المقدمة

المقدمة

كتبت هذه الرواية في فترة كانت جميع وسائل الإعلام منشغلة بالطب البديل، ونظام الماكروبيوتيك وغيره من الأنظمة الغذائية والعلاجية الوافدة من الصين أو اليابان أو الهند أو غيرها من البلاد.

وقد انتشر بين عامة الناس في ذلك الحين الاهتمام بالعناصر المكونة لكل غذاء فهم يسألون عن مكوناته من الفيتامينات والمعادن والبروتينات ونحوها..

وقد صادف أن أهدي إلي حينها ماء زمزم جاء به بعض الحجاج.. وقد كنت فرحا به، وبالبركات التي يحملها.. لكن بعض المتدينين المتأثرين بالموجة الجديدة راح يسخر مني، ويقول: إن المكونات الكيميائية لماء زمزم لا تختلف عن مكونات سائر المياه..

قلت: ولكنه يحوي فوق ذلك عنصرا خطيرا، وهو البركة، فهو ماء وردت النصوص في فضله وبركته، وأنه لما شرب له..

ضحك صاحبي، وهو يقول: ألا تزال تؤمن بالبركة .. إنها هي التي نشرت الشرك في الأمة .. وهي التي جعلتنا في ذيل قافلة الأمم.. وهي التي ..؟

كان هذا موقف فرد رأيته .. لكني رأيت بعد ذلك الكثير من أمثاله.. بل رأيت علماء كبار يزعمون أن ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بركات الأغذية والأدوية هو مجرد اجتهاد، وقد يكون مخطئا فيه..

بل إن بعضهم تجرأ على ما ورد في القرآن الكريم نفسه من اعتبار العسل شفاء، فراح يعتبر ذلك مجرد موافقة لما عرفه العرب من أنواع التداوي.

كل هذه الحوادث كانت السبب الأكبر لتأليفي لهذه الرواية، والتي من خلالها حاولت أن أبين قيمة البركة وأهميتها وأن أي مؤمن بالقرآن الكريم والسنة المطهرة.. بل أي مؤمن بأي دين من الأديان يقول بها، ويذعن لها.

وقد تعجبت من الذين يؤمنون بتأثير الين واليانغ.. وتأثير الفيتامينات والمعادن وغيرها .. كيف لا يؤمنون بتأثير البركة.. وهي فضل الله الواسع الذي يضعه حيث يشاء ومتى يشاء وكيف يشاء.

ولذلك حاولت في هذه الرواية أن أستنبط ما أمكن من قوانين تأثير البركة، بحيث تصبح علاجا يمكن استعماله والاستفادة منه، وقد سميت النظام المقيد بهذه القوانين من باب المشاكلة [المباركبيوتيك]

فالمباركبيوتيك هو نظام الحياة المستند إلى البحث عن بركات الله المودعة في الكون، لينهل منها المؤمن، وينال ما فيها من خير وفضل ونعمة لا باعتبار مكوناتها المادية، وإنما باعتبار صلتها بصاحب كل فضل وجود في هذا الكون.

وأحداث الرواية تدور حول رحلة يأخذ معلم السلام فيها تلميذه إلى بلاد السلام، وإلى محل يشبه المسجد الأقصى المبارك، وهناك يلتقي معلم البركة، وبالمتوسمين الذين يدلونه على كيفية الاستفادة من البركات، وكيفية التعامل معها.

وهو يمر في رحلته تلك بأربعة أقسام:

القسم الأول: مرصد البركة.. وهو المحل الذي يبحث فيه على مصادر البركة ووسائطها ومحالها ومواقيتها.

القسم الثاني: منازل البركة.. وهي اللطائف التي يتكون منها بنيان الإنسان، وفيها يعرف حقيقته وعلاقة البركات بها، لأن بركات الله تحتاج إلى محال تنزل فيها، ومنازل تحل بها.

القسم الثالث: مخزن البركة .. وهو المحل الذي يعاين فيه ما ورد في النصوص المقدسة من أغذية ورد التنصيص على ما أودع فيها من بركات.

القسم الرابع: مشافي البركة .. وهو المحل الذي يعاين فيه ما ورد في النصوص المقدسة من أدوية ورد التنصيص على ما أودع فيها من بركات.

وقد حاور تلميذ السلام في هذه الرواية كل ما مر به من أغذية وأدوية وغيرها، وتبين له من خلال الحوار أن أسباب بركتها هو تلك الأحوال الروحانية العالية التي تعيشها تلك الموجودات التي بارك الله فيها.. فقيمتها ليس في مكوناتها المادية، وإنما في أحوالها الروحية.

ولذلك فإن هذه الرواية لا تتعلق فقط بالنواحي الصحية، وإنما تتعلق قبل ذلك بالنواحي الروحية والعرفانية.. حتى نتناول الأشياء من الله لننال ما فيها من فضل وبركة.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *