أولا ـ مطاعم الشفاء

أولا ـ مطاعم الشفاء

دخلت مع المعلم إلى القسم الأول من أقسام أدوية الأرض، فرأيت على بابه لافتة كتب عليها قوله تعالى: { فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } (الكهف:19)

ورأيت داخلها ما ملأني بالعجب.. لقد رأيت أجهزة كثيرة، منها القديم الموغل في القدم، ومنها الحديث الذي رأيت مثله بين قومي، ومنها ما لا أحسب إلا أنه من اختراعات أهل مدائن السلام.

سألت المعلم عن سر الآية، وسر ما يوجد في هذا القسم من ألوان الآلات، فقال: هذا هو مخبر المطاعم.. ليس لأهله من هم سوى البحث عن أسرار الشفاء التي ملأ الله بها أقوات الأرض.

قلت: والآية؟

قال: إن الهدف من البحث في أسرار الشفاء في الأغذية هو الوصول إلى هذا الغذاء الذي طلبه أهل الكهف.. فإنهم طلبوا أزكى طعام.. وكل من تراه من الخبراء في هذا القسم يجهد نفسه للوصول إلى هذا النوع من الغذاء.

قلت: أكل هؤلاء يؤمنون بتأثير الغذاء في الشفاء.. فإن من قومي من لا يؤمن بالشفاء إلا في الأقراص والحقن؟

قال: أجل.. واسأل من شئت منهم.. فسيجيبك.. فهم كأدواتهم.. منهم الموغل في القدم.. ومنهم من لم تره بعد.

قلت: أهم يمثلون المطاعم التي يمتلئ بها هذا القسم؟

قال: أجل.. فأنواع الأغذية التي يأكلها المرضى الوافدون إلى مطاعم الشفاء تطبخ هنا..

قلت: على حسب رغباتهم.

قال: لا.. على حسب رغبات الخبراء.. فكل مريض يأكل ما يتناسب مع علته، ليكون علاجا لها.

قلت: فكم عدد المطاعم الموجودة.. والتي تمثل مناهج العلاج بالغذاء؟

قال: هي كثيرة جدا.. ولا نستطيع حصرها ولا زيارتها جميعا.

قلت: فهل سنكتفي بأربعة كما تعودنا؟

قال: لا بد من ذلك.. ففي الأربعة ما يدلنا على أصول معظم مناهج العلاج بالغذاء.

قلت: فما المطعم الأول؟

قال: هو مطعم يعتمد القوى والأخلاط.. فيداوي الأخلاط بالقوى.

قلت: لم أفهم..

قال: ستفهم.

قلت: فالثاني؟

قال: هو مطعم يعتمد الين واليانغ.. فيداوي بهما.

قلت: فما الين.. وما اليانغ؟

قال: ستفهم ذلك من أهله.

قلت: فالثالث؟

قال: هو اجتهاد لبعض المعاصرين حاول استنباطه من القرآن الكريم، سماه الغذاء الميزان.

قلت: فلم لم يكن من أدوية السماء؟

قال: نعم هو من أدوية السماء.. ولكنه يعتمد مناهج تعتمد أساليب أهل الأرض.

قلت: فهو وسط بينهما.

قال: هو مزيج منهما.

قلت: فالرابع؟

قال: هو مطعم يعتمد على ما تعرفونه من العناصر والمركبات.

قلت: إذن هو مطعم عصري.

قال: أجل.. ولكنه يحمل لباس أسلافه.

القوى والأخلاط

دخلت المطعم الأول من مطاعم الشفاء.. فرأيت قوما يلبسون ثيابا عتيقة، ويحملون أسفارا ضخمة.

اقتربت منهم، وهمست في أذن أحدهم قائلا: هل أنت طبيب؟.. فإني أريد أن أسألك سؤالا له علاقة بالطب؟

فانتفض كانتفاضة العصفور قائلا: ألي تقول هذا؟.. وكيف يؤذن لي أن أدخل هذا القسم إن لم أكن طبيبا؟.. ثم كيف لا تعرفني؟.. فأنا أبو بكر محمد بن زكريا الرازي([1]).

قلت: أعرفك.. ولكن قومي يعتبرونك وأمثالك أقرب إلى الفلسفة منكم إلى الطب.. وبالفعل فطبكم لا يختلف كثيرا عن الفلسفة.

قال: ومن قال ذلك؟.. لقد مارست الطب في أكثر المستشفيات ودرسته، وتركت فيه تراثا عريضا.. ألم يبلغكم؟

قلت: ولكن ….!؟

قاطعني، وقال: ألم تسمع قولي في كتاب (المرشد أو الفصول):(ليس يكفي في أحكام صناعة الطب قراءة كتبها، بل يحتاج مع ذلك إلى مزاولة المرضى، إلا أن من قرأ الكتب ثم زاول المرضى يستفيد من قبل التجربة كثيرا، ومن زاول المرضى من غير أن يقرأ الكتب، يفوته ويذهب عنه دلائل كثيرة، ولا يشعر بها البتة. ولا يمكن أن يلحق بها في مقدار عمره، ولو كان أكثر الناس مزاولة للمرضى ما يلحقه قارىء الكتب مع ادنى مزاولة، فيكون كما قال الله عز وجل: { وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }(يوسف:105)

قلت: فهل كنت تعتمد على الغذاء في علاجك؟

قال: أجل.. ألم تسمع قولي:(إن استطاع الحكيم أن يعالج بالأغذية دون الأدوية فقد وافق السعادة)؟

قلت: لا..

قال: ما أعظم تقصيرك.. كيف أذن لك في دخول هذا القسم، وأنت بهذا الجهل؟

قلت: اعذرني، فإني من جيل آخر.. جيل ينكر الكثير مما ترونه.

قال: كيف هذا؟.. أيرمون بالغيب؟.. لقد كنت أعالج المرضى بالغذاء فيهبون معافين بلا علة ولا ضرر، ألم تقرأ كتابي (من لا يحضره الطبيب)؟

قلت: لا..

قال: لعلك قرأت (طب الفقراء)، وقد استوحي ابن الجزار القيرواني منه كتابه:(طب الفقراء والمساكين)؟

قلت: لم أقرأ هذه الكتب جميعا.. ولست طبيا.. إنما أنا مجرد تلميذ في مدرسة السلام الابتدائية.

قال: ما دمت قد عرفت قدرك، فاسمع مني.

قلت: كلي آذان صاغية.

قال بنبرة حزينة: لما رأيت كثيرا من الفقراء والمساكين يعجزون عن أن ينالوا منافع الكتب لفقرهم، رأيت أن أعتمد في شفاء المرضى على الأطعمة والأشربة.. ليس هذا كتابي الوحيد لقد ألفت كتبا في الأدوية المفردة، وكتبا في الأدوية المركبة وغيرها من فنون الطب.. ولكن الكثير منها ضاع للأسف..

قلت: فالهدف إذن من العلاج بالغذاء هو تسلية الفقراء فقط.

قال: لا.. نحن لا نكذب عليهم، بل نعالجهم بالغذاء، كما نعالج الأغنياء([2]).

اقترب مني رجل كان يتصنت علينا، فقال: ما أكثر حديثك يا أبا بكر عن نفسك.. أنسيت أنك في مدائن السلام.

قال الرازي: أنا لا أحدثهم عني.. بل أحدثهم عن علمي.

قال: فقد سألك سؤالا.. ولم تجبه.

قال الرازي: فأجبه أنت.

قلت: قبل أن تجيبني.. أخبرني أولا من أنت؟

قال: ما بالك ألا تعرفني؟.. فأنا أشهر من نار على علم.. أنا ابن النفيس علاء الدين، أبو الحسن، علي بن أبى الحزم القرشى الدمشقي([3]).. ليس فيكم من يجهل هذا الاسم.. أنا مكتشف الدورة الدموية.. أنا الذي قيل عني:(وأما في الطب فلم يكن على وجه الأرض مثله في زمانه)، وقيل:(ولا جاء بعد ابن سينا مثله).. ألم تسمع قصتي مع الحمام؟

قلت: لا..

قال: عجبا.. لقد دخلت الحمام، ذات مرة، فلما كنت في بعض تغسيلي خرجت إلى مشلح الحمام، وطلبت دواة وقلما وورقا وأخذت فى تصنيف مقالة فى النبض إلى أن أنهيتها، ثم عدت ودخلت الحمام وكملت غسلي.

قلت: فلم لم تنه حمامك أولا؟

قال: لقد كنت شغوفا بالعلم والتأليف بحيث لا أصبر عنهما.. ألم تسمع ما قيل عني؟

قلت: وما قيل؟

قال: قالوا:(كان إذا أراد التصنيف توضع له الأقلام مبرية، ويدير وجهه إلى الحائط، ويأخذ في التصنيف إملاء من خاطره، ويكتب مثل السيل إذا تحدر فإذا كل القلم وحفي رمى به، وتناول غيره لئلا يضيع عليه الزمان في بري القلم)

قال الرازي: لقد قصروا في وصفك.. فأنت أعظم من ذلك بكثير.. فادخل الموضوع.. فقد سأل عن سر التداوي بالغذاء.. ولم يسأل عن ابن النفيس.

قال ابن النفيس: أجل.. وأنا لم أقدم هذه المقدمات من باب الحديث عن نفسي، معاذ الله، فأنا أحقر شأنا من أن أعطي نفسي ما لم يعطها الله([4]).. ولكني تحدثت عنها ليعلم صدقي فيما أقول، ألم يقل يوسف u: { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } (يوسف:55)

قلت: اجعلني في حل يا ابن النفيس، فقد أسأت بك الظن.

قال: { سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }(يوسف:98).. أما ما سألتني عنه، فقد قيل عني كلام أرادوا جرحي به، ولكنه في الحقيقة يمثل منهجي في العلاج.

قلت: وما قالوا؟

قال: لقد قالوا:(كان ابن النفيس على وفور علمه بالطب وإتقانه لفروعه وأصوله قليل البصر في العلاج، فإذا وصف لا يخرج بأحد عن مألوفه ولا يصف دواء ما أمكنه أن يصف غذاء، ولا مركبا ما أمكنه الاستغناء بمفرده، وكان ربما وصف القمحية، وهي نوع من البليلة، لمن شكا القرحة، والتطماج، وهو نوع من اللحم المطهو بالتوابل لمن شكا هواء، والخروب والقضامة لمن شكا إسهالا، ومن هذا ومثله، ولكل ما يلائم مأكله ويأكله حتى قال له العطار الشرابي الذي كان يجلس عنده:(إذا أردت أن تصف مثل هذه الوصفات اقعد على دكان اللحام، وأما إذا قعدت عندي فلا تصف إلا السكر والشراب والأدوية)

قلت: فهل كان العلاج بالغذاء شيئا اختصصت به، أو اختص به أبو بكر.. أم هو أسلوب من أساليب العلاج في المجتمعات الإسلامية؟

قال ابن النفيس: بل هو أسلوب من أساليب العلاج التي كنا نمارسها، فقد كانت المعالجة بالأغذية للأمراض من أهم أسس العلاج الطبي لكثير من الأمراض في المستشفيات في الحواضر الإسلامية.

قاطعنا رجل يظهر على وجهه وثيابه أنه من العصور الخوالي، فتقدم إليه ابن النفيس والرازي بالتحية والاحترام، فقلت: من أنت؟.. فلا أرى إلا أنك من العصور التي لم يبق لها أي أثر.

قال: ألا تعرفني؟ أنا أبقراط.. أنا أبو الطب([5]).. لقد كنت طبيبا قبل أطباء قومك بـ 4500 عام.. وكل من تراه هنا تلاميذي.

قلت: فهل كنت تعالج المرضى بالغذاء؟

قال أبقراط: أجل.. ألا تعرف مقولتي:(ليكن غذاؤك دواءك، وعالجوا كل مريض بنبات أرضه، فهي أجلب لشفائه)

قلت: فهل تركت من أثر في ذلك؟

قال أبقراط: ألم أقل لك: إن كل من تراه من تلاميذي.. لقد وضعت للغذاء مؤلفا خاصا أوضحت فيه خصائص الأطعمة طعاما طعاما، وأدخلت فكرة التدبير بالغذاء في كل مؤلفاتتي حتى التي تعني بالكسور.

ولكني مع ذلك، أثبت صعوبة تناول هذا الموضوع بدقة تامة، فمن المستحيل وضع قوانين محددة لهذا، نظرا للتباين بين أمزجة الناس والأعمار والبلاد والأجواء واختلاف تركيب العينات المختلفة من الطعام الواحد.

قلت: لقد كنت من الإغريق.. فهل كان لقومك من الاهتمام بالعلاج بالغذاء مثل ما اهتم المسلمون؟

قال أبقراط: أجل.. ومع ذلك.. فلا يمكن تصور الدور الذي أعاره الطب الإغريقي للطعام المناسب، فقد اعتبر الغذاء العنصر الوحيد الذي يدخل المرض إلى الجسم.

قلت: لم.. فهناك أسباب أخرى.

قال أبقراط: ولكن الطعام هو العنصر الوحيد الذي يرد على البدن من الخارج ويتشبه به.

بينما نحن كذلك إذ سمعت صوتا رخيما ينشد:

للحفظ في الصحة جنس مشتمل

  من عمل الطب على ضربي عمل

إن الــمزاج إن ترد بقــــاءه بحالــه

  شبــــه بــــــه غــــــداءه

والجسم إن تعزم على إخراجـــه

  مــن طبعــه فالضـــد مــن مزاجـــــــه

وإذا نظمت جزء حفظ الصحة

  فالآن أبدأ ببــــــــرء العلــــــــــة

وهو من الأعمال جنس واحد

  يقابــــل الشـــيء بمـــــا يضـــادد

إن كان من حرارة فـبـــــرد

  أو كــــان مــــن برودة فالضــــد

أو كان من لين فبالجفـــاف

  أو كـــــان مـــن يبس فبالخـــــلاف

قلت لأبقراط: من هذا؟

قال أبقراط: هذا من أكبر تلاميذي.. ولولاه لما كانت لي هذه الشهرة.

قلت: فمن هو؟ فلست ملما بأخبار الأطباء.

قال أبقراط: هذا ابن سينا([6]).. ألا تعرفه؟

قلت: بلى.. أعرفه، ومن لا يعرفه؟.. إنه الشيخ الرئيس.

قال أبقراط: ألا تعرف كتابه (القانون)؟

قلت: إن شئت الصدق، فإني أعرفه ولا أعرفه.

قال أبقراط: كيف ذلك؟

قلت: أسمع به، وأحب قراءته، ولكنه يستعصي علي.. فنحن من جيل مختلف تماما.

قال أبقراط: وهل قدمتم من المريخ.. أنتم من الأرض، فكيف تجهلون أهل الأرض؟

قلت: فما به هذا القانون الذي ألفه ابن سينا؟

قال أبقراط: لقد قال فيه نظامي عروض السمرقندي، في كتابه (جهاز مقالة) الذي ألفه حوالي 550 هـ. بعد وفاة الشيخ الرئيس بأكثر من قرن، بعد أن يذكر المراجع التي على الطبيب أن يدرسها، وهي لكبار أطباء الإسلام قبل ابن سينا، يقول:(فاذا أراد الاستغناء عن هذه الكتب كلها فقد يكتفي بالقانون، فإن سيد الكونين وامام الثقلين صلى الله عليه وآله وسلم يقول:(كل الصيد فى جوف الفرا)([7])، فكل ما ذكرت موجود في القانون، مع زيادات كثيرة، وكل من يحيط علما بما في المجلد الأول([8]) من القانون لايخفي عليه شيء من أصول علم الطب وكلياته)

ثم يقول عني وعن جالينوس:(ولو بعث أبقراط وجالينوس إلى الحياة لحق لهما أن يسجدا لهذا الكتاب)

قلت: أتذكر هذا الكلام وتفخر به؟

قال أبقراط: وكيف لا أفتخر به.. وهل يحزن العالم إن غلبه تلميذه.

قلت: صدقت.. وأحسنت.. فعهدي بك صاحب خلق.

قال أبقراط: لا يصح أن يكون الطبيب طبيبا إلا إذا كان صاحب خلق، ألا تعرف القسم المنسوب إلي، والذي يحدد التزامات الطبيب؟

أردت أن أجيب، فقاطعني ابن سينا بقوله: ومن لا يعرف ذلك القسم يا معلمي.. لقد حافظنا ـ نحن أطباء المسلمين ـ على تعاليمك الخلقية.

قلت: وما التعاليم الخلقية التي التزمتم بها؟

قال ابن سينا: سبعة.

قلت: لم أسأل عن عددها.. وإنما سألت عن ماهيتها.. فما الأولى منها؟

قال ابن سينا: أن يكون تام الخلق، صحيح الأعضاء، حسن الذكاء، جيد الرؤية، عاقلا، ذكورا، خير الطبع.

قلت: ما هذا؟.. لا أرى لهذا أي حاجة؟.. فقد يكون طبيبا، ولكنه ناقص الخلق أو مريضا.

قال: لا.. هو لا يقصد هذا.. إنما يقصد ما تفعله الهيئات الصحية عندكم من اشتراط اللياقة البدنية لمزاولة المهنة قبل إعطاء الترخيص.

قلت: والثانية؟

قال: أن يكون حسن الملبس، طيب الرائحة، نظيف البدن والثوب.

قلت: والثالثة؟

قال: أن يكون كتوما لأسرار المرضى، ولا يبوح بشيء من أمراضهم.

قلت: والرابعة؟

قال: أن يكون رغبته في آراء المرضى أكثرمن رغبته فيما يلتمسه من الأجرة، ورغبته في علاج الفقراء اكثر من رغبته في علاج الأغنياء.

قلت: والخامسة؟

قال: أن يكون حريصا على التعليم والمبالغة في منافع الناس.

قلت: والسادسة؟

قال: أن يكون سليم القلب، عفيف النظر، صادق اللهجة لا يخطر بباله شيء من أمور النساء والأموال التي شاهدها في منازل الاعلاء فضلا عن أن يتعرض إلى شيء منها.

قلت: والسابعة؟

قال: أن يكون مأمونا ثقة على الأرواح والأموال، ولا يصنع دواء قتالا ولا يعلمه، ولا دواء يسقط الأجنة، يعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج حبيبه.

قلت: هذه خصال عظيمة، وقد وردت في تعاليم الإسلام.

قال: وقد أضفنا إليها ـ نحن أطباء المسملين ـ آدابا أخرى، منها القيام بالإسعاف نهارا وليلا على قد ر الإمكان تفريجا للكربة.

ومنها التلطف بالمريض والحلم في استجوابه وتفهيمه مراعاة لحالته النفسية ووضعه الثقافي.

ومنها اللباقة في تعريف المريض بمرضه، ومحاولة تطمينه ورفع معنوياته، وكتم الإنذار بالخطر عنه وإعلامه إلى ذويه الاقربين.

ومنها الدعاء للمريض وهو نوع من مواساة المريض بالكلمة الطية.

ومنها إحالة المريض إلى أخصائي أو عمل لجنة طبية استشارية إذا كان الأمر يستدعي ذلك قياما بالأمانة والنصيحة المطلوبين شرعا.

ومنها أنه إذا التقى عده أطباء عند مريض، فليقدم أحدهم من هو أعلى مرتبة في الطب إن علم وإذا تقاربوا في المرتبة فليتقدم أكبرهم سنا.

ومنها الابتعاد عن الغيبة، وخاصة غيبة الزملاء وتجريحهم، فالغيبة من أخطر المحرمات الشرعية.

خواص الأغذية

قلت: يا ابن سينا.. يا شيخ الأطباء، وأستاذ الأساتذة.. لقد عرفت اهتمامك واهتمام أطباء المسلمين بالعلاج بالغذاء.. فما الأصول التي ترجعون إليها في ذلك؟

قال: لقد وجدنا الناس يصنفون ما يمكن أكله إلى ثلاثة أقسام: أغذية وأدوية وسموم.. فما استطاع الإنسان أن يتناول منه كمية كافية لسد جوعه فهو غذاء.. وما لا يمكن تناوله بكمية كبيرة ولا لفترت طويلة، ويحدث له راحة أو اضطرابا فهو دواء.. وكل مادة لا يمكن تناولها ولو بكميات ضئيلة، لأنها تحدث فيه تأثيرا ضارا، فهي السموم، ولم يتجرأ الإنسان على الاستفادة من السموم كمواد دوائية إلا في وقت متأخر جدا.

قلت: فكيف تميزون بين هذه الثلاثة؟

قال: لقد لعبت الحواس دورا كبيرا في حفظ حياة الإنسان، فبواسطة حاستي الذوق والشم تمكنا من التفريق بين النبات النافع والنبات الضار.. فالنباتات المؤذية نجدها غالبا ذات طعم مر أو لاذع أو مغث، أو نجدها نتنة الرائحة فتنبذ، أو جميلة الرائحة فتستلطف.

هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى، فإن لملاحظة الصفات الخارجية لأقسام النبات دورا في التفريق بين أجناس النبات، وبهذه الصورة استطاع الإنسان العاقل المفكر أن يربط بين الاستعمال الغذائي والدوائي لأجناس النباتات وأنواعها وبين صفاتها الخارجية المحسوسة.

قلت: ولكن كيف استطاع إنسان عصركم، ومن قبله تحديد خواص الأغذية، فهي خواص كيماوية لا بد لها من علوم أخرى لم تصلوا إليها؟

قال: مثل ماذا؟

قلت: مثل الأكسدة والاختزال والحموضة والقلوية.. زيادة على أنه لم يكن لديكم علم بالخمائر والفيتامينات والهورمونات.. وغيرها مما تأخر اكتشافه.

قال: لكل عصر وسائله وأساليبه الخاصة.. وقد وصلنا بوسائلنا ـ التي تعتبرونها بسيطة ـ إلى كثيرمن خواص الأغذية والأدوية مما لا تزالون تستفيدون منه.

قلت: لا أنكر ذلك.. فما سر ذلك؟

قال: لقد استعملنا القياس ووسائل الفحص الفيزيائية، فاستنتجنا مرتبة الحرارة مثلا من سرعة الاحتراق، ومرتبة البرودة من سرعة التجمد، مستعينين بالحواس، أي المذاق والرائحة واللمس واللون لاعتقادنا أن اختلاف الإدراكات الحسية مردها اختلاف مقادير الأركان وكيفياتها.

قلت: فكيف تتعرفون على الخواص عن طريق اللسان؟

قال: الكيفيات البسيطة التي يدركها اللسان تسع: المسخ والقابض والعفص والمالح والمر والحريف والحامض والحلو والدسم.. وقد عرفنا كل واحدة منها، وحددنا أفعالها ونشأتها.

قلت: فما المسخ؟

قال: هو كل شيء مذاق لا يفعل في اللسان شيئا، ولا يحس منه بلذة أو بأذى، وذلك مثل الماء، لأن جوهره لا ينحل منه شيء يخالط اللسان فيدركه.

قلت: فما القابض؟

قال: هو ما جمع اللسان وجففه وخشنه.. وينشأ عن برودة مع تركيب متوسط بين الغلظ واللطف.

قلت: وما العفص؟

قال: إذا كانت أفعاله مماثلة، ولكنها أشد.. وأفعاله العصر.. وينشأ عن غلظ ورطوبة.

قلت: فما المالح؟

قال: إذا غسل اللسان مما لصق به، وجلاه.. وأفعاله الغسل والتجفيف ومع العفونة.. وينشأ عن حرارة وتركيب متوسط الغلظ واللطف.

قلت: فما المر؟

قال: هو ما جلا أكثر من جلاء المالح، وخشن اللسان تخميشا مؤذيا.. وينشأ عن سخونة وغلظ.

قلت: فما الحريف؟

قال: هو ما أحدث لدغا وأكلا مع حرارة شديدة.. وأفعاله التحليل والتقطيع والتعفين.. وينشأ عن حرارة ولطف.

قلت: فما الحامض؟

قال: هو ما كان لدغه خاليا من الحرارة التي يحدثها الحريف، ومع ذلك يحدث غليانا.. وأفعاله التبريد والتقطيع.. وينشأ عن برودة مع تركيب لطيف.

قلت: فما الحلو؟

قال: هو ما لقي اللسان فأصلحه، وسكن أذى قد ناله، وملس خشونته، وصار كالمرهم.. وهو لذلك يحدث استلذاذا في اللسان.. وأفعاله الإنضاجوالتليين وإكثار الغذاء.. وينشأ عن غلظ في التركيب، ومزاج متوسط بين الحرارة والبرودة.

قلت: فما الدسم؟

قال: هو ما كان كالحلو دون استلذاذه، وأفعاله التليين والإزلاق، وبعض الإنضاج.. وينشأ عن تركيب لطيف مع مزاج متوسط بين الحرارة والرطوبة.

قلت: ولكن الطعوم قد تختلف.

قال: صحيح ذلك.. وقد وضعنا مصطلحات خاصة بذلك، فالمر ـ مثلا ـ مع القبض يسمى بشعا، ومع الملوحة يسمى زعفا.. وهكذا.

قلت: فكيف استعملتم الشم في التعرف على خصائص الأغذية؟

قال: البخارات المنبعثة من الأشياء المشمومة تؤثر في الشم، وتميز بين المشمومات مثلما تؤثر المذاقات.. ولكنا مع ذلك نعتبر الرائحة أضعف الأدلة.. فهي أدنى كثيرا من من الطعم.

قلت: لم؟.. أليس الشم حاسة من الحواس؟

قال: بلى.. ولكن الرائحة لا تدل إلا على البخار الذي ينحل، وهو لا ينحل من جميع أجزاء المشموم.. بخلاف اللسان، فإنه يلتقي بجميع أجزاء الشيء الذي يذاق.

قلت: فكيف استعملتم البصر في التعرف على خصائص الأغذية؟

قال: ذلك بسيط.. وقد عرفت من علم الألوان ما يدلك على بعض هذا.. ولكنا مع ذلك اعتبرناه دون الروائح في صحة دلالته إلا في مختلف أصناف النوع الواحد.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد رأينا أن ما يضرب إلى البياض أقل حرارة مما يضرب إلى الحمرة، وأما الأسود فقد يكون قاتلا.

قلت: فكيف استعملتم اللمس في التعرف على خصائص الأغذية؟

قال: لقد استعملنا اللمس في التعرف على خصائص الأغذية والأدوية.. وقد ذكرنا لذلك صفات كثيرة منها اللطافة والكثافة، واللزوجة والهثاشة، والسيلان والجمود، واللعابية والدهنية، والنشف والخفة والثقل.

قلت: فكيف استعملتم القياس في التعرف على خصائص الأغذية؟

قال: لقد استقرأنا القوى المجهولة عن طريق معرفة القوى المعلومة.

قلت: وهل اكتفيتم بالقياس؟

قال: لا.. لقد أخضعنا الاستنتاجات القياسية لمحك التجربة، ألم تسمع قولي:(إن قال الإنسان في هذا شيئا،فإنما يقوله على وجه التخمين)

قلت: فهل استخدمتم المنهج التجريبي في عصركم؟

قال: أجل.. ووضعنا له دستورا حددنا له شروطا.. منها خلو المادة التي نريد التعرف على خصائصها من كيفيات مكتسبة كالتبريد والتسخين.

ومنها إجراء التجربة على شخص مصاب بعلة واحدة مفردة.. والتجربة على علل متضادة للحكم إن كان الفعل بالعرض.

ومنها مراعاة وقت ظهور الفعل، فإذا ظهر مع أول استعمال الدواء استنتج أنه يفعل بذاته، وإن تأخر كان موضع شك.. ومنها تكرار التجربة ولو نجحت للتأكد من سلامتها.

قلت: فهل كنتم تجربون على الإنسان؟

قال: نعم.. فالفئران البيضاء لم يعرفها إلا عصركم.. ولن تفلحوا حتى تطعموها القطط الجائعة، أو ترسلوها تهيم على نفسها.

قوى الأغذية

قلت: عرفت خصائص الأغذية.. فما أسرار التأثير فيها؟

قال: سر التأثير فيها يرجع إلى القوى التي أودعها الله فيها، والتي تجعل من الغذاء أو الدواء مؤثرا.

قلت: إن هذه القوى في الطب الذي نعرفه يرجع إلى العناصر الكيميائية التي تكون ذلك النوع من الغذاء أو الدواء.. فما الأصول التي كنتم ترجعون إليها؟.. وأنتم لما تتعرفوا على هذه العناصر.

قال: عدم معرفتنا بها لم يمنع من معرفتنا بفوائدها.. وإلا فإن ما سيكتشف المستقبل من أسرار الشفاء سيمحو كل ما تتباهون به منه.

قلت: فكيف استطعتم التعرف على هذه القوى؟

قال: لقد قررنا بمقدمات كثيرة لا يمكن ذكرها هنا أن فعل أي مادة ترد على البدن إنما هو نتيجة فعل وتفاعل بين طبيعة المادة وطبيعة البدن.

قلت: هذا واضح لن تحتاج إلى إثباته.

قال: وقد رأينا بمقدمات لا يمكن ذكرها هنا أن طبائع الكائنات ـ سواء أكانت حيوانية أو نباتية أو معدنية ـ هي حصيلة كيفيات عناصرها أي حصيلة كيفيات نسب الأرض والماء والنار والهواء فيها.

قلت: عرفت الآن.. أنتم تقصدون بهذه الأربعة ما نقصده نحن من المركبات الكيميائية.

قال: سم ذلك بما تشاء.. المهم أننا عرفنا هذه العناصر الأربعة واستقرأنا تأثيرها، فوجدناه صحيحا.

قلت: ثم ماذا؟

قال: لقد وجدنا أن كيفيات هذه العناصر أربع، اثنتان تقابل اثنتين.

قلت: هذا واضح.. فالحرارة تقابل البرودة، والرطوبة تقابل اليبس.

قال: وقد رأينا أن هذه الكيفيات تمتزج بنسب مختلفة في الكائنات، وتستقر على تعادل أو تغالب، وإذا استقرت سميت حصيلتها المزاج.

قلت: فهمت هذا.. ولكن المزاج قد يختلط مع غيره.

قال: ولذلك قسمنا المزاج إلى نوعين: مزاج أول عن العناصر، كل بكيفيته، ومزاج ثان جديد يحدث عن التمازج، وهو ما تطلقون عليه التركيب الكيماوى، وهو يختلف عن المزاج الأول.

قلت: فهمت كل هذا.. وكل ما ذكرته مرتبط بقوى العناصر، فكيف تؤثر هذه القوى في البدن؟

قال: لقد رأينا أن جسم الإنسان لا يختلف عن الغذاء والدواء.

قلت: كيف ذلك؟.. وهل الإنسان غذاء أو دواء؟

قال: هو مادة كمادة الغذاء والدواء، فلذلك يتكون من أربعة أركان، وهي التي تحولت إلى الأخلاط الأربعة.

قلت: أسمع كثيرا بهذا، فماذا تقصدون به؟

قال: يتكون جسم الإنسان من أربعة أخلاط هي: الدم والبلغم والصفراء والسوداء، وهي التي تحدد صحة المرء ومزاجه.

قلت: كيف تعرفتم على هذه الأخلاط؟

قال: لقد لاحظ هذا ـ بادئ الأمر ـ أستاذنا أبقراط على أساس الملاحظة العينية للدم.. فقد حلله إلى أربعة ألوان: الأحمر والأصفر والأسود، ثم طورنا ما قاله بحيث فسرنا كافة الأمراض من خلال نظرية الخلل في التوازن بين الأخلاط الأربعة.

قلت: فهمت هذا، فما علاقته بعناصر الكون الأربعة؟

قال: كل واحد من الأخلاط الأربعة التي ذكرناها له طبيعتان، فالدم ساخن وجاف مثل النار، والبلغم بارد ورطب مثل الماء، والصفراء باردة ورطبة مثل الهواء، والسوداء باردة وجافة مثل الأرض.

قلت: فما علاقة هذا بالصحة؟.. ثم ما علاقة ذلك بالتغذية؟

قال: هي علاقة عظيمة.. لأن الدور الأساسي للغذاء الصحي هو حفظ التوازن بين المتضادات.. فعندما تكون الأخلاط طبيعية في الكمية والجودة يتمتع الإنسان بصحة جيدة.. ولكن إذا حدث اضطراب في الأخلاط، فيمكن أن يسقط على البعض الآخر.. وهنا يحدث المرض.

قلت: فكيف تعرفون اختلاط الأخلاط.. ولم تكن لديكم وسائل التحليل؟

قال: نعرف اضطراب الأخلاط عن طريق الاضطراب في البول أو البراز وغيرهما.

قلت: فما مهمة الطبيب عندما تختلط الأخلاط؟

قال: توجيه العلاج لمساعدة قوة الشفاء الداخلية على العمل وتجنب ما يمكن أن يثيرها.

قلت: فما وسيلته إلى ذلك؟

قال: اتباع نظام معين في الغذاء والحياة.. مع الاستعانة ببعض العقاقير.

قلت: فكيف تفرقون بين الأغذية والأدوية.. وكلها قد تحتوي ما ذكرتم من العناصر؟

قال: هناك مراتب لذلك.. فأقل المراتب هو الغذاء المجرد، ثم يليه الغذاء الدوائي، ثم يليه الدواء الغذائي، ثم يليه الدواء المطلق، ثم يليه السم.

قلت: فما الغذاء المطلق؟

قال: هو ما تغير تغيرا تاما عند تناوله، فيتشبه بالبدن ولا يغيره.

قلت: هو ضعيف إذن؟

قال: لضعفه صار غذاء مجردا من بركة الشفاء.

قلت: فما الغذاء الدوائي؟

قال: هو ما تغير.. ولكنه غير البدن.

قلت: فما الدواء الغذائي؟

قال: هو ما قهر البدن في أول الأمر، ثم قهره البدن.

قلت: فما الدواء المطلق؟

قال: هو ما قهر البدن قهرا كاملا، ولم يتشبه به.

قلت: فما السم؟

قال: هو ما تتقنون صنعه، فسل قومك عنه.

قلت: قد سألتهم، فدلوني عليك.

قال: هو ما لم يتغير.. وغير البدن.. لعدم انسجامه مع طبيعته.

قلت: ولكن الغذاء له خصائص أخرى غير ما ذكرت، قد يكون لها تأثير خاص في الصحة؟

قال: أجل.. وقد سمينا هذه القوى القوى الثواني، وهي كثيرة العدد، ولا يختص بها عضو معين، وقد ذكر بعض أصحابنا عشرين صنفا، وذكرت أنا في القانون أربعين صنفا.. ومنها القوى الملطفة([9])، والمحللة([10])، والجالية([11])     والمخشنة([12]).. وغيرها.

قلت: أهذه هي قوى الأغذية؟

قال: هناك القوى الثوالث: وهي المفتتة للحصى – المدرة للبول – المدرة للطمث – المدرة للبن – المولدة للمني والقاطعة له – المنقية للصدر.

التدبير:

قلت: فحدثني عن كيفية التدبير الذي أستطيع به تطبيق ما ذكرته.

قال: ذلك يكون بأربعة أمور.

قلت: أعلم أنها أربعة، فما هي؟

قال: أما أولها، فملاءمة الطعام لبدن المغتذي به في الوقت الذي يعتذي به فيه، فمتى كان الغالب على البدن الحرارة احتاج إلى الأغذية البادرة، ومتى كان الغالب عليه البرد احتاج إلى الأغذية الحارة، ومتى كان معتدلاً احتاج إلى الأغذية المعتدلة المشاكلة له‏.‏

قلت: والثاني؟

قال: تقدير الطعام بأن يكون على مقدار قوة الهضم، لأنه وإن كان في نفسه محموداً، وكان ملائماً للبدن، وكان أكثر من قدر احتمال قوة الهضم ولم يستحكم هضمه تولد منه غذاء رديء‏.‏

قلت: والثالث؟

قال: تقديم ما ينبغي أن يقدم من الطعام، وتأخير ما ينبغي أن يؤخر منه.

قلت: لم أفهم هذا.

قال: مثال ذلك أن الإنسان ربما جمع في أكلة واحدة طعاماً يلين البطن وطعماً يحبسه.. فإن هو قدم الملين، وأتبعه الآخر سهل انحدار الطعام منه، ومتى قدم الطعام الحابس وأتبعه الملين لم ينحدر وفسدا جميعاً‏.‏

قلت: ما السر الذي تفسر به ذلك؟

قال: لأن الملين حال فيما بينه وبين النزول الطعام الحابس، فبقي في المعدة بعد انهضامه، ففسد به الطعام الآخر‏.‏

قلت: فإن حصل العكس؟

قال: متى كان الطعام الملين قبل الحابس انحدر الملين بعد انهضامه، وسهل الطريق لانحدار الحابس‏.‏

ومثل هذا إن جمع أحد في أكلة واحدة طعاماً سريع الانهضام، وآخر بطيء الانهضام، فينبغي له أن يقدم بطيء الانهضام، ويتبعه سريع الانهضام ليصير البطيء في قعر المعدة، لأن قعر المعدة أسخن، وهو أقوى على الهضم لكثرة ما فيه من أجزاء اللحم المخالطة له، وأعلى المعدة عصبي بارد لطيف ضعيف الهضم‏، ولذلك إذا طفا الطعام على رأس المعدة لم ينهضم‏.‏

قلت: فما الرابع؟

قال: أن من يتناول الطعام الثاني بعد انحدار الأول، وقد قدم قبله حركة كافية وأتبعه بنوم كاف استمرأه‏.. ومن أخذه، وقد بقي في معدته أو أمعائه بقية من الطعام الأول غير منهضمة فسد الطعام الثاني ببقية الأول‏.‏

التكامل:

قلت: فهل تربطون الصحة بما يدخل الإنسان فقط من غذاء ودواء؟

قال: لا.. نحن لدينا نظرة شمولية للإنسان، فلذلك نربط العلاج بهذه النظرة الشمولية.

قلت: كيف ذلك؟

قال: من ذلك ما نسميه الضروريات الستة.

قلت: تقصد حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل والعرض..

قال: لا.. تلك الضروريات التي جاءت الشريعة لحفظها.. أما هذه الضروريات التي اهتممنا بالبحث في أسرارها وتفاصيلها، فهي ترتبط بحفظ الجسم من العلل وتقوية مناعته.

قلت: فما أولها؟

قال: حفظ الهواء، وهو يشمل المناخ باختلاف أنواعه والتربة وغيرها مما تسمونه بالبيئة..

قلت: فما الثاني؟

قال: حفظ الطعام ويشمل أوقات الوجبات، وما يجب أكله وشربه والكميات اللازمة.. وهو ما نبحث أسراره العلاجية في هذا القسم.

قلت: والثالث؟

قال: راحة الجسم وحركته بالتمارين الرياضية.

قلت: والرابع؟

قال: النوم.. أليس النوم ضرورة من ضروريات الحياة، وقانونا من قوانين الصحة؟

قلت: بلى.. وقد عرفت ذلك في حصون العافية.. فما الخامس؟

قال: الراحة النفسية، وتشمل الحالات النفسية التي تنفع الصحة أو تضرها.

قلت: فالسادس؟

قال: الإفراز والاحتباس، ويشمل هذا ما رأيته في حصون العافية من اللهو واللعب.

الين واليانغ

خرجت من المطعم الأول بعد أن عرفت الأصول التي ينبني عليها الطعام في ذلك القسم، فلاح لي بمجرد خروجي مطعم يشبه مطاعم الشرق الأقصى، ورأيت بجانبه رجلا تبدو عليه ملامح كونفوشيوس، منفردا عن الناس، فأحسست بقلبي يدعوني إلى لقائه والاستفادة منه، فاقتربت منه، وقلت: لا شك أنك كونفوشيوس.

قال: لا.. أنا جورج أوشاوا.. ألا تعرفني؟.. أنا من اليابان… وقد اهتممت بهذا النوع من العلاج بعدما أصبت بالسل، وكان عمري 22 عاما.. وقد ماتت أمي وأختي بالسل أيضا.. وقد ألفت 300 كتاب، وطبع من كتابي Zen macrobioitic 700 طبعه.

قلت: فبأي علاج أتيت؟

قال: أنا مؤسس ما تسمونه الماكرو بيوتيك.

قلت: ماهو الماكروبيوتك؟

قال: هي كلمة يونانية معناها الحياة الطويلة.. وهي نظام علاجي يعتمد على تحديد الأغذية التي يرى أنها مفيدة للانسان، ويبعد الأغذية التي يرى أنها ضارة وتسبب الأمراض للإنسان.

قلت: فمتى بدأ هذا الفن من العلاج؟

قال: عندما بدأت رياح التأثيرات الغربية تهب على اليابان، خاف بعض اليابانيين من أن يضيع تراثهم الطبي والأخلاقي، فقام ساغان إيشيزوكا، وهو طبيب عسكري ياباني (1850 -1910م) بدراسة التقاليد الصحية والغذائية، وبدأ بالتحرك نحو هدف أسماه شوكويوكاي، أي مجتمع التداوي بالغذاء.

ثم تطورت هذه النظرية، وانتشرت في أنحاء أخرى من العالم تحت اسم آخر هو الماكروبيوتيك بواسطتي.. فقد أصبت بالسل ـ كما ذكرت لك ـ وشفيت منه باتباع تعاليم إيشيزوكا.

 ثم قام كل من ميشيو وإيفيلين كوشي بإدخال هذه التعاليم إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، وانتشرت المراكز التي تعنى بهذا المجال في معظم المدن الأمريكية، وهي تمارس الآن نشاطات متنوعة كالمحاضرات والدورات التدريبية ولقاءات الطبخ وغيرها.

قلت: وهل هذا النظام خاص بالمرضى؟

قال: لا.. هذا النظام يستخدمه المرضى والأصحاء على السواء، فالمرضى يستخدمونه رغبة في الشفاء ـ بإذن الله ـ والأصحاء رغبة في الحيوية والنشاط الدائم والوقاية من الأمراض.

قلت: هل هو نظام تغذية؟

قال: هو في الحقيقة ليس نظام أكل فقط إنما هو طريقة حياة.

فلسفة الماكروبيوتيك

قلت: ما تعني؟

قال: نحن ننظر إلى الإنسان على أنه جزء مما حوله من أرض وسماء، فهو يؤثر بها وتؤثر به.. فالإنسان ليس مفصولا عما حوله.. بل إنه معتمد على الشمس والهواء والماء والأرض والنار، وهو مرتبط بها، ويتناولها عن طريق النبات والهواء والماء…

قلت: فالصحة تعتمد إذن على ما يأخذه الإنسان منها؟

قال: أجل.. فالإنسان ابن ما يحيط به.

قلت: ولكن الإنسان قد لا يكون له السيطرة على بعض العناصر التي ذكرت.. كالهواء مثلا.

قال: ولكن هناك عناصر أخرى لنا سيطرة كبيرة عليها.. فنحن نستطيع أن نختار ما نأكل.. ولذلك كان الغذاء هو العامل الأساسي المؤثر في صحتنا.

قلت: فكيف تميزون بين المطاعم المختلفة؟

قال: الماكروبيوتك يحث على التوازن والتناغم بين الين واليانج، والمحافظة على هذا التوازن من خلال تناول الغذاء المتوازن بين الين واليانج.. وهذا التوازن ينعكس على الصحة.. أي أن المرض ينشأ من عدم تناول الغذاء المتوازن كأن يأكل غذاء يميل كله للين أو يميل كله لليانج.. وأما الأمراض المزمنة فنفسرها بأنها ناتجة من عدم التوازن لمدة طويلة.

قلت: الين واليانغ!؟.. ما هذه المصطلحات؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى: { وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (الذريات:49)؟

قلت: بلى.. فهذه الآية تتحدث عن الزوجية التي طبع الله بها جميع الأشياء.

قال: بل صرح في هذا الخصوص، فقال: { وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ }(الرعد:3).. فقد أخبر تعالى أنه جعل في كل الثمرات زوجين.. ومما تحتمله الآية ما نقصده بالين واليانغ.

قلت: أنا لم أسألك عن تأصيل الين والينغ.. فلا حرج عليك في عدم تأصيله.. فهذا من الدنيا..وقد جعل الله لنا مطلق الاجتهاد فيه.. ولكني أسألك عن حقيقتهما.. وحقيقة التوازن بينهما، فلن أفهم التوازن قبل أن أفهم الحقيقة.

قال: أنا ياباني.. ولليابان علاقة بالصين..

قلت: أعلم ذلك.. ولذلك تصورتك كونفوشيوس.

قال: لا أقصد جنسيتي.. بل أقصد طريقة تفكيري.. أي أني استلهمت الماكروبيوتك من الطب الصيني.. والطب الصيني مختلف تماما عن الطب الغربي الذي تعرفه، فهو علم شامل يقوم على نظام بديل ومتكامل في التفكير، وهو يستخدم هذين المصطلحين لوصف مختلف الحالات الفيزيائية المتناقضة في الجسم.

قلت: أهما متناقضان؟

قال: تناقضا ضروريا.. ولكنه ليس تناقض صراع.. بل تناقض تكامل.

قلت: فسر لي ذلك.

قال: هل تستطيع أن تفهم معنى الحرارة إذا لم تكن قد اختبرت البرودة؟

قلت: لا.. فلا يمكن معرفة الحرارة لمن يجهل البرودة.. كما لا يمكن معرفة سائر الأشياء بدون معرفة ما يقابلها.

قال: وهكذا لا يمكن للين أن يوجد من دون نقيضه اليانغ، والعكس صحيح.

قلت: فالين واليانغ إذن شيئان يكمل أحدهما الآخر.

قال: أجل.. وهما يشكلان معا كلاً واحداً متكاملا.

قلت: فما اختصاص كل منهما؟

قال: الين يرتبط بأنسجة الأعضاء، بينما اليانغ يرتبط بنشاطها.

قلت: أبهذا تعرفون نقص الين أو نقص اليانغ؟

قال: أجل.. فعندما يعاني أحدنا من نقص في الين، فهذا يعني أن العضو لا يملك ما يكفي من المواد الخام لأداء وظيفته.. أما النقص في اليانغ، فيدل على عجز العضو عن اتخاذ رد الفعل الملائم عند الضرورة.

قلت: فهمت هذا.. فما سر التكامل أو الترابط بينهما؟

قال: الترابط بينهما واضح وهو ضرورة.. فنقص الين ـ مثلا ـ في معدل الهرمونات الدرقية يتسبب بنقص اليانغ فيها، لأن أداءها سيتعطل بفعل الافتقار إلى الهرمونات.

ونفس الشيء ينطبق على النقص في اليانغ المتمثل بالخلل في وظيفة الغدة الدرقية، فإنه يؤدي إلى نقص الين لأن معدل إفراز الغدة للهرمونات سينخفض، وبالتالي يؤثر في جوهرها.

قلت: فإلام يرجع سر فقدان التوازن بينهما؟

قال: إلى عدم تطبيق الماكروبيوتيك.. أو بعبارة أخرى: إلى أنماط الحياة التي تتنافى مع طبيعة الجسم.. وأهمها نوع التغذية.

قلت: فهل تفسر الأمراض بسبب التغذية؟

قال: أجل.. فعندما يتغذى الجسم بصورة جيدة، تصبح جودة دمه([13]) عالية، وبالتالي تؤدي الخلايا وظائفها بصورة طبيعية، أما إذا أصبح الطعام غير متوازن، فإن جودة الدم تبدأ بالتدهور، وربما تصبح خلايا الجسم نتيجة لذلك معتلة..فعافية الخلايا تعتمد على جودة العناصر الغذائية التي يتلقاها الجسم.

 قلت: هذا قد يفسر بعض الأمراض.. ولكن قائمة الأمراض أكثر من أن تحصر.. فكيف تفسر كلها بهذا الأسلوب البسيط؟

قال: سأضرب لك مثالا بمرض خطير عجز أطباء قومك عن علاجه.

قلت: تقصد السرطان؟

قال: أجل.. فهو أكثر الأمراض الخطيرة انتشارا.. ومع ذلك بقيت مخابركم عاجزة عن إيجاد علاج له.. كما عجزت عن أكثر الأمراض.

قلت: فهل وجدتم علاجا له؟

قال: أجل..

قلت: ما هو؟.. لأبشر به قومي.

قال: هو الماكروبيوتيك.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لتفهم ذلك.. لا بد أن تعرف علاقة السرطان بالغذاء.

قلت: فما العلاقة بينهما؟

قال: تظهرالدراسات أنه من 40 بالمائة إلى 60 بالمائة من أمراض السرطان التي تصيب الإنسان مردها إلى العادات الغذائية الخاطئة، و30 بالمائة بسبب التدخين، و10بالمائة لها أسباب عديدة أخرى.

قلت: فكيف تفسر فعل العادات الغذائية الخاطئة في التأثير في حصول السرطان؟

قال: إن تكرار تناول الطعام غير المتوازن يولد حالة من عدم التوازن وإرباكا في ميكانيكية العديد من أجهزة الجسم مما يوفر لها الأرضية الصالحة لظهور السرطان.. لهذا يركز الماكروبيوتك على اجتثاث المرض من جذوره وعدم السماح له بالعودة مرة أخرى.

قلت: أريد تفاصيل أكثر توضح لي كيفية تأثير العادات الخاطئة في التسبب في السرطان.

قال: ألا ينشأ السرطان حين تبدأ خلية غير طبيعية لم يكشفها جهاز المناعة بالتكاثر عشوائياً.. وحين تتكون مجموعة من الخلايا غير الطبيعية، تتحول إلى ورم.

قلت: هذا صحيح.. فالجسم يتألف من مليارات الخلايا التي تتجدد باستمرار وتدرج في معظم الأنسجة.. وهي عملية مضبوطة بالموازين الإلهية بحيث تتولد كمية كافية من الخلايا لاستبدال الخلايا القديمة الميتة فقط.

قال: ويبدأ السرطان بالبدعة.

قلت: كيف؟

قال: ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)([14])

قلت: بلى.. وما علاقته بهذا.

قال: إن صاحب الأمر هو صاحب الخلق.. فلذلك يبدأ السرطان عندما تتكون الخلايا غير الطبيعية، ثم لا يستطيع الجسم إماتة بدعتها أو السيطرة على تكاثرها.. بل نسمي أورامها (خبيثة)([15]) كما نسمي البدعة ضلالة.

قلت: عرفت حقيقة السرطان.. ولكني لم أسأل عن هذا، فهو من المعلوم من الصحة بالضرورة.. ولكني أسأل عن تفسيركم له.. والذي تنطلقون منه لوضع علاج يجتثه من جذوره كما تزعمون.

قال: عندما أصبح الإنسان يأكل أكثر مما يحتاج، أو يتغذى بغذاء غير صحي.. فإن ذلك ولد ضغطا على أجسامنا للتخلص من هذه الزوائد.

قلت: وهذا من رحمة الله.. فالله تعالى جعل في الأجسام هذه القدرة على طرح ما لا تحتاجه من فضلات وسموم.

قال: ويظهر ذلك بصور مختلفة كالإسهال أو التعرق الزائد أو التبول الزائد.. حتى أن عادة حك الرأس ورفرفة الجفون تدل على عدم وجود توازن في الطاقة وتراكم الزوائد.. حتى أن ارتفاع درجة حرارة الجسم إحدى الطرق غير الطبيعية في التخلص من الزوائد.

قلت: فهذه رحمة إلهية تدل على مدى إبداع الله في بناء الإنسان، فكيف تتحول إلى نقمة؟

قال: بالإفراط وعدم التوازن يعجز البدن عن توفير هذه الخدمة، فعندما تتكرر عمليات طرح الزوائد بطرق غير طبيعية تتحول إلى حالة مزمنة، وعادة ما تظهر على شكل أمراض جلدية، وخصوصا عندما تصبح الكلية غير قادرة على تنظيف الدم من الفضلات.

وكمثال على ذلك البقع السوداء والنمش المتأخر في الجلد، فإنها تدل على محاولة الجسم التخلص من الزوائد كالسكر المكرر وطرحها خارج الجسم، بينما البقع البيضاء تدل على محاولة الجسم التخلص من الحليب والاجبان الزائدة.

قلت: كيف عرفتم ذلك.. فمن الصعب التنبأ بمثل هذا؟

قال: لنا وسائلنا الخاصة في معرفة ذلك، واطمئن فهي وسائل موثوقة قد لا يسلم بها بعض قومك، ولكنا لا نعبأ بهم فهم لا يكادون يسلمون لغير أنفسهم.

قلت: لقد فسرت سرطان الجلد فقط.. ولكن أنواع السرطان كثيرة.. فلا ينجو من بدعته أي عضو من الأعضاء.

قال: ذلك صحيح.. ولنا تفسير لكل ذلك، فالدهنيات الحيوانية ـ مثلا ـ تتجمع داخل عمق الجسم ـ في الأوعية الدموية وفي الأعضاء مثل المبيضين والبنكريس وفي العظام ـ كما تتراكم الدهنيات الحيوانية القاسية في الجزء السفلي من اللجسم مثل البروستات والقولون والشرج.

وتتراكم الدهنيات الفائضة عن حاجة الجسم التي تأتي من الحليب والسكر والشوكولا والكربوهيدرات البسيطة في الأجزاء القلوية من الجسم مثل الثديين والجلد.

ولهذا نرى أن سرطان البروستات يتطور بسبب الإفراط في استهلاك اللحوم والأجبان والدواجن والبيض، وكلها من أغذية اليانغ، لأنها تقوم بتسريع إنتاج هرمون التستوسترون، الذي يساعد بدوره في نمو السرطان في الجزء السفلي من الجهاز الهضمي.

ومثل ذلك نرى أن سرطان الثدي يتطور من الاستهلاك المفرط من الحليب والأيس كريم والزبدة والسكر المكرر والجبنة الطرية والشكولا لأنها من أغذية الين، فهي تزيد من إفراز هرمون الإستروجين، كما يساعد بدورة في نمو السرطان الجزء العلوى من الجهاز الهضمي.

أما الاستهلاك المفرط لأطعمة اليانغ، فإنه يساعد في نمو سرطان الجزء السفلي من الجهاز الهضمي.. ولهذا تعود قابلية اليابانيين للإصابة بسرطان المعدة إلى تناولهم كميات كبيرة من السكر والمواد الكيميائية المعتبرة من أقصى الين.

ومثل ذلك ترجع إصابة الأمريكيين بسرطان القولون إلى استهلاك كميات كبيرة من اللحوم والبيض والأجبان وغيرها من المأكولات الحيوانية لأنها من أقصى اليانغ.

وهكذا انطلاقا من عادات الشعوب والأفراد عرفنا كثيرا من الأسرار المرتبطة بأنواع السرطان.. ومن ثم عممنا ذلك على سائر الأنواع.

فالباعث لتطور سرطان الجلد هو الاستهلاك المفرط للمأكولات والمشروبات المائلة إلى الين بالنسبة إلى اللوكيميا حيث أن ارتفاع عدد كريات الدم البيضاءهي حالة (ين) مفرطة في الدم،والباعث لهذه الحالة هو الإستهلاك المفرط للسكر والأيس كريم والمشروبات الغازية والحليب والإضافات الكيميائية.

قلت: فهمت هذا.. فأنت تريد أن تقول بأن الطعام إذا زاد على المستويات التي لا يستطيع الجسم التعامل معها ـ إما بتحويلها إلى طاقة للجسم أو بطردها خارج الجسم ـ يؤدي إلى هذه العلل.

قال: أجل.. فعندما تتراكم الكميات الزائدة عن قدرة الجسم على التعامل معها.. ومع مرور الوقت تتراكم تحت الجلد ثم إلى أعماق الجسم مما يؤدي إلى ارتفاع الكولسترول في الجسم.. وبذلك تتأثر الكليةوالرئتين اللذان يرجع لهما الفضل في تنقية الدم، مما يؤدي إلى تفاقم مشكلة نقاوة الدم.

***

بينما كان جورج أوشاوا يشرح لي تصور الماكروبيوتيك للسرطان وأسبابه إذ دخل علينا رجل ببذلة عصرية لا تخفي ملامحه الغربية، فقلت: من أنت.. فلا أراك صينيا.

قال: وهل الطب حكر على الصينيين؟

قلت: ولكن الماكروبيوتيك حكر عليهم.

قال: لا.. ليس هناك احتكار في هذا الباب.. فالبشر جميعا يتعاونون للتعرف على أسرار الحياة، والشفاء امتداد للحياة.. ألم تسمع قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } (الحجرات:13)؟

قلت: بلى.. وقد سلمت لك في هذا.. فمن أنت؟

قال: أنا مجرد نصير.. وقد دفعني بغضي للداء، وحبي للشفاء للبحث في أسرار هذا الداء.

قلت: السرطان..

قال: أجل.. فهو غول من الغيلان..

قلت: فما عرفت من أسراره؟

قال: سأذكر لك ما ينصر جورج أوشاوا، فإني لا أنتصر له، بل أنتصر للبحث الذي أجريته.. بل أجريناه في معاملنا.

قلت: وهل الطب الغربي يسلم له؟

قال: هو في طريقه إلى ذلك.. فالبحوث الكثيرة ترمي به إلى هذا السبيل.

قلت: فاذكر لي منها ما يطمئن له قلبي وينشرح صدري.

قال([16]): قبل ذلك أود أن أخبرك بأن البشر عرفوا استخدام بعض أصناف الخضروات والفواكه في معالجة الأمراض عبر التاريخ، حيث كان يعتقد أن لها دورا في معالجة هذه الأمراض والوقاية منها، ابتداء بالصداع وانتهاء بأمراض القلب والشرايين.

قلت: أعلم هذا.. ولكني أسأل عن مدى تسليم الطب الحديث لهذا.

قال: لقد اسخدم الطب الحديث هذه الأصناف في العديد من الوصفات الطبية.. ومع تطور العلم، وتطور البحوث المتعلقة بأمراض السرطان، فقد وجد أن 70 بالمائة من حالات الاصابة بأنواع السرطان المختلفة تعزى بشكل رئيسي إلى الغذاء الذي يتناوله الانسان في حياته اليومية.

وقد وضعت العديد من الفرضيات العلمية التي تهدف إلى ايجاد العلاقة بين تناول بعض الأغذية وظهور أنواع من السرطان.. منها العلاقة مابين تناول كميات كبيرة من الأغذية الغنية بالدهون وسرطان الثدي والقولون، والعلاقة ما بين الافراط في تناول الكحول والسرطان الذي يصيب كلا من الجهاز التنفسي والجهاز الهضمي والثدي والكبد، وأخيرا مابين الاستهلاك الضئيل للألياف الغذائية وسرطان القولون.

ولعل من أقوى الفرضيات التي وضعت لايجاد العلاقة ما بين الغذاء والسرطان هي الفرضية المتعلقة بالاستهلاك اليومي للخضروات والفواكه الطازجة، فهي الفرضية التي حازت على اكبر قدر من البحث والتأييد العلمي.

وقد أظهرت الدراسات التي أجريت عليها نتائج واضحة وملموسة أكثر من أي فرضية أخرى.

قلت: فاذكر لي منها ما تؤكد لي ما ذكرت.

قال: قام الباحثون في مجال السرطان بإجراء العديد من الدراسات العلمية، والتي تصل في مجموعها إلى مائتين وستة دراسة وبائية استقصائية على البشر واثنتين وعشرين دراسة علمية على الحيوانات، وأظهرت معظم هذه الدراسات وجود العلاقة العكسية المباشرة ما بين استهلاك الخضر والفواكه والاصابة بأمراض السرطان في مواقع الجسم المختلفة، حتى غدت هذه العلاقة حقيقة علمية مقررة، خاصة في أنواع السرطان التي تصيب كلا من المعدة والمريء والرئة وتجويف الفم والبلعوم وبطانة الرحم والبنكرياس والقولون.

قلت: فاضرب لي أمثلة على علاقة استهلاك الخضروات والفواكه بالسرطان.

قال: من أمثلة ذلك سرطان المعدة، فقد أظهرت جميع الدراسات المقارنة أن استهلاك الخضروات الطازجة والورقية بشكل متكرر يرتبط ارتباطا مباشرا بمنع الاصابة بسرطان المعدة، وهو النوع الأكثر انتشارا في العالم، وبدرجة أقل، فقد وجد أن تناول الحمضيات ثم الزنبقيات مثل الثوم والبصل والكراث يساعد على التقليل من الاصابة بالسرطان.

ومنها سرطان القولون، فقد أظهرت معظم الدراسات أن الخضروات بشكل عام سواء كانت طازجة أوغير طازجة تساعد على التقليل من إصابة الانسان بسرطان القولون، ذلك أنها تزيد من سرعة مرور فضلات الأغذية المهضومة من خلال الأمعاء وتقلل من الضغط الذي تولده هذه الفضلات على جدر الأمعاء الغليظة، وهذا بدوره يقلل من فرصة تكون جيوب الأمعاء، وهو ما يعرف بداء الأمعاء الردبي، ويقلل كذلك من فرصة الاصابة بسرطان القولون.

ومنها سرطان المريء، فقد بينت جميع الدراسات العلمية التي استخدمت الخضروات بشكل عام، والورقية منها والبندورة بشكل خاص، بالاضافة إلى الحمضيات، أن الاستهلاك المنتظم لهذه الأطعمة يساعد على منع حصول السرطان في تلك المنطقة من الجسم، وأظهرت أن خضروات الفصيلة الزنبقية ليس لها أي دور في منع هذا النوع من السرطان.

ومنها سرطان الرئة، فهو يعد أحد أكثر أنواع السرطان التي تسبب حالات الوفاة في الولايات المتحدة في كل من الرجال والنساء، وقد بينت نتائج الدراسات التي أجريت هناك أن تناول الخضروات الورقية والبندورة بشكل خاص يحد بشكل واضح من فرص التعرض لهذا النوع من السرطان، كما بينت أن الجزر يساعد ـ ولكن بدرجة أقل ـ على الحد من الإصابة به.

وهكذا الأمر بالنسبة لكثير من أنواع السرطان كسرطان المريء وتجويف الفم والبلعوم، وسرطان القولون، وسرطان الثدي..

قلت: فحدثني عن هذا النوع من السرطان، فالنسوة عندنا يخافونه كثيرا.

قال: وكيف لا يخافونه.. فهو يعد أكثر أنواع السرطان شيوعا عند النساء في الولايات المتحدة، وثاني أكبر مسبب لحالات الوفاة من بين أنواع السرطان المختلفة.

وتشير الدراسات إلى أن هناك علاقة عكسية واضحة ما بين استهلاك الخضروات الورقية والجزر والفواكه، والاصابة بهذا النوع من السرطان.

قلت: فهمت هذا، وهو يؤكد ما قاله جورج.. ولكني أسأل عن تعليلكم لهذا.. فهل تعللونه بالين واليانغ؟

قال: لا يهم التعليل.. بل تهم النتيجة.. ويهم علاج المريض.. ولكنا ـ مع ذلك ـ نرى أن التأثير الوقائي للخضروات والفواكه يعزى أساسا إلى احتوائها على مجموعة من المركبات الكيميائية التي تتوافر فيها بكميات تكفي للحد من تطور ونمو الخلايا السرطانية، حيث تمتاز كل مجموعة من أصناف الخضروات والفواكه باحتوائها على مركبات معينة تعطيها القدرة على منع السرطان.

قلت: فاضرب لي أمثلة على ذلك.

قال: من أمثلة ذلك أن نباتات الفصيلة الصليبية تمتاز باحتوائها على كميات كبيرة من مركبات تدعى الدايثيول ثيونات والأيثوثيوسيانات، وهي مركبات عضوية كبريتية تعمل على زيادة فعالية الأنزيمات المحطمة للمواد المسرطنة والمركبات الغريبة الوافدة إلى الجسم، كما تشتمل على مركبات اندول -3- كاربونيل، والتي تؤثر على استقلاب وأيض الاستروجين لدى الانسان، بحيث ينتج عن ذلك إنتاج مركبات تحمي من الاصابة بأنواع السرطان المرتبطة بالاستروجين مثل سرطان الثدي وبطانة الرحم لدى النساء.

أما نباتات الفصيلة الزنبقية، فهي تمتاز باحتوائها على مركبات كبريتية مثل الدايأليل سلفايد والأليل ميثيل ترايسلفايد، وهي مركبات تعمل على زيادة فعالية وتنشيط الأنزيمات المحطمة للسموم والمواد المسرطنة، ولها تأثير مضاد لأنواع البكتيريا التي تساعد على انتاج المواد المسرطنة، وذلك من خلال منع التحويل البكتيري للنيترات إلى نيتريت في المعدة ومن ثم التقليل من كمية النيتريت اللازمة للتفاعل مع المركبات الأمينية الثانوية الضرورية لانتاج مركبات النيتروزو أمينات، اذ يعتقد أن لها تأثيرا مسرطنا بالأخص على المعدة.

وهكذا الأمر بالنسبة للحمضيات، فهي تتميز باحتوائها على كميات كبيرة من حامض الاسكوربيك (فيتامين ج) والذي يحمي جدر الخلايا والمادة الوراثية فيها من عمليات التأكسد الضارة، نظرا لطبيعة الحامض التي تؤهله للعمل كمانع للتأكسد. كما يعتقد أن لفيتامين “ج” دورا في منع الاصابة بالسرطان من خلال قدرته على ربط وتقليل النيتريت، ومن ثم التقليل من فرصة تكون النيتروز أمينات المسرطنة، كذلك فإن الحمضيات تحتوي على مركبات الكومارين والليمونين، والتي تعمل على تنشيط أنزيمات الجلوتاثيون ترانسفيريز المحطمة للمركبات المسرطنة.

ولا يقتصر تأثير الخضروات والفواكه المضاد للسرطان على احتوائها للمركبات السالفة الذكر، بل إن هنالك مجموعة من المركبات والعناصر الكيميائية التي تقوم بهذا التأثير المضاد، وهي تتوزع على أنواع شتى من الخضروات والفواكه دون أن تنحصر في نوع واحد منها.

الغذاء المتوازن

التفت إلى جورج، وقلت له: لقد رغبني هذا الذي انتصر لك في التعرف على أنواع الغذاء المتوازن التي تحفظ الجسم.

قال: بالإضافة إلى ما ذكره هذا المنتصر ـ جزاه الله خيرا ـ من الخضر والفواكه، فإنا نركز على الحبوب والحنطة والبقوليات وقليل من السمك وثمار البحر والفواكه المحلية.

ونحن لا نحبذ تناول اللحوم إلا في الحالات النادرة لأنها سبب لكثير من الأمراض ومثلها السكر، فهو العدو الأول للإنسان.

وبصورة عامة، فإن الماكروبيوتك نظام غذائي بسيط يدعو للرجوع للطبيعة والابتعاد عن الاطعمة المحضرة والمصنعة، فكل إنسان عليه أن يأكل من بيئته حسب المواسم والحالة الصحية….فابن الاسكيمو يعيش على السمك، وابن الصحراء يعيش على الغلال والبقوليات والخضار والتمر وقليل من المواد الحيوانية الطبيعية الحلال.

قلت: فإلام تستندون في هذا؟.. أليس الإنسان ابن الأرض.. جميع الأرض؟

قال: بلى.. ولكنه الابن الحقيقي للأرض التي يولد فيها.. أو يعيش فيها.. فلذلك يحتاج إلى الغذاء الذي يتناسب مع تلك الأرض.

قلت: لقد ذكرتني بآية ربما يكون فيه إشارة إلى ما ذكرت.

قال: تقصد قوله تعالى: { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ } (البقرة:61)

قلت: أجل.. ففي هذه الآية إشارة واضحة إلى اختلاف المآكل بحسب البيئات.

قال: ذلك صحيح.. فلهذا أطعم الله بني إسرائيل في التيه المن والسلوى، وعندما طلبوا ما طلبوا من مآكل أمرهم أن ينزلوا البلاد التي تحمل هذه الأنواع من المآكل.

قلت: ولعل ما يشير إلى هذا أيضا ما ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الضب لما قدم إليه، وامتنع من أكله: أحرام هو؟فقال:(لا.. ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه)، وقد أكل بين يديه وعلى مائدته وهو ينظر([17]).

قال: وقد ورد في الاستعاذة الشرعية قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا)([18])، فقد نسب التربة إلى الأرض التي يوجد فيها المريض.

قلت: فهمت هذا ووعيته.. وهو من الأصول التي اتفقت عليها الشريعة والطب.. ولكني أسألك عن وجهة نظركم حول الغذاء المتوازن الذي يستقيم معه الجسم.

قال: الغذاء المتوازن من وجهة نظرنا هو الذي يتكون من:حبوب كاملة من 50 بالمائة إلى 60 بالمائة، وخضار من 25 بالمائة إلى 30 بالمائة، وبقوليات وأعشاب البحر من 5 بالمائة إلى 10 بالمائة، وحساء 5 بالمائة.

وبهذه النسب نكون قد حصلنا على ما يقارب 73 بالمائة كاربوهيدرات مركبة و15بالمائة دهون و12بالمائة بروتين.

 قلت: لقد ذكرت بأن نوعية الغذاء تختلف من منطقة إلى أخرى.

قال: أجل.. فمن أهم مبادئنا أن يتوائم الإنسان مع البيئة المحيطة به.. لذا يجب أن يكون أكل الإنسان من ما حوله.. فالإنسان الذي يعيش في شمال أوربا ـ مثلا ـ يجب أن لا يأكل من هذه الفواكه الاستوائية.

قلت: فإذا سافرت إلى مناطق أخرى في العالم.

قال: كيف نفسك على أكل الطعام الخاص بتلك المنطقة.. فعندما تسافر للإسكيمو لا حرج عليك، بل يجب عليك أن نأكل الأسماك المليئة بالدهون والكاري.

قلت: أنا من منطقة تشتهر بالحرارة.. فما هو نوع الغذاء المرتبط بها؟

قال: الغذاء المتوازن في المناطق الحارة يميل إلى جهة الين.. والطريقة المثالية لذلك هي أن تأكلوا من النباتات المتكيفة مع بيئتكم وبصورة طبيعية.

قلت: لقد فتحت أسواقنا لجميع أغذية العالم.. بل إن هناك فواكه كثيرة تأتينا من أنحاء الأرض، وحتى في غير مواسمها التي نعرفها.

قال: فلا تأكلوها.. فهي غير متناسبة مع بيئتكم.. ولا تنسوا أن هذه الفواكه مرشوشة بمواد كيماوية، وهي محفوظة، وغير ناضجة.

ولا تأكلوا الباذنجان والبطاطا، فهي من نباتات الين المتطرفة جدا ـ وإن كانت من نباتات المناطق الحارة ـ لذا يجب تجنبها على الأطلاق وخاصة لمرضى السرطان.

قلت: فهل هناك أغذية يصح أكلها لكل الحالات، ولجميع البشر؟

قال: أجل.. إنها الحبوب.. تلك السنابل المباركة، فهي متوازنة بين الين واليانج، لذلك تؤكل حول العالم وفي كل الفصول.

قلت: لقد ذكرت بأن التغذية تختلف باختلاف المناطق، ولكنه في المنطقة الواحدة تختلف الوظائف، وقد تستدعي اختلافا في التغذية.

قال: هذا صحيح، وهو من مبادئنا.. فلذلك ننصح الذين يؤدون أعمالا بدنية كالزراعة أو العمال الذين يحتاجون إلى غذاء يانج أكثر لمقابلة هذا الجهد البدني.

أما الأعمال الذهنية ـ والتي لا تحتاج لأعمال بدنية كالكتابة والرسم ـ فيحتاج أكثر إلى أغذية ين لتقابل الجهد الذهني المبذول.

التدريب على الماكروبيوتك

قلت: لقد شوقتني إلى هذا النوع من العلاج، فهلا دللتني على كيفية تحصيله؟

قال: ذلك يحتاج إلى الدخول إلى هذا المطعم، ففيه أدرب مجموعات مختلفة من الناس أهلكتها سموم العصر لتندمج مع الحياة، أو لتعود للحياة.

قلت: فهيا نذهب لزيارة هذا المطعم.

قال: استأذن معلمك أولا.. فهو رخصة جوازك في هذه المدائن.

ما إن ذكر جورج معلم السلام حتى كان حاضرا بيننا، وكأنه وجه بطاقة دعوة إليه، فسرت مع المعلم، وجورج إلى مطعم الماكروبيوتيك، وقد رأيت على بابه مكتوبا قوله تعالى: { فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً } (النساء:4)

فسألت المعلم عن سر وضع هذه الآية في هذا الموضع، فقال: لقد ذكر الله تعالى في هذه الآية جميع خصائص الطعام المبارك.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ماذا قال المفسرون في معنى الهنيء؟

قلت: لقد ذكروا أنه أنه ما تؤمن عاقبته، أو ما أعقب نفعا وشفاء، أو ما لم ينغص بشيء.

قال: والمريء؟

قلت: مرى الطعام هو ما يسهل هضمه، وتحمد عاقبته.

قال: فالآية تنبه إلى الطعام المحمود، وتحذر من الطعام السيء.

قلت: عرفت الطعام الحميد، فما الطعام السيء؟

قال: هو ما تخلف فيه أحد الأمرين، بأن كان لذيذ المبدأ خبيث المنتهى، أو كان هنيء المطعم، ولكنه يؤذي أجهزة الجسم الهاضمة، ويصيبها بالتلف.

قلت: فهمت هذا.. ولهذا أرى كثيرا من الناس ينصرفون عن مآكل محمودة خوفا على معدهم من ثقلها، أو على أمعائهم من احتباسها.

دخلنا المطعم، فرأيت عجبا.. المرضى مجتمعون مجموعات مختلفة، ليس لهم من عمل سوى الأكل.

فقلت للمعلم: أنحن في مستشفى أم في مطعم؟

قال: هنا يعالج المرضى بالغذاء.

قلت: ولكني أرى الناس مجموعات مختلفة.

قال: لكل مرض غذاؤه الخاص به.

أمسك جورج بيدي، وقال: هيا.. فلا تنشغل عما جئت من أجله.

رأيت سبع مجموعات.. كل منها يأكل طعاما خاصا، فسألت جورج عنها، فقال: هنا يدرب المرضى والأصحاء على التغذي على طريقة الماكروبيوتيك.

قلت: فلم قسموا إلى سبع مجموعات؟

قال: هذه سبع مراحل يمر بها من يريد التمرن على غذاء الماكروبيوتيك، فمن يدخل أولا ينضم إلى المجموعة الأولى، فإن تمرن على غذائها تحول إلى المجموعة الثانية، وهكذا.

قلت: فما هو غذاء المجموعة الأولى.

قال: لقد دللتك عليهم لتسألهم.. فدعني، فإني أريد العودة إلى المخبر، فقد جاءتني مكالمة بأن سموما جديدة أصدرها قومك.. ولا بد من البحث فيها.. فلا يمكن أن ننهى عن المنكر إلا بمعرفته.

اقتربت من المجموعة الأولى، فسألتهم عن نوع الطعام الذي يأكلونه، فقال أحدهم: نحن نتناول الحبوب الكاملة يوميا.. كالرز البني والخبز المصنوع من الحب والطحين الأسمر والمكرونة المصنوعة من الطحين الأسمر.

قلت: لماذا الأسمر؟ أخلت أسواقكم من الأبيض؟

قال: لأن الأسمر يظل محافظا على قشوره.. أما الأبيض فيؤكل عاريا مجردا من ثيابه.

قلت: أليس القصد من الطعام اللباب، فما حاجتكم إلى القشور؟

قال: ألا تعلم الفوائد العظيمة التي تحملها القشور المباركة؟

قلت: لا أ علم.. فعلمني مما علمك الله.

قال: سأضرب لك مثلا عن الخسائر التي نخسرها عند نزع القشرة من حبة الأرز.. إنها خسائر عظيمة.. فنحن بنزعها ننزع 40بالمائة من الكالسيوم، و55بالمائة من الفوسفور، و55 بالمائة من الحديد، و56بالمائة من البوتاسيوم، و78بالمائة من فيتامين ب1، و50 بالمائة من فيتامين ب2، و69بالمائة من فيتامين ب، و70 بالمائة من الألياف.

قلت: ولكن تناول مثل هذا الطعام يحتاج إلى إرادة صلبة.

قال: قد بدأنا نتعود على مثل هذا الطعام.. فالإنسان ابن ما تعود عليه.. ثم إن ذلك خير لنا من معاناة العلل التي جلبتها لنا سموم قومنا.. ثم بعد ذلك.. أليس ذلك من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

قلت: أأكل الحبوب بنخالتها من هديه صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: أجل.. ألم تسمع حديث سهل بن سعد، فقد قال: ما رأى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم النقي([19]) من حين ابتعثه اللَّه تعالى حتى قبضه اللَّه، فقيل له: هل كان لكم في عهد رَسُول اللَّهِ مناخل؟ قال: ما رأى رَسُول اللَّهِ منخلاً من حين ابتعثه اللَّه تعالى حتى قبضه اللَّه تعالى، فقيل له: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال:(كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثَرَّيْنَاه ([20])) ([21])

اقتربت من المجموعة الثانية، فسألتهم عن نوع التدريب الذي يمارسونه، فقال أحدهم: نحن نتدرب هنا على التوقف نهائيا عن تناول اللحوم الحمراء والدواجن والبيض.

قلت: لماذا؟ أليست من الأغذية المباركة؟.. أم أنكم تخافون من كونها لم تذبح على الطريقة الشرعية؟

قال: لا.. هذه الأغذية من أغذية اليانج المتطرفة، لذا نصحنا بتجنبها.

قلت: لو نصحتم بالتقليل منها، أو بالبحث عن الحلال لكان ذلك أجدى، فلا ينبغي أن تحرموا على أنفسكم ما أحل الله.

قال: أولا تدري السموم التي تأكلها هذه الحيوانات التي تذبحونها على الطريقة الشرعية.. إنكم تذبحونها على الطريقة الشرعية، ولكنكم تبتدعون بدعا كثيرة في تسمينها وتحضيرها للذبح.

قلت: كيف ذلك؟

قال: سل الرعاة ولا تسلني.. هل يخرجون بها إلى المراعي أم يسقونها الفضلات.. ألم يحرم الشرع الجلالة؟

قلت: بلى..

قال: فهذه السموم التي تذبحونها على الطريقة الشرعية شر من الجلالة.. أم أنك لم تسمع بجنون البقر؟

قلت: بلى..

قال: أتدري ما سببه؟

قلت: أجل.. سببه الغذاء الذي لا يتناسب مع طبيعة البقر.. وقد روى لي الثقاة أن الأبقار البريطانية قد أصابها ذلك المرض بعد أكلها لحوم أغنام مصابة بمرض الخرف.

قال: معلوماتك محدودة جدا في هذا المجال.. لو انضممت إلينا لعلمت من أخبار سمومكم ما ينقضي دونه العجب.

قلت: فأخبرني عما تعلمه أنت عن هذا الجنون.

قال: قصة هذا الداء بدأت عندما ظهرت في وقت سابق أعراض غريبة على قطعان الخراف البريطانية، وعرف العلماء ما أسموه آنذاك المرض الأكَّال.. لأن الخراف المصابة به تقضي الساعات الطوال، وهي تحك نفسها على أعمدة حظائرها، وجرى البحث عن أسباب المرض، فاكتشف المحققون أن عظام الخراف وسقطها، تطحن وتقدم كمكملات بروتينية في علف الأبقار، وهكذا اشتبه في أن الجراثيم المسببة لمرض الأكال كانت تنتقل بهذه الصورة إلى الأبقار.

وفي عام 1988م حظرت الحكومة البريطانية إضافة نفايات الخراف وسقطها وعظامها المسحوقة إلى علف الأبقار، ولكن هذا التدبير لم يتم احترامه، وهكذا تفاقمت الأمور واستشرى المرض بين الأبقار، وأصبح يهدد بالانتقال إلى الإنسان.

وفي مارس من عام 1996م اكتشف العلماء وجود علاقة بين مرض الجنون البقري ومرض كروتزفلت ـ جاكوب أو التهاب الدماغ الإسفنجي الذي يصيب الإنسان.

وفي يوليو 1996م صرح العلماء بوجود احتمال كبير بانتقال مرض جنون البقر إلى الأغنام، واحتمال انتقاله إلى الإنسان عن طريق أكل أنسجة الدماغ والحبل الشوكي والمصران التابعة للأغنام.. ومن القائلين بهذه النظرية البروفيسور ريتشارد لايسي أخصائي علم الجراثيم في جامعة أيدز.

قلت: أنت مهتم كثيرا بهذا.. فهل جنت بقرة من أبقارك؟

قال: لا.. نحن من حزب حذيفة بن اليمان  .

قلت: لا أعرف أن حذيفة أسس حزبا.

قال: بلى.. إن حزبه هو حزب توقي الشر.. ألم تسمع قوله  :(كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني) إلى آخر الحديث([22]).

قلت: بلى.. وهو حديث عظيم ذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يحصل لهذه الأمة.

قال: والشر الذي يحيق بالأمة قد يبدأ من غذائها.. فلذلك أقمنا نحن في هذا الثغر ننبه إلى مخاطر الأغذية والسموم التي توضع فيها.

قلت: لكنا ـ بحمد الله وبفضل ورعنا عن أكل لحومهم ـ وقينا هذا الخطر.

قال: ومن قال ذلك.. ألا يفتي علماؤكم بحل ذبائحهم؟

قلت: بلى….؟

قال: فلنقل بأنكم تورعتم عن أكله.. ألا تعلمون الاستخدامات التي يستخدمون فيها هذه اللحوم؟

قلت: اللحوم تؤكل مشوية أو مقلية أو مسلوقة..

قال: لا أقصد هذا.. بل أقصد أن هذه اللحوم تستعمل في صناعات مختلفة، كلها تمس حياة كل البشر، فمن هذه اللحوم تستخدم بعض الأدوية، واللقاحات، والأمصال، وصولاً إلى أدوات الزينة التي تستخدمها نساؤكم.

ولا يقتصر الأمر على ذلك.. بل إن هذه اللحوم تستخدم في تصنيع كل منتجات اللحوم الحديثة التي يقبل عليها شباب اليوم وكبارهم كالهامبورجر، والسوسيس، والهوت دوج، والبيتزا باللحم، أو اللانشون..

قلت: لقد أسلت لعابي.. فهل أجد مثل هذه المأكولات هنا؟

قال: اسكت وإلا سمعتك أجهزة الحزم، وأخرجتك من هذه المدائن.

نهض أحدهم، وقال لى مسرا: أتعرفني؟

قلت: لا.. فمن أنت يرحمك الله؟

قال: ستراني عند زيارتك لعيون الطهارة، فقد اغتسلت في مياهها قبل أن آتي إلى هنا.

قلت: فما حديثك؟

قال: لا يهمك ما حدث لي.. ولكن سيرى قومك من الفضائح في عالم اللحوم ما يجعلهم يتوبون من أكله.

قلت: أخفتني، فما الذي حصل؟.. هل ستتمرد الحيوانات على من يذبحها؟

قال: الحيوانات سخرها الله لكم، فلا تتمرد ولكنا نحن الذين تمردنا، فأطعمنا هذه الحيوانات ما قتلنا، وما سيقتلنا.

قلت: فحدثني حديثك، فإني أعلم كل هذا.

قال: أنا من مدائن الصراع.. وقد كنت فلاحا صاحب مواش كثيرة، وكنت أستعمل طرقا عديدة في تسمين المواشي التي أملكها لكي أخفف من تكاليف علفها.. فاستعملت ـ مثل زملائي في الحرفة ـ النفايات المختلفة في غذاء المواشي والدواجن دون مراعاة للأضرار التي قد تنجم عن ذلك.

وآخر ما فعلته ـ مع زملائي طبعا ـ هو استخدام فضلات الدجاج كعلف للمواشي بالرغم من كل المخاطر التي ينطوي عليها هذا الابتكار الجديد على صحة المستهلكين.

قلت: فضلات الدجاج تسمن المواشي!؟

قال: أجل..

قلت: لو علمها قومي لما تركوا استعمالها.

قال: ومن قال لك بأنهم لا يفعلون.. إنهم يفعلون كل شيء في سبيل رطل زائد.

قلت: ولكن لماذا لا نكون واقعيين فنعرض هذه الفضلات على المخابر.. فلعل فيها من المنافع ما يسيغ استعمالها؟

قال: لقد عرضوا ما ذكرت على المخابر.

قلت: فما ذكروا؟

 قال: لقد رأوا أن فضلات الدجاج غالباً ما تتضمن نوعين من أنواع البكتيريا يتسببان في إصابة الإنسان ببعض الأمراض، كما يتسببان في وجود طفيليات في معدة الإنسان، ويساعدان أيضا على تجمع الرواسب التي تخلفها الأدوية البيطرية، فضلاً عن وجود ترسبات معادن تحتوي على نسبة عالية من المواد السامة مثل الزرنيخ والرصاص والكادمسيوم والزئبق.

وتنتقل مثل هذه البكتيريا إلى المواشي بكل سهولة، كما أنه من الممكن أن تنتقل إلى جسم الإنسان عند تناوله لحوما ملوثة بروث المواشي أثناء ذبحها في المسالخ.

ومن ناحية أخرى، فقد أفاد مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في ولاية أتلانتا بأنه توجد في الولايات المتحدة فقط 80 مليون حالة مرضية ناجمة عن تناول المواد الغذائية، و9000حالة وفاة ناجمة أيضا عن تناول بعض الأصناف من الأغذية،و4 ملايين حالة مرضية ناجمة عن الإصابة ببكتيريا سالمونيلا حيث انتهت ما بين 500 ـ 1000 حالة من هذه الحالات إلى وفاة المريض، كما تتسبب البكتيريا من النوع المنطوي في إصابة ما بين 4 ـ 6 ملايين شخص بالتهابات حادة في المعدة ويقتل 100 منهم سنويا.

أما البكتيريا من نوع إي كولاي والذي تم اكتشافه في بعض اللحوم الملوثة، فإنها تودي بحياة 250 شخصاً سنويا فضلا عن أنها تتسبب في إصابة ما لا يقل عن 20 ألف شخص في أمريكا سنويا بأمراض خطيرة، وهناك 17 مريضاً على الأقل ثبت أن مرضهم ناجم عن تناولهم لحوما ملوثة من إنتاج شركة واحدة.

قلت: أكل هذه الإحصائيات نتائج شركة واحدة؟

قال: أجل.. وليس ذلك فقط، بل قد دأب مربو المواشي على استخدام مخلفات المحاصيل الزراعية وقشارة الخضراوات وعلائق الحبوب والمواد الداخلة في صناعة الخبز والخمر في تسمين المواشي، وذلك بالإضافة إلى استخدام حوالي 40 مليار رطل سنويا من مخلفات المسالخ مثل الدماء والعظام والأمعاء بالإضافة إلى ملايين القطط والكلاب السقيمة التي يوصي الأطباء البيطريون بأن يكون مآلها القتل الرحيم أو التي يُسلمها لهم القائمون على ملاجئ الحيوانات، حيث تحوَّل لحوم هذه الحيوانات إلى علف مما يعتري سلوكيات المواشي والخنازير التي سرعان ما تتحول من حيوانات آكلة للأعشاب إلى حيوانات آكلة للحوم.

قلت: أكل هذا يحصل مع الحيوانات المسكينة؟

قال: أجل.. لقد ذكر الله أنواع الرزق التي أفاضها على الأنعام، فقال تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إلى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ } (السجدة:27)، و قال تعالى بعد أن ذكر ما أخرج لعباده من أصناف الرزق: { كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى }(طـه:54).. ولكنهم أبوا إلا أن يطعموها سموما.

قلت: ولكن ما حصل من جنون البقر جعلهم يثوبون إلى رشدهم.

قال: ومن قال ذلك؟.. لقد وردتنا الأخبار بأن المزارعين، ومثلهم الشركات المنتجة للأعلاف بدأوا في استخدام أو محاولة استخدام فضلات الأطعمة الجافة المستخرجة من حاويات القمامة، ومخلفات المطاعم من الشحوم وزيت القلي والشحوم المتجمعة في محابس الشحوم والغبار المتصاعد من مصانع الإسمنت.. وحتى أوراق الجرائد والورق المقوى المستخرج من النباتات، كما أجرى الباحثون بعض التجارب على سماد المواشي والخنازير والرواسب الطينية.

ولا تتوافر في الوقت الراهن أي إحصائيات دقيقة حول عدد المزارعين الذين يطعمون مواشيهم بفضلات الدواجن، لكن يعتقد بأن هذه الظاهرة قد عمت في نصف الولايات المتحدة أو ثلاثة أرباعها، وبالرغم من الرائحة الكريهة المنبعثة من فضلات الدجاج والديك الرومي، فإنه يمكن استخدامها كعلف بعد تكديسها على نحو سليم وإخضاعها لمدة تتراوح ما بين 4 ـ 8 أسابيع لدرجة حرارة تتراوح ما بين 160 ـ 170 درجة فهرينهايت، وهي درجة عالية تكفي لقتل البكتيريا، وقد ذكر بعض المزارعين بأنهم يقدمون لدواجنهم سماد المواشي الخام دون إخضاعها لأي تصنيع.

وقد ازداد الاهتمام بمكونات أعلاف الحيوانات في الولايات المتحدة مؤخراً في أعقاب الضجة التي قد أثارها في بريطانيا موضوع جنون البقر والمخاوف التي انتابت الشعب الأمريكي من أن تنتقل العدوى إليهم، وقد لقي مئات من البريطانيين حتفهم نتيجة تناولهم لحوم الأبقار الملوثة.

وتفيد الإحصائيات بأن 75 بالمائة من رؤوس المواشي في أمريكا والبالغ عددها 90 مليون رأس ظلت تأكل مخلفات المسالخ، وأن الحظر المفروض على تقديم المنتجات الثانوية لمصانع اللحوم قد يدفع مربي المواشي ومصانع الأعلاف إلى اللجوء إلى مضافات مثل السماد ومخلفات أخرى مشكوك فيها.

قلت: فنلفرض أني اقتنعت بما قلت، وطلقت لحوم المواشي ثلاثا.. فماذا آكل بدل اللحوم؟

قال: قد يعيش الإنسان طول عمره لا يأكل قطعة لحم واحدة، ومع ذلك يعيش سليما معافى.. إن رزق الله موزع في الأرض بحيث يغني بعضه عن بعض.

قلت: ولكن الإنسان يحتاج إلى بروتينات حيوانية.

قال: نحن ـ هنا ـ في تدريبنا نأكل الأسماك بدل اللحوم.. ولكن لا نتناول منه إلا قطعا صغيرة فقط.. ولا تتعدى وجبة السمك ثلاث مرات بالأسبوع.

قلت: فما الغذاء الأساسي إذن؟

قال: الغذاء الأساسي هو الحبوب والبقوليات مع سلطة خضراء.

قلت: فسأذهب لأبشر الفقراء إذن.

قال: بم؟

قلت: إن الفقراء عندنا لا يحزنهم شيء كما يحزنهم خلو أطباقهم من تلك اللحوم التي تملأ أطابق الأغنياء.

قال: فبشرهم.. ولا تنس أن تخبر الأغنياء بالفضلات التي يأكلونها.

اقتربت من المجموعة الثالثة، فسألتهم عن التدريب الذي يعانونه، فقال أحدهم: نحن ـ هنا ـ نحاول التخلص من عادة أكل السكر بتبديله بما هو أفضل منه.

قلت: ولم تعادون السكر كل هذه العداوة؟

قال: لأنه من أطعمة الين المتطرفة.

قلت: فبم تستبدلونه؟

قال: هناك الكثير من الأشياء التي نستطيع أن نستبدلها بالسكر.. كالفاكهة الحلوة مثل التمر والدبس.. بل يمكن أن نستخدم الدبس بعمل الحلاوة الطحينية، وهي أفضل بكثير من التي تصنعونها من السكر الصناعي.

قلت: فسهل إذن تخليص غذائنا من السكر المصنع.

قال: أجل.. ولكن انتبه، ففي البداية ستشعر أنك بحاجة للسكر، فاصبر وحاول التخلص منه بالتدريج.

اقتربت من المجموعة الرابعة، فسألتهم عن التدريب الذي يعانونه، فقال أحدهم: نحن نتناول الحساء يوميا، بل نجعله من الوجبات الرئيسية.

قلت: وما يحتوي هذا الحساء؟

قال: على الخضار ذات الجذور، وجزء من ذات السيقان، وبعدها الأوراق.. أي أن غذاءنا يكون متنوعا بين الين واليانج.

قلت: ما هذه الأعشاب التي أراها في حسائكم؟

ضحك، وقال: هذه أعشاب البحر.. ألا تعرفها!؟.. هي جزء أساسي من غذائنا.

قلت: أعشاب البحر!؟

قال: نعم من الطحالب وغيرها.. ألا تعلم أن الذي يتغذى على الطحلب يكون في مأمن من العديد من الأمراض المصاحبة للشيخوخة وخاصة الأمراض المؤرقة والمعقدة والمفندة.. وأن البروتين الناتج من الطحالب يحتوي على الأحماض الأمينية الأساسية والتي يمرض الإنسان إذا لم يتناولها مع الغذاء!؟

اقتربت من المجموعة الخامسة، فسألتهم عن التدريب الذي يعانونه، فقال: نحن نتدرب على استبدال الألبان ومشتقاتها بمشتقات نباتية.

قلت: ولكن الحليب ومشتقاته غني بالكالسيوم وبمواد كثيرة ضرورية، وقد عرفت في القسم السابق ما عرفت من أهميته.

قال: نحن نبني موقفنا من اللبن على إحصائيات علمية، ولا حرج عليك في أن لا توافقنا فيها.. فالأمر في هذه المسائل نسبي.

قلت: فاذكر لي قولك.. ولن أجادلك.

قال: هناك إحصائية أجريت في اليابان ـ وهم عادة لا يتناولون الحليب ـ مع دول شمال أوروبا ـ وهم يتناولون الحليب ومشتقاته بصورة كبيرة جدا ـ للنساء المصابات بهشاشة العظام، وقد دلت النتائج عكس ما هو معتقد فقد تبين أن النساء اليابانيات نادرا ما يصبن بهشاشة العظام مقابل نسبة عالية في شمال اوروبا.

قلت: فما مصادر الكالسيوم التي تعتمد عليها النساء اليابانيات؟

قال: هي الخضار الورقية ذات اللون الاخضر الغامق، والأعشاب البحرية التي تحتوي على نسب عالية منه، وبعض المكسرات والبقوليات ويوجد جبن التوفو المصنوع من حبوب الصويا، والطحينية التي يمكن أن يدهن بها الخبز بدل الزبدة.

قلت: ولكن اللبن من المصادر المهمة للكالسيوم.

قال: ذلك صحيح.. ولكن المشكلة هي أن الجسم لا يستفيد من هذا الكالسيوم كما ينبغي.

قلت: ألا يمكن أن يكون نوع الحليب المستعمل، والذي أثر فيه نوع الغذاء الذي تتناوله الحيوانات، ونمط معيشتها ومعيشتنا هو السبب في هذا.. لا الحليب في حد ذاته، فإني أقرأ في القرآن الكريم أن الله تعالى هو الذي سقانا الحليب، والله تعالى لا يسقينا سما.

قال: كلامك صحيح.. فإن الإحصائيات المذكورة مبنية على الحليب الموجود في السوق.. وعلى البشر الذين غيرتهم الحضارة.

قلت: لقد ورد في النصوص أن الحليب يرمز إلى الفطرة السليمة.. أفلا يدل تأثيره العكسي على فساد الفطرة؟

قال: هذا ممكن أيضا.. وأزيدك شيئا قد يجعل الهوة بيننا وبينكم ضيقة.

قلت: ما هي؟

قال: لم يرد في نص واحد من النصوص أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرب الحليب مغلى على النار.

قلت: هذا ما أعلمه.. فقد كانوا يشربونه بعد حلبه بدفء ضرعه.

قال: وهذا يقيهم كثيرا من مخاطر الحليب المغلى.. فمخاطر الحليب المغلى تقضي على أكثر محاسن الحليب.

قلت: فاذكر لي من ذلك ما يريح ألباننا من النار.

قال: من ذلك أن تعقيم الحليب يجعله أكثر صعوبة على الهضم، وذلك بسبب تغير ميزة البروتين.. وغليه يدمر البكتيريا المرغوبة ويترك البكتيريا غير المرغوبة خلفه..ويدمر الفيتامينات بنسبة 50 بالمائة من فيتامين ج، ونسبة 25 بالمائة من فيتامينات ب.. ويدمر أيضاً الأجسام المضادة الطبيعية، وهي بروتينات خاصة يتم انتاجها لمقاومة العدوى ببعض البكتيريات غير المرغوبة([23]).

اقتربت من المجموعة السادسة، فسألتهم عن التدريب الذي يعانونه، فقال أحدهم: لقد كنا من المدمنين على القهوة والشاي، ونحن الآن نتمرن على استبدالها بمشروبات طبيعية لا تحتوي على كافيين كشاي الشعير المحمص.

قلت: ولم تعادون القهوة والشاي، فإني لا أراهما إلا محسنين لعقولنا؟

قال: كيف ذلك؟

قلت: إنهما ينبهان النائم، وينشطان الكسول، ويوقظان الغافل.

قال: هما من أغذية النفاق..

قلت: ما تقول.. إن ما تدعيه خطير.. فلا ينبغي أن تحملك عداوتهما على سبهما.. ألم تسمع قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }(المائدة:8)

قال: بلى، سمعته، ولكني لم أقل إلا ما وصلت إليه الدراسات العلمية، فقد ذكرت أن الكافيين المتواجد بالقهوة والشاي يولّد شعوراً مؤقتاً بالطاقة واليقظة والرفاهية، لكنه يدفع إلى الإدمان.

قلت: لا حرج في أن ندمن عليه ما دام متوفرا وما دمنا نستفيد منه.. ألسنا ندمن على الماء والخبز؟

قال: ولكن الاستهلاك الدوري للكافيين يمكن أن يؤدي إلى التعب والصداع والاحباط والأرق والاهتياج والقلق.. بالإضافة إلى أن له دوراً في تطوير سرطان البروستات والبنكرياس والمثانة.

بالإضافة إلى هذا، فإن تناول الكافيين بكثرة يؤدي إلى رفع مستوى التوتر بزيادة إفراز الهرمونات المنشطة للأعصاب([24])، فيجعل ذلك نومك صعبا أو متقطعا، ويجعلك أكثر قلقا وارتباكا واضطرابا.

بالإضافة إلى هذا، فإن المشروبات المنبهة تؤدي إلى صداع نابض يتعرض له المصاب صباحا عقب اليقظة من النوم.. فسبب الصداع هو احتواء تلك المشروبات على الكافيين الذي يؤدى إلى حدوث تقلص بالأوعية الدموية، وعندما تقل نسبة الكافيين في الجسم فإن الأوعية تعود للتوسع مسببة نوبة الصداع.

قلت: لك أن تتحدث عن القهوة بما تشاء، فإنه لا رغبة لي فيها، ولكن الشاي لا يحق لك أن تتهمه بأي تهمة، فقد أثبتت الدارسات الكثير من المصالح المرتبطة به.. ولا يضره بعض المفاسد التي وصفتها.

قال: فأخبرني لعلي أقتنع بما تقول، فأعود لشرب الشاي، فإني أحن له أكثر من حنين الناقة إلى حوراها.

قلت: لقد ذكرت الدراسات من فوائد الشاي الأخضر ما يجعله مشروبا صحيا من الدرجة الأولى، فمن فوائده أنه يخفض من مستوى الكوليستيرول، ويعمل على خفض ضغط الدم المرتفع، لأنه يؤدى لاسترخاء العضلات الملساء المتحكمة في درجة قبض الشرايين.. وهو مضاد للعدوى بأنواع عديدة من البكتيريا المعدية، وخاصة الأنواع المسببة للإسهال وللنزلات المعوية، ولذلك فإن تناول الشاي الأخضر يساعد على الشفاء من هذه الحالات.. وهو يحافظ على سيولة الدم ويقاوم حدوث الجلطات.. وهو يزيد من كفاءة جهاز المناعة.. وهو يحتوي على نسبة جيدة من معدن الفلورين المعروف بمفعوله المقاوم لتسوس الاسنان.. ويمكن أن يساعد في التخلص من الوزن الزائد.. ويساعد على انتظام حركة الأمعاء، ويقى من الإمساك.

بالإضافة إلى هذا كله، فقد ذكر الباحثون أن الشاي الأخضر يكافح الأورام السرطانية، إذ يمنع نمو الأوعية الدموية التي تغذي هذه الأورام وتساعدها على البقاء والنمو، ويساعد مفعوله المضاد للأكسدة في المحافظة على الخلايا من المواد المدمرة.

قال: بورك فيك، فقد كنت مخطئا بشأنه.. وأستغفر الله.

قلت: لا حرج عليك.. ولكن لا تنس إن عدت إلى شربه قوله تعالى: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } (لأعراف:31)، فإن الإسراف أصل من أصول العلل.

اقتربت من المجموعة السابعة، فسألتهم عن التدريب الذي يعانونه، فقال أحدهم: نحن نتدرب على أكل الفواكه المناسبة المرتبطة ببيئتنا.

قلت: أليست كل الفواكه فواكه الأرض.. وقد خلقها الله لنا؟

قال: ذلك صحيح.. ولكن الله تعالى بحكمته جعل في كل أرض ما يتناسب مع طبائع أهلها.. ومن مخالفة الفطرة أن نأكل ما لا يتناسب مع ما خلقه الله لنا.

قلت: فهلا ضربت لي مثلا على هذا يطمئن له قلبي وينشرح له صدري.

قال: لو أن رجلا استضافك وقدم لك طعاما.. ولم يقدم لك غيره.. أكنت تشترط عليه أن يقدم لك ما تشاء من الطعام؟

قلت: لا.. فليس ذلك من الأدب.. وقد ذكرتني بأبي وائل، فقد قال: مضيت مع صاحب لي نزور سلمان فقدم إلينا خبز شعير وملحاً جريشاً، فقال صاحبـي: لو كان في هذا الملح سعتر كان أطيب، فخرج سلمان فرهن مطهرته وأخذ سعتراً، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا. فقال سلمان: لو قنعت بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة.

قال: هذا ليس خاصا بالأدب مع الله فقط، بل له علاقة بالصحة، وله فوق ذلك علاقة بالمدنية والحضارة.

قلت: ما علاقة هذا بالمدنية والحضارة؟

قال: ستعرف ذلك عندما ترحل للبحث عن مفاتيح المدائن.. وسترى أنه لن تقوم لكم قائمة حتى تأكلوا من ثمر أشجاركم وحصاد زرعكم.

النظام الشامل:

قلت: لقد أنهيتم ـ أنتم ـ جميع المراحل المرتبطة بالماكروبيوتيك، فما ترون؟.. هل هو نظام غذائي صالح وصحي؟.. أم أنه لا يختلف عن سائر الأنظمة؟

قال: لقد اخطأت خطأ شديدا.. كيف تزعم أن هذا النظام نظام عذائي؟.. إنه نظام حياة صحية.. والأكل أحد جوانبه.

قلت: كيف ذلك.

قال: اسمع هذه النصائح السبع.. فإنك لن تدخل هذه الطريقة حتى تلتزم هذه النصائح كما تلتزم الأوراد.

قلت: فما النصيحة الأولى؟

قال: اختر غذاءا مغذيا.. زود معدتك بما تحتاجه من الفاكهة الطازجة والخضار.. واختر تشكيلة واسعة لأطعمة طازجة لذيذة وصحية.

قلت: عرفت هذا.. فما النصيحة الثانية؟

قال: اشرب ماء نقيا، واجعل بعض مائك على شكل شاي بأعشاب.. وجرّب بعض عصائر الخضار المعمولة طازجة كعصير الجزر، والكرفس، والبنجر..

قلت: فالثالثة؟

قال: شارك في تمارين منتظمة.. وليكن التمرين من اختيارك، وفي مستوى متوافق مع مستوى لياقتك.

قلت: فالرابعة؟

قال: اضمن الراحة والترويح من الكافيين.. وخذ قسطا كافيا من النوم والترويح على أساس منتظم.

قلت: فالخامسة؟

قال: اجتنب الكحول، والسيجارات المحرمان شرعاً، والأطعمة المعالجة والمعبّأة للحفظ.. ولا تنس اجتناب المنبهات الأخرى المدمرة للصّحّة كالقهوة، والملح المكرر، والسكر، والشوكولاته، ومشروبات الكولا ومنتجات الدقيق الأبيض.

قلت: فالسادسة؟

قال: استمتع بالطبيعة في أجوائها النقية.. فالهواء النقي والعناصر الطبيعية يجلبان الإنتعاش والنشاط إلى الجسم والروح.. فاستغل هذه الهدية الطبيعية بقدر الإمكان.

قلت: فالسابعة؟

قال: كل وجباتك في جو هادئ، ولا تأكل إلا إذا كنت جائعًا.. وعند مضغ طعامك تبدأ عملية الهضم وتزيد فرصة الامتصاص الكامل للأغذية بدقة.

الغذاء الميزان

ما إن خرجت من مطعم الماكروبيوتيك حتى رأيت رجلا جاء من أقصى القسم يسعى، وهو يقول: أنا معاصر لك.. ولا شك أنك تعرفني..

قلت: بلى.. وقد عرفت اهتمامك بالغذاء في القرآن الكريم، ولكني لا أعلم أنك تبحث عن العلاج بالغذاء.

قال: بل هو من صلب اختصاصي.

قلت: فأنت طبيب، وعهدي بالأطباء ينكرون مثل هذا.

قال: هم يختلفون.. فمنهم الجافي الغليظ.. ومنهم الواسع الذي فتح الله مداركه، فعلم أن قوانين الشفاء أكثر من أن يحصرها الحاصرون.

قلت: فأخبرني عنك.

قال: بل سأخبرك عن اكتشافي.. فقد شغلني عن نفسي.. فرحت بكل الوسائل أبشر به.

قلت: فحدثني عنه.

قال: لعلك تسأل عن دوافع اكتشافي مع أني طبيب باطني؟

قلت: لم تخطئ قصدي.

شفاء لكل داء:

قال: بدأ ذلك أثناء فترة عملي في مستشفى لنيل التخصص في الطب الباطني، ولا أنسى تلك الليالي الطويلة التي كنت أناوب فيها، وأقف عاجزا عن إعطاء حل جذري لمشكلة مزمنة مستعصية من خلال ما تعلمته من الطب الحديث، وخصوصا عندما يأتيني مريض مثلا بهجمة ربو حادة، وضيق نفس شديد، فلا أجد عندي ما أعطيه، غير ما تعلمناه في هذا الطب الحديث من دواء فنتولين على شكل رذاذ أو بعض مضادات الالتهاب الستيروئيدية مثل البريدنيزولون، وهو نوع من أنواع الكورتيزون، حيث كنت أعطيه إياه حقنا وريديا.

وقد كنت أشعر ببعض الارتياح عندما أجد التحسن عند هذا المريض، ولكني في نفس الوقت أشعر بالعجز، وأنا أعلم أنني قد أحبطت هجمة الربو هذه لديه الليلة، وأنا متأكد أنه سيعود لي في الليلة القادمة أو بعدها، أو غيرها بهجمة قد تكون أشد، وقد لا أكون قادرا على إحباطها أبدا، وقد يكون فيها حياة المريض، وقد حدث ذلك سابقا، ورأيناه.

وكنت في تلك الأيام العصيبة تحت ضغط شديد، ويدور في خلدي دائما كيف أصل إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يقول:(تداووا، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله)([25])

نعم فهناك شفاء لكل داء، فهذا من المنطق الطبيعي لرحمة الله سبحانه وتعالى، أن يكون لكل داء دواء وشفاء، ولكن قصور الإنسان هو المشكلة، ولذلك ختم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحديث بقوله:(علمه من علمه وجهله من جهله)

قلت: ولكن الطب الحديث قد حقق معنى هذا الحديث بما اكتشفه من الأدوية الكثيرة.. ألا تعرف ذلك.. فأنت طبيب مختص؟

قال: وكوني كذلك جعلني أشعر بالإحباط، فالطب الحديث نجح ـ بفضل الله ـ في تحقيق كثير من العلاجات الناجحة والرائعة في الحالات الحادة، ولكنه وقف عاجزا قاصرا ضعيفا أمام الحالات المزمنة المستعصية، والتي كنت أقف أمامها عاجزا لا أستطيع فعل أي شئ لها، وما أكثرها.

قلت: أهناك علل لم يتوصل الطب الحديث بأساطيله وجيوشه إلى علاجها؟

قال: ما أكثر هذه الحالات، فالتهاب القولون العصبي، والتهاب القولون التقرحي، وداء كرون، والتهاب المفاصل الرثياني، وداء الذئبة الجهازية الحمامية، وارتفاع الضغط الدموي الشرياني، والسكري، وتصلب الشرايين، وارتفاع الكوليستيرول، والتليف العضلي الليفي، والربو، والأشكال المختلفة من الحساسية الأنفية والجلدية، والتهابات الكبد المزمنة، والالتهابات المعدية المزمنة وضعف البنية وغيرها من الأمراض الطويلة في القائمة، يقف الطب الحديث عاجزا عنها نهائيا، وكل ما يستطيع أن يقدمه هو تسكين الألم، ومحاولة تأخير الهجمات أو تخفيفها.

قلت: فكيف وقفت من هذه العلل.. هل ظللت حزينا؟.. أم استقلت من وظيفتك؟

قال: لا.. كيف ذلك.. أنا قائم على ثغر من ثغور بنيان الله.. فكيف أستقيل.. بل إن هذه الآلام المتراكمة بالشعور بالعجز تجاه الأمراض المزمنة المستعصية المعذبة لأصحابها، دفعتني إلى البحث الدائم عن طريقة أخرى لتخفيف هذه الآلام، وكنت أشعر بأن هذا واجبي، فأنا طبيب ووظيفتي الأساسية إراحة الناس من آلامها ومعالجتها للوصول بشكل دائم تام كامل إلى الشفاء التام الكامل بإذن الله تعالى.

قلت: هذه نية طيبة.. فما السنن التي اتبعتها لتحقيقها؟.. فلا بد من امتطاء السنن للوصول إلى الثمرات.

قال: لقد اتجهت في البداية إلى دراسة كتب طب الأقدمين من المسلمين، ـ والذين تشرفت في هذا المستشفى بالجلوس معهم ـ وقد رأيت أن الأنظمة الغذائية التي وضعها علماء كبار مثل الرازي وابن سينا تعتبر صعبة التطبيق في مثل هذا العصر الذي أصبحت الابتسامة فيه مغرما، ولا وقت للبشر لكي يطبقوا مثل هذه الأنظمة الغذائية التي تحتاج إلى تفرغ تام، ومن ثم اصطدمت بعدم عملية هذه الأنظمة الغذائية التي ذكرت في الكتب الإسلامية القديمة في عصرنا هذا، وذلك بالرغم من نجاحها الفائق وتفوقها المطلق في عصرها.

قلت: فماذا فعلت؟

قال: لقد اتجهت إلى الرجوع إلى المصدرين الأساسيين: كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكنت متأكدا أني لن أضل أبدا ما التزمت بهما..

قلت: ولكنهما مصدار هداية، لا مصدر شفاء.

قال: كونهما مصدر هداية لا ينفي كونهما مصدر شفاء.. بل إن الهداية الشاملة تدل على ضرورة وجود مثل هذا العلم في هذه المصادر.

قلت: فما الذي اكتشفته من هذين المصدرين؟

قال: أشياء كثيرة.. لقد أصبح لدي مأكولات وأطعمة ومشروبات محددة، هي التي وردت في القرآن الكريم، وبتكرارا معين، موزعة على وجبات محددة، خلال فترة زمنية محددة، بتسلسل معين، وبقواعد ذهبية معينة، وبعلاقات خاصة مع بعضها بعضها، وما كان علي بعد كل هذا الفتح من الله إلا أن أبدأ الدراسة العملية على ذلك.

قلت: فهل طبقت العلاج بهذا عمليا، وعلى المرضى؟

قال: أجل.. ألم يقل لك المعلم: إنه لا وجود للفئران في هذا القسم؟

قلت: فاذكر لي كيف طبقت هذا النوع من العلاج.. وما هي نتائجه؟

قال: بدأت بتطبيق أسس علم التغذية والطاقة القرآني، والذي سميته (نظام الغذاء الميزان) على أكثر من مائتي مريض بدراسة جديدة دقيقة متناهية في الدقة، بحيث نقوم بأخذ القصة المرضية المفصلة لمريض يعاني من مرض مزمن مستعصى على العلاج الحديث، ثم نقوم بالفحص السريري الكامل لنجد ما عنده من علامات مرضية أظهرها مرضه المزمن، ثم نقوم بالفحوصات المخبرية والشعاعية اللازمة لكل مريض كل حسب مرضه، وفي الخطوة الرابعة نقوم بعملية تنظيف غذائي للجسم، ثم نقوم بتطبيق نظام الغذاء الميزان عليه 0

قلت: فما هي النتائج التي توصلت إليها؟

قال: لقد كانت النتائج مذهلة بشكل معجز رائع، فقد رأيت الحالات تتحسن الواحدة تلو الأخرى تحسنا تدريجيا، مضطردا شيئا فشيئا، وقد وصل بعض المرضى إلى الشفاء التام في خلال ثلاثة أسابيع أوشهر، بعد أن عانوا سنين طويلة من أمراض مزمنة عضال لا شفاء لها في الطب الحديث.

قلت: فهلا حدثتني عن بعض هذه النتائج ليطمئن قلبي؟

قال: كانت أكثر نتائج الشفاء تأثيرا في نفسي امرأة كانت تعاني من عقم سببه ارتفاع هرمون الحليب الذي وصل لأرقام مخيفة عجز الطب الحديث عن علاجه.

 قلت: فهل جربته قبل أن تأتي إليك؟

قال: أجل.. لقد كانت تتناول دواء البارلوديل، وقد كان يذيقها ألوان العذاب، فقد ورم وجهها ويداها وأصابها بالاكتئاب والضعف والغثيان والقرف من الطعام والهزال والتعب والنوم الكثير وآلام في العضلات والمفاصل وغير ذلك.. ومع كل هذه التأثيرات الجانبية العظيمة لهذا الدواء الجبار على الجسم، فقد استمرت المريضة في تناوله وتحمل كل قرفه وآثاره الجانبية رغبة منها في الحصول على طفل، ولكن كانت كل المحاولات التي قامت بها هذه المرأة قد باءت بالفشل الذريع.

قلت: فما فعلت معها؟

قال: طبقت عليها نظام الغذاء الميزان، ولثلاثة أسابيع فقط، وهي أقل من المدة المقررة حسب الشيفرة القرآنية.. وقد سجدت لله شكرا عندما رأيت هرمون الحليب قد عاد إلى أرقامه الطبيعية بعد سنوات طوال من الارتفاع، وما هو إلا شهران حتى حملت هذه المرأة بطريقة طبيعية.

قلت: لقد كان هذا أول فتح.. فهل تلته الفتوح؟

قال: أجل.. فتوح كثيرة بحمد الله.. فقد بدأت الحالات المزمنة والمستعصية تتعافى واحدة تلو الأخرى، وأصبحت أتعامل مع الأمراض المستعصية مثلما أتعامل مع الرشح، والزكام البسيط.. فخلال أيام قلائل وخلال شهور قليلة نحصل على شفاء تام في معظم الحالات، وحتى الحالات التي لم تشف تماما نراها قد تحسنت بدرجة كبيرة، بجيث أصبح المرض المزمن لا يشكل معها معضلة ومنغصا على الحياة.

قلت: فهل كانت تكلفة العلاج شديدة على المرضى؟

قال: لا.. بالعكس.. لقد كان حصول الشفاء سهلا جدا، ورخيصا جدا.. فلم نكن نحتاج لدفع مئات الألوف من أجل عملية جراحية أو الحصول على علاج من بلاد الواق واق، بل لم يكن هناك أي استغلال من قبل التجار في بيع مواد غذائية غريبة عن ثقافتنا، بأسعار باهظة الثمن.

بل لم نر داعيا لتحريم اللحم واللبن والعسل والتمر وغيرها خلافا لمن يرى تحريمها، فهذه الأطعمة تمثل لب هذا النظام الغذائي القرآني، الذي يمثل نجاحا فائقا عظيما بفضل الله ونعمته.

قلت: فهل ذكرت لي الأمراض التي جربتم هذا النوع من العلاج عليها، ورأيتم فاعلية هذا الدواء في علاجها؟

قال: هي كثيرة، منها أمرا ض الجهاز التنفسي، كالربو المزمن، والتهاب الانف التحسسي المزمن، والتهاب اللوزات المتكرر عند الاطفال، والتهاب الجيوب المزمنة، والتهاب القصبات المزمن، والنفاخ الرئوي، والرشوحات المتكررة الناجمة عن ضعف المناعة.

ومنها أمراض الغدد والامراض الاستقلابية، مثل الورم المفرز للبرولاكتين في الغدة النخامية، وزيادة نشاط الغدة الدرقية، ونقص نشاط الغدة الدرقية، والداء السكري بنوعيه المعتمد على الإنسولين وغير المعتمد على الإنسولين، إضافة إلى اختلاطات الداء السكري، ومتلازمة كوشينغ الناجمة عن زيادة الكورتيزول داخل الجسم، وترقق العظام، وهشاشة العظام، وحالات العقم خصوصا تلك التي من مصدر هرموني، وآلام الدورة الشهرية عند النساء، واضطرابات الدورة الشهرية عند النساء.

ومنها أمراض الكلى، مثل التهاب الكلى الحاد والحصى المتكررة في الحالب والكلية، ومتلازمة النفروز، وحتى بعض أنواع قصور الكلية الحاد، والتهابات المسالك البولية المتكررة.

ومنها أمراض القلب والشرايين، مثل ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع كوليسترول الدم، وبعض حالات قصور القلب، وتصلب شرايين القلب.

ومنها أمراض الدم، مثل فقر الدم، وبعض أنواع سرطانات الدم، وسرطانات العقد اللمفاوية.

ومنها أمراض المفاصل، مثل التهاب المفاصل الرثياني، وآ لام الظهر المزمنة، وقد لاحظنا تحسنا في مرض الذئبة الحمامية الجهازية وآلام المفاصل العامة.

ومنها الأمراض الجلدية، كالحساسية، والاكزيما، والشرى، والطفح الجلدي، وتساقط الشعر، حتى بعض حالات البهاق، وبعض حالات الصدفية.

ومنها أمراض الجهاز الهضمي، مثل التهاب المعدة، والقرحة المعدية، والتها ب القولون المتهيج،وبعض حالات التهاب القولون التقرحي.

وغيرها كثير من الأمراض.. والتي لا مجال لذكرها كاملة.

أصول الشفاء:

قلت: لقد ذكرت أنك اعتمدت أساسا على القرآن الكريم.. وأنت طبيب، وتعلم أن لغة الطب ـ قديمه وحديثه ـ لا تتحدث إلا بالأرقام والمقادير.. فكيف وجدت هذا في القرآن الكريم.. فإنه ـ وإن ذكر الأطعمة والأشربة ـ إلا أنه لم يبين مقاديرها.

قال: صدقت.. ولا شك في ما قلت.. بل قد وجدت ما ذكرت في القرآن الكريم، فالله تعالى يذكر العدد بشكل دقيق جدا، ويشير إلى أهميته بشكل مفصل في كثير من آياته.. ألم تسمع قوله تعالى: { لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً }(مريم:94)، ويشير في آية أخرى إلى أهمية العدد في كل شئ، فقال تعالى: { وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً } (الجـن:28)

ولذلك اعتقدت أنني إذا قمت بدراسة إحصائية على الأطعمة والمأكولات والأشربة التي ذكرت في القرآن الكريم فإني سأحصل على شيء، وهذا ما فعلته.

قلت: أراك تفرق بين الأكل والطعام فما سر ذلك، أم أنه مجرد غرام بالمترادفات؟

قال: لا.. هناك فرق كبير بين الطعام والأكل، فالأكل هو كل ما يؤكل ويدخل الجوف مثل الخيار والجزر والمكسرات وغيرها، أما الطعام فهو ما يقتات به، أي يمكن للإنسان أن يعيش عليه، لوحده ولفترات طويلة، كما حدث مع أهل مصر في عصر يوسف u إذا عاشوا على الحنطة سبعة أعوام متواصلة، وعلى الحنطة فقط، ومثلما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان يعيش شهرين كاملين على الأسودين، التمر والماء.

قلت: فهل قمت بالدراسة الإحصائية التي ذكرتها عن الأطعمة والأكل الورادة في القرآن الكريم.. وما استنتجت منها؟

قال: لقد قمت ـ أولا ـ بإحصاء جذر كلمة طعم في القرآن الكريم، ومثلها جذر كلمة أكل في القرآن الكريم على أساس الفرق الذي ذكرناه، مع قيامي بالتمييز بين كلمة أكل بمعنى الأكل الحقيقة، بأن يضع الإنسان شيئا في فمه ويأكله، والأكل المجازي في القرآن مثل أكل مال اليتيم وأكل الربا، وأكل الغنائم.. وقد رأيت هنا المفاجأة الأولى.

قلت: بشرتني.. فما رأيت؟

قال: لقد ثبت لدي أن كل المواد المأكولة التي وردت في القرآن الكريم من تمر وحب وعنب ولحم وزيتون وأعناب وفواكه، وغيرها من كل المواد المأكولة التي وردت في القرآن الكريم قد وردت بتكرار مجموعه يعادل كلمة أكل ومشتقاتها (بمعنى الأكل الحقيقي) في القرآن الكريم.

وليس ذلك فقط فقد ثبت معي أن المواد الطعامية التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم مثل التمر والعنب واللبن والحب وغيرها، وهي نفسها التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخرج الصدقة والزكاة منها، كما ورد في الحديث: كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط)([26])، فعندما أحصيت هذه المواد الطعامية بتكراراتها التي وردت فيها في القرآن الكريم كاملا وجدت أنها مطابقة لعدد كلمة طعم ومشتقاتها التي وردت في القرآن الكريم.

ومثل ذلك عندما أحصيت الأشربة بتكراراتها التي وردت في القرآن الكريم مثل الزيت والخل واللبن والزنجبيل والكافور وغيرها، وجدت أنها مطابقة تماما لعدد كلمة شرب ومشتقاتها التي وردت في القرآن الكريم.

وليس هذا فقط.. بل إنني عندما جمعت عدد كلمات (شرب) ومشتقاتها في القرآن الكريم، مع عدد كلمة طعم ومشتقاتها في القرآن الكريم وجدت أنها تساوي جميعا مجموع كلمة أكل ومشتقاتها في القرآن الكريم.

قلت: فما استنتجت من كل هذا؟

قال: لقد استنتجت من هذا أن العدد ذو أهمية شديدة، وهو ضروري لتشكيل نظام غذائي كامل متكامل يطبق خلال فترة معينة.

قلت: فإلى أين بلغ بك هذا الاكتشاف؟

قال: لقد قمت بدراسات إحصائية في القرآن الكريم حول الأطعمة والمأكولات والأشربة، ومنه استطعت أن أستنبط هذا العلاج.

قلت: فحدثني عن هذا النظام الغذائي العلاجي.. وكيفية استعماله.

قال: هذا النظام الغذائي العلاجي يفوق كل الانظمة الغذائية المعروفة، وهو مستنبط أساسا من القران الكريم، فبعد الآيات التي يقول فيها الله تعالى: { وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ }(الرحمن:7 ـ 9) جاءت الآيات التي توضح الميزان الغذائي والذي يستعيد الانسان من خلاله الميزان الغذائي الذي فقده فقد قال تعالى: { وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} (الرحمن:10 ـ 12)

فقد احتوى هذا النظام على الفواكه، وثمار النخل، والريحان، وهو يشمل كافة الخضروات بالإضافة إلى النباتات العطرية إذ أنه يتبع في تصنيفه إلى كلتا هاتين المجموعتين.

وأضفت إلى هذه العناصر الأساسية الخل من حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:( نعم الإدام الخل).. وأضفت الحبة السوداء لذكره صلى الله عليه وآله وسلم أن فيها شفاء من كل داء.. وأضفت اللبن الذي اختاره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الإسراء والمعراج.

 ثم حسبت ـ وبطريقة علمية ـ كمية العناصر المطلوبة كحاجة يومية للإنسان بما فيها العناصر النادرة والاملاح والفيتامينات.

وقد فرقت فيه بين الأحوال المختلفة للأصحاء والمرضى.

قلت: لقد سمعتك تتحدث كثيرا عن الطاقة.. فهل لهذا النظام علاقة بالطاقة؟

قال: أجل.. هناك علاقة وثيقة.. الهدف من هذا النظام هو استعادة الطاقة.. وكمثال على ذلك اعتمادي على إعطاء القمح المبرعم([27]) لاستعادة طاقة الأجسام وحتى النفوس، فقد عالجت به بعض حالات الاكتئاب.

قلت: القمح المبرعم.. لم القمح المبرعم؟

قال: لقد تمكن العلماء من قياس هالة من الموجات الكهرومغناطيسية ذات الطاقة العالية تظهر حول حبة القمح بعد أن نبرعمها.. بالإضافة إلى أن العناصر النادرة في حبة القمح تتضاعف أضعافا عديدة بعملية البرعمة، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك، فقد قال تعالى: { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }(البقرة:261)

بالإضافة إلى هذا، فقد أثبت العلم الحديث أن كل عنصر من العناصر النادرة ينشط الملايين من الإنزيمات، والتي تعتبر بدورها قاعدة التفاعلات الحيويه في الجسم، فبدون هذه العناصر النادرة تتوقف الكثير من الانزيمات عن العمل وما يتبعها من توقف لاعداد هائلة من التفاعلات الحيويه في جسم الإنسان التي تؤثر بدورها على نشاطه وطاقته.

قلت: فما هي المقادير التي تحقق الفائدة في هذا النظام؟

قال: الجرعة القصوى لتناول القمح المبرعم هي 6 ملاعق، أما في البرنامج الذي وضعته فقد وضعتها ضعفين ونصف كما هي نسبة الزكاة في الإسلام.. فأصبحت الجرعة اليومية 15 ملعقة.

وذلك لأني اعتقد أن المريض يكون بحاجة أكثر للعناصر الغذائية النادرة والموجودة في القمح، وبسبب نقص هذه العناصر لديه، فقد أصبح مريضا وقد قال تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (التوبة:103)، فإذا أردنا تطهير أجسادنا مما تراكم فيها من خبائث، فعلينا أن ناخذ من الطعام الطيب ( القمح المبرعم) ما يطهر أجسامنا وينظفها.

قلت: فحدثني عن تفاصيل هذا النظام للمرضى والأصحاء.

قال: ستجد كل هذا في صيدلية هذه المدائن، وقد كلفت الصيدلاني بشرح كل التفاصيل لمن أراد أن يعلمها.

برنامج ازالة السموم الغذائي:

قلت: لقد أخبرني معلمي بعدم إمكانية ذهابنا إلى هذه الصيدلية، فدلني على شيء أنتفع به إذا رجعت إلى أهلي.

قال: سأدلك على كنز من كنوز الصحة.

قلت: ما هو ـ زادك الله من فضله ـ

قال: سأدلك على برنامج غذائي يطهر جسمك من كل السموم.

قلت: أي سموم!؟.. فلا أظن أني شربت سما.

قال: تلك السموم التي تمتلئ بها أغذيتكم.. هل نسيت ما قال لك جورج؟

قلت: لا.. ما نسيت.. وقد ندمت على كل ما اقترفته من أكل فيما سبق من حياتي.

قال: فاستعمل هذا البرنامج ليطهرك من جميع أوزارك.

قلت: ما هي الأغية التي يعتمد عليها؟

قال: أغذية بسيطة تمتلئ بها أسواقكم وبساتينكم، فما هي إلا كـــرفس، وجزر سبانخ، وبــقـدونس، وورق اللــفت، وورق الــشــمـندر، وورق الـسلق، والخس والهندباء، والرشاد، والفجل، والبصل، والثوم، والخيار، والقرع، الملفوف، والباذنجان، والملفوف والقرنبيط واللفت، والشمندر، والحمص الأخضر، والبازلاء.

قلت: فكيف أستعملها؟

قال: تؤخذ هذه الخضراوات نيئة أو مطبوخة قليلاً أثناء اتباع هذا البرنامج، ويجب أن تتناول يومياً مالا يقل عن خمسة عشر ملعقة من القمح المبرعم، وثلاث ملاعق طعام من خل التفاح، وملعقة طعام من السمسم، ونصف ملعقة صغيره من الحبة السوداء، ونصف ليتر أو أكثر من عصير الليمون الطازج، ونصف ليتر أو أكثر من الخضروات الطازجة، ونصف لتر أو أكثر من شوربة الخضار المطبوخة طبخاً خفيفاً، ونصف لتر أو أكثر من اللبن الرائب منزوع الدسم، وبعض النباتات العطرية مثل الزيزفون، والبابونج، وهو ممنوع للحوامل بعد تغليتها.. وتضيف إلى هذه المآكل حماما ليلياً دافئا ليغسل الفضلات المطروحة عن الجلد.

قلت: هذا كثير.. كيف أسير على هذا البرنامج طول عمري؟.. أنت تدفنني حيا بهذا الأسلوب.

قال: ومن قال بأنك تلتزمه طول عمرك؟.. هو برنامج غذائي لمدة محدودة لا تتجاوز أسبوعا، ويمكنك إعادته يوماً واحد في الأسبوع أو 3 أيام في الشهر أيام، وهي الأيام البيض.

قلت: والخضر والفواكه.. فإني شديد التعلق بها!؟

قال: لا تأكل من الخضروات أو الفواكه إلا ما تحبه، لأنك إذا أكلت ما لا تحب، فسيصبح ما أكلته مخالفاً لطاقتك وتوازنك الخاص.

قلت: لم تحدثني عن السكر والملح.

قال: بدل السكر استخدم الدبس الطبيعي، وبدل الملح استخدم الملح البحري الخام.

قلت: عرفت هذا.. فكيف أطبقه؟

قال: اجلس مع أولئك المرضى وسأطبقه عليك.

قلت: وهل أنا ملك نفسي؟.. معلمي هو الذي يوجهني حيث شاء وكيف شاء.

العناصر والمركبات

سرت قليلا أبحث عن مطعم من مطاعم الشفاء.. فلاح لي مطعم عصري بألوانه وبريقه.. فدخلت إليه.. فرأيت رجلا شديد النشاط يدور على مجموعات من المرضى الجالسين فيه، وهو في حركته بينهم لا يختلف عن النادل الذي يقدم الطعام للزبائن، فاقتربت منه، وقلت: هل أنت نادل بهذا المطعم؟

قال: بل طبيب به.. بل خبير تغذية مشهور.. كيف لا تعرفني؟

قلت: من أنت؟.. فليس لي كبير معرفة بالأطباء.

قال: أنا د. جون بريفا.

قلت: عرفتك.. أنت صاحب كتاب (الطعام الصحي)

قال: أجل.. وحسبي أنك عرفت كتابي، فمن أنت؟

قلت: أنا لست شيئا.. أنا مجرد زائر لهذه المدائن.

قال: لا أعلم أنها فتحت المجال للسواح.. كيف هذا؟.. لقد حذرتهم من فتح المجال للسواح.. سيخربون هذه المدائن الجميلة..

قلت: اطمئن أنا لست وحدي.. لقد جئت مع معلم السلام.. وأنا تلميذ من تلاميذ مدرسة السلام.

قال: مرحبا بك.. إن شئت أن تجلس، لأقدم لك شيئا من الطعام فعلت.

قلت: ما أكرمك من طبيب.. كيف تتواضع كل هذا التواضع؟.. عهدي ببني قومك يتعالون.

قال: لا تقل هذا.. ألم يقل رسول الله u:(الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)([28])

قلت: صدقت.. لا أحسبني إلا أسأت إليك.

قال: لا عليك.. قل لي: ما بك حتى أرشدك إلى ما تأكل؟

قلت: أنا لم آت هنا لآكل طعاما.. بل جئت لأسألك عن العلاج بالغذاء.. فأنا أبحث عن الغذاء الذي جعل الله فيه الشفاء من العلل.

قال: فعلى الخبير سقطت، تعال لننتح جانبا، فلن يتركني هؤلاء المرضى لحظة دون تلبية طلباتهم.

قلت: هل تؤمن أنت وقومك بجدوى العلاج بالغذاء؟

قال: هم عموما لا يؤمنون.. ولكني، وبعد معاينتي لمعجزات العلاج بالغذاء، شذذت عنهم.. ولست وحدي في ذلك، بل معي ثلة صالحة ذهبت إلى ما ذهبت إليه.

قلت: فما الذي شذ بكم عن قومكم؟

قال: الأمراض الدوائية..

قلت: الأمراض الدوائية!؟.. ما الأمراض الدوائية!؟

قال: هي الأمراض التي تسببها الأدوية.. وقد فتحنا لهذا النوع من الأمراض قسما خاص أطلقنا عليه الأمراض الدوائية، أو ما نطلق عليه بلغتنا iatrogenic وتفسيرها: التي يحدثها الطبيب.

وقد نشأ لمواجهة هذا النوع من الأمراض جماعات طبية داعية إلى العودة إلى الطب الطبيعي على نمط الطب الأبقراطي.

قلت: فهل ستعودون إلى أبقراط وأساليب أبقراط في البحث عن خصائص الأدوية؟

قال: لا.. نحن نمزج بين الأصالة والمعاصرة، فلذلك ندعوا إلى إعادة الفحص عن الخواص العلاجية للمواد التي تعد غذائية بالأساليب المخبرية والتجارب الدقيقة بدلا من الاعتماد على المذاق والرائحة والحدس والقياس.

قلت: هذا شيء جميل.. فكيف تتعاملون مع الأخلاط؟

قال: بدل تحاليل الأخلاط نعمد إلى تحاليل الخلايا، كما هو منهج الطب الحديث.

قلت: فأنتم تجمعون إذن بين خصائص الطب الحديث والقديم.

قال: أجل.. ولهذا قدمت معي بهذا الفأر..

أخرج من جيبه فأرا أبيض، وقال: انظر إليه.. ما أجمله.. إنه الجمال عينه!؟

قلت: فما حاجتك إليه.. ألست في مطاعم الشفاء، والأغذية لا تحتاج لتجارب على الحيوانات!؟

قال: أحتاج إليه كثيرا.

قلت: فيم؟

قال: قد ألقحه بمرض من الأمراض، ثم أطعمه ما أشاء من الأغذية لأرى مدى عملها فيه.

قلت: ولكنه فأر.. وليس إنسانا.. فقد يتضرر بما لا يتضرر به الإنسان.. أو ينتفع بما لا ينتفع به.

قال: صدقت.. ولكني مع ذلك لا أرى نفسي خبيرا إلا إذا حملته معي.

قلت: فهل أذن لك أهل هذه المدائن في هذا؟

قال: لم أر في حياتي أطيب من أهل هذه المدائن.. فالقاعدة عندهم هي البحث عن الشفاء بغض النظر عن أساليب البحث عنه.

قلت: فحدثني عن دور الغذاء في الشفاء.

قال: ألم تقرأ كتابي؟

قلت: بلى.. قرأته.. ولكني أريد أن أسمع منك.

قال: لقد ذكرت فيه أن هناك عوامل عديدة تؤثر في صحتنا.. ومن أهمها العوامل الوراثية، والبيئة، ونوع الرعاية الصحية التي نلقاها، ونمط عيشنا.

قلت: فما محل الغذاء من هذه المنظومة؟

قال: تدل الإحصائيات على أن مظاهر نمط العيش مسؤولة بنسبة 50 بالمئة عن العوامل المؤثرة في صحتنا.. وذلك يدل على أن المرض قلما ينجم عن الوراثة.. بل هو في الغالب ناتج عن اختيارنا لنمط حياتنا.. والغذاء هو الذي يشكل الدور الأساسي في هذه الأنماط الحياتية.

قلت: ما هو المنطلق الذي انطلقت منه في تأكيد دور الغذاء في الصحة؟

قال: من البديهيات الصحية أن الجسم البشري يقوم على الدوام بتجديد نفسه، ففي كل لحظة من كل يوم تبلى المكونات الأساسية للجسم ليتم استبدالها بأنسجة ومكونات كيميائية حيوية جديدة.. وهكذا يتجدد نحو من 98 بالمئة من كامل الجسم كل سنة.

وهذا التجديد لا يكون إلا بالغذاء.. فلذلك كان الغذاء هو الركن الأساسي من أركان الصحة.

قلت: فهل يقتصر دور الغذاء الصحي على الوقاية، أم أن له تأثيرا علاجيا؟

قال: بل له تأثير في كلا الجانبين.. فهو يقي من التعرض للأمراض في المستقبل، بالإضافة إلى الحد من آثار المرض في حال وقوعه.

قلت: فحدثني من تفاصيل ذلك ما أنتفع به، وينتفع به قومي.

قال: اعذرني، فقد أجريت تجربة على هذا الفأر.. وإني أرى أنها بدأت تؤثر فيه.

قلت: فإلى أين أذهب لأتعلم من أصول الغذاء ما يدلني على أصول الشفاء؟

قال: اذهب إلى أولئك النفر الذين كنت أغذيهم، فقد علمتهم من العلم ما يغنيك عني.

غذاء الطاقة

ذهبت إلى المجموعة الأولى، فسألتهم عن عللهم، والعلاج الذي يقدم لهم، فقال أحدهم، والطعام في فمه: نحن مرضى الطاقة..

قلت: أأصابتكم إشعاعات الطاقة النووية؟

قال: لا.. لقد فقدنا الطاقة التي تمدنا بالحركة والنشاط، فأصبنا بتوترات كثيرة، فجئنا إلى هذا المطعم لنستعيد طاقتنا، ونملأ خزاننا بالوقود.

قلت: فما التوترات التي ألجأتكم إلى هنا؟

قال: كل واحد منا أصابه توتر مختلف عن توتر زميله.. وكلها ترجع إلى انخفاض مستوى السكر في الدم.. فأنا ـ مثلا ـ أشعر بتعب شديد عند الاستيقاظ وعند العصر.. وقد فسر لي ذلك بأن الطاقة التي أخزنها قد تكون منخفضة جداً في الصباح رغم حصولي على نوم ملائم.. وسر ذلك هو أن مستوى السكر في الدم يميل إلى الهبوط أثناء الليل، وقد ينخفض عصراً، لأن الجسم يستطيع غالباً التعويض عن ازدياد السكر في الدم بعد الغداء، مما يؤدي إلى مستوى منخفض من السكر بعد بضعة ساعات.

قال آخر: أما أنا فأشعر بتعب وألم خفيف في الرأس أو اهتياج في حال تفويت وجبة أو تأجيلها.. وقد فسر لي ذلك بأن الاخفاق في تزويد الجسم بالوقود الملائم على أساس دوري يميل إلى خفض مستوى السكر في الدم.. وسر ذلك هو أن التعب والألم الخفيف في الرأس والاهتياج عوارض دالة على تضور الدماغ والجسم إلى مصدر الوقود الأساسي.

قال آخر: أما أنا فأشعر بمشاكل دورية في التركيز.. وقد فسر لي ذلك بأن الدماغ يستخدم نسبة كبيرة من السكر في الدورة الدموية.. فلذلك يؤثر فقدها في حصول مشاكل في عمله.

قال آخر: أما أنا فأشعر بمشاكل دورية في المزاج السيء، بل بالاحباط، وحدة الطبع.. وقد فسر ذلك لي بأن انخفاض مورد السكر في الدماغ سبب تغييرات في المزاج أدت إلى هذا.

قال آخر: أما أنا فأتوق إلى الطعام بشكل عجيب، خصوصاً الحلوى والأطعمة النشوية.. وقد فسر لي ذلك بأنه حين ينخفض السكر في الدم، فإنه من الطبيعي أن يطلب الجسم الأطعمة التي تطلق السكر بسرعة في الدورة الدموية.

قلت: فما علاقة الطعام بكل هذه الحالات التي ذكرتموها؟

قال أحدهم: الطعام هو الوقود الأولي الذي تستخدمه أجسامنا لتوليد الطاقة.. فمثلما تحتاج النار إلى الفحم للبقاء مشتعلة، كذلك نحتاج نحن إلى الطعام لابقاء جسمنا يعمل على ما يرام.

قلت: فهل أنتم سيارات تحتاج إلى الوقود؟

قال: أنسيت تشبيه معلمك جسد الإنسان بالسيارة.

قلت: أجل.. نسيت ذلك.. لكني أعلم كيف يتحول الوقود في السيارة إلى حركة، ولا أعلم كيف يتحول الطعام إلى طاقة.

قال أحدهم: فاسمع لما نقول، فقد أخبرنا معلم الطعام أنه بعد مضغ الطعام يدخل إلى الجهاز الهضمي، فيتفكك تدريجياً نتيجة المضغ وتأثير الحمض في المعدة والإنزيمات الهاضمة الموجودة في الأمعاء الدقيقة بحيث يمكن امتصاص المواد المغذية عبر جدار القناة الهضمية إلى الدورة الدموية.

قلت: فإذا وصلت هذه العصارة المهضومة إلى الدم.

قال: تنتقل مبدئياً إلى الكبد، حيث يتم تفكيك المزيد من جزيئات الطعام هنا أيضاً، فيما تتحول جزيئات أخرى إلى أشكال يمكن استخدامها لتخزين الوقود حول الجسم.

قلت: وبعد أن تنتهي معالجة الطعام في الكبد؟

قال: يذوب في الدورة الدموية لينتقل إلى حيث تدعو الحاجة اليه في الجسم.

قلت: كيف يحدث ذلك؟

قال: بالأيض.. ألا تسمع بالأيض؟

قلت: بلى.. ولكني لا أعلم حقيقته.

قال: الأيض هو العملية التي يحترق وفقها الطعام مع الأوكسيجين لتوليد الطاقة، وهي تحدث عموماً ضمن الخلايا، فالجسم يتألف من عدة مليارات من الخلايا، لكل منها قدرة على امتصاص جزيئات الطعام، وتعريضها لتفاعلات كيميائية تولّد الطاقة.. ولكي تعمل بفاعلية، تحتاج هذه التفاعلات إلى مجموعات مختلفة من المواد المغذية.

قلت: فلنفرض أن بعض هذه المعالجات لم تتم بطريقة صحيحة.. كما يحصل بالنسبة لمحرك السيارة حين لا يستطيع الانتفاع بالوقود.

قال: إذا أخفقت أي عملية من هذه العمليات الأساسية قد يتعطل توليد الطاقة في الجسم.. لأن إبقاء الأنظمة المولّدة للطاقة قيد العمل الصحيح مرتبط بصحة الوظائف الهضمية والدموية والكيميائية والحيوية ضمن الجسم.

قلت: عرفت هذا.. فما المكونات الأساسية التي تمدكم بالطاقة؟

قال: ثلاثة: السكريات والدهون والبروتينات..ونسب هذه المكونات الأساسية هي التي تجعل الطعام مصدراً جيداً أو رديئاً للطاقة بالنسبة إلى الجسم.

قلت: عرفت هذا في حصون العافية.. ولكني أريد التعرف على الأطعمة التي تتناولونها هنا.. والتي تساهم في علاجكم.

قال: هناك أربع فئات أساسية من الأطعمة المهمة للحافظ على إطلاق الطاقة.. وهي تحتوي على نوعية وقود جيدة، بسبب احتوائها على مواد مغذية تؤدي دوراً أساسياً في العمليات الداعمة لانتاج الطاقة ونشاط الجسم.

قلت: فما الأول منها؟

قال: الفاكهة الطازجة، فهي من أفضل مصادر السكريات، بالإضافة إلى غناها بالبوتاسيوم المعدني المهم لعمل الأعصاب والعضلات، وغناها بالمياه التي تؤدي دوراً أساسياً في كل عمليات الجسم تقريباً.

بالإضافة ذلك، فهي سهلة الهضم، ولا تستنفد لذلك أي طاقة من الجسم.. وهي تطلق السكر عموماً ببطء في الدورة الدموية، مما يساعد في الحفاظ على استقرار السكر في الدم.

قلت: هذا طعام طيب.. ويكفيه شرفا أن ذكر في القرآن الكريم في أحد عشر موضعا كلها في الجنة ما عدا قوله تعالى: { وَفَاكِهَةً وَأَبّاً }(عبس:31)، وقوله: { فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ } (الرحمن:11)

قال: صدق الله عظيما، والحمد لله رب العالمين، فقد أذاقنا من فضله في الدنيا، ونسأله مزيد فضله في الآخرة.

قلت: فما الطعام الثاني؟

قال: الخضار الطازجة، لا سيما الخضار الشعرية مثل البطاطا والجزر واللفت، فهي مصدر جيد للسكريات التي تتحول فوراً إلى طاقة في الجسم.

وهناك خضار أخرى ـ مثل الخضار الخضراء ـ وهي غنية بالكلسيوم والمغنزيوم وتؤدي دوراً مهماً في وظائف الأعصاب والعضلات.. وهي غنية بالبوتاسيوم المعدني الذي يؤدي دوراً أساسياً في وظائف الأعصاب والعضلات، وغنية بالمياه الضرورية لكل عمليات الجسم.

بالإضافة إلى أنها سهلة الهضم، وتطلق السكر ببطء في الدورة الدموية، مما يساعد في الحفاظ على استقرار السكر في الدم.

زيادة على أن بعض الخضار (خصوصاً الخضار الخضراء) غنية بالحديد وحمض الفوليك الضروريين لتكوين الخلايا الحمراء في الدم.

قلت: فما المصدر الثالث؟

قال: النشويات الكاملة والحبوب، فهي تطلق السكر عموماً ببطء في الدورة الدموية، مما يساعد في الحفاظ على استقرار السكر في الدم.. وهي غنية بالفيتامينات ب التي تؤدي دوراً في التفاعلات التي تحوّل الطعام إلى طاقة.. وهي غنية بالكروم الضروري لأيض السكر واستقرار السكر في الدم.. وهي غنية بالحديد وحمض الفوليك الأساسيين للتكوين الخلايا الحمراء في الدم.

قلت: فما المصدر الرابع؟

قال: اللوبياء والحبوب، فهي تحتوي على نسبة عالية من السكريات، وهي كسابقاتها تطلق السكر عموماً ببطء في الدورة الدموية، مما يساعد في الحفاظ على استقرار السكر في الدم، كما أنها غنية بالفيتامينات ب اللازمة لتحويل الطعام إلى طاقة في الجسم.

قلت: عرفت أصدقاء الطاقة، فهل لها من أعداء.. ومن هم؟

قال: هناك أطعمة مشهورة بقدرتها على امتصاص الطاقة من الجسم، وأبرزها القهوة والشاي والشوكولاته والمرطبات والسكر.

قلت: عرفت خطر هذ النوع من الغذاء من قبل.

قال: عرفت فالزم.. واعلم بأن الشوكولاته تحتوي على مواد شبيهة بالكافيين، ولها أثر مماثل في الجسم.

قلت: ولكن مادة الكافيين تحسن مستويات الطاقة في الجسم.. خاصة طاقة التركيز.

قال: هذا التحسن يفضي لاحقاً إلى فترة من الوهن المتزايد.. حيث يجد شاربو القهوة والشاي والمرطبات أنهم باتوا يعتمدون على مستوى معين من استهلاك الكافيين للحفاظ على مستويات طاقتهم.. وقد يؤدي الافراط في استهلاك الكافيين إلى مشاكل في خفقان القلب وقلق وأرق.

قلت: والأطعمة والمشروبات السكرية؟

قال: إن استهلاك الأطعمة والمشروبات الغنية بالسكر، مثل المربى والبسكويت والحلوى والمرطبات يؤثر سلباً في مستويات الطاقة.

فهذه الأطعمة ترفع بسرعة مستوى السكر في الدم مما يدفع الجسم إلى الافراط في التعويض عن ذلك، فتنجم لاحقاً مشاكل في انخفاض مستوى السكر في الدم وانخفاض مستوى الطاقة العقلية والجسدية، وعلى المدى الطويل، قد يتلف السكر المواد المغذية التي تؤدي دوراً أساسياً في توليد الطاقة في الجسم.

غذاء العظام:

ذهبت إلى مجموعة أخرى، فسألتهم عن عللهم، والعلاج الذي يقدم لهم، فقال أحدهم، والطعام في فمه: نحن مرضى عظام..

قلت: ما بها عظامكم.. وما علاقتها بالأغذية؟

قال: ألا تعلم أن العظام والمفاصل الصحية شرط من شروط الحياة النشطة والصحية.

قلت: أعلم هذا.. ولكني أتساءل عن سر علاقة العظام وأمراضها بالغذاء.

قال: أليست العظام كسائر الجسم تتكون من الغذاء؟.. فالغذاء هو المادة الأولية التي تتألف منها العظام، فلذلك يسهم في نمو العظام خلال الطفولة والحفاظ على قوة العظام والمفاصل في سن النضج.

قلت: فلم أصبتم بما أصبتم به من أدواء؟

قال: لذلك أسباب كثيرة منها مثلا أنا أفرطنا في أكل بعض أعداء العظام، كالسكر والمشروبات الغازية فقد قضى على المحتوى المعدني للعظام، وزاد من خطر ضعف العظام وترققها لاحقاً.

قلت: عرفت أعداء العظام، فمن أصدقاؤها؟

قال: المواد الغذائية المحتوية على الكلسيوم والمغنزيوم فهي المواد الأكثر أهمية في تكوين العظام.. ومن أمثلة ذلك الحليب والأجبان، فهما مصدران جيدان للكلسيوم.. وهناك العديد من الأطعمة الغنية بالكلسيوم والمغنزيوم، كالخضار الخضراء، والسردين، وثمار البحر، وبذور السمسم.

قال آخر: أنا مصاب بداء المفاصل، وهو نوع من التهاب المفاصل الناجم عن تراكم الحمض البولي في الجسم.

قلت: كيف ذلك؟

قال: يمكن أن تتجمع بلورات الحمض البولي في مفصل، ويكون ذلك عادة في الأصبع الكبير، ويؤدي ذلك إلى ألم حاد والتهاب.

قلت: فما علاقتك بهؤلاء.. وما علاقة دائك بالغذاء؟

قال: مرضي يصنف في أمراض العظام.. أما علاقة مرضي بالغذاء، فهي علاقة وطيدة، فالفاكهة والخضار الطازجة تساعد على مواجهة تأثير الحمض البولي في الجسم.

قلت: هؤلاء أصدقاء المفاصل، فمن أعداؤها؟

قال: كل الأطعمة المحتوية على تركيز عالي من البيورين كاللحم وثمار البحر والبازيلا والفاصولياء واللحوم العضوية مثل الكبد والكلى.

قال ثالث: أما أنا فمصاب بداء ترقق العظام..

قلت: ما ترقق العظام؟

قال: هو ضعف العظام ضعفا يجعلها سهلة الكسر، خصوصاً في العمود الفقري والوركين.. ويصاب المرء به حين يتفكك نسيج العظم بسرعة أكبر من تكونه.. وهو يشيع لدى النساء أكثر من الرجال، وهو مرتبط عندهن غالباً بانخفاض مستوى الأستروجين، وهو أحد الهرمونات الجنسية الأنثوية بعد انقطاع دورة الطمث.

قلت: فكيف يحال بين العظام والترقق؟

قال: هذا ممكن.. ولكنه عمل يبدأ من الشباب، فكلما كانت عظامك أقوى في مرحلة الشباب، ازداد احتمال الاحتفاظ بهذه القوة لاحقاً.

قلت: فما هي الأطعمة الحائلة بين العظام والترقق؟

قال: هناك بعض الأطعمة القادرة فعلاً على زيادة تقهقر العظام، فيما تقوم أطعمة أخرى بتزويد الجسم بالمواد المغذية الأساسية لتكوين عظام صحية.. أما الأعداء، فيشكل السكر والمبالغة في أكل اللحوم الحمراء والمشروبات الغازية والتدخين أهمها، فهي تسارع في معدل فقدان الكلسيوم من العظام.

أما الأصدقاء، فهي من عرفت من المواد المغذية المقوية للعظام، أي الكلسيوم والمغنزيوم، وهي تشمل الخضار الخضراء والسردين وثمار البحر وبذور السمسم.

بالإضافة إلى هذا كله هناك التمارين الرياضية، فقد أشارت الدراسات أن التمارين الناعمة تخفف من تقهقر العظام، لا بل إنها تزيد من كثافة العظام، ومثل ذلك المشي اليومي من 20 إلى 30 دقيقة، فإنه يساعد في تقوية العظام.

غذاء الشباب:

ذهبت إلى مجموعة أخرى، وقد كانوا شبابا يافعين، فسألتهم عن عللهم، والعلاج الذي يقدم لهم، فقال أحدهم، والطعام في فمه: نحن لسنا مرضى ـ بحمد الله ـ ولكنا جئنا إلى هنا لنتزود بما يحفظ لنا شبابنا.

قلت: وهل الشباب يحفظ، ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له الشفاء إلا الهرم، فعليكم بألبان البقر فإنها ترم من كل الشجر)([29])

قال: نحن لا نسعى لأن نحذف سن الشيخوخة من أعمارنا.. فذلك ليس لنا، فقد قال تعالى: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }(النحل:70).. ولكنا نسعى للتخفيف على شيخوختنا حتى لا تبكر، وحتى لا تؤذينا.

قلت: صدقتم.. فهل عرفتم من أسباب الشيخوخة ما دلكم على سبل تفاديها؟

قال: هناك دراسات مهمة وكثيرة في هذا المجال.. وتركز الأبحاث الأخيرة ـ خصوصاً ـ على دور الجزيئات المدمرة المعروفة بالجذور الحرة، وهي تتولد غير المستقرة في الجسم أثناء العمليات التي تولّد الطاقة، وهناك دليل على وجودها في خضم عملية الشيخوخة.

قلت: فما تأثير هذه الجذور في الشيخوخة؟

قال: على مر السنين، يمكن أن تسبب الجذور الحرة حدوث خلل في الجسم، مما يؤدي إلى ازدياد القابلية لمختلف الاضطرابات والظواهر الخارجية للشيخوخة.

قال آخر: من آثار الجذور الحرة تلف جدران الخلايا، مما يعرض الجسم إلى مرض القلب والسكتة الدماغية.. ومنها تلف الآلية الداخلية للخلايا مما يؤدي إلى تلف جيني واستعداد محتمل للسرطان.. ومنها انخفاض وظيفة المناعة مما يؤدي إلى استعداد أكبر للالتهاب، وتزايد مخاطر السرطان والالتهابات مثل التهاب المفاصل الرثياني.. ومنها تلف البروتينات في الجلد مما يؤدي إلى فقدان قدرة الجلد على المط وازدياد تجاعيده.

قلت: فما الذي ينقذنا من هذه الجذور الخطيرة؟

قال: لقد زود الله ـ بفضله وكرمه ـ الجسم بطرق عديدة للتعاطي مع الجذور الحرة.. فالجزيئات التي تعرف بالمواد المقاومة للتأكسد يمكن أن تتصدى للجذور الحرة في الجسم.

وهكذا تتحدد الشيخوخة لدرجة معينة بالتوازن النسبي بين الجذور الحرة والمواد المقاومة للتأكسد، فكلما ازدادت نسبة المواد المقاومة للتأكسد على الجذور الحرة بطأت عملية الشيخوخة.

قلت: فأين نجد كنوز هذه المواد الثمينة؟

قال: من أبرز المواد المغذية المقاومة للتأكسد: الفيتامين أ والمواد الكاروتينية مثل البيتا ـ كاروتين هي مواد محتملة مقاومة للتأكسد، وهي تؤدي دوراً أساسياً في حماية الرئتين والجلد، ومن مصادرها زيوت كبد السمك، والكبد، والبرتقال الأخضر والفاكهة والخضار الصفراء مثل الجزر والشمام والفلفل الأحمر والأصفر والأخضر والمانغا والمشمش.. وغيرها.

ومنها الفيتامين ج هو مادة قوية مقاومة للتأكسد وتعزز المناعة، ومن مصادرها البرتقال والكريب فروت والليمون والزبيب والفلفل الأحمر والأصفر والأخضر.. وغيرها.

ومنها الفيتامين هـ وهو مادة مقاومة للتأكسد ومعززة للمناعة.. وهي تؤدي دوراً أساسياً في الحيلولة دون مرض القلب، ومن مصادرها الزيوت النباتية، والمكسرات واللوز والبذور والحنطة.

ومنها السيلينيوم، وهو مادة قوية ومقاومة للتأكسد تساعد في التخفيف من خطر الاصابة بالسرطان، ومن مصادره اللحم واللحوم العضوية، والسمك والمحار والزبدة والفاكهة الحمضية والأفوكادو والاجاص والحبوب الكاملة.

غذاء القلب:

ذهبت إلى مجموعة أخرى، فسألتهم عن عللهم، والعلاج الذي يقدم لهم، فقال أحدهم، والطعام في فمه: نحن مرضى القلب.

قلت: وهل هناك من لم يمرض قلبه؟.. ولكن كيف تعالج الأمراض القلبية، وهي معنوية بالغذاء.. لا أحسب أن الغذاء يجتث جذور الحسد، ولا أحسبه قادرا على طأطأة رأس الكبر.

قال: لا.. نحن ـ بحمد الله ـ قد رزقنا السلامة من هذه الناحية، وإلا لما كنا هنا، ولكنا نقصد أمراضا ترتبط بذلك العضو الصنويري الذي يجثم على يسار صدورنا.

قلت: القلب الحسي.. ما الذي أصابه؟.. فلا أعلم إلا أنه أكبر مضخة لأعقد شبكة.. وهو من الدقة في الصنع ما يجعله أطول المضخات عمرا.

قال: هذا صحيح.. هو من نعم الله العظمى على عباده.. ولكن تقصيرنا في حفظه والتعامل معه جرنا إلى متاعب كثيرة.. ولم يجرنا وحدنا.. ألا تعلم أن أمراض القلب من الأسباب الرئيسية للوفاة في العالم المتقدم؟.. وقد كان يظن بأن مرض القلب ذكوري أساساً، ولكنه الآن هو القاتل الأول للنساء كما هو للرجال.. وقد قالت منظمة الصحة العالمية أن 25 بالمئة من الوفيات التي تحدث سنوياً في المجتمع الغربي، والتي تطال 11 مليون شخص، تعزى أساساً إلى مرض القلب.

قلت: فما سر كل هذه الأعداد الهائلة من المرضى؟

قال: أكثر هذه الحالات تعود إلى أنماط المعيشة التي يختارونها، والتي يشكل الغذاء جزءا رئيسيا فيها.. بل قد وردت الأدلة الكثيرة تؤكد إمكانية الحيلولة دون مشاكل القلب.. ومن أهمها إجراء تعديلات في عادات الأكل لتتناسب مع صحته.

قلت: هذا خبر سار.. ففسر لي بعض ذلك ليطمئن قلبي.

قال: لتعرف ذلك لا بد أن تعرف ما هية القلب.. فهو مضخة عضلية، بحجم القبضة تقريباً، وهو موجود في وسط الصدر بين الرئتين، وتقضي مهمته بضخ الدم حول الجسم بحيث يمكن نقل المواد الأساسية مثل الأوكسيجين والمواد المغذية إلى كل جزء منه.. وينتقل الدم إلى الأعضاء عبر أوعية اسمها الشرايين ويعود إلى القلب في أوعية اسمها الأوردة.

قلت: أعرف كل هذا.. وأعرف أن هذه الأوعية الناقلة هي أعقد شبكات العالم.. ولكني أسأل عن علاقة أمراض القب بالغذاء.

قال: سيأتيك الخبر، فلا تستعجل.. فالأمور تعرف من أبوابها.

قلت: فادخل من أي الأبواب شئت.

قال: بما أن كل عضو ونسيج في الجسم يحتاج إلى مورد دم، فإن القلب ليس استثناءاً من هذه القاعدة.. ولذلك يتم تزويد عضلة القلب بالدم المحتوي على الأوكسيجين بواسطة ثلاثة شرايين تاجية، وفي حال انسداد أي من هذه الأوعية، تبقى الجلطة الدموية كل ما هو لازم لاكمال انسداد الشريان.. وما النوبة القلبية إلا نتيجة مثل هذا الانسداد في شريان تاجي، مما يسبب موت عضلة القلب.. وكلما ازدادت مساحة التلف، ازداد خطر الموت.

قلت: فهمت كل هذا، وبورك فيك.. لكني إلى الآن لم أسمع حديثا عن فاكهة أو خضر أو دهون أو سكريات.

قال: بعد أن عرفت هذا سنحدثك عن أسباب أمراض القلب الغذائية، وهي ترتبط أساسا بما ذكرنا.

قلت: فما هي هذه الأغذية التي تعادي القلب؟

قال: أهمها وأخطرها ثلاثة: الدهون، والسكريات، والملح.

قلت: فحدثوني عن الدهون.

قام أحدهم، وقال: أنا سأخبرك عنها، فعلتي بسببها.. ألا تعلم أن الدهن ينتقل حول الجسم في شكل كوليسترول، وارتفاع الكوليسترول في الدم هو السبب الرئيسي وراء نشوء مرض القلب.

قلت: وهل لذلك من علامة؟

قال: لا أحد مهما كان عمره أو جنسه أو عرقه يستطيع أن يعرف ارتفاع مستوى الكوليسترول في دمه إذ لا إشارات منذرة بذلك.. ولهذا يستدعي الأمر قياس مستوى الكوليسترول في الدم، فبدونه لا تعرف نزوله ولا ارتفاعه.

قلت: فهل للغذاء تأثير في تخفيض الكوليسترول؟

قال: أجل.. بل له دور أساسي في تخفيض مستواه، وقد يخفف ذلك خطر الإصابة بمرض القلب على المدى الطويل.

قلت: فحدثني عن هذا الكوليسترول من أين يأتي؟ وكيف يعمل؟

قال: يمكن أن يتولد الكوليسترول الموجود في الجسم داخل الكبد، أو يمكن أن ينبع من الغذاء في شكل دهن.. فعند تناول الدهن، يتفكك في الأمعاء، وينتقل من ثم إلى الدورة الدموية.. وبما أن الدهن لا يذوب في الجسم فإنه يحتاج إلى (التوضيب) قبل نقله حول الجسم، ولذلك يتم تغليف جزيئات الدهن بالبروتين للحصول على رزم بالغة الصغر اسمها البروتينات الدهنية.

قلت: فما وظيفة هذا النوع من البروتينات؟

قال: هناك نوعان أساسيان من البروتينات الدهنية: البروتينات الدهنية العالية الكثافة (HDL) والبروتينات الدهنية المنخفضة الكثافة (LDL).

أما الأول، فيساعد في تخلص الجسم من الدهن من خلال إنتاج الصفراء في الجهاز الهضمي. ويبدو أن له أثرا مضاد للثاني، ولذلك يقال عنه إنه (الكوليسترول الجيد)

اما الثاني، فينتقل حول الجسم ويترسب في أماكن مختلفة، منها الشرايين التاجية والدماغية.. وهو يؤدي دوراً أساسياً في نشوء انسداد الشرايين ولذلك يقال عنه أحياناً إنه (الكوليسترول السيء).

قلت: فما هي الآثار السيئة التي يحدثها هذا الكوليسترول السيء؟

قال: عند ارتفاع مستويات الكوليسترول السيء في الدم، تميل الرواسب الدهنية إلى التراكم في الشرايين، ويطلق على هذه الترسبات الدهنية اسم (تصلبات الشرايين)، وهي تميل إلى التكون عند تفرّع الشريان، ويشجعها على ذلك اضطراب تدفق الدم.

غير أن التصلبات الحادة في الشرايين التاجية، والتي تزوّد عضلة القلب، يمكن أن تحدّ من تدفق الدم مما يؤدي إلى ألم صدري يعرف بالخناق الصدري، كما أن وجود التصلبات يشجع على تكون الجلطات الدموية.

قلت: فهل كل الدهون له هذا التأثير الخطير؟

قال: لا.. ولهذا تقسم الدهون إلى ثلاث فئات أساسية: الدهون المشبعة، والدهون الأحادية غير المشبعة، والدهون المتعددة غير المشبعة.

قلت: فما هي الدهون التي ترتبط بها أمراض القلب؟

قال: مرض القلب مرتبط أساسا بالأطعمة الغنية بالدهون المشبعة.

قلت: فأين نجدها؟

قال: في منتجات الحيوانات، مثل اللحم والبيض والأجبان والقشدة والحليب الكامل والزبدة، كما أن أطعمة مثل الشوكولاته والحلوى والبسكويت غنية أيضاً بالدهون المشبعة.

قلت: والدهون الأحادية غير المشبعة والدهون المتعددة غير المشبعة هل لها علاقة ما بأمراض القلب؟

قال: لا.. بل يرى العديد من العلماء أن الدهون الأولى قادرة على حماية الجسم من هذه الحالة.

قلت: فما هي مصادر هذه الدهون الصديقة؟

قال: هي ما نتناوله الآن؟

قلت: وما تتناولون؟

قال: أغذية تشمل دهونا أحادية غير مشبعة.. وأهمها الزيت المبارك.

قلت: زيت الزيتون.. الذي قال الله تعالى فيه: { يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ } (النور:35)

قال: أجل.. ولهذا يعتقد أن الاستهلاك الكبير لزيت الزيتون في منطقة البحر الأبيض المتوسط هو أحد أسباب انخفاض معدلات مرض القلب في تلك البلدان.

قلت: والدهون المتعددة غير المشبعة؟

قال: نجدها في السمك، وهي المكوّن الأساسي للزيوت النباتية مثل زيت دوار الشمس وزيت السمسم وزيت بذور العنب.

رأيت أحدهم يأكل نخالة شوفان، فسألته: ما هذا؟ أتحولت إلى شاة؟

قال: لا.. فقد ثبت أن لنخالة الشوفان دورا في التخفيف من كوليسترول الدم.. فقد رأى بعض العلماء منذ عام 1960 أن نخالة الشوفان لها أثر في تخفيض كوليسترول الدم، وقد أشارت الدراسات العلمية إلى أن نخالة الشوفان بالغة الأهمية في تخفيض مستويات الكولستيرول في الدم، وأظهرت النتائج أن 5 غرامات من نخالة الشوفان كل يوم قادرة على خفض مستوى الكوليسترول لغاية 5 بالمئة.

وهذه النسبة أكبر من كل ما يستطيع الغذاء المنخفض الكوليسترول إنجازه لوحده.

قلت: ما شاء الله.. ما أكثر نعم الله على الفقراء البسطاء.. فلن يكلفهم الشوفان شيئا.. بل إنه سيجعل الأغنياء في درجة واحدة مع الفقراء.

قال: يأبى الله أن يرفع شيئا إلا وضعه، فقد رأيت بعض الأغنياء يضحك على كسرة الفقراء.. ولم ألبث حتى رأيته يأكل أكل الغنم والماعز.

رأيت آخر يلتهم تفاحة بشغف، فقلت: رويدك يا رجل.. ماذا تفعل؟

قال: آكل دوائي.

قلت: أي دواء.. لا أراك تأكل إلا تفاحا.

قال: فهو دوائي الذي أنزله الله لشفائي.

قلت: فمم تعاني؟

قال: من الكوليسترول..

قلت: فلم لم تأكل الشوفان؟

قال: ذلك قد جعلته للإفطار.

قلت: فهل للتفاح فائدة في العلاج من الكوليسترول؟

قال: أجل.. لقد وجد في دراسة أجريت من قبل الايطاليين والايرلنديين والفرنسيين أن أكل تفاتحتين أو ثلاث تفاحات يومياً يخفض كولسترول الدم.

قلت: ما سر ذلك؟

قال: لأن القشرة الخارجية للتفاح غنية بمادة البكتين التي تزيل ترسبات الكولسترول.

قلت: أهذا علم علمته، أم استنتاج استنتجته؟

قال: بل علم علمته.. فقد أشارت عدد من الدراسات الغربية مؤخرا إلى فوائد التفاح الصحية إلا أن اليابانيين لم يتقبلوا تلك النتائج.. ولكن الباحثين في المعهد القومي لعلوم الفاكهة في اليابان أكدوا في دراسة حديثة أجريت على 14 متطوعا أن تناول 400 جرام، وهي حوالي تفاحتين يوميا يسهم في تخفيض معدل الكولسترول في الدم.

فقد تناول المتطوعون تفاحتين يوميا ولمدة ثلاثة أسابيع، وأظهرت النتائج انخفاضا في الكولسترول بنسبة وصلت إلى 21 بالمائة.

وقال البروفيسور ركبيتشي تاناكا رئيس فريق البحث: إن التفاح يزيد نسبة فيتامين C في الدم بصورة ملحوظة.

وكان اليابانيون يعتقدون لفترة طويلة أن تناول التفاح غير صحي، وأن الفواكه الحلوة بشكل عام تؤدي لارتفاع نسبة الدهون.

والحقيقة أن هذه الدراسة لا زالت في مهدها إلا أنه مع ذلك.. فإنه لا شك في أن التفاح من أفضل الفاكهة، وخصوصا تفاحة على الريق.

قلت: فهل سننتقل إلى أثر السكر في القلب؟

قال: سيحدثك عنه إخواننا من مرضى القلوب.. وقبل أن تذهب إليهم اسمع هذه النصائح التي تكتب بماء الذهب.

أما الأولى فامتنع عن تناول كل الدهون الظاهرة.. واللحم الأحمر غني بالدهن أكثر من الدجاج، مع استثناء واحد هو لحم الغزال المهبر نسبياً مقارنة مع بقية اللحوم الحمراء المستخرجة من الغنم والعجل.

ويمكنك أن تتناول الدجاج بدل اللحم الأحمر عند الإمكان، فدهن الدجاج يتجمع في الجلد عادة، ولذلك احرص دوماً على نزع هذا الجلد.

ويمكنك أن تتناول المزيد من السمك، فالأسماك الزيتية مثل الرنكة والاسمقري والتونة والترويت غنية بالدهون غير المشبعة التي تحمي من مرض القلب.

قلت: هذه النصيحة خاصة باللحوم، فما الثانية؟

قال: استهلك باعتدال البيض ومشتقات الحليب مثل الجبنة والحليب الكامل الدسم والقشدة والزبدة، واختر الأنواع القليلة الدسم عند الامكان، مثل الحليب نصف المقشود أو الحليب المقشود، وجبنة المراعي القليلة الدسم والألبان القليلة الدسم.

قلت: والثالثة؟

قال: تجنب الأطعمة المقلية عند الامكان، ويفضل اعتماد الشي أو الطهي بالبخار أو الغلي، لأنها طرق أكثر صحية لتحضير الطعام.

وعند استخدام الزيت في الطهو، تأكد من أنه زيت نباتي، واعلم أن الزيوت المعصورة على البارد هي الأكثر صحة على الاطلاق.

قلت: فحدثوني عن تأثير السكر على القلب.

قام أحدهم، وقال: أنا عليل بسببه.. فالسكر هو سبب ما حصل لي من أمراض.

قلت: كيف ذلك؟

قال: عندما نتناول السكر، يتحول بعض منه في الجسم إلى شكل من الدهن يعرف بالترايغليسريد، وهو لا يملك تركيبة الكوليسترول نفسها، ولكن يبدو أنه يؤدي دوراً في مرض القلب، لا يختلف عن الكوليسترول، على رغم عدم التأكد بعد من أهميته الدقيقة في هذا الشأن.

قلت: ألم يتأكد الخبراء بعد من تأثيره السلبي؟

قال: تشير بعض الأبحاث إلى أن مستوى الترايغلسريد لدى النساء أكثر أهمية من مستوى الكوليسترول، وقد كشفت إحدى الدراسات أن النساء اللواتي يملكن مستويات مرتفعة من الترايغلسريد في الدم معرضات للموت نتيجة ذبحة قلبية سبع مرات أكثر من اللواتي يملكن مستويات منخفضة من الترايغلسريد.

ويرى بعض العلماء والأطباء أن تناول السكر له أثر مهم في خطر تعرضنا لمرض القلب، وذلك بتأثيره على مستويات الترايغلسريد في الدم.

قلت: ولكن السكريات ضرورية للطاقة.

قال: لا أقصد السكريات الحقيقية، بل أقصد السكريات التي حرفتها الصناعة عن فطرتها، مثل أنواع الحلويات والشوكولاته والمربيات، والبسكويت والمرطبات وحبوب الفطور المحلاة وسكر المائدة.. فهذه المأكولات تسهم في مقدار كبير من السكر في غذائنا.

وليس الأمر قاصرا على ذلك، فالسكر يشكل أيضاً مكوناً أساسياً في العديد من الأطعمة المعلّبة والمعالجة غير الحلوة، فالخضار المعلّبة والفاصوليا المطهوة والوجبات الجاهزة تحتوي على مقادري هائلة من السكر المضاف.

وحتى العديد من الأطعمة التي تزعم أنها (منخفضة الدهون) أو (خالية تقريباً من الدهون) تحتوي على مقادير كبيرة من السكر، لأن تخفيض مقدار الدهون من الطعام قد يجعل مذاقه أقل لذة، ولذلك يعمد صانعو الطعام دوماً إلى حل هذه المشكلة من خلال إضافة المزيد من السكر.

قلت: أسمع أن هناك بدائل عن هذه السكريات، وأسمع أنها تحتوي على القليل من الوحدات الحرارية أو تخلو منها بالكامل، ولا ترفع مستويات الترايغلسريد في الدم.

قال: هذا صحيح.. فقد باتت تتوافر المحليات الاصطناعية مثل السكّرين والأسبارتام بمثابة بديل للسكر.. وهي كما ذكرت إلا أنها قد تؤثر سلباً في الجسم، فقد تبين أن السكرين يسبب الأورام لدى الحيوانات المخبرية، ويشتهر الأسبارتام بتغييره مستويات المواد الكيميائية في الدماغ، مما يؤدي إلى مزاج سيء واضطرابات في النوم.

وهي بالإضافة إلى ذلك تشجعنا على تناول المزيد من الطعام في المدى الطويل من خلال تشجيع الرغبة في المذاق الحلو وتوقع ارتفاع مفاجئ لمستويات السكر في الدم.

قلت: فحدثوني عن تأثير الملح على القلب.

قام أحدهم، وقال: رغم أن جدلاً كبيراً قام لعدة سنين حول الأهمية النسبية للملح في ضغط الدم المرتفع، فإن آخر الأدلة تشير إلى أن الملح هو في الواقع عامل أساسي.

وقد أظهرت دراسة علمية جديدة أن الملح يؤثر كثيراً في ضغط الدم المرتفع ومرض القلب، وأن للملح تأثيرا في صحتنا أكثر بكثير مما كان يعتقد سابقاً.


([1])  هو أبو بكر الرازي، من علماء القرن الثالث الهجري، اشتهر بالطب والكيمياء، ولد في مدينة الري جنوبي طهران بفارس، واشتهر بعلوم الطب والكيمياء، وكان يجمع بينهما لدى وضع الدواء المناسب لكل داء. ويعتبره المؤرخون من أعظم أطباء القرون الوسطى، فقد جاء في كتاب الفهرست: كان الرازي أوحد دهره، وفريد عصره، وقد جمع المعرفة بعلوم القدماء، سيما الطب.

وقد ترك عدداً كبيراً من المؤلفات، ضاع قسم كبير منها. فمن مؤلفاته المعروفة (الطب الروحاني)، ثم كتاب (سر الأسرار)، أما كتاب (الحاوي) فهو من أعظم كتب الطب التي ألفها، ومن المؤلفات الأخرى (الأسرار في الكيمياء) الذي كان مرجعاً في مدارس أوروبا مدة طويلة، وكتاب في (الحصبة والجدري) الذي عرض فيه أعراض المرضين والتفرقة بينهما، كما له (كتاب من لا يحضره طبيب) المعروف باسم (طب الفقراء) وفيه شرح الطرق المعالجة في غياب الطبيب منا يعدد الأدوية المنتشرة التي يمكن الحصول عليها بسهولة… وقد أربت مؤلفاته على المائتين وعشرين مخطوطة.

وقد سلك في أبحاثه مسلكاً علمياً، فأجرى التجارب واستخدم الرصد والتتبع، مما أعطى تجاربه الكيميائية قيمة خاصة، حتى إن بعض علماء الغرب اليوم يعتبرون الرازي مؤسس الكيمياء الحديثة. وقد طبق معلوماته الكيميائية في حقل الطب، واستخدم الأجهزة وصنعها.

([2])  ذكر بعضهم أن من الأسباب التي عزفت بالأطباء عن وصف العقاقير هو الشفقة على المرضى الفقراء وذكر حجة لذلك أن الأطباء كانوا يتقاضون أجورا باهظة من الأغنياء والأمراء، وكانوا يصفون أدوية مركبة ومستوردة من الهند والصين وبلاد نائية.

وقد ذكر المؤرخون هذه الأجور وتباهى بها أمثال ابن سينا حين قال عندما اتصل به أبو عبيد الجورجاني:

لما عظمت فليس مصر واسعي  لما غلا ثمني عدت المشتري

ولاشك، في أن بعض الأطباء حرصوا على جمع المال بشتى الطرق، وهذا عام في كل العصور، ولكن الكثيرين اشتهروا بكرم خلقهم وبرحمتهم بالمرضى ووضعوا لمهنتهم مثلا عليا مثال ذلك ما قاله الرازي:« ينبغي أن تكون حالة الطبيب معتدلة، لا مقبلا على الدنيا كلية ولا معرضا عن الآخرة كلية، فيكون بين الرغبة والرهبة »

وقد ورد عنه أنه كان كريما متفضلا، بارا بالناس، حسن الرأفة بالفقراء والأعلاء حتى كان يجري عليهم الجرايات الواسعة، وأنه كان رؤوفا بالمرضى مجتهدا في علاجهم وفي برئهم بكل وجه يقدر عليه. 

وروى علي بن رضوان في سيرته الذاتية:« وأجتهد في حال تصرفي في التواضع والمداراة وغيث الملهوف، وكشف كربة المكروب وإسعاف المحتاج، وأجعل قصدي في ذلك الالتذاذ بالأفعال والانفعالات الجميلة »

([3])  هو أبو الحسن علاء الدين علي بن أبي الحزم، وهو طبيب وعالم وفيلسوف، ولد بدمشق سنة 607 هجرية، وتوفي بالقاهرة سنة 687 هجرية.

لم تقتصر شهرة ابن النفيس على الطب، بل كان يعد من كبار علماء عصره في اللغة، والفلسفة، والفقه، والحديث. وله كتب في غير المواضيع الطبية، منها: الرسالة الكاملية في السيرة النبوية، وكتاب فاضل بن ناطق، الذي جارى في كتاب (حي بن يقضان) لابن طفيل، ولكن بطريقة لاهوتية لا فلسفية.

أما في الطب فكان يعد من مشاهير عصره، وله مصنفات عديدة أهمها: المهذّب في الحالة (أي في طب العيون)، المختار في الأغذية، شرح فصول أبقراط، شرح تقدمة المعرفة، شرح مسائل حنين بن اسحق، شرح الهداية، الموجز في الطب (وهو موجز لكتاب القانون لابن سينا)، شرح قانون ابن سينا، بغية الفِطن من علم البدن، شرح تشريح القانون الذي بيّن أن ابن النفيس قد سبق علماء الطب إلى معرفة هذا الموضوع الخطير من الفيزيولوجيا بحيث أنه وصف الدوران الرئوي قروناً قبل عصر النهضة.

([4])  مما يدل على تواضعه ما حكى عنه الشيخ أبو ثناء الحلبي، قال: شكوت إلى ابن النفيس عقالا في يدي فقال لي:« وأنا والله بي عقال فقلت: فبأي شيء أداويه؟» فقال:« والله ما أعرف بأي شيء أداويه » ثم لم يزد على هذا.

([5])  سمي بذلك لدوره الكبير في تخليص الطب من الخرافات، ومحاولة النهوض به.

([6])  هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، الملقب بالشيخ الرئيس، فيلسوف، طبيب وعالم، ومن عظام رجال الفكر في الإسلام ومن أشهر فلاسفة الشرق وأطبائه. ولد سنة 370 هـ (سنة 980 م)

ترك ابن سينا مؤلفات متعدّدة شملت مختلف حقول المعرفة في عصره، وأهمها: العلوم الآلية، وتشتمل على كتب المنطق، وما يلحق بها من كتب اللغة والشعر، العلوم النظرية، وتشتمل على كتب العلم الكلّي، والعلم الإلهي، والعلم الرياضي، والعلم الطبيعي، والعلوم العملية، وتشتمل على كتب الأخلاق، وتدبير المنزل، وتدبير المدينة، والتشريع.

ولهذه العلوم الأصلية فروع وتوابع، فالطب مثلاً من توابع العلم الطبيعي، والموسيقى وعلم الهيئة من فروع العلم الرياضي.

ومن أشهر كتب ابن سينا الطبية كتاب القانون الذي ترجم وطبع عدّة مرات والذي ظل يُدرس في جامعات أوروبا حتى أواخر القرن التاسع عشر.

ومن كتبه الطبية أيضاً كتاب الأدوية القلبية، وكتاب دفع المضار الكلية عن الأبدان الإنسانية، وكتاب القولنج، ورسالة في سياسة البدن وفضائل الشراب، ورسالة في تشريح الأعضاء، ورسالة في الفصد، ورسالة في الأغذية والأدوية.

ولابن سينا أراجيز طبية كثيرة منها: أرجوزة في التشريح، وأرجوزة المجربات في الطب، والألفية الطبية المشهورة التي ترجمت وطبعت.

([7])  الفرأ مهموز مقصور: حمار الوحش، وجمعه: فراء، أي أن أفضل الصيد حمار الوحش، فكل الصيد دونه. النهاية: 2/422، والحديث رواه الديلمي.

([8])  المجلد الأول هو المشتمل على الأمور الكلية في الطب.

([9])  الملطف‏:‏ هو الدواء الذي من شأنه أن يجعل قوام الخلط أرق بحرارة معتدلة.

([10])  المحلل‏:‏ هو الدواء الذي من شأنه أن يفرق الخلط بتبخيره إياه وإخراجه عن موضعه الذي اشتبك فيه جزءاً بعد جزء حتى إنه بدوام فعله يفني ما يفني منه بقوة حرارته.

([11]) الجالي‏:‏ هو الدواء الذي من شأنه أن يحرّك الرطوبات اللزجة والجامدة عن فوهات المسام في مسطح العضو حتى يبعدها عنه مثل ماء العسل‏.‏ وكل دواء جالٍ فإنه بجلائه ويليّن الطبيعة وإن لم يكن فيه قوة إسهالية وكل مر جالٍ‏.‏

([12])  المخشن‏:‏ هو الدواء الذي يجعل سطح العضو مختلف الأجزاء في الارتفاع والانخفاض إما لشدة تقبيضه مع كثافة جوهره وإما لشدّة حرافته مع لطافة جوهره فيقطع ويبطل الاستواء.

([13])  الدم في الطب الصيني هو المادة الحيوية التي تتكون وتتخلّق أساسا من روح الطعام الذي ينهضم بوساطة المعدة ويوزع بوساطة الطحال، أما القلب فهو الحاكم(المحافظ) للدم والعروق، والكبد يضمن الانسياب الحر للدم ويخزنه ويحافظ على حجمه.

([14])  البخاري.

([15])  ليست كل الأورام خبيثة، أي سرطانية، فهناك العديد من الأورام غير العدائية، وحتى لو كبرت كثيراً، لا تميل إلى اجتياح أنسجة محلية أو الانتشار إلى مواقع أخرى من الجسم، ويقال عن هذه الأورام إنها حميدة، وهي عادة غير مؤذية ولا تعود للظهور عادة بعد استئصالها جراحياً.

([16])  انظر: دور الخضروات والفواكه في الوقاية من أمراض السرطان، معز الاسلام عزت فارس، ماجستير في علم التغذية الجامعة الأردنية، وقد اعتمد في مقاله أساسا على المقال العلمي المنشور في مجلة جمعية التغذية الأمريكية (بتصرف)Steinmetz, K. A. and Potter, J. D. 1996. Vegetables, Fruits; Cancer Prevention: A review. Jornal of The American Dietitic Association, vol. 96: 1039.

([17])  البخاري ومسلم.

([18])  البخاري ومسلم.

([19])  هو الخبز الحواري، وهو الدرمك.

([20])  أي: بللناه وعجناه.

([21])  البخاري.

([22])  نعيم بن حماد في الفتن والعسكري في الأمثال.

([23])  مجلة الدليل إلى الطب البديل.

([24])  منبهات الجهاز العصبي المركزي وهي المواد التي تنشط خلايا المخ وتؤدي الى الهياج والارتباك ويندرج تحتها (الكوكايين – الامفيتامينات – القات – النيكوتين – الكافيين)

([25])  مسلم.

([26])  الترمذي.

([27])  طريقة برعمة القمح هي أن ينقع القمح لمدة 12 ساعة… ثم يوضع بعد نقعه في صفاية، ويكون بين القمح وبين الصفاية منشفة بيضاء وتغطية القمح بأطراف المنشفة لكي لا يضربه المكيف فيبرد ويجف بسرعة… ويجب رشه بعد كل فترة بالماء… وبعد حوالي يوم ونصف إلى يومين سينبت القمح ويجب أن يوضع في الثلاجة ويستخدم بمدة تتراوح من 3 الى 4 أيام.

([28])  أحمد.

([29])  الحاكم وقال: صحيح، ووافقه الذهبي.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *