الكتاب: لا تفعل

الوصف: أربعون وصية أخلاقية وروحية ودعوية

السلسلة: رسائل السلام

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1439 هـ

عدد الصفحات: 205

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

الكتاب موافق للمطبوع

التعريف بالكتاب

يحاول هذا الكتاب أن يبين الكثير من النواحي الواقعية المرتبطة بالتعاليم التربوية الوادرة في النصوص المقدسة، ذلك أن الكثير منا للأسف يرددها من غير فهم لأعماقها ومعانيها البعيدة التي تشمل الحياة جميعا.

وقد كان التركيز فيه على الخصال التي نهى عنها الشرع، إما نهيا صريحا، أو بالإشارة، لأن التقوى والورع لا يمكن أن يتحققا من دون ترك المنهيات، ومراعاة حدود الله، ولذلك سميته [لا تفعل]

وذلك لا يعني اقتصاره على المنهيات.. وإنما يشمل المأمورات أيضا.. فترك كل منهي عنه يستلزم استبداله بالمأمور به.. ولهذا ذكرنا البدائل الشرعية لكل ما نهى الله عنه من سلوكات ومواقف.

وقد حاولنا أن نذكر في وصايا هذا الكتاب كل ما يرتبط بحياة المسلم من جوانب أخلاقية وروحية ودعوية.. وهي تشمل نواحي الحياة جميعا.

وقد صغناه بصياغة بسيطة على شكل وصايا يوجهها الكاتب لرفيق عزيز عليه، يراه كل حين يقع في خطأ من الأخطاء، فيسرع وينبهه إلى اجتنابه، ويستعمل لذلك كل وسائل الترغيب والترهيب.

فهرس المحتويات

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

لا تدع علمك يغلب عقلك

لا تأخذ دينك من الأعلم

لا تحدث بكل ما تعلم

لا تسق مرضاك سما

لا تجرح مشاعر غيرك

لا تنس أسماء ربك

لا تنشغل بما لا ينفعك

لا تتعد حدود الله

لا تكن شريكا للقتلة

لا تدخل مطعم غيبة

لا تأكل طعاما يضر بصحتك

لا تدع على إخوانك

لا تتعصب لطائفتك

لا تكن فاحشا ولا متفحشا

لا تبالغ في الدفاع عن نفسك

لا تنه عن المعروف

لا تكن لسانا للظلمة

لا تغرنك الدموع

لا تبحث عن رضى الناس

لا تخف أن يقطع رأسك

لا تطفف في الموازين

لا تقف ما ليس لك به علم

لا تيأس.. فالله موجود

لا تجعل من الشفاعة شماعة

لا تنشغل إلا بعيوبك

لا تدنس دينك بالأهواء

لا تتثاقل إلى الأرض

لا تبحث عن الأضواء

لا تضيع حظك من ربك

لا تزدر نعم الله عليك

لا تسجن عقلك

لا تصاحب هؤلاء

لا تمش في الأرض مرحا

لا تصعر خدك للناس

لا تهجر كلمات ربك

لا تنصب نفسك قاضيا

لا تسمهم علماء.. فهم قطاع طرق

لا تبع قلمك

لا تغضب

لا تكن حمال حطب

هذا الكتاب

المقدمة

يحاول هذا الكتاب أن يبين الكثير من النواحي الواقعية المرتبطة بالتعاليم التربوية الوادرة في النصوص المقدسة، ذلك أن الكثير منا للأسف يرددها من غير فهم لأعماقها ومعانيها البعيدة التي تشمل الحياة جميعا.

وقد كان التركيز فيه على الخصال التي نهى عنها الشرع، إما نهيا صريحا، أو بالإشارة، لأن التقوى والورع لا يمكن أن يتحققا من دون ترك المنهيات، ومراعاة حدود الله، ولذلك سميته [لا تفعل]

وذلك لا يعني اقتصاره على المنهيات.. وإنما يشمل المأمورات أيضا.. فترك كل منهي عنه يستلزم استبداله بالمأمور به.. ولهذا ذكرنا البدائل الشرعية لكل ما نهى الله عنه من سلوكات ومواقف.

وقد حاولنا أن نذكر في وصايا هذا الكتاب كل ما يرتبط بحياة المسلم من جوانب أخلاقية وروحية ودعوية.. وهي تشمل نواحي الحياة جميعا.

صفحة ( 4)

وقد صغناه بصياغة بسيطة على شكل وصايا يوجهها الكاتب لرفيق عزيز عليه، يراه كل حين يقع في خطأ من الأخطاء، فيسرع وينبهه إلى اجتنابه، ويستعمل لذلك كل وسائل الترغيب والترهيب.

وقد استعملنا هذه الصيغة لسهولتها، وللتنبيه إلى ضرورة النصيحة، فالعلاقات بين المسلمين تنبني على النصح، لا على المجاملة.. والمؤمنون يغسل بعضهم بعضا، ويصحح بعضهم أخطاء بعض.

وقد أوردنا فيه الكثير من الروايات والأخبار والأشعار لأثرها التربوي البليغ، ولذلك لم نهتم كثيرا بمدى صحة الأحاديث أو الروايات، لأن العبرة بالمعاني الواردة فيها.. ولذلك اكتفينا بذكر مصادرها الحديثية أو التربوية من غير تعمق في تصحيحها أو تضعيفها.

واخترنا كذلك أن تكون هذه الوصايا أربعين وصية لما ورد في الأحاديث من فضل الأربعين (1)، في المصادر السنية والشيعية، والرواية وإن كانت ضعيفة في المصادر السنية (2) إلا أنها وصلت إلى حد الشهرة والاستفاضة في المصادر الشيعية، بل ذهب البعض الى تواتر الحديث.

__________

(1) منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من حفظ على أمتي أربعين حديثا مما يحتاجون إليه في أمر دينهم، بعثه الله عزوجل يوم القيامة فقيها عالما)

(2) قال ابن الملقِّن: (حديث [من حفظ على أمتي أربعين حديثاً كُتب فقيهاً]: يُروى من نحو عشرين طريقاً وكلها ضعيفة، قال الدارقطني: كل طرقه ضعاف لا يثبت منها شيء، وقال البيهقي: أسانيده ضعيفة، [خلاصة البدر المنير (2/ 145)]، وقال البيهقي: (هذا متن مشهور فيما بين الناس وليس له إسناد صحيح) [شعب الإيمان] (2/ 270)، وقال النووي: (واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه) [مقدمة الأربعين النووية]

صفحة ( 5)

ولذلك نرى اهتمام العلماء من كلا المدرستين بجمع الأربعين في المجالات المختلفة (1).. وقد اخترنا هذا المجال التربوي الخاص.. ولذلك لم تخل وصية من الوصايا التي ذكرناها من النصوص المقدسة الدالة عليها.

لا تدع علمك يغلب عقلك

ذكرت لي ـ أيها الرفيق العزيز ـ منذ جمعتني بك الطريق أنك قرأت كتبا كثيرة، وتعلمت علوما جمة، ورأيت علماء كثيرين، ومن بلاد مختلفة.. وأنا أُكبر فيك كل ذلك

__________

(1) وقد بدأ هذا الاهتمام من عهد مبكر، ومن الأربعينيات المؤلفة في أواخرالقرن الثاني الهجري ما ألفه عبد الله بن المبارك المَرْوَزي، وكتاب الأربعين عن المشايخ عن الأربعين صحابيا، لمحمد بن أسلم الطوسي.

وفي القرن الرابع كتب أبو العباس الحسن بن سفيان النَسَوي كتاب الأربعين في المسائل الاجتماعية والأخلاقية؛ وكتب أبو بكر محمد بن الحسين الآجري (توفي 360 هـ) كتاب الأربعين حديثاً في العقائد والأخلاق والأحكام.

وفي القرن الخامس كتب عبد الرحمان السلمي [الأربعين في التصوف]، وكتب أبو سعيد أحمد بن محمد الماليني [الأربعون في شيوخ الصوفية]]، وكتب أبو نعيم الأصفهاني [الأربعون على مذهب المحققين من الصوفية]

وهكذا ألفت الكثير من الأربعينيات في سائر العصور، ومنها [الأربعون في فضائل الزهراء] لأبي صالح أحمد بن عبد الملك النيشابوري، و[كتاب الأربعين الودعانية] لأبي نصر محمد بن علي المشهور بان ودعان.

صفحة ( 6)

وأُعظمُه، وأحترمك لأجله؛ فطالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، وحتى الملائكة تضع أجنحتها له رضا بما يصنع.

ولكني مع كل ذلك الإكبار والإجلال لشخصك الكريم أريد أن أوصيك بما أوصي به نفسي، وبما أوصي به ولدي وأعز الناس علي.. وأقول لك: لا تدع علمك يغلب عقلك.. ولا تدع تلك الدفاتر التي كتبتها، والكتب التي جمعتها، والعلوم التي حفظتها، تسد عليها نوافذ عقلك؛ فتحجب عنه الرؤية..

فالعلم الذي تُفتح به أبواب الحقائق قد تُغلق به أبوابها أيضا.. هو يشبه المفتاح تماما، به نفتح، وبه نغلق؛ فلذلك احذر أن يكون علمك حجابك، وأن تكون معارفك قيودا لعقلك تججبه عن الحقيقة.

لا تكن ـ أيها الرفيق العزيز ـ مثل ذلك الأستاذ الذي ذهب إلى بعض مشايخ الروح ليطلب منه أن يعلمه كيف يبصر الحقائق، وعندما بدأ الشيخ بدلالته على أول كلمات الطريق راح الأستاذ يعقب عليها، ويشرح تفاصيلها، ويذكر له ما قال الخليل بن أحمد وسيبويه وأفلاطون وأرسطو والمعتزلة والكرامية حولها.. ولم يدع فرقة إلا ذكرها، ولا عالما إلا وأشار إليه.. حينها نظر الشيخ إليه بحزن، وقال: يا بني إن أردت أن تسلك الطريق؛ فاترك علومك، وتعال إلي؛ فعلمك صار حجابا لروحك.. وبصرك صارت حجابا لبصيرتك.

وهكذا أقول لك: لا تدع تلك العلوم التي تعلمتها، تحول بينك وبين العلوم التي يمكن أن يفجرها الله من بئر ذاتك إن أنت أدمنت التفكير.. فنحن مطالبون بأن نفكر بعقولنا لا بعقول غيرنا.. ونحن مطالبون بأن نرى الوجود ببصائرنا، لا ببصائر غيرنا.. ونحن لا يمكننا أن نكتشف حلاوة العسل ما لم نتذوقه بألسنتنا لا بألسنة غيرنا.

صفحة ( 7)

لذلك دع لعقلك المجال لأن يتذوق الحقائق، ولا تحجب عنه الرؤية، حتى لا تكون مثل النضر بن الحارث بن علقمة، ذلك الجاهلي المشرك المقيت الذي راح يُحجب بما حفظه من قصص الأولين عن رؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعن سماع القرآن الكريم، ولذلك كان بلال الحبشي، ذلك العبد الأمي البسيط أكثر وعيا وعقلا منه؛ فأبصر ما حجب عن النضر، ورأى ما لم يره، لأنه لم تكن هناك أي دفاتر تحول بينه وبين الرؤية.

وليت النضر بن الحارث اكتفى بحجاب عقله عن الحقائق، بل راح يحجب عنها غيره، مثلما يفعل كل المحجوبون بعلومهم..

لقد كان يستعمل كل الأساليب ليصرف الناس عن الحقائق التي يذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أساطير رستم وإسفنديار التي يحفظها، وكان يقول للقرشيين: (أنا واللَّه يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلم إليّ فأنا أحدثكم أحسن من حديثه)، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ثم يقول: (بماذا محمد أحسن حديثا مني؟ وما أحاديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما كتبتها)، وكان يقول لهم: (محمد يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم أحاديث فارس والروم)(1)

وكان إذا سمع القرآن الكريم، لم يترك لحقائقه أن تصل إلى عقله، وكيف تصل إلى عقله ورستم وإسفنديار يحولان بينها وبينه.. ولذلك كان ينشغل برؤيتهما عن رؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وينشغل بقصتهما عن القرآن الكريم.. بل كان يردد بكل كبرياء ما حكاه القرآن الكريم عنه: {قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 31]

__________

(1) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (2/ 345)

صفحة ( 8)

ولذلك اعتبر بقصته.. ولا تدع لرستم وإسفنديار وأرسطو وأفلاطون والخليل وسيبويه وكل علماء الدنيا، أن يحولوا بينك وبين عقلك.. فعقلك هو وسيلتك إلى ربك.. وعقلك هو المفتاح الذي تفتح لك به حقائق الوجود؛ فاحذر أن يسقط المفتاح منك، ليتناوله النضر بن الحارث، ويملي عليك حينها كل ما يريده، لترى العالم كما يراه.

فالنضر بن الحارث ليس مجرد رجل من قريش، بل قد يكون أستاذا في الجامعة، أو كاتبا كبيرا، أو باحثا عبقريا، أو صاحب شهرة تخترق الآفاق.. فكل من يريد منك أن تعطيه مفاتيح عقلك، ليضع فيه ما يريد هو نسخة من النضر بن الحارث.. ذلك الذي استسلمت له بعض العقول؛ فراحت تغلق بقصصه وعلومه نوافذ بصائرها.

ولذلك أقول لك: اقرأ وتعلم وطالع.. ولكن لا تنس عقلك.. ولا تجعل علومك حجابا بينك وبين الحقائق، ولا تكن كأولئك الذين ذكرهم الله تعالى؛ فقال: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83]

ولا تكن كأولئك الأحبار والرهبان الذين واجهو الأنبياء، لا لقلة علومهم، وإنما لضعف عقولهم، أو لغلبة علومهم على عقولهم، أو لأنهم ـ كما ذكر القرآن الكريم ـ كانوا يحملون العلوم، مثلما تحمل الحمير الأسفار؛ فهي تحملها، ولكن لا تستطيع أن تتدبرها، أو تفكر فيها.

هذه وصيتي لك، ولنفسي، ولكل من يريد أن يخرج من دين قومه ليدخل دين الله.. فدين الله لا نرثه عن آبائنا وأجدادنا، ولا نتعلمه من معلمينا وأساتذتنا، وإنما هو ذلك الذي نعاني في البحث عنه، ونتضرع إلى الله بكل صدق أن يهدينا إليه؛ فإذا هدانا إليه طلقنا كل شيء في سبيله، وأولها تلك العلوم التي كانت تحول بيننا وبينه.

صفحة ( 9)

لا تأخذ دينك من الأعلم

أيها الرفيق العزيز.. رأيتك تتحدث مع بعضهم عن فضل ذلك الشيخ الذي توهمت أنه أعلم الناس، مع ما تراه عليه من حدة وشدة.. وكنت تتحدث مثله بغضب شديد، وكأنك لا تدعو لعالم قد يصيب ويخطئ، وإنما تدعو لنبي معصوم.

وأنا لا أريد أن أصرفك عن ذلك الشيخ أو غيره، ولكني أريد أن أذكر لك أنك مهما أعملت عقلك وأجهدته، فلن تتعرف على الأعلم.. ذلك أن العلم سر بين العبد وربه.. والعلم ليس ألفاظا تردد، ولا مصطلحات معجمة تلاك، والعالم ليس ذلك الذي يقسم الشعرة بذكائه.. وإنما العالم ذلك الذي تنكشف له الحقائق، فيراها رأي العين، وينكشف له نور مصباح الهداية؛ فيكون أول السائرين على هديه.

والأعلم قد يكون مثل أولئك الفقهاء الذين كان يجلبهم الخلفاء والملوك أنصاف الليالي، ليحللوا لهم الحرام الواضح بما يطيقونه من حيل، وليخلصوهم من المآزق التي توقعهم فيها شهواتهم.

والأعلم قد يكون مثل ذلك الفقيه الذي كان يستعمل كل أصناف الدهاء والحيلة ليخلص جمهوره من أثقال التكاليف الشرعية بأبسط أنواع الحيل، ويتصور أنه قد ألغى ما ارتبط بهم من آثام، وكأن له القدرة على تغيير أحكام الله بحيله وخدعه التي لا تختلف عن حيل وخدع علماء أهل السبت.

والأعلم قد يكون مثل ذلك المحامي الشاطر الذكي الذي يحفظ القوانين عن ظهر قلب، ثم يتلاعب في الاحتيال عليها، ومزج بعضها ببعض ليخلص من يدفع له أكثر، وليورط العاجز عن الدفع.

صفحة ( 10)

والأعلم قد يكون صاحب ذاكرة قوية، يحفظ الكتب الكثيرة، ويرددها أمام الملأ، لا ليملأهم بالحقائق، وإنما ليملأهم بالانبهار، لا بالحقائق، وإنما بذاكرته وذكائه وقدراته، لتمتلئ عقولهم به، لا بالحقيقة.

والأعلم قد يكون صاحب لسان فصيح، وكلمات شاعرية عذبة، ولكنها لا تختلف عن ذلك الذئب الماكر أو الثعلب المخادع أو الصياد الذي ينصب الشباك لمن يريد أن يصطاده.

والأعلم قد يكون صاحب ذكاء حاد، يقسم الشعرة بذكائه، ويتكلم في جميع الفنون، وعن جميع الفرق، ولكنه لن يعلم أتباعه إلا الغباوة والغفلة، لأنه لا يدلهم على الحقيقة المطلقة، وإنما يدلهم على شخصه المقيد؛ فلا يرون الوجود إلا من خلال مرآته المحدودة والممتلئة بكل ألوان الكدورة والتشويه.

لذلك بدل أن تتوجه لمن تراه الأعلم، أو لمن يدعي لك أنه الأعلم، أو لمن تقوم كل وسائل البهرجة الإعلامية بتزيينه لك بكونه الأعلم.. اذهب إلى ذلك المنزوي في قعر بيته، أو في قعر سجن مظلم، فلعلك تجد عنده من التقوى الممزوجة بالعلم النافع ما يغنيك عن كل تلك الأنداد التي تريد أن تستعبدك من دون الله.

أيها الرفيق العزيز، بدل أن تبحث عن الأعلم ابحث عن الأتقى ذلك الذي يخشى الله، ويمتلئ له محبة وعشقا.. ذلك الذي فني عن ذاته في ذات رسوله وأوليائه، فلم يعد له ظل ولا رسم.. لعل حاله ينتقل إليك؛ فتشرب من بحار الحب المقدس ما يغنيك عن حانات الحب المدنس التي أوقعها فيكم من يدعي أنه الأعلم.

بدل أن تبحث عن الأعلم ابحث عن ذلك الورع الذي وزن حركاته بميزان الشريعة؛ فلا يتحرك إلا بما تملي عليه، لا يدخل عقله ولا أهواءه ولا آراءه ولا

صفحة ( 11)

اجتهاداته معها، بل هو يسلم لها مثلما سلم إبراهيم لرؤيا ربه، فلم يذكر أنها أضغاث أحلام، ليتهرب من مسؤولية الأمر الإلهي.

بدل أن تبحث عن الأعلم الذي يلتمس لك الرخص، ويعين أهواءك عليك، التمس الأورع الذي يبحث لك عن مواضع رضا الله، ومحال هداه؛ فأنت لم تأت لهذه الدنيا لتتثاقل إليها، وإنما أتيت إليها لتتزود منها.

واحذر، فقد يكون ذلك الأعلم الذي تقبل عليه هو كعب الأحبار، وذلك الأتقى الذي تفر منه هو أبو ذر؛ وأنت تعلم أنه لما وقع الخلاف بين كعب الأحبار وأبي ذر في شأن الكنز، آثر الناس كعبا لكونه صاحب ذاكرة قوية، جعلته لا يكتفي بالقرآن، وإنما يضم إليه كل الكتب المقدسة والمدنسة، ولذلك لما وازن الناس بين علمي الرجلين، وجدوا كعبا أكثر علما؛ فآثروه، وسقطوا في شباك الصياد الذي لم يكن سوى الشيطان.

قد لا يكون كلامي مجديا.. فلذلك اسمع ما قال نبيك صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يعلمنا كيف نجتذب ترددات قناة الهداية التي تبث إلى عقولنا وقلوبنا، بدل قنوات الفتنة التي أدمنا عليها؛ فقد قال: (لا تجلسوا عند كل عالم؛ إلا إلى عالم يدعوكم من خمس إلى خمس: من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة إلى الزهد، ومن الكبر إلى التواضع، ومن العداوة إلى النصيحة)(1)

وقال: (من تعلم علما ليماري به السفهاء أوليباهي به العلماء، أو يصرف به الناس إلى نفسه يقول: أنا رئيسكم فليتبوأ مقعده من النار، إن الرئاسة لاتصلح إلا

__________

(1) رواه أبو نعيم في الحلية، تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (1/ 184)

صفحة ( 12)

لأهلها؛ فمن دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه لم ينظرالله إليه يوم القيامة)(1)

وقال: (يظهرالدين حتى يجاوز البحار، ويخاض في سبيل الله ثم يأتي من بعد كم أقوام يقرؤون القرآن يقولون: قرأنا القرآن، من أقرأ منا؟ ومن أفقه منا؟ ومن أعلم منا؟. ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل في أولئك من خير؟ قالوا: لا. قال: اولئك منكم من هذه الآية: {وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} [آل عمران: 10])(2)

وقال: (إني لا أتخوف على أمتي مؤمنا ولا مشركا، فأما المؤمن فيحجزه إيمانه، وأما المشرك فيقمعه كفره؛ ولكن أتخوف عليكم منافقا عليم اللسان يقول ماتعرفون ويعمل ما تنكرون)(3)

هذه وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي ولك ولكل الناس.. لتكون معيارا نزن به العلماء الحقيقيين، ونميزهم عن الكذابين والدجالين والمضلين.. فلا يمكن أن نصل إلى الله، ونحن نهتدي بهدي المضلين.

لا تحدث بكل ما تعلم

__________

(1) بحار الأنوار: 2: 110.

(2) رواه ابن المبارك في الزهد (152)، وأخرجه أبو يعلى (12/ 56)، والبزار (1/ 99)

(3) رواه الطبراني في الأوسط والصغير، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (1/ 187)

صفحة ( 13)

أيها الرفيق العزيز.. ارفق قليلا بأولئك العوام البسطاء الذين يتجمعون على مائدة علمك؛ فأجهزة هضمهم لا تطيق الطعام الذي تقدمه لهم؛ فلذلك لا يمتصونه طعاما نافعا، وإنما سموما قاتلة.

تمنيت لو أنك ـ أيها الرفيق ـ بدل أن تقوم بالحرث والزرع أمامهم، لتنشر ما تراه من معارف، أن تلقي إليهم بالثمرة جاهزة، ليأكلوها صافية من كل كدر، سليمة من كل عيب، خالية من كل جائحة، لأن بعض الذين جلسوا إليك، وأنت تحرث وتزرع في حقل المعارف، أصابتهم بعض الجروح الأليمة من محراثك ومنجلك، وقد ذكر الأطباء أنه لا أمل في شفائهم منها.

لذلك يمكنك أن تنتقي من التلاميذ أقواهم عقلا، وأكثرهم قدرة، لتبث له ما شئت من علومك؛ أما من عداهم، فانزل إليهم، وإلى ما يطيقونه، لترفعهم بعد ذلك رويدا رويدا، ولا تهجم عليهم بما يضرهم، ولا ينفعهم.

فالعلم النافع قد يتحول إلى سم قاتل إذا لم يجد العقل الذي يقدر على تقبله، ولذلك قال رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم: (ما أحد يحدّث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلّا كان فتنة على بعضهم)(1)، وقال: (كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ما سمع)(2)

__________

(1) قال الزين العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: 70): رويناه في جزء من حديث أبي بكر بن الشخير من حديث عمر أخصر منه. وعند أبي داود من حديث عائشة (أنزلوا الناس منازلهم)

(2) رواه مسلم، 1/ 6.

صفحة ( 14)

وقبله قال المسيح عليه السلام: (لا تعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير، فإن الحكمة خير من الجوهر، ومن كرهها فهو شر من الخنازير)(1)، ويدخل فيمن كرهها من لم يطقها، لأنه قد يستلمها، وهو مكره عليها، لا مطمئن لها.

وبعدهما قال وارث النبوة الأكبر، إمامنا علي، منبع الحكمة، والسراط المستقيم: (إن هاهنا لعلوما جمّة لو وجدت لها حملة)، فهل ترى نفسك ـ أيها الرفيق العزيز ـ أكثر حكمة من الإمام الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عينه، وعلمه كيف يخاطب الناس، وكيف يراعي ضعفاءهم، ولذلك لم يبث كل ما لديه من العلوم، لأنه لم يجد من يمكنه أن يفهمها، أو يتقبلها، أو لا تؤذيه.

قد تذكر لي ـ أيها الرفيق العزيز ـ ما ورد في النصوص المقدسة من التحذير عن كتمان العلم، وتقول لي، وأنت ممتلئ ورعا: كيف أتوقف عن بث علومي، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159]

وأنا أشيد بورعك، كما أشدت قبل ذلك بعلمك؛ ولكني مع ذلك أذكرك بأن الله تعالى نهى في الآية الكريمة عن كتمان البينات، وهي الواضحات اللاتي لا ينكرهن إلا مكابر، أما ما عداهن؛ فقد لا يكون العلم بهن أصلا علما نافعا، بل قد يكون ضارا، وأنت تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غضبه عندما رأى كتابا من كتب اليهود في يد بعض بعض أصحابه، وقال له: (والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء

__________

(1) إحياء علوم الدين (1/ 57)

صفحة ( 15)

نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني)(1)

فاجعل هذا الحديث العظيم نبراسك الذي تختار به دروسك ومواعظك وأحاديثك لعامة الناس.. ارفق بهم، واكتف بأن تريهم الأبيض الناصع الواضح البين، حتى لا تشوش رؤيتهم، ولا تفسد فطرهم، ولا تضر بسلامة أجهزة هضم المعارف في عقولهم.

وإن شئت سلفا لك في ذلك غير من ذكرت من الأنبياء والأئمة، فاقتد بذلك العالم الصالح الورع الذي سئل عن بعض المسائل الدقيقة، فلم يجب؛ فقال السائل: أما سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من كتم علما نافعا جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار)؛ فقال: اترك اللجام واذهب فإن جاء من يفقه وكتمته فليلجمنى، فقد قال اللَّه تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] تنبيها على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى، وليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق)(2)

ثم راح يردد:

أأنثر درّا بين سارحة النّعم... فأصبح مخزونا براعية الغنم

لأنهم أمسوا بجهل

__________

(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل: 3/ 387 ح (15195)

(2) إحياء علوم الدين (1/ 57)

صفحة ( 16)

لقدره... فلا أنا أضحى أن أطوقه البهم

فإن لطف اللَّه اللطيف بلطفه... وصادقت أهلا للعلوم وللحكم

نشرت مفيدا واستفدت مودة... وإلا فمخزون لدىّ ومكتتم

فمن منح الجهال علما أضاعه... ومن منع المستوجبين فقد ظلم

لا تسق مرضاك سما

أيها الرفيق العزيز.. لقد رأيتك اليوم تتحدث إلى جمع من الشباب عن رحمة الله الواسعة، وذكرت لهم أثناء حديثك أصناف الشفاعة التي تنتظر العصاة يوم القيامة، وقد بلغت بك الحماسة إلى أن أوردت لهم ذلك الحديث العجيب الذي حدث به بعضهم عن كعب، وأنه ذكر ما تنتهي إليه شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

صفحة ( 17)

يوم القيامة؛ فذكر أنه (يشفع حتى يبلغ من لم يصل صلاة قط، ولم يطعم مسكينا قط، ومن لم يؤمن ببعث قط، فإذا بلغت هؤلاء لم يبق أحد فيه خير)(1)

وقد زاد في حماستك ما رأيته من أولئك الشباب من انبهار واستزادة؛ فرحت تذكر لهم حديثا آخر عن كعب يذكر فيه (أن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أثلاث، فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة، وثلث يدخلون الجنة بشفاعة أحمد)(2)

وعندما طالبوك بأن تترك الحديث عن كعب، وتحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت لهم قوله: (ما من مسلم يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقوم فى صلاته فيعلم ما يقول إلا انفتل وهو كيوم ولدته أمه من الخطايا ليس عليه ذنب)(3)

ثم عقبت عليه بقوله: (إذا مرض العبد ثلاثة أيام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)(4)

وهكذا ذكرت لهم الكثير من الأسباب التي تقوم بمحو كامل لصحيفة سيئاتهم من دون أن يبذلوا أي جهد، ولا يتكلفوا أي ندم أو توبة، وكنت تتصور وأنت تفعل ذلك أنك ترغبهم في الدين، وتملؤهم شوقا لله وتعظيما له، وقد ذكرت لهم في أثناء

__________

(1) رواه ابن مردويه، انظر: الدرالمنثور في التفسير للسيوطي ص 6، ص 286.

(2) رواه ابن جرير الطبري في جامع البيان (20/ 465)

(3) رواه الحاكم (2/ 433، رقم 3508)

(4) رواه الطبرانى فى الصغير (1/ 314، رقم 19)

صفحة ( 18)

ذلك أولئك الذين سميتهم منفرين عن دين الله.. أولئك الذين يحدثون الناس عن عذاب القبر، والآلام التي تنتظرهم إن هم تجاوزوا حدود الله.

أعلم أنك فعلت كل ذلك بحسن نية، وأنك لم ترد منهم جزاء ولا شكورا، ولكنك لم تعلم ما فعل أولئك الشباب المراهقون بعد أن خرجوا من عندك.. نعم خرجوا وهم يحمدون الله على رحمته الواسعة، ولكن شكرهم لله كان يشبه شكر ذلك اللص الذي قبل يد الشرطي بعد أن كتم عليه كل جرائم اللصوصية التي قام بها، وقطّع ملفه، ولم يرسل به إلى المحكمة ليأخذ عقابه، وليرد ما سرقه لأصحابه.

لقد خرج ذلك اللص من مخفر الشرطة، وهو يسبح بحمد ذلك الشرطي، ويلقي قصائد الثناء على رحمته، لكن أولئك المساكين الذين انتهكت أعراض بيوتهم امتلأوا حقدا على الشرطي، لكونه رحم اللص، ولم يرحمهم، ومارس الرحمة في غير محلها، وقدم الرحمة على العدالة، وأتاح الفرصة لكل المجرمين ليملأوا الأرض فسادا وجورا.

أنت ـ أيها الرفيق العزيز ـ تشبه ذلك الشرطي في رحمته ولطفه ولينه.. والفرق بينكما أنه ربما يكون قد تعامل مع لص واحد بتلك الطريقة، وفي شؤون مادية قد لا تضر كثيرا، لكنك فعلت ذلك مع جمهور كبير، كان يمتلئ ورعا وتقوى ومخافة من الله؛ فرحت تزيح تلك الحواجز، وتمزق القوانين، لتتيح للرغبات المكبوتة أن تفعل ما يحلو لها، لا في الأمور المادية فقط، وإنما في غيرها أيضا.. لذلك كان ذلك الشرطي أكثر رحمة وعدالة منك.

قد لا يكون كلامي ذا أهمية بالنسبة إليك، ولذلك أدعوك لقراءة كلام ربك، لترى كيف يمزج الله رحمته بعدله وغضبه حتى يردنا إلى حد الاعتدال؛ فالله تعالى يأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ

صفحة ( 19)

عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49، 50]، فلذلك لا يصح أن تنبئ العباد عن رحمة الله، ثم تقصر في ذكر عقوباته لمن قصر في تربية نفسه وتهذيبها.

وأدعوك ـ أيها الرفيق العزيز ـ إلى الاهتداء بهدي رسولكصلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، فهو سيد الدعاة والهداة؛ فهكذا كان يربي أمته، ويقول لهم محذرا: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وزكاة، ويأتي قد شتم عرض هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، فيقعد فيقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه من الخطايا، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)(1)، ويقول لهم: (من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)(2)

وهكذا علمنا أئمة الهدى؛ فالإمام علي يصف العالم الحقيقي؛ فيقول: (إنّما العالم الّذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يؤمنهم من عذاب الله)(3)

أما ما ذكرت من الدعوة لحسن الظن بالله؛ فذلك صحيح، ولكن تعلّم من نبيك صلى الله عليه وآله وسلم كيف تُعلم جمهورك حسن الظن بالله، حتى لا يلغي حسن الظن بالله الأمن من عذاب الله، وحتى لا يلغي الرجاء في رحمة الله الخوف من عقاب الله؛ ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب على المنبر؛ فقال: (والّذي لا إله إلّا هو ما أعطي مؤمن قطّ خير الدّنيا والآخرة إلّا بحسن ظنّه

__________

(1) رواه أحمد 2/ 303 (8016)، ومسلم 4/ 1997،.

(2) رواه البخاري 5/ 73.

(3) رواه الكليني في الكافي ج 1،ص 36.

صفحة ( 20)

باللّه ورجائه له وحسن خلقه والكفّ عن اغتياب المؤمنين، والّذي لا إله إلّا هو لا يعذّب الله مؤمنا بعد التوبة والاستغفار إلّا بسوء ظنّه باللّه وتقصيره من رجائه وسوء خلقه واغتيابه للمؤمنين، والّذي لا إله إلّا هو لا يحسن ظنّ عبد مؤمن باللّه إلّا كان الله عند ظنّ عبده المؤمن لأنّ الله كريم بيده الخيرات يستحيي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظنّ ثمّ يخلف ظنّه ورجاءه، فأحسنوا باللّه الظنّ وارغبوا إليه)(1)

فانظر كيف مزج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث بين الرجاء والخوف، وبين الدعوة لحسن الظن بالله في نفس الوقت الذي دعا فيه إلى مراعاة حسن الخلق والالتزام بالشريعة..

إذا فعلت هذا ـ أيها الرفيق العزيز ـ وتخليت عن مراعاة جمهورك، ولم تكن عبدا لطلباتهم، واستننت بسنة نبيك صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه الراشدين تكون من الذين أخذوا بالكتاب جميعا، وإذا لم تفعل فلا يمكن أن أجد لعملك تشبيها مثل ما ذكره القرآن الكريم عن اليهود الذي عاتبهم الله تعالى، فقال: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} [البقرة: 85]

كما عاتبهم عندما زعموا أنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودة، فقال: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون} [البقرة:80]

__________

(1) بحار الأنوار، ج 16 ص 189.

صفحة ( 21)

وأنت ـ أيها الرفيق العزيز ـ أعفيت جمهورك حتى من تلك الأيام المعدودة؛ فضمنت لهم النجاة، بل ضمنت لهم الجنة، ولو لم يفعلوا سوى أن يمرضوا ثلاثة أيام، أو يتوضؤوا وضوءهم للصلاة أو لغير الصلاة.

لا تجرح مشاعر غيرك

أيها الرفيق العزيز.. سمعت أنك حدثت اليوم بعض القوم عن ولدك، وشطارتهم، وذكائهم، ونجاحهم في دراستهم وأعمالهم، وأنهم قرة عينك، وفلذه كبدك، وأنك مسرور بهم غاية السرور، وتحمد الله على منته عليك بهم، وختمت حديثك بما ذكره الله تعالى عن عباد الرحمن، وقولهم في دعائهم: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]

وعلمت أنك قبل فترة نشرت صورتك، وأنت بكامل قوتك، وأمامك مكتبة فخمة مزينة بكل أنواع التحف، وكتبت تحتها: هذه صورتي، وأنا في مكتبي، وأنا بحمد الله أنعم بكامل صحتي وعافيتي، وأسأل الله أن يديمها علي.

وقبل فترة نشرت صورا للأوسمة التي قلدها لك بعض الوجهاء، وذكرت أنها ثمرة لجهدك الطويل في خدمة المجتمع، وأنها حق طبيعي من حقوقك تأخر وصوله إليك، بسبب عدم التفهم.

وكنت كل حين تنشر شهاداتك، وصورا عن بيتك الجديد، وسيارتك الفخمة، وزوجتك التي لولا حجابها والتزامها لرشحت ملكة لجميلات العالم، وهكذا لم تترك نعمة من نعم الله عليك إلا حدثت بها، وسمعها الناس منك.

صفحة ( 22)

وعندما عاتبك بعضهم في هذا، قرأت له قوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]، وأنا لا أريد أن أجادلك في هذا؛ فما قرأته قرآن كريم، ولا يصح لمؤمن أن يجادل في حقائق القرآن، أو يضرب بعضه ببعض.

لكني أريد أن أذكر لك فقط بأن بعض الذين سمعوا حديثك عن ولدك ونجاحهم في دراستهم وحياتهم، كانوا محرومين من نعمة الأولاد، وبعضهم كان لهم أولاد عاقون، وبعضهم كان لهم أولاد راسبون، وكلهم تألموا من حديثك، وجرحت مشاعرهم به مع أنك لم تقصد إذيتهم.

وهكذا كان حديثك عن زوجتك وبيتك وشهاداتك.. كلها صادف قوما من الناس لم تكن لهم كل تلك النعم التي أنعم الله بها عليك، والتي رأيت أنك ملزم بذكرها، وكأنك حمدك لله تعالى لا يتم إلا بذكرها، وعلى الملأ.

ولست أدري هل الآية القرآنية تدعو إلى ما فهمته من ذكر تلك النعم الحسية المادية التي أوردتها، أم أنها تقصد النعمة العظمى نعمة الإسلام (1) التي عبر عنها قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]

__________

(1) سئل الإمام الحسين عن عن تفسير قوله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: 11]، فقال: (أَمَرَهُ أنْ يُحدِّث بِمَا أنْعَم اللهُ بِهِ عَلَيهِ فِي دِينِه)، وروي عن الامام الباقر في تفسير قوله تعالى (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)(لقمان/20) قال: (النعمة الظاهرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما جاء به النبي من معرفة الله عز وجل وتوحيده، وأما النعمة الباطنة ولايتنا أهل البيت وعقد مودتنا)

صفحة ( 23)

وهكذا عندما ذكر القرآن الكريم النعم التي أنعم الله بها على المسيح عليه السلام ذكر أمورا في جوهر رسالته، فقال: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [المائدة: 110]

ولست أدري كيف يمكن لامرئ يسمع حديثك عن نفسك، أن يطبق قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه)، وفي رواية: انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم)، وفي رواية: (انظروا إلى من هو أسفل منكم في الدنيا، وفوقكم في الدين، فذلك أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم)(1)

وقد عقب بعض رواة الحديث عليه بقوله ـ يذكر تجربته ـ (كنت أصحب الأغنياء فما كان أحد أكثر هما مني، كنت أرى دابة خيرا من دابتي، وثوبا خيرا من ثوبي، فلما سمعت هذا الحديث صحبت الفقراء فاسترحت)

وراوي الحديث يعبر ـ بكل صراحة ـ عنك وعن أمثالك، ممن لا يبالون بمشاعر المحرومين والمتألمين، ويتصورون أنهم يحمدون الله بفعلهم ذلك، وهم لا يعلمون أن

__________

(1) رواه أحمد (2/ 413) والبخاري (8/ 128) ومسلم (8/ 213) والترمذي (2513)

صفحة ( 24)

الله يمكن أن يُحمد جملة من غير تفصيل، ويمكن أن يحمد بذكر أسمائه الحسنى وصفاته العليا، لا بذكر أسماء الأولاد، وأوصاف البيوت.

ولذلك كان أقرب اسم لذلك الفعل الذي قمت به ـ أيها الرفيق العزيز ـ هو لقب [الفخر والمباهاة] لا لقب الحمد والشكر، لأننا لو طبقنا ما فعلته، لوجدنا أقرب الناس إليه قارون، ذلك الذي خرج على قومه في زينته، وأراهم كل ما لديه من صنوف النعمة، ومع أنك لم تخرج مثلما خرج، ولكن كلماتك رسمت لجمهورك مشهدا لا يختلف عن مشهد قارون، ولذلك قال كل من أحاط بك: يا ليت لنا مثلما أوتيت، كما قال من شاهد قارون: {يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: 79]

ولهذا كان الرسل والأئمة والأولياء أكثر الناس تواضعا وأدبا ومراعاة لمشاعر الآخرين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرجل رآه؛ فأخذته مهابة منه: (هون عليك فإني لست يملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد)(1)

فأنت مخير بين أن تكون مثل قارون الذي خرج على قومه في زينته وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي مثل التواضع والعبودية والبساطة أحسن تمثيل، وكان يردد كل حين: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد)(2)

لا تنس أسماء ربك

__________

(1) رواه ابن ماجه (3312)

(2) رواه مسلم (2865)

صفحة ( 25)

أيها الرفيق العزيز.. لقد أعجبني كثيرا ماحدثت به البارحة عن أهمية التعرف على أعلام العلماء، وفي جميع المجالات، لما تكسبه تلك المعرفة لأصحابها من علو همة، ومن تعرف تفصيلي على تاريخ العلوم، والمسارات التي سارت عليها، والإنجازات التي تمت فيها.

وقد أعجبني كذلك ما ذكرته عن نفسك، ومعرفتك لآلاف العلماء والفلاسفة والمفكرين والباحثين والمخترعين، وأنهم أصبحوا بالنسبة لك كالأصدقاء والأصحاب لا يكادون يفارقونك.

وذكرت أنك تتسلى بهم أكثر مما تسلى بمن يحيط بك من البشر، وأنه إذا مر عليك اسم أحدهم شعرت بقلبك يخفق شوقا إليه، وحنينا لذكره.

وذكرت في المقابل أنك تشعر بخجل عظيم إن ذُكر اسم فيلسوف أو مخترع أو عالم ثم لا يكون لك معرفة به، أو بمنجزاته، أو بالخدمات التي قدمها للإنسانية.

وكل ما ذكرته جميل، ويدل على أنك صاحب عقل كبير لا يعيش زمانه وواقعه فقط، وإنما يعيش كل الأزمنة، وكل الأمكنة، وكل التاريخ، وكل الجغرافية.

وأنا لا أريدك أن تنسى ما تعلمته من أسماء، أو تتوقف عن تعلمه، ولكني أريد أن أدلك على أسماء أخرى تحتاج إلى التعرف عليها، وهي أسماء تتجاوز الأزمنة والأمكنة، وتتجاوز الأرض والسماء، وتتجاوز التاريخ والجغرافية، بل تتجاوز كل شيء، ومن دونها لا يكون أي شيء.

أريدك ـ أيها الرفيق العزيز ـ كما بذلت كل جهدك في التعرف على أسماء الأعلام، ومنجزاتهم، أن تتعرف على أسماء ربك، فكل ما تراه من منجزات في الكون، هي منجزات أسماء الله الحسنى؛ فأسماء الله هي المفاتيح التي تُفهم بها حقائق الوجود والكون والحياة والإنسان وكل شيء.. بل لا يمكنك أن تفهم سر ما تعرفه من أسماء

صفحة ( 26)

من دون أن تمر على أسماء الله الحسنى، تلك التي بني بها الكون، ولولاها لم يكن شيء في الأرض ولا في السماء، وفي المكان أو في الزمان، أو في اللامكان ولا زمان.

فلولا اسم الله البديع والمصور والجميل، والذي تزينت به أقطار السموات والأرض، ما رأيت لونا ولا صورة ولا شيئا جميلا، ولا رأيت بعد ذلك فنانا، ولا مطربا، وكيف يمكن للفنان أن يبدع في رسمه أو شعره أو فنه، وهو لا يجد جمالا يشحن به ذوقه، أو يعبر به عما رآه؟

فلذلك قبل أن يهزك الطرب عند ذكر أسماء أعلام الفنون الجميلة؛ فليهزك الطرب والشوق لاسم ربك البديع المصور الجميل الذي لولاه ما كنت صورة، وما كان فن، وما كان للجمال محل في الكون.

وإن شئت أن ترتقي في سلم المعارف قليلا، فتنسب الأمور إلى أهلها، وتترك الجحود ونكران الجميل؛ فلتعلم أن كل إبداع فني في الكون هو إبداع لخالق الكون.. ولذلك إن صح أن تشتاق لشيء، فليكن شوقك إليه، وإن صح أن تملأ قلبك بحب شيء، فليكن حبك كله متوجها إليه؛ فلولاه لم يكن شيء.

ولذلك من الغبن أن تحفظ كل أسماء الفنانين، ثم يغيب عنك اسمه، لأنه لولا اسمه لكانت كل تلك المسميات التي تحفظ أسماءها مجرد أشباح وهياكل لا حياة فيها.

وهكذا؛ فإن كل أسماء الفلاسفة والمفكرين والعقلاء التي تحفظها ليست سوى نفحات من أسماء الله الحسنى التي لا نهاية لعطائها وكرمها وجودها، فلذلك لك أن تفرح بتلك الأسماء، ولكن مصحوبة باسم مبدعها وملهمها ومعلمها، فلولاه لكان كل من تراهم من عقلاء مجرد مجانين وصعاليك في الشوارع، لا قيمة لهم، ولا علوم لديهم، ولا عقل يفكرون به، لأن العقل ليس أداة إنتاج، وإنما هو أداه استقبال.

صفحة ( 27)

وهكذا؛ فإن كل أسماء المخترعين وعلماء الفيزياء والفلك والطب.. وكل العلوم ليسوا سوى عيال أمام حضرة أسماء الله الحسنى، يتلقفون منها المعارف، ويستفيدون منها العلوم، ولولاها لم يكونوا.. ولذلك من الغبن أن تعرف أسماء التلاميذ، ولا تعرف اسم معلمهم.

ومن الغبن أن تمضي حياتك كلها في التعرف على الظلال، ثم لا تعرف مصدرها، ولا حقيقتها، ولا منبعها الذي منه خرجت، وإليه تعود.

لذلك ـ أيها الرفيق العزيز ـ وجه همتك قليلا للتعرف على الأسماء الحقيقية، لا الوهمية؛ فإنها وحدها الباقية، وما عداها فان.. وإياك أن تجعل تلك الأسماء الوهمية أندادا تحبها من دون الله، فلولا الله لم يكن شيء، فانطلق منه إليها، لتعرفها على حقيقتها، لا على ما تزينت به، لأن كل ما تزينت به وهم وسراب سرعان ما تكتشفه بنفسك، حين يكشف عنك الحجاب، وترفع عنك الأوهام.

لا تنشغل بما لا ينفعك

أيها الرفيق العزيز.. لست أدري هل ما سأقوله لك سيعجبك أم لا، لكني مضطر لأن أقوله، ولا يهمني ما سيكون موقفك مني، حتى لو رميتني بالجمود والبلادة والتخلف والتطرف؛ فأنا أقبل كل ذلك منك.. ولكني لا أتنازل عن مقالتي التي أريد أن أوجهها لك، والتي أوقن أنها لن تعجبك، وأنت كما تعرفني لا أهتم بما يعجبك أو ما لا يعجبك؛ فالنصح الذي يمتلئ بالمجاملات غش وخديعة.

وقبل أن أذكر لك نصيحتي أريد أن أسالك، وأنت صاحب العقل الراجح والفكر النير عن مدة بقائنا في الدنيا، ولا شك أنك ستجيب بالبداهة التي أعرفها عنك؛ فتقرأ لي قوله تعالى، وهو يذكر النتيجة التي وصل إليها أهل الدنيا بعد ذهابهم للآخرة: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ

صفحة ( 28)

فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 112 - 114]

ثم تذكر لي بعدها ما تعودته عنك من ربط النصوص المقدسة بحقائق العلم؛ فتذكر لي أن هذه الكلمات القرآنية حقائق يعرفها العلماء، وأنه لو وضعنا مدة عمر البشر جميعا أمام عمر الكون، أو أمام الزمن اللامتناهي؛ فإنه سيتشكل لدينا رقم صغير جدا يكاد يكون صفرا.. هذا بالنسبة لعمر البشر جميعا، فكيف بعمر كل واحد منا؟

وحينها سأسألك عن هذا العمر القصير، وما يمكن أن ينتج عنه من نتائج مرتبطة بالأزل والأبد، وحينها ستقرأ علي من النصوص المقدسة ما يدل على عظم غبن من فرط في هذه الفرصة التي تبنى بها القصور، وتستغرس بها كل أنواع النعم، وتقرأ علي من ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن: 9]

وتقرأ علي بعدها ذلك التحسر الذي يصيب أهل النار عندما يعاينون النعيم الذي يعيشه أهل الجنة، كما قال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام: 31]

وقد تذكر لي حينها كيف تحولت أعمال المؤمنين إلى أنوار يهتدون بها في عالم الآخرة، في نفس الوقت الذي يعيش فيه المستغرقون في الدنيا في عالم الظلمات المطبقة، لكونهم لم يشحنوا بطارياتهم في الدنيا لتمدهم بالنور في الآخرة، كما قال تعالى مشيرا إلى ذلك: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ

صفحة ( 29)

مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 13، 14]

وحينها سأسألك ملغزا، مختبرا ذاكرتك عن تلك القصة التي حكاها لنا معلم التربية، حين كنا صبية صغارا؛ فذكر لنا أن رجلا قال عند موته: (يا ليتها كانت كثيرة.. يا ليتها كانت الجديدة.. يا ليتها كانت كاملة)

وحينها ستجيبني بالبداهة التي أعرفها عنك؛ فتذكر لي أنه يشير بقوله: (يا ليتها كانت كثيرة) إلى جاره الأعم، وأنه كان يأخذه كل يوم إلى المسجد، وعندما عاين ثواب هذا العمل عند دنو أجله، قال: (يا ليتها كانت كثيرة تلك الخطوات التي أخطوها برفقة جاري الأعمى لتكون حسناتي أكثر)

وتذكر لي أنه يشير بقوله: (يا ليتها كانت الجديدة) إلى أنه كان لديه خفّان، أحدهما قديم، والآخر جديد؛ فتبرع بالقديم، فعندما وجد ثواب هذا العمل عند دنو أجله، قال: (يا ليتها كانت الجديدة؛ فلو كانت الجديدة لكان الثواب أكبر وأعظم)

وتذكر لي أنه يشير بقوله: (يا ليتها كانت كثيرة كانت كاملة) إلى أنه كان يتصدق في كل يوم بنصف رغيف؛ فعندما وجد ثواب هذا العمل عند دنو أجله، قال: (يا ليت تلك الأرغفة كانت كاملة)

وحينها سأسألك عن سر ذلك الرجل الصالح الذي حكى لنا قصته ذلك العجوز الذي التقينا به صدفة في القطار، وحدثنا عن قيمة الوقت، وأن كل لحظة يمكننا أن نكسب بها سعادة الأبد، وحينها ستجيبني بما أعرفه من ذاكرتك القوية؛ فتقول: إنه ذلك الرجل الذي كان يختار الطعام اللين الذي لا يحتاج إلى مضغ؛ فعندما

صفحة ( 30)

سئل عن سر ذلك، قال: (حسبت ما بين المضغ إلى الاستفاف سبعين تسبيحة؛ فما مضغت الخبز مند أربعين سنة)(1)

وطبعا أنا لا أريدك أن تكون مثله، ولا أن تفعل فعله، فهناك الكثير من الأطعمة الطيبة التي أباحها الله لنا، والتي تحتاج إلى المضغ؛ وما خلق الله لنا الأسنان إلا لنستعملها، ولم يجعل الله لنا أسوة إلا بالأنبياء والمرسلين والأئمة المطهرين..

ولكني أريد أن أسألك عن عينيك اللتين تقضيان وقتا طويلا في مشاهدة المباريات والأفلام والمسلسلات، والتي تحضر معها كل لطائفك وأركان حقيقتك.. كم تسبيحة منعتك تلك المباريات؟.. وكم علما صرفتك عنه؟.. وكم فكرا نافعا حالت بينك وبينه؟.. وكم قصرا كان يمكن أن يُبنى لك في تلك اللحظات قصرت في بنائه؟

وليت الأمر اقتصر على تلك المباريات أو الأفلام أو المسلسلات.. بل هناك شؤون كثيرة، ومشاغل طويلة، تقضي على أعمارنا من غير أن نشغلها بشيء ينفعها..

نعم.. هي مباحات كما تذكر، وأنا لست ممن يحرم الحلال، أو يحلل الحرام، ولكني أسألك عن سر ذلك الإذعان التام لكل اللطائف عند تطبيقها لشرائع المباحات، في نفس الوقت الذي تتثاقل فيه على شرائع الواجبات والمستحبات.. فهل جاءت الشريعة لتعلمنا كيف نمارس المباح، أم جاءت لترفعنا إلى ثقل الواجبات والمستحبات وكل التكاليف الشرعية؟

أنا لا أريد من حديثي هذا أن أعظك أو أذكرك أو أوصيك؛ فأنا مثلك وربما أكثر منك تقصيرا، ولكني أريد أن أكشف الحقيقة التي نحاول أن نشغل أنفسنا عنها

__________

(1) إحياء علوم الدين (3/ 86)

صفحة ( 31)

بتلك اللعب؛ فالبشر جميعا ـ كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ: (كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها، أو موبقها)(1)

وقد قال قبل ذلك مذكرا ومعلما وهاديا: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ـ أو تملأ ـ ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك)، ليعلمنا أن كل لحظة يمكننا أن نرتاد بها فضاء الحقائق، وأن نصل بها إلى كل الكمالات.

فالحمد لله ـ كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحدها تملأ ما بين السماء والأرض، ونحن يمكننا أن نقولها عشرات الآلاف من المرات في الوقت الذي نقضيه في مشاهدة مباراة واحدة، لا نتلذذ منها إلا كما يتلذذ المجنون بقضم أصابعه، ونحن أيضا في تلك اللحظات لا نختلف عن ذلك المجنون، بل نحن أشد جنونا منه، فهو غير مكلف، وهو لا يقضم إلا أصابع سرعان ما تفنى، أما نحن الذين ندعي العقل؛ فنقضم أعمارنا، ونقضم أرواحنا وحقائقنا ولطائفنا، ونملؤها بالفراغ القاتل، ويوم القيامة نعض أصابعنا من الندم على ذلك الوقت الذي قضيناه في ذلك الجنون الذي لم نستفد منه إلا قسوة القلب، وضياع الوقت، وفقدان النور.

وقد ورد في بعض الآثار ما يصور حقيقة ما سيحصل في الآخرة من الندم والغبن الذي يشعر به كل الخلائق حتى المؤمنين منهم، فقد ذكر أنه (ينشر للعبد بكل يوم وليلة أربع وعشرون خزانة مصفوفة، فيفتح له منها خزانة فيراها مملوءة نورا من حسناته التي عملها في تلك الساعة، فيناله من الفرح والسرور والاستبشار بمشاهدة

__________

(1) رواه مسلم رقم (223) في الطهارة، باب فضل الوضوء، والترمذي رقم (3512)

صفحة ( 32)

تلك الأنوار التي هي وسيلته عند الملك الجبار، ما لو وزع على أهل النار لأدهشهم ذلك الفرح عند الإحساس بألم النار، ويفتح له خزانة أخرى سوداء مظلمة، يفوح نتنها، ويغشاه ظلامها، وهي الساعة التي عصى الله فيها، فيناله من الهول والفزع ما لو قسم على أهل الجنة لتنغص عليهم نعيمها، ويفتح له خزانة أخرى فارغة ليس له فيها ما يسره ولا ما يسوؤه، وهي الساعة التي نام فيها، أو غفل، أو اشتغل بشيء من مباحات الدنيا، فيتحسر على خلوها، ويناله من غبن ذلك ما ينال القادر على الربح الكثير والملك الكبير، إذا أهمله وتساهل فيه حتى وفاته)(1)

أنا لا أريدك ـ أيها الرفيق العزيز ـ أن تعتزل الدنيا، أو تعتزل المباح، أو تقضي على كل لحظة أنس وراحة في حياتك؛ فذلك غير ممكن، وقد يضرك ذلك أكثر مما ينفعك، ولكني أذكرك بما قاله إمام المتقين، ويعسوب الدين، موصيا ابنه الإمام الحسن: (يا بني، للمؤمن ثلاث ساعات ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه ولذتها فيما يحل ويجمل، وليس للمؤمن بد من أن يكون شاخصا في ثلاث مرمة لمعاش، أو خطوة لمعاد، أو لذة في غير محرم)(2)

وإن شئت أن يكتب الله لك تلك الساعة التي تتفرغ فيها للمباح من اللذات، فانو بها القوة على الطاعة، لتجعل حياتك كلها في سبيل الله، وحينها يمكنك أن تقرأ هذه الآية، وتصدق في قراءتها: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

__________

(1) أورده في بحار الأنوار، ج 3 ص 267 في الهامش من كتاب عدة الداعي، وأورده الغزالي في إحياء علوم الدين (4/ 395) باعتباره حديثا نبويا، لكن ذكر الحافظ العراقي أنه لا أصل له.

(2) نهج البلاغة / 545 حكمة 390..

صفحة ( 33)

(162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)} [الأنعام: 162، 163]

لا تتعد حدود الله

أيها الرفيق العزيز.. لقد كنت تذكر لي، وربما لغيري أيضا، كل حين الوقائع الكثيرة التي حصلت لك، والتي جعلتك موقنا تماما من تأثير العين، وأنه لا يجادل في إنكارها إلا مكابر.

وأنا لا أريد أن أجادلك فيها، وكيف أجادلك، وأنت تروي لي كل حين الأحاديث الواردة بشأنها، والتي حفظتها جميعا عن طريقك، وبسندك، ومنها (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين)(1)، و(العين تدخل الرجل القبر، وتدخل الجمل القدر)(2)، و(أكثر من يموت من أمتي ـ بعد قضاء الله وقدره ـ بالعين)(3)، و(إن العين لتولع بالرجل بإذن الله، حتى يصعد حالقا، ثم يتردى منه)(4)، وغيرها من الأحاديث والآثار.

وأنا لا أريد أن أجادلك في مدى صحة هذه الأحاديث، ولا من هم رواتها، ولا في اتصال سندها أو انقطاعه، ولا في موافقتها لما في القرآن الكريم من حقائق الوجود،

__________

(1) رواه البخاري 10/ 319، ومسلم رقم (2187)

(2) رواه أبو نُعيم في الحلية، انظر: المقاصد الحسنة (ص: 470)

(3) قال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (5/ 106): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.

(4) قال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (5/ 106): رواه أحمد، والبزار، ورجال أحمد ثقات.

صفحة ( 34)

وسنن الكون أو معارضتها له، ولكني أريد أن أدلك على أسباب أخرى قد تكون هي وراء ما يحصل لك كل حين.

وهذه الأسباب التي أريد أن أذكرها لك ليست لها علاقة بجارك الذي تتهمه بأنه أصابك بالعين، ولا علاقة لها بالرقاة الذين تحضرهم كل حين لتسلمهم ما لديك من مال، ويسلموك ما لديهم من خبرة في ضبط الأعين الخارجة عن القانون.

وإنما لها علاقة بك أنت؛ فقد تكون أنت سبب ما حصل لك، لا عين غيرك التي تتهمها جزافا، ومن غير دليل، سوى تصورك أنهم لم ينظروا إليك إلا نظرة حسد.

ولا تخف، فأنا أيضا مسلح بنصوص مقدسة لا تقل عن النصوص التي استدللت بها في اتهام غيرك، وهي نصوص متفق عليها، وليس هناك مخالف فيها، وهي فوق ذلك منسجمة مع حقائق الوجود، وسنن الكون.

وتلك الأسباب ـ مهما تفرقت أصنافها، وتباينت أنواعها ـ ترجع لكسبك وعملك وأفعالك التي خالفت فيها شريعة ربك، وتعديت حدوده، وأنت تعلم أن التعدي على حدود الله لا يختلف عن التعدي على قوانين الفيزياء والكيمياء والحياة؛ فكما أنك إذا لمست تيار الكهرباء تصاب بالصعقة، وبالألم، حتى لو لم يصبك أحد بعين؛ فكذلك القرب من حدود الله، وانتهاكها يؤدي إلى نفس الصعقة، ويكون الألم والمصيبة بقدر شدة المعصية، وعظمتها.

فلذلك بدل أن تتهم جارك المسكين، أو ترسل إلى الرقاة ليبحثوا لك عن الجناة، ابحث في سجل أعمالك، وانظر إلى كل سلوك سلكته، أو فعل فعلته، أو موقف وقفته، أو قول قلته، أو نظرة أرسلتها، فلعل بلاءك كان في ذلك السلوك، أو ذلك الموقف، أو تلك النظرة.

صفحة ( 35)

فإن وجدت سجلك نظيفا؛ فانظر إلى موقفك أو موقف قلبك من أولئك الذين اتهمتهم بأنهم أصابوك بعيونهم، فلعلك أسأت الظن بهم، والظن أكذب الحديث، أو لعلك تحمل بعض الحقد عليهم، والحقد معصية من المعاصي التي يتنزل بسببها البلاء؛ فلذلك قد يكونون هم سبب بلائك، ولكن لا بعيونهم التي تتهمها من غير دليل، وإنما لموقفك الحاقد عليهم.

ربما قد يجعلك هذا الحديث تتهمني أنا أيضا برد النصوص المقدسة، وتلك الأحاديث التي رويتها، ومعاذ الله أن أفعل ذلك، ولكني امرؤ شديد الحيطة، وأخاف أن أترك أسبابا واضحة معلومة دقيقة متفقا عليها إلى أسباب وهمية، قد تكون وساوس شيطانية، أو بنات لخدع النفس الأمارة، والتي تريد أن تخلص نفسها من كل تهمة، لترميها على غيرها، وتستريح.

لقد رجعت ـ أيها الرفيق العزيز ـ إلى كلام ربي الذي لا يختلف اثنان في صحته وقدسيته، لأسأله عن أسرار كل المصائب التي حصلت في تاريخ البشرية؛ فلم يذكر لي العين، وإنما ذكر لي المعاصي والذنوب والجرائم، وأعطاني سنة ذلك؛ فقال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11]، وقال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال:53]

وعندما سألته عن سر ذلك الدمار الذي أصاب القرى؛ فحولها من النعيم إلى العذاب، ومن السعادة إلى الشقاء، لم يذكر لي العين، وإنما أجابني بقوله تعالى: {إِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]، وقوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96]، وقوله:

صفحة ( 36)

{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} [الطلاق: 8، 9]

وعندما سألته عن سر الفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والبيئي، وكل ما تعانيه البشرية من مآس، لم يذكر لي العين، وإنما أجابني بقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41]، وقوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة: 49]، وقوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} [الأعراف: 100]

وعندما سألته عن سر ما حصل لقارون ذلك الغني المترف الذي آتاه الله {مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص: 76]، لم يذكر لي عيون المؤمنين، ولا عيون الكافرين، وإنما ذكر لي كبرياءه وفخره وخيلاءه، والذي جعله يسكن باطن الأرض، بعد أن تكبر على ظاهرها.

وعندما سألته عن سر تلك المصائب التي حصلت لصاحب الجنتين الممتلئتين بكل أصناف الثمار والجمال، لم يذكر لي صاحبه المؤمن الذي كان يحاوره، وإنما ذكر لي طغيانه وتأليه على الله، وإعجابه بنفسه وببساتينه؛ فلم تكن عين المؤمن هي التي أصابته، وإنما كانت عينه الشرهة للدنيا المتثاقلة إليها هي السبب، وقد عبر هو نفسه عن ذلك حين {أَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 42]

وعندما سألته عن سر ما حصل لأصحاب الجنة، تلك التي {طَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)} [القلم: 19، 20] أجابني بأنهم رغم أخطائهم الكبيرة التي وقعوا فيها، لم ينسبوا الأمر للعين، وإنما

صفحة ( 37)

نسبوه لأنفسهم، وقالوا ـ بعد أن قرأوا رسالة الله لهم ـ: {يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)} [القلم: 31، 32]

وعندما سألته عن سر ما حصل لثمود وعاد تلك القبائل البائدة، أجابني بأنه لا علاقة لكل ما حصل لهم بالعين، بل هي أعمالهم التي عبر عنها الله تعالى بقوله: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8)} [الحاقة: 4 - 8]

وعندما سألته عن سر ما حصل لفرعون ومن معه من المصريين من الهلاك، أجابني: {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً} [الحاقة: 9، 10]

وعندما سألته عن سر ما حصل لسبأ، وتفرقها في الأرض شذر مذر، وتحولها من النعيم إلى البلاء، ومن السعادة إلى الشقاء، أجابني بأنه لا علاقة لكل ما حصل لهم بالعين، وإنما هي أعمالهم التي عبر عنها الله تعالى بقوله: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [سبأ: 15 - 17]

وهكذا رحت أسأله عن كل مصيبة حصلت، وكل بلاء تنزل، ولم يجبني في واحدة منها بعلاقة العين بذلك، ولذلك لا يمكنني أن أترك هذه الإجابات القرآنية الصريحة الواضحة، وأستمع إلى إجابتك.

صفحة ( 38)

قد تتهمني ـ أيها الرفيق العزيز ـ بإنكار السنة، أو بضرب السنة بالقرآن، ومعاذ الله؛ فأنا أضعف من أن أنكر سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا لم أقل لك أبدا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يذكر تلك الأحاديث التي رويتها؛ فليس لدي من علم الرجال والجرح والتعديل ما يؤهلني لإنكار ذلك، ولكني عجبت من تركك للواضحات القطعيات المتفق عليها، وذهابك للظنيات المختلف فيها.

وأنا لا أقصد ـ كما قد تتوهم أيها الرفيق العزيز ـ بالظنيات تلك الأحاديث التي ذكرتها، وإنما أقصد تصورك وتوهمك أن سبب ما حصل لك من بلاء هو عيون الناس المسلطة عليك؛ فذلك في أحسن أحواله تهمة تحتاج إلى دليل، ولا يمكن لذلك الراقي المسكين، الممتلئ بكل أنواع الضعف والقصور أن يشق على قلوب الناس، أو يطلع على اللوح المحفوظ ليخبرك أن ما حصل لك سببه العين.

فلذلك دع الخلق للخالق، وانشغل بنفسك، وبالبحث في سجلات أعمالك؛ فلعلك تبصر الفيروس الذي دمر حياتك، أو المغناطيس الذي جلب ذلك البلاء إليك، لتواجه الحقيقة التي تحاول إخفاءها، ويعينك دجاجلة الرقاة على ذلك.

ولا بأس ـ أيها الرفيق العزيز ـ إن كنت صاحب حيطة ونظر أن تعتبر العين سببا من أسباب ما حصل لك، مع الأسباب التي ذكرها القرآن الكريم، لكن إياك أن تعتبرها السبب الوحيد، وإياك أن تتهم أحدا بها، حتى لا تقع في الظلم والجور وسوء الظن.

وفي هذه الحالة لست في حاجة لإحضار الرقاة، ولا الحديث عما أصابك في المنتديات، بل يكفي أن ترفع يديك إلى الله ليكف بلاء العين عنك، ويمكنك لذلك أن تستعيذ بكل أنواع الاستعاذة الواردة في النصوص المقدسة، وأن توقن بعدها بأن الله

صفحة ( 39)

قد رد عنك كل أسباب البلاء من تلك الجهة التي كنت تتوهمها، ولم يبق إلا الجهة التي سُلمت لك مفاتيحها؛ فكنت أنت أميرها وحامي ثغرها.

أيها الرفيق العزيز.. هذه نصيحتي إليك، ولنفسي، حتى نواجه المشاكل وأنواع البلاء بما تتطلبه من حلول معقولة ومنطقية، وليس بالهرب منها إلى أهوائنا، والشياطين الذين يزينون لنا أعمالنا، ثم يرمون كل تلك الرسائل الربانية التي يرسلها الله إلينا لينبهنا من غفلتنا، ويعيدنا إلى سراطه المستقيم.

لا تكن شريكا للقتلة

أرسلت إلي ـ أيها الرفيق العزيز ـ تتعجب من بثي لتلك الأحاديث المحذرة من القتل، وذكرت لي أنك وجميع من سمعوا تلك الأحاديث قوم مسالمون، لم تتلطخ أيديكم بالدماء، وأنه كان الأجدر بي أن أحدثكم عن غير الدماء، أو عن غير الكبائر؛ فأنتم ـ بحمد الله، كما تذكر ـ قوم متدينون مسلمون، وأبعد الناس عن مثل تلك الجرائم.

وأنا ـ في تلك الموعظة التي وعظتكم ـ لم أكن أقصد أنكم محاربون، ولا أن أيديكم ملطخة بالدماء، لكني خشيت أن تكونوا من الذين يُكتبون من القتلة، مع أنهم لم يسفكوا في حياتهم قطرة دم واحدة، لكنهم قتلوا بقلوبهم وألسنتهم ملايين البشر.. والقاتل ليس من مارس القتل بيده فقط، وإنما من مارسه بلسانه وقلبه وأي لطيفة من لطائفه.

صفحة ( 40)

لقد ورد في الحديث ما يدل على ذلك، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها وكرهها - وفي رواية - فأنكرها - كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها)(1)

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع)(2)

وأصدقك القول ـ أيها الرفيق العزيز ـ أني لم أكن أنوي أن أحدثكم في تلك الموعظة التي شرفتموني بطلبها عن القتل والدماء، ولكني في الفترة التي جلست فيها إليكم سمعت أحاديث عجيبة جعلتني أخشى عليك وعليهم من أن تُكتبوا عند الله من القتلة، وأنتم لا تشعرون.

لقد سمعت بعضكم يتحدث بإعجاب عن أمريكا، ونهضتها، وتطورها الاقتصادي، ونظامها الدقيق، ويتمنى لو أن إخوانه من العرب انتهجوا نهجها وساروا، سيرها؛ فلما قال ذلك قام له بعض القوم، وذكر له ما فعل أسلافهم بالهنود الحمر، وبالفيتناميين، وباليابانيين، وما فعله خلفهم من جرائم في حق العراق وأفغانستان والكثير من بلاد الله الواسعة.. لكن الرجل بدل أن يستنكر تلك الجرائم، راح يبررها، ويدافع عنها، ويستعمل في ذلك كل ما تعلمه من فنون التبرير، ويصور أن السنن الحضارية قد تستدعي بعض السلوكات التي لا تنسجم مع العواطف، لكن العقل يفرضها.

__________

(1) رواه أبو داود (4345)، والطبراني (17/ 139)(14033)

(2) رواه مسلم (1854)

صفحة ( 41)

واستسلم أكثر الحضور لكلامه وتبريراته، ولم ينكروا عليه، ولم يتصوروا أنهم بذلك السكوت والرضا قد كُتبوا في قائمة قتلة الهنود الحمر والفيتناميين واليابانيين والعراقيين والأفغانيين.. وغيرهم من عشرات الملايين البشر.

وهكذا راح آخر يدافع عن فرنسا، ويصور للحضور أنها أم التنوير، وأنها قمة من قمم الحضارة، وأنه لا يمكن لدولة تريد أن تتقدم من أن تسير على خطاها، وتنتهج نهجها، وتشرب من شرابها حلوه ومره، خيره وشره.. وعندما ذكر له بعض الحضور جرائم الفرنسيين في أكثر الدول الإفريقية، راح يلتمس لها الأعذار، وراح الحضور يقبلون منه، ويسجلون أنفسهم طواعية ضمن قائمة المجرمين الذين قتلوا ملايين المستضعفين.

وهكذا سمعت ثالثا يبرر للإرهابيين كل سلوكاتهم، ويعتبرهم ثوارا، وأن على الدولة أن تستسلم لهم، وأن تعطيهم رقابها، ورقاب شعبها ليذبحوه بالطريقة التي يشاءون.

وسمعت رابعا يذكر مناقب يزيد، وأنه مغفور له، وأنه استطاع أن يوحد الدولة، ويقف في وجه المعارضين؛ فلما قام بعضهم يذكر له جرائمه في حق أهل البيت في كربلاء، وجرائمه في حق الصحابة في الحرة، وغيرها.. راح يبررها، ويدافع عن يزيد وجرائم يزيد، وسكت القوم، وراحوا يسجلون أنفسهم جنودا متطوعين في ذلك الجيش المجرم.

وهكذا سمعت خامسا، يبرر ما يحصل من قتل لأطفال اليمن وشيوخها ورجالها ونسائها، ويذكر أن ذلك شيء طبيعي، وأنه على الدولة أن تحفظ جوارها من كل ما يسيء إليه.

صفحة ( 42)

وهكذا لم ينفضّ ذلك المجلس إلا بعد أن سجل الحضور أسماءهم في قوائم القتلة، لا قتلة أفراد معدودين، وإنما قتلة الملايين ومئات الملايين.

لذلك عندما طلبوا مني في آخر المجلس أن أحدثهم، رحت أحدثهم عن القتل، لأني لم أشم عند جلوسي إليهم إلا روائح دماء المستضعفين المظلومين، الذين لم يكفهم أن قُتلوا مرة واحدة، وبدم بارد من المجرمين المستكبرين، حتى أضاف إليهم أولئك الذين تسميهم قوما مسالمين قتلة جديدة، وفي بيت من بيوت الله، وفي شهر من أشهر الله الحرام.

وما آلمني ـ أيها الرفيق العزيز ـ هو سكوتك على ما ذكروه؛ فلم تنبس ببنت شفة، وأنا أعلم سبب ذلك؛ فأنت لا تحب أن تسبح خلاف التيار، ولا تريد أن تغرد خارج السرب، ولا تريد لقومك أن يرموك بالبلادة، أو التخلف، أو الرجعية، ولذلك آثرت أن تسجل اسمك في قوائم القتلة، واعتبرتها أفضل من قوائم الرجعيين والمتخلفين والظلاميين.

ولذلك كتبت إليك هذه الوصية، أنبهك إلى أن محكمة العدل الإلهية لن تستثني قاتلا يوم القيامة، سواء ذلك الذي باشر القتل، أو ذلك الذي زكى القاتل، أو ذلك الذي رضي عنه، أو ذلك الذي دعمه، أو ذلك الذي أحبه ووالاه، أو ذلك الذي انتصر له، ودعا إليه..

فكل هؤلاء مسجلون ضمن القتلة، وكل هؤلاء ستوضع في موازينهم كل جثث القتلى، وكل دماء المظلومين، لتؤخذ بأوزانها حسناتهم، وتُصب عليهم سيئاتهم.

لذلك لا تذكر لي أنك وقومك من المسالمين.. فالمسالم هو ذلك الورع الخائف من الله، الذي يعتذر له كل حين، ويسأله التوبة، ويسأله أن يطهر قلبه من كل حقد

صفحة ( 43)

وضغينة، وأن يجعله كهفا منيعا للمستضعفين حتى لو كانوا متخلفين، وأن يجعله سدا شديدا في وجه المستكبرين الطغاة حتى لو لبسوا لباس فرعون، وظهروا بزينة قارون.

هذه وصيتي إليك، ولقومك؛ فإن شئتم أن تتوبوا إلى الله؛ فعليكم أن تعتذروا أولا لكل أولئك الذين قتلتموهم بألسنتكم وقلوبكم، وأن تدفعوا لهم الدية على قتلكم لهم، وديتكم هي أن تدافعوا عنهم، وأن تقفوا في وجه قتلتهم؛ فلا يمكن لمن انتمى إلى عصابة أن يخرج منها إلا بعد إعلان براءته منها، وحربه لها.

لا تدخل مطعم غيبة

لا أزال أذكر جيدا ـ أيها الرفيق العزيز ـ ذلك المطعم الذي أخبرتني عنه، والذي تسبب لك طعامه في تسمم أصاب جهازك الهضمي، بل جميع أجهزتك بضرر كبير، ظل يلاحقك ألمه وتبعاته فترة طويلة، مع أنك لم تأكل فيه سوى وجبة واحدة.

وأنا لا أريد أن أطلب منك أن تعود إلى ذلك المطعم المشؤوم؛ فقد ذكرت لي أنك أقسمت على أنك لن تدخل أي مطعم في حياتك، ذلك أن الوساوس صارت تنتابك في كل ما يعرض فيها من طعام، وأنا أوافقك في ذلك؛ فقد حصل لي بعض ما حصل لك، وصرت لا أسافر إلا ومعي زادي الذي يغنيني عن تلك المطاعم المشؤومة وغيرها.

ولكني أريد أن أذكرك بأنك ربما لم تبر بقسمك؛ فقد رأيتك البارحة في مطعم أكثر شؤما من ذلك المطعم الذي أصابك بالتسمم، لكن الفرق بينهما أن الأول ترك أعراضه في جسدك؛ فلذلك رحت تسارع في علاجه، وإخراج العلة منه، بينما المطعم الذي رأيتك فيه البارحة أصاب قلبك ونفسك وحقيقتك، ولم يترك أي أثر في جسدك، ولذلك لم تنتبه إليه، لأننا لا ننتبه عادة للعوارض النفسية مثل انتباهنا للعوارض الجسدية.

صفحة ( 44)

لست أدري ـ أيها الرفيق العزيز ـ هل فهمت عني ما أقصده أم لا.. ولذلك سأذكرك، فلعلك تتدارك ما حصل لروحك، مثلما تداركت ما حصل لجسدك، ولعلك تقسم قسما جديدا على عدم الدخول لتلك المطاعم التي تصيب أجهزتك الحقيقية بالسمية، مثل توبتك عن المطاعم التي تتسبب في عطب الآلات التي تستخدمها، والكفن الذي تلبسه.

لقد رأيتك البارحة تدخل ذلك النادي الثقافي المحترم، وكنت تعرف جيدا أصحابه، وأنواع الأحاديث التي يشتهونها، وكان في إمكانك، وأنت تطرح أسئلتك عليهم أن تصرفهم إلى علم ينتفعون به، أو جهل يزيلونه، أو خدمة عامة يسارعون إليها، لكنك ـ ولعلمك بثقل أمثال تلك الحديث عليهم ـ رحت تتودد لهم، وتسألهم عن الشخص الذي تعرف موقفهم منه جيدا.

وكانت فرصة لهم، لأن يقوموا بإحضاره أمامك، ثم التفنن في تشريحه، وطبخه على نيران أحقادهم الهادئة، ثم الشروع في أكله بعد نضجه؛ ثم وقفت وأنت تتفرج عليهم، وكيف ينهشون لحمه الميت المحترق، وتتلذذ بذلك.

نعم لم أرك تحمل شوكة ولا سكينا لتشاركهم في ذلك الطعام المسموم، ولكنك كنت أنت الذي أحضره إليهم بذلك السؤال الذي تعرف مسبقا جوابه.. ولذلك كان وبال كل ما حصل له مرتدا إليك؛ فأنت صاحب الإثم الأول؛ فكما أن الدال على الخير كفاعله، فكذلك الدال على الشر كفاعله.

والمصيبة الأعظم ـ أيها الرفيق العزيز ـ هي أنك لم تنبس ببنت شفة لتنهاهم عن ذلك الأكل المسموم، لأنك تتصور أن الأكل المسموم لا يوضع فقط إلا في المطاعم التي تغذي الجسد، مع أن أخطر أنواع السموم هي تلك التي تصيب الروح والعقل

صفحة ( 45)

والقلب؛ فتنزل بالإنسان من درجته الرفيعة المكرمة إلى درجة أدنى من درجات البهائم.

لا تحسبن أني ـ أيها الرفيق العزيز ـ أزعم لنفسي علم الغيب، أو الاطلاع على اللوح المحفوظ، أو الشق على الصدور لمعرفة ما تكتنزه من خير وشر، ولكني ليقيني العظيم بما ورد في النصوص المقدسة التي توضح حقائق الوجود كما هي من غير تزوير ولا تبديل ولا لف ولا دوران، رأيت كل ذلك..

لقد سمعت ربي في القرآن الكريم يعتبر كل كلام جارح ومؤذ في حق الآخرين نوعا من أكل لحومهم الميتة المسمومة؛ فقد قال تعالى يعبر عن الحقيقة التي لا نراها بأبصارنا الفانية: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12]

وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الآية الكريمة؛ فأخبر عن المصير المؤلم الذي ينتظر الداخل إلى نادي المغتابين، فقال: (من أكل لحم أخيه في الدّنيا قرّب له يوم القيامة؛ فيقال له: كله ميتا كما أكلته حيّ؛ فيأكله ويكلح ويصيح))(1)

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن بعض رؤيته لحقيقة المغتابين التي تختفي وراء تلك المظاهر الكاذبة التي نراها منهم، وهم يشعرون في ظاهرهم بالسعادة والسرور والأنس، بينما باطنهم وحقيقتهم تصيح بالألم والشقاء والوحشة، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لمّا عرج بي مررت

__________

(1) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (10/ 485): سنده حسن.

صفحة ( 46)

بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الّذين يأكلون لحوم النّاس، ويقعون في أعراضهم)(1)

وفي حديث آخر عن جابر قال: كنّا مع النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ فارتفعت ريح منتنة، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (أ تدرون ما هذه الرّيح؟ هذه ريح الّذين يغتابون المؤمنين)(2)

وفي حديث آخر أن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مر بقبرين؛ فقال: (إنّهما ليعذّبان، وما يعذّبان في كبير، أمّا أحدهما فيعذّب في البول، وأمّا الآخر فيعذّب في الغيبة)(3)

وفي حديث آخر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من أكل برجل مسلم أكلة فإنّ الله يطعمه مثلها من جهنّم، ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإنّ الله يكسوه مثله

__________

(1) أحمد في المسند (3/ 224)، وأبو داود (4878)

(2) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب (3/ 515) واللفظ له، وقال: رواه أحمد وابن أبي الدنيا ورواة أحمد ثقات، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (10/ 484): سنده صحيح..

(3) أحمد في المسند (5/ 35 - 36)، وابن ماجة (1/ 349) واللفظ له وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (1/ 485): أخرجه أحمد والطبراني بإسناد صحيح..

صفحة ( 47)

من جهنّم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإنّ الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة)(1)

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من ذكر امرأ بشيء ليس فيه ليعيبه به حبسه الله في نار جهنّم حتّى يأتي بنفاد ما قال فيه)(2)

وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستعمل كل وسائل التنفير من الغيبة، والتحذير منها، مثلما نستعمل نحن كل الوسائل من التحذير من التسميم ومخاطره؛ وقد كان يردد كل حين: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبّعوا عوراتهم، فإنّه من اتّبع عوراتهم يتّبع اللّه عورته، ومن يتّبع اللّه عورته يفضحه في بيته)(3)

فإذا ذكر له أحدهم بأنه لا يقول في غيبة أخيه إلا الحقيقة التي لا يزيد عليها حرفا واحدا، يقول له: (إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه))(4)

__________

(1) أحمد في المسند (4/ 229)، وأبو داود (4881) واللفظ له وصححه الألباني: صحيح سنن أبي داود (4084)، والحاكم في المستدرك (4/ 127 - 128) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي..

(2) الترغيب والترهيب للمنذري (3/ 515) وقال: رواه الطبراني بإسناد جيد.

(3) أبو داود 4 (4880)، وقال الحافظ العراقي في الإحياء (3/ 104): سنده جيد.

(4) مسلم (2589)

صفحة ( 48)

وكان صلى الله عليه وآله وسلم لا يكتفي بذلك التنفير، وإنما يعتبر كل من سمع الغيبة، وسكت ـ مثلما فعلت أيها الرفيق العزيز ـ مشاركا في تلك المائدة المسمومة المشؤومة، ففي الحديث أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكروا عنده رجلا فقالوا: لا يأكل حتّى يطعم، ولا يرحل حتّى يرحل له، قال النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (اغتبتموه). فقالوا: يا رسول اللّه إنّما حدّثنا بما فيه، قال: (حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه)(1)

وهكذا عندما وصفت له زوجه عائشة صفيّة بكونها قصيرة، ومع أنها اكتفت بالإشارة، ولم تتكلم بكلمة واحدة، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يراع خاطرها ـ مثلما راعيت أيها الرفيق العزيز خواطر أصحابك ـ وإنما راح يؤنبها، ويقول لها: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته)(2)

ولهذا كان في إمكانك أيها الرفيق العزيز أن تدخل لذلك المطعم، وتمارس حرفة الذب عن أعراض الناس، بدل انتهاكها، لتخرج بأجور عظيمة لا يمكنك أن تتخيل مقدار عظمتها؛ ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من ردّ عن عرض أخيه ردّ الله عن وجهه النّار يوم القيامة)(3)

__________

(1) قال المنذري في الترغيب والترهيب (3/ 506): رواه الأصبهاني بإسناد حسن..

(2) أبو داود (4875) واللفظ له، والترمذي (2502 - 2503) وقال: حديث صحيح..

(3) الترمذي (1931) واللفظ له وقال: هذا حديث حسن.

صفحة ( 49)

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من ذبّ عن عرض أخيه بالغيبة كان حقّا على الله أن يعتقه من النّار)(1)

هذه نصيحتى إليك ـ أيها الرفيق العزيز ـ وأنت مخير بعدها بين أن تدخل تلك المطاعم لتنشر فيها قيم الخير والصلاح، وتذب فيها عن أعراض إخوانك، وبين أن تهجرها، وتقسم ألا تدخلها مثلما فعلت مع تلك المطاعم التي سممت جسدك؛ فسموم الروح أخطر وأكثر فتكا وإيلاما من سموم الجسد.

لا تأكل طعاما يضر بصحتك

لا أزال أذكر جيدا ـ أيها الرفيق العزيز ـ تحذيراتك لي من الكثير من الأغذية الحديثة المصنعة، والتي لا تراعي الصحة في صناعتها، فلذلك تهتم بأذواق المستهلكين أكثر من اهتمامها بصحتهم؛ فتطعمهم ـ من حيث لا يشعرون ـ سموما لذيذة لا يستفيد منها إلا خلايا ذوقهم.

لقد حفظت كل تلك التعليمات التي ذكرت لي بشأنها، وصرت قبل شراء أي نوع من الأغذية المصنعة، أنظر في تركيبتها، وأنواع المواد الحافظة لها، أو المسببة لنكهتها وذوقها ولونها، بل صرت أتورع عن أكثرها، حتى مع خلوه مما ذكرت خشية أن تكذب تلك الشركات فيما تذكره عنها وعن مكوناتها وأوصافها.

وأنا أشكر لك جميل نصحك لي، وحسن رفقك بصحة جسدي وعافيته، وأريد ـ من باب الجزاء والشكر ـ أن أضيف إلى ما ذكرت لي من أنواع الأطعمة الضارة بالصحة أنواعا أخرى لم يذكرها أبوقراط، ولا جالينوس، ولا داود الأنطاكي، ولا

__________

(1) الترغيب والترهيب للمنذري (3/ 517) وقال: رواه أحمد بإسناد حسن، وابن أبي الدنيا والطبراني وغيره.

صفحة ( 50)

غيرهم من الأطباء في القديم والحديث، وإنما ذكرها رب الأطباء وخالقهم، وشرحها معلم الأطباء وقدوتهم، وهي أنفع لك ولي من كل تلك النصائح التي أسديتها، وشكرتك عليها، وعملت بما فيها.

وأولها كل طعام يحمل فيروس الحرام، حتى لو كان ذرة واحد، فهو يفتك بصحة الروح، ويدمر سلامة القلب، ويحدث خللا خطيرا بأجهزة الاتصال مع عالم الغيب؛ فيمنع إيصال الرسائل إليها، ويحول دون وصول منافعها.

وقد عبر معلم الأطباء وقدوتهم عن ضرر هذا النوع من الطعام؛ فقال مخاطبا جميع البشرية: (يا أيّها النّاس! إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيّبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51]، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر، يمدّ يديه إلى السّماء: يا ربّ! يا ربّ! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب لذلك؟)(1)

وقال مبينا دوره ذلك الفيروس الخطير في الحيلولة بين العمل الصالح وقبول الله له: (من اشترى ثوبا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام، لم يقبل الله له صلاة ما كان عليه)(2)

وقال: (إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك وزادك حلال، وراحلتك

__________

(1) مسلم: (1015)

(2) أحمد: 2/ 98.

صفحة ( 51)

حلال، وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغرز، فنادى لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك غير مبرور)(1)

وعندما سأله بعض الصحابة أن يدعو الله بأن يجعله مستجاب الدعوة، قال له: (أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عمل أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من سحت، فالنار أولى به)(2)

وذكر أن مضار الخمر الصحية لا تتعلق فقط بالجسد، وإنما تتعلق قبل ذلك بالروح، وبالصلة مع الله، فقال (من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين يوما)(3)

ومن الفيروسات المتولدة من الفيروس السابق فيروس يسمى [أكل مال اليتامى]، وهو فيروس لا يشمل الاستيلاء على تلك الأطعمة المعدة لمن فقدوا آباءهم فقط، وإنما يشمل أيضا كل استعمال خاطئ لكل طعام معدّ لأي فرد من أفراد الرعية قلّوا أو كثروا، وقد قال الله تعالى مبينا خطورة هذا الطعام على صحة الروح، وصحة الأجساد التي تنتظرنا لنلبسها: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]

__________

(1) المعجم الأوسط (5228)

(2) المعجم الأوسط (6495)..

(3) الطيالسي (1901)، وعبد الرزاق (17058) و(17059)، وأحمد 2/ 35، والترمذي (1862)، وأبو يعلى (5686)

صفحة ( 52)

ومنها فيروس يسمى [أكل المال بالباطل]، وقد ذكره الله تعالى، فقال: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]

وذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محذرا؛ فقال: (إنّ ممّا أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدّنيا وزينتها)؛ فقيل له: يا رسول الله، أو يأتي الخير بالشّرّ؟ فسكت النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هنيهة، ثم قال: (إنّه لا يأتي الخير بالشّرّ، وإنّ ممّا ينبت الرّبيع يقتل أو يلمّ، إلّا آكلة الخضراء، أكلت حتّى إذا امتدّت خاصرتاها استقبلت عين الشّمس فثلطت ورتعت، وإنّ هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السّبيل، وإنّ من يأخذه بغير حقّه كالّذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدا عليه يوم القيامة)(1)

ومنها فيروس يسمى [الكنز]، وهو فيروس يجعل صاحبه مقدسا للأموال؛ فيخزنهما أحوج ما يكون الخلق إليها، فيحرمهم، ويحرم نفسه منها، وقد ذكر الله تعالى خطره على صحة الإنسان الأبدية؛ فقال: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35]

ومنها فيروس يسمى أكل الربا، وقد ذكر الله تعالى خطره على صاحبه، حيث يوهمه أن له القوة على محاربة الله؛ فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ

__________

(1) البخاري- الفتح 3 (1465)، 6 (2842)

صفحة ( 53)

الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278، 279]

وذكر الجنون الذي يسببه هذه النوع من الفيروسات، فقال: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275]

ومنها فيروس يسمى [الرشوة]، وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطره؛ فقال: (من ولي عشرة فحكم بينهم بما أحبّوا، أو بما كرهوا جيء به مغلولة يده، فإن عدل، ولم يرتش، ولم يحف فكّ الله عنه، وإن حكم بغير ما أنزل الله وارتشى، وحابى فيه شدّت يساره إلى يمينه ثمّ رمي به في جهنّم، فلم يبلغ قعرها خمسمائة عام)(1)

وقال محذرا بعض عماله بعد أن رآه قد تناول منها شيئا يسيرا: (ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي! أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمّه حتّى ينظر أيهدى إليه أم لا؟ والّذي نفس محمّد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئا إلّا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر)، ثمّ رفع يديه الشريفتين، وقال: (اللهمّ هل بلّغت؟.. اللهمّ هل بلّغت؟)(2)

وغيرها من الفيروسات الخطيرة التي نحتاج إلى تعلم علمها، والتعرف على المواد المسببة لها، والمركبة منها، حتى نحفظ صحة أرواحنا وقلوبنا، ونحفظ معها صحة علاقتنا بربنا، ونحفظ بعدها صحة البنيان الذي كلفت الملائكة ببنائه لنا في دار القرار.

__________

(1) الحاكم (4/ 103)

(2) البخاري- الفتح 13 (7197)، مسلم (1832) واللفظ له.

صفحة ( 54)

لا تدع على إخوانك

أيها الرفيق العزيز.. لم أشفق عليك في حياتي مثل شفقتي البارحة عليك عندما رأيتك في مجلسك الذي تعودتَ أن تجلس فيه، والناس جاثون أمامك، والدموع تنهمر من عينيك بشدة، وأنت تضطرب اضطراب الحية خشوعا وتبتلا.. والجالسون بين يديك يؤمّنون بصوت مرتفع، ويبكون لبكائك..

وأنا أيضا كنت معكم أبكي، ولكن لا لبكائك، ولا لبكاء المحيطين بك، والمؤمّنين على دعائك، وإنما عليك وعليهم شفقة وحزنا، فقد رأيتني وأنا خلفك، وأمام ذلك الجمع الذي جثا بين يديك مثل أبي لهب وأبي جهل وأمية بن خلف، وهم يجثون وراء اللات والعزى باكين خاشعين يطلبون منها أن تقضي على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه الكرام، وتجتث جذورهم في أول دعوتهم.

أو مثل أولئك اليهود الذي رحل إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبدل أن يستقبلوه، وينصروه، ويبشروا بتلك النصوص المقدسة التي وردت في حقه، راحوا يرفعون أيديهم إلى الله بمثل خشوعك، وخشوع من حولك، يطلبون منه أن يقضي على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأولئك الأبطال الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل نصرة الإسلام، ومواجهة الأعداء الذين يتربصون به.

ولم تكن أنت ومن حولك تختلف عنهم كثيرا، لأنك مارست نفس الجريمة التي مارسوها، ولم يكن من فرق بينك وبينهم إلا أنهم دعوا اللات والعزى، أو غيرهما من الآلهة المزيفة، وأنت كنت تدعو الله السميع المجيب.

أما دافع الدعاء، فقد كان واحدا؛ فهم حقدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المؤمنين، وأنت أيضا، ومن معك، مارستم حقدكم على إخوانكم من المؤمنين أو من البشر.. حيث لم تطلبوا من الله تعالى أن يهديهم سواء السبيل، ولا

صفحة ( 55)

أن يريهم الحق حقا ويرزقهم اتباعه، والباطل باطلا، ويرزقهم اجتنابه، وإنما رحتم تدعون عليهم بأن يجمد الدماء في عروقهم، ويزلزل الأرض من تحتهم، ويدخلهم جهنم وبئس المصير.

وكنتم تتلذذون، وأنتم تدعون بمثل هذه الدعوات، لأنها المتنفس الذي تتنفس به نفوسكم المملوءة بالأحقاد.. على الرغم من أنكم تقرؤون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد أن قوبل بما قوبل به من معارضة أهل الطائف والمشركين في مكة المكرمة، لم يدع بتجميد دماء مخالفيه، وإنما راح يتضرع إلى الله بأن يهديهم سواء السبيل، بل يعتذر لهم؛ فيقول: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)(1)

بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك يوم أحد، عندما شُج وجهه وقيل له: ألا تدعو عليهم؟ قال: (اللهمَّ أهد قومي فإنهم لا يعلمون)، ونزل بعدها قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] (2)

وقد قال ذلك في حق المشركين، بل كان يقول مثله وأكثر منه في دعواته للمنافقين، لا بأن يهديهم الله فقط، وإنما بأن يغفر لهم ويرحمهم.. حتى نهي عن ذلك، قال تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 80]

وهكذا قال إبراهيم عليه السلام لذلك الذي أراد رجمه، ونفيه، فقد قال له ـ كما يذكر القرآن الكريم ـ: {سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا}

__________

(1) حلية الأبرار: 305..

(2) الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم 3: 250.

صفحة ( 56)

[مريم: 47، 48]، وكان حريصا عليه وعلى أعدائه، حتى وصفه الله تعالى بقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114]

وهكذا قال يعقوب عليه السلام لأبنائه الذين عاقبوه سنين طوالا بإبعاد ابنه الحبيب عنه، فقد قال: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يوسف: 98]

بل هكذا قال يوسف عليه السلام لإخوانه الذين رموه في البئر، وأرادوا قتله، وجعلوه يتعرض للعبودية والسجن سنين طويلة، ومع ذلك، وبمجرد أن اعترفوا بجرائمهم، وقالوا: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف: 91]، رد عليهم بكل هدوء وأدب ولطف ورحمة: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92]

وهكذا كان الأنبياء والأولياء والأصفياء.. أصحاب النفوس الطاهرة، الذين لا تعرف قلوبهم الأحقاد، ولا ألسنتهم البذاءة..

أما أنت ـ أيها الرفيق العزيز ـ ومن معك، فلم تكونوا في ذلك الحين في معبد الله، وإنما كنتم في معبد الشيطان.. وتلك الدموع التي جرت على خدودكم، لم تكن صافية كدموع الخاشعين، وإنما كانت دموعا ملطخة بقاذورات النفس الأمارة، وهي لذلك أشبه بمياه المصارف الصحية منها بدموع المتقين.

لذلك عليكم أن تغسلوا مآقيكم وخدودكم ووجوهكم من تلك النجاسات التي لطختها.. ولا تكتفوا بذلك، بل اذهبوا إلى منبع تلك العيون فطهروه، حتى لا تتلطخ أرواحكم وقلوبكم وحقائقكم.

ولا تغرنكم تلك المظاهر التي تظهرون بها، فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أشد الناس قسوة وأبعدهم عن الله أولئك الذين وصفهم؛ فقال:

صفحة ( 57)

(سيخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)(1)

وهكذا كنتم في ذلك الحين.. فتوبوا إلى الله من ذلك الخشوع الكاذب، ومن تلك الدموع النجسة؛ فالله لا ينظر إلى حركات أجسامكم، ولا إلى ذلك الصياح، أو تلك الحركات التمثيلية، ولا إلى الدموع، ولا إلى الخشوع، وإنما ينظر إلى الطهارة والصفاء وسلامة القلب.. فإن كنتم كذلك، فأبشروا، ولو كانت عيونكم جامدة ما دامت نفوسكم طاهرة.

لا تتعصب لطائفتك

أيها الرفيق العزيز.. رأيتك البارحة مع بعض إخوانك من المخالفين لك تجادلهم وتماريهم بعصبية شديدة، وكأنك في ساحة حرب، لا مجلس علم.. وكأنهم أعداؤك الأبعدون، لا إخوانك المؤمنون، مع أنك تعلم أنهم يقرون بالله ربا، وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيا، وأنهم يقرؤون نفس الكتاب المقدس الذي تقرؤه، ويصلون لنفس الرب الذي تعبده.

ولست أدري ما كان الداعي لكل تلك الضوضاء والجلبة، ولكل ذلك التخوين والتجريم؛ فقد رأيتك تنظر إليهم كما تنظر إلى الشياطين والمردة والمجرمين.

وعندما عدت إلى بيتي، واستعدت ذلك الموقف، ورحت أحلله، لم أجدك تناضل عن دينك، ولا عن ربك، ولا عن نبيك، ولا عن كتابك المقدس، وإنما كنت

__________

(1) رواه البخاري 9/ 86.

صفحة ( 58)

تناضل عن نفسك.. فقد كنت في كل ذلك الوقت لا تدعو إلى الله، وإنما تدعو إلى نفسك وأنانيتك وأهوائك.

لقد تذكرت مواقفك السابقة حينما كنت في طائفة أخرى غير الطائفة التي تنتمي إليها اليوم، وكنت أراك بنفس الهيئة، وبنفس الجلبة، وبنفس المماراة.. تخوّن وتجرّم المخالفين، وتتصور أنك على الحق المجرد، وتقسم عليه، ولا تكتفي بذلك، بل توزع دركات جهنم على المخالفين لك، كما توزع درجات الجنة على الموافقين، وبحسب درجات وفاقهم وموافقتهم.

وقد جعلني كل ذلك أشعر أنك في كل تلك الحوارات قديمها وحديثها كنت تشعر أنك أنت المركز، وأن أفكارك وطروحاتك ومواقفك هي الحقيقة المجردة التي لا يُحكم على من خالفها إلا بالضلالة.. وبذلك لم تكن تدعو لله، وللحقيقة.. وإنما كنت تدعو إلى نفسك وأنانيتك.

هذا ما أوصلني إليه التأمل.. وإن شئت أن تعود إلى خزان ذاكرتك، فستجد فيه مواقف لك تكفّر فيها نفسك، وتضللها، وتحكم عليها بكل ما تحكم به الآن على غيرك.

نعم أنت تذكّرني كل حين أنك قمت بالكثير من المراجعات، وأنك غيرت الكثير من المواقف والآراء.. وهذا شيء جميل؛ فالمؤمن هو الذي يدور مع الحق حيث دار، ولا يتبع الهوى أن يضله عن سبيل الله.. ولكن المؤمن أيضا هو الذي يحترم المرتبة التي وصل إليها غيره؛ فلا يطالبهم بالمراجعات قبل أن يحين حينها.. هو فقط يشرح لهم وجهة نظره، ويبرهن لهم عليها، ثم يتركهم ليتأملوا، فالمطلوب أن يصلوا إلى الحق بمحض رغبتهم، لا بذلك التهديد الذي تهددهم به، والجلبة التي تحدثها أمامهم.

صفحة ( 59)

ثم إنك ـ أيها الرفيق العزيز ـ تعلم أن أكثر الحق الذي تتصور أنك وصلت إليه من دون الناس حق مشتبه، وقع الخلاف فيه؛ وتعلم أن مخالفيك ممن لا يزال الاشتباه مؤثرا فيهم، ومانعا لهم من اتباعه؛ فلم تطالبهم باتباع المتشابه المختلف فيه، وترك المحكم المتفق عليه، مع أن الله تعالى لم يطالبهم بذلك، بل اكتفى منهم بإدراك المحكم والإيمان به، وترك المتشابه للراسخين في العلم الذين آتاهم الله طهارة القلب، ونقاء السر، ورجاحة العقل، ما يجعلهم يهتدون إلى الحقائق، ويتأدبون معها.

ألم تسمع ـ أيها الرفيق العزيز ـ إلى ربك، وهو يحدثك عن المحكم والمتشابه، ويبين أن أكثر الناس لا يطيقون فهم المتشابه، ولهذا يكفيهم الإذعان للمحكم، والتسليم بعلم المتشابه لله تعالى؛ فقد قال: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]

وقد سمعت بعض مخالفيك، وهو يذكر لك ذلك.. لكنك كنت تأبى عليهم، وتخبرهم بضلالهم، وأن ما توضحت لك أدلته ليس متشابها، وإنما هو من المحكم القطعي، مع أنك تعلم أن أكثر الأمة على خلاف قولك.

لا أريد أن أذكر لك هنا ما الذي قلته لهم، ولا ما قالوه لك.. ولكني أريد فقط أن أذكرك بأن التعصب داء مقيت، وهو من الكبر الخفي الذي ينتصر فيه الإنسان لنفسه، وهو يتصور أنه ينتصر للحق؛ فالحق أجمل وأعظم من أن ننتصر له بالباطل، وطريق الحق هو طريق السلام والهدوء والأدب.

ألم تسمع ـ أيها الرفيق العزيز ـ إلى ربك، وهو يعلم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم كيف يخاطب المخالفين له من المشركين وعبدة الأصنام، ويقول لهم بكل هدوء وأدب

صفحة ( 60)

وسلام: {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سبأ: 25 - 27]

ألم تسمع إليه، وهو يعلمنا كيف خاطب إبراهيم عليه السلام قريبه المشرك، وبذلك الحوار الهادي الممتلئ بالأدب والسلام، فقد قال تعالى يصف ذلك المشهد: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم: 41 - 48]

هكذا ـ أيها الرفيق العزيز ـ علمنا ربنا كيف ندعو إلى الحقائق التي نؤمن بها، ومع غير المسلمين، ممن يخالفوننا في الأصول والفروع، فكيف بمن يتفقون معنا فيهما جميعا، بل يتفقون معنا في أكثر قضايا الدين ومسائله.

لا أريد من حديثي هذا ـ أيها الرفيق العزيز ـ أن أدعوك إلى التوبة، ولا إلى الاعتذار من أولئك الذين ملأتهم حقدا؛ فذلك شأنك، ولكني أريد منك أن تتخلص من أنانيتك التي دفعتك إلى ذلك؛ وتتجرد للحق وحده، لتستحق أن تهتدي إليه، وتستحق بعد ذلك أن تكون اللسان الذي يعبر عنه، فالحق عزيز، والكل يدعيه، حتى أولئك الذين كانوا يعبدون الأصنام، تركوا أنبياءهم، فرحا بما عندهم من الباطل، قال

صفحة ( 61)

تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83]

لا تكن فاحشا ولا متفحشا

أيها الرفيق العزيز.. سمعتك البارحة، وأنت على تلك القناة الفضائية المشاغبة، يشاهدك ملايين الناس، وأنت توزع السباب والشتائم، وكل ألوان البذاءة والفحش، مخلوطة بكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.. فأسأت إليهما أعظم إساءة.

نعم أنت انتصرت فيها لما تتصوره من حقيقة، وواجهت خصومك بكل قوة، وأفلحت ربما في الكثير من ذلك.. ولكنك لم تر كيف أسأت للحقيقة، وكيف ظلمتها، وظلمت أهلها، عندما استخدمت في نصرتك لها كل تلك الألفاظ السوقية البذيئة التي تتنزه عنها الحقائق، ويتنزه عنها أهلها، والمدافعون عنها.

لقد كنت تقول لي كل حين أنصحك فيه بمثل هذه النصيحة أنك تقتدي فيها بأعلام كبار، وأنك لم تفعل سوى أن أعدت إحياءهم في كل مناسبة يتاح لك ذلك.

لقد رويت لي بسندك الطويل عن الإمام أحمد أنه في ورعه وتقواه كان يقول: (إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة فاتهمه على الإسلام؛ فإنه كان شديداً على المبتدعة)

ورويت لي أن الإمام الشافعي ذكر عنه البيهقي في مناقبه (أنه كان شديدًا على أهل الإلحاد وأهل البدع مجاهراً ببغضهم وهجرهم)

وهكذا رحت تسوق لي ما قاله الأئمة الحفاظ في وصفهم لمخالفيهم، أو لمن يتهمونهم في دينهم وعلمهم؛ فرويت لي عن الحافظ معمر بن عبدالواحد أنه قال تعبيرا عن تجريحه لإبراهيم بن الفضل الأصبهاني الحافظ: (رأيته في السوق، وقد روى مناكير

صفحة ( 62)

بأسانيد الصحاح، وكنت أتأمله تأملا مفرطا.. أظن أن الشيطان قد تبَدَّى على صورته)

ورويت لي أن جرير بن يزيد بن هارون قال في تجريح جعفر بن سليمان الضبعي: (رافضي مثل الحمار)

ورويت لي أن الجوزجاني قال في تجريح عبدالسلام بن صالح الهروي: (كان زائغا عن الحق، مائلا عن القصد سمعت من حدثني عن بعض الائمة أنه قال فيه: (هو اكذب من روث حمار الدجال، وكان قديما متلوثا في الأقذار)

ورويت لي أن سفيان الثوري قال في حق ثور ابن يزيد الحمصي: (خذوا عن ثور واتقوا قرنيه)، وأن أبا عاصم قال: (اتقوا لا ينطحنكم بقرنيه)

وأن علي بن ثابت قال عن إبراهيم بن هدبة: (هو أكذب من حماري هذا)

وأن الذهبي قال في تجريح موسى بن عبدالله الطويل: (انظر الى هذا الحيوان المتهم).. وأنه قال في تجريح ضرار بن سهل الضراري: (ولا يدرى من ذا الحيوان).. وأنه قال في تجريح القاسم بن داوود البغدادي: (من حيوانات البر)

وأن أبا أحمد الزبيري قال في عمران بن مسلم: (كان رافضيا كأنه جرو كلب)

وأن يحيى بن سعيد القطان ذكر عنده الشاذكوني، فقال: (ذاك الخائب)

وأن يحيى بن معين قال في سويد بن عبدالعزيز: (لا يجوز في الضحايا).. وأنه قال في زكريا بن يحيى: (يستأهل أن يحفر له بئر فيلقى فيه)

وأن محمد بن إسماعيل الترمذي قال في إبراهيم بن يحياك (لم أر أعمى قلبا منه)

وهكذا رحت تذكر لي مقالات المعاصرين التي استنوا فيها بسنة أسلافهم؛ فذكرت لي أن الشيخ ناصر الدين الألباني قال عن الشيخ محمّد سعيد رمضان البوطي والشيخ محمّد عوامة: (وظنّي أنّ هذا المقلّد وذاك، على ما بينهما من الخلاف في

صفحة ( 63)

الأصول والفروع إلاّ في التقليد الأعمى.. فما حيلتنا مع أناس ندعوهم إلى اتّباع الكتاب والسنّة لينجو بذلك من العصبيّة المذهبيّة والغباوة الحيوانيّة، فيأبون)(1)

وقال عن الشيخ عبد الفتاح أبو غدّه: (أشلّ الله يدك وقطع لسانك)(2)

وقال عن الشيخ الصابوني: (سرّاق، غير صادق، جاهل مضلّل، صاحب دعوى فارغة، سأكشف خزيه وعاره)

وقال عن المحدّث حبيب الرحمن الأعظمي: (وقد استعان الأنصاري بأحد أعداء السنّة وأهل الحديث ودعاة التوحيد والمشهور بذلك، ألا وهو الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي)

وقال عن الشيخ محمّد علي الصابوني والشيخ نسيب الرفاعي: (وهما من أجهل مَن كتب في هذا المجال في ما علمت، وبخاصة الرفاعي منهما فإنّه أجرؤهما إقداماً على التصحيح بجهل بالغ)(3)

وهكذا رحت تروي لي الكثير من الروايات التي تبرر بها سلاطة لسانك، وميلك إلى الفحش والتفحش، لتصورك أنك لن تهزم خصومك والمخالفين لك إلا إذا أمطرت آذانهم بأمثال تلك العبارات الشديدة التي تجعلهم يتساقطون أمامك، وتتهاوى حججهم.

__________

(1) مقدّمة الآيات البينات، نقلا عن قاموس شتائم الألباني، للشيخ العالم حسن بن علي السقّاف..

(2) كشف النقاب: 52.

(3) السلسلة الضعيفة 4: 51..

صفحة ( 64)

ولكنك نسيت أن تروي لي مع كل تلك الروايات التي أميلتها على أذني رغما عنهما ما ورد في الحديث الصحيح المتفق عليه عن أنس، أنه قال: (خدمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أحسن الناس خلقا، ولا مسست خزا قط ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شممت مسكا قط، ولا عطرا كان أطيب من عرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم)(1)

ونسيت أن تذكر لي وصف عائشة أم المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحسن خلقه مع موافقيه ومخالفيه؛ فقالت: (لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم فاحشا، ولا متفحشا، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح)(2)

ونسيت أن تذكر لي قولها: أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، قال: (وعليكم)، قالت عائشة: قلت بل عليكم السام والذام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عائشة، لا تكوني فاحشة) فقالت: ما سمعت ما قالوا؟ فقال: (أو ليس قد رددت عليهم الذي قالوا؟ قلت وعليكم)(3)

__________

(1) البخاري- الفتح 12 (6038). ومسلم (2330)، واللفظ للترمذي (2015)

(2) الترمذي (2016) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(3) البخاري- الفتح 10 (6030)، مسلم (2165) واللفظ له.

صفحة ( 65)

ونسيت أن تذكر لي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)(1)، وقوله: (ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله ليبغض الفاحش البذيء)(2)، وقوله: (ما كان الفحش في شيء قط إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زانه)(3)

نسيت أن تذكر لي كل هذا، ولا ألومك على ذلك، لأني عندما أسمع ثناءك على أولئك المشايخ وتعظيمك لهم، وتشددك في الرد على مخالفيهم، أشعر أنهم لم يتركوا في قلبك محلا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنهم لذلك صاروا هم أسوتك، لا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال عنه ربه سبحانه وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]

بل إني أراك لا تقدم أولئك المشايخ والعلماء فقط على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما أراك تقدم أولئك الظلمة والمستبدين الذين رغبوا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى سنن كسرى وقيصر وشارون وهتلر، فقد سمعتك مرات كثيرة تشيد برسالة هارون لملك الروم، والتي يقول له فيها: (من هارون أمير

__________

(1) الترمذي (1977)، أحمد (1/ 405) وقال شاكر: اسناده صحيح (5/ 322)، والحاكم (1/ 12)

(2) الترمذي (2002) وقال: حسن صحيح..

(3) الترمذي (1974) وقال: حديث حسن، أحمد (3/ 165)، ابن ماجة (4185) واللفظ لأحمد وابن ماجة..

صفحة ( 66)

المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام)

ولم أسمعك، ولو مرة واحدة تشيد برسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ملك الروم، والتي يقول له فيها بكل أدب ولطف: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] ([4])(1)

ألم تلحظ في هذه الرسالة كيف خاطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ملك الروم، بذلك الأدب واللطف، وقد سماه عظيم الروم، ولم يسمه كلبهم.. وكيف ملأ رسالته بتلك الألفاظ الجميلة الممتلئة بعطر السلام (سلام، الإسلام، أسلم، تسلم، وأسلم، مسلمون) التي ملئت بها الرسالة؟

تلك هي سنة رسل الله صلى الله عليه وآله وسلم، وورثته الصادقين، الذين رغبت عنهم ـ أيها الرفيق العزيز ـ ورغبت قبل ذلك عن القرآن الكريم الذي علم الله تعالى فيه نبييه موسى وهارون عليهما السلام كيف يخاطبان فرعون الطاغية المستبد الذي ادعى الألوهية، فقال: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]

لا تبالغ في الدفاع عن نفسك

__________

(1) رواه البخاري 1/ 30 - 42، ومسلم رقم (1773)

صفحة ( 67)

أيها الرفيق العزيز.. يحزنني أن أعاتبك على تضييعك لتلك الأوقات الثمينة، والمداد الكثير، في الحديث مع خصومك؛ لا عن الحقائق الناصعة، أو أدلتها الباهرة، وإنما عن نفسك، وتبرئتها من التهم التي ينسبونها إليك، والتي تعتقد سلامتك منها.

فما يضرك أن يفعلوا ذلك، ما دام الله يعلم براءتك، وما دامت الملائكة الموكلة بالكتابة لم تسجل عنك ما يرمونك به، وما دمت موقنا أن كل تلك التهم لن توضع في ميزان سيئاتك يوم القيامة، بل سيوضع بدلها صبرك الجميل، وردك الطيب على خصومك.

لذلك لا تبالغ في الدفاع عن نفسك، واكتف بأن تذكر لخصومك في جملة واحدة براءتك من تلك التهم، وأنهم يمكنوا أن يتأكدوا بما أتيح لهم من وسائل، ثم لا عليك بعدها أن يفعلوا أو لا يفعلوا.. اكتف فقط برمي الكرة في ملعبهم، ثم دعهم وشأنهم معها.

هكذا كان منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد أمر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول لخصومه الكثيرين مع كفرهم وعنادهم الشديد: {لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سبأ: 25]، ثم أمره بأن يذكر لهم أنه عند لقاء الله ستنكشف الحقائق، ويميز المجرم من البريء، قال تعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: 26]

ولذلك نرى الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يشكون إلى الله تلك الاتهامات التي اتهمهم بها قومهم، وإنما يشكون إليه إعراضهم عن الله؛ فذلك وحده ما يؤلمهم.

وقد ذكر الله تعالى عن نوح عليه السلام شكواه الطويلة مع الله، والتي لم يذكر فيها سوى الإعراض عن الله، لا كل أصناف السخرية التي ووجه بها، قال تعالى: {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا

صفحة ( 68)

مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 21 - 23]

وهذا هو منهج روثتهم الذين غابوا عن أنفسهم، وفنوا عن أهوائهم، وصار الحق قبلتهم، فلم يعد يهمهم ما يقول الناس فيهم، وإنما يهمهم أن يقبل الناس على الحق، ويقتنعوا به، لذلك لم يكونوا يضيعون دقيقة واحدة في الدفاع عن أنفسهم، وإنما كانوا يقضون كل أوقاتهم في الدفاع عن الحقائق، فمن عرف الحقائق، سيسهل عليه بعد ذلك أن يعود إلى وعيه، ويصحح ما وقع فيه من أخطاء، ويتراجع عما أشاعه من تهم.

وسبب ذلك كله طمأنينتهم بأن ما ينالهم من سخرية أو اتهامات ضريبة دعوتهم إلى الله، ولذلك يحتسبون أجرها عند الله، ولا يشعرون بأي ألم، وهم يواجهونها، بل إنهم يتلذذون بها، لاعتبارهم لها سهاما مصوبة عليهم أثناء جهادهم في سبيل الله.

وكيف ينفرون منها، أو يتألمون لها، وهم يشعرون أن الله بعظمته وجلاله يدافع عنهم، فقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38]

لست أدري ـ أيها الرفيق العزيز ـ مدى اقتناعك بما ذكرت لك؛ فقد سمعتك مرة تذكر ما قام به بعض العلماء من كتابة الكتب في الدفاع عن نفسه، والرد على خصومه، وجعلت ذلك هديا لك تسير عليه، مع أن الله تعالى لم يجعل لك الأسوة إلا في الأنبياء وورثتهم من الصادقين المخلصين الذين فنوا عن أنفسهم وأهوائهم.

وإن شئت أن تتخذ غيرهم، فاتخذ أئمة أهل بيت النبوة، أولئك الذين أوصى بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واعتبرهم سفينة النجاة التي يغرق من لم

صفحة ( 69)

يركبها.. فقد كانوا جميعا مع الآلام التي صبت عليهم جبالا من الصبر والحلم والأخلاق العالية.

وقد روي عن مجتباهم الإمام الحسن ـ سيد شباب أهل الجنة وريحانه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنه لقيه رجل من أهل الشام، فراح يسبه ويسب أباه سبا شديدا بذيئا.. لكن المجتبى نظر إليه، فرآه غريبا، فقال له ـ وكأنه لم يسمع ذلك السباب الشديد ـ: (أحسبك غريبا.. فمل بنا؛ فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، وإلى مال آسيناك، أو إلى حاجة عاوناك!)(1)

هكذا أجابه الإمام المجتبى، الذي لم يدخل معه في خصومة، ولم يستعمل أي وسيلة للتشهير به أو إيذاءه مع أنه كان يملك القدرة على ذلك، بل نظر إليه من زاوية تكليفه الشرعي، وهو الاهتمام بالغريب وعابر السبيل.

ومثل ذلك ما روي عن الإمام السجاد الذي يذكر المؤرخون أن أمير المدينة الأموي هشام بن إسماعيل كان يؤذيه كثيراً؛ فلما عزل من منصبه، وأمر الوليد أن يوقف أمام الناس للقصاص، مر به الإمام السجاد، وألقى عليه التحية والسلام، وطلب من خاصته وأصحابه أن لا يتعرضوا له بسوء حتى ولو بكلمة جارحة، فلم يجد هشام إلا أن يقرأ قوله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] (2)

وروي أن رجلا شتمه، فقصده بعض مرافقيه، ليرد عنه، فقال لهم: (دعوه فإنّ ما خفي منّا أكثر ممّا قالوا)، ثمّ قال له: أ لك حاجة يا رجل؟ فخجل الرجل، فأعطاه

__________

(1) الكامل للمبردج 1 ص 235.

(2) تاريخ الطبري ج 8، ص 61..

صفحة ( 70)

الإمام السجاد ثوبه، وأمر له بألف درهم، فانصرف الرجل صارخاً، وهو يقول: (أشهد أنّك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)(1) [5].

وروي أنّ شخصاً آخر شتمه، فقال له: (يا فتى إنّ بين أيدينا عقبة كؤوداً؛ فإن جزت منها فلا أبالي بما تقول، وإن أتحيّر فيها فأنا شرّ ممّا تقول)(2)

وروي أن آخر سبّه، فسكت، فقال الرجل: إيّاك أعني، فرد عليه الإمام السجاد: (وعنك أغضي)(3)

وروي أنه مر يوما على قوم يغتابونه، فوقف عليهم، فقال: (إن كنتم صادقين فغفر الله لي، وإن كنتم كاذبين فغفر الله لكم)(4)

وهو نفسه الذي كان يردد كل حين: (ما تجرعت جرعة أحب إلي من جرعة غيظ أعقبها صبراً، وما أحب أن لي بذلك حمر النعم)(5)

هذه بعض النماذج التي يمكنك ـ أيها الرفيق العزيز ـ أن تتأسى بها، أما أولئك الذين ذكرتهم، فأنت أعلم بهم مني، ولا يمكنني أن أعرفك بشيء تعرفه، فخذا ما صفا، ودع الكدورة، فلن ينجيك عند ربك إلا الصفاء، ولن تجده إلا عند الطاهرين الذين غسلت أرواحهم في كوثر النبوة، ونمت في بيت الرسالة، وغذيت بلبان الوحي.

__________

(1) مناقب آل أبي طالب: ج 4 ص 157.

(2) المرجع السابق، ج 4 ص 157..

(3) المرجع السابق، ج 4 ص 157..

(4) بحار الأنوار، (46/ 62)

(5) المرجع السابق، (46/ 74)

صفحة ( 71)

لا تنه عن المعروف

أيها الرفيق العزيز.. رأيتك البارحة، وأنت تجتهد في إقناع أولئك الذين امتلأوا فرحا بميلاد نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، بأن فرحهم منكر، وأنهم يمارسون بفرحهم واحتفالهم بدعة من بدع الضلالة.. ولم تكتف بذلك، بل رحت تزعم لهم أن كل البدع في النار.. وعندما لم تر منهم آذانا صاغية رحت تدعو عليهم، بل تكبهم في جهنم جميعا، لأنهم رغبوا عنك، ولم يستمعوا لتحذيراتك.

وقبل فترة رأيتك تحدث آخرين اجتمعوا على قراءة القرآن الكريم، يقرؤونه جماعة، على حسب الطريقة التي ورثوها عمن آبائهم وأجدادهم، وكانوا منفعلين جدا في قراءتهم، وملتزمين بسببها بدينهم، لكنك رحت تقنعهم واحدا واحدا بأن ينقطعوا عنها، إلى أن انفض جمعهم، ولم يجتمعوا بسببك على قراءة، ولا على دعاء، ولا في صلاة، وإنما ابتلعتهم الدنيا والأهواء، بعد أن حرموا من منبع الهداية الذي قطعته عنهم، ولم تفكر في عاقبة قطعك له.

وهكذا رأيتك قبل فترة تذهب إلى تلك الزاوية التي يجتمع فيها من يسمون أنفسهم [الفقراء إلى الله] يذكرون ويسبحون، ويستعملون كل الوسائل التي يقطعون بها الحجب التي تحول بينهم وبين ربهم.. لكنك لم تتركهم، بل ظللت خلفهم إلى أن انشغلوا عن قطع الحجب التي كانوا منشغلين بها إلى وضع الحجب أمام الخلق وربهم.

ولم تكتف بذلك، بل كان الشيطان يستعملك في كل محل للهداية أو ذكر الله؛ لتثبطهم عن ذلك، وتمنعهم منه، بعد أن حفظت تلك الكلمات التي لا تعرف من الدين غيرها: هي بدعة ضلالة.. وصاحب الضلالة في النار..

صفحة ( 72)

فإذا سئلت عن مصدر علمك بكونها بدعة أو ضلالة، ذكرت أن القرن الأول والثاني والثالث لم يفعلوها.. ولست أدري من أين لك بعصمة تلك القرون، وأنت تعلم البدع الخطيرة التي ارتكبوها، والتي لم يقع مثلها في سائر القرون.

فهل تريد من خلفك أن يقتدي بسلفك في رمي الكعبة بالمنجنيق