أولا ـ حصن الاستقامة

أولا  ـ حصن الاستقامة

قصدنا الحصن الأول، وقد كتب على بابه بحروف من نور قوله تعالى:{ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} (الذريات:50)

قلت للمعلم: ما علاقة هذه الآية بهذا الحصن؟

قال: الله تعالى يأمر عباده باللجوء إليه والاعتماد عليه في أمورهم.

قلت: وقد قرن ذلك بالتحذير والإنذار ليدل على خطورة عدم الفرار إلى الله، وعدم اللجوء إليه.. ولكن ما علاقة ذلك بهذا القسم؟

قال: أليست الصحة والعافية نعمة؟

قلت: بلى، وقد عرفنا ذلك.. وهي نعمة لا تقدر بثمن.

قال: بل قرنها صلى الله عليه وآله وسلم بنعمة اليقين والإيمان، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(سلوا الله العفووالعافية، فإن أحد لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية)([1]

قلت: وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن كون الصحة نعمة عظيمة لا يلتفت إلى قيمتها كثير من الناس، فقال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)([2]

قال: فقد عرفت إذن؟

قلت: وما عرفت؟ لم أعرف إلا أن الصحة نعمة.. وتلك معلومة قديمة سبق أن تحدثنا عنها.

قال: ألم يجعل الله تعالى للنعم حصونا تحميها، ومعاقل تحفظها؟

قلت: أجل..

قال: ومن هدم تلك المعاقل، أو كسر تلك الأبواب كان ذلك إيذانا بارتفاع العافية وحلول البلاء.

قلت: ولهذا ـ إذن ـ يقرن الله تعالى بين تبديل نعمة الله، وبين حلول البوار، كما قال تعالى:{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} (ابراهيم:28)

قال: وقد ضرب الله تعالى مثلا على هذا، فقال:{  وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} (النحل:112 ـ 113)

قلت: فقد كان هذا اللباس الجديد من البلاء بسبب الموقف الذي وقفوه من نعم الله؟

قال: أجل.. ولهذا قالوا:(ومن حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره، وضعف قوته، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله)

قلت: لقد ذكر بعضهم أنه رأى رجلا جاوز مائة سنة وهوممتع بقوته وعقله، فوثب يوماً وثبة شديدة، فعوتب في ذلك فقال:(هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر)([3]

قال: وعكس هذا ما وري أن بعضهم رأى شيخاً يسأل الناس، فقال:(هذا الشيخ لم يحفظ الله في صغره، فلم يحفظه الله في كبره)([4]

***

بينما نحن كذلك إذ سمعنا صوتا في مدخل الباب يردد بصوت عذب هذا الأثر الإلهي:(وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب، ثم ينتقل عنه إلى ما أكره إلا إنتقلت له مما يحب عبيدي الى ما يكره ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره فينتقل عنه الى ما أحب الا إنتقلت له مما يكره الى ما يحب)

ثم تتلوه أنشودة بلحن عذب تقول:

إذا كنت في نعمة فارعها

  فإن الذنوب تزيل النعم

وحطها بطاعة رب العباد

  فرب العباد سريع النقم

وإياك والظلم مهما إستطعت

  فظلم العباد شديد الوحم

وسافر بقلبك بين الورى

  لتبصرى آثار من قد ظلم

فتلك مساكنهم بعدهم

  شهود عليهم ولاتتهم

وما كان شىء عليهم اضر

  من الظلم وهوالذي قد تصم

فكم تركوا من جنان ومن

  قصور وأخرى عليهم اطم

قلت للمعلم: من أين تصدر هذه الأصوات الجميلة؟

قال: من إذاعة هذا القسم.

قلت: ألهذا القسم إذاعة.. ما أغنى مدائن السلام؟

قال: هي ليست كإذاعاتكم.. أنتم متخلفون كثيرا بالنسبة للحضارة التي وصلوا إليها هنا.

قلت: فكيف وصلوا إليها؟

قال: ببركات الله..

قلت: ماذا تقول؟

قال: لقد سمعوا قوله تعالى:{ وَلَوأَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} (الأعراف:96)، فآمنوا واتقوا، فلما رأى الله صدقهم أنزل عليهم بركات من السماء والأرض.

قلت: ولكن قومي، ومن غير أن يسمعوا إلى هذه الآية، وصلوا إلى أشياء كثيرة.

قال: ليست العبرة بالكثرة، وإنما العبرة بالبركة، فقد يعطيك الله الكثير فيكون سببا لهلاكك، ويعطيك القليل المبارك فيفتح عليك به مفاتيح جنانه.

قلت: هذا صحيح.. فنحن نجمع في حياتنا صنوفا من النعم، ولكن لا نكاد نحس بها.

قال: ويوشك لو استمر بكم الأمر على ما أنتم عليه من الغفلة أن تسلبوا ما أعطيتم من النعم.

قلت: كيف؟

قال: ألا تعرف حضارة سبأ؟

قلت: أجل.. فهي حضارة راقية، فقد كانت لها من الجنات ما تنبهر له الأبصار، كما قال تعالى يصفها:{ لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} (سـبأ:15)

قال: ولكنهم بإعراضهم عن الله وانحراهم عن سبيله أدركتهم سنة الله فيمن حاد عن الله، قال تعالى يبين الحال التي انتقلوا إليها، وسببها:{ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} (سـبأ:16)، فهذا الذي صار إليه أمر تينك الجنتين إليه بعد كفرهم وشركهم باللّه وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل، فبعد الثمار النضيجة والمناظر الحسنة والظلال العميقة والأنهار الجارية تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير والثمر القليل.

قلت: ولكن مع ذلك فحضارة السبأيين بدائية بالنسبة لحضارتنا.

قال: القرآن الكريم يعمم هذا النموذج على كثير من القرى التي انحرفت عن سبيل الله، قال تعالى يبين سنته في ذلك:{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} (القصص:58)، وقال تعالى:{ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى} (طـه:128)، وقال تعالى:{ وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} (العنكبوت:38)، وقال تعالى:{ أو لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ} (السجدة:26)

***

قلت للمعلم: تلك عقوبات قدرية، قدرها الله على من لم يحترموا نعمه.

قال: والله بحكمته يشرع للعاصين من التشريعات ما يعاقبهم به جزاء وفاقا على معاصيهم.

قلت: لقد حرم الله تعالى بعض الطيبات على اليهود بسبب بغيهم، فقال تعالى:{ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أو الْحَوَايَا أو مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} (الأنعام:146)، أي إنما حرمنا عليهم ذلك لأنهم يستحقون ذلك بسبب بغيهم وطغيانهم، ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه.

وقد صرح القرآن الكريم بالغرض من تحريم هذه الطيبات وغيرها، فقال تعالى:{  فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} (النساء:160 ـ 161)

ومثل ذلك ما أمر به بنوإسرائيل من قتل أنفسهم مع أن الشريعة في الأصل تحرم قتل النفس مطلقا، قال تعالى:{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هو  التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة:54)

قال: وليس ذلك خاصا ببني إسرائيل، فالعقوبات التشريعية مستمرة في هذه الأمة، ولوأنها لم تتخذ الطابع الجماعي، باعتبار عموم الرسالة وخلودها، فلذلك وضع الشرع الحدود والزواجر عقوبة وردعا للمنحرفين.

قلت: أجل.. فمن ظاهر من زوجته مثلا، أمر عقابا له بهذا التكفير الشديد، قال تعالى:{ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (المجادلة:3 ـ 4))

وسبب ذلك أن هؤلاء المظاهرين يقولون منكرا من القول وزورا، قال تعالى:{ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوغَفُورٌ} (المجادلة:2)

قال: وهكذا كانت العقوبات قدرية وتشريعية قانونا إلهيا وسنة من سنن الكون لا تكاد تتخلف.

قلت: ولهذا ورد في الآثار بيان أثير المعصية في العافية، ومن ذلك قوله عبد الله بن عباس: (إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادا في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهنا في البدن، ونقصا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق)

وقد ذكروا تأثير المعاصي في الراحة النفسية، فهذا رجل يشكو لبعض الصالحين وحشة يجدها في نفسه فقال له:

إذا كنت قد أو حشتك الذنوب     فدعها إذا شئت واستأنس

***

رأيت بابين داخل هذا القسم، والمرضى يدخلون منهما بعد أن يتعرضوا لتفتيش شديد، سألت المعلم عنهما، فقال: هذان البابان يحويان العلاج مما ينبغي الفرار منه من الذنوب المؤثر على العافية.

قلت: أوراء تلك الأبواب أطباء يعالجون الذنوب؟

قال: أجل.

قلت: هل يسقى المريض فيها ما يجعله بريئا من الذنوب كيوم ولدته أمه؟

قال: لا.. بل يعطى من الحقائق والعلم، ممزوجا بالتربية والتمرين ما يقلع منه أصول المعاصي وفروعها.. ألستم تجعلون في مستشفياتكم محال لتمرين المرضى وتأهيلهم للحياة الصحية؟

قلت: بلى.. فبعض الأمراض تستدعي ذلك؟

قال: فكذلك رأت إدارة هذا القسم أن أكثر الأمراض ناشئة عن الانحرافات الخلقية، فلذلك جعلت هذا القسم الخاص بالوقاية منها.

قلت: وبذلك يتقون كل العلل التي تنبع من هذه الانحرافات.

قال: أجل.. فالوقاية خير من العلاج.

قلت: ولكن الذنوب كثيرة جدا لا تكاد تحصى، فلم وضع لها قسمان فقط؟

قال: هذان القسمان يحويان أصول الذنوب.

قلت: فما هما؟

قال: اجتناب الإثم، واجتناب العدوان، فكلاهما مما وردت النصوص بوجوب اجتنابه، قال تعالى منكرا على من اتصف بالإثم والعدوان:{ وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (المائدة:62)، وقال تعالى:{ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } (البقرة:85)، وقال تعالى:{ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَان} (المجادلة:8)

قلت: فما الفرق بينهما؟

قال: مع أن كلا المصطلحين قد يطلق على الذنوب جميعا إلا أن اقترانهما في هذا الموضع يدل على أن لكل منهما معنى خاصا يشير إلى نوع من أنواع الانحراف.

وقد اختارت إدارة هذه الحصون مما قيل في التفريق بينهما أن الإثم يعني الذنوب التي تضر صاحبها فقط، على عكس العدوان الذي يتعدى طوره صاحبه الى الآخرين.

اجتناب الإثم

اقتربنا من الباب الأول، فرأينا لافتة كتب عليها قوله تعالى:{ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } (الأنعام:151)، ورأيت على المدخل جهازا لم أر مثله في حياتي، لا يسمح للدخول إلى القسم إلا بعد المرور عليه.

قال لي المعلم: ادخل في هذا الجهاز، فإنه لن يسمح لك بالدخول إلا بعد المرور عليه.

قلت: وما هذا الجهاز؟

قال: هذا جهاز يبين أنواع الإثم التي تمتلئ بها نفسك.

قلت: يا ويلتي.. هذا جهاز الفضائح إذن.

قال: لا.. هذا جهاز ناصح لا فاضح.. فإنه لا يسلم المعلومات لغيرك.

قلت: فما الحاجة إليه إذن.. فلا أحد يجهل فضائحه؟

قال: لا.. هناك من لا يفرق بين الطاعة والمعصية.. ألا تعلم ثمرات الغفلة؟

قلت: بلى.. وقد قال تعالى:{ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}(الكهف:104)

قال: وقال تعالى:{ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (آل عمران:188)

قلت: فهمت هذا.. ولكن ما فائدة أن يعطيك جريدة فضائحك؟

قال: لتعالجها.. ألا تعلم أن التشخيص هو  نصف العلاج؟

قلت: أهذا جهاز أشعة إذن؟

قال: أجل.. وما يعطيك من نتائج هي التي تذهب بها إلى الأطباء ليعرفوا مبلغ العلة فيك، فيعالجوك بحسب ما تحتاجه من أدوية.

قلت: الله ! لقد بلغت مدائن السلام مبلغا عظيما في التطور.

قال: أنت لم تر شيئا..

قلت: هل سندخل جميعا لهذا الجهاز؟

قال: لا.. ادخل أنت فقط.. أما أنا فلا علاقة لي بهذا.. أنسيت أني معلم السلام؟

قلت: ولكن هؤلاء الحرس الأشداء لن يتركوك إلا بعد أن تمر.

ضحك، وقال: لا بأس إن طلبوا مني الدخول، فسأدخل.

دخل معلم السلام من الباب، فلم أر أحدا  من الحراس انتبه له، ولا اهتم به مع أن الذبابة تمر، فلا يسمح لها بالدخول حتى تمر على ذلك الجهاز..

أردت أن أدخل كما دخل معلم السلام، فواجهني أحد الحرس بشدة، وقال: مر على الجهاز أو لا.

قلت: ولكن معلم السلام مر عليكم دون أن يمر على الجهاز.

ضحكوا فيما بينهم، وقالوا: لا تمر علينا الذبابة إلا بعد أن تمر عليه، فكيف يمر علينا معلمك هذا؟

لم أجد بدا من الدخول، ولكني لم أجد في نفس الوقت بدا من سؤال المعلم عن سر عدم أمره بالمرور على الجهاز، فقال لي: إذا صرت مثلي، فلن يأمرك أحد، ولن يحاسبك أحد، ألم تعلم أن سبعين ألفا من هذه الأمة يدخلون الجنة من غير أن يعرفوا حسابا ولا ميزانا؟

قلت: فأنت منهم إذن.

قال: دعك من هذا، ودعك مني.. هل جئت بالوثيقة معك؟

قلت: أجل..

قال: فاحتفظ بها لنفسك.. ولا ترها أحدا من خلق الله إلا لمن وكل الله إليهم علاجك.

قلت: لم؟

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه فيصبح يكشف ستر الله عز وجل عنه)([5]

***

بينما نحن كذلك مر علينا رجل، وهويصيح بصوت فيه قوة وحزم، وهويردد قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(يا معشر المهاجرين! خصال خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم من غيرهم فأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل ويتخيروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)([6]

قلت للمعلم: ما يقول هذا؟

قال: هذا يذكر المرضى بالعقوبات القدرية التي ينزلها الله تعالى على الآثمين.

 قلت: أهي عقوبات كعقوبات عاد وثمود؟

قال: لا.. لا يشترط أن تأتي عن طريق الخوارق، فالله يعاقب بسننه التي نظم بها الكون.

قلت: اشرح لي هذا.

أمسك بيدي شخص وقور أظنه يعمل طبيبا في مدائن السلام، وقال لي برقة: أنا معاصر لك، وأعلم كثيرا مما يدور في خلدك.. إن دلائل هذا في الواقع منتشرة، تدل عليها البحوث العلمية، وتزيد في توثيقها الإحصاءت الدقيقة، وتزيد في تأكيدها التجربة والمعايشة.

قلت: فاضرب لي مثالا على ذلك.

قال: سأضرب لك مثالا بسيطا قد يعتبره نفر من قومي وقومك بأنه من القشور التي لا يصح الحديث عنها.

قلت: كثير من الأشياء يعتبرها قومي كذلك.. ولو أني طبعت على حب أكل القشور، كما أحب أكل اللباب.

قال: لقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن النفخ في الشراب والطعام.

قلت: أجل.. لقد وردت أحاديث كثيرة في هذا تدل على أهمية المسألة.

قال: أتدري ما عاقبة التفريط في تطبيق هذا النهي الشرعي مع بساطته مقارنة بالأحكام الأخرى.

قلت: لا.. ولا أظن الأمر له عواقب خطيرة.

قال: لقد تسبب التفريط في هذا إلى في حدوث أو بئة خطيرة، فقد أجرى بعض الباحثين دراسة على درن([7]) الأمعاء في السودان، فوجدوا أن السبب الرئيسي لدرن الأمعاء في السودان هو جرثومة الدرن الإنسانية، بعكس ما هو  معروف عالميا من أن السبب هو  الجرثومة الدرنية البقرية.

قلت: فما سر هذا؟

قال: أرجع هؤلاء الباحثون علة ذلك إلى العادة المتبعة في خض اللبن وصنع الزبدة منه حيث يتم ملء القربة إلى نصفها باللبن، ثم تنفخ المرأة ـ والتي قد تكون مصابة بدرن الصدر ـ بفمها في القربة لتملأ النصف الآخر بالهواء، ثم يبدأ خض اللبن وتفصل الزبدة ويشرب اللبن بدون غلي أو تسخين، وبالتالي ينتقل المرض من صدر المرأة إلى أمعاء الآخرين، وتنتشر  هذه العادة في كثير من بلاد المسلمين مع أنه منهي عنها شرعا.

قلت: سبحان الله.. إننا نحتقر مثل هذا.. فيعاقبنا الله بما كنا في غنى عنه.

***

 رأيت بابين داخل هذا الحصن، فسألت المعلم عنهما، فقال: ألم تقرأ قوله تعالى:{ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } (الأنعام:151)؟

قلت: بلى.. فما علاقة هذه الآية بالبابين؟

قال: الآثام تنقسم إلى قسمين: آثام ظاهرة، وآثام باطنة، وكلا القسمين له أثره الخطير على الصحة، وقد رأت إدارة هذه الحصون تخصيص قاعتين لعلاج ذلك.

باطن الإثم:

دخلنا القاعة الأولى.. وقد كانت أشبه بحصن منيع، فشعرت بانقباض نفسي نتيجة لذكريات مرت على خاطري، لست أدري ما الذي جلبها إلى خاطري تلك اللحظة، وقد كانت من القوة بحيث شغلتني عن النظر في جدر تلك الحصن وأبوابه مع أنها كانت في منتهى الروعة والجمال.

ثم ازدادت الخواطر شدة حتى ذهلت عن معلم السلام، وأصبحت أهذي بالحديث عن أولئك الأعداء الذين لم يكتفوا بتكدير حياتي، بل راحوا بأشخاصهم المخيفة في زوايا صدري يكدرون تلك اللحظات السعيدة التي أعيشها في مدائن السلام.

قلت للمعلم: أنجدني من هؤلاء الأعداء الذين يملأون صدري بالوساوس وخواطر السوء.

قال: فمن تركهم يسكنون صدرك؟

قلت: ظلمهم وحقدهم وطغيانهم.

قال: فلماذا جعلت صدرك فندقا لهم؟

قلت: هم نزلوه غصبا عني.

قال: صدرك هو حصنك، ولا يقتحمه إلا من فتحت له.. فأبواب حصونك لم يجعلها الله لغيرك.

قلت: أترى أن المفاتيح ضاعت مني، فأخذوها وولجوا حصون صدري، أو تراهم حطموا الحصون ودخلوا، أو تراهم..

قال: ليس الشأن أن تعرف كيف دخلوا، ولكن الشأن أن تعرف كيف تخرجهم.

قلت: فكيف أخرجهم.. فإني لن أشعر بالسعادة ما داموا ينزلون فنادق صدري.

قال: بالسلوك.. ألسنا في حصن الاستقامة؟

قلت: فما حصن الاستقامة؟

قال: هو  الحصن الذي يطهر أرض النفس من الأعشاب السامة، والأشواك الجارحة، والظلمة القاتمة، لأن امتداد هذه الظلمات يسري من النفس إلى الروح، ومن الروح إلى الجسد، فينهك قواه، ويقطع أو صاله، ويهدم بنيانه.

قلت: أحصون العافية تبحث في هذا؟

قال: من الحماقة أن تهتم الحصون بدفع الآفات عن الأجسام الظاهرة، ثم تترك البواطن مأوى للخفافيش والعقارب والحيات.

قلت: لقد ذكرتني بقول الغزالي:(ما أشد حماقة من دخلت الأفاعي والعقارب تحت ثيابه وهمت بقتله، وهويطلب مذبة يدفع بها الذباب عن غيره، ممن لا يغنيه ولا ينجيه مما يلاقيه من تلك الحيات والعقارب إذا همت به)([8]

قال: ولهذا اعتبر القرآن الكريم ما يحدث في القلب من ظنون سيئة وأفكار رديئة مرضا، بل مرضا خطيرا، فقال تعالى:{ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} (البقرة:10)

وهذا المرض أخطر بكثير من مرض الأجساد، لأن مرض القلب مرض للروح، ومرض الروح يمتد ليشمل كل وسائل الإدراك، قال تعالى:{ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (البقرة:7)، وقال تعالى:{ أو لَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (النحل:108)

فإذا شغل وسائل الإدراك وملأها ظلمة لم يجد معه أي علاج، فلهذا لا تنفعهم رقى القرآن الكريم التي ينتفع بها جميع الناس، قال تعالى:{ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} (التوبة:125)

قلت: ألهذا تبتلى القلوب المريضة بالهم والغم والكآبة؟

قال: أجل.. ولكنهم يسترونه بالزهو الكاذب، والفرح الذي لا يعدو أن يكون كبرا وبطرا، قال تعالى:{ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (آل عمران:120)

قلت: والهم والغم هما منبعا العلل ومصدرا الأمراض جسديها ونفسيها.

رأيت داخل القاعة رجلا بزي عصري يتكلم بلغة عربية مختلطة بعجمة، سألت المعلم عنه، فقال: هذا رجل من قومك جاء أستاذا زائرا لهذه الحصون، ليبين للمرضى العلاقة بين الأمراض الحسية والأمراض السلوكية.

قلت: لم؟

قال: لا تكتمل العافية إلا بتحصين الجسم من جميع ثغراته.. أرأيت لوأن حصنا منيعا التف الأعدء به من كل ناحية، وكانت أبوابه موصدة جميعا، لكن بابا من أبوابه فتح لدخول الأعداء، ولم يلق أي مقاومة، هل سيبقى الحصن منيعا؟

قلت: لا.. سيستعمر هذا الحصن لا محالة، وسيسبى أهله، أو يقتلون.

قال: فكذلك حصن الجسم.. لا يكفي أن تحصنه من جهة، وتترك الرياح والأعاصير تعبث به من جهات أخرى.

اقتربنا من الرجل، فسمعناه سائلا يقول له: الأمراض العصبية والنفسية تنتشر في عصرنا انتشارا شديدا متفاقما، فما أسباب ذلك؟

قال: إن من الأسباب الرئيسية لهذه الأمراض الشعور بالإثم والخطيئة والحقد والقلق والكبت والتردد والشك والغيرة والأثرة والسأم.. ومما يؤسف له أن كثيراً ممن يشتغلون بالعلاج النفسي قد ينجحون في تقصي أسباب الاضطراب النفسي الذي يسبب المرض، ولكنهم يفشلون في معالجة هذه الاضطرابات لأنهم لا يلجأون في علاجها إلى بث الإيمان بالله في نفوس هؤلاء المرضى.

ونحب فوق ذلك أن نتساءل عن هذه الاضطرابات الانفعالية والعوامل التي تسبب تلك الأمراض، إنها هي ذاتها الاضطرابات التي جاءت الأديان لكي تعمل على تحريرنا منها.

فقد علم الله بقدرته وحكمته حاجاتنا النفسية ودبر لها العلاج الكامل، وقد وصف الأخصائيون النفسيون القفل الذي يغلق باب الصحة، وآتانا الله المفتاح الذي يفتح هذا الباب، ولا يمكن أن يقودنا التخبط الأعمى إلى فتح هذا القفل المعقد، بل إنه لا يستطيع أن يمدنا بالمفتاح الذي يفتح باب الروح الإنسانية، فالله وحده هو  الذي يستطيع أن يهدينا طريق الصواب.

فماذا يخبرنا الله ـ  المستعان على فهم الأمورـ عن هذه المفاتيح؟ إن ذلك يتلخص في أننا نركب الإثم والذنوب ونحتاج إلى عفوالله ومغفرته، حتى نعود إلى رحابه ونعفو عن غيرنا إن المذنبين الذين ينالهم هذا الصفح تتجلى في نفوسهم روح الله فيذهب عنهم الخوف القلق، ولا يكون هنالك سبيل إلى إصابتهم بالكبت والغيرة والأثرة.

فعتدما تحل محبته في القلب، تفارقها الشرور والآثام، ولا ينتابها السأم وتفيض بالآمال الحية التي تنبعث منها الحياة.

سأله سائل آخر: اذكر لنا من واقع تجربتك ما يبرهن على هذا؟

قال: لقد وجدت في أثناء ممارستي للطب أن تسلحي بالنواحي الروحية إلى جانب إلمامي بالمادة العلمية يمكناني من معالجة جميع الأمراض علاجاً يتسم بالبركة الحقيقة، أما إذا أبعد الإنسان ربه عن هذا المحيط، فإن محاولاته لا تكون إلا نصف العلاج، بل قد لا تبلغ هذا القدر.

فمعظم القرح المعدية لا ترجع إلى ما يأكله الناس كما يقال، وإنما إلى ما تأكل قلوبهم، ولابد لعلاج المريض بها من علاج قلبه وأحقاده أو لاً، وليكن لنا أسوة بالأنبياء الذين كانوا يصلون من أجل أعدائهم ويدعون لهم بالخير، فإذا تطهرت قلوبنا وصرنا مخلصين، فإننا نشق طريقنا نحوالشفاء، وبخاصة إذا كان العلاج الروحي مصحوباً بتناول المواد ضد الحامضية وغيرها من العقاقير التي تساعد على الشفاء من هذه القرح.

وهنالك كثير من الحالات النفسية التي يلعب الخوف والقلق دوراً هاماً فيها، فإذا عولج الخوف والقلق على أساس تدعيم إيمان الإنسان بالله، فإن الصحة والشفاء يعودان إلى الإنسان بصورة كأنها السحر في كثير من الحالات.

التفت إلي المعلم، وقال: هذا الكلام لم يقله الربانيون من هذه الأمة، وإنما قاله طبيب درس الطب كما يدرس المعادلات الرياضية، ولكن خبرته أرشدته إلى حقيقة الأدواء التي تعاني منها الحضارة الحالية، الحضارة التي تهتم بإحلال السلام على الأرض، وتغفل عن النفوس، مع أن السلام لا ينطلق إلا من النفوس.

***

رأيت داخل الحصن أبوابا كثيرة جدا، كل باب يدخل منه مرضى كثيرون، سأت المعلم عنه، فقال: هذه الأبواب تؤدي إلى القاعات المكلفة بعلاج العلل السلوكية المؤدية إلى العلل الجسدية.

قلت: فمن يرسل المرضى إلى هذه الأبواب؟

قال: جميع أقسام هذه الحصون.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ربما يأتي المريض لعلاج علة من العلل، فيجري الطبيب فحوصاته، فيرى باطنه مملوءا بالكدورات، فلا يرى له من علاج غير غسل تلك الكدورات ليستقيم له علاجه، وكثير من المرضى المرسلين إلى هذا الحصن يعودون إلى بيوتهم من غير أن يعودوا للاستشفاء.

قلت: لم؟

قال: لأن العلل التي كانت تكدر صفو حياتهم لم تكن علل أجساد، بل كانت علل قلوب تفرز سمومها على أجسادهم.

قلت: فهل سندخل من هذه الأبواب جميعا؟

قال: إذن لن نخرج من هنا أبدا..

قلت: ولكن أنترك الشياطين تعشش في قلوبنا؟

قال: لنا رحلات أخرى خاصة بعلاج هذه العلل.. أما الآن، فسنكتفي بزيارة قاعتين من هذه القاعات لنتبين من خلالهما أثر الأمراض النفسية في الحالة الصحية.

الحسد:

دخلنا القاعة الأولى، وقد كتب على بابها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( دب فيكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضة هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين، والذي نفس محمد بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا)([9]

قلت للمعلم: أهذه القاعة مخصصة لعلاج الحسد.

قال: أجل.. ألم تر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعتبر الحسد داء من الأدواء الخطيرة؟

قلت: وقد اعتبره حالقا للدين.

قال: هو حالق للدين وللدنيا، فلا راحة لحاسد في دنياه، ولا استقرار له في دينه.

قلت: وقد ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)([10]

قال: وهويأكل الصحة والعافية كما تأكل النار الحطب.

 رأيت مرضى كثيرين في هذه القاعة، ورأيت أطباء كثيرين مجتمعين.. كل طبيب يحاول أن يقنع مرضاه بخطورة الحسد.

قلت للمعلم: لماذا اجتمع كل هؤلاء الأطباء لبيان خطورة الحسد؟

قال: هذا هو  الركن الأول من علاج الحسد، كما أنه الركن الأول لعلاج كل علة.. ألا ترى أنك لا تسارع للطبيب إلى إذا خشيت على صحتك من داء له خطر أو بعض الخطر.

قلت: أجل.. فلو جرحت أصبعي مثلا.. وسال الدم منها، لا أسارع للطبيب..

قال: فدور هؤلاء الأطباء هو  توعية المرضى بخطورة هذا الداء ليشعلوا في قلوبهم النيران التي تحثهم على طلب العلاج.

اقتربنا من بعض الأطباء، فسمعناه يقول:.. ولعظم ضرر الحسد على الإنسان وعلى المجتمع، فقد نفر القرآن الكريم منه، وأمر بالاستعاذة من شر الحاسد كما أمر بالاستعاذة من نفث الشيطان، فالحسد مفسد للطاعات، باعث على الخطايا.. وهو نار تضطرم في صدر الحسود، فما تراه إلا كاسف الوجه، قلق الخواطر، غضبان على القدر قد عادى حكمة الله، قال تعالى:{ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}(النساء:54)..

اقتربنا من طبيب آخر([11])، فسمعناه يقول:.. الحسد يضر بالنفس لأنه يشغلها عن التصرف المفيد لها وللبدن، وذلك يسبب طول الحزن والتفكر، ثم إنه يضر بالجسد لما يعرض للمحسود من طول السهر وسوء الاغتذاء، وينشأ عن ذلك رداءة من اللون وسوء السحنة وفساد المزاج.

اقتربنا من طبيب آخر([12])، فسمعناه يقول:.. والحسد يؤدي إلى ظهور انفعالات نفسية عصبية كما تضطرب عنده الغدد الصماء، فيعتل جسمه ويذوب.

فالحاسد دوماً في ضيق وقلق، وهذا يصحبه الأرق، ومع استمرار الأرق يحس بالإعياء والتعب ويفقد شهيته للطعام ويتناقص وزنه ثم تظهر عنده أعراض عصبية مزعجة، كالصداع والطنين في الأذنين تمنع عنه الراحة والهدوء، وقد تظهر آلام خناقية في صدره، وكلما احتدمت نزوات حسده زاد الألم وتكررت نوباته مما يعرضه للإصابة بالذبحة الصدرية.

والحسد يهيء للإصابة بقرحة المعدة التي ثبت أنها تنشأ من الانفعالات أكثر مما تنشأ عن خطأ في التغذية، وقد يؤدي لارتفاع الضغط الدموي، والذي يتناسب ارتفاعه مع زيادة الانفعالات ويعظم خطره. ونحن نعلم أن أطباء القلب يوصون المرضى بالهدوء والراحة وترك الهواجس، ونبذ انشغال الفكر بالغير والبعد ما أمكن عن الانفعالات النفسية.

وقد يسبب الحسد مرض السوداء [ المانخوليا ] عند الحاسد وحبه للوحدة والعزلة غير ما يؤدي إليه من ارتباك العقل وعدم القدرة على التركيز، وكم سبب الحسد عند صاحبه من عقد نفسية وتركت عنده أمراضاً لا يمحى أثرها.

وأخيراً فإنك لن ترى حاسداً حقوداً إلا وقد رسم في وجهه تجاعيد الشيخوخة ولفحة الشيب ـ المبكران ـ وإن كان في عنفوان شبابه.

اقتربنا من طبيب آخر، وقد كانت تلوح عليه سيما الغزالي، وهويقول: اعلم أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين، وأنه لا ضرر فيه على المحسود بل ينتفع به فيهما.

أما كونه ضرر عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى وعدله الذي أقامه في ملكه وهذه جناية لى التوحيد … وأما كونه ضرر عليك في الدنيا فهوأنك تتألم بحسدك أو تتعذب به، ولا تزال في كمد وغم بكل نعمة تراها على غيرك.. وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فلأن النعمة لا تزول بحسدك، بل قدر الله تعالى من نعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل قدره الله فلا حيلة في دفعه، ولكل أجل كتاب.. وأما أن المحسود ينتفع به في الدين فهوأنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى الغيبة والقدح فيه، فهذه هدايا تهديها إليه من حسناتك حيث تأتي مفلساً يوم القيامة([13]).

الغضب:

دخلنا القاعة الثانية، وقد كتب على بابها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)([14]

قلت للمعلم: لا شك أن هذه القاعة مخصصة لعلاج الغضب.

قال: أجل.. وهل هناك داء أدوى من الغضب؟.. وهل هناك مصارع لدود أشد فتكا من الغضب؟

قلت: لقد نبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن القوي الحقيقي هو من استطاع التغلب على نزعة الغضب التي تستفزه، فقد مر بقوم يصطرعون فقال:(ما هذا؟)، قالوا: فلان لا يصارع أحداً إلا صرعه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(أفلا أدلكم على من هو  أشد منه؟ رجل كلمه رجل فكظم غيظه، فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه)([15]

قال: ولهذا جعل الله تعالى كظم الغيظ من صفات المؤمنين في آيات كثيرة، فقال تعالى:{ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}(الشورى:37)، وقال تعالى:{ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(آل عمران:134)، ووصف عباد الرحمن فقال:{ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هو  ناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً}(الفرقان:63)

قلت: وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكتفي بوصية من يستفزه الغضب بترك الغضب، ويكتفي بذلك، فقد روي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أو صني فقال: لا تغضب فردد مراراً فقال:(لا تغضب)([16]

 قال: وقد قال له رجل: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تغضب)([17])، بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم بما هو  فوق ذلك، فقال:(من كظم غيظاً وهوقادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين فيزوجه منها ما شاء)([18]

قلت: واعتبر صلى الله عليه وآله وسلم الغضب مفسدا للإيمان، فقال:(إن الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل)([19]

قال: وهومفسد للخلق، فلا يمكن لمن يستفزه الغضب أن يحسن خلقه، وقد قيل لبعضهم:أجمل لنا حسن الخلق، فقال:(ترك الغضب)

رأيت داخل هذه القاعة كثيرا من المرضى، ومعهم كثير من الأطباء، فسألت المعلم عنهم، فقال: هذا النوع من الأمراض يحتاج أطباء كثيرين بتخصصات مختلفة، فلا يمكن أن تقتلع جذور هذه العلل، أو توجه التوجيه الصحيح إلا بجهد عظيم.

اقتربنا من أحدهم، فسمعناه يقول: إن الانفعالات الشديدة والضغوط التي يتعرض لها الإنسان كالخوف والغضب يحرض الغدة النخامية على إفراز هرمونها المحرض لإفراز كل من الإدرينالين والنور أدرينالين من قبل الغدة الكظرية، كما تقوم الأعصاب الودية على إفراز النور أدرينالين.

قلت: فما في ارتفاع هرمون الإدرينالين والنور أدرينالين في الدم؟

قال: ارتفاعهما يؤدي إلى تسارع دقات القلب، وهذا ما يشعر به الإنسان حين الانفعال، والذي يجهد القلب وينذر باختلاطات سيئة، فهو يعمل على رفع الضغط الدموي بتقبيضه للشرايين والأوردة الصغيرة.. كما أن الارتفاع المفاجيء للضغط قد يسبب لصاحبه نزفاً دماغياً صاعقاً يؤدي إلى إصابة الغضبان بالفالج، وقد يصاب بالجلطة القلبية أو الموت المفاجئ، وقد يؤثر على أوعية العين الدموية فيسبب له العمى المفاجيء، وكلنا يسمع بتلك الحوادث المؤلمة التي تنتج عن لحظات غضب([20]).

اقتربنا من طبيب آخر، فسمعناه يقول:.. هذا وإن ارتفاع النور أدرينالين في الدم يحرر الغليكوجين من مخازنه في الكبد ويطلق سكر العنب مما يرفع السكر الدموي، إذ من المعلوم أن معظم حادثات الداء السكري تبدأ بعد أنفعال شديد أو غضب.

أما ارتفاع الأدرينالين فيزيد من عمليات الإستقلاب الأساسي ويعمل على صرف كثير من الطاقة المدخرة مما يؤدي إلى شعور المنفعل أو الغضبان بارتفاع حرارته وسخونة جلده([21]).

اقتربنا من طبيب آخر، فسمعناه يقول:.. كما ترتفع شحوم الدم مما يؤهب لحدوث التصلب الشرياني، ومن ثم إلى حدوث الجلطة القلبية أو الدماغية كما يؤدي زيادة الهرمون إلى تثبيط حركة الأمعاء ومن ثم إلى حدوث الإمساك الشديد، وهذا سبب إصابة ذوي المزاج العصبي بالإمساك المزمن.

اقتربنا من طبيب آخر، فسمعناه يقول: ويزداد أثناء ثورات الغضب إفراز الكورتيزون من قشرة الكظر مما يؤدي إلى زيادة الدهون في الدم على حساب البروتين، ويحل الكورتيزون النسيج اللمفاوي مؤدياً إلى نقص المناعة وإمكانية حدوث التهابات جرثومية متعددة، وهذا ما يعلل ظهور التهاب اللوزات الحاد عقب الانفعال الشديد، كما يزيد الكورتيزون من حموضة المعدة وكمية الببسين فيها مما يهيء للإصابة بقرحة المعدة أو حدوث هجمة حادة عند المصابين بها بعد حدوث غضب عارم.

اقتربنا من طبيب آخر، فسمعناه يقول:.. وأثبتت البحوث الطبية الحديثة وجود علاقة وثيقة بين الانفعالات النفسية ومنها الغضب وبين الإصابة بالسرطان.. وتمكن العلم أن يبين مدى خطورة الإصابة السرطانية على إنسان القرن العشرين، قرن القلق النفسي، وأكدت الدراسات أن الأشخاص الذين يعانون من انفعالات نفسية مريرة بصورة مستمرة يموتون بالسرطان باحتمال نسبي أكبر.

قلت: فما علاقة الانفعالات النفسية بالسرطان؟

قال: تولد الانفعالات النفسية اضطراباً هرمونياً خطيراً في الغدد الصماوية يؤدي إلى تأرجح في التوازن الهرموني بصورة دائمة، وهذا التأرجح يساعد على ظهور البؤرة السرطانية في أحد أجهزة البدن([22]).

اقتربنا من طبيب آخر، فسمعناه يقول: إن التأثيرات التي تحصل في البدن نتيجة الغضب الشديد والذي يسبب فيضاً هرمونياً يؤدي إلى ما يشبه التماس الكهربائي داخل المنزل بسبب اضطرابات الدارة الكهربائية، وما ينتج عن ذلك من تعطل في كافة أجزاء الدارة الكهربائية.

***

 قلت: لقد ذكر هؤلاء مخاطر الداء، ولم يذكروا علاجه.

قال: تفاصيل العلاج تحتاج أدوية كثيرة وتمارين خاصة، منها ما يؤدى هنا، ومنها ما له أقسام خاصة به.

قلت: فلنمر على بعضها.

قال: سنكتفي بالمرور ـ هنا  ـ على بعض أطباء يطبقون ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من علاج الغضب حال حدوثه.

سرنا إلى طائفة من الأطباء ترتسم في وجوههم علامات الإيمان، وهم يقلبون دفاتر الهدي النبوي، ويقارنونه بما توصلوا إليه من أبحاث.

قال أحدهم: لا شك أن سرعة الغضب من الأمراض المهلكة للبدن والمستنفذة لقواه.. ولهذا جاءت التعاليم النبوية بطرق ناجعة لمكافحته والحد من تأثيره السيء على البدن.

وأول ذلك أن يروض المسلم نفسه على الحلم، فبه تستأصل جذور العداوات من النفس وتستل الخصومات من القلوب.

قال آخر([23]): ومن ذلك أن يستعيذ الغضبان بالله من الشيطان الرجيم، كما روي في الحديث أن رجلين استبا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحدهما يسب صاحبه مغضباً قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(إني لأعلم كلمة لوقالها لذهب عنه ما يجد، لوقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)([24]

ولهذا ينصح علماء الطب النفسي الأشخاص الذين يتعرضون إلى نوبات الغضب إلى تمارين خاصة.. فهي تؤدي إلى نتائج مذهلة، فهي تسبب استرخاء في الذهن يؤدي إلى انطفاء نار الغضب وإخماد الثورة العصبية.

ومنها أن يعدّ الشخص من 1ـ 2ـ 3.. وحتى 30 قبل أن ينطق بأي حرف.. وهذه الحقيقة في مجال الطب النفسي اكتشفها نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم حين أمر الغاضب أن يتعوذ بالله عدة مرات، وهذا واضح من مفهوم قوله تعالى:{ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأعراف:200)

قال آخر: ومن هذا الباب دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغاضب إلى السكوت وعدم النطق بأي جواب، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا غضب أحدكم فليسكت)([25]

قال آخر([26]): ويوصي صلى الله عليه وآله وسلم الغضبان بتغيير الوضعية، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا غضب أحدكم وهوقائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع)([27]).. وهذا هدي نبوي كريم له فائدة عظيمة في تهدئة ثورة الغضب، فالطب الحديث يحث كل من يتعرض للغضب الشديد والانفعالات النفسية بالاسترخاء قبل إطلاق العنان للجوارح واللسان.

وهذه الحقيقة الطبية كان لها بالغ الأثر في الوقاية من أخطر الأزمات عندما يوفق المرء في تمالك نفسه عند الغضب، والتي اكتشفها نبي الرحمة في أعماق النفس البشرية حين أمر الغاضب الواقف أن يجلس.

قال آخر([28]): جاء في كتاب هاريسون الطبي أنه من الثابت علمياً أن هرمون النور أدرينالين يزداد بنسبة 2_ 3 أضعاف لدى الوقوف بهدوء لمدة خمس دقائق، أما هرمون الأدرينالين فيرتفع ارتفاعاً بسيطاً في الوقوف لكن الضغوط النفسية تزيد من نسبته في الدم … ولا شك أن ارتفاع العاملين معاً، الغضب والوقوف يرفع نسبة هذين الهرمونين بشك كبير.

قال آخر([29]): ومن هذا القبيل ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أو داجه، فمن وجد من ذلك شيئاً فليلصق خده بالأرض)([30])، ففي هذا إشارة إلى الأمر بالسجود وتمكين أعز الأعضاء من أذل المواضع لتستشعر به النفس الذل وتزيل به العزة والزهو الذي هو  سبب الغضب.

قال آخر: وقد ارشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغضبان إلى الاغتسال بالماء البارد،  كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا غضب أحدكم فليتوضأ، فإنما الغضب من النار)([31]) وفي رواية:(إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) وهو ما يتوافق مع أحدث التوصيات الطبية.. فللغسل أثره البالغ في تهدئة الجهاز العصبي.

فالغضب يتولد من الحرارة العامة والتعرق والإحساس بالضيق، ويأتي الماء البارد ليخفف من هذا الأعراض.. والوضوء الذي وصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم  يضفي، فوق ذلك، شعوراً بالعبودية لله عند قيام الغاضب بهذا الفعل التعبدي، يزيد من إحساسه بالأمن والرضى.

ظاهر الإثم:

دخلنا القاعة الثانية.. وقد كانت هي الأخرى أشبه بحصن منيع، فشعرت، وكأن قاذورات الدنيا جميعا تلطخ جسدي وثيابي، فقلت للمعلم: هل هناك حمامات في هذه الحصون، فإني أشعر بانقباض شديد نتيجة أو ساخ لا أعلم سببها.

قال: كل هذه الحصون حمامات.. أما ما شعرت به من شعور، فهو من آثار هذه القاعة، فكل من دخلها يشعر بتقزز من الذنوب الظاهرة، كما أن من دخل القاعة السابقة يشعر بتقزز من الذنوب الباطنة.

قلت: أرى أبوابا كثيرة في هذه القاعة.

قال: كل باب منها يؤدي إلى قاعة لعلاج إثم من الآثام.

قلت: فهل سنذهب إليها جميعا؟

قال: لا.. سأنقلك إلى أربعة منها فقط تعالج هذا النوع من الانحرافات لترى مدى الأضرار الصحية النابتة من غرس الإثم.

قلت: ما هي؟

قال: التدخين، والخمر، والمخدرات، والانحراف الجنسي.

قلت: فلم هذه الأربعة بالضبط؟

قال: لأنها من أنواع الانحراف المنتشرة، بل أحالتها أعراف بعض مجتمعاتكم إلى سلوكيات شخصية لا حرج فيها.

التدخين:

دخلنا القاعة الأولى، وهي القاعة المكلفة بعلاج المدخنين، فرأيت فقيها، ومجموعة أطباء يحاضرون، والمرضى ينصتون بخشوع منقطع النظير.

قال الفقيه: التدخين من الآفات الخطيرة التي لا شك في حرمتها، وإجماع العلماء قد انعقد على ذلك، بل إن كل نصوص الشريعة تدل على ذلك.. وهو من المعاصي التي رتب الله تعالى عقوباتها التي لا شك في حصولها، وهي عقوبات قدرية، أكدها الواقع وأثبتتها الإحصائيات الدقيقة.

قال الأول: جاء في تقرير لجنة خبراء منظمة الصحة العالمية تحت عنوان (التدخين والصحة):(إن تدخين السجائر يلعب دورا رئيسيا في حدوث كثير من الأمراض، أكثرها أهمية أمراض قصور الدورة التاجية للقلب، وسرطان الرئة، والالتهابات القصبية (الشعبية) المزمنة، وانتفاخ الرئتين.

قال الثاني: إن تدخين السجائر يتسبب في العديد من الأمراض التى تؤدي إلى عجز مؤلم وواسع النطاق، ناتج عن أمراض الصدر والقلب،كما  أن هناك علاقة ببن انتشار قرحة المعدة والاثنى عشري وبين التدخين،كما أن التدخين له علاقة بسرطان الفم والحنحرة والبلعوم)([32]

قال الثالث: يؤكد تقرير منظمة الصحة العالمية: أن الوفيات الناتجة عن التدخين هي أكثر بكثير من جميع الوفيات الناتجة عن الأمراض الوبائية مجتمعة، وأن تدخين السجائر فى العصر الحديث يسبب من الوفيات ما كانت  تسببه أشد الأوبئة خطرا في العصور السالفة.

قال الرابع: أثبتت الإحصائيات الدقيقة في أوربا وأمريكا أن كثيرا من المدخنين  يعيشون حياة تعتريها الأمراض والأسقام، ولهذا تتجه الحكومات، وخاصة في البلاد المتقدمة، إلى بذل المجهودات لمحاربة التدخين والتقليل من آثاره الضارة.

***

 قال المشرف على تلك الجلسة العلاجية مخاطبا المرضى: إن لم يكفكم هذا، فاسمعوا  ماذا يقول الخبراء، ألم يقل الحق تعالى:{ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} (الفرقان:59)

دخل جمع عليهم حلل الأطباء والقضاة، يحملون أدوات الأطباء، ومطرقة القضاة.

قال الأول: أنا متخصص في الجهاز التنفسي، وقد ثبت لدي ثبوتا لا شك فيه بضلوع الدخان في الجرائم التالية: سرطان الرئة، وسرطان الحنجرة، والالتهاب الشعبي (القصبي) المزمن، والامفيزيما (انتفاخ الرئة)..

قاطعه الثاني، وقال: أما أنا فتخصصي في القلب والجهاز الدورى، وقد ثبت لدي ثبوتا لا شك فيه بضلوع الدخان في الجرائم التالية: جلطات القلب وموت الفجاءة، وجلطات الأوعية الدموية وما ينتج عنها من شلل، واضطراب الدورة الدموية في الأطراف وجلطاتها.

 قاطعه الثالث، وقال: أما أنا فتخصصي في الجهاز الهضمي، وقد ثبت لدي ثبوتا لا شك فيه بضلوع الدخان في الجرائم التالية:  سرطان الشفة، سرطان الفم والبلعوم، سرطان المرىء، قرحة المعدة والاثنى عشر، سرطان البنكرياس.

قال الرابع: أما أنا فتخصصي في الجهاز البولي، وقد ثبت لدي ثبوتا لا شك فيه بضلوع الدخان في الجرائم التالية:  الجهاز البولي: أورام المثانة الحميدة، وسرطان المثانة، وسرطان الكلى.

قال الخامس:.. كثرة الاجهاض، وقلة وزن الوليد، وزيادة وفيات المواليد، وزيادة الأجنة الميتة، وزيادة الالتهابات الرئوية لدى الأطفال الرضع.

قال السادس:.. التهاب عصب الأبصار والعمى، وزيادة أمراض الحساسية مثل: الربووالارتكاريا (الشرى)، والتهابات الجلد وأمراض الأنف والأذن والحنجرة، ومضاعفة أخطار ضغط الدم، والبول السكري، وارتفاع الكوليسترول، والسمنة المفرطة.

قال السابع:.. وجد أن المدخنين يواجهون خطر سرطان الفم والمريء والبلعوم والحنجرة بعشرة أضعاف ما يحتمل حدوثه بين غير المدخنين. وأن الوفيات الناتجة عن التدخين هي أكثر بكثير من الوفيات بالأمراض الوبائية مجتمعة. وأنه من بين كل ثلاثة مدخنين يلاقي واحد منهم حتفه نتيجة التدخين.

أصابني الدوار من هول ما سمعت، وصرخ بعض المدخنين:(انتهينا ربنا انتهينا)، وصاح آخرون:(دلونا على الطريق دلكم الله)

أمسك المعلم بيدي، وقال: هيا بنا.. فقد عافاك الله من هذا البلاء.

قلت: وهؤلاء المرضى.. ماذا سيفعل بهم؟

قال: سيمرنهم الأطباء على الكف عن هذا الاثم بمعونة الفقهاء والأولياء.

قلت: وما علاقة الفقهاء والأولياء بهذا؟

قال: أما الفقهاء فيبينون لهم حكم الله وشرع الله، وأما الأولياء فيرفعون هممهم إلى الله.. فيترفعون عن كل دنس.

الخمر:

دخلنا القاعة الثانية، وهي القاعة المكلفة بعلاج آفة الخمر، فرأيناها مثل القاعة الأولى غاصة بالمرضى، وبالأطباء والفقهاء والصالحين.

قال أحدهم، وأظنه فقيههم: إن إيراد تحريم الخمر في القرآن الكريم وفي آيات منه يدل على مدى الآثار الخطيرة الناتجة عن معاقرتها، فالله تعالى يصفها بأنها رجس من عمل الشيطان، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة:90)

ويبين علة صنع الشيطان لها بقوله تعالى:{ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (المائدة:91)

قال آخر: وهي لذلك داء لا دواء، ومضرة لا منفعة، واهتمام القرآن الكريم بتحريمها دليل على أن الخمر ستلقى رواجها، وسيبقى تأثيرها مستمرا في مجتمعات البداوة والحضارة.

قال آخر: ولذلك اشتد العلماء والصالحون في التحذير منها حتى في الحالات التي يتوهم أنها للعلاج، وقد قال أحدهم للإمام جعفر الصادق : إن بي وجعا وأنا أشرب النبيذ ووصفه لي الطبيب فقال له: ما يمنعك س الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي؟ قال: لا يوافقني. قال: فما يمنعك من العسل الذي قال الله فيه شفاء للناس؟ قال: لا أجده، قال فما يمنعك من اللبن الذي نبت منه لحمك واشتد عظمك؟ قال: لا يوافقني. قال: تريد أن آمرك بشرب الخمر لا والله لا آمرك.

وسئل  عن الدواء يعجن بالخمر. فقال:(ما أحببت أن أنظر إليه ولا أشمه فكيف أتداوى به؟)

قال آخر، ويظهر من حركاته أنه صحفي: في عصرنا الذي يسمونه عصر العلم وتطبيقات العلم لا زالت البشرية مع إدراكها الخمر تدمن عليها بل تعشقها، فهذا السيناتور الأمريكي وليم فولبرايت  يقول عن مشكلة الخمر:(لقد وصلنا إلى القمر ولكن أقدامنا مازالت منغمسة في الوحل، إنها مشكلة حقيقية عندما نعلم أن الولايات المتحدة فيها أكثر من 11 مليون مدمن خمر وأكثر من 44 مليون شارب خمر)

وقد نقلت مجلة لانست البريطانية مقالاً بعنوان (الشوق إلى الخمر) جاء فيه:(إن أكثر من 200 ألف شخص يموتون سنويا في بريطانيا بسبب الخمر)

وينقل البروفسور شاكيت أن 93 بالمائة من سكان الولايات المتحدة يشربون الخمر، وأن 40 بالمائة من الرجال يعانون من أمراض عابرة بسببه و5 بالمائة من النساء و10 بالمائة من الرجال يعانون من أمراض مزمنة معندة.

وهذه النسب الهائلة من ضحايا الخمر، هي في الحقيقة ضحايا الإثم، لأن الله تعالى ما حرم الخمر لنشوتها، بل حرمها لأضرارها.

قال آخر: شارب الخمر لا يشرب خمرا، وإنما يشرب سما، يقول الدكتور أو بري لويس:(إن الكحول هو  السم الوحيد المرخص بتداوله على نطاق واسع في العالم كله، ويجده تحت يده كل من يريد أن يهرب من مشاكله.. ولهذا يتناوله بكثرة كل مضطربي الشخصية ويؤدي هو  إلى اضطراب الشخصية ومرضها .. إن جرعة واحدة من الكحول قد تسبب التسمم وتؤدي إما إلى الهيجان أو الخمود وقد تؤدي إلى الغيبوبة. أما شاربو الخمر المزمنون فيتعرضون للتحلل الأخلاقي الكامل مع الجنون)([33]

قاطعه آخر، وقال: بل إن مجرد استنشاق أبخرتها يؤدي إلى الإصابة بالتهاب القصبات والرئة، وإلى إصابة بطانة الأنف مما يؤدي إلى ضعف حاسة الشم، ولهذا قال تعالى:{ فَاجْتَنِبُوهُ} (المائدة:90)، فهذا اللفظ يعني النهي عن الاقتراب منه مطلقاً وهوأعم من النهي عن شربه.

قال آخر([34]): وهذا السم يختلف تأثيره كلمـا تغير مسـتواه في الدم فعندما يبلغ مســتواه  من 20ـ 99ملغ  بالمائة يسبب تغير المزاج وإلى عدم توازن العضلات واضطراب الحس، وفي مستوى من 100ـ 299 ملغ  بالمائة يظهر الغثيان وازدواج الرؤية واضطراب شديد في التوازن. وفي مستوى من 300 ـ 399 ملغ  بالمائة تهبط حرارة البدن ويضطرب الكلام ويفقد الذاكرة. وفي مستوى 400 ـ 700 ملغ  بالمائة يدخل الشاب في سبات عميق يصحبه قصور في التنفس وقد ينتهي بالموت.

قال آخر: رغم أن كل أعضاء الجسم تتأثر من الخمر، فإن الجملة العصبية هي أكثرها تأثراً حيث يثبط المناطق الدماغية التي تقوم بالأعمال الأكثر تعقيداً ويفقد قشر الدماغ قدرته على تحليل الأمور، كما يؤثر على مراكز التنفس الدماغية حيث أن الإكثار منه يمكن أن يثبط التنفس تماماً إلى الموت.

قال آخر: وتأثيره لا يتوقف على الجهاز العصبي بل إنه يمتد حتى إلى الأجنة في بطون أمهاتهم، فالغول بعد أن يمتص من الأمعاء ليصل الدم يمكن أن يعبر الحاجز الدماغي ويدخل إلى الجنين عبر المشيمة، وأن يصل إلى كافة الأنسجة. لكنه يتوضع بشكل خاص في الأنسجة الشحمية.

وكلما كانت الأعضاء أكثر تعقيداً وتخصصاً في وظائفها كانت أكثر عرضة لتأثيرات الغول السمية، فلا عجب حين نرى أن الدماغ والكبد والغدد الصماء من أو ائل الأعضاء تأثراً بالخمر حيث يحدث الغول فيها اضطرابات خطيرة.

قال آخر: في الجهاز الهضمي يؤدي مرور الخمر في الفم إلى التهاب وتشقق اللسان كما يضطرب الذوق نتيجة ضمور الحليمات الذوقية، ويجف اللسان وقد يظهر سيلان لعابي مقرف، ومع الإدمان تشكل طلاوة بيضاء على اللسان تعتبر مرحلة سابقة لتطور سرطان اللسان.

والخمر يوسع الأوعية الدموية الوريدية للغشاء المخاطي للمري مما يؤهب لتقرحه ولحدوث نزوف خطيرة تؤدي لآن يقيء المدمن دماً غزيراً. كما تبين أن 90 بالمائة من المصابين بسرطان المريء هم مدمنوا خمر.

وفي المعدة يحتقن الغشاء المخاطي فيها ويزيد افراز حمض كلور الماء والببسين مما يؤهب لإصابتها بتقرحات ثم النزوف وعند المدمن تصاب المعدة بالتهاب ضموري مزمن يؤهب لإصابة صاحبها بسرطان المعدة الذي يندر جداً أن يصيب شخصاً لا يشرب الخمر.

وتضطرب الحركة الحيوية للأمعاء عند شاربي الخمر المتعدين وتحدث التهابات معوية مزمنة وإسهالات متكررة عند المدمنين، وتتولد عندهم غازات كريهة، ويحدث عسر في الامتصاص المعوي.

قال آخر: والغول سم شديد للخلية الكبدية، وتنشغل الكبد من أجل التخلص من الغول عن وظائفها الحيوية، ويحصل فيها تطورات خطيرة نتيجة الإدمان. ففي فرنسا وحدها يموت سنوياً أكثر من 22 ألف شخص بسبب تشمع الكبد الغولي، وفي ألمانيا يموت حوالي 16 ألف. كما أن الغول يحترق ضمن الكبد ليطلق كل 1غ منه 7 حريرات تؤدي بالمدمن إلى عزوفه عن الطعام دون أن تعطيه هي أي فائدة مما يعرضه لنقص الوارد الغذائي.

ويشكو المصاب من ألم في منطقة الكبد ونقص في الشهية وتراجع في الوزن مع غثيان وإقياء، ثم يصاب بالجبن أو باليرقان.. وقد يختلط بالتهاب الدماغ الغولي ويصاب بالسبات أو  النزف في المريء، وكلاهما يمكن أن يكون مميتاً.

قال آخر: وللخمر تأثيراتها الخطيرة على القلب، حيث يصاب مدمن الخمر بعدد من الاضطابات الخطيرة والمميتة التي تصيب القلب.

قال آخر: وللخمر تأثيراتها الخطيرة على الجهاز العصبي، حيث تعتبر الخلايا العصبية أكثر عرضة لتأثيرات الغول السمية، وللغول تأثيرات فورية على الدماغ، بعضها عابر، وبعضها غير قابل للتراجع.. حيث يؤكد د. براتر وزملاؤه أن تناول كأس واحد أو كأسين من الخمر قد تسبب تموتاً في بعض خلايا الدماغ، والسحايا قد تصاب عند المدمن عندها يشكوالمصاب من الصداع والتهيج العصبي، وقد تنتهي بالغيبوبة الكاملة، كما أن الأعصاب كلها معرضة للإصابة بما يسمى (باعتلال الأعصاب الغولي العديد أو المفرد)

أما الأذيات الدماغية فيمكن أن تتجلى بداء الصرع المتأخر الذي يتظاهر عند بعض المدمنين بنوبات من الإغماء والتشنج والتقلص الشديد.

التفت إلى المعلم، وقلت: ما هذا؟ إن الخمر ليست أم البخائث فقط، بل هي أم الأمراض أيضا.

قال: وهي وحدها كافية لتصحيح ما ورد في النصوص من أن البلاء موكل بالمعصية، والعافية موكلة بالاستقامة.

قلت: فكيف يعالج هؤلاء المرضى؟

قال: بما يعالج به غيرهم.

قلت: والمدمنون؟

قال: تلك أحوال خاصة، وقد استطاع الأطباء الناصحون بهذا المستشفى أن يضعوا الحلول لمشكلتهم بحيث تنسجم حياتهم في أقصر مدة.

قلت: بمعونة الفقهاء والأولياء.

قال: لا بد من ذلك.. فالطبيب وحده أعجز من أن يفعل شيئا.. ولكن لا تسئ فهمي، فالفقهاء هنا يدرسون كثيرا من المعلومات الطبية، وبالتفاصيل الكافية لإعانة الأطباء في مهمتهم.

نظرت إلى عيون المرضى، وهم يستمعون كانت أعين الكثير منهم تبكي من غير دموع.. ورأيت بعضهم يمسك بقوة بيديه، وكأنه يصمم على شيء.. عند مخرج القاعة صاح أحدهم:(انتهينا ربنا انتهينا) فردد صوته الجميع: (انتهينا ربنا انتهينا) 

المخدرات:

دخلنا القاعة الثالثة، وهي القاعة المكلفة بعلاج آفة المخدرات، فرأيناها مثل القاعتين السابقتين غاصة بالمرضى، وبالأطباء والفقهاء والصالحين.

قال أحدهم، وأظنه فقيههم: إن المخدرات مثل الخمر في الحرمة، ومثلها في الأضرار، ولوأن الواقع المنحرف يشتد على المخدارت، ويتساهل مع الخمر.

قال آخر: أضرار المخدرات كثيرة تختلف باختلاف أنواعها، وسنكتفي مما ذكره العلم بثلاثة أضرار: وهي إضراراها بالوعي، والسلوك، وجهاز المناعة.

أما الوعي، فإن المخدرات تسبب تأثيراً واضحاً على الوعي بأكثر من شكل، فمنها ما يقلل الوعي أو يغييبه (الأفيون- الهيروين)، ومنها ما ينبه الوعي وينشطه (الكوكايين – الأمفيتامينات)، ومنها ما يسبب اضطرابا فى إدراك الواقع وهلوسة (البانجو– الحشيش)

أما تأثيرها على السلوك، فإن المدمن يصبح مشغولا بتعاطي المخدر، وينسى مشاغل الحياة الأخرى ويتعرض إلى حالة سيئة ويتألم إذا لم يجد المادة المخدرة التى يتعاطاها، ويزداد أمر المدمن سوءا إذا اعتاد جسمه على المخدر، فيقل تأثيره عليه، وبالتالي تزداد الجرعة التى يتعاطاها، فيسوء الأمر أكثر.

أما تأثيرها على جهاز المناعة، فإن المواد المخدرة تضعف جهاز المناعة، ويصبح المدمن عرضة للمرض، وأكثر معاناة منه.

قال آخر: بالنسبة لفئة الأفيونات (الأفيون- الهيروين- الكودايين- المورفين) فإن أهم المشكلات الصحية ـ بعد توقف المدمن خلال مرحلة تخلص الجسم من السموم ـ هى معاناة المدمن من التوتر والقلق والاضطراب الشديد والآلام الجسمية المبرحة، وخاصة بالعظام والعضلات، مع الرشح وزيادة إفراز الدموع والعرق، كما يعاني المدمن من الأرق والتثاؤب معا ومن اتساع حدقتي العينين، مع بثور واحمرار الوجه فضلاً عن إسهال وقيئ وارتفاع فى درجة الحرارة وتقلصات للبطن وجفاف بالحلق وفقدان الشهية وانخفاض الوزن واضطراب ضغط الدم.

قال آخر: أما العقاقير النفسية (المهدئات- والمنومات) فإن المدمن يعاني خلال مرحلة الانسحاب من قلق شديد، وعدم القدرة على الاستقرار فى موضع واحد، واضطراب الإدراك الحسي للزمان والمكان، كما يعاني من الأرق المستمر والهذيان والرعشة والدوار وقد تحدث له هلاوس بصرية فى بعض الأحيان.

لاحظت على المرضى في هذه القاعة ما لاحظت على القاعات السابقة، إلا أن الشيء الجديد الذي استرعى انتباهي هو لافتة معلقة تجعل من المتاجرة بالمخدرات جريمة من الجرائم الكبرى التي يعاقب عليها بالإعدام.

قلت للمعلم: ما هذا القانون الخطير؟

قال: لقد أفتى فقهاء هذه القاعة بهذا، فقد رأوا أن السبب الأكبر في انتشار المخدرات هو  المتاجرون بها.. ورأوا أنهم لن يردعوا إلا بمثل هذا القانون، فآثروا التضحية بالبعض من أجل حماية الكل.

قلت: ولكنه قانون خطير.

قال: وجريمتهم أخطر.. ما تقول فيمن قتل نفسا متعمدا؟

قلت: وهل أقول شيئا مع قول الله تعالى، فقد قال:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}(البقرة:178)

قال: فهل في قتل القاتل مضرة؟

قلت: هي مضرة بسيطة، ولكن غايتها أعظم، فغايتها حفظ حياة الجميع ابتداء من حياة القاتل الذي يرتدع بالخوف من القتل عن جريمته، وقد جمع ذلك كله قوله تعالى:{ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:179)

قال: فالمتاجر في المخدرات لا يقتل شخصا واحدا، بل يقتل أمة من الناس، فإنه ـ من أجل مال زهيد ـ يقضي عليهم نفسا نفسا.. فلذلك كان الأحزم هو قانون شديد يحفظ البلاد والعباد.

قلت: فكيف وافق السلاطين على هذا؟.. أو كيف وافقت المجالس التشريعية على هذا، وهي مجالس تحوي أجناسا مختلفة قد يكون لبعضها علاقة بهؤلاء المتاجرين؟

قال: وما علاقة السلاطين، أو هذه المجالس بهذا؟

قلت: فمن يسن القوانين إذن؟

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أنزلوا الناس منازلهم)([35]

قلت: بلى.. فما علاقته بهذا؟

قال: في مدائن السلام ليس الحكم للحاكم، ولا لمن ينتخبهم العامة والغوغاء.

قلت: فلمن إذن؟

قال: هناك حاكم، وهناك مجالس استشارة.. ولكن المصالح المختلفة للرعية ترتبط بالخبراء.. فإذا أجمع الأطباء على مضرة غذاء معين لم يحتاجوا لرفع الأمر للسلطة، بل اكتفوا بإرسال التحذر من ذلك الغذاء لوزارة الحزم لتقوم بالإجراءت المناسبة.

قلت: وزارة الحزم.. لم أسمع بهذه الوزارة.

قال: هذه وزارة لا يمكن لأي حاكم أن يحلها.. دورها الحفاظ على المصالح العامة عن طريق الحزم والشدة، فهي تقوم بدورها بعجلة منقطعة النظير.. فما إن يأتيها مثل ذلك الطلب حتى تقوم جميع أجهزتها بتنفيذه، فتصادر تلك الأغذية من الأسواق.. وتمنع دخولها.. وترسل إلى كل المؤسسات بذلك التحذير.. فلا يمر يوم وليلة حتى تخلو مدائن السلام من ذلك الغذاء الضار.

قلت: لا شك أن هؤلاء الحرس الواقفين في مداخل هذا المستشفى يتبعون هذه الوزارة..

قال: أجل.. وهم أرحم مما تتصور.

الانحراف الجنسي:

دخلنا القاعة الرابعة، وهي القاعة المكلفة بعلاج الانحراف الجنسي، فلم نر فيها أي مرضى، بل رأينا الأطباء والفقهاء والصالحين فقط.

سألت المعلم عن سر ذلك، فقال: هناك مرضى، ولكن إدارة هذه الحصون رأت في ظهورهم أضرارا كبيرة على نفوسهم وعلى المجتمع، بل رأت في ذلك نوعا من إشاعة الفاحشة، فكلفت المهندسين، فوضعوا لها تصميمات تحفظ سرية الداخل، بحيث لا يراه أحد حتى الأطباء والإدارة نفسها.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أنا معلم السلام ولست معلم هندسة.

سمعت أحدهم يتحدث، وأظنه فقيههم، قال: الانحراف الجنسي([36])من أخطر المحرمات([37])، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يزني الزاني حين يزني وهومؤمن)([38])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا تحل له)([39]

ولذلك علق الشارع عليه أشد العقوبات التشريعية، ورتب عليه كذلك أشد العقوبات القدرية.

قال آخر: ولم يكتف الشرع بتحريمه، بل حرم كل السبل المؤدية إليه، والتي يشير إليها قوله تعالى:{ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} (الاسراء:32)، فلم تقل الاية الكريمة:لا تزنوا، بل قالت: لا تقربوا، ليحرم كل المقدمات المؤدية إليه.

قال آخر: وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه العقوبات القدرية، فقال:(لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا)

وهذه العقوبة جزاء موافق تماما لنوع المعصية، فالمعصية التي تطلب اللذة المحرمة، تجازى بالألم.

وقد عبر صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الألم المرتبط بفشو المعصية بالطاعون، وهويطلق في اللغة العربية وغيرها من اللغات على كل وباء.

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن أن هذه الأوبئة المنتشرة بسبب الفواحش (لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا)، وذلك جزاء موافق للتفنن في الفواحش الذي يختلف باختلاف البيئات والعصور.

قال آخر: وبما أن هذا العصر هو  عصر فشو الفواحش والتفنن فيها، فقد ظهرت الأوبئة الكثيرة التي لم تكن معهودة من قبل، وكانت الفاحشة هي السبب الأول لظهورها وانتشارها.

فأول ظهور لمرض الزهري (السفليس) الخطير كان في عام 1494 م أثناء الحرب الإيطالية الفرنسية عندما انتشر في الجنود خاصة الزنا، وسماه الإيطاليون (الداء الفرنسي)، وكذلك فعل الإنجليز والألمان والنمساويون لأنه انتشر بينهم بواسطة الجنود الفرنسيين، أما الفرنسيون فقد أسموه الداء الإيطالي.

ولما وصل الاستعمار الغربي إلا البلاد العربية ظهر ذلك الداء معهم فسماه العرب الداء الفرنجي، ولا يزال هذا الاسم مستعملا حتى اليوم.

وفي العصور الحديثة ظهر مرض الهربس كوباء وهو مرض جنسي واسع الانتشار، ويبلغ معدل الإصابة به السنوية في الولايات المتحدة نصف مليون حالة.

وفي عام 1979 م ولأول مرة ظهر داء خطير جديد هو مرض فقدان المناعة المكتسب في الولايات المتحدة والمعروف باسم الإيدز، وانتشر بسرعة رهيبة في الشاذين جنسيا.

قال آخر: تتحدث المراجع الطبية عن الأمراض الجنسية باعتبارها أكثر الأمراض المعدية انتشارا في العالم.. ولقد تم التغلب على كثير من الأمراض المعدية، ورغم ذلك ظهرت الأمراض الجنسية بصورة وبائية مفزعة وخطيرة.

يقول مرجع مرك الطبي:(إن الأمراض الجنسية هي أكثر الأمراض المعدية انتشارا في العالم، ويزداد في كل عام عدد المصابين بها، وذلك منذ عقدين من الزمن تقريبا، وتقدر منظمة الصحة العالمية عدد الذين يصابون بالسيلان بأكثر من 250 مليون شخص سنويا.. كما تقدر عدد المصابين بالزهري بـ 50 مليون شخص سنويا.. ويقدر مركز أتلانتا لمكافحة الأمراض المعدية في ولاية جورجيا بالولايات المتحدة عدد المصابين بالسيلان في الولايات المتحدة بـ 3 ملايين شخص سنويا وعدد المصابين بالزهر بـ 400 ألف شخص سنويا)

وقد انتشرت أمراض مختلفة ومتنوعة بسبب انتشار الفاحشة وشيوعها وانتشار الشذوذ الجنسي وخاصة في الغرب.

قال آخر: وتنقل مجلة Medicine Digest تقريرا من فلوريدا بالولايات المتحدة قام به فريق من أخصائي أمراض النساء والولادة جاء فيه:(أن هناك زيادة بنسبة 800 بالمائة في الحالات المشتبهة لسرطان عنق الرحم للفتيات البالغ أعمارهن من 15 سنة إلى 22 سنة وذلك في خلال أربع سنوات، ويرجع الباحثون هذه الزيادة الرهيبة إلى الزيادة المضطرة في الممارسات الجنسية دون تمييز)

قلت للمعلم: فكيف يعالج هؤلاء المرضى، وأطباؤهم لا يعرفونهم؟

قال: يعالجون بالتعليم والتربية والإقناع.. وهم يتخذون لذلك كل الأساليب.. ألم تسمع بالكيفية التي عالج بها صلى الله عليه وآله وسلم من استأذنه في الزنا؟

قلت: بلى، فعندما جاءه ذلك الشاب يستأذنه في الزنا بكل جرأة وصراحة، حتى همَّ الصحابة أن يوقعوا به؛ فنهاهم وأدناه وقال له:(أترضاه لأمك؟!)، قال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( فإن الناس لا يرضونه لأمهاتهم)، قال:(أترضاه لأختك؟!)، قال: لا، قال:(فإن الناس لا يرضونه لأخواتهم)([40])، وهكذا صار الزنى أبغض شيء إلى ذلك الشاب فيما بعد، بسبب هذا الإقناع العقلي.

قال: فهذا هو  أسلوب السلام.

قلت: ولكن من الناس من لا ينفع معه هذا الأسلوب؟

قال: إن لم تنفعه وزارة العقل أرسل إلى وزارة الحزم.

قلت: أهناك وزارة للعقل؟

قال: إن لم تكن للعقل وزارة.. فلمن تكون الوزارة؟

قلت: للنفط والمال..

قال: أنتم عظمتم الأشياء فخصصتموها بالوزارات.. واحتقرتم الإنسان، فلذلك لم تروه أهلا لوزارة واحدة.

اجتناب العدوان

اقتربنا من الباب الثاني، فرأينا لافتة كتب عليها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من ضار أضر الله به)([41])، ورأيت على المدخل جهازا مثل الجهاز السابق، لا يسمح للدخول إلى القسم إلا بعد المرور عليه.

مررت على الجهاز، وأخذت النتيجة الدقيقة التي قام بها، وكانت مملوءة بالتفاصيل والإرشادات التي تعينني على ما في نفسي من آثار العدوان.

قلت للمعلم: عرفت سر كون الإثم من أبواب العلل التي ينبغي سدها، فما سر كون العدوان من هذه الأبواب؟

قال: العدوان هو الذنوب المؤثرة على سلامة الفرد والأسرة والمجتمع والكون، فهذه الذنوب لها آثارها الخطيرة في إحلال البلاء، ورفع العافية.

ولهذا لعن صلى الله عليه وآله وسلم من ضار مؤمنا أو مكر به، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ملعون من ضار مؤمناً  أو مكر به)([42]).. بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن من عامل غيره بالضرر عامله الله بجنس معاملته لغيره، فقال:(من ضار أضر الله به)([43]

قلت: فما هذه الذنوب.. وكيف تعالج؟

قال: حصرت إدارة هذه الحصون هذه الذنوب في أربعة أصناف خصت كل صنف منها بقاعة خاصة، وسنحاول زيارتها للتعرف على بعض ما فيها من أنواع الأمراض والعلاج.

العدوان على النفس:

دخلنا القاعة الأولى، وقد كتب على بابها قوله تعالى:{ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} (النساء:29)

قال لي المعلم: أول عدوان على النفس هو  قتلها، وهو من كبائر المحرمات.

قلت: لا أظن أن هناك حاجة لوضع قاعة تختص بهذا الجانب، فالانتحار ظاهرة مرضية محدودة..

فجأة ظهر لي مجموعة خبراء([44]) يناقشون هذه الظاهرة بشدة، قال أحدهم، وكأنه يعلق على قولي:.. هذا غير صحيح، ظاهرة الانتحار ظاهرة متفشية، وهذا ما تدل عليه أكثر الدراسات المرتبطة بهذه الظاهرة في العصر الحديث، فقد أظهر أول استطلاع عن الانتحار في الصين أن معدل ‏حالات الانتحار يصل إلى 287 ألفاً كل عام.‏

فقد ذكرت وكالة الأنباء الصينية، أن حالات الانتحار تشكل 6ر3 في المائة ‏من مجموع الوفيات في الصين سنوياً، وهوما يشكل خامس أكبر مسبب للموت بعد أمراض الأوعية القلبية والقصبة الهوائية وسرطان الكبد والتهاب الرئة.

قال آخر: وفقاً للاستطلاع، فإن الانتحار هو العامل القاتل لمن أعمارهم بين 15 و34 سنة وأن معدل انتحار الإناث يزيد 25 في المائة عن معدل الذكور، ‏والمعدل للريفيات أعلى بكثير، وأشارت إلى أن الاستطلاع يوضح أن هذا المعدل دليل على تباين كبير عما هو موجود ‏ ‏في معظم الدول المتقدمة حيث يصل معدل انتحار الذكور غالبا إلى ما يزيد ثلاثة ‏ أضعاف معدل الإناث.

قال آخر: ليست الصين وحدها من تعاني من ارتفاع نسبة حالات الانتحار حيث تسعى الحكومة البريطانية إلى تنفيذ خطة للحد من ظاهرة عمليات الانتحار المنتشرة بكثرة بين الشباب البريطاني أيضاً.

فقد أشار تقرير للجنة الوطنية للحد من عمليات الانتحار بأن الحكومة تهدف إلى خفض نسبة عمليات الانتحار إلى 20 بالمائة في حلول عام 2010.

ويؤكد التقرير إن الحكومة تخطط للوصول إلى50 بالمائة من الأشخاص الذين يفكرون في الانتحار ولا يراجعون أطباء نفسيين، مشيراً إلى أن نسبة الانتحار تنتشر بكثرة بين الأوساط تقل أعمارهم عن 35 عاماً.

قال لي المعلم: أتدري ما سر هذا الارتفاع في نسبة الانتحار؟

قلت: لعله اليأس..

قاطعني أحد الحاضرين، وقال: إن القاسم المشترك لمعظم حالات الانتحار هو الشعور باليأس وفقدان الأمل بالتقدم في الحياة وليس بالضرورة بسبب أمراض عقلية، لذلك فإن الباحثين يقولون بأن هناك حاجة لتقييم أوضاع الأشخاص الذين يمكن أن يقدموا على الانتحار.

قلت: ألهذا ختمت الآية التي تنهى عن قتل النفس بذكر رحمة الله، وكأنها تشير بذلك إلى أن أعظم أسباب الانتحار هو  اليأس من رحمة الله.

قال: أجل، وهي تشير بذلك إلى العلاج الذي ينبغي إعطاؤه لمن وقع في هذا اليأس.. وهوالعلاج الذي يعتمدونه هنا.. فإنهم يرسلون كل من يرون فيه أمارات اليأس إلى قسم الأمل.

قلت: الحمد لله.. فشعوبنا المحافظة تخلومن هذا النوع من العدوان.

قال: لا.. أنتم تتقنون فنا آخر من فنون الانتحار.

قلت: أللاتنحار فنون؟

قال: أجل.. أبشعها ما تقعون فيه.

قلت: كيف؟

قال: المنتحر ينتحر بإرادته، وفي الوقت الذي يريد.. أما أنتم فتنتحرون رغم إرادتكم.. وفي الوقت الذي لا ترغبون فيه.

قلت: ما هذا ـ يا معلم ـ.. إن هذه دعوى خطيرة لن يقبلها قومي إلا ببينة.

قال: أخطر الانتحار وأعظمها انتشار تعريض النفس لأخطار الأمراض دون الاهتمام بصحتها.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه)  قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: (يتعرض من البلاء لما لا يطيقه)([45]

قلت: بلى..

قال: فهذا أعظم أنواع الانتحار.

قلت: فكيف يعالج هذا؟

قال: سنعرف الوقاية منه في محلها من هذا القسم.

العدوان على الأسرة:

دخلنا القاعة الثانية، وقد كتب على بابها قوله تعالى:{ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أولادِكُمْ } (النساء:11)

قلت: هذه قاعة علاج العدوان على الأسرة.. لا شك في ذلك.

قال: أجل.. فهي المحيط الصغير الذي يعيش فيه الإنسان، ولهذا تشدد الشرع في بيان حرمة هذا الوسط، واعتبار الاعتداء عليه أخطر من أي اعتداء.

قلت: لا شك في هذا، فقد وصى الله تعالى بالوالدين، قال تعالى: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } (النساء:36)

ووصى الأمهات بإرضاع الأولاد حفاظا على صحتهم، فقال تعالى:{ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أو لادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}(البقرة:233)

ووصى الآباء بأولادهم، فقال تعالى:{ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أو لادِكُمْ } (النساء:11)

وأوصى كلاً من الزوجين بالآخر وعلى الأخص الزوج بزوجته، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (استوصوا بالنساء خيراً)([46])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة)([47]

واعتبر كلا الزوجين مسؤولا عن البيت، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( والرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم)([48]

قال: ولهذا، فإن أي تقصير فيها يعتبر من العدوان المحرم، فأعظم العدوان التقصير في الواجبات.

قلت: ولهذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن من أعظم الذنوب التقصير في هذه المسؤولية، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(كفى بالمرء إثماً أن يضيع من بقوت)([49]

قال: ولهذا شرعت الشريعة الكثير من الأحكام التي تحفظ للأسرة مالها سواء في حال حياة المسؤول عنها أو بعد وفاته.

قلت: يا معلم إن الكثير من العلل التي سبق ذكرها في الآثام لها علاقة بهذا الجانب.

قال: كيف ذلك؟

قلت: الخمر مثلا، فهي ـ وإن سميت إثما ـ إلا أن لها من الآثار المتعدية ما يحولها عدوانا، فمن مضار الخمر على الأسرة مثلا..

قاطعني بعض الخبراء([50])، وقال: إن زواج الغوليين قضية خطيرة لأن الزوج المولع بالشرب زوج غير صالح، ويرث نسله منه بنية مرضية خاصة تعرف بالتراث الغولي، ويقصد به ما يحمله نسل المخمورين من ضعف جسدي ونفساني، وقد ثبت أن الأم الحامل تنقل الغول عبر مشيمتها إلى الجنين فتبليه وأنه ينساب بالرضاعة إلى الوليد.

قال آخر: وقد اتضح أن أو لاد مدمن الخمر يكونون في الغالب مدمنين وتكثر فيهم نزعة الإجرام كما يكثر فيهم الخلل العقلي والعتة والجنون.

قال آخر: ومن مضار التدخين مثلا تسببه في زيادة خطر حوادث الإجهاض أو موت الجنين، وقد لوحظ أن السيدات اللاتي يدخِّن يضعن عادة مواليد أوزانها أقل من المعتاد؛ مما يعرِّض صحة المولود للخطر، بالإضافة إلي أن نسبة المواليد المُشوهين من السيدات المدخنات تكون كبيرة بالمقارنة بغيرهم.

قال آخر: ومن مضار الإدمان أداؤه إلي عيوب وراثية في الجنين، ينشأ عنها طفل يعاني من خلل في جزء أو أكثر من أجزاء جسمه، وقد يؤدي إلي الإعاقة العقلية والبدنية.

التفت للمعلم ليجيبني، فقال: لقد أجابوك.

قلت: فلماذا اعتبر ذلك إثما.. ولم يعتبر عدوانا؟

قال: كل إثم عدوان.. وكل عدوان إثم.. فلا حدود لما تنتجه المعاصي من مضار.

قلت: فكيف يعالج المرضى بهذه العلل؟

قال: يرسل كل مريض إلى المحل المناسب له..

قلت: فإن لم ينفع ذلك في ردعه عن العدوان؟

قال: يرسل إلى وزارة الحزم.. وهي وزارة يخافها الجميع ويحترمها الجميع.

 قلت: نعم يخافونها.. ولكن كيف يحترمونها؟

قال: لسعيها في مصالحهم، ولعدلها بين الناس.

العدوان على المجتمع:

دخلنا القاعة الثالثة، وقد كتب على بابها قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} (الأحزاب:58)

قلت: هذه قاعة علاج العدوان على المجتمع.. لا شك في ذلك.

قال: أجل.. فهي المحيط الكبير الذي يعيش فيه الإنسان، ولهذا تشدد الشرع في بيان حرمة هذا الوسط، وكون الاعتداء عليه أخطر من أي اعتداء.

قلت: ولكني أرى أن محل علاج الاعتداء على المجتمع هو  المحاكم والسجون.. لا هذه المحال؟

قال: هذا صحيح.. فوزارة الحزم متشددة في هذا الباب.

قلت: ولكنها ليست متشددة كتشددنا.. فالقضاة عندنا أقسى من الحجارة.

قال: لا.. أنتم متساهلون جدا.. الأرواح عندكم لا تساوي شيئا.

قلت: بل تساوي.

الحوادث:

قال: أخبرني عن المجرمين المتسببين في قتلى الحوادث.. كيف تعاملونهم؟

قلت: لا نعتبرهم مجرمين.. فهذا من القتل الخطأ.. بل إنهم معفون حتى من الدية، فالتأمين حماهم منها.

قال: ولذلك تمتلئ طرقكم بالقتلى..

قلت: فما تفعل وزارة الحزم غير هذا؟

قال: تعتبرهم مجرمين.. ولا تعفيهم من الدية.. وتنزل بهم أقسى العقوبات.. ليس هذا فقط.. بل تتشدد مع كل حادث مهما كان بسيطا.

قلت: فطرق مدائن السلام خالية إذن من السيارات.

قال: لا.. هي تعج بالضروري منها.. ولكنها تختلف عن سياراتكم كثيرا.. لأن مصمميها نظروا إلى الإنسان قبل أن ينظروا إلى ما في جيب الإنسان.

قلت: ولكن الزمن المتسارع..

قال: تسارعكم بسبب صراعكم.. أنتم لم تكتفوا بصراع الله وأكوان الله، بل رحتم تصارعون أزمان الله.

قلت: هذا صحيح، فالسيارات عندنا تسير بسرعة جنونية..

قال: ثم إذا ما حصل شيء اعتبرتموه قتلا خطأ.. ثم سعيتم إلى الأئمة المساكين ليقموا الصلح بين المجرمين وبين أهل القتلى.

قلت: لكن { الصُّلْحُ خَيْرٌ }(النساء:128)

قال: هو  خير إذا جلب الخير.. أما إذا جلب الشر، فلا خير فيه.

قلت: لا أعلم أن الصلح يجلب شرا.

قال: رأيت مجالس صلحكم التي تقيمونها في المساجد.. وهي شر محض.

قلت: كيف هذا؟

قال: رأيت الإمام يجلس مستغلا الحرمة التي أعطاه إياها المجتمع.. ويجلس على يمينه بعض الأعيان ممن كسبوا احترام المجتمع بطرق شرعية وغير شرعية.. وهناك في الساقة يجلس اليتيم الذي فقد والده.. وبجانبه المجرم.

قلت: هذا شيء جميل، فقد سعى كل هؤلاء لتطهير القلوب.

قال: القلوب تطهر بالشرع لا بالدجل.

قلت: وما في هذا من الدجل.. وما في هذا من مخالفة الشرع؟

قال: ذلك اليتيم المسكين الذي أعطاه الشرع دية تغنيه مدى الحياة تكتفون بإعطائه بعض الدراهم التي يجهز بها والده للقبر.. وتستخدمون لذلك تلك الوجاهة التي كسبها الإمام، وكسبها بجنبه الأعيان.

قلت: نحن نرحم السائق المسكين.

قال: أنتم ترحمون المجرم.. وتقتلون البريء.

قلت: فما ينبغي أن يفعل الإمام؟

قال: يحكم بالحق.. فيطالب المجرم بحق اليتيم كاملا غير منقوص.

قلت: فإن لم يستطع؟

قال: يعطيه كل شهر ما يكفيه من رزق مدى الحياة.. إلى أن يكمل ما وجب عليه من دية.

قلت: ولكن هذا صعب..

قال: ولكن هذا هو  الحل الوحيد للتكفير عن جنايته، ولردع المجرمين عن هذا.. أتعلم أن هذا الذي جلس هذا المجلس اليوم، سيجلس مثله غدا وبعد غد؟

قلت: يمكن هذا.

قال: أتدري من يقتسم معه جريمته؟

قلت:{ لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}(الأنعام:164)

قال: بل يتحمل الإمام والأعيان وكل من سكت وزره.. إنهم كانوا أعوانه في جريمته.

قلت: فما ترى ـ يا معلم ـ في هذا الواقع الذي نعيشه.

قال: أنصحكم بأن تعودوا للحمير والأحصنة.. فلستم أهلا بعد لامتطاء السيارات.

العدوى:

بينما كنت مع المعلم في تلك القاعة إذ سمعت صائحا يصيح: (لا يورد ممرض على مصح)([51])

قلت للمعلم: ما هذا؟

قال: هذا من العدوان العظيم.. فقد لا يقتل شخص الناس بسيارته.. ولكنه يقتلهم بمرضه.

قلت: هو  مريض لا يملك من أمره شيئا.

قال: فليمنع إذيته عن الناس.. فلا يجوز للمسلم أن يعدي أخاه، أو يتهاون في ذلك، أو يجلب أسباب العدوى إلى المجتمع.

قلت: الحمد لله.. نحن في عصر قد قلت فيه الأوبئة.

قال: لا.. لم يقصد صلى الله عليه وآله وسلم الأوبئة فقط.. بل كل الأدواء التي يحتمل حصول العدوى بسببها.

قلت: الزكام يسبب العدوى.

قال: فهو يدخل في هذا.

قلت: أنلزم المزكوم أن يلزم بيته.. إن المصالح تتعطل بذلك.

قال: لا.. نلزمه بأن يتخذ من الأسباب ما يمنع من انتقال عدوى مرضه إلى غيره.

سمعنا رجلا يرتقي منصة، وقد التف حوله الناس، وهويقول: لقد أمر الشرع بمكافحة الأوبئة، فلذلك نهى صلى الله عليه وآله وسلم المريض أن يرد الأماكن العامة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا عدوى ولا هامة ولا صفر ولا يحل الممرض على المصح، وليحل المصح حيث شاء قيل: ولم ذاك؟ قال: لأنه أذى)([52])

وفي مقابل ذلك أمر الصحيح أن يفر من كل أسباب العدوى، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(فر من المجذوم فرارك من الأسد)([53])

وفوق ذلك وضع ما يسمى بالحجر الصحي، وهو من أهم وسائل مقاومة انتشار الأمراض الوبائية، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(الطاعون بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها)([54])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم مرغبا في عدم الفرار بهذا الجزاء العظيم:(الطاعون كان عذابا يبعثه الله على من يشاء، وإن الله جعله رحمة للمؤمنين، فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد)([55])

فهذه النصوص وغيرها تمنع من الدخول إلى البلد المصاب بالطاعون، كما تمنع أهل تلك البلدة من الخروج منها.

صاح صائح من الناس: إن منع السليم من الدخول إلى أرض الوباء مفهوم وواضح، ولكن منع سكان البلدة المصابة بالوباء من الخروج، وخاصة منع الأصحاء منهم يبدوا عسيراً على الفهم، فما سر ذلك؟

قال: لقد بين الطب الحديث بعض النواحي الصحية في هذا([56])، والتي لم يتعرف عليها إلا بالوسائل الحديثة، فالمنطق والعقل يفرض على السليم الذي يعيش في بلدة الوباء أن يفر منها إلى بلدة سليمة حتى لا يصاب هو  بالوباء !!

ولكن الطب الحديث يقول: إن الشخص السليم في منطقة الوباء قد يكون حاملاً للميكروب، وكثير من الأوبئة تصيب العديد من الناس، ولكن ليس كل من دخل جسمه الميكروب يصبح مريضاً.. فكم من شخص يحمل جراثيم المرض دون أن يبدو عليه أثر من آثار المرض.

وهناك أيضاً فترة حضانة، وهي الفترة الزمنية التي تسبق ظهور الأمراض منذ دخول الميكروب إلى الجسم، وفي هذه الفترة يكون انقسام الميكروب وتكاثره على أشده ومع ذلك فلا يبدوعلى الشخص في فترة الحضانة هذه أنه يعاني من أي مرض.. ولكنه بعد فترة قد تطول أو قد تقصر على حسب نوع المرض والمكروب الذي يحمله تظهر عليه أعراض المرض الكامنة في جسمه.

ومن المعلوم أن فترة حضانة التهاب الكبد الوبائي الفيروسي قد تطول لمدة ستة أشهر.. كما أن السل قد يبقى كامناً في الجسم لعدة سنوات.

والشخص السليم الحامل للميكروب أو الشخص المريض الذي لا يزال في فترة الحضانة يعرض الآخرين للخطر دون أن يشعر هو  أويشعر الآخرين..  لذا جاء المنع الشديد.. بل اعتبر الفار كالهارب من الزحف.

الطرق:

صاح آخر:(من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم)([57])

قلت: هذا يذكر حديثا في النهي عن إذية المسلمين في طرقهم.

قال: أجل، فالطرق محال عامة ينبغي التأدب معها نظافة واحتراما.

قلت: أهي كذلك مصدر للأمراض؟

قال: أجل.. للأمراض والحوادث.. لقد رأيت بعضكم يضعون سلعهم في الطرقات يضيقون بها على الناس.

قلت: أجل.. هذا كثير.. حتى أن الناس في بعض الطرق يضطرون للسير في طرق السيارات.

قال: ألم يسمعوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه سبع أرضين)([58]

صاح آخر:(من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل، فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء)([59]

قلت: هذا لحديث ينهى عن التسبب في تعريض أي فرد لأي أذى.

قال: أجل.. ويدخل في هذا الباب الآثار الخطيرة التي تحدثها حوادث السيارات.. والتدخين في المواضع العامة.. وكل ما يسبب الأذى للناس.

قلت: لقد حصل خلاف في مجتمعاتنا في اعتبار حمل السلاح حقا من الحقوق لا يختلف عن رخصة السيارة.. فماذا يرى المسؤولون في مدائن السلام؟

قال: مدائن السلام لا تعرف السلاح.. ولم يقم فيها السلام إلا بعد أن شنقت آخر رصاصة بأمعاء آخر بندقية.

قلت: فكيف سمح تجار الأسلحة بهذا؟

قال: وزارة الحزم قامت بالإجراءات التي فرضت هذا النظام.

العدوان على البيئة:

دخلنا القاعة الثالثة، وقد كتب على بابها قوله تعالى:{ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (البقرة:60)

قلت: هذه قاعة علاج العدوان على البيئة.. لا شك في ذلك.. فقد ورد في النصوص النهي عن الإفساد في الأرض، واعتبار الفساد في الأرض ناتجا عن سلوك منحرف، قال تعالى:{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم:41)

قال: ولهذا نهى جميع الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ أقوامهم عن الإفساد في الأرض بمعناه الشامل، فقال تعالى في قصة موسى u:{ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (البقرة:60)

وقال على لسان صالح u:{ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (الأعراف:74)

وقال على لسان شعيب u:{ وَيَا قَوْمِ أو فُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (هود:85):{ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (الشعراء:183)

بل إن من المخاوف التي جعلت الملائكة تبدي عجبها من خلق خليفة في الأرض هو  خشيتها من الفساد في الأرض، قال تعالى مخبرا عن مخاوفهم:{  أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} (البقرة:30)

قلت: ظاهر هذه النصوص يدل على الفساد السلوكي..

قال: لا.. بل يشمل كل فساد بما فيها إفساد البيئة التي هي الوسط الصحي للإنسان،  ولهذا ورد في النصوص النهي عن قطع الأشجار من دون سبب معقول، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار)([60])

قلت: أتعلم يا معلم أن الغابات التي هي رئة الأرض التي تتنفس بها تعرضت في عصرنا لمجازر دونها كل المجازر.

قال: أولئك المجرمون الذين نزع الله من قلوبهم الرحمة لم يلتفتوا إلى أناتها فراحوا يسيمونها كل أنواع البلاء.

قلت: بل يسيمون أنفسهم، فإن الأرض بذلك ستصبح كوكبا غير ملائم لهم.

بينما نحن كذلك صاح صائح من من الممرضين أو من الأطباء:(احذروا التلويث.. احذروا التلويث)

قلت: ما يقصد هذا؟

قال: يقصد كل ما يلوث البيئة.. ألم تسمع إلى نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تلويث الغذاء والماء بمفرغات البدن التي تحمل الجراثيم وتنقل العدوى.

قلت: بلى، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يبولن أحدكم في الماء الراكد)([61])، وفي الحديث:(نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  أن يبول الرجل في مستحمه)([62]

واعتبر صلى الله عليه وآله وسلم كل ما يسبب تلويث البيئة من الأمور التي تجلب اللعنة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(اتقوا اللاعنين)، قالوا: وما اللاعنان؟ قال:(الذي بتخلي في طريق الناس وفي ظلهم)([63]

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:(اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل)([64]

قاطعني أحد المتواجدين بتلك القاعة، فقال: أتدري ما سر الاهتمام بهذه الناحية؟

ودون أن أجيبه بادر يقول: إن تلويث موارد المياه بالفضلات، وما تشتمل عليه من جراثيم، عامل أساسي في نقل الأمراض، بصورة مباشرة من خلال الماء الملوث، أو غير مباشرة من خلال تلوث الخضراوات والثمرات التي تسقى بهذا الماء.

قلت: فلم خصص صلى الله عليه وآله وسلم الظل بالذكر؟

قال: في ذلك فائدة جليلة.. فما في الظل لا تطهره الشمس، فيبقى مرتعاً خصباً للجراثيم، ويعمل على تكثيرها.

صاح صائح آخر:(أحيوا الأرض.. أحيوا الأرض)

قلت: أيقصد هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من أحيا أرضاً ميتة فهي له)([65])

قال: نعم.. فحياة الأرض بزراعتها.. وهي عبادة لا تختلف عن سائر العبادات.

قلت: أجل.. فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا يغرس المسلم غرساً ولا يزرع زرعاً، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة)([66])

قال: بل أقام صلى الله عليه وآله وسلم المحميات الطبيعية التي تحفظ للجو جماله وصحته، ففي الحديث:(حمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل ناحية من المدينة بريداً بريداً لا يخبط شجره، ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل)([67]

قلت: لقد أقام صلى الله عليه وآله وسلم المحميات النباتية بجانب إقامته المحميات الحيوانية، ولهذا نهي أن ينفر صيد الحرم، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك:(إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ولم تحل لي قط إلا ساعة من الدهر، لا ينفر صيدها ولا يعضد شوكها ولا يختلى خلاها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد)([68]

قال: وذلك ليرشد الأمة إلى وجوب حفظ الحياة في الأرض.. حياة النبات.. وحياة الحيوان.

قلت: وزارة الحزم هي التي تتولى ذلك في مدائن السلام؟

قال: كل الوزارات تتولى هذا.. وهي تقوم بهذا تحت إشراف وزارة الحياة.

ضحكت، وقلت: أللحياة وزراة.. ما دورها؟ أتقسم الحياة بين الناس بالعدل.

قال: ذلك جزء من وظيفتها.. أما وظيفتها الكبرى، فهي الحفاظ على الحياة وإمدادها بالحياة.

قلت: كيف تمد الحياة بالحياة؟

قال: كما تمدونها أنتم بالموت هناك من يمدها بالحياة.

قلت: كيف هذا؟

قال: أليس قلع الأشجار أو حرقها إمداد للأرض بالموت؟

قلت: بلى.

قال: فغرس الأشجار وتيسير الحياة على الأرض إمداد بالحياة.

صاح صائح آخر:(إماطة الأذى عن الطريق صدقة)([69])

قلت: ما هذا يا معلم.. وما علاقته بالبيئة؟

قال: لقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم تطهير الطريق وتنظيفها من أعمال الخير العظيمة، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(كانت شجرة في طريق الناس تؤذي الناس فأتاها رجل فعزلها عن طريق الناس، فلقد رأيته يتقلب في ظلها في الجنة)([70]

قلت: واعتبر صلى الله عليه وآله وسلم تنظيف الطريق من علامات الإيمان وشعبه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(الإيمان بضع وسبعون شعبه فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان)([71]).. فهمت هذا.. ولكن ما سره؟

قال: هذا من إمداد الطريق بالحياة.

قلت: الطريق جماد، فكيف نمدها بالحياة.

قال: عندما نملؤها بمظاهر الحياة وبطهارة الحياة نكون قد أمددناها بالحياة.


([1])   أحمد والترمذي.

([2])   البخاري.

([3])   البداية والنهاية: 12/85.

([4])   جامع العلوم والحكم: 466.

([5])     البخاري ومسلم.

([6])   ابن ماجه والحاكم.

([7])   يعتبر الدرن من الأمراض الشائعة في بعض الدول الإسلامية، وهو ينتقل عن طريق الهواء.

([8])   الإحياء: 1/39.

([9])   الترمذي.

([10])   ابن ماجه كتاب الزهد – باب الحسد رقم (4210).

([11])   هو أبو بكر الرازي في كتابة: الطب الروحاني.

([12])   هو د. حامد الغوابي، « الحسد بين الطب والإسلام » لواء الإسلام القاهرة، ع 6 المجلد 11 لعام 1957.

([13])   الإحياء: 3/199.

([14])   البخاري ومسلم.

([15])   رواه البزار.

([16])   البخاري.

([17])   الطبراني.

([18])   أحمد.

([19])   الطبراني في الكبير وابن عساكر.

([20])   د. محمود البرشة: الغضب وأثره السيء على البدن، صدى الإيمان، ع 2 م1، 1996.

([21])   د. محمود البرشة: الغضب وأثره السيء على البدن ، صدى الإيمان ع 2 م 1 1996.

([22])   د. إبراهيم الراوي: موقف الإسلام من الإصابة السرطانية، حضارة الإسلام م 1ع 8 ـ 1966.

([23])   د. إبراهيم الراوي: الإنفعالات النفسية حضارة الإسلام م 15 ـ ع 7 ـ 1974.

([24])   البخاري ومسلم.

([25])   أحمد.

([26])   د. إبراهيم الراوي: الإنفعالات النفسية حضارة الإسلام م 15 ـ ع 7 ـ 1974. بتصرف.

([27])   أحمد وأبو داود والبيهقي.

([28])   هو د. حسان شمسي باشا: قبسات من الطب النبوي ـ مكتبة السوداي1992. بتصرف.

([29])   هو د. حسان شمسي باشا.

([30])   الترمذي وقال حديث حسن.

([31])   أبو داود.

([32])   الدكتور محمد علي البار، « التدخين والصحة »،ص 36، 39، 43، 46، 48.

([33])   رئيس قسم الأمراض النفسية في جامعة لندن في أكبر وأشهر مرجع طبي بريطاني (مرجع برايس الطبي- الطبعة العاشرة.

([34])   انظر: روائع الطب الإسلامي د. محمد نزار الدقر، ونظرات في المسكرات د. أحمد شوكت شطي.

([35])   مسلم وأبو داود.

([36])   انظر: الأمراض الجنسية، الدكتور محمد علي البار، والأمراض المنتقلة بالجنس: د. عبد اللطيف ياسين  القاهرة، والأمراض الجلدية: د. مأمون جلاد، روائع الطب الاسلامي : د محمد نزار الدقر.

([37])   فقد قال a:« لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن » أخرجه الشيخان، وقال a:« ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا تحل له » أخرجه ابن أبي الدنيا.

([38])   البخاري ومسلم.

([39])   ابن أبي الدنيا.

(2)         أحمد.

([41])   ابن ماجة وأبو داود.

([42])   الترمذي.

([43])   ابن ماجة وأبو داود.

([44])   هذه الإحصائيات التي أخبرت بها وكالات الأنباء عن الأعداد الهائلة لضحايا الانتحار، وأسبابها، مقتبسة من بحث مهم في هذا الموضوع هو « ظاهرة الانتحار » أوزجان يشار، منشور في موقع عشتار / التاريخ: 1423هـ

([45])   ابن ماجة وأحمد والترمذي وقال: حديث حسن غريب.

([46])   البخاري ومسلم.

([47])   رواه النسائي.

([48])   البخاري ومسلم.

([49])   أبو داود.

([50])   د. أحمد شوكت الشطي.

([51])   البخاري ومسلم.

([52])   البخاري ومسلم.

([53])   ابن جرير.

([54])   البخاري ومسلم.

([55])   البخاري.

([56])   انظر: كتاب العدوى بين الطب وأحاديث المصطفى الدكتور محمد علي البار..

([57])   الطبراني في الكبير بإسناد حسن.

([58])   البخاري ومسلم.

([59])   البخاري ومسلم.

([60])   أبو داود.

([61])   ابن ماجة.

([62])   الترمذي.

([63])   مسلم.

([64])   أبو داود.

([65])   الترمذى.

([66])   مسلم.

([67])   أبو داود.

([68])   البخاري.

([69])   أبو داود.

([70])   أحمد والخرائطي في مكارم الأخلاق.

([71])   مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *