الخاتمة

بعد أن عدت من رحلتي العجيبة مع معلم السبلام، بادرني بقوله: لم تسألني عن موقع هذه المدائن، عهدي بك سؤولا؟

قلت: أعلم أن ملك الله عظيم، وقد أخبرتني بأنا لم نبرح الأرض، فاكتفيت بهذا، وقلت: لعلها جزيرة من الجزائر المجهولة، كتلك الجزيرة التي تحدث عنها سندباد البحري.

قال: لا.. لقد ذهبت بعيدا، فلا أحسب أن هناك جزيرة لم تدسها أقدام قومك، وهم يبحثون عن الذهب.

قلت: فأين كنا إذن، أفي المريخ، أم في القمر؟

قال: لقد كنا في مدينة واحدة من مدائن الغنى بالله، وكل تلك الكنوز التي رأيتها، والتي سال لعابك لها كنوز رجل واحد.

قلت: كل تلك الثروة لرجل واحد.. ما أغناه، لا أرى أن على البسيطة من هو أغنى منه.. هذا حقيق أن يحسد.. بل أخاف أن يقتل.

قال: لا تخف.. فالناس جميعا يحتقرون ثرواته ولا يتلفتون لها، بل يضحكون منها، ويهزؤون منه.

قلت: ما أبعدهم.. أليس لهم أعين يبصرون بها، أو آذان يسمعون بها؟

قال: { لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا }(لأعراف: 179)

قلت: { أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ ( (لأعراف: 179) إذن.

قال: { بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}(لأعراف: 179)

قلت: فما حاله معهم؟

قال: هو منشغل بمدائنه يسوسها ويحفظها.

قلت: وحق له ذلك، فمن كان له مثل ثورته وملكه لا يلتفت للسوقة والرعاع.

قال: لا تفهم كلامي خطأ، هو يلتفت إليهم ويحبهم ويمد يده إليهم بالعطاء، ولكنهم يقبضون أيديهم، ويطلب منهم أن يعمروا صناديقهم بكنوزه، ولكنهم يأنفون من كنوزه، ويضحكون منه.

قلت:  فهلا ذهب إلى الفقراء، فللأغنياء من عزة النفس ما يحول بينهم وبين تقبل الصدقات ولو كانت كنوزا.

قال: ذهب للفقراء والأغنياء، فالكل عنده سواء، فالغنى غنى الروح.

قلت: فما فعل الفقراء؟

قال: رموه بالحجارة، وسخروا من دعواته لهم بدخول مدائن الغنى.

قلت: فماذا فعل؟

قال: هو منشغل عنهم بمدائنه وفأسه.

قلت: وما علاقة فأسه بمدائنه؟..  وأي فأس هذا؟.. أنا لم أر أي فأس في مدائن الأغنياء.

قال: لقد رأيته في بيته.

قلت: أي بيت؟

قال: بيت المرشد الذي كان دليلك في هذه المدائن.

قلت: نعم.. المرشد موظف في تلك المدائن، ولكن ما علاقة ذلك بفأسه.

قال: لم يكن المرشد موظفا في تلك المدائن، بل كان هو المدائن.

قلت: والكنوز.

قال: تلك هي ثروته.

قلت: فأين كنا نحن؟

قال: في أعماقه.. ألم أقل لك: هيا نبحث في أعماق ذلك الفقير الذي حزنت له عن كنوز الفقراء؟

قلت: أكل ذلك الجمال، وتلك الثروة في أعماق فقير واحد؟

قال: نعم.. ويمكنها أن تكون لك جميعا.. بل لكل راغب فيها.. فجود الله عظيم.

قلت: فكيف لي أن يكون في أعماقي ما رأينا في أعماقه؟

قال: بالحب والإرادة والعزيمة.

قلت: فأنا أحب وأريد.

قال: لا يكفي ذلك، بل لا بد أن تعزم، ألم تسمع إلى الحق تعالى وهو يقول:{ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}(طـه:115)، فقد أحب آدم u وأراد، ولكن الله عاتبه على أنه لم يعزم.

قلت: فقد عزمت.

قال: { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(آل عمران: 159)

قلت: قد توكلت.

قال: حق التوكل، ألم تسمع إلى قول نبيك صلى الله عليه وآله وسلم:( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا، وتروح بطانا )([1])

قلت: قد توكلت على الله حق توكله.

قال: لا تتخط رقاب الصديقين.. قل إن شاء الله.. فالتحقق عظيم.

أحسست بأني لا شيء، وأن منه كل شيء، فنطقت من أعماقي:{ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}(الانبياء: 87) { وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(هود: 47))

قال لي: أما الآن، فانزل إلى أعماقك، وقل لي: ماذا ترى؟

نزلت إلى أعماقي، فلم أجد الظلمة التي كنت وجدتها من قبل، قال لي المعلم: لقد انجلت ظلمة الاعتراض، فاهتد بنور اليقين إلى مدائن الغنى التي تعمر أعماقك.

أخذت قطعة من نور التسليم التي وجدتها في أعماقي، وسرت بها، فإذ بي أرى مدائن الغنى، عليها رايات كنوز الفقراء، وعلى بابها رجل في جمال المرشد وبهائه، فقلت له: أنت يوسف، أم المرشد؟

فقال لي: أنا أنت.

قلت: أنت أنا؟.. كيف هذا؟

قال: اسأل المعلم.

قلت: كيف هذا؟

قال: هذا درس من دروس السلام.. ستعرفه في حينه.

ثم التفت إلي، وقال: هل أعجبتك مدائن الغنى التي جعلها الله في أعماقك.

قلت: بلى، فلله الحمد والمنة، ولك الشكر والفضل.

قال: فاشتغل بالدعوة إليها، كما يشتغلون بالدعوة إلى مصنوعاتهم.

قلت: كيف، وليس لي أي وسيلة إعلام.

قال: انشر هذه الرسالة، ودعها لوسائل الإعلام.

قلت: وما أسميها.

قال: ما رأيته في أعماقك، وما بحثت عنه في رحلتك.

قلت:كنوز الفقراء؟

قال: نعم..  ( كنوز الفقراء )

هذا الكتاب

تدور أحداث هذه الرواية حول رحلة تقوم بها شخصية خيالية ممتلئة بالحكمة والعلم والعقلانية والسلام، ولها بالإضافة إلى ذلك قدرات فائقة اسمها (معلم السلام) مع تلميذه البسيط (الكاتب) الذي تألم لحال فقير من الفقراء، وثارت في نفسه اعتراضات شديدة على وضعه، فأدخله معلم السلام إلى أعماق وجدان الفقير الذي تألم له ليكتشف الكنوز العظيمة التي يمتلئ بها قلبه.. والتي تجعله يعيش سلاما داخليا عميقا وعظيما لا يحلم بمثله أثرياء المادة فقراء الروح.


([1])  أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *