الخاتمة

الخاتمة

لست أدري كيف خرجت من مستشفى السلام، ولا كيف التقيت بمعلمي معلم السلام.. فقد رأيت نفسي فجأة في بيتي وعلى فراشي الذي كنت أتكئ عليه، والذي لم يتحرك طرف منه طيلة فترة غيابي.

قال لي معلم السلام، وهو يبتسم: أتدري ما أصل هذا المستشفى الذي رحلنا إليه في هذا الدرس من دروس السلام؟

قلت: لا.. وكم أود أن أعرف؟.. ولكني أخشى أن يكون سؤالي فضولا.

قال: أصل هذا المستشفى مؤسس على نفحة من نفحات الإيمان.. خرجت مع قول الخليل u  { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ  } (الشعراء:80).. فسارعت بذرة لزهرة جميلة، فتعلقت بها، فعبق من عطر نفحة الإيمان، وبذرة الزهرة هذا المستشفى.

قلت: أزهرة هذا المستشفى الذي كنا فيه لم تبن كما يبنى البنيان؟

قال: لا.. عوالم السلام لا تعرف الخراسانات المسلحة التي تعرفونها.

قلت: ولكنها آية في الحسن والجمال.

قال: إن أقل زهرة في الكون، بل أقل شيء في الكون يفوق كل ما تعبدونه من عمران.

قلت: من سقى تلك الزهرة حتى نمت هذا النمو العجيب؟

قال: تلك الابتسامات العذبة التي ترسلها أفواه أنات الصالحين.

قلت: فمن عمرها بالأطباء والعلماء والخبراء؟

قال: أريجها العطر هو بطاقة الدعوة التي يرسلها لهم.

قلت: وجواز السفر؟

قال: إرادة السلام وحب السلام هو جوازهم.

قلت: فأين توجد؟.. لعلي أدعو قومي لزيارتها..

قال: هي في..

قلت: بالله عليك  ـ يا معلم ـ لا تنطق بمكان وجودها، فإني أخاف أن يقتلعها قومي ليزينوا بها قصور ملوكهم.. أو أخاف أن تمتد إليها أيديهم الآثمة، فيحولوها أشواكا كشوك السعدان.. أو أخاف على أهل تلك الأرض التي توجد فيها أن يغزوا في عقر دارهم ليجلوا عن أرضهم.. فتصير زهرتهم سبب شقائهم.. كما صار الذهب الأسود سبب تعاستنا.

***

 في تلك الليلة أصابتني حمى شديدة.. ارتعدت لها فرائصي.. وتقطعت أوصالي.. فبت أسبح في مياه آلامي.. كانت الأنة تريد أن تفلت من لساني.. فتتداركها ابتسامتي لتملأ صدري انشراحا.

عجب أهلي من حالي.. وظنوا الابتسامة التي امتلأ بها ثغري نوعا من المس الذي يصيب المحمومين، فسارعوا بالرقاة ليقتلعوا آثار جنوني.. ضحكت منهم.. فازداد شكهم.

جاءني تلك الليلة أربعة رقاة ليقتلعوا الابتسامة التي امتلأ بها ثغري، أما الأول فكان قارئا متقنا، وأما الثاني، فكان وسيطا ملهما، وأما الثالث، فقد كان يحمل ورقة وقلما ليكتب كل ما يقال، وأما الرابع فكان مدير أعمالهم الذي يقبض الأموال ويعدها، ولا يسمح لهم بمزاولة عملهم إلا بعد امتلاء جيوبه منها.

بدأ القارئ يقرأ، فغمرني الخشوع لقراءته، فأصابني ما يصيب الخاشعين من انكسار، فصاح الوسيط في القارئ:(أعد.. أعد.. أعد ما كنت تقرأ) فعاود القراءة، فأصابني ما أصابني أولا.. فقال: هذا انكسار خطير حصل له.. أعرفه، إنه من جن..!؟)

ثم سألني كما يسأل المحققون، والعصا في يده، وهو يهم بضربي: من أي الجن أنت؟

قلت: لست من الجن.. أنا إنسي، أبي إنسي، وأمي إنسية، ولا أعلم أن أحدهما تزوج من قبائل الجن.

قال: لا تتهرب.. أعرفكم معشر الجن.. تخادعون وتحتالون.. ألم تخلقوا من نار؟

قلت: لا.. أنا خلقت من طين.. أنا من طينة أبيكم آدم.. جدي هو آدم.. لا إبليس.

قال: ما أكذبكم معشر الجن.. لا تكفون عن الاحتيال والكذب.. ولكني أعرف الطريقة التي أتعامل بها معكم.

نادى في أهلي: ائتوني بكأس من الملح الخالص الذي يحرق الكبد.. فإن هذا الجن لا يخيفه شيء كما يخيفه الملح.

صحت: أتوسل إليك.. أنا إنسي.. فلا تسقني ملحا.

قال: أرأيتم.. هو جني.. وإلا فأنبئوني كيف يخاف من الملح؟

قلت: أنا لا أخافه.. ولكني أحبه في الطعام لا في الماء.

قال: ستشرب منه إلى أن تحترق كبدك.

دعا أصحابه، وأخذ الكأس يغرغر لي منها بشدة ملحا خالصا مبللا ببعض الماء، وأهلي ينظرون متأسفين لحالي، ولهذه العفاريت التي تسيمني العذاب.

بعد أن شربت من ملحهم ما لو وزعته على أيام حياتي لفاقها صاح في الراقي، وقد رأى مبلغ الجهد الذي صرت إليه: هل تقر من أنت، أم نتخذ وسيلة أخرى؟

قلت: ما هي؟

قال: هذه العصا، ستنكسر على عنقك.

قلت: ارحموني.. أنا إنسي..

ضحك الجميع، وقالوا: أنت تتحدانا.. لقد رأينا كثيرا من أمثالك.. بل كل من رأيناهم لا يختلفون عنك.. ولكنا سنؤدبك كما أدبنا الكل.. فلا ينبغي لذرية إبليس أن تغلب ذرية آدم.

صحت: ارحموني.. والله.. لست إلا أنا..

ابتسموا، وقالوا: هاهو أخيرا بدأ يعترف.

صحت: بم أعترف؟.. لقد قلت لكم: أنا هو أنا.

قالوا: فإذن أنت لن تسمع إلا للعصا..

لم أكن أتصور أنهم سينفذون تهديدهم.. ولكني فوجئت بالعصا تنهال علي.. ولا تترك موضعا إلا وتصيبه بآلامها إلى أن فقدت وعيي..

عندما استفقت في الصباح على آثار تلك الآلام التي خلفتها ابتسامتي فوجئت بنفسي بجنب أولئك الرقاة الأربعة، والناس يدخلون يسلمون علي، ويباركون لي الشفاء والتخلص من الجن الذي كان يستعمرني، وينحنون مقبلين أيدي الرقاة الذين كانوا جنود المعركة.

قال الأول، وهو يخاطب الجماهير المجتمعة: لم يكن جنيا واحدا.. بل كانوا على الأقل سبعة أو ثمانية.

وقال الثاني: ليتههم كانوا من الجن.. بل كانوا من العفاريت الطيارة.. لا يستسلمون أبدا.

وقال الثالث: لولا العصا ما استسلموا.. بورك في عصاك يا موسى.  

كنت محتارا فيما حصل، إلا أن رابع الرقاة وكاتبهم جاءني بجريدة، وقد صورت عليها صورتي، وفيها أخبار ما حصل لي، فعجبت، وقلت له: أعرف الناس مستشفى السلام؟

قال: عن أي مستشفى تتحدث؟.. أنا صحفي أعمل بهذه الجريدة، وقد نلت اليوم مكافأة بسببك، وبسبب هذا السبق الصحفي.. فقد استطعت أن أسجل كل ما دار بين من كان يستعمرك من الجن، وهؤلاء الرقاة.. أبشر يا رجل.. فأنت الآن أشهر من نار على علم.

قلت: فادفع لي بعض ما صرف لك من مكافأة بسببي أستعين به على بعض ما أصابني.

قال: لا.. أنا لم آتك لأعطيك.. بل أتيتك لتعطيني.

قلت: ما أعطيك؟

قال: لقد قبض أصحابي أموالهم من أهلك، ولم يقسموا لي.

قلت: أقبضوا أموالهم من أهلي!؟.. إذن تركوني فقيرا.

قال: للأسف لم يكن لأهلك من المال ما يكفي، فاقترضوا من الجيران ما سدد بعض تكاليف الرقية.

قلت، وقد امتلأت انقباضا: وما فعلوا حتى يستحقوا كل هذا الأجر؟

قال: ألا تعلم يا رجل أنهم خلصوك من سبع مستعمرين من الجن!؟

قلت: فما تطلب أنت؟

قال: حقي من المال.. فإنه لم يقسم لي.

قلت: وما فعلت أنت؟ لقد ذكرت أنك لم تخرج الجن معهم.. وذكرت أنك نلت مكافأتك.

قال: ولكني نشرت صورتك واسمك.. ألا يكفي هذا لتنيلني أجري؟

قلت: أقرنت اسمي مع اسم الجن، ثم تريد أن أعطيك أجرا!؟

لاحظ بعضهم ما جري بيننا من نقاش، فقال: ما الذي يحصل؟

قعد بي المرض عن شرح ما حصل.. فسبقني يخبر بما حصل لي.. فقال الحكيم الذي أراد أن يصلح بيننا: أعطه حقه يا رجل.. ولا تكن بخيلا.. فلولاهم لكنت الآن في عوالم..!؟

كاد عقلي يفلت مني.. ولولا رحمة الله لي بما تعلمته من دروس السلام لواجهته بما يقضي على عمري وعمره، لكني سكنت، وقلت: صدقت.. لقد خدمتني خدمة لن أنساها لك، ولكني لن أعطيك مالا، فالمال عرض زائل، وهو أقل من أن يفي بحقك.. ولهذا سأجعل اسمك، واسم أصحابك من الرقاة، بل اسم كل من امتهن هذه المهنة الشريفة أشهر من نار على علم.. أليس هذا عدلا؟

نطقت الجماعة مكبرين: أجل.. هذا هو العدل.. هذا هو العدل بعينه.. انظروا حكمة الرجل بعد أن فارقته عفاريته!!

***

 في ذلك المساء، وبعد أن سكنت نفسي من هول ما أصابني جاءني معلم السلام، وقال: ما فعلت مع أنينك أمس؟

قلت: وكيف عرفت ذلك؟

قال: ما أكثر نسيانك، أنا معك لا أفارقك، فخبرني، ما فعلت أمس مع أنينك؟

قلت: ابتسمت، أول مرة أبتسم فيها من كل قلبي، وأول مرة تتحول آهاتي بسمات وفرحة.. ولكن أنت أدرى بما أصابني بسببها.

قال: لا عليك.. لقد تعلمت أول درس من دروس السلام، فانشر هذه الرسالة بين الناس لينتفعوا بها.

قلت: إذن يرجموني.

قال: لم؟

قلت: يقولون: مدع للنبوة، أو يزعم أنه ملهم، فمن أنت حتى أتقي أذاهم؟

قال: قل لهم:(واعظ)

قلت: أي واعظ، إمام أي مسجد أنت؟

قال: إمام مساجد القلوب.

قلت: وهل للقلوب مساجد؟

قال: ليست المساجد إلا في القلوب.

قلت: أريد خبر معصوم ينبئ عنك لأتقي ما قد يرميني به قومي من الحجارة.

قال: اقرأ عليهم قوله  صلى الله عليه وآله وسلم:(  إذا أراد الله تعالى بعبد خيرا جعل له واعظا من نفسه يأمره وينهاه)([1]) فأنا ذلك الواعظ.

قلت: فإن قالوا: الحديث ضعيف، فما عساي أقول لهم؟

قال: قل لهم: هو السلام، فإنه لا يعلم السلام إلا السلام.

قلت: يقولون: السلام معنى، والمعنى لا يتجسم.

قال: قل لهم: فقد قال  صلى الله عليه وآله وسلم:(لو كان الحياء رجلا لكان رجلا صالحا، وإن الفحش من الفجور، وإن الفجور في النار، ولو كان الفحش رجلا لكان رجلا سوءا)([2])

قلت: سيقولون:(لو) هنا تعني الافتراض، ولا تعني الوجود.

قال: قل لهم: فقد قال  صلى الله عليه وآله وسلم:(يأتي القرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران، يأتيان كأنهما غيايتان وبينهما شرق، أو كأنهما غمامتان سوداوان، أو كأنهما ظلتان من طير صواف يجادلان عن صاحبهما)([3])

قلت: سيقولون ذلك في الآخرة.. أنا أعلم أنهم لن يقبلوا هذا، ولن يسلموا به، ولو أتيتهم بجميع أحاديث الدنيا، فاذكر لهم شيئا آخر تهضمه عقولهم.

قال: قل لهم هو:(اللمة)

قلت: أي لمة؟

قال: ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان)([4])

قلت: فإن لم يفهموا ذلك؟

قال: قل لهم: هو القرين.

قلت: سيفهمون، ولكني لن ألقاك بعدها أبدا.

فقال: كيف؟.. ولماذا؟

قلت: لأنهم سيحملونني إلى الرقاة، ولعلهم يقومون بحرقك.. وسأنال من الهراوات ما نلته ليلة أمس.

قال: لا.. لم أقصد قرين الجن، بل قصدت قول رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم:(ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا: وإياك قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير)([5])

قلت: هم لا يؤمنون إلا بقرين الجن.

قال: فإن أعجبهم ذلك، فقل لهم: هو قرين صالح من الجن.

قلت: فسيقبلون هذا.. ويستبشرون..  لقد أمرتني بنشرها، فبم أسميها؟

قال: هل ابتسمت أمس لأنينك؟

قلت: أجل، ولله الحمد والمنة، ولك الشكر والفضل.

قال: فسمها (ابتسامة الأنين)


([1])  الديلمي في مسند الفردوس.

([2]) البيهقي في الشعب.

([3])  أحمد ومسلم والترمذي.

([4])  الترمذي والنسائي ابن حبان.

([5])  أحمد ومسلم.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *