أولا ـ حصن الغيبة

أولا ـ حصن الغيبة

دخلنا الحصن الأول من حصون الروح.. كان النور يشع فيه من كل النواحي.. وهو نور هادئ مريح تكاد النفس تغيب في جماله.. وكان النور يكتب بإشعاعاته عبارات حاولت قراءتها بعيني، فلم أفلح، قلت لمعلم السلام: ماذا تكتب هذه الأنوار؟

قال: اسمعها ببصيرتك.. ولا تقرأها بعينك.

أصغيت بأذن بصيرتي، فسمعت صوتا حانيا يتوجه إلي قائلا: لا تحزن إن ألمت بك الأدواء، وطافت بجسمك السموم، وانتهض جيش الشيطان ليملأ قلبك هما وحزنا.

لا تحزن.. واجعل من أدواء جسمك أدوية لقلبك، وحول من تثاقل ذاتك الطينية سموا لذاتك الروحية.

قلت: يا معلم.. ما هذا الصوت؟

قال: هذا هو صوت أطباء البصيرة.. فهم يخاطبون أعماقك لا جوارحك.

قلت: أكل أطباء هذ المستشفى بهذه الصفة؟

قال: لا.. لكل قسم طبيعته الخاصة.. أما في هذا القسم، فلن تسمع إلا بالبصيرة.. ولن ترى إلا بالبصيرة.. أليس هو قسم (الغيبة)

قلت: إن هذا الصوت يكلفني ما لا يطيق بشر فعله، فكيف أترفع عن ذاتي الطينية، وأنا حبيسها، وكيف أجعل من الأدواء دواء.. علمني، فإني لا أكاد أفهم شيئا؟

قال: سر معي، ولا تسأل.

نهضت لأسير، فقال: إلى أين؟

قلت: ألم تطلب مني أن نسير؟

قال: ألا سير إلا بالأرجل؟

قلت: هذا ما نعرفه.

قال: ما وصل من سار برجله، ولا تحقق من أتعب قدميه؟

قلت: فبم أسير؟

قال: بك.

قلت: وهل رجلاي إلا أنا؟

قال: رجلاك منك لا أنت.

قلت: فها أنذا بين يديك سر بي حيث شئت.

قال: لا يمكن لأحد أن يسير بأحد، كل واحد يسير بنفسه.

قلت: إلى أين؟

قال: إلى رياض الأولياء.

قلت: لماذا؟

قال: ليجيبوا عن سؤالك.

قلت: أي سؤال، فقد نسيت؟

قال: أنت تبحث عن الترفع عن البلاء، والترفع سيما الصالحين، ولذلك سنبحث في سيرهم لنرى ترفعهم وابتسامتهم لأنينهم.

قلت: أنا أسمعك، فارو لي أخبارهم مع الأنين.

قال: تسمعها بصيرتك من أفواه أولياء هذا القسم، فأصخ سمعها.

أصخت سمع بصيرتي، فسمعت صوتا جميلا يخاطبني قائلا: كن ـ أيها المتألم الغارق في أوحال الأنين ـ  كتلك المرأة التي عثرت، وانقطع ظفرها، فضحكت، فقيل لها: أما تجدين الوجع؟ فقالت: إن لذة ثوابه أزالت عن قلبـي مرارة وجعه.

قال معلم السلام: هذه ابتسامة الثواب.. وهي سلوى الفقراء إلى فضل الله.

سمعت صوتا آخر يقول: كن كذلك الذي قطعت رجله من ركبته من أكلة خرجت بها، ثم قال: الحمد لله الذي أخذ مني واحدة، ولئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت لقد عافيت.

قلت: ما أجمل هذا ! صوت من هذا؟

قال: هذا صوت التسليم والرضى الممزوج بالشكر.

صاح صوت آخر: كن كذلك الذي استسقى بطنه، فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد حتى نقب له في سرير من جريد كان عليه موضع لقضاء حاجته، فدخل عليه أخوه، فجعل يبكي لما يراه من حاله، فقال: لم تبكي؟ قال: لأني أراك على هذه الحالة العظيمة قال: لا تبك فإنّ أحبه إلى الله تعالى أحبه إليَّ، ثم قال له لما رأى جزعه: أحدّثك شيئاً لعل الله أن ينفعك به، واكتم عليَّ حتى أموت، إنّ الملائكة تزورني فآنس بها وتسلم علي فأسمع تسليمها فأعلم بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة.

قلت: الله ! ما أعظم رحمة الله بأوليائه !

قال: هذا صوت السلوى بأهل الله.

صاح صوت آخر: كن كذلك الذي قالت له امرأته: أهلي فداؤك ما نطعمك. ما نسقيك؟ فقال: طالت الضجعة، ودبرت الحراقيف، وأصبحت نضواً لا أطعم طعاماً ولا أسيغ شراباً منذ كذا، وما يسرني أني نقصت من هذا قلامة ظفر.

قلت: هذا التسليم بعينه.. هذا الرضى المحفوف بالسعادة.

صاح صوت آخر: كن كذلك الذي نظر رجل إلى قرحة في رجله، فقال: إني لأرحمك من هذه القرحة، فقال: إني لأشكرها منذ خرجت إذ لم تخرج في عيني.

قلت: هذا الشكر..

قال: وهو سر من أسرار الابتسامة.

صاح صوت آخر: كن كذلك الذي جمع أصناف البلاء، فقد كان أعمى مجذوما والنمل يأكل لحمه، فرآه بعض الناس، فحزن عليه، فقال: من هذا الفضولي الذي يدخل بـيني وبـين ربـي، لو قطعني إرباً إرباً ما ازددت له إلا حباً؟

قلت: هذا الحب..

قال: وهو منبع من منابع السكينة، ومخدر من مخدرات الألم.

صاح صوت آخر:  كن كالذي عبد الله بابتسامة الأنين، فجعله الله أعبد أهل زمانه، يروى أنّ يونس u قال لجبريل: دلني على أعبد أهل الأرض. فدله على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه وذهب ببصره، فسمعه وهو يقول: إلهي متعتني بهما ما شئت أنت، وسلبتني ما شئت أنت، وأبقيت لي فيك الأمل يا بر يا وصول.

قلت: هذا صوت الأمل.

قال: وهو صوت العارفين بالله المحسنين الظن به.. وهو صوت السعادة الطامحة إلى المعالي.

صاح صوت آخر، كأنه يجمع الأصوات جميعا: كن مثلهم، فابتسموا في الوقت الذي أن فيه غيرهم، وفرحوا في الوقت الذي حزن فيه غيرهم، وحمدوا الله في الوقت الذي ضجر فيه غيرهم، فنالوا الرضى، وفازوا بالجنتين جميعا، جنة الدنيا وجنة الآخرة.

 قلت لمعلم السلام: فما كان حاديهم في ذلك.. من فتر ثغورهم بالابتسامة العذبة، وخدر آلامهم من غير ترياق؟

قال:  بلسمان شافيان: أما الأول فقد غابوا بالله عما سواه، حبا له، ورضى به، وسكونا لمقاديره.. وأما الثاني، فنعم الله التي ينطوي عليها البلاء، فالمبتلى عامل عند الله، وللعامل حظ من اسم الله (الشكور) يناله لا محالة، فيغيب بنواله عن كل ألم.

قلت: فأين نجد هذين البلسمين؟

قال: لكل منهما قاعة علاجه الخاصة.. فهلم إليهما.

الغيبة بالله

دخلت القاعة الأولى، وهي أنوار محضة لا يمكن وصفها، وإذا لافتة مكتوب عليها قوله تعالى:{ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} (يوسف:31)

وسمعت صوتا حانيا قويا يقول ـ وكأنه يخاطب جميع مرضى العالم ـ: (أول ما يكسر سورة الأنين الذي قد يتخذه الشيطان رماحا تحارب بها ربك هو أن تغيب عن الأنين برب الأنين.. فتتخذ من هذا الذي أراد الشيطان أن يجعله نصبا ليستل عقلك وقلبك وروحك، ويضمك إلى حزبه، معراجا تعرجا به إلى ربك، وسلما ترتقي به إلى سموات لم تحلم بها في حال طمأنينة جسدك ورخائه)

قلت لمعلم السلام: ما هذه القاعة؟

قال: هذه قاعة الغيبة بالله، وهي القاعة التي يموت فيها الألم انشغالا بالله.

قلت: فما تلك الآية، وما علاقتها بهذه القاعة؟

قال: ما تقول الآية؟

قلت: هؤلاء نسوة تهن في جمال يوسف، فقطعن أيديهن لفرط ذهولهن، ومع ذلك لم يشعرن بما حصل في أيديهن من الألم([1]).

قال: فكيف لو رأين جمال رب يوسف، وكيف لو غرقن في بحار حبه المقدسة؟

ثم التفت إلي، وقال: أتدري ما قيمة غيبتك عن الأنين؟

قلت: أجل لقد قال بديع الزمان: (كلـما استعظمت الـمصائب الـمادية عظُمت، وكلـما استصغرتَها صغرت)([2])، وأعظم احتقار واستصغار هو عدم الالتفات إليها، أو الاهتمام بها، كما لا يهتم بكل صغير حقير.

ويضرب الإمام بديع الزمان مثلا على ذلك بقوله: (كلما اهتم الانسان بـما يتراءى له من وهم ليلاً يضخـم ذلك في نظره، بينـما إذا أهملـه يتلاشى، وكلـما تعرض الانسان لوكر  الزنابير ازداد هجومها، وإذا أهملـها تفرقت)([3])

قال: صدقت، وقد سمعته، وهو يصرح بالدعوة إلى ما دعا إليه الأولياء من إحلال الابتسامة محل الأنين، فيقول: (نعم..! إن الإنسان  مثلـما يخفف حدَّة خصمه باستقبالـه بالبشر والابتسامة، فتتضاءل سَورة العداوة وتنطفىء نار الـخصومة، بل قد تنقلب صداقةً ومصالحة، كذلك الأمر في استقبال البلاء بالتوكل على القدير يذهبُ أثره)([4])

قلت: هل سمعته بأذنك؟

قال: دعك من هذا.. وقل لي: ما تشعر؟

قلت: لا أكتمك ـ يا معلم ـ أني لا تزال في روائح الاعتراض المنتنة.

قال: فما تقول لك؟

قلت: تقول لي: (مرضي خطير، ودائي مستعص، والآلام تفتك بي.. فأنى لي أن أنشغل، وكل خلية مني تتألم..  وهل ينشغل عن النار من اشتمل عليه لهيبها، فلم يدع له متنفسا؟)

قال: فاسمع لما يصيح به الربانيون العازفون على أوتار الحقيقة مخبرين عن الترياق الفعال لهذا الألم المكنون.

سمعت صوتا يقول: لقد أخبر بعض الصالحين عن القدرة العجيبة التي يتحملها المنشغل بالله، لما سئل: هل يجد المحب ألم البلاء؟ قال: لا، قال: وإن ضرب بالسيف قال: (نعم وإن ضرب بالسيف سبعين ضربة، ضربة على ضربة)

قال لي المعلم: أتدري ما سبب بطلان إحساس المحبين بالآلام؟

قلت: لقد مثل الغزالي ذلك بالرجل المحارب، فإنه في حال غضبه أو في حال خوفه قد تصيبه الجراح،  وهو لا يحس بألم ذلك لشغل قلبه.. ثم بين علة هذه الحالة وقانونها الذي لا يختص بالمحبين لله، فقال: (وكل ذلك لأنّ القلب إذا صار مستغرقاً بأمر من الأمور مستوفى به لم يدرك ما عداه، فكذلك العاشق المستغرق الهم بمشاهدة معشوقه أو بحبه قد يصيبه ما كان يتألم به أو يغتمّ له لولا عشقه، ثم لا يدرك غمه وألمه لفرط استيلاء الحب على قلبه. هذا إذا أصابه من غير حبـيبه فكيف إذا أصابه من حبـيبه؟)([5])

وقد ذكر الغزالي الأمثلة الواقعية الكثيرة على هذا، فذكر أن هناك من يغفل عن الخلق حتى لا يبصر من يحضر عنده وهو فاتح عينيه، ولا يسمع ما يقال له مع أنه لا صمم به وقد يمرّ على ابنه مثلاً فلا يكلمه.

وذكر عن بعضهم يجري عليه ذلك أنه قال لمن عاتبه: إذا مررت بـي فحركني.

وذكر عن بعضهم أنه قيل له: هل تعرف في زمانك هذا رجلاً قد اشتغل بحاله عن الخلق؟ فقال: ما أعرف إلا غلاما سيدخل عليكم الساعة، فما كان إلا سريعاً حتى دخل الغلام، فقال له: من أين جئت يا غلام؟ فقال من موضع كذا ـ وكان طريقه على السوق ـ فقال: من لقيت في الطريق؟ فقال: ما رأيت أحداً.

وحكى عن بعضهم أنه قال: مررت بجماعة يترامون وواحد جالس بعيداً منهم، فتقدّمت إليه فأردت أن أكلمه فقال: ذكر الله تعالى أشهى فقلت: أنت وحدك؟ فقال: معي ربـي وملكاي فقلت: من سبق من هؤلاء؟ فقال: من غفر الله له، فقلت: أين الطريق؟ فأشار نحو السماء وقام ومشى وقال: أكثر خلقك شاغل عنك.

ودخل بعض الصالحين على أخيه وهو معتكف فوجده ساكناً حسن الاجتماع لا يتحرّك من ظاهره شيء فقال له: من أين أخذت هذه المراقبة والسكون؟ فقال: من سنور كانت لنا، فكانت إذا أرادت الصيد رابطت رأس الحجر لا تتحرّك لها شعرة.

قال المعلم: فإذا كان الحب والعشق من أعظم الشواغل، وكان ذلك في ألم يسير بسبب حب خفيف، فكيف يكون الأمر لو تصوّر في الألم العظيم بالحب العظيم؟

قلت: لقد بين بعض الصالحين كيف يتمكن المحب من قهر كل ألوان البلاء، فقال يحكي عن نفسه: مررت برجل وقد ضرب ألف سوط في شرقية بغداد ولم يتكلم ثم حمل إلى الحبس، فتبعته فقلت له: لم ضربت؟ فقال: لأني عاشق، فقلت له: ولم سكت؟ قال: (لأنّ معشوقي كان بحذائي ينظر إليَّ، فقلت: فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر قال: فزعق زعقة خرّ ميتاً.

قال: أتدري كيف يرى الربانيون المنشغل بذاته عن ربه، أو الذين يعبدون الله على حرف، فلم يعبروا من عبادته إلى معرفته، ولم يخرجوا من أنفسهم إليه.

قلت: كيف يرونه؟

قال: يرونهم قاصرين محاطين بأنواع الشوائب، وقد قيل لبعضهم: هاهنا رجل قد تعبد خمسين سنة، فقصده فقال له: يا حبـيب أخبرني عنك هل قنعت به؟ قال: لا، قال: أنست به؟ قال: لا، قال: فهل رضيت عنه؟ قال: لا، قال: فإنما مزيدك منه الصوم والصلاة؟ قال: نعم، قال: لولا أني أستحي منك لأخبرتك بأن معاملتك خمسين سنة مدخولة.

قلت: ما مراده؟

قال: مراده أنك لم يفتح لك باب القلب فتترقى إلى درجات القرب بأعمال القلب، وإنما أنت في طبقات أصحاب اليمين، لأن مزيدك منه في أعمال الجوارح([6]).

قلت: هذا كلام الغزالي في الإحياء.

قال: وهو كلام كل عارف، وكل سامع ببصيرته.

التفت لأسأله عن سر ذلك، فلم أره.. تأملت ما قاله، فإذا بي أجد هذا العلاج لا يختص بهذا الجانب فقط، بل إن له علاقة شديدة بكل ما يرتبط بالسلوك من جوانب.

فالمنشغل عن نفسه ـ مثلا ـ بنطر الناس، أو أعرافهم، أو رؤاهم مستعبد للناس، مملوك للمجتمع، ينصرف عن الحق علما وفهما وسلوكا وحياة بقدر انصراف المجتمع.

ولهذا اعتبر الغزالي من (شغل نفسه بطلب رضا الناس عنه وتحسين اعتقادهم فيه) مغرورا، لأنه (لو عرف الله حق المعرفة علم أن الخلق لا يغنون عنه من الله شيئاً؛ وأن ضرره ونفعه بـيد الله ولا نافع ولا ضار سواه، وأن من طلب رضا الناس ومحبتهم بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، بل رضا الناس غاية لا تنال، فرضا الله أولى بالطلب)([7])

قال لي معلمي صائحا من أعماقي: ولهذا كان من سنن الصالحين الانشغال بالله عن الناس، كانشغالهم به عن النفس، قال بعضهم لأخيه ناصحا: والله ما أقول لك إلا نصحاً إنه ليس إلى السلامة من الناس من سبـيل، فانظر ماذا يصلحك فافعله؟

ونظر آخر إلى رجل من أصحابه فقال له: اعمل كذا وكذا ـ لشيء أمره به ـ فقال: يا أستاذ لا أقدر عليه لأجل الناس، فالتفت إلى أصحابه وقال: لا ينال عبد حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين؛ عبد تسقط الناس من عينه فلا يرى في الدنيا إلا خالقه، وأن أحداً لا يقدر على أن يضره ولا ينفعه. وعبد سقطت نفسه عن قلبه فلا يبالي بأي حال يرونه.

 وقيل لآخر: إن قوماً يحضرون مجلسك ليس بغيتهم إلا تتبع سقطات كلامك وتعنيتك بالسؤال؛ فتبسم وقال للقائل: (هوّن على نفسك، فإني حدثت نفسي بسكنى الجنان ومجاورة الرحمن فطمعت، وما حدثت نفسي بالسلامة من الناس لأني قد علمت أن خالقهم ورازقهم ومحيـيهم ومميتهم لم يسلم منهم)

وكيف لا يكون هذا منطق المؤمنين إرضاء لله وقناعة به وانشغالا بطلب رضاه ومدحه عن كل رضا، وغيرهم من الرعاع يقول:

مَنْ رَاقبَ النَّاس ماتَ غمَّا         وفاز باللذة الجسورُ

***

قلت له، وقد خشيت أن يساء فهم كلام الأولياء: لكن ـ يا معلم ـ قد يتصور قومي أن مراد الأولياء بالانشغال عن البلاء عدم مواجهته والثورة عليه.

قال: لا.. أخطأوا في زعمهم، فإن مرادهم عدم الاستغراق في البلاء، والغفلة عن المصالح الكثيرة التي قد يفوتها ذلك الانشغال، وأهمها ترك الرسالة التي كلف بها الإنسان لأجل ما حصل لمطيته من عطب.

قلت: فهل تضرب لي عن ذلك مثالا أشرح لهم به مقاصد الأولياء؟

قال: مثل ذلك مثل من كلف بمهمة خطيرة يتوقف عليها مصير حياته جميعا، فحصل لسيارته في الطريق ما منعها من السير السليم، فماذا يفعل؟

قلت: هو بين أمرين لا ثالث لهما:

إما أن يتوقف مشتغلا بإصلاحها، منشغلا عن المهمة الخطيرة التي كلف بها، ولو أدى ذلك إلى فناء عمره في إصلاحها.

وإما أن ينظر إلى مدى استعدادها للإصلاح، فإن أطاق إصلاحها أصلحها، لأنها ستختصر له الكثير من مشاق الطريق، فإن أبت الإصلاح تركها، واعتمد على وسائل أخرى يصل بها إلى تحقيق مهمته.

قال: وهكذا حال المنشغل عن بلائه والمنشغل به، فالمنشغل به ضيع مصلحتين: سيارته التي قد لا يفيده إصلاحها، ومهمته التي لا تساوي معها سيارته شيئا.

أما المنشغل عنها، فإنه وإن ضيع سيارته، فقد حفظ مهمته، بل قد يرزق بالسعي ما يعوضه عما فاته.

قلت: ولعل هناك ثمارا أخرى جليلة لما ذكروه، فالأطباء ـ اليوم، كما كانوا قبل اليوم ـ ينصحون بالانشغال عن الداء، ويعتبرونه أسلوبا حكيما من أساليب الشفاء.

فخطر أكثر الأمراض هو ما تسببه لصاحبها من أنواع الإزعاج، وهو ما يؤثر بعد ذلك على الصحة، فإذا ما انشغل المريض عن مرضه بأي شاغل كان ذلك علاجه أو مقدمة لعلاجه.

قال: لقد ذكرتني ببعض الصالحين كان له أخ، وكان يقربه ويقبل عليه، فاعتل، فعاده، فقال:

مَرِضَ الحبـيبُ فَعُدتُهُ   فمَرَضْتُ مِنْ حَذري عليهِ

وأتى الحبـيبُ يعودني          فبَرئْتُ مِنْ نَظَري إليهِ

فالنظر إلى الحبيب والانشغال به كاف في إعادة القوة الحافظة للصحة، وفيه انشغال عن الأوهام التي يسببها فراغ القلب.

قلت: الإحصائيات المعاصرة تثبت أن الكثير ممن يتردد على العيادات مصابون بوسواس المرض، الذي هيجه فيهم فراغ قلوبهم، وانشغالهم بعالم الطين.

قال: ولهذا، فإن كثيرا من نزلاء هذا المستشفى يكتفون بهذه القاعة، فيرجعون إلى أهليهم بوافر الصحة من غير أن ينزلوا على الأقسام الأخرى.

قلت: لقد قال بعض الصالحين يعبر عن هذا المعنى:

لقد هاجَ الفراغُ عليكَ شغلاً       وأسبابُ البلاءِ من الفراغِ

وقال آخر، وهو يبين قدرة الروح على ترميم أدواء الجسد:

دَوَاؤكَ فيكَ وما تَشْعُرُ        ودواؤكَ منكَ وما تبصرُ

وتحسبُ أنكَ جرمٌ صغيرٌ  وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ

قال: إن الانشغال بالله، وإحلال الابتسامة بدل الأنين هو العلاج الذي لن تجد البشرية في مستقبل أيامها، بعد أن تتخلص من زهوها، وتتخلى عن عبودية ما سمته إله العلم، إلا ذلك العلاج([8]).

قلت: صحيح ما قلت، فهذه الأدوية التي سنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلها ترجع إلى تغليب الانشغال بالله عن الاستماع لوساوس الشياطين، فالانشغال بالله يجعل في الإنسان قوة جبارة تقهر كل الأمراض.

قال: لو تأملنا الأدعية التي كان يدعو بها صلى الله عليه وآله وسلم  لوجدنا فيها الكثير من هذه المعاني.. بل لو تأملنا القرآن الكريم لوجدناه علاجا ربانيا لكل الأدواء، لاشتماله من المعارف الإلهية ما ينفي جميع أنواع العلل، قال تعالى: { ونُنَزلُ منَ القُرآن مَا هُوَ شفَاءٌ وَرَحمَةٌ للمُؤمنينَ } و(من)  هنا لبـيان الجنس لا للتبعيض، فالقرآن الكريم كله شفاء لمن استطب به.

قلت: نعم إن قومي يستشفون بالقرآن، والرقاة ـ بحمد الله ـ ينتشرون في كل مكان، لا يسمعون بعليل إلا زاروه، ولا بمسكون بمسكون إلا أحرقوا من يسكنه؟

قال: لا.. ليس العلاج القرآني ما يتوهمه هؤلاء المشعوذون، وإنما هو ماتفرزه معاني القرآن الكريم في قلب متلقيها من إخلاص العبودية لله، وتفويض الأمر كُله إليه، والاستعانة به، والتوكل عليه، وسؤاله مجامع النعم كلها.

قلت: ولكن من الذي ينشغل عن النار، وهي تتقد في جسده؟.. ومن الذي لا تحركه الأعاصير، وهي تكاد تجتث من حوله؟.. وكيف لا يلسع بالزنابير من يعيش في قرية الزنابير؟

قال: إن النصوص المقدسة تدلنا على حصون كثيرة يمكن اللجوء إليها لتخفيف حدة البلاء، بل لرفعه، وهي في جمالها وقوتها ومتانتها أعظم من كل لباس يقي من حر النار أو من لسع الزنابير أو من اجتثاث العواصف.

قلت له: فداوني بها.

قال: سأذكر ثلاثة أدوية تجعل القلب منشغلا بالله مجتمعا به جالسا معه، ومن جلس مع الله فني عن غيره.

وهي ثلاث مراتب، كل ينال منها بحسب درجته من الدين، ومحله من القرب، وقد تتعاقب عليه اللحظات، فينال حظه منها جميعا:{ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً((الاسراء:20)

قلت: فما الأولى؟

قال: محبة الله، وهي أعلى المراتب، من ينالها يغيب عن بلائه، كما يغيب عن نفسه، وعن الكون جميعا.

قلت: والثانية؟

قال: الرضى عن الله، فرحا بما قدر، وسرورا بما أنزل، وهي نتيجة للمعرفة، وثمرة للمحبة.

قلت: والثالثة؟

قال: السكون لمقادير الله، وعدم الاعتراض عليه.

قلت: فهل لهذه الأدوية قاعات خاصة بها.

قال: أجل.. فلكل منزلته لا يعدوها، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} (الصافات:164)، فكل ما في هذه العوالم لا يجاوز مقامه ولا يحيد عنه، فلذلك لا ترى إلا السلام.

حب الله:

دخلت قاعة تكاد تميد بالأشواق.. وقد علقت عليها لافتة كتب عليها بحروف من نور قوله تعالى:{ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } (المائدة:54)، فأحسست بقلبي يمتلئ بشوق عظيم ومحبة متدفقة، وكأن أعضائي جميعا قلوبا تخفق.. سمعت صوتا في أرجاء القاعة يقول: (هنا إكسير الهموم، من ذاقه لم تحل بواديه المصائب، ولم تنزل بساحته الأحزان)

قلت للمعلم: ما هذا الإكسير؟ وما هذه القاعة؟

قال: هذا إكسير الانشغال بحب الله والشوق إليه، وهو إكسير يغيبك عن البرودة والحرارة، ويفنيك عن الصحة والسقم.. وهذا إكسير الأولياء، فلذلك استغنوا عن الراقي والطبيب.

سمعت أصواتا تتزاحم على بصيرتي، فقلت للمعلم: ما هذه الأصوات؟

قال: أصخ سمعك، فهي أصوات أطباء هذا الباب.

قال الأول: أوحى الله إلى داود u: (ما لأوليائي والهم بالدنيا، إن الهم يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم، يا داود إن محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيـين لا يغتمون)

وقال الثاني يترنم بلحن جميل:

وإنْ خَطَرَتْ يَوماً على خاطِرِ امرئ
امرِىء ٍ
  أقامَتْ بهِ الأفْراحُ، وارتحلَ الهَمُ

ولو نَظَرَ النُّدمانُ ختْمَ إنائِها،

  لأسكرهمْ منْ دونها ذلكَ الختمُ

ولو نَضَحوا مِنها ثَرى قَبْرِ مَيتٍ،

  لعادَتْ إليهِ الرُّوحُ، وانْتَعَشَ الجسْمُر

ولو طرحوا في فئِ حائطِ كرمها

  عليلاً وقدْ أشفى لفارقهُ السُّقمُ

ولوْ قرَّبوا منْ حلها مقعداً مشى

  وتنطقُ منْ ذكري مذاقتها البكمُ

ولوْ عبقتْ في الشَّرقِ أنفاسُ طيبها

  وفي الغربِ مزكومٌ لعادَ لهُ الشَّمُّ

ولوْ خضبتْ منْ كأسها كفُّ لامسٍ

  لما ضلَّ في ليلٍ وفي يدهِ النَّجمُ

ولوْ جليتْ سرَّاً على أكمهٍ غداً

  بصيراً ومنْ راو وقها تسمعُ الصُّمُّ

ولو أنّ ركْباً يَمّمَوا تُرْبَ أرْضِها،

  وفي الرَّكبِ ملسوعٌ لماضرَّهُ السمُّ

ولوْ رسمَ الرَّقي حروفَ اسمها على

  جبينِ مصابٍ جنَّ أبرأهُ الرَّسمُ

وفوقَ لِواء الجيشِ لو رُقِمَ اسمُها،

  لأسكرَ منْ تحتَ الِّلوا ذلكَ الرَّقمُ

تُهَذّبُ أخلاقَ النّدامى ، فيَهْتَدي،

  بها لطريقِ العزمِ منْ لالهُ عزمُ

ويَكْرُمُ مَنْ لم يَعرِفِ الجودَ كَفُّهُ،

  ويَحلُمُ، عِندَ الغيظِ، مَن لا لَهُ حِلْمُ

ولو نالَ فَدْمُ القَوْمِ لَثْمَ فِدامِها،

  لَأكسَبَهُ مَعنى شَمائِلِها اللّثْمُ

قلت: عرفتك.. أنت..

قال: دعك من اسمي، واسمع الحقائق من الله، لا من خلقه.

قال الثالث: إن الحب يحول المر حلواً، والتراب تبراً، والكدر صفاءً، والألم شفاءً، والسجن روضة، والسقم نعمة، والقهر رحمة، وهو الذي يلين الحديد، ويذيب الحجر، ويبعث الميت، وينفخ فيه الحياة..

إن هذا الحب هو الجناح الذي يطير به الإنسان المادي الثقيل في الأجواء، ويصل من السمك إلى السماك، ومن الثرى إلى الثريا.

.. بارك الله لعبيد المادة وعباد الجسم في ملكهم وأموالهم!! لا ننازعهم في شيء. أما نحن فأسارى دولة الحب التي لا تزول ولا تحول.. !

حياك الله أيها الحب المضني! يا طبيب علتي وسقمي! يا دواء تخوفي وكبري! يا طبيبي النطاسي! يا مداوي الآسي!

قلت: عرفتك.. أنت جلال الدين الرومي.

قال: دع عنك هذا.. فلم أعد جلال الدين، ولا جمال الدين؟

قلت: فما صرت؟

قال: أنا عبد الله.. أنا النقطة التي تحت الباء.. وحسبي بذلك شرفا.

قلت للمعلم: حدثني كيف عاش الأولياء هذه المعاني.

قال: لقد كان بلال وهو في رمضاء مكة يشعر بهذا الشعور، حين كان المشركون يتفانون معه بأصناف البلاء، فيفنى عنه بـ (أحد أحد)

وكان لبعضهم علة، فقيل له في ذلك فقال: يا دوست ضرب الحبـيب لا يوجع.

وكان بعضهم يستشعر هذه المعاني، وهو ينظر إلى تصريف الله في جسده، قال: كنت يوما عند خال لي، وكنا خاليين وهو متزر بمئزر فنظرت إلى جسده كأنه جسد سقيم دنف مضنى كأجهد ما يكون فقال: ( انظر إلى جسدي هذا، لو شئت أن أقول إن ما بي من المحبة لله تعالى لكان كما أقول)، وكان وجهه أصفر، ثم أشرب حمرة حتى تورد، ثم اعتل فدخلت عليه أعوده، فقلت له كيف تجدك، فقال:

كيف أشكوا إلى طبيبي ما بي     والذي بي أصابني من طبيبي

فأخذت المروحة أروحه فقال لي: (كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل؟)

وكان عابد المصيصة يستشعر هذه المعاني حين رأى نفسه ملكا يلتذ بها، قال علي بن الحسن: كان رجل بالمصيصة ذاهب نصفه الأسفل لم يبق منه إلا روحه في بعض جسده، ضرير على سرير مثقوب فدخل عليه داخل فقال له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: (ملك الدنيا، منقطع إلى الله عز وجل، ما لي إليه من حاجة إلا أن يتوفاني على الإسلام)

قال لي المعلم: أتعلم سر استغراق هذه المشاعر للوجدان جميعا؟

قلت: ما سر ذلك؟

قال: الحب هو أعظم المشاعر الوجدانية التي تستغرق الكيان، فتمنعه من التفكير في غيره، بل لا شيء يساوي الحب في هذا الدور، فلذلك كان أعظم شاغل عن البلاء هو استعماله دواء لقهر وساوس الداء.

قلت: لكن قومي يعرفون الحب أكثر مما يعرفون غيره.

قال: هم يعرفون الحب المدنس.. لا المقدس.. فلذلك يغرقون في دنسه، وفي مستنقعاته.

قلت: فما الحب المقدس؟

قال: هو حب واحد..

قلت: فما هذا الحب الواحد؟

قال: حب الواحد.. فحب كل ما عداه داء وألم، ألم تسمع قول العارف الذي عبر عن اجتماع كل الآمال والأهواء واللذات في حبه لله؟

قلت: تقصد قوله:

كانت لقلبي أهواءٌ مفرّقة

  فاستجمعَتْ مذْ راءَتك العين أهوائي

فصار يحسدني من كنت احسده

  وصرتُ مولى الورى مُذْ صرتَ مولائي

ما لامني فيك أحبابي وأعدائي

  إلّا لغفلتهم عن عظم بلوائي

تركتُ للناس دنياهم ودينهم

  شغلاً بحبك يا ديني ودنيائي

أشعلتَ في كبدي نارين واحدة

  بين الضلوع وأخرى بين أحشائي

قال: الغارقون في بحر هذا الحب لا يرون غير محبوبهم، وهو لا يغيب عنهم أبدا.. هم يصيحون في كل حين بما قال حاديهم:

تَملَّكتموا عقلي وطرفِي ومسمَعي

  وَرُوحِي وأحشائِي وَكلي بأجمَعي

وتيّهتُمونِي فِي بديع جَمالِكُم

  وَلَم أدر فِي مَجرَ الهَوَى أَينَ مَوضعي

وأوصَيتُمونِي لا أبوح بسرِّكُم

  فباحَ بِما أُخفِي تفيضُ أدمعي

ولَمَّا فَنَى صبري وقلَّ تَجلُّدي

  وفارَقَنِي نَومِي وحُرِّمَت مضجعي

أتَيت لِقاضي الحُبِّ قُلتُ أحبِّتِي

  جَفَونِي وقَالُوا أنت فِي الحُبِّ مدَّعي

وعندي شهودٌ للصَبابةِ والأسا

  يزكُّونَ دعوايَ إذا جئتُ أدَّعي

سُهادي وَوَجدي واكتئابِي ولوعتِي

  وشوقي وسقمي واصفراري وأدمعي

ومن عجبٍ أَنِّي أَحنُّ إِلَيهِم

  واسألُ شوقاً عنهم وهمُ معي

وتبكيهُم عينِي وهم فِي سوادِها

  ويشكو النَّوى نبِي وهم بين أضلُعي

فَإِن طَلبونِي فِي حُقوقِ هَواهُم

  فإنِّي فَقِيرٌ لا عليَّ ولا معي

وَإِن سجنونِي فِي سجونِ جفاهُم

  دخَلتُ عليهم بالشفيعِ المُشَفَّع

لقد قال بعضهم: رأيت جارية حبشية فقلت: من أين؟ قالت: من عند الحبيب قلت: وإلى أين؟قالت: إلى الحبيب قلت: ما تريدين من الحبيب قالت: الحبيب.

وعندما تعجب بعض أصحاب معروف من كثرة مجاهداته في الله سأله: (أخبرني يا أبا محفوظ أي شيء هاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق؟ فسكت فقال: ذكر الموت، فقال: وأي شيء الموت؟ فقال: ذكر القبر والبرزخ، فقال: وأي شيء القبر؟ فقال: خوف النار ورجاء الجنة، فقال: وأي شيء هذا؟ إن ملكاً هذا كله بـيده إن أحببته أنساك جميع ذلك وإن كانت بـينك وبـينه معرفة كفاك جميع هذا.

قلت: لقد ذكرتني ـ يا معلم ـ بحديث امرأة صالحة([9]) فيها نبصر مدى القوة التي يمنحها حب الله في النفس فتواجه كل صعب وتتحدى كل ألم.

قال: تقصد (بدعة).. سنزورها في (بحار الحب)، فحدثنا عن بعض شأنها هنا.

قلت: قال المحدث بخبرها([10]): ضاقت علي نفسي يوما فقلت في نفسي: أخرج إلى المارستان، وأنظر إلى المجانين فيه، وأعتبر بأحوالهم فخرجت إلى بعض المارستانات، وإذا بامرأة مغلولة يدها إلى عنقها، وعليها ثياب حسان وروائح عطرة، وهي تنشد:

أعيذك أن تغل يدي

  بغير جريمة سبقت

تغل يدي إلى عنقي

  ما خانت ولا سرقت

وبين جوانحي كبد

  أحس بها قد احترقت

وحقك يا مدى أملي

  يمينا برة صدقت

فو قطعتها قطعا

  وحقك عنك لا نطقت

فقلت لصاحب المارستان: (ما هذه)، فقال: (مملوكة خبل عقلها، فحبست لتصلح)، فلما سمعت كلامه أنشدت:

معشر الناس ما جننت ولكن

   أنا سكرانة وقلبي صاح

لم غللتم يدي ولم آت ذنبا

   غير هتكي في حبه وافتضاحي

أنا مفتونة بحب حبيب

   لست أبغي عن بابه من براح

فصلاحي الذي زعمتم فسادي

   وفسادي الذي زعمتم صلاحي

ما على من أحب مولى الموالي

   وارتضاه لنفسه من جناح

قال سري فسمعت كلاما أبكاني فلما رأت دموعي قالت: (يا سري هذه دموعك على الصفة، فكيف لو عرفته حق المعرفة؟)

فقلت: (هذا أعجب.. من أين عرفتني؟)

قالت: (ما جهلت منذ عرفت أن أهل الدرجات يعرف بعضهم بعضا)

فقلت: (يا جارية أراك تذكرين المحبة فمن تحبين؟)

قالت: (لمن تعرف  إلينا بآلائه، وتحبب إلينا بنعمائه، وجاد علينا بجزيل عطائه، فهو قريب إلى القلوب مجيب تسمى بأسمائه الحسنى، وأمرنا أن ندعوه بها فهو حكيم كريم قريب مجيب)

قال معلم السلام: سق هذا الحديث لقومك ليستعملوا هذا العلاج في مداواة الأمراض النفسية والعصبية التي تعج بها مستشفياتكم.. فذلك خير لكم من تلك السموم التي تسممونهم بها.

الرضى عن الله:

خرجت من قاعة الحب بإلحاح شديد من المعلم، فقد أنست لأنوارها وأصوات أوليائها، وما استشعره كياني من مواجيد وأشواق تنسي كل ألم، وتثمر كل راحة.

قال لي المعلم: ألم أقل لك: لا تسكن لشيء.. ارحل دائما، فلا يتعلم من لا يرحل؟

قلت: أجل.. ولكني رأيت نفسي في ذلك المحل، فلم أرد الخروج منه.

قال: ستجد نفسك في كل محل.. ولن تعرفها إلا بعد أن تدخل كل المحلات.

قلت: فأين نسير الآن؟

قال: إلى قاعة (الرضى)، فهو العلاج الثاني الذي تغيب به النفس عن نفسها، فتنشغل عن بلائها.

دخلنا قاعة ممتلئة سكينة وجمالا، وقد علقت عليها لافتة من نور كتب عليها قوله تعالى:{ وَرَضُوا عَنْهُ } (المائدة:119)، وسمعنا أصواتا عذبة عند مدخل الباب تقول: (إذا رأيت قلبك ممتلئا بالأغيار، واستحال عليك الاجتماع مع الله، والفناء عن ذاتك، فانظر إلى صفات كرمه، ورتل أسماء لطفه وإحسانه، وتأمل مراده من ذلك البلاء، فإنك إن لم تبلغ درجة أن ترضى به، فلا تنزل عن درجة أن ترضى عنه)

قلت: يا معلم، لقد ذكرني هذا الصوت الجميل بقول بعضهم يوماً عند رابعة: اللهم ارض عني، فقالت: أما تستحي من الله أن تسأله الرضا، وأنت عنه غير راض؟ فقال: أستغفر الله، فقيل لها: فمتى يكون العبد راضياً عن الله تعالى؟ قالت: (إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة)

قال المعلم: لقد أشارت إلى أن للمصيبة سرورا عند العارف كما أن للنعمة سرورا، لأن ما يلحظه العارف في ثنايا المصيبة يبدد الظلمات التي ينفخها الحزن واليأس.

قلت: وهل للرضى من لذة؟

قال: هي لذة لا تقل عن لذة الحب، بل إنه لا يمكن أن يرضى من لا يحب، كما لا يحب من لا يرضى، ألم تعلم بأن الرضوان أعلى الدرجات؟

قلت: لقد بين الله تعالى أن هذا هو مقام الصادقين مع ربهم، لا يزال رضاهم بالله ورضاهم عنه رائد علاقتهم بربهم إلى يوم يلقونه، قال تعالى: { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً مْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (المائدة:119)

قال: بل نجد في القرآن الكريم أن كل الآيات التي تتحدث عن الرضوان المتبادل بين الله تعالى وعباده الصالحين مرتبطة بالجنة، وكأنها تشير إلى أن الرضوان جنة أخرى من جنان الله، وهي جنة لا تختص بالآخرة، بل تعجل للمؤمنين في الدنيا.

قلت: لقد ذكر الفخر الرازي ـ تعليقا على ارتباط الرضوان بالجنة في قوله تعالى: {، جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً مْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} (البينة:8) فقال: (ثبت عند أرباب الألباب أن جملة الجنة بما فيها بالنسبة إلى رضوان الله كالعدم بالنسبة إلى الوجود، وكيف والجنة مرغوب الشهوة، والرضوان صفة الحق وأي مناسبة بينهما)([11])

قال: ويدل على هذا قوله تعالى وهو يخاطب النفس المطمئنة التي لا تقبض انتزاعا ـ كما تقبض أرواح المتمردين على الله ـ وإنما تقبض بأمرها، بالرجوع إلى بارئها فتطير شوقا إليه، قال تعالى: {، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} (الفجر:27،28)

وقوله ـ وهو يخبر عن حزبه الذي اعتبر رضوانه فوق كل رضوان ـ: {، لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا مْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة:22)

فالرضى عن الله شامل لكل ما جاء عن الله تشريعا كان أم قضاء، فلا فرق بينهما، فكلاهما مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العليا.

وقد قال تعالى عن الأول:{  وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً} (الأحزاب:36)

وقال عن الثاني: {  قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} (الأنعام:164)، وقال في أول السورة: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام:14) أي معبودا وناصرا ومعينا وملجأ وهو من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة.

قلت: لقد ورد في السنة ما يدل على هذه اللذة التي يجدها الراضي، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن اللّه بحكمته وجلاله جعل الروح([12]) والفرح في الرضا واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط)([13])

فأول جزاء للراضي عن الله أن يرضى الله عنه ويرضيه، فإذا أرضاه رزقه من السعادة والسرور ما يهون أمامه كل ألم.. والرضا عن الله علاج يرسم الابتسامة بدل الأنين، فينشغل الراضي بفضل الله وأوصاف الله عما ألم به.

قال: وقد ورد في الأثر الإلهي: (أنا الله لا إله إلا أنا قدرت المقادير ودبرت التدابير وأحكمت الصنع فمن رضي فله الرضا مني حتى يلقانى، ومن سخط فله السخط حتى يلقاني)

قلت: فكيف كان حال الصالحين مع الرضا؟

قال: كل الصالحين متفقون على أن الرضا عن الله نعمة، ولكنه لا يجدها إلا من ذاقها، فلذلك ينقلون للخلق من باب التشويق أذواقهم في ذلك،  وقد ورد في الأثر في أخبار موسى u أن ن بني إسرائيل قالوا له: سل لنا ربك أمراً إذا نحن فعلناه يرضى به عنا، فقال موسى u: (إلهي قد سمعت ما قالوا)، فقال: (يا موسى قل لهم يرضون عني حتى أرضى عنهم)

ويروى عن بعض العباد أنه قال: إني أذنبت ذنباً عظيماً، فأنا أبكي عليه منذ ستين سنة ـ وكان قد اجتهد في العبادة لأجل التوبة من الذنب ـ فقيل له: وما هو؟ قال: (قلت مرة لشيء كان، ليته لم يكن)

وقال ابن مسعود: (الفقر والغنى مطيتان ما أبالي أيهما ركبت إن كان الفقر فإن فيه الصبر وإن كان الغنى فإن فيه البذل)

قلت: فكيف ذاق العارفون من هذه المشارب الطاهرة؟

قال: لا يهم العارف كل ما يصيبه ما دام له فيه حظ من العبودية، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر وكان خير له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له)([14])

وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن) دليل على أن الخيرية والتي تعني الرضا والسرور لا ينالها إلا من تحقق بحقيقة الإيمان.

ولهذا، فإن الصالحين لا يهمهم شيء مما قد يصيب وجودهم في الدنيا بقدر ما تهمهم علاقتهم بربهم، وقد حدث بعضهم، فقال: سمعت عابدا من أهل البحرين يقول في جوف الليل، ونحن على بعض السواحل: (قرة عيني، وسرور قلبي، ما الذي أسقطني من عينك يا مانح العصم قال: ثم صرخ وبكى ثم نادى: طوبى لقلوب ملأتها خشيتك واستولت عليها محبتك فمحبتك مانعة لها من كل لذة غير مناجاتك، والاجتهاد في خدمتك، وخشيتك قاطعة لها عن كل معصية خوفا لحلول سخطك)، ثم بكى، وقال: (يا إخوتاه ابكوا على خوف فوت الآخرة حيث لا رجعة ولا حيلة)

فهمة الصالحين منصرفة للبحث عن رضوان الله، والخوف من سخطه، ولا يهمها بعد ذلك ما يحل بها، فهي تبحث عن رضى الله عنها لا عن رضاها هي على الله.

قلت: يا معلم.. فكيف أتحقق بهذا الرضى الذي يمسح عن قلبي كل الآلام؟.. وكيف ألتحق بركب الأولياء الشاربين من هذه العين؟

قال: بترتيل أسماء لطفه، والنظر في جميل صنعه، والاستغراق في سابق إحسانه، والأمل في جميل أفضاله.

قلت: كيف أستعمل هذا العلاج؟

قال: أرأيت لو أحسنت إلى أحدهم دهرك جميعا بمعشار ما أحسن الله إليك، بل بمعشار المعشار، أترضى أن يسخط عليك.

قلت: كلا.. فهذا فعل الجحود.

قال: فكيف لا ترضى على من لا خير إلا منه، ولا فضل إلا في يديه الكريمتين؟

قلت: لقد ذكرتني بقول بعض الصالحين: إنَّ الله تعالى من كرمه قد رضي من عبـيده بما رضي العبـيد من مواليهم فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: أليس مراد العبد من الخلق أن يرضى عنه مولاه؟ قيل: نعم، قال: فإن محبة الله من عبـيده أن يرضوا عنه.

قال: أجل.. فالرضى عن الله هو ما يوجبه حسن الخلق مع الله، ولو تأمل المعترض على ربه حقيقته لوجدها أهون من أن تعارض الحق، فكيف يجسر على ذلك، وهو لا يعدو أن يكون حفنة تراب.

قلت: لقد قال بعضهم في هذا: (لن يصيب العبد حقيقة الرضا حتى يكون رضاه عند الفقر كرضاه عند الغنى، كيف تستقضي الله في أمرك ثم تسخط إن رأيت قضاءه مخالفا لهواك،  ولعل ما هويت من ذلك لو وفق لك فيه هلكك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك؟ ما أنصفت من نفسك ولا أصبت باب الرضا)

قال: بل، لقد اتفقت كلمة الصالحين على هذا المعنى، فهذا أحدهم يقول: ( الإنسان خزف، وليس للخزف من الخطر ما يعارض فيه حكم الحق تعالى)

وعبروا عن أحوالهم في ذلك، فقال عبد الله بن مسعود: (لأن ألحس جمرة أحرقت ما أحرقت وأبقت ما أبقت أحب إليَّ من أن أقول لشيء كان ليته لم يكن أو لشيء لم يكن ليته كان)

وقال بعض الصالحين: (لو قرض جسمي بالمقاريض لكان أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله تعالى سبحانه ليته لم يقضه)

وحدث آخر، فقال: قال رجل: لأمتحنن أهل البلاء. قال: فدخلت على رجل بطرسوس وقد أكلت الآكلة أطرافه. فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت والله وكل عرق وكل عضو يألم على حدته من الوجع، وإن ذلك لبعين الله أحبه إلي أحبه إلى الله، وما قدر ما أخذ ربي مني؟ وددت أن ربي قطع مني الأعضاء التي اكتسبت بها الإثم، وأنه لم يبق مني إلا لساني يكون له ذاكرا. قال: فقال له رجل: متى بدأت بك هذه العلة؟ فقال: الخلق كلهم عبيد الله وعياله، فإذا نزلت بالعباد علة فالشكوى إلى الله ليس يشتكى إلى العبيد.

قلت: هذا سبيل صالح.. فما السبيل الثاني؟

قال: إذا اشتقت أن تلبس لباس الرضى، وتسكن مع الراضين في جنة الأمن والفرح والسرور، فردد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الدعاء الذي يسأل الله فيه أن يرزقه بالرضى بالقضاء فلا ينال ما عند الله إلا من يد الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين)([15])   

وردد معه: (اللهم إني أسألك الصحة والعفة والأمانة وحسن الخلق والرضى بالقدر)([16])

فإن صدقت في دعائك، وألححت فيه كما يلح الغريق طالبا النجدة، فسسيرزقك الله فهم حقيقة الرضا، والشرب من شرابه.

قلت: فكيف يرزقني؟

قال: أول رزق يسوقه إليه هو تعريفك به، فإذا عرفته عرفت حقيقة العلم، قال بعض الصالحين: (الرضى هو صحة العلم الواصل إلى القلب، فإذا باشر القلب حقيقة العلم أداه إلى الرضى)، فقد اعتبر الرضى علامة على وصول العلم للقلب، لأن العلم المحجوز في زوايا العقل أضعف من أن يحقق لصاحبه هذا المقام الرفيع.

قلت: ولكنا نعرف حقيقة العلم من دون هذا؟

قال: لا.. حقيقة العلم أن تشربه لا أن تسمعه، وأن تعيشه لا أن تكتبه.. فالعلم الذي لم يوصل صاحبه إلى الحقيقة كالدواء الذي لم يستعمل، فإن صاحبه يظل مريضا، ولو ظل يردده أبد الدهر.

وقد شبه الغزالي من لم يعش علمه برجل في برية، وله عشرة أسياف هندية مع أسلحة أخرى، وكان الرجل شجاعا وأهل حرب، فحمل عليه أسد عظيم مهيب، (فما ظنّك؟ هل تدفع الأسلحة شره عنه بلا استعمالها وضربها!؟)

وقياسا على هذا (لو قرأ رجل مائة ألف مسألة علمية وتعلمها، ولم يعمل بها: لا تفيده إلا بالعمل)([17])

قلت: فما طريق وصول القلب لهذه المعاني؟

قال: بالمجاهدة، والمصابرة، وقد قيل لبعضهم: (متى يبلغ العبد إلى مقام الرضى)، فقال: (إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه، فيقول: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت)

السكون لمقادير الله:

خرجت مع المعلم إلى القاعة الثالثة من قاعات الغيبة بالله، وهي قاعة (السكون لمقادير الله)، وقد علق على بابها لوح من نور كتب عليه قوله تعالى:{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } (الأحزاب:36)

سمعت في مدخلها أصواتا حانية قوية تقول: (إن لم تستطع أن تبلغ تلك الدرجات الرفيعة التي نزلها الأولياء، فنالوا بها الفرح والرضوان، فلا تنزل إلى دركات المعرضين المعارضين لله، فتخسر خسارتين عظيمتين:تخسر ربك الذي لا يرضى أن يعارض في ملكه أو يعقب عليه في تدبيره.. وتخسر صحتك وراحتك التي لن يعوضها اعتراضك)

قلت: يا معلم.. ماذا تقول هذه الأصوات؟.. وما هذه القاعة؟.. وما الفرق بينها وبين القاعة السابقة؟.. فإني لا أرى الرضى إلا سكونا لمقادير الله.

قال: هذه القاعة تجيب الشبهة التي ينفخها الشيطان في نفسك، وفي كل النفوس الضعيفة، ليقول لها: (كيف ترضي عنه، وهو يسومك بأنواع البلاء، أليس هو الطبيب الشافي؟)

قلت: فهي ترد إذن على أحزاب المعارضة لله.

قال: وهي أحزاب كثيرة، كل حزب يرفع راية من الرايات يدعو فيها إلى عزل الله عن التصريف في الكون.

قلت: وأين هي؟

قال: في نفسك.. وفي كل النفوس التي لم تذق لذة الرضا عن الله.

قلت: فكيف أقمع هذه الأحزاب المعارضة لله.. وليس لدي شرطة ولا جيش؟

قال: السلام لا يعرف الشرطة والجيش.

قلت: فكيف أقضي على هذه الأحزاب المعارضة لله؟

قال: بالمعرفة.. ألم يكن أول ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأمر بالقراءة؟

قلت: فماذا أقرأ؟ وكيف أقرأ؟

قال: اقرأ المعارف التي تجعلك ساكنا لمقادير الله، لا معارضا لها.

قلت: فأين أجد هذه المعارف؟

قال: ستسمع من أطباء هذه القصر بسمع بصيرتك ما يضع في نفسك بذور ذلك، وليس عليك بعدها إلا أن تسقيها وتتعاهدها إلى أن تنبت شجرة الرضا في نفسك.

سمعت أصواتا كثيرة تزدحم على أذن بصيرتي، وهي من كثرتها شوشت علي، فلم أدر ما أسمع.

قال لي المعلم: هل تسمع ببصيرتك.

قلت: أسمع.. ولكني لا أسمع.

قال: لم؟

قلت: الأصوات تزدحم على بصيرتي، فلا تكاد تفهم ما تقول.

قال: اسكن.. ألست في قاعة السكون لمقادير الله.. فمن لم يسكن لم يسمع.. أو سمع ولم يفهم.. ألم تسمع قوله تعالى:{ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} (القيامة:16)؟

قلت: بلى.

قال: فقد أمره بالسكون ليحصل له العلم.

استرخيت.. وسكنت سكونا هادئا أشبه بالنوم، فسمعت أصواتا مختلفة([18])، منها الحانية، ومنها الشديدة تتردد في جوانب القاعة تمتلئ بها بصيرتي.

قال الأول: ما أصابك لم يكن ليخطِئَك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.

قلت: بلى.. هذا صحيح، فقد قال تعالى:{ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحديد:22)

ويعقب على ذلك بأثر هذه المعرفة في النفس الإنسانية بقوله تعالى:{ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (الحديد:23)

ويقول تعالى في آية أخرى:{ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (التغابن:11) فالعوض الإلهي في هذه الآية عن النقص الذي جلبته المصيبة هو الهداية المرتبطة بقلب الإنسان، وهي الهداية الحقيقية التي تجر إلى المعرفة التي لا يشوبها الجهل، وإلى العلم الذي لا يختلط مع الأهواء.

ويعلمنا في آية أخرى ما ينبغي أن نقوله، ثم النتيجة التي جعلها الله لمن يفعل ذلك، فقال تعالى:{ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة:156)

والفضل الإلهي النازل على هؤلاء هو ما عبر عنه تعالى بقوله:{ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة:157)

قال المعلم: فإذا استقر في النفس الإيمان بقضاء الله وقدره، وأن الذي أصابه لا بد أن يصيبه، وأنه أمر لا مفر منه، ولا مهرب منه لأن الله قد كتبه في الأزل؛ فإن نفسه تهدأ، وقلبه يسكن، ويكون هذا بداية ومقدمة للسكون لمقادير الله.

قال صوت آخر: لا تعترض.. فأنت تجمع الجهل بأشكاله وألوانه.. تجهل نفسك ومصيرك، وعواقب أمورك، أما سيدك الذي يدبر أمرك، فعلام الغيب:{  يَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (الأنعام:59)

وقال آخر: لا تعترض.. فإن ما تراه مما تكرهه رحمة من رحمات الله، ولطف من خفي ألطافه ساقه إليك في ثوب ما تكره ليمتحن عبوديتك، ويملأ قلبك بحسن الظن به:

رب أمر تتقيه            جر أمرا ترتضيه

خفي المحبوب منه        وبدا المكروه فيه

قلت: هذا صحيح، وقد قال تعالى:{  وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:216)، وقال: {، فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} (النساء:19)

وقال آخر: لا تعترض.. فإن كل مقادير الله خير لك إن استقبلتها ببصيرة الإيمان.

قلت: هذا صحيح، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر وكان خير له إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له)([19])

وقال آخر: لا تعترض.. وكن كذلك العبد الصالح الذي لم تغره مباهج جنة صاحبه، وقال في ثقة المؤمن:{  عَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً} (الكهف:40)

وقال آخر: لا تعترض.. فإن من ظن انفكاك لطفه عن قدره، فذلك لقصور نظره، فإن العارفين يشهدون المنن في المحن، والعطايا في البلايا.

وقال آخر:  لا تعترض.. فإن من تمام عبوديتك أن تجري عليك مقادير الله بأنواعها، وتهب عليك رياح البلاء لتمتحن عبوديتك.

وقال آخر: كيف تعترض، وأنت لن ترقى في مقامات العبودية إلا بهذا الذي تعترض عليه؟

وقال آخر: كيف تعترض، وأنت لن تكون صابرا، ولا متوكلا ولا راضيا ولا متضرعا ولا مفتقرا ولا ذليلا ولا خاضعا إلا باستقبالك لمقادير الله ببصيرة الإيمان؟

وقال آخر:  كيف تعترض، وأنت تعلم أن رضاك عن ربك زرع لرضى ربك عنه، بل رضاك عن ربك علامة على رضا ربك عنك، فلو لم يرض عنك لم ترض عنه.

وقال آخر: لا تعترض.. فإن جميع ما يحدث في الكون أثر من آثار أسماء الله وصفاته، وفيض من فيوضات مشيئة الله وحكمته، فإن لم ترض بمقادير الله خاصمت أسماء الله وصفاته، وخاصمت الله بمخاصمتها؟

وقال آخر: لا تعترض.. فإن حكمه تعالى فيك ماض، وقضاؤه فيك عدل، كما أخبرك الناصح الأمين صلى الله عليه وآله وسلم  في قوله: (ماض في حكمك عدل في قضاؤك)([20])

وقال آخر: كيف لك أن تعترض، وأنت تعلم أنه لا تبديل لكلماته ولا راد لحكمه، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

وقال آخر: كيف لك أن تعترض، وقد علمت كمال حكمته ورحمته ولطفه وحسن اختياره.

وقال آخر: لا تعترض.. وسلم لربك، فقد فوضت أمرك إليه، ومن ضرورات التفويض الرضى التام باختيارات المفوض.

وقال آخر: كيف لك أن تعترض، وأنت عبد محض، والعبد المحض لا يسخط جريان أحكام سيده المشفق البار الناصح المحسن، بل يتلقاها بالرضى به وعنه.

وقال آخر: كيف لك أن تعترض، وأنت تدعي محبته، والمحب الصادق من رضي بما يعامله به حبيبه.

وقال آخر: لا تعترض.. فإنك باعتراضك تعبد الله على حرف، فتتلون كما تتلون رياح المقادير، والعبد الكامل ثابت على عبودية سيده، لا تزعزعه الرياح، ولا تجتثه عن غايته الأعاصير؟

وقال آخر: لا تعترض.. فإن أول معصية عصي الله بها في هذا العالم حصاد نبات الاعتراض،  فإبليس لم يرض بحكم الله الذي حكم به كونا من تفضيل آدم وتكريمه، ولا بحكمه الديني من أمره بالسجود لآدم.

وقال آخر: لا تعترض.. فإن اعتراضك عن اختيار الله لك ناشئ من جهلك بالله، وأنه كلما قويت معرفتك صرت كالريشة في مهب الرياح، تقلبها الرياح كما شاءت، فلا تعترض ولا تختار.

وقال آخر: لا تعترض.. فإن من عرف أن البلايا من مولاه وسيده([21]) الذي هو أرحم به من والدته ووالده، كيف يبقى له بالألم إحساس؟ أم كيف لا يتلذذ به كما يتلذذ بالنعمة سائر الناس؟

قلت: لقد ذكرني هذا بقول الشاعر الصالح:

وخفف عني ما ألاقي من العنا                 بأنك أنت المبتلي والمقدر

وما لامرئ عما قضى الله  معدل              وليس له منه الذي يتخير

وبقول ابن عطاء الله: (ليخفف ألم البلاء عنك علمك بأنه سبحانه هو المبلي لك، فالذي واجهتك منه الأقدار، هو الذي عودك حسن الاختيار)

وقال آخر: كيف تعترض، والله يراك ويسمعك، وهو ما أنزل عليك البلاء إلا ليختبر موقفك، فهل ترضى أن تسقط في الاختبار؟

وقال آخر، وهو بديع الزمان: لا تعترض.. فإن السكون والهدوء والرتابة والعطالة نوع من العدم والضرر، وبعكسه الحركة والتبدل وجودٌ وخير، فالحياة تتكامل بالحركة، وتترقى بالبلايا، وتنال حركات مختلفة بتجليات الاسماء، وتتصفى وتتقوى وتنمو وتتسع، حتى تكون قلماً متحركاً لكتابة مقدراتها، وتفى بوظائفها، وتستحق الأجر الأخروي([22]).

وقال آخر، وهو كذلك بديع الزمان، ولكن بصوت مختلف: لا تعترض.. واعلم انه ليس لك حق في الشكوى، بل عليك الشكر، عليك الصبر؛ لأن وجودك واعضاءك وأجهزتك ليست بـملكك أنت، فانت لـم تصنعها بنفسك، وانت لـم تبتعها من اية شركة او مصنع ابتياعاً، فهي ملكٌ لآخر. ومالك تلك الاشياء يتصرف في ملكه كيف يشاء.

قلت: عهدي بك ـ  سيدي ـ تمثل لما تقول، فاضرب لي على ذلك مثالا.

قال: هب أن صانعاً ثرياً ماهراً بكلـّف رجلاً فقيراً لقاء أجرة معينة ليقوم له لمدة ساعة بدور الـنموذج، لإظهار صنعته الجميلة وثروته القيمة، فيكلفه بلبس القميص المزركش الذي حاكه، والحلة القشيبة الـمرصعة التي نسجها، ويطلب منه أن يظهر أوضاعاً وأشكالاً شتى لبيان خوارق صنعته وبدائع مهارته، فيقصّ ويبدل، ويطوّل، ويقصر، وهكذا..

فهل يـحق لذلك الفقير الاجير ان يقول لذلك الصانع الـماهر: (إنك تتعبني وترهقني وتضيّق عليّ بطلبك مني الانحناء مرة والاعتدال أخرى.. وانك تشوّه الجمال المتألق على هذا القميص الذي يجمّل هندامي ويزيّن قامتي بقصّك وتقصيرك له.. إنك تظلمني ولا تنصفني؟)

قلت: فأنزل هذا المثل على ما نحن فيه.

قال: هكذا الأمر بالنسبة للصانع الجليل سبحانه وتعالى – ولله الـمثل الاعلى – الذي البسك أيها المريض قميص الجسد، وأودع فيه الحواس النورانية المرصعة كالعين والأذن والعقل، فلأجل اظهار نقوش اسـمائه الـحسنى، يبدّلك ضمن حالات متنوعة ويضعك في اوضاع مـختلفة. فكما انك تتعرف على اسـمه (الرزاق) بتجرعك مرارة الـجوع، تتعرف على اسـمه (الشافي) بـمرضك([23]).

سمعت صوتا آخر يقول: لم يختر الله لك إلا ما يصلح.. فلا تطلب ما لا يصلح لك.

قلت: لقد ذكرني هذا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الأثر الإلهي: (إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه)([24])

قال المعلم، وقد رأى استرواحي لسكوني: قم لنسر إلى قاعة أخرى من هذا المستشفى.

قلت: دعني ـ يا معلم ـ لأسمع لجميع هذه الأصوات، فقد ملأت نفسي سكينة.

قال: لو ظللت تسمعها دهرك جميعا ما خرجت، فكل الكون، وكل حقائق الوجود تدعوك إلى السكون إلى الله.. فارحل.. فلا ينبغي أن تسكن لغير الله.

الغيبة بنعم الله 

دخلنا القسم الثاني من أقسام الغيبة، وهو قسم (الغيبة بنعم الله)، وقد كتب على بابه قوله تعالى:{ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} (النحل:18) ورأيت داخل القاعة جوائز شتى، كل جائزة تشير إلى فضل من فضل الله ونعمة من نعمه.

قلت للمعلم: ما هذه الجوائز؟

قال: هذه جوائز الفضل الإلهي المخزنة في خزائن البلاء.

قلت: ألهذه الجوائز كانت تنظر تلك المرأة الصالحة، حين عثرت، وانقطع ظفرها، فضحكت، فقيل لها: أما تجدين الوجع؟ فقالت: إن لذة ثوابه أزالت عن قلبـي مرارة وجعه.

قال: تلك جائزة من هذه الجوائز.

قلت: فكم هذه الجوائز؟

قال: هي كثيرة.. ولكن أي مريض يمر على هذا المستشفى ينال عشر جوائز، كل جائزة منها بالدنيا وما فيها.

قلت: ألهذا أمر الله تعالى بتبشير الصابرين، فقال تعالى:{ وَلَنَبلُوَنكُم بِشَيء منَ الخَوف وَالجُوعِ وَنَقصٍ منَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثمَراتِ وَبَشرِ الصابِرِينَ الذِينَ إِذَا أَصَـابَتهُم مصِيبَةٌ قَالُوا إِنا لِلهِ وَإِنـا إِلَيهِ راجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيهِم صَلَواتٌ من ربهِم وَرَحمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ المُهتَدُونَ } (البقرة:155-157)

قال: أجل.. فالبشارة لا تكون إلا على نعمة وفضل.

قلت: ألهذا ذكر الله تعالى كثرة الخير المخزن في طيات ما نكره، فقال تعالى:{ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} (النساء:19)؟

قال: أجل، وقد قال بعضهم تعليقا على الآية: (لا تكرهوا الملمات الواقعة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أم تحبه فيه عطبك)

قلت: ألهذا بشر صلى الله عليه وآله وسلم المبتلين بأنهم سيكونون موضع غبطة الخلق يوم القيامة عندما يعاينون ما أعد الله لهم من جزاء، فقال: ( يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض)([25]

قال: أجل، ولذلك كان من الحزم الانشغال بالمكاسب وتقليل الخسائر.. فانظر إلى مكاسب بلائك، لتنسيك المكاسب ما خسرته من جسدك وراحتك.

قلت: لقد ذكرتني بتعداد بعضهم للمعاني الجمالية المصبوبة في قوالب البلاء، فقال: (إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للإسترجاع لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني)

قال: هي أربع مكاسب، كل مكسب منها كاف في شغلك عن البلاء، وفي رسم الابتسامة في شفتيك بدل الأنين.

قلت: قرأت عن بعض الصالحين أنه برىء من علة كان فيها، فجلس للناس، وهنؤوه بالعافية، فلما فرغ الناس من كلامهم، قال: (إن في العلل لنعماً لا ينبغي للعاقل أن يجهلها: تمحيص للذنب، وتعرض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، وإذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للمثوبة، وحض على الصدقة، وفي قضاء الله وقدره بعد، الخيار)

قال: فللنطلق من هذه المعاني لننال هذه الجوائز العشرة.

قلت: وما هي؟

قال: التمييز، والتمحيص، والتأديب، والتذكير، والافتقار، والمحدودية، والسكينة، والتطهير، والمعاينة، والثواب.

نعمة التمييز:

قلت: فما نعمة التمييز؟

قال: هي ما أشار إليه قوله تعالى:{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ([26])اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} (آل عمران:142)، وقوله تعالى:{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (التوبة:16)

قلت: فما وجه الإشارة إلى هذه النعمة؟

قال: الله تعالى يبتلي خلقه بأصناف البلاء ليميز المحق من المبطل، والطيب من الخبيث.

قلت: فما سر ذلك؟

قال: الله تعالى بحكمته جعل هذه الدار محلا لاختبار عباده، لينزل كل واحد منهم ـ في النشأة الآخرة ـ المحل الذي ينسجم مع طبيعته، وتبرزه أهليته، فلذلك كانت هذه الدار هي دار التمييز التي يتميز فيها المحسن من المفسد، والراضي من الساخط([27]).

قلت: ولكن الله يعلم بأحوال عباده محسنهم ومسيئهم، وراضيهم وساخطهم.

قال: ولكنه لعدله لا يكتفي بعلمه، بل يجعل من أعمال العباد حجة لهم أو عليهم.

قلت: فما وجه كون التمييز نعمة؟

قال: دخل جماعة على بعض الصالحين، وهو في مارستان قد حبس فيه، وقد جمع بـين يديه حجارة، فقال: من أنتم؟ فقالوا: محبوك، فأقبل عليهم يرميهم بالحجارة فتهاربوا فقال: ما بالكم ادعيتم محبتي، إن صدقتم فاصبروا على بلائي.

قلت: لم أفهم هذا المثال.

قال: فاسمع لآخر يقربه لك، فقد قال: كنت نائما عند بعض الصالحين، فانبهني فقال لي: (يا فلان، رأيت كأني قد وقفت بين يدي الله تعالى فقال لي: خلقت الخلق فكلهم ادعى محبتي، وخلقت الدنيا فهرب مني تسعة أعشارهم، وبقي معي العشر، وخلقت الجنة فهرب مني تسعة اعشار العشر، وبقي معي عشر العشر، فسلطت عليهم ذرة من البلاء، فهرب مني تسعة اعشار عشر العشر، فقلت للباقين: معي، لا الدنيا اردتم، ولا الجنة اخذتم ولا من النار هربتم، فماذا تريدون، قالوا: انك تعلم ما نريد، فقلت لهم: فاني مسلط عليكم من البلاء بعدد انفاسكم ما لا تقوم له الجبال الرواسي اتصبرون؟ قالوا: اذا كنت انت المبتلي لنا، فافعل ما شئت فهؤلاء عبادي حقا)

قلت: لا يزال عقلي كالا دون فهم وجه كون التمييز نعمة.

قال: فقد قال بعض الصالحين: (الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم؛ فصار المؤمن إلى إيمانه، وصار المنافق إلى نفاقه)

قلت: فما وجه النعمة في هذا، بل إن هذا بلاء.. محض بلاء؟

قال: أرأيت لو جاورك في بيتك الأدنى من لا تطيق عشرته.. أترضى بذلك؟

قلت: لا.. بل إني سأرحل عنه..

قال: ولو خسرت مالك.

قلت: ولو خسرت مالي..

قال: لم؟

قلت: طلبا للراحة منه.

قال: فهذا منزل محدود.. لأمد معدود.. فكيف بالمجاورة المستمرة الدائمة التي لا حدود لها.

قلت: الكامل لا يرضى صحبة الناقص، والطيب لا يطيق معاشرة الخبيث.

قال: ولذلك كان التمييز الذي يحصل في الآخرة بين الأجناس والأنواع نعمة من النعم العظمى التي يستشعرها المؤمنون، فلا يدخل الجنة إلا الطيبون، بل إنهم في نفس الجنة متميزون بحسب مراتبهم ودرجاتهم.

قلت: ولهذا يبين القرآن الكريم المواقف المختلفة من أنواع البلاء، ففي موقف الخوف مثلا يخبر تعالى عن صنفين من الناس:

أما الأول، وهو الناجح في الاختبار، فيذكر تعالى وقوفه كالطود الأشمّ أمام كل المخاوف، قال تعالى:{ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران:173)

وأما غيرهم من الجبناء الساقطين في الاختبار فقد قال تعالى في شأنهم:{ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} (المائدة:52)

وقد أخبر تعالى عن الناجحين في الاختبار بأنه من المنعم عليهم، قال تعالى:{ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (المائدة:23)، وهذا في مقابلة الساقطين الجبناء الذين قالوا:{ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} (المائدة:22)، وقالوا بكل تبجح:{ يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة:24)

وهكذا في كل المواقف، نجد المؤمنين الصادقين الناجحين فيما أنعم به عليهم من البلاء، ونجد الراسبين الساقطين في الامتحان الذين قال تعالى في شأنهم:{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (الحج:11)

فهذا الخاسر لا يعبد الله في الحقيقة وإنما يعبد أهواءه التي قد تتفق أحيانا مع ما يأمر به الله، فيتوهم الخلق أنه يعبد الله، فلذلك يبتلى بما يظهر حقيقته، ويكشف عن سريرته.

نعمة التمحيص:

قلت: فما نعمة التمحيص؟

قال: هي التي أشار إليها قوله تعالى:{ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} (آل عمران:141)، فقد أخبر تعالى أن العلة في البلاء الذي حصل للمؤمنين هو تمحيصهم، كما أن علة البلاء الحال بغيرهم هو محقهم.

قلت: فما التمحيص([28]

قال:  هو التنقية والتطهير والتمييز لتظهر أهلية كل واحد منهم ما يستحقه من جزاء.

قلت: فما يظهر تلك الأهلية؟

قال: لا تبرز الأهلية إلا بأسياف البلاء، ورياح الفتن، وأنواع التمحيص، فالدعاوى سهلة، ولكن الصعب إثباتها، ولذلك رد الله تعالى على من حسبوا الأمر سهلا، تكفي فيه مجرد الدعاوى، فقال تعالى:{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} (البقرة:214)

قلت: ولكن هذه الآية نزلت في محل خاص.

قال: ولكنها في حقيقتها تفسر سنة الله في تمحيص عباده ليبرز كل شخص ما في صدره من تسليم أو اعتراض، أو عبودية أو ربوبية،  كما قال تعالى:{ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (آل عمران:154)

فالقلب كالمجتمع كلاهما يحتاج إلى أنواع البلاء والمحن والفتن التي تميز الطيب عن الخبيث، والطاهر من النجس.

سمعت صوتا كأني أعرفه، قلت: ما هذا الصوت يا معلم؟

قال: هذا صوت سيد.

قلت: أهو طبيب من أطباء هذا المستشفى؟

قال: كل الأولياء أطباء بهذا المستشفى.

قلت: فما الذي جعله يتكلم الآن؟

قال: سمع قراءتنا للآية، فأراد أن يتحدث عنها، فأصخ سمعك إليه.

قال سيد: التمحيص درجة بعد الفرز والتمييز.. التمحيص عملية تتم في داخل النفس، وفي مكنون الضمير.. إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية، وتسليط الضوء على هذه المكنونات، تمهيدا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب، وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق، بلا غبش ولا ضباب.

 قلت: فما الحاجة إليه؟

قال: كثيرا ما يجهل الإنسان نفسه، ومخابئها ودروبها ومنحنياتها. وكثيرا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها، وحقيقة ما استكن فيها من رواسب، لا تظهر إلا بمثير !

 وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله – سبحانه – بمداولة الأيام بين الناس بين الشدة والرخاء، يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير:محك الأحداث والتجارب والمواقف العملية الواقعية. 

فقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلاص من الشح والحرص.. ثم إذا هو يكشف – على ضوء التجربة العملية، وفي مواجهة الأحداث الواقعية – إن في نفسه عقابيل لم تمحص، وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط ! ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه، ليعاود المحاولة في سبكها من جديد([29]).

قلت: ألهذا كان الألم علاجا مشخصا للأدواء؟

قال: أجل.. وهو في ذلك كتلك المحاليل الكاشفة التي تميز أنواع العناصر، ليتبين الأصيل من الدخيل، وتتميز الصحة عن المرض.

قلت: فما وجه كونه نعمة؟

قال: لا يمكن العلاج إلا بالتشخيص، فمن السهل ادعاء الصبر، ومن الصعب التحقق به، فلذلك كان التمحيص مقدمة للتأديب.

نعمة التأديب:

قلت: فما نعمة التأديب؟

قال: هي التي أشار إليها قوله تعالى:{ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الانبياء:87)

قلت: فما وجه الإشارة فيها؟

قال: لقد جعل الله البلاء الذي حل بيونس u مؤدبا له، وزاجرا عما وقع فيه.

قلت: فيمكن لهذا الاستشهاد بما وقع لآدم u من أكله من الشجرة بعد أن نهي عنها.

قال: أجل.. فقد ابتلي ليؤدب أمام أوامر ربه، وليعرف مدى عداوة الشيطان له، فكان ظاهر بلائه نقمة، وباطنه رحمة، قال تعالى:{ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} (لأعراف:22)

قلت: ولكنه ـ مع ذلك ـ وللأسف ـ خرج من الجنة.

قال: من أكبر نعم الله على آدم u أنه خرج من الجنة.

قلت: ما هذا ـ يا معلم ـ أكانت الجنة نارا حتى يكون خروجه منها نعمة؟

قال: لم تكن نارا، ولكن سكونه إليها هو النار.. لقد انقلب آدم u بعد خروجه من الجنة شخصا آخر.

قلت: كيف.. فآدم الذي دخل الجنة، هو آدم الذي خرج منها.

قال: ولكنه ـ عندما خرج منها بأسياف البلاء ـ تحقق فيه ما أريد منه من منصب الخلافة العظيم الذي خلق له.

قلت: لقد ذكرتني بكلام لبعضهم على لسان الحضرة الإلهية يقول فيه مخاطبا آدم u: (يا آدم لا تجزع من قولي لك:{ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } (لأعراف:24)، فلك ولصالح ذريتك خلقتها.. يا آدم كنت تدخل علي دخول الملوك على الملوك، واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك.. يا آدم لا تجزع من قولي لك:{ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُم} (البقرة:216)) ([30])

قال: ولهذا ورد في النصوص الإخبار بابتلاء الله لعباده بسبب الذنوب التي يقعون فيها، وهو ابتلاء يشبه تماما تقريع المعلم لتلميذه رادعا له ومؤديا، وقد قال تعالى:{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى:30)، فالآية الكريمة تبيّن بوضوح أن المصائب التي تصيب الإنسان هي نوع من التحذير والعقاب الإلهي إلا ما كان من البلاء المتعلق بالمقربين من الأنبياء والصديقين، فله نواح أخرى غير هذا.

قلت: لقد روي أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلا بذنب ولما يعفو الله عنه أكثر)([31])

قلت: فما وجه كون التأديب نعمة؟

قال: لقد كانت ملاحظة الصديقين  لهذا سبب سرور عظيم، فقد لحظوا عناية الله بهم وتأديبه لهم، وغابوا بهما عن ألم الأنين الذي حل بهم.

ولهذا قال على بن أبي طالب: (ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم:{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى:30)، ثم قال: (يا علي ما أصابكم من مرض أوعقوبة أوبلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه)([32])

قلت: إني أرى البلاء لا ينزل على الأفراد فقط، بل هو يعدوها إلى المجتمعات، فهل هو من التأديب؟

قال: أجل.. فإن الله برحمته ولطفه وحكمته يرسل تنبيهاته للمجتمعات حتى تعود إلى ربها وتتأدب بين يديه، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى:{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم:41)، وهذا يدل على كون هذا سنة اجتماعية.

وفي قوله تعالى:{ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } تنبيه إلى أن العلة في ذلك ليس الانتقام وإنما التأديب، فما:{ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً} (النساء:147)

ويشير إلى هذا قوله تعالى:{ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (لأنفال:53)، وقوله تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } (الرعد:11)

قلت: لقد ذكرتني بما يقول أهل الأدب في هذا، فقد قال بعضهم: (المحن آداب الله عز وجل لخلقه، وتأديب الله بفتح القلوب، والأسماع، والأبصار)

وكتب آخر إلى صديق له في محنة لحقته: (إن الله تعالى ليمتحن العبد، ليكثر التواضع له، والاستعانة به، ويجدد الشكر على ما يوليه من كفايته، ويأخذ بيده في شدته، لن دوام النعم والعافية، يبطران الإنسان، حتى يعجب بنفسه، ويعدل عن ذكر ربه، وقد قال الشاعر:

لا يترك اللّه عبداً ليس يذكره                ممن يؤدّبه أو من يؤنّبه

أو نعمة تقتضي شكراً يدوم له   أو نقمة حين ينسى الشكر تنكبه

قال: فالبلاء مدرسة من مدارس الله لتأديب عباده.. ألا تدربون جنودكم بالجوع والعطش؟

قلت: بلى.. بل لا يصح أن يحمل جندي اسم الجندية إلا إذا جاع وعطش ونزلت به كل المصائب.

قال: لم؟

قلت: ليتمرن، وتمتلئ نفسه صبرا، وقلبه شجاعة.

قال: فكذلك رحمة الله اقتضت أن يذيقكم بعض البلاء ليتربى في نفوسكم ما يعجز الترف على تربيته.

نعمة التذكير:

قلت: فما نعمة التذكير؟

قال: هي التي أشار إليها قوله تعالى:{ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} (فاطر:37)، فمن الأقوال في تفسيرها أن المراد بالنذر الأمراض([33]).

قلت: لقد ورد في هذا حديث لا أدري مدى صحته، هو: (الحمى رائد الموت، وسجن الله في الأرض)([34])

قال: وقد ورد في الآثار ما يدل على هذا المعنى أيضا، فقد روي أن بعض الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ قال لملك الموت u: أمالك رسول تقدمه بين يديك ليكون الناس على حذر منك؟ قال: نعم، لي والله رسل كثيرة من الإعلال والأمراض والشيب والهموم وتغير السمع والبصر، فإذا لم يتذكر من نزل به ولم يتب، فإذا قبضته ناديته: ألم أقدم إليك رسولاً بعد رسول ونذيراً بعد نذير؟ فأنا الرسول الذي ليس بعدي رسول، وأنا النذير الذي ليس بعدي نذير، فما من يوم تطلع فيه شمس ولا تغرب إلا وملك الموت ينادي: يا أبناء الأربعين، هذا وقت أخذ الزاد، أذهانكم حاضرة وأعضاؤكم قوية شداد. يا أبناء الخمسين قد دنا وقت الأخذ والحصاد، با أبناء الستين نسيتم العقاب وغفلتم عن رد الجواب فما لكم من نصير:{ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} (فاطر:37))([35])

قلت: فما وجه كون التذكير بهذا نعمة؟

قال: إذا  علم المؤمن بقرب أجله سارع إلى المبادرة، قبل أن يفوت الأوان.. وليس ذلك فقط، بل إن البلاء في صوره المؤلمة يجعل صاحبه يقلع عما هو فيه من الغي، فلا يلقى الله وهو في سكرات غيه.

قلت: لقد ذكرتني ببديع الزمان حين قال..

ضحك، وقال مقاطعا لي: لا تحتاج لأن تذكره، فهو طبيب بصير من أطباء هذا المستشفى، فأصخ بصيرتك لتسمع إليه.

قال بديع الزمان: ثم إن الشيخوخة والمرض والبلاء، وما يحدث من وفيات هنا وهناك، تقطّر ذلك الألم المرير إلى نفس كل إنسان، وتُنذره دوماً بمصيره المحتوم، فلا جرم أن أولئك الضالين وأرباب السفاهة والمجون سيتأجج في  قلوبهم جحيمٌ معنوي، يعذبهم بلظاه حتى لو تمتعوا بمباهج الدنيا ولذائذها، بيد أن الغفلة وحدها هي التي تحول دون استشعارهم ذلك العذاب الأليم([36]).

قلت: الله !.. ما أدق بصيرته ! وما أحد نظره !

قال: أصخ سمعك ولا تقاطعه.

أصخت سمعي، فإذا به يقول، وكأنه يخاطب مريضا متألما يذكره بالكنوز المخبأة في طيات المرض: أيها المسكين الشاكي من المرض! إن المرض يغدو كنزاً عظيماً لبعض الناس، وهدية إلهية ثمينة لهم.. وباستطاعة كل مريض أن يتصور مرضه من هذا النوع، حيث أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون الأجلُ مجهولاً وقته، إنقاذاً للإنسان من اليأس المطلق أو من الغفلة المطلقة، وإبقاءاً له بين الخوف والرجاء، حفظاً لدنياه وآخرته من السقوط في هاوية الخسران.. أي أن الأجل متوقع مجيئه كل حين، فإن تمكّن من الإنسان وهو سادر في غفلته يكّبده خسائر فادحة في حياته الأخروية الأبدية. فالمرض يبدد تلك الغفلة ويشتتها، وبالتالي يذكّر بالآخرة ويستحضر الموت في الذهن فيتأهب له. بل يحدث أن يربّحه ربحاً عظيماً، فيفوز خلال عشرين يوماً بما قد يستعصي استحصاله خلال عشرين سنة كاملة([37]).

قلت: يا بديع الزمان.. يا من تنور هذا المستشفى ببصيرته.. أخبرني بمثال على ذلك تثبت به قلبي.. فقد عهدتك صاحب أمثلة.

قال: كان هناك فَتَيان – يرحمهما الله -، ورغم كونهما أُميين من بين طلابي، فقد كنتُ ألحظُ بإعجاب موقعَهما في الصف الأول في الوفاء والصدق وفي خدمة الايمان، فلم أدرك حكمة ذلك في حينها، ولكن بعد وفاتهما علمت انهما كانا يعانيان من دائين عضالين، وبإرشاد من ذلك المرض أصبحا على تـقوى عظيمة يسعيان في خدمة راقية، وفي وضع نافع لآخرتهما، على خلاف سائر الشباب الغافلين الساهين حتى عـن فرائضهـم،  فنسأل الله أن تـكون سنتا المرض والمعاناة اللتان قضيـاهما في الحياة الدنيا قد تحولتا الى ملايين السنين من سعادة الحياة الابدية ([38]).

ثم سكت برهة، وقال: ومالي أذهب إلى أصحابي.. سأحدثك عن نفسي.. (حينما وطأت قدماي عتبة الشيخوخة، كانت صحتي الجسدية التي ترخي عنان الغفلة وتمدّها قد اعتلّت أيضاً فاتفقت الشيخوخة والمرض معاً على شن الهجوم عليّ، وما زالا يكيلان على رأسي الضربات تلو الضربات حتى أذهبا نوم الغفلة عنّي. ولم يكن لي ثمة ما يربطني بالدنيا من مال وبنين وما شابههما، فوجدت أن عصارة عمري الذي أضعته بغفلة الشباب، إنما هي آثام وذنوب، فاستغثتُ صائحاً مثلما صاح نيازي المصري:

ذهب العُمر هباءً، لـم أفز فيه بشيء

ولقد جئت أسير الدرب، لكنْ

رحل الرّكبُ بعيداً وبقيتْ

ذلك النائي الغريب وبكيتْ

همتُ وحدي تائهاً أطوي الطريق

وبعينيّ ينابيع الدموع

وبصدري حرقة الشوق

حار عقلي..!)([39])

نعمة الافتقار:

قلت: فما نعمة الافتقار؟

قال: هي التي أشار إليها قوله تعالى:{ كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} (العلق:6 ـ 7)

قلت: لقد أخبر تعالى بأن رؤية الإنسان لغناه، تجعله طاغية ظالما متعديا لحدوده.

قال: ولذلك يكون الافتقار، وكل ما يؤدي إليه نعمة من النعم تخلص الإنسان من الطغيان، وتعيده إلى وضعه الطبيعي.

قلت: هذا تشير إليه آيات كثيرة، فالله تعالى يقول، وهو يبين سنة اجتماعية لا تكاد تتخلف: { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} (الشورى:27)

قال: هذه حقيقة لا تدل عليها النصوص فقط، بل يدل عليها الواقع.. واقع كل الناس، فهم إن عاشوا الترف نسوا الخالق والمخلوق.. وظلموا وبغوا.

قلت: لقد قد ذكر الفخر الرازي علة لكون التوسع موجبا للطغيان، فقال: (الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر، وإذا وقع في شدة وبلية ومكروه انكسر فعاد إلى الطاعة والتواضع)([40]

قال: هذا صحيح، ولهذا كان من العقوبة التي تنزل على عباد الله الغافلين أن تفتح عليهم زهرة الدنيا، ويفاض عليهم نعيمها، قال تعالى:{ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (الأنعام:44)

ويروى في هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إذا رأيتم الله تعالى يعطي العباد ما يشاءون على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم)، ثم تلا قوله تعالى:{ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (الأنعام:44))([41])

قلت: فقد قيل: إن السبب الذي حمل فرعون على قوله: { أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى} (النازعات:24) طول العافية والغنى، فإنه لبث أربعمائة سنة لم يتصدع رأسه، ولم يضرب عليه عرق.

قال: لو أخذته الشقيقة ساعة واحدة لشغله ذلك عن دعوى الربوبية.

قلت: ألهذا لا ينزل الله تعالى فرجه ابتداء في أكثر الأحوال؟

قال: أجل.. وهذا من رحمة الله بعباده.. لأن ما يأتيهم قبل الفرج من فضله الذي لم يلتفتوا إليه أعظم من الفرج نفسه.

قلت: هو يتركهم حتى يستشعروا فقرهم وحاجتهم الله.

قال: وحينذاك يفيض عليهم عطاؤه وغيثه.

قلت: لقد ذكر تعالى ذلك، فقال:{ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} (الشورى:28)، وقال:{ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} (الروم:49)، وقال:{ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (الروم:50)

قال: ولهذا، فإن المتوسمين من عباد الله يستدلون بوجود الفاقات على قرب الصدقات، لأن الفاقة تحقق صاحبها بالافتقار، والافتقار يؤهل صاحبه للفضل.

قلت: فالفاقات إذن رسائل رحمة؟

قال: هذا ما يفهمه العارفون منها، فهم يعتبرون أفعال الله تعالى فيهم وفي غيرهم رسائل رحمة ومودة.. ولا يفهمون من تلك الأنات والبلايا إلا أنها حروف من الله تشهدهم وجود فاقتهم، وتشعرهم بحقيقتهم، لتشغلهم بالله عن أنفسهم.

قلت: لقد أشار ابن عطاء الله إلى هذا فقال: (خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك، وترد فيه إلى وجود ذِلتك)

وأشار إلى هذا المعنى في الحكمة الأخرى بقوله: (فاقتك لك ذاتية، وورود الأسباب مذكرات لك بما خفي عليك منها، والفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض)

قال: نعم، فإنه إذا علم العبد أن العدم سابق على وجوده، وأن وجوده مفتقر إلى المدد في كل وقت، وإلا تلاشى وانعدم، علم أن فاقته ذاتية، وأن الاضطرار لازم لوجوده، وأن ورود العلل المختلفة من الفقر والمرض مذكرات له بما خفي عليك من الفاقة الذاتية، فإن غالب الناس يغفلون عن الفاقة الذاتية إذا دامت عليهم صحة أبدانهم وكثرة أموالهم.

قلت: لقد تحدث بديع الزمان عما يحدثه البلاء من أنواع الفاقة والعجز، والتي تقرب المبتلى إلى ربه.

قال: فأصخ سمع بصيرتك إليه.. ألا تعلم أنه من أطباء هذا المستشفى؟

سمعت صوته، وهو يقول: إن البلايا والضر والأمراض تـجعل صاحبها يشعر بعجزه وضعفه، فيلتجىء إلى ربه الرحيم، ويتوجه اليه ويلوذ به، فيؤدي بهذا عبادة خالصة، هذه العبادة خالصة زكية لا يدخل فيها الرياء قط، فإذا ما تجمل المصاب بالصبر وفكّر في ثواب ضره عند الله وجـميل أجره عنده، وشكر ربه عليها، تـحولت عندئذ كل ساعة من ساعات عمره كأنها يوم من العبادة، فيغدو عمره القصير جداً مديداً طويلاً، بل تتـحول – عند بعضهم – كل دقيقة من دقائق عمره بـمثابة يوم من العبادة.

قلت: فالبلاء إذن ـ يا بديع الزمان ـ مسجد من مساجد العبودية ومحراب من محاريبها؟

قال: ليس هذا فقط، بل هناك حكم أجل يبرزها فقر الإنسان، لها علاقة بالعرفان.

قلت: أفقر الإنسان يعرفه بالله؟

قال: بل يوصله إليه.

قلت: كيف ذلك؟

قال: (ان الله سبحانه قد أدرج في الانسان عجزاً لا حد له، وفقراً لانهاية له، إظهاراً لقدرته الـمطلقة وإبرازاً لرحمته الواسعة. وقد خلقه على صورة معينة بـحيث يتألم بما لا يحصى من الجهات، كما أنه يتلذذ بما لا يعد من الجهات، إظهاراً للنقوش الكثيرة لأسمائه الحسنى. فابدعه سبـحانه على صورة ماكنة عجيبة تـحوي مئات الآلات والدواليب، لكل منها آلامها ولذائذها ومهمتها وثوابها وجزاؤها، فكأن الاسماء الإلـهية المتجلية في العالم الذي هو إنسان كبير تتجلى أكثرها أيضاً في هذا الانسان الذي هو عالم أصغر، وكما أن ما فيه من أمور نافعة – كالصحة والعافية واللذائذ وغيرها – تدفعه الى الشكر وتسوق تلك الـماكنة الى القيام بوظائفها من عدة جهات، حتى يغدو الانسان كأنه ماكنة شكر. كذلك الامر في المصائب والأمراض والآلام وسائر المؤثرات المهيجة والمحركة، تسوق الدواليب الأخرى لتلك الماكنة الى العمل والحركة وتثيرها من مكمنها فتفجّر كنوز العجز والضعف والفقر الـمندرجة في الـماهية الانسانية. فلا تـمنـح الـمصائبُ الانسانَ الالتـجاء الى البارىء بلسان واحد، بل تـجعلـه يلتـجىء اليه ويستغيثه بلسان كل عضو من أعضائه)([42])

قلت: هذه نعم جليلة ينبتها غرس البلاء، المضمخ بعطر الافتقار.

قال: ليس هذا فقط بل إنه يلقن المريض أهم عرى الحياة الاجتماعية.. فهو لا يربطه بالله فقط، بل يربطه بالمجتمع أيضا.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لأنه ينقذ الانسان من الاستغناء عن الآخرين، ذلك الاستغناء الذي يسوق الى الوحشة ويجرد الانسان من الرحمة، فالنفس الأمارة الواقعة في شباك الاستغناء – الناجم عن الصحة والعافية – لن تشعر بالاحترام اللائق تجاه العلاقات الاخوية، ولن تحس بالرحمة والرأفة بالمبتلين بالمصائب والامراض الجديرين بالرحمة والعطف، ولكن متى ما انتاب الانسان المرض وأدرك مدى عجزه، ومدى فقره، تحت ضغوط المرض وآلامه وأثقاله فانه يشعر بالاحترام لأشقائه المؤمنين اللائقين بالاحترام الذين يقومون برعايته، أو الذين يأتون لعيادته، ويشعر كذلك بالرأفة الانسانية وهي خصلة إسلامية تجاه اهل المصائب والبلايا – قياساً على نفسه – فتفيض من قلبه الرحمة والرأفة بكل معناهما تجاههم، وتضطرم عنده الشفقة حارة ازاءهم، واذا استطاع قدّم لهم يد العون، وان لم يقدر عليه شرع بالدعاء لهم، أو بزيارتهم والاستفسار عن راحتهم وأحوالهم مؤدياً بذلك سنةً مشروعة كاسباً ثوابها العظيم)([43])

قلت: هنيئا للفقراء هذه النعم العظيمة التي يحملها فقرهم.

قال المعلم: لقد عرفت عند رحلتك لكنوز الفقراء كيف يطير الافتقار بالمؤمن، فلا يقف به إلا على باب الله تعالى، فيتوجه  بكل كيانه إلى الرحيم الرحمن، كما يتوجه الصبي إلى أحضان أمه، فيكسب بالتجائه من اللذة ما ينسيه إلى كل ألم، بل يكون ذلك الألم هو طريق الأشواك القصير المحدود الذي أوصله إلى الجنان المزهرة.

قلت: لكانك تشير بقولك هذا، وبهذه الرحمة المكسوة بكساء الألم إلى قوله تعالى:{ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً} (الاسراء:28)

قال: هذا صحيح، ولذلك كان في الافتقار الذي ينشئه البلاء لذة يشعر بها العارفون لا تقل عن لذة شعور الصبي بالأمن، وهو يعود إلى أحضان أمه الدافئة.

قلت: فهذا من معاني قوله تعالى:{ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:216)

قال: أجل.. وكل هذا المستشفى تفسير لهذا القول.

قلت: لقد سمعت بعضهم يعبر عن هذا بسجود القلب؟

قال: أجل.. وقد سئل سهل التستري: (أيسجد القلب؟)، فقال: (نعم، يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء)

قلت: فهذا السجود الخاشع الدائم الذي يسجده القلب لا يكون إلا بالافتقار إلى الله.

قال: يحكى في هذا عن بعض العارفين أنه قال: (دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها، فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام، فلم أتمكن من الدخول حتى جئت باب الذل والافتقار، فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه ولا مزاحم فيه ولا معوق، فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته، فإذا هو سبحانه قد أخذ بيدي وأدخلني عليه)([44])

قلت: لهذه الآثار الجميلة التي يحدثها البلاء في النفس، ومع الله، ومع المجتمع، كان الحمد لله والشكر له يخرج من أفواه الصالحين غضا طريا مشفوعا بالشعور بالمنة لاعتقادهم أن الله ما ابتلاهم ليعذبهم، وإنما ابتلاهم ليخلصهم من أوزار نفوسهم، وليجعلهم أهلا له، وقد روي في الخبر أن الله تعالى أوحى إلى موسى u: (إذا رأيت الفقر مقبلا إليك فقل: مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغني مقبلا إليك فقل: ذنب عجلت عقوبته)([45])

وكان بعضهم إذا اشتد مرضه وجوعه يقول: (إلهي ابتليتني بالمرض والجوع، وكذلك تفعل بأوليائك، فبأي عمل أؤدي شكر ما أنعمت به علي)

وكان آخر يقول: (إلهي أجعتني، وأجعت عيالي وتركتني في ظلم الليالي بلا مصباح، وإنما تفعل ذلك بأوليائك فبأي منزلة نلت هذا منك؟)

وسر ذلك هو خوف الصالحين من الاستدراج بالنعيم، كما قال قائلهم: (والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخفف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه. وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه خير له فيها إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه)

بل هذا ما صرح به صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم)([46])

نعمة المحدودية:

قلت: فما نعمة المحدودية؟

قال: من نعم الله العظيمة في البلاء كونه محدودا.

قلت: من أي الجهات كان محدودا؟

قال: من جهة محله، أو من جهة الزمن الذي يستمر فيه.

قلت: فكيف كان البلاء محدودا من جهة المحل؟

قال: إن الله تعالى برحمته لم يبتل منك إلا أعضاء محدودة، أو محال محدودة، ورزقك بدلها من العوض ما يهون عليك ذلك الألم، أو ما تستأنس به بدل ذلك المفقود، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى:{ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء:104)

قلت: فما وجه الإشارة في هذه الآية؟

قال: لقد رزق الله المؤمنين الرجاء عوضا عن الألم الذي أصابهم، وهو ما يخفف من حدة البلاء، ويجعله محدودا لا يتجاوز إلى أرواحهم التي هي محل الرجاء.

قلت: فهل تشير إلى هذا آيات أخرى؟

قال: أجل.. آيات كثيرة، فالله تعالى يقول:{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (البقرة:155)

فقد ذكر تعالى أن البلاء يكون بشيء من الخوف والجوع، أي بقليل منهما، وبنقص من الأموال والانفس والثمرات، أي ذهاب بعضها فقط وبقاء البعض الآخر.

قلت: هذه إشارة جميلة ودقيقة.. ولكنها قد لا تفهم.

قال: إشارات القرآن الكريم لا يفهمها إلا المتدبرون.

قلت: فلنبسطها حتى يفهموها، ألم يجعل الله تعالى القرآن الكريم ميسرا للذكر؟

قال: إن الله تعالى ذكر في الآية أمرين: ذكر الابتلاء بصيغة المحدودية، وذكر التبشير بصيغة الإطلاق، فلم يحدد الجوائز المرتبطة بالبشارة.

قلت: لم؟

قال: لينمحق البلاء في البشارة، بالإضافة إلى انمحاقه في محدوديته.

قلت: فاضرب لي مثالا على ذلك.

قال: إذا جاز أن نمثل البلاء بشيء، فإن أقرب شيء إليه هو الحفرة التي تدمل الأرض بالجراح.

قلت: نعم هذا تقريب حسن، فالحفرة كالألم الذي أصاب جسد الإنسان.

قال: فإذا كانت الحفرة محدودة من حيث حجمها، ثم ملأناها بأكياس.. لا من الرمل.. بل من الذهب الخالص.. بل بما هو أشرف من الذهب وأغلى قيمة.. أيبقى للحفرة وجود؟

قلت: لو أن الأمر كذلك لتمنى صاحب الحفرة أن تكون حفرته أخدودا عظيما، بل بحرا عميقا، بل محيطا لا حدود له.

قال: الأمر كذلك.. ولكنكم لا تبصرون.

قلت: فهل هناك إشارة أخرى؟

قال: قوله تعالى:{ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} (البقرة:124)، فقد أخبر الله تعالى بأنه ابتلى إبراهيم u بكلمات، أي ببعض البلاء، لا بكل البلاء، ومثل ذلك ما ذكر من أنواع البلاء التي حصلت للأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فهي كلها من البلاء المحدود، والذي ينتهي غالبا بالفرج التوسعة.

قلت: فهل هناك إشارة أخرى؟

قال: قوله تعالى:{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى:30)، فقد أخبر تعالى أن من أسباب المصائب الذنوب، وأنه برحمته لا يعاقب على كل الذنوب، بل لو عاقب عليها لما ترك على ظهرها من دابة، قال تعالى:{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} (فاطر:45)

قلت: لقد ورد في تفسير قوله تعالى:{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى:30)، قول رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ( والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود، ولا اختلاج عرق، ولا عثرة قدم، إلا بذنب، وما يعفو اللّه عنه أكثر)([47])

وورد فيها ما رواه أبو جحيفة قال: دخلت على علي بن أبي طالب ، فقال: ألا أحدثكم بحديث ينبغي لكل مؤمن أن يعيه؟ قال، فسألناه، فتلا هذه الآية:{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى:30)،، فقال: ما عاقب اللّه تعالى به في الدنيا، فاللّه أحلم من أن يثني عليه العقوبة يوم القيامة، وما عفا اللّه عنه في الدنيا، فاللّه أكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة)([48])

قال: فالبلاء بهذا يصبح محدودا غاية المحدودية.. لأنك لا تقارنه ببلاء مثله،  وإنما تقارنه بقدرة الله التي لا تحد، مع مشيئته النافذة في خلقه، فالله مع كونه ابتلاك إلا أنه ابتلاك بشيء محدود لا قيمة له بجنب ما صرف عنك.

قلت: لقد ذكرتني بحكاية رجل الصالح ذكره بعضهم، فقال: كان رجل بالبادية له كلب وحمار وديك، فالديك يوقظهم للصلاة والحمار ينقلون عليه الماء ويحمل لهم خباءهم والكلب يحرسهم، قال: فجاء الثعلب فأخذ الديك، فحزنوا له وكان الرجل صالحاً فقال: عسى أن يكون خيراً، ثم جاء ذئب فخرق بطن الحمار فقتله فحزنوا عليه فقال الرجل: عسى أن يكون خيراً، ثم أصيب الكلب بعد ذلك فقال عسى أن يكون خيراً، ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا فإذا قد سبـي من حولهم وبقوا هم، قال: وإنما أخذوا أولئك لما كان عندهم من أصوات الكلاب والحمير والديكة، فكانت الخيرة لهؤلاء في هلاك هذه الحيوانات كما قدّره الله تعالى.

فقد كانت هذه المصائب كبيرة في لحظة نزولها، ولكنها كانت بدلا عن مصائب أكبر، فنابت المصائب الصغيرة عن الكبيرة.

قال: بل أشار إلى هذا قوله تعالى في قصة موسى u مع الخضر u حين خرق السفنية، وكانت مصيبة صغيرة أقل بكثير من أن يسلبوا السفينة، قال تعالى: { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} (الكهف:79)

أو حين قتل الغلام، وهو مصيبة كبيرة في نفسه، ولكنه صغيرة إذا ما قورن بنتيجته، قال تعالى: {،  وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} (الكهف:80 ـ81)

قلت: فهمت هذا.. وأدركت سر كونه نعمة.

قال: ليس هذا فقط.. بل إن من نعم هذه المصيبة التي حلت بك أنها كانت في الدنيا، ولم تكن في الدين، وكانت في الجسد، ولم تكن في الروح، وتعلقت بالدنيا، ولم تتعلق بالاخرة.

قلت: لا يفقه سر هذا إلا من عرف نسبة الدين إلى الدنيا، ونسبة الروح إلى الجسد، ونسبة النشأة الأولى إلى النشأة الآخرة.. فاضرب لي مثالا يقرب لي هذا المعنى.

قال: صاحب السيارة الذي تعرض لحادث، مات فيه من مات لكنه نجا، وتأثرت سيارته، فإن هذا وإن تأسف على ما أصابها، إلا أنه يحمد الله على أن المصيبة حلت بالسيارة، ولم تحل به.

قلت: هذا صحيح.. فكيف نطبق هذا المثل على ما نحن فيه؟

قال: لقد عرفنا أن الجسد مطية الروح ومركوبها، وأن غذاء الروح هو الدين، وسمها هو التعلق بالدنيا.

قلت: أجل.. وقد ذكرتني بكلام جميل لبديع الزمان في هذا.

سمعت صوته، وهو يقول: (إن المصيبة التي تعدّ مصيبة حقاً والتي هي مضرة فعلاً، هي التي تصيب الدين. فلابد من الالتجاء الى الله سبحانه والانطراح بين يديه والتضرع اليه دون انقطاع. أما المصائب التي لاتمس الدين فهي في حقيقة الامر ليست بمصائب، لأن قسماً منها تنبيه رحماني! يبعثه الله سبحانه الى عبده ليوقظه من غفلته.. أما القسم الآخر من المصائب فهو كفارة للذنوب، وقسم آخر أيضاً من المصائب هو منحة إلهية لتطمين القلب وافراغ السكينة فيه، وذلك بدفع الغفلة التي تصيب الإنسان، وإشعاره بعجزه وفقره الكامنين في جبلته)([49])

قال: وهناك ناحية أخرى مهمة يمكن الاعتبار منها هنا تخفف من البلاء وتجعله محدودا، بل تكاد تلغيه.

قلت: ما هي؟ فقد شوقتني.

قال: هي محدودية آلام الدنيا مهما عظمت بآلام الآخرة ومصائبها.

قلت: يشير إلى هذا المعنى آيات كثيرة، فالله تعالى يقول:{ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} (الشعراء:25 ـ 207)، أي لو أخرناهم وأنظرناهم وأمهلناهم برهة من الدهر وحيناً من الزمان وإن طال، ثم جاءهم أمر اللّه، أي شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعيم.

قال: لأنهم في ذلك الحين يدركون قصر عمر الدنيا التي كانوا يتفانون من أجلها.

قلت: وقد دل على ذلك آيات كثيرة، فالله تعالى يقول:{ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغ} (الاحقاف:35)، وقوله تعالى:{ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} (النازعـات:46)

قال: وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه (يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة ثم يقال له هل رأيت خيراً قط؟ هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا واللّه يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً كان في الدنيا، فيصبغ في الجنة صبغة، ثم يقال له: هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: لا واللّه يا رب)([50])، فلحظة واحدة في الجنة تنسي أشد الناس بؤسا في الدنيا كل ما عاناه فيها.

قلت: فهمت الناحية الأولى، وعرفت أثرها ووجه كونها نعمة، فما الناحية الثانية؟

قال: محدودية الزمان.

قلت: فسرها لي.

قال: هي ما أشار إليه قوله تعالى:{ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة:156)

قلت: فما وجه الإشارة فيها؟

قال: كلمة الاسترجاع تحمل دلالة عظيمة على محدودية البلاء، فالمؤمن المبتلى سيرجع إلى ربه، وستنتهي برجوعه كل أصناف البلايا.

قلت: فاضرب لي مثالا على ذلك.

قال: أرأيت لو أن مسجونا سجن أياما معدودة.. وكان آمر السجن رحيما، فكان يرسل له كل يوم من يملؤه بالبشر، ويقول له: (إن هي إلا أيام وتعود إلى أهلك ومالك) ألا يستبشر هذا المسجود ويستأنس؟

قلت: بلى..

قال: فالله تعالى المبتلي لم يرسل لنا من يؤنسنا بذلك، بل هو الذي ملأنا بالأنس، فأخبرنا برجوعنا إليه ليمسح عنا كل دمعة، ويبرئ لنا كل جرح.

قلت: فهمت الإشارة.. فهل هناك إشارة أخرى؟

قال: قوله تعالى:{ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} (الضحى:4)

قلت: هذه الآية في تبشير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال: لا.. هذه الآية تبشر الكل.. تبشر كل من يسمع من الله.. فلا يصح أن نحجر على كلام الله.

قلت: فما فيها؟

قال: ذكر الآخرة بعد ذكر البلاء يفيد عظم الجزاء الذي يشهده المبتلون بعد أن تنقضي فترة بلائهم.

قلت: ألهذا التفت السحرة إلى المدة التي يمكن لفرعون أن يعذبهم فيها؟

قال: أجل، لقد وجدوها قصيرة لا تساوي شيئا أمام ما عند الله، فقالوا له عندما وضعهم في ذلك الخيار الصعب: { لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} (طـه:72)

قلت: ولهذا يعبر تعالى عن عذاب الآخرة وبلائها بكونه:{ أَشَدُّ وَأَبْقَى} (طـه:127)

قال: ليملأ القلوب المتألمة بالأنس بانتهاء عذابها المحدود.

قلت: لا ـ يا معلم ـ فهي آية تخويف لا تأنيس.

قال: هي تخويف وتأنيس.. هي كالزرع الذي يسقى بماء واحد، ويفضل بعضه على بعض في الأكل، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (الرعد:4)

قلت: بلى.

قال: فذلك مطره النازل إلى الأرض، وهذا مطره النازل على القلوب.

قلت: فكيف يزرع هذا البسمة في القلوب المتألمة؟

قال: يروى أنّ يونس u قال لجبريل: دلني على أعبد أهل الأرض، فدله على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه وذهب ببصره، فسمعه وهو يقول: إلهي متعتني بهما ما شئت أنت، وسلبتني ما شئت أنت، وأبقيت لي فيك الأمل يا بر يا وصول.

قلت: ما معنى هذا؟

قال: معناه ما صرح به باب مدينة العلم([51]) فيما رواه عنه الأحنف بن قيس قال: ما سمعت بعد كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن من كلام أمير المؤمنين علي حيث يقول: (إن للنكبات نهايات، لا بد لكل أحد إذا نكب من أن ينتهي إليها، فينبغي للعاقل إذا أصابته نكبة أن ينام لها حتى تنقضي مدتها، فإن في دفعها قبل انقضاء مدتها زيادة في مكروهها)

قلت: لقد استشهد الأحنف لهذا بقول الشاعر:

الدهر تخنق أحيانا قلادته
 
فاصبر عليه ولا تجزع ولا تثب
  
حتى يفرجها في حال مدتها
 
فقد يزيد اختناقا كل مضطرب
  

قال: وزيادة على هذا كله، فإن المؤمن لا يغفل بالنظر إلى البلاء الذي نزل به عن الرخاء الذي عاشه، والذي لا تزال ترتسم ذكرياته في ذهنه يستأنس بها.

قلت: ألهذا إشارة من القرآن الكريم؟

قال: أجل، قوله تعالى:{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ } (التوبة:25)، فقد وردت هذه الآية في موضع من مواضع الألم تذكرهم بأفضال الله السابقة لتملأهم أنسا بها.

قلت: لقد قال الشاعر في هذا وأحسن:

فلا تجزع وإن أعسرت يوماً

  فقد أيسرت في الزمن الطويل

ولا تظنن بربّك ظنّ سوءٍ

  فإنّ الله أولى بالجميل

قال: هذه سنة الله في عباده، فهو يبتلي بالسراء والضراء، فمن ابتلي بالسراء لا بد أن يبتلى ببعض الضراء، ومن رحمة الله محدودية الضراء بجنب السراء.

قلت: لقد أشار ابن مسعود إلى هذا بقوله: (لكل فرحةٍ تَرْحة، وما مُلِىءَ بيتٌ فرحاً إلا مُلِىءَ تَرحاً)

قلت: فما سر جعل البلاء محدودا؟

قال: لأن القصد منه هو الاختبار، والاختبار محدود من حيث الأسئلة المطروحة فيه، ومن حيث المدة التي تطرح فيها تلك الأسئلة.

قلت: فما هي المكاسب التي أنالها من هذه المحدودية؟

قال: أول مكسب لك في هذا هو تقليل عدد مصائبك وتحجيمها، بل تقزيمها، كما قال بعض الصالحين: (إذا نزلت بك مصيبة فصبرت، كانت مصيبتك واحدة، وإن نزلت بك ولـم تصبر، فقد أُصبت بمصيبتين: فقدان المحبوب، وفقدان الثواب)

قلت: لقد ذكرتني ـ يا معلم ـ بأحاديث جميلة للصالحين، فإنهم لا يغفلون بما حل بهم من بلاء عما بهم من نعم الله:

فقد حدث بعض الصالحين، قال: مررت بعريش من مصر وأنا أريد الرباط، فإذا أنا برجل في مظلة قد ذهبت عيناه ويداه ورجلاه، وبه أنواع البلاء وهو يقول: الحمد لله حمدا يوافي محامد خلقك بما أنعمت علي وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا. فقلت: لأنظرن أشيء علمه أم ألهمه الله إلهاما؟ فقلت: على أي نعمة من نعمه تحمده؟ أم على أي فضيلة تشكره؟ فوالله لو أرسل السماء علي نارا فأحرقتني، وأمر الجبال فدكدتني، وأمر البحار فغرقتني ما ازددت له إلا حمدا وشكرا وإن لي إليك حاجة: بنية لي كانت تخدمني وتتعاهدني عند إفطاري انظر هل تحس بها؟ وقال عبد الوهاب بني كان لي فقلت: والله إني لأرجو أن يكون لي في قضاء حاجة هذا العبد الصالح قربة إلى الله عز وجل. فخرجت أطلبها بين تلك الرمال فإذا السبع قد أكلها. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، من أين آتي هذا العبد الصالح أخبره بموت ابنته؟ فأتيته فقلت له: أنت أعظم عند الله منزلة أم أيوب عليه السلام؟ ابتلاه الله في ماله وولده وأهله وبدنه حتى صار عرضا للناس؟ فقال: لا بل أيوب. قلت: فإن ابنتك التي أمرتني أن أطلبها أصبتها وإذا السبع قد أكلها. فقال: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا وفي قلبي منها شيء. فشهق شهقة فمات. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، من يعينني على غسله ودفنه؟ فإذا أنا بركب يريدون الرباط، فأشرت إليهم فأقبلوا إلي فأخبرتهم بالذي كان من أمره فغسلناه وكفناه ودفناه في مظلته تلك، ومضى القوم. وبت ليلتي في مظلته آنسا به حتى إذا مضى من الليل قد ثلثه إذا أنا به في روضة خضراء، وإذا عليه حلتان خضراوان، وهو قائم يتلو القرآن. فقلت ألست صاحبي بالأمس؟ فقال: بلى. فقلت: فما صيرك إلى ما أرى؟ قال: وردت من الصابرين على درجة لم ينالوها إلا بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء.

نعمة السكينة:

قلت: فما نعمة السكينة؟

قال: هي تلك الطمأنينة التي يجدها المؤمن عقب بلائه، وهي تثبيت الله تعالى للقلوب المتألمة، ولولاه لزلزل بها.

قلت: أهي الصبر؟ فالثبات هو ثمرة الصبر.. وهو نعمة تجعل في القلوب قدرة عجيبة على التحمل والتعايش مع البلاء.

قال: هي قريبة من نعمة الصبر.. ولكنها أعظم شأنا.

قلت: كيف؟

قال: السكينة هبة ربانية تنزل على من توفرت فيهم الأهلية، بينما الصبر عمل إنساني وجهد يمارسه المكلف ليتحقق به([52]).

قلت: ألهذا ورد الأمر بالصبر، ولم يرد الأمر بالسكينة، فقد قال تعالى:{ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة:45)، وقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ((البقرة:153)، وقال تعالى:{ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (آل عمران:186)، وقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران:200)، ولم يأت في آية واحدة الأمر بالسكينة.

قال: السكينة لا يؤمر بها، لأنها تتنزل.. وما يتنزل لا يؤمر به.. وإن صح أن يؤمر به، فإنه يؤمر بالتحقق بأهلية التنزل.

قلت: وما أهلية التنزل؟

قال: وقوف المؤمن في مواقف الخوف والشدة والزلزلة.

قلت: لقد نهينا عن طلب البلاء.

قال: لا أقصد ذلك.. ولكني أقصد أن تتعرض للبلاء المرتبط بالخوف والشدة والزلزلة.

قلت: فكل الخلق يتعرضون لذلك.. هذا من ضرورات الاختبار.

قال: فيهم من يتعرض لها بالله، وفيهم من يتعرض لها بنفسه.

قلت: فمن تعرض لها بنفسه؟

قال: يوكل إليها.. وقد يلتجئ إلى الصبر.. وقد يضيق به الصبر، فينتحر بجسده أو بروحه.

قلت: فمن تعرض لها بالله؟

قال: تتنزل عليه السكينة لتخبره بتولي الله له، وقيامه بشأنه.

قلت: ألهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مواقف الشدة يطلب السكينة؟.. فقد حدث بعضهم، قال:  رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينقل من تراب الخندق حتى وارى التراب جلدة بطنه،  وهو يرتجز بكلمة عبدالله بن رواحة:

لاهم لولا أنت ما اهتدينا

  ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا

  وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الأولى قد بغوا علينا

  وإن أرادوا فتنة أبينا

قال: أجل.. ولهذا وردت السكينة في القرآن الكريم في مواضع الشدة([53]).

قلت: وهي في أغلبها تتعلق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والعصبة المؤمنة معه([54]).

قال: أجل.. والعصبة المؤمنة معه تشمل صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنتجبين إلى يوم القيامة.

قلت: الصحابة المنتجبون ماتوا.

قال: من اصطلح على تسميتهم كذلك ماتوا.. ولكن من صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأرواحهم لا تخلو منهم الأرض.. ولو خلت منهم الأرض لأذن الله للقيامة أن تقوم.

نعمة التطهير:

قلت: فما نعمة التطهير؟

قال: الله تعالى برحمته ولطفه يحب عبادة المتطهرين([55])، فلذلك يهيء لهم من أسباب الطهارة ما يغسل به الأدران عنهم.

قلت: لقد قال تعالى في المطر الذي أنزله يوم بدر:{ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} (لأنفال:11)، وقال في الصدقات:{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } (التوبة:103)، وقال في المحسنين:{ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الزمر:35)

قال: أجل.. فالله تعالى ينزل على عباده من أسباب الطهارة ما يجعلهم أهلا لكل فضيلة.

قلت: والبلاء من هذه الأسباب؟

قال: أجل.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها)([56])

وعندما نزل قوله تعالى:{ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} (النساء:123) بلغت من المسلمين مبلغا شديدا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها، أو الشوكة يشاكها)([57])

والنصوص الكثيرة تنطق بهذا المعنى، فعندما دخل عبد الله بن مسعود  على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه وجده وهو يوعك وعكا شديدا، فقال: إنك لتوعك وعكا شديدا، إن ذاك بأن لك أجرين قال: (أجل ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه كما تحات ورق الشجر)([58])

ولذلك يتخلص المؤمن في مرضه ـ بقدر سعة صبره ورضاه ـ من كل الذنوب التي رانت على قلبه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( إنما مثل المريض إذا برأ وصح كالبردة تقع من السماء في صفائها ولونها)([59])

ويخبر ابن عباس قال: شكا نبى من الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ إلى ربه فقال: (يا رب، العبد المؤمن يطيعك ويجتنب معاصيك تزوى عنه الدنيا وتعرض له البلاء ويكون الكافر لا يطيعك ويجترىء عليك وعلى معاصيك تزوى عنه البلاء وتبسط له الدنيا فأوحى الله تعالى إليه إن العباد والبلاء لي وكل يسبح بحمدى فيكون المؤمن عليه من الذنوب فأزوى عنه الدنيا وأعرض له البلاء فيكون كفارة لذنوبه حتى يلقانى فأجز به بحسناته ويكون الكافر له الحسنات فأبسط له فى الرزق وأزوى عنه البلاء فأجزيه بحسناته فى الدنيا حتى يلقانى فأجزيه بسيئاته)

قلت: ألهذا إذن وردت النصوص بالنهي عن سب المرض، فقد دخل صلى الله عليه وآله وسلم على أم السائب، فقال: (ما لك يا أم السائب تزفزفين؟) قالت: (الحمى، لا بارك الله فيها)، فقال: (لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد([60])([61])

قال: أجل.. فهو رحمة من رحمات الله.. ولا ينبغي أن يسب عاقل رحمة الله.

قلت: ألهذا ـ أيضا ـ ورد في النصوص كراهية العافية الدائمة، فقد روي أن رجلا جاءه الموت في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رجل: ( هنيئا له مات ولم يبتل بمرض)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ويحك وما يدريك لو أن الله ابتلاه بمرض يكفر به عنه من سيئاته)

وروي عن الربيع بن عميلة قال: كنا مع عمار بن ياسر، وعنده أعرابي، فذكروا المرض، فقال الأعرابي: ما مرضت قط، فقال عمار: (لست منا، إن المسلم يبتلى بالبلاء، فيكون كفارة خطاياه، فتتحات كما تتحات ورق الشجر، وإن الكافر يبتلى فيكون مثله كمثل البعير عقل فلا يدري لم عقل؛ ويطلق، فلا يدري لم أطلق)([62])

قال: ليس ذلك على إطلاقه.. فالله أعلم أين يضع عافيته وبلاءه، والمؤمن لا يختار مع الله.. ولكنه إن ابتلي ببلاء شكر.

قلت: أيشكر أم يصبر؟

قال: النعم تشكر.. وقد عرفت أن البلاء نعمة.

قلت: ولكنه ورد بالأمر بالصبر معه.

قال: الصبر هو الثبات في وجهه.. والشكر هو النظر إلى المحاسن التي يختزنها البلاء.. والصبر هو مقام الغافلين.. والشكر هو مقام العارفين.

قلت: ألهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يبشر المرضى، فقد عاد صلى الله عليه وآله وسلم رجلا من وعك كان به فقال: (أبشر، فإن الله يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المذنب لتكون حظه من النار)([63])

وعاد صلى الله عليه وآله وسلم أم العلاء، وهي مريضة فقال: (أبشري يا أم العلاء فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الذهب والفضة)([64])

قال: أجل.. ليخبرهم أن ما نزل بهم نعمة تستحق الشكر لا الأنين.

قلت: والمعاندون المعارضون.. كيف نبشرهم؟

قال: بما يبشر به العارفون.

قلت: فإن أعرضوا؟

قال: تعرض عنهم.. فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل على أعرابي يعوده وهو محموم، فقال: (كفارة وطهور)، فقال الأعرابي: (بل حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور)، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتركه([65]).

قلت: فما سر كون البلاء مطهرا من الذنوب؟

قال:  هو ما يحدثه في القلب من ترفع عن الدنيا، وعدم تعلق بها، ونوع من الزهد فيها، فحب الدنيا رأس كل خطيئة.. ألم تسمع ببصيرتك ما يقول الغزالي.. فهو من أطباء هذا المستشفى وكل مستشفى؟

أصخت ببصيرتي، فإذا بي أسمعه، وهو يقول: رأس أسباب النجاة التجافى بالقلب عن دار الغرور، ومواتاة النعم على وفق المراد من غير امتزاج ببلاء ومصيبة تورث طمأنينة القلب إلى الدنيا وأسبابها، وأنسه بها حتى تصير كالجنة فى حقه، فيعظم بلاؤه عند الموت بسبب مفارقته، وإذا كثرت عليه المصائب انزعج قلبه عن الدنيا، ولم يسكن إليها، ولم يأنس بها وصارت سجنا عليه([66])، وكانت نجاته منها غاية اللذة كالخلاص من السجن.

قلت: البلاء نعمة من هذا الوجه يجب الفرح بها.. ولكن الألم مع ذلك موجود.

قال: هو ضرورى، وهو يضاهى فرحك عند الحاجة إلى الحجامة بمن يتولى حجامتك مجانا، أو يسقيك دواء نافعا بشعا مجانا، فإنك تتألم، وتفرح، فتصبر على الألم وتشكره على سبب الفرح، فكل بلاء فى الأمور الدنيوية مثاله الدواء الذى يؤلم فى الحال وينفع فى المآل.

قلت: هذا مثال رائع.. وهو يجعل المعنى قريبا إلى الخيال كقرب الحس.

قال: وعكس ذلك من دخل دار ملك للنظر فيها، وعلم أنه يخرج منها لا محالة، فرأى وجها حسنا لا يخرج معه من الدار..فإن ذلك وبال عليه وبلاء..

قلت: لم.. فقد رأى حسنا.

قال: لأنه يورثه الأنس بمنزل لا يمكنه المقام فيه، ولو كان عليه فى المقام خطر من أن يطلع عليه الملك فيعذبه، فأصابه ما يكره حتى نفره عن المقام كان ذلك نعمة عليه.

وهكذا الدنيا، فهي (منزل وقد دخلها الناس من باب الرحم، وهم خارجون عنها من باب اللحد، فكل ما يحقق أنسهم بالمنزل فهو بلاء، وكل ما يزعج قلوبهم عنها ويقطع أنسهم بها فهو نعمة، فمن عرف هذا تصور منه أن يشكر على البلايا ومن لم يعرف هذه النعم فى البلاء لم يتصور منه الشكر لأن الشكر يتبع معرفة النعمة بالضرورة ومن لا يؤمن بأن ثواب المصيبة أكبر من المصيبة لم يتصور منه الشكر على المصيبة)([67])

نعمة المعاينة:

قلت: فما نعمة المعاينة؟

قال: هي نعمة رؤية الله لموقف عبده، ومعاينته لصبره ورضاه.

قلت: الله يرى الكل، ويعاين الكل، فإنه { لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} (آل عمران:5)، فما وجه الاختصاص في هذه النعمة؟

قال: الله يرى الكل.. ولكن لا يشعر برؤيته إلا خواص الخواص.

قلت: من هم؟

قال: الذين رفع الله عن أعينهم الغشاوة، وعن قلوبهم الحجب.

قلت: فما يفيدهم استشعار رؤية الله لهم؟

قال: الأنس الذي يقضي على بلائهم.

قلت: هم يأنسون بالله دائما.. فما علاقة ذلك بالألم والبلاء؟

قال: ألم يبتلهم الله لينظر كيف يعملون؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى:{ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة:105)

قال: أليس الثبات في وجه البلاء بالأنس بالله عملا من الأعمال الصالحة؟

قلت: بلى.. بل هو من أعظم الأعمال الصالحة، ولذلك ينزل الله البلاء على عبده بحسب درجة إيمانه.

قال: فإذا شعرت بأن الله  الذي ابتلاك ينظر إليك ألا تتقن عملك؟

قلت: تقصد إتقان موقفي مع البلاء.

قال: أجل.

قلت: نعم، فشعوري برؤية الله لي لا يزيدني أنسا فقط، بل أشعر بشعور لست أدري مدى صحته.

قال: وما تشعر؟

قلت: ممارسو الرياضات عندنا يستقدمون مشجعيهم، فلذلك كلما كثر مشجعوهم كلما زاد ذلك من حماستهم، فشعوري برؤية الله يعطيني نوعا من هذه القوة.

قال: هذا صحيح.. ولو أن الله أعظم من كل المتفرجين..

قلت: أجل، فلله المثل الأعلى.

قال: لقد دلت النصوص هذا المعنى، فالله تعالى يقول لنوح u وهو يواجه أعظم المصائب والضغوط من قومه حين صنعه للفلك:{ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } (هود:37)

قلت: لا شك أن هذه الكلمة كان لها أثرا خطيرا في نفس نوح u.

قال: أجل.. وقد قيل مثلها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال الله تعالى له، وهو في مواقف لا تقل عن موقف نوح u:{ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } (الطور:48)

قلت: لقد ذكرتني بسيّد الشهداء الحسين بن علي ، فقد قال بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: (هون علي ما نَزَلَ بِي أَنهُ بِعَيْنِ اللهِ)

قال: ولهذا اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم الإحسان الذي هو قمة الأعمال الصالحة، أو أداء الأعمال بأحسن الكيفيات متعلقا بالشعور برؤية الله سواء كان رؤية معاينة أو رؤية مراقبة.

قلت: ولكن هذه النعمة ـ يا معلم ـ مختصة بالمحسنين، وهذا المستشفى يداوي عموم الناس، فكيف يعطى لهم مثل هذا الدواء الذي قد لا يستسيغونه؟

قال: أطباؤكم يعطون مرضاكم أدوية كثيرة لا تستسيغها أجسامهم، ولا تأنس لها، بل هي تثير فيها عللا كثيرة، فهل منعهم ذلك من استعمالها؟

قلت: لا.. فشعورهم بخطر الداء الذي يقفون في وجهه يدعوهم لممارسة كل الأساليب.

قال: فكذلك الأولياء يعالجون الخلق بأدوية كثيرة، منها ما يفهمونه، ومنها ما لا يفهمونه، فما استساغوه انتفعوا به، وما لم يستسيغوه أعطاهم نوعا من الشوق لاستساغته.

قلت: فما ينفع الشوق؟

قال: من لم يحترق جوفه بلهيب الأشواق، لم يستسغ تلك الأذواق.

قلت: كيف؟

قال: لا يعرف لذة الماء إلا من أحرق العطش جوفه.

قلت: فهمت.

قال: ما فهمت.

قلت: سر الإغراب والغموض الذي يضع هالة جميلة على كلام الحكماء من أهل الله.

قال: هو يضع تلك الهالة لتثير الأشواق.. فإذا ثارت الأشواق كان الوصول بقدرها.

نعمة الثواب:

قلت: فما نعمة الثواب؟

قال: حينما تزاح الغشاوة التي تكسو العيون في الدنيا، فتفسد بسببها المقاييس يدرك الخلق الكنوز التي كان يخفيها البلاء، فيودون ما أخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض)([68])

قلت: هذا حديث عظيم.

قال: فبشر به.

قلت: كيف؟

قال: علقه على أبواب المستشفيات.. واكتبه على كل وصفة مريض.. واذكره لكل مبتلى.

قلت: لا أعرف أن مثل هذا من الأعمال الخيرية التي يؤجر عليها.

قال: هذا من أعمال الرسل وخلفاء الرسل، فهم الذين أرسلوا بالبشارة وللبشارة.. أليس دين الله أعظم بشارة؟.. ألم يرسل المسيح u لأجل هدف واحد هو البشارة؟

قلت: أجل، بل إن لفظ (الإنجيل) نفسها تعني البشارة.

قال: ألم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكل ما يملأ المبتلى بالبشر والأنس؟

قلت: بلى.

قال: فهذا من ذاك.

قلت: فما الثواب المعد لأهل البلاء غير ما ذكرنا من النعم؟

عدم الحساب:

قال: أول ثواب عدم حسابهم يوم القيامة.

قلت: هذه نعمة عظيمة لا يمكن تصورها، فإن أعظم ما يخافه كل مؤمن هو الحساب.. أن تنشر صحفه، فيعاين جرائمه.. أو يفضح بين الخلائق.. إنه موقف صعب جدا.. فأحدنا لا يطيق الوقوف في محكمة الدنيا ليحاسب، فكيف يطيق الوقوف في محكمة الآخرة؟

قال: ومع ذلك، فقد وردت البشارات لأهل البلاء الناجحين بهذا النوع من الثواب، فقد روي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها لمم فقالت: (يا رسول الله، ادع الله أن يشفيني) قال: (إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك)، قالت: (بل أصبر ولا حساب علي)([69])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يؤتى بالشهيد يوم القيامة، فينصب للحساب، ويؤتى بالمتصدق، فينصب للحساب، ثم يؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبا، حتى إن أهل العافية ليتمنون في الموقف أن أجسادهم قرضت بالمقاريض، من حسن ثواب الله لهم)([70])

قلت: هذه بشارة عظيمة ترفع المبتلى إلى درجات تفوق درجات الشهداء والمتصدقين.

قال: ليس ذلك على الله بعزيز، فإن من المبتلين من يموت في اليوم مائة مرة، بينما الشهيد لا يموت إلا مرة واحدة([71]).

قلت: أهذا احتقار للشهادة؟

قال: لولا عظمة الشهادة ما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الموقف.

قلت: فما سر هذا الجزاء؟

قال: ألم نعلم أن البلاء الذي يقع على المؤمن المحتسب يطهره من ذنوبه.

قلت: عرفنا ذلك عند معاينة نعمة التطهير.

قال: فلذلك إن عظم البلاء، وصبر عليه المبتلى، لقي الله وليس عليه ذنب يحاسبه عليه.

قلت: لقد روي في هذا عن أنس قال دخلت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم نعود زيد بن أرقم وهو يشتكي عينيه فقال له: (يا زيد، لو كان بصرك لما به كيف كنت تصنع؟)، قال: (إذا أصبر وأحتسب)، قال: (إن كان بصرك لما به ثم صبرت واحتسبت لتلقين الله عز وجل وليس لك ذنب)([72])

قال: ولكن هذه البشارة العظيمة لها فئة محدودة.

قلت: وكيف عرفت ذلك.. هل اطلعت على قوائم أهل الآخرة فترى من يعفى منهم من الحساب؟

قال: أنا أضعف من أطلع.. ولكن الله أطلعنا.

قلت: أين؟

قال: ألم تقرأ قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (عُرِضَت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط([73])، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رُفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب)، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين وُلِدوا في الإسلام فلم يُشركوا بالله شيئاً-وذكروا أشياء- فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  فقال: (ما الذي تخوضون فيه؟) فأخبروه فقال: (هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)([74])

قلت: إذن هم سبعون ألفا.. هو عدد لا بأس به.

قال: وقد ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأوصافهم ليتنافس في الوصول إلى درجاتهم.

قلت: أجل، فهم الذين لا يطلبون من أحد أن يرقيهم أو يكويهم، فهم لا يسألون أحداً إلا الله، حتى في ساعات الضعف والمرض.

الجنة:

قال: وأما الثواب الثاني الذي الذي وردت به النصوص، فهو دار السعادة الأبدية.

قلت: الجنة !؟

قال: لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن البلاء الذي يصاحبه الرضا والصبر يقود صاحبه إلى الجنة، ومما يروى في ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة، يريد عينيه)([75])

قلت: هذا ثواب عظيم.. فالجنة هي الدار التي تهفو لها القلوب.

قال: ومن رحمة الله بعباده أن جعل لها هذا الجزاء الذي لا يستدعي غير الثبات.

قلت: ولكن يبدو أن هذا الجزاء العظيم لا يكون إلا في البلاء العظيم المستمر، ولأهل العزيمة في الصبر.

قال: هذا صحيح، وهو ما توحي به النصوص، فقد روي عن عطاء قال، قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة مِنْ أهل الجنة؟ فقلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم  فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع اللَّه تعالى لي، قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت اللَّه تعالى أن يعافيك)، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع اللَّه أن لا أتكشف، فدعا لها)([76])

وعن أبي سنان قال: دفنت ابناً لي فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة (يعني الخولاني) فأخرجني وقال لي: ألا أبشِّرك؟ قلت: بلى، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (قال اللّه: يا ملك الموت قبضت ولد عبدي؟ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم، قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد)([77])

رفع الدرجات:

قلت: فما الثواب الثالث؟

قال: رفع الدرجات.

قلت: وما رفع الدرجات؟

قال: ترقية العبد من محل في الجنة إلى محل أعلى.. ألا تعرفون الترقيات؟

قلت: بلى.. نعرفها.. ونتنافس فيها.

قال: فقل لقومك: (تنافسوا في درجات الجنة.. ودعوا عنكم الصراع على تلك الدرجات التي ينشغل بها الأطفال)

قلت: هم لا يسمعون مني.

قال: فأسمعهم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم صبره على ذلك، حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى)([78])، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من مسلم يصاب بشيء في جسده فيصبر إلا رفعه الله به درجة، وحط عنه به خطيئة)([79])

قلت: يبدو أن هذا الجزاء العظيم يرتبط كذلك بالبلاء العظيم.

قال: أجل، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الرجل يكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها، وبأن  عظم الجزاء مع عظم البلاء([80]).

قلت: ألهذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن أكثر الناس بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل، فالأمثل.

قال: أجل، فقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الانبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)([81]

قلت: فالطامحون للدرجات العليا معرضون للبلاء إذن أكثر من غيرهم.

قال: يروى في ذلك أن رجلا قال لموسى: يا موسى، سل الله لي حاجة يقضيها لي هو أعلم بها؛ ففعل موسى؛ فلما نزل إذ هو بالرجل قد مزق السبع لحمه وقتله؛ فقال موسى: ما بال هذا يا رب؟ فقال الله تبارك وتعالى له: (يا موسى انه سألني درجة علمت أنه لم يبلغها بعمله فأصبته بما ترى لأجعلها وسيلة له في نيل تلك الدرجة)، فكان أبو سليمان الداراني إذا ذكر هذا الحديث يقول: سبحان من كان قادرا على أن ينيله تلك الدرجة بلا بلوى، ولكنه يفعل ما يشاء.

صلاة الله:

قلت: فما الثواب الرابع؟

قال: هو ما نص عليه قوله تعالى:{ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة:155 ـ 157)

قلت: فما في هذا من الثواب؟

قال: لقد أخبر تعالى عن صلاته ورحمته بهؤلاء الصابرين، وهل هناك جزاء أعظم من صلاة الله على عبده.

قلت: فهل صلاة الله على عبده جزاء؟

قال: جزاء فوق الأجزية.. بل لا تعدلها أي جائزة أخرى.

قلت: فما تعني؟

قال: هي تقريب الله لعبده، والقرب لا يساويه جزاء ولا يطاوله ثواب، فهو إخراج من الظلمات إلى النور، ومن الحجاب إلى المشاهدة، ألم تسمع قوله تعالى:{ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} (الأحزاب:43)؟ 

قلت: بلى، فما يعني هذا؟

قال: البلاء نافذة عظيمة من نوافذ التعرف على الله والتقرب منه، والتعرف على الله هو النور الذي يرفع كل الظلمات، والحق الذي يقتل كل باطل.

قلت: لقد ذكرتني بحكمة لابن عطاء الله يقول فيها: (إذا فتحَ لكَ وِجْهةً من التَّعرُّفِ فلا تبالِ معها أن قلَّ عملُكَ؛ فإنه ما فَتَحَها لك إلا وهو يريد أن يتعرَّفَ إليكَ.. ألم تعلم أن التَّعَرُّفَ هو مُورِدُهُ عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تُهديه إليه مما هو مُورِدُهُ عليكَ)

استمرار الثواب:

قلت: يا معلم.. كل ما ذكرته، وما وردت به النصوص ثواب عظيم، ولكنه مع ذلك قد يحال بين المريض وبين كثير من أعمال البر، وتلك خسارة عظيمة.

قال: لا.. فالله الشكور الحليم لا يضيع عمل عبده إن قعد به الداء عنه، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن العبد إذا مرض أوحى الله تعالى إلى ملائكته: أنا قيدت عبدي بقيد من قيودي، فإن أقبضه اغفر له، وإن أعافه فحينئذ يقعد لا ذنب له)([82]).

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( ما من مسلم يصاب في جسده إلا أمر الله تعالى الحفظة: اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة من الخير ما كان يعمل، ما دام محبوسا في وثاقي)([83])

وفي الأثر الإلهي: (قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدا من عبادي مؤمنا فحمدني وصبر على ما ابتليته، فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الرب للحفظة: إني أنا قيدت عبدي هذا وابتليته فأجروا له ما كنتم تجرون له قبل ذلك من الأجر وهو صحيح)([84])

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بأن مجرد الاسترجاع عند تذكر المصيبة له ثوابه عند الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من مسلم ولا مسلمة يُصاب بمصيبة فيذكرها، وإن طال عهدها فيحدث لذلك استرجاعاً إلا جدّد اللّه له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب)([85])


([1])  أثبت العلم الحديث هذا، ففي دراسة موثقة تحت عنوان (إشارة قرآنية إلى ظاهرة شد الانتباه في تقليل الشعور بالألم) انطلقت من الآية التي ذكرناها، جاء فيها أنه تم إجراء تجربة استخدام العلاج بشد الانتباه برؤية مناظر خلابة من الطبيعة وسماع شريط يحتوي على أصوات رائعة من الطبيعة في التخفيف من الآلام أثناء عملية منظار الشعب الهوائية وذلك بالإضافة للعلاج  المعتاد. وقورنت هذه المجموعة من المرضى بمجموعة أخرى ضابطة لم تتلق العلاج الإضافي  بجذب الانتباه (تغيير التركيز الإدراكي). 

وخلص هذا البحث إلى أن العلاج بشد الانتباه مع العلاج التقليدي أدى إلى تقليص الشعور بالألم بصورة ذات دلالة إحصائية، وأوصى البحث بأن يقوم الأطباء باستخدام الإجراءات الطبيعية بالإضافة إلى  المسكنات المعتادة.

([2])  اللمعة الثانية: 17. 

([3])  اللمعة الثانية: 17. 

([4])  اللمعة الثانية – ص: 17. 

([5])  الإحياء: 4/347.

([6])  الإحياء: 4/350.

([7])  الإحياء: 4/350.

([8]) العلم اليوم يقر بهذا بدرجة ما، ومن أمثلة ذلك الإقرار أن دراسة تجريبية كشفت في مراحلها الأولى أن مرضى القلب الذين يملكون إيمانا دينياً قوياً، لديهم قدرة أكبر على التماثل للشفاء وإكمال الفترة التأهيلية التي تعقب الإصابة.

و يحاول الباحثون في مركز غيسرنغ الطبي وجامعة باكنيل  توسيع الدراسة لتحديد علاقة الإيمان الديني ومدى تأثيرها الإيجابي على المدى البعيد على صحة القلب والأوعية الدموية.

و يأمل تيموتي ماكونيل رئيس وحدة إعادة تأهيل مرضى القلب في مركز غيسرنغر، وهو مستشفى مركز ضخم لأمراض القلب يضم 437 مريضاً في تأمين موافقة مائة من مرضى القلب لإجراء دراسة موسعة في إطار زمني مدته خمسة أعوام.و في الدراسة التجريبية استعان ماكونيل ب21 مريضا  بينهم من أصيب مؤخراً بأول نوبة قلبية أو أجريت لهم عملية لتوسيع الشرايين.

([9])  أما كامل حديثها فقد ذكرناه في رسالة (بحار الحب)، وقد ذكرنا في بدايتها أنه لا يهمنا في هذه الحكايات التحقيق في سندها، فليست هي بالعلم الذي نبني عليه عقيدة، أو ننهج من خلاله سلوكا.

أما ما قد يبديه البعض من الاستغراب وتوهم التلفيق فيها، فلا نراه كذلك، فلأولياء الله وأهله من الشؤون ما لا يمكن التعبير عنه.

([10])  ننقل الحكاية مع بعض التصرف.

([11])  التفسير الكبير، والفخر الرازي يخالف ـ بهذا ـ الأسلوب الجاف الذي يتعامل به المتكلمون عادة مع مثل هذه الأمور، وقد عقب على قوله هذا بقوله:( وهذا الكلام يشمئز منه طبع المتكلم الظاهري، ولكن كل ميسر لما خلق له)، وقال في موضع آخر:(وأما قوله تعالى:) مْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } (المائدة:119) فهو إشارة إلى التعظيم. هذا ظاهر قول المتكلمين، وأما عند أصحاب الأرواح المشرقة بأنوار جلال الله تعالى، فتحت قوله:) مْ وَرَضُوا عَنْهُ ( أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها جعلنا الله من أهلها)

وقد بين الغزالي علة إنكار بعض المتكلمين للرضى بقوله:(اعلم أنّ من قال: ليس فيما يخالف الهوى وأنواع البلاء إلا الصبر فأما الرضا فلا يتصوّر؟ فإنما أتى من ناحية إنكار المحبة، فأما إذا ثبت تصوّر الحب لله تعالى واستغراق الهم به فلا يخفى أنّ الحب يورث الرضا بأفعال الحبـيب)، الإحياء: 4/347.

([12])  بفتح الراء أي الراحة وطيب النفس.

([13])  رواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي.

([14])  أحمد ومسلم عن صهيب.

([15])  الترمذي والحاكم، والنسائي.

([16])  البيهقي.

([17])  رسالة (أيها الولد) لأبي حامد الغزالي.

([18])  اقتبسنا أكثر هذه المعاني من الكتب المرتبطة بهذا الجانب، مثل حكم ابن عطاء الله والإحياء وكليات رسائل النور، وغيرها من المراجع، وقد لخصناها بهذا الأسلوب لتسهل الاستفادة منها.

([19])  مسلم.

([20])  أحمد والطبراني والحاكم.

([21])  ربما ترد شبهة هنا،  وهي انه قد يظن أن للشيطان سلطة على عباد الله، وأن له القدرة على إذيتهم وربما يستدل لهذا بقوله تعالى  على لسان أيوب u:) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} (صّ:41)، وبما روي أن إبليس سأل ربه، فقال هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني؟ فقال الله: نعم عبدي أيوب، فجعل يأتيه بوساوسه وهو يرى إبليس عيانا ولا يلتفت إليه، فقال: يا رب إنه قد امتنع علي فسلطني على ماله، وكان يجيئه ويقول له: هلك من مالك كذا وكذا، فيقول الله أعطى والله أخذ، ثم يحمد الله، فقال: يا رب إني أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده، فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية، فجاءه وأخبره به فلم يلتفت إليه، فقال يا رب لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده، فأذن فيه، فنفخ في جلد أيوب، وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فيه، فمكث في ذلك البلاء سنين، حتى صار بحيث استقذره أهل بلده، فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد، فجاء الشيطان إلى امرأته، وقال لو أن زوجك استعان بي لخلصته من هذا البلاء، فذكرت المرأة ذلك لزوجها، فحلف بالله لئن عافاه الله ليجلدنها مائة جلدة، وعند هذه الواقعة قال:) أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (

وهذا خطأ عظيم، فالشيطان لا قدرة له على إيقاع الناس في الأمراض والآلام، بل هو أضعف من ذلك، والله أرحم بعباده من أن يسلمهم للشيطان، وقد قال تعالى  في بيان قدرات الشيطان وعلى لسانه:) وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ } (ابراهيم:22)، ومما استدل به الفخر الرازي على رد تلك الشبهة:

1. أنا لو جوزنا حصول الموت والحياة والصحة والمرض من الشيطان، فلعل الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان، ولعل كل ما حصل عندنا من الخيرات والسعادات، فقد حصل بفعل الشيطان، وحينئذ لا يكون لنا سبيل إلى أن نعرف أن معطي الحياة والموت والصحة والسقم هو الله تعالى.

2. أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى في قتل الأنبياء والأولياء، ولم لا يخرب دورهم، ولم لا يقتل أولادكم.

وقد أجاب على الاعتراض القائل بأنه (لم لا يجوز أن يقال إن الفاعل لهذه الأحوال هو الله تعالى لكن على وفق التماس الشيطان؟) بقوله:(إذا كان لا بد من الاعتراف بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو الله تعالى، فأي فائدة في جعل الشيطان واسطة في ذلك؟)

أما المراد من الإخبار بمس الشيطان، فإن القول الصحيح في ذلك هو أن المراد منه هو إلقاء الوساوس الفاسدة والخواطر الباطنة، وكل ذلك كان يضعه في  أنواع العذاب والعناء، وقد اختلف القائلون بهذا في تلك الوساوس كيف كانت وذكروا فيه وجوها، منها:

1. أن علته كانت شديدة الألم، ثم طالت مدة تلك العلة، والشيطان كان يذكره النعم التي كانت والآفات التي حصلت، وكان يحتال في دفع تلك الوساوس، فلما قويت تلك الوساوس في قلبه خاف وتضرع إلى الله، وقال: ) أنى مسنى الشيطـان بنصب وعذاب ( لأنه كلما كانت تلك الخواطر أكثر كان ألم قلبه منها أشد.

2. أنها لما طالت مدة المرض جاءه الشيطان وكان يقنطه من ربه ويزين له أن يجزع فخاف من تأكد خاطر القنوط في قلبه فتضرع إلى الله تعالى وقال: ) أنى مسنى الشيطـان (

3. أن الشيطان لما قال لامرأته لو أطاعني زوجك أزلت عنه هذه الآفات فذكرت المرأة له ذلك، فغلب على ظنه أن الشيطان طمع في دينه فشق ذلك عليه فتضرع إلى الله تعالى وقال ذلك.

وكل هذا يمكن قبوله، ووراء هذا أقوال أخرى يجب تنزيه الأنبياء عنها، ولا تصح روايتها.

([22])  المكتوب الثاني عشر: 54.

([23])  الكلمات: الكلمة السادسة والعشرون: 554.

([24])  الخطيب في التاريخ وغيره.

([25])  الترمذي كتاب الزهد رقم (2403) عن جابر وقال: هذا حديث غريب.

([26])  هذه التعبيرات وأشباهها في القرآن الكريم لا تعني عدم علم الله بالشيء قبل حصوله، وإنما تعني تحققه الواقعي، ويشبه هذا ـ كما يذكر الشيرازي ـ علم المهندس بكل تفاصيل البناء عند وضعه التصميم. ثم يتحول التصميم الى بـنـاء عـملي. والمهندس يقول حين ينفذ تصميمه على الارض: اريد ان ارى عمليا ما كان في علمي نـظـريـا.. وقد فصلنا الحديث عن هذه الشبهة في رسالة:(أسرار الأقدار)

([27])  وهذا كما ينص عليه قوله تعالى:) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (لأنفال:37)

([28])  المحص: في اللغة التنقية، والمحق في اللغة النقصان، وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء، ومنه قوله تعالى:) يمحق الله الربا((البقرة: 276) أي يستأصله.

([29])  في ظلال القرآن: 1/482.

([30])  الفوائد:35.

([31])  ابن عساكر.

([32])  أخرجه ابن أبي حاتم موقوفاً، ورواه مرفوعاً من وجه آخر.

([33])  ومن الأقوال في تفسير الآية: أن النذير هو القرآن، وقيل الرسول؛ وقال ابن عباس: هو الشيب، وقيل: النذير الحمى، وقيل: موت الأهل والأقارب، وقيل: كمال العقل.

وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا تعارض بينها، فالشيب نذير، لأنه يأتي في سن الاكتهال، قال الشاعر:

رأيت الشيب من نذر المنايا        لصاحبه وحسبك من نذير

وأما موت الأهل والأقارب والأصحاب والإخوان فإنذار بالرحيل في كل وقت وأوان، قال الشاعر:

وأراك تحملهم ولست تردهم        فكأنني بك قد حملت فلم ترد

وأما كمال العقل فبه تعرف حقائق الأمور، فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه؛ فهو نذير.

وأما محمد r فبعثه الله بشيرا ونذيرا إلى عباده قطعا لحججهم؛ قال الله تعالى:) لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ((النساء:165انظر: القرطبي: 14/354.

([34])  ابن السني وأبو نعيم في الطب.

([35])  ذكره ابن الجوزي  في كتاب:(روضة المشتاق والطريق إلى الملك الخلاق)

([36])  الكلمة الثالثة عشرة – ص: 158

([37])  اللمعة الخامسة والعشرون: 326، بتصرف.

([38])  اللمعة الخامسة والعشرون: 326.

([39])  اللمعة السادسة والعشرون:  345.

([40])  التفسير الكبير.

([41])  ابن أبي حاتم.

([42])  اللمعة الثانية: 19.

([43])  اللمعة الخامسة والعشرون: 329.

([44])  مدارج السالكين: 1/430.

([45])  وهذا ـ طبعا ـ ليس على عمومه، بل له محله الخاص، وقد ذكرنا المعنى الصحيح لهذا الخبر في رسالة (كنوز الفقراء)

([46])  أحمد والترمذي وابن ماجة عن عمرو بن عوف.

([47])  أخرجه ابن أبي حاتم.

([48])  أخرجه ابن أبي حاتم موقوفاً، ورواه مرفوعاً من وجه آخر.

([49]) اللمعة الثانية: ص 16. بتصرف.

([50]) مسلم.

([51])  إشاة إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب) رواه ابن عدي والطبراني في الكبير، والحاكم.

([52])  وقد يتفق الصبر السكينة في كونهما هبة ربانية، كما في قوله تعالى:) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (البقرة:250)

([53])  قال تعالى: {، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ((التوبة:26) وقال تعالى: {،  هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً((الفتح:4)

([54])  ما عدا ما ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: {، وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} (البقرة:248) فإن السكينة هنا ارتبطت بالتابوت، قال ابن عباس:(كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي في سورة البقرة)

([55])  كما قال تعالى:) وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (التوبة:108)

([56])  البخاري ومسلم.

([57])  البخاري ومسلم.

([58])  البخاري ومسلم.

([59])  الترمذي: 4/411.

([60])  ثبت علميا أنه عند الإصابة بالحمى تزيد نسبة مادة(الأنترفيرون) لدرجة كبيرة كما ثبت أن هذه المادة التي تفرزها خلايا الدم البيضاء تستطيع القضاء على الفيروسات التي هاجمت الجسم وتكون أكثر قدرة على تكوين الأجسام المضادة الواقية… فضلا عن ذلك فقد ثبت أن مادة (الأنترفيرون) التي تفرز بغزارة أثناء الإصابة بالحمى لا تخلص الجسم من الفيروسات والبكتريا فحسب ولكنها تزيد مقاومة الجسم ضد الأمراض وقدرتها على القضاء على الخلايا السرطانية منذ بدء تكوينها وبالتالي حماية الجسم من ظهور أي خلايا سرطانية يمكن أن تؤدى إلى إصابة الجسم بمرض السرطان ولذا قال بعض الأطباء إن كثيرا من الأمراض نستبشر فيها بالحمى كما يستبشر المريض بالعافية فتكون الحمى فيها أنفع من شرب الدواء بكثير مثل مرض الرماتيزم المفصلى الذي تتصلب فيه المفاصل وتصبح غير قادرة على التحرك ولذلك من ضمن طرق العلاج الطبي في مثل هذه الحالات الحمى الصناعية أي إيجاد حالة حمى في المريض يحقنه بمواد معينة ومن هنا ندرك حكمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رفض سب الحمى بل والإشادة بها بوصفها تنقى الذنوب كما تنقى النار خبث الحديد كما أشار هذا الحديث الشريف، انظر: الإعجاز العلمي في الإسلام والسنة النبوية ” لمحمد كامل عبد الصمد.

([61])  رواه مسلم.

([62])  ابن عساكر.

([63])  أحمد والحاكم وابن ماجة.

([64])  مسلم.

([65])  البيهقي في شعب الإيمان.

([66])  وفي هذا يقول صلى الله عليه وآله وسلم:( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) رواه مسلم.

([67])  إحياء علوم الدين: 4/130.

([68])  الترمذي كتاب الزهد رقم (2403) عن جابر وقال هذا حديث غريب.

([69])  أحمد وابن حبان والحاكم.

([70])  الطبراني في الكبير.

([71])  بل إن البلاء العام الذي يصاحبه الرضا شهادة في سبيل الله، قال r:(  الطاعون شهادة لكل مسلم) البخاري ومسلم.

([72])  أبو يعلى، وابن عساكر.

([73])  تصغير رهط وهو ما دون العشرة أنفس.

([74])  البخاري ومسلم.

([75])  رواه البخاري والترمذي.

([76])  البخاري ومسلم.

([77])  أحمد والترمذي.

([78])  رواه أحمد وأبو داود وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط.

([79])  ابن جرير.

([80])  الترمذي وقال حديث حسن غريب.

([81])  أحمد والبخاري وابن ماجة والترمذي وابن حبان والحاكم.

([82])  الحاكم عن أبي أمامة.

([83])  الحاكم عن ابن عمرو.

([84])  أحمد والطبراني في الكبير وأبو نعيم عن شداد بن أوس.

([85])  أحمد وابن ماجة.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *