الفصل الأول: سر التوحيد

الفصل الأول: سر التوحيد

أول سر من أسرار القدر وأكمله وألذه، وما تعلقت به قلوب العارفين، وهامت فيه أرواح المشتاقين هو سر التوحيد.

وهو سر باعتباره حقيقة لا يفهمها إلا من تخلص من كثافة الطبع وأدران التشبيه، فميز بين الرب والمربوب، والعبد والخالق.

وهو سر ـ كذلك ـ باعتبار تأثيره الوجداني الرقيق في روح المؤمن به، فهو يجد له من اللذة ما لا يستطيع التعبير عنه.

وهو سر في الأخير، لأن إلقاء مفاهيمه على غلاظ الطباع ومن رانت على قلوبهم الغفلة قد يحجبهم عن رؤية سائر أسرار القدر، فينحجبوا بتوحيد الله عن حكمة الله وعدله ورحمته.

ولهذا، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتبر الإيمان بالقدر آخر ركن من أركان الإيمان، وهو في الحقيقة نتيجة حتمية للإيمان بالله، فيستحيل على من عرف كمالات الله المبثوثة في كتابه الصامت والناطق أن يغفل قلبه عن هذه الحقيقة التي ينطق بها كل شيء.

والمتأمل في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجد حضور هذا السر في كل محل، بل يشعر باستشعار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهذا السر، وتذوقه له، ففي الحديث: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا تزال نفسك فى كل عام وجعة من تلك الشاة المسمومة التى أكلتها؟، قال:( ما أصابنى من شيء منها إلا وهو مكتوب على وآدم فى طينته)([1])

وكأن أم سلمة في هذا الحديث تدعوه صلى الله عليه وآله وسلم ـ من غير أن تقصد ـ إلى التأسف على أكله من تك الشاة، أو إلى أشياء أخرى يتنزه عنها صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبرها صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن تنظر من كوة سر التوحيد لتصرف عنها كل أسف أو حقد أو انتقام.

وكان صلى الله عليه وآله وسلم في حياته كلها ينظر بهذا المنظار.. في أعقد الأمور وفي أبسطها..

قال أنس بن مالك 🙁 خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين، لا والله ما سبني قط، ولا قال لي: أف قط، ولا قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته)([2])، وفي رواية:( خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين، فلا والله ما قال لي لشيء صنعته لم صنعته؟ ولا لشيء لم أصنعه ألا صنعته؟ ولا لامني، فإن لامني بعض أهله قال: دعه، وما قدر فهو كائن أو ما قضي فهو كائن)

ولهذا كان من اهم آثار هذا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه في شيء قط إلا ان تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها)([3])

ولكن هذه المعاني الذوقية الرفيعة والعلمية المتينة عرض لها من كبر عليه الجمع بين حقائق الإيمان بالقدر وأسراره، فصار إما منكرا للتوحيد معطلا لما دل عليه من النصوص ابتغاء تحقق العدالة والحكمة، أو مثبتا للتوحيد معطلا لعدل الله وحكمته ورحمته.

 بناء على هذا، وبناء على اعتبار القدر نظام التوحيد، والنتيجة الحتمية له، نحاول ـ بعيدا عن مصطلحات المتكلمين وجدل الفرق ـ تبصر الحقائق التي ينطوي عليها القدر من معاني التوحيد، والتي ورد النص عليها في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

وهي أربع حقائق كبرى، كل واحدة منها تشكل مرتبة من مراتب تقديرات الله.

وهذه المراتب الأربعة هي: علمه تعالى السابق بالأشياء قبل وجودها،، ثم مشيئته المتناولة لكل موجود، ثم كتابة ذلك فى الكتب المختلفة، ثم خلقه للموجودات وفق علمه ومشيئته وكتابته.

وسنخص كل مرتبة من هذه المراتب بمبحث خاص.

أولا ـ العلم

أول معرفة بالله تقود المؤمن إلى سر التوحيد في القدر هو التعرف على الله العليم اللطيف الخبير الشهيد([4]).

ثم التمييز بين حقائق هذه الأسماء بالنسبة لله تعالى، وبالنسبة لخلقه، فالله لا يشبه خلقه بأي حال من الأحوال:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11)

لأن كل الشبه التي يزرعها الشيطان في قلب الإنسان، فينكر القدر، أو ينكر الاختيار منشؤها تشبيه علم الله بعلم الخلق، وقياس معلومات الله بمعلومات الخلق.

والتأمل في القرآن الكريم وحده كاف للدلالة على هذا النوع من المعرفة، فالله تعالى يرد كل الأشياء إلى علمه، ويفسرها بعلمه، ولذلك لا تخلو أكثر الآيات من الإشارة إلى علمه وما يرتبط به، وقد قال تعالى عن القرآن الكريم:{ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} (النساء:166)، وقال تعالى:{ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} (الفرقان:6)

وعلم الله ـ كما يتجلى في القرآن الكريم ـ علم شامل تام محيط، فهو تعالى يعلم ما بدا وما خفى، أحاط علما بجميع الأشياء من الكليات والجزيئات، علم في الأزل جميع ما هو خالق، وعلم جميع أحوال خلقه وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وشقاوتهم وسعادتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار، وعلم عدد أنفاسهم ولحظاتهم وجميع حركاتهم وسكناتهم أين تقع ومتى تقع وكيف تقع.

كل ذلك بعلمه وبمرأى منه ومسمع لا تخفى عليه منهم خافية سواء في علمه الغيب والشهادة والسر والجهر والجليل والحقير، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا في الدنيا ولا في الآخرة.

وهذه المعارف الإيمانية من اليقينيات التي يؤسس عليها المؤمن فهمه للقدر الإلهي، ويبني عليها تذوقه له.. ولكن الشبهة التي تعرض لمن لم يفقه معنى العلم الإلهي هو عدم تمييزه بين علم البشر وعلم خالق البشر، فوقوعه في براثن التشبيه هو الذي يوقعه في مستنقعات نفي القدر أو القول بالجبر.

ويمكن ـ من خلال القرآن الكريم ـ استنباط ثلاث نواح يتميز بها علم الله عن علم الخلق، وبإدراكها والتعمق في فهمها تزول كل الشبه المرتبطة بهذا الجانب من مفهوم القدر، وهذه النواحي هي: السعة، والخبرة، والغنى.

أما السعة فننفي من خلالها ما تصوره لنا أوهامنا من تشبيه علم الله اللامحدود بعلمنا المحدود، وبناء على ذلك تنتفي غرابة علم الله بالتفاصيل والجزئيات ما دق منها وما جل.

وأما الخبرة، فننفي من خلالها ما تصوره الأوهام من استغراب علم الله بالأشياء قبل حصولها.

وأما الغنى فنرى فيه مدى القصور الذي تضعنا فيه أوهامنا حين تصور لنا حاجة الله الغني العليم إلى حصول الأشياء ليحصل له العلم بها.

وإدراكنا لهذه الحقائق وتسليمنا لها لا يجعلنا متوافقين فقط مع ما تنص عليه النصوص المقدسة، ولكنه يجعلنا ـ أيضا ـ متوافقين مع ما تقتضيه عقولنا في أرقى درجات تقدسها.

ذلك أن العقل المتخلى عن زهوه وخيلائه وكبره يدرك أن جميع معارفه إذا ما قيست بالمجاهيل، فإنها تؤول إلى الصفر.. وهو ما عبر عنه في النصوص بأنه بمنزلة القطرة من البحر.

1 ـ سعة العليم:

الله تعالى هو المحيط بكل شيء علما، دقيقه وجليله، وأوله وآخره، وعاقبته وفاتحته، لا نهاية لمعلوماته ولا حصر لها، قال تعالى على لسان نبيه شعيب u:{ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً } (لأعراف: 89)

وهذا كسائر صفات الله تعالى، فهي كلها من السعة ما يجعلها محيطة بكل شيء، مهيمنة عليه، لا يغيب عنها شيء، تامة كاملة، ولذلك كان من أسماء الله تعالى التي نص عليها في القرآن الكريم اسم الله ( الواسع)، وقد ورد في ثمانية مواضع في القرآن الكريم.

وهو اسم نرى اقترانه الدائم في القرآن الكريم بالعلم ليدل على أن سعة علم الله مزدوجة مع سعة فضله وتصريفه وقيوميته، قال تعالى:{ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:115)

وقال عن هبة الملك:{ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة: 247)

وقال عن مضاعفة الأجور:{ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:261)

وقال عن هبة المغفرة والفضل:{ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:268)

وهكذا في كل آي القرآن الكريم، حتى في الآية التي ورد فيها اسم الواسع مضافا قرن بالعلم، قال تعالى:{ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (لنجم:32)

فقد قرن تعالى في هذه الآية بين سعة مغفرته وبين علمه بخلقه.

فلذلك لا نهاية لمعرفة الله ولا حد لها، لأن (كل سعة وإن عظمت فتنتهي إلى طرف، والذي لا ينتهي إلى طرف، فهو أحق باسم السعة، والله سبحانه وتعالى هو الواسع المطلق، لأن كل واسع بالإضافة إلى ما هو أوسع منه ضيق وكل سعة تنتهي إلى طرف، فالزيادة عليه متصورة وما لا نهاية له ولا طرف فلا يتصور عليه زيادة)([5])

وانطلاقا من هذا يبث القرآن الكريم في روع المؤمنين الأوصاف الكثيرة الدالة على هذه السعة التي لا حدود تنتهي إليها، ويجعل ذلك في كثير من الفواصل القرآنية لتكون برهانا على ما اشتملت عليه الآية من أمر أو تدبير، ومن ذلك قوله تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (لأنفال: 75) الذي ورد في فاصلة عشرين موضعا في القرآن الكريم.

والقرآن الكريم يذكر بعض تفاصيل هذه المعلومات، كشأنه من ذكر الحقائق مجملة ومفصلة، لأن الاقتصار على التفصيل قد يفهم منه البليد الحصر والضيق والمحدودية، والاقتصار على المجمل لا يكون له من التأثير النفسي ما يكون للتفصيل.

ولذلك انتقل الخليل u من بعض تفاصيل معلومات الله إلى مجامعها كما حكى ذلك عنه الله تعالى في قوله:{ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} (ابراهيم:38)

ولا بأس أن نستعرض على طريقة القرآن الكريم بعض التفاصيل التي قد تعمق مفهوم السعة المجمل، ونسوقها باعتبارين:

الاعتبار الأول: هو البرهنة على هذا بالنسبة لمن ينكرون علم الله بالتفاصيل أو يستبعدون ذلك.

والاعتبار الثاني: هو تعميق هذه الحقيقة في النفس المؤمنة، لأن حقائق الإيمان، كسائر الحق لا تغرس بذورها في النفس إلا بمثل هذه التفاصيل.

وانطلاقا من هذا، فإن القرآن الكريم يخبرنا، ويبث في روعنا أن الله تعالى يعلم جميع التفاصيل التي بنيت على أساسها السموات والأرض، فلا يخفى عليه شيء منها، قال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} (آل عمران:5)، فكلمة شيء في الآية تشمل الصغير والكبير، والحقير والجليل.

وقال تعالى:{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحج:70)، و(ما) الموصولية تفيد العموم، فيدخل في معناها كل شيء بكل تفاصيله.

وقال تعالى:{ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (الانبياء:4)، وقد وردت هذه الآية مطلقة كذلك لتفيد سعة علم الله بكل قول مهما كان نوعه.

والله تعالى يعلم الصغير والكبير، والكليات والجزئيات من السموات والأرض، ولذلك يستدل بهذا العلم على الساعة، قال تعالى:{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (سـبأ:3)

وهو يذكر بعض هذه التفاصيل الدقيقة ليمتلئ قلب المؤمن إحساسا بهذه السعة، قال تعالى:{ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (الأنعام:59)، وقال تعالى:{ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ} (فصلت:47)، وقال تعالى:{ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} (سـبأ:2)

ويخطئ البعض حين يفسر مفاتح الغيب بأمور محدودة، ويتصور أنها هي وحدها التي استأثر الله بعلمها، ويستدل على ذلك بفهم خاطئ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا اللّه، ثم قرأ:{ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (لقمان:34)([6])

أو بحديث جبريل u حين تبدي له صلى الله عليه وآله وسلم فسأل عن الإيمان الإسلام الإحسان، قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما قال له:( خمس لا يعلمهن إلا اللّه)، ثم قرأ الآية السابقة.

وهذه الأحاديث لا تعني التحديد أو الحصر، لأن سعة علم الله لا تحصر، وإنما المراد منها ذكر بعض التفاصيل، وهو مما ورد مثله كثيرا في السن المطهرة، ولهذا قال العلماء:( العدد لا مفهوم له)

ويخطئ آخرون خطأ أشنع حين يعتبرون قوله تعالى في الآية: { وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ } مقصورا حول جنس الجنين، أهو ذكر أم أنثى، ويتصور بعضهم ـ انطلاقا من ذلك ـ أن الآية تتناقض مع ما تعرف عليه العلم الحديث من هذا الباب.. مع أن هذا النص لا يدل على جنس الجنين فقط، بل يدل على أن اللّه تعالى يعلم عدد الأجنة الموجودة في الارحام ووضـعـيتها واستعداداتها وأذواقها ومواهبها وقدراتها وضعفها وجميع خصوصياتها في كل لحظة.. بل في كل ثانية.. بل في كل ما لا يمكن التعبير عنه من الظروف.

وهكذا عن الغيث، فقد أحاط علمه بكمية الغيث ونوعيته وعدد قطراته ووزنها ومحل سقوطها ولا أحد يمكنه أن يحيط علما بهذه الأمور وبأي وسيلة كانت.

وهكذا كل ما يعلمه الله من سقوط الورق.. أو الحب المختبئ في الظلمات.. أو الرطب أو اليابس.. أو كل ما لا يمكن حصره من أكوان الله.

* * *

 وبما أن المخاطب الأول في القرآن الكريم هو الإنسان، فإن الله تعالى يحدثنا عن بعض هذه التفاصيل المتعلقة بعلمه بالإنسان، ويجعل من بيان علمه بتفاصيل السموات والأرض دليلا على علمه بالإنسان، قال تعالى:{ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الحجرات:16)

فالله تعالى:{ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} (الرعد:8)

وفي أي حالة كان الإنسان، فإن الله يعلمه:{ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (يونس:61)، وقال تعالى:{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (المجادلة:7)

ولذلك، فإنه تعالى يعلم ما تكنه ضمائرنا من خير أو شر، قال تعالى:{ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (البقرة:235)

ويعلم ما نفعله ظاهرا من كل ذلك:{ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ } (البقرة: 197)

وهو يعلم طبائعنا وما نتحدث به لأنفسنا:{ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} (البقرة: 187)

وهو يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا:{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} (البقرة: 255)

ويعلم تفاصيل أجسادنا وحياتنا وأعمارنا، قال تعالى:{ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (فاطر:11)

ويعلم أعمالنا، قال تعالى:{ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} (محمد:30)

ويعلم من ضل منا ومن اهتدى، قال تعالى:{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (الأنعام:117)

* * *

بعد هذا البيان القرآني الذي يبث في روع المؤمن سعة علم الله المحيط بكل شيء، والذي يعمر قلبه بلذة لا نهاية لها، لا يلتفت المؤمن إلى ذلك الجدل العقيم الذي أفرزته مقولة ( إن العلم الإلهي لا يتعلق بالجزئيات)([7]) أو إلى أولئك المحجوبين بعقال العقل الذين نفوا إحاطة علمه تعالى بكل شئ، رافضين شهادة الموجودات الصادقة على علمه المحيط بكل شئ.

لأن عقل المؤمن عقل مؤيد بوحي الله، فلذلك لا يقيس الواسع على الضيق، ولا المطلق على المحدود، ولا العليم على الجهول.

بل هو يدرك ما قاله الخضر u لموسى u عندما جاء عصفور، فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، فقال له الخضر u:( ما علمي وعلمك في علم اللّه إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر)([8])

وهو تشبيه تقريبي.. أما الحقيقة فأعظم من ذلك، فلا يمكن مقارنة علم الله بعلم عباده، فعلم العباد هبة من الله وفضل منه، فهو علم تبعي لا ذاتي، وظل لا حقيقة.

ولذلك استعمل القرآن الكريم هذه التشبيهات ليصور سعة علم الله، فقال تعالى:{ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} (الكهف:109)، وقال تعالى:{ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (لقمان:27)

فهذه الآية تنص على أنه لو كانت تلك البحار ـ بجميع مياهها ـ مداداً لكلمات اللّه، والشجر كله أقلاما، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات اللّه قائمة لا يفنيها شيء، لأن أحداً لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا أن يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه.

* * *

 أما السؤال الذي يجره الوهم بعد هذا، والذي منشؤه التشبيه، وحصاده الجهل والجحود، وهو: كيف يكون الله عالما بكل شيء؟.. أو كيف لا يعزب عن الله شيء؟

والجواب عن هذا لا يحوج المؤمن إلى أي تكلف، بل يكفيه أن يقرأ سورة الإخلاص ليعلم أن صفات الله تابعة لذات الله ([9])، وذات الله لا تحد ولا تقيد، ولا يقال عنها كيف، ومثلها صفاته.

وهذا الجواب يرضي العقل السليم ويغنيه، لأنه إذا قيل له:( إن فلانا الراعي يدرك خفايا النظريات العلمية ودقائقها، بل يستطيع أن يحول منها واقعا ملموسا) تجده يستغرب، ويسأل محتارا:( كيف يكون هذا؟)

لكن إن قيل له:( إن الدكتور الفلاني يعلم كل ذلك) لا يستغرب ولا ينكر ولا يسأل عن كيف ولا أخواتها.

فهو يدرك أن حقيقة الدكتور العلمية تختلف عن حقيقة الراعي.

وذلك نفس ما يقوله العقل السليم عن الله، فلا يستغرب صفاته تعالى ولا يتعجب منها إلا الجاهل بذات الله أو بقدر الله.

ولذلك قال تعالى في الإخبار عن قصة أصحاب الكهف:{ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} (الكهف:9)، أي ليس أمرهم عجيباً في قدرتنا وسلطاننا، فإن خلق السماوات والأرض وتسخير الشمس والقمر وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة اللّه تعالى؛ وأنه على ما يشاء قادر، ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف.

فلذلك أمرنا بتسبيح الله عند رؤية آياته حتى ننزهه من أن نحصر قدرته أو صفاته في حدود معينة، كما قال تعالى عن العارفين:{ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران:191)

فالتسبيح هو تنبيه العقل إلى عدم حد الله بأي حدود، فالله هو الواسع المحيط بكل شيء.

* * *

 بعد هذا نتساءل عن علاقة هذا بالقدر.. أو ما الذي يؤسسه هذا النوع من الإيمان في النفس والعقل والقلب من حقائق القدر؟

والجواب عن ذلك هو أنه من الشبه الكبيرة التي قد تسيطر على النفس ـ وربما لا يستطيع اللسان أن يعبر عنها حياء أو أدبا أو خوفا من الكفر والضلال والبدعة ـ هو تصور المحدودية في علم الله، باعتبار أن المعلومات التي ينتظمها هذا الكون من السعة بحيث لا يتصور لها نهاية.. والعقل الإنساني يتيه لا محالة عند الوصول إلى هذه الغاية.. ولذلك يحكم عليها ـ شعر أو لم يشعر ـ بالاستحالة.

وانطلاقا من دنس هذا التشبيه يقع في أنواع أخرى من الدنس تحول بينه وبين فهم القدر الإلهي وتذوقه.

ولهذا كان هذا النوع من العلم هو اللبنة الأولى التي يتأسس عليها الإيمان بالقدر.

2 ـ خبرة العليم:

الفرق الثاني بين علم الله وعلم خلقه، والذي نحتاجه لإدراك سر التوحيد في القدر، هو أن علم الله محيط بالمعلوم، يعلم ظاهره وباطنه، ومكشوفه وغامضه، وسره وعلانيته، فينكشف له انكشافا تاما بخلاف علم الخلق المحدود، والذي يعلم من الأشياء ما تقتضيه مصلحته منها، فلا يعدوا أن يعرف الأعراض والظلال دون الحقائق والجواهر، ولذلك عبر القرآن الكريم عن العلوم التي وهبها لآدم u بكونها أسماء، قال تعالى:{ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة:31)

فكل ما يعرفه البشر الآن من معارف، والتي قد يتصورون أنهم قد بلغوا بها الذروة لا تعدو أن تكون معرفة لبعض الخصائص والصفات، وهي أقل من أن تدرك حقائق الأشياء على ما هي عليه.

أما علم الله فهو علم شامل محيط بالمعلوم من كل نواحيه، ولذلك كان من أسماء الله تعالى الخبير والشهيد واللطيف:

أما الخبير، فهو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة فلا يجري في الملك والملكوت شيء ولا تتحرك ذرة ولا تسكن ولا تضطرب نفس ولا تطمئن إلا ويكون عنده خبرها([10]).

أما الشهيد فهو العالم بما ظهر، فالشهادة تعني الحضور، كما قال تعالى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }(البقرة: 185)، ولهذا أخبر تعالى أنه شهيد على كل شيء، فقال على: { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (الحج: 17)، وقال: { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (المجادلة:6)، وقال: { الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (البروج:9)

ومثل هذا الاسم اسمه تعلى (الرقيب) فهو يدل على حضور الله التام لكل شيء، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} (النساء:1)، فقد جعل الله تعالى في هذه الآية أمره بالتقوى مستندا إلى رقابة الله التي تعني حضوره الشامل الكامل لكل شيء، وهو ما يفسره قوله تعالى:{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (الحديد:4)، فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أصنافا كثيرة من معلوماته، ثم ربطها بحضوره التام.

وقد جمع الله تعالى بين الرقابة والعلم في قوله على لسان نبيه يوسف: { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (المائدة: 117)

أما اللطيف فهو الذي يعلم ما لطف من الأشياء، وما دق منها، وما بني عليها، وما تفرع منها.

وبهذه الأسماء الثلاثة يكون علم الله محيطا بالمعلوم من كل جوانبه.. فهو يعلم باطنه بكونه خبيرا.. ويعلم ظاهره بكونه شهيدا.. ويعلم أساسه وما دق منه بكونه لطيفا.

ولهذا، فإن القرآن الكريم يحدثنا ويملأ قلوبنا بمعاني هذه الأسماء، ويربينا على أساسها، ولذلك يكثر التنبيه إلى علم الله بالسر والجهر والخفي والمعلن والغيب والشهادة، ولكل ذلك تأثيره العلمي والذوقي لفهم سر التوحيد في القدر.

بل إن لذلك دوره في كشف غوامض القدر، والرد على الشبهات التي تفرزها الغفلة، وتبثها الشياطين.

ولتقريب الصورة نرى في واقعنا الاهتمام في كل مجال بما يقوله الخبراء، فيرجع إليهم في التحاليل السياسية والعسكرية والطبية وغيرها، حتى أن أقوالهم التي تحاول استشراف المستقبل بناء على الواقع تصبح هي الواقع الذي يؤثر في كل المجالات.

فلذلك يكفي أن يقول الخبراء الاقتصاديون باحتمال ارتفاع عملة معينة ليحول السوق من قبلة إلى قبلة.

ويكفي أن يوجه الخبراء السياسيون حادثة معينة توجيها خاصا ليتحول العالم إلى عالم آخر.

بل إنا في حياتنا العادية نرجع إلى الخبراء في كل المجالات، لأن علم الخبير مبني على الواقع لا على الخيال، ومؤيد بالخبرة والتجربة والمعايشة التي تحول من تنبؤاته علما محققا.

وانطلاقا من هذه الخبرة الهزيلة التي منحها الإنسان، والتي من خلالها استطاع أن يستشرف كثيرا من خبايا المستقبل، نتساءل عن التعجب من خبرة الله، وعن سؤال: كيف؟ عن خبرة الله.

فالله تعالى الذي خلق الإنسان، ويعلم خصائصه الظاهرة والباطنة،كيف لا يعلم مستقبل الإنسان، قال تعالى:{ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك:14)

وذلك، كما أن صانع الآلة ومخترعها هو خبير بإمكانيتها، وبما يحصل لها من عطب، وبما يؤول إليه أمرها، فيتعامل معها، وكأنها جزء منه، بخلاف من يتعامل معها تعامل المستهلك الذي لا يرى منها إلا جانبها المنفعي المحدود.

وللفرق بين علم الخبير وعلم غيره أمر الله تعالى طالب معرفة الله بالرجوع إلى الخبير، وهو العالم بالله العارف به المصاحب له، قال تعالى:{ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} (الفرقان:59)

ولذلك يخبرنا الله تعالى في معرض الحديث عن أحكامه عن خبرته بأعمال خلقه، لأن العالم بذوات الخلق أعلم بأعمالهم:

ففي معرض ذكر الله تعالى لجواز تزين النساء بعد انتهاء إحدادهنا، قال تعالى:{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (البقرة:234)

وهي تحمل عتابا مبطنا لمن ينكر عليهن، لأن في إنكاره تعديا على الله، فالله هو الخالق الخبير بخلقه، وهو أعلم بما في نفوسهم وبواطنهم، وله وحده الحق في الإنكار أو عدمه.

وفي معرض ذكره للصدقات قال تعالى:{ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (البقرة:271)، فالله تعالى عقب على هذا السلوك الذي هو إظهار الصدقات أو إخفائها بكونه خبيرا، وكأنه يخبر من أظهر الصدقات بأن الله خبير يعلم نيته في إخراجه لها علانية.. فالعلانية لا تدل بحد ذاتها على الإخلاص أو على الرياء، ولهذا فهي تحتاج إلى خبير يميز بينهما.

ومثل هذا يقال في قوله تعالى:{ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (آل عمران:153)، وقوله تعالى:{ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (آل عمران:180) وغيرها من آيات القرآن الكريم.

ولهذه الفاصلة المترددة في هذه الآيات وغيرها تأثير سلوكي تربوي عظيم.. فهي تربي المؤمن على مراعاة خبرة الله ببواطن الأشياء.. وذلك ما يجعله يتقن العمل ظاهرا وباطنا، فلا تشغله حروفه عن مقاصده، ولا ظاهره عن باطنه.

وترد خبرة الله تعالى في القرآن الكريم مقرونة بلطفه وعلمه في مواضع كثيرة للتنبيه إلى أن هذه الخبرة مستندة إلى العلم الواسع من جهة، ولا يصدر منها إلا اللطف من جهة أخرى، فهي خبرة علمية عملية:

وقد جمع الله تعالى بينها جميعا في قوله:{ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك:14) والتي جاءت عقب قوله تعالى:{ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (الملك:13)

وكأنها بذلك تعلل سر علم الله بسر العباد وجهرهم وبذات صدورهم، فالله هو الخالق، وهو اللطيف الذي لطف في خلقهم بتلك الصورة، وهو الخبير بمصالحهم وأحوالهم وتصرفاتهم عند فعلها أو قبل فعلها.

وقال تعالى قارنا للطف بالخبرة في حكايته عن موعظة لقمان u لابنه:{ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} (لقمان:16)

فالله تعالى خبير بموضعها لطيف بوضعها الموضع المناسب لها.

وقال تعالى في تعليل إدراكه للأبصار، وعدم إدراكها له:{ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الأنعام:103)

فعدم إدراك العباد لله معلل بلطف الله وخبرته، فالله لطيف بعباده رفيق بهم خبر ضعفهم عن إدراكه فحرمهم منه في الدنيا لطفا ورفقا لا شحا وبخلا، فهو الكريم الجواد.

وقال تعالى عن لطفه المقترن بخبرته في النظام والإبداع الذي زين به السماء والأرض:{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} (الحج:63)

وقال تعالى قارنا بين العلم والخبرة:{ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (لقمان:34) فقد علل تعالى علمه بمستقبل الأشياء بعلمه بها وخبرته.

وقال تعالى مرجعا سر خلق البشر على هذه الصور المختلفة إلى علم الله وخبرته:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات:13)

كما يرد في القرآن الكريم الاقتران بين خبرة الله وبصره ليدل على علم الله المطلق بالأشياء وبصره بها، قال تعالى:{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} (الاسراء:17)، وقال تعالى:{ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} (فاطر:31)

* * *

 والقرآن الكريم ينقلنا من العلم المجمل إلى العلم المفصل، ومن العلم النظري إلى العلم العملي حين يخبرنا عن علم الله بكل ما نخفيه وما نبديه، قال تعالى:{ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} (طـه:7)، وقال تعالى:{ لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} (النحل: 23)، وقال تعالى:{ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} (الانبياء:110)، وقال تعالى:{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} (النمل:74)، وقال تعالى:{ إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} (الأحزاب:54)

وهو تعالى عليم بذات الصدور، قال تعالى:{ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (غافر:19)، وقال تعالى:{ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (الملك:13)

فلذلك يعلم ما يكنه اليهود من أحقاد على المؤمنين، قال تعالى:{ هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (آل عمران:119)

وهو عليم بما تكنه صدور المنافقين من الأحقاد، قال تعالى:{ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (آل عمران:154) أي هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين.

وهكذا يرتاح المؤمن، وهو يرى أن الله مطلع على القلوب التي تحمل عليه الأضغان والأحقاد، فيكتفي بعلم الله عن أن يشغل نفسه بذلك.

* * *

وانطلاقا من هذه الأوصاف الدالة على خبرة الله بكل شيء، وهي التي يتأسس عليها سر التوحيد في القدر، يخبرنا القرآن الكريم عن علم الله بالمستقبل، وهو العلم الذي يجادل فيه المنكرون للقدر شعروا أو لم يشعروا.

فالله تعالى أخبرنا بما سيكون من الممكنات لو كان على غير الصورة التي كان عليها:

فأخبر عن مقولة الكفار الذين لم يرضهم أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بشرا مثلهم، قال تعالى حاكيا قولهم:{ وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ} (الأنعام:8)، ثم قال بعدها مبينا الحال لو كان الرسول ملكا:{ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} (الأنعام:9)

وعلى عكس هذا أخبر القرآن الكريم عن مقولة الكفار المجادلين فيما لو كان الأمر على خلاف ما بعث لهم، فقال تعالى عن قولهم لو كان القرآن الكريم أعجميا:{ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} (فصلت:44)

وهكذا لو كان رسولهم أعجميا لاعتلوا بعلة عجمته:{ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} (الشعراء:198 ـ199)

وقال تعالى فيما لو نزل عليهم في كتاب فعاينوه ورأوا نزوله وباشروا ذلك:{ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} (الأنعام:7)

ومثل هذا أخبر عن قولهم في مكابرتهم للمحسوسات:{ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} (الحجر:14 ـ 15)

وهكذا قولهم في سائر آيات الله التي يزعمون أنها لو جاءت لآمنوا بها، قال تعالى:{ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ} (الأنعام:109)

بل أخبر الله تعالى عن المستحيلات التي لم تقع ولن تقع، بل يمنع العقل وقوعها لو وقعت كيف يكون تأثير وقوعها:

فقال تعالى فيما لو كان الكون تحت سيطرة مجموعة آلهة كما يعتقد الوثنيون:{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} (الانبياء:22)

وقال فيما لو كانت الألوهية شركة بين الله وغيره:{ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} (المؤمنون:91)

وقال تعالى رادا على المشركين في دعواهم التزلف إلى الله بآلهتهم:{ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً} (الاسراء:42)، أي لو كان الأمر كما تقولون وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه، لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه، فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه بل.

وهكذا يمتد علم الله وخبرته إلى كل الأمور ما كان منها في حيز الوجود، أو ما كان مخبأ في سراديب العدم، أوما لن يكون أبدا.

* * *

 وانطلاقا من هذا نحب أن نستشرف بعقولنا الضعيفة السر في علم الله بأفعال الإنسان وأجزيته قبل صدور ذلك منه، وهو ما لم تتقبله بعض العقول الضعيفة فراحت تلحد في آيات الله.

فالله تعالى يرجع ذلك العلم إلى كونه الخالق الذي يعلم حال المخلوق، ولهذا يرد في القرآن الكريم الربط والاقتران بين العلم والخلق، كما قال تعالى:{ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك:14)

وقد قال قبلها:{ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } (الملك:13)، فقد أرجع سر علمه بذات الصدور إلى كونه الخالق لها.

وهكذا في قوله تعالى:{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } (قّ:16)، فقد أرجعه علمه تعالى بالإنسان إلى كونه الخالق له، وهو أقرب إلي من حبل الوريد.

ولهذا يعلل تعالى مغفرته لذنوب العباد، وخاصة ما كان منها من اللمم بعلمه بنشأتهم، وما جبلوا عليه، قال تعالى:{ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } (لنجم:32)

فاللمم المستثنى هو صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال التي قد يغلب فيه الطبع، ولهذا قال ابن عباس 🙁 ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:( إن اللّه تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنَّفْس تمنّى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)([11])

فاعتبر صلى الله عليه وآله وسلم هذا الطبع الذي يغلب على الإنسان ولوكان صالحا من الجبلة التي جبل عليها، والتي يجتهد في توجيهها، ولكنها مع ذلك قد تغلبه، والله تعالى وعد بالمغفرة عليها إذا ما لم يستسلم الإنسان لها، فتوقعه في الكبائر.

ولهذا يرد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة الحديث عن جوانب خلق الإنسان لما لها من التأثير في سلوكه وطبعه، قال تعالى مفصلا نعمه في خلق الإنسان وخلق جميع احتياجاته:{ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } (الزمر:6)

ثم رتب على هذا الخلق أوامره وتشريعاته، قال تعالى بعد الآية السابقة:{ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } (الزمر:7)

* * *

 ونرى في القرآن الكريم أن الله تعالى ـ لعلمه بخلقه وطبائعهم وما فطروا عليه من خير وشر ـ يرجع سر اختيار الإنسان أو المصطفين من بني الإنسان إلى علمه بهم:

فلهذا قال تعالى للملائكة ـ عليهم السلام ـ حينما بدا من منهم الاستغراب من خلق من يفسد فيها ويسفك الدماء رد عليهم بأنه يعلم منهم ما لا يعلمون، قال تعالى:{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:30)

فالملائكة ـ عليهم السلام ـ نظروا إلى تسبيحم وتقديسهم وغفلوا عن مراد الله من الخليفة، وهو كما يقتضي الفساد يقتضي الصلاح، ومراد الله الصالحون من خلقه.

وهؤلاء الصفوة من خلقه هم الذين اختارهم الله على علمه بهم، ولهذا رد الله تعالى على المشركين الذين أنفوا من اتباع الحق لما رأوا غالب من اتبعه في أول بعثته صلى الله عليه وآله وسلم ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال تعالى حاكيا عن قولهم:{ لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْه} (الاحقاف: 11)، وقال تعالى:{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } (مريم:73)

فرد الله تعالى هذه المقولات كما رد مقولة الملائكة إلى أن علمه بخلقه وبما جبلوا عليه هو الذي أهلهم لذلك التخصيص، فقال تعالى ردا على قولهم:{ أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا } (الأنعام: 53) بقوله تعالى:{ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} (الأنعام: 53) أي أن الله أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى:{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } (العنكبوت:69)

وبمثل هذا رد الله تعالى على استهزاء المشركين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناشئ عن احتقارهم له والمتولد من عدم معرفتهم به، كما قال تعالى:{ وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ } (الانبياء:36)، وقال تعالى:{ وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً} (الفرقان:41)

وقال تعالى عن المماثلة في ذلك بين قوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقوم غيره من الأنبياء ـ عليهم السلام ـ:{ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }  (الأنعام:10)

فالله تعالى رد على هذا الاحتقار الممزوج بالحسد والكبر بقوله تعالى:{ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام: 124)، أي أن الله أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، فليس كل محل أهلا لتحمل الرسالة عنه وأدائها إلى الخلق، كما أنه ليس كل محل أهلا لقبولها والتصديق بها.

ولهذا يقرن القرآن الكريم بين التخصيص والعلم كما قال تعالى:{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ }، ثم عقب على ذلك بقوله تعالى:{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }

ومثل ذلك قوله تعالى:{ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً } (الاسراء:55)

* * *

 قد يقال بعد هذا: لماذا كان الأمر هكذا؟

وكما قلنا في ( كيف) نقول في ( لماذا)، فالله تعالى هو المنفرد بالخلق والاختيار، وليس له في ذلك منازع ولا معقب، قال تعالى:{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} (القصص: 68) فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده ومرجعها إليه.

ولهذا نفى أن يكون لغيره اختيارا مع اختياره، بل اعتبر اعتقاد ذلك شركا، فقال تعالى: {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (القصص: 68)

وإن أراد العقل أن يتصور ذلك ويقتنع به فلينظر إلى جميع اختياراته ما دق منها وما جل، ليرى أنه لا يختار إلا ما يراه طيبا، ولا يطرح إلا ما يراه خبيثا.

وكذلك الأمر ـ ولله المثل الأعلى ـ بالنسبة للمختارين من خلق الله، كما قال تعالى:{ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } (لأنفال:37)

وهذا التمييز هو المراد من التكليف والابتلاء ليقسم الناس يوم القيامة على أساس علاقتهم بالله، كما قال تعالى:{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } (يونس: 28)، وقال تعالى:{ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ}  (الروم:14)، وقال تعالى:{ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} (الروم: 43)، وقال تعالى:{ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ } (يّـس:59)

* * *

 وكما أن الله تعالى يرجع أسرار اصطفائه للمخلصين من عباده إلى علمه بهم وبما تكن طبائعه من جواهر الطيبة يرجع أسرار تشريعاته وخاصة ما غمض على العقل إدراكه أو صعب على الجوارح تنفيذه إلى علم الله وخبرته.

ولذلك قال تعالى في تشريع القتال:{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ }  (البقرة:216)

فالله تعالى ينهى عن الاستسلام لأذواقنا ورغباتنا فنحن نجهل بأنفسنا من أن نشرع لأنفسنا:

رب أمر تتقيه

  جر أمرا ترتضيه

خفي المحبوب منه

  وبدا المكروه فيه

 ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم لرجل:( أسلم)، فقال:( أجدني كارهاً)، قال:( أسلم وإن كنت كارهاً)([12])

ومن هذا الباب قوله تعالى في النهي عن العضل:{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } (البقرة:232)

فالله تعالى نهى عن اتباع ما تأمره به الأحقاد والضغائن وأعاد الأمر للزوجين، فهو أعلم بهما وبرغبتهما.

* * *

 ومثل خبرة الله بتشريعاته وعلاقتها بمصالح الخلق، فإن القرآن الكريم يخبرنا عن علم الله المطلق وخبرته بعواقب حياتنا وما يحصل لنا من مقادير، ولذلك كان تعالى أدرى بمصالحنا من أنفسنا.

ومن أمثلة ذلك ما حصل للصحابة عند انصرافهم من غير عمرة في صلح الحديبية، وتصوروا أن ما حصل لهم كان هزيمة شديدة، ولكن الله تعالى الخبير بعواقب الأمور يبشرهم معتبرا ما حصل فتحا من الله، قال تعالى:{ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً } (الفتح:27)

فقد بين تعالى حكمة ما كرهوه عام الحديبية من صد المشركين لهم حتى رجعوا ولم يعتمروا، وبين لهم أن مطلوبهم يحصل بعد هذا، فحصل في العام التالي، وكان ذلك الفتح هو صلح الحديبية فبسببه حصل من مصالح الدين والدنيا ما لم يكن يخطر على بال الصحابة([13]) ولهذا سماه فتحا، وسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم:( أفتح هو) قال:( نعم)([14]

ومثل هذا قول يوسف u:{ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (يوسف: 100)، فأخبر أن الله تعالى بلطفه نقله من تلك الأحوال جميعا إلى ذلك الحال المرتضى بطرق خفية لا يعلمها الناس.

ولهذا كان لاسم اللطيف دلالة أخرى غير دلالته على العلم، وهي دلالته على نوع من أنواع القدرة.. فتقديرات الله تقديرات لطف.. لا تقديرات عنف، وهو لهذا يرتب الأمور بعضها على بعض إلى أن تصل إلى النتيجة المطلوبة، وهو معنى قوله يوسف ـ عليه السلام ـ: { إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ }

ولنفهم هذا المعنى الذي قاله يوسف u نرجع إلى قصة يوسف في القرآن … فالله تعالى بدأ هذه السورة بالغاية التي سينتهي إليها يوسف u، وهو ما رآه في حلمه من المكانة التي أعدها الله.

ثم جاءت جميع أحداث السورة لتبين كيف كان اللطيف الخبير يسير حياة يوسف u لتتحقق له تلك المكانة التي أعدت له ابتداء.

وقد كان يعقوب u مدركا لعجيب لطف الله، فلهذا لم يستغرب لما جاءه البشير، بل لام من استغرب ذلك، قال تعالى:{ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } (يوسف:96)

وهكذا ما ورد في سورة القصص، فقد بدأت هذه السورة بقوله تعالى: { إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)} (القصص)

ثم بينت من أين بدأ لطف الله يحضر لهذا المن والتمكين الذي ينتظر المستضعفين، فقال: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } (القصص:7)

فقد بدأ المن والتمكين بتحضير أم صالحة ترضع رضيعا … ليقع هذا الرضيع بعد ذلك في يد أعدائه … ثم يتربى في حجرهم … ثم يفر منهم … ثم يعود إليهم بعد أن يئسوا من عودته ليحقق الله به البشارة التي وعد بها من تمكين المستضعفين.

* * *

 وهذا الأساس المعرفي يلقي للمؤمن أول ثمرة من ثمرات التوحيد في القدر، فيستشعر المؤمن أنه بين يدي خبير رحيم لطيف قد يوقعه ظاهرا في بعض المحن التي تطهر خبثه وتنقي سريرته، ولكنه يوقن أنه سيخرجه منها نقيا طاهرا سعيدا، مثلما يخرج الطبيب الخبير مريضه الذي قطع أوصاله وآلمه بأنواع المرارات صحيحا معافى.

ولذلك كان إدراك المؤمنين لهذه الحقيقة هو الذي جعلهم يستسلمون لأوامر الله، وهم يدركون أن اختيار الله لهم خير لهم من اختيارهم لأنفسهم، وقد روي في سبب نزول قوله تعالى:{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:232) أن بعض الصحابة زوج أخته رجلاً من المسلمين على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت عدتها، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطاب، فقال له:( يا لكع ابن لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها، واللّه لا ترجع إليك أبداً آخر ما عليك)

قال الراوي:( فعم اللّه حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل اللّه تعالى:{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } (البقرة: 231) إلى نهاية الآية، فلما سمعها قال:( سمعا لربي وطاعة)، ثم دعاه فقال:( أزوجك وأكرمك)([15])

وهذا التسليم لخبرة الله وعلمه في شؤون التشريع والحياة هو الذي يجعل المؤمن يلتجئ إلى الله العالم بعواقب الأمور يستخيره فيما يعرض له من أمور، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من سعادة ابن آدم كثرة استخارته لله تعالى ورضاه بما قضى الله تعالى، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله تعالى وسخطه بما قضى الله تعالى له)([16])

ودعاء الاستخارة الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل كان حريصا على تعليمه يحمل كثيرا من معاني الالتجاء لله والتسليم له باعتباره العليم الخبير، عن جابر بن عبدالله قال:( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن فيقول:( إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، وقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به، قال: ويسمي حاجته)([17])

ففي هذا الدعاء الرقيق يلجأ العبد الضعيف إلى ربه معترفا بجهله وعجزه مستسلما لعلم الله وقوته.

وهكذا يتلقى المؤمن العارف بالله هذه المعارف الجليلة، حيث يحولها إلى علاقات ذوقية وجدانية ومنهج حياة يعيش بمقتضاه في صحبة ربه هائما في مواجيده، بينما يتلقاها العقل المتكبر المستبد الجاهل بكبريائه وجهله، مقارنا نفسه بربه، يجادل في الله بغير علم ولا برهان ولا كتاب منير.

وهو في ذلك كالمياه العذبة تتلقاها التربة الطيبة، فتخرج منها ثمارا يانعة تؤتي أكلها كل حين، وتتلقاها المستنقعات الأسنة، فتنتشر روائحها المنتنة في أرجاء الفضاء.

3 ـ غنى العليم:

 الفرق الثالث بين علم الله وعلم خلقه، وهو حقيقة من الحقائق الكبرى التي ندرك بها سر التوحيد في القدر هو أن أن الله غني عليم.

والغنى المطلق يعني تنزه الغني عن أي علاقة له بغيره سواء في ذاته أو في صفاته([18]).

وكما أن الله غني بذاته غنى مطلقا، فهو كذلك غني بصفاته عنهم، فلذلك لا يكون علم الله تعالى مستفادا من المعلومات، بل تكون المعلومات مستفادة منه.

وهذا بخلاف علم العبد الذي يتبع الأشياء ويحصل بها، فلا يعلم الشيء إلا بعد وجوده.

ولا يستغرب هذا الوصف لله، فالله هو مبدع الخلق من العدم، ولا يستحيل على المبدع أن يدرك من أسرار اختراعه ما لا يدركه غيره، ولهذا يختلف علم متعلم الشطرنج عن علم واضعه، ( فإن علم الواضع هو سبب وجود الشطرنج، ووجود الشطرنج هو سبب علم المتعلم، وعلم الواضع سابق على الشطرنج، وعلم المتعلم مسبوق ومتأخر، فكذلك علم الله عز وجل بالأشياء سابق عليها، وسبب لها وعلمنا بخلاف ذلك)([19])

ويضرب النورسي على استقلالية علم الله، واستناد الأشياء جميعا إلى علمه مثلا بما لو أمررنا مادة كيمياوية معينة على كتاب كـُتب بـحبر كيمياوي لا يُرى، فإن ذلك الكتاب الضخم يظهر عياناً حتى يستقرىء كل ناظر اليه.

ومثل هذا يتعين مقدار كل شيء وصورته الـخاصة به في العلم الـمحيط للقدير الازلي، فيمرر القدير الـمطلق قوته – التي هي تـجلٍ من قدرته – بكل سهولة ويسر، كإمرار تلك الـمادة في الـمثال، على تلك الـماهية العلمية، يـمرره بأمر (كن فيكون)، وبقدرته الـمطلقة تلك، وبارادته النافذة.. فيعطي سبحانه ذلك الشيء وجوداً خارجياً، مـُظهراً إياه أمام الأشهاد، مـما يـجعلهم يقرأون ما فيه من نقوش حكمته.

وهكذا يكون علم الله أساسا لمشيئته وتقديره ـ كما سنرى ـ

ويضرب مثلا آخر على ذلك بما لو أن شخصا مـحـبوسا في غرفة صغيرة لايوجد فيها سوى ثقب صغير يطل على الخارج، فعندما تمر قافلة من الإبـل مـن أمـام هذا الثقب، فان هذا السجين سوف يشاهد رأس بعير أولا، ثم رقبته، ثم سنامه، ثم أرجـلـه، ثـم ذنـبه، وهكذا الحال بالنسبة لسائر الإبل الأخرى.

وبذلك يصير ذلك الثقب هو السبب في إيجاد حالات من الماضي والحاضر والمستقبل لدى الناظر السجين، لكن المسألة تختلف تماما بالنسبة لـلواقف على سطح الغرفة، وينظر الى الصحرا نظرة شاملة، فهو يشاهد جميع إبل القافلة في وقت واحد.

ومـن هنا يتضح ان ايجاد مفاهيم الماضي والحال والمستقبل ناجمة عن محدودية نظرة الإنسان، فما هـو مـاض بـالنسبة لنا كان مستقبلا لأقوام قد سبقونا، وماهو مستقبل بالنسبة لنا هو الآن ماض بالنسبة لأقوام سيأتون.

ويضرب مثلا آخر على ذلك، فيقول:( إذا وجدت في يدك مرآة، وفرضتَ المسافة التي في يمينها الماضي، والمسافة التي في يسارها المستقبل، فتلك المرآة لا تعكس الاّ ما يقابلها، وتضم الطرفين بترتيب معين، حيث لا تستوعب أغلبهما، لأن المرآة كلما كانت واطئة عكست القليل، بينما اذا رفعت إلى الأعلى فإن الدائرة التي تقابلها تتوسع، وهكذا بالصعود تدريجياً تستوعب المرآة المسافة في الطرفين معاً في نفسها في آن واحد.

وهكذا يرتسم في المرآة في وضعها هذا كل ما يجري من حالات في كلتا المسافتين. فلا يقال إن الحالات الجارية في إحداها مقدمة على الأخرى، أو مؤخرة عنها، أو توافقها، أو تخالفها) ([20])

وانظلاقا من هذا الأمثلة، فإن الذات التي لا يحصرها مكان، بل لا علاقة لها بالمكان.. بل ولا علاقة لها بالزمان([21]).. قد أحاطت بالأزل والأبد.. فإن الماضي والحاضر والمستقبل بالنسبة لها لا معنى له، فجميع حوادث الدهر ماثلة بين يديها (ولكن كل واحدة في موقعها الخاص)، وهـي محيطة علمابجميع الـحوادث وموجودات العالم، سوا بالماضي، أوبالحاضر، وبالمستقبل بصورة متساوية.

نعم.. إن تصور هذا بالنسبة للعقل المحبوس في مضيق الحس صعب.. ولكن كل الحقائق لا تدل إلا على هذا.. ولا نملك أن نقول في هذا غير هذا.

ولهذا، فإن القرآن الكريم ينص في نصوص كثيرة على أن علم الله لا يرتبط بالمكان والزمان، فالله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (لقمان:34)

ويخبر عن مقالة أهل الجنة وأهل النار قبل أن يقولوا ذلك، بل إن القرآن الكريم يعبر عن ذلك بصيغة الماضي الذي حصل وانقضى، فيقول:{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (الأنعام:128)

ويصور القرآن الكريم مشهدا من مشاهد الآخرة، فيعبر عنه بصيغة لا تفيد إلا شيئا واحدا، وهو أن هذا المشهد مضى وانقضى، قال تعالى:{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37) وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)} (الأعراف)

بل إن الله تعالى يذكر الساعة، فيخبر بأنها أتت، قال تعالى:{ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } (النحل:1)

وهكذا يمتلئ القرآن الكريم بمثل هذه النصوص التي تصف علم الله بكونه علما مستغنيا عن انتظار ما سيحصل ليعلم به ([22]).

* * *

قد يقال بعد هذا: ولكن ظواهر النصوص التي تزعم اعتبارها أصلا تخبر بغير ذلك، فالله تعالى يقول:{ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (آل عمران:140)، فهو يخبر أن مراده من ذلك الابتلاء هو أن يعلم المؤمنين من غيرهم.

ومثله، وفي نفس الموقف قوله تعالى:{ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران:166)

ومثله قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (المائدة:94)

ومثله قوله تعالى:{ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت:3).. وقوله تعالى:{ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} (العنكبوت:11).. وقوله تعالى:{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحديد:25)

بل إن من الآيات ما يقيد ذلك بصيغة الظرف، كما قال تعالى:{ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (لأنفال:66)، فظاهر الآية يدل على أن علم الله حصل بعد أن لم يكن.

بل القرآن الكريم يخبر بأن مراد الله من تصريفات مقاديره هو حصول العلم له بالأشياء، كما قال تعالى:{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} (البقرة:143).. وقال تعالى:{ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً} (الكهف:12).. وقال تعالى:{ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} (سـبأ:21)

بل في آيات أخرى ما قد يدل دلالة أصرح، كما قال تعالى:{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} (آل عمران:142).. وقال تعالى:{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (التوبة:16)، فالآيتان تكادان تصرحان بأن البلاء من وسائل حصول العلم بالمؤمنين، وتمييزهم عن غيرهم.

والجواب عن كل هذا ـ ابتداء ـ هو أن القرآن الكريم الذي نطق بهذه النصوص هو الذي نطق معها وقبلها بالحقائق الغيبية قبل حصولها، فكانت كما أخبر، وقد مر معنا من أمثلة ذلك ما يغني عن إعادته، ولا ينبغي ضرب محكم القرآن الكريم بمحكمه.

فالحقيقة إذن لا جدال فيها، وإنما الجدال الذي قد يحصل هو في التعبير عن الحقيقة، ولا محذور من مخالفة ظاهر التعبير إلى تعبيرات أخرى تؤدي المعنى وتحققه، فاللغة حمالة وجوه.

ومثل هذا ما عبر به الحديث القدسي الذي يقول الله تعالى فيه على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم:( يا ابن آدم مرضت فلم تعدني)([23]) فهذا الحديث أصل في هذا الباب، يفتح المجال لفهم النصوص المتشابهة على ضوء النصوص المحكمة.

فنحن لا نشك في كونه تعالى لا تعتريه الأعراض والحوادث، ولكن النص جاء لغرض معين، فلا ينبغي أن يجادل أحد ويحمل الظاهر على ظاهره، ولو خالف الحقائق القطعية.

وما دام الأمر مجرد تعبير لفظي قد يحمل وجوها مختلفة، فقد اتفق العلماء على أن المراد ليس ما يوهمه ظاهر اللفظ، وإنما المراد معان أخرى:

فمنهم من قال: إن المراد ( علم المعاينة)، فهو وحده العلم الذي يوجب الجزاء.

ومنهم من قال: معناه (إلا ليعلم حزبنا من النبيين والمؤمنين)، وذلك مثل ما يقول الملك: فتحنا البلدة الفلانية، أي: فتحها أولياؤنا.

ويدل لهذا الفهم من النصوص قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يحكيه عن ربه: (استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني ولم يكن ينبغي له أن يشتمني يقول وادهراه وأنا الدهر)([24]).. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يحكيه عن ربه: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب)([25])

ومثله الحديث السابق الذي اعتبرناه أصلا في هذا الباب.

ومنهم من عبر عن معناه بقوله: (ليحصل المعدوم فيصير موجوداً).. ويصبح معنى قوله تعالى:{ إِلَّا لِنَعْلَمَ } (البقرة: 143) في هذا المحل وغيره هو:( إلا لنعلمه موجوداً)

ومنهم من فسر العلم بالتمييز، فقال في الآية السابقة (إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون، فسمي التمييز علماً، لأنه أحد فواائد العلم وثمراته)

ومنهم من فسر العلم بالرؤية، وهذا مما تستعمله العرب في كلامها، ومثله قوله تعالى:{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} (البقرة:243)، وقوله تعالى:{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} (البقرة:246)، وقوله تعالى:{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (البقرة:258).. وغيرها.

ومنهم من ذهب إلى ما ذهب إليه الفراء في تشبيهه هذا بمثال هو أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا، فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار، ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه، فيكون معنى ذلك (لنعلم أينا الجاهل)

وقد اعتبر هذا من جنس قوله تعالى في الاستمالة والرفق في الخطاب { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (سـبأ:24)، فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقاً للخطاب ورفقاً بالمخاطب.

ومنهم من أرحع ذلك إلى معنى (نعاملكم معاملة المختبر الذي كأنه ليعلم)، وهو قول قوي، فالعدل يوجب ذلك.

ومنهم من اعتبر العلم في مثل هذه الآيات صلة زائدة([26])، فيكون معنى قوله تعالى:{ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} (البقرة: 143):) إلا ليحصل اتباع المتبعين، وانقلاب المنقلبين).. ومثل هذا من يقول في الشيء الذي ينفيه الشخص عن نفسه: (ما علم الله هذا مني) أي ما كان هذا مني والمعنى: أنه لو كان لعلمه الله.

وأكثر هذه المعاني مقبول وصحيح، ولكن أجملها وأليقها بطريقة تفكير أهل عصرنا ما عبر عنه الشيرازي بقوله:( عبارة { لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ }(البقرة: 143)، وأمثالها من التعبيرات القرآنية، لا تعني ان اللّه لم يكن يعلم شيئا، ثم علم به بعد ذلك، بل تعني تحقق هذه الواقعيات)

وهذا معنى ذكرناه في سياق تعداد الأقوال، ولكن الجميل في تفسيره قوله:( بـعبارة أوضح، اللّه سبحانه يعلم منذ الأزل بكل الحوادث والموجودات، وإن ظهرت بالتدريج على مسرح الوجود، فحدوث الموجودات والأحداث لا يزيد اللّه علما، بل إن هذا الحدوث تحقق لما كان في علم اللّه.. وهذا يشبه علم المهندس بكل تفاصيل البناء عند وضعه التصميم، ثم يتحول التصميم الى بـنـاء عـملي، والمهندس يقول حين ينفذ تصميمه على الأرض: أريد أن أرى عمليا ما كان في علمي نظريا)

وقال:( إن تعبير (لنعلم) أو (ليعلم) وأمثالها لا يقصد بها أن اللّه لـم يكن يعلم شيئا، وأنه يريد أن يعلمه عن طريق اختبار الناس، بل المقصود هو إلباس الحقيقة المعلومة لدى اللّه لباس العمل والتحقق الخارجي، وذلك لأن الاعتماد على نوايا الاشخاص الداخلية واستعدادهم غير كاف للتكامل وللمعاقبة والإثابة، بل يجب أن ينكشف كل ذلك خلال أعمال خارجية لكي يكون لها تلك الآثار)([27])

ثانيا ـ الإرادة

السر الثاني من أسرار التوحيد في القدر هو أن يعلم المؤمن أن لله تعالى حضورا دائما في الكون، فهو الذي يسيره بلطفه ورحمته ومقتضيات أسمائه الحسنى، فالكون كونه، والإرادة إرادته، والتصريف تصريفه، فهو المهيمن على كل شيء، الملك الذي يخضع الكل لمشيئته.

وهذا هو التوحيد الذي يحرر المؤمن من ربقة التبعية لغير الله، فهو يعلم أن مشيئة الله هي النافذة، وأن مشيئة غيره إن شاء له شيئا وهم وسراب لا حقيقة له، ولذلك ربط صلى الله عليه وآله وسلم بين حقائق القدر، وهذا المعنى في قوله صلى الله عليه وآله وسلم مخاطبا ابن عباس: (يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ اللّه يحفظك، احفظ اللّه تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل اللّه، وإذا استعنت فاستعن باللّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللّه عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)([28])

وقد انشغل البعض عن هذه المعاني العملية الذوقية بالجدل، فتصوروا أن إثبات المشيئة لله يلغي مشيئة عبده، وبذلك يقع العبد في أسر الجبر، وترفع عنه عهدة التكليف، وذهب آخرون إلى إلغاء مشيئة الله حفاظا على مشيئة العبد، فحجروا على الله، وجعلوه مهانا في ملكه، يحدث ما لا يريده، وتقع الأشياء من غير مشيئته.

وهذا الجدل هو نتيجة طبيعية للاكتفاء بالبحث العقلي المجرد بعيدا عن نور الوحي، والعقل لا يمكنه أن يستكنه من الحقائق إلا بعض جوانبها، بل قد يتصور أن اجتماع جوانبها في نسق واحد تناقض تأباه الطبيعة، وتنفر منه.

ولكن الحقائق الشرعية التي امتلأت النصوص بأنوارها تبين هذا الاجتماع، بل تصوره بصورة بديعة الجمال، مكتملة الأركان، لا يشذ فيها طرف عن غيره، ولا ينحرف عن مساره.

بل تجمع بين هذا التناسق العجيب وأثره السلوكي والوجداني، فهي حقائق علمية عملية، بينما أوهام الجدل لا تفرز إلا الحيرة والاضطراب الذي قد يفسد السلوك أو يغرق الوجدان في الظلمات.

وسنحاول في هذا المبحث تجلية هذه الحقائق بذكر الإرادتين جميعا: إرادة الله، وإرادة البشر.

1 ـ إرادة الله:

يرد القرآن الكريم على اليهود الذين قالوا:{ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} (المائدة: 64) أي بخيلة بقوله تعالى:{ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} (المائدة: 64)، أي بل هو الواسع، الجزيل العطاء الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن يمين اللّه ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه)([29])

ومن هذ المنطلق نرى الفرق بين رؤية المؤمنين ورؤية الغافلين سواء كانوا فرقا أو طوائف أو عامة أو خاصة.

فالمؤمن يرى يد الله مبسوطة، تتصرف في الكون تصرفا لا تحده الحدود، بل لا يرى في الكون إلا ما شاء الله له أن يكون، فهو يتعرف على الله من خلال مشيئته وتصريفه وتسييره لدفة الكون.

بينما يرى الغافل يد الله مغلولة، وكأنه خلق الكون، ثم اعتزل وتركه، أو أنه خلق الكون ـ كما يعتقد بعض العامة ـ وكتب مقاديره، ثم ترك الملائكة أو غيرهم تتصرف فيه، فلا حضور لله ولا مشيئة له.

والنظرة العرفانية الأولى، والتي توحد الله في المشيئة والإرادة لا ترى أي تناقض في الكون، لسبب بسيط، وهو أن الله هكذا أراد الكون.

ومثال ذلك مثال الرسام الذي يرى أن كل لون من ألوان لوحته في مكانه المناسب، فقد يكون اللون في بعض المواضع حيا مونقا مليئا بالسعادة، ويكون في مواضع أخرى أسود مظلما، تنبعث منه الكآبة، والرسام مريد للجميع، لأن الصورة لا تكتمل إلا بوجود الجميع.

أو مثال ذلك مثال المخرج البارع الذي يصور في فيلمه كل المشاهد الفرحة والحزينة، وهو يريد ذلك كله ويقدم عليه، لأن حقيقة الفيلم لا تقوم إلا به، بل هو يعلم أنه لو وضع فيلما خاليا من تلك المشاهد المتناقضة قد لا يكون فعل شيئا مذكورا.

وهكذا، ولله المثل الأعلى إرادة الله تعالى، فقد توجهت إرادته لوجود هذا الكون بهذه الصورة البديعة، المتكاملة المتناسقة، والقرآن الكريم يصرح بأن مشيئة الله هي التي اقتضت وجود الكون وأحداثة بهذه الصورة.

بل إن النصوص الشرعية تحثنا على مراعاة رد المشيئة لله في كل أمر، وتخبر عن مراعاة الأنبياء والصالحين في تعابيرهم للاستثناء بمشيئة الله:

قال تعالى عن يوسف u لما التقى بأهله، وطلب منهم الدخول إلى مصر:{ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } (يوسف:99)

وقال عن موسى u في استجابته للخضر u:{ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً}  (الكهف:69)

وقال عنه في رده على الشيخ الصالح:{ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} (القصص: 27)

وقال عن إسماعيل u في استجابته لوالده:{ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (الصافات: 102)

وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الاستثناء في كل الأمور، فقال للأمة عبر خطابه لأصحابه:( ألا هل من مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية)، قالوا:( نعم يا رسول اللّه نحن المشمرون لها)، قال:( قولوا:( إن شاء اللّه)، قال القوم:( إن شاء اللّه)([30])

ودخل مرة على بعض الأعراب يعوده، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم:( لا بأس طهور إن شاء اللّه)، وكان الأعرابي جلفا غليظا، فقال:( طهور، بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور)، قال:( فنعم إذن)([31])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يراعي الاستثناء بمشيئة الله في كل أحواله، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إني واللّه إن شاء اللّه لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها)([32])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء) ([33])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(  لكل نبي دعوة مستجابة دعا بها في أمته فاستجيب له، وإني أريد إن شاء الله تعالى أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ([34])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم لما حاصر الطائف:( إنا قافلون غدا إن شاء الله) وقال لما قدم مكة:( منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة) وقال يوم بدر:( هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان إن شاء الله)، وقال في بعض أسفاره:( إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم ثم إنكم تأتون الماء غدا إن شاء الله)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم في زيارة المقابر:( وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)([35])

وجاء رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله! لدغت الليلة فلم أنم حتى أصبحت، قال:( ماذا؟)، قال:( عقرب)، قال:( أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك شيء إن شاء الله تعالى)([36])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم في قصة نومهم في الوادي:( إن الله تعالى قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء، يا بلال قم فأذن الناس بالصلاة)([37])

بل قد ورد في النصوص ما يفيد أثر التقصير في رد المشيئة إلى الله تعالى من عدم تحقق المطالب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى عن أصحاب الجنة الذين أقسموا ليجذن ثمرها ليلاً، لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ولا يتصدقوا منه بشيء:{ وَلا يَسْتَثْنُونَ } (القلم:18)، أي فيما حلفوا به، بأن يقولوا: إن شاء الله، ثم قال بعدها مباشرة:{ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ} (القلم:19)، أي أصابتها آفة أهلكتها.

وإلى ذلك الإشارة أيضا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لولا أن بني إسرائيل قالوا:{ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} (البقرة:70) لما أعطوا، ولكن استثنوا)([38])

وقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن إشراك مشيئة أي كان مع مشيئة الله، فقال 🙁 قد كنت أكره لكم أن تقولوا ( ما شاء الله وشاء محمد)، ولكن قولوا ( ما شاء الله ثم شاء محمد)([39])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان)([40])

وجاء رجل الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكلمه في بعض الأمر، فقال الرجل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( ما شاء الله، وشئت) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( أجعلتني لله عدلا، بل ما شاء الله وحده)([41])

* * *

انطلاقا من هذه الآداب الإيمانية سنرحل ـ بصحبة القرآن الكريم ـ لنرى بعض تفاصيل مشيئته تعالى، فالكلام المجمل قد يكفي العقل، ولكنه يقصر عن ملء الوجدان أو تحريك السلوك.

ولذلك يكثر في القرآن الكريم رد الأمر إلى مشيئة الله بصيغ مختلفة، فتارة يخبر أن كل ما في الكون بمشيئته، وتارة يخبر أنه إن ما لم يشأ لم يكن، وتارة يخبر أنه لو شاء لكان خلاف الواقع، أو لو أنه شاء لكان خلاف القدر الذي قدره وكتبه، فدل كل ذلك على أن كل شيء واقع فبمشيئته، وأن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته.

وهذه النصوص التي سنذكرها، وهي نماذج عن غيرها من النصوص ترجع جميعا إلى مقتضيات أسماء الله الحسنى، لأن مشيئة الله الفعلية تابعة لصفات الله، وصفات الله هي ما دلت عليه أسماء الله الحسنى، فلذلك سنذكر المشيئة الإلهية تابعة لبعض الأسماء المقتضية لها، وفيما نذكر من الأسماء إشارة إلى غيرها من الأسماء التي لا بد أن تكون لها مقتضياتها([42]).

إرادة الخالق البارئ المصور:

من أسماء الله تعالى الخالق البارئ المصور، وهي أسماء تدل على طلاقة القدرة في الإبداع والاختراع بمستوياته الثلاثة: التقدير وهو ما يدل عليه اسم الخالق، والإيجاد على وفق التقدير وهو ما يدل عليه اسم البارئ، والتصوير بعد الإيجاد، وهو ما يدل عليه اسم المصور.

فكل بناء يحتاج إلى هذه المستويات الثلاثة، فأي بناء يحتاج إلى ( مقدر يقدر ما لا بد له منه من الخشب واللبن ومساحة الأرض وعدد الأبنية وطولها وعرضها، وهذا يتولاه المهندس فيرسمه ويصوره، ثم يحتاج إلى بناء يتولى الأعمال التي عندها يحدث أصول الأبنية، ثم يحتاج إلى مزين ينقش ظاهره ويزين صورته)([43])

 وهذا في بناء الخلق أما بناء الله، فهو يرجع إلى الله الواحد الأحد، فهو الخالق البارئ المصور، ولذلك تظهر في جميع مخترعاته ومخلوقاته صفة الوحدة.

والقرآن الكريم يخبرنا، بل يربي نفوسنا على أن لله تعالى الإرادة المطلقة في هذه المستويات الثلاثة:

أما مستوى الإرادة المطلقة في الخلق، فالله تعالى يخبرنا بأنه يخلق من شاء ومتى شاء، قال تعالى:{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } (ابراهيم:19)، وقال تعالى:{ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } (فاطر:16)، وقال تعالى:{ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً } (النساء:133)

وعندما تعجب زكريا u من أن يكون له ولد بعد أن كبرت سنه، وكانت امرأته عاقرا رده الله إلى مشيئته، قال تعالى:{ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } (آل عمران:40)

وعندما تعجبت مريم ـ عليها السلام ـ ردها الله إلى المشيئة، قال تعالى:{ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (آل عمران:47)

فخلق الله من خلال هذه النصوص يرجع إلى مشيئة الله المتفردة، فليس هناك من يفرض على الله ـ تعالى الله وتقدس ـ أن يخلق شيئا أو أن لا يخلق.

ولذلك من الأخطاء التي وقعت فيها بعض الطوائف زعمهم بأن من مقتضيات كون الله خالقا أن يخلق في الأزل، وهو قول مناف لمشيئة الله المطلقة، فمشيئة الله لا يقال لها: افعلي أو لا تفعلي.

وقد غاب عن هؤلاء أن ( السيف يسمى قاطعا وهو في الغمد، ويسمى قاطعا حالة حز الرقبة، فهو في الغمد قاطع بالقوة وعند الحز قاطع بالفعل، والماء في الكوز مرو، ولكن بالقوة وفي المعدة مرو بالفعل، ومعنى كون الماء في الكوز مرويا أنه بالصفة التي بها يحصل الإرواء عند مصادفة المعدة، وهي صفة المائية، والسيف في الغمد قاطع أي هو بالصفة التي بها يحصل القطع إذا لاقى المحل، وهي الحدة إذ لا يحتاج إلى أن يستجد وصفا آخر في نفسه)([44])

وكذلك، ولله المثل الأعلى، صفة الخالق لله تعالى، فهو خالق في الأزل بالمعنى الذي به يقال الماء الذي في الكوز عذب، وفي السيف أنه قاطع.

ومن الخطأ الكبير أن يقال له ـ تعالى وتقدس ـ:( ما دمت خالقا، فلا بد أن تخلق)

وهذا الحجر للمشيئة أصاب مثله كثيرا من صفات الله تعالى، فصفات الله تعالى أزلية لم تحدث بعد أن لم تكن وإنما مقتضياتها قد تحدث، فيتصرف الله معها وفق مشيئته.

أما المستوى الثاني، وهو مستوى الإيجاد بعد التقدير، وهو ما يدل عليه اسم ( البارئ)، فقد ورد في النصوص ما يدل على مشيئة الله المطلقة في ذلك، ومنه قوله تعالى:{ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً } (الفرقان:45)

ومن هذا الباب ما من الله تعالى على عباده من جعل الكون على الصفة التي تصلح لعباده مع أن مشيئته وقدرته مطلقة يمكنها أن تفعل غير ذلك:

ومن ذلك قوله تعالى في نعم الحواس:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} (الأنعام:46)

ومن ذلك قوله تعالى فيما لو شاء، فجعل الليل سرمدا:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ} (القصص:71)

أو لو شاء فجعل النهار سرمدا:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ} (القصص:72)

أو لو شاء فجعل الماء غورا:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} (الملك:30)

أو لو شاء جعل الرياح ساكنة:{ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (الشورى:33)

وهكذا يعيش المؤمن في ظلال القرآن الكريم، وهو يرى الاحتمالات المختلفة للأشياء تطوف به ليعيش في كدرها وضيقها إلى أن يرى يد الله تعالى مبسوطة له بالخير من كل جهة، فيعيش في رحاب المنة، ولذة الشكر، والفرح بالله، أما الجاهل المجادل، فيظل يسأل كيف، ولماذا، ويظل يفرض أحكامه على الله إلى أن تفرض أحكام الله عليه.

أما المستوى الثالث وهو مستوى التصوير بعد الإيجاد، وهو مايعبر عن اسم ( المصور)، فقد ورد في النصوص ما يدل على مشيئة الله المطلقة في ذلك:

فالله تعالى يمن على عباده أن عدل صورهم في نفس الوقت الذي كان قادرا على تشويهها، قال تعالى:{ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} (الانفطار:7 ـ 8)

وقال عن مشيئته المرتبطة بتصوير الجنين:{ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران:6)

وقال تعالى يمن على عباده بقوة أجسامهم وسلامتها:{ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} (الانسان:28)، وقد ورد عن ابن عباس في تفسيرها:( لغيرنا محاسنهم إلى أسمج الصور وأقبحها)

ويذكر الله تنوع الكائنات في طريقة مشيها، ويستدل بذلك على طلاقة مشيئته، قال تعالى:{ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (النور:45)

وينبه تعالى إلى النظر في أطوار الخلق التي يمر بها الإنسان ليعاين طلاقة المشيئة الإلهية في التصوير، قال تعالى:{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} (الروم:54)

ويذكر الله تعالى الصور المختلفة والطاقات المختلفة الموهوبة للملائكة ـ عليهم السلام ـ وينبه بذلك إلى طلاقة مشيئته، قال تعالى:{ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (فاطر:1)

وإدراك المؤمن ـ الذي قد تضايقه صورته الدنيوية ـ لهذه المشيئة الإلهية المطلقة في التصوير تجعله يعيش في راحة تامة، بل في سرور عظيم، فالله ـ أولا ـ هو الذي صوره بهذه الصورة، وهو يرضى ما اختار الله له من صور.

وهو ـ ثانيا ـ يعيش آملا في فضل الله أن يبدله بتلك الصورة التي رضيها في الدنيا صورا أجمل في الآخرة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم مخبرا عن نعيم الجنة:( إن في الجنة لسوقا ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها)([45])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فيها كثبان المسك فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادوا حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا)([46])

أما الغافل، فيظل مكتئبا حزينا يعارض مشيئة ربه، غافلا عن حكمته ورحمته.

إرادة النافع الضار:

من أسماء الله الحسنى ( النافع الضار) وهما الاسمان المتعلقان بجميع ما يصدر في الكون مما يسمى نفعا أو ضرا، سواء نسب ذلك إلى الله مباشرة أو نسب للملائكة أوالإنس أو الجمادات، فمشيئة الله تعالى وراء كل ذلك، يقول الغزالي:( فلا تظنن أن السم يقتل ويضر بنفسه، وأن الطعام يشبع وينفع بنفسه، وأن الملك والإنسان والشيطان أو شيئا من المخلوقات من فلك أو كوكب أو غيرهما يقدر على خير أو شر أو نفع أو ضر بنفسه، بل كل ذلك أسباب مسخرة لا يصدر منها إلا ما سخرت له)([47])

وما نراه من نفع أو ضار صادر من الأشياء، فنتوهمه منها وبها، فننحني شكرا لها، أو نتنحى هيبة منها وهم كبير أفرزته الغفلة عن مشيئة الله، فكل ما نراه ( بالإضافة إلى القدرة الأزلية كالقلم بالإضافة إلى الكاتب في اعتقاد العامي، وكما أن السلطان إذا وقع بكرامة أو عقوبة لم ير ضرر ذلك ولا نفعه من القلم، بل من الذي القلم مسخر له، فكذلك سائر الوسائط والأسباب)

بل إن الغافل هو الذي يرى القلم مسخرا للكاتب، أما العارف فيعلم أن الكل مسخر بيد الله ومشيئته الكاتب والقلم وسائر الأسباب والوسائط.

وقد عبرت النصوص عن هذه المعاني مخبرة أن النفع والضر بيد الله ورهن مشيئته، يقول تعالى آمرا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:{ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (لأعراف:188)، وقال تعالى:{ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ } (يونس:49)

ويخبر الله تعالى أن هذه المشيئة المطلقة في الضر والنفع هي من مقتضيات الألوهية، قال تعالى:{ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (المائدة:76) أي لا يقدر على دفع ضر عنكم، ولا إيصال نفع إليكم.

ولهذا يخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن مشيئة الله قادرة على أن ترزقه من الخير في الدنيا ما يحولها إلى جنة في ناظريه، قال تعالى:{ تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً } (الفرقان:10)

وفي نفس الوقت يملؤنا بمعاني التوحيد حين لا نرى الضر والنفع إلا من الله، قال تعالى:{ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } (يونس:107)

واعتقاد المؤمن في مشيئة الله المطلقة في الضر والنفع، يجعله في حصن منيع، وهو يرى ما دون الله كالهباء، لا يملك له نفعا ولا ضرا، فيتحرر من رق الرغبة والرهبة، وكيف يرغب أو يرهب، وهو يردد قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللّه عليك)([48])

وتحرر المؤمن من الرغبة والرهبة هو الذي يجعله مطمئنا سعيدا من جهة، وهو الذي يحرره من العقبات النفسية التي تحول بينه وبين الدعوة إلى الله، كما قال عبد اللّه بن مسعود 🙁 إن الرجل ليغدوا بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء يلقى الرجل ليس يملك له ضرا ولا نفعا فيقول له إنك والله كيت وكيت فلعله أن يرجع ولم يحظ من حاجته بشيء)

وعلى عكس ذلك أخبر الله تعالى عن مقالة إبراهيم u لقومه في عزة المؤمن عندما خوفوه بكل ألوان التخويف، قال تعالى:{ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ } (الأنعام: 80)

ثم عقب بعدها بسر الأمن النفسي العظيم الذي واجه به كل تلك المخاوف بقوله:{ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنعام:81)، وهذا دليل على أن التوحيد هو الدرع الوحيد الذي يقي من كل المخاوف.

ومثله مقالة نبي اللّه هود u لقومه عندما قالوا له:{ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء } (هود: 53 ـ 54)، فرد عليهم:{ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } (هود:من الآية:54 ـ 56)

إرادة الخافض الرافع:

و( الخافض والرافع) من أسماء الله الحسنى المركبة، ويعني أو يعنيان جميعا أن الله تعالى هو المتفرد بالخفض والرفع، فيرفع من يشاء ويضع من يشاء، ومثله في الدلالة الاسم الكريم ( المعز المذل) أي أن الله هو الذي يعز من يشاء، وهو الذي يذل من شاء، قال تعالى:{ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران:26)

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية:( اسم اللّه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران) وقرأ الآية([49])، وفي ذلك إشارة إلى أن من أدرك مالكية الله للملك وما يترتب على ذلك من طلاقة المشيئة في الرفع والخفض والإعزاز والإذلال، وانفراده تعالى بذلك سيحرره من كل توجه إلى غير الله، وهذا التحرر هو نفسه اليقين الذي تستجاب به الدعوة.

ومن نتائج طلاقة المشيئة في هذه الأسماء ما عليه البشر من الدرجات المختلفة المتفاوتة، كما قال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } (الأنعام:165)

ورد الله تعالى على المعترضين الذين قالوا:{ لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم} (الزخرف: 31) بأن مشيئة الله تعالى هي التي تقسم بين الناس معايشهم كما تقسم بينهم درجاتهم، قال تعالى:{ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (الزخرف:32)

وقد كان لانتشار هذا المعنى في المجتمع الإسلامي تأثيره الكبير في تلك العلاقة الأخوية التي ربطت بين طبقات المجتمع المختلفة، فلم يحصل فيها الصراع الذي حصل في سائر المجتمعات.

وسر ذلك أن الفقير ـ بعد أن يبذل جهده في الخروج من فقره ـ يرضى بما قسم الله، فلا يحسد غنيا، بل يستغني بفقره لله عن افتقاره لغيره([50])، وهو ـ فوق ذلك ـ يعلم أن الرفعة الحقيقية هي رفعة القرب من الله لا رفعة المال والجاه، ولهذا، فإن أكثر ما يرد في القرآن الكريم من الرفعة هي رفعة درجات المؤمنين، قال تعالى عن خليله u:{ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (الأنعام:83)،

ومثل ذلك الغني، فإنه يحمد الله على غناه، ولا يستكبر به على غيره، ويعلم بعد ذلك أن هذه الرفعة التي أتيحت له رفعة من الله، ولذلك يتصرف فيها وفق ما أمر الله.

وقد يراد بها ـ بالإضافة إلى هذا ـ طلاقة مشيئة الله في إيتاء الملك من يشاء، ونزعه ممن يشاء، كما قال تعالى عن لوط u:{ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:247)

وقال تعالى عن يوسف u:{ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (يوسف:76)، وقال تعالى:{ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (يوسف:56)

وقد يقال هنا: فمادام الأمر بيد الله وبمشيئته لا بيد صناديق الاقتراع أو الانتخابات أو الأحزاب، فلماذا لا يجعل الله تعالى الملك في يد الفئة المؤمنة الطاهرة لينتظم البشر في سلك العبودية لله كانتظام الكون جميعا؟

وهذا السؤال لا يطرحه إلا غافل عن حكمة الله تعالى في التولية والعزل، فإن حكمة الله تعالى اقتضت أن لا يولى على كل قوم إلا ما هو من جنسهم، كما ورد في الحديث الشريف:( كما تكونوا يولى عليكم)([51])

ومن نتائج إدراك المؤمن لهذه المشيئة استسلامه ليد الله، وهي تخفضه أو ترفعه في منازل الدنيا، عالما أن كل ما يفعله الله به من مقتضيات لطفه ورحمته، فقد يجعل الله تعالى بلطفه عاقبة خفض الجب وظلمة السجن رفعة ملك، قال تعالى عن يوسف u معبرا عن هذه الحقيقة:{ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (يوسف: 100)

بل مثل ذلك حصل للثلة المؤمنة التي كانت تصهر في صحراء مكة، قال تعالى:{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} (النور: 55)

فإن لم يحصل بعض ذلك في الدنيا، فإن درجات الآخرة التي يعيش لها المؤمن أعظم بكثير من درجات الدنيا، قال تعالى:{ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} (الاسراء:21)

وإدراك المؤمن لكل هذا يجعله صاحب همة عالية لا تنزل به إلى السفاسف، وكيف ينزل إلى السفاسف من ينتسب إلى إله منه يبدأ كل شيء، وإليه يعود كل شيء، ولا يعجزه شيء.

إرادة المعطي المانع:

من أسماء الله تعالى الدالة على طلاقة المشيئة اسمه المركب ( المعطي المانع)([52])، وهو يفيد أن كل ما يحصل في الكون من عطاء وأرزاق وهبات هي فضل من الله تعالى، وكل ما فيه من منع فهو من مقتضيات حكمته تعالى.

ومن أسمائه تعالى الدالة على هذا المعنى كذلك اسمه المركب ( القابض الباسط)، وهو يعني أن كل ما في الكون من قبض أو بسط هو من نتائج مشيئة الله وإرادته وحكمته.

ومن موارد قبض الله وبسطه ما ذكره الغزالي بقوله:( الله هو الذي يقبض الأرواح عن الأشباح عند الممات، ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة، ويقبض الصدقات من الأغنياء ويبسط الأرزاق للضعفاء، يبسط الرزق على الأغنياء حتى لا يبقي فاقة ويقبضه عن الفقراء حتى لا يبقي طاقة، ويقبض القلوب فيضيقها بما يكشف لها من قلة مبالاته وتعاليه وجلاله، ويبسطها بما يتقرب إليها من بره ولطفه وجماله)([53])

وقد ورد في القرآن الكريم الآيات الكثيرة المخبرة عن مقتضيات هذين الأسماء الحسنى، ومنها الإخبار بأن الأرزاق المفاضة على الناس بقدر أو بغير قدر هي من نتائج طلاقة المشيئة الإلهية، وقد ورد التعبير عن هذه الحقيقة الضخمة بصيغ مختلفة:

منها الإخبار بأن ذلك من مقتضيات خبرته بعباده، فهو أعلم أين يضع الغنى وأين يضع الفقر، قال تعالى:{ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً } (الاسراء:30)، وقال تعالى:{ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (العنكبوت:62)

ومنها الإخبار بأن الناس بجهلم لا يدركون هذه الحقيقة، وهذا يعني لو أنهم علموا وتأملوا لتحققوا بهذا المعنى، قال تعالى:{ قلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } (سـبأ:36)

ومنها الإخبار بأن في هذه الحقيقة آيات للمؤمنين يتعرفون من خلالها على الله القابض الباسط، قال تعالى:{ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الروم:37)، وقال تعالى:{ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (الزمر:52)

 ومنها الإخبار بأن هذا التوزيع للأرزاق هو لطف من الله بعباده، والذي يقتضي أن يتعامل مع كل طرف بما يصلح له، قال تعالى:{ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ } (الشورى:19)

ومن أسباب هذا اللطف في التقدير بغي العباد لو بسطت عليهم الأرزاق، قال تعالى:{ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} (الشورى:27)

وأول الآثار التي يتركها هذا الإدراك لمشيئة الله المطلقة هو أن لا يحصل للمؤمن ما حصل للغافلين من ندب حظهم المتعثر الذي أوقعهم في الفقر بينما يتنعم الجاحدون في ضيافة الله بما شاءوا من النعم، فالمؤمن يعتقد أن كل ذلك متاع أدنى لا يستحق زفرة حزن واحدة، قال تعالى:{ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ } (الرعد:26)

ويقص علينا القرآن الكريم مقالة الذين تمنوا مكانة قارون بعد أن رأوا مصيره، قال تعالى:{ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } (القصص:82)

ولذلك، فإن المؤمن يترفع عن نظرة الغافل، ويطلب من يد الله المبسوطة نحوه الأرزاق الشريفة التي لا تنقطع، قال تعالى:{ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } (البقرة:261)، وقال تعالى:{ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } (النور:38)

ومن الأرزاق التي يطلبها المؤمن الحكمة التي هي هبة من الله يمن بها على من شاء من عباده، قال تعالى:{ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (البقرة:269)

ومن نتائج هذه النظرة أن يعلم المؤمن أن كل فضل مبسوط فهو ببسط الله ولا يستطيع أي مخلوق تقديره أو قبضه، قال تعالى:{ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } (الحديد:29)، أي ليتحققوا أنهم لا يقدرون على رد ما أعطاه اللّه ولا إعطاء ما منع اللّه.

ومن نتائجها ألا يحول الخوف على رزقه من تنفيذ أوامر الله، ولهذا ينهى الله تعالى المؤمنين أن يجعلوا من خوف العيلة علة لترك المشركين يزورون المسجد الحرام، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:28) وقد روي في سبب نزول الآية أن المشركين كانوا يجيئون إلى البيت بالطعام يتجرون فيه، فلما نهوا عن إتيان البيت، قال المسلمون: أين لنا الطعام؟ فأنزل اللّه الآية.

ومن نتائجها أن يلجأ إلى الله في طلب رزقه معتقدا أن الله يرزق بغير حساب، قال تعالى عن مريم ـ عليها السلام ـ:{ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (آل عمران:37)

ومن نتائجها أن يفيض يده بالنفقة في وجوه الخير عالما بأن الخلق من الله، قال تعالى:{ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (سـبأ:39)

ومن نتائجها ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يتأدب مع أسماء الله الحسنى ـ بعد أن غلا السعر على عهده فقالوا يا رسول الله لو سعرت ـ فقال:(إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال)([54])

فقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم التدخل في حرية السوق نوعا من التدخل في مشيئة الله القابض الباسط([55]).

ومن نتائجها ما عبر عنه (ف. س. بودلي) عندما عايش بعض المجتمعات الإسلامية، وأرى تأثير هذه الحقائق فيها، فكتب تحت عنوان (عشت في جنة الله) يقول:( في عام 1918أوليت ظهري للعالم الذي عرفته طيلة حياتي، ويممت شطر إفريقية الشمالية الغربية، حيث عشت بين الأعراب في الصحراء، وقضيت هناك سبعة أعوام، أتقنت خلالها لغة البدو، وكنت أرتدي زيهم، وآكل من طعامهم، وأتخذ مظاهرهم في الحياة، وغدوت مثلهم أمتلك أغناماً، وأنام كما ينامون في الخيام، وقد تعمقت في دراسة الإسلام حتى أنني ألفت كتاباً عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنوانه (الرسول)، وقد كانت تلك الأعوام التي قضيتها مع هؤلاء البدو الرحل من أمتع سني حياتي وأحفلها بالسلام والاطمئنان والرضى بالحياة.

وقد تعلمت من عرب الصحراء التغلب على القلق، فهم ـ بوصفهم مسلمين ـ يؤمنون بالقضاء والقدر، وقد ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان، وأخذ الحياة مأخذا سهلاً هيناً.

فهم لا يلقون أنفسهم بين براثن الهم والقلق على أمر، إنهم يؤمنون بأن ما قدر يكون، وأنه لا يصيب الفرد منهم إلا ما كتب الله له، وليس معنى ذلك أنهم يتواكلون، أو يقفون في وجه الكارثة مكتوفي الأيدي، كلا، ودعني أضرب مثلاً لما أعنيه:

هبت ذات يوم عاصفة عاتية، حملت رمال الصحراء، وعبرت بها البحر الأبيض المتوسط، ورمت بها وادي الرون في فرنسا، وكانت العاصفة حارة شديدة الحرارة، حتى أحسست كأن شعر رأسي ينتزع من منابته، لفرط وطأة الحر، وأحسست من فرط القيظ كأنني مدفوع إلى الجنون، ولكن العرب لم يشكوا إطلاقا، فقد هزوا أكتافهم، وقالوا كلمتهم المأثورة: (قضاء مكتوب)، ولكنهم ما إن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير، فذبحوا صغار الخراف قبل أن يودي القيظ بحياتها، ثم ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء، فعلوا هذا كله في صمت وهدوء دون أن تبدو من أحدهم شكوى.. بل قال رئيس القبيلة:لم نفقد الشيء الكثير، فقد كنا خلقاء بأن نفقد كل شيء، ولكن حمداً لله وشكراً، فإن لدينا نحو أربعين في المائة من ماشيتنا، وفي استطاعتنا أن نبدأ بها عملنا من جديد)

إرادة الهادي المضل:

من أسماء الله تعالى ( الهادي المضل)، ومن مقتضيات هذين الاسمين أن كل ما يقع في الكون من ألوان الهداية أو الإضلال فبمشيئة الله، فالله تعالى ( هو الذي هدى خواص عباده أولا إلى معرفة ذاته حتى استشهدوا بها على الأشياء، وهدى عوام عباده إلى مخلوقاته حتى استشهدوا بها على ذاته، وهدى كل مخلوق إلى ما لا بد له منه في قضاء حاجاته)([56])

والله تعالى كذلك هو المضل الذي وضع جميع الأسباب التي يهتدي بها الموقنون ويضل بها الغافلون، قال تعالى:{ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الأنعام:39)

ولذلك يخبرنا الله تعالى بأن ما نراه من مشاهد الضلال ليس خارجا عن مشيئته، بل هو من مقتضياتها، قال تعالى:{ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (السجدة:13)

ويعلل الله تعالى ذلك بغناه المطلق عن خلقه، قال تعالى:{ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } (الأنعام:133)

فلذلك يرى المؤمن في الضلال الموجود على الأرض غنى الله المطلق عن خلقه، قال تعالى:{ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} (الزمر: 7)، وقال تعالى مخبرا عن مقالة موسى u:{ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} (ابراهيم: 8)

وقد ورد في الحديث القدسي الجليل:( يقول اللّه تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)([57])

ويرى أن جهده النابع من إيمانه لهداية الناس ليس إلا سببا هزيلا، أما النتيجة فهي بإذن الله، قال تعالى:{ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } (البقرة: 272)، وقال تعالى:{ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } (القصص:56)، وقال تعالى:{ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ } (الغاشية:22)

وسر ذلك أن كتابة الإيمان في القلب فضل من الله، وهذا الفضل لا يكون إلا بإذنه، كما قال تعالى:{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ } (يونس:100)

ولهذا نهي عن الإكراه على الإيمان، فقد عقب تعالى قوله:{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} (يونس: 99) بقوله تعالى:{ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين} (يونس: 99)

ولهذا كذلك يتكرر في القرآن الكريم النهي عن الحزن لضلال الضالين، لأن ذلك لا يخرج عن إرادة الله في خلقه، قال تعالى:{ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (فاطر: 8)، وقال تعالى:{ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً } (الكهف:6)، وقال تعالى:{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } (الشعراء:3)

ولذلك يأمر تعالى بالتسليم لله في أمر هداية الخلق وإضلالهم بعد القيام بالأسباب المشروعة، قال تعالى:{ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً} (الرعد:31) أي: ألم ييأس الذين آمنوا من إيمان جميع الخلق ويتبينوا أن لو يشاء اللّه لهدى الناس جميعا.

ومن النتائج الكبرى لهذه المعرفة أن يتوجه المؤمن بالشكر على هدايته الإيمان كما قال تعالى مخبرا عن مقالة المؤمنين لأقوامهم:{ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ } (الأنعام: 71)، وقال تعالى:{ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} (ابراهيم:12)، وقال تعالى مخبرا عن مقالة أهل الجنة بعد دخولها:{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ } (لأعراف: 43)

أما الغافلون عن هذه الحقائق، فهم الذين يمنون على الله بإيمانهم، وبالتالي يطالبون بالجزاء على هذا الإيمان، وقد قال تعالى مخبرا عنهم ورادا عليهم:{ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } (الحجرات:17)

وهذه المعارف تجعل المؤمن يعيش في استقرار وطمأنية عظيمة، وهو يعلم أن الله الرحمن الرحيم وحده الهادي، فيستهديه في كل أحواله، كما كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول:( اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)([58])

وكان يقول:( اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها، اللهم أنعشني واجبرني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق، فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت)([59])

وأوصى عليا بأنه يقول 🙁 اللهم اهدني، وسددني)، وعلمه ما يستشعره أثناء هذا الدعاء، فقال:( واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم)([60])

بل كما يقول المؤمن في كل صلاة:{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } (الفاتحة:6)

هذه بعض آثار إدراك المؤمن لمشيئة الله المطلقة في الهداية والإضلال، أما علاقة ذلك بالعدل الإلهي والحكمة الإلهية، فسنعرض لها في محالها من الفصلين التاليين.

* * *

وننبه هنا إلى أن هناك فرقا كبيرا بين إرادة الله الشيء ومحبته له أو رضاه عنه، فإن الله أراد كل ما في الكون، لكن محبته ورضاه متعلقان بأمور معينة منه، فقد ذكر الله تعالى أن له الخلق والأمر، كما قال تعالى:{ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (لأعراف: 54)

وأمره تعالى نوعان: أمر قدري يتعلق بإرادته خلق الكون على ما هو عليه.

وأمر شرعي، وهو الأمر المتعلق بمحبته ورضاه وبغضه وسخطه.

فالله تعالى بناء على هذا أراد المعاصي، ولكنه سخطها وأبغضها، وأراد الطاعات ورضيها وأحبها.

وبناء على هذا، فإن الأمر يستلزم الإرادة الدينية، ولا يستلزم الإرادة الكونية، فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعا ودينا.

بل قد يأمر بما لا يريده قدرا وتكوينا، كأمر الله تعالى إبراهيم u بذبح ابنه، فلم يرده تعالى كونا وقدرا، وإن كان أراده أمرا.. ولهذا حال بينه وبين تنفيذه، قال تعالى:{ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) } (الصافات)

والعقل لا يحيل هذا المعنى، بل إن الكثير من تصرفاتنا تقوم بموجبه، فالأستاذ يمتحن تلاميذه، وهو يريد منهم بامتحانهم أي إجابة، صحيحة كانت أو خاطئة، ليرى مدى استيعابهم لدروسهم.

وهو مع هذه الإرادة يرضى عن الإجابات الصحيحة، ويحب المجيبين بها، ويكره الإجابات الخاطئة، ويعاقب مسجليها بالعلامة التي تتناسب مع كسلهم وعدم اهتمامهم.

وهكذا ـ ولله المثل الأعلى ـ أمر الله مع خلقه، فهو يمتحنهم مريدا منهم كل الإجابات، ولكنه لا يرضى إلا السليم منها.

والقرآن الكريم يعبر عن الإرادة التشريعية بالألفاظ الدالة على محبته ورضاه، كما قال تعالى:{ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُم} (الزمر: 7)، وقال تعالى:{ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (البقرة:205)، وهي كثيرة سنذكرها في محالها.

ولكنه مع ذلك قد يعبر بنفس التعابير الدالة على الإرادة القدرية.. وهنا قد يحصل الاشتباه، ولذل سنذكر بعض الأمثلة على ذلك هنا:

فلفظ الإرادة ـ مثلا ـ قد يعبر به عن الإرادة القدرية كقوله تعالى:{ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ } (الأنعام: 125)، وقوله تعالى عن نوح u:{ وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (هود:34)، وقوله تعالى:{ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} (البقرة: 253)

وقد يعبر به عن الإرادة التشريعية الأمرية كقوله تعالى:{ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185)، وقوله تعالى:{ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (النساء:26)، وقوله تعالى:{ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً} (النساء:28)، وقوله تعالى:{ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة: 6)

ومثل ذلك لفظ ( الكتابة) فقد يراد به الإرادة الكونية، كقوله تعالى:{ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (التوبة:51)، وقوله تعالى:{ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (المجادلة:21)، وقوله تعالى:{ وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} (الحشر:3)

وقد يراد به الإرادة التشريعية، كقوله تعالى:{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (البقرة: 178)، وقوله تعالى:{ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} (البقرة:180)، وقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183)، وقوله تعالى:{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ } (البقرة: 216)

ومثل ذلك لفظ ( الإذن)، فقد يعبر به عن الإرادة القدرية، كقوله تعالى:{ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} (البقرة: 102)، وقوله تعالى:{ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 249)، وقوله تعالى عن المسيح u:{ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ } (آل عمران: 49)

وقد يعبر به عن الإرادة التشريعية، كقوله تعالى:{ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} (الحشر:5)، وقوله تعالى:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} (يونس:59)

ومثل ذلك لفظ ( الجعل) فقد يعبر به عن الإرادة القدرية، كقوله تعالى:{ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ} (يّـس:8)، وقوله تعالى:{ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} (الأنعام: 125)

وقد يعبر به عن الإرادة التشريعية كقوله تعالى:{ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} (المائدة:103)

ومثل ذلك لفظ ( التحريم)، فقد يعبر به عن الإرادة القدرية كقوله تعالى:{ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ } (القصص: 12)، وقوله تعالى:{ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} (المائدة:26)

وقد يعبر به عن الإرادة التشريعية كقوله تعالى:{ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (البقرة:173)، وقوله تعالى:{ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} (الأنعام:119)

 ومثل ذلك لفظ ( الأمر)، فقد يعبر به عن الإرادة التشريعية كقوله تعالى:{ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} (البقرة: 27)، وقوله تعالى:{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (البقرة: 67)، وقوله تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (النساء: 58)، وقوله تعالى:{ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} (المائدة: 117)

وقد يعبر به عن الإرادة القدرية، كقوله تعالى:{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} (الاسراء:16)

وقد كانت هذه الآية محل خلاف كبير بين المفسرين، بل استغلها بعض المبشرين للتشنيع على المسلمين بأن ربهم يأمر بالفساد، وهذا كله من سوء الفهم للآية.

ومثل ذلك ما ورد في السنة من بيان ما وضع الله من أسباب لإرادة الخير بالعبد، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من يرد الله به خيرا يفقه في الدين) ([61]

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( من يرد الله به خيرا يصب منه) ([62])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ألا اعلمك كلمات؟ من يرد الله به خيرا يعلمهن اياه ثم لا ينسيه إياهن أبدا قل: اللهم انى ضعيف فقو في رضاك ضعفي وخذ إلى الخير بناصيتى، واجعل الاسلام منتهى رضاى، اللهم انى ضعيف فقونى، وانى ذليل فأعزني، وانى فقير فارزقني)([63])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق)([64])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا أراد بعبيد خيرا رزقهم الرفق في معاشهم، وإذا أراد بهم شرا رزقهم الخرق في معاشهم)([65])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا أراد الله بالامير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكره لم يعنه)([66])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ذا أراد الله بقوم سوءا جعل أمرهم إلى متر فيهم)([67])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا أراد الله بعبد خيرا أرضاه بما قسم، وبارك له فيه)([68])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه، وتقاه في قلبه، وإذا أراد بعبد شرا جعل فقره بين عينيه)([69])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله، قيل: كيف يستعمله؟ قال: يفتح له عملا صالحا بين يدي موته حتى يرضى من حوله)([70])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا أراد الله بعبد خيرا طهره قبل موته، قيل: وما طهور العبد؟ قال: عمل صالح يهلمه إياه حتى يقبضه عليه)([71])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له قفل قلبه، وجعل فيه اليقين والصدق، وجعل قلبه واعيا لما سلك فيه، وجعل قلبه سليما ولسانه صادقا وخليقته مستقيمة، وجعل أذنه سميعة وعينه بصيرة)([72])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا أراد الله تعالى بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة)([73])

وغيرها من النصوص الكثيرة التي تنبهنا إلى مرادات الله لنراعيها، وننال ثمارها.

2 ـ إرادة البشر:

من أكبر المغالطات التي وقع فيها الإنسان هو جداله في وجود إرادته، أو في جدواها.

وصعوبة الرد على هذه المغالطة لا ينبع من كونها حقيقة كبرى تحتار الأدلة في نقضها، وإنما لكونها وهما كبيرا يصعب اجتثاثه، لأن اجتثاثه ـ حسب هذا الوهم ـ يتطلب إلغاء إرادة الله.

وأشبه المغالطات بهذه المغالطة هو مقالة السوفسطائية بإلغاء المحسوس، فلذلك يختار مجادلهم في المنطلق الذي يبدأ منه، فإن كلمهم بالعقل نفوه، فالعقل البشري يعتمد في قضاياه على الحس، وإن جادلهم بالحس نفوه، لأنه لا وجود له في أوهامهم.

وأحسن رد عليهم هو أن يذهب عنهم هذا الوهم بألم يصيبهم به ليشعروا بأن هناك حسا، وأن له أثرا، وأنه أثر مر، فينتقلون من هذه المرارة التي زرعها هذا الحس فيهم إلى اليقين بغيرها من المحسوسات، ثم ينتقلون من اليقين بالمحسوسات إلى اليقين بالمعقولات.

وهكذا الأمر مع نفاة إرادة البشر، اعتمادا على إرادة الله، فإن خطابهم بالحس ينقلهم إلى المعنى، وخطابهم بشؤون الدنيا ينقلهم إلى شؤون الآخرة.

فيقال لهذا المجادل في إرادته:( إن الأرزاق والضر والنفع بمشيئة الله)، فاترك السعي، بل اترك الأكل والشرب، فإن من أجبرك على الطاعة والمعصية ـ حسب وهمك ـ هو الذي أخبر بأنه يطعم ويرزق.

فإن أبى، فهو علامة على أن مصدر هذا الوهم هو الهوى، أو مصدر هذا الوهم استكبار العقل.

أما إرادة العقل البحث عن حقيقة الحقائق، وهي ( كيف)، فهذا سؤال الوهم لا سؤال العقل.

ولنضرب مثلا بسيطا قد يرفع هذا الوهم، وهو ما يطرحه بعضهم عند ذكر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم من أنه ( لماذا لم يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قومه من باب النبوءة بالمخترعات الحديثة؟.. ولماذا لم يخبر بالنظريات العلمية الكثيرة بصيغها العلمية، فيكون في ذلك الإخبار نبوءة عظمى قد تتحول البشرية جميعا بموجبها إلى الإسلام؟)([74])

والجواب عن هذا بسيط، وهو أنه لو كان الأمر كذلك لاحتار المخاطبون، بل لكذبوا، ولا يستطيع إقناعهم بحقيقة ما قال إلا بعد نقلهم من ذلك التخلف إلى ذلك الازدهار المادي الذي يتحدث عنه.

وكذلك الأمر بالنسبة لمن يجادل في الجمع بين إرادة الله وإرادة البشر ـ ولله المثل الأعلى ـ فهو يريد بعقله الضعيف وطاقته المحدودة أن يحد الألوهية بحدوده البشرية، بل يريد ـ ليفهم حقيقة الأمر ـ أن يصبح إلها حتى يدرك حقيقة الجمع بين إرادة الله المطلقة وحرية البشر.

لذلك، فإن هذه المسألة لا تحل عبر الجدل، ولعلها هي المقصودة بالنهي عن الحديث في القدر، وإنما تحل عبر الشعور والإحساس، وفي نفس الوقت الإيمان واليقين، فالشعور والإحساس باب لإدراك الحرية، والإيمان واليقين باب للوصول إلى حقائق التوحيد.

هذا من جهة..

ومن جهة أخرى، لو غيبت عن هذا المجادل جميع حقائق التوحيد التي تجعل الأمر لله من قبل ومن بعد، ثم قيل له: أتشك في الفرق بين نبضات قلبك وحركات يدك، أم تشك في كون الفكر الذي تفخر به وليد خلايا دماغك، أو تشك في مسؤوليتك على تصرفاتك؟

إن أي عاقل لا يعتريه الشك في هذا، بل لا يكاد يحطر على باله مثل هذا السؤال لو لم تطرح حقائق التوحيد.

فيقال له بعد هذا: ما يضيرك أن يكون الله عالما باختيارك قبل أن تختاره، أوعالما بمشيئتك قبل أن تشأها، أو أنه هو الذي حرك حركاتك لتتمكن من فعل ما فعلته، فهل يقول بعد هذا: إذن كنت مجبرا دون أن أشعر؟

ولنضرب مثالا مقربا لهذا المعنى: وهو أن الشرطة مثلا قد تعلم بعصابة ما، ثم تعلم عزمها على ارتكاب جريمة ما، ومع ذلك لا تقبض عليها، بل تترك لها حرية التصرف لتقبض عليها وهي متلبسة بالجريمة التي تريد ارتكابها، بل قد تساعدها، فتوفر لها الأجواء المناسبة لارتكاب الجريمة([75]).

فهل يقبل عذر هذه العصابة لو اعتلت بعلم الشرطة وتسهيلاتها على أنها كانت مجبرة على جريمتها؟

أم أن الشرطة هي المعذورة في ذلك التصرف، بل هو مقتضى العدالة التي تمثلها، لأنها لو قبضت على العصابة في غير ذلك الوضع، لأنكرت جرائمها، ويكون لها من جهة العدالة الحق في ذلك الإنكار.

بمثل هذا المنطق تحدثنا النصوص المقدسة عن حقيقة الجمع بين إرادة الله وإرادة البشر، فهي تنص على كلا الإرادتين، وتخبر على أن الله تعالى يتعامل مع الخلق بكلتا الإرادتين.

أما الإرادة الأولى، فهي من مقتضيات التوحيد، وأما الإرادة الثانية، فهي من مقتضيات العدل.

ولذلك فإن القرآن الكريم يعقب على أفعال العباد المكتسبة بأنها لم تحصل خارجة عن مشيئة الله، بل هي في إطار مشيئته، ليجمع القلب على التوحيد بعد تذكيرهم بمسؤوليتهم في عالم الأسباب.

ومن ذلك قوله تعالى في إثبات ضرر السحر الذي هو فعل المكلف:{ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} (البقرة: 102)، ثم تعقيبه بعدها بأن هذا الضرر لا يحصل إلا بإذن الله:{ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } (البقرة: 102)

ومن ذلك قوله تعالى إثبات كسب المخالفين والمعادين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً } (الأنعام: 112)، ثم قوله بعدها في إثبات التوحيد:{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } (الأنعام: 112))

ومن ذلك قوله تعالى في إثبات كسب المشركين من قتل أولادهم التشنيع عليهم بذلك:{ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُم} (الأنعام: 137)، ثم التعقيب على ذلك بالرد إلى التوحيد:{ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ } (الأنعام: 137} } (الاَنعام 6: 137).

ومن ذلك قوله تعالى في إثبات وقوع الشرك من المشركين بنسبتهم إلى الشرك:{ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام: 106)، ثم قوله بعدها في إثبات أن شركهم لا يخرج عن مشيئة الله:{ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} (الأنعام: 107)

ومن ذلك قوله تعالى في إثبات كسب العبد لمشيئة الاستقامة:{ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} (التكوير:28)، ثم تعقيبه بعدها بما يقتضيه التوحيد من إرجاع مشيئة العبد إلى مشيئة الله:{ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير:29)

ومن ذلك قوله تعالى في إثبات كسب العبد ومشيئته في السلوك إلى الله:{ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} (الانسان:29)، ثم تعقيب ذلك بإرجاع المشيئة إلى الله:{ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} (الانسان:30)

ومن ذلك قوله تعالى في إثبات كسب العباد في التذكر بالقرآن الكريم:{ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55)} (المدثر)، ثم تعقيبه على ذلك بإرجاع المشيئة إلى الله إثباتا للتوحيد:{ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ } (المدثر:56)

* * *

 انطلاقا من هذه المعاني التي تسلم لها العقول السليمة، ويذكر بها القرآن الكريم في المناسبات المختلفة نرجع إلى النصوص التي استندنا إليها في معرفة طلاقة الإرادة الإلهية، لنرى المدى الذي وهبه الإنسان من إرادة وحرية لا حدود لها.

مدافعة الأقدار:

لا يشبه التأكيد الذي وردت به النصوص في الحث على الإيمان بقدر الله وقضائه ومشيئته إلا التأكيد الذي وردت به في الحث على مدافعة ما نتوهمه من أقدار.

فالشرع الذي أمرنا بالإيمان بالقدر هو الذي أمرنا بمنازعة القدر.

بل إن الذي ينازع القدر أعرف بالله من الذي يستسلم له وأكثر تواضعا وأعظم أدبا، فالذي يستسلم للقدر الذي يتصوره يجعل من نفسه خبيرا بأقدار الله، فلذلك يستسلم لأي عقبة تحصل له في حياته ويسميها قدر الله.

بينما الذي ينازع القدر يدرك أن أي حركة يفعلها أو أي اتجاه اتجه إليه هو قدر الله:{ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } (البقرة: 115)، فلذلك يعرف الحق لأهله، فيتأدب مع عالم الحكمة كما تأدب مع عالم القدرة.

وهو أكثر معرفة لأنه يعرف الله بجميع أسمائه الحسنى وصفاته العليا، بينما المستسلم لا يعرف من أسماء الله إلا ما يبرر تواكله وعجزه.

ولهذا جمع صلى الله عليه وآله وسلم بين حقائق التوحيد في القدر، وبين القوة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)([76]

وقد حض صلى الله عليه وآله وسلم على هذه المنازعة ليرد الأوهام عن التطبيقات الخاطئة للإيمان بالقدر لما قيل له:( أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟) فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( هي من قدر الله تعالى)([77])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا يغنى حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما ينزل، فإن البلاء ينزل فليقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة)([78])

وإلى هذا المعنى أشار قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( يقول الله يا ابن آدم انما هى أربع واحدة لى وواحدة لك وواحدة بينى وبينك وواحدة بينك وبين خلقى، فأما التى لى فتعبدنى لاتشرك بى شيئا، وأما التى لك فعملك أجزيك به أحوج ما تكون اليه، وأما التى هى بينى وبينك فمنك الدعاء وعلى الإجابة، وأما التى بينك وبين خلقى فأت الى الناس بما تحب أن يأتوه اليك) ([79])

فهذا الحديث نظم علاقات المؤمن حتى لا يطغى بعضها على بعض، ومن أهم ما نظمه علاقة المؤمن بالله.. فالله هو الرب الإله.. والعبد هو المربوب المتوجه لله بالعبودية.. وأول ما يقتضيه هذا التوجه أن لا ينازع العبد ربه في ربوبيته فينفي قدره، وأن لا يتخلى عن وظائف عبوديته، بحجة قدر ربه.

التسليم للأقدار:

قد يقال بعد هذا: كيف يقال هذا.. ونحن نرى المسلمين بعلمائهم وأوليائهم، بل بمصادرهم النصية يتحدثون عن التسليم للمقادير.. وأن الكمال في ذلك التسليم، وأن من نازع الأقدار كان خصما لله، وللنظام الذي أراد الله؟

والجواب عن هذا.. هو أن كل ما تحدث عنه في هذا الجانب يحمل على نوعين:

أما النوع الأول، وهو الذي أمر الشرع بالتسليم له تسليما مطلقا، وعدم منازعته في شيء، فهو القدر الذي ليس للإنسان فيه أي اختيار، لأن منازعته لا دور لها إلا تحطيم قلب صاحبها من غير أن يكون لها أي تأثير عملي.

وهذا النوع من التسليم في الحقيقة هو نوع من الدعوة إلى العمل والاجتهاد، لأن أكبر ما يقعد الإنسان عن العمل الجاد الماضي بآلامه والمستقبل بمخاوفه، لهذا قال تعالى:{ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } (الحديد:22) ثم قال بعدها:{ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } (الحديد:23)

أي أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تيأسوا على ما فاتكم ولا تفخروا على الناس بما أنعم اللّه به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا بكدكم، وإنما هو عن قدر اللّه ورزقه لكم.

فكلا الأمرين مما ذكرته الآية الكريمة يحول بين الإنسان والعمل الصالح الجاد، فالأول هو الوهن الذي يسببه تحمل جميع أثقال الماضي، والثاني هو البطر الذي يسببه الفرح بالحاضر، والإيمان بالقدر يقي من كليهما.

فإذا وقي الإنسان من كليهما توجه بكليته للعمل الجاد المثمر الذي أتيح له التحكم فيه.

ولذلك، فإن الذين ينكرون على المؤمنين ما طبعوا عليه من تسليم الأمر لله في مثل هذا لا يفعلون شيئا في الحقيقة سوى رميهم في أتون الإحباط أو البطر الذي يجعلهم مستعبدين لذواتهم بعيدين عن ربهم، ومن ثم بعيدين عن كل عمل إيجابي.

أما النوع الثاني، وهو ما يدخل من التسليم فيما يرتبط بالجوانب الاختيارية، والتي للإنسان فيها الإرادة المطلقة.. فمرادهم من ذلك المزاوجة والجمع بين الإقبال على العمل بهمة المكتسب الذي يعتقد تأثير العمل في حصول المطلوب، وبين الاعتقاد بقدر الله، وأن كسب الإنسان أقصر من أن يحقق نفعا، أو يدفع ضرا.

فبكلتا النظرتين يستقيم السلوك بجانبيه: السلوك الظاهر بالعمل الصالح، والسلوك الباطن بأدب الباطن.

وقد تقاسم هاتين النظرتين في التاريخ الإسلامي، بل في تاريخ الأمة الإسلامية من زمنها الطويل فريقان: العلماء بالحث على السلوك الظاهر، والعارفون بالحث على المشاعر الباطنة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى كلا الفريقين بقوله تعالى:{ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } (المائدة: 44)، وقوله تعالى:{ لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (المائدة:63)، وقوله تعالى:{ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَم} (التوبة: 31)

فهذه الآيات جميعا تذكر أن ورثة الأنبياء هم الأحبار، والرهبان، والمراد بالحبر: المهتم بالنواحي الشعائرية والطقوسية الظاهرة من العبادات، والمراد بالرهبان: المهتمون بالجوانب الشعورية الروحية، اشتقاقا من الرهبة التي تعني مخافة الله.

ومن الأخطاء الكبيرة التي يقع فيها الكثير من الناقدين هي تمييزهم بين النظرتين أو ترجيح إحداهما على الأخرى، أو أن الانتساب إلى إحداهما يلغي الانتساب إلى أخرى.

مع أن كلا النظرتين تكمل الأخرى، وتؤيدها، بل لا يكمل أحدهما إلا بالآخر.

وسنحاول انطلاقا من هذا أن نجمع بين النظرة السلوكية والنظرة الوجدانية فيما يتعلق بهذا الجانب، جمعا بين النصوص من جهة، وجمعا بين أقوال العلماء من جهة أخرى في ناحية من النواحي السلوكية المهمة، وهو الدعاء.

فالأدب مع النصوص الواردة في الأمر بالدعاء، والأدب مع النصوص الواردة في القضاء والقدر يستدعي التسليم لهما جميعا، فلا يقتضي الأدب مع القدر تجاهل الدعاء، ولا يقضي التعرف على سببية الدعاء تجاهل القدر.

وقد تحقق هذا المعنى في منتهى كماله في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان يعطي لكل مقام حقه من العبودية، ولعل أدل مثال على ذلك ما وقع منه في غزوة بدر، فقد أراه الله مصارع المشركين حتى أنه أخذ يريها للصحابة([80]).. ومع ذلك لم يكف صلى الله عليه وآله وسلم من الإلحاح على ربه في الدعاء، عن علي قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح([81]).

وفي يوم المعركة كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكف عن الدعاء، مع يقينه بنصر الله، فعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو في قبة يوم بدر: (اللهم أني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لاتعبد بعد اليوم)([82])

قد يستشكل هذا..

وللجواب على هذا الاستشكال نقول: للدعاء جانبان، وقد تقاسم الحديث عن كل واحد منهما أحبار المسلمين ورهبانهم، أو علماؤهم وأولياؤهم، أو متكلموهم وصوفيوهم.

الجانب سلوكي:

أما الجانب الأول، وهو الجانب السلوكي، فهو يستدعي القول بأثر الدعاء العظيم في تحقيق المطالب، وهو ما صرحت به النصوص تصريحا لا جدال فيه.

وبما أن العلماء هم الذين ركزوا على هذا الجانب، فسنذكر كيف عالج ابن القيم هذه المسألة، باعتباره ممن أفاض فيها كثيرا في كثير من كتبه، قال في ( الجواب الكافي): ( والدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلأ يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل وهو سلاح المؤمن)([83])

 وذكر أن أثره محقق لا محالة، ولكن ما قد يبدو من عدم تأثيره لا يرجع تفسيره إلى قدر الله السابق، بل يرجع إلى أمرين:

الأمر الأول: يعود إلى الداعي، بأن لا يكون محققا لشروط الدعاء، قال ابن القيم:( والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير، فإن كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعى لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء أو كان ثم مانع من الاجابة لم يحصل الأثر) ([84])

ولذلك فإن للدعاء في منازعته القدر ـ كما يذكر ابن القيم ـ ثلاث مقامات ( أحدها أن يكون أقوي من البلاء فيدفعه، الثاني أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا، الثالث أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه) ([85])

وإلى هذا المعنى أشار صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:( لا يغنى حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان الى يوم القيامة)([86])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا يرد القدر الا الدعاء، ولا يزيد في العمر الا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)([87])

والأمر الثاني يعود إلى لطف الله ورحمته، بأن يعلم الله أن الخير في غير ما سأل عبده، فيعطيه من الخير ما يغنيه عن سؤاله، وإلى هذا المعنى يشير العارفون ـ كما يعبر على لسانهم ابن عطاء الله بقوله:( لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك ؛ فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد)

وإلى ذلك أشار في الحكمة الأخرى بقوله:( ربما منعك فأعطاك وربما أعطاك فمنعك)

بل ذلك ما يدل عليه قوله تعالى:{ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 216)

أما السؤال المشهور، والناتج من عدم قدرة الوهم على الجمع بين القدر السابق، وتأثير الدعاء اللاحق، وهو ( أن المدعو به إن كان قد قدر لم يكن بد من وقوعه دعا به العبد أو لم يدع، وان لم يكن قد قدر لم يقع سواء سأله العبد أو لم يسأله)([88])، فقد اختلفت الإجابة عليه، وسنذكر بعضها مطبقين ما سبق ذكره لمحاولة التوصل إلى وجه الحق في المسألة:

فمن الآراء في المسألة من غلب التوحيد، ونفى سببية الدعاء، بل نفى الدعاء مطلقا، ومنشأ هذا الوهم هو عدم إدراك أصحاب هذا الرأي لحقيقة سببية الدعاء.

فالدعاء سبب من الأسباب، لا يختلف عن سائر الأسباب التي يمارسها كل البشر في جميع الأحوال، قال ابن القيم في الرد عليهم:( وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم متناقضون، فإن اطرد مذهبهم لوجب تعطيل جميع الأسباب، فيقال لأحدهم: إن كان الشبع والري قد قدرا لك فلا لا بد من وقوعها أكلت أو لم تأكل، وإن لم يقدرا لم يقعا أكلت أو لم تأكل.. فهل يقال هذا عاقل أو آدمي، بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الاسباب التي بها قوامه وحياته، فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالانعام بل هم أضل سبيلا) ([89])

وذهب آخرون إلى اعتبار الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض الذي يطلب به العبد مجرد الثواب من غير أن يكون له أي تأثير في تحقيق المطلوب، ولا فرق عند هؤلاء بين الدعاء والامساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب.

بل إن ارتباط الدعاء عند هؤلاء بتحقيق المطلوب كارتباط السكوت، لا فرق بينهما.

وهذا الرأي يتناقض مع ما صرحت به النصوص من جعل الله تعالى الدعاء سببا في تحقيق المطالب، بل هو يتناقض أصلا مع تشريع الدعاء، بل يعتبر قوله تعالى:{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (غافر: 60) قولا لا معنى له.

بل كل ما ورد من النصوص الحاثة على الدعاء، والمخبرة عن إجابة الله تعالى دعاء الداعين وتضرع المتضرعين لا حقيقة لها.

وذهب آخرون إلى اعتبار الدعاء علامة جعلها الله تعالى أمارة على قضاء الحاجة، فمتى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له على أن حاجته قد قضيت، وشبهوا ذلك بدلالة الغيم الأسود في الشتاء على أنه يمطر.

وعمموا هذا القول على جميع الطاعات والمعاصي، فهي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب، لا أسباب حقيقية له.

بل هكذا الأمر في جميع ما يحدث في الكون من آثار، فكلها أمارت فالكسر مع الانكسار ليس سببا، بل لا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه الا مجرد الاقتران لا التأثير السببي ([90]).

وقد أنكر ابن القيم هذا القول، واشتدا في الإنكار، بل اعتبراهم مخالفين لـ ( لحس والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء بل أضحكوا عليهم العقلاء)([91]) مرجحا القول بالسببية عل كونه أمارة.

ولا نرى صحة هذا الإنكار، بل نرى أن الاختلاف فيها مجرد اختلاف نظري لا مبرر له، ولا حاجة إليه، أو هو اختلاف تنوع، أو هو اختلاف في التفسير لا أثر له.

فسواء قلنا بأن الدعاء أمارة أو سبب لا يختلف الأمر بالنسبة للداعي، ولا يقعده ذلك عن الدعاء، بل إن القول بكون الدعاء أمارة قد يكون أكثر تأثيرا في الدعوة إلى استعمال الدعاء من القول بالسببية.

فالداعي إذا عرف أن الدعاء علامة على استجابة الله قد يجعله أكثر إقبالا إليه من اعتقاده سببا، فالسبب قد يقصر عن تحقيق المطلوب بخلاف جعله علامة.

وقد عبر الشاعر عن هذا المعن بقوله:

لو لم ترد نيل ما أرجوه وأطلبه      من جود كفيك ما علمتنى الطلبا

والناحية الأخرى هو الأثر الروحي الذي يتركه اعتقاد كون الدعاء أو العبادة أمارة لا سببا في حد ذاته، والذي سنراه في الجانب المعرفي.

الجانب المعرفي:

بما أن دور العارفين التربوي هو الحديث عن الجوانب المعرفية المتعلقة بالتكاليف الشرعية، وجمع القلوب على حقائق التوحيد، تكميلا لدور الفقهاء، لا مناقضة لهم، فقد ألحوا على جانب مراعاة العبودية في الدعاء مع الاعتقاد بالمنة لله في الدعاء او في تحقيقه، ولذلك قال أبو الحسن الشاذلي:( لا يكن همك في دعائك الظفر بقضاء حاجتك فتكون محجوباً، وليكن همك مناجاة مولاك)، وقال ابن عطاء الله:( لا يكن طلبك تسبباً إلى العطاء منه، فيقل فهمك عنه. وليكن طلبك لإظهار العبودية، وقياماً بحقوق الربوبية)

ثم علل كون الطلب لا يكون سبباً للعطاء بثلاث علل:

أما العلة الأولى، فعبر عنها بقوله:( كيف يكون طلبك اللاحق سبباً في عطائه السابق؟)، فعطاء الله للعبد عطاء أزلي سابق، وهو السبب في العطاء الحادث، والسبب لا بد من تقدمه على المسبب، وهو كما قال الواسطي: أقسام قسمت، وأحكام أجريت، كيف تستجلب بحركات أو تنال بسعايات؟

أما العلة الثانية، فعبر عنها بقوله:( جل حكم الأزل أن ينضاف إلى العلل)، أي أن حكم الله يتنزه ويتقدس أن يؤثر فيه أي مؤثر.

أما العلة الثالثة، فعبر عنها بقوله:( عنايته فيك لا لشيء منك، وأين كنت حين واجهتك عنايته، وقابلتك رعايته؟ لم يكن في أزله إخلاص أعمال، ولا وجود أحوال. بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال، وعظيم النوال)

وهذا هو الأثر الإيماني اللذيذ الذي يعمر القلب بحلاوة الإيمان، فعناية الله الأزلية هي السبب في كل نعمة، وهذا ما يشعر القلب بمحبة الله واصطفائه على الكثير من خلقه، وهو ما يجعله يعبد الله مستشعرا منته عليه، وإحسانه السابق إليه.

فهذا هو مقصود العارفين من ذكر التوحيد بجانب الدعاء، فالدعاء سبب شرعي معتبر، ولكن الشرع الذي شرع الدعاء وبين تأثيره في قضاء الحوائج هو الذي بين سبق عناية الله بعبده، فيفنى العارف في الفضل السابق، وينشغل الغافل بالسبب اللاحق.

وقد ورد عن بعض العارفين في بعض أحوالهم ترك الدعاء رضى بالقسمة الإلهية وعدم منازعة الأقدار، كما قال معبرا عن ذلك ابن عطاء الله بقوله:( ربما دلهم الأدب على ترك الطلب ؛ اعتماداً على قسمته ؛ واشتغالاً بذكره عن مسألته)

أي قد يكون من الأدب الباطن مع الله ترك السؤال والطلب، اشتغالا بالذكر أو رضى تصاريف الأقدار ؛ وقد ورد ما يؤيد هذا من النصوص كقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي:( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)([92])

أو قد يكون حالهم كحال الواسطي الذي قال معبرا عن حالة وجدانية خاصة:( أخشى إن دعوت أن يقال لي: إن سألتنا مالك عندنا فقد اتهمتنا، وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد أسأت الثناء علينا، وإن رضيت أجرينا لك من الأمور ما قضينا لك في الدهور)

فهذا القول من الواسطي تعبير عن حالة وجدانية معينة، وليس تعبيرا عن مذهب أو فكرة كما قد يتصور.

والأدلة على ذلك كثيرة في مواقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي كان يكتفي فيها بتصاريف الأقدار عن الإلحاح في الدعاء.

ومن القرآن الكريم قد يستدل على ذلك بتأخر طلب أيوب u وصبره تلك الفترة الطويلة، قال تعالى:{ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (الانبياء:83)، فقد روي أنه مكث في البلاء مدة طويلة ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له، كان يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم واللّه لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه اللّه فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل، حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب عليه السلام: ما أدري ما تقول غير أن اللّه عزَّ وجلَّ يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران اللّه، فارجع إلى بيتي فأكفّر عنهما كراهية أن يذكرا اللّه إلا في حق)([93])

والأصرح من ذلك تأخر دعاء نوح u على قومه كل تلك السنين الطويلة، ومثله تأخر دعاء إبراهيم u وزكريا u في طلب الولد إلى أن بلغا من العمر عتيا، كما قال تعالى عن زكريا u:{ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً} (مريم:4 ـ5)

فزكريا u مع علمه بأنه لم يكن بدعاء ربه شقيا، أي ولم يعهد من الله إلا الإجابة في الدعاء، إلا أنه لم يستعمل هذا السلاح إلا بعد أن اضطر إليه اضطرار.

ولذلك تختلف دعوات الأنبياء والمؤمنين في القرآن الكريم عن أدعية الغافلين المقصورة على المصالح العاجلة، بل إن دعواتهم أشبه بمناجاة الله منها بالدعاء.

ثالثا ـ الكتابة

السر الثالث من أسرار التوحيد في القدر هو كتابة الله تعالى مقادير الأشياء وتسجيلها وفق ما في العلم الإلهي، وقد وردت النصوص الكثيرة الدالة على كتابة الله لكل شيء، كما قال تعالى:{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } (الحج:70)

فالله تعالى يخبرنا عن كمال علمه بخلقه، وإحاطته بما في السماوات وما في الأرض، وعلمه بشؤون الكائنات كلها قبل وجودها، ثم كتابة ذلك في كتاب، ثم اعتبار كل ذلك يسيرا لا تعجز عنه الربوبية.

ويخبرنا الله تعالى أنه كتب في هذا الكتاب مقادير جميع الأشياء حتى الورقة الساقطة والحبة والرطب واليابس، فقال تعالى:{ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (الأنعام:59)

 وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم بأن الله تعالى ( قدّر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء)([94])، وأخبر أن ( أول ما خلق اللّه القلم، فقال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة)([95])

ووردت الأحاديث الكثيرة الدالة على أن الله كتب مقادير كل شيء.

وقد أخذ بهذه النصوص من تصوروا الأمر جبرا، وأن العباد لا حظ لهم من الحرية والاختيار والمسؤولية على أعمالهم.

وفي نفس الوقت ورد ما يدل على أن هذه المقادير تنسخ وتبدل وتغير، كما قال تعالى:{ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } (الرعد:39)

وقد ورد في الأحاديث الكثيرة الإخبار بمغالبة الأقدار المكتوبة، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)([96])، وورد في الحديث أن صلة الرحم تزيد في العمر([97])، وفي حديث آخر:( إن الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض)([98])

فما سر هذا الاختلاف؟

وهل تمحى المقادير، أم هي ثابتة لا تتغير؟

وهل في مقدور الإنسان الضعيف الهزيل أن يبدل مقادير الشقاوة مقادير سعادة؟

والجواب عن هذا ـ والله أعلم ـ هو أن التأمل في النصوص الواردة في كتابة الله تعالى للمقادير ومحاولة الجمع بينها تدل على أن هناك ثلاثة أنواع من الكتب: كتب كتبت فيها المقادير الأبدية، وكتب كتبت فيها الأقدار المؤقتة، وكتب كتبت فيها سنن الكون وقوانينه، وتفصيل ذلك وأدلته نعرفها في المباحث التالية:

1 ـ المقادير الأبدية:

وهي المقادير المستمدة من علم الله وخبرته بالأشياء قبل وجودها، فالله تعالى ـ كما بينا في هذا الفصل ـ يعلم كل شيء، وفي كل الأحوال.

وهذه الكتب لا تغيير فيها ولا تبديل، فهي كتب وصفية لما يحدث، أو تدبيرية لما يحدث، وهي مما استأثر الله بعلمه، وقد يطلع على بعضه من شاء من خلقه كما سنرى.

وهذا الكتاب الحاوي لهذه المقادير هو المقصود بقوله تعالى:{ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد:39)، فأم الكتاب في اللغة تدل على الأصل الذي يرجع إليه، فالعرب تسمي كل جامع أمراً أو مقدم لأمر ( أُمّاً)، فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ ( أم الرأس)، ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها ( أمّاً)

 ولهذا سميت الفاتحة أم الكتاب، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم عنها:( الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثانى)([99])

وسميت الآيات المحكمات التي لا تغيير فيها ولا تبديل، والتي يرجع إليها عند الاشتباه أم الكتاب، كما قال تعالى:{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (آل عمران:7)، فالمراد بأم الكتاب هنا أصله الذي يرجع إليه عند الإشتباه.

وهذا الكتاب هو المقصود بـ (الإمام المبين) في قوله تعالى:{ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } (يّـس:12) أي جميع الكائنات مكتوبة في كتاب مسطور مضبوط هو الإمام المبين.

والإمام في التعبير الشرعي يراد به المتبوع والأصل الذي يرجع إليه غيره، كما قال تعالى:{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ} (القصص:41)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: ليتبع كل أمة ما كنت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الاصنام والانصاب إلا يتساقطون في النار حتى لم يبق إلا من يعبد الله من بر وفاجر)([100])

وهو المقصود باللوح المحفوظ، كما قال تعالى:{ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } (البروج:22)

وهو المقصود بالكتاب المكنون، كما قال تعالى:{ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ } (الواقعة:78)

ومن خلال هذه التسميات المختلفة لهذا الكتاب نستطيع تلمس ثلاث خصائص لهذا الكتاب هي: الشمولية، والحفظ، والستر.

ومعرفة هذه الخصائص أساسية لمن يريد أن يرفع الشبه الكثيرة التي تطرح في هذا المجال.. بل لا يمكنه أن يرفعها إلا بمعرفتها، وسنبين كيفية ذلك فيما يلي:

الشمولية:

وهي اشتمال هذا الكتاب على كل التفاصيل التي خرج بها الكون من العدم إلى الوجود، كما قال تعالى:{ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} (الأنعام:38) أي أن الله تعالى أثبت في اللوح المحفوظ كل ما يقع من الحوادث([101]).

وقد ذكر القرآن الكريم والسنة المطهرة التفاصيل الكثيرة الدالة على كتابة الله للصغير والكبير من أحداث الكون، قال تعالى:{ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (الأنعام: 59)، فأخبر تعالى أنه سجل حركة الأشجار وغيرها من الجمادات في هذا الكتاب.

وأخبر تعالى أن كل ما يحدث في الكون من أنواع المصائب مسجل في هذا الكتاب، قال تعالى:{ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحديد:22)

وأخبر أنه لا تموت نفس إلا وعند الله علمها، وأنه سجلها في ذلك الكتاب، قال تعالى:{ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} (قّ:4)([102])

وأخبر أن هذا الكتاب هو الذي تحدث الأشياء كل الأشياء وفقه، قال تعالى:{ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (لأنفال:68)

وأخبر عن مقالة موسى عندما سأله فرعون عن حال القرون الأولى، فقال: { عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى} (طـه:52)

بل نص على أن كل شيء مسجل في هذا الكتاب تسجيلا واضحا بينا، فقال { وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (النمل:75)([103])

وأخبر تعالى عما يحويه هذا الكتاب من تفاصيل حياة الإنسان وأعماله، فقال:{ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (يونس:61)

وأخبر تعالى عن احتواء هذا الكتاب على أعمار الإنسان، قال تعالى:{ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (فاطر: 11)

وفي هذا الكتاب كل ما يتعلق بتفاصيل شقاوة العباد وسعادتهم وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خلقهم، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في جنازة في بقيع الغرقد، ومعه مخصرة فنكس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال:( ما منكم من أحد – أو ما من نفس منفوسة – إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا كتبت شقية أو سعيدة)، فقال رجل:( يا رسول اللّه أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال:( أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون إلى عمل أهل الشقاء)، ثم قرأ:{ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) }(الليل)([104])

ويروى أن رجلاً من مزينة- أَو جهينة- أَتى النبى صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، أَرأَيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه، أشيء قضى عليهم ومضى، أو فيما يستقبلون مما أَتاهم به نبيهم؟ قال:( فيما قضى عليهم ومضى)، فقال الرجل:( ففيم العمل؟)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( من كان خلقه الله لإِحدى المنزلتين فسيستعمله لها)([105])

وورد في حديث جابر أن رجلا جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:( يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير أم فيما استقبل؟)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير)([106])

وعن ابن عباس قال:( كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما فقال:( يا غلام ألا أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله واذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف) ([107])

ولهذا استدل آدم u بأن ما حصل منه قد كتب عليه قبل ذلك، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( حاجَّ موسى آدم فقال له:( أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟)، قال آدم:( يا موسى أنت الذي اصطفاك اللّه برسالاته وبكلامه؟ أتلومني على أمر كتبه اللّه عليّ قبل أن يخلقني، أو قدره اللّه عليَّ قبل أن يخلقني؟)، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:( فحج آدم موسى)([108])

وكتابة المقادير بهذه الصفة لا يصح الاحتجاج بها على ترك العمل ـ كما بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأن الله تعالى كما كتب الأجزية كتب الأعمال، بل رتب الجزاء على العمل ن فلذلك إن قعد قاعد، وقال:( إن كنت من أهل الجنة، فلماذا أعمل؟ وإن كنت من أهل النار، فلماذا أتعب نفسي)، فإن هذا يقال له: إن الله كتب لك أن تجوع ثم كتب أن تأكل، ثم كتب لك أن تشبع بعد أكلك، فإذا جعت، فلا تأكل، وقل: إن كان الله قد قدر لي أن أشبع، فما حاجتي لتكلف الأكل.

ولهذا ربط النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين هذه الحقائق الكبرى وبين العمل، فقد روي في الحديث أن غلامين شابين سألا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالا: يا رسول الله، أنعمل فيما جَفَّت به الأقلام وجَرَتْ به المقادير، أو في شيء يستأنف؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير) قالا: ففيم العمل إذًا؟ قال: (اعملوا فكل عامل ميسر لعمله الذي خلق له)

وقد كان هذا القول محفزا لهذين الشابين، فقالا:( فالآن نجد ونعمل)([109])

ولذلك،فإن كتابة هذه المقادير لا يفهم منها المؤمن ما يفهمه المجادلون، بل يراها دليلا على كمال الله وغناه المطلق وعلمه الواسع، وهي مع ذلك تحمل كل العدل والرحمة والحكمة.

الحفظ:

ويدل على هذا تسميته باللوح المحفوظ، فهو محفوظ من التغيير والتبديل، فلا يغير ما فيه ولا يبدل، فقد سجل فيه تعالى بقلم القدرة الإلهية ما سيحصل في الكون من الأحداث التي لا تبدل ولا تغير، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنا لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة.

ويدل على هذا المعنى تسميته بأم الكتاب، لأنه هو الأصل لسائر الكتب، ولذلك قال تعالى:{ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد:39) أي جملة ذلك عنده في أم الكتاب.

فهذا الكتاب يشبه آيات القرآن الكريم المحكمة التي لا يمكن أن تتعرض بحال من الأحوال للنسخ، ولذلك أخبر تعالى أنه لا تبديل لكلمات الله، قال تعالى:{ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (يونس:64)

وقال تعالى مخاطبا الإنسي وقرينه من الجن عندما يختصمان بين يديه:{ قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (قّ:28 ـ 29)

وهو نفس ما قال تعالى في آيات القرآن الكريم، قال تعالى:{ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (الأنعام:115)، وقال تعالى:{ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً} (الكهف:27)

فهذه الكتاب إذن يحوي المقادير في صورتها النهائية المفصلة، التي لا تغيير فيها ولا تبديل لأنها ترجع إلى علم الله بالأشياء، والعلم لا يتغير.

الستر:

وهو ما يدل عليه اسمه ( الكتاب المكنون)، فالمكنون في اللغة هو المصون المستور، كما قال تعالى:{ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُم} (البقرة: 235) أي سترتم وأضمرتم من التزوج بها بعد انقضاء عدتها، ومنه كذلك قوله تعالى:{ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} (الصافات:49) أي مصون.

وهذا ما تدل عليه النصوص الدالة على اختصاص الله بعلم الغيب، فلو كان هذا الكتاب غير مكنون لأمكن الاطلاع على موعد الساعة والحقائق الغيبية الكثيرة.

ولهذا لا نرى صحة ما ورد في الحديث عن عبدالله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي يده كتابان فقال:( أتدرون ما هذان الكتابان؟) فقلنا:( لا يا رسول الله، إلا أن تخبرنا) ؛ فقال للذي في يده اليمنى:( هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء أبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا)، ثم قال للذي في شماله:( هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء أبائهم وقبائلهم ثم أجمل على أخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا)، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( فلأي شيء نعمل إن كان هذا أمر قد فرغ منه؟)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل الجنة، وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل النار، وإن عمل أي عمل) ثم قال بيده فقبضها، ثم قال فرغ ربكم عز وجل من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال:( فريق في الجنة) ونبذ باليسرى فقال: (فريق في السعير)([110])

فإن هذا الحديث ـ مع عدم قوته نقلا ـ يتعارض مع النصوص القرآنية والنبوية الكثيرة الدالة على اختصاص الله بعلم أهل الجنة وأهل النار، بل إن الله تعالى يأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول:{ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} (الاحقاف:9)

فالآية الكريمة تنص على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يعلم مصيره([111])، فكيف يحمل كتابا يحوي مصائر الخلق جميعا، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نزل بعدها:{ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (الفتح: 2)

بل ورد في الحديث الشريف ما يدل على هذا، فعن أم العلاء – وكانت بايعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قالت:( طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون، فاشتكى عثمان فمرَّضناه حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت:( رحمة اللّه عليك أبا السائب شهادتي عليك، لقد أكرمك اللّه تعالى، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:( وما يدريك أن اللّه تعالى أكرمه؟)، فقلت:( لا أدري بأبي أنت وأمي)، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:( أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وأني لأرجو له الخير، واللّه ما أدري وأنا رسول اللّه ما يفعل بي)، قالت، فقلت:( واللّه لا أزكي أحداً بعده أبداً)، وأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان عيناً تجري، فجئت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبرته بذلك، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:( ذاك عمله)، وفي لفظ:( ما أدري وأنا رسول اللّه ما يفعل به)([112])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يعلم أقواما من المرتدين من أمته يوم القيامة مع كونهم كانوا من أصحابه، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ليُذادَنَّ أقوام من أمتي حوضي أعرفهم ويعرفوني ويؤخذ بهم جهة النار، فأقول: أصحابي أصحابي. فيقال: ليسوا أصحابك إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقاً سحقاً)([113]

وهكذا جميع الأنبياء ـ عليهم السلام ـ فقد كانوا أعظم البشر خوفاً من الله وفرقاً من عذابه وفراراً إليه، ولو أطلعوا على الغيب لما خافوا كل ذلك الخوف.

وفي حديث الشفاعة الطويـل([114]) يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن مخاوف الأنبياء، ولو علموا الغيب المكنون لكان خوفهم مجرد تكلف لا خوفا حقيقيا.

وقد أخبر الله تعالى عن خوف الملائكة الدائم من الله، وهو دليل على عدم اطلاعهم على الغيب المكنون، قال تعالى:{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } (النحل:50)

وهذا الخوف الشديد من معرفتهم بالله، فكلما ازداد المؤمن معرفة بالله ازداد تواضعه له، وعدم تحديه حدوده، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)([115])

* * *

 ولهذا يخبر القرآن الكريم أن الله هو المستأثر بعلم الغيب، وأن هذا الكتاب المكنون الذي هو فيض من فيوضات علم الله سر من أسرار الله، قال تعالى:{ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} (النمل:65)، وقال تعالى:{ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً} (الجـن:26)

ولهذا يرد في القرآن الكريم وصف الله تعالى بكونه عالما للغيب والشهادة، قال تعالى:{ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة:94)، وقال تعالى:{ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} (الرعد:9)، وقال تعالى:{ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (المؤمنون:92)، وقال تعالى:{ ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (السجدة:6)، وقال تعالى:{ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (الحشر:22)

وأخبر تعالى أنه لا يطلع على غيبه أحدا، كما قال تعالى:{ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (آل عمران:179)

ورد على من تألى على الله، فزعم أنه يمكن أن ينال بجهده ما لم يقدره الله له، فقال: { لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} (مريم: 77) بقوله تعالى:{أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} (مريم:78)، أي أعلم ماله في الآخرة، حتى تألى وحلف على ذلك، أم له عند اللّه عهد سيؤتيه ذلك؟

وتردد في القرآن الكريم مواجهة المشركين بعدم علمهم الغيب، قال تعالى:{ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} (الطور:41)، وقال تعالى:{ أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} (لنجم:35) أي ليس الأمر كذلك فإنه لا يعلم أحد من أهل السماوات والأرض الغيب إلا اللّه.

ورد الله تعالى على من يزعمون اطلاع الجن على عالم الغيب بحكاية ما حصل لسليمان u، قال تعالى:{ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} (سـبأ:14)

 بل تردد في القرآن الكريم الأمر بإخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدم علمه بالغيب، قال تعالى:{ قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} (الأنعام:50)

وأمره تعالى بالاستدلال على ذلك بأنه لو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير وما مسه السوء، قال تعالى:{ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (لأعراف:188) وأحسن ما قيل في تفسيرها هو أن المراد منها ( لعلمت إذا اشتريت شيئاً ما أربح فيه، فلا أبيع شيئاً إلا ربحت فيه، ولا يصيبني الفقر، أو لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة، ولوقت الغلاء من الرخص، فاستعددت له من الرخص)([116])، ولا يصح اعتبار الخير هنا العمل الصالح، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل صالحو المؤمنين لا يحجزهم الجهل بالغيب عن العمل، بل يزيدهم عملا وصلاحا.

وأمر صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لمن طلبوا الآيات:{ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} (يونس:20)

وأمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبرهم بأن رسالته لا تعني اطلاعه على الغيب، قال تعالى:{ وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ} (هود:31)

* * *

 ولكن مع ذلك قد يطلع الله تعالى بفضله ورحمته بعض خلقه على بعض شؤون الغيب مما تتعلق به مصالح العباد، ولحكم قد تقتضي ذلك، ولهذا ورد الاستثناء بعد قوله تعالى:{ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً} (الجـن:26) بقوله تعالى:{ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} (الجـن:27)، وقال تعالى:{ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} (البقرة: 255)

وقد أخبر أن الله تعالى يحفظ هذا الغيب الملقى لهذا الذي خص بهذا الغيب بمزيد معقبات من الملائكة يحفظونه من أمر اللّه، قال تعالى:{ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} (الجـن: 27)

وقد أخبرنا الله تعالى عن بعض من خصوا ببعض علم الغيب، ومنهم الخضر u الذي قال تعالى عن نوع العلم الذي أوتيه:{ فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً} (الكهف:65)

وقد كانت تلك التصرفات الغريبة التي فعلها الخضر u بمرأى من موسى u دليلا على حكمة الله في تقديره، وكيف يجتمع عالم الأمر الذي يمثله موسى u بعالم التدبير الذي يمثله الخضر u، ونرى ـ والله أعلم ـ أنه لولا الحاجة لتبيين هذه الحكمة ما فعل الخضر u ما فعله.

وكذلك ما أخبر الله تعالى به الملائكة الموكلين بالوظائف المختلفة، فلكل منهم من العلم بالغيب ما له علاقة بوظيفته، ولعله من هذا الباب ما أخبر عنه رسول الله من إخبار الملك الموكل بالأرحام ببعض ما يتعلق بالغيب المتعلق بذلك الجنين، فقد ورد في بعض صيغه:( إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتصور عليها الملك الذى يخلقها، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيجعله الله ذكرا أو أنثى، ثم يقول: يا رب أسوى أم غير سوي؟ فيجعله الله سويا أو غير سوى، ثم يقول: يا رب ما رزقه ما أجله ما خلقه ثم يجعله الله شقيا أو سعيدا)([117])

ومن هذا الباب ما أطلع الله تعالى به رسوله من عالم الغيب مما ترتبط به مصالح دينه وأمته، سواء تعلقت بالماضي أو تعلقت بالمستقبل:

أما ما تعلق منها بالماضي، فمنه تلك الإخبارات الغيبية الواردة في القرآن الكريم، والتي لم يكن ليعلمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لولا إعلام الله([118])، قال تعالى:{ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} (هود:49)، وقال تعالى:{ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} (يوسف:102)، وقال تعالى:{ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} (آل عمران:44)

حتى أنه عندما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باستماع الجن للقرآن الكريم صدر ذلك بقول ( قل)، قال تعالى:{ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} (الجـن:1)، وفي ذلك رد بليغ على من يتصورون أن بقدرتهم تجاوز عالم الشهادة بطقوس ما أنزل الله بها من سلطان يدخلونها تحت اسم ( الرقية الشرعية)([119])

ومن هذا الإطلاع ما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمته من النبوءات الغيبية، والمقصد منها إثبات نبوته لكل الأجيال من جهة، وتنبيه أمته لما تفعله عند نزول تلك الفتن من جهة أخرى.

ومن ذلك ـ مثلا ـ ذكره صلى الله عليه وآله وسلم للمراحل التي تمر بها الأمة من خيرها وشرها، حدث حذيفة بن اليمان عن ذلك، فقال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: فهل بعد الشر من خير؟ قال: نعم. وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله، فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت، وأنت كذلك. قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: هم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا»([120])

فقد اختصر صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث كل الأطوار التي تمر بها أمته، ثم بين نواحي الخلل فيها، وكيفية تداركه.. وهو يحمل في حد ذاته رسالة نصح للأمة لا ينتهي مددها.

ومن النبوءات الغيبية المرتبطة بهذا ما أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم عن أنواع الحكم التي ستمر بها الأمة، وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم يضع منحنى بيانيا لاستقامته وانحرافه، فقد جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضّاً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)([121])

ولم يكن ذلك قاصرا على هذا، بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره الرسول الخاتم ذكر لأمته مجامع ما يحدث بعده إلى يوم القيامة، فعن أبي زيد الأنصاري قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الصبح، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى العصر، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غابت الشمس، فحدثنا بما كان وما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا »([122])

وفي حديث آخر عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائما، فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء وإنه ليكون الشيء فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه »([123])

وقد نقلت لنا الأسانيد الكثيرة الكثير من هذه الأحاديث.. وكلها لم تزدها الأيام إلا تصديقا، وهو مما يحتج به المسلمون على صدق رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهو كذلك، فلا يمكن أن يأتي بمثل هذه التفاصيل إلا من يتلقى الحقائق من مصدرها.

* * *

ولكن هذا النوع من الغيب الذي يطلع الله تعالى عليه بعض خلقه لبعض الحاجات علم محدود مرتبط بالتدابير التي تتطلب الاطلاع على هذا الغيب، أما ما عدا ذلك فهو مما استأثر الله بعلمه.

وقد عبر القرآن الكريم عن بعض هذا المستأثر بعلمه بكونه (مفاتيح الغيب)، فقال تعالى:{ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (الأنعام:59)

وقد بين الله تعالى بعض هذه المفاتيح بقوله تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (لقمان:34)

وفي حديث جبريل عندما سأله:( فمتى الساعة يا رسول الله؟)، قال:( سبحان الله سبحان الله، خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله ما المسؤول عنهن بأعلم بهن من السائل) ثم تلا الآية السابقة([124]).

ولكن هذه الخمس كما ذكرنا سابقا بعض ما استأثر الله بعلمه، أو هي إشارات لمجامع ما استأثر الله بعلمه، ولهذا سميت ( مفاتيح الغيب)

ونحب أن ننبه هنا إلى الدخن الذي دخل التصوف الإسلامي في هذه الناحية في واقعه التطبيقي حيث تصور البعض أن علامة الولي هي كشفه للغيوب، وقد رد على هؤلاء (ابن عطاء الله)، فقال في بعض حكمه:( تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوفك([125]) إلى ما حجب عنك من الغيوب)

وقد علق على هذه الحكمة ابن عجيبة، فقال: (تشوفك أيها الإنسان إلى ما بطن فيك من العيوب، كالحسد والكبر وحب الجاه والرياسة وهم الرزق وخوف الفقر وطلب الخصوصية وغير ذلك من العيوب والبحث عنها والسعي في التخلص منها أفضل من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب كالاطلاع على أسرار العباد وما يأتي به القدر من الوقائع المستقبلة، وكالأطلاع على أسرار غوامض التوحيد قبل الأهلية له لأن تشوفك إلى ما بطن من العيوب سبب في حياة قلبك، وحياة قلبك سبب في الحياة الدائمة والنعيم المقيم، والاطلاع على الغيوب إنما هو فضول وقد يكون سبباً في هلاك النفس كاتصافها بالكبر ورؤية المزية على الناس)([126])

* * *

 بعد هذا البيان لهذه الخاصية المهمة من خصائص كتاب المقادير الأبدية نتساءل عن أثر هذه المعارف الجليلة في النفس:

أما الغافل، فينحجب بما ستر عنه من الغيب عن الاستعداد له، كما قال ابن عطاء الله في الحكمة السابقة:( تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب)

ولهذا وصف الله تعالى المؤمنين بالإشفاق من الآخرة، فقال تعالى:{ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} (الانبياء:49)

بينما يستعجل بها الجاهلون بها، قال تعالى مقارنا بين النظرتين:{ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ} (الشورى:18)

ولهذا كثر إلحاح المشركين على معرفة موعد الساعة، قال تعالى:{ يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (لأعراف:187)، وقال تعالى:{ يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} (النازعـات:42)

ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يسأل من طلب معرفة موعد الساعة عن مدى استعداده لها، وقد روي أن رجلا دخل والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب الجمعة، فقال: متى الساعة؟ فأومأ الناس إليه بالسكوت، فلم يقبل، وأعاد الكلام، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الثالثة: ماذا أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إنك مع من أحببت)([127])

ولهذا فإن المؤمن العارف بالله يفرح بغيب الله وشهادته، فيرى الغيب كما يرى أحدنا المفاجأة الجميلة تأتيه من أحب أحبابه، يستقبلها فرحا بمهديها.

وقد كان علم المؤمن باستئثار الله بالغيب نورا تولدت من أشعته هذه الأدعية الرقيقة:

( اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بالقضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مذلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهدين)([128])

( اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم) ([129])

( اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا: إني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد إلا قال الله ادخل الجنة) ([130])

وفي هذه الأدعية إشارة جليلة إلى رحمة الله تعالى بعباده بحجبهم عن الغيب المرتبط بهم أو المرتبط بغيرهم.

ومما يروى في هذا ـ ونحن نذكره من باب التمثيل لا من باب الوقوع الحقيقي، فهو مما نشك فيه ـ أن إبراهيم u كان يعرج كل ليلة إلى السماء، فعرج به ذات ليلة، فاطلع على مذنب على فاحشة، فقال: اللهم أهلكه يأكل رزقك ويمشي على أرضك ويخالف أمرك، فأهلكه الله تعالى، فاطلع على آخر، فقال: اللهم أهلكه، فنودي: كف عن عبادي رويداً رويداً، فإني طالما رأيتهم عاصين)

وفي رواية أخرى: فأوحى الله إليه:( يا إبراهيم أين رحمتك للخلق؟ أنا أرحم بعبادي منك إما يتوبون فأتوب عليهم، وإما أن أخرج من أصلابهم من يسبحني ويقدسني، وإما أن يبعثوا في مشيئتي فأعفوا.. يا إبراهيم كفر ذنبك في دعوتك بدم قربان)، فنحر إبلا، فنودي في الليلة الثانية: كفر ذنبك بدم فذبح بقراً، فقيل له في الثالثة، فذبح غنماً، فقيل له في الرابعة كذلك، فقرب من الأنعام إل الله ما بقي عنده، فقيل له في الخامسة، فقال:( يا رب لم يبق لي شئ)، فقيل له:( إنما تكفر ذنبك بذبح ولدك لأنك دعوت على العصاة فهلكوا)، فلما شمر لذلك وأخذ السكين بيده قال:( اللهم هذا ولدي وثمرة فؤادي وأحب الناس إلي)، فسمع هاتفاً يقول:( أما تذكر الليلة التي سألت إهلاك عبادي، أو ما تعلم أني رحيم بعبادي كما أنت شفيق بولدك)([131])

ولم نورد هذه القصة هنا باعتبارها مرتبطة بإبراهيم u، فمعرفة إبراهيم u بالله، وأدبه مع الله أعظم من أن يوقعه في هذا، ولكنا ذكرناها من باب التنبيه على رحمة الله بعباده في حجب الغيب عنهم.

2 ـ المقادير المؤقتة:

وهي المقادير المرتبطة بأوقات معينة محدودة، ولذلك قد يلحق كتبها التغيير والتبديل، وهذه المقادير مما يطلع الله عليه الملائكة الموكلين بالعباد، أو من تقتضي وظيفته التعرف على هذا النوع من المعارف، كالأنبياء والمرسلين والمحدثين والملهمين.

وإلى هذا النوع من المقادير الإشارة بقوله تعالى:{ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد:39)

وإليها الإشارة كذلك بالنصوص الواردة في منازعة الأقدار كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لا يغنى حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء، فيعتلجان الى يوم القيامة)([132])، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر الا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) ([133])

وقد ذكر ابن عباس في تفسير الآية السابقة:( من أحد الكتابين هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت { وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } أي جملة الكتاب)([134]

 ومن أهم صفات هذه الكتب من خلال ما ورد في النصوص:

مقادير محتملة:

ومعنى كونها كذلك أنها ليست مقادير قطعية، بحيث تنزل بالعبد لا محالة، بل هي مقادير معرضة للنسخ، بل إن الله تعالى وهب العبد قدرة على نسخها.

ولا يستغرب هذا القول، فإن القرآن الكريم، وهو كتاب من كتب الله، أو هو نموذج من كتب الله يخبرنا عن وقوع النسخ([135])، أو التدرج، أو مخاطبة الإنسان على حسب حاله ودرجته.

أما دور الإنسان وتأثيره في نسخ أحكام هذه الكتب ورفعها فقد وردت النصوص الكثيرة الدالة على ذلك، ومنها قوله تعالى:{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ } (المائدة:65)، فهذه الآية الكريمة تذكر تأثير الأعمال في جانب علاقة هؤلاء العباد بربهم تعالى.

ومن الجانب الآخر، وهو دور العبد في تقدير نزول الأرزاق عليه، أو رفعها قال تعالى:{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (لأعراف:96) أي أن أرزاق الله مفتوحة على العباد، ولكن العباد هم الواقفون دون نزولها.

ومثال هذا مثل من تفرض له جهة ما مبلغا محددا أو جائزة معينة، وتشترط عليه الحضور لتسلمها، ولكنه يظل راضيا بفقره شاكيا منه غافلا عما قدر له.

لذلك، فإن هذه المقادير المشتملة على مصالح العباد متوقفة على أعمال العباد.

فمع أن الأعمار بآجالها إلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرنا بما يزاد فيه العمر المقدر، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( من سره أن يعظم الله رزقه، وأن يمد في أجله، فليصل رحمه)([136])

وقد يظن من لا يفرق بين أنواع المقادير بأن هذا معارض بقوله تعالى:{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (لأعراف:34)، والآيات الكثيرة الواردة في ذلك كقوله تعالى:{ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} (آل عمران: 154)، وقوله تعالى:{ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً} (الأحزاب:16)، وقوله تعالى:{ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} (النساء: 78)، وقوله تعالى:{ الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمران:168) وقوله تعالى:{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً} (آل عمران: 145)

ولكن التفريق بينها يبين موضع التقدير الأول والتقدير الثاني، فالأول، وهو التقدير الاحتمالي مما يحتمل النسخ، بخلاف التقدير الثاني الذي هو في أم الكتاب، والذي لا تغيير فيه ولا تبديل.

ولذلك أخرج القائلون بالتعارض الحديث عن ظاهره، فحملوه محامل مختلفة منها أن زيادة العمر تعني ما يبقى بعده من الثناء الجميل والذكر الحسن، والأجر المتكرر، فكأنه لم يمت.

وما ذكرنا من حمل الحديث على ظاهره هو ما فسره به ابن عباس عندما قيل له:( كيف يزاد في العمر والأجل؟)، فقال:( قال الله تعالى:{ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} (الأنعام:2)، فالأجل الأول أجل العبد من حين ولادته إلى حين موته، والأجل الثاني ـ يعني المسمى عنده ـ من حين وفاته إلى يوم يلقاه في البرزخ لا يعلمه إلا الله؛ فإذا اتقى العبد ربه ووصل رحمه زاده الله في أجل عمره الأول من أجل البرزخ ما شاء، وإذا عصى وقطع رحمه نقصه الله من أجل عمره في الدنيا ما شاء، فيزيده في البرزخ)، فهذه الزيادة في نفس العمر وذات الأجل كما هو ظاهر اللفظ، في اختيار حبر الأمة.

وإنما اعتمدنا في هذا القول على ما ورد في النص، فمن الخطأ تحكيم بعض النصوص، وإلغاء بعضها، بل يحكم كل نص على محله.

قال ابن حزم في الدفاع عن مراد الحديث:( وأما قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( من سره أن ينسأ في أجله فليصل رحمه) فصحيح موافق للقرآن ولما توجبه المشاهدة، وإنما معناه أن الله تعالى لم يزل يعلم أن زيدا سيصل رحمه، وأن ذلك سبب إلى أن يبلغ من العمر كذا وكذا وكذا كل حي في الدنيا، لأن من علم الله تعالى أن سيعمره كذا وكذا من الدهر، فإنه تعالى قد علم وقدر أنه سيتغذى بالطعام والشراب ويتنفس بالهواء ويسلم من الآفات القاتلة تلك المدة التي لا بد من استيفائها والمسبب والسبب كل ذلك قد سبق في علم الله عز وجل كما هو)

وما قاله ابن حزم صحيح، ولكنه ليس نافيا للاعتراض، بل إنه تشدد على من قال بأن هناك أجلين، كما ذكرنا، فقال ردا على الاستدلال بالآية:( وهذه الآية حجة عليهم لأنه تعالى نص على أنه قضى أجلا، ولم يقل لشيء دون شيء.. فهذا الأجل المسمى عنده هو الذي قضى بلا شك، إذ لو كان غيره لكان أحدهما ليس أجلا إذا أمكن التقصير عنه أو مجاوزته، ولكان الباري تعالى مبطلا إذ سماه أجلا، وهذا كفر لا يقوله مسلم، وأجل الشيء هو ميعاده الذي لا يتعداه وإلا فليس يسمى أجلا البتة، ولم يقل تعالى أن الأجل المسمى عنده هو غير الأجل الذي قضى، فأجل كل شيء منقض أمره بالضرورة)([137])

وكلامه هذا لا يتعارض فقط مع ما نحن فيه من تقدير الآجال، بل هو معارض بكثير من النصوص التي تدل على ما للأعمال من تأثير في رفع أحكام الأقدار.

فالله تعالى ـ مثلا ـ قدر أرزاقا معينة للعبد، ومع ذلك وعد بالزيادة أو الحرمان لمن توفرت فيه شروط معينة، كما ورد في الحديث السابق، وقد قال بعضهم في الآية السابقة: ( يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه)([138])

 ومن أدعية السلف في هذا ما روي عن ابن مسعود قال:( ما دعا عبد قط بهذه الدعوات، إلا وسع الله له في معيشته، يا ذا المن ولا يمن عليه، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول، لا إله إلا أنت ظهر اللاجين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني في أم الكتاب شقيا فامح عني اسم الشقاء، وأثبتني عندك سعيدا، وإن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب محروما مقترا علي رزقي، فامح حرماني ويسر رزقي وأثبتني عندك سعيدا موفقا للخير، فإنك تقول في كتابك الذي أنزلت: { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد:39)([139])

* * *

قد يقال هنا: فكيف قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن امه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقه مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا ويؤمر باربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه واجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة)([140])

ألا يدل هذا الحديث على أن الملك الموكل بالرحم عالم بمستقبل العبد وهو لا يزال جنينا في رحم أمه؟

والجواب عن هذا أن هذا الحديث قد يكون معارضا بقوله تعالى:{ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ } (الأنعام: 59)، فقد بين صلى الله عليه وآله وسلم هذه المفاتح التي استأثر الله بعلمها، فقال في الحديث الصحيح:( مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا اللّه، ثم قرأ:{ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (لقمان:34) ([141])

فالآية والحديث الذي فسرها صريح بأن هذه المقادير مما استأثر الله بعلمه.

أما الحديث، فيحمل ـ كما ذكرنا ـ على المقادير المفترضة، وهي المقادير التي تحتمل النسخ، ومما يدخل في قوله تعالى:{ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ } (الرعد: 39)

* * *

قد يقال بعد هذا: فما سر هذا المقادير المحتملة، وما الغاية منها؟

والجواب عن ذلك، والله أعلم، أن هذا النوع من المقادير بمثابة الأسئلة التي يمحن فيها العبد، وإجابات العبد عليها هي التي تحدد تصنيفه، فقد يمتحن في مواضع تستوجب الذكر، فإن لم ينجح فيها كتب غافلا، واستوجب الجزاء المتعلق بهم، فإن عاد وذكر محي تصنيفه من الغافلين ووضع في الذاكرين، ونال جزاءهم، ولعل هذا هو المحو من صنف الأشقياء والإثبات في سجل السعداء.

ولعل هذا ما يدل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل الاستغفار وتأثيره في محو قدر الغفلة:( من استغفر الله في كل يوم سبعين مرة لم يكتب من الكاذبين، ومن استغفر الله في ليلة سبعين مرة لم يكتب من الغافلين)([142])

ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل قراءة القرآن:( تعلموا أنه من قرأ خمسين آية في ليلة لم يكتب من الغافلين ومن قرأ بمائة آية في ليلة كتب من القانتين ومن قرأ بمائتي آية في ليلة لم يحاجه القرآن تلك الليلة ومن قرأ بخمس مائة آية في ليلة إلى ألف آية أصبح وله قنطار من الجنة)([143])

ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل الصلوات:( من حافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات لم يكتب من الغافلين ومن قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين)([144])

 فهذه الأحاديث تضع أعدادا محصورة من بلغها خرج من وصف قدر له، ليدخل في وصف آخر، وهو في ذلك يشبه ما نجريه في مسابقاتنا وامتحاناتنا من تحديد معدلات معينة للامتحان والرسوب.

ومثل هذا أو قريب منه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( من نظر في الدنيا إلى من فوقه وفي الدين إلى من تحته لم يكتبه الله صابرا ولا شاكرا ومن نظر في الدنيا إلى من تحته وفي الدين إلى من فوقه كتبه الله صابرا شاكرا)([145])

ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكر ولا صابرا من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله شاكرا صابرا ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله لا شاكرا ولا صابرا)([146])

ومثله ما وردت به الأحاديث في الصادقين والكاذبين، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا؛ وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا) ([147])

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( تقعد الملائكة على أبواب المساجد يوم الجمعة، فيكتبون الأول والثاني والثالث، حتى إذا خرج الإمام رفعت الصحف خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا، ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله لا شاكرا ولا صابرا: من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه، كتبه الله شاكرا صابرا. ومن نظر في دينه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه، لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من صام يوم الجمعة، وراح إلى الجمعة، وعاد مريضا، وشهد جنازة، وأعتق رقبة) ([148])

ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( من ترك ثلاث جمعات من غير عذر، كتب من المنافقين) ([149])

وهكذا كل الأحاديث، بل الآيات الدالة على خروج الإنسان من صنف ودخوله في صنف آخر، فيستحق برحمة الله ما يستحقه الصنف الذي انتمى إليه، فيكون عمله سبب سعادته، وسبب محو شقاوته.

ويدل على هذا إخبار الله تعالى عن دعاء الملائكة للمؤمنين، ولو علموا مصيرهم النهائي ما تجرأوا على أن ينازعوا الله في أقداره، يقول تعالى:{ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } (الشورى:5)، ويقول تعالى:{ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } (غافر:7)

فلو علم الملائكة المصير النهائي لهؤلاء ما دعوا لهم هذه الأدعية الدالة على الشفقة الشديدة، ولكان حالهم في ذلك حال نوح u عندما قال لربه تعالى:{ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} (هود: 45)

 فنهي عن مثل هذا السؤال لأنه جاء بعد القرار النهائي لله تعالى بموته كافرا، قال تعالى:{ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (هود: 46)

واستجاب نوح u لعتاب ربه، واستغفره من سؤاله ما ليس له به علم، قال تعالى:{ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (هود:47)

* * *

انطلاقا من كل هذا، فالكتابة القدرية هي السؤال، والكتابة التشريعية هي القانون الذي يحدد طريقة الإجابة، واحتمالات إجابة العبد هي التي تجعله موضوعا في التصنيفات المختلفة، وتنفيذ العبد هو الإجابة التي تحدد تصنيفه النهائي أو الوقتي.

ولذلك، فإنا نرى أن هذه المقادير المحتملة كما تتضمن الامتحانات المختلفة التي يتعرض لها العبد، والتي اصطلح الشرع على تسميتها بالفتن والبلاء تتضمن كذلك الاحتمالات المختلفة لإجابته، وبالتالي يصنف العبد قبل إجابته في الأصناف المختلفة حتى إذا ما حدد وجهته ثبت في التصنيف الخاص بها.

ومما قد يشير إلى هذا القول ما ورد في النصوص من أن الله تعالى ـ من تمام عدله ـ أنه أعد لجميع الخلق منازل في الجنة ومنازل في النار، تقديرا لاحتمال العبد الجنة أو النار، مع أن علمه ـ كما ذكرنا سابقا ـ قد حدد أهل الجنة وأهل النار.

ويشير إلى ذلك قوله تعالى عن أهل الجنة بعد دخولها:{ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (لأعراف: 43)

وقد ورد في تفسيرها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن اللّه هداني فيكون له شكراً، وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن اللّه هداني فيكون له حسرة)([150])

ومثل ذلك يحصل في القبر حيث يرى الميت منزله من الجنة ومنزله من النار، كما في حديث أبي قتادة في قوله تعالى:{ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} (ابراهيم:27)، قال:( إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ فيقول: اللّه، فيقال له: من نبيك؟ فيقول: محمد بن عبد اللّه، فيقال له: ذلك مرات ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له: انظر إلى منزلك من النار لو زغت، ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له: انظر إلى منزلك من الجنة إذا ثبت. وإذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له: من ربك؟ من نبيك؟ فيقول: لا أدري، كنت أسمع الناس يقولون، فيقال له: لا دريت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى منزلك إذا ثبت، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له: انظر إلى منزلك إذا زغت)([151])

فهذه النصوص تدل على أن كل إنسان قد أعدت له منازل السعداء والأشقياء، وسجل ذلك في مقاديره المحتملة ليحدد باختياره المنزل الذي ينسجم مع طبيعته وعقله.

ويشير إلى هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)([152])، فهو يشير إلى قرب المنزلين كليهما من العبد.

ويشير إلى هذا ـ كذلك ـ قوله تعالى:{ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ } (آل عمران: 185) أي من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة فقد فاز كل الفوز.

ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وليأت إلى الناس بما يحب أن يؤتي إليه)([153])

فالتعبير بـ ( زحزح) يشير إلى قرب كل شخص من النار كقربه من الجنة سواء بسواء، وأنه لن يزحزح إلى أحدهما إلا برغبته.

مقادير مؤجلة:

وهو الوصف الثاني لهذا النوع من المقادير.. ومعنى ذلك أنها مقادير مؤجلة بآجال معينة محددة لا تتجاوزها، بخلاف المقادير المسجلة في أم الكتاب فهي مقادير شاملة أبدية نهائية.

وكون هذه المقادير محتملة دليل على كونها مقادير مؤجلة، لأن كونها محتملة قد يرجح فيها جانبا دون جانب، وبالتالي يعرضها ذلك للنسخ كل مرة، فهي مؤجلة بهذا الاعتبار، كما أن النص المنسوخ قد حددت فترة تنفيذه، فلا يتعداها.

ولذلك، فإن كل ما استدللنا به سابقا على احتمالية هذا النوع من المقادير يمكن الاستدلال به هنا.

وقد بينت النصوص الكثيرة المواقيت المحددة لهذه المقادير، وقد أثار ذلك إشكالات كثيرة، ولكن القول بانقسام الكتب إلى ما ذكرنا من الأنواع يزيل الإشكال.

ونحب هنا ـ قبل أن نبين ما دلت عليه النصوص من أوقات المقادير ـ أن نخاطب العقل المعاصر بما يعلمه من قوانين المادة ليعبر منها إلى قوانين الكون ومقاديره.

ونستفيد هذا الخطاب التشبيهي التقريبي البديع من بديع الزمان النورسي، الذي يستدل بكتابات الكون على كتابات المقادير، فيقول:( نعم، إن كتابات كتاب الكائنات المنظومة وموزونات آياتها تشهد على أن كل شئ مكتوب)([154])

ثم استدل على أن كل شئ مكتوب ومقدّر قبل وجوده وكونه بجميع المبادىء والبذور وجميع المقادير والصور.

فما البذور الاّ صناديق لطيفة أبدعها الله تعالى، وأودع فيها القدر فهيرس رسمه، وتبني القدرة ـ حسب هندسة القدر ـ معجزاتها العظيمة على تلك البذيرات، مستخدمة الذرات، أي أن كل ما سيجري على الشجرة من أمور مع جميع وقائعها، في حكم المكتوب في بذرتها، لأن البذور بسيطة ومتشابهة مادةً، فلا اختلاف بينها.

ثم ان المقدار المنظم لكل شئ يبين القدر بوضوح، فلو دقق النظر الى كائن حي لتبين أن له شكلاً ومقداراً، كأنه قد خرج من قالب في غاية الحكمة والاتقان، بحيث أن اتخاذ ذلك المقدار والشكل والصورة، اما انه يتأتى من وجود قالب مادي خارق في منتهى الانثناءات والانحناءات.. أو أن القدرة الإلهية تفصّل تلك الصورة وذلك الشكل وتُلبسها الشجرة بقالب معنوي علمي موزون أتى من القدر.

وهكذا الأمر في الشجرة، والحيوان، فالذرات الصم العمي الجامدة التي لا شعور لها والمتشابهة بعضها ببعض، تتحرك في نمو الأشياء، ثم تتوقف عند حدود معينة توقف عارف عالم بمظان الفوائد والثمرات، ثم تبدل مواضعها وكأنها تستهدف غاية كبرى.

اي أن الذرات تتحرك على وفق المقدار المعنوي الآتي من القدر، وحسب الامر المعنوي لذلك المقدار.

فما دامت تجليات القدر موجودة في الاشياء المادية المشهودة الى هذه الدرجة، فلابد أن أوضاع الاشياء الحاصلة والصور التي تلبسها والحركات التي تؤديها بمرور الزمان تابعة ايضاً لانتظام القدر.

ويستنتج من هذا التشبيه التقريب قوله:( فلئن كان للقدر تجلٍ كهذا في الاشياء الاعتيادية والبسيطة، فلابد أن هذا يفيد ان الاشياء كلها قبل كونها ووجودها مكتوبة في كتاب، ويمكن ان يفهم ذلك بشئ من التدبر، أما الدليل على أن تأريخ حياة كل شئ، بعد وجوده وكونه، مكتوب؛ فهو جميع الثمرات التي تخبر عن الكتاب المبين والامام المبين. والقوة الحافظة للانسان التي تشير الى اللوح المحفوظ وتخبر عنه، كل منها شاهد صادق، وأمارة وعلامة على ذلك) ([155])

فكل ثمرة تُكتب في نواتها – التي هي في حكم قلبها – مقدّرات حياة الشجرة ومستقبلها ايضاً.

والقوة الحافظة للانسان – التي هي كحبة خردل في الصغر – تَكتب فيها يدُ القدرة بقلم القدر تاريخ حياة الانسان وقسماً من حوادث العالم الماضية كتابةً دقيقة.

وكما أن القطرات تُخبر عن السحاب، والرشحات تدل على نبع الماء والمستندات والوثائق تشير الى وجود السجل الكبير، كذلك الثمرات والنطف والبذور والنوى والصور والاشكال الماثلة امامنا وهي في حكم رشحات القدر البديهي – اي الانتظام المادي في الاحياء – وقطرات القدر النظري – اي الانتظام المعنوي والحياتي – وبمثابة مستنداتهما ووثائقهما.. تدل بالبداهة على الكتاب المبين، وهو سجل الارادة والاوامر التكوينية، وعلى اللوح المحفوظ، الذي هو ديوان العلم الإلهي، الامام المبين.

التقدير العمري:

انطلاقا من هذا الفهم الراقي لحقيقة القدر، والقراءة الإيمانية للكون، والخطاب الرفيع للعقل، نرى أن هذه البذور والنوايا التي جمعت في جزئياتها البسيطة كل تفاصيل الوجود الذي تحمله هي جزء من كتاب المقادير المؤجلة.

فالملك الموكل بالجنين يسأل ربه عن جنس الجنين، هل هو ذكر أم أنثى، ثم يعتبر ذلك من المقادير، وقد عرفنا ـ بمعارفنا البسيطة ـ أن هذا التحديد موجود في صبغيات الجنين، بل هو في صبغيات البييضة الملقحة.

فلذلك يمكن الاستئناس بهذا على أن سائر الأمور التي سأل عنها الملك، والمؤقتة بعمر الإنسان قد يكون لها وجود في الصبغيات الوراثية، ولكنا لم نكتشفها، أو لن نكتشفها.

وقد يعارض هذا بكتابة الملك لأمور معنوية يستبعد تسجيلها في تلك الصبغيات كعمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد.

ونرى أن هذا ـ ببعض التأمل ـ ليس مستبعدا.

أما أجل الإنسان، فإن أي صانع الآن قد يدرك العمر الافتراضي لصناعته، فلا يستبعد أن يسجل هذا العمر في مورثات الإنسان، ويكون الأجل الذي سأل عنه هنا هو هذا العمر الافتراضي بدليل ما ذكرنا سابقا من كون هذه المقادير افتراضية لا نهائية.

وأما رزقه، فإن في كل إنسانا شعورا يجتذبه لحرفة معينة أو لطعام معين، فيكون رزقه من تلك الحرفة أو من ذلك الطعام، ولا يستبعد أن يكون مسجلا ضمن مورثاته.

وأما عمله، فلعل المراد منه هو الوظيفة التي ندب لها، ونوع الأسئلة التي تطرح عليه، وليس المراد منها ما يعمله هذا الجنين، أو ما يجيب به.

أما الشقاوة والسعادة، فهي بناء على ما ذكرنا سابقا يكتب كلاهما عليه بناء على عمله.

وربما يستأنس لهذا بما ذكره بعض العلماء من أن هناك جينات مخصوصة تحدد الإجرام في شخصية الإنسان، وما إلى ذلك، ونسبةً لضخامة المسؤولية الملقاة على عاتق الجينات، ازداد عددها في جسم الإنسان والحيوانات القريبة منه فبلغ عددها حوالي مائة ألف جين.

وربما نستأنس لهذا القول أيضا بما ورد من بقاء جزء من الإنسان لا يصيبه البلى ليعاد من خلاله جسده.

فالأجساد إذا أراد اللّه تعالى بعثها ونشورها أنزل من تحت العرش مطراً يعم الأرض جميعاً، ونبتت الأجساد في قبورها كما تنبت الحبة في الأرض، ولهذا جاء في الحديث:( ما بين النفختين أربعون ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة)([156])

ولهذا قال تعالى:{ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} (فاطر:9)

وقد ورد في الحديث عن أبي رزين، قلت:( يا رسول اللّه كيف يحيي اللّه الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( يا أبا رزين أما مررت بوادي قومك ممحلاً ثم مررت به يهتز خضراً)، قلت:( بلى)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( فكذلك يحيي اللّه الموتى) ([157])

ونحن نعلم اليوم أن النبات يحتفظ بالحب الذي يحمل صبغياته الوراثية لتنبت من جديد عندما يتوفر الجو المناسب.

وهذا القول لا نقوله جازمين، بل هو مجرد رأي نحمد الله إن أصبنا فيه، ونستغفره إن أخطأنا، وفي نفس الوقت نقول بأن ما يمكن أن يكون مسجلا في مورثات الإنسان لا يعني كون ذلك هو التسجيل الوحيد، بل هناك تسجيلات أخرى سواء في المرحلة الجنينية أو في مناسبات مختلفة.

التقدير السنوي

ومما وردت به النصوص من ذلك ما يمكن تسميته التقدير السنوي، وذلك ما خصت به (ليلة القدر)، كما قال الله تعالى:{ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (القدر:1)، وقال تعالى:{ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (الدخان:4)

وقد فسر أكثر العلماء المراد بالتقدير في هذه الليلة ما نص عليه الرازي في قوله:( واعلم أن تقدير الله لا يحدث في تلك الليلة، فإنه تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض في الأزل، بل المراد إظهار تلك الليلة المقادير للملائكة في تلك الليلة بأن يكتبها في اللوح المحفوظ)، ثم قال:( وهذا القول اختيار عامة العلماء)([158])

وهذا القول يحمل بعضا من الصحة، باعتبار أن من المقادير ما هو من النوع الأول، وهو النوع الذي لا يغير ولا يبدل.

وأما ما هو من النوع الثاني، فهو خاضع للتبديل والتغيير، وإلى هذا يشير قول ابن عباس في تفسيرها: يدبر أمر السنة، فيمحو اللّه ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت.

ونرى أن كتاب السعادة المراد هنا ليس كون الشخص سعيدا لأن ذلك خاضع لكسبه، وإنما المراد منه نوع الأسئلة التي قد تطرح عليه، فتحدد سعادته وشقاوته، كما ذكرنا ذلك سابقا.

التقدير اليومي:

ومن التقديرات التي نصت عليها النصوص، التقدير اليومي، وهو ما نص عليه قوله تعالى:{ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} (الرحمن:29)

وهو يدل على حضور الله الدائم مع العبد أثناء كل تصرف يقوم به، وقد ورد في الحديث عن منيب الأزدي قال: تلا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلمهذه الآية: { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} (الرحمن: 29)، فقلنا: يا رسول اللّه وما ذاك الشأن؟ قال: (أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً ويضع آخرين)

وفي هذا ما ينفي الوهم الذي قد يعرض للبعض من أن الله اكتفى بتقديراته الأزلية، ثم ترك الخلق لينشغل بكماله كما نص على ذلك الكثير من الفلاسفة.

بل الله ـ حسبما تدل عليه النصوص الكثيرة ـ حاضر حضورا مطلقا في كل حركة وسكنة، فلا يحرك شيء ولا يسكن إلا بإذنه، بل بتحريكه، قال تعالى:{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} (الحج:65)

وهو معنى اسم الله تعالى (القيوم) فالقيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره، بل لا يمكن لشيء أن يقوم إلا به.

وإليه الإشارة كذلك بقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } (فاطر:15)

فكل شيء.. في كل لحظة من اللحظات.. مفتقر في وجوده واستمرار وجوده لله تعالى افتقارا لا يغنيه منه إلا الله.

3 ـ سنن المقادير:

وهي الكتب التي كتب فيها القوانين والسنن التي تنظم الكون وعلاقاته، ويشير إلى هذا النوع من الكتب قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن اللّه كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبي)([159])، وهذا يدل على أن بناء الكون قائم على الرحمة الإلهية، وأنها المقدمة على الغضب.

وقد ورد ما يدل على أن هذه السنن مكتوبة في أم الكتاب، وربما يستدل على ذلك بما ورد من كون القرآن الكريم ـ وهو الحاوي لكثير من سنن الله ـ في أم الكتاب، كما قال تعالى:{ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (الزخرف:4)، ومثله ما ورد من كونه في اللوح المحفوظ، قال تعالى:{ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} (البروج:21 ـ 22)، أي هو في الملأ الأعلى، محفوظ من الزيادة والنقص، والتحريف والتبديل، وقد أخبر تعالى أن القرآن الكريم الذي بين أيدينا موجود في هذا الكتاب، وقال تعالى عن كونه موجود في تلك الصحف المكرمة:{ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ }

ولذلك كان نزول القرآن الكريم الأول هو نزوله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، قال ابن عباس 🙁 أنزل اللّه القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم)([160])

ومما يدل على ذلك من السنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الله تعالى كتب في أم الكتاب قبل أن يخلق السموات والأرض: إنني أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته إن الله تعالى لما خلق الخلق كتب بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي)([161])

ومن ذلك ما يروى في الحديث:( إن أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ: بسم الله الرحمن الرحيم إني أنا الله لا إله إلا أنا لا شريك لي إنه من استسلم لقضائي وصبر على بلائي ورضي لحكمي كتبته صديقا وبعثته مع الصديقين يوم القيامة)([162])

ولهذا النوع من الكتب أهمية كبرى لا يمكن تصورها.. فإنه وإن كان البحث عن أسرار الكتب السالفة نوعا من الفضول، فإن البحث في هذا النوع من الكتب مرغب فيه بصنوف كثيرة من الترغيب، وذلك لأنه لا يمكن للإنسان أن ينتظم في سلك هذا الكون انتظاما صحيحا إلا بوعيه التام بهذا النوع من الكتب.

ولهذا سنتحدث في هذا المبحث عما ييسر التعرف على هذا النوع من الكتب.

صيغ السنن:

أول ما ينبغي للباحث في هذا النوع من الكتب هو التعرف على الصيغ التي يستطيع من خلالها أن يتعرف على السنن والقوانين التي نظم الله بها كونه.

وهذه الصيغ بمثابة أصول الفقه بالنسبة للفقه، فالفقيه في الأحكام العملية لا يستطيع أن يصير فقيها إلا بوعيه بتلك المبادئ الأصولية التي يتأسس عليها الفقه.

وكذلك هذا الباب فهو أصول فقه السنن الإلهية.

فإن كان الفقيه يرى الأمر يفيد الوجوب على المكلفين، فإن فقيه السنن يرى في أن النصوص التي تحوي هذا النوع من الصيغ مفيدا للوجوب، لا بمعنى أن الفقيه هو الذي يوجب على الله، وإنما بمعنى أن الله ـ برحمته وحكمته ـ أوجب على نفسه.

ولن نذكر هنا كل تلك الصيغ، فهي تستدعي بحثا خاصا، ولكنا سنقتصر على بعض الصيغ الواردة فيها باعتبارها القوانين الكبرى التي تعرف بالله من جهة، وتعرف بالتعامل الصحيح مع أكوان الله من جهة أخرى:

حقا:

فمن هذه الصيغ.. ما عبر عنه الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة ( حقا)، وما في معناها، فإن هذه الصيغة تفيد بأن الله تعالى يوجب فعل ذلك على نفسه رحمة منه وفضلا.

ومن النصوص القرآنية الواردة في ذلك قوله تعالى:{ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} (يونس:103)، فالله تعالى أوجب على نفسه ـ حسب هذه الآية ـ رحمة منه وفضلا إنجاء المؤمنين من المهالك.

وأوجب تعالى على نفسه ـ رحمة منه وفضلا ـ نصر المؤمنين، كما قال تعالى:{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (الروم:47)

وأوجب تعالى على نفسه ـ رحمة منه وفضلا ـ إدخال المجاهدين في سبيله الجنة، كما قال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:111)

 وأوجب تعالى على نفسه ـ رحمة منه وفضلا ـ أن يبعث من يموت، كما قال تعالى:{ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (النحل:38)

وقد ورد في السنة من هذه الصيغة الكثير من النصوص، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ:( أتدري ما حق الله على عباده) قال:( الله ورسوله أعلم) قال:( حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا)، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك)، قال:( الله ورسوله أعلم) قال:( حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار)([163])

ومنها وضع ما ارتفع من أمور الدنيا، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن حقا على الله تعالى أن لا يرتفع شيء من أمر الدنيا إلا وضعه) ([164])

ومنها وعده بالإعانة والبركة لمن فعل أمورا معينة، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ثلاث من فعلهن ثقة بالله واحتسابا كان حقا على الله تعالى أن يعينه، وأن يبارك له: من سعى في فكاك رقبة ثقة بالله واحتسابا كان حقا على الله تعالى أن يعينه، وأن يبارك له، ومن تزوج ثقة بالله واحتسابا كان حقا على الله تعالى أن يعينه، وأن يبارك له، ومن أحيا أرضا ميتة ثقة بالله واحتسابا كان حقا على الله تعالى أن يعينه، وأن يبارك له)([165])

ومنها وعده بإجابة من رفع كفه إليه سائلا، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ما رفع قوم أكفهم إلى الله تعالى يسألونه شيئا إلا كان حقا على الله أن يضع في أيديهم الذي سألوا)([166])

ومنها المغفرة لمن عرف ربه غافرا ومعذبا، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من أذنب ذنبا فعلم أن له ربا إن شاء أن يغفر له غفر له، وإن شاء أن يعذبه عذبه؛ كان حقا على الله أن يغفر له)([167])

ومنها وقاية من ذب عن عرض أخيه من النار، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يقيه من النار)([168]

ومنها تبشير المؤمنين بالجنة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من آمن باللّه ورسوله، وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان، كان حقاً على اللّه أن يدخله الجنة هاجر في سبيل اللّه أو جلس في أرضه التي ولد فيها)، قالوا:( يا رسول اللّه أفلا نبشر الناس بذلك؟)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن في الجنة مائة درجة أعدها اللّه للمجاهدين في سبيل اللّه بين كل درجتين كما بين السماء والأرض؛ فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة؛ وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)([169])

ومن ذلك ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من التوسل إلى الله بهذا الحق الذي أوحبه على نفسه، قال صلى الله عليه وآله وسلم في فضل المشي إلى الصلاة:( من خرج من بيته إلى الصلاة فقال (اللهم! إني أسألك بحق السائلين، وأسألك بحق ممشاي هذا، فاني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) أقبل الله عليه بوجهه، ويستغفر له سبعون ألف ملك حتى تنقضي صلاته)([170])

ومنها ما نص عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( من أخاف مؤمنا كان حقا على الله أن لا يؤمنه من افزاع يوم القيامة)([171])

 ومنها ما نص عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( أيما رجل حالت شفاعته دون حد من حدود الله لم يزل في سخط الله حتى ينزع، وأيما رجل شد غضبا على مسلم في خصومة لا علم له بها فقد عاند الله حقه وحرص على سخطه وعليه لعنة الله التابعة إلى يوم القيامة، وأيما رجل أشاع على رجل بكلمة وهو منها بريء يشينه بها في الدنيا كان حقا على الله أن يدنيه يوم القيامة في النار حتى يأتي بإنفاذ ما قال)([172])

ومنها ما نص عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( من آمن باللهِ ورسولِه، وأقام الصلاةَ، وصام رمضانَ، كان حقًّا على اللهِ أن يُدخلَه الجنةَ، هاجر في سبيلِ اللهِ، أو جلس في أرضِه التي وُلِدَ فيها ) قالوا : يا رسولَ اللهِ، أفلا نُنبِّئُ الناس بذلك ؟ قال : إنَّ في الجنةِ مائةَ درجةٍ، أعدَّها اللهُ للمجاهدين في سبيلِه، كلُّ درجتيْنِ ما بينهما كما بين السماءِ والأرضِ، فإذا سألتم اللهَ فسلُوهُ الفردوسَ، فإنَّهُ أوسطُ الجنةِ، وأعلى الجنةِ، وفوقَه عرشُ الرحمنِ، ومنه تَفجَّرُ أنهارُ الجنةِ)([173])

ومنها ما نص عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( من قرأ القرآن كان حقا على الله أن لا يطعمه النار ما لم يغل به ما لم يأكل به ما لم يراء به ما لم يدعه إلى غيره)([174])

ومنها ما نص عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ما من عبد مؤمن يبسط كفيه في دبر كل صلاة ثم يقول: اللهم إلهي وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإله جبريل وميكائيل وإسرافيل أسألك: أن تستجيب دعوتي فإني مضطر وأن تعصمني في ديني فإني مبتلى وتنالني برحمتك فإني مذنب وتنفي عني الفقر فإني مسكين إلا كان حقا على الله أن لا يرد يديه خائبتين)([175])

ومنها ما نص عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( من قال حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة)([176])

قد يقال بعد هذا..

أليس الإيجاب يقتضي موجبا يأمر غيره وينهاه ويستفهمه؟

والله العلي الأعلى واحد لا شريك له، فكيف نقول بوجوب شيء عليه أو تحريمه، وكيف نلزمه، وهو الله العلي الأعلى الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون؟

أوليس ذلك جناية عظيمة في حق الألوهية، وتطاولا عظيما على الله؟

أوليس من الأدب أن نلزم قدرنا، فننزه الله عن هذا التشبيه الذي تتقزز منه العقول المؤمنة؟

وللجواب عن هذا نقول:

جل جناب الحق أن يأمره آمر، أو يوجب عليه موجب، فهو الحاكم وغيره المحكوم، وهو الرب وغيره العبد، وهو السائل وغيره المسول.

فمن زعم أنه يوجب على الله بعقله وهواه، فقد تصور نفسه ربا على ربه، وحكم هواه في إلهه.

وللأسف وجد من يقول بعض هذا، فحجروا على الله أن يفعل إلا ما ظنوا بعقلهم أنه الجائز له، وحرموا عليه بعقولهم ما رأوا حرمته.

وفي مقابل هؤلاء أيضا من غالوا في الرد عليهم إلى أن أداهم غلوهم إلى نفي القوانين الكبرى التي انبنى عليها الكون.

والرد على هذين الطرفين المتناقضين هو الطرف الوسط الذي أمرنا بالتزامه، وهو أنا أقل من أن نوجب على الله، أو نلزمه شيئا، وفي نفس الوقت نحن أقل شأنا من أن نبدل معاني كلام الله بما لا يحتمله.

ومعني الكلمات السابقة تدل على أن الله وعد عباده أو أقسم أو كتب على نفسه أمورا معينة، ثم أخبر أن وعده لا يتخلف وأن كلماته لا تتبدل، فمن التحريف بعد هذا أن نقول بأن المراد من ذلك جميعا الإخبار عن نفسه بأن ذلك فعله أو صفته.

ولهذا لو قال القائل:( أوجبت على نفسي صوما)، فإن ذلك يدل على أنه ألزم نفسه بالصوم، فإذا قال:( إن معناه أخبرت بأني أصوم) كان ذلك إلغاء وإبطالا لقوله.

ولو كان الأمر كما ذكروا فإنه لا مزية لإخباره صلى الله عليه وآله وسلم بأن رحمة الله سبقت غضبه أو أنه حرم الظلم على نفسه، وذكر ذلك في معرض المدح، وموجبات الحمد.

ثم إنه إذا كان معقولا من الإنسان أنه يوجب على نفسه ويحرم ويأمرها وينهاها مع كونه تحت أمر غيره ونهيه، فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناه، كيف يمتنع في حقه أن يحرم على نفسه ويكتب على نفسه؟

وإذا عرف هذا عرف سر سلامه تعالى على أنبيائه ورسله، ولماذا طلب من نفسه لهم السلامة،وعرف بذلك سر قوله تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (الأحزاب:56)، وسر قوله تعالى:{ سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} (يّـس:58)

وأسرار كثيرة لا يكشفها إلا أن تحمل النصوص على ظواهرها دون تعطيلها بالتأويل أو تحريفها بالتشبيه.

وننبه هنا إلى الفرق بين ما يحبه من أفعال عباده ويكرهه، وبين ما كتب على نفسه تعالى، فإن ما كتبه على عباده لا يتستلزم وقوعه، كما أن ما يكرهه منهم لا يمنع وقوعه، بينما أخبر تعالى بأن ما كتب على نفسه لا يتخلف، وأن كلماته لا تتبدل.

علينا:

ومن هذه الصيغ (علينا) ومشتقاتها:

ومن ذلك قوله تعالى:{ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} (الليل:12) فقد أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعا، وهو تعريفهم بالسبل كلها، ومنحهم الإدراك، وحرية الاختيار ليكتسب كل أحد ما قدر له.

وليس المراد بالهداية هنا هداية الارشاد إلى الإيمان، وإنما المراد منها هداية الدلالة، وقد يراد بها الهداية العامة كما سنرى في سر الرحمة.

ومن ذلك قوله تعالى:{ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيل} (النحل: 9)، وقوله تعالى:{ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} (الحجر:41) فمن معانيها أن عليه بيان الطريق المستقيم.

ومثله قوله تعالى:{ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (الأنعام:54)

ومثله قوله تعالى:{ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (هود:6)، فقد أوجب تعالى ـ رحمة منه وفضلا ـ على نفسه رزق كل دابة في الأرض.

كلمتنا:

ومن هذه الصيغ صيغة ( كلمة) ومشتقاتها:

ومن ذلك وعده لعباده المرسلين بالنصر، كما قال تعالى:{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} (الصافات:171) أي تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة، وقيل: إن المراد منها قوله تعالى:{ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (المجادلة:21) وكلا القولين سواء.

ومن ذلك ما أوجب تعالى على نفسه ـ رحمة منه وفضلا ـ من تأخير العذاب كما قال تعالى:{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} (هود:110) أي لو لا كلمة سبقت من ربك بتأخير الحساب إلى يوم المعاد لعجل لهم العذاب.

ومثل ذلك ما أوجب على تعالى على نفسه ـ رحمة منه وفضلا ـ من تأخير القضاء، قال تعالى:{ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (يونس:19)

ومثل ذلك قوله تعالى:{ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمّىً} (طـه:129)، وقوله تعالى:{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} (فصلت:45)، وقوله تعالى:{ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} (الشورى:14)، وقوله تعالى:{ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (الشورى:21)

ومثل ذلك وعده بملأ جهنم من مستحقيها من الجنة والناس، قال تعالى:{ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (هود:119) أي ثبت ذلك كما أخبر وقدر في أزله؛ وتمام الكلمة امتناعها عن قبول التغيير والتبديل.

وعلى عكس ذلك تحقيقه النصر على من صبر من بني إسرائيل، قال تعالى:{ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا } (لأعراف: 137)، والكلمة التامة هنا هو ما عبر عنه قول تعالى:{ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (القصص:5)

القسم:

ومن النصوص الورادة بصيغة القسمة قسم الله تعالى على سؤال خلقه على أعمالهم، قال تعالى:{ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} (الحجر:92)، وقال تعالى:{ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} (لأعراف:6)، قال ابن مسعود في معاني هذه الآيات:( والذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلا سيخلو اللّه به يوم القيامة، فيقول: ابن آدم ماذا غرك مني بي؟ ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟)

ومنها قسم الله تعالى على حشر جيمع عباده، ثم محاسبتهم بحسب جرائمهم، قال تعالى:{ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً }  (مريم:68 ـ 70)، قال ابن مسعود في تفسيرها:( يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة أتاهم جميعاً، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرماً)

ومنها قسم الله تعالى على إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين أرضهم،قال تعالى:{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (ابراهيم:13 ـ 14)

ومنها قوله تعالى لإبليس:{ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} (صّ:84 ـ 85)

ومنها قسمه تعالى بتكفير سيئات المؤمنين وإدخالهم الجنة، قال تعالى:{ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} (آل عمران:195)

الوعد:

ومن هذه الصيغ صيغة (الوعد)، فوعد الله واجب التحقيق، كما قال تعالى:{ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (الروم:6)، وقال تعالى:{ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} (يونس:55)

وأخبر تعالى عن مقالة بعض أهل الكتاب عند إيمانهم:{ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} (الاسراء:108) أي إن كان ما وعدنا اللّه على ألسنة رسله المتقدمة من مجيء محمد عليه السلام لمفعولاً أي لكائناً لا محالة ولا بد

وحض تعالى على الصبر انتظارا لوعد الله الذي لا يتخلف، قال تعالى:{ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} (الروم:60)

وأخبر عن مقالة صالح u لقومه بعد وعد الله بإهلاكهم:{ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} (هود:65)

وأخبر تعالى عن مقالة الشيطان في الآخرة مصدقا بوعد الله الذي كان يحض على تكذيبه:{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (ابراهيم:22)

وأخبر تعالى عن اكتشاف أهل النار بصدق وعد الله الذي كانوا يكذبون به، وبسبب تكذيبهم حل بهم ما حل من العذاب، قال تعالى:{ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} (لأعراف:44)

وأخبر تعالى عن الندم الشديد الذي يبديه الغافلون عندما يكتشفون صدق الوعد الإلهي، قال تعالى:{ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} (يّـس:52)

ولهذا يحض الله تعالى أصحاب العقول على الصبر والتبصر وإدراك حقانية الوعد الإلهي في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} (لقمان:33)، وقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} (فاطر:5)، وقال تعالى:{ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ} (غافر:55)

ولأهمية التصديق بالوعد الإلهي، فإن الله تعالى يتلطف بعباده الصالحين ليدركوا حقانية هذا الوعد، كما قال تعالى عن أم موسى u:{ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} (القصص:13)، وقال تعالى عن أصحاب الكهف:{ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَق} (الكهف: 21)

ولهذا كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول:( لا إله إلا اللّه وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده فلا شيء بعده)([177])

وقد ورد في القرآن الكريم من هذه الصيغة الدالة على سنن الله في مقاديره الكثير من النصوص:

منها وعد المؤمنين بالمغفرة والفضل، كما قال تعالى:{ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:268)

ومنها وعدهم بالنصر، كما قال تعالى:{ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} (لأنفال:7)

ومنها وعدهم بالتمكين في الأرض، قال تعالى:{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور:55)

ومنها وعدهم بالمغفرة والأجر العظيم والجنة ورضوان الله، كما قال تعالى:{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} (المائدة:9)، وقال تعالى:{ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} (النساء:95)، وقال تعالى:{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} (النساء:122)، وقال تعالى:{ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:72)، وقال تعالى:{ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} (مريم:61)، وقال تعالى:{ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} (الزمر:20)

ومنها وعد المؤمنين والكافرين بالجزاء في الآخرة على الأعمال، قال تعالى:{ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} (يونس:4)

ومنها وعد الكافرين والمنافقين بالعذاب، قال تعالى:{ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} (التوبة:68)

التحريم:

ومن هذه الصيغ صيغة (التحريم) الدالة على الامتناع، ولا نعلم منها إلا قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه تعالى:( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي)([178]) أي أنه تعالى منع نفسه من ظلم عباده.

وهو ما دلت عليه الآيات الكثيرة التي تنص على امتناع الظلم عن الله، كما قال تعالى:{ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (آل عمران:182)، وقال تعالى:{ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ} (غافر: 31)، وقال تعالى:{ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (فصلت:46)، وقال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (يونس:44)، وقال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} (النساء:40)، وقال تعالى:{ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً} (طـه:112)، والهضم أن ينقص من جزاء حسناته والظلم أن يعاقب بذنوب غيره.

ومثل هذا كثير في القرآن، وهو مما يدل على أن الله قادر على الظلم ولكن لا يفعله فضلا منه وجودا وكرما وإحسانا إلى عباده.

وهذا يبين أن الظلم هو وضع الأشياء في غير مواضعها، وليس كما فسره بعضهم من أنه ( التصرف في ملك الغير بغير إذنه)، وبذلك يعتبرون أن الظلم مستحيل عليه، أو غير متصور في حقه، لأن كل ما يفعله فهو تصرف في ملكه.

والقائلون بهذا لا يكتفون بهذا، بل يتجاوزونه إلى تعابير تجعل من قوانين الكون التي تنظمه قوانين تفتقر للثبات الذي تبنى عليه سنن الله.

* * *

هذه بعض الصيغ الدالة على سنن الله التي نرى أنها موجودة في أم الكتاب أو في غيره من الكتب مما يتأسس عليه الكون.

وكل هذه السنن الواردة بتلك الصيغ مما تقتضيه أسماء الله الحسنى، ولذلك تختم أكثر حقائق القرآن الكريم باسم مفرد أو اسمين مركبين للدلالة على أصل تلك الحقيقة ومنبعها.

ولهذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نتوجه إلى الله بأسمائه الحسنى لقضاء حاجاتنا، فتلك الأسماء هي الحاوية لكلمات الله وسننه في خلقه.

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ما أصاب مسلما قط هم، أو حزن، فقال: اللهم إني عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله تعالى همه وأبدل مكان حزنه فرحا)، قالوا:( يا رسول الله أفلا نتعلم هذه الكلمات؟) قال:( بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن)([179])

وفي هذا الحديث إشارة جليلة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( أو استأثرت به في علم الغيب عندك) إلى أن من أسماء الله وسننه وكلماته ما لا يزال مستأثرا في علم الغيب.

وهو أكثر بكثير مما علمناه، بل لا مقارنة بين ما علمنا وما لم نعلم، فالله هو الواسع الذي لا يحد، والمحيط الذي لا يحاط به.

ولذلك فإن أكثر مما علمنا من أسماء الله وسننه هو مما له علاقة بنا، ولربوبية الله علاقة بكل الأشياء، ولكل شيء منها معرفته وسننه وكلماته.

* * *

وهذه الكلمات التي رضيها الله تعالى لنفسه هي الأصول التي بنيت عليها الشرائع، كما أنها الأصول التي بني عليها الكون.

ولذلك عبر الشرع عن تصرفات البشر الموافقة لهذه السنن بأن الله يرضى عنها، كما قال تعالى:{ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} (النساء:108)، وقال تعالى:{ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:96)، وقال تعالى:{ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (الزمر:7)

وفرق كبير بين رضى الله تعالى وإرادته، فإن الله أراد كل ما في الكون، لكنه أخبر عن مراضيه، وعبر عن هذا الرضى بالحب، وهو كما ذكرنا في مناسبات مختلفة ينبغي تفسيره على ظاهره مع تنزيه الله عن مشابهة البشر.

ومن ذلك حب تعالى للمحسنين والمتقين والمتطهرين، كما قال تعالى:{ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة:195)، وقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة: 222)، وقال تعالى:{ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (آل عمران:76)

وعلى عكس ذلك أخبر الله تعالى أنه لا يحب الظالمين والمفسدين والكفار والآثمين، كما قال تعالى:{ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (البقرة:205)، وقال تعالى:{ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} (البقرة:276)، وقال تعالى:{ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران:32)، وقال تعالى:{ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (آل عمران: 57)، وقال تعالى:{ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة:190)

وبذلك تنتقل هذه الأصول من كونها أمرا تشريعيا إلى أمر عقلي لا تختلف العقول السليمة في القول بموجبه.

ولذلك فإنا نرى ـ والله أعلم ـ أن هذه الأصول مما يتعلق به الجزاء في الآخرة، فالظالم ـ ولو لم تبلغه الشريعة ـ محاسب على ظلمه، لأن الجبلة التي جبل عليها، كما جبل عليها الكون جميعا هي اعتبار الظلم انحرافا كبيرا.

ثبات السنن:

قد يقال بعد هذا بأن هذه أمور اعتبارية قد تتخلف، أو أن هذه سنن وقتية قد تتبدل([180])، والله تعالى يرد على هذا القول الشنيع، ويخبر أن قوله لا يرد، وأن كلماته لا تتبدل، وأن وعده أو وعيده لا يتخلف، وقد مرت النصوص الكثيرة الدالة على ذلك، وعلى أن هذه سنن حقيقية لا اعتبارية.

ومن ذلك التعبير بكون كلمات الله تامات، فالتمام هنا هو التحقق، فالشيء لا يتم إلا بعد تحققه، كما قال تعالى:{ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (الأنعام:115) أي صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي.

ومن ذلك التعبير بعدم لحوق التبديل لكلمات الله، كما قال تعالى تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل:{ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ} (الأنعام:34) أي أن الله لا يبدل الكلمات التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين.

تبصر السنن :

لقد ذكرنا في بداية هذا المبحث أن هذا النوع من الكتب هو النوع الوحيد الذي طولبنا بالتعرف عليه، والبحث فيه، ذلك أنه لا يستطيع الإنسان أن ينتظم في سلك الكون إلا به.

ومثل ذلك مثل تعرف الرعية على القوانين التي تحكمها، فلا يمكن للقوانين أن تؤتي ثمارها إلا بمعرفة الرعية لها، ثم وقوفهم عندها.

والخطأ في التعرف على القوانين له تأثيره الخطير في السلوك وفي جميع المواقف.

وكمثال على ذلك ما تتصور به بعض الديانات من الاقتصار على مجرد التبشير، فتتصور أن فلانا من الناس جاء للخلاص، فخلص البشرية، وأنه لا عذاب ولا عقاب، ثم تنظر بعد ذلك باحتقار إلى القرآن وهو يتحدث عن الجنة والنار.

فهؤلاء يصادمون سنن الله.. فالكون ـ كما نراه ـ يحوي كل شيء.. يحوي الجنان والحقول والأزهار.. وهي بذور من أزهار الجنة.

ويحوي كذلك الزلازل والبراكين والنيران والعواصف والزوابع.. وكل ذلك بذور من بذور جهنم.

وبما أن كل هذه البذور لها قوانينها الخاصة، فإن لأصولها قوانيه الخاصة.

واحتقار هذه القوانين والاستخفاف بها لا يختلف عن استخفاف المجرمين بقوانين العقوبات إلى أن تطبق عليهم، والقاضي حينها لا يقول لهم ـ إذا اعتذروا بجهلهم للقوانين ـ إلا كلمة واحدة، هي أن القانون لا يحمي المغفلين.

ولهذا، فإن القرآن الكريم يدعونا إلى التعرف على قوانين الله وسننه لنسير في الكون وفق إرادة وأمر مسيره، فلا نشذ ولا ننحرف، قال تعالى:{ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (آل عمران:137)

ولهذا، فإن الدور الأكبر للقرآن الكريم هو أن يعرفنا على سنن الله، قال تعالى:{ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (النساء:26)

ومن هذه السنن التي أخبرنا عنها القرآن الكريم إخباره بأن الغاية من خلق العباد هي العبادة، والعبادة بمفهومها الغائي هي المعرفة.. معرفة الله تعالى.. فالله خلق عباده، بل خلق كل الكون ليعرفه، قال تعالى:{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } (الذريات:56)

ثم عقب على هذه السنة الكبرى التي تنتظم فيها جميع السنن بقوله { مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} (الذريات:57)

ولذلك، فإن انشغال الإنسان عن هذه الغاية بانشغاله بأي شيء آخر يجعله ينحرف بحياته انحرافا خطيرا.

ومن السنن التي انتظم بها هذا الكون، ودعي المؤمن لتبصرها، وسلوك مقتضياتها أن الله تعالى جعل هذه الحياة الدنيا مقدمة للحياة الآخرة.. وأن الغرض منها هو أن يميز بين الطيب والخبيث، قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37)} (الأنفال)

وتبصر هذه السنة، والتعايش وفق هذا القانون يجعل المؤمن يوجه حياته جميعا وفق ما تقتضيه الطيبة، لأنه لا يدخل دار الطيبين إلا الطيبون، قال تعالى:{ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} (الزمر:73)

ومن هذه السنن أن الله تعالى يجازي الناس على أعمالهم لا حسب ما تقتضيه أمانيهم، قال تعالى:{ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} (النساء:123)، وقال تعالى:{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (المائدة:18)، وقال تعالى:{ إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التوبة:39)، وقال تعالى:{ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} (الفتح:16)

وتبصر هذه السنة يجعل المؤمن إنسانا جادا نشيطا ليس له من هم في حياته إلا أن يتحقق بمرضاة الله التي هي السبيل لتحقيق مراضيه.

ومن هذه السنن أن الله تعالى لا ينصر إلا من ينصره.. والنصر هنا هو النصر الحقيقي لا النصر الوهمي، قال تعالى:{ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج:40)

وتبصر هذه السنة يجعل المؤمن يبحث عن حقائق نصر الله وشروطه ليحقق لنفسه النصر الذي يريده.

ومن هذه السنن أن من لم ينصره الله لن ينصره أحد قال تعالى:{ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} (الحج:15)

وتبصر هذه السنة يخلص المؤمن من ربقة العبودية لغير الله.

ومن هذه السنن أن الله تعالى خلق عباده ليتعارفوا.. ويسيروا بهمة واحدة إلى الله، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات:13)

وتبصر هذه السنة يخلص المؤمن من كل العصبيات الجاهلية التي تحول الحياة صراعا خلف زعامات لا أساس لها.

ومن هذه السنن أن من تتوجه همته لشيء ناله من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة، قال تعالى:{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} (الشورى:20)

وهكذا تختزن كل آية من القرآن الكريم سنة من سنن الله.. وقانونا من قوانينه.. والعاقل هو الذي يبحث في هذه القوانين ويمزج بينها، ليستخلص منها حياة منتظمة موزونة بميزان الله..

وحينذاك لن يعيش إلا السعادة.. قال تعالى:{ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل:97)

لكنه إن خالف السنن أو اصطدم بها صدمته، ومن صدمته السنن غلبته، قال تعالى:{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طـه:124)

* * *

بعد هذا..

قد يقول قائل: ما علاقة هذا الكتاب بالكتب التي تذكر الأحداث أو تصفها؟

وهل يمكن لمن تبصر هذا الكتاب أن يتنبأ بما في تلك الكتب؟

أو ـ بعبارة أصرح ـ هل يمكن التنبأ بالمستقبل، ومعرفة ما يكنه الغيب، انطلاقا من هذه القوانين الإلهية،كما نستكنه الكثير من الحقائق المادية انطلاقا من قوانين المادة التي عرفناها؟

والجواب عن ذلك: هو أن هذا الكتاب في أصله هو الأساس لتلك الكتب.

فالله تعالى عندما كتب على نفسه الرحمة، وأن رحمته تسبق غضبه، صمم الكون على هذا الأساس.. ولذلك كان الكون متوجها بكليته نحو ما تتطلبه الرحمة الإلهية، كما سنرى في الفصل الأخير.

والله تعالى عندما أراد أن يقوم الكون على موازين العدل، فقد بنى الكون كله على ذلك، فلذلك لا ترى فيها ظلما ولا فطورا.

هذا عن علاقة هذا الكتاب بسائر الكتب.

أما عن الاستفادة من هذا الكتاب للتعرف على ما في سائر الكتب.. فذلك ممكن أيضا.. بل هذه هي الوسيلة المشروعة الوحيدة التي يستكنه بها المؤمن المستقبل.

لأن الله عرفنا بقوانين الكون والقوانين الرابطة لعلاقتنا به لا لنستكنه المستقبل ونكشف حجابه فقط، وإنما لنغيره ونبدله وفق مصالحنا.

وهل الاستعداد للآخرة، والعمل لها، وطلب رضوان الله بتحقيق مراضيه، وطلب الجنة بغراسها سوى استكناه للمستقبل أو تغيير للمستقبل ليتوافق مع المصالح الشخصية.

وهكذا في كل الأعمال يعيش المؤمن بصحبة سنن الله، ليهتدي بها إلى الله، بل ليهتدي بها كذلك في شؤون حياته جميعا.

وهذا سر قول علي بن أبي طالب في عبد الله بن عباس 🙁 إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق) تنبيها لعقله وفطنته بالأمور.

ويروى عن سعيد بن المسيب قال:( رأيت عليا على المنبر وهو يقول:( لتخضبن هذه من هذه)، وأشار بيده إلى لحيته وجبينه، فما حبس أشقاها، فقلت:( لقد ادعى علي به علم الغيب)، فلما قتل علمت أنه قد كان عهد إليه.

ولهذا، فإن المؤمن كلما تعمق في إيمانه، وازداد تبصره بسنن الله لم يكد يخطئ في إشارته، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} (الحجر:75)، وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( اتقوا فِرَاسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله)، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم:{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } ([181])

بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن من المؤمنين من يمكن أن يطلق عليه اسم (المتوسمين)، فقال:( إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم)([182])

وهذا من النوع من الناس هم الذين يطلق عليهم الصوفية (المكاشفون)، وما يذكرونه من أخبار كراماتهم يبلغ مبلغ التواتر، وهو بذلك من أدلة هذا النوع من التبصر.

رابعا ـ التنفيذ

السر الرابع من أسرار التوحيد في القدر هو أن يعلم المؤمن أن لله تعالى الذي له العلم المطلق والاختيار المطلق هو المنفذ لكل ما أراده واختاره، لأنه له القدرة المطلقة.

وهذا ما يرقى به المؤمن إلى آفاق عظيمة من العرفان، تجعله لا يرى في الكون إلا يد الله، وهي تحرك كل شيء.

وهنا يسقط في تلك الغيبوبة الجميلة التي يعيشها أهل الله، حين يرون الانسجام التام في الكون، لأنه لا تصرف فيه إلا تصرف واحد.. وليس ذلك التصرف إلا تصرف الله.

وقد عبر سيد قطب ـ رحمه الله ـ بلسانه البليغ على تلك الحال التي يحدها العارفون في هذا المقام، فقال في تفسير قوله تعالى:{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } (الاخلاص:1):( إنها أحدية الوجود..فليس هناك حقيقة إلا حقيقته، وليس هناك وجود حقيقي إلا وجوده، وكل موجود آخر فإنما يستمد وجوده من ذلك الوجود الحقيقي، ويستمد حقيقته من تلك الحقيقة الذاتية.

وهي من ثم أحدية الفاعلية.. فليس سواه فاعلاً لشيء، أو فاعلاً في شيء، في هذا أصلاً.. وهذه عقيدة في الضمير وتفسير للوجود أيضاً.

فإذا استقر هذا التفسير، ووضح هذا التصور، خلص القلب من كل غاشية ومن كل شائبة، ومن كل تعلق بغير هذه اللذات الواحدة المتفردة بحقيقة الوجود وحقيقة الفاعلية.

خلص من التعلق بشيء من أشياء هذا الوجود إن لم يخلص من الشعور بوجود شيء من الأشياء أصلاً! فلا حقيقة لوجود إلا ذلك الوجود الإلهي، ولا حقيقة لفاعلية إلا فاعلية الإرادة الإلهية، فعلام يتعلق القلب بما لا حقيقة لوجوده ولا لفاعليته!

وحين يخلص القلب من الشعور بغير الحقيقة الواحدة، ومن التعلق بغير هذه الحقيقة.. فعندئذ يتحرر من جميع القيود، وينطلق من كل الاوهاق.. يتحرر من الرغبة، وهي أصل قيود كثيرة، ويتحرر من الرهبة وهي أصل قيود كثيرة.

وفيم يرغب وهو لا يفقد شيئاً متى وجد الله؟ ومن ذا يرهب ولا وجود لفاعلية إلا لله؟

ومتى استقر هذا التصور الذي لا يرى في الوجود إلا حقيقة الله، فستصحبه رؤية هذه الحقيقة في كل وجود آخر انبثق عنها، وهذه درجة يرى فيها القلب يد الله في كل شيء يراه.

ووراءها الدرجة التي لا يرى فيها شيئاً في الكون إلا الله، لأنه لا حقيقة هناك يراها إلا حقيقة الله.

كذلك سيصحبه نفي فاعلية الأسباب، ورد كل شيء وكل حدث وكل حركة إلى السبب الأول الذي منه صدرت، وبه تأثرت.

وما ذكره سيد ـ رحمه الله ـ وما ذكره مثله كل العارفين.. ليس شطحات صوفية.. وليس ناتجا عن تأثر بهنود أو روم أو فرس.. وليس خيالا جامحا.. وليس وحيا شيطانيا..

بل هو كلام مقدس تنزيل من حكيم حميد.. فالله تعالى أخبر في القرآن أنه الفاعل الوحيد في الكون.. كما أنه المريد الوحيد.. حتى ما نحسبه أفعالا لنا هو في حقيقته تنفيذ إلهي، قال تعالى:{ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (لأنفال:17)

بعد هذه المقدمة التي استعجلنا فيها بذكر أثر هذا السر من أسرار التوحيد في القدر.. سنتحدث في هذا المبحث عن كلا القدرتين.. قدرة الله.. وقدرة العبد.. لنميز محل كل منهما.. فلا يمكن أن يفهم سر التوحيد في القدر بغير هذا.

1 ـ قدرة الله:

لله تعالى أسماء الله كثيرة تقتضي انفراده التام بالخلق.. وقد مر معنا منها أسماء (الخالق البارئ المصور)، وما في معناها.

وهذه الأسماء جميعا تدل على أن كل ما في الكون من شيء هو من خلق الله سواء كان ذواتا أو أعيانا قائمة بذاتها، أو كان أحداثا تقوم بها تلك الأعيان.

وقد يستدل لهذا الجمع بين خلق الخلق وخلق الأعمال التي يقوم بها الخلق بقوله تعالى حكاية عن خليله u أنه قال لقومه:{ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (الصافات:95 ـ 96)

فالآية تدل باحتمالاتها المختلفة على أن الله تعالى هو الخالق لأفعال العباد، فإن (ما) في قوله تعالى:{ وَمَا تَعْمَلُونَ }  إن كانت مصدرية، أي خلقكم وأعمالكم فالاستدلال ظاهر، وإن لم يكن قويا إذ لا تناسب بين إنكاره عليهم عبادة ما ينحتونه بأيديهم وبين إخبارهم بأن الله خالق أعمالهم من عبادة تلك الآلهة ونحتها وغير ذلك([183]).

وإن كانت ما موصولة أي ( والله خلقكم، وخلق آلهتكم التي عملتموها بأيديكم)، فهي مخلوقة له لا آلهة شركاء معه، فأخبر تعالى أنه خلق معمولهم، ولا يقال بأن المراد مادته، لأن مادته غير معمولة لهم، وإنما يصير معمولا بعد عملهم.

ومن الأدلة على ذلك ـ والتي قد تحتاج بعض التأمل ـ قوله تعالى منبهاً على أنه مطلع على الضمائر والسرائر:{ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك:13 ـ 14)، فـ ( من) تحتمل أن تدل للخالق تعالى، ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه، ويحتمل أن تدل على المخلوق، والمعنى حينئذ: ألا يعلم الله من خلق.

وفي كلا المعنيين لها دلالة على خلق الله أفعال العباد، فذات الصدور التي أخبر الله تعالى بأنه عليم بها تدل على ما يشتمل عليه الصدر من الاعتقادات والإرادات والحب والبغض.

ووجه الاستدلال هنا هو أن الله أخبر على كلا التقديرين بأنه خلق ما في الصدور، كما هي على علمه سبحانه به، فالآية على هذا تقول:( كيف يخفى عليه تعالى ما في الصدور، وهو الذي خلقه)، فلو كان ذلك غير مخلوق له لبطل الإستدلال به على العلم، فخلقه تعالى للشيء من أعظم الأدلة على علمه به.

ومن الأدلة على ذلك أيضا قوله تعالى في ذكر بعض نعمه على عباده بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم يأوون إليها:{ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} (النحل:80)، فأخبر تعالى أن البيوت المصنوعة المستقرة والمتنقلة مجعولة له وهو الذي خلقها مع أنها لم تصر بيوتا إلا ببناء البشر.

ومثله في الدلالة قوله تعالى في الآية التالية لهذه الآية في ذكر نعم الظلال واللباس:{ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} (النحل:81)، فأخبر تعالى أنه هو الذي جعل السرابيل وهي الدروع والثياب المصنوعة، مع أنها لا تسمى سرابيل إلا أن بعد تدخل البشر فيها بالصناعة.

ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى في ذكر بعض نعمه على خلقه:{ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} (يّـس:41) فأخبر تعالى أنه خالق السفن مع أنها صناعة العباد.

ومثله في الدلالة قوله تعالى:{ إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} (الحاقة:11) أي حملنكم في السفن التي تتصورون أنها من صناعتكم.

فهذه الآيات وغيرها تشير إلى أن جميع ما نتصوره اختراعات أو صناعات أو تقدما مذهلا هو صناعة ربانية قبل أن تكون صناعة بشرية، ولذلك ورد في الآية التي تشير إلى الصناعات المتطورة من وسائل النقل بقوله تعالى:{ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} (النحل:8)

وكأن هذه الآية الكريمة تخاطب المستعبدين للمخترعات الحديثة بأن ما ترونه وتذهلون به عن أنفسكم صناعة ربانية كسائر الصناعات لا يختلف عن صناعة الخيل والبغال والحمير.

* * *

والقرآن الكريم يخبر بأن الخير والشر الذي تكنه النفوس أو تبرزه الجوارح هو خلق من خلق الله المتفرد بالخلق والإيجاد.

قال تعالى عن خلق الخير الذي يملأ صدور أتباع المسيح u:{ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد:27)

وقال تعالى عن أئمة الهدى:{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} (الانبياء:73)، فأخبر تعالى أن كونهم أئمة للهدى هو جعل من الله تعالى.

وقال في الطرف المقابل عن تقسية قلوب بني إسرائيل:) َبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} (المائدة: 13)

وقال تعالى عن جعل الأكنة في قلوبهم والوقر في آذانهم لئلا يؤمنوا:) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} (الأنعام:25)، وقال تعالى:{ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} (الاسراء:46)

فهذه الأكنة والوقر الذي حجبهم عن الاستماع للحق هي شدة البغض والنفرة والإعراض التي لا يستطيعون معها سمعا ولا عقلا، وهي مع كونها كسبا وفعلا لهم إلا أن الله تعالى أخبر بأنه هو الجاعل لها.

وأخبر تعالى أنه هو الذي أغفل القلوب عن ذكره، قال U:) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} (الكهف:28)، فمع أن الغفلة عمل العبد وكسبه إلا أن الله تعالى نسبها لنفسه، فالغفلة من العبد والإغفال من الرب.

أما تأويل هذا النص بأن المراد بالإغفال وما هو من جنسه التسمية والعلم، بأن يكون المراد من ( أغفلنا قلبه) سميناه غافلا أو وجدناه غافلا أي علمناه كذلك، فهو مخالف للغة العربية، بل هو مثل ( أقمته وأقعدته وأغنيته وأفقرته أي جعلته كذلك وأما أفعلته أو أوجدته كذلك، كأحمدته وأبخلته وأعجزته فلا يقع في أفعال الله البتة إنما يقع في أفعال العاجز أن يجعل جبانا وبخيلا وعاجزا فيكون معناه صادفته كذلك وهل يخطر بقلب الداعي اللهم أقدرني أو أوزعني وألهمني أي سمني وأعلمني كذلك وهل هذا إلا كذب عليه وعلى المدعو سبحانه والعقلاء يعلمون علما ضروريا أن الداعي إنما سأل الله أن يخلق له ذلك ويشاءه له ويقدره عليه)([184])

بل إن لفظ الإغفال نفسه يدل على استحالة أن يكون من العبد، لأنه ( لا يمكن أن يكون العبد هو المغفل لنفسه عن الشيء، فإن إغفاله لنفسه عنه مشروط بشعوره به، وذلك مضاد لغفلته عنه، بخلاف إغفال الرب تعالى له فإنه لا يضاد علمه بما يغفل عنه العبد وبخلاف غفلة العبد فإنها لا تكون إلا مع عدم شعوره بالمغفول عنه) ([185])

وأخبر تعالى أنه هو الذي جعل آل فرعون أئمة للضلال، قال تعالى:{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ} (القصص:41)

وقد ورد في السنة الكثير من النصوص التي تدل على هذه المعاني، والتي جمعها بعض المحدثين كالبخاري وغيره في مؤلفات خاصة.

ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم لمن سأله أن يدله على عمل يدخل به الجنة:( لقد سألتني عن عظيم! وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ألا أدلك على أبواب الخير! الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ألا أخبرك برأس الامر وعموده وذروة سنامه! رأس الامر الاسلام، من أسلم سلم وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، لا أخبرك بملاك ذلك كله! كف عليك هذا وأشار إلى لسانه)([186])

وليس المراد التيسير ـ في هذا الحديث ـ التمكين وخلق الفعل وإزاحة الأعذار وسلامة الأعضاء فقط، لأن ذلك حاصل للمؤمن والكافر، وإنما المراد منه ما يوجب اليسر في العمل.

* * *

ومن آثار هذه المعرفة التوحيدية الرجوع إلى الله طلبا للتوفيق وهربا من الخذلان، وقد فهم الربانيون هذه المعاني، فلذلك كانوا يسألون الله تعالى أن يوفقهم لمراضيه، والتي يتصورها الغافلون أفعالا محضة لهم تقع باختيارهم وبتنفيذهم ولا دخل لله فيها.

ومن ذلك قول الخليل u:{ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة:128)، فأخبر الخليل u أنه تعالى هو الذي يجعل المسلم مسلما، فلذلك طلب منه أن يجعله مسلما وذريته.

ومثل ذلك دعاءه u بأن يجعله الله تعالى مقيما للصلاة هو وذريته، قال تعالى:{ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} (ابراهيم:40)، وقال تعالى:{ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (ابراهيم:37)

ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن زكريا u أنه قال عن ولده:{ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} (مريم: 6)

وأخبر تعالى عن مقالة الثابتين مع طالوت، وكيف رجعوا إلى الله في طلب الصبر والتثبيت، فقال تعالى:{ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (البقرة:250)

وقد ذكر العلماء في الآية أربعة أدلة على أن الله تعالى هو خالق الأفعال:

  1. أن الصبر فعلهم الاختياري، ومع ذلك سألوه ممن هو بيده ومشيئته وإذنه إن شاء أعطاهموه وإن شاء منعهموه.
  2. ثبات الأقدام فعل اختياري، ولكن التثبيت فعله والثبات فعلهم ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله.
  3. أنهم سألوه النصر، وذلك بأن يقوي عزائمهم ويشجعهم ويصبرهم ويثبتهم ويلقي في قلوب أعدائهم الخور والخوف والرعب فيحصل النصر.
  4. أنه أخبر أن هزيمته لأعدائهم كانت بإذن الله، وإذنه هاهنا هو الإذن الكوني القدري أي بمشيئته وقضائه وقدره، وليس هو الإذن الشرعي الذي بمعنى الأمر، فإن ذلك لا يستلزم الهزيمة بخلاف إذنه الكوني وأمره الكوني فإن المأمور المكون لا يتخلف عنه أبدا.

بل إن سورة الفاتحة التي تحمل الحقائق الإيمانية الكبرى تدل على هذه المعاني، قال ابن القيم:( وإذا أعطيت الفاتحة حقها وجدتها من أولها إلى آخرها منادية على ذلك دالة عليه صريحة فيه)([187])

وقد ورد في السنة الكثير من الأذكار التي يرجع فيها المؤمن إلى الله تعالى متبرئا من حوله وقوته ملتجئا إلى حول الله وقوته.

ولعل أجمعها ما عبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله لأبي موسى 🙁 ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ( لا حول ولا قوة إلا بالله)([188])

وهذا الكنز من كنوز الجنة هو ما يشير إليه قوله تعالى في حوار المؤمن مع صاحب الجنتين:{ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ } (الكهف: 39) أي هلا إذا أعجبتك جنتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت اللّه على ما أنعم به عليك، واعتبرته من مشيئة الله وقوته لا من مشيئتك وقوتك.

وفي هذا دليل على ما تكسبه هذه الكلمة من تواضع في نفس قائلها وتأدبه مع ربه تعالى.

ومن الأذكار الواردة في السنة، والتي يتبرأ فيها المؤمن من حوله وقوته إلى حول الله وقته ما ورد في دعاء الاستخارة، فهو كله تفويض ورجوع إلى الله، وتبرؤ من حول العبد وقوته إلى حول الله وقوته.

قال جابر بن عبد الله : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه باسمه خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلمه شرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفني عنه، واصرفه عني واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به)([189])

وغيرها من النصوص الكثيرة..

بل إن تأمل كل ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأدعية يوصل إلى هذه الحقيقة العظيمة.. حقيقة البراءة من حول العبد وقوته إلى حول الله وقوته..

ففي دعاء النوم علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نقول:( اللهم أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت)([190])، وأخبر أن من مات على هذا مات على الفطرة، والفطرة تعني انسجام الإنسان مع السنن الإلهية، كما قال تعالى:{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } (الروم:30)

بل إن اسم الفطرة ينطبق على جميع السنن الإلهية التي انتظم بها الكون جميعا، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى على لسان الخليل u:{ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام:79)

وبقوله تعالى:{ قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ } (الانبياء:56)

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك)

وإذا ركع قال: (اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي)

وإذا رفع قال:( اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد)

وإذا سجد قال:( اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين)

ثم يكون من آخره ما يقول بين التشهد والتسليم:( اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت اعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت)([191])

فهذه الأدعية جميعا تبين الشفافية والسمو الروحي والاستسلام اللذيذ الذي يعيشه من يرى الله هو الفاعل الوحيد في الكون، وأنه لا شيء إلا بيد الله، وبتنفيذ الله.

2 ـ قدرة العبد:

تخبر النصوص القرآنية الكثيرة على أن للعبد قدرة على الفعل مستمدة من قدرة الله تعالى، فهي خاضعة لتحريكها وفعلها وتأثيرها، ومن هذا الباب صحت نسبة الأفعال للقائمين بها، نسبة التأثر لا التأثير، والانفعال لا الفعل.

والنصوص الدالة على ذلك أكثر من أن تحصر، ومنها قوله تعالى:{ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } (يونس: 22)، فقد أخبر تعالى أن التسيير فعله، والسير فعل العباد، وهو أثر التسيير.

وقال تعالى عن خليله إبراهيم u أنه قال:{ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} (ابراهيم: 35)، فقد سأل الخليل u ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام ليحصل منهم إجتنابها، فالاجتناب فعل العبد، والتجنيب فعل الله تعالى، ولا يمكن أن يتحقق فعل العبد لولا فعل الرب.

ومثل ذلك قول يوسف u:{ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (يوسف: 33) ثم قوله بعدها:{ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (يوسف:34) فصرف كيدهن هو صرف دواعي قلوبهن ومكرهن، وهي أفعال إختيارية لهم، فالله تعالى هو الصارف، والصرف فعله، والانصراف أثر فعله، وهو فعل النسوة.

 ومثله قوله تعالى لنبيه محمد :{ وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} (الاسراء:74)، فالتثبيت فعله والثبات فعل رسوله فهو سبحانه المثبت وعبده الثابت.

ومثله قوله تعالى عن المؤمنين:{ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} (ابراهيم:27)، فأخبر تعالى أن تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين فعله، وأما الثبات والضلال فمحض أفعالهم.

ومثل ذلك قوله تعالى:{ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة:13)، فأخبر تعالى أنه هو الذي قسى قلوبهم حتى صارت قاسية فالقساوة وصفها وفعلها وهي أثر فعله وهو جعلها قاسية وذلك أثر معاصيهم ونقضهم ميثاقهم وتركهم بعض ما ذكروا به فالآية مبطلة لقول القدرية والجبرية.

وهذا يتوافق مع ما ذكرناه من أن الله هو الفاعل الوحيد في الكون.

ولكن هذا قد يثير تساؤلات كثيرة، ربما يجيب عنها البعض إجابات خاطئة توقع صاحبها في الجبر شعر أو لم يشعر.

ونحن لن نجيب عليها في هذا المحل ([192]).. لأنه محل مختص بالتوحيد.. والتوحيد يجعلنا لا نرى إلا الله.. أما كل ما في الكون فلا نراه إلا خاضعا خضوعا مطلقا لله، لا يملك من أمره شيئا.

ولكن ذلك لا يعني ـ بحال من الأحوال ـ الجبر..

فالجبر يعني القيود التي توضع على صاحبها.. ولا يملك معها إلا أن ينفذ ما يجبر عليه.. وليس هناك من يشعر في نفسه بهذا الشعور.

فقد عرفنا أن الله تعالى أعطى الإنسان القدرة على منازعة أقدار الله، وأعطاه من القوى ما يشعره شعورا لا يجادله فيه أحد بأن له الحرية في كل عمل يقوم به.

ولهذا فإن الشرع رتب على هذا مسؤولية الإنسان على عمله، وهو ترتيب لا يخالف العقل، فإن البشر جميعا يتعاملون في جميع المستويات على اعتبار مسؤولية الإنسان على أعماله، ولا يخرجون من هذا القانون إلا من ارتفع عنه التكليف بزوال العقل، أو بعدم بلوغ سن التميز.

والقرآن الكريم يؤيد هذا المعنى العقلي المتفق عليه ويخبر عن مسؤولية الإنسان عن أعماله، باعتبارها كسبا حقيقيا له، قال تعالى:{ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ} (الصافات:24)، وقال تعالى:{ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} (لأعراف:6)، وقال تعالى:{ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} (الحجر:92)، وقال تعالى:{ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (النحل: 93)، وقال تعالى:{ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (النحل: 93)، وقال تعالى:{ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (التكاثر:8)

وهذا السؤال يقتضي نسبة الأفعال لفاعليها، وإلا كان سؤالهم عن أمر لا كسب لهم فيه، ولهذا رتب الله تعالى حصول الخير والشر قي الدنيا والآخرة على الأعمال ترتيب الجزاء على الشرط والعلة على المعلول والمسبب على السبب:

فالله تعالى يقول:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (لأنفال:29)

وهو يقول:{ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً} (النساء:31)

ويقول { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (ابراهيم:7)

ويقول:{ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} (النساء:123)

ويقول:{ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} (سـبأ: 12)

ويقول:{ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)} (الصافات)

فهذه الآيات جميعا وغيرها.. بل القرآن الكريم جميعا يثبت مسؤلية الإنسان على عمله، وهذا يدل على أن للإنسان قدرة ما.. ولكن هذه القدرة تطيش.. وتؤول إلى الصفر عندما نتكلم عن قدرة الله..

فكيف ينسجم هذا مع عدالة الله التي نص عليها قوله تعالى:{ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (هود: 56)، وقوله:{ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} (النساء:40)؟

هذا ما سنحاول معرفته في الفصل الثاني من هذه الرسالة.


([1]) رواه ابن ماجه.

([2]) رواه عبد الرزاق في المصنف.

([3]) رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.

([4]) هذه الأسماء كلها تدل على العلم بمراتبه المختلفة، كما سنرى.

([5])المقصد الأسنى: 119.

([6]) رواه البخاري.

([7]) من الردود التي رد بها المتكلمون على هذه المقولة:

1. أن الله تعالى فاعل لهذه الأجسام على سبيل الإحكام والإتقان، وكل فاعل على هذا الوجه فإنه لا بدّ وأن يكون عالماً بما فعله وهذه الدلالة بعينها ذكرها الله تعالى في قوله:{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (البقرة:29)، فقد ذكر الله تعالى خلق السموات والأرض، ثم فرع على ذلك كونه عالماً.

2. أن الخالق للشيء على سبيل التقدير والتحديد لا بدّ وأن يكون عالماً به وبتفاصيله لأن خالقه قد خصه بقدر دون قدر والتخصيص بقدر معين لا بدّ وأن يكون بإرادة، وإلا فقد حصل الرجحان من غير مرجح والإرادة مشروطة بالعلم، فثبت أن خالق الشيء لا بدّ وأن يكون عالماً به على سبيل التفصيل.

وقد رد الغزالي على هذه المقولة ردا مفصلا في كتابه (تهافت الفلاسفة)

([8]) رواه البخاري.

([9]) هناك خلاف بين المتكلمين في علاقة الصفات بالذات، وهو خلاف جدلي لا قيمة له، ولا ينتج عنه الحكم على طرف من الأطراف بالسنية أو البدعية، كما يبالغ في ذلك الكثير، لأن الذي يقول بأن الصفات عين الذات، لا ينفي الصفات في الحقيقة، وإنما يبالغ في إثبات اتصاف الله بها، فكيف يحكم على من يقول بهذا بالبدعية.

ولو رددنا الأمر إلى أصله، فليس في النصوص لفظ (الصفات).. بل ليس هناك إلا الأسماء، فالله تعالى قال: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } (لأعراف: 180)، ولم يقل: ( ولله الصفات العليا).. ولو أن الأمة اكتفت بالأسماء لارتفع الخلاف بينها في هذا المجال.

([10]) الخبير بمعنى العليم ولكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة ويسمى صاحبها خبيرا، انظر: المقصد الأسنى: 103.

([11]) رواه البخاري ومسلم.

([12]) رواه أحمد.

([13]) فبسببه تمكن المسلمون من الاجتماع بالكفار ليدعوهم إلى الإسلام ويبينوا لهم محاسنه، فدخل كثير من قبائل العرب بسبب ذلك في الإسلام.. ومما يوضح ذلك أن الذين شهدوا صلح الحديبية مع النبي r في ذي القعدة عام ست كانوا ألفاً وأربعمائة، ولما أراد النبي r فتح مكة حين نقض الكفار العهد، كان خروجه إلى مكة في رمضان عام ثمان، وكان معه عشرة آلاف مقاتل، وذلك يوضح أن الصلح المذكور من أعظم الفتوح لكونه سبباً لقوة المسلمين وكثرة عددهم.

([14]) رواه أحمد وأبو داود.

([15]) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة واللفظ للترمذي.

([16]) رواه الترمذي.

([17]) رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

([18]) نحب أن ننبه هنا إلى أن إطلاقنا لفظ الصفات هنا جاء من باب الغالب.. لا من الباب الذي حصل فيه الخلاف بين المسلمين، والذي لا نرى له مسوغا.

([19]) المقصد الأسنى، ص87.

([20]) انظر: الكلمات، الكلمة السادسة والعشرون، رسالة القدر، لبديع الزمان النورسي.

([21]) إلا علاقة خلق المكان والزمان.. ولا ينبغي أن نلتفت هنا إلى أولئك الغارقين في أوثان التشبيه ممن يتصورون هذا إعداما للإله، فالعلم الحديث يقر بأن المكان والزمان مخلوقان محدثان.. فهذا (ستيفن هوكنج) العالم الفيزيائي الشهير، والذي يدعى نيوتن العصر الحديث، يقول:« لم تكن المادة هي وحدها التي خلقت أثناء الانفجار العظيم، بل إن الزمان والمكان أيضاً خلقا.. إن للمكان بداية، إذن: للزمان بداية) (انظر: الكون، بوزلو، ص46)

([22]) انظر رسالة (معجزات حسية) فصل (نبوءات)، فقد ذكرنا فيها الكثير من الأمثلة من الكتاب والسنة الدالة على هذا.

([23]) نص الحديث: (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني؟ قال: يا رب! كيف أعوذك وأنت رب العالمين! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده! أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني؟ قال: يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه! أما علمت لو أنك أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني؟ قال: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب العالمين! قال: اسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما! إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي) رواه مسلم.

([24]) رواه الحاكم.

([25]) رواه البخاري.

([26]) نحن نستبعد مثل هذا في القرآن الكريم، فالقرآن كله محكم لا زائد فيه، قال تعالى في وصف القرآن: { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } (فصلت:42)

([27]) انظر (الأمثل) للشيرازي.

([28]) رواه الترمذي والحاكم.

([29]) رواه البخاري ومسلم.

([30]) رواه ابن ماجة.

([31]) رواه البيهقي.

([32]) رواه البخاري ومسلم.

([33]) رواه البخاري ومسلم.

([34]) رواه البخاري ومسلم.

([35]) رواه مسلم.

([36]) رواه ابن السني وغيره.

([37]) رواه البخاري وأبو داود والنسائي.

([38]) رواه ابن أبي حاتم ورواه الحافظ ابن مردويه بنحوه.

([39]) رواه الحكيم والنسائي والضياء.

([40]) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

([41]) رواه الحاكم عن ابن عباس.

([42]) انظر فصل (الحكمة) من هذه الرسالة.

([43]) المقصد الأسنى:76.

([44]) المقصد الأسنى: 36.

([45]) رواه الترمذي.

([46]) رواه أحمد ومسلم.

([47]) المقصد الأسنى: 145.

([48]) رواه الترمذي والحاكم.

([49]) رواه الطبراني.

([50]) انظر التفاصيل الكثيرة المرتبطة بالعلاج القرآني للمشاكل النفسية للفقير في رسالة (كنوز الفقراء)

([51]) رواه ابن جميع في معجمه والبيهقي في الشعب.

([52]) وقد فسر المانع بمعنى الحافظ، أي أن الله تعالى برحمته يمنع عبده من أسباب هلاكه، وليس مرادنا منه هنا هذا المعنى، وإن كانت غايته هذا المعنى.

([53]) المقصد الأسنى: 88.

([54]) رواه أحمد.

([55]) وهذا في الحالة العادية التي ينتفي فيها الظلم، وهو ما أراده r بقوله هذا، أما إن كان هناك ظلم من التجار، بحيث تحالفوا على رفع الأسعار استغلالا لحاجات الناس، فإن هذا يوجب على الإمام أن يتصرف بما شاء من التسعير ونحوه.

([56]) المقصد الأسنى: 146.

([57]) رواه مسلم وغيره.

([58]) رواه الطبراني في الكبير، والحاكم.

([59]) رواه الطبراني في الكبير.

([60]) رواه مسلم وأبو داود والنسائي.

([61]) رواه البخاري ومسلم.

([62]) رواه أحمد والبخاري.

([63]) رواه الطبراني في الكبير والحاكم.

([64]) رواه أحمد والبيهقي والبزار.

([65]) رواه البيهقي.

([66]) رواه أبو داود والبيهقي.

([67]) رواه في مسند الفردوس.

([68]) رواه الديلمي.

([69]) رواه الحكيم والديلمي.

([70]) رواه أحمد والحاكم.

([71]) رواه االطبراني في الكبير.

([72]) رواه أبو الشيخ.

([73]) رواه الترمذي، وقال: حسن غريب، ورواه الحاكم، وابن عدي.

([74]) قد رددنا على هذه الشبهة بتفصيل في رسالة (معجزات علمية)

([75]) وهذا ما يحصل كثيرا في الواقع لإثبات الجريمة، لأن الجريمة لا تثبت إلا ببينة.

([76]) رواه أحمد ومسلم وابن ماجة.

([77]) رواه ابن حبان وغيره.

([78]) رواه ابن عدي والحاكم وتعقب والخطيب.

([79]) رواه الطبرانى.

([80]) رواه مسلم وغيره.

([81]) رواه أبو يعلى والبيهقي في الدلائل.

([82]) رواه البخاري والنسائي.

([83]) الجواب الكافي: 4.

([84]) الجواب الكافي: 4.

([85]) الجواب الكافي: 4.

([86]) رواه البزار وفيه إبراهيم بن خثيم وهو متروك.

([87]) رواه النسائي وابن ماجه وأحمد وأبي يعلى وابن منيع والطبراني.

([88]) الجواب الكافي: 8.

([89]) الجواب الكافي: 8.

([90]) سنتحدث عن التفاصيل المرتبطة بهذا في فصل (الحكمة) من هذه الرسالة.

([91]) الجواب الكافي: 9.

([92]) رواه البخاري في التاريخ والبزار في المسند والبيهقي في الشعب، وهو يشير إلى ما ورد في النصوص من الحث على الجمع بين الذكر والدعاء، وذلك كما ورد في الحديث أن رسول الله r سمع رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله تعالى ولم يصل على النبي r فقال رسول الله r:عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: (إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه عز و جل والثناء عليه ثم يصلي على النبي r ثم يدعو بعد بما بشاء) رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح ورواه الحاكم في صحيحه.

ويدل لهذا من القرآن الكريم قوله تعالى عن دعاء يونس ـ عليه السلام ـ:{ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الانبياء: 87)، وقد ورد في الحديث عن فضل هذه الدعوة قوله r:( دعوة أخي ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت:{ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } فإنه لم يدع بها مسلم قط إلا استجاب له)رواه الترمذي.

([93]) رواه ابن أبي حاتم.

([94]) رواه مسلم.

([95]) رواه أحمد والبيهقي في الشعب وابن منيع وابن جرير والطبراني في الكبير.

([96]) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.

([97]) من الأحاديث الواردة في ذلك قوله r:( صلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن في الاعمار) رواه أحمد والبيهقي.

وفي حديث آخر يقول رسول الله r:( من سره أن يمد الله له في عمره ويوسع له في رزقه ويدفع عنه ميتة السوء، فليتق الله، وليصل رحمه) رواه أحمد وابن جرير وصححه، والخرائطي في مكارم الاخلاق والطبراني في الأوسط والحاكم وابن النجار.

([98]) رواه البزار والحاكم.

([99]) رواه أبو داود والترمذي..

([100]) رواه البخاري ومسلم.

([101]) وقد فسر بعضهم الكتاب هنا بأنه القرآن على معنى أن القرآن لم يترك شيئا من أمر الدين إلا وقد دل عليه ؛ إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول r.

ومع أن القرآن حوى الحقائق الكبرى لتفاصيل الوحود، كما قال تعالى:{ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} (النحل: 89) إلا أن المراد الظاهر في هذه الآية هو اللوح المحفوظ باعتباره حاويا لتفاصيل الحقائق، لا جملها فقط.

([102]) فقد فسر ابن عباس الآية بقوله:( ما تأكل من لحومهم وأبشارهم، وعظامهم وأشعارهم)

([103]) قال ابن عباس في تفسير الآية: يعني: (ما من شيء).. ذلك أن كل شيء يمكن اعتباره غيبا، فالغيب ما ستر عن البعض، وبما أنه ليس هناك من يعلم كل شيء إلا الله، فصار كل شيء بهذا الاعتبار غيبا.

([104]) رواه البخاري وغيره.

([105]) رواه أحمد ومسلم.

([106]) رواه مسلم.

([107]) رواه الترمذي والحاكم.

([108]) رواه البخاري ومسلم.

([109]) تفسير الطبري (30/144).

([110]) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب ورواه النسائي وأحمد.

([111]) وفسرت هذه الآية كما قال الضحّاك:(أي ما أدري بماذا أومر وبماذا أنهى بعد هذا؟) وفسرها الحسن البصري على أن المراد منها ما يحصل من أحوال الدنيا وتقلبانها، « أما في الآخرة فمعاذ اللّه وقد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أخرج كما أخرجت الأنبياء؟ أم أُقْتل كما قتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة؟) انظر: تفسير ابن كثير: 7/276.

ونرى أن هذا هو الأوجه، فإنه r بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه؛ وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي قريش، إلى ماذا أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون، فيستأصلون بكفرهم؟  ولكن هذا أيضا لا يمنع من احتمال الآية لما ذكرنا.

([112]) رواه البخاري.

([113]) رواه مالك وأحمد والشافعي ومسلم والنسائي.

([114]) رواه البخاري ومسلم.

([115]) رواه أحمد والترمذي وقال: حسن غريب.

([116]) ابن كثير: 3/524.

([117]) رواه مسلم.

([118]) جمعنا أكبر قدر من هذه الأخبار مفصلين لها في رسالة (معجزات حسية)، فصل (نبوءات) من سلسلة (أشعة من شمس محمد)

([119]) انظر التفاصيل العلمية للرد على ما يسمى بالرقية الشرعية في رسالة (ابتسامة الأنين)

([120]) البخاري ومسلم.

([121]) رواه أحمد والطيالسي والبزار، وعزاه البوصيري لابن أبي شيبة وللطبراني في الأوسط مختصراً.

([122]) رواه مسلم.

([123]) رواه أبو داود.

([124]) رواه أحمد والبزار.

([125]) التشوف إلى الشيء الاهتمام به والتطلع له.

([126]) إيقاظ الهمم شرح الحكم، لابن عجيبة.

([127]) رواه ابن خزيمة وأحمد والنسائي والبيهقي.

([128]) رواه الترمذي والحاكم.

([129]) رواه البخاري ومسلم.

([130]) رواه أحمد.

([131]) وقد روي في مثل هذا حديث مرفوع رواه ابن مردويه، وقد ذكر ابن كثير أنه لا يصح، قال:(لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي الله فدعا عليه فهلك، ثم أشرف على آخر على معصية من معاصي الله فدعا فهلك، ثم أشرف على آخر فذهب يدعو عليه، فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم أنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي، فإنهم مني على ثلاث: إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن أخرج من صلبه نسمة تملأ الأرض بالتسبيح، وإما أن أقبضه إلي فإن شئت عفوت وإن شئت عاقبت)

([132]) رواه ابن عدي والحاكم وتعقب والخطيب.

([133]) رواه النسائي وابن ماجه وأحمد وأبي يعلى وابن منيع والطبراني.

([134]) رواه ابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه.

([135]) النسخ الذين نريده هنا هو نسخ القرآن الكريم للكثير من الأحكام الواردة في الكتب السابقة، أما كون القرآن يحوي ناسخا ومنسوخا، فهذا مما ننزه القرآن الكريم عنه، وقد ذكرنا ذلك في كتاب [القرآن والأيدي الآثمة]

([136]) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

([137]) الفصل في الملل والأهواء والنحل.

([138]) وقد رفعه إلى النبي r، فعن عن همام عن الكلبى فى قوله تعالى { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد:39)، قال: يمحو من الرزق، و قال: فقلت: من حدثك؟ قال: أبو صالح عن جابر بن رئاب عن النبى r.

([139]) رواه ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي الدنيا في الدعاء.

([140]) رواه البخاري ومسلم.

([141]) رواه البخاري.

([142]) رواه ابن السني.

([143]) رواه أبو نصروفي رواية أخرى: (من قرأ أربعين آية في ليلة لم يكتب من الغافلين ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين ومن قرأ مائتي آية لم يحاجه القرآن يوم القيامة ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الأجر) رواه البيهقي.

([144]) رواه الحاكم والبيهقي.

([145]) رواه أبو نعيم والبيهقي.

([146]) رواه الترمذي.

([147]) رواه البخاري ومسلم.

([148]) رواه أبو نعيم.

([149]) رواه الطبراني في الكبير، ومثله قوله r:( من سمع النداء فلم يجب ثلاثا كتب من المنافقين) رواه البغوي.

([150]) رواه ابن مردويه والنسائي.

([151]) رواه أحمد وابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي عاصم في السنة وابن جرير في عذاب القبر.

([152]) رواه أحمد والبخاري.

([153]) رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق.

([154]) انظر: الكلمات، الكلمة السادسة والعشرون، رسالة القدر، لبديع الزمان النورسي.

([155]) انظر: الكلمات، الكلمة السادسة والعشرون، رسالة القدر، لبديع الزمان النورسي.

([156]) رواه البخاري ومسلم.

([157]) رواه أحمد والطبراني في الكبير.

([158]) التفسير الكبير.

([159]) روي هذا الحديث بألفاظ كثيرة، رواه الترمذي وغيره.

([160]) رواه البزار والطبراني وغيرهما.

([161]) رواه بهذا اللفظ الطبراني في الكبير.

([162]) رواه ابن النجار.

([163]) رواه البخاري ومسلم.

([164]) رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي.

([165]) رواه الطبراني في الكبير والأوسط.

([166]) رواه الطبراني.

([167]) رواه الطبراني في الأوسط.

([168]) رواه أحمد والطبراني.

([169]) رواه أحمد والبخاري.

([170]) رواه سمويه وابن السني.

([171]) رواه الطبراني في الأوسط.

([172]) رواه الطبراني في الكبير.

([173]) رواه البخاري.

([174]) رواه الديلمي.

([175]) رواه ابن السني وأبو الشيخ والديلمي وابن عساكر وابن النجار.

([176]) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي والحاكم.

([177]) رواه مسلم وغيره.

([178]) رواه مسلم.

([179]) رواه الطبراني في الكبير وابن السنى في عمل اليوم والليلة.

([180]) وللأسف فإن هذا ما تكاد تصرح به كثير من كتب الكلام، وخاصة عند حديثها عن مسألة (الحسن والقبح)، فهي عند اعتبارها أمرا اعتباريا لا حقيقيا تجعل من حقائق الكون حقائق وهمية يمكن أن تتخلف في أي لحظة.

([181]) رواه الترمذي.

([182]) رواه الطبري ورواه القضاعي في مسند الشهاب والطبراني في المعجم الأوسط.

([183]) هذه أشهر آية استدل بها على خلق أفعال العباد، ولكنها مع ذلك فيها من وجوه المعارضة ما يمنع الاستدلال بها، حتى قال الفخر الرازي بعد ذكر وجوه المعارضة:( واعلم أن هذه السؤالات قوية وفي دلائلنا كثيرة، فالأولى ترك الاستدلال بهذه الآية والله أعلم)

ومن وجوه الاعتراض:

1. أنه تعالى أضاف العبادة والنحت إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل، ولو كان ذلك واقعاً بتخليق الله لاستحال كونه فعلاً للعبد.

2. أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية توبيخاً لهم على عبادة الأصنام، لأنه تعالى بين أنه خالقهم وخالق لتلك الأصنام والخالق هو المستحق للعبادة دون المخلوق، فلما تركوا عبادته سبحانه وهو خالقهم وعبدوا اوصنام لا جرم أنه سبحانه وتعالى وبخهم على هذا الخطأ العظيم فقال: { قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)} (الصافات)، ولو لم يكونوا فاعلين لأفعالهم لما جاز توخبيهم.

3. أن اعتبار لفظة ما مع ما بعدها في تقدير المصدر ممنوع، وبيانه أن سيبويه والأخفش اختلفا في أنه هل يجوز أن يقال أعجبني ما قمت أي قيامك فجوزه سيبويه، ومنعه الأخفش وزعم أن هذا لا يجوز إلا في الفعل المتعدي، وذك يدل على أن ما مع ما بعدها في تقدير المفعول عند الأخفش.

4. أن المراد بقوله: (ما تنحتون) المنحوت لا النحت لأنهم ما عبدوا النحت وإنما عبدوا المنحوت فوجب أن يكون المراد بقوله: (ما تعملون) المعمول لا العمل حتى يكون كل واحد من هذين اللفظين على وفق الآخر،وذلك مثل قوله تعالى:{ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } (الشعراء: 45)، فليس المراد أنها تلقف نفس الإفك بل أراد العصي والجبال التي هي متعلقات ذلك الإفك.

5. أن العرب تسمي محل العمل عملاً يقال في الباب والخاتم هذا عمل فلان والمراد محل عمله.

6. أن المقصود في هذه الآية تزييف مذهبهم في عبادة الأصنام، لا بيان أنهم لا يوجدون إفعال أنفسهم، لأن الذي جرى ذكره في أول الآية إلى هذا الموضع هو مسألة عبادة الأصنام لا خلق الأعمال.

([184]) شفاء العليل:64.

([185]) شفاء العليل:64.

([186]) رواه مسلم والترمذي وغيرهما.

([187]) شفاء العليل:52.

([188]) رواه البخاري ومسلم.

([189]) رواه البخاري.

([190]) رواه البخاري ومسلم.

([191]) رواه مسلم وغيره.

([192]) سنجيب عن هذا بتفصيل في فصل (العدل) من هذه الرسالة.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *