الفصل الثالث: سر الحكمة

الفصل الثالث: سر الحكمة

السر الثالث من أسرار القدر هو سر الحكمة.. وبهذا السر يعيش المؤمن بصحبة الرضا عن الله في جميع أفعاله، فهو يعلم أن كل ما في الكون مؤسس على حكمة الله وقائم بها وقائم عليها، فلا ينكر فعلا من أفعال الله، بل يستدل بأفعال الله على الله.

وبهذا السر يعيش المؤمن بصحبة الله الحكيم الذي يضع الأمور دقيقها وجليلها في موضعه الذي يليق به، فلا فطور في الكون ولا نشاز، بل كل شيء ينطق بالحكمة، ويخبر عن دقة الصنع وإتقانه.

وبفهم هذا السر يقول المؤمن ما قالت الملائكة عندما أخبرها الله بأنه يعلم ما لا تعلم:{ سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } (البقرة:32)

ولهذا نجد في القرآن الكريم اقتران اسم الله ( الحكيم) بخلق الله وأمره، لينبهنا إلى أن مصدر هذا الخلق أو ذاك الأمر هو حكمة الله وتدبيره العجيب، لا العشوائية أو الصدفة:

فتصوير الإنسان في الأرحام، وتوفير كل ما يحتاجه صادر من حكمة الله، قال تعالى:{ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران:6)

وإحياء الموتى كبدء الحياة كلاهما صادران من حكمة الله، قال تعالى:{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة:260)

ولهذا تقترن أسماء الله المرتبطة بالخلق بحكمة الله، كما قال تعالى:{ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الحشر:24)

ولهذا أيضا يقترن اسم الله ( العزيز) باسم الله ( الحكيم)، فالعزة تعني كمال القدرة والتصرف، والحكمة تعني وضع ذلك في موضعه المناسب.

ولهذا كان من أدب المسيح u قوله في ختم إجابته لربه:{ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (المائدة:118)، فلم يقل ( فإنك أنت الغفور الرحيم) لأن المقام يقتضي عزة الرب وحكمته لا مغفرته ورحمته.

***

وكما استدللنا بمظاهر العدل الإلهي في الكون على عدل الله المطلق، فكذلك سنفعل هنا.. وسنقتبس بعض ما توصل إليه العلم الحديث من ذلك، من باب التقريب لا من باب الحقيقة المطلقة.. فالحقيقة المطلقة لا يمكن لجميع أقلام الكون أن تعبر عنها.

ونبدأ ذلك بمقولة العالم المشهور (إسحاق نيوتن) الذي قال:( لاشك في الخالق، فإن هذا التفرع في الكائنات، وما فيها من ترتيب أجزاء ومقوماتها، وتناسب مع غيرها ومع الأزمنة والأمكنة، لا يعقل أن تصدر إلا من حكيم عليم)

وانطلاقا من هذا، فإن ظاهرة التناسب والتناسق في الكون من أكبر دلائل الحكمة الباهرة، وقد ذكر الأستاذ الفاضل عبد الرزاق نوفل في كتابه (الله والعلم الحديث) انطلاقا من المنهج الذي رسمه الله تعالى بقوله:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72)} (القصص) بعض دلائل الحكمة الإلهية في خلقه، فقال:( ترى لو كان ساقا الإنسان أقصر أو أطول مما هما.. أو كانت قدماه أكثر تقعراً أو استدارة.. كيف كان يستطيع أن يقضي حاجته من سير أو عدو.

وترى لو كانت يداه بلا أصابع، كيف يلتقط ما يأكله؟ وكيف يمسك ما يؤدي به أغراضه؟ أليس ذلك دليل على قصد يوضح قدرة القاصد وحكمته؟

إن دلائل ملاءمة الإنسان لبيئته، لأكثر من أن تعد، فحركات المفاصل والعضلات، وتكوين فقرات العظام.. بل تتغلغل أدلة الرحمة حتى تشمل العين، فوجد لها الجفن الذي يحميها والرمش الذي يقيها.. وإن تلاؤم الكائن مع بيئته، ليظهر أوضح في الحيوانات على اختلافها، ففيها آيات ناطقات، تسبح بحمد الموجود الذي عمت رحمته الأرجاء على أتساعها، والكائنات على اختلافها.

وأقرب مثل يتجلى فيه التلاؤم الذي يختلف باختلاف الظروف الحرباء، فهي تتلون بعدة ألوان فهي صفراء في الصحراء، فإذا صادفت خطراً أخذت لون ساقها البني الغامق وقد يصادفها عشب أخضر، فتخضر فورا،أما إذا وجدت حجرا أبيض أبيضت مثله، وإذا وجدت أحمر أحمرت، وتسود بجوار ما يكون أسود، ثم تعود لتأخذ زرقة الماء في شاطئه.

ولعل الأرنب القطبي، يعتبر صورة صادقة لما تجود عليه به الحياة من أساليب المواءمة. فهو حيوان ضئيل الجسم، أبيض الشعر ن طويل الأذنين. يقطن أقاصي الشمال المتجمد، وتكتسي قوائمه في الشتاء بخف كثيف، حتى لا تغوص في ذلك الثلج الناعم اللين، وحتى يستطيع الحركة في جو تعجز فيه عن الحركة كل الوحوش والطيور.

ومن عجيب ما حبته الحياة لهذا الحيوان، أنه في سني الرخاء يتناسل تناسلا كبيراً شديدا، في سني القحط، فإنه يصاب بالطاعون الذي يقضي على الجزء الأكبر منه.

وتغيير لون فرو هذا الأرنب من أعظم نعم الله عليه، فهو في الصيف أغبر اللون فإذا أنبطح على الأرض غاب عن الأبصار، وفي الشتاء أبيض اللون ن فلا تفرقه عن الثلج المتساقط على الأرض.

وسيقان الحشرات الماشية.. والقافزة.. والطائرة… كلها أعدت بعناية ودقة وتصميم، لتؤدي الأغراض التي خلقت متناسبة مع بيئة الكائن.

والأجنحة التي تطير عندها تنفرد في الجو، هلا علمت أن طول كل جناح مساو تماماً للجناح الآخر؟ وإلا لمال الطير في طيرانه… وهلا علمت أن ريش الجناح مع ريش الذيل قد حسب حسابا دقيقا يجعل الطائر يطير مستقيما، ويحلق طولا،و يأخذ اتجاهاته، التي يسيره إليها الله.

***

ومثل تجلي حكمة الله في عالم الخلق تتجلى حكمته تعالى في عالم الأمر، ولهذا تقترن بعض تشريعات الله في القرآن الكريم بالأسماء المقتضية لعلم الله وحكمته أو لعزة الله وحكمته:

ومن ذلك أن المقادير العجيبة التي وضعها الله تعالى لتقسيم التركات لا تصدر إلا من حكيم عالم بحاجات العباد، فلذلك قال تعالى بعد ذكر أنصبة الورثة:{ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء: 11)

ومثل ذلك مقادير الكفارات والديات، فهي تستند لعلم الله وحكمته كما قال تعالى:{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء:92)

ومثل ذلك تقدير الله تعالى بقطع يد السارق، كما قال تعالى:{ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة:38)، وقد اقترنت حكمته تعالى بعزته في هذه الآية لاقتضاء المقام ذلك، كما روي أنه سمع بعض الأعراب قارئا يقرأها { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة:38) بإبدال ( غفور رحيم) بدل ( عزيز حكيم) فقال: ليس هذا كلام الله، فقال: أتكذب بالقرآن فقال: لا ولكن لا يحسن هذا فرجع القارئ إلى خطئه فقال عزيز حكيم فقال صدقت.

وعدم فقه هذه الحكمة هو الذي جر بعض المعارضين لله أن يقول:

يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار؟

تناقض مالنا إلا السكوت له    وأن نعوذ بمولانا من النار

وقد رد عليه بعض الفقهاء بقوله مبينا بعض أسرار الحكم الإلهية في هذا التشريع:

عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري

***

ومثل تجلي حكمة الله في الخلق والأمر تتجلى في أفضاله المختلفة على عباده، فإن أساسها حكمة الله وعلمه وخبرته بعباده، كما قال تعالى:{ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (الأنعام:83)، وقال تعالى:{ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (البقرة:269)

ومثل ذلك ما يقبضه الله من علم عن عباده، فإنه لا يقبضه إلا عمن لا يستحقه أو لا يطيقه، كما قال تعالى عن الأعراب:{ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:97)

فالبداوة بما تبعثه من قسوة وغلظة لا تفهم من العلم إلا بما يتناسب مع طبيعتها، فلا تتصور اليد المقطوعة إلا يدا سارقة، كما قال الأعمش: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي:( واللّه إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني)، فقال زيد:( ما يريبك من يدي إنها الشمال؟)، فقال الأعرابي:( واللّه ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال!) فقال زيد:( صدق اللّه:{ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ }

وهكذا سائر معاملات الله مع عباده بمختلف أصنافهم، قال تعالى عن الذين يعملون السوء بجهالة:{ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء:17)، وقال عن المرجون لأمر الله:{ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ_ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:106)

وهكذا الأمر في تدبير الله للأحداث والتواريخ، فهي تواريخ منظمة بحكمة الله لا مجال فيها للعشوائية أو الصدفة { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران:62)

***

وبناء على هذا، فإن الغرض من الخلق ـ حسبما ورد في النصوص ـ هو التعرف على الله، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذريات:56)، فقمة العبادة المعرفة، فالعبادة وسيلة المعرفة، وثمرتها.

ومثله قوله تعالى عن الكون:{ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (فصلت:11)، فليست الطاعة إلا عبادة، وليست العبادة إلا معرفة.

وانطلاقا من هذا، سنحاول من خلال أسماء الله الحسنى أن نستكشف الحكمة من خلق هذا الوجود على ما هو عليه.

وبما أن لكل اسم حكمه الخاص، ولا يمكن الإحاطة به، فسنركز هنا على مجامع هذه الأسماء.

وسنقتبس ذلك من ذكر كثر الحث عليه، نرى أنه أحاط بأكثر المعاني التي وردت في الأسماء الحسنى، وهو (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)

فقد ورد في النصوص ما يجعل هذا الذكر من أفضل الأذكار وأجمعها:

فأحب الكلام إلى الله ـ كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ (سبحان الله لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله سبحان الله وبحمده)([1])

وهو ـ لأهميته من الأذكار التي اهتم بها الأنبياء ـ عليهم السلام ـ، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ألا اعلمكم ما علم نوح ابنه آمرك بقول لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير فان السموات لو كانت في كفة لرجحت بها ولو كانت حلقه قصمتها وآمرك بسبحان الله وبحمده فانها صلاة الخلق وتسبيح الخلق وبها يرزق الخلق)([2])

ومن حرص على هذا الذكر، وهو يعيش معناه أدرك من سبقه، ولم يدركه أحد، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( أبا ذر ألا أعلمك كلمات؟ تقولهن تلحق من سبقك، ولا يدركك الا من أخذ بعملك: تكبر دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وتسبح ثلاثا وثلاثين، وتحمد ثلاثا وثلاثين، وتختم بلا إله الا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، من فعلهن غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر)([3])

وللترغيب فيه وردت النصوص الكثيرة مبينة ما أعد لذاكريه من الأجر الجزيل، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثين وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، غفرت خطاياه، وان كانت مثل زبد البحر)([4])

وقال:( من قال إذا أصبح: لا إله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، كان له عدل رقبة من ولد اسماعيل عليه السلام، وكتب له بها عشر حسنات وحط عنه بها عشر سيئات، ورفع له بها عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي، وإذا قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح)([5])

وقال:( من قال في دبر صلاة الغداة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت بيده الخير وهو على كل شئ قدير مائة مرة قبل ان يثنى رجليه، كان يومئذ أفصل أهل الارض عملا الا من قال مثل ما قال أو زاد على ما قال)([6])

وقال:( من قال: لا إله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شئ قدير، حين يصلي الصبح، وقبل ان يثنى قدميه عشر مرات، كتب له عشر حسنات ومحيت عنه عشر سيئات ورفع له في الجنة عشر درجات، وكتب له عتق عشر رقاب من ولد اسماعيل)([7])

وبناء على هذا، فإن الأسس التي تقوم عليها حكمة الله في مقاديره تقوم على أربعة دعائم:

1. الوحدانية.. ونعني بها ابتناء الكون على الوحدة، ونفي الوسائط بين الله وخلقه.

2. الملك.. ونعني به أن الكون جميعا يتعرف على الله من خلال كونه مملوكا له تدبيرا وتقديرا وحكما.

3. الحمد.. ونعني به أن الله تعالى تعرف على عباده بما يستوجب الثناء عليه، ولذلك كانت كل أسمائه رحمة ولطفا ومودة.

 4. القدرة.. ونعني بها أن الله تعالى عرف عباده على قدرته من خلال خلقه.

وسنحاول في هذا الفصل أن نتعرف على هذه الأسس الأربعة من خلال التبصر الواعي للنصوص المقدسة.

أولا ـ الوحدانية

أول مظهر من مظاهر حكمة الله في مقاديره في الخلق والأمر هي إظهار وحدانية الله، فكل الكون ينطق بلسان حاله ومقاله:( لا إله إلا الله)

ولهذا كانت الدعوة للتوحيد ـ بمعناه العميق الشامل ـ هي أساس دعوة الرسل ـ عليهم السلام ـ، كما قال تعالى:{ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} (الزخرف:45)، وقال تعالى:{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الانبياء:25)

وقد ذكر الله تعالى عن كل الرسل ـ عليهم السلام ـ أنهم افتتحوا دعوتهم بتوحيد الله، قال تعالى:{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (لأعراف: 59)، وقال تعالى:{ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} (لأعراف:65)، وقال تعالى:{ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (لأعراف: 73)، وقال تعالى:{ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (لأعراف: 85)

وهي أول ما يُدخل به إلى الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)

وهذه أدلة كافية لإثبات بناء الكون على هذا السر العظيم الجليل الجميل.

فالله تعالى تفرد بالخلق والإيجاد، كما تفرد بالتقدير والتدبير، كما تفرد بالتشريع والتكليف، كما تفرد بالجزاء والثواب والعقاب.

وفي كل ذلك التفرد حكم عظيمة، ومعان جليلة، كلها مما تقتضيه مصالح الخلق، ومما يستقيم به الوجود.

ولذلك أخبر تعالى عن النتيجة التي يؤول إليها الكون لو ترك التصرف فيه لآلهة متعددة، فقال تعالى:{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} (الانبياء:22)

ومما يؤكد هذا الاحتمال البعيد المستحيل ما نرى في واقعنا من انهيار الدول العظيمة، والامبراطوريات الضخمة من أجل صراع بين فرعونين كلا منهما يسعى إلى السلطة، فيسحق من تحته آلاف الآلاف بلا مبالاة من أجل ذلك المغناطيس الذي يجذبه إلى ألوهية السلطة.

فلذلك كان من رحمة الله أن جعل كل شي له، ولم يجعل شيئا من أمر الخلق لغيره.

ولهذا أخبر تعالى أنه لو جعلت خزائن الرحمة بيد الخلق لأمسكوا خشية الإنفاق، قال تعالى:{ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً} (الاسراء:100)

وبمثل ذلك أخبر تعالى عن إمساكه لتماسك السموات والأرض وانتظامهما، كما قال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} (فاطر:41)، ولو ترك الأمر لغيره لما أطاق ذلك.

وبناء على هذا، فإن ( الله) على حسب فهم العارفين المستمد من النصوص المقدسة هو الإله الذي يتولى بذاته وبمقتضيات أسمائه الحسنى كل ما في الكون من خلق وأمر، على خلاف ما يفهم المحرفون لدين الله، أو المعتمدون على العقل المجرد من أن الله خلق الكون واعتزل عنه منشغلا بذاته ليترك التدبير للعقول والأفلاك.

وبما أن الحديث عن الوحدانية يستلزم الحديث عن الوسائط، وبما أن هذا الحديث أساء الكثير فهمه، فراح من خلاله يتهم بالشرك كل من قال بواسطة من الوسائط معتبرة كانت أو غير معتبرة، فسنتحدث في هذا المبحث عن ثلاثة أنواع من الوسائط، نرى أنها تجمع كل ما ذكر فيها، وهي:

1. وسائط القدرة، ونعني بها الوسائط المرتبطة بأسماء الله الحسنى.

2.وسائط الحكمة، ونعني بها شموس الهداية والرحمة التي جعلها الله لخلقه، لتكون واسطة لهدايته ورحمته.

3. الوسائط التقديرية، ونعني بها ما ستر الله به قدرته من أنواع الأسباب.

1 ـ وسائط القدرة:

ما مصدر هذه المقادير الكثيرة المختلفة المتناقضة؟

وهل يمكن أن يصدر كل هذا الكم المترتب على بعضه أو المتناقض مع بعضه من إله واحد؟

ألا يحتاج الله تعالى إلى الوسطاء الذين يطبقون أوامره في خلقه، ويسيرون مقاديره في كونه؟

هذه أسئلة أجاب عنها العقل المجرد إجابات مختلفة متناقضة متهافتة، فذكر الوسطاء الكثيرين لله من العقول والأفلاك.

وأجابت عنها الأديان المحرفة التي اتخذت من أحبارها ورهباناها أربابا من دون الله يسلمونها صكوك الغفران، ويدخلونها الجنة أو النار، فذكرت من الوسطاء من يزاحم الله في وحدانيته، بل جعلت من الوسطاء أبناء لله، وأقانيم مع الله.

وأجاب عنها العامة والجهال بالتهرب من كل قشة مخافة أن تكون وسيط عذاب، والتمسح بكل صخرة رجاء أن تكون وسيط رحمة.

وأجاب عنهم المشركون الذين اتخذوا آلهة أخرى يما كانوا يقولون في تلبيتهم، وهم يطوفون بالبيت:( لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك) وبما أخبر عنهم القرآن الكريم من قولهم:{ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: 3)

وقد رد القرآن الكريم على هذه الإجابات جميعا وأخبر أن كل ذلك من وحي الأهواء والوساوس، وأن الله أعظم من أن يحتاج إلى الوسائط، قال تعالى:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (يونس:18)

وضرب لهم تعالى مثلا من أنفسهم، فقال:{ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُم} (الروم: 28) أي أيرضى أحدكم أن يكون عبده شريكاً له في ماله فهو وهو فيه على السواء تخافون أن يقاسموكم الأموال، فإن أنف أحدكم من ذلك فكيف تجعلون للّه الأنداد من خلقه؟

وقد رد الله على بعض العقائد التي تعتقد في الوسيط ليجعلها نماذج للرد على جميع الأديان الوسيطية:

ومن ذلك أن المشركين الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، وأنهم وسطاء بينه وبين خلقه، رد عليهم تعالى بقوله:{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} (النحل:62)، فهم يجعلون لله البنات الذين يكرهونهم، كما قال تعالى:{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} (النحل:58)

وأخبر أنهم في الحقيقة يعبدون الجن، فإن الشياطين قد تخاطبهم وتعينهم على أشياء، فيعبدونهم متوهمين أنهم يعبدون الله، ولهذا تتبرأ الملائكة يوم القيامة من عبادتهم، كما قال تعالى:{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} (سـبأ:40 ـ 41)

وأخبر تعالى عن الذين اتخذوا المسيح u وسيطا لله، وزعموه ابنا لله، بآيات كثيرة، وأخبر أن المسيح يتبرأ منهم، كما تبرأت الملائكة من المشركين بها، قال تعالى:{ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} (المائدة:116)، ثم بين نص رسالته لهم، ودوره فيهم بقوله:{ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (المائدة:117)

ورد الله تعالى على عبدة الكواكب، كما في قصة إبراهيم u، مبينا أن ما جبلت عليه من أفول وضعف يحول بينها وبين تولي زمام الوساطة.

أما عبدة الأصنام، ومن جعلوها وسائط بينهم وبين الله، فقد رد الله تعالى عليهم في مواطن كثيرة من القرآن الكريم، وكلها تصلح للرد على كل مشرك كان في جزيرة العرب أو في جزائر الهند واليابان والصين..

* * *

مقابل هؤلاء جميعا.. المؤمن العارف بالله، فهو لا يرى إلا الله، فإن عاد إليه عقله المشدوه في جلال الله وجماله لم ير الخلق إلا كما يرى القشة في مهب الريح أو الميت بين يدي الغسال.

وإلى هذه الإجابة وردت النصوص الكثيرة تنبه المؤمنين إلى تفرد الله في تصريف مقاديره، وتخبرهم أن الله تعالى لم يجعل الوسائط بينه وبين عباده لا في خلقه ولا في تدبيره، فلم يتخذ الله تعالى ـ كما يتخذ الملوك ـ حجابا بينه وبين عباده يرفعون إليه حاجاتهم أو يتوسطون بينهم وبينه، ولهذا قال تعالى:{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (البقرة: 186)

لأن الوسيط لا بخرج عن أحد ثلاث:

وسيط علم: وهو الذي يخبر المتوسط له بما لا يعرفه، كما يقوم الحكام باتخاذ المخابرات والعيون لترصد أحوال الرعية.

وهذا مستحيل على الله تعالى، فهو تعالى يعلم السر وأخفى، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، وقد عرفنا طرفا من هذا في الباب الأول.

وسيط عون: ويلجأ إلى ذلك الحكام للعجز عن تدبير الرعية، فيدفعون ذلك إلى بطانة تعينهم ووزراء يخولونهم مهام القيام بشؤون الرعية.

والله تعالى غني عن كل ذلك، ولهذا أخبر تعالى عن عدم حاجته لهؤلاء الوسطاء، فقال تعالى عند ذكره عجائب الخلق في السموات والأرض:{ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} (البقرة: 255)، أي لا يثقله ولا يُعجزه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه.

وأخبر عن عجز الذين اعتقد فيهم المشركون وسطاء لله، فقال تعالى:{ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} (الكهف:51)، أي هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني، عبيد أمثالكم لا يملكون شيئاً، ولا أشهدتهم خلق السماوات والأرض، ولا كانوا إذ ذاك موجودين، بل أنا المستقل بخلق الأشياء كلها، ومدبرها ومقدرها، وليس معي في ذلك شريك ولا وزير، ولا مشير ولا نظير.

بل أمرهم أن يدعوهم ليروا مقدار ما عندهم من سلطة، قال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} (سـبأ:22)

بل أخبر عن العجز التام لمن اعتقدوا فيهم الوساطة ولو على خلق ذبابة، كما قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} (الحج:73)

ولذلك كان الله تعالى محمودا على هذا التفرد بتصريف الكون، فالمصلحة كلها في تفرده، قال تعالى:{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} (الاسراء:111)

وسيط شفاعة: وذلك حينما يكون المتوسط له لا يتحرك إلا بدافع يحركه من الخارج، كمن يكون قاسيا يحتاج إلى من يحرك فيه دوافع الرحمة، أو أن يكون غافلا فيوقظه وينبهه.

والله تعالى غني عن كل ذلك، فهو رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، بل إن رحمة الوالدة بولدها من فيوضات رحمته.

وهو تعالى وإن جرت حكمته بنفع العباد بعضهم ببعض، أو شفاعة بعضهم لبعض، فإن ذلك من مقتضيات رحمته، والأمر في ذلك كله له من قبل ومن بعد، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي ان شئت اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة فإنه لا مكره له)([8])

وأخبر تعالى أن الشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه، كما قال تعالى:{ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } (البقرة: 255)، وقال تعالى:{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} (الانبياء:28)، وقال تعالى:{ يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} (طـه:109)، وقال تعالى:{ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} (سـبأ: 23)

* * *

وبدل هذا التيه الذي دفع له العقل المجرد، أو الفهم القاصر، أو الذوق المنحط، فإن الله تعالى أرشدنا إلى توسيطه في كل مصلحة من مصالحنا، ودفعا لأي مضرة من مضارنا، فنفر إلى الله متوسلين بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.

ولهذا علمنا صلى الله عليه وآله وسلم أن ندعو الله بأسمائه الحسنى، مستشفعين بها إلى الله، ومتوسطين بها لدية، أو نخبر بها أنفسنا لنكون في دعائنا عارفين بقدر من ندعو، وكان من أدعيته صلى الله عليه وآله وسلم:( أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك)([9])

وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تقول ليلة القدر:( اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى) ([10])

ولما كان جميع ما يفعل الله بعبده من الخير من مقتضى اسمه الرب، ورد الدعاء في القرآن الكريم بهذه الصيغة في مواضع كثيرة، كما قال آدم u:{ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (لأعراف: 23)

وقال نوح u:{ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (هود: 47)

وقال إبراهيم u:{ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (ابراهيم:37)، ومنه قول الخليل في آخر دعائه بقوله:{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} (ابراهيم:39)

وبما أن اسمه تعالى الحي القيوم يجمع أصول معاني الأسماء والصفات، وردت الإشارة بأنه اسم الله الأعظم، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن اسم اللّه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة وآل عمران وطه) ([11])، يشير إلى قوله تعالى:{ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } (البقرة: 255)، وقوله تعالى:{ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} (آل عمران:2)، وقوله تعالى:{ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ } (طـه: 111)، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقوله إذا اجتهد في الدعاء.

ويدل على نفي الوساطة، وتفرد الله بتصريف المقادير، كثير من الأسماء الحسنى، بل إن كل الأسماء الحسنى ـ مع التأمل ـ لها نوع من الدلالة على هذا، وسنورد هنا دلالات بعض الأسماء الحسنى على نفي الوساطة:

الصمد:

هو الذي يصمد إليه في الحوائج، ويقصد إليه في الرغائب، إذ ينتهي إليه منتهى السؤدد.

وقد ورد في النصوص ما يدل على أن هذا الاسم هو الاسم الأعظم، فقد سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يقول: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد)، فقال:( لقد سألت الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب)([12])

ولهذا كان هذا الاسم من الأسماء التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتوسل بها للاستعاذة، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( بسم الله الرحمن الرحيم أعيذك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد من شر ما تجد) ثلاث مرات ([13]).

وفي حديث آخر:( أعيذك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد من شر ما تجد)([14])

القريب:

وهو يدل على أن الله قريب من خلقه قربا لا يحتاجون معه إلى الوسائط لتبليغ حاجاتهم، ولهذا قال تعالى في آية السؤال:{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة:186) وقد جاء أن سبب نزولها أن الصحابة قالوا:( يا رسول الله، ربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه) فأنزل الله تعالى هذه الآية([15]).

ولهذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن معية الله لعبده لا تستلزم إلا حضور العبد معه، كما ورد في الأثر الإلهي:( أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) ([16])، وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم في الأثر الإلهي أن ( من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا)، وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

ولهذا ورد الثناء على تخفيض الصوت بالذكر والدعاء، كما قال تعالى مثنيا على عبده زكريا u:{ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً} (مريم:3)، فإن القلب كلما استحضر قرب الله تعالى وأنه أقرب إليه من كل قريب أخفى دعاءه ما أمكنه.

ولهذا لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير،وهم معه صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، قال:( يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً بصيراً، إن الذين تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)([17])

الرحيم:

وهو ـ بعمقه وحقيقته المطلقة ـ يدل على أن كل رحمة في الكون هي من رحمة الله، حتى الرحمة التي يجدها الولد من أمه، هي فيض وقبس من رحمة الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الله تعالى خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، وجعل منها في الأرض رحمة فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض وأخر تسعا وتسعين، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة) ([18])، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن هذه الرحمة هي طباق ما بين السماء والأرض، ومع ذلك فهي رحمة واحدة.

بل إن الله تعالى في رحمته بعباده أو في إجابته لهم لا يحتاج حتى إلى وساطة الأعمال، وقد قال بعضهم في هذا: عجبت لهذه الأمة في قوله تعالى:{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } (غافر: 60) أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة، وليس بينهما شرط، فقال له قائل:( مثل ماذا؟)، فقال:( مثل قوله تعالى:{ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات} (البقرة: 25)، فههنا شرط، وقوله تعالى:{ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} (يونس: 2)، فليس فيه شرط العمل، ومثل قوله تعالى:{فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (غافر:14) فههنا شرط، وقوله تعالى:{ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } (غافر: 60) ليس فيه شرط)

بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن أن دخول الجنة لا يكون إلا برحمة الله الصرفة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( لن يدخل أحد الجنة بعمله) قالوا:( ولا أنت يا  رسول الله) قال:( ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) ([19])

أما الشفعاء الذين أخبرت النصوص بشفاعتهم في الخلق، فهم لا يشفعون إلا بإذن الله، وفيمن أذن الله، وهذا وحده دليل على أن رحمة الله ـ لا الشفعاء ـ هم سبب ذلك الفضل.

وإنما اقتضت حكمة الله أن ينفع بعضهم بعضا، ويعرف بعضهم أقدار بعض.

القيوم:

وهو يدل على أن الله تعالى هو القائم بتدبير ما خلق، من دون أن يكل ذلك إلى الوسائط، كما قال تعالى:{ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} (البقرة: 255)، وقال تعالى:{ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران:18)، وقال تعالى:{ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (الرعد:33)

أي هو تعالى القائم بنفسه الذي لا يحتاج في قوامه إلى وجود غيره، ولا يشترط في دوام وجوده وجود غيره، ومع ذلك فهو مستغن عن الوسطاء يقوم به كل موجود، حتى لا يتصور للأشياء وجود ولا دوام وجود إلا به.

ولهذا رتب الله تعالى على ذكر اسميه ( الحي القيوم) ما يترتب عليهما من قيامه بخلقه.

الغني

فالله تعالى هو الغني بذاته عن الوسطاء، ولهذا ذكر الله تعالى هذا الاسم الكريم للرد على زعم المشركين أن الله قد اتخذ ولدا، كما قال تعالى:{ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} (يونس:68)

فاتخاذ الولد أو الوسطاء دليل على الفقر والحاجة، ووحدانية الله تتنافى مع ذلك.

وأخبر تعالى عن افتقار كل شيء إليه وغناه عن كل شيء، فقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر:15)

والله تعالى يدفع توهم حاجته إلى عبادة عباده، حتى لا نتخذها وسيطا وثنيا لله، فقال تعالى عند أمره بالحج:{ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران:97)، وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن المنفعة للعابد لأنه ذكر أن من دخله كان آمنا.

وأخبر تعالى أن سليمان u عندما عاين فضل الله عليه قال:{ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} (النمل: 40)

وأخبر أن من حكمة لقمان u إدراك هذا المعنى العميق والتعامل الإيماني معه، قال تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (لقمان:12)

وأخبر موسى u من كانوا يتصورون انتفاع الله بعبوديتهم بقوله:{ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} (ابراهيم: 8)

وبمثل ذلك ورد في الحديث القدسي الجليل:( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) ([20])

وقد يقال هنا: فما القول فيما ورد في النصوص الكثيرة من محبة الله لطاعة عباده وفرحه بها وشكره عليها، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لَلّهُ تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض الفلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) ([21]

والجواب على ذلك، أن الله تعالى يفرح بهذه الطاعة، ويتقببلها ويجازي عليها من باب رحمته المحضة بعباده لا لمنفعة تعود إليه، فهو سبحانه الغني الكريم، كما قال تعالى:{ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} (الزمر: 7)

فالآية الكريمة جمعت بين الإخبار عن غنى الله عن أعمال عباده، وفي نفس الوقت أخبرت أن رضاه في شكرهم، وعدم رضاه في كفرهم.

زيادة على ذلك، فإن الله هو الميسر للطاعات، والمعين عليها والموفق، ولوشاء لجعل الناس أمة واحدة، كما قال تعالى:{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس:99)

2 ـ وسائط الحكمة

لكن ألم يجعل الله تعالى من الوسائط ما يبلغنا أمره، ويعلمنا بمحابه ومراضيه، وما يأمر به وما ينهى عنه، وما أعده لأوليائه من كرامته، وما وعد به أعداءه من عذابه؟

وهل يمكننا أن نعرف الله، أو نعرف أسماءه الحسنى وصفاته العليا التي تعجز العقول عن معرفتها من غير توسط الرسل ـ عليهم السلام ـ الذين أرسلهم الله الى عباده؟

بل قد أخبر القرآن الكريم عن جعل هذه الوسائط، فقال تعالى:{ يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } (لأعراف:35)، وقال تعالى:{ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة:38)، وقال تعالى:{ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} (طـه:123)

وأخبر تعالى أنه يصطفي هؤلاء الوسائط من خلقه، قال تعالى:{ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (الحج:75)

وأوجب الله تعالى طاعة هؤلاء الرسل واتباعهم والاقتداء بهم، فقال تعالى:{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} (النساء:64)، وقال تعالى:{ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} (النساء:80)، وقال تعالى:{ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران:31)، وقال تعالى:{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب:21)

وأخبر تعالى عن أهل النار، فذكر أن النار { تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ} (الملك:8 ـ 9)، وقال تعالى:{ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} (الزمر:71)

وأقر تعالى هذه الوساطة التي يقوم بها الرسل ـ عليهم السلام ـ، كما قال تعالى:{ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (الأنعام:48)

وغير ذلك من آيات القرآن الكريم الكثيرة التي تخبر عن هذه الوسائط التي جعلها الله بينه وبين عباده، فكيف يستقيم هذا مع القول بتفرد الله بكل شيء وعدم اتخاذه الوسائط؟

والجواب عن ذلك، أن الحكمة الإلهية التي اقتضت جعل الإنسان خليفة هي التي اقتضت إرسال الرسل لتعريف الخلق بوظيفتهم، لأنه لو كان الخطاب مباشرا لهم من الله، تعالى فصار كل مكلف نبيا، لم يتحقق التكليف الذي يرتبط بالإيمان بالغيب.

ولهذا ورد الثناء على المؤمنين بالغيب في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، فقد ذكر تعالى من صفات المؤمنين أنهم:{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (البقرة:3)، وقال تعالى:{ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} (الانبياء:49)، وقال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} (الملك:12)، وقال تعالى:{ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} (قّ:33)

وأخبر تعالى أن من غايات التكليف:{ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} (المائدة: 94)، وقال تعالى:{ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْب} (الحديد: 25))

وأخبر أن الإنذار موجه للذين يخشون ربهم بالغيب، كما قال تعالى:{ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} (فاطر: 18)، وقال تعالى:{ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} (يّـس:11)

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن هؤلاء الرسل ـ بالتأمل في حقيقة وظائفهم ـ ليسوا وسائط بالمعنى الذي قد يفهمه المشركون.

فالله تعالى يخبر عن عدم تميزهم عن البشر العاديين في البشرية، وأنه ليس لهم أي سلطة إلا ما خولوا به من الله تعالى، قال تعالى:{ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (ابراهيم:11)، وقال تعالى:{ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} (الكهف:110)، وقال تعالى:{ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} (فصلت:6)

حتى ما يتصرفون به من تصرفات لا تكون إلا بإذن الله وباسمه، قال تعالى:{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} (الرعد: 38)

ولهذا نفى الله تعالى الهداية عن أحب خلقه إليه،، فقال تعالى:{ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (القصص:56)، وقال له:{ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99) أي أتلزمهم وتلجئهم حتى يكونوا مؤمنين.

وأخبره تعالى أنه ليس من الوظيفة التي كلف بها الهداية بمعناها التوفيقي، فقال تعالى:{ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } (البقرة: 272)

وأخبره أن وظيفته مقتصرة على البلاغ، فقال تعالى:{ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (آل عمران: 20)، وقال تعالى:{ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} (الغاشية:22)

ونفى عنه الشفاعة التي لم يأذن فيها الله تعالى، قال تعالى:{ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:80)، وقال تعالى:{ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (المنافقون:6)

ونفى عنه أي سلطة في التوبة أو المغفرة أو العذاب، قال تعالى:{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (آل عمران:128)، أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم.

ولهذا، فإن هذه الآيات القرآنية وغيرها تنفي مفهوم الوساطة الذي يعني أي سلطة إلهية تخول للرسول ما يكون خاصا بالألوهية.

ولهذا، لما قال تعالى لعيسى u:{ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (المائدة: 116) قال عيسى u:{ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (المائدة:117)

بل أخبر تعالى أن الرسل وخلفاءهم اقتصروا في تبليغهم على الدعوة لتوحيد الله، قال تعالى:{ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} (آل عمران:79)

وأخبر تعالى أن هؤلاء المدعوين عباد لله قانتون له متواضعون له لا يعتقدن في أنفسهم إلا العبودية لله، قال تعالى:{ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} (الانبياء:27، وقال تعالى:{ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً} (النساء:172)، وقال تعالى:{ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} (البقرة:116)

وسر ذلك كما ينبئ القرآن الكريم هو أن الله وحده المتفرد بالضر والنفع، قال تعالى:{ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (المائدة:76)، وقال تعالى:{ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (يونس:18)، وقال تعالى:{ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ} (الانبياء:66)، وقال تعالى:{ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً} (الفرقان:55)

وأنه وحده المتفرد بالرزق، قال تعالى:{ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ} (النحل:73)

***

قد يقال هنا: فما القول في نفع دعاء الصالحين، أليس ذلك من الوساطة، وقد قال تعالى:{ لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً } (النور: 63) أي لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاه مستجاب، فاحذورا أن يدعو عليكم فتهلكوا؟

أو لم يقل الله تعالى:{ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} (النساء: 64)؟

أو لم يرو العتبي قال: كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول اللّه، سمعت اللّه يقول:{ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} (النساء: 64)، وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه

  فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه

   فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثم انصرف الأعرابي، فغلبنتي عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقال:( يا عتبي إلحق الأعرابي فبشره أن اللّه قد غفر له) ([22])

أو لم يكن الصحابة يستشفعون به ويتوسلون به في حياته بحضرته، فعندما أجدب المسلمون على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليه أعرابي فقال: يارسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا فرفع النبي يديه وقال:( اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا وما في السماء قزعة، فنشأت سحابة من جهة البحر، فمطروا أسبوعا لا يرون فيه الشمس حتى دخل عليهم الأعرابي أو غيره، فقال:( يارسول الله، انقطعت السبل وتهدم البنيان فادع الله يكشفها عنا فرفع يديه وقال:( اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية فانجابت عن المدينة كما ينجاب الثوب)([23])

والجواب على ذلك هو أن دعاء المسلم لأخيه ببالشهادة أو بالغيب أو التماس الدعاء من الصالحين لا حرج فيه، وهو ليس من الوساطة في شيء، لأن الدعاء ـ كما ذكرنا في الفصل الأول ـ سبب من الأسباب أو أمارة من الأمارات، وما كان كذلك كان حكمه كحكم سائر الأسباب، فنحن في حياتنا ـ مع علمنا بأن الله هو الشافي ـ نلتمس العلاج من الطبيب، ولم يقل أحد بأن الذهاب للطبيب التماس واسطة لله.

قد يقال: فما القول بالتوسل به صلى الله عليه وآله وسلم، أليس هو من باب الوساطة الشركية؟

والجواب على ذلك هو أن هذه المسألة من المسائل التي كثر فيها الخلاف واشتد إلى أن اعتقد بعضهم أنها من مسائل الإيمان والكفر والسنة والبدعة مع أن الأمر فيها خفيف محتمل.

ونرى أن الإجابة عليها تخضع لثلاثة أنظار، كل نظر منها ينطلق من اسم من أسماء الله الحسنى، فمن قصر نظره إلى اسم واحد قال قولا واحدا، ومن نظر إلى الأسماء جميعا جمع بين الأقوال جميعا من غير أن يرى أي تناقض بينها.

وهذه هي الأجوبة الثلاثة عليها:

الجواب التوحيدي:

وهو يطل من نافذة أحدية الله ووحدانيته، والتي توجب غناه المطلق عن الشريك والوسيط والشفيع، وهذه الرؤية تنفي اتخاذ أي وسيط لله عدا أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فلا توسط لله غير الله.

ومن هذه النافذة يطل المنكرون للتوسل، ويؤولون ما قد تحتمله النصوص منه، ومن حكمة الله ورحمته في الاختلاف الذي وجد في هذه الأمة أن يقال بهذا.

لأن المبالغات في التوسل خرجت به عن إطاره الشرعي المحدود إلى عوالم خطيرة تملأ شعور المسلم بالوساطات الكثيرة التي تقف بينه وبين ربه.

فظهر من يبالغ في قدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى درجة التوسل بالله تعالى إليه، وقد روي الرد على هذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلا قال له:( إنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك)، فسبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى رؤى ذلك في وجوه أصحابه، وقال:( ويحك أتدرى ما الله،إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك) ([24])

ولهذا كان من مقتضى التوحيد إفراد الله بالتوجه، فلا ينشغل قلب الداعي، ولا يستحضر غير ربه، ولا يشكو لغيره أمره، كما قال تعالى:{ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } (الشرح:7 ـ 8)

وأخبر تعالى عن قول يعقوب u:{ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} (يوسف: 86) وقال الخليل u:{ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (العنكبوت: 17)

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحض المؤمنين على إفراد الله بالمسألة، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم لابن عباس 🙁 إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله) ([25])، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يخطب، ويقول:( أيها الناس، والله مهما يكون عندنا من خير فلن ندخره عنكم، وإنه من يستغن يغنه الله، ومن يستعف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر) ([26])

ومراعاة لهذه النظرة نرى أن هذا التوسل حكمه كحكم سائر الأذكار والأدعية، لا ينبغي المبالغة فيه أو الاقتصار عليه مع اعتقاد ما سنذكره في الجوابين التاليين، ونفي أي اعتقاد في الوساطة الشركية، التي جعلها أرباب الأوثان لأوثانهم.

الجواب الجزائي:

وهو يطل من نافذة اسم الله الشكور، وهو اسم يقتضي مجازاة الله عباده على أعمالهم الصغيرة بالعوض الكير المجانس لأعمالهم ورغباتهم.

ومن هذه النافذة تفهم النصوص المجيزة للتوسل بأنواعه: التوسل بالأنبياء، والأولياء والصالحين والأعمال الصالحة وغيرها مما ورد النصوص بجوازه.

فالتوسل بالعمل الصالح ـ مثلا ـ إن اعتقد أنه واسطة صحيحة، وأن الله يجب أن يجازي المكلفين، كان سوء أدب مع الله، فالله تعالى:{ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الانبياء:23)، والله غني عن أعمال عباده.

لكن إن نظر إليه من باب اسم الله الشكور، فذكر العمل، وطلب الجزاء كما تطلب المنن لم يكن في ذلك حرج على الداعي، بل قد ورد في النصوص الكثيرة ما يدل عليه.

ولعل أشهر ما ورد من ذلك حديث الثلاثة الذين أووا إلى غار([27])، فسأل كل واحد منهم بعمل عظيم أخلص فيه لله، فهذا سأل ببره لوالديه، وهذا سأل بعفته التامة، وهذا سأل بأمانته وإحسانه، وكل ذلك مما يحبه الله ويرضاه، ومحبة الله لذلك العمل تقتضي إجابة صاحبه.

وقد كان ابن مسعود يقول وقت السحر:( اللهم أمرتني فأطعتك، ودعوتني فأجبتك، وهذا سحر فاغفر لي) ([28])

ومن هذا الباب شرعت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن من لم يشكر الناس لم يشكر الله.

بل إن الله تعالى وصانا بالشكر للوالدين، وهما سبب حياتنا الطينية المجازية، فقال تعالى:{ وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (لقمان:14)فكيف لا يستحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا الشكر، وهو سبب حياتنا الروحية الحقيقية؟

ولهذا اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم من لم يصل عليه بخيلا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي) ([29])

ومن هذا الباب ما ورد من الآثار في ربط الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأشياء، لولا الوساطة الشرعية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تتحقق، مثل قول القائل عند الدخول إلى المسجد:( أعوذ باللّه العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، الحمد للّه، اللهمّ صلّ وسلم على محمد وعلى آل محمد؛ اللهمّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك) ([30])

قد يقال: فما علاقة التوسل باسم الله الشكور؟

والجواب عن ذلك: أن الله تعالى برحمته وفضله وشكره لعباده جعل من جزاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي امتلأ قلبه بالرحمة لأمته بل للخلق جميعا، الشفاعة العظمى يوم القيامة، والتوسل باب من أبوابها، كلاهما يطل من نافذة هذا الاسم.

زيادة على أن المتوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستحضره ويشعر بمنة الله به عليه، وفي ذلك الشعور توسل لاستجابة الدعاء، فللدعاء شروطه التي إن توفرت لا يخطئ أبدا. 

الجواب المقاصدي:

وهو يطل من نافذة اسم الله الحكيم، وهو اسم يدل على مراعاة المصالح والأسباب المؤدية لها، وهذا الاسم يقتضي الأمرين جميعا، ويطل من نافذته مثبتو التوسل ومنكروه على حد سواء:

أما منكرو التوسل، فيطلون منه خوفا من تسرب الشرك إلى عقيدة المتوسل، أو اعتقاده في أن المتوسل به واسطة حقيقية، وذلك هو السبيل المؤدي للشرك.

وأما مثبتوه، فيطلون منه حرصا على ما يتولد عنه من آثار تربوية عميقة.

وذلك أن من مقاصد الدعاء الحضور مع الله، والتحقق بحقائق الإيمان، زيادة على ما يطلبه الداعي من تحقيق أغراضه، ولهذا سن لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقديم حمد الله والصلاة عليه على ما نطلبه من حاجات، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمن رآه يصلى ويدعو ولم يحمد ربه ولم يصل على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم:( عجل هذا)، ثم دعاه، فقال:( إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصل على النبي، وليدع بعد بما شاء)([31])

ففي تقديم الثناء على الله معرفة بالله، تدعو إلى محبته وإيثاره والثقة فيه، وفي الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقرب منه ومحبة له تصفي القلب وتطهره، فإذا ما صفا القلب بهذه الصورة كان أهلا لقضاء حاجته.

ولهذا سن لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم المقدمات الطويلة لبعض الأدعية لتناسبها مع نوع الدعاء:

فذكر صلى الله عليه وآله وسلم أن سيد الاستغفار أن نقول:( اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) ([32])

فإن مقدمات هذا الدعاء تتناسب تماما مع نوعه، فقد قدم الدعاء بمخاطبة الله التي تستدعي حضور القلب معه، ثم الإقرار بالوحدانية، والتي تدل على تصحيح الإيمان، أو تشير إلى أن الذنب لا يتعلق بالتوحيد، لأن الله وعد أن يغفر غير الشرك، كما قال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النساء: 48)

ثم تجديد العبد العهد مع الله بحسب الاستطاعة، ثم الاستعاذة بالله من الذنب وشره، مع الإقرار بنعمة الله، وفي الأخير طلب المغفرة المشفوع بمعرفة أن المتفرد بمغفرة الذنب هو الله تعالى.

وهكذا في كل الأدعية نجد الحقائق الإيمانية التي تناسبها، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا خفت سلطانا أو غيره، فقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، لا إله إلا أنت، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك) ([33])، فهذه الصيغة تتناسب تماما مع نوع الحاجة.

ومنها دعوة ذي النون التي دعا بها، وهو في بطن الحوت، وهي قوله:{ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الانبياء: 87)، والتي تحوي على كنوز جليلة من المعارف الإيمانية والتربوية، وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه ( لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له)([34])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأسماء بنت عميس ـ  ـ:( ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب، الله الله ربي لا أشرك به شيئا) ([35])، فقد اقتصر هذا الدعاء على ذكر هذه المعارف لتتعمق بمعانيها النفس.

ومنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو عند الكرب بهؤلاء الكلمات:( لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع، ورب العرش الكريم) ([36])، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل به هم أو غم قال:( يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث) ([37])

ومن هذا الباب ما ورد في النصوص من التماس دعوة الإخوان بظهر الغيب، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملك موكل به كلما دعا لأخيه بخير قال الملك آمين، ولك مثل ذلك) ([38])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل) ([39])

ففي هذا النصوص أنواع من المصالح والحكم جاء هذا النوع من الدعاء لتحقيقها، منها تعميق الأخوة في الله بين المؤمنين، فالمؤمن إذا دعا لأخيه كان ذلك أمارة على حبه، وسلوكا لتحبيبه لنفسه، ولهذا ورد دعاء الفاتحة بصيغة الجمع ليستحضر المؤمن أخوته لكل المؤمنين.

ومنها أن الدعاء للإخوان والصالحين يجعل المؤمن يستحضر أحوالهم الربانية وينفعل بها، بل تترقى روحه من خلالها، ومن هذا الباب أمره صلى الله عليه وآله وسلم من لقي أويس القرني أن يستغفر له([40]).

ومن هذا الباب ما طلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمته من الدعاء له، لأنهم إذا دعوا له حصل لهم من الأجر أكثر مما لو كان الدعاء لأنفسهم، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم للذى قال:( أجعل صلاتى كلها عليك)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك) ([41])

فطلبه منهم صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء له هو رعاية لمصالحهم، كسائر أمره وإياهم، ومثل ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا دعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك مثله) ([42])، ففي هذا مصلحة عظمى للداعي.

ومن هذا الباب ما ورد في النصوص الكثيرة من تبيان آثار الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة) ([43])، وذلك لأن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تعمق حضور القلب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتملأ القلب أنسا به وحبا له، وذلك كفيل بأن يجعل صاحبها مقربا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( المرء مع من أحب)([44])

وللأثر التربوي للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،قال صلى الله عليه وآله وسلم:( صلوا علي فإن صلاتكم علي زكاة لكم) ([45])، فهي تزكية للقلب وتطهير له.

بل في الصلاة أعظم تطهير للقلب، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ما من عبد من أمتي يصلي علي صلاة صادقا بها من قبل نفسه، إلا صلى الله عليه بها عشر صلوات وكتب له بها عشر حسنات ومحا بها عنه عشر سيئآت) ([46])، فإن صلاة الله على عباده تطهير لهم، كما قال تعالى:{ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } (الأحزاب: 43)، فقد أخبر تعالى أن صلاة الله على عباده تخرجهم من الظلمات إلى النور.

* * *

وانطلاقا من هذا، فإن التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو نوع من الحضور معه، والشعور بمعيته، وله تأثير كبير في ربط القلب بمحبته، وهو السبيل الصحيح لسلوك سنته.

فالتوسل بذلك، والذي يستحضر فيه قلب السائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يستشفع به إلى الله، مع الخلو من اعتقاد الوساطة الشركية، والامتلاء بالشعور بالمنة، يملأ القلب شعورا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

أما اعتقاد أن هذا خاص بحياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا دليل عليه من النصوص.. بل إن القول بذلك يحرم الأمة جميعا من هذا الخير الجزيل، فلا يتمتع به على مقتضى هذا القول إلا المصاحبون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

زيادة على ذلك، فإنا نتوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل الأحكام الشرعية، فنرجع إليه لنعلم أحكام الله، بل الله تعالى هو الذي أمرنا بالرجوع إليه مطلقا حيا أو ميتا، كما قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء:59)، وليس هناك من يقول بأن هذا خاص بحياته صلى الله عليه وآله وسلم.

ثم، من قال بأن موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغاير حياته، فإن كان الشهداء، وهم أدنى بآلاف آلاف الدرجات من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد نفى الله موتهم، ونهى عن اعتقاد ذلك، فقال تعالى:{ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران:169)، فكيف برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيد الشهداء والعارفين والنبيين؟

ثم، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بأن أعمال أمته تعرض عليه، وأنه يدعو لهم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم، تعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله تعالى وإن رأيت شرا استغفرت لكم) ([47])

فإن شك في هذا الحديث، فقد قال تعالى:{ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة:105)

فإن قيل: بأن هذه رؤية وليست دعاء أو شفاعة، فنقول: إن كان الله تعالى أخبر بدعوة الملائكة ـ عليهم السلام ـ للمؤمنين، كما قال تعالى:{ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} (غافر:7)، فإن كان هذا مع حملة العرش، فكيف برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع أمته التي كلف بها، وهو أحرص الخلق عليها؟

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيراً استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا) ([48])

فإن جاز هذا للعشائر والأقارب، وهم أفراد من الأمة، فكيف لا يجوز لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أحن على أمته من آبائهم، وأمهاتهم، وقد قال تعالى:{ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} (الأحزاب: 6)

ثم إنه صلى الله عليه وآله وسلم قد صرح بجواز التوسل به مطلقا في حديث الأعمى، فعن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال:( ادع الله أن يعافني)، فقال:( إن شئت أخرت ذلك وهو خير، وإن شئت دعوت)، قال:( فادعه) قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن، ثم يصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء، فيقول:( اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي، اللهم شفعه في وشفعني فيه) ([49])، فالحديث ورد مطلقا، ومن التأويل تقييده بما لم يدل الدليل على تقييده.

وقد أول ابن تيمية هذا الحديث بصنوف من التأويلات وصرفه عن ظاهره، فقال:( وهذا الأعمى شفع له النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلهذا قال في دعائه:( اللهم فشفعه في)، فعلم أنه شفيع فيه)([50])

واستشهد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك) فقال: ( ادع لي)، بأنه طلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو له، فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلى ويدعو هو أيضا لنفسه، ويقول في دعائه:( اللهم فشفعه في)، فدل ذلك على أن معنى قوله:( أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد)، أي بدعائه وشفاعته.

ومما أول به ابن تيمية الحديث قوله:( وكذلك لو كان كل أعمى توسل به، ولم يدع له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة ذلك الأعمى لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، فعدولهم عن هذا إلى هذا مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فإنهم أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله، وما يشرع من الدعاء وينفع وما لم يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه) ([51])

والجواب عن هذا من جهتين:

الأولى هي أن من الصحابة ـ كما ذكرنا ـ في الباب السابق من رضي بحاله، ولم يسأل الله تغييره رضى بقسمة الله، بل في حديث الأعمى دليل على استحباب ذلك، وقد ورد في الحديث أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبها طيف، فقالت:( يا رسول اللّه إني أصرع، وأتكشف، فادع اللّه أن يشفيني)، فقال:( إن شئت دعوت لك أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة)، فقالت:( بل أصبر ولي الجنة، ولكن ادع اللّه لي أن لا أتكشف)، فدعا لها فكانت لا تتكشف([52]).

والثانية أن اشتراط تأييد كل ما ورد من الأحاديث القولية أو الفعلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالآثار الدالة على الفعل به من الصحابة يكلفنا شططا، بل يلغي أكثر السنن.

فلذلك يكتفي العلماء كلهم ـ بما فيهم ابن تيمية ـ بما ورد من الأحاديث، بل يرون أن في خلاف الصحابة للأحاديث دليل على عدم بلوغ الحديث للصحابة، لا دليلا على ضعف الحديث أو صرفه عن حقيقة معناه.

وقد جعل ابن تيمية نفسه ـ هذا المعنى ـ من أسباب الخلاف الفقهي في كتابه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، بل اعتبره أول الأسباب، فقال:( السبب الأول أن لايكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن يكون عالما بموجبه، وإذا لم يكن قد بلغه وقد قال في تلك القضية بموجب ظاهر آية أو حديث آخر أو بموجب قياس أو موجب استصحاب فقد يوافق ذلك الحديث تارة ويخالفه أخرى وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفا لبعض الأحاديث فان الاحاطة بحديث رسول لله صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن لأحد من الأمة)([53])

ثم ذكر أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان يحدث أو يفتى أو يقضى أو يفعل الشيء، فيسمعه أو يراه من يكون حاضرا ويبلغه أولئك أو بعضهم لمن يبلغونه، فينتهي علم ذلك إلى من يشاء الله من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثم في مجلس آخر قد يحدث أو يفتى أو يقضى أو يفعل شيئا ويشهده بعض من كان غائبا عن ذلك المجلس ويبلغونه لمن أمكنهم، فيكون عند هؤلاء من العلم ماليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ماليس عند هؤلاء.

ثم ذكر أن تفاضل العلماء من الصحابة ومن بعدهم بكثرة العلم أو جودته لا بالإحاطة بجميع حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهذا لا يمكن ادعاؤه.

ومما استدل به ابن تيمية في التفريق بين حياته وموته صلى الله عليه وآله وسلم أنه ليس في طلب الدعاء منه ودعائه هو والتوسل بدعائه ضرر، بل هو خير بلا شر، وليس في ذلك محذور ولا مفسدة، فإن أحدا من الأنبياء ـ عليهم السلام ـ لم يعبد في حياته بحضوره، فإنه ينهي من يعبده ويشرك به، ولو كان شركا أصغر كما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من سجد له عن السجود له، أما بعد موته، فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح والعزير وغيرهما([54]).

والجواب عن هذا: ما ذكرناه في الجواب الأول من أن حكم التوسل يختلف باختلاف المتوسل واعتقاده، فإن كان يعتقد الوساطة الشركية، فهو حرام، بل قد يكون كفرا، أما إن أراد به التوسل الإيماني الذي هو نتيجة استشعار محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشفقته على أمته فإن في ذلك من المصالح الإيمانية والتربوية ما لا يصح طرحه من أجل هذه المفسدة المشكوكة.

ثم لو طرحنا أحكام الشريعة بهذا الأسلوب، فإن الكثير من الأحكام قد نعرضها للإلغاء خوفا من المفاسد التي قد تنجر عنها.

بل إن ما ينكره ابن تيمية وغيره على القدرية والجبرية وغيرهم لم يجرهم إلى القول به إلا الخوف من المفاسد المنجرة على نقيض ما ذهبوا إليه([55]).

وقد بينا في مواضع كثيرة أن الكمال في اتباع كل ما ورد في الشريعة من غير تقديم جانب على جانب، بل إن الحق في جوانبها المختلفة جميعا.

3 ـ الوسائط التقديرية:

ولكن كيف تنفى الوسائط، والقرآن الكريم والنصوص النبوية الكثيرة تخبرنا بترتب الأسباب على بعضها، فقد جعل تعالى المطر سببا لإنبات النبات، كما قال تعالى:{ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} (البقرة: 164)

ألا يعتبر المطر بذلك واسطة بين إرادة الله لإحياء الأرض وتحقق ذلك الإحياء؟

أليس المطر بذلك واسطة تحتاجها القدرة لإيجاد الإحياء؟

ومثل ما يقال في المطر يقال في كل الأسباب، فهل هي وسائط، أم ماذا؟

والجواب عن ذلك: هو أنه لا يمكن اعتبار المطر وغيره وسائط سواء أثبتنا هذه الأسباب واعتبرناها أو تكلفنا تأويلها بصنوف التأويل:

نفي الأسباب:

أما على اعتبار نفي تأثير الأسباب، واعتبار الخالق للسبب والمسبب الله وحده، فإنه لا إشكال في ذلك، فلا واسطة في هذا بحال من الأحوال.

وهذا قول جماهير العلماء، فقد نصوا على أن الخبز لا يشبع، والماء لا يروي، والنار لا تحرق، وأن الشبع والري والإحراق حوادث انفرد الرب بخلقها، فلم يخلق الخبز الشبع، ولم يخلق الماء الري، ولم تخلق النار الإحراق، وإن كانت أسبابا في ذلك، فالخالق هو المسبب دون السبب.

ونصوا على أن هذه الأشياء محتاجة إلى الله لتأدية الأثر، فالنار في وقت الإحراق محتاجة إلى الله ليخلق فيها إحراقا، والبطن محتاج إلى الله في وقت صيرورة الخبز فيه ليخلق فيه شبعا، فالله خالق النار وإحراقها والماء وريه والخبز وإشباعه.

وبناء على هذا قالوا: لو شاء الله لروى بالنار، وأحرق بالماء، فهو الخالق يفعل ما يشاء،وبالتالي فلا فرق بين النار والماء تحت قدرة الله تعالى.

وهذا الاعتبار صحيح يدل عليه العقل والنقل، ولا حرج على من يقول به، كما لا حرج على من يقول بالقول الثاني، كما سنرى.

أما ذلك الجدال الذي امتلأت به التصانيف وعد في خلاف أحد القولين بدعة أو مروقا، فهو من التألي المنهي عنه، أو هو من فرض قناعات العقول والفهوم على الغير من غير دليل قطعي.

بل نرى في هذا ما رأيناه في القول في التوسل، فمن غلب التوحيد، ورأى أن خالقية الله للأشياء شاملة ومباشرة قال بنفي الأسباب، واعتبارها محال لحصول التأثير، وليست مؤثرة بذاتها.

ومن قال بإثبات الأسباب نظر إلى الحكمة الإلهية التي رتبت الأسباب على المسببات.

ونرى انطلاقا من النظرتين أن يترك ذلك لطلاقة القدرة الإلهية، فلا يحجر عليها في شيء من ذلك.

وإن أردنا مثالا مقربا لذلك ـ ولله المثل الأعلى ـ نقول بأن الأجهزة الكهربائية منها ما يفتقر افتقارا تاما إلى الحضور المباشر للصانع، وإلى إيصال التيار الكهربائي به، بحيث لو قطع عنه التيار، أو ابتعد عنه الصانع لا يقوم بأي عمل.

ومنها ما يمكن شحنه ببطارية، وتزويد عقله الصغير أو الكبير وبرمجته بدقائق ما يتعلق بوظيفته.

فكذلك الأمر، ولله المثل الأعلى مع خلق الله تعالى، فكلاهما محتمل، وقد يكون كلا الأمرين صحيحا.

ولعل المثال الأول مرتبط بما نص عليه القرآن الكريم من الآيات الدالة على خلق الله بيديه ونحو ذلك، كما قال تعالى:{ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} (صّ:75) أو بإمساكه تعالى، كما قال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} (فاطر:41)

أما ما يدل على القول بنفي الأسباب وكونها مجرد أمارات من الناحية النقلية، فمن مثل قوله تعالى:{ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} (لأنفال: 17)، فنفى تعالى أن يكون رسوله خالقا للرمي، وإن كان سببا فيه.

ومن ذلك قوله تعالى:{ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} (لنجم:43 ـ 44)، فاقتطع تعالى الإضحاك والإبكاء والإماتة والإحياء عن أسبابها، وأضافها إليه.

ومن ذلك قوله تعالى:{ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (الأنعام: 102)، وقال تعالى:{ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} (فاطر: 3)

بل قد دل على هذا ما ذكره الله تعالى من إخراج ناقة صالح u من الجبل الأصم، فقدرة الله لا حدود لها.

وانطلاقا من هذا فإنا لا نرى صحة ما ذكره المخالفون من التشنيع على أصحاب هذا القول، كما قال ابن تيمية:( من قال أن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله تعالى بها المخلوقات ليست أسبابا، أو أن وجودها كعدمها، وليس هناك إلا مجرد اقتران عادي كاقتران الدليل بالمدلول فقد جحد ما خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم، ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها، ولا في القلب قوة يمتاز بها عن الرجل يعقل بها، ولا في النار قوة تمتاز بها عن التراب تحرق بها، وهؤلاء ينكرون ما في الأجسام المطبوعة من الطبائع والغرائز) ([56])، فليس في كل ذلك جحود، وإنما هو فهم دلت عليه النصوص ولم ينكره العقل.

إثبات الأسباب:

والاعتبار الثاني هو إثبات الأسباب، وهو قول الكثير من العلماء، ومما دلت عليه النصوص، ومما يقول به العقل والحس بادئ الرأي.

ولا دليل في هذا القول أيضا على كون هذه الأسباب وسائط لأن الله قد يخلق بوجودها، وقد يخلق مع تخلفها، وهو لا يحتاج في الخلق إليها، وإنما أبرزتها حكمته في ترتيب الأسباب على المسببات.

والفريق القائل بهذا يطل من نافذة اسم الله ( الحكيم)، وهو يكمل النظرة السابقة، ولا نرى أنه يتنافى معها.

أما دلالة العقل على هذا، فواضحة لا ريب فيها، ولكن العقل الملحد أو الغافل يعتبرها وسائط، أما العقل المؤمن، فيرى أن قدرة الله أعظم من أن تحتاج إلى الوسائط.

وكمثال على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بجدوى الدواء، وسببيته، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (تداووا عباد الله فإن الله لا يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم) ([57])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه، وجهله من جهله إلا السام وهو الموت) ([58])

فهذه الأحاديث صريحة في سببية الدعاء، وإن أولها النافون للأسباب، ومن خلالها يستعمل المؤمن الدواء سواء قال بنفي الأسباب أو إثباتها.

ولكن الفرق بين الطبائعيين القائلين بالسببية المجردة عن السند الإلهي هو أنهم يجعلونها مستندهم الوحيد، فإن غاب عنهم، أو سقط بهم سقطوا معه، بينما استناد المؤمن النافي أو المثبت على الله، فلذلك إن عجز الدواء، أو سقط به لم يسقط معه، لأنه لم يكن مستندا للدواء، وإنما استناده لله.

وبهذا لا يصح تشبيه القائلين بالأسباب بالطبائعيين الذين يرجعون الأشياء إلى علل طبيعية، لأن هؤلاء لا يقولون بأن ما في الأشياء من خصائص يرجع إلى ذواتها وإنما ينسبونها إلى الله تقديرا وخلقا، وتوفيقا ومنعا.

فلذلك لا يقولون بحتمية الأسباب، بل يربطونها بمشيئة الله، معتقدين إمكانية تخلفها، قال ابن القيم:( ويا لله العجب إذا كان الله خالق السبب والمسبب وهو الذي جعل هذا سببا لهذا والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة لحكمه إن شاء أن يبطل سببيه الشيء أبطلها كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم وإغراق الماء على كليمه وقومه وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع تأثيرها مع بقاء قواها وإن شاء خلى بينها وبين اقتضائه لآثارها فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد وأي شرك يترتب على ذلك بوبه من الوجوه) ([59])

والرجوع إلى النصوص يرشد إلى هذا القول ويصححه، وقد ذكرنا في مواطن كثيرة أن الأولى الحفاظ على ظاهرية النصوص وبساطتها وعدم تعديها بتكلف التأويل.

وقد ورد في النصوص ما يثبت الأسباب، قال تعالى عن ذي القرنين:{ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} (الكهف:84)، وقد قيل في تفسيرها عن حبيب بن حماد قال: كنت عند علي، وسأله رجل عن ذي القرنين، كيف بلغ المشرق والمغرب؟ فقال: سبحان اللّه سخّر له السحاب وقدر له الأسباب وبسط له اليد)([60])

وقد سمى تعالى أبواب السماء أسبابا، إذ منها يدخل إلى السماء، فقال تعالى عن فرعون:{ لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} (غافر: 36 ـ 37)

وسمى تعالى الحبل سببا لإيصاله إلى المقصود، كما قال تعالى:{ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} (الحج:15)

وسمى تعالى وصل الناس بينهم أسبابا، وهي التي يتسببون بها إلى قضاء حوائج بعضهم بعضا، كما قال تعالى:{ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ } (البقرة:166)، قال ابن عباس 🙁 يعني أسباب المودة الواصلات التي كانت بينهم في الدنيا)، وقال ابن زيد:( هي الأعمال التي كانوا يؤملون أن يصلوا بها إلى ثواب الله) ([61]) فسمى الله تعالى ذلك أسبابا، لأنها كانت يتوصل بها إلى مسبباتها.

وقد ذكر ابن القيم الكثير من الأدلة على صحة هذا القول، حتى أنه قال:( ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغةن بل حقيقة) ([62])

ولا بأس من إيراد بعض مجامع ما ذكره من أدلة هنا([63]):

فمنها أن الله تعالى جعل مصالح العباد في معاشهم ومعادهم والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة مرتبطا بالأسباب، قائما بها، بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه، بل الموجودات كلها أسباب ومسببات، والشرع كله أسباب ومسببات، والمقادير أسباب ومسببات،والقدر جار عليها متصرف فيها، فالأسباب محل الشرع والقدر.

والقرآن الكريم مملوء بإثبات ذلك، كقوله تعالى:{ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} (البقرة: 10)، وقوله تعالى:{ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُون} (البقرة: 59)، وقوله تعالى:{ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} (البقرة: 61)، وقوله تعالى:{ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} (البقرة:95)، وقوله تعالى:{ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} (البقرة: 225)، وقوله تعالى:{ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} (آل عمران:106)

ومنها أن كل موضع رتب فيه الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف أفاد كونه سببا له، كقوله تعالى:{ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة:38)، وقوله تعالى:{ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا} (النور: 2)، وقوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} (لأعراف:170)، وقوله تعالى:{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} (النحل:88)

ومنها أن كل موضع تضمن الشرط والجزاء أفاد سببه الشرط والجزاء، وهو أكثر من أن يستوعب، كقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (لأنفال:29)، وقال تعالى:{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (ابراهيم:7)

وغيرها من النصوص الكثيرة الدالة على فاعلية الأسباب بإذن الله.

وقد ذكر ابن القيم زيادة على ما دلت عليه هذه النصوص وجها مقاصديا حقيقا بأن يلتفت إليه منكرو الأسباب خاصة في هذا العصر، وهو ما عبر عنه بقوله:( ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد إيهام الناس أن التوحيد لا يتم إلا بإنكار الأسباب، فإذا رأى العقلاء أنه لا يمكن إثبات توحيد الرب سبحانه إلا بإبطال الأسباب ساءت ظنونهم بالتوحيد، وبمن جاء به، وأنت لا تجد كتابا من الكتب أعظم إثباتا للأسباب من القرآن)([64])

ثانيا ـ الملك

السر الثاني للحكمة، والمترتب على الوحدانية، والذي تفهم به أسرار المقادير، ويجتمع شتاتها، وينحل ما يتوهم منها من تناقض هو إدراك مالكية الله للأشياء، والتي يترتبت عنها ملكيته عليها.

أما مالكية الله للأشياء فتعني أن كل شي في الكون من مخلوقات ملك لله تعالى.

وأما ملكية الله عليها، فهو تصرفه فيها، ونفوذ أمره في شؤونها الجبرية أو الاختيارية.

ويدل على هذين المعنيين الاسمين الحسنين ( المالك والملك)

وقد وردت القراءة بكليهما في أول سورة في القرآن الكريم، فقرئ:{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (الفاتحة:4)،وقرئ:{ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (الفاتحة:4)

وقد تحدث المفسرون في هذه الآية في التفاضل بين ( ملك)،و ( مالك)، وهو خطأ من جهات:

الأولى: أنه لا تفاضل بين القراءات القرآنية، فكلها كلام الله تعالى، وإن جاز التفاضل فمبينه الوحي لا الاجتهاد.

والثانية: أن أسماء الله كلها حسنى، فلا يجوز المفاضلة بينها.

والثالثة: أن لكل منهما دلالته الخاصة، فللمالك دلالة على حيازة الأشياء، وللملك دلالة على التحكم فيها، وهذا التغاير بينهما يجعل من كل منهما اسما خاصا، خلافا لمن جعل أحدهما أعم من الآخر.

وقد اجتمع هذا الصنفان من الملك في قوله تعالى:{ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (لأعراف:54)،ففي هذه الآية الكريمة إخبار بملكية الله للأشياء، وسريان أمره فيها، والذي عبر عنه في خاتمة الآية بقوله:{ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ }

ولإدراك الحقائق المتضمة في معاني هذين الاسمين دور كبير في كشف حقائق الكون، وتعليلها التعليل الإيماني، وله دور سلوكي، ووجداني كبير من ناحية أخرى، وسنعرض في هذا الفصل لحقيقة هذين الاسمين وآثارهما السلوكية والوجدانية.

1 ـ الله المالك:

يتردد في القرآن الكريم كثيرا تعليل المقادير المختلفة بملكية الله للأشياء، ولذلك تترد في القرآن الكريم كثيرا هذه اللازمة التي تحوي المعاني الكثيرة باختلاف السياق الذي ترد فيه، قال تعالى:{ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } (النساء: 170)، وهذه اللازمة تبث في شعور المؤمن ملكية الله المطلقة لكل ما نراه وما لا نراه من الأشياء.

وليس الغرض من هذا التكرير تقرير هذه الحقيقة فقط، والتي تدل عليها كل الدلائل، بل الغرض منها التنبيه في كل مناسبة تدب فيها الغفلة إلى أن الله مالك السموات والأرض وما فيهن.

فيرتب على ذكرها أثر التعرف على قدرة الله المطلقة، كما قال تعالى:{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (المائدة:120)، وقال تعالى:{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (المائدة:120)

ولذلك يستدل القرآن الكريم بملكية الله للمخلوقات على أن قدرته لا تعجز عن مقادير البعث أو الحشر التي يكذب بها الجاحدون.

ولهذا يقترن في القرآن الكريم ثبوت الملكية لله بالإحياء والإماتة وبالقدرة المطلقة، كما قال تعالى:{ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (الحديد:2)

وقد ورد في بعض صيغ الذكر الذي انطلقنا منه في بيان أسرار الحكمة في المقادير قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( من قال حين يدخل السوق: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله، والله أكبر والحمد لله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كتب الله عز وجل له ألف ألف حسنة) ([65])ففيه اقتران الثلاثة مع بعضها.

ويقترن ملك الله للأشياء كذلك بمشيئته المطلقة للمغفرة والتعذيب، كما قال تعالى:{ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} (الفتح:14)، وقال تعالى:{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (المائدة:40)، فهذه التصرفات إنما تستغرب وتستقبح إن كانت في ملك الغير.

ومثل ذلك ارتباط الملك بطلاقة المشيئة في توزيع الهبات والأرزاق، كما قال تعالى:{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} (الشورى:49)

ومثل ذلك ارتباط ملكية الله للأشياء بتفرد الله تعالى بالولاية والنصرة، قال تعالى:{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} (البقرة:107)، وقال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} (التوبة:116)، فالكل ملكه فلذلك هو الحقيق بالولاية والنصرة لمن شاء من عباده.

ومثل ذلك ارتباط الملك بالحمد، كما قال تعالى:{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} (الاسراء:111)، وذلك لأن كل شيء من الله، فلذلك لا يحمد سواه.

والقرآن الكريم يعبر عما يفيض من ملك الله على عباده بصيغة الإنزال، ليشير إلى أن ملكيتها الحقيقية لله، وأنها وافدة على العباد لا ملكا مستقرا لهم، قال تعالى في بيان عمومية نزول كل ما يتصور العباد ملكيته من الكون:{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ)

ويستوي في هذا الإنزال ما يكون حسا أو ما يكون معنى:

قال تعالى عن إنزال الكائنات الحسية:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} (يونس:59)

وخص بعض الكائنات الحسية بالذكر بصفة الإنزال لأهميتها، ومنها الأنعام، قال تعالى:{ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} (الزمر:6)

ومنها إنزال الماء، وهو أكثرها ورودا في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى:{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} (النحل:10)

 وليس المراد بالإنزال هنا ما يتوهم من كون المطر نازلا من السماء فقط، وإنما المراد ربطه بملكية الله، ولهذا سبق الإنزال ذكر الضمير المنفصل العائد على الله تعالى.

ومن النعم الحسية المنزلة الحديد، قال تعالى:{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحديد:25)

ومثل إنزال ملكية الله للكائنات الحسية إنزال الله للكائنات المعنوية، ومنها السكينة والجند الرباني، قال تعالى:{ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} (التوبة:26)

ومنها إنزال الملائكة والروح، قال تعالى:{ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} (النحل:2)

وآثار إدرك هذا المعنى وارتباطه بتصريفات الله في مقاديره جليلة كثيرة، قد لا تتحقق هذه الآثار بصيغتها الجميلة الكاملة بدونها:

ومنها أن اعتقادنا بملكية الله لما في أيدينا، تجعلنا نخضع للشرع حين يأمرنا بالتصرف في هذا الملك وفق مرضاة الله، لأنه المالك الحقيقي للمال، والعبد لا يعدو أن يكون مستخلفا فيه، كما قال تعالى:{ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (النور: 33)، وقال تعالى:{ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه} (الحديد: 7)

ولهذا أمر تعالى رسول صلى الله عليه وآله وسلم أن ينفي أي ملكية له لخزائن الله، قال تعالى:{ قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} (الأنعام:50)، وقال تعالى:{ وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ} (هود:31)

ولهذا أشار العارفون إلى أن حقيقة الفقر ـ التي هي الوصف الذاتي للمؤمن ـ لا تتنافى مع الغنى المادي،لأنهم يعتقدون أن ملكيتهم مجاز، وأموالهم معارة.

ولهذا كان لهذا الاعتقاد أثره الكبير في رفع الهمم إلى الله، فلا تنحني طالبة الأشياء من غيره، وكيف يطلب من غيره، وهو الفقر المحض، ولهذا كان الصالحون يترفعون على الملوك لمعرفتهم بملك الملوك، وقد أشار بعض العارفين لما قال له بعض الأمراء:( سلني حاجتك)، فأجابه العارف:( أوتقول لي هذا ولي عبدان هما سيداك) فقال:( ومن هما؟) قال:( الحرص والهوى، فقد غلبتهما وغلباك وملكتهما وملكاك) إلى أن الملك الذي يزعم لنفسه ملكية الخلق لا يملك حتى نفسه.

ولهذا لما سأل فرعون موسى عن حقيقة الله طالبا التعرف على الماهية قائلا:{ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ }  أجابه موسى u ببيان ملكية الله لجميع الأشياء، فقال:{ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} (الشعراء: 24)

وكأن موسى u يرد بهذه الإجابة على كل الأسس التي يقوم عليها تصور فرعون لألوهيته، وهو ما عبر عنه ذات يوم بقوله:{ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ} (الزخرف: 51)

ولذلك ـ أيضا ـ نفى الله تعالى أي ملكية لهؤلاء الجاحدين لما في خزائن الله، كما قال تعالى:{ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً} (الاسراء:100)، وقال تعالى:{ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} (الطور:37)

ومنها التأدب مع خلق الله، فلا ينسب ما لله لنفسه، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا يقل أحدكم عبدي وأمتي بل ليقل فتاي وفتاتي) ([66])

ومنها أن اعتقاد ملكية الله لكل شيء تخفف ذلك الحزن الذي يعتري القلوب عندما تفقد عزيزا عليها كان وهمها يصور لها ملكيته له، فإذا ما فقد منها عرفت أنه كان مجر عارية من الله لها، ولهذا نجد الاقتران في القرآن الكريم بين الملك ورحعة الأمور إلى الله، كما قال تعالى:{ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} (الحديد:5)

ولهذا أخبر تعالى عن الصابرين أنهم يعزون أنفسهم بهذا المعنى، كما قال تعالى:{ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة:155 ـ 156)، فهؤلاء الصابرون الموقنون بالله عرفوا أنهم وما يملكون ملك لله، فلذلك كان هذا المعنى هو علاج حر المصيبة التي ابتلوا بها.

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم مبينا آثار الرجوع إلى الله في هذا الحال:( ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها) ([67])

ومنها الشعور بالغنى بالله، فلذلك لا يخاف، وهو يعلم أن رزق الله المستمد من مالكيته للأشياء لا ينفذ، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم لبلال 🙁 أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا) ([68])

وقد حكى الله تعالى وهم المنافقين الذين كانوا يتصورون الرزق بأيدي الخلق، فقال تعالى:{ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ} (المنافقون:7)

وقد أخبرنا تعالى عن احتواء خزائن ملكه لكل شيء لنشعر ـ في أثناء شعورنا بصحبة الله ـ قرب تلك الخزائن منا، فنأخذ منهاباسم الله كل مانريد، قال تعالى:{ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} (الحجر:21)

وقد ربط في آية أخرى بين الخزائن واسمه الوهاب ليغرينا بطلب ما في خزائنه، كما قال تعالى:{ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} (صّ:9)

وهذا الاستغناء بالله هو الذي يخلصه من عبودية المال والأشياء، وفي ذلك تمام السعادة والراحة.

وبهذا يعيش المؤمن، وهو يرى كل شيء من الله حتى الطعام الذي يأكله، واللباس الذي يكسوه، وقد قال تعالى في الحديث القدسي:( يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم) ([69])

ومنها أن الشعور بملكية الله للأشياء يجعل المؤمن في سعادة تامة، وهو يتناول الأشياء بيد الله، فيراها هدايا ربانية مقدمة من الله للإنسان، ليفيض قلب الإنسان ومشاعره بجميع أنواع الحمد.

وبسر هذا المعنى يرتبط حمد الله ـ كما ورد في الآثار ـ بالأشياء، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثلا يعلمنا عندما نريد أن نلبس ثوبا أن نقول كما ورد في الحديث:( من لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه)

فقد جاء التعبير النبوي معبرا على أن الله هو الكاسي وهو الرازق، وأنه ليس للعبد من حول ولا قوة ليحقق لنفسه هذه المصلحة.

ولهذا ورد اللباس في القرآن الكريم بصيغة الإلباس، كما قال تعالى:{ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }

وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صيغ الذكر ما يغرس هذه المعاني في نفوسنا، أو ما يحوله إلى واقع حي يرفع أرواحنا، ويهذب سلوكنا، وقد ذكرنا طرفا من ذلك في بعض هذه الرسائل.

ثم إن أعظم نعمة تتجلى للمؤمن من خلال إدركه لملكية الله للأشياء أن تنجلي عن عينيه الغشاوة التي يقبع في وهمها الغافلون، كما قال تعالى:{ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} (يونس:66)

وهذا الوهم هو الذي جعلهم يتصرفون في الأشياء من المنطق الذي تزعمه لهم أهواؤهم، فلذلك { جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (الأنعام:136)

ونتيجة خلطهم وخبطهم أنهم يعبدون السراب، ويدعون من لا يملك شيئا، قال تعالى:{ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} (سـبأ:22)

2 ـ الله الملك:

كل الملوك يحكمون فيما لا يملكون إلا الله تعالى، فإنه الملك المالك، فهو ملك في ملكه حاكم فيه، فلذلك كان كل ما يفعله فيه ـ من ناحية العقل المجرد ـ جائز، فلا يسمى ظالما بحال من الأحوال.

ولكن الله تعالى برحمته كتب على نفسه أن لا يحكم الكون إلا بمقتضيات أسمائه الحسنى، التي هي كلها محامد وحكم ورحمة.

وحكم الله للكون ينتظم معنيين:

المعنى الأول هو ملكية التدبير القدري، وهو الذي يتولاه تعالى، فينفع ويضر، ويعطي ويمنع، ويرسل الريح أو يمسكها، وينشر رحمته على الأرض أو يقبضها على حسب ما تقتضيه حكمته وأسماؤه الحسنى.

وملكية التدبير التشريعي، والذي وكل للإنسان باعتباره خليفة، فأعطي من الحرية ما يجعله في موقف الاختيار المؤقت بين تنفيذ أوامر الله وعدم تنفيذها.

وسنتحدث عن كلا الملكين فيما يلي:

ملكية التدبير:

تولى الله تعالى ـ كما ذكرنا في الفصل الماضي ـ تدبير هذا الكون وتصريف مقاديره، فلم يكلها لأحد من خلقه، فكل ما يحدث في الكون بمشيئته وقدرته.

والله تعالى يرتب ذلك على ملكه للأشياء وتحكمه فيها، كما قال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} (التوبة:116)، فالملك والمالك له السلطة الكاملة في ملكه.

وآثار إدرك هذا المعنى كثيرة جدا كلها تملأ المؤمن بالمعرفة الراقية والسلوك الرفيع والذوق السامي:

فمن آثار هذه المعرفة التأدب مع الكون، واحترامه فقد وردت بها النصوص الكثيرة تنهى عن سب الريح أو الناقة أو الدهر لأن كل ذلك من الله.

أما سب الزمان والدهر، الذي يعني تقلبات الحوادث، فقد ورد النهي عنه في أحاديث كثيرة قال صلى الله عليه وآله وسلم:( قال الله عز وجل يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) ([70])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تسموا العنب الكرم ولا تقولوا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر) ([71])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الله عز وجل قال استقرضت عبدي فلم يقرضني وسبني عبدي ولا يدري يقول وا دهراه وا دهراه وأنا الدهر) ([72]

ونهى صلى الله عليه وآله وسلم عن سب الريح، وأخبر بأنها لا تتحرك حسب رغبتها، وإنما تتحرك بهدي الوحي الإلهي الذي يسير كل شيء، عن ابن عباس أن رجلا لعن الريح عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:( لا تلعن الريح فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه)([73])

وعلمنا صلى الله عليه وآله وسلم الطريقة الصحيحة في التعامل معها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( الريح من روح الله، فروح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها وسلوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها) ([74])

وقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم عقوبة من يسب بعض هذه الكائنات التي لا تملك من أمر نفسها شيئا، وهي عدم جواز الانتفاع بها، فعن عائشة أنها ركبت جملا فلعنته، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تركبيه)([75])

وفي ذلك أبلغ التحذير من التطاول على خلق الله.

بل إنه لا ينبغي احتقار حتى البعوض الذي قد يؤذينا بلسعه، قال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} (البقرة: 26)

بل إنه ينبه الذين يحتقرون بيت العنكبوت أن بيوتهم أوهن:{ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (العنكبوت:41)

وينبه الذين يحتقرون الذباب، فيقول:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} (الحج:73)

ومن آثار هذه المعرفة الراحة من منازعة الأقدار اكتفاء ببتقدير الله، وهي نتيجة مهمة، فإن العالم بتصريف الله للكائنات لا يحزن على ما يحصل له منها، أو ما يفوته من منافعها، لأن سبب الحزن هو فوات المقدور عليه، أما ما يعتقد استحالته فإن نفس استحالته تعزيه عن عدم حصوله عليه.

فلذلك لا يخاف مالك على ملكه، ما دام الله هو مؤتي الملك ونازعه، فإن أتى فبفضل الله، وإن ذهب فبقدرة الله، ولن تستطيع قوة في العالم نزعه أو تثبيته، قال تعالى:{ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران:26)

ولا يخاف على رزقه ما دام الله هو الرازق قال تعالى:{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} (يونس:31)

ولا يخاف الضر، ولا يرجو النفع من غيره، قال تعالى:{ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (يونس:49)

وهكذا في جميع شؤون حياته، قال الغزالي مبينا التأثير النفسي لهذه المعارف:(.. أن ينكشف لك أن لا فاعل إلا الله تعالى، وأن كل موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع وحياة وموت وغنى وفقر إلى غير ذلك مما ينطلق عليه اسم فالمنفرد بإبداعه واختراعه هو الله عز وجل لا شريك له فيه، وإذا انكشف لك هذا لم تنظر إلى غيره، بل كان منه خوفك وإليه رجاؤك وبه ثقتك وعليه اتكالك، فإنه الفاعل على الانفراد دون غيره، وما سواه مسخرون لا استقلال لهم بتحريك ذرّة من ملكوت السموات والأرض، وإذا انفتحت لك أبواب المكاشفة اتضح لك هذا اتضاحاً أتم من المشاهدة بالبصر) ([76]

وهذه المعارف إذا انصبغ بها كيان الإنسان وتوحد قلبه عند النظر للكون أو التعامل معه هو الكفيل الوحيد بتحقيق الراحة والسعادة والطمأنينة.

لأن مصدر القلق والاضطراب هو الشتات الذي يحصل في الإنسان نتيجة رؤية الأشياء قائمة بذاتها، فتتوزع في نفسه الرغبة منها أو الرهبة، وهي متناقضة مختلفة، فيحصل فيه من التناقض بحسبما في الأشياء من تناقض.

أما إذا رآها جميعا بيد الله، فإن قلبه يتوحد مع الله.

ومن آثار هذه المعرفة اللجوء إلى الله لا إلى الكون، وطلب الأشياء من الله لا من الأشياء، فالله هو المتصرف لا الأشياء.

ومن الحماقة أن نترك الآمر ونتوجه إلى المأمور، وقد ذكر الغزالي مثالا يبين تهافت الذين ينسبون الأشياء إلى ما يتوهمونه، ثم يلجؤون إليه بضراعة والرجاء بقوله:( فالتفات العبد في النجاة إلى الريح يضاهي التفات من أخذ لتحز رقبته فكتب الملك توقيعاً بالعفو عنه وتخليته، فأخذ يشتغل بذكر الحبر والكاغد والقلم الذي به كتب التوقيع يقول: لولا القلم لما تخلصت، فيرى نجاته من القلم لا من محرّك القلم وهو غاية الجهل. ومن علم أنّ القلم لا حكم له في نفسه وإنما هو مسخر في يد الكاتب لم يلتفت إليه ولم يشكر إلا الكاتب، بل ربما يدهشه فرح النجاة وشكر الملك والكاتب من أن يخطر بباله القلم والحبر والدواة والشمس والقمر والنجوم والمطر والغيم والأرض، وكل حيوان وجماد مسخرات في قبضة القدرة كتسخير القلم في يد الكاتب) ([77])

ولهذا وردت النصوص الكثيرة تدعونا إلى طلب منافع الكون من الله، ولو كانت هذه المنافع مما ننسبه إلى أنفسنا أو ننسبه إلى الطبيعة.

ففي الوقت الذي يستسقي فيها الجاهلون بالأنواء، أو يقولون ما يقول قوم هود حين رأو سحاب العذاب، مما قصه علينا الله تعالى، قال تعالى:{ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} (الاحقاف:24)

في ذلك الوقت يتوجه المؤمنون إلى الله رب المطر ومنزله بالدعاء والعبودية، وقد وردت صيغ رقيقة عميقة في الاستسقاء تبين الروح التي يتعامل بها المؤمن مع الأشياء والحوادث.

ومنها ما ما روي أن الناس شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوما يخرجون فيه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبر وحمد الله عزوجل، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله سبحانه أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين)

ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره وقلب، أو حول رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين.

وكانت النتيجة هذا الدعاء، وما اشتمل عليه من مظاهر الذلة لله تعالى أن ( أنشأ الله تعالى سحابة، فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى، فلم يأت مسجدَه حتى سالت السيولُ، فلما رأى سرعتَهم إلى الكِنّ([78]) ضحك صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه، فقال:( أشْهَدُ أنَّ اللَّهَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) ([79])

ومثلما طلب صلى الله عليه وآله وسلم السقيا من الله طلب الصحو من الله، فقد روي أنه لما كثر المطر سألوه الإستصحاء فاستصحى لهم وقال:( اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والجبال والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر) ([80])

ومثل اللجوء إلى الله في الاستسقاء وطلب المنافع التي أودعها الله المطر، اللجوء إلى الله في جميع المنافع، وحمد الله عند حصول كل خير.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا طلعت الشمس قال:( الحمد لله الذي جللنا اليوم عافيته، وجاء بالشمس، من مطلعها، اللهم أصبحت أشهد لك بما شهدت به لنفسك، وشهدت به ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك إنك أنت الله لا إله إلا أنت القائم بالقسط، لا إله إلا أنت العزيز الحكيم، اكتب شهادتي بعد شهادة ملائكتك وأولي العلم، اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك السلام، أسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تستجيب لنا دعوتنا، وأن تعطينا رغبتنا، وأن تغنينا عمن أغنيته عنا من خلقك، اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معيشتي، وأصلح لي آخرتي التي إليها منقلبي) ([81])

***

بعد هذا نحب أن نشير هنا إلى مسألة مهمة لا تتنافى مع تفرد الله بالتدبير، وهي أن الله تعالى قد يوكل تنفيذ بعض هذه التدابير إلى بعض خلقه، فالله هو الآمر وعباده هم المنفذون، ولذلك جمع القرآن الكريم بين كون الله تعالى هو المتوفي المميت، وبين الإخبار بتوكيل الملائكة بذلك:

فقال تعالى في الأول، وهو الذي يقرر توحيد الله، ونفي الوسائط:{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (البقرة:28)، وقال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَكَفُورٌ} (الحج:66)، وقال تعالى:{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الروم:40)، وقال تعالى:{ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الزمر:42)

ولذلك عرف إبراهيم الله تعالى للملك الطاغية بقوله:{ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} (البقرة: 258)، وفي موقف آخر، قال إبراهيم u:{ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} (الشعراء:81)

وقال تعالى عن الثاني:{ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} (لأنفال:50)، وقال تعالى:{ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُون} (الأنعام: 93)

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن ( أن ملك الموت إذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة المنكرة يقول: اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى سموم وحميم وظل من يحموم، فتتفرق في بدنه، فيستخرجونها من جسده كما يخرج السفود من الصفوف المبلول، فتخرج معها العروق والعصب) ([82])

وإلى هذا الباب الإشارة بقوله تعالى:{ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} (النازعـات:5)، وقد روي في تفسيرها عن ابن عباس أنها ( الملائكة وكلت بتدبير أحوال الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك)

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التدبير الموكل للملائكة، فقال تعالى:{ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6)} (المرسلات)، وقال تعالى:{ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5)} (النازعات)

وقال تعالى عن ملائكة العذاب:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم:6)

وقال عن تنزل ملائكة الرحمة:{ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} (القدر:4)

وقد ورد في الأحاديث الشريفة تفاصيل أكثر في ذلك ذكرناها في محلها من هذه الرسائل:

ومنها أنه تعالى وكل بالجبال ملائكة، وقد ورد في الحديث الشريف أنه صلى الله عليه وآله وسلم جاءه ملك الجبال يسلم عليه ويستأذنه في هلاك قومه إن أحب، فقال:( بل أستأني لهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا) ([83])

ومنها أنه وكل بكل عبد أربعة من الملائكة في هذه الدنيا، حافظان عن يمينه وعن شماله يكتبان أعماله، ومعقبات من بين يديه ومن خلفه أقلهم اثنان يحفظونه من أمر الله.

وهكذا ورد في النصوص الإخبار بأن كل حركة في العالم سببها تنفيذ الملائكة لأمر الله.

* * *

 قد يقال هنا: فالأمر إذن موكول للملائكة، فكيف يقال بتفرد الله في التدبير؟ وكيف يقال هذا، وقد عرفنا في المبحث السابق عدم الوسائط؟

والجواب عن ذلك: هو أن الله تعالى أخبر عن طبيعة الملائكة، وهي الانقياد التام لله، فيستحيل على طبيعتها أن تنفذ غير ما طلب منها، ولهذا كان اسمها مشتقا من ( الألوكة)، وهي الرسالة، فهم رسل الله في تنفيذ أوامره.

وقد قال تعالى في وصفهم:{ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} (الانبياء:27)، وقال:{ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} (التحريم: 6)، فأخبر تعالى أنهم لا يعصونه في أمره، وأنهم قادرون على تنفيذ أوامره ليس بهم عجز عنها.

وقد ورد في الحديث الصحيح كيفية تلقي الملائكة ـ عليهم السلام ـ لأوامر الله بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: للذي قال: الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترقوا السمع ومسترقوا السمع هكذا واحد فوق آخر فربما لم أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى يلقوها إلى الأرض فتلقى على فم الساحر فيكذب معها مائة كذبة فيصدق، فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقا للكلمة التي سمعت من السماء) ([84])

بل إن الطاعة المطلقة التي جبل عليها الملائكة تجعلهم يحبون ويبغضون بمجرد علمهم بمحبة الله وبغضه، مع أن الحب والبغض من المشاعر المستعصية، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه! فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه! فيحبه أهل، ثم يوضع له القبول في الأرض؛ وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغضه؛ فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله تعالى يبغض فلانا فأبغضوه! فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض) ([85])

ولذلك أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن رجوع الملائكة لله في كل ما تشك فيه أو تحتاج إليه، كما أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن الملك الموكل بالرحم أنه يقول:( يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة يا رب ذكر أم أنثى فما الرزق فم الأجل وشقي أم سعيد) ([86])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن رجوع الملائكة السياحين لله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن لله ملائكة سياحين في الأرض فضلا عن كتاب الناس، يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ فيقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، فيقول: هل رأوني؟ فيقولون لا والله ما رأوك فيقول: كيف لو رأوني؟ فيقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد تمجيدا وأكثر لك تسبيحا، فيقول: فما يسألوني فيقولون: يسألونك الجنة فيقول هل رأوها فيقولون لا والله يا رب ما رأوها فيقول: فكيف لو أنهم رأوها فيقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ فيقولون: من النار فيقول: عز وجل هل رأوها؟ فيقولون لا والله يا رب فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم فيقول: ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) ([87]

ملكية التشريع:

بناء على كون الله هو المدبر الأوحد للكون، فإنه ينبغي التسليم له بكونه المشرع الأوحد للكون، ذلك أن الكون لا يقوم إلا بخالقه، فالخالق أعلم بخلقه، ولذلك كان الانحراف عن هذا النوع من الملكية انحرافا خطيرا عن الفطرة الأصلية التي خلق الله عليها كل شيء.

والأمر في ذلك الحين يشبه السرطان الذي تنحرف خلاياه عن المسارات التي رسمت لها، فتروح ترمي جسد صاحبها بأنواع المهالك.

ولهذا تدارك الله برحمته عباده، فأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وبعث فيهم المعلمين، لتستقيم حياتهم وفق السنن التي استقام عليها الكون جميعا.

وقد عبر عن هذا النوع من الملكية قوله تعالى ـ آمرا كل مسلم أن يقول ـ:{ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام:162)، فقد عبر القرآن الكريم في هذه الآية عن الصلاة والنسك والمحيا والمماة بلام الملكية، ليبين أن المؤمن هو الذي يسلم كل ذلك لله.

ولهذا كان الحكم بغير ما أنزل الله كفرا وجحودا، كما قال تعالى:{ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)}(المائدة)

لأن الذي يأكل رزق الله، ويعيش في ملك الله، ثم يعصي أمره، جاحد لم تتوفر له أدنى القيم الأخلاقية.

ولهذا كان الصالحون يربطون بين ملكية الله للأشياء، وبين حقه في العبادة، ومما يروى في ذلك ما روي أن رجلاً جاء إلى بعضهم، فقال له: إني مسرف على نفسي فاعرض علي ما يكون لها زاجراً ومستنقذاً لقلبي قال: إن قبلت خمس خصال وقدرت عليها لم تضرك معصية ولم توبقك لذة قال: هات يا أبا إسحاق! قال: أما الأولى فإذا أردت أن تعصي الله عز وجل فلا تأكل رزقه قال: فمن أين آكل وكل ما في الأرض من رزقه؟ قال له: يا هذا! أفيحسن أن تأكل رزقه وتعصيه؟ قال: لا هات الثانية! قال: وإذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئاً من بلاده قال الرجل: هذه أعظم من الأولى! يا هذا! إذا كان المشرق والمغرب وما بينهما له فأين أسكن؟ قال: يا هذا! أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه؟ قال: لا هات الثالثة! قال: إذا أردت أن تعصيه وأنت تحت رزقه وفي بلاده فانظر موضعاً لا يراك فيه مبارزاً له فاعصه فيه قال: يا إبراهيم! كيف هذا وهو مطلع على ما في السرائر؟ قال: يا هذا! أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه وهو يراك ويرى ما تجاهره به؟! قال: لا هات الرابعة! قال: إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك فقل له: أخرني حتى أتوب توبة نصوحاً وأعمل لله عملاً صالحاً قال: لا يقبل مني! قال: يا هذا! فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب وتعلم أنه إذا جاء لم يكن له تأخير فكيف ترجو وجه الخلاص؟! قال: هات الخامسة! قال: إذا جاءتك الزبانية يوم القيامة ليأخذونك إلى النار فلا تذهب معهم قال: لا يدعونني ولا يقبلون مني قال: فكيف ترجو النجاة إذاً؟! قال له: حسبي حسبي! أنا أستغفر الله وأتوب إليه ولزمه في العبادة حتى فرق الموت بينهما.

ونحب أن ننبه هنا إلى أن التشريع الذي أمرنا الله به ليس إلا تكميلا للتكوين الذي فطرنا عليه.

وكمثال مقرب لذلك أن صانع الآلة يصنع للآلة كل ما تحتاجه لأداء وظيفتها على أكمل وجه، ولكن آلته مع ذلك لا يمكن أن تؤدي وظيفتها إلا إذا تعامل معها صاحبها وفق ما تتطلبه خصائصها..

فمثلا لو أن الآلة تحتاج إلى كمية كهرباء قليلة، لكن صاحبها أسرف، وأعطاها فوق حاجتها، فإن ذلك قد يتلفها..

وهكذا الأمر مع خلق الله..

فالله تعالى خلق الخلق، وهو أعلم بحاجاتهم، ولهذا لم يأمرهم إلا بما يصلح لنفوسهم وأجسادهم وعقولهم وقلوبهم، فمن خالف ذلك لم يلق إلا الهلاك، والهلاك في هذه الحالة لم يأته من مصدر خارجي، وإنما أتاه من نفسه.

وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى:{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طـه:124)

وفي مقابل هؤلاء من نفذ أوامر الله، كما قال تعالى:{ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل:97)

ولا نحتاج هنا إلى ذكر الأدلة على ذلك.. فالحياة كلها أدلة عليها.

ثالثا ـ الحمد

السر الثالث للحكمة، والذي تفهم به أسرار المقادير، ويجتمع شتاتها، وينحل ما يتوهم منها من تناقض هو التعرف على معنى الحمد، وكونه الغاية التي تنتهي إليها المعرفة بالله، والتي هي مقصد الكون.

ومما يدل على كون الحمد غاية من غايات الخلق أن جميع الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وجهوا أقوامهم إلى شكر الله:

فهذا موسى – عليه السلام – يخاطب قومه الجاحدين المخاصمين لربهم، الذين غمر القنوط حياتهم، فصاروا ينظرون بعين سوداوية لكل الأشياء، فلا يرضيهم شيء، ولا تسعدهم نعمة، بالشكر، فيقول الله تعالى:{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} (ابراهيم:6)

وفي آية أخرى يأمرهم – عليه السلام – بذكر نعم الله المعنوية عليهم، يقول تعالى:{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ} (المائدة:20)

وقال تعالى عن نوح ـ عليه السلام ـ هو يعدد نعم الله على قومه:{ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20)} (نوح)

ومما يدل عليه كذلك أن عصارة أولياء الله وخلاصتهم هم الذين تحققوا بهذا المقام العالي، كما قال تعالى:{ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (سـبأ:13)، فقد أمر الله تعالى آل داود في هذه الآية أن يعملوا بحال الشكر، باعتباره أعلى الأحوال.

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يعبد الله من خلال هذا المقام العالي، ولهذا قال معللا كثرة عبادته لربه: (أفلا أكون عبداً شكوراً، ولم لا أفعل ذلك، وقد أنزل الله تعالى علي:{ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } (آل عمران:190)

ومما يدل على قيمة الحمد باعتباره من غايات الخلق قرنه بالإيمان، فالله تعالى يقول:{ ما يَفْعَلُ اللّه بِعَذَابِكُمْ إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنْتُمْ } (النساء:147)، فلم تكتف الآية بالإيمان، بل ضمت إليها الشكر.

وقرن كذلك بالذكر، كما في قوله تعالى:{ فاذْكُروني أذْكُرْكُمْ واشْكُروا لي ولا تَكْفُرُونِ } (البقرة:152) مع أن الذكر قد عظم بقوله:{ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} (العنكبوت: 45)، فصار الشكر أكبر لاقترانه به.

ومما يدل على هذه المنزلة اعتبار عدم الشكر كفرا، كما قال تعالى:{ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} (البقرة:152)

***

بعد هذا، فإن القرآن الكريم يخبرنا بأن نعم الله تتجلى في كل شيء.. تتجلى في عالم الخلق وعالم الأمر.. أو في عالم التكوين وعالم التشريع.. ولهذا يذيل الله عالم الخلق والأمر في القرآن الكريم بالأمر بالشكر والثناء على الله، فلا يعرف الله من لم يشكر الله.

1 ـ عالم الخلق:

ففي عالم الخلق، يدعونا الله تعالى إلى التأمل في عالم البحار، وما يزخر به من فضل الله، قال تعالى:{ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الجاثـية:12)، ويقول:{ وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (فاطر:12)، ويقول:{ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:14)

وفي عالم المياه.. ذلك العالم الذي تنطلق منه الحياة، وبه تستمر، يوجهنا الله إلى التأمل في عذوبته، فيقول:{ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) } (الواقعة)

وفي عالم النفس.. ذلك العالم الذي به يعبد الله، وبه يعرف، يوجهنا الله إلى ما أودع فيه من قوى تستدعي الشكر، فيقول:{ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} (الملك:23)، ويقول:{ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} (السجدة:9)، ويقول:{ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} (المؤمنون:78)، ويقول:{ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:78)

وفي عالم الطبيعة بظواهرها المختلفة.. يقول الله تعالى:{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الروم:46)، ويقول:{ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (القصص:73)

وفي عالم الحفظ الإلهي للإنسان وحياة الإنسان، يقول الله تعالى:{ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (لأنفال:26)، ويقول:{ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} (لأعراف:10)

وكل هذه الآيات ينطلق منها المؤمن ليعيش في صحبة الكون صحبة ممتلئة بالتفاؤل والجمال، فهو لا يرى الكون بسوداوية مقيتة، بل يراه نورا صرفا لا يحمل إلا السعادة.

ولذلك كانت مقادير الله في عالم الخلق المرتبط بالنشأة الأولى هي الدليل الأول لمقادير الله في عالم الخلق المرتبط بالنشأة الآخرة.

فالمؤمن لا يستغرب ما يدخر الله له من خزائن جوده في الآخرة، ما دام يرى هذه الخزائن مفتوحة في الدنيا.

وإلى هذا الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ليس على أهل لا إله الا الله وحشة في الموت ولا في الحشر ولا في النشر كأنى أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب يقولون: الحمد لله الذى اذهب عنا الحزن)([88])

هذه بعض أنوار الرجاء التي يبثها النظر الحامد للكون.. ولذلك لا يصيب المؤمن أي ألم أو أي حزن، وهو يختزن في نفسه هذه المعارف الجليلة.

وننبه هنا إلى ناحية مهمة ربما تكون الإشارة إليها في بداية القرآن الكريم بسورة الفاتحة، وهي قوله تعالى:{ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الفاتحة:2)، ومثلها قوله تعالى:{ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (الضحى:11) على اعتبار (ربك) هي موضوع النعمة.. وهذا، وإن لم تسمح به اللغة لكن معناه صحيح.. فالمؤمن ـ أول ما يستشعره من نعم الله ـ هو نعمة (الله).. فكون الله ربنا.. نعمة لا يمكن تصورها، ولا تقديرها، لأن كل ما يأتي من النعم نتيجة عنها.

2 ـ عالم الأمر:

ومثل عالم القدرة الإلهية التي أبرزت هذه المكونات الجميلة التي تملأ النفس انشراحا ومحبة وتفاؤلا.. كانت أوامر الله.. فهي أوامر لا تختزن إلا التفاؤل والمجبة والرحمة.. وكلها لا تملأ القلب إلا حمدا لله ورضى عنه وثناء عليه.

ولهذا عبر الله تعالى عن علة أوامره، مقارنة بأوامر الشياطين، فقال:{ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } (البقرة:268)

ولهذا يختم الله تعالى أوامره على عباده بالحث على شكرها:

فيختم أمره بالصوم بالشكر لله، يقول تعالى:{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة:185

ويختم أمره بالطهارة بالشكر لله، يقول تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة:6)

ويختم ما أمر به من كفارات الأيمان بالشكر لله، يقول تعالى:{ لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة:89)

ويختم أوامره المرتبطة بالنسك بالشكر لله، يقول تعالى:{ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الحج:36)

وانطلاقا من هذا كانت أوراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي سنها لورثته تمتلئ بالمحامد، وكا يحض على هذه المحامد وامتلاء القلب بها، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ألا أدلك على شئ هو اكثر من ذكرك الليل مع النهار، والنهار مع الليل قل الحمد لله عدد ما خلق والحمد لله ملا ما خلق، والحمد لله عدد ما في السموات والارض والحمد لله عدد ما احصى كتابه والحمد لله عدد كل شئ والحمد له ملا كل شئ وسبحان الله عدد ما خلق، وسبحان الله ملا ما خلق وسبحان الله عدد ما في السموات والارض وسبحان الله عدد ما احصى كتابه، وسبحان الله عدد كل شئ، وسبحان الله ملا كل شئ، تعلمهن وعلمهن عقبك من بعدك)([89])

ويقول صلى الله عليه وآله وسلم:( ان الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله اكبر لتساقط من ذنوب العبد كما تساقط ورق هذه الشجرة)([90])

رابعا ـ القدرة

السر الرابع للحكمة، والذي تفهم به أسرار المقادير، ويجتمع شتاتها، وينحل ما يتوهم منها من تناقض هو إدراك قدرة الله المطلقة.. فالله خلق الخلق ليدرك الخلق قدرته التي تتجلى في كل شيء، ولا يعجزها شيء.

ولذلك كان أعرف الخلق بالله، أعظمهم معرفة بقدرته، وكان أجهل الخلق بالله أعظمهم جهلا بقدرته.

ولذلك كان أسعد الخلق بالله، وأفرحهم به، وأعظمهم أملا فيه هو من عرف قدرته التي لا تحدها الحدود، ولا يقف في وجهها شيء.

ولذلك كان أشقى الخلق، وأكثرهم حزنا، وأضيقهم صدرا، وأجزعهم عند كل مصيبة من حجبت عيبنا بصيرته عن قدرة الله.

والأمر في ذلك يشبه رجلين:

أما أحدهما.. فكان يلتجئ إلى قوي قادر حكيم طبيب كريم شجاع.. يشفيه من كل داء، ويخلصه من كل عدو، ويغنيه من كل فاقة، ويسد له كل حاجة.

وأما الثاني.. فلم يكن له من يلتجئ إليه، فكان يقف أمام كل عقبة، حزينا يائسا محبطا ممتلئا هما وغما.

فأما الأول.. فذلك الذي يعرف الله.. ويعرف قدرة الله التي لا تحدها الحدود، ولا تقف في وجهها العقبات.

وأما الثاني.. فذلك الذي لا يعرف الله.. أو يعرفه، ولكنه يعرفه إلها عاجزا ممتلئا ضعفا، فلا يحل له معضلة، ولا يعينه في مصيبة.

وقد اعتبر القرآن هذا الثاني مشركا بالله.. لأن الشرك هو اعتقاد ند لله، وأي ند أعظم من ذلك الذي يحول بين الله وبين تنفيذ قدرته.

ولهذا يمن الله على المؤمنين بإلههم القادر على كل شيء في مقابل الذين تعلقوا بآلهة من القش، تفر منهم أحوج ما يكونون إليها.

قال تعالى في وصف الآلهة التي تعلق بها هؤلاء المشركون:{ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (العنكبوت:41)

وذكر العجز الذي تمتلئ به آلهتهم، فقال:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} (الحج:73)

فهذه الآلهة العاجزة تعجز حتى عن خلق ذبابة، بل أبلغ من ذلك أنهم عاجزون عن مقاومته والانتصار منه، لو سلبها شيئًا من الذي عليها من الطيب، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك، مع الذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها ولهذا قال تعالى:{ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ }، فسوى بين الطالب والمطلوب.

ولهذا، فإن إبراهيم u في محاجته للنمروذ، ذكر له هذه الناحية، قال تعالى:{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (البقرة:258)

***

 قد يقال هنا: إن ما ذكر من قدرة الله ربما ينسجم مع تلك العصور التي لم تظهر فيها الطائرات والحواسيب.. وهذا التقدم التقني العظيم.

أما الآن.. وبعد أن عرفنا أسرار سنن الكون.. فلا نحتاج إلى هذه المعرفة.

والجواب عن ذلك: هو ما ذكره القرآن.. فتحدي القرآن للآلهة بالذبابة لا زال قائما.

ونحن نقول لهؤلاء الذين استعبدتهم التكنولوجيا: اخلقوا لنا ذبابة واحدة كما ذكر القرآن.. أما إن عجزتم، فلا ينبغي إلا أن تخضعوا للذي خلق ملايير ملايير من الذباب.. بل الذي خلق هذا الكون الواسع الذي يمتلئ بكل أنواع القدرة، والذي لا يشكل الذباب إلا عنصرا ثانويا، بل مرفوضا فيه.

قد لا يعلم المدى الذي يحمله هذا الجواب لعامة الذين ربما يغترون بمنتجات التكنولوجيا، ويتصورونها أعظم خلقا من الذباب.

ولكن العلماء.. كل العلماء.. يدركون هذا..

إنهم يدركون أن الإنسان لو تمكن من خلق ذبابة واحدة، فإنه بذلك يكون قد أنجز أعظم إنجاز في تاريح البشرية جميعا.

فلا نستطيع بحال من الأحوال أن نقيس السفينة الفضائية أو العقل الالكتروني أو أي منجو من منجزات هذه الحضارة بخلق ذبابة ([91]).

فليس في هذه المنجزات ـ مع احترامنا لها، بل اعتقادنا أنها من فضل الله على عباده ـ أي نمو أو رشد، ويستحيل أن تنجب مثيلا لها، ولا يمكنها من داخل نفسها ترميم ما يطرأ عليها من الأضرار، فهي لا تصلح قطعها التالفة أبداً، وهي فوق ذلك تحتاج إلى الهداية والقيادة من الخارج.

أما الذبابة، فلها من هذه الجهات أفضلية واضحة على تلك السفينة الفضائية أو جهاز الكومبيوتر.. ولكن كثرة الذباب أدى إلى تصوره من قبلنا كموجود حقير، ولو كانت هنالك ذبابة واحدة فقط في العالم لاتضح آنذاك مدى ما سيوليه العلماء لها من الاهتمام.

وهذا الكلام لا نقوله نحن.. ولا يقوله فقط علماء المسلمين.. ولا يقوله قبل ذلك القرآن..

بل هو علم من العلم لا يصير العالم عالما إلا إذا علمه.

يقول (البروفيسور هانز):( سوف يصل الانسان بعد ألف سنة إلى سر الحياة، ولكن هذا لا يعني أنه سيستطيع صناعة ذبابة أو حشرة أخرى أو حتى خلية حية)

ويرد (كرسي مورسن) رئيس اكاديمية العلوم بنيويورك في كتاب (سر خلق الانسان) على هيجل، فيقول:( قال هيغل: أعطوني الهواء والماء والمواد الكيمياوية والزمان وسوف أخلق بها إنساناً. لكن هيغل نسي أنه بحاجة إلى نطفة وجرثومة الحياة من أجل هذا المشروع ايضاً. إنه بعد أن يجمع الذرات اللامرئية ويرتبها إلى جانب بعضها ضمن نظام وترتيب خاص بخلقة الأنسان، عليه أن يمنح الروح لهذا القالب! وعلى فرض أنه وُفّق للقيام بكل هذه الاُمور الخارقة للعادة، هنالك احتمال واحد فقط من بين ملايين الاحتمالات لظهور حيوان لم تشاهد عين الدهور شيئاً أغرب منه. والأعجب هو أن هيغل لن يقول بعد الموفقية في هذا الأمر أن هذا الموجود العجيب ظهر بحسب التصادف والاتفاق، بل يقول:( إن ذكائي ونبوغي هو الذي خلقه)([92])

ويقول (جورج والد) أستاذ علم الأحياء في جامعة (هارفارد):( من أجل تشكيل البروتين يجب التحام مئات أو آلاف الجزئيات (أحماض أمينية) بنِسب مختلفة وبأشكال متنوعة على شكل سلسلة، وإن عدد أنواع البروتينات لا محدود حقاً، لأنه لايمكن العثور على نوعين من الحيوانات يكون لهما نوع واحد من البروتينات، إذن فجزيئات المواد العضوية تشكل مجموعة عظيمة لا حدود لتنوعها وتعقيدها يبعث على الحيرة، ومن أجل صنع موجود حي واحد لا نحتاج إلى مقدار كاف ونسب معينة من انواع البروتينات اللامتناهية فحسب، بل يجب ترتيبها ترتيباً صحيحاً أيضاً، أي ان بناءها له من الأهمية ما لتركيبها الكيمياوي من الأهمية.. إن بناء البروتينات معقد حقاً، وإن أعقد الأجهزة التي صنعها الانسان (كالعقل الألكتروني) هي بحكم الألعوبة مقابل أبسط الكائنات الحية! يكفي الانسان أن يفكر في هذه العظمة لتتضح له استحالة الخلقة الذاتية أو التصادفية)

***

بعد هذا نتساءل عن بعض آثار هذه المعرفة في نفس المؤمن، المؤمن الذي يتهم بأن إيمانه بالقدر قد ملأه بالعجز والجهل والخرافة لنرى علاقة الإيمان بالقدرة، أو علاقة النظر إلى قدرة الله التي بث مظاهرها في أكوانها في بث العزيمة في نفس المؤمن وفي ملئه بالعلم والعقل.

1 ـ العزيمة:

أما العزم الناشئ عن معرفة قدرة الله، فلا يمكن تصوره، فالمؤمن الذي يرى نفسه مستندا للقدرة التي لا يعجزها شيء، لا يخاف من أي شيء، وكيف يخاف والله ربه.

ولهذا اعتبر الله تعالى من أسباب الرعب الذي يملأ النفوس الشرك، فقال تعالى:{ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} (آل عمران:151)، فقد اعتبر الله تعالى في هذه الآية شركهم مصدر رعبهم.

والرعب منبع من منابع الضعف.. بل لا يمكن لشخص يمتلئ أن يفعل أي شيء.

وقد ذكر الله تعالى في مقابل هذا مواقف المؤمنين الصادقين الذين ملأوا قلوبهم بالله، فرزقهم الأمن التام، والسكينة المطلقة:

فهذا إبراهيم u وحده في الأرض يوحد الله، ووحده في الأرض يعبد الله، وتدعوه غيرته على أن يعبد غير الله، ورأفته على الجاهلين بالله، فيتحدى قومه، ويتحدى الأرض معهم، فيحطم الأصنام من غير خوف ولا وجل، وهو يدرك المصير الذي يتعرض له من يحطم تلك الأوثان المقدسة.

ولكن إبراهيم u انشغل بالله، وبجوار الله عن كل المخاوف التي يتذرع بها الخلق، وعندما خوفه قومه من آلهتهم التي دعا إلى نبذها، قال متعجبا:) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (الأنعام:81)

فإبراهيم u في ذلك الموقف كان يقارن بين القوة الوهمية التي يستند إليها قومه، والقوة الوهمية التي كانوا يتصورون أنهم يملكونها، وبين قوة الله تعالى، فأخبر أن قومه أولى بالخوف منه.

وقد عقب الله تعالى على قول إبراهيم u مقررا هذه الحقيقة المطلقة، ومقننا هذه السنة الإلهية التي لا تتخلف، قال تعالى:{ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } (الأنعام:82)

وعلى خطى إبراهيم u سار أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين { قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران: 173)

وقد جمع ابن عباس بين القدوة والمقتدي في قوله عن شعار التوجه إلى الله والاكتفاء به:( حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم الخليل عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم)

والمؤمن لذلك يقارن دائما بين القوى الوهمية التي تتحداه، وبين قوة الله، فتطيش كل القوى، وتزول معها كل المخاوف.

وبخلاف هذا نجد الغافلين والجاحدين أكثر الناس مخاوف، فهم يخافون كل شيء، وقد يدركون ما يخافون، وقد لا يدركون كما عبر بعضهم عن نفسه بقوله عن مخاوفه التي لا تنتهي، والتي لا يعلم لها سببا:( إنني أعيش في خوف دائم، في رعب من الناس والأشياء، ورعب من نفسي، لا الثروة أعطتني الطمأنينة، ولا المركز الممتاز أعطانيها ولا الصحة، ولا الرجولة، ولا المرأة، ولا الحب، ولا السهرات الحمراء.. ضقت بكل شيء، بعد أن جربت كل شيء)

فالمعرفة الصحيحة بالله والتي تتولد عنها جميع المعارف، وتصحح بها جميع الفهوم، وتنشق عنها جميع المشاعر هي التي تقي المؤمن من الخوف الذي يستعبد الناس.

2 ـ العلم:

أما العلم، فإن معرفة قدرة الله تعالى تملأ النفس بالعلم الصحيح.. العلم الذي ليس معه جهل.. والعلم الذي لا ينتج إلا العلم.

والاستدلال لهذا لا يحتاج منا أي تكلف، فمقارنة مقولات المؤمن التي تفسر الكون، وقوانين الكون، والتي ترجعه إلى قدرة الله التي لا يعجزها شيء، لا يمكن مقارنتها بتلك المقولات الكثيرة التي أفرزتها الفلسفات المختلفة.

فقدرة الله هي التفسير الحقيقي لكل الظواهر.. وهو تفسير علمي منطقي لا تتكلف العقول في تقبله.

3 ـ العقل:

أما العقل، وهو المنهج السليم للتفكير.. فليس ذلك إلا لمن يؤمن بقدرة الله.

ولهذا كان الدهريون الذين أنكروا قدرة الله على البعث أجهل الخلق بالله، وأبعد الناس عن مقتضيات عقولهم.

وقد ذكر الله تعالى المنطق الذي يفكر به هؤلاء، فقال:{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَافْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (8)} (سبأ)، فالضلال البعيد ـ هنا ـ هو ذلك الضلال عن مستلزمات العقول السليمة.

ولهذا يوجههم الله تعالى إلى النظر في دلائل القدرة التي تنطق بكل لسان، قال تعالى:{ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً} (الاسراء:99)، وقال تعالى:{ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} (يّـس:81)

وهو يوجههم إلى النظر في أصل الخلق.. فمن قدر على أن يخلق لن يعجز على أن يعيد، قال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الروم:27)

وقال تعالى:{ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)} (يس)

وقال تعالى:{ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً (99)} (الإسراء)

وقال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)} (الروم)

4 ـ الأمل:

أما الأمل.. فليس له إلا باب واحد هو الإيمان بقدرة الله التي لا تحد.

ذلك أن سبب اليأس هو اعتقاد العجز.. فمن عرف أن في قدرة الله أن يحقق له كل أمنية، فإنه سيعيش ممتلئا بالأمل السعيد الذي تنهض به الحياة، وتستقر به النفس.

وقد ربط الله تعالى بين الأمل والقدرة وتحقيق المطالب في قصة زكريا u..

فقد كان زكريا محبا للولد.. وكان يود لو سأل الله ذلك.. ولكنه كان يتوقف كل حين.. إلى أن رأى ما دعاه لأن يسأل ذلك السؤال الذي كان يملأ عليه نفسه.

قال تعالى يربط بين الإيمان بالقدرة المعجزة، وبين الأمل:{ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)} (آل عمران)

وهكذا كان الأمل في قدرة الله التي لا يعجزها شيء هو الحادي الذي يسوق المؤمنين للحياة السعيدة المستقرة مع الله.


([1]) رواه البخاري في الأدب.

([2]) رواه البيهقي في الشعب.

([3]) رواه أبو داود.

([4]) رواه أحمد ومسلم.

([5]) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.

([6]) رواه ابن السني والطبراني في الكبير.

([7]) رواه ابن النجار.

([8]) رواه البخاري ومسلم.

([9]) رواه البخاري ومسلم.

([10]) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه الحاكم وابن ماجة.

([11]) رواه ابن أبي الدنيا في الدعاء والطبراني وابن مردويه والهروي في فضائله والبيهقي في الأسماء والصفات.

([12]) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم.

([13]) ابن زنجويه في ترغيبه، والعقيلي، والبغوي.

([14]) أحمد وأبو داود والترمذي.

([15]) رواه أحمد.

([16]) رواه ابن ماجه وابن حبان والبيهقي.

([17]) رواه البخاري ومسلم.

([18]) رواه مسلم وابن مردويه.

([19]) رواه البخاري ومسلم.

([20]) رواه مسلم.

([21]) رواه مسلم.

([22]) رواها الإمام النووي في (الإيضاح) ص454.

([23]) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

([24]) رواه أبو داود وغيره.

([25]) رواه أحمد والترمذي والحاكم وغيرهم.

([26]) رواه أبو نعيم والحكيم وغيرهما.

([27]) رواه البخاري ومسلم.

([28]) تفسير الطبري (6/266)

([29]) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان.

([30]) رواه أبو داود.

([31]) رواه أبو داود الترمذي وصححه.

([32]) رواه الترمذي.

([33]) رواه ابن السني.

([34]) رواه أحمد والترمذي والنسائي.

([35]) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.

([36]) رواه البخاري ومسلم.

([37]) رواه الحاكم وقال: صحيح.

([38]) رواه أحمد ومسلم وابن ماجة.

([39]) رواه مسلم وأبو داود.

([40]) موضع الشاهد قوله r:( يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لابره! فان استعطعت أن يستغفر لك فافعل) رواه مسلم وغيره.

([41]) رواه الترمذي ولفظه (إذاً تكفي همك ويغفر ذنبك)، ورواه أحمد وإسناده جيد.

([42]) أصل الحديث في مسلم وغيره.

([43]) رواه الترمذي وابن حبان.

([44]) رواه البخاري ومسلم.

([45]) رواه البيهقي في الشعب وابن مردويه.

([46]) رواه أبو نعيم في الحلية.

([47]) رواه ابن سعد.

([48]) رواه أحمد والطيالسي.

([49]) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب، ورواه أحمد وابن ماجة والحاكم وابن السني.

([50]) مجموع الفتاوى:1/325.

([51]) الرد على البكري، ابن تيمية، 1/268.

([52]) رواه ابن مردويه وغير واحد من أهل السنن وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.

([53]) مجموع الفتاوى:20/233.

([54]) مجموع الفتاوى:1/333.

([55]) رددنا بتفصيل على ابن تيمية في هذه المسألة وغيرها من المسائل التي تجرأ فيها على مقام النبوة، وكأنه يستدرك عليها ما قصرت فيه من إتاحة ذرائع الشرك في كتابنا [شيخ الإسلام في قفص الاتهام]

([56]) مجموع الفتاوى:8/136.

([57]) رواه احمد وابن حبان والحاكم.

([58]) رواه الحاكم.

([59]) شفاء العليل: 189.

([60]) رواه الضياء المقدسي.

([61]) انظر: الدر المنثور: 1/402.

([62]) شفاء العليل: 189.

([63]) شفاء العليل: 188.

([64]) شفاء العليل: 189.

([65]) رواه ابن السني.

([66]) رواه أبو داود.

([67]) رواه أحمد وابن ماجة.

([68]) رواه البزاز والطبراني في الكبير.

([69]) رواه مسلم.

([70]) رواه البخاري ومسلم.

([71]) رواه البخاري ومسلم.

([72]) رواه ابن جرير والحاكم.

([73]) رواه أبو داود والترمذي.

([74]) رواه مسلم.

([75]) رواه أحمد وأبو يعلى.

([76]) الإحياء.

([77]) الإحياء.

([78]) ما يُردُّ به الحرُّ والبرد من المساكن.

([79]) رواه أبو داود، وقال: غريب و إسناده جيد.

([80]) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

([81]) رواه ابن السني.

([82]) رواه ابن ماجة.

([83]) رواه البخاري ومسلم.

([84]) رواه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم.

([85]) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

([86]) رواه البخاري.

([87]) رواه البخاري ومسلم.

([88]) رواه الطبراني في الكبير.

([89]) رواه النسائي وابن خزيمة والطبراني في الكبير وسمويه وابن عساكر.

([90]) رواه الترمذي.

([91]) انظر: الأمثل للشيرازي.

([92]) سر الخلق، ص 139 إلى 141.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *