المقدمة

المقدمة

حقائق القضاء والقدر من أعظم حقائق الوجود وأهمها وأولاها بالمعرفة بعد معرفة الله، لأنها معرفة نظام علاقة الله بخلقه، والقوانين التي تحكم ذلك، فكل شيء ـ كما أخبر الله تعالى ـ مخلوق بقدر، قال تعالى:{ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } (القمر:49)

ولكن.. لماذا ـ مع هذا ـ تعتبر معانيها أسرارا، وحقائقها ألغازا، ومكشوفاتها غوامض؟

وهل السر إلا ذلك الذي يخزن في الصدر، فلا يكشف، ويخبأ في سراديب الوجدان، فلا يرى، ومن يكشفه يتعرض للمقت، فقلوب الأحرار قبور الأسرار!؟

ثم كيف لنا نحن البسطاء الذين نشكل صفرا عريضا في بنيان هذا الكون أن نكشف أو نكتشف أسرار الأقدار، وقد تهنا في التعرف على بعض أسرار هذا الكون المادي البسيط الذي نعيشه أو نعيش فيه، وأسرار الأقدار هي أسرار الكون جميعا، بل هي أسرار الأزل والأبد؟

وتتفرع عن هذه التساؤلات تساؤلات أخرى كثيرة تمتلئ بها جوانح قلوبنا ومدرجات جامعاتنا وأزقة شوارعنا، يسألها العامة والدهماء، كما يسألها الخاصة والكبراء، وتطرح كل إجابة سؤالا، ويلقي كل كشف سرابيل جديدة من الغموض.

فهل نستطيع الإجابة على هذه التساؤلات؟

وهل يمكن أن نصل في هذا الباب ـ الذي أراد البعض إغلاقه درءا للفتنة ـ إلى مرحلة اللاغموض، أو المرحلة التي يستسلم فيها الوجدان لله، محبة له ورضا بالقوانين التي تحكمه، وقناعة بأن الله أحكم الحاكمين، وأعدل القاضين، وخير المهندسين؟

في هذا البحث نحاول الوصول إلى هذه النتيجة العظيمة بثقة عظيمة، لأننا نحمل سراجا تنكشف به الحقائق، وتحل به الألغاز، وتفك به الطلاسم، وتقرأ به جميع الأبجديات الغريبة التي سطرت بها شيفرة الكون.

وهذا السراج ـ الذي هو نور على نور ـ هو كلام الله تعالى، فهو وحده الهادي في مثل هذه الظلمات، فالله مخطط الكون وواضع برنامجه هو المتكلم بالقرآن، وهو المعرف بحقائق الكون ونواميسه.

وسبب الخلط العظيم الذي وقع في هذا الباب الخطير، فوقع فيه الناس مشردين محجوبين غافلين، أو أصبحوا فرقا وطوائف تتنابز بالألقاب، أو يرمي بعضهم بعضا بالكفر والفسوق والبدعة والضلال هو إعمال بعض النصوص وهجر بعضها، أو تحميل النصوص ما لا تحتمل، أو تقديم العقل المدنس([1]) على النص المقدس، أو تقديم فهم امرئ من الناس على صريح كلام الله، أو على ما يقتضيه العقل من معان، أو التعصب للمذاهب والآراء على حساب الحقائق والمعارف..

وأسباب أخرى كثيرة لا يهمنا معرفتها، ولا يضرنا الجهل بها..

ونحن ـ بفضل الله ـ في هذه الرسالة لن نغفل بالرد على هذه الطوائف على ما أردناه من كشف حقائق القدر لعقولنا وقلوبنا وأرواحنا، ولن نغفل بالجدل الذي انحرفت به المعارف عن مساراتها.. وإنما ستكون وجهتنا وقبلتنا واحدة، ولا يهمنا بعد ذلك من توجه معنا إليها، أو خالفنا فيها.

بل نحسب أنا قد لا نخالف أحدا فيما ذهبنا إليه، فكل قد رام الحق، وكل وصل إلى بعض الحق..

* * *

وخلاصة الحقائق التي وصلنا إليها في هذه المسألة الخطيرة هي ـ ببساطة ـ أن نظام القدر الذي هو برنامج الكون ونظامه يتأسس على التعرف على أربعة أسرار كبرى، كل سر منها يشكل حقيقة عظيمة من حقائقه، ويقع الخطأ بقدر الاقتصار على بعض أسراره والغفلة عن بعضها.

وما وقع في التاريخ الإسلامي من تنازع المذاهب والطوائف([2]) وقع بسبب نصرة بعض أسراره على بعض، فكل ينصر حقا على حساب حق، ويرد بحق على حق، ويقف في زمرة حق ضد زمرة حق.

ولو تخلوا عن التعصب، واهتدوا بهدي القرآن الكريم وأعملوا النصوص جميعا لرأوا أن الحق في النصوص جميعا، بل في الظواهر البسيطة للنصوص، والتي لا تحتاج إلى تعسف تأويل أو تكلف شرح.

وهذه الأسرار الأربعة، والتي أسسنا عليها هذه الرسالة، هي: التوحيد والعدل والحكمة والرحمة.

فكشف سر التوحيد يبصرنا بالمهندس الأول للكون، والمنظم الأوحد لشؤونه، والمدبر الخبير بتفاصيله، فلا نرى في مرآة هذا السر غير الله، فنغيب بالله عن الكون الذي يسيره، وقد نرى الأمر حينها جبرا، لولا أن يمدنا الله بحقائق صفاته، ومقتضيات أسمائه لتعود لنا عقولنا، فنستكنه سائر الأسرار، ونعيش سائر الحقائق.

وكشف سر العدل يعيدنا إلى ذواتنا لنبصر إرادتنا، وهي تتحرك في أطر كثيرة واسعة من الاختيارات، لنتحمل حينها مسؤوليتنا على تصرفاتنا، وقد تصيبنا الغفلة عند هذا السر عن السر الأول، فتنصور أن لنا كونا قائما بذاته يضاهي الألوهية، لولا أن يردنا السر الأول إلى حقيقتنا، فينسجم التوحيد مع العدل، ونترتب في بنيان هذا الكون بحسب الترتيب الذي وضع لنا.

وكشف سر الحكمة يجعل من الكون مرآة لتجليات أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، فنرى من خلال حركات الكون صفات الله، أو تجليات أسماء الله، فنعيش مع الله، وتصبح أقدار الله حينها رسائل جميلة يهديها الله لنا كل حين لنتعرف عليه، لا جبالا قاسية نصطدم بها كل حين، أو نظل نسبها كل حين.

وكشف سر الرحمة يعيدنا إلى بدء الخلق وغاية الخلق، فالله خلق الخلق ليرحمهم، وأكرمهم بالوجود ليكرمهم بعدها بكل ما يقتضيه وجودهم من أنواع الإكرام، وقد يمرون بالفتن التي تختبر جواهرهم، أو تهيئ جواهرهرهم لرحمة الله، وهذا السر يرينا تجليات الرحمة الإلهية في تلك الفتن كما يرينا تجلياتها في الرحمة المحضة.

وكشف كل سر من هذه الأسرار يشعرنا بالسلام، السلام الشامل مع الله، ومع الكون، ومع نظام الكون، ومع ذواتنا، لأن أول خطيئة من خطايا سوء الفهم للأقدار هي الصراع، الصراع مع الله، ومع تخطيط الله، ومع مراد الله.

* * *

بعد هذا، قد نرى من يعتبر هذا الأمر لغوا، أو ترهات، أو جدلا فارغا، ونحن ـ لحبنا السلام وبغضنا للصراع والجدال ـ نوافقهم في كثير من ذلك، لأن اسم القدر أصبح عنوانا للشغب والجدال، فلا ترى كتابا يبحث في هذه المسألة إلا وترى فيه من الجدل والتشنيع على المخالفين ما يملأ نفسك مرارة، فلا تخرج منه بحلاوة الإيمان، وإنما تخرج منه ببغض القدرية والجبرية وغيرهم ممن تكلم في القدر أو حاول أن يكشف أسراره.

ولكنا مع ذلك لا نوافقهم على عدم الخوض في هذه المسألة، فهي مسألة من مسائل الإيمان، بل ركن من أركانه، بل هي من مسائل الوجود التي يقتضي العقل البحث فيها، ومن العبث عدم تلبية متطلبات العقل، لأن وساوسه ستظل تلح على الإنسان شاء أم أبى.

ثم لماذا ننظر إلى هذه المسألة بهذه السوداوية، مع أن أريج الروائح الطيبة لها ـ كما يصورها القرآن الكريم ـ تجعل الإنسان مسوقا من حيث لا يشعر إلى التلذذ بروائحها العطرة!؟

وفي الأخير..

قد يعاتبنا البعض على التعبير عن حقائق القدر بكونها ( أسرارا)، فهل في الدين أسرار؟

وهذا التعبير في الحقيقة لم نبتدعه ابتداعا، وإنما هو تعبير سلفنا الأول من العلماء، بل قد كان هذا التعبير ملاصقا للقدر من القرون الأولى، وسبب ذلك ليس ما نفهمه من معنى السر الذي لا يجوز كشفه، وإنما هو من معنى السر الذي يحرص على كشفه، فبعض الناس لا يلقي باله إلا إذا عرف أن الأمر سر، فاستجلاء الأسرار طبع لا ينفك عنه طبع الإنسان.

ثم إن القدر سر من نواح أخرى كثيرة..

فهو لغموضه سر، لا يفهمه ـ بدقائقه ـ إلا الخاصة من الناس، فهو ـ كسائر النظريات التي تفسر الكون جميعا ـ يحتاح إلى عقل واع بصير.

وهو لارتباطه بالنواحي الوجدانية سر لا يفهمه إلا من ذاق رحيق الإيمان من رياض الحقائق الأزلية، فالقدر أعظم تجليات الإيمان، كما أن الحقائق الكبرى للوجود من أعظم تجليات العلوم.

وهو ـ لتشعب نواحيه ـ سر لا يفهمه إلا من أوتي بصيرة توفق بين ما يراه الناس متعارضات يستحيل الجمع بينها، فيوفق بين البرودة والحرارة، ويحول من الألوان المشوشة عند بعض العيون سجادة جميلة تمتلئ بها الأبصار، وتشرق بها البصائر.

وهو سر من نواح أخرى كثيرة سنكتشفها في هذه الرسالة التي نستغفر الله من الزلل فيما أودعناه فيها من آراء، ونحمده على ما هدانا فيها من صواب، ونحن شاكرون لكل باحث عن حق هدانا إلى حق، أو صدنا عن باطل.


([1]) الدنس هنا ليس وصفا العقل الأصلي، وإنما هو وصف للأهواء التي دنسته، أما الأصل في العقل فهو القداسة، لأن الله هو واضع برامج العقول.

([2]) مسألة القضاء والقدر من أكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف في الأمة، ولا يزال الخلاف فيها ساريا إلى اليوم.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

1 Response

  1. يقول ينبوع الكوثر:

    تلقطْ شذورَ العلمِ حيثُ وجدتَها … وسلْها ولا يخجلْكَ أنكَ تسألُ …
    إِذا كنتَ في إِعطائِكَ المالَ فاضلاً … فإِنكَ في إِعطائكَ العلمَ أفضلُ.
    جزاك الله عنا كل خير دكتور… وبكل توفيق ان شاءالله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *