الخاتمة

الخاتمة

بقينا مع الماوردي أياما معدودات يحدثنا فيها عن مرض (العدوان)، ويستعمل في التنفير عنه كل ما آتاه الله من العلم والحكمة.. وبعد أن رأى أن المحيطين به قد فقهوا عنه ما أراد أن يبلغهم إياهم ويدربهم عليه، طلب منا أن نسير إلى صاحب المدرسة في ساحتها..

وهناك رأيت من العجب ما لم أكن أتصوره..

لقد كان صاحب المدرسة محسن بن فيض الله جالسا على كرسي، وبجنبه صرر كثيرة من المال..

عندما اجتمعنا إليه قال: مرحبا بكم.. لن أطيل عليكم الحديث، فسوقكم ينتظركم.. ولهذا سأعجل بإخباركم بنتيجة المسابقة.

لا أكتمكم أني في بداية المسابقة كنت أتصور أن الفائزين منكم سيكون عددا محدودا.. وقد وضعت لذلك الحد الأدنى من الأسئلة.. وحددت الحد الأدنى من الإجابة عليها..

لكني اكتشفت عظم خطئي.. فقد كانت تصلني من المراقبينن الذي أرسلهم كل حين في صفة زبائن ومشترين من الأخبار ما ملأ قلبي سرورا..

ولهذا، فقد جمعتكم اليوم لأوزع عليكم من المال ما وعدتكم به.. فاقبلوه مني فهو حقكم..

قال ذلك، ثم طلب من بعض مرافقيه أن ينادي على رجل من أهل السوق، فنادى عليه، وحضر الرجل، والعجب أنه رفض أخذ المال، بل صاح بقوة: لقد تعلمنا في هذه المدرسة حرمة المسألة، وتعلمنا أن نعتمد على ما أعطانا الله من القوى، وأن نقنع بما آتانا الله من فضله.. وفوق ذلك تعلمنا من السلوك الرفيع ما سينزع من سوقنا حلة الحزن التي كان يلبسها.

قال آخر: صدقت.. لقد اكتشفنا السبب الأكبر الذي كان يكمن وراء فقرنا وفقر سوقنا..

قال آخر: لقد عرفنا المحركات الخبيثة التي كانت تمدنا بالرذيلة، وكانت هي المدد الذي أمد به محق السوق، ومحق حياتنا.

قال آخر: ليتك بدل أن تمدنا بما مددتنا به من فضلك السابق مددتنا بالنصح والمعرفة والعلم.. فلا يحمي المال كالعلم، ولا يحمي الحياة كالمعرفة، ولا يحمي البركة كالنصيحة.

قال آخر: ماذا نريد بالمال.. لقد مننت علينا بما هو أعظم.. ونحن لا نطلب منك سوى أن تأذن لنا في أن نبقى تلاميذ لهذه المدرسة ولأساتذتها الكبار..

قال آخر: بل نطلب منك أن تأذن لنا لنسير في البلدان لنبشر بها وبالتعاليم السامية التي تدعو إليها.

بعد أن سمع محسن هذه الكلمات العذبة التي تفوهت بها تلك الألسنة المضمخة بعطر الإيمان، قال: شكرا على هذه الكلمات، وأسأل الله أن يبارك لكم في حياتكم.. ولكني مع ذلك لن أعود بهذا المال إلى بيتي.. بل سأتركه لهذه المدرسة ولكل من يتتلمذ فيها.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *