الخاتمة

الخاتمة

بعد هذه الرحلة الجميلة في مدائن السلام، وبعد أن امتلأت نفسي قناعة بفضل الله على عباده وما وهب لهم من أصناف فضله مما يرمم أجسادهم ونفوسهم وأرواحهم، أخذت نفسا عميقا طرحت في شهيقه كل الوساوس التي كانت تملؤني بالصراع، وشربت من زفيره كل ألوان السلام..

بعد ذلك النفس العميق لم أشعر بنفسي إلا وأنا بين أهلي وفي بيتي، وقد رأيتهم ينظرون إلي نظرة ممتلئة بالحزن والألم.. فسألتهم: ما الذي حصل؟

قالوا: بل أنت الذي تخبرنا ما الذي حصل.. وأين كان عقلك.. ومع من كنت تتحدث طيلة اليومين السابقين؟

أردت أن أخبرهم عن معلم السلام، ومدائن السلام، وما رأيت من عجائب، وما اكتسبت من معارف، لكني وجدت أني لو فعلت ذلك، فإني سأفتح بابا يصعب علي إغلاقه، وسأظل أجادلهم، ولا ينتهي جدالي، وسأظل أصارعهم، وأنا موقن أني لا أصارع أحدا إلا غلبني، لذلك تظاهرت بعدم علمي بشيء.. وقلت لهم: لم أفعل أي شيء.. لقد كنت هنا، ولم أفارق هذا المكان.. وعقلي معي طبعا.. هو دائما يرافقني..

لكنهم فاجأوني بجهاز تسجيل.. شغلوه.. فسمعت صوتي، وهو مرة يسأل معلم السلام.. ومرة معلم الطعام.. ومرة يتحدث مع ابن سينا.. وأخرى مع الزعتر والبابونج..

والحمد لله أن الأصوات التي سجلت لم يكن فيها إلا صوتي وحده، أما سائر الأصوات التي كانت تتحدث معي، فلم تفلح أجهزتهم البدائية في تسجيلها..

لم أهتم كثيرا بما عرضوه علي، بل رحت أضحك لأزيل عنهم ما ألم بهم من ألم.. لكنهم واجهوني بما لم يكن في حسباني، لقد ذكروا لي أنهم سيعرضون ذلك التسجيل على طبيب نفسي ليشخص حالتي، ويعالجني على أساسها..

طلبت منهم ألا يفعلوا ذلك.. وألا يفضحوني، ويفضحوا أنفسهم.. لكنهم أبوا علي..

لم أعر الأمر اهتماما كبيرا، لولا أننا في ذلك المساء كنا مجتمعين أمام التلفزيون، وأمام برنامج من البرامج الصحية، وفجأة سمعت جزءا من ذلك التسجيل الذي سجل لي، وسمعت بعده طبيبا يقول: هذا التسجيل الذي سمعتموه هو لمريض من مرضاي، وهو يبين نمطا من أنماط الأمراض النفسية الغريبة.. وهو

قاطعه المذيع قائلا: أرجو أن تخبرنا عن صاحب التسجيل.. لعلنا يمكن استضافته في هذا البرنامج.

قال الطبيب: لا .. هذا لا يمكن .. فدستور الأطباء يمنعنا من فضح المرضى..

قال المذيع: لا بأس .. فاذكر لنا مهنته والبلد التي يسكن فيها وبعض المعلومات عنه من غير التصريح باسمه.

أخذ الطبيب يذكر كل المعلومات عني، وبتفصيل شديد، لا ينقصه إلا ذكر اسمي، والبيت الذي أسكنه، وقد سبب لي ذلك حرجا شديدا أمام جيراني، وغيرهم، فقد كنت كلما لاقيت أحدا منهم يطلب مني أن أسلم على ابن سينا.. أو على الرازي.. أو على أبقراط.. أو على جورج أوشاوا.

بل بلغ التهكم ببعضهم أن راح يطلب مني أن أبلغ سلامه لزهرة البابونج.. وآخر للهندباء.. وآخر للزيزفون..

وقد ألجأني ذلك إلى المكوث فترة في بيتي إلى أن زارني معلم السلام، وعلمني درسا جديدا من دروس السلام قضيت به على كل تلك الآلام.. وسأذكر لكم قصة ذلك في الوقت المناسب إن أذن الله.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *