بشارة المسيح

بشارة المسيح

في اليوم الثامن سرت في البرية المقدسة التي سار عليها المسيح، وهو يبشر بدين الله.. شعرت بشوق عظيم يشدني إلى المسيح..

ولكن المسيح الذي اشتاقت نفسي إليه يختلف عن المسيح الذي لقنت صفاته في الكتاب المقدس.. لم أكن أدري كيف جاءني ذلك الشوق، ولا أي مسيح تحركت أشواقي إليه؟

لكني ـ مع ذلك ـ شعرت بلذة عظمية، وروحانية عميقة.. أتذوقها، ولا أتعقلها.. أعيشها، ولكن لا أستطيع أن ألمسها، أو أدرك سرها.

بينما أنا في تلك الحال إذا بي أرى رجلا له هيئة المسيح التي أعرفها.. قسمات وجهه، وألوان ثيابه، وطريقة سيره.. وفوق ذلك أشياء أشعر بها جعلتني أنجذب إليه، كما أنجذب إلى المسيح.

اقتربت منه، وقلت له: أنت تريد أن تقطع هذه البرية المباركة التي سار عليها المسيح، فهلم لنقطعها جميعا.. ونتبرك بآثار خطى المسيح.

قال: شكرا.. أنا الآن سائر في مهمة من المهام التي سار من أجلها المسيح، فهلم لنتعاون عليها.

قلت: كيف هذا؟

قال: أعرفك بنفسي أولا.. أنا عيسى.. وتستطيع أن تطلق علي يسوع.. كلاهما اسمان لي..

قلت: تشرفت بمعرفتك.. وأنا محب للمسيح جاء من البلاد التي تغرب منها الشمس، ليشم عطر الهواء الذي كان يشمه المسيح.

قال: أنت ممتلئ بحب المسيح إذن؟

قلت: ومن لا يمتلئ بحب المسيح؟

قال: أعداؤه الذين يظهرون وده.. وهم أخطر من أعدائه الذين يظهرون عداوته.

قلت: أيمكن أن يكون هناك أعداء يظهرون المودة؟

قال: اثنان: ضال، ومنافق.

قلت: فهل وجد الاثنان؟

قال: أما الثاني منهما.. فقد لا يوجد الآن..

قلت: والأول؟

قال: كثيرون هم.. كثيرون جدا.. لا يمكنك أن تحسبهم.. فهم ينتشرون في القارات السبع.

قلت: دعني من الإلغاز وأخبرني ما تقصد.

قال: في قلبك أشواق للمسيح.. فأخبرني أي المسيحين اشتقت إليهما؟

قلت: هناك مسيح واحد.. ذلك الذي صلب من أجل خلاصنا.. ذلك الذي أرسله الله ليطهرنا على خشبة الصليب من الخطيئة التي أوقعنا فيها آدم.. إنه ابن الله الوحيد، المولود من الأب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للأب في الجوهر الذي به كان كل شيء، الذي من أصلنا نحن البشر، ومن أجل خلاص نفوسنا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس، ومن مريم العذراء، وصار إنساناً، وصلب في عهد بيلاطس النبطي، وتألم، وقبر، وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب، وأيضاً أتى في مجده ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء.

كنت أقرأ من قانون الإيمان الذي يحفظه كل مسيحي بخشوع، ولم أكن أقصد من ذلك إلا أن أؤثر في مرافقي، وأدخله حضيرة الإيمان الذي لا يكاد عقلي يتقبله.

قال: هناك مسيح آخر هو نفس هذا المسيح، ولكنه مسيح بسيط لا يحمل كل هذه الألغاز التي تحملونها.. إنه إنسان ولد بمعجزة، وتحققت في حياته معجزات كثيرة، لتكون برهانا على صدقه، وعلى صدق البشارة التي جاء بها.

قلت: هذه إهانة للمسيح لا رفعة له.

قال: لست أدري من الذي يهينه.. من يعتقد إنسانيته الرفيعة، أم الذين يتصورون أنهم يرفعونه.. ولكنهم، وفي كتابهم المقدس، يحملون صورا مهينة له.. لا يمكن لعاقل أن يعتقدها.

قلت: في كتابنا المقدس هذه الصورة المشوهة للمسيح؟

قال: أجل.. أليست هي الكتب التي تظهر المسيح بصورة المسارع إلى الشتم واللعنة.. يشتم كل من يقابله، ويلعن كل من لا يقبله؟

قلت: كيف تقول هذا؟.. إن المسيح هو مثال الرحمة والسلام والمحبة.. أليس هو الذي يقول: (أريد رحمة لا ذبيحة)(متى: 9 : 13)؟

قال: أنتم تنقلون عنه هذه الكلمات القليلة لتجملوا صورته، ولكنها أضعف من أن تقاوم الصورة التي شوهتموها بما نسبتم إليه من أقوال وأفعال.

أنتم تجلعون لسانه الممتلئ بذكر الله، الغارق في التبشير به، لسانا ممتلئا سبابا وشتائم ولعنات مع أنكم تعلمون بـ (أن الشتامين لا يرثون ملكوت الله) كما صرح بذلك بولس في رسالته الأولى الي كورنثوس(6 : 10)

ألستم الذين نسبتم إلى المسيح شتمه لتلك المرأة الكنعانية الطيبة، بل جعلتموه يعتبرها من زمرة الكلاب؟.. ألستم الذين تررون في متى (15 : 26) أنه عندما جاءت المرأة الكنعانية تسترحمه بأن يشفى ابنتها رد عليها قائلاً:(لا يجوز أن يأخذ خبز البنين، ويرمى للكلاب)؟

وبعدما أراقت هذه المرأة المسكينة آخر نقطة من ماء وجهها، وأقامت الحجة بقولها للمسيح: (والكلاب أيضاً تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها)، حقق لها أملها، وشفيت ابنتها (متى 15 : 27)

أنتم تروون هذا، وتتباهون به، بل وتجعلونه من دلائل ألوهيته.. مع أنه لو وقف مثل هذا الموقف أي إنسان، فإنكم تتهمونه بالعنصرية، وبقساوة القلب، وبسوء الأدب.

ليس ذلك فقط.. فموسوعة الشتائم التي نسبتموها للمسيح لا تقف هنا:

فالمسيح ـ على حسب كتابكم المقدس ـ يمتد إلى الأنبياء الكرام ليصفهم باللصوص.. ألستم تقرأون في يوحنا (10 : 7) أن المسيح قال: (أنا باب الخراف، وجميع الذين جاءوا قبلي سارقون ولصوص)

أنتم تجعلون المسيح رمزا للسلام، وتروون عن المسيح وصيته للتلاميذ بمحبة الاعداء والإحسان إليهم.. أليس كذلك؟

قلت: بلى..

قال: ولكنكم عندما تصورون حياة المسيح تصورونها بصورة المناقض لأقواله، فهو لا يبغض أعداءه فقط، وإنما يبغض أقرب الأقربين إليه، ويسبه، ويلقي الشتائم عليه.

ألستم تروون أنه أهان أمه وسط الحضور، فقال لها: (مالي ولك يا إمرأة) (يوحنا:2 : 4)؟

ألستم الذين تروون إهانته لمعلمي الشريعة بقوله لهم: (يا أولاد الأفاعي)(متى:3 : 7)؟.. وبقوله لهم: (أيها الجهال العميان)(متى:23 : 17)؟

ألستم الذين تروون إهانته لتلاميذه، وشتمه لهم، إذ قال لبطرس كبير الحواريين: (يا شيطان) (متى:16 : 23)، وشتم آخرين منهم بقوله: (أيها الغبيان، والبطيئا القلوب في الإيمان) (لوقا 24 : 25).. مع أنه هو نفسه الذي قال لهم: (قد أعطى لكم أن تفهموا أسرار ملكوت الله)(لوقا: 8 : 10)؟

ألستم الذين جعلتموه يشتم أحد الذين استضافوه ليتغدى عنده، وجعلتموه يشتمه في بيته.. أليس في الكتاب المقدس: (سأله فريسي أن يتغذى عنده، فدخل يسوع واتكأ، وأما الفريسي فلما رأى ذلك تعجب أنه لم يغتسل أولاً قبل الغداء، فقال له الرب:(أنتم الآن أيها الفريسيون تنقون خارج الكأس، وأما باطنكم فمملوء اختطافاً وخبثاً يا أغبياء، ويل لكم أيها الفريسيون)، فأجاب واحد من الناموسيين، وقال له : يا معلم، حين تقول هذا تشتمنا نحن أيضاً، فقال:(وويل لكم أنتم أيها الناموسيون) (إنجيل لوقا:11 : 39)؟

ألستم الذين نسبتم إليه قوله لهيرودس:(قولوا لهذا الثعلب)(لوقا: 13 : 32)؟

ألستم الذين جعلتموه يطلب من تلاميذه عدم إفشاء السلام في الطريق(لوقا:10:4)؟

ألستم الذين قولتموه: (لا تعطوا القدس للكلاب ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير)(متى:7 : 6)؟

ألستم الذين جعلتموه يكذب على إخوته.. لقد رويتم في إنجيل يوحنا(7 : 3) أن إخوة المسيح طلبوا منه أن يصعد إلي عيد المظال عند اليهود، فرد عليهم قائلاً: (اصعدوا انتم إلي العيد، فأنا لا أصعد إلي هذا العيد.. ولما صعد إخوته إلي العيد، صعد بعدهم في الخفية لا في العلانية)؟

أنتم تروون وصيته لكم بأعدائكم، ولكنكم في نفس الوقت تجعلونه يقول بكل قسوة: (أما أعدائي الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحـوهم قدامي) (لوقا: 19 : 27)

نعم.. أنتم تتقنون الفرار.. فتهربون من قسوة هذا القول بشتى محاولات التأويل والتحريف، فتارة تذكرون أن هذا سيكون يوم القيامة مع أن النص واضح، فالمسيح يقول: (فأتوا بهم إلى هنا)، وليس فيه أي إشارة إلى يوم القيامة.. وتارة تقولون: إن هذا مثل، مع أنكم تعلمون أن المثل انتهى عند الفقرة السادسة والعشرين من نفس الإصحاح..

أنتم لم تكتفوا بكل ذلك.. بل جعلتموه يتجرد من أبسط مظاهر الرحمة ليلعن شجرة مسكينة لا ذنب لها سوى أنها لم تثمر.. ولم تثمر من عندها، بل لأنه لم يكن وقت الثمر.. ألستم تروون في (مرقس:11 : 12):(وفي الغد، بعدما غادروا بيت عنيا، جاع. وإذ رأى من بعيد شجرة تين مورقة، توجه إليها لعله يجد فيها بعض الثمر. فلما وصل إليها لم يجد فيها إلا الورق، لأنه ليس أوان التين. فتكلم وقال لها: (لا يأكلن أحد ثمرا منك بعد إلى الأبد)؟

ولم تكتفوا بالشجر، بل رحتم تنسبون إلحاق الأذى بالحيوانات البريئة.. بل تجلعونه يتسبب بمقتل ألفي حيوان في وقت واحد.. ألستم تروون في (مرقس: 5 : 11):(وكان هناك قطيع كبير من الخنازير يرعى عند الجبل، فتوسلت الأرواح النجسة إلى يسوع قائلة: أرسلنا إلى الخنازير لندخل فيها، فأذن لها بذلك، فخرجت الأرواح النجسة ودخلت في الخنازير، فاندفع قطيع الخنازير من على حافة الجبل إلى البحيرة، فغرق فيها، وكان عدده نحو ألفين)؟

ألا تسألون أنفسكم: ما ذنب الخنازير وصاحب الخنازير، حين أراد إخراج الشياطين من المجنون؟.. ألم يكن من الأجدى إخراج الشياطين دون الإضرار بالخنازير؟!

أنتم تجلعونه رمزا للسلام، لكنكم تشوهون السلام الذي يدعو إليه بما تنسبون إليه من سلوك.. ألستم تروون أنه صنع سوطا من الحبال، ودخل به الهيكل، وطرد جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون فيه وبعثر دراهمهم وقلب موائدهم.. لا يمكنك أن تكذب ذلك.. فقد جاء في (يوحنا:2 : 14):(وإذ اقترب عيد الفصح اليهودي، صعد يسوع إلى أورشليم، فوجد في الهيكل باعة البقر والغنم والحمام، والصيارفة جالسين إلى موائدهم، فجدل سوطا من حبال، وطردهم جميعا من الهيكل، مع الغنم والبقر، وبعثر نقود الصيارفة وقلب مناضدهم)

ألا يحمل هذا السلوك عنفا غير مبرر؟.. كان في إمكان يسوع المحبة أن يتصرف بما تمليه المحبة والسلام اللذان يدعو إليهما.

ألستم تروون في سفر الرؤيا [2 : 21 _ 23 ] أن مسيح المحبة قال عن إمرأة اسمها إيزابل كانت تدعي انها نبية: (فإني سألقيها على فراش، وأبتلي الزانين معها بمحنة شديدة..وأولادها أقتلهم بالموت، فستعرف جميع الكنائس أني أنا هو الفاحص الكلى والقلوب، وأجازي كل واحد منكم بحسب أعماله)

فهل من المحبة والرحمة أن يقتل الأطفال بذنب أمهم؟

نعم أنتم تروون وصيته لكم بأعدائكم، ولكنكم في نفس الوقت تجعلونه يأمركم بكل قسوة ببغض أقرب الناس إليكم.. ألستم تروون قوله في (لوقا:14: 26):(إن جاء إلي أحد، ولم يبغض أباه وأمه وزوجته وأولاده وإخوته وأخواته، بل نفسه أيضا، فلا يمكنه أن يكون تلميذا لي)؟

بل أنتم تناقضون أنفسكم حين تجعلون من رسول السلام يقول: (لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض. ما جئت لألقي سلاما، بل سيفا.فإني جئت لأجعل الإنسان على خلاف مع أبيه، والبنت مع أمها، والكنة مع حماتها) (متى: 10 : 34)

بل جعلتموه يقول: (جئت لألقي على الأرض نارا، فلكم أود أن تكون قد اشتعلت؟) (لوقا 12 : 49)

بل جعلتم الله نفسه نارا.. ألم يقل صاحبكم في رسالة العبرانيين [ 12 : 29 ]:(لأن إلهنا نار آكلة).. بل جعلتموه يتجرد من الرحمة ويترك ابنه يلاقي أبشع أنواع العذاب دون ذنب وهو يصرخ بصوت عظيم: (إلهي إلهي لماذا تركتني ؟)(متى :27 : 46)

التفت إلي، وقال: هل تراني زدت شيئا في كتابكم ؟.. إن كل ما قرأته من كتبكم المقدسة.. إنها تحمل صورة مشوهة عن المسيح نرفضها ـ نحن المسلمين ـ رفضا شديدا.

 قلت: فما الصورة التي تحملونها عنه؟

قال: لا تكفي كل هذه الطريق التي نقطعها في وصف روحانية المسيح وأخلاق المسيح كما وردت في القرآن الكريم، ولكنها صورة من أجمل الصور.. لعلها هي الصورة التي تحرك لها قلبك..

إن القرآن الكريم يعرض الصورة الحقيقية للمسيح من لحظة ولادته إلى نهاية وجوده على الأرض.. فهو يبين حقيقة هذه الشخصية.. ويصور أهداف دعوتها، وأركان رسالتها، وما أكرمها الله به من معجزات..

إن القرآن الكريم يصف المسيح بأشرف الأوصاف.. فهو عبد لله ليس إلها، ولا ابن إله.. إنه ابن امرأة طاهرة ظهرت براءتها على لسان رضيعها، الذي نطق في المهد، مبينا حقيقته ورسالته وسمو أخلاقه، قال تعالى:{ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} (مريم:29 ـ 33)

وما كانت ولادته بهذه الصورة، إلا لأنه آية للناس على قدرة الله.. وقد سبقه في الولادة بهذه الطريقة المعجزة آدم أبو البشر، ولهذا قرن الله بينهما، فقال:{ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(آل عمران : 59)

والمسيح ـ في النظرة القرآنية ـ لا يختلف عن إخوانه من النبيين والمرسلين، فهو بشر مخلوق، ونبي مرسل، قال تعالى:{ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} (الزخرف:59)

ولذلك هو يمتلئ تواضعا وعبودية لخالقه، بل يتشرف بذلك، قال تعالى:{ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا }(النساء : 172)

والقرآن الكريم يبرهن بالدلائل المختلفة على هذه العبودية التي لا تجد العقول بدا من الخضوع لها، قال تعالى:{ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ }(المائدة : 75)

أما وظيفته، فهو لم يأت إلا بالحكمة التي تملأ القلوب بالإيمان، والسلوك بالرفعة، قال تعالى:{ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ }(الزخرف : 63)

وقد أرسل كسائر النبيين برسالة خاصة إلى قوم مخصوصين، قال تعالى مبينا إرساله إلى طائفة محددة من البشر :{ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ }(الصف : 6)، وقال تعالى:{ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ  وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ }(آل عمران : 48)

وقد عرض القرآن الكريم بعض نواحي الرسالة التي جاء بها المسيح، والتي لا تزال بعض آثارها فيما لم يحرف من نصوص الأناجيل:

فمن رسالته ما نص عليه قوله تعالى:{ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ }(المائدة : 469

ومن أهم ما جاء به في رسالته التبشير بمجيىء النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال تعالى:{ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} (الصف:6)

التفت إلي، وقال: إن شئت أخبرتك بأن ما في أيديكم من الأناجيل تحمل هذه البشارة، رغم ما لحق بها من تحريف.

قلت: لا أرى في الأناجيل ما تذكر.

قال: لأنكم لا تقرأون الإنجيل بعقولكم.. فإن شئت أن تقرأه بعقلك.. فهلم أحدثك عن بشارات المسيح.. فليس لي من هم في هذه الطريق التي سار فيها المسيح إلا أن أبشر ببشارات المسيح.

قلت: أنا طوع أمرك.. حدثني.. ولكن لا تذكر لي من الأناجيل إلا ما أعرفها..

قال: لك علي ذلك.. لم يبشر المسيح بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ على حسب أناجيلكم ـ في موضع واحد، بل بشر به في مواضع كثيرة، سأقتصر على مواضع منها.

الفارقليط:

قلت: فما أولها؟

قال: أعظم بشارات المسيح ـ على حسب الأناجيل ـ هي نبوءات المسيح عن مجيء الفارقليط رئيس هذا العالم، وحسب نسخة الرهبانية اليسوعية (سيد هذا العالم)

وقد انفرد يوحنا في إنجيله بذكر هذه البشارات المتوالية من المسيح بهذا النبي المنتظر، حيث يقول المسيح موصياً تلاميذه: (إن كنتم تحبونني، فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر، ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم، ويكون فيكم.. إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبي وإليه نأتي، وعنده نصنع منـزلاً.

الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي، والكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني، بهذا كلمتكم وأنا عندكم، وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم.. قلت لكم الآن قبل أن يكون، حتى متى كان تؤمنون، لا أتكلم أيضاً معكم كثيراً، لأن رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيّ شيء) (يوحنا 14/15 – 30)

وفي الإصحاح الذي يليه يعظ المسيح تلاميذه طالباً منهم حفظ وصاياه، ثم يقول: (متى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي في الابتداء.. قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا، سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله.. قد ملأ الحزن قلوبكم، لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم، ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة، أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي، وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً، وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين.. إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية، ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم) (يوحنا 15/26 – 16/14)

ألا ترى أن المسيح يتحدث عن قادم يأتيهم؟

قلت: بلى.. هذه النبوءة تتحدث عن هذا القادم.. ولكنه ليس الذي تزعم..

قال: فمن هو؟

قلت: إنه روح القدس الذي نزل على التلاميذ يوم الخمسين ليعزيهم في فقدهم للسيد المسيح، وهناك (صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدءوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا)(أعمال 2/1 ـ 4)

قال: أهذا وحده ما تفسرون به هذه البشارة الخطيرة التي كانت من أهم ما احتوته رسالة المسيح؟

قلت: لا تذكر أسفار العهد الجديد شيئاً سوى ما ذكرت لك عن هذا الذي حصل يوم الخمسين من قيامة المسيح..

قال: أنا لا أكذب ما ذكره الحواريون.. ولكن هذه الكرامة التي حصلت لهم، والتي قد تحصل لأي ولي من أولياء الله في أي زمان وأي أمة لا تستدعي تلك البشارة العظيمة.. فلم نعهد الأنبياء يبشرون بآحاد الكرامات، ويعتبرون التبشير بها أصلا من أصول رسالتهم.

ولنفرض أنهم فهموا البشارة بهذا الفهم.. فهل هذا يعني أن ما فهموه صحيحا.. لو أنكم طبقتم الكثير من البشارات التي فسرها هؤلاء التلاميذ أو غيرهم لما وجدتم انطباق الكثير منها على ما طبقوه؟.. فهذه من تلك.. وهم معذورون إن اجتهدوا في التفسير وأخطأوا في التوفيق للصواب.

إن هذه البشارة تنص على أمر عظيم يتعلق بالبشر جميعا.. لا بتلاميذ محصورين.. فإن أذنت لي ذكرت لك من هذا المعزي الذي هو رئيس هذا العالم.

لم أملك إلا أن أوافق على طلبه، فقد كان لكلامه من الحلاوة ما يأسر القلوب.. إن فيه نفحات كثيرة من روح المسيح تشمها، ولكن لا تستطيع التعبير عنها.

قال: أولا.. أنت تعلم أن لفظة (المعزي) لفظة حديثة استبدلتها التراجم الجديدة للعهد الجديد، فيما كانت التراجم العربية القديمة، كترجمة 1820م، وترجمة 1831م، وترجمة 1844م تضع الكلمة اليونانية (البارقليط) كما هي، وهو ما تصنعه كثير من التراجم العالمية.

أتدري ما معنى هذه الكلمة؟

قلت: إنها تعني العزاء.. فالبارقليط هو المعزي([1]).

قال: قبل أن أجيبك عن معناها بحسب ما ورد في لغتها الأصلية أود أن أنبهك إلى أصل من أصول التحريف التي يمارسها قومك، كما مارسها بنو إسرائيل من قبلهم.

قلت: ما هو؟

قال: أرأيت لو أن اسمك يوحنا أو بولس أو أي اسم ترضاه لنفسك، فجئت، وترجمته، وترجمت اسم والدك، واسم البلد التي تسكن فيها، ثم وضعت هذه المعلومات المترجمة جميعا على كتاب أنت ألفته.. لأقول للقارئين: إن مؤلف الكتاب هو فلان.. هل ترضى بذلك؟.. وهل يعرف القارئون المؤلف الحقيقي للكتاب؟

قلت: لا.. فالأسماء توضع للدلالة على المسمى، وليست مقصودة لذاتها.

قال: وهل يمكن أن تتهم الذي فعل هذا بكتابك؟

قلت: أجل.. فقد يكون قصده خبيثا.

قال: هذا ما فلعه قومك، وبنو إسرائيل من قبلهم، فقد عمدوا إلى أسماء الأعلام يترجمونها، ويغمضون في الترجمة ليشتد إلغاز النبوءة.. وسأضرب لك أمثلة على ذلك:

فقد جاء في المزامير (84/6) عندما ذكرت المزامير اسم مدينة المسيح القادم، أسمتها: وادي بكة [בְּעֵמֶק הַבָּכָא]، وتقرأ (بعيمق هبكا)، فترجمها المترجمون إلى العربية إلى وادي البكاء، وترجمتها نسخة الرهبانية اليسوعية إلى (وادي البَلَسان)؛ لتضيع دلالتها على كل عربي يعرف أن بكة هي بلد محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال تعالى:{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ} (آل عمران:96)

وقد ضرب رحمة الله الهندي في كتابه (إظهار الحق) لهذا الصنيع من المترجمين ثلاثة عشر مثالاً قارن فيها بين طبعات مختلفة للكتاب المقدس، ليقف منها على أثر هذا الصنيع في ضياع دلالات النصوص:

منها أنه جاء في الطبعة العربية (1811م) سمى إبراهيم اسم الموضع (مكان يرحم الله زائره)(انظر التكوين 22/14)، فاسم المكان العبراني أبدله المترجم بمعناه، وفي طبعة (1844م) العربية قال: (دعا اسم ذلك الموضع (الرب يرى)، وبذلك ضاع الاسم الصحيح، واختلفت المعاني، ومثله كثير)

ثم قال: (فهؤلاء المترجمون لو بدلوا في البشارات المحمدية لفظ رسول الله بلفظ آخر، فلا استبعاد منهم)

وقد نقل هذا العلامة الجليل عن حيدر القرشي صاحب كتاب (خلاصة سيف المسلمين) قوله: (إن القسيس أوسكان الأرمني ترجم كتاب إشعياء باللسان الأرمني في سنة ألف وستمائة وست وستين، وطبعت هذه الترجمة في سنة ألف وسبعمائة وثلاث وثلاثين في مطبعة أنتوني بورتولي، ويوجد في هذه الترجمة في الباب الثاني والأربعين هذه الفقرة: (سبحوا الله تسبيحاً جديداً، وأثر سلطنته على ظهره، واسمه أحمد (إشعيا 42/10 – 11))([2])

قلت: ما علاقة هذا بما نحن فيه؟

قال: هل كان المسيح يتكلم باللسان الآرامي أم باللسان اليوناني؟

قلت: بل كان يتكلم الآرامية.. ألا تعلم أن المسيح كان إسرائيليا؟

قال: وإنجيل يوحنا.. ما هي اللغة الأصلية التي كتب بها؟

قلت: كتبه باليونانية..

قال: وبماذا يقرؤه المسيحيون الآن؟

قلت: كل يقرؤه بلغته.. فنحن نقرؤه بالألمانية، وأنتم تقرأونه بالعربية.

قال: فالإنجيلي الرابع إذن يوحنا ترجم اسم المبشر به من الآرامية إلى اليونانية، بحسب طريقتهم في الترجمة من ترجمة المعنى، ثم ترجمتموه أنتم إلى العربية، أو إلى أي لغة أخرى.. ولم تحرصوا على الحفاظ على الاسم كما هو.

قلت: هذا صحيح.. ولا يمكن أن أجادلك فيه.. ولكن لا بد من هذا، فنحن لا نعتبر البارقليط علما، بل نعتبره وصفا.

قال: فسنبحث إذن في المراد من هذا الوصف على حسب اللغة اليونانية..

قلت: لا بأس.

قال: الكلمة اليونانية هي باراكليتوس (Paracletos) وهي تعني المحامي أو المؤيد أو الشفيع (Advocate) الذي يُدعى لمساعدة أو معاونة إنسان آخر، وتعني الصديق أو الولي الودود الحنون.. وقد ترجمتم هذه الكلمة بـ (المعزى) في اللغة العربية،  وبكلمة (كومفورتر) (Comforter) في النسخة الإنجليزية.

أليس ذلك صحيحا؟

قلت: بلى..

قال: ألا تعلم أن كلمة (بيريكليتوس((Periclytos)، تعني المستوجب للحمد.. والتي قد تترجم في اللغة العربية بـ(محمد)

قلت: أعلم ذلك.. ولكن الكلمة التي جاءت في يوحنا هي باراكليتوس (Paracletos) لا (باراكليتوس) (Paracletos)

قال: ولكن الفرق بينهما يسير جدا، فهما تحملان نفس الحروف.. وليس هناك من فرق بينهما غير بعض الحركات التي قد يكون للزمن تأثير فيها.. زيادة على هذا، فقد ظهرت مثل تلك الأخطاء في كتابة أناجيل العهد الجديد لعدم وجود مسافات بين الحروف في النص اليوناني، وذلك قد ينتج عنه أن تغفل عين الكاتب كلمة تشبه أخرى أو تقاربها فى المكان.

ثم بعد ذلك ألا ترى أن للزمن تأثيره في اللهجات واللغات؟

صمت، فقال: لقد ذكر رحمة الله الهندي أنه وصلته رسالة صغيرة من رسائل القسيسين، وكانت هذه الرسالة قد طبعت في كلكته، وكانت في تحقيق لفظ بارقليط، وادعى مؤلفها أن مقصوده أن ينبه المسلمين على سبب وقوعهم في الغلط من لفظ بارقليط، وكان ملخص كلامه:(أن هذا اللفظ معرب من اللفظ اليوناني، فإن قلنا أن هذا اللفظ اليوناني الأصل باراكلي طوس، فيكون بمعنى المعزي والمعين والوكيل، وإن قلنا أن اللفظ الأصل بيركلو طوس يكون قريباً من معنى محمد وأحمد، فمن استدل من علماء الإسلام بهذه البشارة فهم أن اللفظ الأصل بيركلو طوس، ومعناه قريب من معنى محمد وأحمد، فادعى أن عيسى أخبر بمحمد أو أحمد لكن الصحيح أنه باراكلي طوس)([3]

فهذا اعتراف من هذا القسيس بالتقارب بين الكلمتين.. وهو تقارب يرجح أن لهذه الكلمة علاقة باسم محمد.

قلت: أنت ومن معك يرجح هذا.. ولكنا لا نزال نرى من أن هذه الكلمة وصف يشير إلى روح القدس الذي نزل على التلاميذ يوم الخمسين ليعزيهم في فقدهم للسيد المسيح.

قال: سأرد على هذا من وجه آخر.. ألا تعلم أن كثيرا من المسلمين ادعى أنه المهدي.. وتسمى بذلك؟

قلت: أعلم ذلك.. وهو دليل على ضعف عقولهم.

قال: دعنا من الأحكام.. نريد فقط أن نبحث عن الحقيقة.

قلت: أتريد أن نخرج من البشارة بالمسيح إلى البشارة بالمهدي؟

قال: نريد أن نقيس.. أجبني.. لولا أن النصوص النبوية التي وصلت لهؤلاء تخبر أن هناك مهديا.. هل كان يفكر أحد في أن يدعي أنه المهدي؟

قلت: لا.. لقد كانت الأقوال التي قالها نبيكم هي سر هذه الادعاءات.

قال: فقس هذا على البارقليط.

قلت: لم أفهم..

قال: ألا تعلم أن هناك نفرا ادعوا قبل ظهور محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنهم مصاديق كلمة (بارقليط).. منهم ـ على سبيل المثال ـ منتنس المسيحي الذي كان في القرن الثاني من الميلاد، فقد ذكر رحمة الله الهندي أنه ادعى قرب سنة 177 من الميلاد في آسيا الصغرى الرسالة، وقال: (إني هو البارقليط الموعود به الذي وعد بمجيئه عيسى)، وتبعه أناس كثيرون في ذلك، كما هو مذكور في بعض التواريخ.

وذكر وليم ميور حاله وحال متبعيه في تاريخه المطبوع سنة 1848 من الميلاد هكذا:(أن البعض قالوا أنه ادعى أني فارقليط يعني المعزي روح القدس وهو كان أتقى ومرتاضاً شديداً، ولأجل ذلك قبله الناس قبولاً زائداً)

وهذا يدل على أن انتظار بارقليط كان في القرون الأولى المسيحية أيضاً، ولذلك كان الناس يدعون مصاديقه، وكان المسيحيون يقبلون دعاواهم.

وقد ذكر رحمة الله عن صاحب لب التواريخ قوله: (إن اليهود والمسيحيين من معاصري محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانوا منتظرين لنبي، فحصل لمحمد من هذا الأمر نفع عظيم، لأنه ادعى أني هو ذاك المنتظر)، فهذا يدل على أن أهل الكتاب كانوا منتظرين لخروج نبي في زمان محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذا من الشهرة والتواتر بحيث لا يحتاج منا إلى كثرة الشواهد.. ولعلك تظفر بمن يعدد لك شواهده.

أتراك اقتنعت بما قلت؟

قلت: ليس بهذه السهولة أن أقتنع.. فما ذكرته من الأدلة لا يكفي لإثبات أمر خطير كهذا.

قال: ولكنكم أثبتم أن المراد من هذه النبوءة هو ما نزل على التلاميذ يوم الخمسين ليعزيهم في فقدهم للسيد المسيح بسهولة ويسر.

قلت: لأن ذلك هو المراد من النبوءة.

قال: فلندع كلمة (البارقليط).. ولنذهب إلى سائر ما ورد في البشارة، ولنحاول المقارنة في تطبيقها بين محمد، وما نزل على التلاميذ.

قلت: هذا منهج صحيح.. فالبشارات تحتاج إلى الدلائل القطعية لإثباتها.

قال: لقد ذكرت أن البشارة تنطبق على روح القدس.. فما هي براهينك على ذلك؟

قلت: كثيرة.. فاصبر معي لأعددها لك.

قال :{ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً} (الكهف:69)

قلت: أنت تعلم أن المسيح كان معلم الحواريين مدة إقامته بينهم، وكان مرشدا ومعزيا لهم ومدافعا عنهم حتى تعلقت قلوبهم به، وقد عرف أن فراقه بسبب الموت سيحزنهم جدا.. وتحقق أنهم في حاجة إلى مساعدة سماوية لتقويتهم وإرشادهم وتعزيتهم بعد فراقه.. لهذا كله سبق، فوعدهم بالروح القدس المعزى الآخر.

هذه هي علة هذه النبوءة..

بالإضافة إلى هذا، فإن هناك وجوها كثيرة تنفي انطباق هذه البشارة على نبيكم:

منها أن الموعود به ليس ذا جسم، فهو روح الحق، لذلك لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه، وهذا الوصف لا يصدق على محمد لأنه ذو جسم، وقد رآه العالم مؤمنهم وكافرهم.

ومنها أن هذا الموعود جاء ليمكث مع الحواريين إلى الأبد، وذلك لا يصدق على محمد، لأنه لم يأت في زمن الحواريين، ولم يمكث في العالم أو معهم إلى الأبد.

ومنها أن الموعود به كان وقتئذ مع الحواريين فقد قال: (لأنه ماكث معكم)، وهو لا يصدق على محمد، لأنه لم يكن مع الحواريين.

ومنها أن المسيح أوصى الحواريين (أن لا يبرحوا من أورشليم، بل ينتظروا) ذاك المعزى الروح القدس، وهم إطاعة لسيدهم انتظروا عشرة أيام في أورشليم حتى جاء ذلك المُعزى، (وامتلأ الجميع من الروح القدس)، وهذا لا يصدق على محمد، وإلا كان يجب على الحواريين أن ينتظروا في أورشليم نحو ستمائة سنة إلى مجيء محمد، وليس لهم هذا العمر.

وهذا يتأكد بما ذكره المسيح من أنه وعدهم بإرسال هذا الروح المعزى على عجل، وإلا فليس من فائدة للتعزية، وهم موتى، فتعزية لهم قال: (وأما أنتم فستتعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير)(أعمال الرسل:1 : 5)

ثم بعد هذا كله، لقد أخبر المسيح أنه هو الذى سيرسل هذا المعزي، فهل ترى أن المسيح هو الذي أرسل محمدا.. فإن كان كذلك، فأنت تسلم لنا بألوهيته.

زيادة على هذا كله، فإن المعزى الذى تحدث عنه المسيح لتلاميذه، لم يكن نبيا آتيا بعده، وإنما كان الروح القدس كما أوضح له المجد بفمه المبارك قائلا: (وأما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم)

ثم إن المسيحيين لم ينتظروا نبيا يأتى بعد المسيح، بل كان كل رجائهم ومازال فى عودة المسيح ثانية بعد صعوده إلى السماء كما وعدهم (وها أنا أتى سريعا وأجرتى معى لأجازى كل واحد كما يكون عمله)

ولهذا فإن صلاة المسيحيين الحقيقيين فى كل العصور تركزت فى الكلمات:( آمين. أيها الرب يسوع)، وهى آخر كلمات اختتم بها سفر الرؤيا، آخر أسفار الكتاب المقدس.

كنت أتكلم.. وكان يستمع بتركيز شديد لما أقول.. ولم يظهر على وجهه أي تغير رغم أني ألقيت بكل ما لدي من قوة لأفند ما ذهب إليه، بل لم يقاطعني بكلمة واحدة.

عندما انتهيت، قال: هل انتهيت؟

قلت: أجل..

قال: بورك فيك.. لقد ذكرت وجوها كثيرة.. أنت تراها أدلة.. وأنا أراها شبها، فأذن لي في أن أرد عليها.. لا بالترتيب الذي ذكرت، فذلك قد يوقعنا في الجدل.. بل بذكر ما يمكن أن يوضح حقيقة هذه النبوءة.

قلت: سأسمع وأصبر.

قال: ما هو عدد ضمائر (هو) أو (he’s) باللغة الإنجليزية التي استخدمت  لوصف الباراقليط؟

صمت، فقال: سبعة ضمائر مذكرة في جملة واحدة([4]).. ولا توجد آية أخرى في جميع الـ 66 سـفرا لإنجيل البروتستانت، أو الـ 73 سفرا لإنجيل الكاثوليك، بها سبعة ضمـائر مـذكرة.

وكل هذه الضمائر المذكرة في آية واحدة لا يمكن أن تدل على شبح أو طيف أو روح (GHOST) سواء كان مقدسا أم لا([5]).

صمت، فقال: لا بأس.. هل تعرف الأصل اليوناني لكلمة (الروح القدس)

قلت: أجل.. هي (بنيوما PENUMA)في الأصل اليوناني.

قال: فما تعني في هذا الأصل الذي ترجمت عنه الأناجيل؟

قلت: هي لفظ مشترك يعني النفس أو الروح أو الغاز أو الهواء.

قال: فهي لا تدل على الروح وحدها.

قلت: أجل.. لا توجد كلمة واحدة منفصلة للتعبير عن الروح في الكتب المقدسة اليونانية.

قال:  فكلمة (GHOST) التي ترجمتم بها كلمة PENUMA اليونانية، والتي تعني  الطيف أو الشبح في نسخة الملك جيمس، والتي تعتبرونها النسخة المرجع ونسخة الرومان الكاثوليك مجرد اختيار فقط.

قلت: أجل..

قال: يمكنكم أن تضعوا بدل كلمة (GHOST)التي تعني  الطيف أو الشبح كلمة SPIRIT التي تعني الروح.

قلت: يمكن ذلك.. ولكن المترجمين اختاروا (GHOST)

قال: لم يختاروها عن فراغ.. إن هناك فرقا كبيرا بين الطيف القدسي HOLY GHOST التي اخترتموها، وبين الروح القدسي أو الإلهي.

قلت: فما الفرق بينهما؟

قال:  إذا كان المعزي أو المساعد هو الروح القدسي أو الإلهي، فإن الروح القدسي أو الإلهي هو النبي القدسي أو الإلهي، ونحن كمسلمين نؤمن بأن أي نبي مرسل من قبل الله تعالى هو نبي قدسي وبدون أي خطيئة ([6]).

ليس نحن فقط الذين نقول ذلك.. إن يوحنا ـ الذي ينسب إليه الإنجيل وثلاث رسالات تعتبرونها أجزاء من الإنجيل المسيحي ـ استخدم تعبير الروح الإلهي للدلالة علي النبوة الإلهية، كما قال: (أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح، هل هي من الله، لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلي العالم)(إنجيل يوحنا:4 : 1)

ألا ترى أن كلمة الروح استخدمت هنا مرادفة لكلمة النبي، فالروح الحقيقي هو النبي الحقيقي، والروح المزيف هو النبي المزيف؟

زيادة على هذا، فإن يوحنا لم يتركنا معلقين، لقد أعطانا اختبارا حاسما للتعرف علي النبي الحق، فقال: (بهذا تعرفون روح الله كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله) (إنجيل يوحنا:4 : 2).

وتبعا لكلمات يوحنا التفسيرية السابقة فمعنى (روح) مرادفة لكلمة (نبي)، وعلى هذا، فمعني (روح الله) في الآية هي (نبي الله) ومعني (كل روح)هو (كل نبي)

وبذلك يكون المساعد أو المعزي المذكور في إنجيل يوحنا لا يمكن أن يكون هو الروح القدسي (HOLY GHOST) لأن المسيح قال: (وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلي الأبد)

سكت، قليلا، ثم قال: ألا تلاحظ أن كلمة آخر تسترعي الانتباه؟

قلت: ما تعني؟

قال: لقد استخدم النص اليونانى كلمه allon، وهى مفعول به مذكر من كلمه (allos) التى معناها (آخر من نفس النوع)، أما الكلمة التى معناها (آخر من نفس مغاير) فهى (hetenos)، وهى غير مستخدمة فى النص اليونانى.

وهذا يعني أن هذا البارقليط آخر من نفس النوع، أي أنه شخص خلاف الأول، أو هو شخص إضافي، ولكنه من نفس النوع، وإن كان يختلف بوضوح عن الشخص الأول.. فمن هو المعزي الأول، حتى نعرف المعزي الموعود؟

إنه ليس الروح القدس بكل تأكيد، لأن قدوم المعزي له شروط لا تنطبق علي الروح القدس كما نلاحظ من النبوءة التي تقول: (لكن أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم)(إنجيل يوحنا:16: 7)، أي أنه إذا لم يذهب لا يأتي، ولكن إذا ذهب المسيح جاء هذا الموعود.

فمجيء هذا الموعود رهن بذهاب المسيح.. فأجبني واصدقني.. هل كان الروح القدس يساعد المسيح في وظائفه أم لا؟

لم أملك إلا أن أجيب بالإيجاب، فقال: بل كان الروح القدس يساعد الحواريين أيضا في مهامهم التبشيرية الوعظية والانتقالية، أليس ذلك صحيحا؟

قلت: بلى..

قال: ولا يمكنك أن تقول غير ذلك.. فأنت تقرأ في إنجيل يوحنا، نفس الإنجيل الذي وردت فيه هذه النبوءة: (فقال لهم يسوع أيضا سلام لكم، كما أرسلني الأب أرسلكم أنا، ولما قال هذا نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس) (إنجيل يوحنا:20 : 21 ـ 22) 

صمت قليلا، ثم قال: ألم يرد في البشارة أن ذلك الموعود سوف يكشف عن أمور يجهلها المسيح نفسه؟

ولو كان المسيح قد جاء بجميع الحق  لما كانت هناك حاجة لأن يأتى نبى من بعده يحل للناس جميع الحق.. وهذا يعني أن هذا البارقليط الموعود سيكون مثل المسيح، بشرا نبيا، وليس روحا.

التفت إلي، ثم قال: ألا ترى أنه بالعودة إلى اللغة الأصلية التي ألف بها الإنجيل تتضح أمور كثيرة.. صدقني.. لقد عبثت الترجمات كثيرا بشرف الكتاب المقدس([7]).

مع أن كلامه في غاية الوضوح إلا أني حاولت الفرار بما تعلمته من أساليب، فقلت: أرى أن ما ذكرته من العودة إلى الترجمات، لا يكفي للدلالة على الأمر الخطير الذي ذكرته..

قاطعني، وقال: لا بأس.. فنلتمس سبيلا آخر.. فما أكثر سبل الحق.

أنتم تعتبرون البارقليط هو الروح القدس.. أليس كذلك؟

قلت: ولا نشك في ذلك.

قال: ثم تعتبرونه شخصا قائما بذاته.

قلت: لا نعتبره شخصا فقط، بل هو الأقنوم الثالث من أقانيم الإله الواحد.

قال: هذا ما تقولونه.. لكن ما يقوله الكتاب المقدس مختلف تماما، فالعهد الجديد يصف الروح القدس بأنه شئ آخر غير شخصى، أي أنه ليس شخصية مستقلة، وما دام كذلك، فهو ليس (الأقنوم الثالث) للثالوث.

قلت: أين ترى هذا في الكتاب المقدس؟

قال: ألستم تقرأون في لوقا: (فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالأحرى الأب الذى فى السماء يعطى الروح القدس للذين يسألونه)(إنجيل لوقا (11/13)) فالروح القدس يمكن اعتباره حسب هذا النص هبة من الله.

وتقرأون: (ونحن لم نأخذ روح العالم، بل الروح الذى من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله)(سفر الكورنثيين الأول (2/12)، فهنا يوصف الروح القدس بصيغه المجد الذى لا هو مؤنث ولا مذكر (الروح من الله)

وتقرأون: (حيث أن روح المرء هى التى تمكنه من معرفة ذاته كذلك فإن روح الله تمكن المرء من معرفة الأمور الإلهية) (سفر الكورنثيين: 2 (11/12)، فبولس يقول: كما أن الروح التى فـى الإنسان تجعله يعرف الأشياء التى تخصه، فإن روح الله تجعل الإنسان يعرف الأشياء التى تخصه، أي يعرف الأشياء الإلهية، وبالتالى فإن الروح القدس هنا ليس هو الله، ولكنه منفذ أو طريق أو وسيط يختص الله بواسطته من يشاء من عباده بالتعليم والتنوير والإلهام.

وتقرأون: (أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذى فيكم الذى لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم) (الكورنثيين الأول:6/19)، فهذا النص يدل على أن عباد الله الأتقياء يطلق عليهم (هيكل الروح القدس).. وهذا دليل على أن الروح الإلهي ليس شخصا أو ملاكا، ولكنه كلمة الله أو قداسة الله أو قوة الله ودينه.

وتقرأون فى الرسالة الموجهة إلى الرومان: (وأما أنتم فلستم فى الجسد، بل فى الروح، إن كان روح الله ساكنا فيكم)(رسالة بولس (8/9)، فهذا النص يدل على أن هذه الروح نفسها التى تعيش داخل المؤمنين تعنى ببساطة الإيمان ودين الله الحقيقى الذى نادى به المسيح، وبالتأكيد فإن هذه الروح لا يمكن أن تعنى المثل الأعلى النصرانى للروح القدس أى (ثالث الثلاثة الأخير)

قلت: كل هذه فهوم فهمتها أنت من الكتاب المقدس، والفهم شيء ذاتي مرتبط بالفاهم، لا بحقيقة الحال.

قال: ولكنه فهم مؤصل.. وهو فوق ذلك ليس خاصا بي.. أتعرف ما كان يقول الآباء النصارى الأولون عن الروح القدس؟

لقد اعتبر هرماس الروح القدس هو العنصر الإلهي فى المسيح..

أما جوستين المسمى بالشهيد (100 – 167 م) وتيفيلس، فهما يفهمان أن الروح القدس تعنى أحيانا نوعا غريبا من إظهار الكلمة وأحيانا صفة إلهبة، ولكنها لا تعنى شخصا إلهيا أبدا.

أما أثيناغوراس (110 – 180 م) فهو يعتبر الروح القدس فيضا من الله يأتى منه، ويعود إليه كأشعة الشمس.

أما أيرينايوس (130 – 202 م) فهو يعتبر الروح القدس والابن خادمان لله، وأن الملائكة يخضعون لهما.

فهذه النصوص كلها يفهم منها أن الروح القدس لا يوصف بصورة محددة كشخصية، بل هي قوة الله ونعمته وعطاؤه وعمله وإلهامه.

صمت قليلا، ثم قال: دعنا من كل هذا، فله محله المتعلق بنفي ألوهية هذا الأقنوم الذي تزعمونه.. ولنعد إلى النص.. ولنبحث في جمل النص عن الدلالات التي يحملها.

ألم يبدأ المسيح حديثه بقوله: (إن كنتم تحبونني، احفظوا أحكامي، وسأطلب لكم من الأب بارقليط آخر) (إنجيل يوحنا (14 : 15)؟

 قلت: بلى..

قال: ألا ترى أن في الطريقة التى تحدث بها المسيح احتمالا لعدم قبول البعض للشخص الذى سيأتي من بعده، والذي بشر به، لذا حاول المسيح تحريك العواطف حتى يدفع ذلك البعض إلى القبول، فجعل المحبة أول كلامه.

ألا ترى أن مثل هذه المقدمة لا يمكن أن تتعلق بروح القدس، فروح القدس لا يحتاج لتهيئة الأرضية للاقتناع به، لكونه لا يحتاج إلى ذلك.. فهو بعد النزول يكون له فى القلوب والأرواح أثر عميق تزال معه كل الشكوك و الإنكارات.

إن هذه المقدمة لا تصلح إلا للتبشير بالنبى الموعود الذي لا تأثير له إلا تأثير البيان لكسب القلوب والأرواح، وبناء على هذا فإن قسما منصفا ينجذب إليه، والقسم الآخر يبتعد عنه.. ولذلك يحتاج النبي إلى التمهيد له بخلاف الروح القدس.

ولم يكتف المسيح بتمهيد الأرضية، بل أعاد تأكيدها، ففي الجملة 29 من الباب 14 يقول: (أما الآن، وقبل الوقوع أخبرتكم لكى يتسنى لكم الأيمان حين الوقوع).. فهل يحتاج الإيمان بروح القدس إلى مثل هذه التوصية؟

إن هذا الإصرار من المسيح يدل على أن الوصية ليست بالروح القدس، وإنما هي بشخص يمكن أن يكذب، وليس ذلك إلا النبي.

ثم قال المسيح: (وسأطلب لكم من الأب بارقليط آخر)، فإذا قلنا إن المقصود من ذلك رسول آخر أصبح كلامنا معقولا وصحيحا، ولكن إذا قلنا بأن المقصود هو روح القدس الآخر سوف لن يكون كلامنا معقولا ولا صحيحا، لأن روح القدس واحد وغير متعدد.

صمت قليلا، ثم قال: فلنترك هذه الجملة.. ولنذهب إلى قوله: (كل شئ قلته لكم سوف يذكركم به) (إنجيل يوحنا (14 : 26)

أجبني.. متى نزل الروح القدس الذي تزعمونه أنه البارقليط على الحواريين؟

قلت: بعد خمسين يوما من صلب المسيح.

قال: فهل يجوز أن يكون هؤلاء المنتخبون الخلص الذين تعتبرونهم رسلا قد نسوا جميع الأحكام التى علمها لهم المسيح فى هذه المدة القصيرة حتى يعلمهم روح القدس إياها مرة أخرى؟

صمت قليلا، ثم قال: لقد ذكر المسيح أن هذا البارقليط يشهد له.. أليس كذلك؟

قلت: بلى..

قال: هل يحتاج المسيح إلى شهادة أصحابه؟.. لقد كان أصحابه من الإيمان بحيث لا يحتاجون إلى من يؤيدهم.

إن المقصود بهذه الشهادة هو الرسول الموعود، وقد أجاب الرسول محمد على عامة الأحكام التى ينبغي أن يعمل بها إضافة إلى شهادته على نبوة عيسى، وبذلك تجتمع كلا الجملتين في الدلالة على محمد.

صمت قليلا، ثم قال: لقد قال المسيح :(إذا لم أذهب لن يأتى فارقليط)(إنجيل يوحنا (15 : 7)، فقد ذكر أن ذهابه مشروط بمجيء فارقليط، ومجيء فارقليط مشروط بذهاب المسيح، فإذا كان المقصود روح القدس، فإن نزوله على المسيح أو على الحواريين ليس مشروطا بذهاب المسيح، لأن روح القدس كان قد نزل حينما أرسل المسـيح حـوارييه مـن أجـل نشر الدين.

وبناء على هذا فإن نزوله ليس مشروطا بذهاب المسيح، ولكن لو قلنا إن المقصود هو نبى وصاحب شريعة عالمية، لأصبح الأمر منطقيا ومعقولا لأن مجيئه مشروط بذهاب المسيح لكونه سينسخ رسالته.

صمت قليلا، ثم قال: لقد قال المسيح عن الموعود: (ذاك يمجدنى لأنه يأخذ مما لى ويخبركم)، ولم يمجد المسيح نبى ظهر بعده إلا نبى الإسلام (محمد) فهو قد أثنى عليه وبين فضله ومنزلته وأشاد بمكانته السامية بين الأنبياء والمرسلين كما سمعه من قبل الله، وذلك عن طريق الوحى الذى أوحاه الله إليه فى القرآن الكريم أو فى الأحاديث النبوية التى تكلم فيها عن المسيح، وأنه كان يأخذ من نفس المعين المقدس الذى كان يأخذ منه المسيح من الرب وهو معين التوحيد والآداب الفاضلة.

صمت قليلا، ثم قال: لقد قال المسيح: (وأما أنتم فتعرفونه)، وكان الصواب أن يقول :(وأما أنتم فترونه وتعرفونه) ولما كان قد حذف الرؤية دل على أن المقصود بالرؤية المعرفة الحقيقية، لا الرؤيا البصرية وهذا معناه أن النبى إذا جاء لن يعرفه أهل العالم معرفة حقيقية، بينما يعرفه التلاميذ معرفة حقيقية، لأن عندهم خبر عنه.

صمت قليلا، ثم قال: ومما جاء في النبوءة:(لا يتكلم من عنده، بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بما يأتي)، أليس هذا الوصف وصفا لمحمد؟.. فقد كان القرآن الكريم كلام ربه، وكان كلامه وحيا من الله، وقد قال تعالى في ذلك :{ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم:3 ـ 4)

صمت قليلا، ثم قال: لقد قال المسيح: (ومتى جاء المعزي يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة)

إن كلمة (يبكت) جاءت بمعنى (يفحم) و(أفحمه)، أسكته فى خصومة أو غيرها، وهذا يدل على أن النبى الآتي سيكون من شأنه توبيخ العالم بحيث يفحمهم عن الرد عليه، ولا يستطيعون مع هذا التوبيخ مناقضة كلامه.

لست أدري كيف قلت: ولكن محمدا لم يجئ لتوبيخ العالم.. فأنتم تذكرون أنه جاء { شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً} (الأحزاب:45 ـ 46)

قال: إن الإنذار الذي ذكرته يدل على هذا التوبيخ.. فالتبشير للصالحين، والإنذار للفاسقين الكافرين.. وبكليهما يمتلئ كتاب المسلمين المقدس.

ثم إن المسيح ذكر أن هذا الموعود سيوبخ العالم، وهذا ما حصل، فرسالة محمد كانت رسالة عالمية.. وهذا لن ينطبق على الروح القدس لأنه لم يوبخ، ولم يبين مساوئ اليهود والأمم ؟

وقد قال المسيح :(أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي)، وهذا لا ينطبق على الروح الإله لأن التلاميذ ساعة نزوله كانوا مؤمنين بالمسيح نبيا، إنما ينطبق على نبى الإسلام، لأنه وبخ (بين مساوئ) اليهود فى عدم إيمانهم برسالة المسيح،  ووبخ غير اليهود الذين ألصقوا بالمسيح صفة الربوبية، والذين أنكروه أصلا، وأنكروا رسالات السماء.

التفت إلي، وقال: ما الجديد الذي جاء به الروح النازل يوم الدار، والذي جعل المسيح يخاف عليهم أن لا تكون لهم القدرة على تحمله؟

قلت: لقد أمر الحواريين بعقيدة التثليث، وبدعوة أهل العالم كله.

قال: فأي أمر حصل لهم أزيد من أقواله التي قال لهم إلى زمان صعوده.

نعم بعد نزول هذا الروح، أسقطوا جميع أحكام التوراة التي هي ما عدا بعض الأحكام العشرة المذكورة في الباب العشرين من سفر الخروج، وحللوا جميع المحرمات، وهذا الأمر لا يجوز في حقه أن يقال أنهم ما كانوا يستطيعون حمله، لأنهم استطاعوا حمل سقوط حكم تعظيم السبت الذي هو أعظم أحكام التوراة، الذي كان اليهود ينكرون كون المسيح مسيحاً موعوداً به لأجل عدم مراعاته هذا الحكم.

فقبول سقوط جميع الأحكام كان أهون عندهم، نعم قبول زيادة الأحكام لأجل ضعف الإيمان، وضعف القوة إلى زمان صعوده كما يعترف به علماء بروتستنت، كان خارجاً عن استطاعتهم. فظهر أن المراد ببارقليط نبي تزاد في شريعته أحكام بالنسبة إلى الشريعة المسيحية ويثقل حملها على المكلفين الضعفاء.

بعد هذا اسمح لي أن أجيب على ما ذكرت من تساؤلات..

أنتم تذكرون أن البارقليط روح حقيقية، وذلك لا يمكن أن يتعلق بمحمد لكونه إنسانا وليس روحا.

قلت: أجل.

قال: والجواب عن ذلك هو أن لفظ (الروح) التى استعملت فى روح القدس يمكن استخدامها فى مطلق الإنسان الذى يمتلك روحا ملهمة بالفجور أوالتقوى.

وقد استعمل لفظ (الروح) بالمعنى الثانى في الكتاب المقدس كثيرا، ومن ذلك ما جاء فى الرسالة الأولى ليوحنا: (أيها الأحبة لا تصدقوا كل روح، بل عليكم اختبار الأرواح على أنها من الله أومن غيره، لأن الأنبياء الكذابين ازدادوا فى العلم فمن هنا نعلم أن كل روح تتجسد فى عيسى المسيح هى من الله، وكل روح تتنكر لتجسد عيسى ليست من الله وهكذا تلك الروح المخالفة للمسيح، وأن الدجال الذى سمعتم به بأنه سيأتي، موجود فى العالم نحن من عند الله وكل من يعرف الله يسمع حديثنا، ومن لم يكن من عند الله لا ينصت لنا، ومن هنا تمكن من التمييز بين روح الحق وروح الضلالة)(رسالة الأولى ليوحنا 4 / 12- 7)

فهذه الجمل تشير إلى استخدام لفظة (الروح) وإشاعتها فى غير (روح القدس) بل إن ذيل الآية يشير بصراحة إلى أن كل شخص يدعو إلى الحق والصواب، يكون روحا حقيقية وكل فرد يدعو إلى الضلالة تكون روحه روح ضلال.

قلت: وما تقول في قول المسيح بحق البارقليط:(إن العالم لا يتمكن من قبوله، لأنهم لن يرونه ولن يعرفونه)، فى الوقت الذى عرف فيه محمد وشاهده الآلاف من الأشخاص؟

قال: المقصود من المشاهدة أو الرؤية هو المعرفة ببصيرة الفؤاد، وهذا ما حصل بالفعل للمسيحيين الذين لم يتعرفوا على رسول الإسلام أو لم يروه.

واستعمال الرؤية بهذا المعنى معروف ويرى بكثرة فى العهدين، فمن ذلك أننا نقول:(إن فلانا يمتلك فهما ولا يفهم، ويمتلك عينا، ولكنه لا يبصر بها)، وقد قال أشيعا بحقهم:(ستسمعون باتصالهم ولكن لن تفهموا، نظروا ولكنهم لم يروا شيئا، أو يسمعوا شيئا)(إنجيل متى (13 / 13 – 14)

وهكذا  بالنسبة للمعرفة حيث لم يتعرف على حقيقة رسول الإسلام بشكل كامل كل أولئك الذين يعيشون في العالم، وفى أغلب الأحيان لم يتقبلوه، أى لم يتعرفوا عليه..

وهذا الاستعمال موجود بكثرة فى كل اللغات، وحتى فى نفس الإنجيل، كما ورد:(لا يعرف الابن غير الآب)(إنجيل متى (11 / 27) على الرغم من أن المسيحيين كلهم عرفوه.

ومن ذلك ما ورد في يوحنا: (قالوا له : أيها الأب أين أنت ؟ فأجاب يسوع أنتم لا تعرفوننى ولا تعرفون أبى، ومتى ما تعرفتم على تعرفتم على أبى) (إنجيل يوحنا:8 / 19))، وبناء على هذا فإن القصد من عدم رؤية العالم للبارقليط تعنى عدم إدراكهم لحقيقته الكاملة.

قلت: لقد وعد المسيح الحواريين وبشرهم فى الوقت الذى جاء محمد بعد 600 سنة من ذلك الوعد، وفى زمانه لم يبق أحد من الحواريين.

قال: نعم … هذا صحيح … لقد كان المخاطب هم الحواريون..  ولكن هل كل نص خاطب به المسيح الحواريين خاص بهم … وينجم عن هذا أن كل نص خاطب به المسيح اليهود أو غيرهم، خاص باليهود أو بغيرهم.. وبذلك يمكن أن نميت دعوة المسيح في مهدها، أو نميتها بموت من كان يخاطبهم.

ثم ألم تسمع المسيح، وهو يقول في (إنجيل متى : 26/64)في خطاب رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع: (وأيضاً أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة، وآتياً على سحاب السماء)  مع أن هؤلاء المخاطبن قد ماتوا، ومضت على موتهم مدة هي أزيد من ألفي سنة، وما رأوه آتياً على سحاب السماء، فكما أن المراد بالمخاطبين ههنا الموجودون من قومهم وقت نزوله من السماء، فكذلك فيما نحن فيه المراد الذين يوجدون وقت ظهور بارقليط.‏

قلت: صحيح هذا.. ولكن المسيح قال بصدد البارقليط (سيبقى معكم وفيكم)، فهل يمكن أن يبقى محمد فى شخص ما؟

نعم يمكن أن يكون شخص مع شخص آخر، ولكن كيف يكون أحد ما فى شخص آخر؟

قال: في هذه البشارة دلالة صريحة على أن هذا الموعود سيكون خاتما للرسل، ولذلك ستكون أحكامه وقوانينه معهم إلى الأبد بينهم وبين ظهورهم، وفي هذا دليل على أن أحكامه سوف لن تنسخ.. وكل ذلك مما لا يصدق إلا على محمد.

مثل الكرامين:

بعد تعب شديد نالنا من الجهد الذي بذلناه في الطريق، جلسنا نستريح أمام عين ماء، فسألني: (اذكر لي حديث الكرامين إن كنت تحفظه)

قلت: وكيف لا أحفظه.. أنسيت من أنا؟

قال: لا.. لم أنس.. فثيابك تدل عليك.. اسرده علي.

قلت: قال المسيح يوما لحوارييه، وهو يشبه لهم الملكوت: (اسمعوا مثلاً آخر، كان إنسان رب بيت، غرس كرماً، وأحاطه بسياج، وحفر فيه معصرة وبنى برجاً، وسلمه إلى كرامين وسافر.

ولما قرب وقت الإثمار أرسل عبيده إلى الكرامين ليأخذ أثماره، فأخذ الكرامون عبيده، وجلدوا بعضاً وقتلوا بعضاً ورجموا بعضاً، ثم أرسل إليهم أيضاً عبيداً آخرين أكثر من الأولين، ففعلوا بهم كذلك.

فأخيراً أرسل إليهم ابنه قائلاً:يهابون ابني، وأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم: هذا هو الوارث، هلموا نقتله ونأخذ ميراثه، فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم، وقتلوه.

فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين؟ قالوا له: أولئك الأردياء يهلكهم هلاكاً ردياً، ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين يعطون الأثمار في أوقاتها.

قال لهم يسوع: أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره، ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه.

ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم)(متى 21/33 – 45)، (وانظر لوقا 20/9 – 19)

قال: ألا ترى أن هذه النبوءة تكاد تنطق باسم محمد؟

قلت: كيف؟

قال: من تراها تكون الأمة العظيمة التي إذا غزت أمة سحقتها، وإذا أرادتها أمة نكصت على عقبيها؟

أليست هي أمة محمد التي هزمت أعظم دولتين في عصرها: الروم والفرس، وانساحت في الأرض، وملكت خلال قرن واحد ما بين الصين وفرنسا.. أليست هي أمة الإسلام؟

أليست هذه النبوءة تصديقا لنبوءة داود في المزامير عن الآتي باسم الرب، والتي تقول:(أحمدك لأنك استجبت لي، وصرت لي خلاصاً، الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، نبتهج ونفرح فيه، آه يا رب خلّص، آه يا رب أنقذ، مبارك الآتي باسم الرب)(المزمور 118/21-25)؟

ألا تعلم يا صاحبي أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ضرب مثالا قريبا من هذا، وطبقه على نفسه، وهو الصادق الأمين، فقال: (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتاً، فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت هاهنا لبنة، فيتم بنيانك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: فكنت أنا اللبنة)([8]).. إن محمدا هو الحجر الذي رفضه البناءون.. إنه الحجر الذي تمت به النبوات.

فما تقول فيما قلت؟

قلت: لقد اعتبر بطرس ـ حواري المسيح ـ المسيح هو الحجر الذي رفضه البناؤون، فقال:(يسوع الناصري الذي صلبتموه أنتم.. هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيها البناؤون، الذي صار رأس الزاوية، وليس بأحد غيره الخلاص، لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص)(أعمال 4/10-12)

قال: ألا ترى بطرس متكلفا في إلصاق هذه النبوءة بالمسيح؟

قلت: كيف تقول هذا عن بطرس.. القديس بطرس !؟

قال: دعك من التقديسات، ولنبحث عن الحقائق.. ولو شئت لأوقرت لك بعيرا من أخطاء القديسين.. فدعنا من هذا.. ولنقرأ النبوءة حرفا حرفا لنرى على من تنطبق.

وأترك لك المجال لتطبقها على من تطبقها عليه.

قلت: هذه النبوءة واضحة في الدلالة على المسيح .. فرب البيت هو الله، وابنه هو المسيح، وهو تكلم عن نفسه كأن اليهود قتلوه، ومادام المسيح قائل هذه الأقوال يكون هو ابن الله، وأنه مات عن خطايا العالم، وبعد إرسال الابن لم يرسل رسول آخر، فقد كان الرسول الأخير هو الابن، فليس من المعقول أنه بعدما أرسل الابن يرجع، فيرسل العبيد.

أما البناءون، فكانوا يهود عصره، وقد قال المسيح المثل خطابا لليهود: (ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره)(بطرس:2 : 9 – 10)

والعهد الجديد يبين أنه يعطى للذين يؤمنون بالمسيح إيمانا حقيقيا، الذين هم جنس مختار، وكهنوت ملوكي، أمة مقدسة شعب اقتناء، وقال لهم: (لكي تخبروا بفضائل الذى دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب، الذين قبلا لم تكونوا شعبا، وأما الآن فأنتم شعب الله، الذين كنتم غير مرحومين وأما الآن فمرحومون)(إنجيل متى:21 : 43)

وهنا تلميح لطيف إلى الأثمار التى يطلبها رب البيت من الأمة التى تتولى الكرم، ألا وهى الكنيسة المسيحية، والكرم ملكوت الله (متى 21 : 43 يشرح عدد 41)، وعليه فقد ثبت أن الحجر الذى رفضه البناؤون هو المسيح نفسه..

أما مقاومة المسيح وعدم الرضوخ له فهما سبب سخط الله وحول نقمته على أعدائه، وقد تم شئ من ذلك عند خراب أورشليم وتمثيل الرومان باليهود تمثيلا فظيعا (سنة 70 م) بعد صلب المسيح نحو أربعين سنة.

والمراد برب البيت هو الله، لأن المسيح فى عدد 37 بحسب ما جاء فى المثل هو ابن رب البيت.

لقد كنت ألاحظ التكلف الذي تفسر به هذه النبوءة، ولكنه لم يكن لي بد من ذكره كما لقنته في دراستي.

ابتسم، وقال: هل أنت مقتنع بما تقول؟

قلت: كما أنت مقتنع بما تقول.

قال: لن أرد على كلامك حرفا حرفا، ولكني سأذكر للعقل ما يقتنع به، وأدع النفس وما ارتضت.

ولنبدأ بتفسير بطرس، فما أراكم جعلتم هذه النبوءة في المسيح إلا لقول بطرس، وأنا لا ألوم بطرس، فهو معذور في خطئه، لأنه عامي عديم العلم كما شهد له أولئك الذين استمعوا لحديثه، وتعجبوا من المعجزات التي صنعها، فقد قال عنه التلاميذ: (فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان، تعجبوا)(أعمال 4/13)

بعد هذا أعود إلى النبوءة، بل إلى ما أرى أنه محور النبوءة.. وهو قوله:(الحجر الذى رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية)

من من ذرية إبراهيم رفض من الإسرائيليين مع أن إبراهيم دعا له بالبركات؟

صمت، فقال: أنت تعلم أنه إسماعيل، فهو الذي نال من بركات إبراهيم، ومع ذلك لا تقرون له أنتم ولا اليهود بأي نبي.. أليس إسماعيل الذي هو جد محمد من نسل إبراهيم؟

قلت: بلى..

قال: بل هو ابنه البكر.. فقد طلب إبراهيم من الله الصلاح في ابنه إسماعيل، ففي الكتاب المقدس: (قال إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك)(التكوين 17/18)، فاستجاب الله له وبشره بالبركة فيه وفي ابن آخر يهبه الله له، فقد بشره بميلاد إسحاق من زوجه سارة فقال: (وأباركها وأعطيك أيضاً منها ابناً، أباركها فتكون أمماً، وملوك شعوب منها يكونون.. وتدعو اسمه إسحاق، وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً لنسله من بعده، وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره، وأكثره كثيراً جداً، اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة)(التكوين 17/16-20)

ومحمد هو الحجر الذي رفضه البناءون من اليهود والنصارى الذين كانوا يبشرون به.

ولتفهم هذا سأشرح لك المثل بحسب ما يدل عليه العقل والمنطق السليم:

هذا المثل العجيب من المسيح (مثل الكرامين) يحكي تنكر اليهود لنعم الله واصطفائه لهم بقتلهم أنبياءه وهجر شريعته، وهو الجزء الأكبر من هذه النبوءة، اسمع جيدا هذا المثل، من فم الحقيقة، لا من فم بطرس: كان إنسان رب بيت، غرس كرماً، وأحاطه بسياج، وحفر فيه معصرة وبنى برجاً، وسلمه إلى كرامين وسافر.

ولما قرب وقت الإثمار أرسل عبيده إلى الكرامين ليأخذ أثماره، فأخذ الكرامون عبيده، وجلدوا بعضاً وقتلوا بعضاً ورجموا بعضاً، ثم أرسل إليهم أيضاً عبيداً آخرين أكثر من الأولين، ففعلوا بهم كذلك.

فأخيراً أرسل إليهم ابنه قائلاً:يهابون ابني، وأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم: هذا هو الوارث، هلموا نقتله ونأخذ ميراثه، فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم، وقتلوه.

أليس كل ما ذكره وصف صحيح لا ينطبق إلا على اليهود؟.. قد تجادلني، ولكن النص يرد عليك، فقد ورد فيه: ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم.

صمت، فقال: ثم يحكي المثل انتقال النبوءة إلى أمة أخرى تقوم بأمر الله تعالى وتقوى على أعدائها وتسحقهم.

وقد ذكر المسيح هذا ليقنعهم بأن النبوة لن تبقي في بني إسرائيل بعد ما فعلوا ما فعلوا، ولهذا ترك الجواب لهم، وكأنه يحاول أن يملأهم بهذه القناعة.

اسمع جيدا بسمع العقل، لا بسمع بطرس: فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين؟ قالوا له: أولئك الأردياء يهلكهم هلاكاً ردياً، ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين يعطون الأثمار في أوقاتها.

قال لهم يسوع: أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره، ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه.

قلت: قد أسلم لك بهذا.. لكن من قال لك بأن النبوة ستنتقل إلى العرب دون غيرهم من الأجناس؟

قال: إن أول صفات هذه الأمة على حسب وصف الكتاب المقدس أنها أمة مرذولة محتقرة.. ألم يقل: (الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية)، لكن الله ـ الذي تستوي عنده الأجناس ـ اختارها رغم عجب اليهود من تحول الملكوت إلى هذه الأمة المرذولة، لكنه قدر الله العظيم (من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا) 

بعد هذا نتساءل: هل كان العرب أمة مرذولة عند اليهود؟

والجواب من الكتاب المقدس نفسه يبدأ من موقفه من أم العرب، فهم أبناء الجارية هاجر، التي يزدريها الكتاب المقدس، فقد قالت سارة: (اطرد هذه الجارية وابنها، لأن ابن الجارية لا يرث مع ابني إسحاق) (التكوين 21/10).

وقال ـ بعد ذلك بقرون طويله ـ بولس مفتخراً على العرب محتقراً لهم: (ماذا يقول الكتاب؟ اطرد الجارية وابنها، لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة، إذاً أيها الإخوة: لسنا أولاد جارية، بل أولاد الحرة) (غلاطية 4/30 – 31)

مثل العرس:

التفت إلي، فرآني صامتا، فقال: ليس هذا المثل وحده ما نطق به المسيح ليحضر الأمم لهذا النبي الموعود.. لقد ضرب لهم مثلا آخر، فقال ـ كما يروي متى ـ: (يشبه ملكوت السموات إنساناً ملكاً صنع عرساً لابنه، وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس، فلم يريدوا أن يأتوا، فأرسل أيضاً عبيداً آخرين قائلاً: قولوا للمدعوين: هو ذا غذائي أعددته، ثيراني ومسمناتي قد ذبحت، وكل شيء معد، تعالوا إلى العرس.

ولكنهم تهاونوا ومضوا، واحد إلى حقله، وآخر إلى تجارته، والباقون أمسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم.

فلما سمع الملك غضب وأرسل جنوده، وأهلك أولئك القاتلين وأحرق مدينتهم، ثم قال لعبيده: أما العرس فمستعد، وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين، فاذهبوا إلى مفارق الطرق، وكل من وجدتموه فادعوه إلى العرس.

فخرج أولئك العبيد إلى الطرق، وجمعوا كل الذين وجدوهم أشراراً وصالحين، فامتلأ العرس من المتكئين، فلما دخل الملك لينظر المتكئين رأى هناك إنساناً لم يكن لابساً لباس العرس، فقال له: يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس؟ فسكت، حينئذ قال الملك للخدام: اربطوا رجليه ويديه وخذوه، واطرحوه في الظلمة الخارجية، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان، لأن كثيرين يدعون، وقليلين ينتخبون) (متى 22/1-14)

وهذا المثل كالمثل السابق يهيء النفوس لتقبل النبي الموعود من الأمة المحتقرة.

مثل الزرع:

لم أجد ما أجيبه به، فقال: وقد ضرب لهم المسيح مثلا آخر، ذكر فيه أنواع الناس في قبول الملكوت والإذعان له، ودعاهم لقبوله والإذعان له، فقال: (هوذا الزارع قد خرج ليزرع، وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق، فجاءت الطيور وأكلته.

وسقط آخر على الأماكن المحجرة، حيث لم تكن له تربة كثيرة، فنبت حالاً، إذ لم يكن له عمق أرض، ولكن لما أشرقت الشمس احترق، وإذ لم يكن له أصل جف.

وسقط آخر على الشوك فطلع الشوك وخنقه.

وسقط آخر على الأرض الجيدة، فأعطى ثمراً، بعض مائة، وآخر ستين، وآخر ثلاثين، من له أذنان للسمع فليسمع..

فاسمعوا أنتم مثل الزارع، كل من يسمع كلمة الملكوت ولا يفهم، فيأتي الشرير ويخطف ما قد زرع في قلبه، هذا هو المزروع على الطريق.

والمزروع على الأماكن المحجرة هو الذي يسمع الكلمة وحالاً يقبلها بفرح، ولكن ليس له أصل في ذاته بل هو إلى حين، فإذا حدث ضيق أو اضطهاد من أجل الكلمة فحالاً يعثر.

والمزروع بين الشوك هو الذي يسمع الكلمة، وهم هذا العالم وغرور الغنى يخنقان الكلمة، فيصير بلا ثمر.

وأما المزروع على الأرض الجيدة فهو الذي يسمع الكلمة ويفهم، وهو الذي يأتي بثمر فيصنع بعض مائة وآخر ستين وآخر ثلاثين)(متى 13/1-23)

ألا تعلم ـ يا صاحبي ـ أن هذا المثل الإنجيلي يتطابق تماما مع المثل الذي ضربه محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأحوال الناس مع دعوته، حيث قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا، وزرعوا وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)([9])

مثل حبة الخردل:

واصل حديثه قائلا: وقد ضرب لهم مثلا آخر ليهيئهم لقبول النبي الجديد، فقال: (يشبه ملكوت السموات حبة خردل، أخذها إنسان، وزرعها في حقله، وهي أصغر جميع البذور، لكن متى نمت فهي أكبر البقول، وتصير شجرة، حتى إن طيور السماء تأتي وتتآوى في أغصانها.. قال لهم مثلاً آخر: يشبه ملكوت السموات خميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع، هذا كله كلم به يسوع الجموع بأمثال، وبدون مثل لم يكن يكلمهم) (متى 13/31-34). (انظر مرقس 4/30-32).

مثل العاملين:

قال: وقد ضرب المسيح لهذا الموعود بمثل آخر تحدث فيه عن تأخر زمان ظهوره عن النبوات السابقة، لكن ذلك لن يمنع عظيم الأجر والثواب لأمته، فقال:(فإن ملكوت السماوات يشبه رجلاً رب بيت خرج مع الصبح ليستأجر فَعَلة لكرمه، فاتفق مع الفعلة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه، ثم خرج نحو الساعة الثالثة، ورأى آخرين قياماً في السوق بطالين، فقال لهم: اذهبوا أنتم أيضاً إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم، فمضوا.

وخرج أيضاً نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل ذلك.

ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج ووجد آخرين قياماً بطالين، فقال لهم: لماذا وقفتم ههنا، كلَّ النهار بطالين؟

قالوا له: لأنه لم يستأجرنا أحد. قال لهم: اذهبوا أنتم أيضاً إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم.

فلما كان المساء قال صاحب الكرم لوكيله: ادع الفعلة وأعطهم الأجرة مبتدئاً من الآخرين إلى الأولين.

فجاء أصحاب الساعة الحادية عشرة وأخذوا ديناراً ديناراً، فلما جاء الأولون ظنوا أنهم يأخذون أكثر، فأخذوا هم أيضاً ديناراً ديناراً، وفيما هم يأخذون تذمروا على رب البيت قائلين: هؤلاء الآخرون عملوا ساعة واحدة، وقد ساويتهم بنا نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر.

فأجاب وقال لواحد منهم: يا صاحب ما ظلمتك، أما اتفقت معي على دينار؟ فخذ الذي لك واذهب، فإني أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك. أو ما يحل لي أن أفعل ما أريد بمالي أم عينك شريرة لأني أنا صالح!

هكذا يكون الآخرون أولين، والأولون آخرين، لأن كثيرين يُدعَون، وقليلون ينتخبون)(متى 20/1 – 16)

إن المسيح ـ من خلال هذا المثال ـ يهيء النفوس لتقبل النبي الخاتم، فهو مع كونه خاتم الرسل إلا أن الله برحمته وهب له ولأمته من الفضل ما لم ينله غيره.. فالآخرون هم الأولون السابقون كما قال المسيح.

وقد أكد ذلك محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(نحن الآخرون السابقون)([10]

وضرب مثالا على ذلك لا يختلف عن مثال المسيح، فقال: (مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال: من يعمل لي غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط، فعملت النصارى، ثم قال من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم. فغضبت اليهود والنصارى فقالوا: مالنا أكثر عملاً وأقل عطاءً؟ قال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء)([11]

مثل الكنز:

قال: وضرب المسيح مثلا لهيمنة الشريعة الجديدة على سائر الشرائع السابقة ونسخها لها، فقال: (أيضاً يشبه ملكوت السموات كنزاً مخفياً في حقل وجده إنسان، فأخفاه، ومن فرحه مضى وباع كل ما كان له واشترى ذلك الحقل.

أيضاً يشبه ملكوت السموات إنساناً تاجراً يطلب لآلئ حسنة، فلما وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن، مضى وباع كل ما كان له، واشتراها)(متى 13/44-46).

الكامل:

قال: وقد قال المسيح مبشراً بالقادم الذي ينسخ الشرائع بشريعته: (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل)(متى 5/17-18)، أتدري من هذا الذي له الكل؟

صمت، فقال: إنه ذات النبي الذي يسميه بولس بالكامل، ومجيئه فقط يبطل الشريعة وينسخها،(وأما النبوات فستبطل، والألسنة فستنتهي، والعلم فسيبطل، لأننا نعلم بعض العلم، ونتنبأ بعض التنبؤ، ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض) (كورنثوس (1) 12/8-10)

الأصغر:

قال: وفوق هذا كله وردت بشارة أخرى على لسان المسيح تبشر بهذا النبي  المنتظر، وتؤكد أنه أعظم الأنبياء، وأنه النبي المسمى إيليا، وأنه الذي تقاطرت النبوءات على البشارة به، يقول المسيح: (الحق الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه.. لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبؤوا، وإن أردتم أن تقبلوا، فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع)(متى 11/11 – 15)

فالأصغر في ملكوت السماوات هو إيلياء المزمع أن يأتي، الذي تنبأ به الأنبياء، نبياً تلو نبي، وكان آخرهم يوحنا المعمدان.

فمن هو إيليا، الأصغر في ملكوت السماوات؟

قلت: إنه المسيح.. المسيح هنا يتنبأ عن نفسه.

قال: لا.. أنتم أنفسكم لا تقرون بذلك.

قلت: كيف لا نقر بذلك؟

قال: إن الأصغر يشير إلى أن هذا الموعود سيختم رسالات الله.. فهل تحقق ذلك في المسيح؟

صمت، فقال: أنتم لا تقرون بذلك.. ذلك أنكم ترون نبوة التلاميذ والرسل الذين جاءوا بعد المسيح.

***

 لم أشعر بتلك البرية المقدسة التي سرت بصحبة يسوع أو عيسى فيها رغم طول المسافة التي قطعناها، لقد كان لكلامه من الحلاوة ما يأسر القلوب، وكان فيه من المنطق ما يأسر العقول، وكان فيه من الروحانية ما يأسر الأرواح.

لم أكن أجسر على مقاطعته.. فقد كنت أشعر نحوه بتقديس عظيم لا يقل عن تقديسي للقديسين الذين كنت أقرأ عنهم، وأحن لهم.

بل لعلي كنت أشعر نحوه بتقديس أعظم من ذلك التقديس.. فقد كان بسيطا في مظهره.. ولكنه كان قمة لا أرى أن من نقلت لنا أنباؤهم من القديسين يمكن أن يصل إليها.

فجأة غاب عني.. ولا أزال إلى الآن أجهل كيف غاب، ولا أين ذهب..

سرت قليلا بصحبة نفسي التي امتلأت بالحيرة لما سمعت.. وببصيص النور الذي اهتديت به بعد ذلك إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

لاقاني في الطريق اثنان يلوح من عينيهما الشر، يحمل أحدهما تاجا من الشوك، ويحمل الآخر صليبا..

كانت تظهر على وجهيهما القسوة والشدة، لكنهما لما لاحظا هيئة لباسي التي تدل على ديني ووظيفتي قدما لي قرابين الاحترام.. ومع ذلك استوقفاني، وجرى هذا الحوار بيني وبينهما.

قال أحدهما: أكنت تسير في هذه البرية؟

قلت: أجل.

قال: ألم تر فيها رجلا غريبا يمتلئ بالأنوار المظلمة؟

قلت: لم أفهم قصدكما.

قال: نحن نبحث عن رجل يسمى يسوع، ويسمى عيسى..

قلت: لم ؟.. ما الذي تريدان منه؟

قال الأول: لئن لاقيناه لنذيقنه من ألوان الهوان ما لم يذقه أحد في حياته.

قال الثاني، وهو يشير إلى تاجه: لنلبسنه تاج الشوك الذي يبشر به.

قال الأول، وهو يشير إلى صليبه: بل سنعلقه في الصليب، ثم نحرق جثته بعد ذلك، ثم نرميه في البحار السبعة..

قلت: أراكما تحملان حقدا عظيما.. ألستما من أتباع المسيح؟

قالا : بلى..

قلت: فلم تريدان قتل يسوع إذن؟

قالا: لا.. هذا ليس يسوعنا.. إنه أقرب إلى المسيح الدجال.. إنه يحول كل بشارات المسيح لتنزل على محمد..

قال الأول: بل إنه يحول الإنجيل إلى كتاب بشارة بمحمد.

قال الثاني: بل يحول من المسيح صوتا صارخا في البرية مبشرا بمحمد، وممهدا الطريق لنبوته.

قلت: وما يضيركما من كلامه هذا؟.. ردا عليه كلامه بالحجة، لا بتيجان الشوك، أو الصلبان.

قالا: بأي حجة نرد عليه.. وهو يحفظ الكتاب المقدس حرفا حرفا.. ويقرأ تفسيره تفسيرا تفسيرا.. وقد أوتي من البديهة وقوة الحجة وصفاء الذهن ما نرى أنفسنا نفتقر إليه.

قلت: فوفرا ما تحتاجان إليه من هذه الوسائل، لتنتصرا للحقيقة التي تؤمنان بها.

قالا: ولكنك لا تدري ما يفعل.. إنه لم يترك أحدا يمر على هذه البرية إلا أضله.. ولولا أن الله حماك من لسانه لصحبته الآن كما صحب الحواريون المسيح.

قلت: فهل يملك هذا الرجل معجزات المسيح؟

قال: لا.. ولكنه يحمل أشياء لا تقل خطرا.

قلت: فما هي؟

قالا: سمت المسيح.. وروح المسيح.. وصفاء المسيح.. وسلام المسيح.. ومحبة المسيح.. إنه قريب جدا من المسيح.. حتى صورة جسده وطريقة مشيه وصفاء لونه.. إنه مبعث فتنة عظيمة لن نرتاح حتى نتخلص منها.

قلت: ولكن المسيح رسول سلام.. وأنتما تزعمان أنكما أتباع المسيح..ألم تسمعا ما قال المسيح: (طوبى لصانعي السلام، لأنهم يدعون أبناء الله)(متى 5/9)؟

قالا: وهو القائل: (جئت لألقي ناراً على الأرض.. أتظنون أني جئت لأعطي سلاماً على الأرض.. كلا أقول لكم، بل انقساماً)(لوقا 12/49 – 51)، وفي متى، قال: (لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً، بل سيفاً) (متى 10/34)

قلت: فأنتما تختاران من أقوال المسيح ما يتناسب مع أهوائكما.

قالا: لسنا وحدنا في ذلك.. الكتاب المقدس ـ يا صاحبي ـ كتاب لكل شيء.. إن أردنا أن ندعو للسلام ذكرنا قولك، وإن أردنا الحرب ذكرنا قولنا..

إنه يحمل الحب والبغض، والحرب والسلام، والتوحيد والوثنية، والشريعة والأهواء.. ليحمل كل واحد منه ما يشتهي.. إنه الكتاب المقدس.. إنه أقدس كتاب.. فهل تريده وجها واحدا؟

لقد كان كلامهما أعظم خطرا من كل ما حاول يسوع أن يقنعني به..

لقد استحييت من دين يدين به مثل هذين الرجلين..

انصرفا عني.. وهما يقولان: احذر من يسوع.. فليس في العالم أخطر منه.


([1]) هذا معنى من المعاني المختارة في بعض ترجمات الكتاب المقدس، وفي بعضها الآخر نجد كلمة (شفيع) بدلها كما في الجدول التالي:

نسخة فانديك المعتمدة ط 1977 نسخة كتاب الحياة ط 1988
يا أولادى أكتب إليكم هذا لكى لا تخطئوا. وإن أخطأ أحَدٌ فلنا شفيع ( παρακλητον ) عند الآب يسوع المسيح البار. يا أولادى الصغار أكتب إليكم هذه الأمور لكى لا تخطئوا. ولكن إن أخطأ أحدكم فلنا عند الآب شفيع ( παρακλητον ) هو يسوع المسيح البار.
نسخة الكاثوليك ط 1993 نسخة الآباء اليسوعين ط 1991
يا أبنائى أكتب إليكم بهذه الأمور لئلا تخطأوا. وإن خَطِىء أحد منا فلنا يسوع المسيح البار شفيع ( παρακλητον ) عند الآب. يا بنىّ أكتب إليكم بهذا لئلا تخطأوا. وإن خَطِىء أحد فهناك شفيع ( παρακλητον ) لنا عند الآب وهو يسوع المسيح البار.

ففي هذا الجدول نلاحظ أنَّ الترجمات العربية اتفقت على ترجمة كلمة بارقليط إلى شفيع ( وموقعها فى الجملة اليونانية هنا فى وضع المفعول به وتنطق بارقليطون مع ملاحظة أنَّ الحرفين الآخرين (ον) هما علامة الإعراب اليونانية هنا وليسا من أصل الكلمة وأنَّ حرفى القاف والطاء قد تحولا إلى الكاف والتاء)

وقد ذهب علماء المسيحية إلى القول بأنَّ أصل المصطلح بارقليط هو الكلمة اليونانية التى تنطق باراكاليو ( παρακαλεω ). وهذه الكلمة باراكاليو معناها يستغيث بـ أو يستنجد بـ. وأنَّ الاسم المشتق منها هو براكليسس ( πρακλησις ).

والشفاعة المقصودة هنا فى رسالة يوحنا معناها الوساطة التى يقوم بها المسيح u بين أتباعه وبين الآب الأقنوم الأول عندهم.

والكلمة اليونانية المُعَبِّرة عن تلك الوساطة هى ( εντνγχανω ) وكما يلاحظ القارىء أنها كلمة أخرى تختلف عن الكلمة التى استخدمها يوحنا وهى بارقليط ( παρακλητον ).

وهناك كلمات أخرى تؤدى معنى كل من الشفاعة والوساطة والمُحَاماه.. وكلها تختلف فى رسم حروفها وطريقة نطقها عن الكلمة التى استخدمها يوحنا، مما يدل على أنَّ المصطلح اليوحناوى ليس يونانيا فى أصل لغته.

وإذا ذهبنا إلى التراجم الإنجليزية، الأقرب إلى اليونانية من العربية نجد أنَّ المصطلح اليوحناوى قد تمت ترجمته فى ذلك الموضع إلى عدة كلمات إنجليزية ولم يتفقوا على كلمة واحدة أو كلمتين كما اتفقت الترجمات العربية. وأنهم لم يحاولوا أن يكتبوه كما هو فى أصله رغم أنهم يعلمون أنه اسم عَلم مُذكر، فقالوا ( Advocate ) وذلك فى النسخ ( KJV , PME , RSV , JB , NASB ) بمعنى محام يدافع عنهم أمام الآب، وقالوا ( Someone  to plead for you ) أى أنَّ هناك من يدافع أو يترافع عنهم أمام الآب، وقد وردت هذه الترجمة فى نسخة ( LB ) وقريبا منها فى نسخة ( NEB ). وقالوا ( One who speaks to the Father ) أى الذى يكلم الآب وذلك فى نسخة ( NIV ) (انظر: نبي أرض الجنوب)

([2]) انظر : إظهار الحق، رحمة الله الهندي (4/1097 – 1107)، (4/1208 – 1209)

([3]) وقد رد رحمة الله الهندي على هذا بقوله :« فأقول أن التفاوت بين اللفظين يسير جداً، وأن الحروف اليونانية كانت متشابهة، فتبدل بيركلو طوس بياراكلي طوس في بعض النسخ من الكاتب قريب القياس، ثم رجح أهل التثليث المنكرين هذه النسخة على النسخ الأخر »

([4]( Hom brit when he the spirit of truth is come, he will guide you into all truth for he shall not speak of himself, but what so ever he shall hear that shall he speak and he will show you things to come.

([5]) يذكر ديدات أنه عندما نوقش في هذه النقطة الخاصة بالسبعة ضمائر المذكورة في آية واحدة من الإنجيل في مناظرة في الهند بين المسلمين والمبشرين المسيحيين غيرت النسخة الأردية من الإنجيل، قال ديدات :« وهو خداع معتاد من المبشرين خاصة في اللغات الإقليمية، وآخر حيلة عثرت عليها في الإنجيل باللغة الإفريقية في هذه الآية موضع البحث، فقد غيروا كلمة معزى ( مساعد COMFORTER ) إلى كلمة وسيط ( MEDIATOR ) و أقحموا فيها جملة الروح القدس، وهي التي لم يجرأ أي دارس إنجيلي في إقحامها إلى النسخ الإنجليزية المتعددة لا ولا حتى جماعة شهود يهوا. وهكذا يصنع المسيحيون كلمات الله »  

([6]) في أناجيل العهد الجديد أطلقت هذه الكلمة أيضا على من يتلقى الوحي الإلهي، وعلى من يمتلك القدرة على الاتصال الروحي وبناء على ذلك، فروح الحق هو ذلك الشخص الذى لديه قوى اتصال روحيه، أى ذلك الشخص الذى يتلقى الوحي الإلهي، والذي يتميز بأنه مكرس للحق في حياته وسلوكه وشخصيته.

([7]) انظر ( الكلمات المقدسة) من هذه السلسلة.

([8]) رواه البخاري ومسلم.

([9]) رواه البخاري ومسلم.

([10]) هذا هو نص الحديث :« إن الله أدرك بي في الأجل المرجو واختارني اختيارا فنحن الاخرون ونحن السابقون يوم القيامة، وإني قائل قولا غير فخر : ابراهيم خليل الله وموسى صفي الله وأنا حبيب الله، ومعي لواء الحمد يوم القيامة، وإن الله وعدني في أمتي وأجارهم من ثلاث : لا يفنيهم بسنة، ولا يستأصلهم عدو، ولا يجمعهم على ضلالة » رواه الدارمي، وابن عساكر عن عمرو بن قيس.

([11]) رواه مالك والبخاري والترمذي.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *