أولا ـ كنز الاستغناء

أولا ـ كنز الاستغناء

في صباح جميل في مدائن الغنى، قمت بصحبة معلم السلام لنبحث عن كنوز الفقراء.

كانت المدينة جميلة، كل ما فيها هادئ وقوي ومثير.. أرى الناس، وكأني لا أراهم، أحيانا يخيل إلي أنها خالية، وأحيانا أراها مكتظة لا يكاد المار يستطيع أن يسير في شوارعها.

لم تكن هناك أي رائحة للجوع، ولا أي رائحة للتخمة، ولم أر مع طول سيري في شوارعها متسولا واحدا، ولا فقيرا واحدا.

فتعجبت، وسألت معلم السلام: ألسنا نبحث عن كنوز الفقراء؟

قال: بلى، ذاك ما خرجنا من أجله.

قلت: فأين الفقراء، فإني لا أبصر إلا الأغنياء، أهم يزاحمون الفقراء كنوزهم في هذه الدار أيضا؟

قال: بل الفقراء هم الذين يزاحمون الأغنياء كنوزهم، فلذلك لا تراهم هنا.

قلت: لو أذنت لي لأحضرت معي عمي، فهو فقير جدا قد عضه الفقر بنابه.

قال: لقد صحت فيه وفي أمثاله منذ آلاف السنين، فأبى الدخول إلى هذه المدائن، أتدري ما يقول الناس عن هذي المدائن؟

قلت: وما يقولون، شأني معهم تشويه كل نعمة، وإفساد كل صالح.

قال: يضحكون منها، ويستهزئون بها، ويسخرون من أهلها.

قلت: فهل رأوها؟

قال: وكيف يرونها، وأعينهم مغمضة؟

قلت: نطلب منها فتحها.

قال: ألم تسمع قول الحق تعالى:{  أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ}(يونس: 43)

قلت: بلى، فهمت لقد قلت مثل هذا عن السمع، اصبر علي يا معلم، فإني أحيانا يبطئ فهمي.

قال: ذلك لخوفك على ما ملأك قومك به من أوهام؟

قلت: كيف، أنا لا أخاف قومي.

قال: ولكنك تخاف على معارفهم التي نشروها فيك.

قلت: لماذا أخاف عليها؟

قال: لأنك ـ مثلهم ـ تتصور العالم بصورة واحدة، فتخشى أن تكر معارف الحقيقة على صور العالم.

قلت: فما الضير في هذا؟

قال: يصبح علمك جهلا، وحقائقك دعاوى.

قلت: فما المخرج من ذلك؟

قال: السلام.

قلت: لماذ السلام؟

قال: لأنه يحيلك صفحة بيضاء، يمكن أن يكتب فيها كل شيء، أو يحيلك مرآة صافية تحمل الحقائق ولا تشوهها.

نظرت فجأة فإذا بي أمام باب قصر منيف، كل ما فيه لطيف وشريف، لست أدري هل كان مرفوعا في الفضاء بأعمدة لا ترى، أم كان موضوعا على زجاج صاف كالهواء كأنه:{ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِير}(النمل: 44)، فصحت: يا لله، ما أحلى هذا القصر، لمن هذا القصر؟

قال: لأغنياء الروح.. هنا يخبأ كنز الاستغناء.

قلت: فهل يمكن الدخول إليه؟

قال: أجل، ولكن بشرطه، فالبواب يمنع من لم يتحقق بشرطه.

قلت: وما شرطه؟

قال: أن تكون فقيرا.

قلت: أنا متوسط الحال، لست فقيرا، ولست غنيا.

قال: ليس هناك إلا الفقراء والأغنياء.

قلت: ولكنك قلت، بأنه قصر الأغنياء، فكيف لا يدخل فيه إلا الفقراء؟

فقال: من افتقر إلى الله أغناه، ومن نزل على الله آواه، ومن مد يده لله أعطاه، ومن مد يده إلى غيره قلاه.

مددت يدي، وقلت: فها أنذا أمد يدي إلى الله.

قال: إياك ودنس التشبيه، مد يد روحك، لا روح يدك.

مسح معلم السلام على صدري، فأحسست قلبي يردد قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}(فاطر:15)، وقوله:{ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ}(محمد: 38)

شعرت وكأني الفقر عينه، لا أملك شيئا.. لا متاعا ولا منافع.. حتى حلة الوجود شعرت بأنها تخلع مني، فإذا بي في العالم الذي لم أكن فيه شيئا مذكورا.

نظر إلي، وقال: ادخل الآن، فقد تحققت بشرطه.

***

 دخلت القصر المهيب، كل ما فيه في منتهى الجمال، ولكن آثار الحالة التي استشعرتها حال دخولي جعلت بصري صاحب همة واحدة، فلم يزغ ولم يطغى.

غير أن بصري تسمر في فتى مهيب الطلعة، جميل المحيا، خلته أول الأمر يوسف u، وقد أوتي شطر الحسن، لكني نظرت إلى ثيابه، فقلت: يوسف u أزهد من أن يلبس مثل هذه الحلل والحلي، لعله أمير من أمراء هذ القصر.

تقدمت إليه، أو تقدم إلي، هزني الفضول، فسألته: من أنت؟

قال: أنا المرشد.

قلت: ألهذا القصر مرشد؟ إذن هو يشبه فنادق قومي.

ثم تمتمت بيني وبين نفسي:( شيء جميل.. حضارة عريقة.. حتى المرشد السياحي يوجد في قصورهم)، ثم قلت له: منذ متى وأنت تشتغل مرشدا سياحيا في هذ القصر؟

قال:  مرشد سياحي!؟.. ما معنى هذ الكلمة.. ما بك؟ ألا تعرفني؟

قلت: هذه أول مرة أتشرف بلقائك فيها.

قال: كيف؟ ألم نلتق أمس؟

قلت ـ وكأني أريد تقليد أسلوب المعلم في الكلام ـ: بلى .. لقد التقينا في عالم الذر، يوم{  أَلَسْتُ بِرَبِّكُم}(لأعراف: 172)

قال: لا، بل الأمس القريب.

قلت: لا.. لا أذكر ذلك.

قال: ألم أخبرك أني مرشد في مدائن الغنى للباحثين عن كنوز الفقراء؟

تذكرت ذلك الفقير الذي حزنت له، فقلت: أنت أنت!؟ ولكن وجهك وقوامك وحديثك ولباسك..

قاطعني، وقال: ألا زلت تنظر إلى أكفان الإنسان، ذلك قناعي، ألا يلبس قومك أقنعة تنكرية؟

قلت: أجل، وهم يلهون بذلك ويلعبون.. ولكن أي قناع تنكري هو لك: أهذا الذي أراه امامي، أم ذلك الذي رأيته أمس؟

قال: كل ما تراه أقنعة.. أما الحقيقة، ففوق ذلك كله.

لم أفهم ما قال، ولكني طلبت منه أن نبدأ في جمع جواهر هذا القصر المهيب.

قال لي: أربعة جواهر، فاحمل حقائبك، وهات قلمك، وتعال.

قلت: لم القلم؟

قال: ألست مع المعلم؟

لست معزولا:

قال لي معلم السلام، وهو يشير إلى نور صرف رأيته أمامي: هذه جواهر قوله تعالى:{ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}(الضحى:3)

ثم قال: هذه أول جوهرة ينالها الفقير عندما يدخل قصر الاستغناء بالله..  ذلك أن أكبر حزن يعيشه الفقير هو شعوره بالعزلة، وأنه فرد شاذ في هذا الوجود، لا قيمة له إلا كقيمة الحجارة والتراب، بل أحيانا يشعر أن الحجارة والتراب أهم منه، فلذلك يحسد التراب الذي يعمر بساتين الأغنياء، والحجارة التي تبني قصورهم.

قلت: صدقت في ذلك.. فما اسم هذه الجوهرة.. أهي الكبريت الأحمر أم الأصفر أم الأكهب، أم هي العقيق، أم هي الزبرجد أم..؟

قال: هذه جوهرة ليس لها اسم من كل هذه الأسماء، وهي أجمل من كل هذه الأسماء، إن اسمها ( لست معزولا )

كتمت ضحكة في قلبي، وقلت في نفسي: ما هذا الاسم الغريب، لعله مثل الأسماء التي نتفنن بها في الأطعمة  كقولنا:( كل واسكت )

قال لي: ليست هذه ( كل واسكت ) إنها:( لست معزولا )

قلت: لا يهمنا اسمها، وإنما تهمنا قيمتها، وقد قال ذلك البخيل الذي ذكره الجاحظ:( أعطني المال، وسمني بأي اسم شئت )

قال: فأنت الآن في الطريق الصحيح، إن قيمتها عظيمة، فهي تحمل بشرى وعزاء من الله رب كل شيء ومليكه لقلوب الفقراء، فتمسح عن أعينهم الهوان الذي يرميهم الناس به.. إنها تبشر من تناولها بأن الناس وإن أبعدوه، فإنه ليس بعيدا عن الله، وإن كانوا قد رموه، فإن لطف الله يحتضنه.

قلت: ولكني لا أرى الناس يبعدون الفقير، ولا أراهم يطردونه.

قال: قد لا يطردونه، ولكنهم يحرمونه.

قلت: من فتات موائدهم.

فقال: لا من فتات موائدهم فحسب، بل من موائد الله.

قلت: أريد شواهد على ذلك، فأنت تعلم أني لا أقبل إلا بشاهد عدل من العقل أو النقل.

قال: إن شواهد هذه الجوهرة هي أشعتها، كما أن شاهد الشمس هو ضياؤها، فخذ هذه الأشعة، فكل شعاع منها يكشف ظلمة، وينير طريقا.

الشعاع الأول:

قلت: فما الشعاع الأول؟

قال: ألم تسمع الحق تعالى، وهو يقول:{ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}(الأنعام:52)

قلت: بلى قرأته.

قال: وفهمته؟

قلت: أجل، في هذه الآية ينهى الله تعالى عن التفكير الطبقي الذي كان يعمر أفئدة المشركين، وكأنهم أرادوا أن ينعم صلى الله عليه وآله وسلم ببعض الامتيازات لطبقة الاغنياء ويفضلهم على طبقة الفقراء، إذ كانوا يرون في جلوسهم مع الفقراء منقصة لهم.

ويبدو أن هذا تكرر منهم وكثر إلحاحهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن جاء هذا الأمر الإلهي الذي لا يخاطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقط، بل يخاطب كل الأمة.

قال لي: نعم ما قلت، ولكن نهي الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن متابعة المشركين، وأمرهم له بالحرص على هؤلاء الفقراء، ووصيته بهم وثنائه عليهم، ولو على حساب بعض المكتسبات الظرفية، ألا يدل على شيء؟

قلت: على ماذا غير ما ذكرت، وما ذكر المفسرون؟

قال: ما محل الشخص الذي تحرص عليه، وتغير أن يطرد أو يهان أو يرمى، ولو كان في ذلك حصول مضرة لك.

قلت: أنا لا أفعل هذا إلا مع أحب الناس إلي، فمن الصعب أن أفرط في مكاسبي إلا إذا قهرني الحب على ذلك.

قال: فالله تعالى الذي يوصي نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بهؤلاء، ويأمره بالحرص عليهم، ألا ينطبق عيه ما قلنا!؟

قلت: بلى، هي إشارة جميلة.

قال: بل سلوى عظيمة تطرب لها نفوس الفقراء، وأغنية جميلة تبشرهم بأنهم، وإن رموا وطردوا فإنهم عند الله بمكان..

قلت: فهل هم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطردهم حتى نهي عن ذلك؟

قال: لقد قف شعري مما قلت، كيف يكون هذا؟ إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعظم من أن يفعل ذلك، وكل سنته وحياته ترفض هذا.

قلت: فما تفسير توجيه الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: ومن قال: إن هذ الخطاب موجه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: لكونه جاء بصيغة المخاطب المفرد، وهو يعني من نزل عليه القرآن الكريم؟

قال: وهل القرآن الكريم أنزل لأجل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقط، ألم يقولوا:( اقرأ القرآن الكريم، وكأنه أنزل عليك )

قلت: فما سر الخطاب بصيغة المفرد؟

قال: في ذلك إشارة لمخاطبة نفوس الأفراد، وكأن الله تعالى ينهى كل فرد على حدة من أن يطرد هؤلاء.

قلت: ولكن أصل الخطاب موجه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال: وهل كل خطاب موجه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني أنه قد حصل منه ما يستوجب ذلك الخطاب؟

قلت: ذاك هو الأصل.

قال: فما تقول في قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}(الأحزاب:1).. فهل أطاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكافرين والمنافقين؟

الشعاع الثاني:

قلت: لقد ورد مثل هذا مع سائر الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ، بدءا من نوح u، فقد قال تعالى على لسانه:{ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ }(هود: 29)، وفي ذلك دلالة على سنة قديمة خاطئة تقيم المرء على أساس ثروته.

قال: لقد قال الله تعالى بعد تلك الآية:{ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}(هود:30)، أتعلم وجه الإشارة فيها؟

قلت: يخبر تعالى عن مقالة نبيه نوح u، وأنه قال:( من يصونني منه تعالى ويدفع عني حلول سخطه إن طردتهم  وأبعدتهم عني )، فالاستفهام هنا للإنكار، أي لا ينصرني أحد من ذلك، وفي الكلام ما لا يخفى من تهويل أمر طردهم.

قال: أتدري السلوى التي يحملها هذا الكلام لقلوب الفقراء؟

قلت: ما هي غير ما ذكرت؟

قال: تصور الدرجة التي يحتلها النبي في سلم الكمال.

قلت: هي درجة عظيمة لا يمكن تصورها.

قال: أيمكن تشبيهها بدرجة الوزراء!؟

قلت: وأين تقع الوزارة أمام النبوة؟

قال: فإذا أرسل الملك إلى وزيره يهدده بالعزل أو بالسقوط والانهيار أو بالهزيمة بسبب عامي من الناس، ألا يكون لذلك العامي محلا عظيما في نفس الملك!؟

قلت: أجل، لأن تفريط الملك في وزيره الذي هو ساعد من سواعده لا يكون إلا بسبب وجيه، وأمر خطير.

قال: فكذلك هذا، ولله المثل الأعلى.. واحذر رعونة التشبيه وأكداره، فقد أرسل الله ملك الملوك إلى الأنبياء الذين يعملون بأمره يحذرهم من المساس بهؤلاء البسطاء.

قلت: وذلك لا يكون إلا للمكانة العظيمة التي أقامها الله لهم.

قال: مقابل المكانة التي وضعها البشر لهم، فقد قال تعالى عن موضع الفقير في دنيا البشر على لسان نوح u:{ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ}(هود: 31)

قلت: نعم، فقد أخبر الله تعالى أن موقف البشر من هؤلاء المحرومين هو الازدراء، وهو الاحتقار.

قال: أتدري لم نسب الله تعالى الازدراء إلى الأعين، مع أن الحاسة لا يتصور منها أن تعييب أحد؟

قلت: لأنها سبب الازدراء، فلرؤيتهم لهم بتلك الحالة احتقروهم، فالإنسان مكرم لمظهره، ومنبوذ به.

قال: أجل .. وذلك يدل على أن المزدرين من هؤلاء الأغنياء لا ينظرون إلى الحقائق، بل يكتفون بالخيوط الواهية التي تكفن بها الحقائق.

قلت: أفي ذلك دعوة لشيء ما؟

قال: نعم.. في ذلك دعوتان.

قلت: لمن؟

قال: للفقير والغني.

قلت: ما حظ الفقير من الآية؟

قال: أن لا ينشغل بما هو فيه من الفقر الذي ازدراه الناس بسببه، بل يبحث عن مواطن الغنى التي لا يبصرونها.

قلت: وما حظ الغني؟

قال: ألا يجعل حكمه على الناس قاصرا على ما تمليه عينه، فقد تدله أذنه أو جوارحه الأخرى أو قلبه على كمالات في الفقير ينتفع بها في الدنيا والآخرة.

الشعاع الثالث:

قلت: فما الشعاع الثالث؟

قال: ما كفارة الظهار؟

قلت: لقد نص عليها قوله تعالى:{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(المجادلة:4)

قال: فما كفارة من حنث في اليمين المعقدة؟

قلت: لقد نص على ذلك قوله تعالى:{ لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(المائدة:89)

قال: فما كفارة صيد المحرم؟

قلت: لقد نص على ذلك قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}(المائدة:95)

قال: فما ترى في هذه النصوص جميعا؟

قلت: أراها أنواعا من العقوبات رتبها الله تعالى على بعض المخالفات.

قال:  هي تنبيهات، وليست عقوبات.. فالله تعالى ينبه عباده ويؤدبهم ولا يعاقبهم.

قلت: أجل.. يمكن أن تقول ذلك.. ولكن ما علاقة هذا بهذا الشعاع.. فنحن نبحث عن تخليص المساكين من العزلة.. ولا نبحث في العقوبات أو التنبيهات.

قال: هذه التنبيهات تحمل تنظيمات تشريعية تخلص الفقراء من العزلة التي قد يضربها عليهم الأغنياء.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد كان في إمكان الشارع أن يرتب غرامة مالية على كل ذنب من الذنوب تدفع لبيت المال الذي يتولى دفعها للفقراء.. أو كان في إمكانه أن يجعل نفس العقوبة، ولكن يجعلها في مسكين واحد.

قلت: يمكن أن يكون ذلك.. بل قد قيل به.

قال: فما قيل؟

قلت: يقولون بجواز إعطاء نصيب الستين لشخص واحد؟

قال: من قال ذلك فقد أخطأ، ولا ينبغي الخروج عن ظاهر النص.

قلت: أراك ـ يا معلمي ـ حريصا على هذه الجزئية البسيطة.. فما سر ذلك؟.. وما علاقته بما نحن فيه؟

قال: لقد جعل الله كفارة الظهار وغيره إطعام ستين مسكينا ليكون البحث عن المساكين المستحقين جزءا من الكفارة.

قلت: وما فائدة ذلك العناء الذي يجعل الشخص يبحث عن هؤلاء المساكين؟

قال: في بحثه عنهم تعرف منه عليهم.. وفي تعرفه عليهم وتكافله معهم تخليص لهم من العزلة التي قد تفرض عليهم.

قلت: وعيت هذا.. وهو حل تشريعي مثالي يقوي ما ورد من التوجيهات.

***

 ما قلت هذا حتى شعرت بجوهرة كريمة تنزل أعماق صدري، تنجلي من نورها بعض الظلمات.

قلت في نفسي حين نزولها: نعم.. إن الفقير في الحقيقة لا يؤلمه فقره، بقدر ما يؤلمه نظرات الناس وموقفه من نفسه.. لا يؤلمه جوعه وبرده فقد يصيب الغني من الجوع ما يصيب الفقير، وقد يصيب الفقير من الشبع ما يصيب الغني.

فلذلك إن رُفع هذا الوهم، وقيل للفقير: فقرك ليس علامة إبعاد.. كما أن غنى جارك ليس علامة ود، فكلاهما ابتلاء رباني لتمحيص القلوب، كما قال تعالى:{ فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}(الفجر:16) أي ليس كل من وسعت عليه وأعطيته أكون قد أكرمته ولا كل من ضيقت عليه وقترت  أكون قد أهنته، فالإكرام  أن يكرم الله العبد بطاعته والإيمان به ومحبته ومعرفته والإهانة أن يسلبه ذلك.

فإن هذه المعرفة تسد منافذ الهوان التي يشعر بها، فالهوان أخطر من الجوع، والكرامة أعز من الشبع، وقد قالت العرب في أمثالها:( تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها )،  وقال أوس بن حارثة لابنه مالك فيما يوصيه به:( يا مالك، المنية ولا الدنية، وشر الفقر الخضوع، وخير الغنى القنوع)

قد تكون مختارا:

صعد بي المرشد طابقا آخر في قصر الاستغناء، فإذا بي أشاهد لافتة مكتوبا عليها: هنا محل جوهرة عزيزة اسمها ( قد تكون مختارا )

سألت المرشد عنها، فقال: أنا المرشد، ولست المعلم، اسأل معلم السلام.

أجابني من غير أن أسأله: لا يكفي أن تشعر بأنك لست مطرودا لتمتلئ بالسلام والسعادة؟

قلت: فما الذي ينقص الفقير حتى يشعر بسكينة أعظم، وسلام أتم؟

قال: أن يشعر بأن في إمكانه أن يكون مختارا ومفضلا وعظيما.. أن يشعر أن بإمكانه أن يصير غنيا غنى أبديا، لا ظرفيا؟

قلت: اضرب لي مثالا على ذلك، فأنت تعرف عجزي عن التجريد.

قال: يزعم قومك أنهم حرروا العبيد؟

قلت: نعم.

قال: ويزعمون أنهم تساووا معهم في الإنسانية.

قلت: ذلك مما لا شك فيه.

قال: أيسمحون لهم بخوض الانتخابات الرئاسية؟

قلت: نعم.

قال: ولكن لا يسمحون لهم بتوليها.

قلت: نعم، يؤكد ذلك الكثير.. فما مضرب هذا المثل؟

قال: إن هؤلاء زعموا أنهم لا يطردونهم، ولكنهم في نفس الوقت لم يقربوهم، وفرق كبير بين أن لا أطردك، وبين أن أضع في إمكانياتك أن تقرب.

قلت: فهل في النصوص إشارة إلى هذا.

قال: إن هذ الجوهرة النفيسة تكتسب أشعتها من العقل والنقل، وسأذكر لك هنا أربعة أشعة كل شعاع منها يطفئ ظلمة ويحيي نورا.

الشعاع الأول:

قلت: فما الأول منها؟

قال: قوله تعالى:{ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}(هود:27)

قلت: فما محل الإشارة منها.

قال: لا تحل الإشارة إلا بعد العبارة، ولا يعرف الباطن إلا بعد إدراك الظاهر، فما الذي تفهمه منها؟

قلت: الله تعالى في هذه الآية يخبر عن الشبهات التي وقفت حجابا بين الملأ المتمالئين على الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ الذين ملأوا القلوب هيبة والمجالس أبهة ـ وبين الوصول إلى الحق.. وأول تلك الشبهات كون نوح u  بشرا مثلهم.. والثانية كونه ما أتبعه إلا أراذل القوم .. والثالة كونهم لا يرون لهم فضلا، لا في العقل ولا في رعاية المصالح العاجلة ولا في قوة الجدل ([1]).

قال: وبم رد نوح u على هذه الشبه؟

قلت: بما قصه علينا القرآن الكريم من أنه أخبرهم أنه رسول من اللّه يدعو إلى عبادة اللّه وحده، ولا يسألهم على ذلك أجراً، ثم هو يدعو الشريف والوضيع، فمن استجاب له فقد نجا.. وأخبرهم أنه لا قدرة له على التصرف في خزائن اللّه، ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه اللّه عليه، وليس هو بملك من الملائكة، بل هو بشرٌ مرسل مؤيد بالمعجزات.. وأخبرهم بأن ما في نفوس من تصوروهم أراذل من قومه فاحتقروهم وازدروهم لا يعلم حالهم عند الله فإن كانوا مؤمنين، فلهم جزاء الحسنى.

قال: وما موضع الإشارة من حكاية قول نوح u بتفاصيله مع قومه؟

قلت: علي العبارة، وعليك الإشارة، فبين لي كيف تكون هذه الآيات سلوى وعزاء للفقراء والمستضعفين؟

قال: إن أول من يستنشق الروائح العطرة لهذه الآيات هم الفقراء والمستضعفون والأراذل.

قلت: كيف؟ والرسل إنما جاءوا للتوحيد، لا لتسلية الفقراء والمحرومين.

قال: أجل، وهذا ما يعطي الإشارة حقها، فانشغال النبي بالدفاع عن المستضعفين، وبيان قيمتهم وحرمتهم ومكانتهم عند الله، ألا يدل ذلك على الموضع الذي يحتله هؤلاء!؟

قلت: وضح ما تريد.

قال: ألا تستشهدون باقتران العمل الصالح مع الإيمان في أكثر آي القرآن الكريم على فضل العمل الصالح لاقترانه بالإيمان الذي هو أشرف الأعمال؟

قلت: بلى.

قال: ألا تستشهدون بعظم حق الوالدين لاقترانهما بتوحيد الله وعبوديته؟

قلت: بلى،  كثيرا ما نفعل ذلك.

قال: فكذلك هنا.. أسألك سؤالا آخر؟

قلت: سل.

قال: كم لبث نوح u في قومه؟

قلت: هو ما نص عليه القرآن الكريم، قال تعالى:{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً }(العنكبوت: 14)

قال: فكم المدة التي كان يتكلم فيها مع قومه؟

قلت: وهذا أيضا وارد في القرآن الكريم، فقد قال تعالى حاكيا عنه:{ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً}(نوح:5)، وكأنه u لاجتهاده في الدعوة إلى الله لا يسكت ليلا أو نهارا.

قال: فكم ترى يكون قد تكلم من الكلمات؟

قلت: لو كتب كلامه كتبا لملأ بها سهول الأرض وجبالها.

قال: فاختيار الله تعالى لهذه الكلمات المدافعة عن المنبوذين ليذكرها في القرآن الكريم، ألا يدلك على المكانة التي لهم؟.. لا عند نوح u فحسب، بل عند الله، لأن القرآن الكريم لم ينزل ليؤرخ لقوم نوح u وإنما أنزل ليذكر الحقائق العظمى التي ينبني عليها الوجود.

قلت: ولكن ما سبب إقبال الفقراء على الحق وإعراض الملأ أغنياءهم وكبراءهم عنه؟ ولماذا يكون هؤلاء الأراذل المستضعفون أسرع الناس إلى الحق، فقد قال تعالى في الآيات السابقة:{ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْي}(هود: 27)؟

قال: أرأيت جواز دخولك إلى هذه القصور؟

قلت: نعم، إنه جواز الافتقار.. ولكن ما علاقته بهذا لأمر؟

قال: لأن الفضل صدقة الله ، والصدقات لا تكون إلا للفقراء والمساكين، ألم تسمع قوله تعالى:{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ }(التوبة: 60)

قلت: ولكن ما وجه الإشارة في هذه الآية، فإني لا أفهم منها إلا أنها تعدد أصناف المستحقين للزكاة؟

قال: هي كذلك، ولكن الذي قالها يتصدق أيضا.

قلت: ذلك صحيح.. وقد  ورد في النصوص ما يثبت ذلك، ففي الحديث: ( من نام عن حزبه وقد كان يريد أن يقوم به، فإن نومه صدقة تصدق الله بها عليه، وله أجر حزبه)([2]).. ولكن ما علاقة هذا بما نحن فيه؟

قال: علاقته عظيمة، فالأغيناء الذين سماهم القرآن الكريم ملأ امتلأوا بغناهم وما لديهم من أشياء، فلذلك لا يستطيعون تقبل صدقات الله التي تمتلئ بها خزائنه، والتي تفيض على كل الوجود، بينما الفقراء، يشعرون بفاقتهم الذاتية، وفراغهم العظيم، فلذلك كانوا مستعدين لصدقات الله، ولذلك بمجرد أن يشع نور من أنوار الله يكونون أسرع الناس إليه.

ثم التفت إلي، وقال: أتعلم سر اشتراط جواز الافتقار للدخول إلى قصور مدائن الغنى؟

قلت: لا..

قال: لأنك لو دخلت ممتلئا، فلن ترى ما ترى فيها من الجمال والكمال والسعادة والسلام.

عجبت، وقلت: أتعني أنه لو دخل الآن معنا ثري لن يرى شيئا مما أرى؟

قال: قد يرى ما ترى أو أكثر مما ترى.

قلت: كيف؟ لم أفهم.

قال: ليست العبرة بكونه ثريا، بل العبرة بشعوره بثرائه، فقد ترى الفقير مستعليا، وترى الغني متطامنا، ولهذا قد يتحقق الغني بالافتقار الذي يؤهله لدخول هذه القصور، وقد يحرم الفقير الذي ملأ عيني قلبه بما عجز عن تحقيقه لجيوبه.

قلت: فعينه بصيرة، ويده قصيرة.

قال: ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(  ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولاينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر )([3])

قلت: فالافتقار إذن هو السبب في مبادرة هؤلاء المستضعفين إلى الحق.. فالافتقار إذن نعمة أهلتهم لاختيار الله لهم.

الشعاع الثاني:

نبهني معلم السلام من شرودي، وأخذ يرتل بصوته الجميل الخاشع قوله تعالى:{ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ}(الأنعام:53)

قلت: هذا هو الشعاع الثاني.. فما وجه الإشارة فيه؟

قال: لا تحل الإشارة قبل العبارة، ولا يحل التأويل قبل التفسير.

قلت: أما التفسير، فعلي، فالله تعالى في هذه الآية يخبر عن القصد من بلائه واختباره لعباده، فهو يبتليهم بالفقر والغنى، ومن النتائج التي تنتج عن ذلك البلاء أن يقول المستكبرون المتعالون:{ أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا }، فرد الله تعالى عليهم بكونه أعلم بالشاكرين.

قال: أما وجه الإشارة، والعزاء للمستضعفين، فهو ما يحمله قوله تعالى:{ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ }، فإن الله تعالى يعلل مننه على عباده الذين قربهم بكونهم من الشاكرين.

قلت: لم يكون فضل الله وجميل اختياره مرتبطا بالشاكرين؟

قال: أرأيت لو أنعمت على بعض إخوانك بنعم، وقدمت لهم خدمات أرهقتك، فنظر بعضهم إليك شزرا، وانصرف.. وقال بعضهم: (ما هذه الخدمات الحقيرة، والعطايا الصغيرة ).. وجاء بعضهم فقبل يديك، ومسح على رجليك، وقال:( نحن في خدمتك، فجزيت عنا كل خير ).. أي هؤلاء تفضله بعد ذلك بالعطاء إذا سنحت لك السوانح، ودر عليك اللطف؟

قلت: الشاكرين.. لا شك في ذلك، فكيف يمتد عطائي للجاحدين، بل إني لو استطعت أن أسلبهم ما أعطيتهم، وأخرج طعامي من بطونهم أو أحوله سما لفعلت.

قال: وكذلك الحق تعالى مع كرمه العظيم، فإنه قد يسلب هؤلاء نعمهم، كما قال تعالى عن قرى سبأ لما أعرضوا عن شكر الله:{ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ}(سـبأ:16)

قلت: فما علاقة ذلك بالمستضعفين، أليس الشكر مطلوبا من الأغنياء، والصبر مطلوبا من الفقراء؟

قال: بل الشكر والصبر مطلوب منهما جميعا.

قلت: لم أفهم.

قال: لأن الشكر والصبر عبادتان لا تختلفان عن الصوم والصلاة، فهل قال أحد: إن الصلاة خاصة بالأغنياء، والصوم خاص بالفقراء.

قلت: لا لم يقل أحد بذلك.. ولكن على ماذا يصبر الأغنياء والنعم لديهم متوافرة؟

قال: على عدم استفزاز النعم لهم استفزازا يجعلهم يعبدون أنفسهم ولا يعبدون الله.

قلت: وماذا يشكر الفقراء؟

قال: أقل شيء يشكرونه أن الله لم يجعل لهم من الغنى ما يحول بينهم وبين تبصر الحق.

قلت: وهل يحول الغنى بين الإنسان وتبصر الحق؟

قال: أجل، ولذلك عقب الله تعالى الآية السابقة بقوله :{ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ }، فالغني قد ينشغل بالنعم وما تتطلبه عن شكرها.

قلت: ألا تأتيني بشواهد على هذا، فإنها مسألة خطيرة لا تقبل إلا بشاهد؟

قال: ألم تسمع إلى ربك، وهو يخبرك عن مواجهة المترفين لأنبيائهم؟

قلت: بلى، فالله تعالى ذكر ذلك في مواضع عدة من القرآن الكريم، كقوله مبينا سنة ذلك:{ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}(سـبأ:34)

قال: ألم تسمع إلى ربك، وهو يربط بين مصير القرى والمترفين، بل يبين أن المترفين هم سبب هلاك الأمم والحضارات؟

قلت: بلى، فالله تعالى يقول مبينا هذا القانون:{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}(الاسراء:16)

قال: ألا تعلم السبب الذي جعل الترف حائلا بين المترفين والحق؟

قلت: ما هو؟

قال: الترف.. فالمترف مستغرق في ترفه مستعبد له، وقد قال تعالى:{ فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} (هود:116)، فالمترفين استهواهم ترفهم، فاستعبدهم من دون الله.

قلت: لقد ذكرتني بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ) ([4])

قال: أكمل الحديث لتدرك نواحي الفضل التي يحتويها الفقر والضعف.

قلت مكملا الحديث السابق:( طوبي لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع )

قال: أتدري ما سر هذا الاقتران؟

قلت: ما هو؟

قال: أما الأول، فإنه لانشغاله بترفه، وما يتطلبه ترفه عمي عن الكون جميعا، وعمي عن رسالته في هذا الوجود، وأما الثاني الذي لا يملك شيئا، فقد كان فقره سببا في رؤيته الأشياء على حقيقتها.

قلت: فهمت، ولكن أريد مثالا موضحا.

قال: ارأيت إن وضع مترف من المترفين في قصر عظيم، له في كل لحظة زينة جديدة، وطعام جديد، فهو دائما في ظل الجديد، أكان يمكنه أن يجد الوقت لرؤية السماء، أو شعاب الوادي، أو فيافي الصحراء، أو تأمل النجوم في الليل.

قلت: لا يمكنه ذلك، فلن يخرج من قصره العامر ليصيبه غبار الفيافي.

قال: فكذلك هؤلاء المترفين الذين عصبوا عيونهم بخيوط الحرير، وكبلوا أقدامهم بقيود الذهب، ووضعوا على رقابهم أغلال اللآلئ.

قلت: والمستضعفين؟

قال: لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، فهو لا يبالي بشيء، ولا يخاف شيئا.

قلت: ولهذا السبب إذن كانت رؤية الفقير للحقائق أيسر.

قال: أجل.. ولهذا يقول تعالى لهؤلاء المترفين في الآخرة مستهزئا:{ لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ}(الانبياء:13)، ويقول معللا سر ما حصل لهم:{ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ}(الواقعة:45)

قلت: فالفقر إذن بما يرفعه من الحواجز نعمة تيسر الوصول للحق، وتوفر سبل السلوك إليه.

الشعاع الثالث:

غرقت متفكرا في الأثر الذي سيحدثه في نفسي الشعاع الثالث لهذه الجوهرة النفيسة، فإذ بصوت المعلم، وهو يرتل بخشوع:{ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}(لأعراف:75 ـ 76)

قلت: هاتان الآيتان الكريمتان تتحدثان عن مواقف قوم صالح u من رسالته، أما المستضعفون، فآمنوا به، وأما الملأ من المتكبرين فظلوا على كفرهم.

قال: أتدري ما سر إيمان المؤمنين؟

قلت: لقد عرفنا بأن سر ذلك هو الافتقار.

قال: ذلك ما أرشد إليه الشعاع السابق، أما هذا، فيدلنا على سر آخر.

قلت: ما هو؟

قال: إن مقابلة المستضعفين بالملأ المتكبرين يدل على أن المستضعفين قد تحققوا بالانكسار والتواضع الذي أهلهم ليظفروا بالاختيار الإلهي.

قلت: أللانكسار لله والتواضع كل هذه القيمة؟

قال: أجل كما أن المتكبر أعظم اليائسين من رحمة الله، فإن المتواضعين من أعظم الراجين لها.

قلت: ومن نطق بهذا الحكم الخطير؟

قال: ألم تسمع إلى قول الحق تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ}(لأعراف:40)

قلت: لقد شبه الحق استحالة دخول المتكبرين الجنة باستحالة دخول الجمل سم الخياط، ( فجسم الجمل أعظم الأجسام، وثقب الإبرة أضيق المنافذ، فكان ولوج الجمل في تلك الثقبة الضيقة محالا )

قال: فلما وقف الحق تعالى دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط، وكان هذا شرطا محالا، وثبت في العقول أن الموقوف على المحال محال، وجب أن يكون دخولهم الجنة مأيوسا منه قطعا([5]).

قلت: هذا هو حكم المتكبرين وشاهدهم، فمن قال: إن الانكسار مقرب إلى الله، وما أرى الانكسار إلا نوعا من الذلة والهوان والضعف.

قال: ذلك عندما يكون مع السوى، أما معه، فإنه القوة والكمال والعزة، ألم تسمع قوله تعالى وهو يذكر هؤلاء الذين انكسرت قلوبهم عندما لم يجدوا ما ينفقون.

قلت: تقصد قوله تعالى:{ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}(التوبة:92)

قال: نعم، فهل هناك أعز من هذا الموقف، لقد ذهبت أقوام كثيرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحملوا الحر والعناء، ولكنهم لم يفوزوا بمثل هذا الثناء.

قلت: ألهذا إذن يذكر الأولياء كثيرا قيمة الانكسار وأثره، ويحضون مريديهم عليه!؟

قال: أجل، فافتح أذني قلبك لتسمع ما يقولون.

التفت، فإذا بي أرى جمعا من الأنوار، عليهم سيما الأولياء.

قال الأول: انكسار العاصي خير من صولة المطيع.

وقال الثاني: معصية أورثت ذلاً وافتقاراً، خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.

قلت: عرفتك أنت ابن عطاء الله.. أنا أحفظ حكمك حرفا حرفا.. ولكن أليس في قولك هذا دعوة للمعصية!؟

ابتسم، وقال: الطاعة المضمخة بسم الكبرياء قاتلة، والمعصية المشبعة بترياق الشفاء دواء.. واسأل المعلم، فمنه تعلمنا.

قال المعلم: لو قدم لك أحدهم عسلا مصفى، أكان محسنا لك؟

قلت: وأي إحسان أعظم من هذا؟.. إن العسل في بلادنا لا يكاد يظفر به إلا ببذل الأموال الطائلة.

قال: ولكنه لو خلط معه سما.

قلت: يكون حينها قاتلا سواء مت من عسله، أو لم أمت.

قال: هل يعتبر بذلك مجرما أم محسنا؟

قلت: وأي إجرام أعظم من جرمه، بل إن في غشه لي بتقديم العسل كمن يريد أن أثني عليه وهو يسفك دمي، أو كمن يرشوني ليقبض روحي.

قال: والذي يقدم لك طعاما مرا، ولكن ترياق الشفاء فيه، أيكون محسنا أم مسيئا؟

قلت: بل يكون محسنا غاية الإحسان.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ماذا في الأمرين من الشفاء: الثفاء والصبر )([6])، فقد وصفهما صلى الله عليه وآله وسلم بالمرارة، وهو يشير إلى ما تختزنه مرارتهما من العلاج([7]).

قال: فإن العاصي الذي ينكسر لله خير من المطيع الذي يتألى على الله.

قلت: ولكن.. أليس في هذا حضا على المعصية؟

قال:  إنما يكون حضا لو كانت المعصية مجردة، أما اجتماعها مع الانكسار فيدخل في قوله تعالى:{ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}(هود:114)، ويدخل في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( يا معاذ أتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن )([8])

قلت: ما سر هذه القيمة التي أولتها النصوص المقدسة للانكسار؟

قال: الانكسار هو باب من أبواب العبودية لا يختلف عن الافتقار.

قلت: فما الفرق بينهما؟

قال: في الافتقار لا تملك شيئا، فأنت عين الحاجة.

قلت: وفي الانكسار.

قال: أنت عين المذلة.. فالإنسان قد لا يملك شيئا، ولكن تكون له عزة الملوك وكبرياء الملأ، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولاينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر )([9])

قلت: فطريق إخضاع العزة الآثمة هو الانكسار، كما أن طريق إخضاع الاستغناء الكاذب هو الافتقار.

قال: وفي كل ذلك مقابلة لصفات الربوبية بصفات العبودية.

قلت: لم أفهم.

قال: الأستاذ من يعلم؟

قلت: الجاهل.

قال: والطبيب من يداوي؟

قلت: المريض.

قال: فمن جاء لطبيب ليذكر صحته وعافيته وجماله وقوته، هل يضع الطبيب عليه ترياقه ليداويه!؟

قلت: كلا.. بل يطرده من عيادته.

قال: لماذا؟

قلت: لصلافته وعزته الآثمة.

قال: فكذلك طرد المتكبرون.

قلت: ولذلك عولج، ورحم المنكسرون.

غبت عما حولي متأملا النتيجة التي وصلنا إليها من حوارنا، وهي نتيجة تسحق كل السعادة، فقد وقى الله الفقراء ما يحدثه الغنى والترف في أصحابه من كبراء، تذكرت حينها قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يتضرع إلى الله لا ليعطيه الغنى، وإنما ليرزقه المسكنة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة )([10])

وتذكرت حينها قوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر عن بني إسرائيل:( وكانت امرأة ترضع ابنا لها في بني إسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت: اللهم اجعل ابني مثله! فترك ثديها وأقبل على الراكب وقال: اللهم! لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه، ثم مر بأمة فقالت أمه: اللهم! لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها وقال: اللهم اجعلني مثلها! فقالت: لم ذاك؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون: سرقت زنت، ولم تفعل )([11])

الشعاع الرابع:

فجأة صحوت من غيبتي، لأسمع المعلم، وهو يرتل بصوته الخاشع قوله تعالى:{ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا } (لأعراف: 137)

قلت: أهذا هو الشعاع الرابع؟

قال: أجل.. فما تفهم منه؟

قلت: في هذه الآية يخبر الله تعالى عن فضله على المستضعفين بتمكينهم من الأرض.

قال: وهي أعظم سلوى للفقراء.. فهي تنقلهم إلى الواقع لتخبرهم بأن حقائق إمكانية اختيارهم ليست فلسفة مثالية أو أحلاما جميلة، بل هي حقيقة يمكن تحقيقها في كل حين.

قلت: بم؟

قال: بالتحقق بحقائق الافتقار.

قلت: ولكن الافتقار قد يملؤهم بالهزيمة.. ويملأ نفوسهم بالعقد.

قال: افتقار العارفين، لا افتقار المحجوبين.

قلت: فما الفرق بينهما؟

قال: افتقار العارفين قوة، وافتقار المحجوبين ضعف.

قلت: لم؟

قال: افتقار العارفين لله.. فلذلك يعطون من القوة ما لا يمكن مواجهته.. وافتقار المحجوبين للأكوان.. فلذلك لن يجدوا من الأكوان غير الخذلان.. ألا تعلم ما قال الشيطان للكفار الذين افتقروا إليه واستندوا لقوته؟

قلت: بلى.. فقد قال تعالى:{ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(لأنفال:48)

قال: فقد خذلهم أحوج ما كانوا إليه.

قلت: أجل.. فقد استندوا إلى ركن غير ركين.

قال: كل من استند لغير الله، فقد استند لركن غير ركين.. ألم تسمع قوله تعالى:{ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}(آل عمران:160)؟

قلت: بلى.. وقد رأيت من نصر الله لأوليائه ما يدل على هذا.

قال: فالفقراء المتوجهون لله منصورون بنصر الله، مؤيدون بمدد الله.. فلذلك هم مختارون سواء عزلهم الخلق أو قربوهم.

قلت: فلا فقر إذن.

قال: لا فقر إلا الفقر الوهمي الذي يعيشه المحجوبون.

***

 شعرت عند سماعي هذا بجوهرة كريمة تنزل أعماق صدري، تنجلي من نورها بعض الظلمات.

قلت في نفسي بعدها: نعم إن الفقير في الحقيقة لا يؤلمه فقره، بقدر ما يؤلمه فوات الفرص والمكاسب التي يرى الأغنياء ينزلونها ويتهافتون عليها، بينما يبقى هو في المستنقعات يحلم بالجمال الذي لا يصل إليه، ولا يحلم بالوصول إليه، فلذلك إن رُفع هذا الوهم، وقيل للفقير: فقرك لا يحول بينك وبين أي شيء، فيمكنك أن تتربع على أي عرش، وتتناول أي حق، بل يمكنك أن تجعل الأغنياء الذين ترمقهم بعينين حسودتين يغبطونك على ما حل بك من النعم.. بل يمكنك أن تقف بينهم شامخا جبارا يتطاولون للوصول إلى ما وصل إليه عنقك، ويتوثبون للتحقق بما أدتك إليه همتك.

ثم قلت في نفسي: ليت الفقراء يسمعون لمعلم السلام وهو يخرجهم من الأوهام، فينتقلون من الشعور بالنقص إلى الشعور بالقدرة على الكمال، ومن الشعور بالعجز إلى الشعور بالقوة التي لا تقف دونها الحواجز.

قال لي معلم السلام، وكأنه يسمع ما يدور في نفسي: أسمعهم قوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}(النساء:97)

قلت: فما وجه الإشارة في هذا؟

قال: هذه أكبر صفعة ينالها المستضعف العاجز؟

قلت: كيف؟

قال: إن أوهامه تجعله يتصور أنه وإن صار ذنبا، فإنه لن يحرق مع الكبراء، لأنه كان مستضعفا، وكانوا متكبرين، فالآية تقول له:( لن تعذر باستضعافك لأن الله تعالى أعطاك القوة التي تخرج بها من ضعفك )

قلت: فبماذا ينتفع منها؟

قال: برفع الهمة، والثورة على الاستضعاف، فالحقيقة المرة قد تكون كالدواء المر، فإنه وإن لم يكن لذيذا، لكنه مفيد.. لكنه دواء.

قلت: ولكن ما الذي يحول بين الفقراء والمستضعفين وتملك هذه الجوهرة الثمينة؟

قال: إنه الاتباع الأعمى الناتج عن فراغ عظيم.

قلت: تقصد عقدة النقص التي تجعلهم يرون أنفسهم أصفارا، فينمحون أمام الكبار.

قال: سم ذلك ما شئت، ولكن من عظم غير الله، وسكن لغير الله ابتلاه الله بالاستعباد لكل شيء.

قلت: أتذكر لهذا السبب شاهدا، فأنت تعرف مدى غرامي بالشواهد؟

قال: القرآن الكريم كله شواهد على ذلك، ولكن اسمع لما يقول الله تعالى:{ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ}(سـبأ:32)

قلت: قرأت أمثال هذه الآية كثيرا.

قال: لا يكفي أن تقرأها.. لابد أن تسمعها.

قلت: فماذا تقول هذه الآيات، ومن تخاطب؟

قال: إنها تخاطب جذور أعماق الفقراء والمستضعفين، لتقول لهم:( إن الله لم يخلقكم أذنابا، بل خلقكم رؤوسا، فإن أبيتم إلا أن تكونوا أذنابا، فتحملوا ما يجركم إليه ذلك )

قلت: وما يجر إليه ذلك؟

قال: إن ربط شخص نفسه في ذيل خنزير نجس، أيمكن أن يبقى طاهرا؟

قلت: وكيف يبقى طاهرا، إن النجاسة لاحقة به لا محالة.

قال: فكذلك من رمى نفسه في أتون المجرمين، فإنه لا ينبغي أن يلوم أحدا إن احترق.

قلت: ألهذا يجمع الله تعالى في دار العدل الكبراء مع المستضعفين؟

قال: لأن المستضعفين أبوا إلا أن يبيعوا أنفسهم للكبراء.

قلت: إن هذه المعاني خطيرة، وهي تحض على الثورة.. ثورة الفقراء والمستضعفين.

قال: والثورة هي بداية السلام، فلا يمكن أن تتحقق بالسلام، وأنت تقنع بالعجز.

قلت: ولكن الثورة تحتاج سلاحا.

قال: فقد أعطى الله الفقراء القدرة على حمل السلاح.

قلت: ليواجهو به الكبراء والمستعلين؟

قال: ليواجهوا به قبل ذلك الظلام الذي يعمر أعماقهم، والخراب الذي يملأ نفوسهم، فمن الخطأ أن تلوم جارك على شيء تفعله في بيتك، ومن البهتان أن تنقلب على رؤسائك، ولا تنقلب على أهوائك.

ماذا وجد من فقدك:

صعد بي المرشد طابقا أعلى في قصر الاستغناء، فإذا بي أشاهد لافتة مكتوبا عليها:( هنا محل جوهرة عزيزة اسمها ( ماذا وجد من فقدك )

سألت المرشد عنها، فقال: أنا المرشد، ولست المعلم، اسأل معلم السلام.

أجابني من غير أن أسأله: لا يكفي أن تشعر بأنك لست مطرودا، ولا يكفي أن تشعر بأن في إمكانك أن تكون مختارا، لتمتلئ بالسلام والسعادة؟

قلت: فما الذي ينقص الفقير حتى يشعر بسكينة أعظم وسلام أتم؟

قال: أن يشعر بأن كل ما في يد غيره من الأغنياء والمستعلين هباء أو كالهباء، أو سراب أو كالسراب؟

قلت: وما فائدة هذا الشعور، وما علاقته بالاستغناء، وما علاقته قبل ذلك كله وبعده بالسلام؟

قال: لأن شعور الفقير بثروة الغني، يجعله عبدا لها، أو عبدا له.

قلت: كيف يكون ذلك، ولا بد من ذلك.

قال: فرق بين أن تراها، وبين أن تعتبرها.

قلت: لا أرى فرقا بينهما.

قال: إذا كنت في صحراء واسعة، ودب ثعبان الظمأ ليستل روحك، ورأيت سرابا بعيدا، هل تراه أو تعتبره؟

قلت: أراه، ولكني لا أعتبره.

قلت: وماذا لو اعتبرته؟

قلت: سأظل تائها في الصحراء، أبحث عنه، ثم لن أصل إليه أبدا.

قال: لم؟

قلت: لأنه غير موجود، والبحث عن غير الموجود عناء.

قال: فكذلك ثروات الأغنياء التي تراها.

قلت: ما الجامع بينهما؟

قال: إن نظرت إلى ما في أيديهم كما نظرت إلى السراب، ضحكت عليهم، وسخرت منهم، ولم يستعبدوك.

قلت: قرب لي المثال، فإني – كما تعلم – منغمس في أوحال الكثافة يشتد علي التجريد.

قال: أرأيت إن كان لك جار.. هو فقير.. ربما يكون أفقر منك..  ثم جاء بجوهرة مغشوشة، فعلقها في جيد امرأته، أو جاءك بكنز يلمع كالذهب، ولكنه ليس ذهبا، ثم ذهب يتعالى عليك، ماذا كنت تفعل؟

قلت: أرحمه، أو أضحك عليه.

قال: أكنت تتمنى أن يكون لك مثله؟

قلت: لا، لأنه لا يملك إلا السراب والهباء، ثم يغالط نفسه به.

قال: كيف يغالط نفسه به؟

قال: لأنه إذا جاء وقت الحاجة لن يغني عنه ذهبه شيئا.

قال: إذن هو كذلك السراب الذي { يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً }(النور: 39)

قلت: أجل.. هو كذلك.

قال: فأغنياء العالم الذين تمتلئ قلوب الفقراء حسدا أو نقصا عند رؤاهم، هل تغنيهم أموالهم وذراريهم وقصورهم شيئا وقت الحاجة.

قلت: أما في الدنيا، فنعم.

قال: ما الدنيا إلا أيام تروح وتنقضي، فبعد الدنيا.

قلت: لا تنفعهم، فلم أر أحدا تدفن كنوزه معه.

قال: أرأيت لو دفنت كنوزه معه، هل تغني عنه من أمره شيئا؟

قلت: كيف تغنيه، وهو لن يطول به المقام حتى يأكله الدود، فيصير هيكلا عظميا ينخره التراب.

قال: أرأيت لو حنطوه، وحفظوا جثته وزينوها بالحلي والحلل التي جمعها، أكان ذلك يغني عليه شيئا؟

قلت: كيف يغني عليه، وهو رمة بالية، والحمار يظل حمارا، ولو كسي وزين ما زين.

قال: فخبرني ما فائدة هذا المال الذي لا تجده أحوج ما تكون إليه؟

قلت: وما البديل؟

قال: أن تبحث عن المال الذي تجده في كل وقت.

قلت: ما الفرق بينهما؟

قال: الأول سراب، والثاني ماء، ومن أجهد نفسه مع السراب لن يصل إلى الماء.

قلت: وكيف أصل إلى الماء؟

قال: بالبحث عن رب الماء، ألم تقرأ قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}(النور:39)

قلت: فمن فقد الله؟

قال: لم يظفر إلا بالسراب، ولهذا كانت هذه الجوهرة جوهرة:( ماذا وجد من فقدك )

قلت: هذا جزء من حكمة ابن عطاء الله.

قال: هذه حكمة من حكم الوجود، وسنة من سنن الكون، و{ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}(الأحزاب: 62)

قلت: أريد الشواهد، فأنت تعرف أني لا أقبل إلا الشواهد.

قال: البصيرة خير الشواهد.

قلت: وكلام الله نور البصيرة.

قال: إليك هذه الأشعة الأربعة.

الشعاع الأول:

قلت: فما الشعاع الأول؟

قال: هو الشعاع الذي يضيء من سراج قوله تعالى:{ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً}(الكهف:42)

قلت: هذه قصة هلاك مال رجل غره ماله.

قال: لم يغره ماله فقط، بل استعبده من دون الله، ألم تسمع قوله بعد ندمه:{ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً}(الكهف:42)

قلت: فما في هذا من أشعة هذه الجوهرة؟

قال: هذا الشعاع يقول لك: كل ما امتلكته من غير الله فان أو سيفنى.

قلت: لا شك في هذا.. فهذه حقيقة من حقائق الأبد، فقد قال تعالى:{ وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(القصص:88)

قال: وقال تعالى:{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ}(الرحمن:26 ـ 27)

قلت: فما الأثر الذي يحدثه سماع هذه الآيات؟

قال: لا يتعلق بالهالك إلا هالك.. ولا يتعلق بالفاني إلا الفاني.

قلت: وكلنا هالكون، فلذلك ترانا نتعلق بالهالكين.. فهل علينا لوم في ذلك؟

قال: نحن هالكون، ولكن فطرنا مملوء ة بحب الحياة، ألم تسمع قوله تعالى:{ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} (طـه:120)

قلت: بلى.. فما في هذه الآية من فطرة الخلود؟

قال: لولا أن الله ملأ فطرة الإنسان بحب الخلود ما جاءه الشيطان من هذا الباب.

قلت: صدقت.. فالشيطان لا يرتع إلا فيما يحمله الإنسان من معاني.. فهو يبحث عنها ليقلب حقائقها.

قال: ولهذا.. فإن من أراد الحياة الخالدة يحتاج إلى التعلق بالخالد الذي لا يموت، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً}(الفرقان:58)، ففي الآية إشارة صريحة إلى هذا الشعاع الذي يخرجك من الأكوان ليربطك برب الأكوان.

قلت: ألهذا نرى النصوص الكثيرة تخبر عن هلاك الأموال، وذهاب العز عن أهله، كقوله تعالى عن أصحاب الجنة:{ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ}(القلم:19 ـ 20)

قال: لقد كان ما حل بتلك الجنة من من أكبر نعم الله عليهم.

قلت: كيف تقول هذا؟.. هذه عقوبة، وليست نعمة.

قال: كل نعمة تحجبك عنه عقوبة.. وكل عقوبة توصلك إليه نعمة.

قلت: صدقت.. فلولا أن الله تعالى ابتلاهم بهذا البلاء، لما قالوا:{ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}(القلم: 29)

قال: إن غلة هذه المقولة أعظم من كل غلة كان يمكن أن يظفروا بها.

الشعاع الثاني:

قلت: فما الشعاع الثاني؟

قال: هو الشعاع الذي يضيء من سراج قوله تعالى:{ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}(القصص:82)

قلت: فما في هذا الشعاع من حقائق هذه الجوهرة؟

قال: هذا الشعاع يقول لك: إن لم تشهد هلاك مالك، فستشهد هلاكك، وفي هلاكك هلاك مالك.

قلت: وضح لي ما تقصد.

قال: ما الغرض الذي تطلبه من الأموال؟

قلت: الانتفاع بها، والاستفادة منها.

قال: أرأيت إن منعت من هذه الاستفادة، وحرمت من هذا التمتع!؟

قلت: حينها سأعتبر نفسي خاليا من المال، حتى لو عمرت كنوز الدنيا خزائني.

قال: فهذا الشعاع يخاطبك من هذا الباب لينزع من قلبك عبودية الذهب والفضة، وينزع من الفقير شوقه الذي استعبده للذهب والفضة.

قلت: يخاطبه بمنطق الفناء الذي خاطبه به الشعاع السابق.

قال: أجل.. فما أكثر الخلق الذين لم يشهدوا هلاك أموالهم.. وكل الخلق شهدوا هلاكهم عن أموالهم.

قلت: فهل من فرق بينهما؟

قال: في التحقيق لا فرق بينهما.. فسواء ذهب مالك عنك، أو ذهبت أنت عن مالك.

قلت: أي عزاء يحمله هذا المعنى للفقراء.. ألسنا نبحث عن سلوى الفقراء؟

قال: هذا المعنى يخلص الفقراء من عبودية الشعور بالفقر للأشياء ليزج بهم في عبودية الافتقار لله.

قلت: فكيف نتحقق به؟

قال: بذكر الموت.. فما حل الموت في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلا كثره.

قلت: أسمع هذا اللفظ كثيرا فما معناه.

قال: هذا اللفظ يخاطب الفقراء ليقول لهم: إن ما عندكم كثير يكفيكم، فلا تحزنوا.. ويقول للأغنياء: إن ما عندكم قليل، فلا تغتروا به.

قلت: إن هذا يضاد الحقيقة.. فما عند الفقراء قليل، وبه صاروا فقراء.. وما عند الأغنياء كثير، وبه وجبت عليهم الزكاة.

قال: نحن نتكلم في الحقائق لا في الرسوم.. فمن نظر إلى مايسد الحاجة، فالقليل كثير.. ومن نظر إلى مايسد طمعه فالكثير قليل.

قلت: فذكر الموت إذن عزاء للفقراء.

قال: وتربية للأغنياء.

الشعاع الثالث:

قلت: فما الشعاع الثالث؟

قال: هو الشعاع الذي يضيء من سراج قوله تعالى:{ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ }(طـه: 97)

قلت: هذه الآية تتحدث عن عقوبة السامري.. ولا أرى فيها أي سلوى للفقراء، ولا أي تربية للأغنياء.

قال: اسمعها بعين الحقائق لتبصر الشعاع الذي ينطلق منها.

قلت: ليس في طاقة أذني أن تسمع غير الحروف والأصوات.

قال: أهذه هي عقوبة السامري؟

قلت: أجل.. لقد عاقبه الله بمرض يحرمه من المجتمع.. فهو لا يود أن يمس أحدا، أويلاقي أحدا.

قال: فعندما أراد الله أن يعاقب السامري بما تقتضيه فطرته من مخالطة المجتمع، هل أزال المجتمع وحرمه منه.

قلت: لا.. المجتمع كان موجودا على مرمى بصره.

قال: فهل قبض الله روحه ليحرمه من رؤية المجتمع؟

قلت: لا.. بل بقي موجودا.

قال: ولكن كيف حرم من المجتمع مع أنه كان في المجتمع؟

قلت: لقد ذكرت لك أنه ابتلي بمرض يحرمه من المجتمع مع أنه في وسطه وبين أفراده.

قال: فافهم سر هذا الشعاع من هذا المعنى.

قلت: كيف؟

قال: لقد عرفت في الشعاعين السابقين أن المال الذي استعبد الأغنياء والفقراء إما أن يذهب أو يذهب بصاحبه.

قلت: أجل.. وهذا الشعاع؟

قال: يقول لك:قد تبقى مع المال.. ولكنه لن ينفعك.. بل ستمتلئ حسرة وأنت تنظر إليه.

قلت: أأصير كالعيس في البيد يقتلها الظمأ؟

قال: أجل.. ولو كان الماء فوق ظهورها محمول.

قلت: نعم.. إني كثيرا ما ألاحظ هذا.. فالأشياء قد تكون موجودة، وبوفرة.. ولكنا لا نجد أي متعة، ونحن نتناولها.

قال: لأن التلذذ ليس بالأشياء.. وإنما بما يخلقه الله فيك من السكينة التي تستقبل التلذذ وتتمتع به.. اللذة من الله لا من الأشياء.. فقد تأكل كسرة يابسة، ويضع الله في لسانك من التلذذ بها ما لا تجده في أشهى المأكولات.

قلت: صحيح هذا..

قال: بل هوحقيقة يشير إليها، بل يصرح بها قوله تعالى:{ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ}(الانبياء:69).. فالله تعالى لم يطفئ النار، وإنما جعل في إبراهيم u من السكينة والإيمان ما تتحول به النار بردا وسلاما.

قلت: صحيح هذا.. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى:{ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}(لأنفال:43)،فالله تعالى جعل في هذه الرؤيا ما يطمئن القلوب ويملؤها بالثقة.

قال: ليس الأمر قاصرا على الرؤى، بل هو شامل للواقع.. لكل واقع.. ألم تسمع قوله تعالى:{ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}(لأنفال:44)

قلت: أجل.. لقد وعيت هذا..

قال: فاعبر منه إلى سائر الحواس.. فالله الذي يتصرف في الأعين يتصرف في اللسان والآذان وفي كل جوارح الإنسان ولطائفه.

قلت: أيمكن إذن أن يرزق الله الفقراء بمعيشتهم البسيطة من الراحة واللذة والسلوان ما لا يجده الأغنياء؟

قال: أجل.. فالخلق خلق الله.. واللذات نعم من نعمه، يوزعها لمن يشاء، وكيف يشاء.

قلت: ألا علاقة لها بالأشياء؟

قال: لا علاقة لها بالأشياء.. ألم تسمع قوله تعالى:{ وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}(الزخرف:33 ـ 35)؟

قلت: بلى.. سمعتها.. فما علاقتها بهذا؟

قال: إن الله يخبرنا بأن السعادة ليست في الأشياء..

قلت: أهي مثل قوله تعالى:{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}(طـه:124)؟

قال: أجل.. وقد عبر عن هذا الضيق بالضنك ليشير إلى أن حياة هؤلاء قد تكون واسعة من حيث الأشياء.. ولكنها ضيقة، بل ضيقة جدا من حيث بركات الأشياء، وما فيها من أصناف اللذات.

الشعاع الرابع:

قلت: فما الشعاع الرابع؟

قال: هو الشعاع المستمد من قوله تعالى على لسان الذي يكتشف حقيقة الأشياء التي كان يزهو بها في الدنيا:{ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} (الحاقة:28 ـ29)

قلت: فما يقصد هذا الشعاع؟

قال: هذا الشعاع يذهب الزهو الذي يملأ قلوب الأغنياء، وهم ينظرون إلى أموالهم، فيمتلئون استغناء بها عن الله.

قلت: فما يقول لهم؟

قال: يقول لهم: إن هذه الأموال التي شغلتكم عن الله لن تنفعكم أحوج ما تكونون إليها.

قلت: لقد ضرب الله لذلك مثلا في القرآن الكريم، فقال تعالى:{ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} (البقرة:266)

قال: أجل.. فهذا قد ذهب عنه ماله أحوج ما كان إليه.. أتدري ما مثله؟

قلت: ما مثله؟

قال: مثل رجل أفنى عمره في بناء سفينة ضخمة وضع فيها جميع جهده وجميع ما يحتاجه.. وضيع في سبيلها كل شيء.. لكنه ما إن توسط البحر اللجي حتى نبع من وسطها عيون أغرقتها وأغرقته معها.

قلت: ما أجدره لو ملأ نفسه بالراحة، وحفظ علاقاته.

قال: هو تمنى لو حصل منه ذلك، ولكن لات ساعة مندم.

قلت: لقد أخبر تعالى عن الحال التي يكون عليها هؤلاء في زحمة الأهوال، فقال:{ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ} (المعارج:11ـ14)

قال: وقد أخبر عن النتيجة التي يتقنع بها الأغنياء والفقراء الذين أفنوا أعمارهم بحثا عما لا يغنيهم، فقال:{ وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} (لأعراف:48)

قلت: فما في هذا الشعاع من السلوى للفقراء والتربية للأغنياء؟

قال: يقول لهما: لا تنشغلا بهذا الغنى الوهمي عن الغنى الحقيقي.. فما تجمعونه من أموال، أو ما تحزنون عليه من أموال لايساوي حسنة واحدة في ميزان رجل مؤمن.

قلت: إن هذا يجعل الأغنياء والفقراء يتسابقون إلى الحسنات..

قال: وحينذاك يذهب زهو الغني وكبرياؤه وغفلته.

قلت: والفقير..!؟

قال: لا يضر الفقير شيء مثل الغني الجاحد.. فإن آمن الغني اغتنى الفقير.

قلت: لم؟

قال: لأن ثروة الغني سينتفع بها الفقير.. وحق الفقير لا يتسلط عليه الغني.

قلت: نستطيع بهذا أن نمحو الفقر والغنى.

قال: أجل.. بالتنافس على الخير يزول الغنى والفقر.. فالفقير من خفت موازينه من حسنات الله.

قلت: لقد ذكرتني بحديث في الزمن الأول.. حين كان الناس ينظرون إلى ما تكتب الملائكة لا إلى ما تكتب الخزنة، فقد روي أن ناسا قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال:( أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة )، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال:( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر )([12])

***

 ما قلت هذا حتى شعرت بجوهرة كريمة تنزل أعماق صدري، تنجلي من نورها بعض الظلمات.

قلت في نفسي حين نزولها: نعم.. إن الفقير في الحقيقة لا يؤلمه فقره، وإنا يؤلمه شعوره بأن غيره يملك ما لا يملك، فهو ينطوي على حسد لا شعوري يجعله يمتلئ حزنا وأسفا.

فإذا علم هذا الفقير أن الكل فقير، وأن أبواب الغنى الحقيقي مفتوحة للجميع، وأن ذلك الغني الذي يتألم لغناه ما هو إلا فقير من الفقراء.. بل قد يكون أذل الفقراء وأحوجهم، فإنه سيعيش ممتلئا بغناه سعيدا بغناه.

لست أدري كيف خطر على بالي إبراهيم بن أدهم، وقد كان من أهل النعم بخراسان؟ فبـينما هو يشرف من قصر له ذات يوم إذ نظر إلى رجل في فناء القصر وفي يده رغيف يأكله، فلما أكل نام، فقال لبعض غلمانه: إذا قام فجئني به، فلما قام جاء به إليه، فقال إبراهيم: أيها الرجل أكلت الرغيف وأنت جائع؟ قال: نعم. قال: فشبعت؟ قال: نعم، قال: ثم نمت طيباً؟ قال: نعم. فقال إبراهيم في نفسه، فما أصنع أنا بالدنيا والنفس تقنع بهذا القدر.

وذكرت عامر بن عبد القيس حين مر عليه رجل، وهو يأكل ملحاً وبقلاً، فقال له: يا عبد الله أرضيت من الدنيا بهذا؟ فقال: ألا أدلك على من رضي بشر من هذا؟ قال: بلى. قال: من رضي بالدنيا عوضاً عن الآخرة.

وذكرت محمدا بن واسع حين كان يخرج خبزاً يابساً فيبله بالماء ويأكله بالملح ويقول: من رضي من الدنيا بهذا لم يحتج إلى أحد.

ماذا فقد من وجدك:

صعد بي المرشد طابقا أعلى في قصر الاستغناء، هو قمة طوابقها، فلاحت أنوار عظيمة جميلة لا يمكن وصفها كادت تخطف بصري، قلت للمعلم: ما هذا؟

قال: هذه منطقة:( قدس الأقداس )، فاحرص على الأدب، { فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً}(الكهف: 70)

قلت:{ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً}(الكهف:69)

ارتد إلي طرفي، فأبصرت جوهرة لا يمكن وصفها.. نورها يكاد يغمر كل شيء، بل كدت أحس أني شعاع من أشعة نورها، سألت المرشد عن هذه الجوهرة العزيزة، فقال: هذه جوهرة:( ماذا وجد من فقدك )

قلت: ما معنى ذلك؟

قال: أنا المرشد، ولست المعلم، اسأل معلم السلام.

أجابني من غير أن أسأله: لا يكفي أن تشعر بأنك لست مطرودا.. ولا يكفي أن تشعر بأن في إمكانك أن تكون مختارا.. ولا يكفي أن تشعر بأن كل ما يملك غيرك سراب وهباء، لتمتلئ بالسلام والسعادة؟

قلت: فما الذي ينقص الفقير حتى يشعر بسكينة أعظم وسلام أتم؟

قال: أن يشعر بأنه يملك كل شيء، وأنه لا ينقصه شيء.

قلت: وما فائدة هذا الشعور، وما علاقته بالاستغناء، وما علاقته قبل ذلك كله وبعده بالسلام؟

قال: لأن افتقاره إلى أي شيء يعني دوام حاجته وفاقته ونقصه، والاستغناء يقتضي الغنى المحض.

قلت: فما علاقة ذلك بالسلام.

قال: لأن الفقر نقص وضعف، والسلام لا يجاور الضعفاء، وأعظم الضعف الكفر، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( كاد الفقر أن يكون كفرا )([13]).. أتفهم وجه الإشارة في هذا الحديث؟

قلت: أفهم معناه الظاهر، وهو ما يستدل به قومي في حربهم للفقر.

قال: أما معناه الخفي الذي قد يغفلون عنه، فهو أن الفقر يعني عدم الشعور بنعم الله، وعدم الشعور بها يعني كفرانها وجحودها.

قلت: فالفقر إذن كفر؟

قال: الفقير الذي تملكه الأشياء، ولا يملك الأشياء.

قلت: فكيف يملك كل شيء؟ ومن لديه الطاقة لأن يملك كل شيء؟ ذلك الله فهو ملك كل شيء ومالك كل شيء.

قال: ومن عرف الله ملك كل شيء.

قلت: لم أفهم.

قال: من عرف الله والاه وناصره وأحبه وعبده.. أليس كذلك؟

قلت: بلى.

قال: ومن والى الله والاه، ومن أحبه أحبه، ومن نصره نصره.. أليس كذلك؟

قلت: بلى.

قال: فمن كان كذلك أيحتاج شيئا من الله، فيبخل عليه به؟

قلت: معاذ الله.

قال: فمن لم يعز عليه شيء، ولم تطلبه نفسه شيئا إلا وجده، ألا يعتبر واجدا لكل شي مالكا لكل شيء!؟

قلت: ربما، ولكن الملك شيء، والانتفاع شيء آخر.

قال: وما فائدة الملك غير الانتفاع؟

قلت: لم أفهم ما تقصده.

قال: أرأيت لو ملكت آلاف القصور، وكانت لك آلاف المطاعم، ثم انقبضت نفسك أو سدت شهيتها، أو حالت الحوائل بينك وبين التهام ذلك الطعام الذي أعد لك، أكنت تفرح بامتلاكك له؟

قلت: لا أظنني سأفرح، بل ربما أحسد آخر طباخ يأكل فضلات ذلك الطعام الذي حرمت منه.

قال: فقد فهمت إذن.

قلت: وماذا فهمت؟

قال: بأن العبرة في الانتفاع لا بالملك.

قلت: ولكن ما علاقة ذلك بهذه الجوهرة النفيسة.

قال: نور هذه الجوهرة يمتد في الصدور ليشعرها بأن مجرد وجود الله والتعرف عليه والوصول إليه والقرب منه كاف في الحصول على الغنى التام الذي لا يفتقر صاحبه إلى شيء.

قلت: فما أنوار أشعتها؟

قال: أشعتها كثيرة، ولكن يكفيك هنا هذه الأربع.

الشعاع الأول:

قلت: فما الشعاع الأول؟

قال: مريم ـ عليها السلام ـ

قلت: ما شأنها؟

قال: اسمع ما يقوله تعالى في حقها:{ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(آل عمران:37)

قلت: هذه الآية أعرفها، فما محل الشاهد منها؟

قال: أرأيت لو أن ملكا يملك كل مزراع الدنيا ومصانع أغذيتها طلب من فلاحيه وعلمائه أن يأتوه بفاكهة واحدة من الفواكه التي كانت تأكلها مريم ـ عليها السلام ـ وهي في محرابها، أكانوا يطيقون؟

قلت: كلا، فطعامهم من الشهادة، وذلك من الغيب، وما أبعد البون بين الغيب والشهادة.

قال: فمريم ـ عليها السلام ـ أغنى منهم؟

قلت: في هذه الحالة، يمكن أن نقول: نعم.

قال: وفي غيرها، يمكن أن تقول: نعم أيضا، لأن الذي أعطى الطعام يمكن أن يعطي غيره.

قلت: فما سر هذا؟

قال: سأضرب لك مثالا يوضح لك هذا: لو رأيت بستانا جميلا، فيه من الفواكه والثمار ما فيه، ونازعتك نفسك إلى ثماره، فما هو أقرب طريق إلى ذلك؟

قلت: أقرب طريق إلى ذلك أن أستأذن صاحبه في الأخذ منه.

قال: ولو أنك تقربت من صاحبه من غير أن تطلب منه شيئا، ثم وفرت من الأسباب ما يجعلك حبيبا في عينيه وقلبه.

قلت: سيغدق علي حينها ثمارا كثيرة وفواكه لذيذة.

قال: فلو كان تقربك أعظم، وكان هذا البستان الذي يملكه ذلك الغني جزءا من مائة ألف جزء من بساتينه؟

قلت: حينها سيعطيني البستان جميعا، بل ربما يعطيني بساتين أخرى أفضل وأعظم.

قال: فهكذت فعلت مريم ـ عليها السلام ـ 

 قلت: وماذا فعل أغنياء قومي الذين يتيهون بغناهم؟

قال: اغتنموا ظلام الليل، فسطوا على شجرة من أشجار ذلك البستان، فاقتطفوا ثمرة من ثمارها، ثم اقتتلوا فيما بينهم أيهم يملكها.

قلت: لقد كان في إمكانهم أن يأخذوها في ضوء النهار، وبدون أن يقتتلوا؟

قال: لأنهم لم يتعلموا السلام.. لقد تعلموا أن لا ينالوا شيئا إلا بالصراع.

الشعاع الثاني:

قلت: وعيت هذا .. فما الشعاع الثاني؟

قال: شعاع المعية.

قلت: فما شعاع المعية؟

قال: إنه شعاع ينبع نوره من قوله تعالى على لسان موسى u:{  كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}(الشعراء: 62)

قلت: هذه الآية تخبر عن موقف موسى u عندما خرج بصحبة بني إسرائيل، فاشتد حنق فرعون عليهم، فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له جنوده من أقاليمه، فركب وراءهم في أبهة عظيمة وجيوش { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}(الشعراء:61)

وحينها قال موسى u:{ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}(الشعراء: 62)

قال: وحينها ماذا حصل؟

قلت: بمجرد أن قالها أمره اللّه تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، فنجا موسى u ومن معه أجمعون.

قال: وماذا حصل لفرعون؟

قلت: ما قصه القرآن الكريم، قال تعالى:{ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} (لأنفال:54)

قال: فكيف انتصر موسى u على فرعون؟

قلت: بقوة الله وتأييده، فلم يكن لموسى u حينها أي قوة تمنعه من بطش فرعون.

قال: ولم يكن له كذلك أي مفر، فالبحر أمامه، والعدو وراءه.. ولكن لماذا خاف قوم موسى u فقالوا:{ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}(الشعراء: 61)، بينما لم يهتز لموسى u عصب، ولم يخفق له قلب؟

قلت: لإدراكه أن الله معه.

قال: ومن كان الله معه هل تقاومه جيوش الدنيا؟

قلت: كيف يكون ذلك، والله رب الدنيا ورب جيوشها، بل إن الله يرسل أضعف جنوده ليحفظ من يشاء، ويهلك من يشاء.

قال: فمن كان صاحب جيش عرمرم يحميه أينما حل، وأينما ارتحل من دون أن يكلفه شيئا لا طعامه ولا شرابه ولا أجرته، أيعتبر فقيرا؟

قلت: بل هو في درجة أعلى من الغنى.. إنه في درجة الملوك.

قال: بل هو في درجة أعلى من الملوك.

قلت: كيف؟

قال: جيوش الملوك يحركها الطمع في أجر الملوك، وقد يستفزها الطمع فتنقلب على الملوك، فيعيش الملك في حمايتها خائفا من جنايتها.

قلت: ومن كان في حماية الله وجنود الله.

قال: تكون نصرته بحسب كينونته معه، وأمنه بحسب حضوره مع الله.. ألم تسمع إليه صلى الله عليه وآله وسلم وهو في أحرج المواقف التي مر بها، وهو في غار ثور، ولو أن أحدا من الشركين رمى ببصره لرآه، ماذا قال حينها صلى الله عليه وآله وسلم؟

قلت: قال ما قصه علينا قوله تعالى:{ إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(التوبة:40)

قال: أتعلم قدر البشارات التي يحملها قوله تعالى:{ إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ }

قلت: إنها بشارة عظيمة ولا شك.

قال: ولكن لا يمكن تصورها.. إنها جواز حماية من الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن كان الله معه كانت جنود الدنيا جميعا معه، قال تعالى:{ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}(الفتح:7)

قلت: ما أكثر ما يملك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذن من جنود.

قال: بل ما أعظم ما يملك كل مستغن بالله فقير إلى الله من جنود، ألم تسمع قول الحق تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد:7)؟

قلت: بلى ..  ومن كان الله في نصرته لا يغلب.

قال: { إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}(آل عمران:160)

قلت: ومن تخلى الله عنه لا ينصر، ولو ملك جميع جيوش الأرض.

قال: { أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ}(الملك:20)

قلت: فمن وجد الله إذن لا يستغني بالرزق فقط، بل يستغني بالحماية والرعاية والحفظ.

***

 تأملت ما يحمله هذا الشعاع من بشارات، وتذكرت مواقف الأنبياء والأولياء الذين لم تتزعزع قلوبهم، وهم يرون المشانق منصوبة لهم.

تذكرت إبراهيم u، وهو يلقى في المنجنيق ليرمى به إلى ما أضْرَم له أعداء الله من النار، فلم يتحرك قلبه، ولم ترتعد فرائصه، بل بقي كالطود الأشم لا تزعزعه الرياح، بل سرت السكينة من باطنه إلى ظاهره إلى ما حوله، فأطفأت ببرودتها وسلامها نار النمروذ وزبانيته.

جمعوا الحطب شهرا ثم أوقدوها، واشتعلت واشتدت، حتى أن الطائر كان يمر بجنباتها فيحترق من شدة وهجها.

ثم قيدوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مغلولا، وغفلوا أن يقيدوا سكينته، أو عجزوا أن يقيدوها.

وحينذاك ضجت السموات والأرض ضجة واحدة: ربنا! إبراهيم ليس في الأرض أحد يعبدك غيره يحرق فيك فأذن لنا في نصرته.

وكان الله يعلم ما في قلب إبراهيم، فقال ـ كما يروي المفسرون ـ:( إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه ) 

فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خزان الماء – وهو في الهواء – فقالوا: يا إبراهيم إن أردت أخمدنا النار بالماء. فقال: لا حاجة لي إليكم.

وأتاه ملك الريح فقال: لو شئت طيرت النار. فقال: لا.

ثم رفع رأسه إلى السماء فقال:( حسبي الله ونعم الوكيل )

وحينها جعل الله من هذا الذي أرادوا حرقه به بردا وسلاما وبشارة.

الشعاع الثالث:

قلت: وعيت هذا.. فما الشعاع الثالث؟

قال: إنه شعاع ينبع نوره من قوله تعالى على لسان امرأة فرعون:{ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ}(التحريم: 11)

قلت: فما فيه من الاستغناء بالله؟

قال: ألا ترى أنها طلبت الجار قبل الدار؟

قلت: أجل.. وقد كان ذلك من أدبها.

قال: ليس ذلك من الأدب فقط.. بل قد عبرت عن حقيقة من الحقائق الكبرى.

قلت: فما هي؟

قال: لا لذة للجنة.. ولا لأي شيء من غير الله.. فلولا الله، وحضور الله لكانت الجنة خرابا على أهلها.

قلت: أجل.. فقد سمعت الله، وهو يتوعد الجاحدين بالحجاب، فيقول:{ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}(المطففين:15)..

قال: ولهذا قال العارفون:( ليس خوفنا من نار جهنم، ولا رجاؤنا للحور العين، وإنما مطالبنا اللقاء، ومهربنا من الحجاب )

قلت: أهم يستهينون بالجنة، أم تراهم يحتقرون النار؟

قال: لا.. ولكن معنى هذه الحقيقة شغلتهم عن كل شيء، فلم يتصوروا سعادة من دون الله.. ألا ترى المحبين كيف يغفلون عند رؤية محبيهم عن الآلام التي تحيط بهم!؟

قلت: أجل.. وقد عانيت بعض ذلك.

قال: فما وجدت؟

قلت: وجدت ما قال الشاعر:

وفي فؤاد المحب نار جوى        أحر نار الجحيم أبردها

قال: فهل تستنكر ذلك؟

قلت: كيف لي أن أستنكر ما أعلمه من نفسي.. إن نار الفراق إذا استولت على القلب غلبت النار المحرقة للأجسام، فإن نار الفراق نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، ونار جهنم لا شغل لها إلا مع الأجسام.. وألم الأجسام يستحقر مع ألم الفؤاد.

وليس هذا في الآخرة فحسب، بل في الدنيا شهادات كثيرة عليه، ( فقد رؤي من غلب عليه الوجد، فغدا على النار وعلى أصول القصب الجارحة القدم وهو لا يحس به لفرط غلبة ما في قلبه، وترى الغضبان يستولي عليه الغضب في القتال فتصيبه جراحات وهو لا يشعر بها في الحال لأن الغضب نار في القلب، واحتراق الفؤاد أشد من احتراق الأجساد، والأشد يبطل الإحساس بالأضعف كما تراه فليس الهلاك من النار والسيف إلا من حيث إنه يفرق بين جزأين يرتبط أحدهما بالآخر برابطة التأليف الممكن في الأجسام، فالذي يفرق بين القلب وبين محبوبه الذي يرتبط به برابطه تأليف أشد إحكاماً من تأليف الأجسام فهو أشد إيلاماً )([14])

قال: صدق الغزالي.. فقد عبر عن هذه الحقيقة خير تعبير.

قلت: كل الربانيين عبروا عنها.

قال: أتدري سر لهج أهل  الجنة بالتسبيح؟

قلت: لقد ورد النص على لهجهم بالتسبيح، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوطون، ولا يتمخطون، ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس)([15])..  فما سر ذلك؟

قال: سر ذلك أنه لا لذة لشيء يخلو من ذكر الله.. فلذلك يكون تسبيح أهل الجنة بمثابة النفس عندنا.. ولولا التنفس لم نتنعم بطعام ولا شراب ولا متاع.

قلت: ألا نستطيع أن نعمم هذا على ارتباط الكثير من التصرفات العادية بذكر الله؟

قال: أجل.. فالعارفون لا يفهمون من هذه الأوامر والسنن إلا ذلك.. أما الغافلون، فيعتبرونها من التكاليف التي تنوء بها ظهورهم.

قلت: أذكرنا لله نعمة إذن؟

قال: وهل يرتاح المحب إلا لذكر حبيبه؟

قلت: لقد ذكرتني باعتباره صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة قرة عينه.

قال: أجل.. فالصلاة هي الموعد الذي يلقى فيه الحبيب حبيبه.

قلت: أرأيت لو حيل بين أرواح الأولياء الطاهرة، وبين هذه العندية؟

قال: يعدم كل موجود، ويفنى كل حي، وييبس كل مخضر.. ألا تعلم ما قال حاديهم؟

لم أدر إلا وأنا أقول: أجل.. فقد قال أبو مدين:

فلولا معانيكم تراها قلوبنا
 
إذا نحن أيقاظ وفي النوم إن غبنا
  
لمتنا أسى من بعدكم وصبابة
 
ولكن في المعني معانيكم معنا
  

الشعاع الرابع:

قلت: وعيت هذا .. فما الشعاع الرابع؟

قال: هو شعاع ينبع من نور قوله تعالى:{ ِإذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}(التوبة: 40)

قلت: فما في هذا الشعاع من حقائق الاستغناء؟

قال: معية الوجود.

قلت: فما معية الوجود؟

قال: أرأيت لو أن رجلا له ولد هو أحب الناس إليه لا يستطيع فراقه مع أنه لا ينتظر أي نصرة منه.. ثم غاب ولده غيابا طويلا جعله يكاد ييأس منه، ثم ظفر به.. ما هو أعظم ما يسليه إن أصابته الأحزان؟

قلت: إن رؤيته لولده أو تذكيره به أكبر ما يملأ قلبه مسرة وفرحا.

قال: فكذلك الأمر في هذا.. ولله المثل الأعلى.

قلت: ولكن الله حاضر لم يغب.. فكيف تضرب هذا المثال؟

قال: هو حاضر لم يغب.. ولكن القلوب هي الغافلة الغائبة.. فلذلك إن ملأها الله بالإيمان والمحبة، فلن تتأسف على شيء تفقده:

لكل شيء إذا فارقته عوض     وليس لله أن فارقت من عوض

قلت: أجل.. لقد ذكرتني بصنوف من الحكمة ذكرها الأولياء، ونشر عطرها الصالحون.

قال: فما قالوا؟

قلت: لقد ذكروا في الإشارة عن الله تعالى:( لا تركنن إلى شئ دوني فإنه وبال عليك وقاتل لك، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك، وإن آويت إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن آنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت الخلق وكلناك إليهم، وإن اغتررت بالمعرفة نكرناها عليك..  فأي حيلة لك، وأي قوة معك..  فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبداً)

وسئل أبو سليمان الداراني t عن أفضل ما يتقرب به إلى الله، فقال:( أقرب ما يتقرب به إلى الله أن يطلع على قلبك، وهو لا يريد من الدنيا والآخرة سواه )

قال: فالغارقون في بحر هذا الحب لا يرون غير محبوبهم، وهو لا يغيب عنهم أبدا.. فلذلك لا يشعرون بالفاقة التي تملأ نفوس الخلائق.

قلت: أجل.. وقد قال قائلهم:

ومن عجب أني أحن إليهم
 
وأسأل عنهم من أرى وهم معي
  
وتطلبهم عيني وهم في سوادها
 
ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
  

قال: فبشر الفقراء بأن يجعلوا غناهم بالله.. وبشر الأغنياء بما فاتهم من الحظوظ بابتعادهم عن الله.

قلت: إذا بشرتهم جميعا تساوى الأغنياء والفقراء!؟

قال: من شعر بفقره للأشياء لن يصل إلى الله.. ومن شعر بغناه عن الله مات في أودية الفقر.

***

ما قال هذا حتى شعرت بجوهرة كريمة تنزل أعماق صدري، تنجلي من نورها بعض الظلمات.

قال: فقد أدركت سر النعم ولبابها.. ألا تعلم معنى النعم؟

قلت: بلى.. فالنعم هي الفضل العظيم الذي يمن الله به على عباده.

قال: فمن وصف الله به في القرآن الكريم؟

قلت: لقد وصف الله به أصنافا من الناس.

قال: فمن هم؟

قلت:هم أولا غير المغضوب عليهم ولا الضالين، كما قال تعالى:{ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}(الفاتحة:7)

قال: ألا ترى فيهم الأغنياء؟

قلت: ولكنهم بمنطق القرآن الكريم ليس لهم حظ من هذه النعم.. فهم فقراء من هذه الزاوية.

قال: فلماذا تودون أن تكونوا مثلهم؟

قلت: نحن ننظر إلى الزخارف لا إلى الحقائق.

قال: فعد بنا إلى المنعم عليهم لترى حقائق النعم وأصناف المنعم عليهم.

قلت: إن المنعم عليهم في القرآن الكريم ليسوا أثرياء العالم الكبار، وإنما هم حفنة من من عباد الله الصالحين الذين قد يحتقرهم الخلق لبذاذتهم، وقد يرمونهم بالتخلف لسوء حالهم، ولكن الله أنعم عليهم، وأطنب في في ذكرهم، فذكرهم إجمالا في قوله تعالى: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} (النساء:69)


([1])   انظر: تفسير الرازي، مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (17/ 337)

([2])   رواه أبو نعيم في الحلية.

([3]) )  رواه النسائي.

([4]) ) البخاري.

([5]) )  الفخر الرازي.

([6]) )  أبو داود في مراسليه والبيهقي.

([7]) )  انظر: ابتسامة الأنين،  الجزء الثالث.

([8]) )  أحمد ، ورواه الترمذي برقم (1988) وأوله: اتق الله حيث ما كنت. عن أبي ذر وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد والدارمي والحاكم في الإيمان وقال على شرطهما. راجع تحفة الأحوذي (6/122)

([9]) )  النسائي.

([10]) )  رواه الترمذي كتاب الزهد.

([11]) )  البخاري ومسلم.

([12]) )  مسلم.

([13]) )  أورده العجلوني في كشف الخفاء (2 / 108)، وقال: في سنده يزيد الرقاشي ضعيف،  ورواه الطبراني بسند فيه ضعيف مرفوعا.

([14]) )  إحياء علوم الدين.

   ([15]) )  مسلم.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *