. هذا بالإضافة إلى ما ذكره العلماء من الحكم المرتبطة بالصحة.

وورد النهي عن أكل لحم القرد، قال ابن عبد البر:( أجمع المسلمون على انه لا يجوز أكل القرد لنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أكل القرد)

وبخلاف هذا نرى الإباحة المطلقة لكثير من الحيوانات البحرية نظرا لكثرتها وعدم الخشية من انقراضها، بل يسرت الشريعة الأحكام المرتبطة بها.

وكأنها ـ من خلال هذا التسيير ـ تدعو إلى الاستعاضة بها عن الحيوانات المحرمة حفاظا على البيئة، بل إن القرآن الكريم يصف من محاسن الحيوانات البحرية ما يرغب في أكلها، قال تعالى ممتنا على عباده:{ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:14)

فالآية الكريم تصف لحم الحيوانات البحرية بكونه طريا، وكأنها بذلك تثير الشهية إلى طلبه والرغبة فيه.

وفي آية أخرى تخص صيد البحر بالإباحة، وفي ذلك إشارة أيضا إلى الترغيب في التمتع بنعم الله في البحر، ليحصل التوازن بين البر والبحر، ويحفظ التنوع في كليهما، قال تعالى:{ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (المائدة:96)

والقرآن الكريم ينبهنا إلى أن الحياة بالصورة التي نتصورها لا تقتصر على هذه الأرض، فالكون مملوء بأحياء كثيرة لا يستطيع خيالنا المحدود أن يرسم لها أي صورة، قال تعالى:{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} (النحل:49)، بل اعتبرها من آياته الدالة على عظمته وقدرته ولطفه، فقال:{ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} (الشورى:29)

وبذلك تكون الأرض مجرد نموذج للأحياء.. وأنواع الأحياء.. وفي ذلك إشارة بديعة إلى أن هذا الكون العريض الذي لا نعرف له حدودا مملوء هو الآخر بأصناف الحياة والأحياء، قال النورسي:( إن الكرة الارضية وهي واحدة من الأجرام السماوية، على كثافتها وضآلة حجمها، قد أصبحت موطناً لما لا يحد من الأحياء وذوي المشاعر، حتى لقد أصبحت أقذر وأخسّ الأماكن فيها منابع ومواطن لكثير من الأحياء، ومحشراً ومعرضاً للكائنات الدقيقة. فالضرورة والبداهة والحدس الصادق واليقين القاطع جميعاً تدل وتشهد بل تعلن أنّ: هذا الفضاء الواسع والسموات ذات البروج والأنجم والكواكب كلها مليئة بالأحياء وبذوي الادراك والشعور. ويطلق القرآن الكريم والشريعة الغرّاء على اولئك الأحياء الشاعرين والذين خُلقوا من النور والنار ومن الضوء والظلام والهواء ومن الصوت والرائحة ومن الكلمات والأثير وحتى من الكهرباء وسائر السيالات اللطيفة الاخرى بأنهم: ملائكة.. وجان.. وروحانيات.. ولكن كما أن الاجسام أجناس مختلفة كذلك الملائكة؛ اذ ليس المَلَك الموكّل على قطرة المطر من جنس المَلَك الموكّل على الشمس. وكذلك الجن والروحانيات مختلف الأجناس الكثيرة)([99])

تنوع الألوان:

كما نبه القرآن الكريم إلى تنوع أجناس الكائنات الحية تحدث عن اختلاف ألوانها، فقال تعالى عن الجبال:{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ } (فاطر:27)

وقال عن اختلاف ألوان الأنعام:{ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (فاطر:28)

وفي القرآن الكريم نجد لونا خاصا لقي عناية خاصة، هو اللون الأخضر، فالله تعالى يصف أهل الجنة وهم على فرشهم في جو رفيع من البهجة والمتعة بقوله تعالى:{ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} (الرحمن:76)، ويصف ألوان ثيابهم بقوله تعالى:{ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} (الانسان:21)

وفي كل ذلك إشارة إلى وجوب المحافظة على ألوان الأشياء وعدم إفسادها بما يفسدونها به الآن من التدخل في هندستها الوراثية.

وقد أثبت العلم الحديث([100]) أهمية اللون في التدخل في صحة الإنسان، يقول أحد علماء النفس وهو أردتشام:( إن تأثير اللون في الإنسان بعيد الغور وقد أجريت تجارب متعددة بينت أن اللون يؤثر في إقدامنا وإحجامنا ويشعر بالحرارة أو البرودة،و بالسرور أو الكآبة، بل يؤثر في شخصية الرجل وفي نظرته إلى الحياة.

و يسبب تأثير اللون في أعماق النفس الإنسانية فقد أصبحت المستشفيات تستدعي الاخصاصيين لاقتراح لون الجدران الذي يساعد أكثر في شفاء المرضى وكذلك الملابس ذات الألوان المناسبة.

وقد بينت التجارب أن اللون الأصفر يبعث النشاط في الجهاز العصبي، أما اللون الأرجواني فيدعو إلى الاستقرار واللون الأزرق يشعر الإنسان بالبرودة عكس الحمر الذي يشعره بالدفء ووصل العلماء إلى أن اللون الذي يبعث السرور والبهجة وحب الحياة هو اللون الأخضر، لذلك أصبح اللون المفضل في غرف العمليات الجراحية لثياب الجراحين والممرضات.

ومما يمكن ذكره هنا تلك التجربة التي تمت في لندن على جسر ( بلاك فرايار) الذي يعرف بجسر الانتحار لأن اغلب حوادث الانتحار تتم من فوقه حيث تم تغيير لونه الأغبر القاتم إلى اللون الأخضر الجميل مما سبب انخفاض حوادث الانتحار بشكل ملحوظ.

والتفسير العلمي لذلك أن اللون الأخضر يريح البصر، وذلك لأن الساحة البصرية له أصغر من الساحات البصرية لباقي الألوان كما أن طول موجته وسطي فليست بالطويلة كاللون الأحمر وليست بالقصيرة كالأزرق.

بل إن ما يسمى الآن بالطب البديل يتفق تماما مع ما ورد في القرآن الكريم من استعمال الألوان في خدمة الصحة، وسنذكر هنا من مشكاة قوله تعالى:{ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ)(البقرة: 69) بعض ما اكتشفه هذا النوع من الطب([101]) للإشارة إلى وجوب المحافظة على جمال الكون وألوانه كما خلقها الله تعالى.

 ينطلق أصحاب هذا العلم من أن الله تعالى مزج بنية الانسان بعناصر وتموجات كهربائية وإشعاعات ذاتية، بحيت تتجانس كلية مع العناصر الموجودة في الكون المحيط به من موجات كهرومغناطيسية وإشعاعات كونية وذبذبات لونية، وكلاهما مكون من درجات مختلفة من الذبذبات الموجية، مما يؤهل الإنسان الى الحياة بواسطة هذه الطاقات الكهربائية والإشعاعية.

ويذكرون أن لكل شخص إشعاعات تختلف في طول موجتها وعدد ذبذبتها وتردداتها عن غيره، وبذلك يكون كل شخصا مستقل عن غيره في الصفات والطبائع، وبذلك يكون لكل شخص لون خاص يتميز به، أو طول موجة وذبذبة ترددية خاصة به مثلما هو الأمر بالنسبة لبصمات الإصابع.

فكل إنسان تنبعث منه إشعاعات خاصة به، ويستقبل إشعاعات من الكون من الإشعاعات والذبذبات اللونية التى تحيط به في البيئة التي يعيشها، وكذلك تسبب الإشعاعات الموجية والذبذبات الصحة والمرض -بإذن الله- والحب والكراهية وذلك لو كانت الموجات المرسلة والمستقبلة بين شخص وآخر متقاربة نتج عن ذلك تفاهم ومحبة قوية، وكلما تنافرت كلما نتج عنها خلاف وكراهية.

انطلاقا من هذه الافتراضية التي تدل عليها الأدلة الكثيرة أخذ ما يمكن تسميتهم بعلماء الألوان في إجراء الدراسات على تأثير الألوان على حالتنا النفسية والصحية، وطريقة تفكيرنا، فالشخص الذي يفضل لونا معينا ـ مثلا ـ على لون آخر يكون له علاقة بتأثير ذلك اللون على إحساس ذلك الشخص.

فعندما يدخل اللون ـ الذي هو عبارة عن ضوء أو طاقة مشعة مرئية ذات طول موجي معين ـ إلى المستقبلات الضوئية في العين تنبه الغدة النخامية والصنوبرية، وهذا يؤدي الى إفراز هرمونات معينة، تقوم بإحداث مجموعة من العمليات الفيسولوجية، وهذا التفسير يشرح سبب سيطرة الألوان على أفكارنا ومزاجنا وسلوكياتنا.

ومن أمثلة ذلك أنهم ذكروا أن اللون البرتقالي مقو للقلب ومنشط عام ومضاد للإحساس بالهبوط والفتور والاكتئاب والنعاس والإضطهاد واليأس وكافة المشاعر السيئة، ويساعد على الشفاء من أمراض القلب والإضطرابات العصبية وإلتهابات العينين..

واللون البنفسجي مهدئ بوجه عام وخاصة في الأمراض العصبية والنفسية.

واللون الوردي له تأثير ملطف على الجسم حيث يقوم بإرخاء العضلات.

واللون فوق البنفسجي مضر في حالة الإصابة بأمراض القلب والرئتين ويسبب الإنفصال الشبكي بالعين، ولكنه مطهر وقاتل لبعض الجراثيم.

وهكذا سائر الألوان، وقد لا يكون بعض ما اكتشفه هؤلاء صحيحا، فهذا علم مع قدمه لا يزال من ناحية الجزم واليقين في بداياته، ولكنا نعتقد أن العلم ـ مستقبلا ـ سيكتشف الكثير من الحقائق القطعية حول الألوان، وورودها في القرآن الكريم بذلك التفصيل كاف واحده لقناعتنا بهذا الاستشراف المستقبلي.

ولكن قبل ذلك.. نحافظ على ألوان الكون قبل أن يدمرها جشع الإنسان وحرص الإنسان وصراع الإنسان.

التوازن:

خلق الله تعالى كل ما نراه أو ما لا نراه من الكون في توازن تام لا يتخلف، وبمقادير محددة مضبوطة في منتهى الدقة والإحكام، قال تعالى مبينا قانون ذلك:{ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)(الفرقان: 2)

وذكر بعض تفاصيل ذلك:

فكل ما في الأرض وما عليها مقدر وموزون بميزان الله الدقيق، قال تعالى:{ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} (الحجر:19)

وحركات الأفلاك في مساراتها مقدرة تقديرا دقيقا لا تحيد عنه، قال تعالى:{ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (الأنعام:96)

وحركات الشمس وسيرها مقدر بحساب دقيق، قال تعالى:{ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (يّـس:38)

وبهذا النظام الدقيق والموازين المضبوطة قدر الله السموات جميعا، قال تعالى:{ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (فصلت:12)

وقد شرح العلم الحديث بعض ما أشار إليه القرآن الكريم من الموازين الضابطة للكون، وسنقتبس هنا بعض ما ذكره كنماذج للتوازن الدقيق للكون وفق الحكمة الإلهية([102]).

فالعلم ينص على أنه لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام، لامتص ثاني أكسيد الكربون الأوكسجين، ولما أمكن وجود حياة النبات.

ولو كان الهواء أرفع كثيرا مما هو عليه، فإن بعض الشهب التي تحترق الآن بالملايين في الهواء الخارجي كانت تضرب جميع أجزاء الكرة الأرضية، وهي تسير بسرعة تترواح بين ستة أميال وأربعين ميلا في الثانية. وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق. ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض، ولكانت العاقبة مروعة. أما الإنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيل يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة كان يمزقه إربا من مجرد حرارة مروره.

وينص على أن الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيميائي التي يحتاج إليها الزرع، والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات، دون أن تضر بالإنسان، إلا إذا عرض نفسه لها مدة أطول من اللازم.

وينص على أن الأوكسجين لو كان بنسبة 50 في المائة مثلا أو أكثر في الهواء بدلا من 21 في المائة فإن جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال، لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة لا بد أن تلهب الغابة حتى لتكاد تنفجر.

ولو أن نسبة الأوكسجين في الهواء قد هبطت إلى 10 في المائة أو أقل، فإن الحياة ربما طابقت نفسها عليها في خلال الدهور. ولكن في هذه الحالة كان القليل من عناصر المدنية التي ألفها الإنسان – كالنار مثلا – تتوافر له.

ولا بأس أن نذكر هنا ـ من باب وجوه الحكمة في الكون ـ واقعة فيها مثل بارز على أهمية كل كائن حتى لو كان حشرة بسيطة قد لا يعيرها الإنسان أي اهتمام.

وهذه الواقعة حدثت منذ سنوات عديدة في استراليا حيث زرع نوع من الصبار. كسياج وقائي. ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتى غطى مساحة تقرب من مساحة انجلترا، وزاحم أهل المدن والقرى، وأتلف مزارعهم، وحال دون الزراعة. ولم يجد الأهالي وسيلة تصده عن الانتشار ؛ وصارت أستراليا في خطر من اكتساحها بجيش من الزرع صامت، يتقدم في سبيله دون عائق.

 وطاف علماء الحشرات بنواحي العالم حتى وجدوا أخيرا حشرة لا تعيش إلا على ذلك الصبار، ولا تتغذى بغيره، وهي سريعة الانتشار، وليس لها عدو يعوقها في استراليا. وما لبثت هذه الحشرة حتى تغلبت على الصبار. ثم تراجعت، ولم يبق منها سوى بقية قليلة للوقاية، تكفي لصد الصبار عن الانتشار إلى الأبد.

والقرآن الكريم من خلال عرضه لبعض نماذج توازن الكون يدعونا إلى تسخير العلم لخدمة هذا التوازن حفاظا على وجودنا ووجود غيرنا على هذه الأرض.

ولكن العلم الحديث وقع في بعض الأيدي الآثمة التي استسخرته في مصالحها، فاختل توازن الكون في كثير من النواحي.

ومن الأمثلة التي يصح ضربها هنا وصف القرآن الكريم السماء بكونها سقفا محفوظا، كما قال تعالى:{ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ } (الانبياء:32)

فإن في ذلك إشارة صريحة إلى وجوب المحافظة على هذا السقف المحفوظ، وهذا الوجوب يستدعي التعرف على كل ما يؤذيه لتجنبه.

والعلم الحديث يخدم هذا الجانب، ويؤكده، ويخبر أن هذه البيئة التى جهزها الله تعالى بكل مقومات الحياة لتصبح بيتاً آمناً للإنسان وتفي بكل متطلباته المعيشية قد حفظها الله تعالى وحماها من مخاطر الإشعاعات الكونية الفضائية والشهب والنيازك التى تندفع من القضاء الخارجي نحو الأرض.

لكن الفكر الجاحد الذي يتصور أنه يستمد من العلم الحديث يلغي كل هذه الاعتبارات، فلا يخضع إلا لسلطان الهوى، فيغلب المصالح الوقتية البسيطة على مصلحة الأرض جميعا.

وهذا الفكر هو الذي استسخر التكنولوجيا لتدمير هذا السقف المحفوظ، وسنشرح باختصار ماذا فعل هذا الفكر المصارع لتوازن الكون، وما سيمكن أن يصنعه إن لم يرعوي عن هذا السلوك.

فنسبة ثاني أكسيد الكربون نسبة مقدرة تقديراً دقيقاً، وهي تلعب دوراً مهماً جداً فى إعالة الحياة على سطح الأرض.

فالبيئة بهذه النسبة الضئيلة جداً من ثاني أكسيد الكربون المقدرة تقديراً هادفاً استطاعت أن تحتفظ فى غلافها الجوي القريب من سطح الأرض حيث يتركز معظم ثاني أكسيد الكربون (80 بالمائة) بدرجة حرارة مناسبة تسمح بوجود الحياة على سطحها.

فالله تعالى قد أودع في هذا الغاز خاصية امتصاص الموجات الحرارية الأرضية (الأشعة تحت الحمراء) والاحتفاظ بها فى الغلاف الجوي بما يعطي لهذا الغلاف هذه الدرجة المناسبة من الحرارة التى تسمح بوجود الحياة.

ومعني هذا أن الاخلال بنسبة هذا الغاز زيادة أو نقصاناً تعني زيادة أو نقصاناً فى درجة حرارة الغلاف الجوي وما يحمل هذا الأمر من مخاطر كثيرة.

وقد حصل هذا الأمر، فنسبة ثاني أكسيد الكربون في زيادة مطردة فى الغلاف الجوي منذ الخمسينات من هذا القرن.

ومن مخاطر هذه الزيادة ازدياد حرارة الأرض مما يسبب انصهار كميات كبيرة من الثلوج فى مناطق القطبين والجبال، وهذه المياه تتحرك لتسهم فى رفع منسوب مياه البحار والمحيطات.

وهذه الزيادة قد تتسبب في تعرض مدن ساحلية كثيرة للغرق، وتشير سجلات المد والجزر فى مناطق كثيرة من العالم أن منسوب مياه البحار قد ارتفع بمقدار 45 ملليمتراً فى الفترة من 1890 – 1940، وأخذ المنسوب في الارتفاع بمعدل 3 ملليمترات سنوياً حتي عام 1970، ثم ازداد المعدل ليصل إلى 14 ملليمتراً فى الوقت الحاضر.

وقد تبين للعلماء أن تزايد نسبة ثاني أكسيد الكربون لاترجع فقط إلى تزايد استهلاك مصادر الوقود الأحفوري (الفحم ـ النفط ـ الغاز الطبيعي)، وإنما جاءت أيضاً نتيجة التدهور الذى أصاب الغطاء النباتي الذي يعد المستهلك الرئيسي لثاني أكسيد الكربون.

وخطورة هذا الوضع هي التي دعت إلى عقد مؤتمر دولي فى لندن فى فبراير 1989 لمناقشة الإجراءات والوسائل الكفيلة بضبط إطلاق ثاني أكسيد الكربون فى الغلاف الجوي وتنمية مصادر استهلاكه لوقف هذه الزيادة المطردة ومحاولة العودة بنسبته كما قدرها الله تعالى.

ومن الأمثلة التي يصح ضربها هنا ـ أيضا ـ ما نص عليه قوله تعالى:{ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} (الحجر:19)

فالآية الكريمة تشير إلى أن عناصر البيئة – الحية منها وغير الحية – تتفاعل وترتبط ببعضها في تناسق دقيق، يتيح لها أداء دورها بشكل متوازن ومتكامل، بحيث تحافظ على وجودها دون أن تتسبَّب في خلخلة منظومة الحياة، وتهدِّد سائر الأحياء.

وهي تدل على أن أيَّ خلل في هذا النظام، يعني الخطر العام على الأحياء جميعا، وللتدليل على ذلك نورد مثالا يتعلَّق بالنسيج الغابي، الذي عملت فيه يد الإنسان قطعا واقتلاعا، لتلبية حاجاته ونهمه إلى الخشب في مساكنه وقصوره.

فإنَّ تعرية البيئة الغابية، سيؤدي إلى اختفاء معظم الأشجار التي تعتمد عليها كثير من الحيوانات، ملجأ وأوكارا، ومصدرا للغذاء.. وسيؤدي بالتالي إلى تعرِّي التربة وتعرُّضها للانجراف، وما يعقب ذلك من عجز الأرض عن امتصاص الماء، وازدياد خطر التصحُّر.. وسيؤدي ذلك إلى خلخلة دورة الأوكسيجين وثاني أوكسيد الكربون، باعتبار الأشجار مصدرا بل مصنعا متجدِّدا للأوكسيجين، ومستهلكا لأوكسيد الكربون، ونقصان الأشجار يزيد في درجة التلوُّث الهوائي.. وسيؤدي ذلك أخيرا إلى تقليل تبخُّر الماء الناتج عن الأشجار، بسبب قطعها، فتصاب المنطقة بالجفاف وتقل الأمطار.

هذا نموذج بسيط، وهيِّن من تصدُّع المنظومة البيئية بسبب الإنسان.

ولو تعرَّضنا للآثار الخطيرة الناجمة عن الصناعات الكيماوية ومركَّباتها العملاقة، وآثار نفاياتها السامَّة على الأنهار والبحار، والحياة المائية، وعلى الغلاف الجويِّ، وتسمُّم الهواء، لأفضى بنا الحديث إلى مجلدَّات من الحقائق المرَّة، والمخاطِر الحقيقية التي تعاني منها الحياة، ويدفع ثمنها الباهظ الإنسان نفسُه، بما نجم عنها من أمراض مزمنة وتشوُّهات خِلقية.

الانتفاع:

لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يتيح لهذه المخلوقات التي تعمر الكون انتفاع بعضها ببعض بحسب درجاتها المختلفة.

وكان من رحمة الله المقترنة بحكمته أن أتاح للإنسان الانتفاع بكل ما في الأرض من منافع، كما قال تعالى:{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة:29)

وفي عالم الأنعام أخبر تعالى أنه خلق الأنعام لينتفع بها في الوجوه المشروعة، فقال تعالى:{ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} (النحل:5)، وقال تعالى:{ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ} (النحل:66)، وقال تعالى:{ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} (النحل:80)، وقال تعالى:{ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} (المؤمنون:21)، وقال تعالى:{ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} (غافر:79)

ومن هذا الباب الوحيد أتيح للإنسان أن يتصرف بما قد يبدو ضارا بهذه الأحياء.. ومع ذلك، فإن المؤمن ينتفع بهذا النوع من الانتفاع، وهو ممتلئ بالرحمة، يستشعر منة الله الذي أتاح له أن يتنعم بهذا الضرر الذي يصيب غيره، وقد روي أن رجلا قال:( يا رسول الله إني لأرحم الشاة أن أذبحها)، فقال:( إن رحمتها رحمك الله)([103])

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( من رحم ذبيحة رحمه الله يوم القيامة)،وفي رواية:( من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه الله يوم القيامة)([104])

وقال بعضهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله إني لأجد العنز لأذبحها فأرحمها قال: (وإن رحمتها رحمك الله)([105])

ومع ذلك، فإن النصوص المقدسة فرضت من الآداب ما يخفف من شدة الضرر الذي يصيب الكائنات عند انتفاعنا بها:

فقد أرشدنا صلى الله عليه وآله وسلم إلى الكيفية المثلى للاستفادة من الحيوان مع عدم إيذائه ما أمكن، فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:( أتريد أن تميتها موتات، هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها)([106])

ومر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برجل وهو يجر شاة بأذنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( دع أذنها وخذ بسالفتها ([107])) ([108])

وذكر صلى الله عليه وآله وسلم بعض وجوه الإحسان في الذبح، فقال: ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)([109])

ومن هذا الباب ما سنه الشارع من الذبح بدل غيره مما تمارسه الجاهليات المختلفة، وقد تفطن القدماء إلى دور الذبح في إزالة الألم، فهذا ابن الجوزي يقول:( وأما ألم الذبح فانه يستر، وقد قيل أنه لا يوجد أصلا لأن الحساس للألم أغشية الدماغ، لأن فيه الأعضاء الحساسة، ولذلك إذا أصابها آفة من صرع أو سكتة لم يحس الإنسان بألم فإذا قطعت الأوداج سريعا لم يصل ألم الجسم إلى محل الحس ولهذا قال عليه الصلاة والسلام إذا ذبح أحدكم فليحد شفرته وليرح ذبيحته)([110])

ومثل ذلك نص العلم الحديث على أن الذبح من العنق هو أنجح وسيلة للإجهاز السريع على الحيوان بغير تعذيب ولا تمثيل إذ أنه من الثابت علميا أن الرقبة حلقة الوصل بين الرأس وسائر الجسد فإذا قطع الجهاز العصبي شلت جميع وظائف الجسم الرئيسية، وإذا قطعت الشرايين والأوردة توقف الدم عن تغذية المخ، وإذا قطعت الممرات الهوائية وقف التنفس وفي جميع هذه الحالات تنتهي الحياه سريعا.

بالإضافة إلى هذا، فإن الذبح يرتبط بمصلحة الإنسان نفسه.. فالدم هو المجرى الذي تلقى فيه مواد الايض أو التمثيل الغذائي كلها ففي ما هو مفيد وما هو ضار مؤذى، والكائنات المتطفلة في الجسم تفرز سمومها في الدم ناهيك عن وجودها في الدورة الدموية في بعض مراحل تطورها، ولهذا فالدم غذاء محرم في الإسلام.

وقد كان أهل الجاهلية يجبون أسنمة الإبل ـ وهي حية ـ ويقطعون أليات الغنم وكان في ذلك تعذيب لهذه الحيوانات، فلهذا حرم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الانتفاع بهذه الأجزاء، فقال: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة)([111])

ومن هذا الباب نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن التمثيل بالبهائم، فقد (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يمثل بالبهائم)

ومنه نهيه عن صبر البهائم، ونهيه عن صيد الحيوان أو قتله لغير غرض، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا)

ومنه نهىه صلى الله عليه وآله وسلم عن الرمية، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الرمية أن ترمي الدابة، ثم تؤكل ولكن تذبح ثم يرموا إن شاءوا، وقد مر ابن عباس على أناس قد وضعوا حمامة يرمونها فقال موجها:( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتخذ الروح غرضا)

4 ـ الطهارة :

كل ما نراه في الكون ـ في أصل خلقته ـ طاهر لم يتدنس بأي أذى يجعل من منفعته مضرة، ومن مصلحته مفسدة.

ولهذا الأصل ينص الفقهاء على أن (الأصل في الأشياء الطهارة)، وهي قاعدة لا تعني المعنى التعبدي فقط، بل تعني كذلك الحفاظ على الكون المسخر بالهيئة التي خلق عليها، لأن أي تغيير قد تنقلب عواقبه على عكس المراد.

ولعل أخطر ما يصيبه التلوث، وأسهل ما قد يتعرض للتلوث هو الماء باعتبار سيولته المستعدة لتحلل أي شيء فيه.

ولهذا أولى القرآن الكريم أهمية كبيرة للماء، فقد ورد ذكره في القرآن الكريم 49 مرة، وامتن الله به على عباده ذاكرا وجوه الحكم في خلقه، قال تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْه شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُل الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11)} (النحل)

ولكل هذه الخيرات النابعة من نعمة الماء يصفه القرآن الكريم بأنه مبارك أي كثير العطاء، قال تعالى:{ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ } (قّ:9)

ولكن كل هذه المنافع مقيدة بوصف الطهر، قال تعالى:{ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً} (الفرقان: 48، 49)

وفي ذلك إشارة إلى أن منافعه تقتضي وجود طهوريته، فإن سلبها تحول من دور الإحياء الذي نص عليه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ)(الانبياء: 30) إلى دور الإماتة.

والعلم الحديث أيد هذه النظرة القرآنية، ففصل في المنافع الجمة التي ورد القرآن الكريم ببيانها، فنص على أن الماء يشكل 70% من مساحة اليابسة ويشكل في المتوسط 65% من وزن الإنسان والكائنات الحية.

وحكمة هذه النسبة المرتفعة للماء هو دوره الكبير في سير التفاعلات الكيميائية داخل أجسام النباتات والحيوانات.

وسر ذلك ما يملكه من خواص كيميائية وفيزيائية، منها بناؤه الفريد الذي يجعل جزيئاته متماسكة ومرتبطة بروابط هيدروجينية، ويصبح كل جزيء مرتبطاً بأربعة جزيئات مجاورة، وكل منها بأربعة، وهكذا تبدوا جميع الجزيئات مرتبطة ببعض في شبكة فراغية متماسكة، ولولا هذا لكانت درجة غليان الماء (-80م) ودرجة تجمده ( -100 م) ولاستحال جود الماء على شكل سائل وصلب على سطح الأرض ولاستحالت الحياة.

وهو لهذا يمتص قدرة حرارية كبيرة لكي يتبخر حيث كل غران من الماء السائل يحتاج إلى 540 حريرة ليتحول إلى بخار، وهذه الخاصية تعطي الماء دوراً فريداً في نقل القدرة من مكان لآخر، فالماء الذي يتبخر من المحيطات تسوقه الرياح مئات وآلاف الكيلومترات إلى أماكن باردة فعند تبرد البخار وتحببه وتساقطه على شكل قطرات مطر ينشر معه الطاقة التي أمتصها أثناء تبخر ه فيساهم في رفع درجة الحرارة في تلك المناطق وتلطيف حرارة الجو وكذلك في أثناء تساقط الثلوج فكم هذه الحرارة المنتشرة كبيرة إذا علمنا أنه يتبخر كل عام 520 ألف كيلوا متر مكعب من الماء.

إلى غير ذلك من الخواص، التي تنتج عنها المنافع الكثيرة.

والعلم الحديث بين كذلك ضوابط استعمال الماء والمخاطر التي تنجر عن سوء التعامل معه، ومن أخطرها ما يسمى بالمطر الحامضي، الذي يشير وصف القرآن الكريم للماء بالطهر على وجوب الحذر منه.  

لكن المدنية الحديث لا تبالي بهذا النهي الرباني المؤيد بالعلم حتى أصبح المطر يسقط في مناطق كثيرة ـ خاصة فى البيئات الصناعية ـ مطراً حمضياً يهلك الحرث والنسل، فقد بلغ الأس الهيدروجيني للمطر فى بعض المناطق الصناعية درجة عالية تجعل مياه الأمطار عالية الحموضة محدثه أضرار كثيرة، فقد فقدت مئات من البحيرات فى أمريكا الشمالية وشمال غرب أوربا ـ نتيجة ارتفاع درجة حموضة مياهها بسبب المطر الحمضي ـ معظم ما بها من ثروات سمكية وأصبحت 90 بحيرة فى منطقة جبال أدرونداك فى ولاية نيويورك ـ مثلا ـ خالية تماماً من الأسماك تحت تأثير الحموضة المتزايدة لمياه البحيرات وهي حموضة قاتلة للأحياء.

ولا يقتصر تأثير المطر الحمضي على الأضرار بمياه الأنهار والبحيرات وإنما يمتد تأثيره إلي مخاطر كثيرة فقد أعلن فريق من الباحثين فى جامعة نيوها مبشير بالولايات المتحدة الامريكية (1985) أن المطر الحمضي يمنع حاسة الشم عند سمك السالمون، ولهذا يفقد قدرته على إيجاد طريقة نحو مجاري الأنهار العليا من أجل وضع بيضة وإتمام عملية الفقس، كما بدأت تضر الأمطار الحمضية بالمحاصيل الزراعية تحت تأثير ترسب كميات كبيرة من المواد الحمضية فى التربة مما يغير من تركيبها الكيماوي فى اتجاه الحموضية المتزايدة التى تضر بل تقتل النباتات إذ تعمل الحموضة الزائدة فى التربة على إفقار التربة نتيجة إزالة الكاثيونات ” الأيونات الموجبة ” منها التى تعتبر القاعدة الأساسية لتغذية النباتات مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم.

كما يؤدي المطر الحمضي إلى تدمير الكثير من الأشجار والنباتات حيث تصاب بظاهرة الموت التراجعي، حيث تموت الأشجار واقفه كما يقولون إذ تتلف الأوراق العلوية المعرضة مباشرة للمطر الحمضي الذى يقتل المادة الخضراء فيها ثم ينتقل التأثير بعد ذلك الى الأوراق التحتية فقد أوضح تقرير من ألمانيا الاتحادية (1980) أن مساحة من الغابات تقدر بنحو 560 ألف هكتار أي حوالي 7ر7% من مجموع مساحات الغابات في ألمانيا قد دمرت أو أتلفت بدرجات متفاوته نتيجة المطر الحمضي والضباب الحمضي.

وعندما نتساءل عن سبب هذا الانحراف عن الحكمة الإلهية في الحفاظ على طهارة المياه، نجده الجشع والحرص على الكسب بغض النظر عن المفاسد الحاصلة، فعندما نستخدم الأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية مثلاً بدرجة كثافة عالية، خوفا من الجوائح، وحرصا على الكسب، وسعيا إلى زيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية نصل إلى إفساد البيئة والإنتاج معاً، لأن الاستخدام المكثف لهذه الكيماويات تسرب كميات كبيرة منها إلى الهواء ومصادر المياه وإفسادهما، فضلاً عن إنتاج محاصيل ملوثة كيمائيا.

وفي تقرير صادر عن دول مجموعة التعاون الاقتصادي الأوربي (1988) حذر من تفاقم التلوث المائي الناجم عن تكثيف استخدام الأسمدة الكيماوية، ودعا التقرير إلى الحد من الاستخدام المكثف (الإسراف) لهذه الأسمدة الكيماوية لما لها من مخاطر كبيرة على الأحياء المائية.

فإذا قيل لهؤلاء: كفوا عن هذا الإفساد في الأرض، قالوا كما نص القرآن الكريم: { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} (البقرة:11)، ويعقب القرآن الكريم على قولهم هذا بقوله تعالى: { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} (البقرة:12)

* * *

 وكمثال آخر على حث الشريعة على وجوب الحفاظ على طهارة البيئة الحيوية النهي عن الجلالة([112])، وهي ما يأكل القاذورات من الحيوانات، أو هي الدابة التي تتبع النجاسات وتأكل الجلة ، وهي البعرة والعذرة، ففي الحديث: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها ولا يحمل عليها إلا الأدم ، ولا يذكيها الناس حتى تعلف أربعين ليلة)([113])

بل ورد النهي عن ركوبها، ففي الحديث: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها) ([114])، وقد علل ذلك بأنها ربما عرقت فتلوث بعرقها.

ومن هذا الباب نهي الشرع أن تلقى في الأرض النجاسات ونحوها، وقد روي عن بعضهم قال:( كنا نكري أراضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونشترط على من يكريها ألا يلقي فيها العذرة)([115])


([1])    يحسب التعبير الغالب، لا بحسب الحقيقة كما قدمنا.

([2])    المقصد الأسنى: 67.

([3])    المقصد الأسنى: 67.

([4])    رواه أبو داود والترمذي.

([5])    رواه مسلم.

([6])    رواه الطبراني.

([7])    رواه مسلم.

([8])    رواه البخاري وغيره.

([9])    رواه البخاري ومسلم.

([10])    رواه البخاري ومسلم.

([11])    رواه البخاري ومسلم.

([12])    في ظلال القرآن: 5/3073.

([13])    الإحياء:1/324.

([14])    انظر التفاصيل المرتبطة بهذا في رسالة (أسرار الأقدار) من هذه السلسلة.

([15])    رواه أحمد ومسلم والنسائي.

([16])    رواه أحمد.

([17])    رواه أحمد والنسائي وابن حبان.

([18])    رواه البخاري ومسلم.

([19])    الإحياء.

([20])    رواه البخاري ومسلم.

([21])    رواه مسلم.

([22])    رواه ابن جرير والحاكم.

([23])    رواه أبو داود والترمذي.

([24])    رواه البخاري في الأدب، وأبو داود والحاكم.

([25])    رواه أحمد وأبو يعلى.

([26])    الإحياء.

([27])    الإحياء.

([28])    رواه أبو داود، وقال: حديث غريب، وإسناده جيد.

([29])    رواه ابن ماجة.

([30])    رواه البخاري.

([31])    رواه مسلم وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد.

([32])    رواه الشافعي والبيهقي مرسلا.

([33])    رواه أحمد ورجاله ثقات.

([34])    الكلمة الثالثة والثلاثون.

([35])    فالأرض تدور حول نفسها بسرعة ألف ميل في الساعة، ثم تدور مع هذا حول الشمس بسرعة حوالي خمسة وستين ألف ميل في الساعة. ثم تركض هي والشمس والمجموعة الشمسية كلها بمعدل عشرين ألف ميل في الساعة، مبتعدة نحو برج الجبار في السماء.. ومع هذا الركض كله يبقى الإنسان على ظهرها آمنا مستريحا مطمئنا معافى لا تتمزق أوصاله، ولا تتناثر أشلاؤه، بل لا يرتج مخه ولا يدوخ، ولا يقع مرة عن ظهر هذه الدابة الذلول.. انظر ما يشير إلى هذه الحركات من القرآن الكريم في رسالة (معجزات علمية)

([36])    في ظلال القرآن.

([37])    انظر: المكتوب التاسع عشر، النورسي.

([38])    رواه أحمد.

([39])    رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه ابن ماجة والبيهقي.

([40])    رواه لبخاري، ومسلم.

([41])    رواه مسلم.

([42])    رواه البخاري ومسلم.

([43])    العهود المحمدية.

([44])    رواه البخاري ومسلم.

([45])    رواه البخاري.

([46])    شرح النووي على مسلم:9/89.

([47])    مع صراحة الحديث في كون العذاب بسبب الهرة، إلا أن البعض حاول تأويله، قال القاضي:( في هذا الحديث المؤاخذة بالصغائر، قال: وليس فيه أنها عذبت عليها بالنار)، ثم برر ما صرح به الحديث من كونها في النار بقوله:( ويحتمل أنها كانت كافرة فزيد في عذابها بذلك)( النووي على مسلم: 6/207.)

وهذا مخالف لما ورد في الحديث، قال النووي بعد حكاية كلامه:( هذا كلامه وليس بصواب، بل الصواب المصرح به في الحديث أنها عذبت بسبب الهرة، وهو كبيرة لأنها ربطتها وأصرت على ذلك حتى ماتت، والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة كما هو مقرر في كتب الفقه وغيرها، وليس في الحديث ما يقتضي كفر هذه المرأة (النووي على مسلم: 6/207)

([48])    انظر في تفاصيل أدلة هذا في رسالة (أسرار الأقدار)

([49])    رواه البخاري، وقال العقيلي: (جاء في النهي عن صير البهيمة أحاديث جياد)

([50])    رواه البخاري.

([51])    رواه مسلم.

([52])    رواه الطبراني.

([53])    رواه الترمذي ًوصححه.

([54])    رواه أبو داود والترمذي.

([55])    رواه النسائي وابن حبان في صحيحه.

([56])    رواه أبو داود.

([57])    انظر في هذا: تحرير الجواب عن ضرب الدَّواب، للشيخ العلامة محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي (831-902)

([58])    رواه الطبراني والبزار وغيرهما.

([59])    رواه أبو يعلى.

([60])    قال ابن خزيمة قال: إذا كان الأغلب من الدواب المركوبة أنها إذا حُمل عليها في السير عطبت، لم يكن لراكبها الحمل عليها، إذ النبي a قد اشترط أن تُركب سالمة، ويُشبه أن يكون معنى قوله: (اركبوها سالمة) أي: ركوبًا تسلم منه ولا تعطب. انظر: تحرير الجواب عن ضرب الدَّواب.

([61])    رواه أبو داود.

([62])    رواه أبو داود.

([63])    أي: اتركوها ورفهوا عنها إذا لم تحتاجوا إلى ركوبها. وهو (افتعل) من وَدُع –بالضم- وَدَاعة وَدَعة؛ أي: سكن وترفه، النهاية: 5/166.

([64])    رواه ابن خزيمة، والحاكم، وابن حبان، في «صحاحهم» وغيرهم.

([65])    رواه ابن خزيمة، وابن حبان وغيرهما.

([66])    رواه الطبراني في الأوسط.

([67])    رواه ابن أبي شيبة.

([68])    رواه الطبراني.

([69])    رواه البزار.

([70])    رواه الدارقطني في أفراده.

([71])    رواه ابن خزيمة، وأبو داود.

([72])    رواه الطبراني.

([73])    رواه البزار في مسنده، ورواه الطبراني بسند فيه من لم يسم، لكن موقوفًا.

([74])    رواه ابن قانع والطبراني في معجمي الصحابة.

([75])    جمع ملذ، وهو موضع اللذة؛ أي: ليُجْرها في السهولة لا في الحزونة؛ وهي المكان الغليظ الخشن.

([76])    رواه الدارقطني في أفراده.

([77])    وهذا من الهدي الصحي الذي أرشدنا له رسول الله a، فالمشي رياضة صحية يحتاج إليها الإنسان كل حين.

([78])    رواه الطبراني في الأوسط.

([79])    هو الشيخ صالح الزواوي المغربي.

([80])    رواه البخاري.

([81])    الحدْو: هو سوق الإبل والغناء لها.

([82])    رواه البخاري ومسلم.

([83])    أي أن من يعسف الركاب ويحملها من السير على ما لا تطيق رجاء الإسراع، ينقطع ظهره، فلا هو قطع الأرض التي أراد، ولا هو أبقى ظهره سالمًا ينتفع به بعد ذلك.

([84])    رواه البزار.

([85])    العهود المحمدية، الشعراني.

([86])   انظر هذه النصوص في: السيرة ذاتية: 535.

([87])    السيرة الذاتية: 523.

([88])    الإحياء.

([89])    وقد نوقش الغزالي في هذا، وقد ذكرنا أدلة قوله هذا في رسالة (أسرار الأقدار)

([90])    رواه مسلم.

([91])    رواه أبو داود.

([92])    الظلال.

([93])   انظر: من آيات الله في الحيوانات، الأستاذ محمد محمد معافى علي، موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

([94])    رواه البخاري ومسلم.

([95])    رواه الطبراني في الأوسط.

([96])    رواه أحمد والبخاري في الأدب وعبد بن حميد.

([97])    رواه الطبراني في الكبير.

([98])    رواه أحمد والترمذي.

([99])   انظر: الكلمة التاسعة والعشرون، وهي تخص بقاء الروح والملائكة والحشر.

([100])    انظر: مع الطب في القرآن الكريم، للدكتور عبد الحميد دياب، والدكتور أحمد قرقوز،  مؤسسة علوم القرآن  دمشق.

([101])   انظر:: كتاب الوصفة الطبية للعلاج بالتغذية، ود.م / يحيى حمزة كوشك.

([102])   انظر: كتاب العلم يدعو إلى الإيمان، أ. كريسي مورسون رئيس أكاديمية العلوم في واشنطن.

([103])   رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد.

([104])   رواه الطبراني في الكبير.

([105])  رواه الطبراني في الكبير وفيه عثمان بن عبد الرحمن الجمحي قال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به.

([106])   رواه الطبراني والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.

([107])   السالفة مقدم العنق.

([108])   رواه ابن ماجة.

([109])   رواه مسلم.

([110])   تلبيس إبليس.

([111])   رواه البزار.

([112])    وهي الدابة التي تأكل العذرة أو غيرها من النجاسات.

([113])   رواه الدارقطني والبيهقي.

([114])    رواه أبو داود.

([115])    رواه البيهقى.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *