الخاتمة

الخاتمة

خطرت على بالي وأنا أحدث الغزالي أسئلة كثيرة كنت أود أن أسأله عنها، لكني فوجئت بيد شديدة قاسية تصفعني، وهي تقول: كف عن هذيانك.. عد إلى وعيك..

فتحت عيني، فوجدت جمعا من الناس ينظرون إلي نظرة مريبة، وكأني قد فقدت عقلي، صاح أحدهم: ها هو أخيرا يعود إلى وعيه.. لقد ذكرت لكم أن الألم هو الوسيلة الوحيدة التي تعيد الإنسان إلى وعيه .. لقد جربت هذا مع طلبتي كما جربته مع كل من أعرفه.

قال آخر: صدقت .. لقد كان الرجل على حافة الجنون.. فهو يحدث نفسه منذ ثلاثة أيام..

قال آخر: وليته كان يحدثها بما يعقل.. بل كان يحدثها بما لا ينطق بأمثاله إلا المجانين.

ضحك آخر، وقال: ألا تعجبون من حديثه عن حصون العافية؟

قال آخر: وحديثه عن الاستبصار أشد وأخطر..

احترت في هؤلاء المتحلقين بي، وفي المكان الذي أتواجد به إلى أن دخل بعض أهلي إلى القاعة التي كنت فيها، فسألته عما حصل لي، فقال: لقد انتابتك نوبة من نوبات الجنون، فجئنا بك إلى هذا المستشفى.. وهؤلاء المحيطون بك هم الأطباء الذين استطاعوا أن ينقذوك من الحالة التي كنت فيها.. فهيا، واشكرهم على إنقاذهم لعقلك.

قلت: ولكني لم أكن مجنونا .. لقد كنت في..

أردت أن أخبرهم عن المكان الذين كنت فيه، والناس الذين كنت أعيش معهم، لكني خشيت أن يحصل لي ما حصل مع الرقاة في [ابتسامة الأنين]، فلذلك اكتفيت بأن أطأطئ رأسي لهم شاكرا ومثنيا.

فجأة التفت إلى رجل كان يجلس بجانبي، كان يشبهني تماما، وكان يحمل قلما ودواة وقراطيس كثيرة.. سألته: هل أنت طبيب في هذا المستشفى؟

قال: لا .. أنا أنت .. وقد سجلت كل ما حصل، فلا تقلق..

جمع القراطيس، وأعطاها لي، وهو يقول: هذه هي [حصون العافية] التي زرتها، لقد سجلت كل ما حصل لك فيها بدقة، فأخرجها للناس، لعلهم ينتفعون بها.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *