الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: الحياة .. تصميم لا صدفة

الوصف: ردود علمية على التفسيرات الإلحادية لنشأة الحياة وتنوعها

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1439 هـ

عدد الصفحات: 316

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

يحاول هذا الكتاب أن يناقش أكثر الأطروحات المادية والإلحادية شهرة وانتشارا، والتي استعملت كل الوسائل، ومارست كل الخدع لتفسير نشأة الحياة وتنوعها تفسيرا ماديا يبعدها عن الحاجة إلى الله، وإلى تصميمه المبدع، وعنايته الرحيمة.

وبما أن النظرية التي تولت ذلك هي نظرية التطور، بمراحلها المختلفة، فإن هذا الكتاب هو مناقشة علمية هادئة لكل أطروحات تلك النظرية، وردود علمية عليها، وإجابات عن كل الشبهات التي تطرحها، ابتداء من نشأة الحياة، وانتهاء بتنوعها إلى الصورة التي نراها عليها.

وقد اعتمدنا في هذه الردود على ما ذكره العلم الحديث من حقائق لم تكن موجودة زمن داروين والعلماء الذين وقفوا في صفه.. فالعلم اليوم يسير بخطا سريعة نحو تحطيم هذه النظرية والأسس التي تقوم عليها.. بل ظهرت مؤسسات وجمعيات كثيرة من الغرب نفسه تبين أن هذه النظرية لم يبق لها ما يسندها، ويدل عليها، لا من الحفريات، ولا من غيرها.. ولذلك رموها بالخرافة والدجل.. وكونها تحولت إلى أداة أيديولوجية، لا نظرية علمية.

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

الصدفة.. والخلق

الصدفة.. والرجم بالغيب:

الصدفة.. والتوالد الذاتي:

الصدفة.. والحساء البدائى:

الصدفة.. ومشكلة البلمرة:

الصدفة.. وطيّ البروتين:

الصدفة.. والتقنيات المعقدة:

التطور.. والعلم

التطور.. والبيانات الرصدية:

التطور.. والتنبؤات الدقيقة:

التطور.. والمنطقية العلمية:

التطور.. والانفتاح للنقد:

التطور.. والمعلومات الدقيقة:

التطور.. وعدم التحيز:

العشوائية.. والتصميم

العشوائية.. والتعقيد المتخصص:

العشوائية.. والإبداع المقصود:

العشوائية.. والتصميم الذكي:

العشوائية.. والتعقيدات غير القابلة للاختزال:

الصراع.. والسلام

الصراع.. والعلاقة بين الكائنات:

الصراع.. والتوازن المحكم:

الصراع.. والتضحية والإيثار:

التكيف.. والعناية

التكيف.. والانتقاء الطبيعي:

التكيف.. والطفرات الوراثية:

التكيف.. والقدرات التطورية:

الحفريات.. وحقيقتها العلمية:

التطور.. والجينات المتقاربة:

الغريزة.. والإلهام

حيوانات برية:

حيوانات بحرية:

المحدودية.. والامتداد

الامتداد المكاني:

الامتداد الزماني:

الامتداد الروحي:

طاقات الروح:

النهاية

هذا الكتاب

 

المقدمة

يحاول هذا الكتاب أن يناقش أكثر الأطروحات المادية والإلحادية شهرة وانتشارا، والتي استعملت كل الوسائل، ومارست كل الخدع لتفسير نشأة الحياة وتنوعها تفسيرا ماديا يبعدها عن الحاجة إلى الله، وإلى تصميمه المبدع، وعنايته الرحيمة.

وبما أن النظرية التي تولت ذلك هي نظرية التطور، بمراحلها المختلفة، فإن هذا الكتاب هو مناقشة علمية هادئة لكل أطروحات تلك النظرية، وردود علمية عليها، وإجابات عن كل الشبهات التي تطرحها، ابتداء من نشأة الحياة، وانتهاء بتنوعها إلى الصورة التي نراها عليها.

وقد اعتمدنا في هذه الردود على ما ذكره العلم الحديث من حقائق لم تكن موجودة زمن داروين والعلماء الذين وقفوا في صفه.. فالعلم اليوم يسير بخطا سريعة نحو تحطيم هذه النظرية والأسس التي تقوم عليها.. بل ظهرت مؤسسات وجمعيات كثيرة في الغرب نفسه تبين أن هذه النظرية لم يبق لها ما يسندها، ويدل عليها، لا من الحفريات، ولا من غيرها.. ولذلك رموها بالخرافة والدجل.. وكونها تحولت إلى أداة أيديولوجية، لا نظرية علمية.

وانطلاقا من هذا، فقد حاولنا أن نعطي القارئ الكريم ثقافة علمية مبسطة ترتبط بهذه النظرية وغيرها من التفسيرات المادية للحياة، ليتبين من خلالها حظها من العلم، ولتكون له القدرة العلمية على مناقشة الدعاوى الإلحادية المتعلقة بها.

بالإضافة إلى ذلك ذكرنا الكثير من شهادات العلماء المتخصصين وانتقاداتهم لها..

ولأن غرضنا من الكتاب، ومن السلسلة عموما هو محاولة استيعاب كل أصناف الشبهات التي يتعلق بها الملاحدة، واستيعاب الردود عليها، فقد رجعنا إلى المراجع الكثيرة التي تحصي تلك الشبهات، أو تلك التي ترد عليها.

وقد وجدنا أن المراجع الأساسية لكل من كتب في التعريف بهذه النظرية أو الرد عليها كتب هارون يحي الكثيرة، والمخصصة أصلا للرد على هذه النظرية، فقد اعتمدنا عليها كثيرا، لا لكونها كتبه فقط.. وإنما لكونها جمعت الكثير من الاقتباسات والنقول من العلماء والمختصين في الغرب، سواء من أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بنظرية التطور، أو من الذين تراجعوا عنها.

وقد حاولنا أن نرتب الشبهات والردود ترتيبا علميا ليتسنى للقارئ أن يطلع على كل جزئية بتفصيلاتها المختلفة، ويطلع في نفس الوقت على الردود العلمية الكثيرة المرتبطة بها.

وبناء على ذلك قسمنا الكتاب إلى سبعة فصول بدأت بالرد العلمي على التفسيرات المادية لنشأة الحياة، وانتهت بالرد العلمي على قصر الحياة على المادة دون العقل والروح.. وبينهما رددنا على كل الشبهات التي يعتمدها التطوريون لتفسير التنوع في الحياة.

وهذه الفصول السبعة هي:

أولا ـ الصدفة.. والخلق: وقد خصصناه للرد على التفسيرات المادية لنشأة الحياة.. واعتبرنا أن كل تلك التفسيرات ليست سوى رجم بالغيب، ولا دليل علمي يثبتها، وحتى لو ثبتت فإنها لا يمكن أن تفسر التعقيدات الكثيرة المرتبطة بالبروتين أو الخلية أو الحياة.

ثانيا ـ التطور.. والعلم: وقد خصصناه لإثبات عدم توفر العلمية الكافية لنظرية التطور، بل إنها مجرد تخمين وخيال، ولا علاقه لها بالعلم، وذلك لغياب جميع مقاييس النظريات العلمية فيها من البيانات الرصدية.. والتنبؤات الدقيقة.. والمنطقية العلمية.. والانفتاح للنقد.. والمعلومات الدقيقة.. وعدم التحيز.. وغيرها.

ثالثا ـ العشوائية.. والتصميم: وقد خصصناه لذكر ما رد به دعاة التصميم الذكي، وهي النظرية الغربية التي تأسست في العقود الأخيرة للرد على نظرية التطور، وذلك باعتماد أسس علمية منطقية أعانت عليها الاكتشافات العلمية الحديثة.. وتناولنا فيه نماذج عن التعقيد المتخصص، والإبداع المقصود، والتصميم الذكي، والتعقيدات غير القابلة للاختزال.

رابعا ـ الصراع.. والسلام: وقد خصصناه للرد العلمي على ما يعتمده أصحاب نظرية التطور من تفسير الحياة على أساس الصراع من أجل البقاء.. وقد رددنا عليها ببيان العلاقة الحقيقية بين الكائنات وتجاوزها للصراع.. وبينا أن كل ما نراه هو تعبير عن التوازن المحكم والمقادير المضبوطة التي بنيت عليها الحياة، كما بني عليها الكون.

خامسا ـ التكيف.. والعناية: وقد خصصناه للرد العلمي على ما يعتمده أصحاب نظرية التطور من آليات لتفسير التطور من الانتقاء الطبيعي، أو الطفرات الوراثية، وغيرها.. وبينا أن ما نراه من تنوع هو نتيجة للعناية الإلهية، وليس للتطور الذاتي للكائنات الحية، فهي أعجز من أن تفعل ذلك.

سادسا ـ الغريزة.. والإلهام: وقد خصصناه للرد العلمي على التفسيرات المادية للسلوك الحيواني أو الخصائص المودعة فيه، وبينا أن كل ذلك عناية وإلهام وفضل إلهي، والعلم لا يستيطع تفسير ذلك إلا بذلك.. فنظرية التطور تعجز عن تفسير التعقيد المرتبط بالسلوك الحيواني دون إرجاعه لمصدر خارجي.

سابعا ـ المحدودية.. والامتداد: وقد خصصناه لبيان الرؤية الدينية للحياة، وكونها أكبر من أن تنحصر في هذا العالم المحدود، وقد ذكرنا ما يدل على هذه الرؤية من الأدلة العلمية، والشهادات المرتبطة بها من كبار العلماء والمتخصصين.

وكعادتنا في هذه السلسلة التي تحاول تبسيط الحقائق العلمية، ووضعها في قوالب مشوقة، فقد اعتمدنا بعض الأحداث الرمزية، التي تجعل القارئ يشعر بنوع من التسلية والمتابعة للأحداث بالإضافة إلى ما يستفيده من معلومات، أو قدرات على الجدل والمحاجة والمناظرة.

وقصة هذا الجزء تبدأ من خلال زيارة يقوم بها سبعة من العلماء المتخصصين في الحياة ونظرية التطور للمدينة التي يسكن بها المؤلف.. ويسعى المؤلف بكل جهده ليتواصل معهم، ويرد على الأطروحات المادية التي جاءوا بها.. لكنه يصرف عن ذلك من طرف الجهات المنظمة للزيارة.

لكنه، وبعد أن ييأس من الالتقاء بهم يفاجأ بهم يدقون باب بيته، ثم يخبرونه بأن معلم الإيمان هو الذي أرسلهم إليه ليكتب قصصهم.

ثم يحكي كل واحد منهم قصة رحلته إلى الإيمان، وكيفية توبته من التفسيرات المادية للحياة في كل فصل من فصول الكتاب.

هذه هي قصة هذا الجزء.. و ننبه إلى أن الهدف منها هدف علمي، وليس الرواية ولا أحداثها، ولذلك لم نتبن في كتابة الأحداث مناهج الكتابة الروائية بصيغتها العادية.. وإنما حاولنا أن نمزج بين العلم والتسلية حتى نخفف على القارئ، ونيسر له التحصيل والاستيعاب، كما نيسر عليه المناقشة والتفاعل.

البداية

في صباح ذلك اليوم الذي حدثت لي فيه هذه القصة التي سأحكيها لكم كنت مارا على بعض المراكز الثقافية.. وهناك رأيت جمعا من الشباب يتحدثون بأصوات مرتفعة، وقد جذبني إليهم أني سمعت بعضهم يذكر دارون، وكتابه عن أصل الأنواع، ويذكر معه أسماء كثيرة، فاقتربت منهم، لأسمع حديثهم.

فرأيتهم يلتفون حول إعلان عن حضور سبعة من كبار علماء الحياة لإلقاء محاضرات في ذلك المركز الثقافي، الذي بدا له أن يقيم أياما ثقافية علمية أطلق عليها وصف [الأيام التنويرية لكشف أسرار الحياة: بدايتها، وتطورها]

وقد امتلأت عجبا أن يهتم ذلك المركز، وفي تلك المدينة البسيطة بمثل هذه المسائل.. في نفس الوقت الذي يغفل فيه عن التنوير بالقيم الأخلاقية والحضارية والعلمية والصحية التي يحتاجها المجتمع أكثر من حاجتهم إلى التعرف على تاريخ الحياة، وكيف بدأت، وكيف تطورت.. والذي لا يعدو أن يكون نوعا من الرجم بالغيب، أو الحديث الذي لا معنى له.

وامتلأت بالعجب أكثر أن أولئك الشباب الذين اقتربت منهم لأسمع حديثهم، كانوا يتحدثون بسرور عظيم، وكأن وليا من أولياء الله قادم إليهم، لينيلهم من بركاته..

قال لي بعضهم، وهو لا يكاد يملك نفسه من الفرح: أرأيت يا عم.. نحن الذين اقترحنا على مدير هذا المركز استضافة هؤلاء العلماء الكبار، حتى نساهم في تنوير مدينتنا، ونبعد عنها شبح الجهل..

قلت: عن أي جهل تتحدث؟.. الناس بحاجة إلى توعية وتربية.. ولا يحتاجون إلى الحديث في مثل هذه المسائل التي لم تثبت علميا..

بمجرد أن قلت هذا، راح أحدهم يصرخ بغضب شديد غير مراع فوارق السن بيننا، وهو يقول: دع عنك هذه الأغلوطات.. فالتطور حقيقة علمية، تدعمها ملايين الحفريات، والتجارب المعملية، والأبحاث الجينية.

قال آخر، وهو لا يقل عن صاحبه غضبا: التطور واقع مثبت، وآلياته أصبحت معروفة تماما، ولهذا يتم دراستها كل يوم في كل معامل العالم.. ويتم تدريسها في جميع جامعات العالم المعترف بها.. بل لا يستطيع اليوم عالم محترم أن ينفي أو يرفض التطور، وإلا فإنه ينتحر بذلك انتحارا علميا أكاديميا.

قال آخر: بل إن نظرية التطور تضاهي في درجة إثباتها نظريات نيوتن وأينشتين التي ثبتت بالأدلة المعملية والرصدية مئات الألوف من المرات.

قال آخر: ألا تعرف [دوكنز] ذلك العبقري الألمعي، صاحب كتاب [الجين الأناني] الذي صحح فيه ما وصفه بسوء الفهم للداروينية.. حيث ذكر أن الانتقاء يكون على مستوى الجينات، وليس مستوى الأنواع أو الأفراد كما كان يُعتقد.

قال آخر: لقد أثبت دوكينز أن مجتمع الإنسان المبني على قانون الجينات الأناني، من الممكن أن يكون منفراً ومزعجاً العيش فيه.. لكن استنكارنا ذلك كله لن يؤدي إلى تعديله.. فنحن ولدنا أنانيين.. هكذا خطط لنا في جيناتنا الأنانية، ولن نستطيع إفساد خططها.

ثم التفت لي، وهو يقول: أرأيت أهمية هذه الأفكار.. إنها ليست أطروحات علمية مجردة، بل إن لها صلة مباشرة بحياتنا.. فبدونها لا يمكننا أن نعرف حقيقتنا.

لم أجد ما أقول له.. إلا أنني عدت أدراجي إلى بيتي، وأنا ممتلئ بالألم والغثاء من هذه الموضات الجديدة التي صارت تخرج لنا كل حين، لتملأ حياتنا بكل ما يبعدنا عن ربنا وديننا.. وحينها تذكرت مقولة [ألكسيس كاريل]: (إن نظريات النشوء والارتقاء هي مصدر كل الهموم الإنسانية، وإنها في الحقيقة ليست إلا حكايات خرافية وجدت من يحميها ومن يقدمها للجماهير بحلة خادعة لا يعرفها كثير من الناس)([1]) 

وصدق في ذلك، فما كان الاستعمار ولا الرأسمالية ولا كل تلك الجرائم البشعة التي ارتكبت في القرون الأخيرة إلا ابنة شرعية لنظرية التطور في تجلياتها الاجتماعية.

وهكذا.. ما كانت بدع الموضة التي تخرج لنا كل حين، والتي يطرح معها الكثير من الحياء والعفة والأدب إلا مظهر من مظاهر ذلك الفكر الخطير الذي حول من الإنسان لعبة يُتلاعب بها باسم التطور والتقدم والسير إلى الأمام.. والذي لا يختلف أحيانا كثيرة عن السير إلى الهاوية نفسها.

لكني بمجرد أن دخلت بيتي انبعثت في همة عجيبة، أردت من خلالها أن أستعيد تجربة أولئك الشباب الذين مررت عليهم في رحلتي السابقة.. رحلتي إلى الكون الموحد.. فقلت في نفسي: دعي عنك الحزن والألم.. فلن ينفعك في هذا المحل إلا الإرادة والعزيمة..

ثم رحت أشحذ إرادتي وعزيمتي، وأخرج من بيتي قاصدا مدير ذلك المركز، طالبا منه أن يسمح لي ببعض الوقت للحديث مع أولئك الزائرين الذين يريدون أن ينشروا سمومهم بيننا.

قال لي المدير، وهو يتملقني، أو يريد أن يصرفني بأدب: ما بك يا رجل.. كيف تنزل بنفسك إلى هذا المستوى.. فأنت لك قيمتك وحرمتك.. وهؤلاء الذين تتحدث عنهم ـ مع شهرتهم الكبيرة ـ لن يحلموا بالحديث معك، ولا بالجلوس إليك، فشتان بينك وبينهم.. فلا تضع وقتك الثمين في الحديث إليهم.. وامكث في بيتك لتخرج لنا من كنوز المعرفة ما تعودت أن تخرج.

قلت: أتريدني أيضا ألا أحضر ما يريدون تقديمه من محاضرات؟

قال، وهو يبتسم بخبث: أجل.. فوقتك أثمن من أن تضيعه في الاستماع إليهم.. وإن احتاجوا إلى الحديث إليك، فسيأتون هم إليك بأنفسهم، من دون أن تتوسل وتتوسط للحديث إليهم.

لم أجد ما أقول له.. لكني عرفت بعد ذلك أنه لم يكن يريد من قوله ذلك إلا أن يصرفني، وقد تأكدت من ذلك من بعض الذين حضروا مجلسه، وأخبروني أنه كان حريصا على توفير الجو لهؤلاء الزوار حتى لا يعكر صفوهم أحد.. وحتى يظهر هو الآخر بصورة المتقدم المتحضر الذي تقدم في سلم الارتقاء، ولم يبق في مستنقع الثباب والاستقرار.

***

وقد ازداد يقيني بالنية المبيتة لمدير المركز عند بداية أشغال الأيام الدراسية، وفي اليوم الأول منها.. فعندما دخلت القاعة امتلأت عجبا من الرجل الذي كلف برئاسة الجلسة، فقد كنت أعرفه جيدا، وأعرفت تقلباته وتطوراته المختلفة، وغير المنضبطة.. والتي يربطها جميعا بالدين..

أذكر جيدا أنه عندما زارنا بعض الشيوعيين، وكلف حينها بتقديم محاضرته، راح يثني عليه وعلى الشيوعية، ويحول منها دينا سماويا، ويحول من كتاب [رأس المال] لكارل ماركس كتابا من الكتب المقدسة.. بل يضيف إلى ذلك كله اعتباره المادية الديالكتيكية من الإسلام.. بل راح يتلاعب بالآيات الكريمة ليستدل بها على شيوعية الإسلام.

وهكذا عندما زارنا بعض دعاة الغرائز من تلامذة فرويد.. راح يحطم كل جدران العفة والحياء والأدب التي جاء بها الإسلام ليحول منه إلى دين غرائزي بهيمي ممتلئ بالفحش والبذاءة.

وهكذا عندما زارنا بعض رجال الأعمال من الرأسماليين.. فقد راح يلقي خطبة طويلة يحاول أن يثبت فيها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مليونيرا فقط، بل كان ملياديرا أيضا.. ثم راح يصف لنا الحياة المترفة التي كان يعيشها.. مقتنصا في ذلك كل شادرة وواردة، يقبل ما يشاء هواه، ويرفض ما يشاء.

وهكذا لم يختلف أمره في ذلك اليوم.. فبعد أن اجتمعت الجموع راح بصوته المجلجل، يصيح: لا شك أنكم جميعا تتطلعون لمعرفة حقيقة الحياة.. وكيف نشأت.. وكيف تطورت إلى ما هي عليه الآن.. وقد جاءكم من أقصى الأرض من يشرح لكم ذلك..

وأحب قبل أن يتقدم هؤلاء الأعلام الكبار ليشرحوا لكم بتفصيل ما ينص عليه العلم الحديث في آخر تطوراته أن أخبركم أن كل ذلك لا يتناقض مع القرآن، ولا مع الدين.. فديننا دين التطور، لا دين الثبات والسكون..

ثم راح يذكر المعترضين على نظرية التطور، متهما إياهم بالتخلف والمروق والإساءة للدين، ويقول في ذلك([2]): افهموني جيدا.. فالاعتراض على نظرية التطور ليس له أي سبب علمي.. بل إني أكاد أجزم أنه أيضا ليس بسبب ديني.. فلا يوجد تعارض بين الدين وبين التطور إطلاقا([3]) ..

السبب في إنكار هذه النظرية هو بمنتهي البساطة [الغرور الإنساني]، فهو الذي دفعه لأن يتوهم أنه أفضل من الكائنات الأخرى.. ولذلك يحاول أن يربأ بنفسه من أن يكون من سلالة القردة أو غيرها من الكائنات.

لكنا إن عدنا إلى قرآننا، وقرأناه قراءة جديدة بعيدة عن قيود السلف والخلف، بل بعيدة عن قيود اللغة التقليدية.. فسنراه ينص على نظرية التطور بصراحة ليس دونها صراحة([4]).

اسمعوا إلى القرآن الكريم، وهو ينص بصراحة على [نظرية الأبيوجينيسيس] التي تقول بنشأة الحياة في أعماق المحيطات..

ثم راح يرتل بصوت خاشع قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ [الأنبياء: 30]، ويعقب عليها بقوله: لقد استنبط المفسرون من هذه الآية استنباطات كثيرة منها أن الماء له فوائد للجسم.. وأننا نحتاج إليه لنعيش.. وأن كل الأحياء تتكون من نسبة عالية من الماء..

لكن كل هذه التفاسير وهمية خاطئة ذلك أن أي قارئ منصف يستطيع أن يري بجلاء أن كل هذه التفاسير هي تقويل على النص.. فالآية لا تتحدث عما ذكروا، وإنما تتحدث تحديدا عن نشأة الحياة.. إنها تتحدث عن الخلق الأول، وليس عن فوائد الماء.

ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: 45].. فالماء المقصود هنا هو مياه المحيطات كما أسلفنا، والتي نشأت منها أول خلية حية.

راح يتمعن في أثر كلامه على جمهور الحاضرين الممتلئين بالاستغراب، ثم قال: بعد هذا.. ماذا عن تطور الكائنات؟.. ماذا يقول القرآن في ذلك؟

راح يقلب صفحات مصحف بين يديه، ثم يقول: اسمعوا لهذه الآية التي تنص على نظرية التطور بكل صراحة.. فالله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: 12].. المفسرون القدامى بحكم معارفهم المحدودة راحوا يفسرون الآية بأنها تعني أن كل منا كبشر هو نهاية سلالة طويلة بدأت بخلق الإنسان الأول من طين.. لكن لغة القرآن القوية الواضحة تعاند هذا التفسير بوضوح.. فهي تنص على أن بين الإنسان وبين الطين يوجد سلالة..‏ والسلالة لاهي طين ولا هي إنسان، أليس هذا واضحا وضوح الشمس؟.. كيف لايستطيع كل من يقرأ هذا الكلام أن يتساءل كيف يكون تفسير المفسرين صحيحا؟.. كيف يكون المقصود من السلالة أنها سلالة البشر حتي سيدنا آدم إذا كانت الآية توضح أن السلالة لم تكون أناسا مثلنا؟

ثم راح يتساءل: أتعلمون ماهو الطين؟.. أليس هو مركبات جمادية مخلوطة بالماء؟.. فالله إذن خلق من هذا حياة.. ومن الحياة نشأت سلالة.. ومن السلالة نشأ الإنسان.. أليس هذا وصفا رائعا ودقيقا لما تقوله نظرية التطور؟

صفق بعض الحضور من الشباب، وتبعتها تصفيقات أخرى كثيرة.. فازداد انتفاخ الرجل.. وراح يزيد في درجات تصعيده ليجعل من القرآن الكريم كتابا لأصل الأنواع، مثلما حوله في مجالسه السابقة إلى كتاب في الرأسمالية أو الشيوعية أو الفوضى الأخلاقية.

بعد انتهائه من حديثه، وبعد أن كدت أنفجر من ذلك التلاعب بالنصوص المقدسة، بدأ العلماء حديثهم، وقد حمدت الله على أنه كان حديثا ممتلئا بالمصطلحات الغريبة، والأرقام الكثيرة، والتي لم يفهمها أحد من الناس..

بعد انتهاء الجلسات، رفعت يدي طالبا التعقيب.. لكن مدير المركز بعد أن لمح يدي، وهي ترتفع تقدم إلي، وكأنه لم يرني إلا تلك اللحظة، ثم راح يصافحني بحرارة، بل يعانقني، وكأنه لم يرني منذ سنوات، ثم راح يأخذ بيدي إلى مكتبه، ويطلب من العمال أن يحضروا لي بعض الحلويات والقهوة والشاي، وهو يقول بكل تزلف: مرحبا بك في مركزنا.. كم نفرح بزيارتك يا رجل.. لم لا تشرفنا كل حين؟

ثم تملص مني، بعد أن تركني محجوزا في مكتبه، وكلما كنت أنوي الخروج منه، يقسم علي السكرتير بالبقاء ريثما يحضر القهوة والشاي.. ثم يخبرني بأن المدير سيغضب منه أو يفصله إن خرجت من غير أن أشرب شيئا..

وهكذا بقيت في انتظار القهوة والشاي إلى أن انفض المجلس، وخرج الناس.. وخرجت معه من دون أن أقف أي موقف، أو أدلي بأي حديث.

***

لكن.. وفي وقت متأخر من الليل سمعت طرقا شديدا على الباب، فخرجت مسرعا، فرأيت أولئك العلماء السبعة يقفون أمام الباب، ويطلبون مني أن أدخلهم إلى البيت بسرعة، ثم ما لبثوا أن دخلوا مسرعين، وكأنهم يخشون أن يتعقبهم أحد.

تصورت في البداية أن مدير المركز هو الذي أرسلهم لي.. لكني علمت منهم أنهم خرجوا خلسة من الفندق الذي يقيمون فيه، وأن الذي أرسلهم لي، ليس مدير المركز، وإنما معلم الإيمان.

قلت: أتقصدون أن معلم الإيمان هو الذي أرسلكم لي، ودلكم على بيتي؟

قال أحدهم: أجل.. ونحن لم نقصد هذه البلاد إلا لزيارتك..

قلت: لكن كيف تعرفتم إلى معلم الإيمان.. وكيف دلكم علي.. ولماذا؟

قال: رويدك، فنحن أضعف مما تتصور.. وأنت أقل من أن تفهم حقائق الوجود، فلذلك سلم لربك، ولا تسأل مما لم تؤت علمه.

تعجبت أن يكون المتحدث إلي بهذه الصيغة، وهذا الأسلوب، وهذا الإيمان هؤلاء العلماء الذين جاءوا لنشر الإلحاد في البلدة، وتهديم عقائدها.

لكني بعد أن عاينت ما عاينته في رحلتي السابقة إلى الكون الموحد لم أستغرب ذلك، بل رحت أقول لهم: مرحبا بكم، وأنا طوع أمركم، ومسلّم لكم، ولمعلمي معلم الإيمان.. فهل تطلبون مني شيئا؟

قالوا: أنت تعلم لما أرسلنا إليك.. فهلم أحضر قلمك ودواتك وقراطيسك لنملي عليك قصة رحلتنا إلى الحياة الموحدة.

قلت: الحياة الموحدة.. ما تعنون بذلك؟

قال أحدهم: لقد رحلت في رحلتك السابقة من الكون الملحد إلى الكون الموحد.. وسترحل في هذه الرحلة معنا من الحياة بحسب الرؤية الإلحادية إلى الحياة بحسب الرؤية التوحيدية.

قلت: هل تريدون مني أن أسافر أيضا؟

قال: ما دام لك خيال يمكن أن يسافر، فلا حاجة لك أن تتعب قدميك.

قلت: لم أفهم ما تعنون؟

قال: لقد مررنا في حياتنا برحلة طويلة، مررنا فيها بتجارب مختلفة، واعتقدنا اعتقادات متباينة إلى أن هدانا الله للإيمان، ونحن نريد منك أن تسجل حديثنا، وخبر رحلتنا من الإلحاد إلى الإيمان.

قلت: ولكنكم سبعة.. فهل رحلتم جميعا رحلة واحدة؟

قال: لا.. بل لكل منا رحلته الخاصة به.. وقد التقينا في الأخير في رحاب الإيمان.. وقد دعانا معلمنا إلى أن نزورك لتكتب أخبارنا، كما نقصها عليك، فلعل ذلك يشفع لنا عند ربنا.

قلت: ما دمتم قد عدتم للإيمان.. فكيف جئتم لهذه البلدة لتنشروا الإلحاد؟

قال: نحن لم نأت لننشر الإلحاد.. وإنما جئنا لننشر الإيمان.

قلت: والمحاضرات التي ألقيتموها في الصباح، والأرقام التي نطقتم بها.. وذلك الشيخ الذي قدم لكم بتلك الأحاديث الرعناء.

قال: لا شأن لنا به وبتخرصاته.. وما ذكرنا تلك الأرقام إلا لندعم الإيمان.. وسترى من حديثنا مع أهل مدينتك بعد أن نقص عليك قصتنا ما يملؤك بالعجب.

قلت: فهلا أذنتم لي لأقدم لكم طعاما قبل أن تبدؤوا حديثكم..

قالوا: لا شأن لنا في طعامك.. فوقتنا محدود جدا.. فأحضر سلاحك، وتعال لتكتب ما نمليه عليك.

لم أجد إلا أن أسلم لهم، فأحضرت أقلامي ودواتي وقراطيسي، ورحت أجلس إليهم، بهيئة التلميذ الذي يكتب كل ما يملى عليه فهمه أو لم يفهمه.

الصدفة.. والخلق

بدأ أولهم الحديث، وقال: تبدأ قصتي من ذلك اليوم الذي اجتمعت فيه مع مدير مركز الأبحاث الذي كنت أعمل به، فقد طلب حضوري إليه، بعد أن رأى بعض أبحاثي، وأعجبته كثيرا.

وعندما دخلت إليه راح يقول لي: نحن فرحون بأن يكون في مركزنا باحث مثلك.. لكنا نريد منك أن تتوجه بأبحاثك وجهة أخرى، لعلها أنفع للبشرية من الوجهة التي تعمل فيها الآن.

قلت: لكن الوجهة التي أعمل فيها نافعة جدا، فأنا أبحث في الكائنات الحية الدقيقة، وتأثيرها على البيئة، وهذا يفيدنا كثيرا في واقع الحياة العملية.

قال: أجل.. أعلم ذلك.. لكن ذلك يمكن أن يقوم به آخرون بدلا عنك.. ولهذا، فأنا أريد منك شيئا آخر.. أو بالأحرى المركز يريد منك شيئا آخر أكثر نفعا للبشرية.. بل البشرية نفسها هي التي تريد ذلك منك.

قلت: أنا في خدمتك، وخدمة المركز، وخدمة البشرية.. فمرني بما شئت.

سكت قليلا، كالمتردد، ثم قال: قد تقول بأن ما أريد أن أكلفك به نوع من الفلسفة أو الميتافيزيقا.. أو تذكر أن فيه نوعا من البعد عن العلمية.. لكني أبادرك، فأقول بأن قولك هذا غير صحيح.. فالعلم الآن راح يخترق حجب الغيب، ليكشف حقائق الوجود، حتى لا يترك لغيره أن ينشر الخرافات بين البشرية.

قلت: أنا إلى الآن لم أفهم ما تقصد.. ولست أدري هل لما تريد أن تطلبه مني علاقة بالفلسفة أم لا.. لكن إن كان ذلك، فاعذرني، فأنا رجل علم ومخابر، ولا علاقة لي إطلاقا بالفلسفة.

قال: ما تقول يا رجل.. هل يمكن لأحد من الناس ألا تكون له علاقة بالفلسفة؟.. ألا تعرف أولئك الفلكيين والفيزيائيين الكبار الذين وضعوا النماذج الكثيرة التي تواجه المؤمنين الذين راحوا يستثمرون الحقائق العلمية الدالة على نشوء الكون ليثبتوا بها وجود الله؟

قلت: بلى.. أعرف ذلك.. وقد ذكر بعض أساتذتنا الدوافع النفسية لكل تلك النماذج، فقال: (اعتقد علماء الكون أنّ عليهم الالتفاف وراء المشكلة.. لقد حاولوا على مرّ السنوات الماضية إثبات عدة نماذج مختلفة للكون تتفادى الحاجة إلى بداية، مع الاستمرار في اشتراط انفجار عظيم.. يبدو الآن من المؤكّد أنّ الكون كانت له بداية)

قال: ولكنهم نجحوا في ذلك..

قلت: أجل.. هم نجحوا في تحقيق أغراضهم الفلسفية، ولكنهم لم ينجحوا في تحقيق أغراضهم العلمية، فكل ما ذكروه من نظريات ونماذج لم تكن سوى دعاوى لا دليل عليها.

قال: لا يهم ذلك.. فقد يأتي ما يدل عليها في المستقبل.

قلت: وقد يأتي ما ينقضها.. بل إنه لا يمكن لأحد من الناس أن يبرهن عليها في يوم من الأيام.. لقد قال بعد علماء الفيزياء الكبار عن [نظرية الأوتار]: (إنها نظرية تحتاج لمصادم هيدروني بحجم مجرة لاختبارها وهذا غير ممكن.. حسنا لو قلنا ـ طبقا للنظرية ـ إن الكون خلق نفسه، فمن أوجد النظرية؟ ومن أوجد القوانين الفيزيائية الخاصة بها؟.. ورغم ذلك فلا توجد لها معادلة فيزيائية حتى الآن.. أطلب منهم أن يكتبوا معادلة فيزيائية.. لن يفعلوا لانهم ببساطة لايمتلكونها)

وقال آخر عن صاحب نظرية الأكوان المتعددة، والتي قال عنها البروفسور [جون بولكنجهورن] الفيزيائي الشهير معبرا عن نقده الشديد لها: (إنها ليست فيزياء.. إنها في أحسن الأحوال فكرة ميتافيزيقيه، ولا يوجد سبب علمي واحد للإيمان بمجوعة من الأكوان المتعددة)

وقال آخر: (إن فلسفة هوكينج تحديدا ما أعارضه، فهي كما وصلتني مثال واضح على التعالم، فطرح أن العلم هو مصدر المعلومات الوحيد، وأننا لدينا فهم كامل لكل شيء هراء، بل هراء خطير أيضا، فهو يشعر العلماء بالكبر والغرور بشكل مبالغ فيه)

قال: لا بأس.. ربما يكون لهؤلاء الحق فيما يذكرون.. لأن الكون الواسع لا يمكن الإحاطة به، ولا التجربة عليه.. ولكن ما أريد أن أطلبه منك سهل، وفي المتناول.. فنحن كما تعلم لا نبحث في الكائنات الضخمة، بل نبحث في الكائنات الدقيقة.. نحن لا نستعمل المراصد الكبرى العاجزة، بل نستعمل المجاهر الإلكترونية الدقيقة.

قلت: إن كان لما تريد أن تطلبه مني علاقة بالعلم، فذلك اختصاصي.. يمكنني أن أبحث فيما تشاء.. وأنت فسره بعد ذلك كما تريد.. أو يمكنك أن تحضر من الفلاسفة من يستفيد من نتائج أبحاثي ليوجهها كما يشاء.

قال: لا بأس.. اتفقنا على ذلك..

قلت: فما تريد مني؟

قال([5]): لاشك أنك تعلم أن نظرية التطور طرحت في أواسط القرن التاسع عشر، وفي ذلك ذلك الحين لم تكن العلوم والتكنولوجيا متطورة بمثل ما هي عليه اليوم.. فقد كان علماء ذلك القرن يُجرون أبحاثهم في معامل بسيطة، وبأجهزة بدائية جداً.. وذلك ما جعلهم يقعون في بعض الاعتقادات الباطلة التي ترسبت في أذهانهم في غضون العصور الوسطى، ولا تزال مؤثرة في ثقافتهم حتى الآن.

قلت: أعلم ذلك.. ومن ذلك قولهم: إن للحياة طبيعة بسيطة في أساسها، أو كما عبر على ذلك الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو الذي قال: (إنّ الحياة تبدأ صدفة بمجرد وجود بعض المواد التي لا حياة فيها، وتكون هذه المواد متلازمة جنبا إلى جنب في بيئة مبتلة رطبة ومن هنا تبدأ الحياة).. وهكذا اعتمد داروين في بناء نظريته على فكرة أن: (الحياة لها طبيعة بسيطة في أساسها)

قال: أجل.. وقد اعتنق علماء الحياة ما ذكره داروين وناصروه، وبنوا أفكارهم على أساسه، وكان من أهم مناصري داروين [أرنيست هايكل] الذي كان يعتقد أن الخلية الحية ـ والتي لم تتمكن المجاهر البسيطة حينذاك من رؤيتها بشكل صحيح ـ بسيطة التكوين بطبيعتها، وقال عنها كما تصورها: (إن الخلية ما هي إلا بالونة بسيطة مملوءة بسائل هلامي)

قلت: ولهذا، فإن الكثير من النتائج العلمية التي ذكرها هايكل وداروين وهكسلي وغيرهم لم تعد نتائج علمية لاعتمادةا على أفكار بدائية، ولعدم تطور الوسائل حينها.

قال: ولهذا طلبت منك ومن بعض الباحثين الكبار أن تقوم بدورك في هذا المجال.

قلت: لم أفهم ما تعني.

قال: لاشك أنك تعلم أن تلك النظريات التي طرحها هايكل وداروين وهكسلي وغيرهم كان لها أثرها الكبير في مواجهة الخرافة والجهل والتطرف والإرهاب الذي يلبس عادة لباس الإيمان.. وتعلم أيضا أنها وإن لم تكن علمية بالشكل الكافي، لكنها مع ذلك استطاعت أن تؤدي ذلك الدور الاجتماعي الخطير في مواجهة التطرف والعنف.. ولذلك نحتاج إلى إحيائها من جديد، وبأساليب أكثر علمية.

قلت: لا أرى علاقة بين تلك النظريات والتطرف والعنف.

قال: كيف لا ترى ذلك.. وأنت ترى في نشرات الأخبار أن كل ما يحصل من جرائم بيد أولئك الإرهابيين من المسلمين.. ولولا إيمانهم بما يسمونه إلها، لما وقعوا في ذلك.

قال ذلك، ثم أخرج من مكتبه شيكا، وأمضاه، وهو يقول: دعنا من كل هذه التفاصيل.. هذا شيك وفره لك المركز، يمكنك أن تضع فيه المبلغ الذي تشاء، لتسد به ديونك، ولتتجنب دخول السجن.. فلا يصح أن يدخل عالم مثلك السجن.. فمكانك هو المخبر، وليس وراء القضبان الحديدية.

ثم ابتسم، وقال: نحن نعرف جيدا الظروف الصعبة التي تمر بها.. ولذلك لا نريد أن ندعك تحت رحمة أعدائك.. لا نريد منك في مقابل هذا سوى أن تثبت عدم حاجة نشأة الحياة إلى مصدر خارجي..

أو بعبارة أخرى لا نريد منك سوى أن تضع نظرية جديدة لـ [نشأة الحياة صدفة] في لباس علمي يتيح لها المزيد من القبول في العصر الحالي، وبالوسائل الحديثة.. ولا يهم أن تعارَض في المستقبل أو لا تعارض.. المهم أن تبقى لها فعالية، ولو لمدة قليلة من السنين.

وإن استطعت أن تقنع باحثين آخرين ليؤدوا هذا الدور معك، فلك ذلك، فالبحث الجماعي أهم وأقوى تأثيرا من البحث الفردي.. لكن لا نريدهم إلا من كبار علماء الحياة في العالم.. ولذلك لك أن تتنقل حيث تشاء.. وتتصل بنا لنهبهم من الأموال ما يرغبون.. فكل شيء موفر لك.

***

لا أكتمكم أني حينها، وبمجرد أن رأيت الشيك سال لعابي، وتشتت ذهني تشتتا تاما، فقد كنت في حاجة مالية شديدة.. فقد استدنت من بعض البنوك مبلغا ضخما لشراء بيت في ضاحية المدينة، ووفرت فيه كل مستلزمات الأبحاث التي أريد إجراءها.. وكنت أحلم أن أكسب وراء تلك البحوث أموالا كثيرة أسدد بها ديوني، لكن ذلك لم يحصل، فقد كانت النتائج التي وصلت إليها عكس المتوقع، وقد جعلني ذلك أنهار انهيارا تاما.

ولهذا تركت معملي، والتحقت بذلك المركز الذي حدثتكم عنه، وقد علمت بعد ذلك أنهم علموا بما حصل لي، وبالمبالغ الضخمة التي أحتاج إلى سدادها، فراحوا يستعملون هذه الوسيلة لإقناعي بما يريدون طرحه.. ونجحوا في ذلك.

بعد أن عدت إلى بيتي، رحت أقلب دفاتري بحثا عن الفريق الذي يمكنه أن يساعدني في المهمة الخطيرة التي وكلت لي، وبعد جهد كبير استطعت أن أجمع أسماء عدد منهم، كلهم من كبار الباحثين.. ولم تكن لدي مشكلة سوى المسافات الطويلة التي تفصل بينهم.

لكن المبالغ المالية الضخمة التي هيئت لي جعلتني أقوم بمهمة التواصل معهم، من غير أي عناء..

الصدفة.. والرجم بالغيب:

كان أول عالم قمت بزيارته، والحديث معه في هذا الشأن، عالما بيولوجيا كبيرا، كانت له صلة نسبية بذلك العالم التطوري المخادع [أرنست هيجل]، صاحب النظرية التي يطلق عليها [نظرية التلخيص]، والتي ثبت زيفها وخداعها بعد ذلك، واعترف أرنست نفسه بما فعله.

عندما دخلت مكتبه الذي كان يشبه مكاتب رجال الأعمال، لا مكاتب العلماء والخبراء، قال لي، وهو يصافحني بحرارة: لدي لك الكثير من الصفقات التجارية المهمة التي تخلصك من كل ديونك.

قلت: أرجو ألا تكون مثل شبيهاتها التي أوقعتني فيها.

قال: لا تخف.. هي مضمونة مائة في المائة.. فأنا أفكر في اختراع مركب يحوي جميع المسكرات مثل الكحول والكلوروفورم والبنزين.. ومسببات النشوة مثل الأفيون ومشتقاته.. والمهلوسات: مثل الميسكالين وفطر الأمانيت والبلاذون والقنب الهندي..وغيرها جميعا، مع تفادي السلبيات المرتبطة بها.. وأنا أحتاج إلى فريق بحثي لتحقيق ذلك.. ولا شك أن لك من القدرات ما يسمح باختراع هذا المنتوج الذي سيغزو الأسواق، ويحولنا إلى ملياديرات بين عشية وضحاها.

قلت: دعني من هذه العوالم، فأنت تعرف أني قد تبت من أمثال هذه الصناعات التي لم تجر علي سوى الوبال.

قال: فهل تراك جئتني بصفقة أخرى أكثر جدوى؟

قلت: ألا تعرف الحديث سوى عن الصفقات؟.. لقد جئتك لغرض علمي.

قال: لقد انتهينا من العلم بعد خروجنا من الجامعة مباشرة، ونحن الآن في طور التجارة بالعلم.. فإن كان لك صفقة مهمة، فهاتها، وإلا فاذهب إلى طلبة الجامعة، واعرض عليهم مشاريعك.

قلت: يمكنك أن تعتبر أني جئتك بصفقة..

نهض من مكتبه، وراح يصفق، ويقول: هذا ما كنت أنتظره منك، فهلم بها.

ذكرت له ما حدثني به مدير المركز، فراح يقول لي: الأمر بسيط جدا، يمكنني عبر الفريق البحثي الذي تريده أن نحيي أي نظرية من النظريات، وندعمها بخدع جديدة، لتؤدي دورها الوقتي، ولا بأس بعد ذلك أن تنتقد، لتخلفها نظريات أخرى.. فما دام الهدف هو إبعاد الله عن خلق الحياة، فهذا سهل جدا.

ثم ابتسم، وقال: إننا نقدم بذلك خدمة للإنسانية.. فأنت ترى ما يجره الإيمان بالله من مآس للبشرية، فقد صار اسم الله مبررا لكل الجرائم.. وفوق ذلك لا يمكن للحياة أن تحلو، وأن نمارس فيها كل حريتنا، ونحن نعتقد بإله يحاسبنا على الصغيرة والكبيرة، بل يتوعدنا بعد ذلك بالعذاب الشديد إن خالفنا القوانين التي يسنها.

قلت: لا بأس.. فما هي البدائل التي تقترحها، والتي يمكننا من خلالها أن نواجه الطروحات الإيمانية.

قال([6]): هي كثيرة جدا.. من أمثلتها أننا يمكن أن نلبس نظرية [الحساء البدائي] ثوبا جديدا من العلمية، متناسبا مع التطورات الجديدة.. فأنت تعلم أن أثواب تلك النظرية والتي لبستها منذ سنة 1924 قد بليت كثيرا.. وتحتاج إلى تبديل..

سكت قليلا، ثم قال: لقد لاقت حينها استحسان العلماء من مختلف الأوساط العلمية.. فهي تذكر أن الحياة نشأت ببساطة من زمن سحيق في القدم، حيث كان للأرض غلاف جوي صغير يحتوي على العناصر الأساسية لنشأة الحياة من الكاربون، والهيدروجين، والآزوت، وغيرها.. حينها تعرضت الأرض لأشكال مختلفة من الطاقة، مما أدى إلى ارتباط هذه العناصر وتصلبها فيما بينها، مشكلة مركبات كيميائية، أعطت انطلاقة للحياة على الأرض.

قلت: ولكن هذا يطرح تساؤلات حول كيفية نشوء الحياة فقط عبر هذه العناصر والمركبات البسيطة؟

قال: هذا ما تجيب عليه نظرية [التولد التلقائي] أو [التخليق الذاتي]، وهي التي تذكر أن الحياة نشأت في ظروف طبيعية انطلاقا من مركبات غير حية..

قلت: لكن كيف تم ذلك؟

قال: يمكن طرح الكثير من التوقعات لكيفية ذلك.. وفي ذاكرتي الآن الكثير منها.. وجميعها يمكنها أن تصمد فترة طويلة، حتى تأتي بدائل لها.

قلت: فهات أولها؟

قال: أولها هو القول بأن الحياة نشأت أول مرة تحت الجليد.. حيث تشير مجموعة من الأدلة إلى تغطية الجليد للمحيطات قبل حوالي 3 ملايير سنة من الآن، حيث تشكلت طبقة جليد سميكة بعمق مئات الأمتار نتيجة البعد السحيق بين الأرض والشمس آنذاك، وعكس ما هو عليه الآن، وهذه الطبقة حمت المركبات العضوية بقاع المحيطات ومكنتها من التفاعل فيما بينها لتعطي بذلك انطلاقة للحياة.

قلت: دعنا من هذا، فما أصعب تصديقه؟

قال: لا بأس.. فلنذكر بأن الحياة نشأت بسبب الكهرباء.

قلت: كيف ذلك؟.. إن إثبات هذا صعب، بل مستحيل.

قال: رغم أنها فكرة غريبة نوعا ما، إلا أنه يمكننا أن نذكر بأن الحياة تشكلت بفعل الكهرباء، فقد تم اثبات قدرة الكهرباء على تشكيل أحماض أمينية وسكريات بسيطة انطلاقا من عناصر بسيطة في الغلاف الجوي.. وبذلك فإنه يمكن أن نذكر أن البرق هو السبب في ظهور الحياة على الأرض، وذلك بصعق الأدخنة الصاعدة من البراكين، والغنية بالعناصر الأساسية للحياة مشكلا بذلك جزيئات أعقد، شكلت أسس الحياة.

قلت: دعنا من هذا، وحدثنا عن توقع آخر أكثر عقلانية؟

قال: فلنذكر لهم أن الحياة نشأت بسبب [التبذر الشامل]

قلت: فما [التبذر الشامل]؟

قال: هي نظرية تنص على أن الحياة على الأرض تطورت من كائنات مجهرية فضائية، دخلت للأرض عن طريق نيازك قادمة من المريخ.. مما يجعل منا امتدادا لكائنات فضائية متطورة.

قلت: إن هذا سيدعو إلى التساؤل أيضا عن سبب نشأة الحياة في المريخ.. فلذلك حدثنا عن توقع آخر أكثر عقلانية؟

قال: فلنذكر لهم أن الحياة نشأت من [الحمض النووي الريبوزي]، فهذا الحمض له دور أساسي في ترجمة الجينات إلى بروتينات.. وبذلك يمكن أن تنشأ الحياة بتشكل هذا الحمض النووي الريبوزي انطلاقا من الحساء البدائي.

قلت: إن هذا يطرح تساؤلات أخرى كثيرة.. فهل هناك توقع آخر؟

قال: أجل.. يمكننا أن نذكر أن مكونات الحساء البدائي استمرت في التفاعل فيما بينها، وبمرور الزمن أنتجت هده التفاعلات جزيئات أكثر تعقيدا من سابقتها، فشكلت أساس الحياة على الأرض.

قلت: إن هذا يطرح تساؤلات كثيرة.. فهل هناك توقع آخر؟

قال: أجل.. يمكننا أن نذكر أن الشرارة الأولى للحياة ظهرت عبر المتنفسات المائية الحرارية، وهي فتحة تشبه المدخنة في قاع المحيط، تنفث مياه معدنية حارة غنية بالعناصر الأساسية، وهي بذلك توفر ظروف ملائمة وعناصر أولية لتشكل الحياة على الأرض.

قلت: فهل هناك توقع آخر؟

قال: أجل.. يمكننا أن نذكر [تربة الأرض الطينية]، فقد قدم باحثون من جامعة غلاسكو الشهيرة باسكتلندا نظرية حول نشأة الحياة من تربة الأرض الطينية، لكونها غنية بالعناصر الأساسية للحياة، وقد حاجج الباحثون من خلال هذا الطرح على أن كل تلك العناصر قد تفاعلت فيما بينها لتعطي جزيئات معقدة كالحمض النووي [دى إن إيه] وجزيئات أخرى مشكلة بذلك قاعدة انطلاق الحياة على الأرض.

قلت: فهل هناك توقع آخر؟

قال: أجل.. يمكننا أن نذكر تلك النظرية الجديدة التي ظهرت بمعهد [ماساتشوستس للتكنولوجيا]، والتي تفترض أن تعريض المادة لطاقة خارجية داخل حمام حراري يجعلها تنتظم وفق نظام أكثر كفاءة في تبديد الطاقة، وقد أكدت الدراسات المنجزة أن تعريض مجموعة من الذرات للطاقة يجعلها تنتظم وفق نظام أكثر كفاءة في تبديد الطاقة.

قلت: فهل هناك توقع آخر أكثر علمية وعقلانية؟

قال: أجل.. يمكننا أن نذكر لهم نظرية [سفانت أرينياس]

قلت: فمن هو [سفانت أرينياس]؟

قال: إنه صاحب النظرية التي تنص على أن الحياة التي نراها على سطح البسيطة اليوم كانت قد نشأت من كائنات حية أخرى أتت من عالم أو كوكب آخر غير كوكبنا الأرضي.. وقد وضع نظريته في نهاية القرن التاسع عشر بناء على معرفته بأن كثيراً من البكتيريا والفطريات تنتج جراثيم تنقلها الرياح من مكان لآخر حيث يمكنها بتوفر الظروف الملائمة أن تنبت لتكون مستعمرات جديدة للكائنات المنتجة لها، وبناء على ذلك قدم نظريته والتي تعني أن الكائنات الحية التي نراها اليوم نشأت من أجسام تشبه الجراثيم أتت من عالم أو كوكب آخر غير كوكبنا الأرضي.. وبتوفر الظروف الملائمة لإنبات هذه الأجسام في أرضنا نمت فأعطت الكائنات الحية التي نراها اليوم.

قلت: ولكن هذه النظرية لم تأخذ في عين الاعتبار كيفية وجود الحياة على كوكبنا الأرضي، ولم تأخذ في اعتبارها كيفية نشأتها سواء كان ذلك هنا أو في عالم آخر؟

قال: ذلك لا يهم.. فنحن لا نريد أن نثبت حقيقة علمية، وإنما نريد أن نضع افتراضات مختلفة ينشغل بها البشر عن التساؤلات المحيرة التي لا تؤدي إلا إلى الإيمان.

قلت: دعنا منها.. فهي غريبة جدا.. فهل هناك توقع آخر أكثر علمية وعقلانية؟

قال: حاليا.. ليس لدي أي توقع آخر.. لكن لا تقلق، يمكنك أن تمر علي بعد أسبوع واحد فقط، لأضع بين يديك مجموعة أخرى جديدة من التوقعات.. لكن لا تنس أن تقدم مبلغا من المال يقوي خيالي على التفكير.. فخيالي لا يمكن أن يتحرك من دون مال.

الصدفة.. والتوالد الذاتي:

وهكذا ضممت إلى فريقي العضو الأول، والذي لم يصعب علي التعامل معه، فقد كان لا يختلف كثيرا عن مدير المركز الذي كنت أعمل به..

لكن الصعوبات الشديدة لاقتني مع سائر الأعضاء الذين سجلتهم في دفتري.. فكلهم رفض العرض رغم الحاجة الشديدة.. وكلهم راح يؤنبني على التفكير بهذه الطريقة.

وكان أولهم عالما بيولوجيا كبيرا، كانت له صلة نسبية بالطبيب الكبير [لويس باستور]، وبمجرد أن التقيت به، وعرضت عليه الفكرة، وأخبرته أني اتفقت مع [أرنست هيجل] بشأن ما يمكننا عمله، حتى راح يضحك بصوت عال، وهو يقول: ألا تزال عائلة [أرنست هيجل] تمارس دورها القذر في تاريخ العلم، ألم يتخلصوا بعد من الحيلة والمخادعة؟.. ألم يكفهم ما فعل جدهم من جرائم؟

قلت: وما الذي فعل؟

قال: لقد قدم مجموعة من أشهر رسوماته عام 1874م لمراحل الجنين البشري، حيث قام بتزييف الحقائق ووضع بصمة تطورية في كل مرحلة جنينية لدرجة أنه رسم خياشيم مزعومة للجنين الإنساني، بل وأضاف صورتين من عنده أصلا دسهما بين صور مراحل الجنين، إلى الدرجة التي قال فيها عالم الأجنة البريطاني الدكتور [مايكل ريتشاردسون] وزملاؤه في سنة 1997م: (يبدو أن هذا [أي رسومات هيغل] من أكبر عمليات التزييف في علم الأحياء!)

قلت: لمَ تلقي عليه هذه التهمة الخطيرة، فلعل ذلك ما وصل إليه جهده وعلمه وتفكيره.. ولا يمكن اعتبار التفكير بحال من الأحوال خداعا أو احتيالا؟

قال: صدقت في ذلك.. لكن الواقع التاريخي كشف بالأدلة القطعية أن [أرنست هيجل] لم يكن مجرد مخطئ، وإنما كان مخادعا أيضا، ففي نهايات عام 1908م اكتشف الدكتور [بر إس] التزوير الذي قام به، وكتب مقالة في إحدى الجرائد متحديا أرنست هيجل وداعيا له للاعتراف بما قام به من تزوير.

وانتظرت الأوساط العلمية جواب العالم التطوري المتهم بالتزوير، وبعد تردد قارب الشهر، كتب هيغل بتاريخ 14/12/ 1908م مقالة تحت عنوان (تزوير صور الأجنة)، حيث اعترف فيها بعملية التزوير التي قام بها قائلا: (إنني أعترف رسميا ـ حسما للجدال في هذه المسألة ـ أن عددا قليلا من صور الأجنة نحو ستة في المائة أو ثمانية موضوع أو مزور)

ثم عقب على هذا الاعتراف بقوله: (بعد هذا الاعتراف يجب أن أحسب نفسي مقضيا عليّ وهالكا، ولكن ما يعزيني هو أن أرى بجانبي في كرسي الاتهام مئات من شركائي في الجريمة، وبينهم عدد كبير من الفلاسفة المعول عليهم في التجارب العلمية وغيرهم من علماء الأحياء ـ البيولوجيا، فإن كثيرا من الصور التي توضح علم بنية الأحياء وعلم التشريح وعلم الأنسجة وعلم الأجنة المنتشرة المُعول عليها مزور مثل تزويري تماما لا يختلف عنه في شيء)([7]) 

بل إن علماء الداروينية الحديثة لم يجدوا بُدا من التملص من هذه الفضيحة للحفاظ على استمرار المخدر التطوري ساري المفعول في عقول الغافلين والملحدين واللادينيين، فهذا أحد مؤسسي الدارونية الحديثة وهو [جورج جايلورد سيمبسون]، يقول: (لقد شوَّه هيجل المبدأ النشوئي الذي تناوله، فقد ثبت اليوم علميا بما لا يدع مجالا للشك، أن الأجنة لا تمر بمراحل ارتقاء الأجداد)

قلت: لا بأس.. قد أعترف معك بكون [أرنست هيجل] الجد كان مخادعا، لكن ما ذنب [أرنست هيجل] الحفيد.. أم أنك تريد أن تلقي ذنب الأجداد على الأحفاد؟

قال: لا.. لا أقول هذا.. ومعاذ الله أن أقوله.. ولكن ما ذكرته لي من مشاهد لنشأة الحياة ذكرني بما فعله [أرنست هيجل] الجد، فهو الذي استعمل الحيلة والخداع لتمرير فكرته.. ونفس الشيء راح يفعله [أرنست هيجل]ن أن

 الحفيد.. فتلك المشاهد لا يقبلها العقل ولا المنطق، ولا تعدو أن تكون مجرد رجم بالغيب لا يمكن التحقق العلمي منه بحال من الأحوال.

قلت: لا بأس.. ربما يكون ما تقول مقنعا، ولكن ما رأيك في إحياء نظرية التوالد الذاتي، ومحاولة بعث الحياة فيها؟

ضحك بصوت عال، وقال: لا شك أنك تريد أن تعود بنا مئات السنين إلى الوراء..

قلت: كيف ذلك؟

قال([8]): أنت تريد أن نقول للعالم بعد كل هذا التطور العلمي: إن البراغيث متولدة من مواد غير حية كالغبار.. وأن الديدان نشأت من اللحم.. وأن الضفادع وبعض الكائنات المائية نشأت مباشرة من طين الجداول والبرك.. وأن الأسماك والزواحف والفئران يمكنها أن تنشأ تلقائياً من تربة رملية أو حتى من مواد متعفنة.. وأن الإنسان نفسه يمكن أن ينشأ من بركة من الوحل بطريقة التوالد الذاتي.

أو تريد أن نذكر لهم بأن [فان هلمونت] الذي اشتهر بتجاربه في التمثيل الضوئي للنبات ذكر بأنه لو أخذنا كمية من القمح، وبعضا من التبن والقش، وقطعة من قماش قديم، وقطعة أو قطعتين من ملابس داخلية وسخة.. ثم أضفنا إلى الكل قليلاً من الماء، ثم تركنا هذه المجموعة في مكان هادئ لعدة أيام، فإنه سرعان ما تولد هذه المجموعة مجموعة من الفئران.

قلت: لا أريد أن أقول هذا بالضبط.. ولكن ألا يمكن إحياء هذه الأفكار بطريقة أخرى علمية؟

ابتسم، وقال: كيف تقول ذلك يا رجل.. فقد انتقد تلك النظرية كل الباحثين المحققين ابتداء من [فرانسيسكو ريدي] الذي أثبت بتجربة بسيطة أن يرقات الذباب توجد في اللحم المتعفن نتيجة لفقس البيض الذي تضعه أنثى الذباب على اللحم، لا من توالدها ذاتياً ومباشرة من اللحم المتعفن، فلو جنبنا اللحم من الذباب، وذلك بتغطية الوعاء المحتوي على اللحم وبقطعة من القماش النظيف لاستحال ظهور اليرقات مهما تعفن اللحم وطال تعفنه، إلا أن ترك اللحم بدون تغطية ولّد عليه يرقات الذباب.. وقد أدت هذه التجربة وتجارب أخرى من هذا القبيل إلى أضعاف شوكة نظرية التوالد الذاتي.

قلت: ولكن.. وبعد اختراع المجهر في نهاية القرن السابع عشر على يد العالم [أنطون فان ليفنهوك]، واكتشافه لكائنات دقيقة لم تكن ترى بالعين المجردة، بل ظهرت خلال المجهر الضوئي، عاد فأنعش نظرية التوالد الذاتي بعض الشيء، ذلك أن وجود هذه الكائنات الدقيقة في السوائل المتخمرة لا يمكن شرحه إلا على أساس فكرة التوالد الذاتي.

وكان من بين الذين وجدوا في اكتشاف ليفنهوك انتعاشاً لفكرة التوالد الذاتي القسيس [الويلزي نيد هام]، لذا أجرى عدة تجارب، وجد من خلالها أن حساء لحم الضأن سوف يؤدي إلى إنتاج كائنات دقيقة حتى بعد تسخينه لدرجة الغليان.

قال: لكن تلك التجارب لم تكن علمية، فقد وجد القسيس الإيطالي [لازورا سبالانزاني] أن الحساء الذي اعتمد عليه [الويلزي نيد هام] كان عرضة للتلوث بالهواء بعد التسخين مما يشرح ظهور الميكروبات في تجاربه.. ولإثبات ذلك قام بعدة تجارب سخن فيها الحساء لمدة طويلة تستمر بالساعات، وعاملة بطريقة تحول دون تلوثه بالهواء.. وفي نهاية هذه التجارب لم يظهر أي نوع من الميكروبات.

وهكذا أجرى قريبي [لويس باستور] تجارب عديدة قدمت دلائل قاطعة على عدم صحة التوالد الذاتي.. وقد أثبت أن الهواء ملئ بالكائنات الدقيقة التي يمكنها أن تنمو على الحساء بتعرض الحساء للهواء.. ذلك أنه لو عرضنا الحساء المعقم لهواء معقم فإنه لا تنمو أية ميكروبات على الحساء، إلا أن الحساء بتعرضه لهواء غير معقم تنمو عليه كائنات دقيقة مختلفة.. وبناء على هذه التحارب فقد صرح باستور قائلا: (سوف لا تحيا أبداً نظرية التوالد الذاتي بعد أن صرعتها هذه التجارب البسيطة)

الصدفة.. والحساء البدائى:

بعد أن ذكر لي كل ذلك، وذكر استحالة أن يبيع علمه بالمال، رحت أبحث عن عضو آخر من الذين سجلتهم في دفتري، وكان عالما بيولوجيا كبيرا، وكانت له صداقة طويلة بالكيميائي والإحيائي الأمريكي [ستانلى ميلر] الذي اشتهر بسبب دراساته في مجال التولد التلقائي، وبالتحديد في تجربته التي حاول أن يثبت فيها إمكانية إنشاء مركبات عضوية من خلال عمليات كيميائية بسيطة من مواد غير عضوية.

كان اسمه [جيفري بادا]([9])، وقد ذكر لي عند لقائي به، أنه الطالب الثاني الذي تخرج على يدي [ستانلي ميلر]، وأنه كان قريبا جدا منه، بل كان معينا له في كل التجارب التي قام بها.

بل أخبرني فوق ذلك كله أنه بعدما مات ميلر بالسكتة الدماغية عام 1999، ورث صناديق من العينات التجريبية من معمله.. وذكر لي بحماسة أنه بينما كان يقلّب فيها وجد مكتوبا على إحداها بخط ميلر [عينة التفريغ الكهربائي]

لقد قال لي، وهو لا يكاد يملك نفسه من الفرح: لقد كانت هذه هي التجارب الأصلية التي قام بها أستاذي وصديقي [ستانلي ميلر] عام 1953 وهو في جامعة كولومبيا.. لقد كانت صناديق العينات محفوظة جيدًا ومُعَلَّمة بحرص مثلما وصفها ميلر في مذكراته..

قلت: هلا شرحت لي بتفصيل ماذا فعل أستاذك وصديقك.. وهل يمكن الاستفادة من تجربته في إثبات عدم حاجة صدور الحياة إلى الخالق؟

قال: مع كوني تلميذا وفيا لأستاذي وصديقي [ستانلي ميلر]، ومع إعجابي الشديد بشخصيته واجتهاداته إلا أنه من الصعب علي أن أحكم هذا الحكم.. ذلك أن الهدف الذي انطلق منه في إجراء تجربته لم يكن هدفا علميا، بقدر ما كان هدفا ميتافزيقيا، والأهداف الميتافزيقية أقرب إلى الفلسفة منها للعلم.

سكت قليلا، ثم قال: لعلك تعلم أن الروسي الملحد [الكسندر ايفانوفيتش أوبارين] كان أول من أخرج فرضية [الحساء البدائى] إلى الوجود، وقد ذكر فيها أن الحياة بدأت فى وقت مبكر من حياة الأرض في محيطات مائية، نتيجة لمزيج من مواد الكيميائية، وبعض المركبات العضوية الأولية من الغلاف الجوي، ونوعا من الطاقة.

قلت: لا يهم الهدف.. بل تهم النتيجة، فهل استطاع أن يثبت إمكانية نشوء الحياة من تلك التجربة التي قام بها؟

قال([10]): من الصعب قول ذلك.. فالحياة شأن آخر تماما.. كل ما قام به أستاذي ميلر أنه حين كان طالب دراسات عليا بجامعة شيكاغو عام 1953 حاول أن يحضر واقعا يحاكي فيه ظروف الأرض فى وقت مبكر.. وباستخدام خليط من المكونات التي ادعى أنها كانت تمثل القشرة الأرضية قديما وهى: (الماء، الميثان، الأمونيا، الهيدروجين) وتعريضها لطاقه كهربية ممثلة فى صعقات تمثل طاقة البرق.

قلت: فما كانت نتيجة تجربته؟

قال: لقد كانت النتيجه هي أنه حصل على مادة عضوية ممثلة فى أحماض أمينيه بسيطة، وافترض أنه كانت الخطوة الأولى للحياة.. فضلا عن كمية من القطران كناتج بلمرة.

قلت: هذه تجربة مهمة.. ويمكن أن تكون منطلقا لأبحاث أخرى تستطيع أن تواجه الرؤية الإيمانية التي تفترض وجود الخالق.

ابتسم، وقال: لقد كان هذا هو الموقف الذي وقفه كل الماديين عندما سمعوا بالتجربة، أو أعادوا تكرارها.. ذلك أنها كانت بمثابة قشة الغريق للفكر الالحادي، حيث تم الاحتفاء بها، واعتمادةا كنموذج عملى لمحاكاة ظروف خلق الحياة الأولى.

قلت: هي بالفعل كذلك.. فلم هذا التشاؤم؟

قال: أنا لا أتفاءل، ولا أتشاءم، ولكني أحترم عقلي.. فالتجربة كانت مليئة بالثغرات التي تجعل منها مجرد محاولة يائسة، لا قيمة لها من الناحية العلمية.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أول الإشكاليات التي تطرحها التجربة، والفرضية المرتبطة بها هي أن معطيات الافتراض والتجربة كانت انتقائيه بامتياز، وغير ممثلة للظروف الحقيقيه لجو الأرض البدائى.. ذلك أن [أوبارين]، وهو أول من اقترح جو الأرض البدائية المختزل المكون من الماء، والميثان، والأمونيا، والهيدروجين، أتي من كونه مختصا بعلوم الكيمياء، ولذلك راح يختار هذه العناصر بالضبط، وليس من معطيات حقيقيه متوفره عن جو الأرض البدائى.

وبناء على ذلك راح يقوم بتوليف المركبات الأولية القادره على إنتاج حساء عضوي، مع ضرورة استبعاد الأكسجين أوالمركبات المؤكسدة من الخليط.

قلت: هل تقصد أنه لم يكن هناك أي حساء بدائي للحياة على الأرض؟

قال: أجل.. فبعد بعد مضي سنوات من تجربة ميلر التى حاكى فيها ظروف أوبارين المقترحه، بيّن التحليل الجيوكيميائى الدقيق أن الجو الذي ساد على الأرض لم يكن مختزلا كما افترض لتكوين الحساء البدائى للحياة، وأن مثل هذه الأجواء المختزلة، إذا كانت موجودة فى أي وقت مضى، فإنها لم تدم طويلا.

بالإضافة إلى ذلك فإن الغلاف الجوى الذى تمت محاكاته فى التجارب كتمثيل لنشأة الحياة كان يتألف في المقام الأول من غاز الميثان، والأمونيا، ومستويات عالية من الهيدروجين.. والعلماء الآن يجمعون على رفض ذلك السيناريو.

فالجيوكيمائيين اليوم يعرفون أن الغلاف الجوي للأرض في وقت مبكر لم يحتوي على كميات ملموسة من هذه المكونات.. بل إن الغلاف الجوي للأرض في وقت مبكر كان مختلفا جدا عما افترضه ميلر..

بل إنه لا أحد يعرف الأساس الذي استند إليه ميلر فى تقدير تلك المكونات على أنها محاكاة فعلية لجو الأرض وقتها.. فالعلماء يتفقون على أن المصدر الرئيسي للغازات هو البراكين، والبراكين ينبعث منها أول اكسيد الكربون، وثانى اكسيد الكربون، والنيتروجين، وبخار الماء، ومن المرجح لدى العلماء أن هذه الغازات كانت وفيرة جدا في الغلاف الجوي في وقت مبكرمن حياة الأرض.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تلك التجارب كانت تفترض الغياب الكلى للأكسجين، باعتباره عدوا للتجربة، مع أنه كان متواجدا بوفرة فى جو الأرض البدائى.. فوجود الأكسجين الحر من شأنه أن يدمر أى مادة عضوية ناشئه، ولذلك تجنب ميلر تلك الإشكاليه باستبعاد الأكسجين من جو التجربة.. وهذا خلاف ما كان واقعا فى جو الأرض البدائي.

قلت: هل ما تقوله صحيح.. وكيف غاب عنه هذا؟

قال: ما أسهل أن يغيب عنه.. لأن هدفه لم يكن الوصول إلى الحقيقة العلمية، وإنما كان الوصول إلى الحقيقة الميتافزيقية..

فالباحثون الآن يعتقدون أن غاز الأكسجين كان موجودا على الأرض في وقت مبكر، لأن غلافها احتوى على الكثير من بخار الماء، والإنحلال الضوئي للمياه الناجم عن الأشعة فوق البنفسجية في الغلاف الجوي العلوي سيكون مصدرا رئيسيا للأكسجين الحر في الغلاف الجوي، حيث أنتج الأكسجين بمعدلات مرتفعه للغاية على الأرض البدائية، لعدم وجود درع الأوزون، والمصنوع من الأكسجين، لمنع ضوء الأشعة فوق البنفسجية.

وقد كشف تحليل أقرب عصور ما قبل الكمبري للصخور الرسوبية على وجود الأكسجين الحر، وبمستويات مماثلة لما هو عليه اليوم.. كما نشرت مجلة العلوم [عدد ديسيمر 1995] مقالا لجون كوهين يظهر ذلك بوضوح، ويؤكد مخالفة جو الأرض البدائى لما افترضه ميلر في تجربته.. وذلك ما يؤكد عدم صلاحيتها.

بل إن الأمر ازداد تأكيدا مع الاكتشافات الجيولوجية الحديثة، فقد تم العثور فى طبقات الأرض القديمة على المعادن المؤكسدة (الهيماتيت) في وقت مبكر قبل 3.8 مليار سنة، وهو دليل لا يقبل التشكيك على وجود الأكسجين بمعدلات مرتفعه جدا كما هى الآن.

وهكذا كان الأمر مع الدرسات والتأكيدات من قبل الجيوكيميائين، والتي ذكرت أن الظروف المؤكسدة، والتمثيل الضوئى تواجدا على كوكب الأرض منذ أكثر من 3،7 مليار سنة، وأن الحياة كانت موجودة تقريبا في أقرب وقت كانت الأرض قادرة على دعم ذلك.

وهكذا راحت تتوالى التأكيدات العلميه الدالة على وجود الأكسجين الحر فى غلاف الأرض بعد وقت قريب جدا من تشكلها، حيث تم اكتشاف وجود نطاقات واسعه من الكائنات الحية المعتمده على التمثيل الضوئى لحياتها.

قلت: وهل ترى أن هذه الاكتشافات كافية وحدها لتهديم النظرية؟

قال: أجل.. فالمفروض في أي تجربة علمية وفق المنهج العلمي مراعاة جميع الشروط المرتبطة بالتجربة، حتى تصح نتائجها، وإلا فإن إجراء أي تعديل عليها سيؤثر لا محالة في مصداقية النتائج.

قلت: فقد كان اكتشاف وجود الأكسجين في تلك المرحلة وحده ما تسبب في تهدم الأسس التي تقوم عليها النظرية؟

قال: أجل، فيكفي إثبات وجود الأكسجين لتنهد النظرية، ذلك أن تجربة ميلر ويوري وشبيهاتها لايمكن أن تتم فى مجال يحتوى على الأكسجين كما أكد ميلر ذلك بنفسه، وهذا يناقض ما كانت عليه طبيعة الغلاف الجوى فى تلك العهود المبكرة.

قلت: ولكن ألا يوجد خلاف بين الباحثين في هذا حتى يمكن الاستفادة منه؟

قال: بلى.. يوجد من يدافع عن نموذج ميلر، ولكن من دون الاعتماد على أي دليل حقيقى.. وأغلب علماء الجيولوجيا اليوم يؤكدون تواجد الأكسجين بنفس نسبة وجوده اليوم فى الغلاف الجوي، بل وفى أعماق البحار قبل 3.46 مليار سنه من هذا الوقت.

بالإضافة إلى هذا، فقد غاب عن بال المدافعين عن نموذج ميلر، والقائلين بغياب الأكسجين من جو الأرض المبكر حقيقة مهمة وخطيرة جدا، وهي أنه إذا لم يكن هناك أكسجين فى ذلك الوقت من عمر نشوء الحياة فلن يكون هناك أوزون، لذلك لن تكون هناك حماية من الأشعة فوق البنفسجية التى تنفذ لتدمر المواد الكيميائية الحيوية المتكونه فى الحساء البدائى المزعوم.

***

على الرغم من كون حديث [جيفري بادا] يتناقض تماما مع مبتغاي، لكن صدقه وإخلاصه وموضوعيته في طرح فكرته، والتي يختلف بها مع نفسه، ومع أستاذه.. كل ذلك جعلني أحاول التعرف على كل التفاصيل، وبكل دقة وموضوعية.

قلت: أظنني اقتنعت بهذا، فدعنا منه، وحدثنا عن الحساء البدائي.. وهل هناك أدلة جيوكيميائية على وجوده في أي وقت مضى على الأرض؟

قال: إذا كان هناك فى أي وقت مضى حساء بمركبات عضوية أولية، فلابد أن تحتوي الصخور الرسوبيه القديمه على علامات واضحه وطبقة كبيرة بسمك يتراواح بين (1 ـ 10 متر) من القطران تطوق الأرض لأنها من نواتج التفاعل الاولى كما بينت تجارب انتاج الأحماض الأمينية.. ولكن ليس هناك أى أدله جيولوجيه كشفت عن هذه الطبقة.

بل لم يُكتشف أي دليل جيوكيميائى على أنه كان هناك حساء فى عمر الأرض المبكر، مع أنه كان لابد للصخور الرسوبيه فى تلك الفترة الزمنية أن تحتوي على نسبة كبيرة بشكل غير اعتيادي من الكربون أو المواد الكيميائية العضوية لكن هذا لم يحدث.

وكذلك لا توجد أى أحافير يمكن أن يدل تحليلها الكيميائى على خطوات ما قبل الحياة، وخطوت ظهور الحياة على الأرض، وهذا يؤدي بنا إلى نتيجه واضحه وهي أن كل ما يطرح من سيناريوهات وتوقعات ليست سوى مجرد فروض بدائيه غير مدعمة بأي دليل، بل إنها متناقضه مع الشواهد العلمية.

قلت: ولكن ما هي الأسباب التي جعلت العلماء يتمسكون بهذه التجارب، وبالفرضيات المرتبطة بها مع كل هذه المشاكل المنهجيه القاتله فى أصل الاستدلال بها؟

قال: لعل أهم تلك الأسباب التي جعلت الكثير يتمسك بتجارب ميلر ومثيلتها على إمكانية نشأة الحياة على الأرض بطرق طبيعية عشوائيه هو عدم وجود بديل مقترح أفضل منها، وهو ما أقره عالم الأحياء التنموية [جوناثان ويلز] فى كتابه [أيقونات التطور]، حيث قال: (نحن لا زلنا جاهلين جهلا عميقا بكيفية نشأة الحياة، ومع ذلك لازالت تجربة ميلر أوري تستخدم كأيقونه للتطور، لأنه لم يظهر شيء أفضل منها.. وبدلا من قول الحقيقة، أعطينا انطباعا مضللا أن العلماء أثبتوا تجريبيا الخطوة الأولى في أصل الحياة)

سكت قليلا، ثم قال: لكن مع ذلك، ونتيجة للتشكيك العلمى الواضح في تلك الفرضية وما ارتبط بها من تجارب، وبعد ما يقارب القرن من اعتماد نموذج الحساء البدائى، تخلى جمهور العلماء عن التمسك بها، لتهافتها وعدم صلاحيتها.. بل اضطر أنصار التطور والنشأة العشوائيه إلى البحث عن سيناريو بديل.. حتى صرح [نيك لين] وفريقه بجامعة لندن عام 2010، بأن نظرية الحساء البدائي لا تصمد، وأنها صارت من الماضى.

لكنه بدل أن يقر بنظرية الخلق الإلهي للحياة، راح يقترح بأن الحياة نشأت في الفتحات الحرارية المائية تحت سطح البحر.. ولم يكن قصده من ذلك إلا الخروج من الأزمه التي يوقع فيها التخلي عن الحساء البدائي، مع أنه لا يقوم على دعم ما ذكره أى دليل.

               ***

بينما كنت مع [جيفري بادا] منشغلين بتلك الأحاديث العلمية الراقية إذ جاء تلميذ من تلاميذه يحمل كتابا بيده، وهو يقول: هل سمعت أستاذنا ما ذكره [كارل بوبر] في هذا الكتاب، فقد قال: (التقدم العلمى غير المسبوق فى البيولوجيا جعل مشكلة أصل الحياة لغزا أكبر مما كان عليه قبل ذلك، فقد اكتسبنا مشاكل جديدة وأكثر عمقا)

قال جيفري: صدق [كارل بوبر] في قوله هذا.. فقد كان القدماء يؤمنون بالتوالد الذاتي، وهو ما جعلهم لا يقعون في الكثير من الإشكالات التي نقع فيها اليوم.. أما في زماننا هذا، وبعد إدراكنا لأسرار الحياة، فإن الأمر صار أشد تعقيدا، وأكثر غموضا.

قال التلميذ: ولكن العلماء استطاعوا أن ينتجوا أحماضا أمينية ضمن بيئة معينة.. أفلا يكون ذلك اكتشافا لأصل الحياة؟

قال جيفري: لنسلم جدا بأن التجارب التي أجريت في سبيل تحقيق ذلك نجحت فى توليف الجو الفعلى للأرض، فهل أمكنها فعلا خلق الحياة؟

سكت التلميذ، فقال جيفري: من المغالطات التي يوهم بها أنصار النشأة العشوائية عامة الناس وغير المتخصصين هوالقول بأن إنتاج بعض الأحماض الأمينية يجعل من خلق الحياة أمرا فى حدود الإمكان.

بل يتعمد بعضهم اللجوء إلى تسطيح مستفز حتى ظن غير المتخصصين أن إنتاج الخلية الحية لا يختلف عن تصنيع قطعة جيلى فى مصنع حلوى.

قال التلميذ: لكنه لا يمكن أن تقوم الحياة من دون أحماض أمينية؟

قال جيفري: أجل.. ولكنها مع ذلك ليست سوى مادة عضوية بسيطة جدا خالية تماما من الحياة.. بل هي مجرد لبنة بناء بسيطة وأولية.. ويمكن تشبيهها باستخراج معدن الألمينوم باعتباره أحد المعادن المستخدمه فى بناء طائرة وجعلها تطير.. فبالطبع لن يطير معدن الألمنيوم الخام إلا فى الطائرة، وداخل نظام مصمم وذكى بالغ التعقيد.

وهكذا الأحماض الأمينية، فإنها مع أهميتها لا تمثل أى قيمه بيولوجية إلا فى الخلية، ومع اعتبار الفارق الشديد فى نسبة التعقيد بين الطائرة والخلية.

سكت قليلا، ثم قال مخاطبا تلميذه: لتقريب الصورة لك يمكننا تمثيل الأحماض الأمينية بأنها جزء من مجموعة الحروف.. والخلية الحية هى كتاب مؤلف من ملايين الحروف لتشكيل ملحمة روائية بالغة الحنكة.. والإشكال الحقيقى يكمن فى الاستخدام الذكى لترتيب تلك الحروف، وليس مجرد تراكمات وتراكبات عشوائيه ناتجه من عمليات فزيوكيميائه.

قال التلميذ: صدقت أستاذي.. فالخلية ـ كما شرحتها لنا ـ نظام كونى مستقل له إرادة تخالف تلك القوانين.. ونظرة قريبة فى الخلية تثير الذهول من ذلك التصميم الدقيق المحكم، فهى مدينة كاملة من الآلات الجزيئيه المتعاضده المتكامله التى لا تضاهيها عوالم التقانات النانوية.. فمع اهتزازها أو التفافها أو زحفها المتواصل في أرجاء الخلية، تقطع هذه الآلات، وتلصق وتنسخ جزيئات جينية، وتقوم بنقل المغذّيات من مكان إلى آخر، أو تحولها إلى طاقة، وتبني أو تصلح الأغشية الخلوية، وتنقل الرسائل الميكانيكية والكيميائية والكهربائية.

***

انصرف التلميذ، فقال لي جيفري، وهو يحاورني: لا بأس.. فلنتخط ذلك التعقيد المذهل فى تركيب الخلية، والكافي وحده لإقناع أى عاقل بحتمية تصميمه.. ولنتناول أهم الإشكالات التى تلي مرحلة تكوين الحساء البدائى والمكونات الأولية.

قلت: هل هناك مشاكل أخرى لا تزال تعترض الحساء البدائي؟

قال: إن شئت الصدق.. فالمشاكل التي يثيرها الحساء البدائي أكثر بكثير من الحلول التي يضعها..

قلت: فما هي المشكلة الجديدة التي تريد أن تذكرها لي؟

قال: من أبرز ألغاز الحياة، والتى تقف بقوه ضد كل النظريات العشوائيه التي تحاول تفسيرها، تلك الغائية والتوجيه المستقل للحياة بعيدا عن العمليات الكيميائية الطبيعية.

فبتخطى تلك العقبات التي مرت بها أمثال تلك التجارب، وبافتراض نجاحها فى محاكاة جو الأرض وإنتاج مادة عضوية أولية للحياة، وتخليق الأحماض الأمينية، فإن تخليقها من مواد أولية ليست الجزء الصعب.. فالإشكال الحقيقى هو الحصول على نوع الأحماض الأمينية المطلوبة للحياة، وطريقة تنظيمها.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أنت تعلم أنه يوجد أكثر من 2000 نوع من الأحماض الأمينية في الطبيعة، بينما لا يدخل فى التركيب الحيوى للخلية إلا 20 نوعا فقط.. وعلاوة على ذلك، يتم تجميع الذرات التي تشكل كل الأحماض الأمينية الأساسية في شكلين متناظرين عرفا باسم (اليد اليسرى، واليد اليمنى) مقارنة بتناظر كلتا يدي الإنسان.. فلكل يد نفس المكونات، ومع ذلك فهي مختلفة.

ومثل أيدينا، تأتى الأحماض الأمينية في شكلين حيث تتألف من نفس المكونات، ولكن هي صور طبق الأصل من بعضها البعض، ولهذا تسمى الأحماض الأمينية العسراء، والأحماض الأمينية اليمينيه.

لكن المذهل هو أن جزيئات الأحماض الأمينية اللازمه للحياة كلها عسراء التوجه، وكل السكريات الموجودة في الأحماض النووية اللازمه للحياة يمينية التوجه، أما تلك الأحماض الأمينية المنتجة في المختبر فهي نصف عسراء، ونصف يمينية، وتسمى راسيمات، وهنا تكمن مشكله قاتلة، وهي أن السكريات العسراء والأحماض الأمينية اليمينيه تكون سامة وقاتلة، وتحول دون أى محاوله للتخلق الحيوى المزعوم من تلك المخاليط الراسميه الملوثه.

وعلاوة على ذلك، فقد تم تصميم جميع الإنزيمات لتعمل فقط مع سكريات اليد اليمنى والأحماض الأمينية العسراء.. لذلك إذا تم ارتباط حمض أمينى واحد يمينى الاتجاه أثناء تجميع بروتين، فإن ذلك البروتين الناتج لن يكون له أي قيمة للحياة.

قلت: لكن لماذا استخدمت البروتينات البيولوجية الأحماض الأمينية العسراء فقط.

قال: لا يزال الأمر لغزا.. لأن الكيمياء غير الموجهة تعطى نسبا متساوية من كلا النوعين، ولهذا راحوا يحاولون الخروج ذلك المأزق الأولى بتفسيرات أفضل ما يقال عنها: إنها فرضيات غير مدعومة بأي دليل، بل هي مجرد تخيلات فقط لتخطى تلك العقبة التى تعاند قوانين الكيمياء الأولى، وتظهر إرادة مستقله للحياة.

الصدفة.. ومشكلة البلمرة:

بعد أن ذكر لي كل ذلك، وذكر لي مثل صاحبه استحالة أن يبيع علمه بالمال، رحت أبحث عن عضو آخر ممن سجلتهم في دفتري.. وكان يعمل في المركز الطبى بجامعة [بايلور] بولاية تكساس الأمريكية، وهو [جوزيف كوهن]، الذي كان بالإضافة لكونه عالما بيولوجيا كبيرا، جراحا بذلك المركز.

وكنت قد علمت بعد ذلك أنه من العلماء الذين انتقدوا نظرية التطور، فقد عرض فى بحث نشره بعنوان [دحض الدارونية] بعض الأخطاء البارزة التى تكتنف النظرية، وعلى رأسها استحالة نشوء الحياة من مواد كيماوية فقط، مبرهناً على ذلك بأن المعلومات التى يحتويها الحامض النووى [دى إن إيه] تتطلب معلومات من الطبيعة الخارجية.

وقد ذكر في بحثه ذلك أن جسم الإنسان عبارة عن منظومة شاملة لكى تؤدى وظائفها فى الحفاظ على حياته يجب توافر مكوناتها الأساسية والمواد الكيماوية اللازمة لعملها دفعة واحدة وبصورة متزامنة.

وقد أيد كوهن آراء علماء الكيمياء الحيوية من أن جسد الإنسان يعمل كوحدة واحدة، وفى حالة نزع أى عضو من أعضائه يتوقف الباقى عن أداء وظائفه، مما يدل بجلاء على أن الإنسان خلقه الله منذ البداية ـ كما هو ـ بجميع أعضائه دفعة واحدة، وليس بالتدرج الطبيعى عضواً عضواً كما تدعى نظرية دارون.

بالإضافة إلى ذلك، فقد ذكر أن الجسد البشرى مكون من عدة أجهزة لا يمكن اختزالها أو الانتقاص منها على أى مستوى، بدءا من التشريح الفسيولوجى العام إلى منظومة الكيمياء الحيوية.

وخلص في الأخير إلى أن خلق الإنسان بهيئته البديعة لا يمكن أن يصدر إلا عن خالق حكيم، مشيراً إلى أن نظرية التطور تفتقر إلى أية براهين عن أصل عضو واحد من أعضاء الإنسان، ناهيك عن شبكة متكاملة بالغة التعقيد يتألف منها الجسد البشرى.

عندما التقيت به، وحدثته عن الأبحاث التي نريد إجراءها، وذكرت له ما قاله لي [جيفري بادا] نظر إلي مبتسما، وقال: كل الإشكالات التي طرحها لك صديقي جيفري لا تساوي شيئا أمام الإشكالات التي لم يذكرها.

قلت: فهل هناك إشكالات أخرى لم يذكرها؟

قال: أجل.. فبالإضافة لما ذكره لك [جيفري بادا]، فإن هناك إشكاليات كثيرة لا يمكن حلها وفق الظروف المفترضه، ومن أمثلتها كيفية ربط الأحماض الأمينية أو الجزيئات العضوية الأساسية الأخرى لتشكل سلاسل طويلة (البوليمرات) مثل البروتينات أو [رى إن إيه] كنموذج ذاتى التكرار..

قلت: ما تعني بقولك هذا؟

قال: أعني [البلمرة].. ولاشك أنك تعرفها.. فهي العملية التي من خلالها تشكل [المونومرات]، أو الجزيئات العضوية البسيطة روابط تساهمية مع بعضها البعض لإنتاج [البوليمرات]، أو الجزيئات العضوية المعقدة.

ولذلك يجب أن تحتوي [المونومرات] المكونة للحساء البدائى على الأحماض الأمينية، والسكريات، والدهون، والكربوهيدرات البسيطة، والقواعد النيتروجينيه، والبوليمرات، وهي سلاسل من تلك المونومرات.

سكت قليلا، ثم قال: سأقرب لك هذا بمثال قياسى.. فإذا افترضنا أن [المونومرات] كالأحماض الأمينية حروفا.. وافترضنا [البوليمرات] كالببتيدات والدهون الفوسفاتية و[رى إن إيه]و [دى إن إيه] كلمات وجملا.. فإنه يمكن بكل بساطه يدركها أى بيولوجى اعتبار الخلية بمثابة مجلد ضخم مصمم ومؤلف بفعل قريحه عبقريه ليحكى ملحمة بالغة التعقيد، وليس مجرد تراكمات عشوائيه لركام من تلك الحروف أو تلك الكلمات.

لكن مع استحالة أن تصنع الحروف بمفردها كلمات وجملا مفيدة، فضلا عن أن تصنع روايه ملحميه ضخمه، فإنه لا توجد أى فرص لالتقائها وترابطها بالأساس فى حيز معين يوفر لها إمكانية الترابط.

قلت: ألا يمكن أن تنشأ البلمرة فى ظروف النشأة الطبيعية المقترحه؟

قال: ذلك مستحيل.. لأن هناك الكثير من المشاكل التي تعترض تحقيق ذلك.. منها مثلا أن فرضيات الحساء البدائى والفوهات الحارة تفترض حدوث التخلق قبل الحيوى فى حيز مائى كالمحيطات.. ووفقا لمبدأ [انزياح التوازن] أو مبدأ [لو شاتيليه] فإن وجود منتج كهذا لايمكن بحال من الأحوال أن يسير عكس التوازن لإنتاج بوليمرات وجزيئات معقدة، لأن الماء هو بالأساس مذيب ومخفف للمونومرات ليجعل فرص التقائها معدومه.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المركبات العضوية تتحلل بسرعة إذا تعرضت لحرارة عالية من الفتحات الحرارية في أعماق البحار، لذلك فإن خطوة البلمرة في الأصل الكيميائي للحياة لا يمكن أبدا أن تجري في حيز هائل من المياه، كالمحيطات، وفرص التقاء المونمرات مستحيلة.

 ولذلك فإن تركيب البروتينات والأحماض النووية من السلائف العضوية ولبنات الحساء البدائى يمثل واحدا من أصعب التحديات لنموذج التخلق قبل الحيوى.. فهناك العديد من المشاكل المختلفة التي يواجهها أي اقتراح.. وهواستحالة البلمرة، وتكوين المعقدات في المياه.

فمع افتراض بدء الحياة في المحيطات،فان الجزيئات العضوية المفترض تكونها فى الماء سوف يتم تدميرها على الفور خلال عملية التحلل المائي، وهو إضافة جزيء الماء بين جزيئين المستعبدين (اثنين من الأحماض الأمينية في هذه الحالة)

وعلاوة على ذلك، تميل المياه لكسر سلاسل الأحماض الأمينية وتفكيكها عن بعضها البعض إن وجدت تلك البروتينات المزعومه التى شكلت في المحيطات بترابط الأحماض الأمينية منذ 3.5 مليار سنة مضت.

قلت: أعلم ذلك.. فإن تشكيل البوليمرات يحتاج بالضروره إلى ظروف جافه.

قال: وهذا لا يتفق مع فرضيات التخلق اللاحيوي المطروحة..

قلت: وعيت هذا.. فهل هناك مشكلة أخرى غير هذا؟

قال: أجل.. المشكلة الأخرى هي أن الأحماض الأمينية مع كونها بطبيعتها قادرة على الارتباط في العديد من المواقع من قبل العديد من أنواع الروابط الكيميائية..إلا أن تشكيل سلاسل ببتيد يتطلب تقييد وصلاتها إلى روابط الببتيد فقط، وفي المواقع الصحيحة فقط.

و يجب منع تشكل كل أنواع الروابط الأخرى، وهى ليست مهمة سهلة في الخلايا الحية، ذلك أنه يتحكم فيها نظام معقد من الإنزيمات البالغة التخصص، والموجودة لضمان عدم حدوث أى روابط غير ملائمه، وبدون هذا النظام الإنزيمى، فإن هذه الروابط الكيميائه العشوائيه تدمر فورا البروتينات المنتجة..

قلت: وعيت هذا.. وهي حقا مشكلة عويصة.

قال: لس ذلك فقط.. فثمة مشكلة أخرى، وهي التأثيرالحرارى الهادم لروابط الببتيد وكسرها في الماء، والتى لا تتشكل فى الطبيعه بدون المركبات ذات الطاقة العالية مثل ATP والإنزيمات.. حتى أن تكون رابطه ببتيديه واحده فقط من ارتباط حمضيين أمينين فقط يصعب تشكيلها تحت الظروف الطبيعية، فماذا عند بروتين متوسط يتكون من أربعمائة من الأحماض الأمينية؟

وقد وضع الكيميائيون معادلات لاختبار فرص ذلك الاحتمال وفق الظروف الكيميائية والفيزيائيه الطبيعية، وخرجوا بأرقام مذهلة، ذكر بعضها على أننا بحاجة إلى محيط من الحساء البدائى بحجم يساوي 10 أس 229 من الأكوان المنظورة، وذلك لإنتاج جزيء واحد من أي بروتين مع 100 من الروابط الببتيديه..

قلت: وعيت كل هذا.. ولكن ألا يمكن إيجاد أي حل لهذه المشكلة؟

قال: هل تقصد حلا علميا.. أم حلا مخادعا؟

قلت: هل يمكن أن يكون في عالم العلم حلول مخادعة؟

قال: أجل.. عندما يصبح العلم خادما للهوى وللرغبة حينها يتحول إلى ثعلب مخادع.. وقد حصل هذا.. ذلك أنه عندما عرف أنصار النشأه الطبيعية والتطوريون استحالة تكون المعقدات الحيويه اللازمه كلبنة بناء للحياة الأولى فى المحيطات المائية، ورأوا أنها عقبة لا يمكن تخطيها بسهولة، لجأوا إلى اقتراح سيناريوهات خيالية وغير واقعية لتخطى الازمة.

ومن بين تلك الاقتراحات اقتراح [سيدنى فوكس] الذي نال اهتماما كبيرا باعتباره حلا لتلك الأزمة..

قلت: فهل حلها بالفعل؟

قال: لقد استخدم فوكس الحرارة الشديدة كآلية القيادة في نموذجه..حيث تم تسخين خليط خاص من الأحماض الأمينية النقيه والجافه في حوالي 175 درجة مئوية لفترة زمنية محدودة.. ثم تم توقيف التسخين، وحرك المنتج مع الماء الساخن، وتم إزالة المواد غير القابلة للذوبان عن طريق الترشيح، وعندما برد المحلول المائي ترسب على شكل كريات.. وبتحليلها تبين أنها تتكون من البوليمرات، أو سلاسل من الأحماض الأمينية.

وقد ادعى فوكس أنها ـ أي ما سماه [بروتينات حرارية، أو الخلايا شبية البروتينات] شكلت الخلية الأولى.. وادعى أيضا أن هذه المركبات تمتلك خصائص الحفاز أو إنزيم.. بل إنه ادعى فوق ذلك أن هذه المعقدات يمكنها التكاثر بالانقسام إلى حد ما بنفس طريقة الخلايا الحقيقية..

قلت: فهل استطاع بهذا السيناريو تجاوز الأزمه؟

قال: أنت ترى أن فوكس اقتراح ظروفا خيالية لا يمكن توافرها لتمام نجاح ذلك السيناريو، حيث لا يمكن أن تتوافر درجة التسخين المقترحة إلا على حواف البراكين بشرط أن يسقط المطر بعدها بساعات قليلة.. وهذه الظروف غير واقعيه لا يمكن أن يتم توافرها على سطح الأرض فضلا عن أن تنجح فى إنتاج كميات كافيه من المعقدات.. بالإضافة إلى هذا، فقد واجهت هذا الاقتراح إشكالات كثيرة قاتلة..

قلت: فهلا ذكرتها لي.. لعلنا نجد حلولا لها.

قال: يستحيل ذلك.. فمن تلك المشاكل مثلا الانقطاع الواضح فى السلسله المزعومه، فبدلا من أن يستخدم فوكس المكونات الأولية التى حصلت من تجارب الحساء الاولى من أحماض أمينيه راسميه بنسب متساويه، وهى غير صالحه للحياة، استخدم أحماضا أمينيه بيولوجية بلوريه نقيه عسراء التوجه الكفى.. وهذا إشكال لا يمكن تخطيه.

قلت: ألا يمكن أن يوجد مكان على الأرض يتم العثور فيه على خليط من الأحماض الأمينية النقية؟

قال: أجل.. يوجد.. وهو مكان وحيد فقط.

قلت: إذن حلت المشكلة..

قال: أجل.. لكن مع العلم أن ذلك المكان الوحيد ليس سوى مختبر عالم في القرن العشرين.. أما في الواقع، فإن مجموعة كبيرة ومتنوعة من المركبات الكيميائية العضوية التى يبلغ عددها بالآلاف يمكن أن تتكون على الأرض البدائية، واحتمال وجود خليط من الأحماض الأمينية النقية تتراكم في أي مكان يفرض أنه يمكن انتاجها هو الصفر المطلق.

ذلك أنها ستكون ممزوجة مع السكريات، والألدهيدات، والكيتونات، والأحماض الكربوكسيلية والأمينات، البيورينات، البريميدينات، والمواد الكيميائية العضوية الأخرى.

وتسخين الأحماض الأمينية في أي درجة حرارة تقريبا مع خليط من هذه المواد الكيميائية سيؤدى يقينا إلى التدمير الكامل للأحماض الأمينية.

قلت: أجل.. هذه مشكلة كبيرة.. وهذا العامل وحده يلغى مخطط فوكس تماما من أي نقاش عقلاني.

قال: ليس ذلك فقط.. بل إن نموذج التكاثر الخلوى الذى اقترحه فوكس، والتجارب التى تلته لتفسير الانقسام عباره عن ظاهره فيزيائيه بسيطة ليس لها اى علاقة بانقسام الخلايا فى الكائنات الحية.

ذلك أن انقسام الخلايا حتى في أبسط الكائنات يتطلب آليات معقدة بشكل لا يصدق لنسخ كل وحدة فى الخلية بدقه بالغه ونظام مذهل.. بخلاف ما يذكره أنصار النشأه الطبيعية من أنه مجرد ظاهرة فيزيائية بسيطة، مثل فصل فقاعة الصابون إلى قسمين، وهى ظاهره لا تمت للنسخ المتماثل الدقيق فى الحياة بصله، لأنها عمليه عشوائيه بحته كانقسام كريات الدهون أو فقاعات الدهون بسبب التحريك أو الاهتزاز إلى كريات صغيره.

لذلك فإن الاستدلال بهذه الطريقه السطحية على التكاثر هو استهزاء تام بالعقول وتستطيح لا يمكن تجاوزه.

ولهذا نرى أنصار النشأه الطبيعية، ولتمرير مثل هذه الأفكار السطحية يلجأون إلى التحايل على الحقائق بتصوير جدار الخلية على أنه مجرد حاجز لمنع محتويات الخلية من الهرب والاختلاط مع الوسط المحيط أو القدره على الاستقطاب الفيزيائى العشوائى.. ولكن غشاء البلازما يفعل أكثر من ذلك بكثير.. فالمغذيات يجب أن تمر عبرها إلى الداخل لتستطيع الخلية البقاء على قيد الحياة، والنفايات والمنتجات يجب أن تمر إلى الخارج.. وهكذا يتم اختراق الغشاء عبر قنوات انتقائية للغاية ومضخات تشكلت من جزيئات البروتين.

قلت: هذه مشكلة لا تقل عن سابقاتها.

قال: ليس ذلك فقط.. فهناك مشكلة أخرى أخطر من الجميع.. وهي مشكلة الوقت وفرص الاحتمالات..

قلت: أجل.. فالوقت ـ كما يذكر الاحيائى الشهير [جورج والد] ـ (هو بطل هذه المؤامرة.. تعطى الكثير من الوقت، والمستحيل يصبح ممكنا، والممكن يصبح من المحتمل، والمحتمل قد يصبح مؤكدا.. وما على المرء إلا الانتظار والوقت نفسه ينفذ المعجزات)

قال: لكن فى حالتنا هذه يصبح الوقت عامل هدم، لا عامل بناء.. ذلك أنه يدخل المعادلة في نطاق الاستحالات العقلية.

قلت: كيف ذلك؟

قال: سأشرح لك إلى أى مدى من الزمن يتوجب علينا الانتظار؟.. وكم من الوقت كان متاحا على الأرض لنشوء الحياة؟

لقد عاشت البكتيريا في وقت مبكر قبل 3.5 مليار سنة.. والحياة كانت موجودة في وقت سابق قبل 3.8 مليار سنة..وبالنظر إلى عمر الأرض المفترض الأرض حوالي 4،5 مليار سنة، وبالنظر إلى أن القشرة الأرضية لم تتصلب حتى قبل 4 مليار سنة، فإنه لن يكون هناك إلا 200 مليون سنة لتظهر الحياة على الأرض.. وهذا الرقم يعتبر ضئيلا جدا للسماح لفرص الحياة الأولية بأن تحدث وفق ظروف طبيعية.. وبالطبع لا يمكن اعتباره رقما ذا أهميه مقارنة بما سيتم ذكره وفق الاحتمالات التى تم اجراؤها.

فوفقا للقانون الإحصائى المعروف الذى صاغه عالم الرياضيات [اميل بوريل] فى كتابه الذى يناقش فيه حدود الاحتمالية الرياضيه لحدوث حدث ما، ذكر أن أى حدث تتجاوز نسبة الاحتمالية له 1 من:10 أس 50.. أي (واحد بجواره خمسين صفرا) حدث يمكن القول على وجه اليقين أنه لن يحدث أبدا بغض النظر عن إمكانية توافر الوقت أو المكان المخصص له.

وبناء على هذا عندما ننظر في الاحتمالات الرياضية لإمكانية تكوين بروتين بسيط مكون من (100حمض امينى) وفق الظروف الكيميائية ووفق ظروف مثاليه لأقصى نسبه احتمالية ممكنه، نجد أن احتمال الحصول على ذلك البروتين الصغير المكون من مائة من الأحماض الأمينية العسراء (مع العلم بأن البروتين المتوسط ​​لديه ما لا يقل عن 300 من الأحماض الأمينية العسراء).. هي نفسها احتمالية الحصول على نفس الوجه للعملة عند رميها 100 مرة.

 ومن أجل الحصول على نفس الوجه من العمله عند رميها 100 مرة يجب علينا أن نرمى عمله واحدة 10 أس 30 مره (اى تكرارحاصل ضرب 10 × 10 30 مرة) كحد أدنى متاح على أقصى تقدير ليسمح بحدوث ذلك.. والمدى الزمنى لإمكانية حدوث ذلك يتعدى عمر الكون المنظور بمراحل..

وقد أجرى بعض علماء الكيمياء وعلوم المادة حسابا لاحتمال تكوين بروتين متوسط الحجم، فوجدوا أنه 4.9 / 10 أس 191 وهو رقم يتعدى حد الاحتمال الممكن بقانون بوريل بأشواط.. ومع ذلك، فإن ذلك البروتين المتوسط يقف على مسافه شاسعه من تركيب الخلية البالغ التعقيد..

ومثل ذلك أجرى الفيزيائى [فريد هويل]، و[شاندرا يكواماسينغ] أستاذ الرياضيات التطبيقية وعلم الفلك، حسابا لاحتمال الحصول على الخلية عن طريق العمليات الطبيعية، وكانت النتيجة هي 1 / 10 أس 40000.. وهذا الاحتمال فقط لاحتمالية تكوين الإنزيمات الخلويه كمواد خام، ولم يتعرض لاحتمال تصميم النظام، فهذا أمر آخر تماما تعجز أى آليه عن الخوض فيه.

وقد صور العالمان احتمال تكوين تلك الإنزيمات بأنه لا يمكن أن يحدث حتى لو تألف الكون كله من الحساء العضوى.. وكان لهذه النتائج دورا كبيرا في تغييراعتقاد السير فريد هويل إلى الاعتقاد في حتمية الخلق.

الصدفة.. وطيّ البروتين:

بعد أن ذكر لي كل ذلك، وذكر لي مثل صاحبه استحالة أن يبيع علمه بالمال، رحت أبحث عن عضو آخر.. وكان اسمه [ديفيد برلنسكي]، وهو عالم في الرياضيات والبيولوجيا الجزيئية والفلسفة.

وقد علمت بعد ذلك أنه من الذين انتقدوا نظرية التطور، والإلحاد الذي يروج باسمها نقدا شديدا بعدما تبين له حجم الزيف والغش الذي يسوقه الملحدون والتطوريون للناس باسم العلم، وخصوصا في العقدين الماضيين بقيادة [ريتشارد دوكينز] وقد كتب في الرد عليه كتابه الشهير [وهم الشيطان] عام 2008م.

وقد شاهدت له بالإضافة إلى ذلك حوارا مصورا باسم [العنيد]، وهو مليء باعترافاته من سخرية العلماء الحقيقيين من خرافة التطور، ومليء بالسخرية العلمية من افتراضات التطور الخيالية ونقاط ضعفها القاتلة.

بعد أن التقيت به، وقدمت له العرض السخي الذي ذكره لي مدير المركز، قال لي بكل برودة: لو كنت أريد المال، لتركت العلم، وذهبت إلى التجارة.. أو لمارست السياسة.. أو صرت مهربا أو تاجر مخدرات.. لكني لم أرد إلا العلم.. والعالم المحترم ليس تاجرا ولا لصا ولا مخادعا.

أعجبتني قوة شخصيته هذه، فرحت أطرح عليه ما ذكره [جوزيف كوهن]، فقال لي: المشكلة ليست فيما ذكره فقط.. فهناك مشاكل كثيرة أعقد بكثير تجعل من تلك الفرضيات مجرد لغو وخرافة.

قلت: هل هناك مشاكل أخرى غير التي ذكروا؟

قال([11]): أجل.. ألم تشاهد الرقصه البيولوجية التى اعجزت العقول؟

قلت: ما تعني؟

قال: إنها تعبير عن عملية واحدة من العمليات بالغة التعقيد التى تحدث داخل الخلية الحية.. بل هي مجرد عملية بسيطة تحدث لمادة حياة تلك الخلية، وهى البروتين.

قلت: فما هي هذه العملية؟

قال: ألم تفكر يوما في سر التنوع الهائل في أشكال وألوان وروائح وتراكيب الكائنات الحية التي يزيد عدد أنواعها عن عدة ملايين؟

قلت: أعلم أن السر يكمن في البروتين.

قال: لا تسمه باسمه هكذا حافيا.. بل هو الجزئ المعجز والتحفه البيولوجية التي صنعها الخالق القدير.

قلت: أراك شديد الإعجاب به.

قال: وما لي لا أكون كذلك.. والبروتين هو أعظم مكونات الأجسام الحية شأنا، ولا يزال يحير العلماء بتشكيلاته المذهلة عددا وتنوعا.. فهناك البروتينات التي تدخل في بناء خلايا أعضاء الحيوانات كالجلد واللحم والعظم والشعر والريش والأظفار والغضاريف والقلب والكبد والرئة والمعدة والعين والأذن وغير ذلك من الأعضاء.. وهنالك البروتينات الموجودة في أوراق وأزهار وثمار وبذور النباتات التي تتفاوت تفاوتا كبيرا في ألوان وروائح أزهارها وطعم ثمارها وبذورها.. وهناك البروتينات التي تقوم بالعمليات الكيميائية والحيوية داخل الخلايا الحية المختلفة كالأنزيمات والهرمونات التي لا حصر لعدد أنواعها.. باختصار البروتين هو سر الحياة.

قلت: أجل.. فالبروتينات تحوي منظومه هائله من التنوع والتباين.

قال: والمذهل الأكثر في ذلك هو أنها تتكون من لبنات تسمى الأحماض الأمينية لا يتعدى عددها 20 فقط.. وهذه الأحماض الأمينية تتجمع مع بعضها البعض، لتكوين عشرات الملايين من البروتينات المتخصصة في وظائف معينة، في كل الكائنات الحيّة التي تعيش فوق الأرض؟

أخذ بيدي إلى مكتبه، ثم أخرج صورا كثيرة أرانيها بحماسة، وهو يقول: انظر معي داخل أغوار الخلية المجهريه لترى أى عالم مذهل تكون فيه.. ولترى كيف يحدث هذا التباين والتنوع الوظيفى البالغ الاتقان فى الكائنات الحية..

أراني صورة منها، وهو يقول: انظر.. إن الأمر ببساطه لا يعدو كونه معجزه بيولوجية تسمى بطى البروتين.. إن البروتين في هذه الصورة يشبه قلاده بها حبات خرز مختلفة الألوان، هى الأحماض الأمينية.. كل لون يمثل حمض أمينىا معينا.

انظر إلى هذه الالتواءات والبروزات والانخفاضات والتجاويف التى يتخذها جزيء البروتين فى عملية الطى.. إنها ليست عشوائية أبدا.. إنها نفسها ما يحدد وظيفة البروتين المتكون من تلك العمليه البالغة التعقيد.. فالبروتينات تنثني وتلتوي وتلتف في شكل حلقات أو حلزونات، بينما تنضغط بعض البروتينات الأخرى في رقائق مطويّة تشبه الآلة الموسيقية (الأكورديون)، وكذلك في أشكال أخرى.

أراني صورة أخرى، وهو يقول: انظر إلى الزوايا والشقوق في طيات أي إنزيم هضم، وهو ليس سوى نوع من أنواع البروتينات.. انظر إليه.. فباستطاعته احتجاز جزيئات النشاء ثم الاقتراب بعد ذلك من الكيماويات التي تحللها إلى سكر.. وهكذا تكمن البكتريا والفيروسات بقوة في ثنايا وطيّات الأجسام المضادة، التي تمسكها بإحكام.، بينما تطلب (النجدة) من آليات الدفاع الأخرى بجهاز المناعة في الجسم.

أراني صورا أخرى، وهو يقول: انظر إلى هذه الأشكال المختلفه والرائعة لبروتينات مختلفه.. فالشكل المحدد ما هو إلا مفتاح أو قالب لأداء وظيفه محدده أو لبنه معينه فى كيان الحياة المهيب حيث تدخل فى تركيب التنوع الهائل لتراكيب الجسد.

سار بي إلى مكتب آخر، وهو يقول: لن تنتهي جرعة الدهشة إلى هذا الحد.. بل هناك الكثير مما يعجز العقل ويقعده عن الاستيعاب..

أراني لوحة كبيرة معلقة في الجدار تشبه اللوحات الزيتية، وهو يقول: انظر إلى ذلك الخيط من الحبات الملونة، صفراء وخضراء وحمراء وزرقاء وبنية.. إنها ليست مجرد ألوان عشوائية.. بل إن الحبات الصفراء تنجذب إلى بعضها البعض مثل المغناطيسات.. وتتنافر الحبات الخضراء مع مثيلاتها.. وتنجذب الحبات الحمراء بقوة ضعيفة إلى الحبات الزرقاء، ما لم توجد بجوارها حبة بنية اللون.. وتذكر أيضا أن الحبات الحمراء تفضل أن تستقر بين الحبات الصفراء، ما لم توجد حبات خضراء بينها!

كل هذا كوّن تسلسلاً عشوائياً من بضع مئات من الحبات الملونة المختلفة ـ التي تمثل الأحماض الأمينية ـ وتنبأ بالتركيب ثلاثي الأبعاد، الذي سوف ينطوي الخيط ذاتيا إليه!

تخيل أن لكل بروتين تسلسلا للأحماض الأمينية خاص به وحده فقط، وينتهي بطريقة ما، بالطيّة المميزة له وحده فقط.

التفت إلي، وهو يقول: إن مثل هذه السلسلة المعقدة يمكن أن تنطوي بعدد كبير جداً من الطرق المختلفة.. ومن ثم كيف يتأتى للبروتين أن ينتهي بالشكل الصحيح له بالضبط؟

لم أجد ما أقول له، فقال: لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالتخمين، أو باتباع طريقة التجربة والخطأ.. فعمر الكون نفسه يعد قصيراً مقارنة بالوقت الذي يستغرقه بروتين صغير لتجربة بلايين من الطيّات الممكنة واحدة وراء أخرى، وصولاً إلى الطيّة الصحيحة!

فتح حاسوبا كان أمامه، ثم فتح بعض ملفاته، وهو يقول: هل ترى سرعة هذا الجهاز في حل العمليات التي تعرض عليه؟

قلت: أجل.. هو إبداع من إبداع الحضارة.

قال: لكن عملية الطي وتجميع البروتينات لنفسها تحدث بسرعة أكثر بكثير.. إنها سرعة مذهلة جدا، تقريبا في أجزاء من مليون في الثانية.. رغم أن هذا الوقت يعتبر سريعا للغاية بالنسبة للإنسان، إلا أنه طويل بشكل ملحوظ لأجهزة الكمبيوتر لكي تقوم بمحاكاته.

فجهاز الكمبيوتر يحتاج يوما كاملا لكي يستطيع محاكاة 1 نانوثانية (1/1000000 من الثانية) من الطي، وبالتالي يحتاج الكمبيوتر إلي 10 آلاف يوم لكي يقوم بعملية طي واحدة.. وبحساب سريع: سيحتاج لثلاثين عاما لكي ينتهي منها، وهذه فترة طويلة جدا للحصول على نتيجة طي واحدة.

أراني بعدها فيديو لمحاكاة حاسوبية توضح مدى احتمالية توجيه وطى سلسله بسيطة جدا مكونه فقط من 6 احماض أمينيه حيث تمثل الخرزات الملونه الأحماض الأمينية فى سلسلة البروتين.

ثم قال: ليس هذا فحسب.. بل الأمر يتعدى ذلك إلى عمليه أخرى بالغة التعقيد لا يمكن اختزالها أو تبسيطها.

قلت: ما تقصد؟

قال: هل تعلم ماذا يحدث لولم يتم الطى بشكل صحيح، وكيف تتلافى الخلية ذلك؟

قلت: ماذا يمكن أن يحدث؟

قال: لو تأخرت في مرحلة بينيّة واحدة، لتعرضت للتكتل مع بروتينات أخرى، أثناء عملية الطي، وهذا ربما يكون مدمراً للخلية، حيث تتحول هذه البروتينات إلى (بريونات) أي بروتينات مُعْدِية، قد تصل إلى الخلايا العصبية في المخ، وتقوم بتدميرها، تاركة فيها فجوات عديدة فيبدو النسيج العصبي كالإسفنج.

وقد اكتسب هذا المجال النشط من البحث العلمي، المزيد من الاهتمام في الوقت الحاضر إثر تزايد معرفتنا بأن أخطاء عملية طي البروتين، ربما تفضي إلى اضطرابات صحية خطيرة مثل مرض (الزهايمر) وأمراض الاعتلال الدماغي الإسفنجي مثل مرض كرويتزفيلد جاكوب وهو الشكل البشري لمرض (جنون البقر)

لكن المذهل هو ما اكتشفه العلماء في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، حيث اكتشفوا أن الخلايا تحتوي على جزيئات خاصة مرافقة، هي نفسها عبارة عن بروتينات يطلق عليها (البروتينات المقترنة)، وهي تساعد في توجيه جزيئات البروتينات غيركاملة النضج بعيداً عن المؤثرات السيئة، وحمايتها لكي تنطوي بالطريقة الصحيحة.

وقد أصيب الباحثون بالدهشة من هذا (التعاون الجزيئي)، ومن ثم خضعت البروتينات المقترنة لأبحاث علمية دقيقة للتعرف على طبيعتها والدور الذي تقوم به في إتمام عملية طي البروتين.

الصدفة.. والتقنيات المعقدة:

بعد أن ذكر لي كل ذلك، وذكر لي مثل صاحبه استحالة أن يبيع علمه بالمال، رحت أبحث عن عضو آخر، كان اسمه [جوناثان ويلز]، وهو عالم البيولوجيا الجزيئية الأمريكي الذي اعترف بأنه كان ملحدا، ولكن بعد دراسته للبيولوجيا الجزيئية، ومع الاكتشافات الحديثة الدالة على الغائية والخلق تراجع، وأصبح من المؤمنين، بل صار من أعدى أعداء نظرية التطور وفضحها وكشف زيفها للناس، وقد ألف في ذلك كتابه الشهير [أيقونات التطور]

وقد سمعت أنه كان بالإضافة لتخصصه في علوم الحياة، صاحب مهارات كثيرة في تقنيات الإعلام الآلي، وقد علمت أنه قام بذلك المزج بينهما ليفهم سر الحياة من خلال تلك التقينات المعقدة التي توفرت في الحواسيب.

وقد أردت من زيارته، ومن وضعه ضمن فريق البحث، أن أستفيد من التقنيات الحديثة المتوفرة في ذلك العالم الجامد لأثبت من خلالها الصدفة في عالم الحياة.. لكن صاحبي، وبعد أن ذكرت له هذا، راح يقول لي، وهو يمسك بيده بعض القطع من حاسوب مفتوح كان أمامه: كما أن الخلية ممتلئة بالتعقيد، ولكل جزء منها دوره الخاص، فكذلك عالم الحواسيب ممتلئ بالدقة العالية، ولكل جزء دور المحدد المضبوط.

وضع القطعة من يده، ووضع الغطاء على الحاسوب، وراح يقول لي: دعنا منه.. وهيا بنا نتحدث.. فلعل حديثنا أنفع لنا من هذه الآلات المتجمعة، والتي لا معنى لها، ولا جدوى منها.

قلت: كيف تقول ذلك.. وهذه الآلات إبداع عظيم.. وبه وصلت البشرية إلى ما وصلت إليه من تطور؟

قال: لك الحق في ذلك.. ولكنه تطور متناقض.. أو بالأحرى هو تطور أعرج.. أو بالأحرى تطور أعور.

قلت: ماذا تعني؟

قال: ماذا يقول أصحابنا في الخلية الحية، وكيف نشأت أول خلية؟

قلت: هم يذكرون أنها نشأت بالصدفة، وأنه كان للزمن والمادة تأثيرهما في نشوئها، ونشوء كافة أصناف الحياة بعدها.

قال: ولكنهم إن ذكروا هذه الأجهزة.. والتي لا تعدو أن تكون سوى خردة بسيطة أمام تعقيد الحياة.. راحوا ينظرون إليها بانبهار.. وينفون عنها الصدفة.. بل ينسبون كل جزء فيها لصانعه ومصممه ومخترعه.

قلت: هم يذكرون ذلك لأنهم رأوا الصانع والمصمم والمخترع.. وقد صممه أمامهم.

قال: فهل رأوا أول خلية، وكيف نشأت؟

قلت: لا.. لا يمكن ذلك، فتلك الخلية نشأت قبل الإنسان، بل قبل كل الكائنات الحية.. ولم تكن هناك أي أداة لتصوير ذلك المشهد.

قال: فلم تجرؤوا وراحوا يصفونها بدقة، وكأنهم رأوها رأي العين.

قلت: الحدس العلمي هو الذي دلهم على ذلك..

قال: بل هو الرجم بالغيب، والهرب من الحقيقة.. فإن كان هذا الجهاز الميت محتاجا لعقل يصممه ويبدع في تفاصيله، فكيف بالحياة التي هي أكثر تعقيدا؟

راح يمسك بقطعة من قطع الأجهزة كانت أمامه، ثم يقول([12]): انظر إلى هذه الدائرة المتكاملة البسيطة.. إنها تتكوّن من ثلاثة ترانزيستورات فقط، علما بأنّ الترانزيستور ما هو إلا وصلتين من أشباه الموصلات، كل وصلة منها مجرد سيلكون مشوب بفلز آخر.. وهذه الدائرة تصنع متكاملة، حيث تطبع مباشرة من السيلكون والشوائب والمواد العازلة، لتخرج في صورة دائرة.

حدق في وجهي، ثم قال: أليس احتمال تكوّن هذه الدائرة في الطبيعة صدفةً، أسهل وأبسط بمراحل من تكوّن الخلية الحيّة بالصدفة؟

قلت: كيف تقول ذلك؟.. هذا مستحيل من الناحية العلمية.

قال: إننا في النهاية لا نتحدث سوى عن بعض الرمل.. فالسيلكون هو المادة الأساسية في الرمل.. وهو يملأ أرجاء الكرة الأرضية.. وملايين السنين كافية وأكثر من كافية لتفعل به المعجزات، تبعا لنظرية الصدفة الخلاقة.. فهل يا ترى تمّ العثور في طبقات الأرض المختلفة على شرائح تحتوي على هذه الدائرة؟

قلت: ذلك غير ممكن.. ما بك يا رجل؟

راح يستأنف حديثه من غير أن يلتفت لكلامي: إن كان تكون الأشياء المعقدة بالصدفة أمرا واردا، فمن المنطقي أن نتوقّع العثور على دوائر أخرى.. وربّما تكون بعض هذه الدوائر قد اتصلت بالصدفة، فكّونت دائرة تجمع خانتين جمعا حسابيا بنظام العد الثنائي.. وباتحاد اثنين منها تكوّنت دائرة تقوم بجمع خانتين ثنائيتين مع الأخذ في الاعتبار باقي جمع خانتين سابقتين.. وبصدف بسيطة أخرى نشأت دوائر الطرح والضرب والقسمة!

صحت فيه ليسمعني: إن ما تقوله هرقطة في ميزان العلم.

راح يكمل حديثه من غير أن يلتفت لي: وعلى مسار آخر، كانت مجموعات من القطع قد اتحدت مع بعضها بالصدفة لتكوين أوّل قلاّب.. وبتواليف منه ظهرت بالصدفة مسجلات القيم.. وبتجمع هذه الأشياء معا ظهرت وحدة الحساب والمنطق إلى الوجود بالصدفة.. وهكذا أخذت الطبيعة عبر ملايين السنين تكوّن أول مشغل دقيق في الوجود.. وهكذا استمرت سلاسل الصدف السعيدة بلا كلل ولا ملل عبر عشرات الملايين من السنين لصنع باقي أجزاء الحاسب الآلي!

لست أدري كيف شعرت بنشوة عند حديثه، فرحت أدع له الفرصة ليتحدث براحته، راح يقول، وهو سارح في خياله: ليس هذا فقط، فقد حدث بالصدفة أن وصل سلك هذا الحاسب إلى بركة حمضية تولّدت فيها الكهرباء، فبدأ عمله.. ومع بعض الصدف الصغيرة، راحت المعلومات تُخزن عشوائيا في ذاكرته، فتكوّن فيه أوّل نظام، لم يلبث أن تطوّر بالصدفة إلى أوّل ويندوز، ثمّ توالت إصدارات هذا الويندوز، وظهرت تطبيقات المكتب وبرامج عرض الصور والأصوات والأفلام، ثم ظهرت تطبيقات الرسوم المجسمة، وبدأت تصنع بالصدفة نماذج أفلام ثلاثية البعد فيها نباتات وحيوانات وبشر.

ثمّ تطوّرت لغات البرمجة على ذلك الكمبيوتر، وبدأت تتحوّل بالصدفة إلى لغات ذكاء صناعيّ!

وعلى مسار آخر، كانت تتطوّر آلات ومحركات، فاستخدمها برنامج الذكاء الصناعي ليصنع الإنسان الآلي، الذي استغل ذكاءه وبراعته الكيميائية لتخليق أوّل خلية حيّة معملية، وصنع نماذج النبات والحيوان والإنسان التي أنتجتها برامج الرسوم المجسمة، ليجعل من الكرة الأرضية مكانا أجمل!

وفي مسار آخر، كان واحد من الأناس الآليين يفكّر أنّه لا يمكن أن يكون قد جاء إلى الوجود بالصدفة، فاخترع فكرة الصانع الأوّل، وعلّمها لبعض الكهان، قبل أن تحلّ كارثة جيولوجية على الأرض تقضي على الحواسب والآلات فلم تبقَ إلا بعض البشر والكائنات الحية!

التفت إلي، وقال: هل سمعت ما ذكرت.. هيا أسرع بكتابته.. ولا تنس أن تكتب على هذه النظرية العلمية اسمي..

قلت: ولكن النظرية العلمية تحتاج إلى إثبات؟

قال: لا تقلق.. فكلّ ما على العلماء من الآن فصاعدا هو البحث عن بقايا الجهاز الأول التي انقرضت في طبقات الصخور الأولى.. وربما يأتي في المستقبل عالم عبقريّ، ويكتشف أنّ كتلة من الرمال مشوبة بالفسفور قد تصلح كبداية لأشباه الموصلات، وتوضع في متاحف التاريخ الطبيعي، وتمنح الاسم العلمي سليكينو ناندينو!

ثمّ يفكّر آخر في تلفيق دليل من أجل الشهرة، فيلفق أوّل بدائية، وتعرف في المراجع باسم [ناندينو كمبورس].. وهكذا تتوالى الاكتشافات العلمية العبقرية التي تؤكد نظريتي، مهما علا صراخ أعداء العلم والحقيقة!

التفت إلي، وقال: طبعا إن واجهنا بعض السذج، فسنجيبهم بكل بساطة: مهلا.. تروّوا في أحكامكم.. من يزدري النتيجة التي وصلت إليها هذه النظرية، فعليه أن يعود إلى البداية: هل من المستحيل تكوّن أي شيء بالصدفة؟.. تذكروا أنه مهما كان الاحتمال ضئيلا، فلدينا ملايين السنين لحدوث الصدفة.. إنه نفس الكلام الساذج الذي تقولون إنه علم، وإنه أصل المخلوقات الحية؟!.. فلماذا ترفضون هذا وتصدقون ذاك؟!

لم أدر ما أجيبه به، فقال: هذا الذي ذكرته لك ليس كلامي، إنه كلام العلماء الكبار الذين تقرون لهم بالعلمية.. لقد قال السير [فْرِد هويل] في إحدى مقابلاته التي نُشرت في مجلة الطبيعة في تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1981: (إنّ ظهور خليّة حيّة للوجود عن طريق الصدفة، يشبه ظهور طائرة بوينج 747 عن طريق الصدفة، نتيجة هبوب عاصفة على محلات لأدوات الخردة!)

***

بعد أن مررت على هؤلاء الأعضاء جميعا، وغيرهم ممن لم أذكر لكم، جلست مع نفسي، واسترجعت كل ما سمعته، ورحت أتأمله بعيدا عن كل ألوان الهوى، وما هي إلا لحظات حتى رحت أمزق الشيك الذي قدم لي.. ثم أقول مخاطبا ربي من غير أن أعرفه: يا رب كل شيء.. يا من أنشأ الحياة وأوجدها.. أعتذر إليك، لأني كنت أريد أن أصبح معولا يهدم الحقائق.. فأبت حقائقك إلا أن تنتصر.. يا رب كل شيء ومليكه.. يا من أبدع كل ما في الكون والحياة.. ودبر كل ما فيهما.. ها أنذا بين يديك قد مزقت من أجلك كل الأموال التي وهبت لي.. فهب لي من فضلك العظيم ما يخلصني من الورطة التي وقعت فيها.

قلت ذلك، ثم ذهبت إلى مدير المركز، وأنا أحمل الشيك الممزق، ثم أعرضه عليه، وأنا أقول: ها هو الشيك الذي سلمته لي.. لم أصرف منه شيئا.. وأنا أعتذر إليك.. وأقدم في نفس الوقت استقالتي من العمل في مركزكم.

قال لي، وهو مندهش لما يرى: لكنك ستعرض نفسك للسجن.

قلت: السجن أهون علي من أن أشوه حقائق الوجود.. وأصبح شيطانا يحارب ربه.

قلت ذلك، ثم أردت أن أنصرف.. لكنه استوقفني، ثم راح يكتب شيئا.. وهو يقول: بورك فيك.. لقد نجحت في الاختبار.. وهذا الشيك من عندي.. وليس من المركز.. وفيه سداد ديونك جميعا.. بالإضافة إلى أموال أخرى يمكنك أن تستفيد منها في بناء مركز أبحاث أكثر تطورا.. خذه واعتبره جواب الله لك.. فلا يضيع أحد سأل الله، ومد يده إليه.

التطور.. والعلم

بعد أن انتهى الأول من حديثه، قال الثاني، وهو يلتفت لي: أرجو أن تكون قد سجلت كل ما ذكره زميلي وصديقي بكل دقة.. فهناك من يصطاد في الماء العكر، ويتصيد حصى الأخطاء ليقضي بها على جبال الحقائق.

قلت: لا تخف.. فلقلمي من الورع ما يمنعه من الزيادة والنقصان.. لكن مع ذلك ارحموني، وارحموا مستواي العلم، فأنا أفهم من كلامكم جمله، ولا أحيط بتفاصيله.

قال: ونحن لا نطلب منك التفاصيل.. بل نطلب منك فقط أن تفهم منه ما يفهم منه سائر الناس.. فلكل علم أهله..

قلت: كلام صديقكم في الحقيقة مع كونه يدخل بنا في بعض متاهات العلم الضيقة إلا أنه مملوء بالجمال.. فقد أشعرتني كلماته بمحبة الله وتعظيمه.. وأخرجتني من كثير من ظلمات التعتيم والوهم التي كنت أتصور بها حقيقة الحياة.. فقد كنت أراها ممتلئة بالبساطة، ولم أكن أعلم أبدا أنها بذلك التعقيد. وقد كنت فوق ذلك أتصور أن لأولئك الماديين بعض الحجة فيما يقولون.. لكني اكتشفت أنهم أبعد الناس عن العلم وحججه، وأنهم لا يختلفون في تلاعبهم بالعلم عن تلاعب سدنة الأديان المزيفة.

قال: صدقت في هذا.. وما دمت قد اقتنعت به.. فهلم لتسجل عني كل ما أقوله.. وبالدقة التي سجلت بها حديث صاحبي.. فهو قد حدثكم عن رحلته من الصدفة إلى الخلق.. وأنا سأحدثكم عن اكتشافي للخدع التي يمارسها التطوريون، والخرافات التي ينشرونها.

قلت: ما تعني بذلك؟

قال: أنت تدعوني بهذا للبدء من حديثي من آخره، لا من أوله.

قلت: لا بأس.. فأحيانا لا يفهم أول الشيء إلا بعد فهم آخره.

قال: أنت تعلم حسبما حدثك صديقي الأول أن هناك نظريتان في تفسير بداية الخلق.. النظرية التي تقول بالعشوائية والصدفة.. والنظرية التي تقول بالخلق والغائية.

قلت: أجل.. علمت هذا.. وقد ذكر من الأدلة الكثير ما يؤيد وجهة النظر الثانية، والتي تدل عليها كل حقائق الوجود.

قال: فهكذا الأمر فيما نراه من مظاهر الحياة في الكون وتنوعها، فقد اضطر القائلون بالصدفة إلى حيلة التطور، حتى يتهربوا من نظرية الخلق المقصود..

قلت: هذه نظريتهم.. فما نظرية المؤمنين؟

قال: المؤمنون يؤمنون بنظرية الخلق الجديد.

قلت: ما تعني بها؟

قال: أعني بها تلك الحقيقة العظيمة التي نص عليها قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [ق: 15]، فهي النظرية العلمية البديلة لنظرية التطور القديمة أو الحديثة، والتي وجهت لها إشكالات كثيرة تجعل من المستحيل أن تتحقق بالعلمية المطلقة أو بالعلمية النسبية.

ذلك أن نظرية الخلق الجديد لا تلغي وجود تقارب بين المخلوقات.. وإنما تعني أن الله تعالى باعتباره خلاقا، لا يطور الخلق السابق ليتحول إلى خلق جديد، وإنما يخلقه ابتداء، كما صور ذلك بدقة عند ذكره لخلق آدم عليه السلام، والذي ورد في النصوص القرآنية والنبوية أنه خلق من طين، ومن حمأ مسنون..

وكما صوره بدقة عند ذكره لناقة صالح عليه السلام، والتي أخرجها من الصخر آية من آيات الله.. كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الأعراف: 73]

قلت: صدقت في هذا.. فقد كان لهذه الناقة المخلوقة خلقا جديدا من الصفات والمميزات ما لم يكن لسائر النوق، فقد كانت تعطيهم لبنا كثيرا، كما أنها تستقي كثيرا، قال تعالى:﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: 155]

قال: وهكذا فإن من مقتضيات الإيمان بالبعث الإيمان بالخلق الجديد، فالإنسان عند بعثه لن يتطور من كائن آخر، وإنما سيخلق من جديد من تراب الأرض، وبخصائص جديدة تخالف الخصائص التي ولد بها في هذه النشأة.

ولهذا رد الله تعالى على الذين يفرضون عليه ماذا يفعل، وكيف يفعل، بقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [ق: 15]، ومعناها ـ كما يذكر المفسرون ـ: (أعجزنا عن الخلق الأول حتى نعجز عن الخلق الجديد؟ أي لم نعجز عن الخلق الأول وهو إبداؤه فلا نعجز عن الخلق الجديد وهو إعادته)

والمراد بالخلق الجديد (تبديل نشأتهم الدنيا من نشأة أخرى ذات نظام آخر وراء النظام الطبيعي الحاكم في الدنيا فإن في النشأة الأخرى وهي الخلق الجديد بقاء من غير فناء وحياة من غير موت)

قلت: بورك فيك.. وقد ذكرني حديثك هذا بما ورد في القرآن الكريم من القدرات العظيمة التي آتاها الله للمسيح عيسى عليه السلام، ومنها إحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص.. والتي وصلت إلى حد القدرة على الخلق بإذن الله.. والتي وردت في مواضع من القرآن الكريم، وبصيغ متعددة، منها قوله تعالى على لسان المسيح معبرا عن فضل الله عليه:﴿وَرَسُولًا إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 49]

ومنها منة الله عليه بالقدرة على ذلك، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ﴾ [المائدة: 110]

وهذه الآيات فيها رد شديد على أولئك الذين يحيلون على الله أن يخلق أي أمة من الأمم ابتداء، ويتصورون أنه يفتقر إلى أن يطور خلقا سابقا، ليحصل منه خلق جديد، وكأنه عامل في مصنع، أو مخترع في مخبر، وليس قادرا على كل شيء.. يخلق ما يشاء.. متى يشاء.. كيف يشاء.

ولذلك هم يصادمون النصوص الصريحة التي تنص على أن آدم عليه السلام خلق من تراب، ومن طين، ليحولوه إلى كائن متطور على كائن سابق، وأن تلك التسوية التي ذكرها القرآن الكريم ليست سوى ألفاظا عبثية اعتباطية لا دلالة حقيقية لها.

والمشكلة أن هؤلاء في تكلفاتهم يربطون ذلك بالقرآن الكريم، فيستدلون بقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: 59]، ويلبسون على أنفسهم وعلى الناس، بأن الله شبه المسيح بآدم غافلين عن أن المشبه به لا يساوي المشبه في كل الوجوه.. وغافلين عن أن الله تعالى ما ذكر ذلك إلا ليبين أن له الإرادة المطلقة، ولذلك ـ كما خلق آدم عليه السلام ـ من غير أبوين، فهو قادر على خلق المسيح من غير والد.

قال: صدقت.. ولو أن هؤلاء تخلوا عن كبريائهم، وراحوا يحترمون لغة القرآن الكريم، ويتدبروا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 28، 29] والذي ورد في مواضع متعددة من القرآن الكريم.. لما وقعوا فيما وقعوا فيه.. ولما فضلوا أي فرضية مهما كانت على هذه الحقائق المقدسة.

قلت: بورك فيك وفي إيمانك.. ولو أن هؤلاء نظروا فيما يخترعونه من مخترعات يزهون بها، لكان ذلك وحده كفيلا بتسليمهم لخالقهم، واعترافهم بقدرته المطلقة على الخلق ابتداء من غير حاجة لأي وسائط.

قال: صدقت.. فهل كان الجيل الثاني من جهاز الكمبيوتر صناعة جديدة، أم أن المخترعين راحوا إلى نفس الجهاز القديم ينقصون منه ويضيفون، حتى تحول إلى جيل جديد.. لاشك أن الواقع لم يدل على هذا.. بل إن كل جيل من الأجيال يقتضي أن يصنع صناعة خاصة تتناسب معه، مهما كان القرب بينه وبين الأجيال السابقة.

قلت: بورك فيك.. وقد ذكرني موقفك الإيماني هذا بأولئك السلبيين الذين يقرؤون قوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ [الكهف: 51]، ويقرؤون معها قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36] ثم يظلون مصممين في الدفاع عن هذه الفرضية التي لم تستوف حقها من الأدلة..

مع أنه لا علاقة لها بكفر ولا إيمان.. فالله تعالى قادر أن يخلق كل أمة من الأمة خلقا سويا منفصلا من دون أن يحتاج إلى هذه الفواصل التطورية، التي تنبئ عن القصور أكثر من إنبائها عن العلم الشامل.. كما أنه قادر على أن يجعل بعضها يرتبط ببعض.. فكل ذلك في قدرة الله تعالى.

قال: الإشكال ليس في ذلك فقط.. وإنما في أمرين آخرين سأوضحهما من خلال سردي لقصتي.. أما أولهما فهو أن هذه النظرية في حال ثبوتها أو عدم ثبوتها لا علاقة لها بأي مجال من المجالات العلمية الواقعية، فسواء قلنا: إن الزرافة تطورت عن حيوان سابق، أو خلقت خلقا جديدا.. فإن ذلك لن يغير من الزرافة، ولا من فوائدها أو مضارها شيئا.. وبذلك فإن البحث في هذا نوع من الترف العقلي مثله مثل البحث في أيهما السابق البيضة أم الدجاجة.

والثاني: أن هذا فيه الكثير من التكلف.. فالله تعالى ما أشهدنا خلق كونه، ولا شيء منه، والاستشهاد بالحاضر على الغائب قياس فاسد.. مع أنه لم يثبت في المخابر أي دليل على التطور.. كل ما فيه بضاعة كلامية مزجاة خالية من كل دليل.. لا يهدف أصحابها إلا إلى تفسير كيفية نشوء الحياة، ومحاولة عزل الله عن ذلك النشوء، ابتداء أو استمرارا.

***

 

بعد توضيحه للفرق بين التطور والتنوع، أو التطور والخلق الجديد، اعتدل في جلسته، وحمد الله وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.. ثم قال: ما عساي أقول لكم.. ومن أين يا ترى سأبدأ قصتي؟

ثم سكت قليلا، وقال: ربما أحسن بداية لحديثي هي تلك المحاضرة التي سمعتها في بعض المؤتمرات، والخاصة بأبحاث التطور.. فقد نزلت علي حينها أول أنوار الهداية التي جعلتني أراجع كل معارفي ومواقفي، وأضع نفسي في السكة الصحيحة التي يجتمع فيها العلم مع الإيمان.

لقد كنت قبلها مجرد إمعة مقلد، أحفظ ما يقال لي، ثم أردده كالببغاء دون أن أن يمر على مراكز التحليل والوعي في عقلي، لكني بعد سماع تلك المحاضرة، وما حصل فيها من تعقيبات رحت أفكر جيدا في كل معارفي، وأصححها وفق ما تقتضيه الحقيقة، لا وفق ما يقتضيه الهوى.

لقد كانت المحاضرة بعنوان [تطور الحيتان من أسلاف برية] ([13])، والتي راح صاحبها يمارس كل صنوف الحيلة ليقنعنا بأن بعض الثدييات تطورت قبل 60 مليون سنة إلى حيتـان، حيث غامرت بعض الثدييـات، ونزلت إلى المـــاء بحثا عن الطعـام، فبدأت تختفي مع الوقت الأرجل الخلفية، وتحولت الأرجل الأماميـة إلى زعـانف، وتغير شكل الأنف، واختفى الشعر وتحول إلى جلد.

وبدل أن يحدثنا صاحب المحاضرة عن التجارب العملية المثبتة لهذا راح يقص علينا حكايات من سماهم كبار أحبار العلم الذين أرقهم البحث عن سر وجود الحيتان في البحر.. وكأن الله الذي خلق هذا الكون العظيم يعجز أن يجعل في البحر من الكائنات من يشابهه في البر.

فذكر لنا تلك النقاشات العلمية حول أصل الحيتان في فترة ما قبل النظرية الداروينية، والتي كانت تدور حول أصل الحيتان، وعلاقته بالثدييات البريّة.. وذكر لنا من ذلك ما كتبه [جون راي] عام 1693 من أنّ الحيتان حيوانات ثديية معتمداً في ذلك على التشابه بين الحيتان والثدييات البريّة.

ثم ذكر لنا نظرية داروين المرتبطة بهذا، وهي أن الحيتان تطورت من الدببة، مقدماً فرضية عن إمكانية أن تكون الضغوط الاصطفائية ساهمت في تطور الدببة إلى حيتان..

ولم ينس أن يذكر لنا أن داروين اضطر تحت وطأة السخرية التي تعرض لها لسحب فرضية الدببة السابحة هذه من النسخ اللاحقة من كتابه [أصل الأنواع]

ثم ذكر لنا اقتراح [فلاور] عام 1883 والذي يذكر بأن الحيتان تمتلك صفات أولية وأثرية غير وظيفية تتميز بها الثدييات البرّية، وذكر لنا بحماسة أن (هذا ما أكدَّ أن اتجاه تطور السلف كان من نوع بريّ إلى نوع بحري وعلى أسس علم التّشكل (المورفولوجيا) ربط [فلاور] بين الحيتان وذوات الحوافر)

ثم ذكر لنا أنه في بدايات القرن العشرين اقترح كل من [ايبرهارد فراس] و[تشارلز اندروز] أن السريدونتات، وهي حيوانات مفترسات من آكلة اللحم البدائية، وهي منقرضة حالياً هي أسلاف الحيتان.

ثم ذكر لنا أنه في وقتٍ لاحق، افترض [ويليام ديلر ماثيو]، وهو من متحف التاريخ الطبيعي الأميركي أن الحيتان أصلها حيوانات ملتهمة الحشرات.

ثم ذكر لنا أن [ايفرهارد يوهانس سليبر] حاول أن يمزج بين الفكرتين، فافترض أن الحيتان هي سليلة ما دعاه [بارنس] بالـ [creodonts ـ cum ـ insectivores]، وهو حيوان مفترض يجمع بين صفات الحيوانات المفترسة والحيوانات آكلة الحشرات.. مع العلم لم يُكتشف حيوان هكذا حتى الآن.

ثم ذكر لنا أن [فان فالن] ربط عام 1966 و[سزالاي] عام 1969 بين الحيتان الأولى والـ [mesonychid condylarths]، وهي آكلات لحوم بدائية من ذوات الحوافر منقرضة حالياً وحجمها تقريباً بحجم الذئب، اعتماداً على صفات الأسنان.

ثم راح يرجح لنا هذا الاحتمال الأخير بتخرصات كثيرة صدعت رؤوسنا، وملأت القاعة شغبا.. فبعد انتهاء محاضرته، خرجت التعقيبات الكثيرة التي ترد عليه، وبعضها كان ينتصر للدببة.. وبعضها لتلك الحيوانات الافتراضية.. وبعضها لذوات الحفريات.

لست أدري حينها كيف تذكرت ما يطلق عليه [الجدل البيزنطي]، لعلكم تعرفونه.. إنه ذلك التعبير المستعمل للدلالة على المناقشات التى لاتؤدى إلى شئ فى النهاية.. لأنه لا يمكن لأحد من الناس أن يرحل إلى أحقاب التاريخ ليرى حقيقة ما جرى.

ولم يكن هذا موقفي لوحدي، بل كان موقف رئيس الجلسة الذي لم يستطع إدارتها ولا التحكم في القاعة بعد الشغب الكثير الناتج عن انتصار كل فريق لوجهة نظره.. حينها اضطر لأن يضرب بمطرقته ضربا عنيفا على مكتبه، وهو يقول: اسمعوا مني هذه القصة أولا.. ثم عودوا إلى ما كنتم عليه.

أطرق الجميع ساكتين، فقال: حدثني جدي أن أهل بيزنطة كانوا محاصرين بجيش، وطال الحصار، وبدل أن يبحثوا في مخرج لأزمتهم راحوا يبحون في أيهما الأسبق البيضة أم الدجاجة.. وانهمكوا فى النقاش والجدل حول هذه القضية، وطال خلافهم حولها.. ثم ما لبث الخلاف أن تحول إلى معركة.. وحين دخل أعداؤهم عليهم المدينة وجدهم أرضا رخوة لتحقيق جميع مآربة.. لأن ذلك الجدل البيزنطى شغلهم عن كل شيء.

بعد أن انتهى رئيس الجلسة من حديثه، قال: والآن يمكنكم أن تعودوا للجدل التطوري الدارويني الذي لا يقل عن الجدل البيزنطي.. ولا تنسوا أن عقولكم ومعاملكم التي تشغلونها بمثل هذه القصص التي لا معنى لها محتاجة لأن تبحث فيما يرتبط بواقعنا العملي.. فالبشرية بحاجة لأن تعالج الكثير من الأمراض، والبيئة بحاجة لأن تستعيد عافيتها بفعل السموم التي أفرزتها هذه الحضارة، ولذلك إن كان لكم فراغ من وقت فاملأوه بالبحث في هذه الأمور، قبل أن تدمر عليكم الأرض، ويحصل لكم ما حصل للديناصورات.

بعد أن انتهى رئيس الجلسة من حديثه هذا، ساد صمت طويل القاعة، قطعه رئيس الجلسة بقوله: اسمحوا لي ما دمت رئيسا لهذه الجلسة، واحتراما لهذا السكون الذي عاد للقاعة بعد القصة التي سردتها أن أسألكم سؤالا وجيها أرجو أن تجيبوني عنه بكل علمية ومصداقية.

أشاروا إليه أن يسأل، فقال: أرى أننا قبل أن نتساءل عن أصل الحيتان.. وهل هي الدببة، أم آكلات الحشرات، أم ذوات الحوافر، أم تلك الحيوانات الافتراضية.. أن نتساءل أولا عن مدى علمية نظرية التطور في حد ذاتها.. وهل هي ضرورة علمية، أم أن هناك خيارات علمية أخرى غيرها؟

وأرجو من الذين يودون الإجابة على هذا السؤال الخطير أن يتركوا اللغة المنغلقة في الحوار، بل يتعاملوا مع المسألة بعلمية مجردة، وبعيدا عن التشخيص.. لأنا هنا نناقش هذه النظرية من ناحية علميتها، ولا يهمنا من قال بذلك أو لم يقل..

قام أحد الحاضرين، وقال: لم أقم هنا لأجيب على السؤال الكبير الذي سأله حضرة رئيس الجلسة، وإنما أردت ـ وباعتباري أستاذا في المنهجية العلمية ـ أن أذكر لكم بأننا نحتاج للإجابة على ذلك السؤال أن نحتكم للمعايير العلمية التي يعتمدها الخبراء في هذا المجال.

وبما أنني عضو مؤسس لمجلس البحوث الوطني بالولايات المتحدة الأمريكية، فسأعرض على حضراتكم التقرير الذي نشرناه بخصوص هذه المعايير.. والذي قصدنا منه المحافظة على سلامة واستقامة تدريس العلوم.. فالمنهج العلمي يتميز عن غيره من مناهج وهيئات المعرفة باستخدام المعايير التجريبية، والحجج المنطقية، ومبدأ الشك.

ويجب أن تلبي التفسيرات العلمية بعض المعايير المحددة.. منها مثلا أن تكون متسقة مع الأدلة التجريبية والرصدية حول الطبيعة.. ويجب أن تكون لها القدرة على التنبؤ بدقة بخصوص الأنظمة التي يتم دراستها.. ومنها أن تكون بعيدة عن التفسيرات المبنية على الأساطير، والآراء الشخصية، والقيم الدينية والإلهامات الذاتية، والمعتقدات الخرافية.. فكل هذه الأمور قد تكون مفيدة شخصيا أو اجتماعيا، ولكنها ليست تفسيرات علمية.

ثم راح يفصل لنا معايير النظرية العلمية الستة، ويطلب من الحضور أن يطبقوها على نظرية التطور.

التطور.. والبيانات الرصدية:

بعد أن انتهى من حديثه قام بعض العلماء، وقال: بخصوص المعيار الأول.. وهو البيانات الرصدية، فإني أحب أن أصرح لحضراتكم بأن ما يذكره التطوريون من أن التطور عملية قابلة للملاحظة غير صحيح.. ذلك أنهم يتعمدون الخلط بين معنيين كلاهما يطلقان عليهما لقب [التطور]، أحدهما مقبول وعلمي، وآخرهما مرفوض وخال من العلمية.. ثم يحاولون الاستدلال بالأول على صحة الثاني.

قال بعض الحضور: كيف ذلك.. هلا وضحت لنا أكثر.

قال([14]): أنتم تعلمون أن نظرية التطور مرت بمراحل متعددة.. فمنها القديمة.. ومنها الحديثة.. أو التركيبية الحديثة.. وهي امتداد لنظرية داروين القديمة، والتي افترضت أن التنوع الحيوي يعود إلى أصل واحد..

ولما كانت هذه النظرية لا تهتم بآلية التطور، فقد جاءت الدارونية الحديثة لتقدم شرحًا لآلية التطور استنادًا على علم وراثة العشائر مع إبقاء أسس الدارونية الكلاسيكية كالانتقاء الطبيعي والجنسي وغيرهما.

وبناء على ذلك، فقد ظهر تعريف آخر للتطور، وهو مقدار التغير في تكرار المورث في العشيرة، مع إبقاء التعريف الأول.. ومن هنا صار عندنا مفهومان منفصلان للتطور: التطور الدقيق، والتطور الكبير.

أما التطور الكبير، وهو المقصود بالأصالة، فيعني التغيّر في الصفات المورفولوجية والجينية مما يتسبب في الانتقال من نوع إلى نوع آخر.. بخلاف التطور الدقيق أو الصغير، والذي يتم التغير فيه على مستوى النوع الواحد نفسه، كتطوير كائن حي لمقاومته نحو جسم غريب، أو تغيير لون لجلد، أو تغيير في حجم عضو معين من الجسم، أو نحو ذلك.

وهذا مما لا إشكال فيه، ذلك أن هجرة الأوروبيين مثلا إلى أستراليا واختلاطهم بالشعب الأسترالي الأصلي، أدت إلى اختلاط العرقين، وقد أثر ذلك على أولادهم، بحيث أصبحت أشكالهم تمزج بين الأصلين.. وهم يعبرون عن هذا بالتطور البيولوجي للأستراليين.. ومن أمثلته أيضا ظهور فيروس الأنفلونزا كل مرة بصورة جديدة، بحيث لا تؤثر فيه اللقاحات السابقة.

ولهذا كان لوجود تعريفين للتطور أثر كبير في إحداث الخلاف بين أنصار نظرية التطور ومعارضيها، إذ حين يقدم البعض أدلة صحيحة على التطور كظهور فيروس الأنفلونزا الجديد، يمتعض الآخرون، ويأخذون بنقد جوانب أخرى للنظرية تفترض الأصل المشترك للإنسان أو كل الأحياء.

وقد عبر عن هذا الخلط [مايكل بيهي] بقوله: (الدارونية الحديثة فسرت التطور الدقيق بشكل رائع، لكن عند الحديث عن التطور الكبير فعلى التطوريون أن يصمتوا)

وهذه المقولة هي واقع الحال في معظم الخلافات الني نراها، فالمؤمن ينتقد التطور الكبير فيرد عليه الملحد بأدلة على التطور الدقيق، ولذلك لا يصلون لأي نتيجة.

ولهذا ذكر [نيكولاس كومنينلس]، الأستاذ بجامعة ميزوري ـ كنساس، في كتابه [Darwin's Demise]، أنه من الأخطاء الشائعة في الاستدلال العلمي استخدام التكيُّفات الملحوظة في التطور الصغير لافتراض صحة التطور الكبير، والانتقال من نوع إلى نوع آخر.

وكمثال على ذلك التحايل والخداع قام أحد أشهر المواقع المؤيدة للتطور (Talk origins) بإيراد أكثر من عشرين حالة ادّعى فيها الموقع رصد الانتواع بالفعل (أي الانتقال من نوع إلى نوع)، لكن قام الجيولوجي الأمريكي كيسي لَسكين بفحصها جميعًا، فتبيّن له أن هذه الادّعاءات غير صحيحة على الإطلاق، وأنه في الحقيقة ليس هناك حالة واحدة من الحالات المذكورة حدث فيها التطور الكبير الذي يتسبب في ظهور نوع جديد، بل كانت جميع التغيّرات على مستوى النوع الواحد فحسب.

وفي تجربة ملفتة، قام الباحث التطوري بجامعة ميتشيجن الأمريكية، ريتشارد لينسكي، برصد علامات التطور في البكتريا لمدة 20 سنة بتعقب 40،000 جيلًا من البكتيريا، وفي النهاية أقرّ أنه لم يكن هناك تغيّر جين واحد مفيد أو بنّاء طوال هذه المدّة.

وقد علّق أستاذ علم الجراثيم بجامعة بريستول البريطانية [آلان كلينتون] على ذلك متسائلًا: (ولكن أين هو الدليل التجريبي؟ لا يوجد ادّعاءٌ في الأدبيات العلمية أن نوعًا من الكائنات الحية قد تطور إلى آخر. البكتريا، وهي أبسط صور الحياة المستقلة، تُعتبر مثالية لهذه الدراسة، فهي تنتج أجيالًا كل 20 إلى 30 دقيقة وتمثل مجاميع كل 18 ساعة. ولكن طوال 150 عامًا من علم الجراثيم، لا يوجد دليلٌ واحد أن نوعًا من البكتيريا قد تغير إلى آخر)

قال بعض الحضور: بناء على هذا، أيهما يخلو من العلمية.. هل التطور الدقيق أم التطور الكبير؟

قال: بلا شك.. التطور الكبير هو الذي يخلو من العلمية، وهو الذي يقصد عند الإطلاق.. ولذلك نرى دوائر المعارف العلمية تعرف نظرية التطور بأنها (النظرية التي تفترض أن كل الكائنات قد نشأت من أصل واحد، والذي نشأ بدوره من مادة غير عضوية)

بل إننا إذا سألنا أي عامي أو مثقف عن معنى [نظرية التطور]، فإنه حتما سيجيب بأنها (النظرية التي تفترض أن أصلنا من القرود)

وبناء على هذا، فإن عرض أمثلة، مثل تطور الفراشات الداكنة والفاتحة لا يعتبر دليلا علي التطور.. ذلك أنها لا تدخل في إطار التطور الكبير.

ولهذا نجد التطوريين عاجزين عن تقديم أي معلومة عن كيفية تطور الامبيا إلى الإنسان عن طريق اكتساب معلومات وراثية جديدة على مدار الحقب الجيولوجية القديمة التي لم يشهدها أحد.

بل إن التطوريين أنفسهم يعترفون بذلك، وقد عبر عن ذلك أحدهم بقوله: (تثبت التجارب أن عملية الانتقاء الطبيعي تحدث بالفعل، ولكنها لا تثبت حدوث تطور الكائنات، مهما تباينت أعداد الأنواع المختلفة من الفراشات في الشكل واللون تظل كل الفراشات من البدايه للنهايه Biston betularia)

وقال آخر: (لم تظهر آليات التطور المزعومة [الانتقاء الطبيعي والطفرات العشوائية] أي قدرة علي زيادة المحتوي الجيني لأي كائن حي، كما أنه لم ير أحد عملية تطور من قبل)

ولأجل هذا نرى المشاهير من التطوريين أمثال [دوكنز] يراوغون عندما يجبرون علي الدفاع عن موقفهم الإيماني من التطور، ففي إحدى مناظرات دوكنز على إحدى القنوات التلفزيونية على يد أحد القائلين بنظرية الخلق، قال دوكنز: (التطور بالفعل تتم ملاحظتة،كل ما في الأمر أنه لم يتم ملاحظته أثناء حدوثه)

ثم راح يراوغ للاستدلال على ذلك بقوله: (إن رفض التصديق بشئ لم تره بعينيك هو أمر مناف للعقل، فكر في الأمر، أنا لم أر نابليون بعيني من قبل، ولكن هل هذا يعني أن نابليون غير موجود؟)

وهذا الرد يدل على أن دوكنز والتطوريين يعتمدون لإثبات نظريه التطور، وبشكل أساسي على الأدلة التاريخية لا الأدلة العلمية التجريبية، وهم بذلك يقعون فيما يتهمون به المؤمنين بالأديان والغيبيات.

وهكذا فإن نظرية التطور سقطت في الاختبار الأول الذي وضعه مجلس البحوث الوطني [NSES]، والذي ينص على أن (أي نظرية علمية لابد أن تعتمد على الأدلة التجريبية والرصدية).. وقد فشلت نظرية التطور في أول اختبار لمصداقيتها كنظرية علمية بتخلفها عن هذا المعيار.

التطور.. والتنبؤات الدقيقة:

بعد أن انتهى من حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن ذكر لكم زميلي وصديقي تخلف نظرية التطور عن تطبيق المعيار الأول من المعايير العلمية، فسأذكر لكم أنا تخلفها عن تطبيق المعيار الثاني، وهو [التنبؤات الدقيقة]

وهذا التخلف ابتدأ من واضع النظرية نفسها، فقد اعتراف داروين بأن هناك تحديات خطيرة تقف عقبة في طريق إثبات نظريتة.

ومن الأمثلة على ذلك قوله: (لماذا لا نجد الأشكال الانتقالية مطمورة بشكل كبير في كل الطبقات الجيولوجية، لا تظهر الجيولوجيا أبدا أي شئ عن مثل تلك السلاسل العضوية المتدرجة بدقة، وهذا أخطر اعتراض يمكن أن يوجه ضد صحة نظريتي)

وقد كان داروين يطمع في أن تثبت الاكتشافات اللاحقة في السجل الاحفوري نظريتة، وبناء على ذلك فإن التنبؤ الدقيق لنظرية التطور هو اكتشاف كميات كبيرة من الأشكال الانتقالية.

لكن صار المستقبل الذي كان يحلم به داروين بحد ذاته عبئا على الداروينية وكما يقول جونثان وليز: (إن الاكتشافات العلمية الجديدة جاءت لتقضي على هذا الأمل تماماً، وربما أنكم لم تقرأوا عن هذا في الكتب الدراسية، إلا أن الحقيقة هي أن شجرة التطور الخاصة بداروين أصبحت بالفعل في وضع المنهار)

وبعد مرور 100 عام على تلك النبوءة الداروينية خرج علينا [ستيفين جاي جولد] ليقول: (إن الندرة الشديدة للأشكال الانتقالية في السجل الأحفوري لا تزال السر التجاري لعلم الأحافير)

كما اعترفت مجلة [National Geographic] مؤخرا بقولها: (مضيء ولكن متقطع، يبدو السجل الأحفوري كفيلم للتطور فقد منه 999 من اصل 1000 صورة)

وهكذا يعترف التطوريون أن 99.9 بالمائة من الدليل مفقود، ومع ذلك يحاولون دائما خداعنا بنماذج مزيفة لحلقات انتقالية ليبرروا بها نظريتهم.

وبناء على تلك المخادعات التي يمارسونها، فقد خرج علينا بعضهم، وهو [ستيفن جولد] في عام 1972م بآلية جديدة للانتخاب الطبيعي سمّاها بـ [التوازن المتقطع]، ليعطي تفسيرًا تطوريًا للحفريات الجديدة المكتشفة، فاقترح أن الكائنات الحية تمر بفترات استقرار لا تظهر فيها أنواع جديدة، تعقبها فترات تحول عنيف، مما يتسبب في ظهور أنواع جديدة مختلفة بشكل مفاجئ.

ليس ذلك فحسب، وإنما طرح جولد كذلك أن السلف المشترك المفترض في نظرية التطور ليس سلفًا واحدًا، وإنما عدة أسلاف في الحقيقة.

لكن تلك الطروحات جميعا لا تتوافق وأصل نظرية التطور.. فقد أورد داروين في كتابه [أصل الأنواع] أن الطبيعة كلٌّ مستمر، لا انقطاع فيها ولا فجوات، ولا قفزات.

وهي النظرة المتفقة مع [الباراديم]، أو التصوّر الذهني الحتمي العلمي السائد حينئذٍ، الذي آمن فيه العلماء بعمومية قوانين الطبيعة وثبوتها واطّرادها، بلا تخلف ولا مصادفة.

لكن سواء تغيّر هذا البارادايم أم بقي، إلا أن هذه الفكرة، وهي تقطّع التطوّر، رفضها داروين تحديدًا بشكل قاطع، لأن القول بأن التغيّرات ـ كما يذكر داروين ـ (تحدث بشكل متواتر ومستمر هو قول يحتوي في الحقيقة على معجزة)

وبناء على هذا يمكننا أن نتساءل عن قيمة استبعاد معجزة الخلق الإلهي إذا تم استبدالها بمعجزة التطوّر المتقطع.

ثارت بعض الضجة في القاعة، أوقفها رئيس الجلسة، ثم طلب من العالم أن يتحدث، قائلا له: نرجو أن تلتزم بالموضوع، فأنت تتحدث عن مدى تطبيق نظرية التطور للمعيار الثاني، وهو [التنبؤات الدقيقة]

قال العالم: أجل.. فهذا التحول المفاجئ من تنبؤ داروين بوجود سلسلة عضوية دقيقة التدرج إلى فرضية جولد هو بمثابة اعتراف عام بعدم قدرة التطور علي تقديم تنبؤات دقيقة، وهكذا وبقليل من المرواغة أصبح غياب الدليل أكبر دليل على صحة النظرية.

لم تكن تلك النبوءة الوحيدة التي فشلت النظرية في إثباتها، ولكن بشكل مماثل فشلت كل التكهنات الأخري مثل [الاعضاء الضامرة] إذ كان التطوريون يظنون أن تلك الاعضاء وال [دى إن إيه] هي بقايا أسلافنا التي تناقلتها عبر الحقب الجيولوجية حتى فقدت وظيفتها، وكانت تعتبر من الأدلة الدامغة على صحة نظرية التطور.

لقد عبر بعض العلماء عن فشل نبوءة نظرية التطور المرتبطة بهذا، فقال: (إن في الفشل في التعرف على آثار الـ [دى إن إيه] غير المشفر للبروتين سوف يخلد كأكبر غلطة في تاريخ الأحياء الجزيئية)

ومثل ذلك أيضا فشل نبوءات داروين في اعتباره أن الاكتشافات الحديثة ستقودنا إلى اكتشاف الأصل المشترك لكل الكائنات الحية على الأرض.. حيث أنه لم يكشف لنا السجل الأحفوري عن أي حياة قبل العصر الكامبري، وهو الحقبة الجيولوجيه التي ظهرت فيها أول أشكال الحياة على الأرض وظهرت بشكل معقد، ويبلغ عمر تلك الحقبة 600 مليون سنه تقريبا، وبذلك لم يتم إيجاد الأصل البدائي المشترك للكائنات الحية.

لقد علق [دوكنز] على ذلك الموقف الحرج قائلا: (على سبيل المثال، تعتبر طبقات الصخور الكامبرية (التي يبلغ عمرها حوالي 600 مليون سنة) أقدم الطبقات التي وجدنا فيها معظم مجموعات اللافقاريات الأساسية.. ولقد عثرنا على العديد منها في شكل متقدم من التطور في أول مرة ظهرت فيها.. ويبدو الأمر وكأنها زُرعت لتوها هناك دون أن تمر بأي تاريخ تطوري.. وغني عن القول أن مظهر عملية الزرع المفاجئ هذا قد أسعد المؤمنين بالخلق)

وبناء على هذا كله، وبالعودة إلى [NSES]، فإن العلم الحقيقي يجب أن يقدم توقعات وتنبؤات دقيقة، ولكننا نجد نظرية التطور يتم اثبات فشلها بشكل مستمر نتيجة تنبؤاتها الخاطئة.

ولذلك، فإن النتيجة التي أخرج بها هي أنه (إذا كان 100 عام من البحث الدقيق لم يؤيد أكبر تنبؤ لنظرية التطور، فإن نظرية التطور غير علمية)

التطور.. والمنطقية العلمية:

بعد أن انتهى من حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن ذكر لكم زميلي وصديقي تخلف نظرية التطور عن تطبيق المعيار الثاني من المعايير العلمية، فسأذكر لكم أنا تخلفها عن تطبيق المعيار الثالث، وهو [العقلانية المنطقية]

وحتى يتضح لكم هذا جيدا، تخيلوا معي أنكم أبصرتم إنسانا آليا يسير على قدمين، وهو يحمل بكفيه طردا ملصقا عليه عنوان دقيق.. ثم يذهب إلى ذلك العنوان بالضبط، ويسلم له الطرد.

ألستم عندما ترون هذا تسبحون بحمد من صنعه وصممه وأبدعه، وتعتبرون من جادل في ذلك، وتصور أنه مجرد آلات تجمعت بطريقة عشوائية عبر الزمن الطويل مجرد خرافة، وأنه قول لا يستند للعقلانية، ولا المنطقية؟

سكتوا جميعا، فقال: هذا هو الواقع الذي نقع فيه نحن أنصار نظرية التطور.. ففي الوقت الذي نعتبر فيه التقانة وما توصلت إليه من إنجازات عبقرية أنجزها العقل الإنساني نعتبر في نفس الوقت التجمع الحيوي الذي يتشكل منه الإنسان مجرد تشكل عشوائي انطلق من الصدفة والطفرة، وليس من مبدع حكيم مصمم.

ثارت ضجة في القاعة، فقال العالم: لا بأس.. لن أذكر الإيمان.. ولا الخالق.. وسأعود إلى ما كنت فيه.. فقد كنت أود أن أذكر لكم بأن اكتشافات علم التقانة الحيوية قد دفع بمبدأ [التجميع الذاتي] إلى اعتباره مجرد سذاجة فكرية.

سأضرب لكم مثالا يقرب لكم هذا.. أنتم تعرفون ذلك البروتين المسمى [kinesin]، والذي يعتبر نموذجا مصغر لرجل البريد، وهو يوجد بشكل كبير في كل خلية حية ليؤدي دوره المتمثل في نقل حزم البروتين مستخدما طرقا سريعة ذاتية التجميع تسمي [micro tubule]، وهو يتحرك على قدمين بشكل يشبة حركه الإنسان تماما، وبطريقة ما تعرف الخلايا أيا من الاجزاء الخلوية يجب تصنيعها، ويتم ذلك في مصانع صغيرة توجد في الخلايا تسمي [Ribosome]، ثم يتم بعد ذلك تغليفها في عضيه خلويه تسمي [Golgi apparatus]، وبطريقة ما ترسل هذه الأجهزة إشارات للبروتين الناقل [Kinesin] لكي يحمل تلك الشحنه التي تم تغليفها، وينقلها إلى مكانها المناسب.

إن هذا يشبه تماما ذلك الإنسان الآلي الذي تحدثنا عنه.. بل إنه أكثر تعقيدا منه، وهو من الصغر بحيث لا نستطيع أن نقارن بين مدى الإبداع بينهما.. فلذلك كان من العقلانية والمنطقية أن نضع أحكاما واحدة للجميع، فلا نميز بين ما نصنعه وبين ما نجده جاهزا.. فكما احتاج ما نصنعه إلى عقل مبدع، فكذلك يحتاج ما وجدناه جاهزا إلى صانع أكثر إبداعا وعلما وخبرة.

قامت ضجة أخرى في القاعة.. فقال العالم: لا بأس.. لن أتعرض في حديثي للإيمان.. أنا أدعوكم فقط إلى تطبيق شفرة أوكام([15]) على الدعاوى المرتبطة بنظرية التطور، مثلما تطبقونها على كل الدعاوى..

ألستم تعتبرونها أحد أهم المبادئ المنطقيّة التي تشمل تطبيقاتها طيفا واسعا من المجالات المتباينة من علم المنطق، ونظرية المعرفة، والاقتصاد، وحتى الفلك والفيزياء وربما الرّياضيات؟

ألستم جميعا تطبقونها، وبتلقائية، ومن حيث لا تشعرون في كل المجالات.. ففي الاقتصاد تعتبرون هذه الشيفرة من أهم المبادئ الاقتصادية.. وفي الرياضيات تفضلون أقل البراهين تعقيدا عند تساوي تلك البراهين بالنتيجة ودرجة عموميتها.. وفي الفيزياء والفلك تفضلون أقل التفاسير تعقيدا لظاهرة طبيعية ما عند وجود عدة تفاسير محتملة.. وبفضل هذا المبدأ استطعتم التفريق بين الفيزياء والميتافيزياء.. وبين الكيمياء والخيمياء([16]).

فهلموا طبقوا هذه الشيفرة على نظرية التطور.. ولتكن لكم مكاييل واحدة، فلا يصح للعالم أن تكون له مكاييل مزدوجة.

شرب قليلا من الماء، ثم قال: ما أذكره لكم ليس كلامي فقط.. بل هو كلام جماهير كبيرة من العلماء الذين نحاول التستر على تصريحاتهم..

منهم [جوناثان ويلز] عالم الأحياء الأمريكي الذي سافر على متن سفينة، وظل يراقب مناقير البط، مثله مثل السيد داروين تماما.. وقد تحدث في كتابه الذي سجل فيه ملاحظاته عما ذكرته لكم، فقال: (من النادر للغاية أن يتم إطلاع المجتمع كله بما يقوم به العلماء المتخصصون من تفسيرات علمية تتعلق بالإبهام والغموض العميقين بخصوص أصل الإنسان، وبديلا عن ذلك نتلقى مجرد خبر عن آخر نظرية لهذا الشخص أو ذاك، ولا ينقلون لنا الحقيقة التي لم يستطيعوا هم أيضا فهمها بخصوص هذا الموضوع، فيتم الترويج للنظرية وتزيبها بشكل دقيق وبالاستعانة ببعض الرسوم والصور المتخيلة لإنسان الكهف أو لجد الإنسان بوضع كثير من الماكياج عليها، والواضح أن أحدا من قبل لم ينسج خيالا واسعا إلى هذا الحد بخصوص جزئية بسيطة إلى هذا القدر في أى فرع من فروع العلم المختلفة)

إن [جوناثان ويلز] عالم الأحياء المتخصص ينص بكل صراحة على أن الداروينية لا تعدوا أن تكون خيـالا علميا، لا حظ له من العقلانية، ولا المنطقية.

وقبله صرح العالم [ريتشاد ليكي] وهو أحد علماء [الباليوأنثروبولوجيا]، وهو العلم الذي يبحث في أصول الإنسان القديم، فقد قال: (لو أنكم جئتم برجل علم ذكي ماهر من فرع مختلف من فروع العلم، وأطلعتموه على ما لدينا من دلائل غير كافية فإنه سيقول لكم وبكل تأكيد: انسوا هذا الموضوع، فليس لديكم دعامة أو سند كاف للاستمرار فيه.. فالدلائل لدينـا غير كافية إطلاقا)

وقال: (لقد أصبحت الفكرة التي تقول بأن تاريخ تطور الكائنات الحياة عبارة عن مسألة أو قضية استكشافية مجرد خرافة.. فلو كان بهذا الشكل ووجدنا حفريات كثيرة لكائنات شبيهة بالإنسان لكان من الضروري أن تتحول حكاية التطور إلى شكل أكثر وضوحا غير أن الحقيقة هي أنه عندما كان يحدث شيء كان يحدث شيء آخر على النقيض تماما من الأول)

وهكذا صرح [هنري جي] المحرر العلمي في مجلة الطبيعة بقوله: (إن عملية أخذ مجموعة من الحفريات والقول بأنها تعكس وجود سلسلة قرابة هي في الواقع ليست فرضية علمية يمكن إخضاعها للاختبار، وكل ما في الأمر أنها مجرد حكاية أو حدوته من أحاجي منتصف الليل المسلية التي قد تكون موجهة أو مرشدة للإنسان في كثير من الأحيان إلا أنها ومع ذلك لا تستند لأي أساس علمي)

وهكذا صرح [ميلفورد ولبوف] و[آلان ثورن]، فقد ذكرا أن (الإنسان منتصب القامة ليس إلا تصنيفا خياليا لا وجود له، وأن الحفريات التي أدمجت في هذا التصنيف هي عبارة عن الإنسان العاقل من أعراق مختلفة)

بل إن الكثير من العلماء الآن في بلادنا ينادون قائلين: (نحن في حاجة ماسة وعاجلة إلى عدم الدفع بالعلم إلى دائرة الخرافة.. فما الذي يستفيده العلم من معرفة درجات القرابة بين الحيوانات المختلفة.. إن العلماء كفوا عن أن يكونوا علماء أنساب!!)

لقد عبر [جريج كيربي] عن الإفلاس الذي وقع فيه التطوريون قائلا: (لو أنكم قضيتم حياتكم كلها في جمع العظام والقطع الصغيرة من الجمجمة والذقن، فإنكم ستشعرون برغبة ملحة في أن تبالغوا في أهمية هذا القطع الصغيرة التي قمتم بجمعها)

سكت قليلا، ثم قال: إن كل الدلائل العلمية الآن تقف ضد نظرية التطور.. وبفضل هذه الدلائل والقرائن تعرضت نظرية التطور للسقوط في الكثير من المناطق التي كانت تتبناها..

ففي الولايات المتحدة الأمريكية اعتبارا من النصف الثانى من التسعينات، اتخذت عدد من الولايات القرار بضرورة تدريس القرائن التي تشير إلى عدم صلوحية تدريس نظرية التطور في مدارسها.. وجميع أعضاء هذه الحركة من رجال العلم الذين لهم رصيد مهني في أكبر جامعات الولايات المتحدة الأمريكية.

حتى إن البروفيسور كينيون، وقد كان واحدا من أشهر المدافعين عن نظرية التطور بأطروحته التي قدمها في السبعينات فيما يتعلق بأصل الحياة والتطور الكيميائي، تحول هو أيضا إلى واحد من ممثلي الحركة المضادة لنظرية التطور، وتحدث عن أن أصل الحياة لا يمكن أن يفسر بالتطور وإنما بالخلق.

التطور.. والانفتاح للنقد:

بعد أن انتهى من حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن ذكر لكم زميلي وصديقي تخلف نظرية التطور عن تطبيق المعيار الثالث من المعايير العلمية، فسأذكر لكم أنا تخلفها عن تطبيق المعيار الرابع، وهو [الانفتاح للنقد]

ثم رفع كتابا بيده، وقال: هذا الكتاب واحد من عشرات أو مئات النماذج التي تدل على الانغلاق الفكري الذي يعانيه الدراينيون.

لاشك أنكم تعرفونه إنه كتاب [التطور: نظرية في أزمة] الذي أصدره [مايكل دنتون] عام 1985، والذي أثار الكثير من الجدل، بل من العنف والمواجهة من طرف التطوريين، لسبب بسيط، وهو أنه أقر فيه بالحقيقة، وصرح فيه بما جبن غيره أن يصرح به، لقد ذكر فيه أن نظرية التطور بالاصطفاء الطبيعي نظرية في أزمة علمية حقيقية.

ولهذا وُصف من قبل العديد من البيولوجيين بأنه نقض لأركان نظرية التطور وهدمها بأسس علمية.. وبسبب هذا تعرض الكتاب ومؤلفه إلى حملة كبيرة من التشويهات، لا لكونه غير علمي، ولا غير منسجم مع المنطق.. ولكن لكونه ناقض الخط العام المرسوم مسبقا، والقائل بقبول نظرية التطور حتى وإن كانت تناقض في كثير من نقاطها الحقائق العلمية الواضحة.

سكت قليلا، ثم قال: إن هؤلاء المنغلقين من التطوريين يستخدمون نفس الأسلوب الذي حصل في الاتحاد السوفييتي إبان عهد ستالين.. ففي تلك الفترة، اعتبرت الشيوعية، الأيديولوجية الرسمية للاتحاد السوفييتي فلسفة (المادية الجدلية) هي الأساس لكل العلوم.. ولذلك أمر ستالين بأن تتمشى كل البحوث العلمية مع المادية الجدلية.

ومع ذلك، تم رفع هذا الالتزام عند انهيار الاتحاد السوفييتي، وعادت الكتب إلى كونها نصوصا علمية فنية عادية تحتوي على نفس المعلومات.. بل إن التخلي عن سخافات مثل المادية الجدلية لم يتسبب في تخلف العلم، بل أزال عن كاهله الضغوط والالتزامات المفروضة عليه.

وهكذا نرى في الوقت الحاضر أنه لا يوجد سبب يدعو إلى ربط العلم بنظرية التطور، فالعلم يقوم على الملاحظة والتجريب، بينما تعبر نظرية التطور، من ناحية أخرى، عن فرضية متصلة بماض لا يمكن إخضاعه للملاحظة.

سكت قليلا، ثم قال: اسمعوني أيها العلماء لأقول لكم بكل صراحة: إن ما يقع فيه دعاة نظرية التطور من انغلاق وتشدد لا يختف عن ذلك العصر الذي كان هناك فيه إجماع علي سطحية الأرض.. وقد اتهم حينها بالزندقه والتكفير كل من خالفهم، واتبع الدليل.. وهذا هو واقعنا الحالي مع أصحاب نظرية التطور، والمؤسسات العالمية الكبرى التي تدعمها.

ولهذا نراهم يتركون الاحتجاج العلمي المبني على الأسس المنطقية التجريبية، ويلجؤون إلى أساليب لا علاقة لها بالعلم من أمثال ادعائهم أن النظرية مقبولة بشكل واسع في المجتمع العلمي.

وكأن صحة أي نظرية تعتمد على الأغلبية المفترضة لأتباعها، لا على ما يدل عليها من أدلة.. ولهذا يمارسون نوعا من الضغط النفسي والدعاية الخالية من اللغة العلمية.

لقد أقر الدكتور [أدرا دينكل]، وهو برفيسور في الفلسفة، ومساند لنظرية التطور، بالطبيعة الخاطئة لهذا الأسلوب، فقال: (هل الحقيقة التي يؤمن بها العديد من الأناس البارزين أو المنظمات أو الهيئات يثبت صحة نظرية التطور؟.. هل يمكن اثبات النظرية بقرار المحكمة؟.. هل الحقيقة التي يؤمن بها الشخصيات أصحاب السلطة يجعلها صحيحة؟)

ثم راح يجيب على هذه التساؤلات بقوله: (أريد أن أسترجع حقيقة تاريخية.. ألم يقف جاليلو ضد الشخصيات الهامة والمحامين، وخصوصًا العلماء في ذاك الوقت، وتكلم عن الحقيقة لوحده، وبدون أي دعم من أي شخص؟.. ألم تكشف محاكم الإستقصاء حالات أخرى مشابهة؟)

وفي الأخير ختم كلمته بقوله مخاطبا أولئك التطوريين المنغلقين: (إن كسب دعم الدوائر البارزة والمؤثرة في صنع القرار لا يصنع الحقيقة، وليس له علاقة بالحقيقة العلمية)

سكت قليلا، ثم قال: وأحب أن أضيف إلى ما ذكره الدكتور [أدرا دينكل] أننا إذا تأملنا الواقع العلمي جيدا، وبنظرة حيادية، فإننا نجد نظرية التطور غير مقبولة من المجمتع العلمي كله، كما يشيع أنصار نظرية التطور.. بل إنه خلال العشرين سنة ماضية، نرى أعدادا محترمة من العلماء ترفض الداروينية بشكل متصاعد.

لقد ترك معظمهم عقيدتهم الدوغماتية في الداروينية بعد رؤية تصميم لا عيب فيه في الكون وفي الكائنات الحية.

والأهم من ذلك كله أن الذين تخلوا عن النظرية هم أعضاء من جامعات مشهورة، ومن جميع أنحاء العالم، خاصة في الولايات المتحدة، فهم خبراء وأكاديميون في مناصب علمية مثل البيولوجيا والبيوكيماء والميكروبيولوجي وعلم التشريح وعلم الدراسات القديمة وغيرها من الحقول العلمية.. فلذلك، فإنه الخطأ الكبير القول بأن الأغلبية من المجتمع العلمي تؤمن بالداروينية.

سكت قليلا، ثم قال: لا بأس.. حتى لو فرضنا أن هناك إجماعا على قبول هذه النظرية، فهل الاحتكام إلى الإجماع من الناحية العلمية احتكام صحيح؟.. وهل الإجماع العلمي معصوم من الخطأ؟

إن التاريخ أكبر شاهد على أن الإجماع العلمي أخطأ في مواقف كثيرة.. فأنتم تعرفون ما حدث لجاليلو عندما خالف نموذج أرسطو العلمي للكون، والمجمع عليه من العلماء في ذاك الوقت.. وكانت الكنيسة تساند هذا النموذج.

نفس الحالة تنطبق على نظرية التطور، فهي النموذج الحالي المستخدم في الأحياء والمجمع عليه في وقتنا هذا، والذي يسانده اللوبي الإلحادي.. فالإحصائيات وجدت أن 93بالمائة من العلماء الأعضاء في (أكاديمية الولايات المحدة الوطنية للعلم) هم ملاحدة.. وهذه النتائج تشير أن تغير النموذج المستقبلي لنظرية التطور سيكون بطيئًا بالنسبة للنظريات المنافسة بعد معرفة عقيدة الكثير من العلماء.

ليست قضية جاليلو وحدها الحالة الفريدة المتضررة من الإجماع العلمي.. ففي عام 1847، اكتشفَ [إجناز سيميلويز] أن تطهيرِ الأيدي خفّضَ حادثة الحُمَّى الولادية بشكل كبير في عيادات الولادة.. والتي كانت السبب الوحيد والأكثر شيوعاً في وفيات الأمهات في القرونِ الثامنة عَشرة والتاسعة عشرة..

لكن الإجماع العلمي لَم يَقبل حينها دليل [سيميلويز] التجريبي.. ورفض نتائجَه التي وصل إليها.. بل نظر إليها باحتقارِ، بحجة أنه لَمْ يوافق الرأي المؤَسَّس في تلك الفترة.. وقد قيل عنه حينها: إنه لا قاعدةَ علميةَ لادّعاءاتِه.. وقيل إنه لم يأت بشيء جديد.

وهذا ما حصل أيضا عام 1843، حين نَشرَ [أوليفير ويندل هولمز] مقالةً عن قابلية عدوى الحُمَّى الولاديةِ لكن وجهاتَ نظره هوجمتْ من المؤسسة العلمية بحجة مخالفتها للإجماع.

بل إنه وفي عام 1795 نَشرَ الدّكتور [ألكساندر جوردن] ورقة عن الطبيعةِ المعديةِ للحُمَّى الولاديةِ وأهميةِ سلوكيات النظافةِ الصحيحة لكي تمنع من انتشار المرض.. لكن ورقته قوبلت أيضا بالمعارضة القوية.

تصوروا لو أن ما يطلق عليه [الإجماع العلمي] تواضع، وسمع لتلك الأبحاث وناقشها، وجربها، واستفاد منها.. كم يا ترى من أرواح ستنقذ؟

ولكم أيضا أن تتساءلوا كم من الأرواح تسبب فيها ذلك الإجماع العلمي الذي يرفع الآن شعارا لتمرير هذه النظرية؟

لقد عبر عن هذا المعنى [مايكل كريتشتون] حين ذكر أن الإجماع يمكن استخدامه في مجالات الدين أو السياسة، ولكن لا مكان له في العلم، ذلك أنه يعتمد فقط على الأدلة المكتشفة من التجارب العلمية، ولا يعتمد على أعداد العلماء..

لقد عبر عن ذلك بقوله: (دعنا نكن واضحين: الأسلوب العلمي ليس له أي علاقة بالإجماع، الإجماع هو عمل السياسة.. العلم في الوجه المقابل، يحتاج إلى محققين يصادف أنهم على صواب، وهذا يعني أن لديه معلومات قابلة للإثبات بالمراجع في العالم الواقعي.. أما الإجماع العلمي فليس له علاقة، فالذي له علاقة هي النتائج القابلة للإنتاج.. أعظم العلماء في التاريخ كانوا عظماء بالفعل لأنهم كسروا الإجماع.. لا يوجد شيء اسمه إجماع علمي.. إذا كان هناك إجماع فهو ليس علما.. وإذا كان هناك علم فهو ليس إجماعا.. نقطة على السطر)

وعبر عن ذلك في موقف آخر بقوله: (الإجماع يستخدم عندما لا يكون العلم صلبًا بما فيه الكفاية.. لا أحد يقول إن إجماع العلماء يتفق على أنّ بعد الشمس عنا هو 93 مليون ميل.. لم يحدث أبدًا أن تكلم أحد بهذه الطريقة)

وقال: (أريد أن أتوقف هنا لمهلة وأتكلم عن فكرة الإجماع، والفكرة التي انتشرت بكثرة وهي الإجماع العلمي.. أنا اعتبر الإجماع العلمي تطورا خبيثا يجب إيقافه بدون رحمة.. فتاريخيًا، ادعاء الإجماع كان مأوى الأوغاد.. إنها طريقة لتجنب المناظرة بإدعاء أن القضية صارت محلولة.. كلما سمعت عن إجماع العلماء في الموافقة على شيء ما أو آخر، فابحث عن محفظتك، لأنه يتم شراؤك..أو تفقد مخك، لأنه يتم غسيله)

سكت قليلا، ثم قال: لقد عبر جاليلو عن موقفه من قضية الإجماع العلمي، فقال: (في الأسئلة العلمية، سلطة الآلاف لا تستحق التفكير المتواضع لشخص واحد)، هذا هو القانون الصحيح الذي يحتكم إليه في العلم، لا تفكير القطيع الذي يتصور أنه كلما كبر العدد كانت الحقيقة.

وما ذكره جاليليو هو نفسه ما أشار إليه الفيزيائي [جيوفاني أميليون] حين تحدث عن المساءلات التي تعرضت لها نظرية النسبية لآينشتاين، وهي أعز نظرية على قلوب الفيزيائيين على حد وصفه.. وذلك حين اكتشفت جسيمات النيوترينو والتي كان يظن أنها تجري بسرعة تفوق سرعة الضوء.. ولكن رغم أنه تم إثبات خطأ ذلك، حيث أنه تبين أن التنيوترينو لا يجري بسرعة أكبر من سرعة الضوء، إلا أنه مجرد تعريض النظرية النسبية للمساءلة رغم أهميتها ومدى تمسك الفيزيائيين جميعا بها يحد أمرا صحيا وإيجابيا بحد ذاته..

لقد عبر عن ذلك بقوله: (فمن يدري؟ لعل الاكتشاف العظيم القادم يكون على بعد خطوة صغيرة منا ونحن لا ندري.. فربما تبين خطأ النظرية النسبية وظهور نظرية أهم منها وأدق!)

ثم راح الكاتب يتندر على الحال مع نظرية التطور، ويذكر أنه (على عكس ما يحصل عند الفيزيائيين من استعداد تام لتعريض أهم نظرياتهم للمساءلة، فإن التطوريين لا يبدون أي استعداد لفعل الشيء نفسه مع نظريتهم. بل على العكس، فإنك ستجد دوما مقالات وكتابات تصر وتلح بعناد ومكابرة على أن نظرية التطور هي حقيقة تامة ولا تشوبها شائبة!)

التطور.. والمعلومات الدقيقة:

بعد أن انتهى من حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن ذكر لكم زميلي وصديقي تخلف نظرية التطور عن تطبيق المعيار الرابع من المعايير العلمية، فسأذكر لكم أنا تخلفها عن تطبيق المعيار الخامس، وهو [المعلومات الدقيقة]، فلا يمكن أن نثق في نظرية تتلاعب بالمعلومات، أو تزورها، أو تفسرها على خلافا ما تدل عليه النتائج العلمية المنطقية..

ويكفي لأي نظرية تفعل هذا أو بعضه أن تتهم في مصداقيتها وموضوعيتها وصفتها العلمية.. بل يمكن أن تطرح أصلا مثلما يطرح ذلك الكاتب الذي اكتشفت لصوصيته العلمية، أو راح يزور الحقائق، أو راح ينسبها لنفسه.

لن يصعب علي أن أجد أمثلة على ذلك.. لكني لن أذكرها لكم جميعا، فوقتكم أنفس من أن أضيعه في أمثال هذه التفاصيل.

ولهذا سأكتفي بأن أريكم بعض الصور التي تلاعب بها أصحاب هذه النظرية، وخدعوا بها جماهير عريضة، لفترة طويلة من الزمن، بل إن بعضها قررها في مدارسه وجامعاته، باعتبارها حقائق نهائية مع أنها لم تكن سوى أكاذيب وخدع.

أخرج لهم صورة لقرد شبيه بالإنسان، أو إنسان شبيه بقرد، ثم قال: لاشك أن هذه الصورة مرت بكم كثيرا، ولاشك أنكم رأيتموها في يوم من الأيام في تلك السلسلة التي وضعها الدارينيون للرحلة التي تحول فيها القردة إلى بشر.

إنها ما يسمونه [إنسان بلتداون].. أو ما يطلق عليها الآن بـ [خدعة بلتداون]([17])، ففي عام 1912، ادعى فريق بحثي بقيادة عالم حفريات بريطاني هاوٍ يُدعى [تشارلز داوسون] اكتشاف حفرية.. وقد كان الأمر حينها عجيبا ومثيرا.. ذلك أن عظام فك تلك الحفرية التي تم عرضها تشبه عظام فك القرد، بينما الجمجمة كانت تمتلك صفات جمجمة الإنسان.

وقد اهتمت الهيئات الكثيرة بذلك الاكتشاف الخادع، وتم إطلاق اسم [إنسان بلتداون] على تلك الحفرية، والتي عُرضت في أهم متاحف العالم لأكثر من 40 عامًا متتالية على أنها دليل قاطع على صحة نظرية التطور.

وكان صداها هائلًا على المستوى الأكاديمي، حتى أن ما يقرب من 500 أطروحة للدكتوراه تمت كتابتها عن هذا الأمر لمدة 40 عامًا، بل كانت توصف بكونها رمزًا لانتصار نظرية التطور المزعومة، وُضعت للعرض والمشاهدة في المتحف البريطاني، والذي يعتبر واحدًا من أشهر المؤسسات في العالم.

وقد تم فحصها ودراستها في تلك الفترة الطويلة من قبل أشهر العلماء من جميع أنحاء العالم، بل حتى من قبل أعداد لا تُحصى من الزائرين.

وفي الأخير، وبعد كل ذلك الانتصار الكاذب الذي لبس لباس العلم اكتشف أن الأمر كله لا يعدو أن يكون مجرد خدعة.

ففي عام 1949، استطاع [كينيث أوكلي] من قسم الحفريات في المتحف البريطاني أن يطور طريقة جديدة لتحديد أعمار الحفريات.. وبدأ باستخدام هذه التقنية التي أُطلق عليها اختبار الفلوريد على الحفريات الموجودة داخل المتحف.

وما إن راح يطبقها على جمجمة [إنسان بلتداون] حتى ذهل للمفاجأة، فقد اكتشف أن عظام الفك خالية من مادة الفلوريد، بينما احتوت الجمجمة على نسبة صغيرة منه.. وهذا يعني أن عظام الفك لا يتجاوز عمرها بضع سنوات، والجمجمة لا يتجاوز عمرها بضع المئات من السنين على أقصى تقدير.

ومع تكثيف التحقيقات، اكتشف أن تلك الحفرية التي تم تصويرها على أنها أفضل دليل تم التوصل إليه لإثبات نظرية التطور كانت في الحقيقة محض كذب.. فعظام الفك تنتمي إلى إنسان الغاب المتوفى حديثًا.. والجمجمة تنتمي إلى إنسان متوفٍّ منذ فترة قاربت 500 عام..

ومن خلال الفحص عن قرب عرف أن الأسنان تم إرفاقها بعظام الفك في وقتٍ لاحق، وتم استخدام أداة صلبة لكشطها.. ثم تم غمرها في سائل ثنائي كرومات البوتاسيوم، وذلك لإعطائها مظهرًا قديمًا.

وقد أثبتت التحاليل المفصلة التي أجراها [جوزيف وينر] بما لا يدع مجالًا للشك أن هذه الحفرية كانت مجرد خدعة.

وكان البروفيسور [لو جروس كلارك] أستاذ التشريح بجامعة أوكسفورد واحدًا من هؤلاء العلماء الذين كشفوا هذا الغش والاحتيال.. وفي نهاية التحقيقات التي قام بها، قال: (بالفعل فإنه يبدو جليًا افتعال هذه الخدوش، ويبدو أنه من الجيد طرح السؤال الأهم، وهو: كيف أن هذه الخدوش لم يتم ملاحظتها من قبل؟.. إنهم لم يبحثوا عن هذا الأمر من قبل.. لم يقم أي شخص في السابق ممن فحصوا عظام فك بلتداون بوضع فكرة وجود تزييف محتمل نُصب عينيه، إنه تلفيق متعمد)

أما [كلارك هاول] أستاذ الأنثروبولوجيا، فقد قال معلقا على هذه الخدعة الخطيرة: (اكتُشفت بلتداون عام 1953 ولم تكن سوى عظام فك لقرد تم إدخالها على جمجمة إنسان، فهي خدعة قد تم وضعها عن عمد، فهم لم يقروا بشكل واضح عما إذا كان هذا الفك ينتمي لقرد أو إذا كانت الجمجمة تنتمي لإنسان، وبدلًا من ذلك فقد أعلنوا أن كل جزء من الجزئين السابقين هو شيء في المنتصف ما بين القرد والإنسان.. وقد أرجعوا تاريخه لحوالي 500 ألف عام مضت، وأطلقوا عليه اسم [الإنسان الفجرى الدوسوني أو إنسان داون]، وكُتب ما يقرب من 500 كتاب عن هذا الأمر خدع هذا الاكتشاف علماء الحفريات لمدة 45 عامًا)

سكت قليلا، ثم قال: هذا مجرد مثال.. والأمثلة كثيرة جدا.. بل إننا في كل يوم نسمع كذبة جديدة وخدعة جديدة، ويصدقها الكثير، لا لكونها علمية، ولكن لكونها تصب في ذلك التفكير الرغبوي المزاجي الذي جعلنا ننتصر لهذه النظرية بالصدق أو بالكذب.

سأضرب لكم مثالا آخر.. إنه عن خدعة أخرى اسمها [إنسان نبراسكا].. وتبدأ قصة هذه الخدعة عام 1922، وهو الوقت الذي كانت الجهود المكثفة تبذل فيه بهدف الوصول لبرهان على نظرية التطور.

حينها كان الجميع مهووسون بالوصل إلى ذلك الإثبات.. أو بالوصول إلى الحلقة المفقودة التي تصل الإنسان بالقرد أو بغيره من الحيوانات..

حينها أعلن [هنري فيرفيلد أوزبورن] رئيس قسم الحفريات بالمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي عن اكتشافه حفرية لضرس يعود تاريخه إلى الحقبة البليوسينية بالقرب من وادي الأفاعي غرب نبراسكا.

وقد حدث توافق بشكل تام بناءً على ضرس واحد فقط بأنه ينتمي إلى ما يسمى بالرجل القرد.. ثم دارت العديد من النقاشات العلمية العميقة حول هذا الدليل المزعوم، والذي لم يكن في الحقيقة أكثر من مجرد خيال.

لقد أُطلق على هذه الحفرية ـ والتي سببت جدلًا واسعًا ـ اسم [إنسان نبراسكا].. بل سرعان ما تم إعطاء اسم علمي عليها، وهو [هسبيروبايثيكوس هارولدكوكي].. وسرعان ما لقي مكتشفها الكثير من الدعم والاهتمام.

انظروا أيها السادة الفضلاء.. لقد تم إجراء العديد من الرسومات لإعادة بناء جمجمة وجسد إنسان نبراسكا اعتمادًا على ضرس واحد فقط.. بل ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث نُشرت العديد من الرسومات الإيضاحية لإنسان نبراسكا مع أولاده وزوجته في بيئتهم الطبيعية التخيلية.

بل بدأ التطوريون مرة أخرى بحشد جميع الوسائل المتاحة لهم من أجل هذا السيناريو الوهمي..

ومع أن بعض العقلاء في ذلك الحين أقر بأن الأدلة المتعلقة بخصوص [إنسان نبراسكا] غير ملائمة تمامًا، وأن الدليل المتاح لا يبرهن على أي شيء، وأن على هؤلاء الانتظار مزيدًا من الوقت.. إلا أن التطوريين، ولحرصهم على نظريتهم، وخوفهم من فقدان هذا الدليل الكاذب راحوا يشنون حملة مضادة تضمنت الدعاية التطورية المعتادة ضد من يخالفهم، باعتبارهم غير علماء ولا متخصصين ولا متطورين عقليا.

لكن بعد كل ذلك بفترة من الخداع والوهم اكتشف أن هذا الضرس لا ينتمي لا للبشر ولا للقردة، وإنما لفصيلة منقرضة من الخنازير البرية.

امتلأت القاعة بضحك كثير، قطعه العالم بقوله: هناك مثال ثالث سأورده لكم، وأختم به، وسأحاول أن أختصر الحديث عنه مراعاة للوقت المتاح لي..

إنه لا يتعلق بالإنسان، ولا بالقردة، وإنما بطائر مكذوب موهوم حاول التطوريون أن يحولوه إلى كائن حقيقي، مثلما حاولت الأساطير القديمة أن تحول من التنين أو عروس البحر كائنات موجودة مع أنها كائنات لا توجد إلا في خيال أصحابها.

والأساس الذي جعلهم يفكرون بهذه الطريقة هو بحثهم عن سلف للطيور الحديثة، وبناء على ذلك فقط، لا على المعطيات العلمية ذكروا أن هذا الطائر الموهوم [الأركيوبتريكس] هو السلف المزعوم للطيور الحديثة، وأنه وجد قبل 150 مليون سنة تقريبا.

وهم يزعمون من غير أي معطيات علمية أن بعض الديناصورات الصغيرة مثل الفيلوسيرابتور أو الدروماصور هي التي تطورت من خلال تحور أيديها إلى أجنحة ثم بدأت في الطيران.

وعلى هذا افترضوا أن الأركيوبتركس شكل انتقالي تفرع عن أسلافه الديناصورات، وأنه يحمل صفات خليطة بين الزواحف والطيور.

وبناء على هذا راحوا يبحثون في الحفريات إلى أن وجدوا بعض العظام التي تصوروا أنها عظام لذلك الطائر، وهي متراوحة بين بين عظمة أو اثنين أو مجموعة، ولم يكن من ضمنها عظمة القص، وهي عظمة أسفل صدر الطيور وتثبت فيها العضلات المرنة للجناحين، وعلى هذا افترضوا أنه لا يملك عظمة قص مثل الطيور رغم أن لديه جناحين.

وقد استنتجوا من هذا أن هذا الطائر هو الحلقة المفقودة بين الديناصورات والطيور، وأنه أصل الطيور، وأن منشأه كل قبل 150 مليون عام.

ثم راحوا يسجلون كل هذه المعلومات المبنية على الأوهام المجردة في الكثير من الكتب المدرسية والجامعية، ويعتبرونه من الحقائق المطلقة.. بل من الأدلة التي تدعم نظرية التطور.

لكن.. وبالضبط في 23 يونيو عام 2000 م نشرت صحيفة (النيويورك تايمز) خبرا علميا صادما بعنوان [اكتشاف حفرية تهدد نظرية تطور الطيور]، ثم تم نشر الخبر في مجلات علمية شهيرة..

والمفاجأة الكبرى التي وردت فيه، والتي تقوض نظرية التطور من أساسها هي أن الحفرية الجديدة المكتشفة للأركيوبتريكس من الشرق الأوسط كان عمرها يعود إلى 220 مليون سنة..وليس 150 مليون سنة.. والمفاجأة الأكبر هي أن هذا الطائر كان مغطى بالريش مثل الطيور تماما.. وكان لديه عظمة قص مثل الطيور تماما.. وكذلك لديه عِراق ريش مجوف.

وكل ذلك يدحض المزاعم التطورية السابقة جملة وتفصيلا.. ويكفي من تلك المفاجآت أن يكون زمن وجوده كطير يسبق ما زعمه التطوريون بـ 75 مليون سنة كاملة.

لكن المفاجأة الأكبر من ذلك كله، ورغم الخبر القاصم عن حفرية الشرق الأوسط التي حسمت الخلاف، لكن التطوريين لم يسلموا بالحقيقة العلمية، بل راحوا يجادلون فيها ويشاغبون.

ومن أمثلة ذلك الشغب ما ورد في مجلة نيتشر التطورية الشهيرة.. والتي نقلت التشكيك من الطيران نفسه إلى التشكيك في الطيران لمسافات بعيدة كنوع من الخداع والحيلة.

فقد ورد فيها هذا النص: (تحتفظ العينة السابعة المكتشفة حديثا من الأركيوبتركس بجزء من قص مستطيل لطالما دار شك حول وجوده، ولكنه لم يوثَق قط من قبل، ويشهد ذلك على قوة عضلات الطيران في هذا الطائر، ولكن قدرته على الطيران لمسافات طويلة ما زالت موضع تساؤل)

هل رأيتم كيف أن التطور ليس حقائق علمية، وإنما هو توجهات عقدية أيديولوجية يتم ترقيعها والالتفاف على أسباب انهيارها بشتى الصور، فبعدما طعنوا في طيران الأركيوبتريكس بالمرة صاروا يطعنون في كونه لا يستطيع الطيران لمسافات بعيدة رغم اعترافهم بقوة عضلاته للطيران لوجود عظمة القص، ورغم اعترافهم أيضا بالتكوين غير المتماثل لريش الأركيوبتركس، والذي لا يمكن تمييزه عن نظيره في الطيور الحديثة الموجودة اليوم، وهو ما يشير إلى أن ذلك الطير كان بمقدوره الطيران على أكمل وجه مثل أي طائر، أو كما قال عالم الحفريات البارز كارل أو. دانبر: (لا ريب في أن يُصنف الأركيوبتركس تحت فئة الطيور بسبب ريشه)

بالإضافة إلى هذا اكتشف أن الأركيوبتريكس كان من ذوات الدم الحار، وقد عرفوا ذلك من خلال ريشه الذي يحافظ على دفء الجسم، وذلك بعكس الزواحف والديناصورات ذوات الدم البارد.. وهذا ما يدعونا إلى التساؤل عن إمكانية حمل كائنات وسيطة بين الزواحف والطيور خصائص انتقالية بين ذوات الدم البارد وذوات الدم الحار.

قد يذكر البعض أنه وجدت مخالب في طرف الجناحين، ووجدت أسنان لهذا الطائر.. وجواب هذا بسيط جدا.

فأما بالنسبة للمخالب، فهناك أنواع من الطيور الحية اليوم تملك مخالب في أطراف جناحيها، مثل طائر الطَّوْرَق والهوآتزن واللذين لهما مخالب تمكنهما من التمسك بالأغصان، وهما طيور باعتراف الجميع.

وأما بالنسبة للأسنان، فإن أسنان الأركيوبتريكس أو الطيور المنقرضة لا تطابق أسنان الزواحف ولا الديناصورات.. ثم إن وجود الأسنان ليس سمة خاصة بالزواحف فقط، فنحن نعرف اليوم زواحف ليس لديها أسنان.. فهل بذلك تم استبعادها من تصنيف الزواحف؟

فالسلحفاة (وهي من الزواحف) ليس لها أسنان ولكن لها فم شبه منقاري قوي قد تصل قوة ضغطه إلى 80 كيلو جرام يطحن به الطعام.. فهل نستثني السلحفاة من الزواحف لأنها بلا أسنان؟.. أم تراهم يجعلونها من الطيور لأنه لها شبه منقار؟

بناء على هذا كله، فإن الحقائق العلمية تشير بكل تأكيد إلى أنه لا الأركيوبتركس ولا الأنواع الأخرى من الطيور القديمة المشابهة له كانوا أشكالا انتقالية.. بل لا تشير الحفريات إلى أن أنواع الطيور المختلفة تطورت من بعضها البعض.

بل على العكس من ذلك تماما، يثبت سجل الحفريات أن طيور اليوم الحديثة وبعض الطيور القديمة مثل الأركيوبتركس عاشت في الواقع مع بعضها البعض في نفس الوقت.

صحيح أن بعض أنواع هذه الطيور، مثل الأركيوبتركس والكونفيوشسورنيس قد انقرض، لكن الحقيقة المتمثلة في أن بعض الأنواع التي كانت موجودة فيما مضى قد تمكنت من البقاء حتى يومنا هذا لا تدعم في حد ذاتها نظرية التطور.

التطور.. وعدم التحيز:

بعد أن انتهى من حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن ذكر لكم زميلي وصديقي تخلف نظرية التطور عن تطبيق المعيار الخامس من المعايير العلمية، فسأذكر لكم أنا تخلفها عن تطبيق المعيار السادس، وهو [عدم التحيز]، فلا يمكن أن نثق في نظرية تتحيز لوجهة نظرها تحيزا مطلقا، يجعلها تلغي غيرها من غير أي أدلة علمية.

ولا نحتاج إلى الأدلة المثبتة لهذا، فهو واضح في سلوكهم ومواقفهم من مخالفيهم من أنصار نظرية الخلق، والذين يعتبرونهم علماء مزيفين نتيجة انحيازهم لأفكارهم الدينية، إلا أننا نستطيع أن تستنتج أن التطوريين علماء مزيفون بطريقة مماثلة.

ذلك أنه على التطوري حتى يكون محايدا، ولايتبني أي أفكار مسبقة في تناوله لأي قضية، يحتاج عند مناقشته لأصل الحياة أن يتقبل وجهه النظر التي تذكر أن الحياة يمكن أن تكون قد نشأت بآليات طبيعية تماما.. وفي نفس الوقت يتقبل الرأي القائل بأن هناك عقلا مدركا واعيا وراء نشأة الحياة.. ثم بعد ذلك يقوم بأجراء التحقيقات ليري الفرضية الأصلح والأكثر توافقا مع الأدلة المتاحة.

لكن هذا للأسف لم يفعله التطوريون، ذلك أن أغلبهم إن لم يكن جميعهم ملحدون.. ذلك أنهم في حال إيمانهم بإله، لا يحتاجون إلى كل تلك التكلفات التي لا مبرر لها حتى يؤيدوا مثل هذه النظرية..

لقد اعترف التطوري [ريتشارد ليونتين] بهذا، فقال: (ليست الأساليب والمناهج العلمية هي التي تدفعنا لقبول التفسيرات الماديه للعالم المشاهد، ولكن على العكس التزامنا المسبق بالتفسيرات المادية هو الذي يفرض علينا أن نخلق نظاما للتحقيقات، ومجموعة من المفاهيم ينتج عنها تفسيرات مادية،مهما كانت محيرة للمبتدئين، علاوة على ذلك، المادية مطلقة لأننا لا يمكننا السماح بتقبل فكره الله)

وهكذا اعترف [الدوس هكسلي] بأن العدمية.. أي عدم وجود اله.. هو محور رؤيتة الكونية، فقال: (كان لدي حافز يدفعني لإنكار وجود أي معنى للكون، لذلك افترضت أنه ليس للكون معنى، وكان الأمر سهلا أن أجد أدلة مقنعة لذلك الافتراض، الفيلسوف الذي يؤمن بأنه لا معنى في للحياة ليس فقط مهتما بمشكلة ميتافيزيقيه بحتة، ولكن أيضا مهتم بإثبات أنه لا يوجد سبب مقنع يمنعه عن القيام بما يشتهي، ويمنع أصدقائه من الاستيلاء على السلطة السياسية والحكم بما يخدم مصالحهم، بالنسبة لي لقد كانت الفلسفه العدمية أداه تحرر جنسي وسياسي)

هذا التصريح من الدوس هكسلي يدلنا على أن الفلسفه الهيومانية الإنسانية التي لا تحكمها أي حدود أخلاقية ليس لديها أي مشكلة في الاستيلاء على السلطة السياسية من أجل الترويج لآرائها الإلحادية.

ولذلك لا نعجب إذا رأينا مثل هذا التصريح منشورا في المنشورات الهيومانيه، والذي يقول صاحبه فيه: (لدي اقتناع أن معركه مستقبل البشرية يجب أن تشن في فصول المدارس على أيدي المعلمين، والذين يعتبرون مبشرين بإيمان جديد، سوف تصبح الحجرة الدراسية ساحة للصراع بين الجديد والقديم: الجثة المتعفنة للمسيحية، والإيمان الجديد بالهيومانية)

وعندما ننظر إلى المسألة من هذه الزاوية نجد أن التطوريين ذوو توجه أيديولوجي لا يختلف عن الدين نفسه، ذلك أن الدين ليس سوى مجموعة المعتقدات حول سبب وطبيعة وهدف الكون.. أو هو مجموعة خاصة من المعتقدات الأساسية والممارسات يتفق عليها مجموعة من الناس بشكل عام.. والهيومانيه بهذا المعنى دين يروج له في المدارس.. ومن الأسلحة التي يستخدمونها لذلك نظرية التطور.

لقد صرح بعضهم بهذا، فقال: (إن الايمان بالداروينيه الحديثة يجعل من الناس ملحدين، فمن الممكن للشخص أن يكون لديه معتقد ديني يتلائم مع الداروينية فقط اذا كان هذا المعتقد الديني هو الالحاد)

***

بعد أن استمعت إلى هذه التعقيبات وغيرها، والتي اكتشفت من خلالها خلو نظرية التطور من العلمية والمصداقية والعقلانية.. وكونها لا تعدو أن تكون وسيلة من وسائل الترويج للدعايات المادية..

حينها.. استطعت أن أتخطى أكبر عقبة كانت تحول بيني وبين الإيمان.. فقد رحت بعدها أشك في كل المعارف التي تأسست عليها المادية سواء كانت تلك التي ارتبطبت بالعلوم الكونية المحضة، أو تلك التي ارتبطبت بالعلوم الإنسانية والاجتماعية وغيرها.

وبعد ذلك الشك المنهجي الذي حصل لي استطعت أن أفرق بين العلم صاحب المنتجات العملية المحضة، والذي استفادت منه البشرية كثيرا.. وبين العلم الذي وجه توجيها خاطئا لخدمة المادية والعنصرية وكل القيم الظلامية.

وقد وجدت أن كل العلماء الذين خدموا البشرية في جانب العلم الأول.. العلم النافع.. كانوا ممتلئين إيمانا وروحانية وقيما أخلاقية.. بخلاف غيرهم الذين راحوا يركبون العلم ليمرروا به مشاريع الإلحاد والعنصرية والقيم الشيطانية.

وقد دعاني ذلك إلى اللحاق بركب العلماء الأوائل.. والسير على منهاجهم.. لا في العلم وحده، وإنما في الإيمان أيضا.

وقد رزقني الله منذ فترة طويلة صحبة [معلم الإيمان] الذي راح يجيب عن كل تساؤلاتي وإشكالاتي، والتي جعلتني أبحث عن الإيمان الحقيقي، والدين الحقيقي الذي يعرف بالله الحقيقي..

ولم يطل بي الأمر حتى وجدت الإسلام.. فآمنت بالله ورسله وكتبه.. لكني كتمت ذلك إلى اليوم الموعود الذي التقيت فيه بأصدقائي.

العشوائية.. والتصميم

بعد أن انتهى الثاني من حديثه، قال الثالث، وهو يلتفت لي: لقد جاء الآن دوري لتكتب شهادتي، وكما أمليها عليك بالضبط.. فلا يصح لكاتب أن يكتب إلا الحقيقة كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: 282]

قلت: لا تخف.. فقلمي لا يكتب إلا ما يسمع، وليس لديه القدرة لأن يضيف شيئا، فهو أعجز من أن يفعل ذلك.

قال: كما حدثك صاحبي عن تخلف تلك النظريات التي أرادت أن تفسر نشأة الحياة وتنوعها عن العلم والعقل والمنطق.. فإني سأحدثك عن تخلفها كذلك عن التصور الصحيح لذلك التصميم البديع للكون.. فقد راحت ترمي قمة الإبداع والإتقان والدقة بالعشوائية والصدفة والعبث.

وسر ذلك كله هي أنها لم ترحل بقلبها ولا عقلها إلى آفاق قوله تعالى، وهو يعدد صفات كماله وآثارها: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)﴾ [الملك: 1 ـ 4]

ولم يرحلوا إلى قوله تعالى، وهو يصف صنعته المحكمة الدقيقة: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 88]

قلت: وكيف رحلت أنت إلى هذه الآيات الكريمة؟

قال: قصة ذلك طويلة، فقد بدأت كما يبدأ سائر من ولد في تلك البلاد بنظرية التطور التي رضعناها مع حليب أمهاتنا، فصرنا نراها بديهة من البديهيات، ومسلمة من المسلمات القطعية التي لا يصح أن يجادَل فيها.

لكن الله تعالى بكرمه العظيم نقلني بعد مرحلة من حياتي من كوني من القائلين بنظرية التطور والمدافعين عنها إلى أصحاب نظرية جديدة وضعها بعض أصدقائي سماها نظرية [التصميم الذكي].. ثم نقلني بفضله من تلك النظرية إلى نظرية الخلق البديع.. والصنع المتقن.. والتي أتقلب الآن في رحابها، وأتذوق حلاوة شرابها.

قلت: ما تقصد بذلك.. وهل هناك نظرية بهذا الاسم؟

قال: أجل.. فهناك نظرية موجودة في الواقع العلمي يحاول التطوريون أن يتستروا عليها، ولا يظهروها، ولذلك يجعلونها مع المؤمنين في محل واحد، مع أنهما ليس كذلك..

قلت: عجبا.. هل يمكن ألا يكون القائلون بهذه النظرية من المؤمنين؟

قال: القائلون بهذه النظرية يذكرون الحقائق العلمية، كما هي موجودة في الواقع، ويحاولون ألا يربطوها بالجانب الغيبي والميتافزيقي، حتى لا يقعوا فيما وقعت فيه سائر العلوم المادية التي ارتبطت بالإلحاد.

قلت: ولكن ذلك عجيب.

قال: ليس عجيبا.. فدور العالم أن يصف لك الواقع بدقة.. ثم يترك لعقلك بعد ذلك أن يحكم بالنتيجة التي تفرزها تلك الحقائق.

قلت: فما الحقائق التي يصفها هؤلاء التصميميون؟

قال([18]): لقد بدأت حركة التصميم الذكي أوائل التسعينات من القرن العشرين، وقد نشأت كنظرية علمية في مقابل نظرية التطور، لتقدم فروضا علمية لتفسير نشوء الأنواع الحية في ضوء المكتشفات العلمية التي لم تكن متاحة في عهد داروين ولا فريق الدراونة الجُدد الذين وضعوا النظرية التركيبية الحديثة، وتتعارض فرضياتها تماماً مع فرضيات التطور.

وهي لذلك نظرية علمية لتفسير التنوع البيولوجي، وليست نظرية دينية مرادفة لنظرية الخلق كما يُشيع عنها التطوريون؛ لذلك نراها تضع فرضيات متناسقة، تتعلق باقتراحات محددة، كما أنها تشكل إضافة علمية وتهذيباً للنظريات السابقة عليها في المجال نفسه، ولها قيمة تفسيرية وقيمة تنبُّؤية، وفرضياتها قابلة للاختبار، وقابلة للتخطئة، وقابلة للتعديل والتصحيح في ضوء نتائج التجارب، فهي مفتوحة أمام الفحص التجريبي.. وهي بذلك تتوفر على كل شروط البحث العلمي، بخلاف نظرية التطور.

قلت: فهلا حدثتني كيف اهتديت إلى هذه النظرية التي كانت السلم الذي رقيت به إلى الإيمان.

قال: أجل.. فكل حديثي الذي أمرت أن أبثه لك يتعلق بها.

قلت: فكلي آذان صاغية.. فهلم بحديثك.

قال: أنا لا تهمني آذانك بقدر ما يهمني قلمك.. فإياك أن تشرد عنه.. وإياك أن ينفلت منك، فيكتب ما لم أمله.

قلت: لك ذلك.

العشوائية.. والتعقيد المتخصص:

اعتدل في جلسته، وحمد الله وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.. ثم قال: لا أزال أذكر ذلك اليوم الذي التقيت فيه صديقي [ألبرت وليام ديمبسكي]، وهو عالم رياضيات وفيلسوف، وقد كان مهتما منذ فترة طويلة بنظرية التطور..

عندما دخلت إليه، قال لي: هل علمت بآخر كتاب ألفته؟

قلت: لا.. ولا بأول كتاب.. فلم أكن أعلم أنك تشتغل بتأليف الكتب.

قال: وكيف تزعم أنك صديقي، وأنت لا تقرأ كتبي.. والتي أثارت من الجدل، ما سمع به خواص الناس وعوامهم.

قلت: اعذرني.. فقد شغلتني المخابر، والفئران البيضاء، والمواد الكيميائية عن كل شيء حتى عن نفسي.. فقط أنا أعلم أنك عضو مرموق في مركز العلم والثقافة التابع لمعهد ديسكفري.. وأنك في الفترة من 1999 إلى 2005، كنت في هيئة التدريس في جامعة بايلور.. وأنك تحمل سبعة درجات جامعية بما فيها دكتوراه في الفلسفة من جامعة إلينويز في شيكاغو ودكتوراه في الرياضيات من جامعة شيكاغو.

قال: معارفك عني محدودة وسطحية جدا.. وهي لا تساوي شيئا أمام تلك النتائج العظيمة التي وصلت إليها.. والتي بها استطعت تحطيم نظرية التطور.

كدت أغمى علي حين قال هذه الكلمة، وقلت: أتدري ما تقول.. وهل يمكن لأحد في الدنيا أن يزعم أنه يحطم هذه النظرية التي وقف في صفها جحافل العلماء في كل عصر؟

قال: لا ينبغي أن تغرك الكثرة، ولا الجيوش المجيشة.. ابحث عن الحقيقة بعيدا عن الرجال.. وكن مجتهدا لا مقلدا.

قلت: صدقت.. فما سميت نظريتك؟

أخرج لي كتابا من خزانة كانت أمامه، كان عنوانه [تصميم الحياة]، وقال: هذا الكتاب يؤصل لهذه النظرية، ويبرهن عليها بالأدلة الكثيرة.. وقد كتبته مع صديقي [جوناثون ويلز].. وهذه النسخة التي تراها هي الطبعة الثالثة من الكتاب.

وقد اعتبره الكثير من الباحثين من أحدث وأقوى ما كتب في الانتقاد العلمي لنظرية التطور التدريجي العشوائي.. بل وضعه بعضهم مع كتاب [نظرية التطور: نظرية مأزومة] في محل واحد.. فكلاهما ساهم في تهديم هذه النظرية الممتلئة بالثغرات والأخطاء والخدع.

لقد قال الدكتور [مايكل بيهي]، أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة ليهاي متحدثا عنه: (عندما يعد المؤرخون المفكرون في المستقبل الكتب التي أطاحت نظرية داروين، فإن كتاب تصميم الحياة يكون على رأسها)

وقال الدكتور [دين ح. كينيان]، وهو أستاذ في علم الأحياء، جامعة ولاية [سان فرانسيسكو]: (أود بحماس أن أعتمد كتاب تصميم الحياة كمقرر دراسي مطلوب في الدورات التدريبية في نظرية التطور وأصل الحياة، وفي حلقات الدراسات العليا في نظرية المعلومات والبيولوجيا الجزيئية، واستخدامها كمرجع مكمّل في فصول علم الأحياء التمهيدية)

وقال الدكتور [ويليم س. هاريس]، أستاذ باحث، كلية طب سانفورد، جامعة داكوتا الجنوبية: (يعطي جميع الأطراف المعنية في النقاش حول الأصول البيولوجية: الأدلة الدامغة العلمية التي يحتاجونها لتقييم الحالة الحقيقية لنظرية داروين.. بل أكثر من ذلك بكثير: فهو يشجع بعناية الموقف من التحقيق المفتوح الذي تحتاجه العلوم ليس فقط لتزدهر، ولكن أيضاً لتجتنب أن تصبح ألعوبة في أيدي أصحاب المصالح الخاصة!)

وقال [مايكل ريوز]، وهو أستاذ الفلسفة، جامعة ولاية فلوريدا ـ مع العلم أنه دارويني ملحد ـ: (أنا أختلف بشدة مع الموقف الذي اتخذه وليم ديمبسكي، ولكنني أعترف أنه يجادل بقوة، وأن أولئك منا الذين لا يقبلون استنتاجاته يجب علينا أن نقرأ كتابه ونشكل آرائنا الخاصة والحجج المضادة، فإن هذا الرجل لا ينبغي أن يُتجاهل على أية حال)

قلت: بورك لك في كل هذه الشهادات.. لقد جعلتني أفتخر بأن يكون لي صديق مثلك.. ولكن ذلك لا يكفي لأقتنع بطروحاتك، فأنت تعلم أني مجادل لجوج.. لا أقبل إلا ما يقبله عقلي.. لا ما يملى عليه.

قال: وهذا ما يعجبني فيك.. وهو ما رغبني في صداقتك أوقات دراستنا.. هل تذكر تلك الأيام التي كانت تملى علينا فيها نظرية التطور باعتبارها حقيقة علمية.

قلت: أجل أذكرها.. وأنا إلى الآن لا أزال أقتنع بها.

قال: أنت تقتنع بها، لأنك لم تجد غيرها.. هم لم يذكروا لنا غيرها.

قلت: فهل هناك غيرها؟

قال: أجل.. وستكتشفه أنت بنفسك.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أجبني.. عندما ترى في شيء من الأشياء تعقيداً متخصصاً ألا ترى احتياجه ضرورة إلى مسبب ذكي، ومصمم يعرف ما يفعل؟

قلت: لم أفهم ما الذي تريده من التعقيد المتخصص؟

قال: سأضرب لك مثالا يقرب لك ذلك.. عندما نرى أحد أحرف الأبجدية لوحده، فإننا نذكر أنه متخصص دون كونه تعقيداً.. لكننا عندما نرى جملة طويلة من الأحرف العشوائية، فإننا حينها نصفها بكونها تعقيدا.. ولكن ليس متخصصاً.. لكن عندما نرى قصيدة لشكسبير حينها نقول: إنها تعقيد متخصص.

قلت: يمكنك أن تصطلح على ما ذكرت من المعاني بما ذكرت من المصطلحات.. لكن ما علاقة ذلك بنظريتك؟

قال: عندما ندقق النظر في تفاصيل الكائنات الحية نجدها جميعا في غاية التعقيد والتخصص للدرجة التي لايمكن فيها اعتبارها وجدت هكذا صدفة.. وقد وجدت ببعض العمليات الرياضية المعقدة أن أي شيء احتمال حدوثه في الطبيعة أقل من 1 من 10150 يعتبر من هذا النوع.. ويعتبر في نفس الوقت من الأمور التي يستحيل في حقها أن تكون صدفة.

قلت: فما علاقة هذا بنظرية التطور.. وكيف يتسبب في هدمها؟

قال: لأن كل شيء في الحياة، بل في الكون من هذا النوع.. فالتعقيدات المتخصصة دليل لايقبل الشك على وجود مصمم ذكي قد تحكم بإنشاء هذه التعقيدات، وهذا ماينقض نظرية التطور التي تعتبر أن الكائنات قد تكونت بمحض الصدفة.

قلت: فهلا ضربت لي أمثلة على ذلك.

قال: الأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.. ومنها مثلا تصميم النظام الميكانيكي للمخلوقات.. فهو تصميم في غاية التعقيد والتخصص لدرجة لا يمكن تصورها، ذلك أنه غالباً ما يكون تصميم الأنظمة المتحركة أكثر تحدياً للمصممين من الأنظمة البنيوية الثابتة.

قلت: كيف ذلك؟

قال: كمثال على ذلك نرى المشاكل التي تظهر في المثقب اليدوي أكبر بكثير من تلك التي يمكن أن تنتج عن الإبريق، ذلك لأن الأولى تعمل على أساس ميكانيكي، بينما يقوم الثاني على مبدأ الشكل الفيزيائي، والتصاميم العملية تميل لأن تكون أكثر تعقيداً.

قلت: لم كان الأمر كذلك؟

قال: لأن كل عنصر من عناصر التصميم يؤدي هدفاً معيناً.. وغياب أو تعطّل أيٍّ من هذه العناصر يؤدي إلى عجز النظام عن العمل في عنصر واحد يجعل النظام عديم الفائدة.

قلت: ألأجل هذا نرى نهاية الكثير من هذه التصاميم مملوءة بالعيوب والأخطاء؟

قال: أجل.. لكن ذلك لا يصدق إلا على الأنظمة التي يصممها الإنسان، حيث نرى فيها أخطاء أكبر بكثير مما يمكن تصديقه، لأن معظم هذه التصاميم أنجزت عن طريق التجربة والخطأ، على الرغم من أن بعض الأعطال يمكن تجنبها في الطور البدائي الذي يسبق إدخال المنتج إلى الأسواق، إلا أنه يبقى من المستحيل تلافي جميع الأخطاء.. ومع ذلك لم يزعم أحد من الناس أن أي تصميم صممه الإنسان وجد هكذا صدفة.

قلت: والتصميمات الطبيعية؟

قال: عندما ننظر إلى جميع الأنظمة الميكانيكية في الطبيعة نراها ترقى إلى درجة الكمال.. فجميع المخلوقات مصممة بإتقان محكم لا يمكن تصور مدى دقته.

قلت: فهلا ضربت لي مثالا على ذلك.

قال: من الأمثلة الواضحة على ذلك جمجمة نقار الخشب.. فهي مصممة بإتقان بديع لا يمكن تصور مدى دقته وتعقيده وغائيته.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أنت تعلم أن نقار الخشب يتغذى على الحشرات واليرقات التي تختفي في جذوع الأشجار، ويستخرجها عن طريق النقر.. حيث يستطيع أن ينقر ما بين تسع إلى عشر نقرات في الثانية الواحدة، ويزداد هذا العدد ليصل إلى ما بين 15 ـ 20 عند الأنواع الأصغر حجماً، ومنها نقار الخشب الأخضر.. وتصل سرعة عمله إلى 100 كم/سا.. أما الزمن الفاصل بين النقرة والأخرى فهو أقل من 1/1000 من الثانية.

قلت: أعلم هذا لكن ما علاقته بتصميم جمجتمه.

قال: إن الصدمة التي تنتج عن هذه الطرقات المتتالية لا تختلف عن تلك التي يسببها ضرب الرأس في حائط إسمنتي، إلا أن التصميم المعجِز لدماغ نقار الخشب يجنبه التعرض لأي نوع من الإصابة.

قلت: فهل جمجمة نقار الخشب تتميز عن سائر الطيور في هذه الناحية؟

قال: أجل.. فعظام الجمجمة تتصل عند معظم الطيور ببعضها، ويعمل المنقار مع حركة الفك السفلي إلا أن منقار وجمجمة طائر نقار الخشب منفصلان عن بعضهما بأنسجة إسفنجية تمتص الصدمات الناتجة عن عملية النقر.. بل إن هذه المادة المرنة تؤدي عملها بشكل أفضل من ماص الصدمات في السيارات.. وجودة هذه المادة تأتي من قدرتها على امتصاص الصدمات المتتالية بفواصل قصيرة جداً واستعادتها لحالتها الطبيعية على الفور، وهي تفوق بجودتها المواد التي أفرزتها التكنولوجيا الحديثة بأشواط.

حيث أن هذه العملية تكتمل حتى في حالات أداء الطائر عشر طرقات في الثانية، وفصل المنقار عن الجمجمة بهذه الطريقة الخارقة تسمح للحجرة التي تحمل دماغ الطائر بالحركة بعيداً عن المنقار العلوي أثناء عملية النقر، وهكذا تكون وتتشكل آلية ثانية في امتصاص الصدمات.

قلت: وعيت هذا.. فهلا ذكرت لي مثالا آخر يزيدني يقينا.

قال: الأمثلة أكثر من أن تحصى.. ومنها التصميم المثالي للقفز العالي لدى البرغوث.. لاشك أنه يدعو إلى الانبهار.

قلت: لم أسمع بذلك من قبل.. فهلا شرحت لي.

قال: لك الحق في ذلك.. فقد شغلونا في نظرية التطور بالبحث عن الحفريات والعظام عن البحث عن هذه الدقة العجيبة والتصميم المتقن الذي تمتلئ به كل جوانب الحياة.

قلت: صدقت في ذلك.. فأنا أحيانا عندما أدرس نظرية التطور أشعر أنني لا أزال أعيش في عصر الديناصورات.. فهلم حدثني عن البرغوث وقفزه العالي.

قال: لقد وجد الباحثون المتابعون لحركات البرغوث أنه يحقق قفزة تصل إلى 100 ضعف ارتفاعه عن الأرض، أي ما يساوي 200 متراً من القفز العالي الذي يقوم به الإنسان.. علاوة على ذلك يمكنه أن يستمر في القفز دون توقف لمدة 78 ساعة.. وهو بشكل عام لا يسقط على ساقيه بعد القفزة الخامسة، بل يهبط إما على رأسه أو على ظهره، ومع ذلك لا يصاب بالدوار، ولا يلحق به أي أذى..

قلت: إن ما تذكره عجيب.. لأول مرة في حياتي أسمع بهذا.

قال: أجل.. فعالم الحيوانات مملوء بالعجائب..

قلت: لكن ما التصميم العجيب الذي وفر له كل هذه القدرات العجيبة؟

قال: لقد حاول العلماء أن يبحثوا عن ذلك ويفسروه، فوجدوا أن الهيكل العظمي لهذه الحشرة لا يتوضع داخل جسمها.. ووجدوا أن هذا الهيكل يتألف من طبقة صلبة من مركب يطلق عليه اسم [السكليروتين] الذي يغلف كامل الجسم ويتصل بالكيتين.. ووجدوا أن هذا الهيكل الخارجي يتكون من شرائح مسلحة كثيرة جداً ومحدودة الحركة، ولكنها تمتص الصدمات وتبطل الصدمة الناتجة عن القفز.

وفوق ذلك كله وجدوا أنه لا يوجد في جسم البرغوث أي أوعية دموية، بل يسبح جسمه الداخلي بسائل دموي صافي يبطن الأعضاء الداخلية ويحفظها من ضغط القفزات المفاجئ.

قلت: لكن كيف تتم تنقية الدم ما دام جسمه بهذا التصميم؟

قال: لقد وجدوا أن ذلك يتم من خلال الثقوب الهوائية المنتشرة في أنحاء الجسم، وهذا يغني عن الحاجة إلى مضخة ضخمة تقوم بضخ الأكسجين بشكل متواصل، فقد صمم قلب هذه الحشرة على شكل أنبوب، معدل نبضاته بطيء بحيث لاتؤثر عليه القفزات السريعة على الإطلاق.

زيادة على ذلك كله، فقد اكتشفوا أن عضلات ساقه ليست بالقوة التي تتطلبها القفزات التي تقوم بأدائها، إلا أن هذا الأداء المدهش يقوم به البرغوث بمساعدة نوع من النظام النابضي الذي أُضيف إلى سيقانه.. وهذا النظام يعمل بفضل البروتين الذي يطلق عليه (resilin) إذ يخزن البرغوث الطاقة الميكانيكية.

والخاصية البارزة لهذه المادة هي قدرتها على تحرير 97 بالمائة من الطاقة المختزنة بداخلها عند التمدد، بينما لا تتعدى النسبة التي تغطيها المواد المرنة الموجودة في الأسواق اليوم إلى 85 بالمائة كحد أقصى.

***

شوقتني أحاديث صاحبي كثيرا، فرحت ألح عليه أن يذكر لي مثالا آخر، فقال: من الأمثلة على ذلك سوسة البلوط والتصميم العجيب المرتبط بآلية الثقب.

قلت: هلا شرحت لي ذلك.

قال: أنت تعلم أن سوسة البلوط تعيش على ثمرة شجرة البلوط،وتعلم أيضا أن هذه الحشرة تحمل خرطوماً طويلاً في رأسها أطول من جسمها، وفي نهاية هذا الخرطوم يوجد منشار صغير حاد يشبه الأسنان.. وفي أحيان أخرى تحمل الحشرة هذا الخرطوم بشكل أفقي مستقيم مع جسمها، حتى لا تتعثر أثناء سيرها.

قلت: أجل.. أعلم ذلك.. لكن ما العجيب في ذلك، وما علاقته بالتصميم؟

قال: ستعلم ذلك، وسترى مدى تعقيد التصميم المرتبط به.. فعندما تقع هذه الحشرة على ثمرة البلوط توجه خرطومها باتجاهها لتصبح أشبه بآلة الثقب، ثم تضع أسنانها الشبيهة بالمنشار الموجودة في أعلى الخرطوم على الثمرة، ثم تبدأ بنقل رأسها من جانب إلى آخر، مما يعني إعمال المنشار الذي يحمله خرطومها المتحرك مع رأسها، وقد صمم رأس هذه الحشرة بما يتوافق تماماً مع هذه الآلية، فهو يتمتع بمستوى مدهش من المرونة.

وعندما نبحث عن نظام أي جهاز تعمل به الحشرة نجده نتيجة لتخطيط محكم.. سواء كان ذلك خرطوما ثاقبا، أو أسنانا قاطعة، أو رأسا مرنا يساعد في عملية الثقب، وكل هذا لا يمكن تفسيره عل ضوء المصادفة أو (الاصطفاء الطبيعي).

ذلك أن هذه الحشرة لو لم تستخدم الخرطوم في عملية الثقب، فلن يكون أكثر من عبء ثقيل وعضو لا فائدة منه، مما يؤكد عدمية افتراض التطور (مرحلة إثر مرحلة)

***

بعد أن انتهى من حديثه عن سوسة البلوط والتصميم البديع المرتبط بها، رحت ألح عليه أن يحدثني عن كائن آخر، وما ارتبط به من تصميم معقد، فقال: من الأمثلة على ذلك [السوط البكتيري]، حيث تستخدم بعض أنواع البكتيريا ما يشبه السوط، ويطلَق عليه هذا الوصف بسبب كونه يساعدها على الحركة في المحيط السائل.. وهو يتصل بغشاء الخلية، ويسمح للبكتريا بالحركة حسب الاتجاه الذي ترغب به بسرعة محددة.

وقد عرف العلماء هذا السوط منذ زمن، إلا أن بنيته الحقيقية لم يكشف عنها النقاب إلا قبل فترة قصيرة، وقد كانت مفاجأة كبيرة للمكتشفين.. ذلك أنهم اكتشفوا أن هذا السوط يتحرك من خلال (محرك عضوي) في غاية التعقيد، وليس عن طريق آلية اهتزازية بسيطة كما كان شائعاً، حيث تقوم بنية المحرك الدافع على مبدأ المحرك الكهربائي، فهناك جزآن رئيسان له: (الثابت) و(الدوار)

والبنية الداخلية للمحرك معقدة جداً، حيث يشترك ما يقارب من 240 بروتينا مختلفا في بناء السوط، ويتوضع كل منها في مكانه المناسب بكل عناية.

ويعتقد العلماء أن هذه البروتينات هي التي تحمل إشارات تشغيل المحرك وتوقيفه، وتشكل نقاط اتصال تسهل الحركة بمقاييس ذرية، كما تفعِّل بروتينات أخرى مهمتها وصل السوط بغشاء الخلية، وهذه الخصائص التي يمتاز بها عمل هذا النظام تدل على الطبيعة المعقدة له.

وهذا السوط البكتيري بتركيبته المعقدة ـ من وجهة نظري ـ يكفي وحده أن يكون دليلاً كافياً على بطلان نظرية التطور.. فلو حصل وتعطل أو فُقد جزء صغير من هذا النظام لعجز عن القيام بمهمته، وأصبح دون أدنى فائدة للبكتريا.. حيث يجب أن يكون عمل السوط متقناً منذ اللحظة التي خلق فيها.. وهذه الحقيقة تلغي المزاعم التطورية التي تعتمد مبدأ (التطور خطوة خطوة)

بالإضافة إلى هذا فإن هذا السوط يدلنا على أن أشكال الحياة البدائية تحمل تصميماً على جانب من التعقيد.. وكلما تعمق الإنسان في دقائق هذا العالم، كلما اكتشف أن ما كان يظنه علماء الأحياء في القرن التاسع عشر، بما فيهم داروين، أحياءَ أو عضيات بسيطة، هي في الواقع معقدة تماماً كغيرها.

***

كان الوقت فسيحا، والجو جميلا، فطلبت من صاحبي أن يذكر لي مثالا آخر، فذكر لي التصميم البديعة للمضخة عند الزرافة، فسألته عنها، فقال: تعتبر الزرافة بطولها الفارع (5 أمتار) واحدة من أكبر الحيوانات على وجه الأرض وأطولها، إلا أن هذا الحجم الكبير والطول الفارع يتطلبان نظاماً دورانياً فريداً لكي يقضي هذا المخلوق حياة سليمة.. ذلك أنه يجب أن يصل الدم إلى الدماغ الذي يتوضع فوق القلب بمترين، وهذا يتطلب بنية غير عادية للقلب، لذلك كان قلب الزرافة قوياً بما يكفي لضخ الدم تحت ضغط 350 ملم زئبقي.

وهذا النظام القوي، والذي من الممكن أن يقتل الإنسان العادي، يتواجد ضمن غرفة خاصة تغلفه شبكة من الأوعية الشعرية مهمتها التخفيف من الإصابات المميتة.

ومن جهة أخرى، يوجد نظامٌ في المنطقة الواقعة ما بين الرأس والقلب يتكون من الأوعية الصاعدة والنازلة، حيث تقوم السوائل المتدفقة في الأوعية بالاتجاه المعاكس بموازنة نفسها، مما يحمي الحيوان من ارتفعات خطيرة في ضغط الدم التي قد تسبب نزفاً داخلياً.

ويتطلب القسم الذي يقع تحت القلب، وخاصة الساقان والقدمان، عناية خاصة، وقد تحقق ذلك بكون السماكة المضاعفة للجلد في هذه المناطق تحمي الزرافة من الأعراض الجانبية لضغط الدم العالي، كما توجد صمامات في الأوعية الدموية تنظم الضغط.

والخطر الأكبر الذي تتعرض له الزرافة، هو الانحناءة التي تقوم بها عند حاجتها لشرب الماء، وفي هذه اللحظة يرتفع الضغط المرتفع أصلاً بما يكفي ليسبب نزفاً داخلياً، إلا أن الزرافة لا تعاني من ذلك، فقد تم الاحتياط لهذا النوع من الخطر، إذ يقوم سائل خاص، وهو السائل المخي الشوكي الذي يوجد أيضاً في الدماغ والعمود الفقاري، بتوليد ضغط معاكس ليمنع حدوث تمزق الأوعية الشعرية.

كما يدعم هذا التوازن صمامات تعمل باتجاه واحد، وتنغلق عندما يخفض الحيوان رأسه.. حيث تقلل هذه الصمامات من تدفق الدم، لتتمكن الزرافة من خفض رأسها والنهل من الماء بأمان.. ولمزيد من الحرص على تفادي أخطار ارتفاع الضغط، تتميز هذه الصمامات بغلافها الثخين، والذي يتألف من عدة طبقات.

***

بعد أن حدثني عن هذا المثال طلبت منه أن يذكر لي مثالا آخر، فذكر لي التصميم العجيب المرتبط بآليات التنفس عند الدلفين.. ثم شرح لي ذلك بقوله: يتنفس كل من الدلفين والحوت عن طريق الرئتين تماماً كما تفعل باقي الثدييات، وهذا يعني أنه من الصعب عليها أن تتنفس في الماء مثل الأسماك.. وهذا هو السبب وراء زيارتها المتكررة للسطح، حيث تعمل الفتحة الموجودة قي أعلى الرأس على إدخال الهواء.

وقد صمم هذا العضو بطريقة تؤمن له إغلاقاً آمناً عند الغوص في الماء، حيث تغلق الفتحة آليا بغطاء يمنع تسرب الماء، وعندما يعود الدلفين إلى السطح يفتح الغطاء آليا أيضاً.

قلت: فهمت هذا عند اليقظة.. لكن كيف ينام دون التعرض لخطر الغرق؟

قال: وهذا أيضا من التصميم البديع.. حيث يوجد في جسم الدلفين نظام خاص يحميه من الهلاك عندما ينام في الماء.. وهو يتمثل في استخدامه عند النوم نصفي الدماغ بشكل متناوب كل 15 دقيقة، فبينما ينام النصف الأول يبقى النصف الثاني متجهاً إلى السطح للتنفس.

قلت: هذا عجيب لم أعلم أن هناك من ينام بهذا الشكل.

قال: بالإضافة إلى ذلك، فإن خطم الدلفين الموجود في منقاره يعينه على السباحة، ذلك أنه يستخدم طاقة أقل في اختراق الماء، ويسبح بسرعات عالية.. ولهذا نرى السفن الحديثة قد استفادت من هذه الطريقة لزيادة سرعتها.

***

طلبت منه مثالا آخر عن دقة التصميم، فذكر لي التصميم البديع والمعقد للتكاثر عند الضفادع، فسألته عنه، فقال: تحمل الضفادع صفات تساعدها على البقاء في مختلف البيئات. لذلك يمكنها أن تعيش في أي مكان على الأرض ما عدا القارة القطبية.. حيث تتواجد الضفادع مثلاً في الصحارى والغابات والسهول وجبال الهيمالايا والآنديز والارتفاعات التي قد تصل إلى 5000 متراً، إلا أن المناطق المدارية هي أكثر المناطق ازدحاماً بالضفادع، ففي الغابات المطيرة تزدحم الضفادع حيث يمكنك أن تجد 40 نوعاً منها في كل مترين مربعين.

قلت: فما التصميم المعقد المرتبط بتكاثرها؟

قال: هناك طريقة تكاثر عجيبة ينتهجها نوع من الضفادع يطلق عليه [ريو باتراخوس سيلوس]، حيث تبتلع هذه الضفادع بيوضها بعد الإخصاب، ولكن ليس لتأكلها، بل لتحميها، حيث تفقس البيوض في المعدة، وتبقى هناك لمدة ستة أسابيع بعد الفقس.

قلت: ولكن كيف تبقى هناك دون أن تُهضم؟

قال: وهذا هو التصميم البديع المرتبط بذلك.. حيث نرى الأنثى تتوقف في البداية عن تناول الطعام لمدة ستة أسابيع، أي: إن معدتها تبقى مخصصة طول هذه الفترة للشراغيف فقط.

قلت: ولكن هناك خطر آخر يتهددها: إنه حمض الهيدروكلوريك والببسين، وهاتان المادتان كافيتان لقتل الصغار؟

قال: وهذا لا يحدث، لأن الأمور محسوبة وضمن معايير خاصة.. فالسوائل الموجودة في معدة الأم تتم محايدتها عن طريق مادة أخرى تشبه الهرمون تفرزها كبسولات البيوض من جهة والشراغيف من جهة أخرى.. وهكذا ينمو الصغار بصحة جيدة على الرغم من أنها تسبح في بركة حمضية.

قلت: ولكن كيف تتغذى الشراغيف في معدة فارغة؟

قال: هذه أيضاً ترتبط بذلك التصميم البديع.. فبيوض هذه الأنواع أكبر من غيرها بشكل ملحوظ؛ لأنها تحتوي على صفار غني بالبروتين، يكفي لتغذية الصغار لمدة ستة أسابيع.

قلت: ولكن مع ذلك تعرض مشاكل جديدة وكثيرة عندما يحين وقت الولادة؟

قال: أجل.. ولذلك وضعت التصميمات البديعة لتحقيق ذلك.. حيث يتمدد المري خلال الوضع تماماً كما يتمدد الرحم عند الثدييات، وعندما تخرج الصغار يعود كل من المري والمعدة إلى الحالة الطبيعية وتبدأ الأنثى بتناول طعامها.

لم أملك إلا أن أقول من حيث لا أشعر: إن هذا عجيب جدا.. إن هذا وحده كاف لينسف نظام التكاثر لدى هذا النوع من الضفادع لنظرية التطور من أساسها.

قال: أجل.. فهو نظام معقد ومترابط، وكل خطوة من هذه العملية مرتبة بعناية لتضمن حياة هذا الشرغوف.. حيث يجب أن تبتلع الأم البيوض أولاً وأن تتوقف عن تناول الطعام لمدة ستة أسابيع، بينما يتحتم على البيوض أن تفرز مادة هرمونية لتعدّل الوسط الحامضي للمعدة.. أما البروتين الإضافي الذي يقدمه صفار البيضة فهو ضرورة أخرى.. وكذلك لا يمكن أن يتوسع مري الأنثى عن طريق المصادفة لتضع صغارها.

انظر جيدا.. فأي خلل مهما كان صغيراً في هذه السلسلة من الأحداث كفيل بإهلاك الصغير، واستمرار هذا الخلل يعني انقراض النوع.. لهذا لا يمكن أن تكون نظرية (الخطوة خطوة) ممكنة التطبيق على هذا النوع من الضفادع.

العشوائية.. والإبداع المقصود:

بعد أن سمعت الكثير من الأمثلة التي أوردها لي صديقي [ألبرت وليام ديمبسكي] تلاشت الكثير من الإشكالات التي كانت تطوقني، وتحول بيني وبين التفكير السليم.. بل كانت تجعلني أعيش عالما من الخيال والوهم الكاذب المملوء بالدجل.

لكني، وبسبب تلك المضايقات التي يتعرض لها كل من ينكر نظرية التطور راح ما ذكره ذلك الصديق العزيز الذي تحدى واقعه بكل قوة، يتلاشى شيئا فشيئا إلى أن كدت أعود إلى وضعي الأول، لولا أن تداركني الله بفضله، فالتقيت فجأة من أعاد إلي وعيي وحطم كل الأسطورة التي بناها داروين وتلاميذه وسدنته في عقلي.

لقد كان اسم ذلك الرجل الذي أتيح لي أن أستفيد منه كل تلك الفوائد هو [مايكل دنتون]، وهو عالم متخصص في الكيمياء الحيوية، وكان في بدايته كما ذكر لي، يؤمن بنظرية التطور بحكم إلحاده، إلى أن بدأ يكتشف بنفسه، ومع التقدم الرهيب في البيولوجيا الجزيئية، عشرات الثغرات القاتلة التي أزالت عن التطور الهالة العلمية التي ينسجها أتباعه حوله ليمرروه على الناس بغير تفكير ولا مناقشة.

وقد ذكر لي أنه حينها قام بتأليف كتابه الشهير [التطور نظرية في أزمة] عام 1985م، وقد كان من أوائل الكتب التي قلبت نظرية التطور في العصر الحديث رأسا على عقب.

بالإضافة إلى ذلك، فقد كانت له مشاركات عديدة في وثائقيات علمية عن الدقة المتناهية، وعلامات التصميم الذكي في الحياة والأرض والكون وصولا إلى الإنسان.

عندما التقيت به، وتحدثت معه عن بعض المعاني التي يذكرها التطوريون تغير وجهه تغيرا شديدا، ثم راح يقول لي: إلى متى تظل هذه النظريات التي ولدت وهي تحتضر تتشبث بالحياة.. وإلى متى تظل تتنفس بأجهزة اصطناعية.. هيا اقطعوا عنها الأجهزة.. فقد ماتت منذ زمن طويل.

قلت: هل تقصد أنك من تلك المدرسة التي تقول بالتصميم الذكي، والتي أبدعها وابتدعها صديقي [ألبرت وليام ديمبسكي]؟

قال: هو لم يبدعها ولم يبتدعها.. بل هي قائمة في كل العصور.. فكل الفلاسفة والعلماء والعباقرة يشهدون بدقة الكون والحياة ولا يجادلون في ذلك إلا هؤلاء التطوريون الذين راحوا يصورون الحياة، وكأنها تنفيذ من غير تصميم، ومنتوج من غير تخطيط، وهذا مما يحيله العقل بالبداهة.

لست أدري كيف حننت إلى حديث صديقي [ألبرت وليام ديمبسكي]، فرحت أستفزه ليحدثني مثلما حدثني، فقال: أنت تعلم أن أهم مرحلة في أي إنجاز نراه أو نعيشه هو الفكرة التي أبدعته وانطلق منها.. أو هي ما يمكن أن يطلق عليه [التصميم]

فالمصمم([19]) يقوم بتصميم النماذج، ورسمها على الورق.. والعادة في هذه التصاميم أن تنطلق من مشاهدات ومعارف سابقة، فلا يمكن لأي مصمم بشري أن يصمم شيئاً لم يره أو يعرفه في حياته، فهو يستمد إيحاءات مشروعه من الطبيعة حوله، فكل ما فيها هو تصميم قائم بحد بذاته.

ولذلك فإن التصميم يمر بمراحل كثيرة.. فالمصمم يقرر أولاً مادة التصميم والغاية منه.. ثم يحدد المستخدم المحتمل لهذا التصميم وحاجات هذا المستخدم.. وانطلاقا من ذلك يحدد مقاييس التصميم..

ولهذا فإن المصممين في العادة أقل الناس استخداماً للمواد أثناء العمل، ذلك أن الحاجة الأولى خلال كل تلك العملية هي اختراع الأفكار الذكي،ة أو التفاصيل الثانوية، إلى جانب العمل الجاد.. فلا يحتاج المصمم في البداية لأكثر من ورقة بيضاء وقلم، وأثناء تشكيله للتصميم يقوم بمراجعة الأمثلة السابقة للنموذج.

وعندما نزور المصممين في مخابرهم نجدهم يضعون مئات من الخيارات المختلفة، والتي قد يستغرق العمل فيها شهوراً كثيرة.. ثم بعد ذلك تتم مراجعة هذه الأفكار، ويتم انتقاء أكثرها فائدة وجمالاً ليتم إنتاجه.. ثم تُدرس تفاصيل الإنتاج المناسبة لهذا العمل.

وبعد وضع نموذج صغير معياري للمنتج، والذي يترجم الأفكار ذات البعدين إلى أفكار ثلاثية الأبعاد.. وبعد إجراء المزيد من التحسينات يتم تركيب نموذج بالحجم الحقيقي للمنتج.. وقد تستغرق هذه العمليات سنوات من العمل.. وخلال هذه المدة تتم تجربة النموذج عدة مرات لإثبات جودته بالنسبة للمستخدم.

ولهذا فإنه من البديهي عندما يدخل تصميم جديد إلى السوق أن يتم تقييم مظهره أولاً من قبل المستهلك من شكله، ولونه، ثم يتم تقييم فعاليته وأدائه.

وبناء على هذا كله فإن أهم مرحلة في أي منتج نراه، وأخطرها، هي مرحلة التصميم، ولهذا، فإن المالك الوحيد لكل التصاميم هو الذي يحكم سيطرته على كل الأمور.

قلت: وعيت كل ما ذكرته.. ولكني لم أع مقصودك منه.

قال: مقصودي واضح.. وهو أن الإبداع الحقيقي ليس في الإنجاز، ولا في إخراج التصميم من عالم الافتراض إلى عالم الواقع، وإنما في الفكرة نفسها.. فإذا كنا نحن البشر لا نرضى لأحد أن ينسب لنفسه ما نخترعه من تصاميم لا تعدو أن تكون تقليدا لما في الطبيعة من تصاميم دقيقة.. فكيف نسم تلك التصاميم الدقيقة التي تمتلئ بها الطبيعة بكونها خرجت هكذا للوجود، وبعشوائية، ومن غير تصميم سابق، ولا فكرة سابقة.

قلت: صدقت في هذا.. فالجهد الكبير الذي قام به شكسبير لكتابة مسرحياته أكبر بكثير من الجهد الذي تقوم به المطبعة لطباعتها وإخراجها.. ولو أخرجت منها ملايين النسخ.. فالعبرة بالإنتاج لا بالصناعة والتكرار.

قال: بورك فيك.. ولهذا فإن عملية الخَلْق من العدم، ودون وجود نموذج سابق للمخلوق أمر عظيم جدا.. ويستحيل أن يأتي هكذا صدفة من غير تدبير عاقل ممتلئ بالذكاء والعلم والحكمة والخبرة وكل صنوف القدرة..

واعتبارا من هذا، فإن قدرة الإنسان نفسها على التصميم دليل آخر على وجود قدرة خارقة وعقل جبار قام بتصميم الإنسان وإعطائه كل تلك القدرات.

قلت: صدقت في هذا.. فنحن نفخر بتلك الروبوتات التي أصبحت تعيننا في الكثير من شؤون حياتنا، مع أنها خالية من أي إبداع حقيقي، فهي لا تعطينا إلا ما نعطيها.

قال: أجل.. وزيادة على ذلك فإن كل ما نراه من أشياء نعتقد أنها جاءت كنتيجة عن التصميم البشري ليست سوى تقليد لأمثلة موجودة في الطبيعة، ومنذ ملايين السنين.

أصابني شوق لتلك الأمثلة التي أوردها صديقي [ألبرت وليام ديمبسكي]، فقلت له: هلا ضربت لي أمثلة تؤكد لي بها ذلك.. وتجعل قلبي مطمئنا لما تقول.

قال: الأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.. وسأذكر لك بعضها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر.. فمن المستحيل حصر مثل هذا.

فكر قليلا، ثم قال: هل تتصور أن كل تلك الاختراعات الذكية جدا، والمرتبطة بالإنسان الآلي، والتي نتيه بها، ونتعاظم، ليست سوى تقليد للحشرات.

قلت: للحشرات؟

قال: أجل.. فقد أظهر الإنسان الآلي الذي قام بناؤه على مبدأ أرجل الحشرات توازناً أفضل.. ذلك أنه عندما تم تركيب وسائد شافطة على أقدام الإنسان الآلي أصبح بإمكانه السير على الجدران مثل الذبابة تماماً.

وحسب أقوال البروفسور [جوهانسن سميث]، فإن محركاً أصغر من مليمتر واحد يمكن أن يحرك إنسانا آلياً بحجم النملة.. وهذا الإنسان الآلي يتم تصنيعه لاستخدامه كجيش صغير أعضاؤه بحجم النملة، ليخترق صفوف الأعداء دون أن يُؤْبَه له، ويقوم بتعطيل الرادارات والمحركات النفاثة، وتعطيل معلومات الحواسيب للاعداء.

وقد بادرت بعض الشركات اليابانية العملاقة إلى تنظيم شراكة للعمل في هذا الموضوع، وأثمرت هذه الشراكة عن إنسان آلي صغير جداً يزن حوالي 0،42 غرام ويسير بسرعة 4 أمتار في الدقيقة.

قلت: هذا عجيب جدا.

قال: والفضل فيه قبل أن يعود للإنسان المصمم يعود للتصميم نفسه.. فالتصميم البديع للحشرات هو الذي أوحى للمخترعين بأن ينسجوا على منوالها.

قلت: صدقت في هذا.. فهلا ضربت لي مثالا آخر.

قال: من الأمثلة على ذلك أن بعض المصممين راحوا يبحثون في سر كون الحشرات أكثر المخلوقات وجوداً على الأرض، وعن سر مقاومة جسمها لمختلف الظروف المحيطة.. وقد وجدوا أن أحد عوامل المقاومة التي تتمتع بها هو مادة الكيتين التي يتألف منها هيكلها العظمي.

و[الكيتين] مادة رقيقة وخفيفة جداً، فلا تجد الحشرات صعوبة في الاحتفاظ بها، وعلى الرغم من أنها تغلف جسمها بشكل كامل، إلا أنها قوية بما يكفي لتعمل عمل الهيكل العظمي.

ومع قوة الكيتين تتمتع هذه المادة بالمرونة، ويمكنها أن تتحرك عن طريق العضلات التي تتصل بها من داخل الجسم، وهذا لا يضمن الحركة السريعة للحشرات فحسب، بل يخفف من حدة الصدمات الخارجية، بالإضافة إلى أن هذه المادة المانعة لتسرب الماء الحشرة تساعدها على الاحتفاظ بسوائل جسمها.

ولهذا نرى الحشرات لاتتأثر بالحرارة أو الإشعاع، كما أن ألوانها في معظم الأحيان تلائم المحيط تماماً، وفي بعض الأحيان تصدر إنذارات من خلال الألوان الزاهية التي تظهرها.

وانطلاقا من كل ذلك راحوا يبحثون عن كيفية الاستفادة من هذه المادة في جوانب الحياة المختلفة، وخاصة في صناعة الطائرات والسفن.. لكن الحلم لم يتحقق بعد.. ولا زالت الحشرات أكثر تطورا من السفن والطائرات.

قلت: وعيت هذا.. فهلا ضربت لي مثالا آخر.

قال: من الأمثلة على ذلك الشكل المثالي لخلايا الدم الحمراء.. فهي المسؤولة عن نقل الأكسجين في الدم.. وهذه العملية تتم بواسطة مادة خضاب الدم التي تخزنها خلايا الدم الحمراء، وكلما كان سطح هذه الخلية واسعاً كلما كانت كمية الأكسجين التي تحملها أكبر.

وبما أنه يتحتم على هذه الخلايا أن تمر عبر الأوعية الشعرية، فإن حجمها يجب أن يكون في حده الأدنى، أي أن يكون سطحها كبيراً وحجمها صغيراً.

ولهذا، فإن الخلايا الحمراء صممت وفق هذه المعايير، حيث نراها ذات بنية مسطحة، ودائرية، ومضغوطة من كلا الجانبين، وتشبه حلقة الجبنة السويسرية المضغوطة من كلا الجانبين.. وهذا هو الشكل الذي يضمن أكبر سطح ممكن مع أصغر حجم.

ومع هذا الشكل يمكن أن تحمل كل خلية حمراء 300 جزيء من الهيموغلوبين، إضافة إلى ذلك، فإن الخلايا الحمراء يمكن أن تمر داخل أصغر الأوعية الشعرية وأضيق المسامات بسبب مرونة بنيتها.

قلت: وعيت هذا.. فهلا ضربت لي مثالا آخر.

قال: من الأمثلة على ذلك العيون اللونية لسمكة البالون.. والذي يعيش في المياه البحرية الدافئة في الجنوب الشرقي لآسيا.. فعندما تسقط كميات زائدة من الضوء عليها، تعمل عيون هذه السمكة عمل النظارات الشمسية المعالجة كيميائياً، حيث تحمل عيون هذه السمكة التي يبلغ طولها 2،5 سم خصائص مشابهة لخصائص العدسات التي تتغير الكثافة اللونية فيها تبعاً لشدة الضوء.

فعندما تواجه العين ضوءاً زائداً تبدأ الخلايا اللونية، والتي توجد حول الطبقة الشفافة (القرنية) بتحرير صباغ أسود يغطي العين، ويعمل عمل المرشح في التقليل من كثافة الضوء، مما يؤهل السمكة للرؤية بوضوح أكبر.. ويختفي هذا الصباغ في المياه المظلمة، وتتلقى العين أكبر كمية ممكنة من الضوء.

فمن الواضح أن هذا النظام هو نتاج تصميم مبدع.. فهذه الخلايا تقوم بإفراز هذا الصباغ بتحكم منظَّم لا يمكن اعتباره وليد المصادفة.

العشوائية.. والتصميم الذكي:

بعد أن سمعت الكثير من الأمثلة التي أوردها لي [مايكل دنتون] مما ذكرته لكم، وغيرها.. اقتنعت قناعة تامة باستحالة العشوائية، ولهذا فإني بعد خروجي من عنده مباشرة قررت الانتماء لمعهد ديسكفري على حسب ما أرشدني مايكل..

فقد قال لي قبل وداعه: أرى أن كل المعاهد التي ترى نظرية التطور صارت لا تختلف عن معاهد السحر والخرافة والدجل.. فالتمس لك معاهد غيرها، لتفيد وتستفيد، وتخدم البشرية، وتخدم قبلها الحقيقة، وتتحرر بها.

قلت: وأنى لي أن أجد ذلك.

فقال لي: اذهب إلى معهد ديسكفري، فإنك ستجد به قوما من العلماء، لا همّ لهم إلا البحث في حقائق الكون، ومدى دقتها وإحكام تصميمها، وسترى عندهم الكون بصورته الجميلة الممتلئة بالدقة والتناسق والعظمة.. ولا عليك بعدها أن تؤمن أو لا تؤمن، فتلك مسألة شخصية.

قلت: فما يشترطون لدخولي لهذا المعهد؟

قال: لا يشترطون إلا صدقك وبحثك، وتخليك عن خرافات التطور، وتقديس رجالها.. فالحقيقة هي المقدسة، لا الأشخاص..

قلت: والمال؟

قال: هذا المعهد منظمة غير ربحية، فهو لا يريد منك إلا أن تساهم معه في نشر أفكار التصميم الذكي، ويعطيك من الحقائق والمناهج ما تمارس به هذه الدعوة.

ذهبت كما طلب مني، وأمام باب المعهد التقيت بـ [جوناثون ويلز]، وقد أخبرني أنه عضو في مركز العلم والثقافة التابع لمعهد ديسكفري، وهو يحمل شهادتي دكتوراه واحدة في البيولوجيا الخلوية والجزيئية من جامعة كاليفورنيا، وأخرى في الدراسات الدينية من جامعة يال.

والأهم من ذلك كله أنه أخرج لي كتابا من محفظته، ثم كتب لي فيه إهداء، وقال: تقبل مني هذا الكتاب، فهو من تأليفي.. إنه كتاب [أيقونات التطور: لم يكون معظم ما ندرسه عن التطور خاطئاً]

فرحت بالكتاب كثيرا، وأخرجت من جيبي الكثير من المال لأعطيه لصاحبه، فقال: لو كنت أؤمن بنظرية التطور، والقيم المرتبطة بها لقبلت المال منك.. ولكني، ولكوني أرى من جمال الكون ما لا يراه التطوريون، فقد كانت فرحتك بالكتاب أعظم هدية أهديتها لي، أو أعظم ثمن أسديته.

بينما كنا كذلك إذ أسرع رجل إلينا، ثم أخذ يصافح ويلز بحرارة، دون أن يلتفت لي، وهو يقول: مرحبا بأهم قائد لفيالق حرب نظرية الدجل والخرافة نظرية التطور.. ومرحبا بصديق الإنسانية والحقيقة الذي دعا لإصلاح تعليم التطور عبر تصحيح أخطاء الكتب المدرسية، وعبر التأكيد على أن الدليل المؤيد والمعارض للدراونية يجب أن يدرس..

تخليت عن بعض كبريائي، ورحت أسأل الرجل قائلا: مرحبا بك.. هلا عرفتني على هذا الرجل، فإنه قد أهداني كتابه من دون أن يعرفني بنفسه.

قال: ألا تعرف هذا.. إنه خادم كبير من خدم الإنسانية.. إنه من دعاة التصميم الذكي الذين راحوا يفسرون نشأة الأنواع الحية تفسيرا علميا بعيدا عن كل أنواع الأيديولوجيا والتفكير الغرضي.

إنه ذلك الرجل الذي تبنى توجهاً مناهضاً للدور العشوائي اللاغائي الذي تعطيه نظرية التطور للطبيعة، باعتبارها أداة فاعلة في الخلق..

ولذلك تراه في كل محفل يناهض دعاوى التطوريين عن وجود عيوب في تصميم الأنواع الحية؛ لكونها تطورت بعضها من بعض، فنشأت العيوب نتيجة السمكرة وإعادة التخليق، وهو لذلك لا يعترف بوجود أعضاء أثرية بلا وظيفة، أو أعضاء غيّرت وظيفتها عبر المشوار التطوري.

بل هو على النقيض من ذلك، يرى ـ كما يرى جميع دعاة نظرية التصميم الذكي ـ في الأنظمة الحيوية تعقيدات وظيفية متخصصة، وتعقيدات غير قابلة للاختزال، ومن ثم تعجز الرؤية التطورية التدرجية التراكمية عن تفسيرها.

قلت: فهي نظرية دينية إذن؟

قال: لا.. هي ليست نظرية دينية.. بل هي تحصر دورها في وصف حقيقة الحياة كما هي، وتزيل عنها الرؤية التطورية الخرافية.. وترى كل نوع من الأنواع عالما قائما بذاته، لم يتطور من غيره، ولم ينشأ عنه.. وهي لذلك تفسر خلق الأنواع الحية بكونها تمت من قِبل مصمم ذكي، ولا تسمي اسم ذلك المصمم ليجتمع فيها جميع الأديان المؤمنة بوجود مصمم ذكي بغض النظر عن اسمه وصفاته وحقيقته، وهذا ما يفرقها عن النظريات الدينية.

قلت: ولم لا تتبنى رؤية دينية معينة؟.. ولم لا تعتبر الله خالقا، وتحدده على أنه ذلك المصمم الذكي؟

قال: هي لا تفعل ذلك لسببين.. أولهما أن ذلك سيبعدها عن أداء دورها الرسالي المرتبط بمواجهة أيقونات التطور وكهنته.. والثاني هو أن تحديد المصمم بدقة وعلمية أمر يخرج عن قدرة العلم.. ولذلك ترى هذه النظرية أن الخلق الخاص لكل نوع حي يتناسب كفرضية تفسيرية مع التصميم الذكي، بينما التطور التدريجي للأنواع الحية بعضها من بعض لا يتواءم مع التصميم.

قلت: فهل يقتصر دورها على هذا؟

قال: لا.. إن دورها يتعدى تقديم تفسير لنشوء الأنواع الحية، وهي الحدود التي تتناولها نظرية التطور؛ بل إنها تضيف إلى ذلك تفسيراً لنشأة الكون ككل، يُستدل عليه من خلال التوافق الدقيق للكون.

قلت: لا شك أن أصحاب هذه النظرية يتعرضون لمضايقات من طرف التطوريين، فأنا أعرفهم جيدا.. أعرف كبرياءهم وغرورهم واعتقادهم أنهم على الحق المجرد، وأن غيرهم خرافيون وضالون.

قال: صدقت في ذلك.. فمنذ بدأت حركة التصميم الذكي، والتطوريون يشيعون عن أصحابها أنهم خَلْقَوِيُّون، مع أن المنضمين إلى هذه الحركة والمؤسسات التابعة لها ليسوا كذلك جميعا.. فبعضهم دينيون مع اختلاف دياناتهم.. وبعضهم لا أدريون.. بل إن بعضهم ملاحدة.

قلت: فهلا ذكرت لي بعض أقطاب هذه النظرية..

قال: هم كثير.. ويتزايدون كل يوم.. وأظن أنك ستصير في يوم من الأيام أحدهم..

قلت: إذا قررت ذلك.. فهل يمكن أن أجد أصدقاء من العلماء المحترمين؟

قال: أجل.. ستجد الكثير منهم.. ومن كثير من التخصصات العلمية.. ستجد منهم البروفيسور [دين كينيون]، وهو من أوائل المؤسسين لهذه الحركة، وأحد المشاركين في وضع نموذج شهير لتفسير نشأة البروتين في بدء الخلق من خلال الأُلفة الكيميائية للأحماض الأمينية، بعد أن تراجع عن نموذجه واعترف بعدم وجود قيمة تفسيرية له.

وستجد منهم البروفيسور [أنتوني فلو]، الذي قضى عمره في الإلحاد، ثم عاد عنه وصنّف كتاب [هناك إله] الذي أعلن فيه تراجعه عن إلحاده، وانضم إلى حركة التصميم الذكي..

وستجد منهم الدكتور البيولوجي [هنري جي] المُحرر بمجلة نيتشر التطورية الشهيرة، وذلك في كتابه [البحث في أعماق الزمن]، والذي علق على الاستشهاد ببضعة عظام لا تملأ صندوقا صغير على تطور الإنسان أو غيره ـ مع كونه من التطوريين ـ: (إن أخذ سلالة من الأحافير وادعاء أنها تمثل خطاً تكاثرياً لا يعتبر فرضية علمية قابلة للاختبار، وإنما هو تأكيد على قصة تحمل نفس قيمة القصص التي تروى قبل النوم ـ ربما مفيدة.. ولكن ليست علمية)

وستجد [جيري فودور]، وهو بروفيسور الفلسفة وعلم الإدراك بجامعة ولاية نيوجيرسي، والذي كتبت كتابه في التشكيك في حقيقة وجود خرافة الانتخاب الطبيعي مع كونه كان حينها ملحدا، وذلك في كتابه [لماذا لا تملك الخنازير أجنحة؟]، والذي تم نشره في معرض الكتاب بلندن عام 2007م.. وقد شارك مع [ماسيمو بياتيللي بالماريني] في إصدار كتاب بعنوان [الأمر الذي أخطأ فيه داروين] عام 2011م، وقد قالا في مقدمته: (هذا ليس كتاباً عن الله، ولا عن التصميم الذكي، ولا عن الخلق.. ليس أياً من أحدنا متورطٌ في شيءٍ من ذلك.. لقد رأينا أنه من المستحسن أن نوضح هذا منذ البداية، لأن رأينا الأساسي فيما سيأتي يقضي بأن هناك خطأ ما، وربما خطأ لدرجة قاتلة في نظرية الانتخاب الطبيعي)

التفت إلي، وقال: هل سمعت ما قالا.. إن هذا يعني أن أكبر الانتقادات الموجهة لخرافات التطور وآلياته الخيالية وغير العلمية هي من أشخاص ملحدين أو لا أدريين أو لادينيين، إضافة إلى كونهم كانوا تطوريين من قبل أن يرجعوا لصوابهم وعقلهم.

قلت: وعيت هذا.. ولكني سمعت أن هناك جهات كثيرة معادية لكم، ومنها جهات رسمية في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.. فقد صرّحت الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة بأن التصميم الذكي ليس علماً؛ لكونه يفترض أصلاً خارقاً للطبيعة في نشأة الحياة، واتهمت النظرية بأنها لا تقترح أية فرضيات خاصة بها، ولا يمكن إخضاعها للتجربة، كما أنه لا يمكن التنبؤ منها بشيء!

قال: لا شك أن هذه التصريحات شكّلت درجة عالية من التحيز لنظرية التطور، والتجنّي في المقابل على نظرية التصميم.. فنظرية التصميم لها فرضياتها القابلة للاختبار؛ وأهمها: التعقيد المتخصص، والتعقيد غير القابل للاختزال في الأنظمة الكونية والحيوية.. كما أن النظرية تحقق أهداف العلم الثلاثة (التفسير ـ التنبؤ ـ الضبط)

وهي لذلك تقدم تفسيراً متسقاً غير متعاكس للضبط الدقيق في الكون، وللدقة التي خُلِقت بها أجسام ‏الأنواع الحية، وللقدرة على التكيف الموجودة في المناطق التنظيمية من جيناتها.‏

بل إنه يمكن من خلالها التنبؤ بالكثير في ضوء فرضياتها مثل توسع أو انكماش الكون، ووصول كائن ما للشيخوخة ‏أو الإصابة بمرض.

وفوق ذلك كله، فنظرية التصميم لا تعتبر الأنواع متسلسلة من بعضها، حتى تُطالب بالتنبؤ بظهور نوع جديد، فهذه فرضيات التطور، وليست فرضياتها، فما بالنا ونظرية التطور ذاتها تعجز عن هذا التنبؤ.‏

سكت قليلا، ثم قال: من أدلة كون كل ما ذكر أعداء نظرية التصميم الذكي مجرد حاقدين ومنحازين وغير علميين هو عجزهم عن تخطئة ما ذكرته حركتنا، وأيدته بالأدلة العلمية.. فالتعقيد في الكون وفي الأنظمة الحيوية غير قابل للاختزال، وفي التعقيدات المتخصصة.. كلها فرضيات ليست فقط قابلة للدحض؛ بل ولم يتم دحضها، وثبتت صحتها، فبالتجريب على الكثير من ‏الأنظمة الحيوية ثبت أن غياب جزء واحد فقط عن أي نظام حيوي يجعله يتوقف تماماً عن أداء وظيفته.

ذلك أنه لا يمكن تبسيط أي نظام حيوي مهما صغر، ولا يمكن إعطاء تفصيلات تدعم أن أي نظام حيوي هو نظام مبني بشكل تراكمي قابل للاختزال كما يزعم التطوريون.. هذه هي ‏الحقيقة التي تدعمها الكيمياء الحيوية، وهذا هو صلب التصميم الذكي.

سكت قليلا، ثم قال: في المقابل.. انظر إلى الرؤية التطورية كيف تعجز في الغالب عن إعطاء تفسير مفصّل لتكوّن أي نظام حيوي مما تفترض تكوُّنه بشكل تراكمي، كما أن تفسيراتها المبسطة غير المفصّلة ومن ثم غير العلمية؛ تتناقض في أحيان كثيرة.‏

ونظراً لهذا النقد الذي كثيراً ما وُجِّه للتفسيرات التطورية، فقد لجأوا في العقدين الأخيرين إلى محاولة إعطاء تفصيلات أكثر للخطوات التراكمية التي تُكوِّن بعض الأنظمة الحيوية وفق تصوراتهم.. وهي توقعات تنقصها التفصيلات المنطقية كما هو متطلب في النقد العلمي.

أما بالنسبة للنظام الكوني، فيكفي تغيير قيمة أحد الثوابت الكونية نظرياً لتثبت لنا المعادلات ‏الرياضية كيف سينهار الكون بأكمله..‏ وهذا يعني صمود فرضيات التصميم الذكي أمام الفحص.. فإن كانت هناك نظرية لا يمكن اختبار فرضياتها، وليست لها أي قيمة تفسيرية، وتحيل إلى المجهول؛ فهي التطور وليس التصميم الذكي.

العشوائية.. والتعقيدات غير القابلة للاختزال:

قال ذلك، ثم انصرف كلاهما.. فدخلت إلى المعهد، وكان أول ما قابلني مدرج كبير اجتمع فيه الكثير من الأساتذة والطلبة.. وقد وقف على المنصة متحدثا رجل أعرفه جيدا كان اسمه [مايكل بيهي]، وهو عالم متخصص في الكيمياء الحيوية، وأستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة ليهاي في بنسلفانيا بأمريكا.

وقد كنت أعرف أيضا أنه من العلماء الذين ساورتهم الشكوك الكثيرة حول نظرية التطور مع كونه لم يكن مؤمنا، لكن نتيجه تخصصه العلمي الدقيق، ونتيجة للاكتشافات العلمية الأخيرة، وخصوصا عندما قرأ كتاب [التطور نظرية في أزمة] لمايكل دانتون، ووجد أن كل النقاط التي ذكرها بالفعل أصابت التطور الصدفي والعشوائي في مقاتله.

وبناء على ذلك قام بتأليف كتابه الشهير [صندوق داروين الأسود] عام 1996م، وهو يعتبر من أشهر من أسسوا ووضعوا قواعد نظرية (التصميم الذكي) في شكلها الأكاديمي الأخير، وخصوصا نقطة (التعقيد غير القابل للاختزال) ودلالته على استحالة التطور التدريجي العشوائي عبر الزمن، وعلى دلالتها على الغائية لظهور الأعضاء المعقدة مرة واحدة من جهة مُصمم ما (هو لا يذكر إله أو خالق بعينه)

عندما دخلت المدرج المكتظ، سمعت مايكل، وهو يخاطب الحضور قائلا: قبل أن أشرح لكم فكرتي حول الأنظمة المعقدة غير القابلة للاختزال، سأضرب لكم مثالاً من خارج البيولوجيا يقرب لكم ذلك.. إنه مصيدة الفئران؛ فهي ـ كما ترونها ـ مؤلفة من عدة أجزاء.. مؤلفة من قطعة خشبية، ومن نابض، ومن ملقط معدني، ومن قطعة جبن.. وعندما نزيل أي جزءٍ منها، فإن باقي الأجزاء لا قيمة لها على الإطلاق، فلن تعمل المصيدة إلا بوجود كامل أجزائها مجتمعةً مع بعضها في أماكنها.. ومثل ذلك القوس الحجري، فإننا إذا قمنا بإزالة أيّ حجرٍ منه فسينهار تماماً.. وبذلك فإن القوس والمصيدة أنظمة غير قابلة للاختزال.

وهذا هو الحال مع الكائنات الحية.. فالأنظمة المعقدة لا يمكن أن تعمل عند إزالة أحد أجزائها، ولذا لا يمكن لهذه الأنظمة أن تكون قد تشكلت بالتطور التدريجي، بل إنها لا بد أن تكون قد وجِدَت كما هي بشكلٍ فوريّ لا على مراحل، والكائن الحي مثالٌ على هذه الأنظمة.

***

قال ذلك، ثم التفت لبعض الحضور، وقال: أما بخصوص سؤالك أنت.. فالجواب عليه بسيط جدا، ذلك أن نظرية التطور تخبرنا أن الكائنات الحية معقدة التركيب الموجودة اليوم قد تطورت عن كائناتٍ أخرى أقل تعقيداً، وبما أن تعقيد الكائنات الحية يزداد عن طريق إضافة أجزاء أو وظائف أخرى إليها عن طريق الطفرات مثلاً؛ فبناءً عليه يمكن أن يقال: كما أن الكائنات تطورت بإضافة أجزاء ووظائف جديدة، فإنه نظرياً يجب أن نتمكن من العودة خطوةً إلى الوراء في المسار التطوري بأن نزيل الجزء المضاف، ويجب على الكائن الحي عندها أن يبقى قادراً على القيام بمهامه الحيوية.

فإذا كانت الرئتان قد ظهرتا مثلاً عندما خرجت السمكة الرئوية من الماء، يجب أن يكون صحيحاً أننا إذا أزلنا رئتي السمكة ستصبح أقل تعقيداً لكن قادرةً على الحياة والقيام بالوظائف الحيوية كما كانت قبل ظهورهما! وبما أن هذا لا يحدث، فإن هذا يؤدي بالضرورة إلى أن نظرية التطور ليست صحيحة.

***

التفت إلى آخر، وقال: بخصوص سؤالك أنت، فإنه إذا كانت نظرية التطور مبنية على تصور أن هذه الوظائف المعقدة الموجودة فى الكائنات الحية جاءت بشكل تدريجى عبر بلايين السنين، وأنه تم انتخاب كل شيء صالح أثناء هذه الفترة فتراكمت هذه الصلاحيات حتى وصلت إلى هذا التعقيد الذى نشاهده، والذى يقوم بكل هذه الوظائف الحيوية فى الكائنات الحية فلاشك أن هذا التصور ينهار إذا وجدنا فى الكائنات الحية وظائف غير قابلة للاختزال.

وهذا ما أقر به داروين نفسه فى كتابه أصل الأنواع حيث قال: (إذا كان من الممكن إثبات وجود أي عضو معقد لا يرجح أن يكون قد تكون عن طريق تحولات عديدة ومتوالية وطفيفة، فسوف تنهار نظريتي انهيارا كاملا)

ومعنى أن هذا العضو معقد تعقيد غير قابل للاختزال أى أن الوظيفة التى يقوم بها لا وجود لها قبل أن تجتمع كل الأجزاء التى يتكون منها هذا الشيء.. وأنه لو فقد ولو جزء واحد من المكونات لتلاشت الوظيفة بالكلية.

ومثل ذلك الأجهزة الحديثة المعقدة التى لو قطعت منها أي سلك، أو أخرجت منها جزءا صغيرا، فإنها تفسد بالكلية.. ذلك أن هذه الأجهزة لا يمكن تصور تكونها بشكل تدريجى، نتيجة تراكم الصلاحيات والمنافع التى يمكن تحصيلها من أشكال منها أولية التركيب.

انظروا إلى المصعد الكهربائى، فوظيفته حمل الناس من الأدوار العلوية إلى السفلية أو العكس، وهذه الوظيفة لا يمكن تحقيقها قبل أن تجتمع كل أجزاء المصعد من أسلاك وأحبال ومحركات والصندوق الكبير الذى يدخله الناس، ويكون كل شيء من هذه الأشياء فى موضعه بالضبط، وموصلا بمصدر الطاقة.. وكل هذا يجب أن يحدث أولا قبل أن يتحرك المصعد سنتيمترا واحدا.

أما لو أحضرت ربع المكونات الأساسية للمصعد أو نصفها مثلا، فلن تتمكن من استخدام المصعد لطابقين أو ثلاثة حتى تكمل باقى الأجزاء الناقصة، ولذلك فهذا تعقيدا غير قابل للاختزال، ولا يمكن تكونه بشكل عشوائى بدون علم ولا حكمة ولا غاية.

فى حين أن العضو أو الشيء المعقد تعقيدا يمكن اختزاله لا يحتاج إلى مصمم، ويمكن أن يتكون بالصدفة وتراكم صلاحيات أجزائه، لأن كل جزء من أجزائه يحمل نفس الوظيفة التى يحملها هذا التعقيد المختزل في النهاية لكن بمقدرا أقل، وإلا لما وجد الانتخاب الطبيعى سببا لانتخاب تلك الأجزاء والتدريج يفيد فقط فى زيادة مقدرا الوظيفة.

 وبالمقارنة مع مثال المصعد الكهربائى نجد الدرج قابلا للاختزال، ذلك أنه إذا كان عندك درجة واحدة فقد حققت منفعة لأنها سترفعك بمقدار ارتفاع هذه الدرجة من درجات الدرج، ولو أحضرت ربع عدد درجات الدرج المطلوب لمبنى مكون من عشرة طوابق لانتفعت بها ولاستطعت الصعود والهبوط عليها إلى طابقين أو ثلاثة.. بخلاف المصعد الذى لا يمكن الإنتفاع به بأى نفع إلا بعد اكتمال كل أجزائه.

وبذلك، فإن طريقة الدرج هى التى تتبناها الداروينية فى تحصيل المنافع بشكل تدريجى بسيط لتحقيق الوظائف المطلوبة، وهي تنهار إذا لم تستطع تعميم هذا الأسلوب على كل الوظائف الموجودة فى الكائنات الحية.

***

التفت إلى آخر، وقال: بخصوص سؤالك أنت، فالحقيقة أن الأمثلة عن الوظائف الحيوية المتصفة بهذا الوصف لا يمكن حصرها.. ومن أمثلتها السوط البكتيرى، وتخثر الدم، وتشفير الحمض النووي، وتنظيم الجهاز المناعى، وغير ذلك كثير.

 التفت إلى آخر، وقال([20]): بخصوص ما ذكرت عن التطوريين، وأنهم اخترعوا فكرة التكيف المسبق، حيث ذكروا أن كل هذه الأعضاء المعقدة تعقيدا غير قابل للاختزال صحيح.. وأنه لم يكن لأجزائها أى قدر من الوظيفة التى سيؤديها العضو في النهاية بعد اكتمال كل أجزائه، لكن كان لها وظائف أخرى زالت وتطورت واندمجت فى الوظيفة النهائية التى نعرفها للعضو.. فإن هذا زيادة على عدم القدرة على إثباته مضحك جدا.

ذلك أننا لو طبقنا هذه الفكرة على المصعد الكهربائى، فسينتج لنا مسرحية هزلية لا مكان لها سوى في أفلام الرسوم المتحركة.. لأننا حينها سنطلق لخيالنا العنان ونفترض أن كل أجزاء المصعد تجمعت فى هذا المكان، وتركبت التركيب الصحيح بدون قصد تركيب مصعد كهربائى، وإنما كان هناك أغراض مختلفة تماما.

دعونا نطبق ما قاله الداروينيون على هذا المثال.. مثال المصعد.. فنفترض أن تكون الحبال الصلبة المتدلية من سطح المبنى حتى أسفله ـ مثلا ـ قد أحضرها لص ليسرق احدى الشقق.. وأنه أحضر بكرات قوية تدور حولها تلك الأحبال ليرفع عليها خزينة كبيرة سيسرقها من دخل الشقة.. ولنفترض أن هذه الخزينة كانت تشبه غرفة صغيرة تسع بداخلها شخصين أو ثلاثة.

ولنفترض أنه كان بالمبنى المجاور شخص قام من حيث لا يشعر بشراء محرك مصعد كهربائى، ثم تسلل ليلا للمبنى المجاور ووضعه فى المكان المجوف وسط المبنى الذى تتحرك خلاله المصاعد.. ولحسن الحظ كان هناك شخص وضع فى هذا المكان محولات كهربائية، وتوصيلات لإضاءة المبنى، وإقامة حفلة سيحضرها كل سكان المبنى، وأثناء اخراج اللص للخزينة تعثرت قدمه، فسقطت الخزينة على المحرك، واختلطت الأسلاك، وشغلت المحولات، وشدت الحبا،ل وتكون مصعد كهربائى بدائى.

ثم ما لبث سكان المبنى عندما رأوا ذلك، حتى راحوا يطورون ذلك المصعد الذي اكتمل بناؤه من غير قصد.. ليصبح وسيلة للصعود والهبوط، بالرغم من أنه تعقيد غير قابل للاختزال.

ضحك بصوت عال، وقال: هذه ليست نكتة، ولا خيالا مجردا، وإنما هذا هو المنطق الذي واجهت به الداروينية فكرة التعقيد غير القابل للاختزال.

ولهذا، فإن من لا يري بأسا فى قصة اللص والمصعد الكهربائى هذه يمكنه أن يكون داروينيا بجدارة.. ومن كان يرى هذه الطريقة التى عارضوا بها التعقيد غير القابل للاختزال طريقة سفيهة لا يمكن أن يتبناها أو يصدقها عاقل فهو متهم من قبل الداروينيين بأنه غير عقلانى، ويؤمن بخرافات وأساطير الأولين، بل ينبغى تجريم هذه الطريقة فى التفكير، وتقديم [مايكل بيهى] وزملائه للمحاكمة كما حدث فى محاكمة دوفر الشهيرة والتى حكم فيها القاضى بمنع تدريس نظرية التصميم الذكى، وفى المقابل يرى الداروينيون أن التكيف المسبق (قصة اللص والمصعد الكهربائى) طريقة علمية رصينة يمكن أن نعتمدها فى تفسير كل تعقيد غير قابل للاختزال، فهذه هى العقلية الدراوينية السخيفة عندما تتعامل مع الأزمات التى تفضحها.

***

التفت إلى آخر، وقال([21]): بخصوص ما ذكرت من التطور الهائل لعلم الكيماء الحيوية منذ أواسط القرن الماضي وحتى اليوم صحيح.. ولكن ذلك كله يصب في خدمة نظرية التصميم الذكي، وخصوصا في خدمة التعقيدات غير القابلة للاختزال.

ذلك أن أنه أدى إلى تغير جذري في معرفة العلم والطب بما يجري في جسم الإنسان، وبالذات في مقومات الحياة، فقد تبين للعلماء وبوضوح قاطع لا لبس فيه، أن حياة أي كائن حي، قائمة على عدد يصعب حصره من الآلات والأجهزة التي تعمل بشكل متكامل ومتزامن.. ولو توقف أي منها عن العمل لكان لها تأثيرات قد تكون مميتة على حياة الكائن الحي.

وهذه الآلات ليست مصنوعة من معادن وأخشاب وغيرها من المواد التي نعرفها، ولكنها مصنوعة من جزيئات كيميائية، تقوم بكل ما يخطر وما لا يخطر على البال من أعمال، وتتحكم بكل ما يجري في الكائن الحي من مهام.

فهي تحمل المواد، وتنقلها، ثم تفرغ حمولتها في المكان المناسب، وتنسخ الخلايا وتعطيها شكلها ولونها، وتنقل صفات الكائن الحي لذريته وتدافع عنه ضد الأعداء، وتولد التيار الكهربائي وتنقله وترسله إلى الأماكن المطلوبة وتقطعه عندما تنتهي مهمته، ولو عددنا كل ذلك بتفصيل لما انتهينا.

باختصار أقول لك، ولكم جميعا: إن الجزيئات الكيميائية هي آلات تتحكم تماما بكل ما يجري في خلايا الكائن الحي من أعمال.

وقد كان هذا التغير في المعرفة أحد المعاول الكبرى التي ساهمت مع غيرها في هدم نظرية التطور، ذلك أنه من المعروف أن نظرية داروين تقوم على أسس ثلاثة.. أولها أن الكائنات لها أصل مشترك.. والثاني أن الاختلاف والتنوع والتعقيد الذي نراه في الكائنات هو نتيجة طفرات عشوائية كانت تحدث للكائنات على مر الملايين من السنين، وأن تراكم هذه الطفرات كان يؤدي إلى تغيرات في الكائنات الحية.. وثالثا الاصطفاء الطبيعي، الذي ينتقي من الكائنات ما تؤدي طفراته المتراكمة إلى تحسن في نوعه، فيبقى ويتكاثر وينقل صفاته المحسنة الجديدة إلى ذريته، في حين ينقرض الكائن الأضعف أو ذو الصفات الأدنى.

لكن اكتشاف العمليات البيولوجية المتسلسلة والمعقدة، والتي لا تكاد تحصى، والموجودة في الخلايا الحية، كان أحد أهم عوامل انهيار مبدأ تراكم الطفرات، وبالتالي انهيار النظرية من أساسها.

***

قام رجل من الحضور، وقال: هلا وضحت لنا ذلك.

قال: أنتم تعلمون أن تصنيع أي آلة معقدة مثل السيارة أو غيرها يحتاج إلى مصانع متقدمة، تحتوي على خطوط إنتاج، تعمل بدقة شديدة، وبخطوات متعاقبة..

حيث تدخل المواد أولها على شكل معادن ولدائن وقماشاً وجلداً وأسلاكا، وتخرج آخرها سيارة متكاملة جاهزة للعمل.

وأهم ما يلاحظه من يتأمل خط الإنتاج هو أنه يتألف من مراحل أو محطات متعددة متوالية، وأن كل محطة يتم فيها عمل ما يعتمد على ما تم في المحطة السابقة، ويعتمد عليه العمل الذي يتم في المحطة اللاحقة.. وبتعبير آخر كل مرحلة هي نتيجة لما قبلها وتوطئة لما بعدها، فالمواد التي تصنع منها السيارة موزعة على المحطات، كل مادة في المحطة المناسبة، وكل مادة ذات مواصفات دقيقة محددة معروفة مسبقاً.

فمثلاً في المراحل الأولى للتصنيع نرى على خط الإنتاج هيكل السيارة المعدني مجرداً، وفي مرحلة لاحقة يتم معالجته فنرى عليه ثقوبا وفتحات وتفاصيل مجهزة للمراحل اللاحقة، وهناك فتحات للأضواء، وثقوبا لكل سلك أو أنبوب سيعبر من المحرك إلى مقصورة الركاب، وأماكن مخصصة محفورة بدقة شديدة لكل صمام أو زر أو غير ذلك.. وهكذا كلما مشت السيارة على خط الإنتاج كلما أخذت أجزاؤها بالتكامل، حتى يتم التصنيع.

ومن البديهي أن هذا لا يتم إلا إذا كان هناك تصميم لكل أجزاء السيارة، من أكبر قطعة في هيكلها إلى أصغر دارة كهربائية في محركها.. ومن البديهي أيضا أن هذا التصميم قد تم تجهيزه مسبقا وبدقة شديدة وبشكل كامل قبل إنشاء خط الإنتاج.. ومن البدهي أن مدير فريق التصميم يعلم تماما كيف ستخرج السيارة في نهاية خط الإنتاج قبل أن يبدأ الإنتاج، ولو حصل خلل أو خطأ في خط الإنتاج، لما اكتمل التصنيع، فخط الإنتاج يكون عادة مبرمجاً بحيث لا يتحرك إلى أية مرحلة قبل أن تنتهي المرحلة السابقة لها، ولو فرضنا جدلاً أنه تحرك وتجاوز إحدى المراحل، فستخرج السيارة غير مكتملة أو فيها خلل يمنع من استخدامها.

سكت قليلا، ثم قال: إن خطوط الإنتاج الصناعية هي مثال تقريبي لنوع من العمليات المتسلسلة المعقدة، التي نطلق عليها (تعقيد غير قابل للاختزال)، أي لا يعمل إلا إذا كان مكتملا من أوله إلى آخره ولا يمكن أن نحذف منه أي مرحلة من مراحله، لأن حذف مرحلة واحدة يعطله تماما، ويعادل حذفه كله.

بناء على هذا المثال، فإن جسم الكائن الحي يحتوي على ما لا يكاد يحصى من خطوط الإنتاج التي تعمل على مدار الساعة، أبطالها هي الجزيئات الكيميائية، ومنتجاتها أكثر تعقيدا وإتقانا من أكثر السيارات تقدما، وتزيد عليها أن منتجات الكائنات الحية هي جزء من منظومة لا محدودة من الآلات التي تعمل معا بتفاعل وتناغم مدهشين لتحافظ على حياة الكائن الحي، بينما السيارة آلة مفردة مستقلة.

قام رجل من الحضور، وقال: هلا ضربت لنا مثالا على ذلك.

قال ما يكل: لك ذلك.. وسأضرب لكم مثالا عن عملية تخثر الدم، فكلنا يعرف أن الدم الذي ينزف من أي جرح يصيب الإنسان، ما يلبث أن يتخثر فيسد الجرح، ولكن الذي لا يعلمه الكثيرون أن هذا التخثر يتم عبر سلسلة معقدة من العمليات، أي عبر خط إنتاج محكم دقيق مشابه لخط الإنتاج الصناعي من حيث المبدأ، إذ يمر بمراحل متوالية متسلسلة تؤدي كل منها إلى ما بعدها حتى يتم الإنتاج على أكمل وجه، وبشكل دقيق محكم، ولو حصل أي خلل في تسلسل هذه العمليات فإن ذلك سيؤدي إلى هلاك الكائن الحي، إما بسبب النزيف حتى الموت، أو بسبب تشكل تخثرات كبيرة تسد مجرى الدم، ولذلك يمكن اعتبار ذلك تطبيقا لما ذكرناه من تعريف (التعقيد غير القابل للاختزال)

قام آخر، وقال: هلا شرحت لنا ذلك أكثر.

قال مايكل: لك ذلك.. فانطلاق هذه السلسلة يبدأ بتمزق نسيج الوعاء الدموي، وختامها يتم بالتئام الجرح.. وتكون المركبات والبروتينات والإنزيمات المشاركة فيها كامنة في الدم تنتظر الإشارة ليبدأ مسلسل تحفيزها.. وهذه الإشارة تنطلق من جدار الوعاء الدموي، الذي تحوي طبقته الداخلية على مادة تسمى [العامل النسيجي]، وهو مركب يوجد في طبقة رقيقة جدا تبطن الجدار الداخلي للوعاء الدموي، فإذا ما تمزق جدار الوعاء، ينطلق العامل النسيجي، معلناً حالة الطوارئ، ومؤذناً ببداية عملية التخثر، فهو الذي يُحفز بداية العملية التي تنتهي بتشكل الثرومبين، الذي يحفر الفايبربنوجين ليتشكل الفايبرين.

وما بين إطلاق العامل النسيجي، وصولاً إلى تشكيل الفايبرين، هناك سلسلة معقدة متسلسلة من العمليات، ولا يهمكم هنا أسماء المركبات، فهي مثل أسماء فريق كرة القدم، لا يهم من يمرر الكرة من أول الهجمة لآخرها، ولكن المهم أن يتحقق الهدف وتسكن الكرة الشباك.

وبناء على هذا، فإن الطبيعة التسلسلية المحكمة لهذه العملية، لا تختلف عن خط إنتاج السيارة، حيث ينطبق عليها وصف (التعقيد غير القابل للاختزال)، فلو حذفنا منها أية مرحلة من مراحلها، لما تمت العملية برمتها، ولما تخثر الدم، ذلك أن كل مرحلة منها تعتمد تماماً على التي قبلها، ولا بد لتتم كل مرحلة من وجود المركب الذي يقوم بها، ولكن بشكل كامن، ومن وجود المركب الذي يحفزه أيضاً، وأن يتم التحفيز في الوقت المناسب تماماً.

فكيف تطورت هذه العملية عبر الطفرات المتراكمة؟.. وكيف اتفق أن توجد كل هذه المركبات في صيغها الكامنة، وأن تتفعل الأنزيمات أو المحفزات اللازمة لعملها في القت المناسب والمكان المناسب.. علما أن هناك أكثر من خمسين مركبا وبروتينا وأنزيماً يشاركون في عملة تخثر الدم؟

سكت قليلا، ثم قال: إن من يزعم أن عملية تخثر الدم وأمثالها نشأت نتيجة تراكم الطفرات العشوائية، لا يختلف عمن يزعم أن جماعة مروا بكومة ضخمة من الخردة والمواد المختلفة، فعبثوا بها.. وأقول: عبثوا.. لأن الدارونيين يقولون إنه لا يوجد تصميم مسبق، بل هي طفرات عشوائية.. وصفوا وركبوا بعضاً منها ثم مضوا، وإذا الذي حصلوا عليه هو الجزء الأول من خط إنتاج سيارة.

ثم جاء من بعدهم جماعة أخرى، فعبثوا بكمية أخرى من المواد وصفوها إلى جانب سابقتها، ثم مضوا، وإذا بنا نحصل على الجزء الثاني من خط التصنيع.

ثم تتابعت الجماعات، كل جماعة تعبث فتحصل على مرحلة جديدة، وبعد أزمان ودهور من تتابع الجماعات، حصلنا على خط كامل لإنتاج السيارات، يعمل بدقة وإتقان وينتج سيارات كاملة قابلة للاستخدام، علماً أن كل الجماعات التي مرت، لم يكن لديها تصميم مسبق لما سيكون عليه هذا الخط عندما ينتهي بشكل كامل، ولم تكن تعلم ماذا ستفعل الجماعة التي بعدها.

إن كان هذا الكلام يمكن تصديقه، فيمكن إذن أن نصدق أن عملية تخثر الدم وأمثالها نشأت بواسطة التطور الداروني.

سكت قليلا، ثم قال: دعونا نسأل: هل كانت عملية تخثر الدم موجودة مع أول كائن حي نتج عن التطور وله دورة دموية؟ إن كان الجواب لا، بل قد تطورت تدريجياً، فهذا محال، لأن هذا الكائن لن يستمر في الحياة وسينقرض قبل أن يتطور، حيث إن دمه سينزف حتى الموت عند أول جرح أو خدش، وإن كان الجواب نعم، لقد كانت آلية تخثر الدم موجودة عند أول كائن ذي دورة دموية، فسنقول: إن هذا لو حصل يدحض تماماً نظرية التطور، حيث إن الوصول إلى مثل هذا النظام المعقد، بشكل مباشر وبهذه الدقة، لا يمكن أن يحدث بطفرة واحدة، بل يحتاج حسب نظرية داروين نفسها إلى عدد ضخم من الطفرات العشوائية المتراكمة عبر زمن سحيق من الدهور، أو يحتاج إلى أن يكون وراءه مصمم خبير.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى نسألهم جدلاً: وهل كان هذا النظام لو فرضنا جدلاً أنه نشأ بطفرة واحدة يحتوي أيضا على طريقة لإيقاف التخثر في الوقت المناسب والمكان المناسب والسرعة المناسبة؟.. فإن قالوا لا، قلنا لهم: هذا محال لأن ذلك سيجعل هذا الكائن ينقرض، لأن دمه سيتجلط كله عند أول جرح، وإن قالوا: نعم، فسنقول لهم، عجبا لهذه الطفرة الخارقة، التي ينتج عنها دفعة واحدة نظام كامل متكامل معقد دقيق محسوب، وفي الوقت نفسه ينتج عنها نظام معاكس له لا يقل عنه دقة ولا تعقيدا ولا حساباً ولا إتقانا.

سكت قليلا، ثم قال: لم يتمكن الدراوينيون حتى الآن من إثبات أن عملية تخثر الدم.. ومثلها ما لا يكاد يحصى من العمليات الأخرى المشابهة في خلايا الكائنات.. ناتجة عن آليات التطور، وكل ما يقولونه هو تلك العبارة التي لا يملون من تردادها دون دليل أو إثبات: إن تراكم الطفرات الجينية على مر عصور طويلة كفيل بأن ينتج عنه تطور أي نظام معقد معروف.

صعد إلى المنصة، وراح يصيح بصوت عال: نحن يا سادة في عصر العلم، عصر التجربة والبرهان والدليل، فعليكم أن تثبتوا لنا بالدليل والبرهان والتجربة العلمية الموثقة، كيف تطور نظام تخثر الدم، وأن تثبتوا لنا أن أسلافنا لم يكن لديهم هذا النظام، أو كان لديهم نظام بدائي ثم تطور حتى وصل إلى ما وصل إليه، وسنتبنى نظريتكم إن أثبتم ذلك بالدليل العلمي القاطع.

لاشك أنهم سينغضون إليك رؤوسهم ويقولون: هل تريدن أن تقولوا إن هذا النظام من صنع وتصميم قوة خارقة عليا؟ أنتم تريدون جرنا للإيمان بالله.. وهذا ليس من العلم.

وهنا سنقول لهم: دعكم من هذه الطريقة المعروفة في التهرب من الجواب، لا تقفزوا خطوة للأمام قبل أن ننتهي من الخطوة السابقة، فإن أثبتم أن هذا النظام تطور حسب نظرية دارون، سنؤمن معكم بها، وإلا فدعونا نشطب هذه النظرية من قاموس العلوم ونبحث معا عن جواب مقنع، وما أوضحه وما أسهل الوصول إليه إن تجرد الباحث عن هوى نفسه واتبع المنهج العلمي الصحيح المبني على التجربة والبرهان والدليل القاطع.

***

التفت إلى آخر، وقال([22]): لنعد لما طرحته أنت.. أجل.. فالنفس الاول للطفل تعقيد هام جدا لاستكمال الحياة غير قابل للاختزال.. وقد ثبت ذلك بالأدلة العلمية الكثيرة.

ففي عام 1967 قام الطبيب [كريستيان برنارد] بإنجاز أول عملية زرع للقلب، وفي ذلك الوقت كانت إزالة قلب شخص ما تؤدي إلى موته.. وقد ذهل الناس حينئذ عند سماعهم بالخبر.. ذلك أنه لم يتم فقط إزالة قلب الرجل، وإنما تم وضع قلب آخر في مكانه.

وبعد سنوات من جهود التصميم والاختبارات وصلت البشرية إلى اختراع معقد يتكون من جهاز القلب والتنفس الاصطناعي، والذي يقوم بتدوير الدم، ويعمل كرئتين للمرضى، ويوفر لهم الأوكسجين.

وقد حصل أنه كان في نفس المستشفى، وفي نفس ذلك الزمان أم قد وضعت وليدها للتو، وحصلت له نفس عملية التحول للنجاة بواسطة [جهاز رئتين] أفضل بكثير.. ولكن لم يقم أي مراسل بتغطية هذا الحدث.. على الرغم من أن الحدث الأول يعتبر خطوة عظيمة في هندسة البشر إلان أن الحدث الثاني لم يتم شرحه بواسطة أي عملية طبيعية.. لأن الولادة أمر شائع، لذلك فمن السهل أن نغفل عن حقيقة كون الطفل ينمو في محيط كلي من المياه لمدة تسعة أشهر.

إنه عالم من المستحيل تماما لأي شخص أن يعيش فيه على الفور بعد أول نفس له.. ويتم إنجاز هذه الخطوة من خلال كون الطفل يمتلك، وداخل الرحم فقط، أوعية دموية بتركيب وترتيب يختلف عما عليه في البالغين.

حيث نلاحظ أن الدم الغني بالأوكسجين عند البالغين ينتقل بعيدا عن القلب من خلال الشرايين تحت ضغط دم عال، ويعود إلى القلب عن طريق الاوردة تحت ضغط واطئ.. ولهذا فإن القلب والرئتين تتعاونان مع بعضهما بشكل اعتمادي لتحقيق غرض إيصال الأوكسجين لكل أنحاء الجسم.

أما ترتيب الدورة الدموية في الجنين، وبالنسبة للطفل في الرحم، فإن كل شئ يتعلق بالوظائف الحيوية الخاصة بالقلب والدورة الدموية معكوس تماما، ويرجع ذلك لسبب مهم، وهو أن الرئتين وإن كانتا مكتملتين من الناحية الوظيفية إلا أنهما لا تزالان غير فاعلتين في عملية تبادل الأوكسجين.. وعليه فمن أجل ان يستمر الجنين في الحياة المؤقتة داخل الرحم ينبغي توفر ثلاثة تغييرات تركيبية رئيسية في نظام الدورة الدموية..

أولها، هو أن تتوفر لديه رئة بديلة، وهى المهمة الصعبة التي يستحيل على مهندسي الإحياء الطبية توفيرها، لكنها وفرت للجنين في صورة المشيمة، وهي العضو المميز الذي يوجد لفترة بسيطة، ولكنه يلعب دورا مهما في عدد لا يحصى من الوظائف الحيوية خصوصا في كونه رئة وكلية للجنين.

وثانيها، هي أنه يجب تجاوز الدورة المؤدية إلى الرئتين، لذلك يجب على الأوعية الدموية أن تتغير لتحقيق هذا الالتفاف المؤقت.

وثالثها، هو أن على الأوعية الدموية ألا تقتصر وظيفتها فقط على ربط المشيمة بالطفل، وانما أيضا داخل الجنين من نقطة اتصالها به إلى الأوعية الطبيعية التي تؤدي من وإلى القلب.. ويؤدي الحبل السرّي وظيفة تحقيق الاتصال بين المشيمة والجنين، حيث يحتوي على وريد واحد عريض القطر وشريانين اثنين أصغر من الوريد، وتمتد داخل الجنين على شكل الوريد السرّي، والشرايين السرّية.

هناك تفاصيل كثيرة مرتبطة بهذا، لا يمكن ذكرها هنا، وهي معقدة تعقيدا شديدا، وخلاصتها هي أن كل تلك الأجهزة تؤدي وظيفة واحدة، وهي مراعاة ذلك العالم المحيط بالجنين، والذي سيتغير جذريا، ولذلك، فإن تلك التراكيب المؤقتة تمتلك آليات حاسمة تؤمن الانتقال الآمن إلى خارج الرحم.

سكت قليلا، ثم قال: لقد كتب داروين يقول: (إذا ما أمكن إثبات أن أحد أعضاء الجسم المعقدة قد تشكل من دون تعديلات طفيفة متعددة ومتعاقبة فإن نظريتي ستكسر بصورة مطلقة)

وعندما نطبق هذه المقولة على تلك التراكيب والوظائف التي تتم إعادة ترتيبها عند الولادة وفي خلال أقل من دقيقة بعد الولادة، نلاحظ أن كل مولود يولد ومعه شهادة بانهيار نظرية التطور.

***

التفت إلى آخر، وقال: بخصوص سؤالك أنت.. أقول لك من البداية: إن نظرية التطور لا تستطيع الإجابة عن ذلك بأي حال من الأحوال.. فجودة الإدراك الممتازة في العين والأذن لايمكن تصورها.. وهي من التعقيدات غير القابلة للاختزال.. ولذلك يستحيل أن نصفها بالتطور

ذلك أن أشعة الضوء القادمة من أي جسم تسقط أولا على شبكية العين.. ثُمّ يتم تحويل هذه الأشعة إلى إشارات كهربائية لتنتقل إلى نقطة صغيرة في الجزء الخلفي من المخ والتي تعرف باسم [مركز البصر].. وهناك يتم إدراك هذه الإشارات الكهربائية كصورة بعد أن تتم سلسلة من العمليات.

والصورة التي تتكون في العين واضحة جدًا لدرجة أن تكنولوجيا القرن العشرين لم تستطع الوصول إلى هذه الدّقة.. حتى شاشة التليفزيون الأكثر تطورًا، والتي أنتجها أفضل مُنتج في العالم لا يمكن أن تقدّم صورة بمثل هذا الوضوح.

بالإضافة إلى أن هذه الصورة التي نراها صورة ثلاثية الأبعاد، ملونة، وواضحة إلى أقصى درجة.. وقد حاول آلاف المهندسين لأكثر من 100 سنة أن يصلوا لهذا الوضوح وهذه الدّقة فلم يستطيعوا..

لقد حاول عشرات آلاف المهندسين لسنوات عديدة أن يصنعوا تلفزيونا يعرض صورة ثلاثية الأبعاد، وذات جودة مشابهة لرؤية العين.. وبالرغم من تمكنّهم من صُنع تلفزيون يعرض صورة ثلاثية الأبعاد، إلا إنه لا يمكن مشاهدته دون ارتداء نظّارات مخصصة، بالإضافة إلى كونها صورة ثلاثية الأبعاد مصطنعة.. ولم تصل هذه الصورة بعد إلى درجة من الوضوح كالتي ترى بها العين.

وبالرغم من هذا كله يزعم التطوريون أن آلية إنتاج صورة واضحة مميزة كهذه قد نشأت عن طريق الصدفة.. مع أنه لو أخبرك أحد أن التلفزيون الذي في غرفتك قد يكون نتيجة الصدفة، وأن ذراته تجمّعت مع بعضها وكوّنت جهازًا يُنتِج صورًا.. سوف ترميه بالكذب والجنون والخرافة.

فإذا كان الجهاز الذي يُنتِج صورًا أقل جودةً من صور العين لا يمكن أن يكون قد نشأ عن طريق الصدفة، فمن المؤكّد أن العين لم تنشأ عن طريق الصدفة..

سكت قليلا، ثم قال: والأمر نفسه ينطبق على الأُذُن.. حيث تلتقط الأذُن الخارجية الأصوات عن طريق صيوان الأذن، وترسلها إلى الأذُن الوُسطى.. والتي تنقل الاهتزازات الصوتية مُضخّمة.. ثم ترسل الأذن الداخلية هذه الاهتزازات إلى المخ عن طريق ترجمتها إلى إشارات كهربائية.. تمامًا كما يحدث في العين، يحدث السمع في مركز السمع داخل المخ.

والوضع بالنسبة للسمع مشابه للبصر، فالمخ معزول عن الصوت مثلما هو معزول عن الضوء، إذ أنه لا يصله أي صوت مهما بلغت الضوضاء بالخارج.. وعلى الرغم من ذلك، فإن أشدَّ الأصوات يتم إدراكها داخل المخ.. فداخل المخ الصامت تمامًا، يمكننا الاستماع إلى كل شيء.. مع أنه لو أتينا بجهاز دقيق لقياس شدّة الصوت، وقمنا بقياسه داخل المخ، فإننا ستجد الصمت التام يسود هناك.

وهكذا كما هو الحال مع التصوير، بذل الإنسان جهودا جبارة لعشرات السنوات في محاولة إنتاج صوت مطابق لما تسمعه الأذن، فأنتج مُسجِّلات الصوت والأنظمة الصوتية عالية الدِّقة وأنظمة استشعار الصوت.. وبالرغم من وجود كل هذه التكنولوجيا ووجود آلاف المهندسين والخبراء الذين عملوا على ذلك، لم يتمكنوا من الحصول على صوت له نفس دِقّة ووضوح الصوت الذي تدركه الأذن حتى في أعلى الأنظمة الصوتية جودة، والتي هي من إنتاج أكبر شركات صناعة الموسيقى، فإنك تسمع صفير قبل بدء الموسيقى.. بخلاف الصوت الذي تدركه الأذن البشرية، فإنه لا يصاحبه صوت صفير أو صوت الهواء المحيط كما يحدث عند سماع صوت مُسجّل.

***

بقيت بعدها مدة طويلة أتردد على [معهد ديسكفري] لأبحاث [التصميم الذكي]، وقد حضّرت معهم للكثير من المؤتمرات العلمية، وساهمت معهم بالكثير من الأبحاث.

لكني مع ذلك كله، ومع احترامي الشديد للجهود التي بذلها ذلك المعهد في مواجهة نظرية التطور.. إلا أن همتي كانت تطمح لأكثر من ذلك.. فقد كانت همتي تهفو إلى التعرف على الحقيقة..

فلذلك لم أكتف بالتعجب من تلك التصميمات البديعة، ولا الانبهار بها، ولا الرد بها على التطوريين، وإنما رحت أبحث عن المبدع الذي أبدعها، والصانع الذي صنعها.

وعندما رأى الله صدقي وإخلاصي وتجردي من نفسي وكبريائي، رزقني من فضله من دلني على الطريق، وكان أولهم [معلم الإيمان] الذي كان مرشد عقلي الأول.. وبناء على توجيهاته سرت في الأرض لا أدع صاحب دين إلا وأسأله عن دينه، ولا صاحب مذهب إلا وأسأله عن الأسس التي يقوم عليها مذهبه.

وقد ظللت على ذلك دهرا من عمري إلى أن هداني الله لولي من أوليائه وجدته في بلدة من بلاد الإسلام.. والتي كنت أنفر منها بسبب ما أسمعه وأراه من مشاهد العنف والتطرف، لكن ذلك الولي، أخبرني بحقيقة الأمر.. وأن كل ما أراه ليس سوى وسيلة من وسائل الشيطان لصرف البشر عن الدين الصحيح.. ولذلك أهداني نسخة من القرآن الكريم.. فرحت أقرؤها، وأعيش معانيها.. وما هي إلا فترة قصيرة حتى وجدتني مسلما مؤمنا .. أمارس كل ما يمارسه المسلمون من صنوف العبادة والتوجه إلى الله.

وقد كنت أنوي أن أعلن إسلامي على الملأ.. لكن معلم الإيمان نهاني عن ذلك.. وطلب مني أن أبقى على كتماني لإيماني، لأؤدي من الوظائف ما لا أستطع أن أؤديه لو أعلنت إيماني.

وقد ظللت على ذلك إلى ذلك اليوم الذي اجتمعت فيه مع أصدقائي.. مما ستعرفه في آخر قصتنا.

الصراع.. والسلام

بعد أن انتهى الثالث من حديثه، قال الرابع، وهو يلتفت لي: أظن أن الدور قد وصل لي.. فليأخذ قلمك قسطا من الراحة، ليبدأ بتسجيل قصتي التي لا تقل جمالا عما قصه عليك أصدقائي.

قلت: لا عليك.. فجمال حديثكم يجعلني أعيش عوالم من الأنس والسلام النفسي، تجعلني أعيش راحة وطمأنينة إيمانية عميقة تزيل عني كل عياء، وترفع عني كل تعب.

قال: ما دمت قلت ذلك.. فسأحدثك عن الصراع والسلم..

قلت: وما علاقة الصراع والسلم بالحياة..

قال: علاقتها كبيرة جدا.. فالله تعالى خلق الحياة، وجعلها وسيلة للتواصل والتعارف والتعايش بين الكائنات جميعا.. لكن نظرية التطور راحت تفسر العلاقة بين الأحياء بالصراع من أجل البقاء..

وقد امتد ذلك المفهوم ليشمل الإنسان نفسه، حيث راحت بعض الشعوب التي تبنت هذه النظرية تزعم لنفسها أنها أكثر تطورا في سلم البشرية، وقد جعلها ذلك الاعتقاد تمارس كل ألوان العنصرية والطغيان والنازية والاستعمار.. حتى تتحقق بالبقاء، لتصورها أن بقاءها رهين بإبادة غيرها.

قلت: ألهذه الدرجة بلغت إجرامية هذه النظرية؟

قال: أجل.. فقد كانت سلما لكل ألوان الاستعمار والظلم والاستبداد، لأن داروين ومن معه من التطوريين وفروا للإنسان كل العقائد والتصورات التي تجعله ينظر للإنسان باعتباره بهيمة لا تختلف عن البهائم التي يركبها ويأكل لحمها.

وقد كان ذلك هو السبب في هداية الله لي.. فقد عادت إلي فطرتي التي نكستها تلك النظرية، وعادت معها الرحمة والإيثار والتضحية وكل المعاني الإنسانية التي قمعتها نظرية التطور في أجيالها المختلفة.

قلت: فهلا حدثتني عن رحلتك إلى ذلك.

قال: أجل.. لك ذلك.. فما جئت إلا لذلك.

الصراع.. والعلاقة بين الكائنات:

اعتدل صاحبنا الرابع في جلسته، وحمد الله وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.. ثم قال: لا أزال أتذكر ذلك اليوم جيدا، يوم كنت فيه أقرب إلى الكلاب والأسود والحيات مني للإنسان.. لقد كنت حينها ممتلئا بالقسوة.. لا لأن فطرتي كانت كذلك، ولكن لأن العقائد والأفكار التي كنت أؤمن بها كانت تدعوني إلى ذلك.

فنظرية التطور ليست مجرد تكهنات ترتبط بتفسير نشأة الحياة وتطورها، وإنما هي رؤية كاملة للحياة، تنتج عنها الكثير من المواقف والسلوكات العملية الغارقة في المادية.

أتذكر جيدا أنه جاءني في ذلك اليوم صديق لي كان لا يقل عني قسوة وغلظة، كان اسمه [توماس]، وكان يفخر دائما بكونه سميا لذلك المجرم [توماس روبرت مالتوس]([23]) صاحب نظريّة مالتوس في علم السكان، والتي نشرها سنة 1798 تحت عنوان [مقال عن مبدأ العام للسكان كما يؤثر في تقدم المجتمع في المستقبل]، والتي ذكر فيها أن (قوة السكان في التكاثر أعظم من قوة الأرض في إنتاج الغذاء)، ذلك أن البشر يتزايدون كل خمسة وعشرين عاما بحسب متتالية هندسية، في الوقت الذي يتزايد فيه الإنتاج الغذائي وفق متتالية حسابية فقط.

وبناء على ذلك قال: (ولما كان الإنسان لا يستطيع الحياة دون غذاء، فإن هاتين القوتين غير المتساويتين في النمو، لا بد لهما من موانع تدفع بهما إلى التكافؤ، وبما يعني تقليل نسبة التزايد السكاني، لتتعادل مع نسبة الإنتاج الغذائي)

وانطلاقا من هذا كانت دعوته إلى عدم الزواج بسبب الفقر أو غيره من الأسباب، واستخدام وسائل منع الحمل.. وقتل المواليد الجدد بسبب الأمراض، والمجاعات، والحروب.

وبناء على هذا أيضا نصح الحكومات بنصائح كثيرة ممتلئة بالإجرام، منها عدم زيادة أجور العمال، لأن هذا إن حصل فإنه سيدفعهم إلى الزواج المبكّر أو إنجاب عدد أكبر من الأطفال، كما أوصى بعدم الإنفاق على العاطلين عن العمل لأن هذا سيحولهم إلى كسالى.. وغيرها من التعليمات الممتلئة بالإجرام.

وقد كانت آثار مالتوس وأفكاره هي المحرك لكل تصرفات صديقي هذا ومواقفه، فقد كان يفرح لكل زلزال أو طاعون أو حرب تقضي على المستضعفين، لأنه كان يتصور أنهم يأكلون خبزه، ويشربون ماءه، ويضيقون عليه الأرض التي وسعها الله.

في ذلك اليوم، جاءني، وهو يقول، والغضب باد على وجهه: هل رأيت كيف تناسى الناس مالتوس، وراحوا يشيدون فقط بدارون.. وهم يعلمون أنه لولا مالتوس ما كان دارون.. فقد كان مصدر أفكار داروين نظرية توماس مالتوس؟

قلت: كيف ذلك.. هذه دعوى لا يمكنك إثباتها؟

قال: بل من السهل إثباتها.. ففي القرن التاسع عشر، أي في القرن الذي عاش فيه دارون، قُبلت أفكار مالتوس على نطاق واسع، فقد ساند المفكّرون الأرستقراطيّون الأوربّيّون أفكاره القاسية.

وفي النصف الافتتاحيّ للقرن التّاسع عشر اجتمع أعضاء الطّبقات الحاكمة في أوروبّا لمناقشة مشكلة السّكّان المكتشفة حديثًا، ولابتكار طرق تنفيذ التّفويض المالتوسي، لزيادة معدّل الوفيات للفقراء.

وقد كان من التوصيات التي خرجوا بها أنه (بدلاً من توصية إزالة الفقر، ينبغي أن نشجّع العادات المتناقضة.. في بلادنا علينا عمل الطرق الضيقة، وحشد أكثر الناس في البيوت، وبطريقة ما يُعاد وباء الطّاعون. وينبغي على الدولة أن نبني قرانا قرب البرك الرّاكدة، ونشجع بشدة المستوطنات في كلّ المستنقعات والأوضاع الضّارّة)

وكنتيجة لهذه السّياسة القاسية، تحول الصراع من أجل البقاء إلى سياسات تمارسها الحكومات حتى تخفف الزّيادة السّريعة في السكّان..

ومن تلك السياسات ما يسمى بسياسة [اضطهاد الفقر].. وهو ليس اضطهادا للفقر، وحربا له، وإنما اضطهاد للفقراء ومحاربة لهم.. وقد نُفذ فعلياً في القرن التاسع عشر في بريطانيا، فأنشئ النظام الصناعيّ الّذي جعل أطفال الثّمانية والتاسعة يعملون 16 ساعة في اليوم، وفي مناجم الفحم، والآلاف منهم ماتوا في ظّروف قاسية.

وبسبب نظريّة مالتوس، أدّى [الصّراع من أجل البقاء] بالملايين من البريطانيّين لأن يعيشوا حياة مليئة بالمعاناة.. وهو ما خفف المعاناة عنها بعد ذلك، وجعلها تعيش مرحلة أكثر تطورا من المرحلة التي كانت فيها.

قلت: فكيف تأثر داروين بهذه الأفكار؟

قال: لقد تأثّر داروين بهذه الأفكار تأثرا شديدا، بل إنه راح يعمم هذا الصراع على كلّ الطبيعة، واقترح أن الأصلح والأقوى ظهر منتصراً من حرب الوجود هذه.

وقد أعلن في إحدى مقدماته الأساسية عند تطوير نظريّته: أن تطور الكائنات الحيّة يعتمد على الصراع من أجل البقاء، والأقوى ينتصر في الصّراع، والأضعف يُحْكَم عليه بالهزيمة والاندثار.. ووفقاً لذلك، كان هناك صراع قاس، ونزاع أبديّ في الطّبيعة من أجل البقاء.. ودائمًا القوي ينتصر على الضّعيف، حتى يتم التطور.

ولذلك نلاحظ أن العنوان الفرعيّ الذي أعطاه لكتابه [أصل الأنواع] يلخّص تلك الرّؤية وهو [أصل الأنواع بواسطة التّكيّف الطّبيعيّ، أو المحافظة على السلالات المفضلة في الصّراع من أجل الحياة]

بالإضافة إلى ذلك، اعتبر داروين المعركة من أجل البقاء منطبقة على السلالات البشريّة.. وطبقًا لهذا الادعاء، كانت [السلالات المفضلة] هي المنتصرةً في الصّراع.

والسلالات المفضلة، من وجهة نظر داروين طبعا، هم الأوربّيّون البيض.. أما السلالات الإفريقيّة أو الآسيويّة فقد تخلّفت في الصّراع.. بل ذهب إلى مدى أبعد، حين اعتبر أن هذه السلالات ستفقد قريبًا أثناء عملية الصّراع من أجل البقاء، وبالتالي سيختفون.

قلت: وهل ترى أن هذه كاف في الدلالة على فضل مالتوس على دارون؟

قال: أجل.. بل فضله على البشريه جميعا.. فلولا تلك النظرية لما تمكن البشر من التحضر والتطور الذي نراه.

***

بينما نحن كذلك إذ دخل علينا صديق لنا كان سميا لـ [ربرت سبنسر([24]