البداية

في تلك اللحظات المؤلمة التي لم يمر عليها مثلها في حياتي، سمعت بعض أهل البيت يردد بصوت مرتفع (الله!!)، يقولها متعجبا أو مستحسنا كما تعودنا أن نقولها، من غير أن نشعر بها أو نلتفت لها.

لكني في تلك اللحظة شعرت بها شعورا لم أشعر بمثله في حياتي..

لقد رحت أبحث عن تلك الكلمة، وعلى من تطلق.. فكدت أسقط..

إن (الله) هو اسم صاحب الوجود الحقيقي في هذا الكون جميعا.. أما ما عداه فليس إلا ظلال أو آثار أو مظاهر، ليس لها من هدف إلا الدلالة عليه والتعريف به.. 

و(الله) هو اسم أكبر غني في هذا الوجود.. فهو اسم الملك الذي يملك هذا الكون جميعا بأرضه وشمسه وأقماره ونجومه ومجراته وأفلاكه الواسعة ما نرى منها، وما لا نرى..

و(الله) هو اسم القادر على كل شيء.. والذي يستوي عنده كل شيء.. وليس عنده أي مستحيل.. فبإمكانه أن يحول من الأرض جنة ونعيما مقيما.. وبإمكانه أن يحول منها نارا تلظى..

وبإمكانه أن يشفي من عجز جميع الأطباء عن شفائه..

وبإمكانه أن يعلم من عجز جميع المعلمين عن تعليمه..

وبإمكانه أن يحول من الشقي الذي امتلأ كدورة وألما سعيدا يمتلئ فرحا وسرورا..

و(الله) هو اسم العليم بكل شيء.. والذي لا محل عنده للجهل.. فهو يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون لو كان كيف يكون.

و(الله) يعلم ـ لذلك ـ كل الأسرار التي حار فيها العلماء والمفكرون والفلاسفة وجميع العقول..

الله يعلم أسرار الحياة والموت.. وأسرار السعادة والشقاء.. وأسرار الصحة والمرض.. وأسرار الوجود والمصير.. وجميع الأسرار التي نقدم أرواحنا فداء لأجل كشف بعض حروفها.. ومع ذلك لا ننال منها إلا الهباء..

و(الله) هو اسم الحي السميع البصير المتكلم.. الذي له من القدرات الذاتية ما لا تطيق العقول والأوهام تخيله.

و(الله) هو اسم القدوس الذي لا يعرف الموت ولا المرض ولا المكان ولا الزمان.. فهو الغني بذاته عن كل شيء.. وكل شيء مفتقر إليه، متواضع بين يديه، لا يملك لنفسه من الضر والنفع إلا ما أعطاه الله.

و(الله) هو اسم القيوم الذي لا قيام لوجودنا ولا لحياتنا.. ولا لوجود كل شيء وحياته إلا به.. فكل شيء به يقوم.. وكل شيء إليه يفتقر.

و(الله) هو اسم الرحيم الرحمن الذي ملأ الكون بمظاهر رحمته..

و(الله) هو اسم الودود الذي تودد لكل شيء.. وتودد إليه كل شيء.

وهو اسم الحنان الذي حن على كل شيء..

وهو اسم البديع الجميل الذي ملأ الكون إبداعا وجمالا.

وهو اسم السلام الذي لا يعرف الصراع.. فليس له من يصارعه، وليس ما يصارع من أجله.. فهو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

***

بقيت لحظات طويلة وأنا واقف في مكاني أحاول أن أختصر في ذهني المعاني العظيمة الجليلة الكثيرة التي يحملها اسم (الله).. إلى أن كدت أغيب عن بيتي وعن نفسي وعن الكون جميعا..

في تلك اللحظات المقدسة قلت لنفسي، وأنا ممتلئ همة وعزيمة: أليس من الهمة الدنية يا نفس أن ترغبي عن صحبة هذا الملك الجليل.. لتبحثي في القمامات والمزابل عن الأصنام لتطأطئي رأسك لها خاضعة ذليلة.. وتأبى الأصنام إلا أن تذيقك من الهوان ما يذيقه كل مستبد بكل ضعيف؟

أليس من الهوان أن تصحبي العجزة وأنت قادرة على صحبة القادر الذي لا يعجزه شيء؟

أليس من الجهل أن تصحبي الجهلة الممتلئين خرافة وأوهاما وترغبي عن صحبة العليم الذي بيده خزائن علوم كل شيء؟

أليس من الضعة أن تصحبي الفقراء الذين لا يملكون شيئا.. حتى أنفسهم لا يملكونها.. وترغبي عن صحبة الغني المالك لكل شيء.. ابتداء منك وانتهاء بأصغر ذرة في هذا الوجود؟

لكن الكدورة التي تعودت أن تغير بجحافل جيوشها على مشاعر سعادتي، فتحولها إلى ألم وشقاء.. أبت إلا أن تزورني في تلك اللحظات الممتلئة بالسعادة:

لقد قالت لي نفسي، وكأنها تسخر مني: من أنت أيها القزم الحقير، وصحبة الملك الجليل الذي تنقطع العقول والقلوب دونه؟

من أنت ـ أيها الممتلئ بالحظوظ الدنية ـ حتى تتخطى رقاب الصديقين الذين سلكوا المفاوز والقفار وباعوا كل الحظوظ، ليشتروا بذلك نعمة المعرفة بالله، ونعمة المصاحبة له؟

من أنت أيها الملطخ بالأوزار، الممتلئ بالأقذار، المدنس بأرجاس الليل والنهار.. والتطلع لصحبة الملك الجليل الجبار؟

ألا تستحيي من نفسك؟

أنت لا تليق لصحبة ملك ولا وزير.. بل ولا شرطي ولا خفير.. فكيف تتطلع لصحبة من الأمر كله بيده، منه يبدأ، وإليه ينتهي..؟

من أنت أيها..

قاطعتها، وأنا ممتلئ بالألم، قائلا: كفي عني أيتها النفس.. فلطالما كدرت سعادتي.. أنا إن لم أصحبه، فمن أصحب.. وأنا إن لم أبحث عنه فعلى من أبحث.. أليس من الدناءة أن أتركه لغيره؟.. أليس من الغبن أن أربح كل شيء، ثم أخسره؟.. أليس من العجز أن أستعمل جميع قدراتي من أجل تحقيق أتفه الأشياء، ثم لا أستعملها من أجله وأجل البحث عنه؟.. أليس من..؟

قاطعتني نفسي.. نفسي الأمارة بالسوء.. وقالت: وأنا.. لمن تتركني.. إن انشغلت عني به.. فمن يشتغل بمطالبي.. من يشتغل بمصالحي.. من يشتغل بأهوائي..؟

رفعت يدي، وكأني أريد أن أبطش بشيء.. لكني لم أجد سواي.. فارتخت يدي.. وامتلأت بالعجز عند ارتخائها.. وخرجت من كل تلك العوالم الجميلة بعد أن ملأتني نفسي إحباطا وكآبة.

لم أجد بعدها إلا أن أسير إلى ذلك الضيف الغريب الممتلئ بأنوار القداسة، والذي لم أعرف إلى ذلك الحين من أين جاء، ولا أين يقصد..

عندما اقتربت من غرفته  سمعته يردد بصوت خاشع ما ورد في الآثار القدسية من حديث الله لعباده.. لقد سمعته يقول:

(عبدي.. متى جئتني قبلتك..

إن أتيتني ليلا قبلتك.. وإن أتيتني نهارا قبلتك.

إن تقربت مني شبرا تقربت منك ذراعا.. وإن تقربت مني ذراعا تقربت منك باعا.. وإن مشيت إلى هرولت إليك.

لا تحجبك الخطايا عني، فلو لقيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة..

ولو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك.

هل هناك من هو أعظم مني جودا وكرما..

عبادي يبارزونني بالعظائم، وأنا أكلؤهم على فرشهم.

إني والجن والإنس في نبإ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرهم إلى صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي.

من أقبل إلي تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن أراد رضاي أردت ما يريد، ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد.

أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب.

من آثرني على سواي آثرته على سواه، الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة عندي بواحدة، فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له.

أشكر اليسير من العمل وأغفر الكثير من الزلل.

رحمتي سبقت غضبي وحلمي سبق مؤاخذتي وعفوي سبق عقوبتي، أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها..)([1])

***

لست أدري كيف دخلت عليه، وأنا ممتلئ فرحا وسعادة بعد أن سمعت منه هذا الحديث الرباني الجميل.

لقد دخلت، وأنا أردد بصوت مرتفع ممتلئ فخرا وزهوا: لكأن الله يخاطبني بهذا.. أنا العبد الضعيف.. لقد كانت نفسي تثبطني عن السلوك إليه وطلبه.

التفت إلي الشيخ الصالح مبتسما، وقال: النفس هي الحجاب الأكبر الذي يحول بينك وبين ربك.. فمتى سمعتها لم تسمعه.. ومتى رأيتها لم تره.. ومتى صحبتها لم تصحبه.. ومتى عشت من أجلها لم تعش من أجله.

قلت: ولكني لست سوى نفسي.. فكيف أصفعها صفعة تعيد إليها وعيها؟.. إني أراها كالمخدر الذي يرتمي في المزابل، وهو يحسب نفسه في القصور..

قال: عندما تنشغل به عنها ستنشغل عنك بما كلفت به من خدمتك.

قلت: لكنها لا تحول بيني وبينه فقط.. بل إنها تسرب إلي من الأوهام ما تنهد الجبال دون سماعه.

قال: ذلك سلاح من أسلحتها.. فهي إن لم تطق أن تشغلك عنه.. شغلتك بالأوهام والشبهات التي تحول بينك وبينه.

قلت: فأين المصير؟

قال: إليه..

قلت: ولكني أخاف أن يكون مصيري إلى الآلهة التي تصنعها الأوهام.. ألا ترى أن كل ملة من الملل، وكل نحلة من النحل تحسب أنها على الحق.. وأن الحق لن يتجاوزها إلى غيرها.. فما أدراني لعلي مثلها.. وأني عندما أضحك عليها لا أضحك إلا على نفسي؟

قال: لقد جعل ربك للحقائق علامات وشروطا وقوانين يستحيل أن تتخلف..

قلت: أي قوانين؟

قال: لقد خلق الله لنا العقول.. وبرمجها بالبرامج المهيأة لإدراك الحقائق.. فمن سار على ضوئها يستحيل أن يصل إلا إلى الحقائق.

قلت: أليس للبشر جميعا عقول يفكرون بها؟

قال: بلى..

قلت: فلم يختلفون إذن؟

قال: لأن فيهم من يغلب عقله.. وفيهم من يغلب هواه.. وفيهم من يمزج عقله بهواه.. وفيهم من يسخر عقله لهواه.

قلت: فكيف نميز بين ما يقوله العقل، وما يقوله الهوى؟

قال: لقد جعل الله في قدرة العقول هذا التمييز.

قلت: لا يزال عقلي كليلا دون إدراك صدق ما تقول.

قال: أرأيت لو أن رجلا من الناس زعم لك استحالة تحول الماء إلى بخار.. كيف تخلصه من هذا الوهم؟

قلت: ما أسهل ذلك.. سأحضر نارا وماءا.. فما تلبث النار حتى تتغلب على الماء، وتحوله إلى بخار.. وحينها سيتبخر وهمه.

قال: فهكذا من سرب إليك وهمه.. أحضر له ما يتبخر به وهمه.

قلت: الأمر مختلف تماما.. ذلك ماء ونار.. وكلاهما تدركه حواسي.. ولكن الحقائق التي نتحدث عنها تختلف تماما.

قال: هي تختلف من حيث الصورة فقط.. لكنها في الحقيقة لا تختلف.. لقد جعل الله لكل حقيقة السلم الذي يصعد إليها به.. والباب الذي يدخل إليها منه.

قلت: ما دام الأمر بهذه البساطة.. فلم كانت أعقد قضية في هذا الوجود هي معرفة الله؟

قال: لقد عرفت أن النفس هي أكبر حجاب بين الإنسان وبين ربه.. ولذلك فإنها إن لم تطق أن تملأ القلوب والعقول غفلة أسرعت فملأتها أوهاما.

قلت: لم تسرع إلى الأوهام؟

قال: لتعبد من خلالها.. فالنفس في طغيانها لا تردد إلا ما ردده فرعون عندما قال:{ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } (النازعـات: من الآية24).. بل إنها لا ترضى بالشرك، ولذلك، فهي تردد مع فرعون قوله:{ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } (القصص: من الآية38).. ولذلك فهي تلبس من الألبسة المختلفة ما تعبد به من خلالها.

قلت: أكل أولئك الذين لم يعبدوا الله كانوا يعبدون أنفسهم؟

قال: أجل.. فكل من لم يعبد الله لابد أن يقع في عبادة هواه.. وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما تحت ظل سماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع)([2])

قلت: المسيحيون واليهود والبوذيون.. وكل أولئك الجموع..

قاطعني وقال: كل أولئك الجموع.. حتى الكثير من المسلمين ممن امتلأت عقولهم بالأهواء.. هم لا يعبدون إلا الأوهام.. ولا يركعون إلا للأوهام.. وإذا سجدوا لا يسجدون إلا للأوهام.

قلت: أراك تملؤني مخافة.

قال: من لم يخف في هذا الباب لن يصل إلى شيء.. ومن لم يحرص في هذا الباب فلن يطمع في شيء.

قلت: ما تعني؟

قال: ألا ترى الخلق كيف يحرصون من أجل مصالحهم المحدودة.. فيتحرون ويدققون في التحري حتى لا يقعوا في أحبولة أي محتال؟

قلت: أجل.. وقد اخترعوا لذلك القوانين الكثيرة التي تحميهم من دجل الدجالين واحتيال المحتالين وزيف المزيفين.

قال: ولكنهم في هذا الباب تجدهم.. أو تجد أكثرهم يصم أذنيه، ويغلق عينيه.. ولا يكاد يتساءل عن الحقيقة.

قلت: لم أفهم ما الذي ترمي إليه؟

قال: لو أن البشر.. جميع البشر.. تعاملوا مع الله كما تعاملوا مع الأطباء.. لصاروا كلهم مسلمين لله خاشعين لله ظافرين بالله.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألا تراهم لا يسلمون أجسادهم إلا لمن يثقون فيهم من الأطباء ممن تبين لهم أنهم قد حصلوا من العلوم ما يصلح لأن يسلموا أجسادهم لهم؟

قلت: أرى ذلك.. بل إنهم أحيانا يحتاطون لذلك أعظم الاحتياط، فيختارون أكثرهم خبرة وتجربة.

قال: فلو أن هؤلاء تعاملوا مع ربهم على هذا الأساس.. فراحوا يتحرون عن إلههم..

انتفضت غاضبا، وأنا أقول: التحري لا يكون إلا عن المجرمين.

رد علي بهدوء: صدقت.. ولذلك لابد من التحري.

قلت: كيف يتحرى عن الله.. التحري لا يكون إلا على المجرمين؟

قال: لأن هناك كثير من المجرمين ملأوا هذا الباب خرافات وأباطيل راحت تزاحم الله.. فلذلك لن تسلم لأحد معرفته بالله حتى يخلص عقله من الأوهام التي يسربها المجرمون.

قلت: التحري يكون بين جمع من الأطباء.. فكيف يكون التحري في معرفة الله؟

قال: مثل التحري بين الأطباء.. فهناك (الله) الحقيقي.. الذي خلق هذا الكون ودبره.. وهناك آلهة كثيرة مزيفة أنشأتها النفوس المدنسة تريد أن يمنح لها من القداسة ما يمنح لله.. ولا ترضى بدون ذلك.

قلت: وما أدرانا أن يكون (الله) الحقيقي بين هذه الآلهة الكثيرة المزيفة.. ألا يمكن أن لا يكون لأي أحد من الناس الحقيقة المرتبطة بهذا؟

قال: ذلك مستحيل.. فالله الذي خلق هذا الكون ودبره.. بل دبر أبسط ذراته يستحيل أن يترك هذا الكون من غير أن يعرفه بنفسه.

قلت: فكيف نصل إلى تلك المعرفة؟

قال: بالسيرين.. السير العقلي.. والسير الحسي.. بكليهما تستطيع هذه البشرية التائهة أن تصل إلى ربها الحقيقي وتميزه عن الآلهة الكثيرة المزيفة..

قلت: فهل سرت مثل هذا السير؟

قال: لقد رزقني الله في رحلة من رحلاتي من اختصر لي الكثير من الأسفار.. وقد رزقني الله في تلك الرحلة من الأشعة الهادية إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يمكن للعقل وصفه.

قلت: فهل ستحدثني عنها؟

قال: أجل.. فلا يمكن لمن لم يتنعم بهذا النوع من الأشعة أن يعرف محمدا صلى الله عليه وآله وسلم.. فلا يعرف محمدا صلى الله عليه وآله وسلم من لا يعرف الله.. فلا يعرف الرسول من لم يعرف مرسله.

***

اعتدل الشيخ الصالح في جلسته، وحمد الله، وصلى وسلم على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مستغرقا في كل ذلك.. ثم قال: في يوم من أيام الله المملوءة بالنفحات والبركات.. شعرت فجأة بمشاعر ملحة تدعوني للبحث عن الله..

وقد بدأني ذلك الشعور، وأنا أنظر إلى المرآة.. وقد أرعبني ما رأيته من شيب يشتعل في رأسي كما يشتعل النار في الهشيم..

لم أحزن في ذلك الحين على دنيا فاتتني.. فقد بدأ الزهد يملأ قلبي أنفة من الدنيا ورغبة عنها.

ولم أحزن على لذات أو شهوات تتحرك لها النفوس.. فقد امتلأت بالعفة التي جعلت بيني وبينها من الحواجز ما نغصها في عيني.

لم أحزن على أي شيء.. فكل شيء لا يستحق أن يحزن عليه.

ولكني عندما تذكرت (الله) امتلأت هما وغما..

لقد قلت لنفسي: ها هو قطار العمر يمضي إلى محطته النهائية.. وقد ركب الكل في عربات قطاري.. الكل ما عدا (الله)([3])

لقد جلست مع الكل، ولكني لم أجلس مع الله لحظة واحدة.

واتصلت بالكل، ولكني لم أتصل بالله.

وبحثت عن الكل، ولكني لم أبحث عن الله.

أصابني ألم عظيم، وأنا أردد في ذهني المقولة التي سمعتها كثيرا في جميع ديار الإسلام (إلهي ماذا وجد من فقدك.. وماذا فقد من وجدك)

في تلك الأيام كنت أردد هذه العبارة كثيرا.. إلى أن سمعني مرة أخي، وكان رجلا من كبار رجال الكنيسة.. فاستدعاني إلى مكتبه، وقال: أعرف المشاعر التي تشعر بها.. لقد مررت مثلك بهذه المرحلة.. ولم يعالجني منها إلا مؤتمر كبير لعلماء اللاهوت.. حضرته.. وهناك عرفت الله، واتصلت به، وسمعته..

قلت: أنت!؟.. كيف لم تخبرني؟

قال: ألست إنسانا؟.. إن كل إنسان يحن إلى مصدره.. كل إنسان يحن إلى ربه..

لست أدري كيف قلت من حيث لا أشعر: أنت مسلم إذن؟

غضب أخي غضبا شديدا، وقال: مسلم!؟.. وما علاقة الإسلام بهذا؟

تداركت الموقف، وقلت: لا أعني بالإسلام دين الإسلام.. وإنما أعني به الاستسلام لله والركون إليه والخضوع بين يديه.

قال: صدقت في هذا.. فليس هناك ما يعبر عن تلك الروحانية مثل هذه اللفظة.. لولا أن شوهها الإسلام.

قلت: كيف شوهها؟

قال: ألا تعلم الصورة المشوهة التي يحملها المسلمون عن ربهم؟

قلت: كنت أتصور أن ربنا وربهم واحد.. وأننا لا نختلف كثيرا في تصورنا لله، وإنما نختلف فيما عدا ذلك.

قال: أنت لا تعرف عقيدة المسلمين في الله إذن.. إن المسلمين يحملون صورة من أخطر صور الانحراف عن الله..

إن ربهم الذي يدينون له بالعبودية ليس إلا إفرازا من إفرازات الحقد التي تمتلئ بها نفوسهم..

إن إلههم ماكر ومخادع ومستهزئ.. وهو منتقم جبار.. وهو ينسى ويمل.. وهو..

قاطعته وأنا أقول: أهذه عقيدة المسلمين في الله؟

قال: هذه بعض عقيدة المسلمين في الله.. ليتك كنت قد حضرت معنا ذلك المؤتمر لتسمع بأذنيك من التشويهات ما لا يتحمله عقلك وقلبك.

قلت: ألا يمكن أن تكرر مثل هذه المؤتمرات؟

قال: من حسن حظك أن هناك مؤتمرا سينعقد في هذه الأيام في البلاد التي كانت مقرا للشيوعية في يوم من الأيام.. نحن نريد أن نعيد إحياء الإله الذي قام الشيوعيون بقتله هناك.. وقد أرسلت إليك لأجل ذلك.

قلت: وما دوري في هذا المؤتمر؟

ضحك، ثم قال: أريد أن أرسلك لتقوم بعملية غسيل لدماغك الذي ملأه المسلمون بالشبهات.

قلت: إن كان الأمر كذلك.. فسأكتفي بغسل دماغي هنا ولا حاجة بي للسفر الطويل من أجل هذه المهمة؟

ابتسم، وقال: كنت أمزح فقط.. أنا أعلم صعوبة إقناع أي شخص لك.. عداي..

قلت: ما دام الأمر كذلك.. فما الوظيفة التي تريد إسنادها لي في هذه الرحلة؟

قال: سأرسلك مرافقا للهيئة العلمية التي يرسلها الفاتيكان لحضور هذا المؤتمر.. وكل هذه الهيئة من العلماء الراسخين في العلم ممن تثق الكنيسة في قدراتهم.

قلت: ما أعظم سروري بهذه الوظيفة..

قال: فحضر نفسك لحضور هذا المؤتمر، فليس بيننا وبينه إلا أيام معدودات.

***

كانت تلك الأيام التي انتظرت فيها تلك الرحلة الموعودة طويلة ثقيلة مملة.. لقد كنت أعد ساعاتها ساعة ساعة، ودقيقة دقيقة، وثانية ثانية..

كنت أرقب قرص الشمس كل يوم في انتظار تلك اللحظات التي أسمع فيها الحديث عن الله.. لأزيد من خلالها معرفتي بالله.. لأني علمت علمت علم اليقين أنه لا يمكن أن أتصل بالله إلا من خلال معرفتي به.

في عشية تلك الرحلة قدر الله لي أن ألتقي بمعلمك معلم السلام.

قبل غروب الشمس بلحظات كنت بجانب بيتي أسير.. فإذا بي ألمحه من بعيد.. فأسرعت إليه.. وأمسكت بيده، وقلت: ها أنت أخيرا بجانب بيتي.. لابد أن تدخله.. لا بد أن أتشرف باستضافتك اليوم.. لطالما حلمت بهذا.

نظر إلي مبتسما، ثم قال: أترى أن دخولي بيتك سيسرك؟

قلت: لا يسرني شيء مثل دخولك بيتي.

قال: لم؟

قلت: أراك رجلا ممتلئا حكمة.. وليس هناك أشرف من أن تدخل الحكمة بيتك.

ابتسم، وقال: وكيف تدخل الحكمة إلى البيوت؟

قلت: بدخول أهلها.. إذا دخل الحكماء دخلت الحكمة معهم.

قال: ألا أدلك على من هو أشرف مني وأكرم.. وهو أولى مني بالدخول إلى بيتك؟

قلت: من هو؟

قال: لقد ذكرت لك أن مهمتي هي الدلالة لا التعريف.. فلذلك سأصفه لك.. لتبحث عنه.. ثم لتدخله بيتك.. بيتك الذي لا تنهد جدرانه.

قلت: أهناك بيت لا تنهد جدرانه؟

قال: أجل.. هو بيتك الحقيقي الذي يسير معك حيث رحلت، ويأوي معك حيث أويت.

قلت: أراك تقصد قلبي؟

قال: أقصد قلبك وعقلك وروحك وحقيقتك.. فهذه المحال هي بيتك الحقيقي الذي لا تفارقه ولا يفارقك.

قلت: فصف لي من تراه أهلا ليسكن فيه.

قال: لا تدخل بيتك معدوما.. فالعدم هباء.. ولن تنال من الهباء إلا ما يناله الظمآن من السراب.

قلت: وهل يمكن لأحد عاقلا كان أو مغفلا أن يدخل بيته معدوما؟

قال: ما أكثرهم.. إنهم ينتشرون في الأرض.. ويملأون قاراتها.. وليس في بيوت قلوبهم وعقولهم إلا الهباء.

قلت: هذه الأولى.. فما الثانية؟

قال: إن اجتمعت الحكمة في واحد.. فاكتف به.. فلن يفيدك التعدد إلا التشتت.. ولن يفيدك التشتت إلا التمزق والضياع.

قلت: فما الثالثة؟

قال: لا تدخل بيتك مدنسا.. فالمدنس يوشك أن يدنسك، ويدنس حقيقتك..

قلت: فما الرابعة؟

قال: لا تدخل بيتك إلا كاملا اجتمع له الكمال بجميع معانيه.

قلت: فما الخامسة؟

قال: لا تدخل بيتك إلا بديعا اجتمع له الجمال بجميع معانيه.

قلت: فما السادسة؟

قال: لا تدخل بيتك إلا من لا ملك لأحد عليه.. وهو فوق ذلك ملك الملوك.

قلت: فما السابعة؟

قال: لا تدخل بيتك إلا عدلا اجتمع له العدل بجميع معانيه.

قلت: فما الثامنة؟

قال: لا تدخل بيتك إلا رحيما اجتمعت له الرحمة بجميع معانيها.

قلت: فما التاسعة؟

قال:  لا تدخل بيتك إلا الودود المحب الذي لا يريد لك ولا يريد منك إلا الخير.

قلت: فما العاشرة؟

قال: لا تدخل بيتك إلا المقصود في كل الحوائج.. فمن الغبن أن تدخل من يردك أحوج ما تكون إليه.

قلت: أراك تشير إلى الله.

قال: إن كان (الله) هو اسم الذي ذكرت أوصافه.. فلا يصح للعاقل أن يغفل عن البحث عنه، أو يغفل عن الاتصال به.

قال ذلك، ثم سار، وتركني كعهدي به.

***

في صباح اليوم التالي قصدت المطار.. وهناك رأيت عشرة من الرجال.. كلهم قد امتلأ شعره بالشيب الذي ملأ شعري.. بل إن بعضهم أحنت ظهره الأيام، فطأطأ رأسه لها.

ذهبت إليهم وسلمت عليهم واحدا واحدا.. ثم ركبنا الطائرة.. وقد قدر الله أن لا نصل إلى مبتغانا..

لقد حصل للطائرة ـ ونحن في وسط الطريق ـ من العطب ما كاد يقضي على حياتنا.. ولولا مهارة السائق لكنا جميعا في عداد الموتى.

لكن السائق بعد جهد جهيد استطاع أن يحط بها في غابة موحشة ممتلئة بالظلمات والبرد الشديد..

وقد ملأنا السائق والطاقم الذي معه حزنا حين أخبرنا أن كل أجهزة الطائرة قد حصل لها من العطب ما يحول بينها وبين أي تحرك.. بل حصل لكل أجهزة الطائرة من العطب ما يحول بينها وبين الاتصال بأي جهة من الجهات.

ثم عاد وأخبرنا بأننا في مكان يستحيل على أي جهاز في الدنيا أن يرقبه.. فالباحث في تلك الغابة كالباحث عن إبرة في كومة عظيمة من القش.

قالوا لنا ذلك.. ثم راحوا يوزعون علينا ما بقي من الزاد القليل..

بقينا في تلك الغابة شهرا كاملا إلى أن أدركنا الله بفرجه..

قلت: كيف حصل ذلك، وقد أخبركم السائق أنكم في مكان لا يمكن أن يتعرف عليه أحد من الناس؟

قال: لا تعجل.. فإن لذلك قصة كانت هي المفتاح الأكبر الذي اهتديت به إلى الإسلام.. بل إني في نهاية رحلتي هذه أعلنت لربي استسلامي له، وإسلامي بين يديه..

امتلأت سرورا، وقلت: كيف كان ذلك؟

قال: سأحكي لك الحكاية من البداية.. فلا يمكن أن تفهم النهاية من دون العروج على البداية.

قلت: لقد ذكرت لي أن الطائرة نزلت بكم في ذلك المحل الموحش الذي لا يمكن أن يعرفه أحد من الناس.

قال: أجل.. وقد تقلبت بنا الأحوال في تلك الأيام تقلبات عجيبة.

أما في الأيام الأولى.. حيث كان الزاد موفرا، فقد انشغلنا، وانشغل الكثير منا باللهو واللعب.. وكأن الموت لا ينتظرنا، بل إن بعضنا عندما عوتب في لهوه ولعبه، قال ما قال قبله امرؤ القيس: اليوم خمر، وغد أمر.. وقال آخر: دعني.. لأن أموت وأنا أضحك خير من أن أموت وأنا أبكي.

هذا في الأيام الأولى.. 

أما عندما بدأ الزاد ينفذ، وبدأت الحقيقة تنجلي.. فقد بدأ الإحباط ينشر أشعته على أكثر من امتطوا معنا الطائرة مع كون الكثير منهم من المثقفين.. بل إن الأمر وصل ببعضهم إلى حد الانتحار، ووصل بآخرين إلى حد الجنون..

ففي يوم من تلك الأيام الممتلئة بالغفلة سمعنا صوتا مزعجا، فأسرعنا إلى مصدره، فوجدنا أحد رفاقنا قد طعن نفسه بخنجر قاتل.. بحثنا في ثيابه عن هويته، فتعجبت إذ رأيت أن اسمه عربي.. كان اسمه (إسماعيل أدهم)([4]).. ولكن عجبي زال عندما رأيته في جواز سفرته رحلاته الكثيرة إلى روسيا في الوقت الذي تزعمت فيه الإلحاد في العالم.. وزال عجبي أكثر عندما رأيت عضويته في جمعية اسمها (المجمع الشرقي لنشر الإلحاد).. وزال عجبي أكثر من ذلك كله عندما رأيت في حقيبته كتابا من تأليفه سماه (لماذا أنا ملحد؟)

وفي يوم آخر.. بل في اليوم التالي لذلك اليوم، أصيب آخر بالجنون، وكان في جنونه كثيرا ما يردد، وكأنه يخطب في المجامع قوله: (الجداول الرياضية) و(الطاقة الذرية) و(الطاقة الهيدروجينية) و(طائرات الميغ) و(الأقمار الصناعية) و(حضارة القرن العشرين) و(موسكو) و(نهر الراين) و(جبال هيمالايا)

ثم يصيح بصوت عال، وبهستيرية: (إن الله قد مات، أو هو في طريقه إلى الموت)..

ثم يسير كما يسير في الجنازات.. وهو ممتلئ حزنا وهما، وهو يقول:( إن كان من شأن فكرة الله أن تسقط ضلال الخطيئة على براءة الأرض، فإنه لابد للمؤمنين بالحس الأرضي أن يهووا بمعاولهم على تلك الفكرة)

ويقول: (طوبى لأتقياء القلب، لأنهم لا يعاينون الله.. لقد صرنا بشراً، ولهذا فإننا لا نريد إلا ملكوت الأرض، إلى أين مضى الله؟ سأقول لكم إلى أين مضى؟ لقد قتلناه، أنتم وأنا.. أجل، نحن الذين قتلناه، نحن جميعاً قاتلوه، ألا تشمون رائحة العفن الإلهي؟ إن الآلهة أيضاً تتعفن، لقد مات الله وسيظل ميتاً)

سألت صاحبا له عن سر الرجل، وسر كلماته، فقال: هذا نيتشة.. وهو رجل كان في أصله مؤمنا.. ولكنه كان ضعيفا في إيمانه.. وقد بلغ به الانبهار بالحضارة الحديثة إلى أن أسلم كيانه كله لها.. وقد سقط بين يدي جماعة كانوا كل حين يحشرون له الإلحاد تحت هذه العبارات.. وها أنت ترى المسكين قد نسي كل علومه، ولم يبق له منها إلا هذه الألفاظ يرطن بها.

في يوم آخر بعد ذينك اليومين المشؤمين، جن رجل آخر.. كان اسمه (أوجست كونت)([5]).. كان اسمه يشبه اسم ذلك الفيلسوف الفرنسي المعروف.. وكان في مظهره ومخبره لا يكاد يختلف عنه.. وقد عجبت له في جنونه إذ كان يقف كهيئة المصلي.. ولكنه لا يردد في صلاته إلا اسم امرأة لست أدري من كانت بالنسبة له.

أهمني أمر هذا الرجل.. فرحت أسأل عنه إلى أن ظفرت برجل من أهل بلده كان صديقا له.. وقد أخبرني أن هذه النوبة من نوبات الجنون كانت تعرض له كل مرة يتعرض فيها لأي أزمة..

وأخبرني أنه في صغره لما بلغ سنّ الرابعة عشرة من عمره نبذ الإيمان بمبادئ الدين.. وأنه حينها عكف على كتب الفلسفة، معتمداً على قراءته الخاصة لا سيما كتب (هيوم) و(دي مستر) و(دي بونالد)

وأخبرني أنه تعرّف بعد ذلك على كاتب من أهل بلده يسمى (سان سيمون)، وأن هذا الكاتب كان من رواد المذهب الاشتراكي في ذلك الحين..

وأخبرني أنهما اتفقا على الاشتغال معاً بالعلم والسياسة، أما (سان سيمون) فقد كان شغوفاً بالسياسة وذا بصر نافذ فيها، وأما (أوجست كونت) فقد كان شغوفاً بالعلم، وغير مهتم بالأمور السياسية.

وأخبرني أنه افترق بعد ذلك عن أستاذه، لأنه كان يختلف معه في الاتجاه.. وانصرف بعدها للمطالعة والبحث طلبا لأن يصير مثل سميه الفيلسوف الفرنسي..

لكن المسكين ما إن ألقى ثلاث محاضرات إلحادية حتى انتابته أزمة عقلية، فعُنِيَتْ بِهِ زَوجته، حتى عاد إليه اتزانه العقلي، فاستأنف محاضراته بعدها.

ولم يطل به الوقت حتى تعرض لأزمة عقلية أخرى، كان من أسبابها هيامه بسيدة تعرَّف عليها، ثم توفاها الأجل بعد سنتين فقط من تعرفه عليها، فأخذ منها دينا سماه (الإنسانية)، وكان يتوجه لها كل حين بالفكر والصلاة كل يوم.

في يوم آخر.. انتحر رجل آخر عرفت بعد انتحاره أن اسمه (فان جوخ)([6]).. وأنه من هولندا.. وكان كسميه الرسام المشهور مستغرقا طول الوقت في لوحاته.. وتنتابه بين الحين والحين نوبات صرع كان يصيح فيها صياحا لا يزيدنا إلا أسى ومرارة..

لم يكن ملحدا.. ولكنه كان يحمل صورة مشوهة عن الإله.. وكان تصوره للحياة لذلك مملوءا بالكدورة.. فقد كان يتصور أن الله يتسلى بتعذيب عباده.. وأنه لم يخلقهم إلا ليعذبهم بأصناف العذاب..

لم يكن راضيا عن هذا التصور الذي كان يصرخ به كل حين.. ولكن المسكين لم يجد من يصحح له هذا التصور..

في ذلك اليوم وجدناه مشنوقا.. وأمامه لوحة من لوحاته كلها سواد.. وقد كتب فيها عبارة فيها من التهجم على الله والاعتراض عليه ما لا يطيق لساني التعبير عنه.

وبجانبها عبارة أخرى لا تقل عنها بذاءة.. ولكنه وجهها لرجال الدين..

قال لي صاحبه: لقد كتب في لوحته هذه ما ظل طول عمره يحلم بأن يقوله لكنه لم يطق.

قلت له: لم؟

قال: لقد شعر ذات يوم بحاجته إلى الله.. فراح يبحث عنه.. لكنه اصطدم برجال صوروا له صورة مشوهة عن الله.. ولم يكن للمسكين القدرة على أن يعارضهم، فكتم ذلك في نفسه إلى أن باح به في هذا الموقف.

قلت: فلم لم يبحث عند غيرهم؟

قال: لقد ذكرت لك عجزه.. لقد قعد به العجز عن البحث.. فلذلك استسلم.. وتعذب باستسلامه.. وقد كانت نهايته ما رأيت.

***

بعد هذه الحوادث وغيرها رأيت خوفا كبيرا بدأ يدب إلى قلوب المسافرين معنا.. وقد استحث ذلك بعض المسافرين معنا، وكان – على ما يبدو رجلا حكيما – لكني لم أعرف سره إلى الآن.. لقد استحثه ذلك على أن يجمع من بقي من المسافرين عدانا، ثم ينفرد بهم، ويناجيهم ويناجونه بما لم نتمكن من سماعه..

وبعد تلك المناجاة أتوا إلينا، وقالوا: لقد علمنا أنكم رجال عارفون بالله.. وأنكم ما خرجتم من بلادكم إلا لتعرفوا الخلق بالله.. فهيا عرفونا بربنا لندعوه لينقذنا مما نحن فيه..

قال رجل منهم: نحن من بلاد مختلفة.. منا من يؤمن بالله.. ومنا من لا يؤمن به.. ونحن نختلف فيما بيننا اختلافا شديدا في معارفنا المرتبطة بالله.. ولا يمكن لدعواتنا أن ترتفع للآلهة المزيفة.. فلذلك لا مناص لنا من البحث عن الإله الحقيقي حتى نرفع أكفنا بالضراعة إليه.

قال آخر: نحن كمرضى نحتاج إلى طبيب.. ولذلك نحتاج إلى التعرف على الطبيب قبل أن نطلب منه أن يعالجنا.. حتى لا نسلم أجسادنا للدجالين.

قال آخر: في موقفنا هذا لا تجدينا إلا الحقائق.. فحدثونا بالحقائق لا بالرسوم.. فقد فنيت في موقفنا هذا كل الرسوم.

طأطأنا رؤوسنا جميعا.. ثم ركنا إلى صمت طويل.. قطعه أحدنا بقوله: اسمحوا لي أيها الجمع أن أعترف الآن بين أيديكم في هذه اللحظات ـ التي ربما تكون آخر لحظات حياتي ـ بأني لم أكن مسافرا للتعريف بالله.. وإنما كنت مسافرا للتجارة بالله..

سرت ضوضاء في الجمع الملتف بنا، قطعها بقوله: لا تتعجبوا.. هذه هي الحقيقة التي كنت أتفنن في سترها بأنواع الطلاء.. نعم أنا مكلف بأن أقدم محاضرة تحاول أن تعرف بالله.. ولكنها في الحقيقة محاضرة لم تؤسس إلا على مطامعي وأهوائي، لا على الحقائق التي تفرضها العقول، ويدعو إليها المنطق.

قال آخر: مثلك أنا في هذا.. فلم أخرج من بلدي إلا لأنصر مذهبي وطائفتي سواء كان الحق معها أو لم يكن.. ولا يمكن لمن هذا حاله أن يمسك إلا بالسراب.

قال آخر: ومثلكما أنا في ذلك.. لقد صنعت صنما لإلهي، وعجنته بجميع أهوائي.. وقد حملته معي لأقدم له من الإشهار ما تخدم به مصالحي، وتنتصر به أهوائي.

ردد أصحابي الباقون ما ردد هؤلاء.. فقال رجل من الجمع: فماذا نفعل إذن.. كيف نبحث عن ربنا.. فلا يمكن لدعواتنا أن تصل إلا إلى الله الحقيقي.. هكذا أخبرنا الحكيم؟


([1])  وردت هذه العبارات في أحاديث قدسية متفرقة.

([2])  رواه الطبراني وأبو نعيم.

([3])  لا يخفى ما في هذا التعبير من المعاني.. فالمراد بـ (الله) هنا هو معرفة الله والاتصال به لا ذات الله..

([4])   أشير به إلى إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم باشا أدهم: عرفه صاحب الأعلام بأنه عارف بالرياضيات، وله اشتغال بالتاريخ، ولد بالإسكندرية وتعلم بها، ثم أحرز الدكتوراه في العلوم من جامعة موسكو عام 1931، وعين مدرساً للرياضيات في جامعة سان بطرنسبرج، ثم انتقل إلى تركيا فكان مدرساً للرياضيات في معهد أتاتورك بأنقرة ، وعاد إلى مصر سنة 1936 فنشر كتاباً وضعه في (الإلحاد) وكتب في مجلاتها، أغرق نفسه بالإسكندرية منتحراً.

وقد وجدت الشرطة في مساء الثالث والعشرين من شهر يوليو عام 1940م جثته طافية على مياه البحر المتوسط، وقد عثرت في معطفه على كتاب منه إلى رئيس النيابة يخبره بأنه انتحر لزهده في الحياة وكراهيته لها، وأنه يوصي بعدم دفن جثته في مقبرة المسلمين ويطلب إحراقها.

قال في رسالته التي سماها (لماذا أنا ملحد؟) متحدثا عن نفسه: (أسست جماعة لنشر الإلحاد بتركيا، وكانت لنا مطبوعات صغيرة أذكر منها: ماهية الدين، وقصة تطور الدين ونشأته… وبعد هذا فكرنا في الاتصال بجمعية نشر الإلحاد الأمريكية، وكانت نتيجة ذلك تحويل اسم جماعتنا إلى المجمع الشرقي لنشر الإلحاد)

وقد رد على رسالته هذه: الدكتور أحمد زكي أبو شادي برسالة عنوانها: (لماذا أنا مؤمن؟)، ورد عليها محمد فريد وجدي بمقالة عنوانها (لماذا هو ملحد؟)

وقد كان له من العمر عند انتحاره تسعة وعشرون سنة؛ فكانت نهايته نهاية مأساوية لشاب موهوب، قال عنه الأستاذ أحمد حسن الزيات: (كان شديد الذكاء.. واسع الثقافة)، وقال عنه الأستاذ محمد عبد الغني حسن بأنه صاحب (ذهن متوقد لامع)، كان الأول على دفعته في البكالوريا، ثم حاز الدكتوراه وألّف مؤلفات كثيرة، ودرّس، وكان يحسن التحدث بست لغات، كل هذا وهو في هذا العمر.. (انظر: الأعلام للزركلي (1/310 بتصرف). وله ترجمة في الأعلام الشرقية لزكي مجاهد (ص 858-860)، وفي تراجم عربية، لمحمد عبد الغني حسن)

([5])  أشير به إلى (أوجست كونت) ( 1798-1857) عالم اجتماع وفيلسوف اجتماعي فرنسي ، أعطى لعلم الاجتماع الاسم الذي يعرف به الآن ، أكد ضرورة بناء النظريات العلمية المبنية على الملاحظة.

أسس المذهب الوضعي القائل ان لا سبيل إلى المعرفة إلا بالملاحظة و الخبرة، وهو يرى أن تاريخ البشرية ينقسم إلى ثلاث مراحل من التقدم الشامل: المرحلة الدينية ؛ والمرحلة الميتافزيقية، ثم المرحلة العلمية.

    وقد قدم مقترحات على جانب كبير من التعقيد لإقامة دولة وضعية تقوم على صفوة من علماء الاجتماع لإدارة المجتمع وتوجيهه.. من أهم أعماله كتاب (الفلسفة الوضعية) الذي ظهر لأول مرة في ستة أجزاء (1830- 1842)

وننبه إلى أن كل ما ذكرنا في الرواية عن سميه كان قد حصل له مع بعض التصرف الذي اقتضاه المقام.

([6])  أشير به إلى (فان جوخ، فينسنت) (1853 – 1890م).. وهو واحد من أكثر الرسامين شهرة في فن التصوير التشكيلي.. وقد انتحرعام 1890م.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *