الخاتمة

الخاتمة

بعد أن وصل الغريب من حديثه إلى هذا الموضع، التفت إلي، وقال: هذا بعض حديثي مع هذا الوارث من ورثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. لقد ملأني حديثه بأشعة كثيرة من شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم جعلتني أشعر بقربه العظيم مني، بل قرب كل شيء منه.

قلت: إن حديث هذا الرجل عظيم.. ما كنت أتصور أن هناك من يحمل همة كهمته، وقلبا كقلبه.

قال: كل من اهتدى بهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وامتلأ به كان له ما لهذا الرجل.. ليس الأمر صعبا..

قلت: هو يسير.. ولكن الأشواك الموضوعة في هذا الطريق صعبة وشديدة.

قال: فشذبها بمقص الهداية.

قلت: أنت تحرضني على الثورة.. ألست تلميذا لمعلم السلام؟

قال: ثورة أهل السلام ثورة على النفس.. فلذلك لا ينبت منها إلا السلام.. لقد قال لي صاحبي (محمد الهادي) هذا بعد أن قدم لي سيارتي.

قلت: هل استطاع أن يرجع لك سيارتك؟

قال: أجل.. بعد فترة من الزمان غاب عن ناظري فيها، جاءني بالسيارة يقودها بعض الناس، وقال لي: هذه سيارتك قد عادت إليك.. انظر.. لقد فزت بنفسك، كما فزت بسيارتك.. فلا تغفل أن تفوز بربك.

لقد قلت له حينها، وعيناي تمتلئان بالدموع: خذها.. لا أريدها.. تقبلها هدية مني.. سر بها في بلاد الله لتخلص أكلة لحوم البشر.

قال: لو سرت بها إليهم لأكلوني.. كل من سار بسيارته في هذه الأرض أكل..

قلت: لم أفهم ما ترمز إليه.

قال: لقد خلقنا الله بشرا، ولا يمكن أن نصل للبشر إلا ونحن بشر.

قلت: فهل هناك من يتحول عن بشريته؟

قال: كل المصارعين يتحولون عن بشريتهم بمجرد أن تمتلئ أيديهم وأرجلهم بهذه الآلات التي تفننوا في صناعتها، كما تفننوا في الصراع بها.

قلت: ولكنك ذكرت أن غرفة العمليات تحتوي على أحدث الأجهزة.

قال: تلك أجهزة السلام لا أجهزة الصراع..

قلت: أليست السيارة من أجهزة السلام؟

قال: ولكنها في نظر أهل هذه البلاد من أجهزة الصراع.. فلذلك لا يدخل إليهم رجل بها إلا أكلوه.

قلت: فلم صارت في عيونهم هكذا؟

قال: لأنهم رأوا في يد من يمتطيها بندقية يقتل بها الحياة، ومنشارا يقطع به الأشجار، وعجلات قوية يجرح بها التربة، ويحطم بها قرى النمل.

قلت: فكيف نقلع عنهم هذه الصورة المشوهة؟

قال: بالثورة.

قلت: أتدعوني للثورة.. وأنت تتحدث بأحاديث أهل السلام.

قال: بثورة أهل السلام.. وهي ثورة على التشويه الخطير الذي تعرض له الإنسان وقيم الإنسان.. وهي ثورة تبدأ بالنفس، وبكل القيم المشوهة التي زينت في النفس.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *