الكتاب: المزارات الدينية بين الرؤية الإيمانية والرؤية التكفيرية

الوصف: ردود علمية على الطروحات التكفيرية المرتبطة بالأضرحة والزيارات

السلسلة: دين الله ودين البشر

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1439 هـ

عدد الصفحات: 271

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

الكتاب موافق للمطبوع

التعريف بالكتاب

يحاول هذا الكتاب من خلال الأدلة الكثيرة الرد على الطروحات التكفيرية المرتبطة بالأضرحة والمزارات والتوسل والاستغاثة، والتي شكلت ذريعة للإرهابيين لتكفير المسلمين وقتلهم، وقد ذكرنا في الكتاب ثلاثة أنواع من البراهين على مدى شرعية ما يذكره أصحاب الرؤية الإيمانية.

1. المزارات الدينية.. والمصادر المقدسة: وقد رجعنا فيها إلى إلى المصادر المقدسة، سواء تلك التي يتفق المسلمون جميعا على قبولها من أمثال كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، أو تلك التي يختلفون فيها من أمثال أقوال الصحابة أو أئمة أهل البيت، والتي تدل جميعا على شرعية بناء المقامات والمشاهد والمزارات الدينية.

2. المزارات الدينية.. والمدارس الفقهية: وقد حاولنا البرهنة فيه على شرعية المزارات من خلال العودة إلى المصادر المعتمدة لدى المدارس الإسلامية الكبرى، وهي المدرسة المالكية، والشافعية والحنفية والحنبلية.

3. المزارات الدينية.. وأدوارها العلمية والتربوية: وقد ذكرنا فيه الأدوار المهمة التي تؤديها المزارات الدينية، وذلك بتوضيح الحقائق المجهولة، وكشفها، والدعوة للتحقيق فيها؛ فالآثار من أكبر السجلات الحافظة لحقائق التاريخ، بالإضافة إلى أدوارها في التربية الروحية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها، والتي قد تصل إلى بث وعي سياسي في الأمة يخرجها من تبعيتها، ويحقق لها سيادتها الكاملة.

فهرس المحتويات

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

الفصل الأول

المزارات الدينية.. والمصادر المقدسة

أولا ـ المصادر المقدسة والبناء على القبور:

1 ـ القرآن الكريم.. والبناء على القبور:

2 ـ السنة النبوية.. والبناء على القبور:

أ ـ النصوص المحكمة الدالة على مشروعية البناء:

ب ـ النصوص المتشابهة في النهي عن الزيارة وتوجيهها:

ثانيا ـ المصادر المقدسة وزيارة الأضرحة:

1 ـ القرآن الكريم.. وزيارة الأضرحة:

الآية الأولى:

الآية الثانية:

الآية الثالثة:

2 ـ السنة النبوية.. وزيارة الأضرحة:

الحديث الأول:

الحديث الثاني:

الحديث الثالث:

الحديث الرابع:

الحديث الخامس:

الحديث السادس:

الحديث السابع:

3 ـ موقف السلف من زيارة الأضرحة:

4 ـ موقف آل البيت من زيارة الأضرحة:

ثالثا ـ المصادر المقدسة والتوسل والاستغاثة:

1 ـ القرآن الكريم.. والتوسل والاستغاثة:

2 ـ السنة النبوية.. والتوسل والاستغاثة:

الحديث الأول:

الحديث الثاني:

الحديث الثالث:

الحديث الرابع:

الحديث السادس:

الحديث السابع:

النموذج الأول:

النموذج الثاني:

النموذج الثالث:

النموذج الرابع:

النموذج الخامس:

الفصل الثاني

المزارات الدينية.. والمدارس الفقهية

أولا ـ موقف المدرسة الحنفية من المزارات الدينية:

2 ـ موقف المدرسة الحنفية من التوسل والاستغاثة:

ثانيا ـ موقف المدرسة المالكية من المزارات الدينية:

ثالثا ـ موقف المدرسة الشافعية من المزارات الدينية:

2 ـ موقف المدرسة الشافعية من التوسل والاستغاثة:

رابعا ـ موقف مدرسة الحنابلة من المزارات الدينية:

2 ـ موقف مدرسة الحنابلة من التوسل والاستغاثة:

الفصل الثالث

المزارات الدينية.. وأدوارها العلمية والتربوية

أولا ـ الدور العلمي والمعرفي للمزارات الدينية

2 ـ الآثار ودورها في التعريف بأعلام الدين:

3 ـ الآثار ودورها في الاستبصار بحقائق التاريخ:

ثانيا ـ المزارات الدينية.. وأدوارها التربوية

3 ـ الآثار ودورها في التوجه الروحي إلى الله:

الخاتمة

المصادر والمراجع

هذا الكتاب

المقدمة

من المقدسات المتفق عليها في جميع الأديان ما يمكن أن يطلق عليه [المزارات الدينية]، وهي تلك الآثار التي يهتم أصحاب الأديان جميعا بتعظيمها وزيارتها والتبرك بها، وقد يقومون ببعض الطقوس نحوها.

فمن الشعائر اليهودية المهمة، والتي لا يزال متدينو اليهود يحافظون عليها زيارة مكان تابوت العهد، وحائط المبكى، وغيرها من المزارات الموجودة في القدس المحتلة، بالإضافة إلى مزاراتهم الأخرى في كل البلاد التي سكنوا فيها.

وهكذا نرى المسيحيين يزورون بيت لحم موضع ولادة المسيح عليه السلام، ويقصدون كنيسة القيامة والقديس بطرس وغيرها من الكنائس، بالإضافة إلى مراقد من يعتبرونهم قديسين، والموجودة في كل بقاع العالم.

وهذا هو حال الهندوس الذين لا يزالون يقيمون شعائرهم في نهر الكنج، ويعتقدون أن له خصوصية دون سائر الأماكن، ولهذا يعظمونه، ويزورونه، كما يزورون المعابد المخصصة لشيفا وبراهما وقشنو، والتي تسمى عندهم أقانيم الثالوث المقدس.

وهكذا يفعل أصحاب الديانة البوذية الذين يقومون برحلات جماعية إلى الأماكن التي يعتقدون أن لها علاقة خاصة ببوذا من أمثال [لومبيني] مسقط رأس بوذا في النيبال، و[بود غايا] حيث جاءه الوحي تحت شجرة تين، و[سارناث] في الهند، حيث علم للمرة الأولى، و[كوسينارا] حيث مرقده.

صفحة ( 5)

وهكذا يفعل أتباع الديانة الشنتوية، حيث يسيرون سنويا إلى ضريح آيسى الكبرى باليابان، حيث يتجمع أكثر من مائة ضريح مثل الضريح الداخلي نايكو المخصص لإماتيراسو، والضريح الخارجى غيكو.

ومثل ذلك المسلمون الذين وردت النصوص المقدسة في دينهم تدل على وجوب الحج، وما يرتبط به من زيارات للأماكن المقدسة كالكعبة، والصفا والمروة، وجبل عرفات، وقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقبور الأنبياء والأئمة، وقبور من يعتقدون فيهم الولاية والصلاح، والتي لا تخلو منها بلدة من البلاد الإسلامية.

وهذه الظاهرة المتفق عليها بين الأديان جميعا، لم تجد من ينكرها أو يشاغب فيها، أو يحاول صد عنها سوى مدرسة واحدة هي المدرسة السلفية، وخصوصا في فرعها الوهابي، والتي لم تكتف بتحريم كل ما يرتبط بهذه المزارات ـ ما عدا الشعائر المرتبطة بالحج والعمرة ـ وإنما راحت تقوم بتكفير جماعي لكل من يمارسها، وهي تعلم أن الأمة جميعا تمارسها، كما أشار إلى ذلك الشيخ علي بن أحمد الحداد في رده على تكفير الوهابية لزوار أضرحة الأولياء والصالحين؛ فقال: (ومن قال بكفر أهل البلد الذي فيه القباب وإنهم كالصنم فهو تكفير للمتقدمين والمتأخرين من الأكابر والعلماء والصالحين من جميع المسلمين من أحقاب وسنين)(1)

وهو يشير بهذا إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه الذين كفروا جميع المسلمين بسبب تعظيمهم للأولياء، وبنائهم على قبورهم؛ فاعتبروهم مشركين شركا جليا لا يختلف عن شرك أهل الجاهلية، بل قد يفوقه.

فقد وضع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في (نواقض الإسلام) ما يجعل من جميع المسلمين مشركين.. وأكثرها يعود إلى تعظيم الأولياء وتقديسهم واحترامهم، فمن تلك النواقض

__________

(1) إحياء المقبور من ادلة جواز بناء المساجد على القبور ويليه اعلام الراكع الساجد، السيد أحمد بن الصديق الغماري - السيد عبد الله الغماري، مكتبة القاهرة، ص 7.

صفحة ( 6)

(الشرك في عبادة الله تعالى.. ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر، أو للقباب.. ومن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكّل عليهم كفر إجماعا.. ومن لم يكفّر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر..)(1)

ثم ختم القول على هذه النواقض بقوله: (لا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره. وكلها من أعظم ما يكون خطراً، ومن أكثر ما يكون وقوعاً)

فهذا ما يتصوره الشيخ ابن عبد الوهاب وأتباعه من نواقض الإسلام، والأخطر مما ذكرنا من المكفرات هو ما ورد فيها من عبارات غامضة وأحكام مطلقة، تجعل لكل من يشاء أن يكفر أحدا أن يستخدمها بسهولة، ولعله لأجل هذا خرجت الحركات التكفيرية من رحم الوهابية.

وكمثال على ذلك نرى الشيخ ابن عبد الوهاب يربط بين الذبح الذي لا يقصد به إشراك أحد في عبادة غير الله، بالشرك بالله مع أنه قد يكون عادة جرت أن يذبح في مكان ولي للبركة، وليس للتعبد، ثم يوزع لحم الذبيحة على الفقراء، وهذا ما جرى به العمل في العالم الإسلامي، بما فيها الجزائر، والتي كانت تسمى (زردة)، ولقبها علماء الجمعية بـ (أعراس الشيطان)

وكمثال على انتشار التكفير في العالم الإسلامي بسبب تلك التعاليم المتشددة، ما حصل في الجزائر إبان الاستعمار من تكفير جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لعوام الجزائر بسبب تعظيمهم للأولياء، وزيارتهم لأضرحتهم، وإحيائهم للمناسبات المرتبطة بهم.

وكمثال على ذلك نرى الشيخ مبارك الميلي الذي استنسخ المنهج الوهابي كاملا غير منقوص، وخاصة في كتابه (رسالة الشرك ومظاهره) الذي حكم به على شرك جميع الجزائريين، بل على شرك جميع المسلمين الذين يزورون الأضرحة أو يتوسلون بأصحابها.

__________

(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، علماء نجد الأعلام، المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الطبعة: السادسة، 1417 هـ/1996 م، (2/ 362)

صفحة ( 7)

بل إنه يعتقد ما كان يعتقد الشيخ ابن عبد الوهاب من عودة الجاهلية الأولى، بل إنه يرى أن الجاهلية الآخرة أشد، فيقول: (ولقد سادت هذه الحالة العالم الإسلامي، فانتهوا إلى جاهلية كجاهلية العرب في الدين لا في اللسان والبيان، فقد ارتقى العرب أيام جاهليتهم في معرفة معاني الكلام والإبانة عما في أنفسهم بالألفاظ المؤدية لأصل المعنى، ولكن المسلمين شمل انحطاطهم هذه الناحية أيضا؛ فلم يكونوا مثل أولئك العرب في فصاحة اللسان ووضع الأسماء على مسمياتها؛ فتراهم يعتقدون في الغوث والقطب وصاحب الكشف والتصريف معنى الألوهية، ولكن لا يسمونهم آلهة!! ويخضعون لأوليائهم ويخشونهم كخشية الله أو أشد، ولا يسمون ذلك عبادة!!)(1)

وعلى هذا المنوال نجد الشيخ البشير الإبراهيمي الذي أعلن حربا شديدة على تلك المناسبات التي تجمع الجزائريين وتوحد قلوبهم، ومن ذلك ما كتبه في البصائر تحت عنوان (أعراس الشيطان)(2)، والذي ربط فيه بين الشيطان والموالد، فقال – بأسلوبه التعميمي الذي لا يعرف الاستثناء-: (هذه (الزرد) التي تقام في طول العمالة الوهرانية وعرضها هي أعراس الشيطان وولائمه، وحفلاته ومواسمه، وكل ما يقع فيها من البداية إلى النهاية كله رجس من عمل الشيطان، وكل داع إليها، أو معين عليها، أو مكثر لسوادها فهو من أعوان الشيطان)(3)

__________

(1) رسالة الشرك ومظاهره، مبارك بن محمد الميلي الجزائري (المتوفى: 1364 هـ)، تحقيق وتعليق: أبي عبد الرحمن محمود، دار الراية للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى (1422 هـ - 2001 م)(ص: 162)

(2) انظر: آثارُ الإمام مُحمد البشير الإبراهيمي، محمد بن بشير بن عمر الإبراهيمي (المتوفى: 1385 ه)، جمع وتقديم: نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، الناشر: دار الغرب الإسلامي، الطبعة: الأولى، 1997، (3/ 319)

(3) المرجع السابق، (3/ 320)

صفحة ( 8)

ولم يكتف الشيخ بهذا القذف العام لجميع المجتمع الجزائري، وإنما راح يشهر سلاح التكفير والرمي بالشرك الأكبر الذي تلقفه من شيخه محمد بن عبد الوهاب، فقال: (كلما انتصف فصل الربيع من كل سنة تداعى أولياء الشيطان في كل بقعة من هذه العمالة إلى زردة يقيمونها على وثن معروف من أوثانهم، يسوله لهم الشيطان وليا صالحا، بل يصوره لهم إلها متصرفا في الكون، متصرفا في النفع والضر والرزق والأجل بين عباد الله، وقد يكون صاحب القبر رجلا صالحا، فما علاقة هذه الزرد بصلاحه؟ وما مكانها في الدين؟ وهل يرضى بها لو كان حيا وكان صالحا الصلاح الشرعي؟ وقد كانت هذه الزرد تقام في أيام الجدوب للاستسقاء غير المشروع، فأصبحت عادة مستحكمة، وشرعة محكمة، وعبادة موقوتة، يتقرب بها هؤلاء المبتدعة إلى أوثانهم في أوقات الجدوب والغيوث على السواء، يدعوهم إليها شيطانهم في النصف الأخير من كل ربيع، فإذا جاء الغيث نسبوه إلى أوثانهم، وإذا كان الجدب نسبوه إلى الله، عكس ما قال الله وحكم، ثم إذا جاء الصيف فاءوا إلى الأعمال الصيفية مضطرين، فإذا أقبل الخريف عادوا إلى تلك العادة النكراء فأنفقوا فيها كل ما جمعوه، وتداينوا بالربا المضاعف بما لا تقوم به ذممهم ولا أموالهم؛ فإذا ثقل الدين وألح الدائن، باع من يملك قطعة أرض أرضه، وباع من يملك دابة دابته، وتلك هي الغاية التي يعمل لها الشيطانان، شيطان الجن، وشيطان الاستعمار!)(1)

بعد هذا الحكم القاسي الشديد المفتقر إلى اللغة العلمية والحكمة في معالجة الظواهر، راح يعتبر ذلك التقديس الذي جبل عليه الجزائريون للأولياء والصالحين نفخة من نفخات الشيطان أو كيد من كيد الاستعمار، وأنه لا علاقة له بحب الصلاح والولاية والتدين، فلا يحب الصالحين إلا من يحب الصلاح نفسه، ولا يعظم أهل الدين إلا من سبق تعظيمهم لهم تعظيم الدين نفسه.

يقول الإبراهيمي: (سر ما شئت في جميع الأوقات، وفي جميع طرق المواصلات تر القباب البيضاء لائحة في جميع الثنايا والآكام ورؤوس الجبال، وسل تجد القليل منها منسوبا إلى

__________

(1) المرجع السابق، (3/ 320)

صفحة ( 9)

معروف من أجداد القبائل، وتجد الأقل مجهولا، والكثرة منسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني. واسأل الحقيقة تجبك عن نفسها بأن الكثير من هذه القباب إنما بناها المعمرون الأوربيون في أطراف مزارعهم الواسعة، بعد ما عرفوا افتتان هؤلاء المجانين بالقباب، واحترامهم لها، وتقديسهم للشيخ عبد القادر الجيلاني، فعلوا ذلك لحماية مزارعهم من السرقة والإتلاف. فكل معمر يبني قبة أو قبتين من هذا النوع يأمن على مزارعه السرقة، ويستغني عن الحراس ونفقات الحراسة، ثم يترك لهؤلاء العميان- الذين خسروا دينهم ودنياهم- إقامة المواسم عليها في كل سنة، وإنفاق النفقات الطائلة في النذور لها وتعاهدها بالتبييض والإصلاح، وقد يحضر المعمر معهم الزردة، ويشاركهم في ذبح القرابين، ليقولوا عنه إنه محب في الأولياء خادم لهم، حتى إذا تمكن من غرس هذه العقيدة في نفوسهم راغ عليهم نزغا للأرض من أيديهم، وإجلاء لهم عنها، وبهذه الوسيلة الشيطانية استولى المعمرون على تلك الأراضي الخصبة التي أحالوها إلى جنات، زيادة على الوسائل الكثيرة التى انتزعوا بها الأرض من أهلها)(1)

ثم ختم مقاله بفتاوى خطيرة تفتقر إلى لغة الفقهاء، فقال: (يا قومنا، أجيبوا داعي الله، ولا تجيبوا داعي الشيطان، يا قومنا إن أصول هذه المنكرات مفسدة للعقيدة، وإن فروعها مفسدة للعقل والمال، وإنكم مسؤولون عند الله عن جميع ذلك، يا قومنا إنكم تنفقون هذه الأموال في حرام وإن الذبائح التي تذبحونها حرام لا يحل أكلها، لأنها مما أهل به لغير الله؛ فمن أفتاكم بغير هذا فهو مفتي الشيطان، لا مفتي القرآن)(2)

وقد استمر – للأسف – منهج خلف الجمعية على درب سلفها في هذه المواقف الخطيرة المفتقرة إلى اللغة العلمية، والمتسرعة في الحكم بالتكفير، حيث نجد الشيخ أحمد حماني الرجل المتساهل في الكثير من الفتاوى يتكلم بنفس تلك اللغة التي تكلم بها الإبراهيمي والميلي، فيقول - متأسفا-: (وفي الجزائر ينادي كل قوم برجلهم: أهل الغرب بسيدي بومدين وسيدي الهواري

__________

(1) المرجع السابق، (3/ 321)

(2) المرجع السابق، (3/ 322)

صفحة ( 10)

وفي الوسط سيدي عبد الرحمان وسيدي محمد وسيدي منصور، وأهل الشرق سيدي الخير وسيدي راشد، وسيدي عبد القادر للجميع للجميع، وقد كانت الدعوة الإصلاحية قضت على معظم هذه البدع ورجعت بالناس إلى ذكر الله وحده، ولكننا عدنا إلى سماع هذا حتى في إذاعتنا ووسائل إعلامنا، وما كان يجوز هذا في أمة موحدة وإنما يذكر عندنا اسم الله وحده، فإننا أمة وحدها الإسلام)(1)

والأخطر من هذا أن الشيخ أحمد حماني الذي أتيحت له فرص كثيرة بعد الاستقلال ضيعها جميعا، ولم يجد شيئا ينكره إلا هذه العادات ليقتلعها من جذورها من غير أن يضع أي بديل صالح لها، فقد اعتبر كالوهابيين جميعا أن الأضرحة ليست غير أصنام لا تختلف عن أصنام الجاهلية، فقال: (وكانت هذه الزردة كثيرة لأنّ لكلّ قوم لإلههم من أصحاب القبور من حدود تبسة إلى مغنية، كانت القبور تعبد من دون الله ولكلّ قوم من يقدسونه. فـ (سيدي سعيد) في تبسة، و(سيدي راشد) في قسنطينة و(سيدي الخير) بسطيف و(سيدي بن حملاوي) بالتلاغمة، و(سيدي الزين) بسكيكدة و(سيدي منصور) بولاية تيزي وزو و(سيدي محمد الكبير) في البليدة، و(سيدي بن يوسف) بمليانة و(سيدي الهواري) بوهران و(سيدي عابد) بغليزان و(سيدي بومدين) بتلمسان و(سيدي عبد الرحمن) بالجزائر، ويزاحمه (سيدي امحمد)، وليعذرني الإخوة ممن لم أذكر آلهة بلدانهم وهم ألوف، ففعل هؤلاء القوم مع هؤلاء المشايخ يشبه فعل الجاهلية مع هبل واللات والعزّى وخصوصا إقامة الزردة حولها والذبح لها والتمسح بالقبور، أفترانا نحيي آثار الشرك ونحن الموحدون؟)

ثم أفتى بأن (الطعام واللحم المقدّم في الزردة لا يحلّ أكله شرعا لأنّه مما نصّ القرآن على حرمة أكله فإنه سبحانه وتعالى يقول: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] فاللحم من القسم الرابع أي مما أهل لغير الله، أي ذبح لغير الله بل للمشايخ، فزردة (سيدي عابد) أقيمت له وهكذا (سيدي أحمد بن عودة) و(سيدي بومدبن)..

__________

(1) أحمد حماني: حياة وآثار، شهادات ومواقف، دار الأمة، 2001، ص 123.

صفحة ( 11)

أقيمت له الزردة ليرضى وينفع ويدفع الضّر، وتقول إنّ هذه الذبائح قد ذكر اسم الله عليها، فأقول: ولو ذكر اسم الله فإنَّ النّية الأولى وهي تقديمها إلى صاحب المقام، يجعلها لغير الله)

بناء على هذا وغيره حاولنا في هذا الكتاب الرد على الرؤية التكفيرية المرتبطة بالمزارات الدينية المنتشرة في بلاد المسلمين، وبيان مشروعيتها، والرد على الشبهات المثارة حولها، والتي تحاول تهديمها، وصرف الناس عنها بحجة كونها قبورية وشركا.

وقد اعتمدنا في ذلك دليلين كبيرين، كلاهما من الأدلة التي يعتمدها الفقهاء في استدلالاتهم:

الأول: هو الأدلة الشرعية سواء تلك التي يعتمدها المجتهدون من الفقهاء، وهي المصادر المقدسة من الكتاب والسنة، وما يلحق بها من آثار الصحابة والتابعين وأئمة أهل البيت، أو تلك التي يعتمدها المقلدون، وهي أقوال الفقهاء من المدارس الفقهية المختلفة.

الثاني: هو المصالح الشرعية المرتبطة بالمزارات الدينية، والتي يعتمدها عادة ما يطلق عليه الفقه المقاصدي، ذلك أن كل فروع الشريعة هدفها خدمة المصالح بأنواعها المختلفة.

بناء على هذا رأينا تقسيم البحث بحسب الأدلة التي اعتمدناها فيه إلى ثلاثة فصول، وهي:

الفصل الأول: المزارات الدينية.. والمصادر المقدسة: وقد حاولنا البرهنة فيه على شرعية المزارات من خلال العودة إلى المصادر المقدسة، سواء تلك التي يتفق المسلمون جميعا على قبولها من أمثال كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، أو تلك التي يختلفون فيها من أمثال أقوال الصحابة أو أئمة أهل البيت، والتي تدل جميعا على شرعية بناء المقامات والمشاهد والمزارات الدينية، وقد ناقشنا فيه ما يذكره التكفيريون من أدلة، وبينا مدى تهافتها.

الفصل الثاني: المزارات الدينية.. والمدارس الفقهية: وقد حاولنا البرهنة فيه على شرعية المزارات من خلال العودة إلى المصادر المعتمدة لدى المدارس الإسلامية الكبرى، والتي يدعي التيار السلفي قبوله بها، وهي المدرسة المالكية، والشافعية والحنفية والحنبلية، أما المدرسة

صفحة ( 12)

الإمامية والزيدية والظاهرية وغيرها؛ فهي تتفق جميعا على هذا، وهو من الشهرة عندهم بحيث لا يحتاج إلى ذكر أقوالهم فيها.

والسبب الذي جعلنا نخصص هذا الفصل، وعدم الاكتفاء بالفصل الأول الذي يذكر موقف المصادر المقدسة هو أن التيار السلفي ـ يحاول أثناء ممارساته التكفيرية ـ إقناع جمهوره، بإيراده لأقوال من يتبناهم من المشايخ من أمثال ابن تيمية وابن عبد الوهاب وابن باز وابن العثيمين وغيرهم من القدماء والمحدثين، وهو يطنب في ذلك لدرجة يتصور الكثير من العوام أن هذا هو إجماع الأمة، مع أن الكثير ممن يذكرهم لا يمكن تعدادهم في طلبة العلماء؛ فكيف بتعدادهم في العلماء؟

الفصل الثالث: المزارات الدينية.. وأدوارها العلمية والتربوية: وقد ذكرنا فيه الأدوار المهمة التي تؤديها المزارات الدينية، وذلك بتوضيح الحقائق المجهولة، وكشفها، والدعوة للتحقيق فيها؛ فالآثار من أكبر السجلات الحافظة لحقائق التاريخ، بالإضافة إلى أدوارها في التربية الروحية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها، والتي قد تصل إلى بث وعي سياسي في الأمة يخرجها من تبعيتها، ويحقق لها سيادتها الكاملة.

أما مناسبة الكتاب لهذه السلسلة، فواضح، ذلك أن هذه السلسلة تحاول التمييز بين شريعة الله الصافية التي لم تشبها الشوائب، وبين الشريعة المدنسة بالأهواء والأغراض، وقد رأينا أن الجهة التي تبنت الرؤية التكفيرية تمثلت في الفئة الباغية بفروعها السياسية والفكرية، والتي راحت تطمس كل آثار الصالحين، وتهدمها، ولما عجزت عن فعل ذلك راحت تستأجر من الفقهاء من يقوم بدلها بهذا الدور، إلى الدرجة التي أفتى فيها بعض كبارهم بتحريم زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واعتبارها بدعة.

بالإضافة إلى ذلك رأينا أن أكبر ما يخدم المشروع الإسلامي في مجالاته المختلفة هو تلاقي المسلمين، وتوحد قلوبهم ومشاعرهم، ولذلك فإن كل فرصة تؤدي هذا الغرض، وتخدم هذا الهدف، فرصة شرعية، ينبغي الاهتمام بها ودعمها، ذلك أن محاربتها والصد عنها هو صد عن تجمع المسلمين وتوحدهم حول أئمتهم وأوليائهم وصالحيهم.

صفحة ( 13)

الفصل الأول

المزارات الدينية.. والمصادر المقدسة

المشكلة التي ينطلق منها أصحاب الرؤية التكفيرية ليست في حرصهم على التوحيد، ولا على سلامة العقيدة، فهم يتلاعبون بكليهما بكل صنوف التلاعب..

أما التلاعب بالتوحيد، فهم ممتلئون بعشرات آلاف الأنداد الذي يجلونهم ويعظمونهم من دون الله، فأكثر سلفهم الذين يحرمون نقدهم، أو عرضهم على قوانين الكتاب والسنة، لا يفعلون ذلك بهم إلا لاعتبارهم ـ من حيث لا يشعرون ـ أندادا من دون الله..

وهكذا عندما يفعلون مع أولئك الظلمة المستبدين من أصحاب الملك العضوض، قدمائهم ومحدثيهم، حين يدافعون عنهم، ولو على حساب القيم الإسلامية، هم لا يفعلون ذلك إلا لاعتبارهم أندادا من دون الله.

ومن شك في ذلك، فليذهب إلى الأسواق، والمحال التي يجتمع فيها الصعاليك والمنحرفين، وسيرى كيف يُسب الله ورسوله والدين، ويمر ذلك التكفيري بهم، فلا يكاد يبالي، بل ربما يجلس إليهم، ويضحك معهم، لكنه لو مر بمجلس من مجالس العلم، فرآهم ينتقدون تلك الأنداد التي عبدها من دون الله، صار حينها أسدا هصورا، يغرز أنيابه في أولئك الذين لم يستسيغوا أن يدخل في دين الله ما ليس منه، أو أن تشوه قيمه تحت أي اسم أو أي شعار.

وهكذا إن رأى ناسا ملتفين بضريح، وهم يقرؤون القرآن، أو يرفعون أيديهم بالدعاء، يتوسلون به إلى الله، لعلمهم أن الله تعالى كما أتاح الوسائل في شؤون الدنيا، أتاحها في شؤون الدين، يصم آذانه عن قراءتهم للقرآن الكريم، وعن ذكرهم الكثير لله، وعن حبهم في الله لذلك الذي يعتقدون فيه الولاية والصلاح، ويرى شيئا واحدا يزينه له الشيطان، وهو أنهم يشركون بالله، مع أنهم في قمة العبودية لله، وقمة التواضع مع من يعتقدون فيه الولاية لله.

فإذا سألته عن سر ذلك الحكم الخطير، دلك على تلك الأنداد التي جعل لها حق التشريع والحكم، وأعطاها أعظم معاني العبودية، وهي الطاعة المطلقة، التي اعتبرها الله تعالى شركا، فقال مخبرا عن أهل الكتاب: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ([التوبة: 31]،

صفحة ( 14)

وقد ورد في الحديث تفسيرها، فقد سُئل حذيفة عن معناها، وعن كيفية عبادتهم للأحبار والرهبان، فقال: (أَحَلُّوا لهم الحرام فاستحلوه، وحَرَّمُوا عليهم الحلال فحرموه)(1)

بل روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعن عَدِيّ بن حاتم قال: أتيتُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي عُنُقِي صَلِيبٌ من ذَهَبٍ، فقال: (ما هذا يا عدي اطرح عنك هذا الوثن)، وسمعته يقرأ في سورة براءة (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ([التوبة: 31]، ثم قال: (أما إنهم لم يكونوا يَعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرَّموه)(2)

وهذا حديث يبين أن الشرك الجلي الحقيقي هو ذلك الخضوع المطلق لتلك الأنداد الكثيرة من أصحاب الملك العضوض، وأعوانهم من علماء السلاطين الذين أخذوا عنهم أمثال تلك الأحكام الخطيرة، غافلين عن آلاف العلماء، ومن جميع المدارس الإسلامية، والذين يخالفونهم في ذلك.

وهكذا نجد الذين يشمتون بأولئك المتواضعين الذين يقفون على أبواب الأضرحة أو شبابيكها يبكون ويتضرعون إلى الله، وهم في غاية التوحيد والتنزيه والإيمان، يقعون في كل صنوف التجسيم والخرافة، والتي تمثل أعظم مظاهر الشرك والتشويه لحقيقة الألوهية وعظمتها.

__________

(1) رواه الترمذي، وابن جرير، والبيهقي؛ انظر: جامع الأصول (2/ 161)

(2) رواه الترمذي رقم (3094)، وابن جرير رقم (16631) و(16632) و(16633)

صفحة ( 15)

ولذلك كان قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، وينسى الجذع في عينيه)(1) صادقا في أولئك الذين يعتبرون أنفسهم حماة للتوحيد، بينما هم غارقون في التجسيم والشرك إلى أذقانهم.

ولذلك لا ينطبق عليهم إلا تلك النصوص التي يحذر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمته من ظهور أمثال هؤلاء المكفرين، والذين يعمدون إلى نصوص وردت في المشركين ليطبقوها على المؤمنين، ومنها ما رواه حذيفة بن اليمان، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رؤيت بهجته عليه، وكان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك)، قال حذيفة: قلت: يا نبي الله أيهما أولى بالشرك المرمي أو الرامي؟، قال: (بل الرامي)(2)

وهكذا قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم مبينا عظم خطرهم على الدين: (رحم الله من كف لسانه عن أهل القبلة إلا بأحسن ما يقدر عليه)(3)، وفي رواية: (كفوا عن أهل لا إله إلا الله لا تكفروهم بذنب فمن أكفر أهل لا إله إلا الله فهو إلى الكفر أقرب)

فقد وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضابطا واحدا لإدخال المؤمن في الدين، وحماية عرضه من التكفير، وهو قول لا إله إلا الله، أو هو التوجه للقبلة في الصلاة، وهي محل اتفاق بين المسلمين جميعا.

__________

(1) رواه ابن المبارك (ص 70، رقم 212)، والبخارى فى الأدب المفرد (1/ 207)، وابن حبان (13/ 73، رقم 5761)

(2) رواه بن حبان في صحيحه: 1/ 282. ورواه البخاري في التاريخ الكبير (2907)، والبزار (2793)، قال ابن كثير: إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وحسنه الألباني في الصحيحة (3201)

(3) رواه ابن أبي الدنيا وأبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، انظر: تخريج أحاديث الإحياء، المغني عن حمل الأسفار (ص: 1007)

صفحة ( 16)

ولو أن هؤلاء الذين يدعون الانتساب للسلف، وفهم السلف، عادوا إليهم، لوجدوا أن كل تلك الأحكام المجحفة التي نطقوا بها في حق المسلمين لم تكن من مذاهب السلف الصالحين، بل هي من مذاهب الفئة الباغية التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي تخرج على الأمة بالسيف والتكفير.

ففي الحديث أن رجلا سأل جابر بن عبد الله الصحابي الجليل: هل كنتم تدعون أحدا من أهل القبلة مشركا؟ قال: معاذ الله، ففزع لذلك، قال: هل كنتم تدعون أحدا منهم كافرا؟ قال: لا (1).

وعن يزيد الرقاشي أنه قال لأنس بن مالك: يا أبا حمزة! إن أناسا يشهدون علينا بالكفر والشرك، قال: أولئك شر الخلق والخليقة (2).

وهكذا روي عن عمرو بن مرة الجملي، فقد ذكره مسعر بن كدام، فقال: (ما أدركت من الناس من له عقل كعقل ابن مرة، جاءه رجل فقال: ـ عافاك الله ـ جئت مسترشداً، إنني رجل دخلت في جميع هذه الأهواء فما أدخل في هوى منها إلا القرآن أدخلني فيه ولم أخرج من هوى إلا القرآن أخرجني منه حتى بقيت ليس في يدي شيء، فقال له عمرو بن مرة: الله الذي لا إله إلا هو جئت مسترشداً؟ فقال: والله الذي لا إله إلا هو لقد جئت مسترشداً. قال: نعم أرأيت هل اختلفوا في أن محمداً رسول الله وأن ما أتى به من الله حق؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في القرآن أنه كتاب الله؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في دين الله أنه الإسلام؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في الكعبة أنها قبلة؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في الصلوات أنها خمس؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في رمضان أنه شهرهم الذي يصومونه؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في الحج أنه بيت الله الذي يحجونه؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في الزكاة أنها من مائتي درهم خمسة؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في الغسل من الجنابة أنه واجب؟ قال: لا. قال مسعر: فذكر هذا

__________

(1) رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد،1/ 107.

(2) رواه أبو يعلى، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، 1/ 107.

صفحة ( 17)

وأشباهه، ثم قرأ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]، فهل تدري ما المحكم؟ قال: لا، قال: فالمحكم ما اجتمعوا عليه والمتشابه ما اختلفوا فيه شد نيتك في المحكم وإياك والخوض في المتشابه. فقال الرجل: الحمد لله الذي أرشدني على يديك فوالله لقد قمت من عندك وإني لحسن الحال. قال: فدعا له وأثنى عليه (1).

وهكذا أفتى جميع العلماء المحققين ـ الذين يعتبرهم أصحاب الرؤية التكفيرية أنفسهم ـ بعدم جواز التكفير في المسائل المختلف فيها، فقد قال الشوكاني: (اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن (من قال لأخيه: يا كافر. فقد باء بها أحدهما).. ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير)(2)

وقال الباقلاني: (ولا يكفر بقول ولا رأي إلا إذا أجمع المسلمون على أنه لايوجد إلا من كافر، ويقوم دليل على ذلك، فيكفر)(3)

وقال ابن الوزير: (في الحكم بتكفير المختلف في كفرهم مفسدة بينة تخالف الاحتياط.. أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، نعوذ بالله من الخطأ في الجميع، ونسأله الإصابة والسلامة والتوفيق والهداية)(4)

وقال: (وكم بين إخراج عوام فرق الإسلام أجمعين، وجماهير العلماء المنتسبين إلى الإسلام من الملة الإسلامية، وتكثير العدد بهم، وبين إدخالهم في الإسلام ونصرته بهم وتكثير

__________

(1) أحسن التقاسيم ص 366.

(2) السيل الجرار (4/ 578).

(3) فتاوى السبكي (2/ 578).

(4) إيثار الحق على الخلق (405).

صفحة ( 18)

أهله، وتقوية أمره، فلا يحل الجهد في التفرق بتكلف التكفير لهم بالأدلة المعارَضة بما هو أقوى منها أو مثلها مما يجمع الكلمة، ويقوي الإسلام، ويحقن الدماء، ويسكن الدهماء حتى يتضح كفر المبتدع اتضاح الصبح الصادق، وتجتمع عليه الكلمة، وتحقق إليه الضرورة)(1)

وقال الغزالي: (والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأِ في سفك محجمة من دم مسلم)(2)

وقال: (الوصية: أن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك، ما داموا قائلين: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، غير مناقضين لها.. فإن التكفير فيه خطر، والسكوت لا خطر فيه)(3)

بناء على هذا نحاول في هذا الفصل العودة للمصادر المقدسة التي يعتمدها جميع المسلمين، لنعرض عليها المسألة، ونتحاكم إليها في حلها، وقد رأينا أنه يمكن تفكيكها إلى ثلاثة مسائل فرعية (4):

المسألة الأولى: البناء على المقابر، وهل هو مشروع أو غير مشروع، وفي حال كونه غير مشروع هل يرقى إلى الشرك الجلي، كما يزعم أصحاب الرؤية التكفيرية أم لا يرقى إلى ذلك؟

المسألة الثانية: التوسل والاستغاثة باعتبار أن التكفيريين يعتبرون كل توسل واستغاثة سواء أمام الضريح أو بعيدا عنه شركا جليا.

__________

(1) إيثار الحق على الخلق (402).

(2) الاقتصاد في الاعتقاد (223 - 224).

(3) فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة (128).

(4) ويضاف إلى هذا مسألة رابعة، لم نذكرها هنا لعدم ارتباطها بالتكفير، وهي: إحياء المناسبات المرتبطة بالصالحين أو غيرهم، والتي يعتبرها التكفيريون أيضا من جملة الأمور التي ترتبط بالغلو، ويحكمون عليها بالبدعة.

صفحة ( 19)

المسألة الثالثة: زيارة الأضرحة، والتي يعتبرها التكفيريون شركا، ويطلقون على من يقومون بها لقب القبوريين.

هذه هي المسائل الكبرى التي ينطلق منها أصحاب الرؤية التكفيرية في الحكم بالشرك الجلي على كل ما يرتبط بالمزارات الدينية، سواء ما تعلق ببنائها، أو بما يفعل فيها.

وقد حاولنا أن نعتمد في الرد على على أدلتهم ـ بعد عرضها ـ من خلال صنفين من الأدلة:

الصنف الأول: المصادر المتفق عليها، وهي الكتاب والسنة المطهرة، وكلاهما محل اتفاق بين الأمة جميعا، وقد بدأنا بهما باعتبارهما الأصل الذي يرجع إليه عند كل اختلاف، كما قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ([النساء: 59]، وقال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ([الحجرات: 1]

الصنف الثاني: المصادر المختلف فيها، وهي تلك المصادر التي حاولت فهم الكتاب والسنة، أو تفسيرها، باعتبارها أقرب إلى زمن النبوة، وقد أشار إليها قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ([النساء: 83]

فأولي الأمر في الآية الكريمة ينطبق على السلف من الصحابة والتابعين في المدرسة السنية، كما ينطبق على أئمة أهل البيت في المدرسة الشيعية.

واتفاقهما في هذا المحل يعطيه مصداقية كبيرة، ذلك أن هذه الأمة لا تتفق على ضلالة، لأن ذلك يؤدي إلى انطماس الحق، ووقوع جميع الأمة في الباطل يعني انتصاره على الحق، وقد أخبر أن الله تعالى أن الحق لن ينطفئ نوره أبدا، كما قال تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ([الصف: 8]، وقال: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ([الإسراء: 81]

صفحة ( 20)

وأخبر عن بني إسرائيل أنهم لم يجمعوا على تحريف الدين، بل بقيت منهم طائفة صالحة، إلى أن جاء الإسلام فاتبعته، كما قال تعالى: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ([الأعراف: 159]

وقد ورد في الحديث ما يشير إلى هذا، بل يعد به، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله قد أجار أمتي من أن تجتمع على ضلالة)(1)

وهو جزء من حديث دل معناه على صحته، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم، فتهلكوا جميعا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة)

أولا ـ المصادر المقدسة والبناء على القبور:

من أهم الأركان التي يتأسس عليها الموقف التكفيري من المزارات الدينية الموقف من البناء على القبور، إذ أنهم يتجاوزون به طرح المسألة في أبواب الفروع الفقهية، وربطه بالحلال والحرام، والمشروعية وغير المشروعية، إلى كونه من نواقض الإيمان، ومن أسباب الكفر الجلي المخرج من الملة.

ويبنون عليه تحريم الصلاة في المساجد التي بها قبور، بل يجوزون هدمها، ولو على رؤوس المصلين، باعتبارهم مشركين، مثلما نراه في أحيان كثيرة في المساجد التي بها صوفية أو شيعة أو غيرهم.

وهم يبنون هذا على تلك النصوص التي ذكرها سلفهم القديم والجديد، ومن الأمثلة على ذلك قول ابن القيم بعد أن ذكر قصة مسجد الضرار الذي نهى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي فيه، وكيف أنه صلى الله عليه وآله وسلم هدمه وحرقه: (ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فيها، مسجد يصلى فيه، ويذكر

__________

(1) رواه أبو داود 4/ 98، حديث 4253، وابن ماجه، حديث رقم 3950، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة المختصرة (ج 3 / ص 319)

صفحة ( 21)

اسم الله فيه، لما كان بناؤه ضرراً وتفريقاً بين المؤمنين، ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم أو تحريق، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار؛ فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أنداداً من دون الله أحق بذلك، وأوجب.. وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر، كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد.. فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق، فلو وضعا معاً لم يجز، ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز ولا تصح الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجداً، أو أوقد عليه سراجاً، فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه وغربته بين الناس كما ترى)(1)

فهذا النص لا يدل فقط على مجرد التحريم، وإنما يدل على التكفير أيضا، بل يدل فوق ذلك على مشروعية تدمير أمثال هذه المساجد، وهو ما يطبقه كل حين المتأثرون بالرؤية التكفيرية.

مع العلم أن من مقتضيات هذا الحكم تدمير كل المساجد التاريخية، بل حتى تلك المساجد التي دفن فيها أئمة المذاهب الأربعة، فللشافعيّ ضريحه المشهور في مصر، ولأبي حنيفة ضريحه في بغداد، وأحمد بن حنبل كان له قبر مشيّد في بغداد، جرفه شط دجلة حتّى قيل: أطبق البحر على البحر، (وكلّ تلك القبور قد شيّدت، وبنيت في الأزمنة التي كانت حافلة بالعلماء، وأرباب الفتوى، وزعماء المذاهب، فما أنكر منهم ناكر، بل كلّ منهم محبّذ وشاكر)

بناء على هذا، سنذكر هنا ما يرد على هذه الرؤية من خلال المصادر المقدسة المعتمدة لدى هذا الفريق نفسه، وذلك من خلال الأدلة التالية:

1 ـ القرآن الكريم.. والبناء على القبور:

__________

(1) زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 501)

صفحة ( 22)

نحب قبل أن نذكر ما ورد في القرآن الكريم من الأدلة على البناء على المقابر أن ننبه إلى أن الكثير من تفاصيل الأحكام الشرعية غير واردة فيه، ولذلك يتشدد التكفيريون أنفسهم مع الذي يطالبون بالأدلة القرآنية حول ما يطرحونه من فروع فقهية.

ومن الأمثلة على ذلك أن الكثير من مسائل التركات والمواريث من أمثال التعصيب والعول وغيرها، مع أهميتها الشديدة لم يرد فيها أي نص قرآني، ومع ذلك نجد الفروع الكثيرة المرتبطة بها.

وهكذا يقال في هذه المسألة، وكان الأصل أن يطالب من يحكم على أكثر الأمة بالكفر بسبب بنائها على المقابر أن يأتي بالدليل القرآني الصريح على ذلك، لا أن يطالب المخالفين بالدليل، ذلك أن مثل هذه المسألة الخطيرة التي يتوقف عليها مصير المؤمنين تحتاج إلى أدلة قطعية قوية، وليس إلى مجرد أحاديث آحاد، قد يساء فهمها، بالإضافة إلى ضعف ثبوتها.

ومع ذلك، وعند العودة للقرآن الكريم، وترك تعطيله أو انتقاء ما يشتهى منه، نجد إشارة واضحة وصريحة على شرعية بناء المزارات الدينية واحترامها وتعظيمها، ومن أشد تلك النصوص القرآنية صراحة ووضوحا قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ([الكهف: 21]، ومن وجوه الاستدلال بالآية الكريمة كما يذكر أصحاب الرؤية الإيمانية (1):

1. أنّ الآية الكريمة متعلّقة بأصحاب الكهف، وهم أولئك الفتية الذين آمنوا بربّهم، وتركوا أهلهم حفاظا على إيمانهم، وهي تكشف عن اختلاف وقع بين المؤمنين المسلمين والمشركين الكافرين فيما يجب فعله بهم، حيث قال الذين لم يؤمنوا: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ (، أي ضعوا بنيانا على باب كهفهم ليسترهم، ربّهم أعلم بحالهم، وقال الذين أمنوا

__________

(1) انظر: إحياء المقبور من أدلة جواز بناء المساجد والقباب على القبور، ص 11، وما بعدها، وصيانة الآثار الإسلاميّة، الشيخ جعفر السبحاني، ص 26، فما بعدها.

صفحة ( 23)

واستضعفوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (، أي نحن سوف نتّخذ هذا المكان مكانا لعبادة الله عز وجل والتقرب إليه من خلال التبرك بهذا المكان الذي وقعت فيه المعجزة.

2. أن الذين غلبوا على أمرهم هم المؤمنون، لأن المسجد إنما يبنيه المؤمنون، وأما الكافرون فقالوا: ابنوا عليهم بنيانا، والدليل من هذه الآية إقرار الله تعالى إياهم على ما قالوا وعدم رده عليهم، فإن الله تعال إذا حكى في كتابه عن قوم مالا يرضاه ذكر معه ما يدل على فساده وينبه على بطلانه إما قبله وإما بعده، فإذا لم ينبه على ذلك دل على رضاه تعالى به وعلى صحته إن كان عملاً وصدقة إن كان خبراً.

3. أن الذين قالوا هذا القول كانوا نصارى، على ما هو مذكور في كتب التفسير، فيكون اتخاذ المسجد على القبر من شريعتهم، وشريعة من قبلنا شريعة لنا إذا حكاها الله تعالى، ولم يعقبها بما يدل على ردها كما في هذه الآية الكريمة.

4. أن الشرك لم يشرع في أي دين من الأديان، ولذلك حتى لو فرضنا أن هذه الشريعة كانت للنصارى، فإنها تدل على كون البناء على القبور، واتخاذها مساجد لا علاقة لها بالشرك.

5. أن الأديان جميعا تتفق في أصول الشرائع، فكلها تحوي صلاة وصياما وزكاة وحجا وغيرها، كما قال تعالى عن الصيام: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ([البقرة: 183]، والاختلاف بينها قاصر على الكيفيات، ولذلك فإن مشروعية اتخاذ القبور مساجد في الأمم الأخرى دليل على مشروعيتها في هذه الأمة، وإن كانت تختلف في كيفية تنفيذها.

لكن للأسف، ومع وضوح دلالة هذا النص على عدم ارتباط الشرك بالبناء على القبور، إلا أن أصحاب الرؤية التكفيرية راحوا يعطلون الآية الكريمة من أجل الحفاظ على ذلك الحكم المشدد الذي تبنوه، وكأن الله تعالى ذكر لنا تلك الحادثة للتسلية فقط، وليس لأي غرض آخر.

ومن الأمثلة على ذلك قول بعضهم، أو الكثير منهم في الرد على الاستدلال بالآية: (إن الصحيح المتقرر في علم الأصول أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا لأدلة كثيرة منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أعطِيتُ خمسًا لم يُعطَهُنَّ أحد من الأنبياء قبلي.. (فذكرها، وآخرها)

صفحة ( 24)

وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس كافة)، فإذا تبين هذا فلسنا ملزمين بالأخذ بما في الآية لو كانت تدل على أن جواز بناء المسجد على القبر كان شريعة لمن قبلنا!)(1)

وهكذا راحوا يردون الآية بهذا الاعتبار الذي يجعل من السنة متحكمة على الكتاب، فقد قال بعضهم: (هَبْ أن الصواب قول من قال: (شريعة من قبلنا شريعة لنا) فذلك مشروط عندهم بما إذا لم يَرِدْ في شرعنا ما يخالفه، وهذا الشرط معدوم هنا؛ لأن الأحاديث تواترت في النهي عن بناء المساجد على القبور، فذلك دليل على أن ما في الآية ليس شريعة لنا)(2)

وكان الأصل هو محاولة الجمع بين الآية والأحاديث الواردة، وليس رمي الآية، وعدم تفعيلها بحجة مخالفتها للحديث، وسنرى كيف يجمع بين الآية والحديث، عند ذكر الأحاديث التي ارتبطوا بها، والتي أساءوا فهمها، لأنهم لم يحاولوا الجمع بينها وبين القرآن الكريم.

وأعجب أنواع الهروب من الآية الكريمة الواضحة هو ذلك الذي ذكره بعضهم، فقال: (لا نسلِّم أن الآية تفيد أن ذلك كان شريعة لمن قبلنا، غاية ما فيها أن جماعة من الناس قالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا (فليس فيها التصريح بأنهم كانوا مؤمنين، وعلى التسليم فليس فيها أنهم كانوا مؤمنين صالحين، متمسكين بشريعة نبي مرسل، بل الظاهر خلاف ذلك، وهو قول الله عز وجل في قصة أصحاب الكهف: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا (فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المنتصر لما أنزل الله على رسله من الهدى)

وهذا من غلبة الهوى والتحكم في التعامل مع القرآن الكريم، فمع أن المطالبة ببناء المساجد لا تكون إلا من المؤمنين الصادقين المخلصين إلا أن هؤلاء الطائفيين، لم يكتفوا بالتهجم على صالحي هذه الأمة، وإنما راحوا إلى صالحي الأمم الأخرى، وكأنهم يستدركون

__________

(1) كشف شبهات الصوفية (ص: 117)

(2) المرجع السابق، (ص: 117)

صفحة ( 25)

على الله تعالى، والذي لم يذكر هؤلاء بما يشينهم، بل فيه إشارات كثيرة إلى صلاحهم، لأنهم عرفوا كيف يعظمون ويحترمون أولئك الذين فروا بدينهم، في مقابل أولئك الذين آذوهم.

بالإضافة إلى تلك الآية الصريحة التي ترد على اعتبار بناء المساجد على القبور شركا، وردت أدلة أخرى يمكن اعتمادها في هذا الباب مثل قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ([الحج: 32]، وقوله: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ([الحج: 30]، وقوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ([المائدة: 2]

فهذه الآيات الكريمة تدعو إلى حفظ شعائر الله وتعظيمها والحرص عليها، ومن الحرص عليها البناء الذي يحفظها، ولاشك أن المعالم الدينية من شعائر الله التي تدعو الآية الكريمة إلى حفظها.. وتلك المعالم لا تخلو في العادة من القبور.. كما أشار السبحاني إلى ذلك بقوله: (لاشكّ أنّ صون المعالم الدينية عن الاندراس ـ كالمشاهد المتضمّنة لأجساد الأنبياء والصالحين ـ وحفظها عن الخراب بناءاً وتجديداً نحو من أنحاء التعظيم، كما أنّ حفظ المسجد عن الخراب تعظيم له، لا يخفى أنّ الله تعالى جعل الصفا والمروة من الشعائر والحرمات التي يجب احترامها، فكيف بالبقاع المتضمّنة لأجساد الأنبياء والأولياء، فإنّها أُولى بأن تكون شعاراً للدين، كيف لا؟ وهي من البيوت التي أذن الله أن تُرفع، ويذكر فيها اسمه، فإنّ المراد من البيت في الآية هو: بيت الطاعة، وكلّ محلّ أُعدّ للعبادة، فيعمّ المساجد والمشاهد المشرّفة لكونها من المعابد، ولو لم يكن في الشريعة ما يدلّ على تعمير المساجد، وتعظيمها واحترامها، لأغنتنا الآية بعمومها عن الدلالة على وجوب تعمير المسجد وتعظيمه، وإدامة ذكر الله فيه، لكونه من البيوت التي أذن الله أن تُرفع)(1)

2 ـ السنة النبوية.. والبناء على القبور:

يمكن تقسيم الحديث في الأدلة الواردة في السنة النبوية المطهرة حول شرعية البناء على قبور الأنبياء والصالحين، وما يرتبط بها إلى قسمين:

__________

(1) نقلا عن: موسوعة الأسئلة العقائدية ج 3 (لـ مركز الأبحاث العقائدية)، ص 27.

صفحة ( 26)

أولهما: ما يمكن الاستدلال بها على شرعية البناء وعدم حرمته.

وثانيهما: الروايات المعارضة لذلك، وكيفية توجيهها والجمع بينها وبين النصوص المجوزة لذلك.

وهذا المنهج يعتمد في كل الأبواب الفقهية، وعند جميع الفقهاء، ذلك أنه إذا تعارضت النصوص في أي مسألة يبحثون عن المحكم فيها، ثم يحاولون توجيه المتشابه ليتناسب مع المحكم، وقد يحكمون بضعف المتشابه إذا كان حديثا بسبب مخالفته لما هو أقوى منه.

وبناء على هذا، فإن ما يقوي جانب المشروعية هو ما ذكرنا من الدليل القرآني الصريح والواضح في مشروعية البناء، ذلك أن القرآن الكريم لم يكن ليترك التعقيب على ذكر البناء إن كان حراما، ذلك أن السكوت عن البيان وقت الحاجة لا يجوز.

بناء على هذا، سنذكر هنا ما يورده أصحاب الرؤية الإيمانية من كلا القسمين:

أ ـ النصوص المحكمة الدالة على مشروعية البناء:

من الأدلة التي ذكرها أصحاب الرؤية الإيمانية على مشروعية البناء على المقابر، وخصوصا قبور الأنبياء والصالحين (1):

1 ــ ما ورد من الأحاديث والآثار الدالة على أن جماعة من الأنبياء والمرسلين مدفونون في المسجد الحرام ما بين زمزم والمقام، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن منهم نوحاً، وهوداً وصالحاً، وشعيباً، وأن قبورهم بين زمزم والحجر، وكذلك ورد في قبر إسماعيل أنه بالمسجد الحرام، وهو أشرف مسجد على وجه الأرض هو ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلو

__________

(1) انظر: إحياء المقبور من أدلة جواز بناء المساجد والقباب على القبور، ص 11، وما بعدها، وصيانة الآثار الإسلاميّة، الشيخ جعفر السبحاني، ص 26، فما بعدها.

صفحة ( 27)

كان وجود القبر في المسجد محرماً لذاته لنبش النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخرجهم فدفنهم خارج المسجد، فإنه أخبر الله أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنهم أحياء في قبورهم (1).

2 ــ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أن يدفن في البناء فقال: (لن يقبر نبي إلا حيث يموت فأخروا فراشه، وحفروا له تحت فراشه)(2)، وهو دليل صريح على وجود البناء حول القبر، وأن النهي خاص بما كان فوقه، لأنا بالضرورة نعلم أن النهي عن البناء ليس هو عن فعل الفاعل وبناء البناء، وإنما هو عن وجود نفس البناء على القبر، وإذا جوز الشارع وجود الميت داخل البناء فقد جوز البناء إذ لا فارق بين أن يوجد بعد الدفن أو قبله، لأن الغاية واحدة والصورة متفقة وهي وجود القبر داخل البناء، وإذا جاز ذلك فلا فرق بين أن يكون البناء بيتاً أو قبة أو مدرسة لأن الكل بناء والعلة في ذاته لا في أشكاله وصوره فليس النهي متعلقاً بصورة القبة أو المدرسة، بل بذات البناء كيفما وجد (3).

3 ــ إذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أن يدفن في بيته الذي هو بناء فقد تقرر في قواعد الفقه أن الرضي بالشيء رضى بما يؤول إليه ذلك الشيء، وبيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ملاصقاً للمسجد، وبابه شارعة إليه حتى أن الرواة يذكرونه أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا اعتكف يخرج رأسه الشريف إلى عائشة فترجله وهي في البيت وهو في المسجد، وقد علم صلى الله عليه وآله وسلم أن أمته ستكثر، وأن المدينة ستتسع وتعظم حتى يصل بناؤها إلى سلع كما أخبر هو صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، وأمر بشد الرحلة إلى زيارة قبره الشريف وإلى مسجده للصلاة فيه ورغب في ذلك بقوله: (من زار قبري وجبت له

__________

(1) إحياء المقبور من أدلة جواز بناء المساجد والقباب على القبور، أحمد بن الصديق الغماري، ص 33.

(2) رواه أحمد، (1/ 7)

(3) إحياء المقبور من أدلة جواز بناء المساجد والقباب على القبور، ص 26.

صفحة ( 28)

شفاعتي)(1) و(صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)(2)، ومسجده صلى الله عليه وآله وسلم كان في عصره صغيراً لا يسع عشر معشار ربع من يقصده من أمته.

4 ــ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بأن قبره الشريف سيكون داخل مسجده، وزاد فأخبر بـ (أن ما بين قبره ومنبره روضة من رياض الجنة)(3)، وهذا منه صلى الله عليه وآله وسلم إشارة إلى استحباب إدخال قبره الشريف في المسجد لأنه ترغيب يدعو إلى ذلك، إذ المراد فضيلة الصلاة ما بين القبر والمنبر والترغيب فيها في ذلك الموضع إذا لم يكن القبر الشريف داخل المسجد لا تتصور الصلاة بين القبر والمنبر ولا يتأتى التعبير بقوله: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)، لأنه إذا كان المنبر وسط المسجد والبيت الذي فيه قبره الشريف خارج المسجد لم يصح في العادة التعبير بالبينية خصوصاً عند إرادة الصلاة، فإن البيت وسوره حاجز بين القبر والمنبر مانع من الصلاة في موضعه.

5 ــ أن الله تعالى قضى في سابق علمه باتخاذ المسجد على قبر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه عند ربه جل وعز أعلى قدراً وأحمى جانباً من أن يقع بجسده الشريف ما هو محرم مبغض لله تعالى ملعون فاعله، بل هذا من المتيقن المقطوع ببطلانه لأهل الإيمان، فلو كان اتخاذ المسجد عليه صلى الله عليه وآله وسلم ممنوعاً متخذه لحمى الله تعالى جانب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم منه، ولصرف العباد عنه كما صرفهم عن غيره، فلما لم يفعل ذلك دل على أنه جائز ومطلوب، (ومن اعتقد خلاف هذا فهو قرني ممقوت لم يذق للإيمان طعماً ولا عرف من منزلة

__________

(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان، (6/ 51)

(2) رواه البخاري (2/ 76)

(3) نص الحديث (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)(انظر: مسند أحمد بن حنبل (3/ 64)

صفحة ( 29)

النبي صلى الله عليه وآله وسلم العليا ومكانته السامية عند ربه شيئاً فهو مدخول العقيدة مختل الإيمان)(1)

6 ــ أن ذلك ما جرى عليه عمل الصحابة، وهو من الأدلة المعتبرة عند أصحاب الرؤية التكفيرية، ذلك أنهم في سجالاتهم مع المخالفين لهم، يستدلون بفعل السلف، ويقدمونهم حتى على الأحاديث النبوية نفسها، وبناء على هذا يمكن اعتبار إجماع الصحابة واتفاقهم بعد الاختلاف في موضع دفنه على دفنه في بيته عملاً بما أخبرهم به أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلو كان ذلك غير صحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو منسوخاً بما ذكره في مرض وفاته مع أن الخبر لا يدخله النسخ لما أجمع الصحابة عليه، وقد قام الدليل على حجية الإجماع، ولا سيما إجماع الصحابة (2).

7 ــ إجماع التابعين ومن بعدهم في عهد وجود كبار أئمتهم مثل عمر بن عبد العزيز والحسن وابن سيرين وفقهاء المدينة والكوفة والبصرة والشام وغيرها من أقطار الإسلام، ثم أجمعت الأمة بعدهم على إدخال بيته المشتمل على قبره داخل المسجد وجعله في وسطه، وإجماعهم حجة ولو كان ذلك منهياً عنه لاستحال أن تتفق الأمة في عصر التابعين على المنكر والاجتماع على الضلالة لولا أنهم فهموا من النهي أن المراد به علته التي زالت باستقرار الإيمان ورسوخ العقيدة، ولا يقال إنهم سكتوا على ذلك لأجل ضرورة توسعة المسجد فإنه كان في الإمكان توسعته من جهة القبلة والجهة المقابلة لها والجهة الجنوبية لها دون الجهة الشمالية الواقع فيها قبره صلى الله عليه وآله وسلم.

8 ــ أن الصحابة بنوا على القبر مسجداً في حياته صلى الله عليه وآله وسلم فأقرهم على ذلك ولم يأمرهم بهدمه، ويستحيل أن يقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على باطل، ويدل لذلك ما رواه ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة أبي بصير من أن أبا جندل دفن أبا بصير في

__________

(1) إحياء المقبور من أدلة جواز بناء المساجد والقباب على القبور، ص 25.

(2) انظر: المرجع السابق، ص 11، وما بعدها.

صفحة ( 30)

مكانه الذي مات فيه، ووصلى عليه وبنى على قبره مسجداً، حيث قال: (وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ومن معهما من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أبي جندل، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وصلى عليه، وبنى على قبره مسجدا)(1)

وقد علق الغماري على هذا بقوله: (إن كل ذي حس سليم يعرف سيرة الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدرك أنه لا يمكن إحداث أمر عظيم مثل هذا ولا يذكرونه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو رسول الله تعالى وخليفته في خلقه، والأمر أمره، والحكم حكمه، والصحابة كلهم جنده ونوابه ومنفذون أمره، وكذلك يستحيل أن يحدث مثل هذا من أصحابه الذين هم تحت حكمه وأمره ويكون ذلك حراماً ملعوناً فاعله يجر إلى كفر وضلال، ثم لا يعلمه الله تعالى به ولا يوحي يوحي إليه في شأنه، كما أعلمه بمسجد الضرار وقصد أصحابه من بنائه وأمره بهدمه بل وبما هو أدون من هذا وأقل ضررا بكثير فإذا لا شك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اطلع على بنائهم المسجد على قبر أبي بصير ولم يأمرهم بهدمه إذ لو أمر بذلك لنقل في نفس الخبر أو غيره، لأنه شرع لا يمكن أن يضيع بل يستحيل ذلك لخبر الله تعالى أنه حفظ الدين من أن يضيع منه شيء ولا يصل إلى آخر هذه الأمة ما وصل إلى أولها. فلما لم يأمر بهدمه دل ذلك على جوازه)(2)

ب ـ النصوص المتشابهة في النهي عن الزيارة وتوجيهها:

يورد أصحاب الرؤية التكفيرية لمن يسمونهم القبوريين عادة بعض الأحاديث النبوية، التي قد يفهم منها ـ بادئ الرأي ـ حرمة بناء المزارات، وحرمة زيارتها، بل اعتبار ذلك بدعة وشركا، ومنها ما ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قاتل الله اليهود

__________

(1) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، (4/ 1613)

(2) إحياء المقبور، ص 53.

صفحة ( 31)

اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد)(1)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأم سلمة حين ذكرت له كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما رأت فيها من الصور: (أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله)(2)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد إلا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)(3)

وقد رد القائلون بشرعية بناء المزارات على ما فهموه بوجوه كثيرة نقتصر منها على الوجوه التالية (4):

1 ــ أن الله تعالى حكى مشروعية البناء عن المؤمنين في سورة الكهف، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم حكاه عن اليهود والنصارى وفرق بين حال الفريقين، فإن المؤمنين فعلوا ذلك للتبرك بآثار الصالحين الذين أكرمهم الله تعالى بهذا الآية وحفظ أرواحهم وأجسامهم تلك القرون الطويلة، بينما اليهود والنصارى يفعلون ذلك للعبادة والإشراك مع الله تعالى؛ فالدليلان غير متواردين على محل واحد، ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد يعبدون فيها تلك القبور ويسجدون إليها أو يجعلونها قبلة لاتخاذهم الأنبياء شركاء مع الله تعالى فيما يستحقه من العبادة.

2 ــ أنه لو كان كل من بنى على المسجد قبراً ولو للتبرك والزيارة ملعوناً كما في الحديث لكان هؤلاء المؤمنون الذي حكى الله عنهم ملعونين أيضاً داخلين في لعنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على من فعل الذي حكاه الله عنهم، ولو كانوا كذلك لكان سكوت النص القرآني

__________

(1) رواه ابن حبان (6/ 95)

(2) رواه البخاري (1/ 117)

(3) رواه مسلم (2/ 67)

(4) انظر هذه العلل مفصلة مع أدلتها في: إحياء المقبور من أدلة جواز بناء المساجد والقباب على القبور، ص 11، وما بعدها.

صفحة ( 32)

عن ذمهم ولعنهم والإشارة إلى ضلالهم وخروجهم عن الصراط المستقيم فيما أتوا كما عرف من عادته في كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

3 ــ أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح اتخذوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تماثيل)(1)، فاتخاذهم الصور والتماثيل فيه دليل على أنهم يفعلون ذلك لأجل عبادتهم، وقد شهد العيان بذلك وأثبت التاريخ مثله، وأنهم ابتدأوا عبادة الأصنام بعبادة صور الصالحين وقبورهم، وهذا لا يوجد منه شيء عند المسلمين.

4 ــ أنه معلل بخشية العبادة، وكما هو مصرح به في الحديث نفسه فلا يكون تشريعاً عاماً في كل زمان، بل هو التشريع المؤقت بزمن خشية وجود العلة، وهو زمن قرب عهد الناس بالإشراك دون الزمان الذي لم يعد أهله شركاً ولا دار في خلدهم شيء منه، بل نشأوا على الإيمان واليقين والتوحيد واعتقاد انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير، وأنه لا فاعل إلا الله تعالى، فهو غير معارض لدليل الكتاب العام في كل زمان، بل هو مخصص لعمومه بزمن ارتفاع خشية العبادة، وهو زمن استقرار الإيمان وانتشار التوحيد ورسوخ العقيدة رسوخاً لا يتطرق معه أدنى خلل ولا شك في وحدانية الله تعالى وتفرده بكل معاني الألوهية والربوبية.

وقد ذكر الغماري أن (مثل هذا في الشريعة كثير جداً وهو التشريع المؤقت الذي يشرع لعلة ثم يزول بزوال علته، إلى أنه تارة يكون منصوصاً عليه من الشارع نفسه وهو الناسخ والمنسوخ، وتارة لا ينص الشارع على زوال الحكم ونسخه لاحتمال وجود العلة في كل وقت، ولكنه يشير إلى أن ذلك الحكم غير لازم على الدوام إنما يلزم عند وجود علته فيقول أو يفعل ما يخالف الحكم الأول حتى يظن في بادئ النظر أن بين الأمرين تعارضاً)(2)

__________

(1) انظر مسند إسحاق بن راهويه، (2/ 264)

(2) إحياء المقبور من أدلة جواز بناء المساجد والقباب على القبور، ص 33.

صفحة ( 33)

وضرب مثالا على هذا بنهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن زيارة القبور (1) أولاً لما كانوا قريبي عهد بالشرك، فلما استقر الإيمان في نفوسهم أباح لهم زيارتها للاعتبار والتذكر والزهد في الدنيا، وكذلك نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث وعن ادخارها لأجل مجاعة ألمت بالناس، فلما ذهبت قال: (إنى كنت نهيتكم عن زيارة القبور وأكل لحوم الأضاحى فوق ثلاث، وعن نبيذ الأوعية ألا فزوروا القبور فإنها تزهد فى الدنيا وتذكر الآخرة، وكلوا لحوم الأضاحى وأبقوا ما شئتم فإنما نهيتكم عنه إذا لخير قليل فوسعه الله على الناس ألا إن وعاء لا يحرم شيئا وإن كل مسكر حرام)(2)

5 ـ أن الخلاف في جواز البناء حول القبور نشأ نتيجة الخطأ في الاستدلال وعدم إحكام النظر في الدليل من جهة عدم فهم معناه وتحقيقه أولا، ثم من جهة عدم فهم مراد الشارع من ذلك المعنى المفهوم ثانياً، ثم من جهة الإعراض عن النظر في الأدلة المعارضة له ثالثاً، فإن النهي الوارد في البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها غير عام في نفسه، ولا في كل زمان بل هو خاص بنوع من أنواعه ثم هو غير تعبدي، بل هو معقول المعنى معلل بعلل يوجد بوجودها وينتفي بانتفائها شأن كل حكم معلل كما هو معروف، ومع هذا فهو أيضاً معارض بما هو أقوى منه مما يجب النظر في الجمع بينهما وجوب العمل بالنص والتمسك بالدليل ويحرم الإعراض عن أحدهما والتمسك بالآخر حرمة الإعراض عن النص ومخالفة الدليل لأن الكل شرع مفترض طاعته واجب قبوله والعمل به فالإعراض عن أحدهما دون دليل، مسوغ إعراض عما

__________

(1) نص الحديث كما في (صحيح مسلم (3/ 65): (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن لحوم الأضاحى فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن النبيذ إلا فى سقاء فاشربوا فى الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا)

(2) السنن الكبرى للبيهقي، (4/ 77)

صفحة ( 34)

أوجب الله طاعته وفرض على العبد اتباعه وتفريق بيم المتماثلين وترجيح بين الدليلين بدون مرجح وهو باطل بالإجماع (1).

6 ــ أن القائل بكراهة البناء فهم أن النهي عن البناء عام، والدليل يدل على أنه خاص بالبناء الواقع فوق القبر نفسه دون الواقع حوله، لأن ذلك هو الذي يدل عليه معنى حرف (على) الموضوع للاستعلاء، فالبناء على القبر هو الذي علاه وكان فوقه لا ما كان حوله دائراً به قريباً منه على قدر حرم القبر، فكيف بما يكون واسعاً بعيداً عنه كالحوش والقبة والمدرسة، فإن اللفظ لا يتناوله، وعلى فرض أن هناك ما يدل على العموم فهو عام مخصص لورود الأدلة الدالة على تخصيصه أو على إرادة الخصوص به (2).

7 ــ أن القائل بالكراهة لا يخلو أن يكون أعرض عنه وجمد على الظاهر كأنه تعبدي غير معقول المعنى ولا ظاهر العلة وليس هو كذلك بالاتفاق، لورود النصوص بالعلة أو يكون أخطأ في تعيين مراد الشارع وتحقيقه أو أصابه ولكنه أخطأ في عدم تنقيحه، فإنه لا بد من تحقيقه ثم تنقيحه حتى لا يعم ما هو خارج عنه غير داخل في حكمه أو أخطأ في اطراد العلة وهي غير مطردة ولا موجودة في كل بناء، وإنما هي موجودة في نوع من أنواعه فإن العلماء اختلفوا في العلة التي من أجلها نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن البناء على القبر على أقوال (3):

منها أن العلة في ذلك كون الجص والآجر مما مسته النار، ولا ينبغي أن يقرب ذلك من الميت إما تفاؤلاً كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب الفأل الحسن ويستبشر به في الأقوال والأفعال والصفات والأسماء وسائر الأشياء، وإما لمعنى يعرفه الشارع فيما مسته النار. ولذلك أوجب منه الوضوء في أول الأمر ثم نسخه للضرورة ورفع الحرج والمشقة.

__________

(1) إحياء المقبور من أدلة جواز بناء المساجد والقباب على القبور، ص 8.

(2) المرجع السابق، ص 8.

(3) انظر هذه العلل مفصلة مع أدلتها في: المرجع السابق، ص 11، وما بعدها.

صفحة ( 35)

ومنها إن العلة فيه وجود الثقل على الميت والمطلوب التخفيف عنه، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتسوية القبر وعدم وضع التراب فوقه، ونص الفقهاء على أنه يكره أن يجلب له تراب زائد على الذي خرج منه.

ومنها أن العلة كون البناء فيه تمييز عن سائر قبور المسلمين حوله.

ومنها أن البناء يمنع من دفن الغير معه، لأن قبور أهل الحجاز والأرض الصلبة على كيفية اللحد.

ومنها أن فيه تشبهاً بفعل الكفار من أهل الكتاب والمشركين من أهل الجاهلية، لأنهم يضعون الرخام على قدر القبر أو يبنون فوقه. وقد بنيت الشريعة في كثير من أحكامها على مخالفة الكفار والمشركين.

ومنها أنه في الزينة الدنيوية ولا ينبغي فعل ذلك بمن انتقل إلى الآخرة.

ومنها أنه يدعو إلى الجلوس على القبر. والجلوس عليه منهي عنه لما فيه من أذية الميت بامتهانه ولهذا استحبوا أن يكون القبر مسنماً ولا يكون مسطحاً لأن التسنيم يمنه من الجلوس، ذكره بعضهم.

ومنها إنه يحول بين الميت وسماع النداء والذكر وتلاوة ما يتلى على قبره من القرآن وسلام المسلم عليه.

وقد أورد الشيخ الغماري لكل علة من العلل الثماني ما يدل عليها، وناقشها، وبين أن العلة الوحيدة المعتبرة، هي البناء على نفس القبر، فقال: (فلم يبق مقبولاً إلا العلل الأخرى وهي خاصة بالبناء الواقع على نفس القبر فوقه لا الذي حوله دائراً به، فلذلك كان مخطئاً من حمل النهي على العموم وأدخل فيه القباب والمدارس والأحواش، لأنها غير داخلة في النهي)(1)

__________

(1) المرجع السابق، ص 14.

صفحة ( 36)

وكمثال على مناقشته العلل مناقشته للعلة المتعلقة باعتبار البناء من الزينة التي لا تنبغي لأهل الآخرة، وقد ناقشها من وجهين (1):

أحدهما: أن البناء على القبر ليس من الزينة في شيء ولا يراد به الزينة، وإنما يراد به حفظ القبر من الدوس والامتهان واندثار الأثر الذي لا يعرف معه القبر، وإذا قصد به بعضهم الزينة وفعل به ما هو منها فذاك أمر زائد على البناء، فيكون الحكم متعلقاً به لا بنفس البناء.

الثاني: أن كون الزينة الدنيوية لا تنبغي لأهل الآخرة دعوى مجردة عن الدليل فهي باطلة. فإن الشارع أمر بتزيين الميت وتحسين كفنه وتطييبه، ونص الفقهاء على استحباب تقليم أظافره وإصلاح شعر لحيته ورأسه ونحو ذلك من أمور الزينة التي لم تطلب للحي إلا في العيدين والجمعة.

8 ــ أن التعليل بخشية عبادة القبر غير صحيح، وذلك لـ (رسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين وتنشئتهم على التوحيد الخالص واعتقاد نفي الشريك مع الله تعالى، وأنه سبحانه وتعالى المنفرد بالخلق والإيجاد والتدبير والتصريف لا فاعل غيره ولا مؤثر في ملكه سواه وأن المخلوق الحي لا قدرة له على جلب منفعة لنفسه ولا دفع مضرة عنها إلا بخلق الله تعالى وإيجاده فضلاً عن الميت المقبور، وبانتفاء العلة ينتفي الحكم المترتب عليها، وهو كراهة اتخاذ المساجد والقباب على قبور الأولياء والصالحين، فإن من يتخذها عليهم لا يفعل ذلك لأجل أن يعبدهم ويتخذ قبورهم مساجد يسجد إليها من دون الله تعالى، أو يجعلها قبلة يصلى إليها، بل هذا ما سمع في هذه الأمة ولا وجد قط من مسلم يدين بدين الإسلام وإنما قصد بتلك القباب مجرد الاحترام وتعظيم قبور الصالحين وحفظها من الامتهان والاندراس الذي ينعدم به الانتفاع بزيارتهم والتبرك بهم، فإذا فرض وجود من بنى قبة أو مسجداً على قبر ليعبده ويتخذه قبلة فهذا كافر

__________

(1) المرجع السابق، ص 13.

صفحة ( 37)

مرتد يجب قتله وهدم ما بناه، لأنه لم يبن مسجداً بل بنى كنيسة في صورة مسجد مع أن شيئاً من هذا لم يقع في هذه الأمة والحمد لله)(1)

أما ما يفعله بعض جهلة العوام إذا أتوا قبور الصالحين (من التعظيم ما يشبه صورته صورة العبادة لا يكون موجباً لكراهة البناء، لأن ذلك لم يأت من جهة البناء ولا هو العلة فيه، إنما علته الجهل بطرق التعظيم والحد اللائق به شرعاً، ولو كان البناء هو علة ذلك للزم ألا يتخلف عند وجوده مع أن جل من يزور الأولياء المتخذ عليهم القباب والمساجد لا يوجد منه ذلك، وإنما يوجد من قليلين جداً من بعض جهلة العوام. كما أنه يلزم أن لا يوجد إلا عند القبور المبني عليها مع أننا نرى بعض الجهلة يفعل ذلك أيضاً ببعض قبور الأولياء التي لم يبن عليها مسجد ولا قبة وليس عليهم بناء أصلاً)(2)

9 ــ أن تعظيم الصالحين لا يرتبط بالبناء وحده، فإنه حتى لو هدمت الأضرحة يبقى التعظيم، لأن الباعث على ذلك هو الاعتقاد الناشئ عن ولايتهم وصلاحهم ومكانتهم السامية عند ربهم الذي وضع لهم المحبة والاعتقاد في القلوب، ولهذا، فإن (على الجهلة القرنيين (3) المبتدعة الضالين أن يهدموا الاعتقاد ويقلعوا أثره من النفوس ويقضوا على الصلاح والولاية والتقوى والخشية التي يكرم الله تعالى صاحبها، بوضع ذلك في القلوب حتى يستريحوا من تعظيم المخلوق والتوسل والاستغاثة به أما هدم البناء فلا يأتي لهم بنتيجة ولو أتى بها لما احتاجوا إلى حراس عند القبور يمنعون من ذلك بعد الهدم)(4)

وتحدث الشيخ الغماري عن نفسه في تلك الفترة التي قام فيها الوهابيون بهدم القباب، فقال: (فأنا زرت قبر حمزة بعد هدم البناء الذي عليه بأزيد من خمس عشرة سنة ووجدت

__________

(1) المرجع السابق، ص 13.

(2) المرجع السابق، ص 13.

(3) يقصد الوهابيين.

(4) المرجع السابق، ص 13.

صفحة ( 38)

الحارس قائماً عند قبره يمنع الزوار من القرب من القبر والتمسح به وتقبيله، ولم يكف مضي خمس عشرة سنة على الهدم في قلع ذلك من النفوس، وهكذا يبقى ذلك ما بقي الإيمان ومحبة الله تعالى ورسوله ومحبة أوليائه وأصفيائه. والمقصود أن البناء لا دخل له في تحقيق علة النهي وثبوتها في هذه العصور المتأخرة، بل ذلك قد زال من البناء وانتقل إلى المحبة والاعتقاد فلم يبق حكم متعلق بالبناء، وكان المتمسك بظاهر النهي المعرض عن تحقيق علته ومراد الشارع منه مخطئاً في حكمه غير مصيب في اجتهاده وفهمه)(1)

10 ــ أن القائل بكراهية البناء على القبور تمسك بالنهي ولم يلتفت إلى ما يعارضه من الأدلة، وذلك مما يوجب الخطأ في الحكم وعدم الإصابة في الاجتهاد، فإن الجمع بين الدليلين واجب مفترض والإعراض عن أحدهما دون ثبوت النسخ حرام والحكم باطل، فإن النهي عن البناء ورد ما يعارضه مما هو أقوى منه ثبوتاً ودلالة فلا يقبل حكم مع الإعراض عنه، وسنورد هذه الأدلة المعارضة في العنوان التالي.

11 ـ أن معنى النهي عن اتخاذ القبور مساجد هو السجود لها على وجه تعظيمها وعبادتها، كما يسجد المشركون للأصنام والأوثان، وهو شرك صريح، وقد وردت الدلالة على هذا المعنى في تلك الأحاديث نفسها، فقد ثبت في حديث عائشة عن الشيخين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذو قبور أنبيائهم مساجد)، ثم علقت على ذلك بقولها: (فلولا ذلك، أبرزوا قبره)(2)

وقد علق الغماري على ذلك بقوله: (شدد في النهي عن ذلك، خوف أن يتناهى في تعظيمه، ويخرج عن حد المبرة.. لأن هذا الفعل كان أصل عبادة الأوثان ولذا لما كثر المسلمون في عهد عثمان واحتيج إلى الزيادة في المسجد وامتدت الزيادة حتى أدخلت فيه بيوت، أدير على القبر المشرف حائط مرتفع، كي لا يظهر القبر في المسجد، فيصلى إليه العوام، فيقعوا في اتخاذ

__________

(1) المرجع السابق، ص 13.

(2) صحيح البخاري 1/ 95 ح (435)

صفحة ( 39)

قبره مسجداً ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من جهة الشمال، حتى لا يمكن استقبال القبر في الصلاة، ولذا قالت: لولا ذلك لبرز قبره.. وهذا يبين أن اتخاذ القبر مسجداً، هو السجود له)(1)

12 ـ أن الرواية التي يذكرون فيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الذين يتخذون القبور مساجد: (أولئك شرار الخلق)، أي أن الأمة تتصف بذلك هي شر الأمم، وهم يعلمون أن القرآن الكريم والسنة المتواترة، تخالف ذلك، فالله تعالى أخبر أن أمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي خير أمة أخرجت للناس، وأنها أشرف الأمم وأفضلها على الإطلاق، وأنهم عدول يتخذهم الله تعالى شهداء على الأمم السابق، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ([البقرة: 143]، وذكر الله لهم من الفضل ما رغبت الأنبياء والمرسلون فيه وتمنوا أن يكونوا من أمته صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبر أنهم لا يجتمعون على ضلالة، وأن ما رأوه حسناً فهو عند الله حسن وكثير من أمثال هذا، وهذا كله يتنافى مع الحديث الذي ذكروه، فدل على أن المراد منه ليس ما فهموه منه.

يقول الغماري: (وقد علم الله تعالى في سابق علمه وما قضاه وقدره في أزله أن هذه الأمة ستتفق وتجمع أولها عن آخرها على بناء المسجد على قبر نبيها أشرف الأنبياء وأفضل المرسلين، كم علم ذلك بإعلام الله تعالى إياه وأشار إليه كما سيأتي، وأنهم سيتفقون أيضاً سلفاً وخلفاً على اتخاذ المساجد على قبور الأولياء والصالحين والعلماء والعاملين، ومن أولئك الأولياء نفسهم من يتخذها على من قبله من شيوخه ويزوره في حال بناء المساجد والقباب عليهم بل ويشد الرحال من البلاد البعيدة إلى زيارتهم، وقد شد الإمام النووي الرحلة من الشام إلى مصر لزيارة قبر الإمام الشافعي الذي عليه مسجد وقبة، وكم له من ألف نظير في المشرق والمغرب. فيلزم من هذا التناقض بين خبر الله تعالى وخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأن تكون هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وشر أمة أخرجت للناس تتفق على

__________

(1) إعلام الراكع الساجد بمعنى إتخاذ القبور مساجد-الغمارى، ص 5.

صفحة ( 40)

فعل المنكر وتبني على قبر نبيها المسجد، وكذلك على قبور الأولياء والصالحين منها، وتكون أمة وسطا عدولاً، وأمة فاسقة متفقة على عصيان الله تعالى ورسوله ومخالفة أمره جهراً، وتكون أمة مرحومة مغفوراً لها كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمة ملعونة باتخاذها المسجد على قبرنبيها كما لعن اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ويكون أولياء الأمة وعلماؤها العاملون أصحاب المناقب والكرامات الظاهرة أحباء الله تعالى وأصفياءه الذي لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، في حال كونهم أعداء الله تعالى وعصاته ومحاربيه بمخالفة أمره والاتفاق على المنكر المحرم الملعون فاعله، وأن الأمة لا تجتمع على ضلالة حتى يكون إجماعهاعلى لأمر حجة ودليلاً شرعياً كالكتاب والسنة، وأن الأمة تجتمع على الضلالة وتتفق على المنكر ومخالفة الله تعالى وأمر رسوله وهذا محال)(1)

ثانيا ـ المصادر المقدسة وزيارة الأضرحة:

تعتبر زيارة الأضرحة أو المزارات الدينية عموما لأجل التبرك أو التذكر ونحوهما من المسائل المتفق على شرعيتها في الأمة جميعا قبل ابن تيمية، ذلك أن أول قبر كان يزار، ومن كل المدارس الإسلامية، ومن جميع البلاد الإسلامية قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وهكذا كان يزار معه المدفونون في البقيع، غيره من القبور.. بل كان كبار المحدثين والفقهاء يذكرون زياراتهم لقبور العلماء والصالحين، ويذكرون تبركهم بها، واستجابة الله لدعواتهم فيها، كما سنرى بعض الأمثلة على ذلك في الفصل الثاني من هذا الكتاب.

لكن الوحيد الذي راح يخرج هذه المسألة من المشروعية إلى التحريم والبدعة ابن تيمية، الذي استعمل كل ما لديه من أنواع الجدل في بيان عدم مشروعيتها، ولذلك، وبعد المناقشات الطويلة التي أجريت معه من فقهاء عصره، اضطر إلى أن يحكم على نفس نية زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحرمة وبعدم جواز تقصير الصلاة لمن ذهب إلى المدينة المنورة بتلك النية.

__________

(1) إحياء المقبور من أدلة جواز بناء المساجد والقباب على القبور، ص 32.

صفحة ( 41)

وقد أحدث ذلك لغرابته ردة فعل شديدة في المجتمع الإسلامي بمدارسه المختلفة، والذي كان يقدس زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعتبر الجدل فيها سوء أدب معه صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد قال الحافظ ابن حجر يشير إلى الفتنة التي حصلت بسبب فتاوى ابن تيمية في ذلك: (والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شدِّ الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية)(1)

وقال الحافظ أبو زرعة العراقي في بعض أجوبته المسماة (الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية) عند الكلام على المسائل التي انفرد ابن تيمية بها: (وما أبشع مسألتي ابن تيمية في الطلاق والزيارة، وقد رد عليه فيهما معاً الشيخ تقي الدين السبكي، وأفرد ذلك بالتصنيف فأجاد وأحسن)(2)

وقال في (طرح التثريب): (وللشيخ تقي الدين ابن تيمية هنا كلام بشع عجيب يتضمن منع شد الرحل للزيارة، وأنه ليس من القرب، بل بضد ذلك، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في شفاء السِّقام فشفى صدور قوم مؤمنين)(3)

بل إن الكثير منهم، راح يحكم عليه بأشد الأحكام بسبب ذلك، ومن الأمثلة عليها ما قال الفقيه الشيخ تقي الدين أبي بكر بن محمد الحسيني الحصني الشافعي في بعض كتبه عنه: (الحمد لله مستحق الحمد زيارة قبر سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكرّم ومجّد من أفضل المساعي وأنجح القرب إلى رب العالمين وهي سُنة من سنن المسلمين ومجمع عليها عند الموحدين ولا يطعن فيها إلا من في قلبه خبث ومرض المنافقين وهو من أفراخ السامرة واليهود وأعداء الدين من المشركين، ولم تزل هذه الأمة المحمدية على شدّ الرحال إليه

__________

(1) الفتح (5/ 66).

(2) الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية ص 96–98.

(3) طرح التثريب (6/ 43)

صفحة ( 42)

على ممر الأزمان من جميع الأقطار والبلدان سواء في ذلك الزرافات والوحدان، والعلماء والمشايخ والكهول والشبان، حتى ظهر في آخر الزمان، في السنين الخداعة مبتدع من حران لبّس على أتباع الدجال ومن شابههم من شين الأفهام والأذهان، وزخرف لهم من القول غروراً كما صنع إمامه الشيطان فصدهم بتمويهه عن سبل أهل الإيمان، وأغواهم عن الصراط السوي إلى بُنيات الطريق ومدرجة الشيطان فهم بتزويقه في ظلمة الخطأ والإفك يعمهون، وعلى منوال بدعته يهرعون، صُمّ بُكم عُميّ فهم لا يعقلون)(1)

وغيرها من المقالات التي اتفق عليها أكثر علماء المدارس الإسلامية، والتي سنرى بعض الأمثلة عنها في الفصل الثاني.. لكن المشكلة لا تكمن هنا، إذ أن مقولات ابن تيمية، وبعد أن حمل عليها الفقهاء حملتهم الكبرى، وزال أثرها من الواقع، نبتت من جديد في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم بنى عليها أحكامه التكفيرية المعروفة، ولذلك خرجت المسألة في عهده من المحرمات والبدع إلى اعتبارها من نواقض الإيمان، بل اعتبارها من أكبر نواقضه.

وقد ازداد ما ذكره ـ بفعل الدور السعودي في نشر الفكر الوهابي ـ حتى صارت زيارة الأضرحة من الأمور التي لا يختلف الناس في تكفير فاعلها، واعتباره مشركا شركا جليا، بسبة أطلقوا عليها [القبورية]

بناء على هذا سنناقش هذه المسألة من خلال القرآن الكريم، والسنة النبوية، والسلف من الصحابة والتابعين وأهل بيت النبوة، لنرى مدى انسجامها أو اختلافها معها.

1 ـ القرآن الكريم.. وزيارة الأضرحة:

ذكر أصحاب الرؤية الإيمانية ثلاث آيات من القرآن الكريم تشير إلى مشروعية زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي بذلك تشير إلى مشروعية زيارة الأضرحة عموما، لأنه إذا ثبتت مشروعية زيارته صلى الله عليه وآله وسلم ثبتت مشروعية زيارة من عداه من العلماء والصالحين.

__________

(1) الفتاوى السهمية في ابن تيمية، أجاب عنها جماعة من العلماء.

صفحة ( 43)

الآية الأولى:

وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 100]

وقد ذكرها الشوكاني ـ وهو من الكبار الذين يعتمد عليهم أصحاب الرؤية التكفيرية في الدعوة للعودة لتفعيل الكتاب والسنة في الأحكام الفقهية بدل تقليد المذاهب الفقهية ـ ضمن الأدلة المشيرة إلى مشروعية الزيارة، بل استحبابها، فقال: (والهجرة إليه صلى الله عليه وآله وسلم في حياته الوصول إلى حضرته وكذلك الوصول بعد موته)(1)

الآية الثانية:

وهي قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]

فهذه الآية الكريمة تشير إلى ما كان عليه الحال في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كان يأتيه المذنب، ويطلب منه الاستغفار والشفاعة له، وقد وجد المسلمون ـ من لدن سلفهم الأول ـ استحباب العمل بها بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قالوا بمشروعية استمرارها بعد وفاته، وذلك بزيارة قبره الشريف، والاستغفار عنده، وسؤال الشفاعة، ذلك لأنّ إجلال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتكريمه واجب بعد موته كوجوبه في حياته.

وقد ذكر الشوكاني وجه الاستدلال بها، فقال: (ووجه الاستدلال بها أنه صلى الله عليه وآله وسلم حي ف