الكتاب: الحياة تصميم لا صدفة

الوصف: ردود علمية على التفسيرات الإلحادية لنشأة الحياة وتنوعها

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1439 هـ

عدد الصفحات: 317

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

الكتاب موافق للمطبوع

التعريف بالكتاب

يحاول هذا الكتاب أن يناقش أكثر الأطروحات المادية والإلحادية شهرة وانتشارا، والتي استعملت كل الوسائل، ومارست كل الخدع لتفسير نشأة الحياة وتنوعها تفسيرا ماديا يبعدها عن الحاجة إلى الله، وإلى تصميمه المبدع، وعنايته الرحيمة.

وبما أن النظرية التي تولت ذلك هي نظرية التطور، بمراحلها المختلفة، فإن هذا الكتاب هو مناقشة علمية هادئة لكل أطروحات تلك النظرية، وردود علمية عليها، وإجابات عن كل الشبهات التي تطرحها، ابتداء من نشأة الحياة، وانتهاء بتنوعها إلى الصورة التي نراها عليها.

وقد اعتمدنا في هذه الردود على ما ذكره العلم الحديث من حقائق لم تكن موجودة زمن داروين والعلماء الذين وقفوا في صفه.. فالعلم اليوم يسير بخطا سريعة نحو تحطيم هذه النظرية والأسس التي تقوم عليها.. بل ظهرت مؤسسات وجمعيات كثيرة من الغرب نفسه تبين أن هذه النظرية لم يبق لها ما يسندها، ويدل عليها، لا من الحفريات، ولا من غيرها.. ولذلك رموها بالخرافة والدجل.. وكونها تحولت إلى أداة أيديولوجية، لا نظرية علمية.

فهرس المحتويات

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

الصدفة.. والخلق

الصدفة.. والرجم بالغيب:

الصدفة.. والتوالد الذاتي:

الصدفة.. والحساء البدائى:

الصدفة.. ومشكلة البلمرة:

الصدفة.. والتقنيات المعقدة:

التطور.. والعلم

التطور.. والبيانات الرصدية:

التطور.. والتنبؤات الدقيقة:

التطور.. والمنطقية العلمية:

التطور.. والانفتاح للنقد:

التطور.. والمعلومات الدقيقة:

التطور.. وعدم التحيز:

العشوائية.. والتصميم

العشوائية.. والتعقيد المتخصص:

العشوائية.. والإبداع المقصود:

العشوائية.. والتصميم الذكي:

العشوائية.. والتعقيدات غير القابلة للاختزال:

الصراع.. والسلام

الصراع.. والعلاقة بين الكائنات:

الصراع.. والتوازن المحكم:

الصراع.. والتضحية والإيثار:

التكيف.. والعناية

التكيف.. والانتقاء الطبيعي:

التكيف.. والطفرات الوراثية:

التكيف.. والقدرات التطورية:

الحفريات.. وحقيقتها العلمية:

التطور.. والجينات المتقاربة:

الغريزة.. والإلهام

حيوانات برية:

حيوانات بحرية:

المحدودية.. والامتداد

الامتداد المكاني:

الامتداد الزماني:

الامتداد الروحي:

طاقات الروح:

النهاية

هذا الكتاب

 

المقدمة

صفحة ( 3)

يحاول هذا الكتاب أن يناقش أكثر الأطروحات المادية والإلحادية شهرة وانتشارا، والتي استعملت كل الوسائل، ومارست كل الخدع لتفسير نشأة الحياة وتنوعها تفسيرا ماديا يبعدها عن الحاجة إلى الله، وإلى تصميمه المبدع، وعنايته الرحيمة.

وبما أن النظرية التي تولت ذلك هي نظرية التطور، بمراحلها المختلفة، فإن هذا الكتاب هو مناقشة علمية هادئة لكل أطروحات تلك النظرية، وردود علمية عليها، وإجابات عن كل الشبهات التي تطرحها، ابتداء من نشأة الحياة، وانتهاء بتنوعها إلى الصورة التي نراها عليها.

وقد اعتمدنا في هذه الردود على ما ذكره العلم الحديث من حقائق لم تكن موجودة زمن داروين والعلماء الذين وقفوا في صفه.. فالعلم اليوم يسير بخطا سريعة نحو تحطيم هذه النظرية والأسس التي تقوم عليها.. بل ظهرت مؤسسات وجمعيات كثيرة في الغرب نفسه تبين أن هذه النظرية لم يبق لها ما يسندها، ويدل عليها، لا من الحفريات، ولا من غيرها.. ولذلك رموها بالخرافة والدجل.. وكونها تحولت إلى أداة أيديولوجية، لا نظرية علمية.

وانطلاقا من هذا، فقد حاولنا أن نعطي القارئ الكريم ثقافة علمية مبسطة ترتبط بهذه النظرية وغيرها من التفسيرات المادية للحياة، ليتبين من خلالها حظها من العلم، ولتكون له القدرة العلمية على مناقشة الدعاوى الإلحادية المتعلقة بها.

بالإضافة إلى ذلك ذكرنا الكثير من شهادات العلماء المتخصصين وانتقاداتهم لها..

ولأن غرضنا من الكتاب، ومن السلسلة عموما هو محاولة استيعاب كل أصناف الشبهات التي يتعلق بها الملاحدة، واستيعاب الردود عليها، فقد رجعنا إلى المراجع الكثيرة التي تحصي تلك الشبهات، أو تلك التي ترد عليها.

وقد وجدنا أن المراجع الأساسية لكل من كتب في التعريف بهذه النظرية أو الرد عليها كتب هارون يحي الكثيرة، والمخصصة أصلا للرد على هذه النظرية، فقد اعتمدنا عليها كثيرا،

صفحة ( 4)

لا لكونها كتبه فقط.. وإنما لكونها جمعت الكثير من الاقتباسات والنقول من العلماء والمختصين في الغرب، سواء من أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بنظرية التطور، أو من الذين تراجعوا عنها.

وقد حاولنا أن نرتب الشبهات والردود ترتيبا علميا ليتسنى للقارئ أن يطلع على كل جزئية بتفصيلاتها المختلفة، ويطلع في نفس الوقت على الردود العلمية الكثيرة المرتبطة بها.

وبناء على ذلك قسمنا الكتاب إلى سبعة فصول بدأت بالرد العلمي على التفسيرات المادية لنشأة الحياة، وانتهت بالرد العلمي على قصر الحياة على المادة دون العقل والروح.. وبينهما رددنا على كل الشبهات التي يعتمدها التطوريون لتفسير التنوع في الحياة.

وهذه الفصول السبعة هي:

أولا ـ الصدفة.. والخلق: وقد خصصناه للرد على التفسيرات المادية لنشأة الحياة.. واعتبرنا أن كل تلك التفسيرات ليست سوى رجم بالغيب، ولا دليل علمي يثبتها، وحتى لو ثبتت فإنها لا يمكن أن تفسر التعقيدات الكثيرة المرتبطة بالبروتين أو الخلية أو الحياة.

ثانيا ـ التطور.. والعلم: وقد خصصناه لإثبات عدم توفر العلمية الكافية لنظرية التطور، بل إنها مجرد تخمين وخيال، ولا علاقه لها بالعلم، وذلك لغياب جميع مقاييس النظريات العلمية فيها من البيانات الرصدية.. والتنبؤات الدقيقة.. والمنطقية العلمية.. والانفتاح للنقد.. والمعلومات الدقيقة.. وعدم التحيز.. وغيرها.

ثالثا ـ العشوائية.. والتصميم: وقد خصصناه لذكر ما رد به دعاة التصميم الذكي، وهي النظرية الغربية التي تأسست في العقود الأخيرة للرد على نظرية التطور، وذلك باعتماد أسس علمية منطقية أعانت عليها الاكتشافات العلمية الحديثة.. وتناولنا فيه نماذج عن التعقيد المتخصص، والإبداع المقصود، والتصميم الذكي، والتعقيدات غير القابلة للاختزال.

صفحة ( 5)

رابعا ـ الصراع.. والسلام: وقد خصصناه للرد العلمي على ما يعتمده أصحاب نظرية التطور من تفسير الحياة على أساس الصراع من أجل البقاء.. وقد رددنا عليها ببيان العلاقة الحقيقية بين الكائنات وتجاوزها للصراع.. وبينا أن كل ما نراه هو تعبير عن التوازن المحكم والمقادير المضبوطة التي بنيت عليها الحياة، كما بني عليها الكون.

خامسا ـ التكيف.. والعناية: وقد خصصناه للرد العلمي على ما يعتمده أصحاب نظرية التطور من آليات لتفسير التطور من الانتقاء الطبيعي، أو الطفرات الوراثية، وغيرها.. وبينا أن ما نراه من تنوع هو نتيجة للعناية الإلهية، وليس للتطور الذاتي للكائنات الحية، فهي أعجز من أن تفعل ذلك.

سادسا ـ الغريزة.. والإلهام: وقد خصصناه للرد العلمي على التفسيرات المادية للسلوك الحيواني أو الخصائص المودعة فيه، وبينا أن كل ذلك عناية وإلهام وفضل إلهي، والعلم لا يستيطع تفسير ذلك إلا بذلك.. فنظرية التطور تعجز عن تفسير التعقيد المرتبط بالسلوك الحيواني دون إرجاعه لمصدر خارجي.

سابعا ـ المحدودية.. والامتداد: وقد خصصناه لبيان الرؤية الدينية للحياة، وكونها أكبر من أن تنحصر في هذا العالم المحدود، وقد ذكرنا ما يدل على هذه الرؤية من الأدلة العلمية، والشهادات المرتبطة بها من كبار العلماء والمتخصصين.

وكعادتنا في هذه السلسلة التي تحاول تبسيط الحقائق العلمية، ووضعها في قوالب مشوقة، فقد اعتمدنا بعض الأحداث الرمزية، التي تجعل القارئ يشعر بنوع من التسلية والمتابعة للأحداث بالإضافة إلى ما يستفيده من معلومات، أو قدرات على الجدل والمحاجة والمناظرة.

وقصة هذا الجزء تبدأ من خلال زيارة يقوم بها سبعة من العلماء المتخصصين في الحياة ونظرية التطور للمدينة التي يسكن بها المؤلف.. ويسعى المؤلف بكل جهده ليتواصل معهم،

صفحة ( 6)

ويرد على الأطروحات المادية التي جاءوا بها.. لكنه يصرف عن ذلك من طرف الجهات المنظمة للزيارة.

لكنه، وبعد أن ييأس من الالتقاء بهم يفاجأ بهم يدقون باب بيته، ثم يخبرونه بأن معلم الإيمان هو الذي أرسلهم إليه ليكتب قصصهم.

ثم يحكي كل واحد منهم قصة رحلته إلى الإيمان، وكيفية توبته من التفسيرات المادية للحياة في كل فصل من فصول الكتاب.

هذه هي قصة هذا الجزء.. وننبه إلى أن الهدف منها هدف علمي، وليس الرواية ولا أحداثها، ولذلك لم نتبن في كتابة الأحداث مناهج الكتابة الروائية بصيغتها العادية.. وإنما حاولنا أن نمزج بين العلم والتسلية حتى نخفف على القارئ، ونيسر له التحصيل والاستيعاب، كما نيسر عليه المناقشة والتفاعل.

البداية

في صباح ذلك اليوم الذي حدثت لي فيه هذه القصة التي سأحكيها لكم كنت مارا على بعض المراكز الثقافية.. وهناك رأيت جمعا من الشباب يتحدثون بأصوات مرتفعة، وقد جذبني إليهم أني سمعت بعضهم يذكر دارون، وكتابه عن أصل الأنواع، ويذكر معه أسماء كثيرة، فاقتربت منهم، لأسمع حديثهم.

فرأيتهم يلتفون حول إعلان عن حضور سبعة من كبار علماء الحياة لإلقاء محاضرات في ذلك المركز الثقافي، الذي بدا له أن يقيم أياما ثقافية علمية أطلق عليها وصف [الأيام التنويرية لكشف أسرار الحياة: بدايتها، وتطورها]

وقد امتلأت عجبا أن يهتم ذلك المركز، وفي تلك المدينة البسيطة بمثل هذه المسائل.. في نفس الوقت الذي يغفل فيه عن التنوير بالقيم الأخلاقية والحضارية والعلمية والصحية

صفحة ( 7)

التي يحتاجها المجتمع أكثر من حاجتهم إلى التعرف على تاريخ الحياة، وكيف بدأت، وكيف تطورت.. والذي لا يعدو أن يكون نوعا من الرجم بالغيب، أو الحديث الذي لا معنى له.

وامتلأت بالعجب أكثر أن أولئك الشباب الذين اقتربت منهم لأسمع حديثهم، كانوا يتحدثون بسرور عظيم، وكأن وليا من أولياء الله قادم إليهم، لينيلهم من بركاته..

قال لي بعضهم، وهو لا يكاد يملك نفسه من الفرح: أرأيت يا عم.. نحن الذين اقترحنا على مدير هذا المركز استضافة هؤلاء العلماء الكبار، حتى نساهم في تنوير مدينتنا، ونبعد عنها شبح الجهل..

قلت: عن أي جهل تتحدث؟.. الناس بحاجة إلى توعية وتربية.. ولا يحتاجون إلى الحديث في مثل هذه المسائل التي لم تثبت علميا..

بمجرد أن قلت هذا، راح أحدهم يصرخ بغضب شديد غير مراع فوارق السن بيننا، وهو يقول: دع عنك هذه الأغلوطات.. فالتطور حقيقة علمية، تدعمها ملايين الحفريات، والتجارب المعملية، والأبحاث الجينية.

قال آخر، وهو لا يقل عن صاحبه غضبا: التطور واقع مثبت، وآلياته أصبحت معروفة تماما، ولهذا يتم دراستها كل يوم في كل معامل العالم.. ويتم تدريسها في جميع جامعات العالم المعترف بها.. بل لا يستطيع اليوم عالم محترم أن ينفي أو يرفض التطور، وإلا فإنه ينتحر بذلك انتحارا علميا أكاديميا.

قال آخر: بل إن نظرية التطور تضاهي في درجة إثباتها نظريات نيوتن وأينشتين التي ثبتت بالأدلة المعملية والرصدية مئات الألوف من المرات.

قال آخر: ألا تعرف [دوكنز] ذلك العبقري الألمعي، صاحب كتاب [الجين الأناني] الذي صحح فيه ما وصفه بسوء الفهم للداروينية.. حيث ذكر أن الانتقاء يكون على مستوى الجينات، وليس مستوى الأنواع أو الأفراد كما كان يُعتقد.

صفحة ( 8)

قال آخر: لقد أثبت دوكينز أن مجتمع الإنسان المبني على قانون الجينات الأناني، من الممكن أن يكون منفراً ومزعجاً العيش فيه.. لكن استنكارنا ذلك كله لن يؤدي إلى تعديله.. فنحن ولدنا أنانيين.. هكذا خطط لنا في جيناتنا الأنانية، ولن نستطيع إفساد خططها.

ثم التفت لي، وهو يقول: أرأيت أهمية هذه الأفكار.. إنها ليست أطروحات علمية مجردة، بل إن لها صلة مباشرة بحياتنا.. فبدونها لا يمكننا أن نعرف حقيقتنا.

لم أجد ما أقول له.. إلا أنني عدت أدراجي إلى بيتي، وأنا ممتلئ بالألم والغثاء من هذه الموضات الجديدة التي صارت تخرج لنا كل حين، لتملأ حياتنا بكل ما يبعدنا عن ربنا وديننا.. وحينها تذكرت مقولة [ألكسيس كاريل]: (إن نظريات النشوء والارتقاء هي مصدر كل الهموم الإنسانية، وإنها في الحقيقة ليست إلا حكايات خرافية وجدت من يحميها ومن يقدمها للجماهير بحلة خادعة لا يعرفها كثير من الناس)(1)

وصدق في ذلك، فما كان الاستعمار ولا الرأسمالية ولا كل تلك الجرائم البشعة التي ارتكبت في القرون الأخيرة إلا ابنة شرعية لنظرية التطور في تجلياتها الاجتماعية.

وهكذا.. ما كانت بدع الموضة التي تخرج لنا كل حين، والتي يطرح معها الكثير من الحياء والعفة والأدب إلا مظهر من مظاهر ذلك الفكر الخطير الذي حول من الإنسان لعبة يُتلاعب بها باسم التطور والتقدم والسير إلى الأمام.. والذي لا يختلف أحيانا كثيرة عن السير إلى الهاوية نفسها.

لكني بمجرد أن دخلت بيتي انبعثت في همة عجيبة، أردت من خلالها أن أستعيد تجربة أولئك الشباب الذين مررت عليهم في رحلتي السابقة.. رحلتي إلى الكون الموحد.. فقلت في نفسي: دعي عنك الحزن والألم.. فلن ينفعك في هذا المحل إلا الإرادة والعزيمة..

__________

(1)  الإنسان ذلك المجهول، ص 158.

صفحة ( 9)

ثم رحت أشحذ إرادتي وعزيمتي، وأخرج من بيتي قاصدا مدير ذلك المركز، طالبا منه أن يسمح لي ببعض الوقت للحديث مع أولئك الزائرين الذين يريدون أن ينشروا سمومهم بيننا.

قال لي المدير، وهو يتملقني، أو يريد أن يصرفني بأدب: ما بك يا رجل.. كيف تنزل بنفسك إلى هذا المستوى.. فأنت لك قيمتك وحرمتك.. وهؤلاء الذين تتحدث عنهم ـ مع شهرتهم الكبيرة ـ لن يحلموا بالحديث معك، ولا بالجلوس إليك، فشتان بينك وبينهم.. فلا تضع وقتك الثمين في الحديث إليهم.. وامكث في بيتك لتخرج لنا من كنوز المعرفة ما تعودت أن تخرج.

قلت: أتريدني أيضا ألا أحضر ما يريدون تقديمه من محاضرات؟

قال، وهو يبتسم بخبث: أجل.. فوقتك أثمن من أن تضيعه في الاستماع إليهم.. وإن احتاجوا إلى الحديث إليك، فسيأتون هم إليك بأنفسهم، من دون أن تتوسل وتتوسط للحديث إليهم.

لم أجد ما أقول له.. لكني عرفت بعد ذلك أنه لم يكن يريد من قوله ذلك إلا أن يصرفني، وقد تأكدت من ذلك من بعض الذين حضروا مجلسه، وأخبروني أنه كان حريصا على توفير الجو لهؤلاء الزوار حتى لا يعكر صفوهم أحد.. وحتى يظهر هو الآخر بصورة المتقدم المتحضر الذي تقدم في سلم الارتقاء، ولم يبق في مستنقع الثباب والاستقرار.

***

وقد ازداد يقيني بالنية المبيتة لمدير المركز عند بداية أشغال الأيام الدراسية، وفي اليوم الأول منها.. فعندما دخلت القاعة امتلأت عجبا من الرجل الذي كلف برئاسة الجلسة، فقد كنت أعرفه جيدا، وأعرفت تقلباته وتطوراته المختلفة، وغير المنضبطة.. والتي يربطها جميعا بالدين..

صفحة ( 10)

أذكر جيدا أنه عندما زارنا بعض الشيوعيين، وكلف حينها بتقديم محاضرته، راح يثني عليه وعلى الشيوعية، ويحول منها دينا سماويا، ويحول من كتاب [رأس المال] لكارل ماركس كتابا من الكتب المقدسة.. بل يضيف إلى ذلك كله اعتباره المادية الديالكتيكية من الإسلام.. بل راح يتلاعب بالآيات الكريمة ليستدل بها على شيوعية الإسلام.

وهكذا عندما زارنا بعض دعاة الغرائز من تلامذة فرويد.. راح يحطم كل جدران العفة والحياء والأدب التي جاء بها الإسلام ليحول منه إلى دين غرائزي بهيمي ممتلئ بالفحش والبذاءة.

وهكذا عندما زارنا بعض رجال الأعمال من الرأسماليين.. فقد راح يلقي خطبة طويلة يحاول أن يثبت فيها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مليونيرا فقط، بل كان ملياديرا أيضا.. ثم راح يصف لنا الحياة المترفة التي كان يعيشها.. مقتنصا في ذلك كل شادرة وواردة، يقبل ما يشاء هواه، ويرفض ما يشاء.

وهكذا لم يختلف أمره في ذلك اليوم.. فبعد أن اجتمعت الجموع راح بصوته المجلجل، يصيح: لا شك أنكم جميعا تتطلعون لمعرفة حقيقة الحياة.. وكيف نشأت.. وكيف تطورت إلى ما هي عليه الآن.. وقد جاءكم من أقصى الأرض من يشرح لكم ذلك..

وأحب قبل أن يتقدم هؤلاء الأعلام الكبار ليشرحوا لكم بتفصيل ما ينص عليه العلم الحديث في آخر تطوراته أن أخبركم أن كل ذلك لا يتناقض مع القرآن، ولا مع الدين.. فديننا دين التطور، لا دين الثبات والسكون..

صفحة ( 11)

ثم راح يذكر المعترضين على نظرية التطور، متهما إياهم بالتخلف والمروق والإساءة للدين، ويقول في ذلك (1): افهموني جيدا.. فالاعتراض على نظرية التطور ليس له أي سبب علمي.. بل إني أكاد أجزم أنه أيضا ليس بسبب ديني.. فلا يوجد تعارض بين الدين وبين التطور إطلاقا (2)..

__________

(1)  من مقال بعنوان: نظرية التطور والقرآن، بتصرف.. وانظر في الموضوع مقالا بعنوان: الاستدلال بالقرآن على فرضية التطور الموجه.. قراءة نقدية، سلطان العميري، مجلة البيان.

(2)  نذكر هنا للأسف أولئك الباحثين من المسلمين الذين لم يتمعنوا جيدا في مدى علمية نظرية التطور، وراحوا يلوون أعناق النصوص المقدسة ليثبتوها من خلال القرآن الكريم بتكلف كبير ممقوت.

وقد قال المفكر المسلم الهندي [وحيد الدين خان] في هؤلاء كتابه [الاسلام يتحدى]: (هناك نوع آخر من علمائنا يدركون موقف الفكر الحديث من قضية الدين ولكنهم، لشدة تاثرهم بالفكر الحديث، يرون ان كل ما توصل اليه أئمة الغرب يعد من المسلمات العلمية، ومن ثم تقتصر بطولتهم على اثبات هذه النظريات، التي سلم بها علماء الغرب، هي نفس ما ورد في القرآن الكريم وكتب الاحاديث الاخرى) ويتم قوله بعد ذلك: (وأوضح مثال في هذا، هو تلك الجماعة من علمائنا الذين قبلوا نظرية النشوء والارتقاء، لان علماء الغرب اعلنوا اقتناعهم الكامل بصدقها، بعددراساتهم ومشاهداتهم، واضطروا بناء على هذا الى تفسير جديد للاسلام في ضوء النظرية الجديدة، وحين احتاجوا الى لباس جديد، قاموا بتفصيل ثوب للاسلام مرة أخرى، ولكنه ثوب مشوه المعالم، لا أثر فيه من روح الاسلام، التي ضاعت مع الاجزاء المقطعة في عمليىة التلفيق الجديدة)

و يقول د. عمرو عبد العزيز صلاح في كتابه [الداروينية المتاسلمة]: (اراد العقلانيون المسلمون محاكاة عقلانيي العرق التاريخي الغربي، في ترويج ان دينهم يقبل نظرية التطور، والقذة بالقذة قاموا طبعا بترويج الداروينية بالاسلام عنوة، وبالرغم من انها ملحدة اصلا ولايصح الزواج منها، الا انهم انطقوها الشهادتين بعجالة ثم اعلنوا انتصارهم: قد تزوجت الداروينية بالاسلام.. هكذا خرج الى النور مولودها المشوه: الداروينية المتاسلمة!)

صفحة ( 12)

السبب في إنكار هذه النظرية هو بمنتهي البساطة [الغرور الإنساني]، فهو الذي دفعه لأن يتوهم أنه أفضل من الكائنات الأخرى.. ولذلك يحاول أن يربأ بنفسه من أن يكون من سلالة القردة أو غيرها من الكائنات.

لكنا إن عدنا إلى قرآننا، وقرأناه قراءة جديدة بعيدة عن قيود السلف والخلف، بل بعيدة عن قيود اللغة التقليدية.. فسنراه ينص على نظرية التطور بصراحة ليس دونها صراحة (1).

اسمعوا إلى القرآن الكريم، وهو ينص بصراحة على [نظرية الأبيوجينيسيس] التي تقول بنشأة الحياة في أعماق المحيطات..

ثم راح يرتل بصوت خاشع قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30]، ويعقب عليها بقوله: لقد استنبط المفسرون من هذه الآية استنباطات كثيرة منها أن الماء له فوائد للجسم.. وأننا نحتاج إليه لنعيش.. وأن كل الأحياء تتكون من نسبة عالية من الماء..

__________

(1)  سنذكر الرد المفصل على هذه المقولات بتفصيل في ثنايا الرسالة، وخاصة في مقدمة فصل [التطور والعلم]، وإن كان الكتاب ردا عليها.

صفحة ( 13)

لكن كل هذه التفاسير وهمية خاطئة ذلك أن أي قارئ منصف يستطيع أن يري بجلاء أن كل هذه التفاسير هي تقويل على النص.. فالآية لا تتحدث عما ذكروا، وإنما تتحدث تحديدا عن نشأة الحياة.. إنها تتحدث عن الخلق الأول، وليس عن فوائد الماء.

ويؤكد ذلك قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور: 45].. فالماء المقصود هنا هو مياه المحيطات كما أسلفنا، والتي نشأت منها أول خلية حية.

راح يتمعن في أثر كلامه على جمهور الحاضرين الممتلئين بالاستغراب، ثم قال: بعد هذا.. ماذا عن تطور الكائنات؟.. ماذا يقول القرآن في ذلك؟

راح يقلب صفحات مصحف بين يديه، ثم يقول: اسمعوا لهذه الآية التي تنص على نظرية التطور بكل صراحة.. فالله تعالى يقول: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون: 12].. المفسرون القدامى بحكم معارفهم المحدودة راحوا يفسرون الآية بأنها تعني أن كل منا كبشر هو نهاية سلالة طويلة بدأت بخلق الإنسان الأول من طين.. لكن لغة القرآن القوية الواضحة تعاند هذا التفسير بوضوح.. فهي تنص على أن بين الإنسان وبين الطين يوجد سلالة.. والسلالة لاهي طين ولا هي إنسان، أليس هذا واضحا وضوح الشمس؟.. كيف لايستطيع كل من يقرأ هذا الكلام أن يتساءل كيف يكون تفسير المفسرين صحيحا؟.. كيف يكون المقصود من السلالة أنها سلالة البشر حتي سيدنا آدم إذا كانت الآية توضح أن السلالة لم تكون أناسا مثلنا؟

ثم راح يتساءل: أتعلمون ماهو الطين؟.. أليس هو مركبات جمادية مخلوطة بالماء؟.. فالله إذن خلق من هذا حياة.. ومن الحياة نشأت سلالة.. ومن السلالة نشأ الإنسان.. أليس هذا وصفا رائعا ودقيقا لما تقوله نظرية التطور؟

صفحة ( 14)

صفق بعض الحضور من الشباب، وتبعتها تصفيقات أخرى كثيرة.. فازداد انتفاخ الرجل.. وراح يزيد في درجات تصعيده ليجعل من القرآن الكريم كتابا لأصل الأنواع، مثلما حوله في مجالسه السابقة إلى كتاب في الرأسمالية أو الشيوعية أو الفوضى الأخلاقية.

بعد انتهائه من حديثه، وبعد أن كدت أنفجر من ذلك التلاعب بالنصوص المقدسة، بدأ العلماء حديثهم، وقد حمدت الله على أنه كان حديثا ممتلئا بالمصطلحات الغريبة، والأرقام الكثيرة، والتي لم يفهمها أحد من الناس..

بعد انتهاء الجلسات، رفعت يدي طالبا التعقيب.. لكن مدير المركز بعد أن لمح يدي، وهي ترتفع تقدم إلي، وكأنه لم يرني إلا تلك اللحظة، ثم راح يصافحني بحرارة، بل يعانقني، وكأنه لم يرني منذ سنوات، ثم راح يأخذ بيدي إلى مكتبه، ويطلب من العمال أن يحضروا لي بعض الحلويات والقهوة والشاي، وهو يقول بكل تزلف: مرحبا بك في مركزنا.. كم نفرح بزيارتك يا رجل.. لم لا تشرفنا كل حين؟

ثم تملص مني، بعد أن تركني محجوزا في مكتبه، وكلما كنت أنوي الخروج منه، يقسم علي السكرتير بالبقاء ريثما يحضر القهوة والشاي.. ثم يخبرني بأن المدير سيغضب منه أو يفصله إن خرجت من غير أن أشرب شيئا..

وهكذا بقيت في انتظار القهوة والشاي إلى أن انفض المجلس، وخرج الناس.. وخرجت معه من دون أن أقف أي موقف، أو أدلي بأي حديث.

***

لكن.. وفي وقت متأخر من الليل سمعت طرقا شديدا على الباب، فخرجت مسرعا، فرأيت أولئك العلماء السبعة يقفون أمام الباب، ويطلبون مني أن أدخلهم إلى البيت بسرعة، ثم ما لبثوا أن دخلوا مسرعين، وكأنهم يخشون أن يتعقبهم أحد.

صفحة ( 15)

تصورت في البداية أن مدير المركز هو الذي أرسلهم لي.. لكني علمت منهم أنهم خرجوا خلسة من الفندق الذي يقيمون فيه، وأن الذي أرسلهم لي، ليس مدير المركز، وإنما معلم الإيمان.

قلت: أتقصدون أن معلم الإيمان هو الذي أرسلكم لي، ودلكم على بيتي؟

قال أحدهم: أجل.. ونحن لم نقصد هذه البلاد إلا لزيارتك..

قلت: لكن كيف تعرفتم إلى معلم الإيمان.. وكيف دلكم علي.. ولماذا؟

قال: رويدك، فنحن أضعف مما تتصور.. وأنت أقل من أن تفهم حقائق الوجود، فلذلك سلم لربك، ولا تسأل مما لم تؤت علمه.

تعجبت أن يكون المتحدث إلي بهذه الصيغة، وهذا الأسلوب، وهذا الإيمان هؤلاء العلماء الذين جاءوا لنشر الإلحاد في البلدة، وتهديم عقائدها.

لكني بعد أن عاينت ما عاينته في رحلتي السابقة إلى الكون الموحد لم أستغرب ذلك، بل رحت أقول لهم: مرحبا بكم، وأنا طوع أمركم، ومسلّم لكم، ولمعلمي معلم الإيمان.. فهل تطلبون مني شيئا؟

قالوا: أنت تعلم لما أرسلنا إليك.. فهلم أحضر قلمك ودواتك وقراطيسك لنملي عليك قصة رحلتنا إلى الحياة الموحدة.

قلت: الحياة الموحدة.. ما تعنون بذلك؟

قال أحدهم: لقد رحلت في رحلتك السابقة من الكون الملحد إلى الكون الموحد.. وسترحل في هذه الرحلة معنا من الحياة بحسب الرؤية الإلحادية إلى الحياة بحسب الرؤية التوحيدية.

قلت: هل تريدون مني أن أسافر أيضا؟

قال: ما دام لك خيال يمكن أن يسافر، فلا حاجة لك أن تتعب قدميك.

صفحة ( 16)

قلت: لم أفهم ما تعنون؟

قال: لقد مررنا في حياتنا برحلة طويلة، مررنا فيها بتجارب مختلفة، واعتقدنا اعتقادات متباينة إلى أن هدانا الله للإيمان، ونحن نريد منك أن تسجل حديثنا، وخبر رحلتنا من الإلحاد إلى الإيمان.

قلت: ولكنكم سبعة.. فهل رحلتم جميعا رحلة واحدة؟

قال: لا.. بل لكل منا رحلته الخاصة به.. وقد التقينا في الأخير في رحاب الإيمان.. وقد دعانا معلمنا إلى أن نزورك لتكتب أخبارنا، كما نقصها عليك، فلعل ذلك يشفع لنا عند ربنا.

قلت: ما دمتم قد عدتم للإيمان.. فكيف جئتم لهذه البلدة لتنشروا الإلحاد؟

قال: نحن لم نأت لننشر الإلحاد.. وإنما جئنا لننشر الإيمان.

قلت: والمحاضرات التي ألقيتموها في الصباح، والأرقام التي نطقتم بها.. وذلك الشيخ الذي قدم لكم بتلك الأحاديث الرعناء.

قال: لا شأن لنا به وبتخرصاته.. وما ذكرنا تلك الأرقام إلا لندعم الإيمان.. وسترى من حديثنا مع أهل مدينتك بعد أن نقص عليك قصتنا ما يملؤك بالعجب.

قلت: فهلا أذنتم لي لأقدم لكم طعاما قبل أن تبدؤوا حديثكم..

قالوا: لا شأن لنا في طعامك.. فوقتنا محدود جدا.. فأحضر سلاحك، وتعال لتكتب ما نمليه عليك.

لم أجد إلا أن أسلم لهم، فأحضرت أقلامي ودواتي وقراطيسي، ورحت أجلس إليهم، بهيئة التلميذ الذي يكتب كل ما يملى عليه فهمه أو لم يفهمه.

الصدفة.. والخلق

صفحة ( 17)

بدأ أولهم الحديث، وقال: تبدأ قصتي من ذلك اليوم الذي اجتمعت فيه مع مدير مركز الأبحاث الذي كنت أعمل به، فقد طلب حضوري إليه، بعد أن رأى بعض أبحاثي، وأعجبته كثيرا.

وعندما دخلت إليه راح يقول لي: نحن فرحون بأن يكون في مركزنا باحث مثلك.. لكنا نريد منك أن تتوجه بأبحاثك وجهة أخرى، لعلها أنفع للبشرية من الوجهة التي تعمل فيها الآن.

قلت: لكن الوجهة التي أعمل فيها نافعة جدا، فأنا أبحث في الكائنات الحية الدقيقة، وتأثيرها على البيئة، وهذا يفيدنا كثيرا في واقع الحياة العملية.

قال: أجل.. أعلم ذلك.. لكن ذلك يمكن أن يقوم به آخرون بدلا عنك.. ولهذا، فأنا أريد منك شيئا آخر.. أو بالأحرى المركز يريد منك شيئا آخر أكثر نفعا للبشرية.. بل البشرية نفسها هي التي تريد ذلك منك.

قلت: أنا في خدمتك، وخدمة المركز، وخدمة البشرية.. فمرني بما شئت.

سكت قليلا، كالمتردد، ثم قال: قد تقول بأن ما أريد أن أكلفك به نوع من الفلسفة أو الميتافيزيقا.. أو تذكر أن فيه نوعا من البعد عن العلمية.. لكني أبادرك، فأقول بأن قولك هذا غير صحيح.. فالعلم الآن راح يخترق حجب الغيب، ليكشف حقائق الوجود، حتى لا يترك لغيره أن ينشر الخرافات بين البشرية.

قلت: أنا إلى الآن لم أفهم ما تقصد.. ولست أدري هل لما تريد أن تطلبه مني علاقة بالفلسفة أم لا.. لكن إن كان ذلك، فاعذرني، فأنا رجل علم ومخابر، ولا علاقة لي إطلاقا بالفلسفة.

صفحة ( 18)

قال: ما تقول يا رجل.. هل يمكن لأحد من الناس ألا تكون له علاقة بالفلسفة؟.. ألا تعرف أولئك الفلكيين والفيزيائيين الكبار الذين وضعوا النماذج الكثيرة التي تواجه المؤمنين الذين راحوا يستثمرون الحقائق العلمية الدالة على نشوء الكون ليثبتوا بها وجود الله؟

قلت: بلى.. أعرف ذلك.. وقد ذكر بعض أساتذتنا الدوافع النفسية لكل تلك النماذج، فقال: (اعتقد علماء الكون أنّ عليهم الالتفاف وراء المشكلة.. لقد حاولوا على مرّ السنوات الماضية إثبات عدة نماذج مختلفة للكون تتفادى الحاجة إلى بداية، مع الاستمرار في اشتراط انفجار عظيم.. يبدو الآن من المؤكّد أنّ الكون كانت له بداية)

قال: ولكنهم نجحوا في ذلك..

قلت: أجل.. هم نجحوا في تحقيق أغراضهم الفلسفية، ولكنهم لم ينجحوا في تحقيق أغراضهم العلمية، فكل ما ذكروه من نظريات ونماذج لم تكن سوى دعاوى لا دليل عليها.

قال: لا يهم ذلك.. فقد يأتي ما يدل عليها في المستقبل.

قلت: وقد يأتي ما ينقضها.. بل إنه لا يمكن لأحد من الناس أن يبرهن عليها في يوم من الأيام.. لقد قال بعد علماء الفيزياء الكبار عن [نظرية الأوتار]: (إنها نظرية تحتاج لمصادم هيدروني بحجم مجرة لاختبارها وهذا غير ممكن.. حسنا لو قلنا ـ طبقا للنظرية ـ إن الكون خلق نفسه، فمن أوجد النظرية؟ ومن أوجد القوانين الفيزيائية الخاصة بها؟.. ورغم ذلك فلا توجد لها معادلة فيزيائية حتى الآن.. أطلب منهم أن يكتبوا معادلة فيزيائية.. لن يفعلوا لانهم ببساطة لايمتلكونها)

وقال آخر عن صاحب نظرية الأكوان المتعددة، والتي قال عنها البروفسور [جون بولكنجهورن] الفيزيائي الشهير معبرا عن نقده الشديد لها: (إنها ليست فيزياء.. إنها في أحسن الأحوال فكرة ميتافيزيقيه، ولا يوجد سبب علمي واحد للإيمان بمجوعة من الأكوان المتعددة)

صفحة ( 19)

وقال آخر: (إن فلسفة هوكينج تحديدا ما أعارضه، فهي كما وصلتني مثال واضح على التعالم، فطرح أن العلم هو مصدر المعلومات الوحيد، وأننا لدينا فهم كامل لكل شيء هراء، بل هراء خطير أيضا، فهو يشعر العلماء بالكبر والغرور بشكل مبالغ فيه)

قال: لا بأس.. ربما يكون لهؤلاء الحق فيما يذكرون.. لأن الكون الواسع لا يمكن الإحاطة به، ولا التجربة عليه.. ولكن ما أريد أن أطلبه منك سهل، وفي المتناول.. فنحن كما تعلم لا نبحث في الكائنات الضخمة، بل نبحث في الكائنات الدقيقة.. نحن لا نستعمل المراصد الكبرى العاجزة، بل نستعمل المجاهر الإلكترونية الدقيقة.

قلت: إن كان لما تريد أن تطلبه مني علاقة بالعلم، فذلك اختصاصي.. يمكنني أن أبحث فيما تشاء.. وأنت فسره بعد ذلك كما تريد.. أو يمكنك أن تحضر من الفلاسفة من يستفيد من نتائج أبحاثي ليوجهها كما يشاء.

قال: لا بأس.. اتفقنا على ذلك..

قلت: فما تريد مني؟

قال (1): لاشك أنك تعلم أن نظرية التطور طرحت في أواسط القرن التاسع عشر، وفي ذلك ذلك الحين لم تكن العلوم والتكنولوجيا متطورة بمثل ما هي عليه اليوم.. فقد كان علماء ذلك القرن يُجرون أبحاثهم في معامل بسيطة، وبأجهزة بدائية جداً.. وذلك ما جعلهم يقعون في بعض الاعتقادات الباطلة التي ترسبت في أذهانهم في غضون العصور الوسطى، ولا تزال مؤثرة في ثقافتهم حتى الآن.

قلت: أعلم ذلك.. ومن ذلك قولهم: إن للحياة طبيعة بسيطة في أساسها، أو كما عبر على ذلك الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو الذي قال: (إنّ الحياة تبدأ صدفة بمجرد وجود

__________

(1)  انظر: السّلوك الواعي لدى الخلية: هارون يحيى، ترجمة: مصطفى الستيتي..

صفحة ( 20)

بعض المواد التي لا حياة فيها، وتكون هذه المواد متلازمة جنبا إلى جنب في بيئة مبتلة رطبة ومن هنا تبدأ الحياة).. وهكذا اعتمد داروين في بناء نظريته على فكرة أن: (الحياة لها طبيعة بسيطة في أساسها)

قال: أجل.. وقد اعتنق علماء الحياة ما ذكره داروين وناصروه، وبنوا أفكارهم على أساسه، وكان من أهم مناصري داروين [أرنيست هايكل] الذي كان يعتقد أن الخلية الحية ـ والتي لم تتمكن المجاهر البسيطة حينذاك من رؤيتها بشكل صحيح ـ بسيطة التكوين بطبيعتها، وقال عنها كما تصورها: (إن الخلية ما هي إلا بالونة بسيطة مملوءة بسائل هلامي)

قلت: ولهذا، فإن الكثير من النتائج العلمية التي ذكرها هايكل وداروين وهكسلي وغيرهم لم تعد نتائج علمية لاعتمادةا على أفكار بدائية، ولعدم تطور الوسائل حينها.

قال: ولهذا طلبت منك ومن بعض الباحثين الكبار أن تقوم بدورك في هذا المجال.

قلت: لم أفهم ما تعني.

قال: لاشك أنك تعلم أن تلك النظريات التي طرحها هايكل وداروين وهكسلي وغيرهم كان لها أثرها الكبير في مواجهة الخرافة والجهل والتطرف والإرهاب الذي يلبس عادة لباس الإيمان.. وتعلم أيضا أنها وإن لم تكن علمية بالشكل الكافي، لكنها مع ذلك استطاعت أن تؤدي ذلك الدور الاجتماعي الخطير في مواجهة التطرف والعنف.. ولذلك نحتاج إلى إحيائها من جديد، وبأساليب أكثر علمية.

قلت: لا أرى علاقة بين تلك النظريات والتطرف والعنف.

قال: كيف لا ترى ذلك.. وأنت ترى في نشرات الأخبار أن كل ما يحصل من جرائم بيد أولئك الإرهابيين من المسلمين.. ولولا إيمانهم بما يسمونه إلها، لما وقعوا في ذلك.

قال ذلك، ثم أخرج من مكتبه شيكا، وأمضاه، وهو يقول: دعنا من كل هذه التفاصيل.. هذا شيك وفره لك المركز، يمكنك أن تضع فيه المبلغ الذي تشاء، لتسد به

صفحة ( 21)

ديونك، ولتتجنب دخول السجن.. فلا يصح أن يدخل عالم مثلك السجن.. فمكانك هو المخبر، وليس وراء القضبان الحديدية.

ثم ابتسم، وقال: نحن نعرف جيدا الظروف الصعبة التي تمر بها.. ولذلك لا نريد أن ندعك تحت رحمة أعدائك.. لا نريد منك في مقابل هذا سوى أن تثبت عدم حاجة نشأة الحياة إلى مصدر خارجي..

أو بعبارة أخرى لا نريد منك سوى أن تضع نظرية جديدة لـ[نشأة الحياة صدفة] في لباس علمي يتيح لها المزيد من القبول في العصر الحالي، وبالوسائل الحديثة.. ولا يهم أن تعارَض في المستقبل أو لا تعارض.. المهم أن تبقى لها فعالية، ولو لمدة قليلة من السنين.

وإن استطعت أن تقنع باحثين آخرين ليؤدوا هذا الدور معك، فلك ذلك، فالبحث الجماعي أهم وأقوى تأثيرا من البحث الفردي.. لكن لا نريدهم إلا من كبار علماء الحياة في العالم.. ولذلك لك أن تتنقل حيث تشاء.. وتتصل بنا لنهبهم من الأموال ما يرغبون.. فكل شيء موفر لك.

***

لا أكتمكم أني حينها، وبمجرد أن رأيت الشيك سال لعابي، وتشتت ذهني تشتتا تاما، فقد كنت في حاجة مالية شديدة.. فقد استدنت من بعض البنوك مبلغا ضخما لشراء بيت في ضاحية المدينة، ووفرت فيه كل مستلزمات الأبحاث التي أريد إجراءها.. وكنت أحلم أن أكسب وراء تلك البحوث أموالا كثيرة أسدد بها ديوني، لكن ذلك لم يحصل، فقد كانت النتائج التي وصلت إليها عكس المتوقع، وقد جعلني ذلك أنهار انهيارا تاما.

ولهذا تركت معملي، والتحقت بذلك المركز الذي حدثتكم عنه، وقد علمت بعد ذلك أنهم علموا بما حصل لي، وبالمبالغ الضخمة التي أحتاج إلى سدادها، فراحوا يستعملون هذه الوسيلة لإقناعي بما يريدون طرحه.. ونجحوا في ذلك.

صفحة ( 22)

بعد أن عدت إلى بيتي، رحت أقلب دفاتري بحثا عن الفريق الذي يمكنه أن يساعدني في المهمة الخطيرة التي وكلت لي، وبعد جهد كبير استطعت أن أجمع أسماء عدد منهم، كلهم من كبار الباحثين.. ولم تكن لدي مشكلة سوى المسافات الطويلة التي تفصل بينهم.

لكن المبالغ المالية الضخمة التي هيئت لي جعلتني أقوم بمهمة التواصل معهم، من غير أي عناء..

الصدفة.. والرجم بالغيب:

كان أول عالم قمت بزيارته، والحديث معه في هذا الشأن، عالما بيولوجيا كبيرا، كانت له صلة نسبية بذلك العالم التطوري المخادع [أرنست هيجل]، صاحب النظرية التي يطلق عليها [نظرية التلخيص]، والتي ثبت زيفها وخداعها بعد ذلك، واعترف أرنست نفسه بما فعله.

عندما دخلت مكتبه الذي كان يشبه مكاتب رجال الأعمال، لا مكاتب العلماء والخبراء، قال لي، وهو يصافحني بحرارة: لدي لك الكثير من الصفقات التجارية المهمة التي تخلصك من كل ديونك.

قلت: أرجو ألا تكون مثل شبيهاتها التي أوقعتني فيها.

قال: لا تخف.. هي مضمونة مائة في المائة.. فأنا أفكر في اختراع مركب يحوي جميع المسكرات مثل الكحول والكلوروفورم والبنزين.. ومسببات النشوة مثل الأفيون ومشتقاته.. والمهلوسات: مثل الميسكالين وفطر الأمانيت والبلاذون والقنب الهندي.. وغيرها جميعا، مع تفادي السلبيات المرتبطة بها.. وأنا أحتاج إلى فريق بحثي لتحقيق ذلك.. ولا شك أن لك من القدرات ما يسمح باختراع هذا المنتوج الذي سيغزو الأسواق، ويحولنا إلى ملياديرات بين عشية وضحاها.

صفحة ( 23)

قلت: دعني من هذه العوالم، فأنت تعرف أني قد تبت من أمثال هذه الصناعات التي لم تجر علي سوى الوبال.

قال: فهل تراك جئتني بصفقة أخرى أكثر جدوى؟

قلت: ألا تعرف الحديث سوى عن الصفقات؟.. لقد جئتك لغرض علمي.

قال: لقد انتهينا من العلم بعد خروجنا من الجامعة مباشرة، ونحن الآن في طور التجارة بالعلم.. فإن كان لك صفقة مهمة، فهاتها، وإلا فاذهب إلى طلبة الجامعة، واعرض عليهم مشاريعك.

قلت: يمكنك أن تعتبر أني جئتك بصفقة..

نهض من مكتبه، وراح يصفق، ويقول: هذا ما كنت أنتظره منك، فهلم بها.

ذكرت له ما حدثني به مدير المركز، فراح يقول لي: الأمر بسيط جدا، يمكنني عبر الفريق البحثي الذي تريده أن نحيي أي نظرية من النظريات، وندعمها بخدع جديدة، لتؤدي دورها الوقتي، ولا بأس بعد ذلك أن تنتقد، لتخلفها نظريات أخرى.. فما دام الهدف هو إبعاد الله عن خلق الحياة، فهذا سهل جدا.

ثم ابتسم، وقال: إننا نقدم بذلك خدمة للإنسانية.. فأنت ترى ما يجره الإيمان بالله من مآس للبشرية، فقد صار اسم الله مبررا لكل الجرائم.. وفوق ذلك لا يمكن للحياة أن تحلو، وأن نمارس فيها كل حريتنا، ونحن نعتقد بإله يحاسبنا على الصغيرة والكبيرة، بل يتوعدنا بعد ذلك بالعذاب الشديد إن خالفنا القوانين التي يسنها.

قلت: لا بأس.. فما هي البدائل التي تقترحها، والتي يمكننا من خلالها أن نواجه الطروحات الإيمانية.

صفحة ( 24)

قال (1): هي كثيرة جدا.. من أمثلتها أننا يمكن أن نلبس نظرية [الحساء البدائي] ثوبا جديدا من العلمية، متناسبا مع التطورات الجديدة.. فأنت تعلم أن أثواب تلك النظرية والتي لبستها منذ سنة 1924 قد بليت كثيرا.. وتحتاج إلى تبديل..

سكت قليلا، ثم قال: لقد لاقت حينها استحسان العلماء من مختلف الأوساط العلمية.. فهي تذكر أن الحياة نشأت ببساطة من زمن سحيق في القدم، حيث كان للأرض غلاف جوي صغير يحتوي على العناصر الأساسية لنشأة الحياة من الكاربون، والهيدروجين، والآزوت، وغيرها.. حينها تعرضت الأرض لأشكال مختلفة من الطاقة، مما أدى إلى ارتباط هذه العناصر وتصلبها فيما بينها، مشكلة مركبات كيميائية، أعطت انطلاقة للحياة على الأرض.

قلت: ولكن هذا يطرح تساؤلات حول كيفية نشوء الحياة فقط عبر هذه العناصر والمركبات البسيطة؟

قال: هذا ما تجيب عليه نظرية [التولد التلقائي] أو [التخليق الذاتي]، وهي التي تذكر أن الحياة نشأت في ظروف طبيعية انطلاقا من مركبات غير حية..

قلت: لكن كيف تم ذلك؟

قال: يمكن طرح الكثير من التوقعات لكيفية ذلك.. وفي ذاكرتي الآن الكثير منها.. وجميعها يمكنها أن تصمد فترة طويلة، حتى تأتي بدائل لها.

قلت: فهات أولها؟

__________

(1)  من مقال بعنوان: ثمانية نظريات حول نشأة الحياة على ا?رض، موقع الباحثون المغاربة.

صفحة ( 25)

قال: أولها هو القول بأن الحياة نشأت أول مرة تحت الجليد.. حيث تشير مجموعة من الأدلة إلى تغطية الجليد للمحيطات قبل حوالي 3 ملايير سنة من الآن، حيث تشكلت طبقة جليد سميكة بعمق مئات الأمتار نتيجة البعد السحيق بين الأرض والشمس آنذاك، وعكس ما هو عليه الآن، وهذه الطبقة حمت المركبات العضوية بقاع المحيطات ومكنتها من التفاعل فيما بينها لتعطي بذلك انطلاقة للحياة.

قلت: دعنا من هذا، فما أصعب تصديقه؟

قال: لا بأس.. فلنذكر بأن الحياة نشأت بسبب الكهرباء.

قلت: كيف ذلك؟.. إن إثبات هذا صعب، بل مستحيل.

قال: رغم أنها فكرة غريبة نوعا ما، إلا أنه يمكننا أن نذكر بأن الحياة تشكلت بفعل الكهرباء، فقد تم اثبات قدرة الكهرباء على تشكيل أحماض أمينية وسكريات بسيطة انطلاقا من عناصر بسيطة في الغلاف الجوي.. وبذلك فإنه يمكن أن نذكر أن البرق هو السبب في ظهور الحياة على الأرض، وذلك بصعق الأدخنة الصاعدة من البراكين، والغنية بالعناصر الأساسية للحياة مشكلا بذلك جزيئات أعقد، شكلت أسس الحياة.

قلت: دعنا من هذا، وحدثنا عن توقع آخر أكثر عقلانية؟

قال: فلنذكر لهم أن الحياة نشأت بسبب [التبذر الشامل]

قلت: فما [التبذر الشامل]؟

قال: هي نظرية تنص على أن الحياة على الأرض تطورت من كائنات مجهرية فضائية، دخلت للأرض عن طريق نيازك قادمة من المريخ.. مما يجعل منا امتدادا لكائنات فضائية متطورة.

قلت: إن هذا سيدعو إلى التساؤل أيضا عن سبب نشأة الحياة في المريخ.. فلذلك حدثنا عن توقع آخر أكثر عقلانية؟

صفحة ( 26)

قال: فلنذكر لهم أن الحياة نشأت من [الحمض النووي الريبوزي]، فهذا الحمض له دور أساسي في ترجمة الجينات إلى بروتينات.. وبذلك يمكن أن تنشأ الحياة بتشكل هذا الحمض النووي الريبوزي انطلاقا من الحساء البدائي.

قلت: إن هذا يطرح تساؤلات أخرى كثيرة.. فهل هناك توقع آخر؟

قال: أجل.. يمكننا أن نذكر أن مكونات الحساء البدائي استمرت في التفاعل فيما بينها، وبمرور الزمن أنتجت هده التفاعلات جزيئات أكثر تعقيدا من سابقتها، فشكلت أساس الحياة على الأرض.

قلت: إن هذا يطرح تساؤلات كثيرة.. فهل هناك توقع آخر؟

قال: أجل.. يمكننا أن نذكر أن الشرارة الأولى للحياة ظهرت عبر المتنفسات المائية الحرارية، وهي فتحة تشبه المدخنة في قاع المحيط، تنفث مياه معدنية حارة غنية بالعناصر الأساسية، وهي بذلك توفر ظروف ملائمة وعناصر أولية لتشكل الحياة على الأرض.

قلت: فهل هناك توقع آخر؟

قال: أجل.. يمكننا أن نذكر [تربة الأرض الطينية]، فقد قدم باحثون من جامعة غلاسكو الشهيرة باسكتلندا نظرية حول نشأة الحياة من تربة الأرض الطينية، لكونها غنية بالعناصر الأساسية للحياة، وقد حاجج الباحثون من خلال هذا الطرح على أن كل تلك العناصر قد تفاعلت فيما بينها لتعطي جزيئات معقدة كالحمض النووي [دى إن إيه] وجزيئات أخرى مشكلة بذلك قاعدة انطلاق الحياة على الأرض.

قلت: فهل هناك توقع آخر؟

قال: أجل.. يمكننا أن نذكر تلك النظرية الجديدة التي ظهرت بمعهد [ماساتشوستس للتكنولوجيا]، والتي تفترض أن تعريض المادة لطاقة خارجية داخل حمام حراري يجعلها

صفحة ( 27)

تنتظم وفق نظام أكثر كفاءة في تبديد الطاقة، وقد أكدت الدراسات المنجزة أن تعريض مجموعة من الذرات للطاقة يجعلها تنتظم وفق نظام أكثر كفاءة في تبديد الطاقة.

قلت: فهل هناك توقع آخر أكثر علمية وعقلانية؟

قال: أجل.. يمكننا أن نذكر لهم نظرية [سفانت أرينياس]

قلت: فمن هو [سفانت أرينياس]؟

قال: إنه صاحب النظرية التي تنص على أن الحياة التي نراها على سطح البسيطة اليوم كانت قد نشأت من كائنات حية أخرى أتت من عالم أو كوكب آخر غير كوكبنا الأرضي.. وقد وضع نظريته في نهاية القرن التاسع عشر بناء على معرفته بأن كثيراً من البكتيريا والفطريات تنتج جراثيم تنقلها الرياح من مكان لآخر حيث يمكنها بتوفر الظروف الملائمة أن تنبت لتكون مستعمرات جديدة للكائنات المنتجة لها، وبناء على ذلك قدم نظريته والتي تعني أن الكائنات الحية التي نراها اليوم نشأت من أجسام تشبه الجراثيم أتت من عالم أو كوكب آخر غير كوكبنا الأرضي.. وبتوفر الظروف الملائمة لإنبات هذه الأجسام في أرضنا نمت فأعطت الكائنات الحية التي نراها اليوم.

قلت: ولكن هذه النظرية لم تأخذ في عين الاعتبار كيفية وجود الحياة على كوكبنا الأرضي، ولم تأخذ في اعتبارها كيفية نشأتها سواء كان ذلك هنا أو في عالم آخر؟

قال: ذلك لا يهم.. فنحن لا نريد أن نثبت حقيقة علمية، وإنما نريد أن نضع افتراضات مختلفة ينشغل بها البشر عن التساؤلات المحيرة التي لا تؤدي إلا إلى الإيمان.

قلت: دعنا منها.. فهي غريبة جدا.. فهل هناك توقع آخر أكثر علمية وعقلانية؟

قال: حاليا.. ليس لدي أي توقع آخر.. لكن لا تقلق، يمكنك أن تمر علي بعد أسبوع واحد فقط، لأضع بين يديك مجموعة أخرى جديدة من التوقعات.. لكن لا تنس أن تقدم مبلغا من المال يقوي خيالي على التفكير.. فخيالي لا يمكن أن يتحرك من دون مال.

صفحة ( 28)

الصدفة.. والتوالد الذاتي:

وهكذا ضممت إلى فريقي العضو الأول، والذي لم يصعب علي التعامل معه، فقد كان لا يختلف كثيرا عن مدير المركز الذي كنت أعمل به..

لكن الصعوبات الشديدة لاقتني مع سائر الأعضاء الذين سجلتهم في دفتري.. فكلهم رفض العرض رغم الحاجة الشديدة.. وكلهم راح يؤنبني على التفكير بهذه الطريقة.

وكان أولهم عالما بيولوجيا كبيرا، كانت له صلة نسبية بالطبيب الكبير [لويس باستور]، وبمجرد أن التقيت به، وعرضت عليه الفكرة، وأخبرته أني اتفقت مع [أرنست هيجل] بشأن ما يمكننا عمله، حتى راح يضحك بصوت عال، وهو يقول: ألا تزال عائلة [أرنست هيجل] تمارس دورها القذر في تاريخ العلم، ألم يتخلصوا بعد من الحيلة والمخادعة؟.. ألم يكفهم ما فعل جدهم من جرائم؟

قلت: وما الذي فعل؟

قال: لقد قدم مجموعة من أشهر رسوماته عام 1874 م لمراحل الجنين البشري، حيث قام بتزييف الحقائق ووضع بصمة تطورية في كل مرحلة جنينية لدرجة أنه رسم خياشيم مزعومة للجنين الإنساني، بل وأضاف صورتين من عنده أصلا دسهما بين صور مراحل الجنين، إلى الدرجة التي قال فيها عالم الأجنة البريطاني الدكتور [مايكل ريتشاردسون] وزملاؤه في سنة 1997 م: (يبدو أن هذا [أي رسومات هيغل] من أكبر عمليات التزييف في علم الأحياء!)

قلت: لمَ تلقي عليه هذه التهمة الخطيرة، فلعل ذلك ما وصل إليه جهده وعلمه وتفكيره.. ولا يمكن اعتبار التفكير بحال من الأحوال خداعا أو احتيالا؟

قال: صدقت في ذلك.. لكن الواقع التاريخي كشف بالأدلة القطعية أن [أرنست هيجل] لم يكن مجرد مخطئ، وإنما كان مخادعا أيضا، ففي نهايات عام 1908 م اكتشف الدكتور

صفحة ( 29)

[بر إس] التزوير الذي قام به، وكتب مقالة في إحدى الجرائد متحديا أرنست هيجل وداعيا له للاعتراف بما قام به من تزوير.

وانتظرت الأوساط العلمية جواب العالم التطوري المتهم بالتزوير، وبعد تردد قارب الشهر، كتب هيغل بتاريخ 14/ 12/ 1908 م مقالة تحت عنوان (تزوير صور الأجنة)، حيث اعترف فيها بعملية التزوير التي قام بها قائلا: (إنني أعترف رسميا ـ حسما للجدال في هذه المسألة ـ أن عددا قليلا من صور الأجنة نحو ستة في المائة أو ثمانية موضوع أو مزور)

ثم عقب على هذا الاعتراف بقوله: (بعد هذا الاعتراف يجب أن أحسب نفسي مقضيا عليّ وهالكا، ولكن ما يعزيني هو أن أرى بجانبي في كرسي الاتهام مئات من شركائي في الجريمة، وبينهم عدد كبير من الفلاسفة المعول عليهم في التجارب العلمية وغيرهم من علماء الأحياء ـ البيولوجيا، فإن كثيرا من الصور التي توضح علم بنية الأحياء وعلم التشريح وعلم الأنسجة وعلم الأجنة المنتشرة المُعول عليها مزور مثل تزويري تماما لا يختلف عنه في شيء)(1)

بل إن علماء الداروينية الحديثة لم يجدوا بُدا من التملص من هذه الفضيحة للحفاظ على استمرار المخدر التطوري ساري المفعول في عقول الغافلين والملحدين واللادينيين، فهذا أحد مؤسسي الدارونية الحديثة وهو [جورج جايلورد سيمبسون]، يقول: (لقد شوَّه هيجل المبدأ النشوئي الذي تناوله، فقد ثبت اليوم علميا بما لا يدع مجالا للشك، أن الأجنة لا تمر بمراحل ارتقاء الأجداد)

__________

(1)  نقل المقالة الكاتب الإنجليزي فرانسيز هيتشينج في كتابه الشهير (عنق الزرافة - حيث أخطأ داروين).

صفحة ( 30)

قلت: لا بأس.. قد أعترف معك بكون [أرنست هيجل] الجد كان مخادعا، لكن ما ذنب [أرنست هيجل] الحفيد.. أم أنك تريد أن تلقي ذنب الأجداد على الأحفاد؟

قال: لا.. لا أقول هذا.. ومعاذ الله أن أقوله.. ولكن ما ذكرته لي من مشاهد لنشأة الحياة ذكرني بما فعله [أرنست هيجل] الجد، فهو الذي استعمل الحيلة والخداع لتمرير فكرته.. ونفس الشيء راح يفعله [أرنست هيجل] ن أن

الحفيد.. فتلك المشاهد لا يقبلها العقل ولا المنطق، ولا تعدو أن تكون مجرد رجم بالغيب لا يمكن التحقق العلمي منه بحال من الأحوال.

قلت: لا بأس.. ربما يكون ما تقول مقنعا، ولكن ما رأيك في إحياء نظرية التوالد الذاتي، ومحاولة بعث الحياة فيها؟

ضحك بصوت عال، وقال: لا شك أنك تريد أن تعود بنا مئات السنين إلى الوراء..

قلت: كيف ذلك؟

قال (1): أنت تريد أن نقول للعالم بعد كل هذا التطور العلمي: إن البراغيث متولدة من مواد غير حية كالغبار.. وأن الديدان نشأت من اللحم.. وأن الضفادع وبعض الكائنات المائية نشأت مباشرة من طين الجداول والبرك.. وأن الأسماك والزواحف والفئران يمكنها أن تنشأ تلقائياً من تربة رملية أو حتى من مواد متعفنة.. وأن الإنسان نفسه يمكن أن ينشأ من بركة من الوحل بطريقة التوالد الذاتي.

أو تريد أن نذكر لهم بأن [فان هلمونت] الذي اشتهر بتجاربه في التمثيل الضوئي للنبات ذكر بأنه لو أخذنا كمية من القمح، وبعضا من التبن والقش، وقطعة من قماش قديم،

__________

(1)  انظر: مقالا بعنوان [نظريات نشأة الحياة]، والمعلومات الواردة فيه موجودة في مواقع ودوائر معارف علمية كثيرة.

صفحة ( 31)

وقطعة أو قطعتين من ملابس داخلية وسخة.. ثم أضفنا إلى الكل قليلاً من الماء، ثم تركنا هذه المجموعة في مكان هادئ لعدة أيام، فإنه سرعان ما تولد هذه المجموعة مجموعة من الفئران.

قلت: لا أريد أن أقول هذا بالضبط.. ولكن ألا يمكن إحياء هذه الأفكار بطريقة أخرى علمية؟

ابتسم، وقال: كيف تقول ذلك يا رجل.. فقد انتقد تلك النظرية كل الباحثين المحققين ابتداء من [فرانسيسكو ريدي] الذي أثبت بتجربة بسيطة أن يرقات الذباب توجد في اللحم المتعفن نتيجة لفقس البيض الذي تضعه أنثى الذباب على اللحم، لا من توالدها ذاتياً ومباشرة من اللحم المتعفن، فلو جنبنا اللحم من الذباب، وذلك بتغطية الوعاء المحتوي على اللحم وبقطعة من القماش النظيف لاستحال ظهور اليرقات مهما تعفن اللحم وطال تعفنه، إلا أن ترك اللحم بدون تغطية ولّد عليه يرقات الذباب.. وقد أدت هذه التجربة وتجارب أخرى من هذا القبيل إلى أضعاف شوكة نظرية التوالد الذاتي.

قلت: ولكن.. وبعد اختراع المجهر في نهاية القرن السابع عشر على يد العالم [أنطون فان ليفنهوك]، واكتشافه لكائنات دقيقة لم تكن ترى بالعين المجردة، بل ظهرت خلال المجهر الضوئي، عاد فأنعش نظرية التوالد الذاتي بعض الشيء، ذلك أن وجود هذه الكائنات الدقيقة في السوائل المتخمرة لا يمكن شرحه إلا على أساس فكرة التوالد الذاتي.

وكان من بين الذين وجدوا في اكتشاف ليفنهوك انتعاشاً لفكرة التوالد الذاتي القسيس [الويلزي نيد هام]، لذا أجرى عدة تجارب، وجد من خلالها أن حساء لحم الضأن سوف يؤدي إلى إنتاج كائنات دقيقة حتى بعد تسخينه لدرجة الغليان.

قال: لكن تلك التجارب لم تكن علمية، فقد وجد القسيس الإيطالي [لازورا سبالانزاني] أن الحساء الذي اعتمد عليه [الويلزي نيد هام] كان عرضة للتلوث بالهواء بعد

صفحة ( 32)

التسخين مما يشرح ظهور الميكروبات في تجاربه.. ولإثبات ذلك قام بعدة تجارب سخن فيها الحساء لمدة طويلة تستمر بالساعات، وعاملة بطريقة تحول دون تلوثه بالهواء.. وفي نهاية هذه التجارب لم يظهر أي نوع من الميكروبات.

وهكذا أجرى قريبي [لويس باستور] تجارب عديدة قدمت دلائل قاطعة على عدم صحة التوالد الذاتي.. وقد أثبت أن الهواء ملئ بالكائنات الدقيقة التي يمكنها أن تنمو على الحساء بتعرض الحساء للهواء.. ذلك أنه لو عرضنا الحساء المعقم لهواء معقم فإنه لا تنمو أية ميكروبات على الحساء، إلا أن الحساء بتعرضه لهواء غير معقم تنمو عليه كائنات دقيقة مختلفة.. وبناء على هذه التحارب فقد صرح باستور قائلا: (سوف لا تحيا أبداً نظرية التوالد الذاتي بعد أن صرعتها هذه التجارب البسيطة)

الصدفة.. والحساء البدائى:

بعد أن ذكر لي كل ذلك، وذكر استحالة أن يبيع علمه بالمال، رحت أبحث عن عضو آخر من الذين سجلتهم في دفتري، وكان عالما بيولوجيا كبيرا، وكانت له صداقة طويلة بالكيميائي والإحيائي الأمريكي [ستانلى ميلر] الذي اشتهر بسبب دراساته في مجال التولد التلقائي، وبالتحديد في تجربته التي حاول أن يثبت فيها إمكانية إنشاء مركبات عضوية من خلال عمليات كيميائية بسيطة من مواد غير عضوية.

كان اسمه [جيفري بادا] (1)، وقد ذكر لي عند لقائي به، أنه الطالب الثاني الذي تخرج على يدي [ستانلي ميلر]، وأنه كان قريبا جدا منه، بل كان معينا له في كل التجارب التي قام بها.

__________

(1)  انظر مقالا بعنوان: اعادة تحليل تجارب ستانلي ميلر المنسية عن نشأة الحياة!، من موقع: أنا أصدق العلم.

صفحة ( 33)

بل أخبرني فوق ذلك كله أنه بعدما مات ميلر بالسكتة الدماغية عام 1999، ورث صناديق من العينات التجريبية من معمله.. وذكر لي بحماسة أنه بينما كان يقلّب فيها وجد مكتوبا على إحداها بخط ميلر [عينة التفريغ الكهربائي]

لقد قال لي، وهو لا يكاد يملك نفسه من الفرح: لقد كانت هذه هي التجارب الأصلية التي قام بها أستاذي وصديقي [ستانلي ميلر] عام 1953 وهو في جامعة كولومبيا.. لقد كانت صناديق العينات محفوظة جيدًا ومُعَلَّمة بحرص مثلما وصفها ميلر في مذكراته..

قلت: هلا شرحت لي بتفصيل ماذا فعل أستاذك وصديقك.. وهل يمكن الاستفادة من تجربته في إثبات عدم حاجة صدور الحياة إلى الخالق؟

قال: مع كوني تلميذا وفيا لأستاذي وصديقي [ستانلي ميلر]، ومع إعجابي الشديد بشخصيته واجتهاداته إلا أنه من الصعب علي أن أحكم هذا الحكم.. ذلك أن الهدف الذي انطلق منه في إجراء تجربته لم يكن هدفا علميا، بقدر ما كان هدفا ميتافزيقيا، والأهداف الميتافزيقية أقرب إلى الفلسفة منها للعلم.

سكت قليلا، ثم قال: لعلك تعلم أن الروسي الملحد [الكسندر ايفانوفيتش أوبارين] كان أول من أخرج فرضية [الحساء البدائى] إلى الوجود، وقد ذكر فيها أن الحياة بدأت فى وقت مبكر من حياة الأرض في محيطات مائية، نتيجة لمزيج من مواد الكيميائية، وبعض المركبات العضوية الأولية من الغلاف الجوي، ونوعا من الطاقة.

قلت: لا يهم الهدف.. بل تهم النتيجة، فهل استطاع أن يثبت إمكانية نشوء الحياة من تلك التجربة التي قام بها؟

صفحة ( 34)

قال (1): من الصعب قول ذلك.. فالحياة شأن آخر تماما.. كل ما قام به أستاذي ميلر أنه حين كان طالب دراسات عليا بجامعة شيكاغو عام 1953 حاول أن يحضر واقعا يحاكي فيه ظروف الأرض فى وقت مبكر.. وباستخدام خليط من المكونات التي ادعى أنها كانت تمثل القشرة الأرضية قديما وهى: (الماء، الميثان، الأمونيا، الهيدروجين) وتعريضها لطاقه كهربية ممثلة فى صعقات تمثل طاقة البرق.

قلت: فما كانت نتيجة تجربته؟

قال: لقد كانت النتيجه هي أنه حصل على مادة عضوية ممثلة فى أحماض أمينيه بسيطة، وافترض أنه كانت الخطوة الأولى للحياة.. فضلا عن كمية من القطران كناتج بلمرة.

قلت: هذه تجربة مهمة.. ويمكن أن تكون منطلقا لأبحاث أخرى تستطيع أن تواجه الرؤية الإيمانية التي تفترض وجود الخالق.

ابتسم، وقال: لقد كان هذا هو الموقف الذي وقفه كل الماديين عندما سمعوا بالتجربة، أو أعادوا تكرارها.. ذلك أنها كانت بمثابة قشة الغريق للفكر الالحادي، حيث تم الاحتفاء بها، واعتمادةا كنموذج عملى لمحاكاة ظروف خلق الحياة الأولى.

قلت: هي بالفعل كذلك.. فلم هذا التشاؤم؟

قال: أنا لا أتفاءل، ولا أتشاءم، ولكني أحترم عقلي.. فالتجربة كانت مليئة بالثغرات التي تجعل منها مجرد محاولة يائسة، لا قيمة لها من الناحية العلمية.

قلت: كيف ذلك؟

__________

(1)  انظر: نظرية التطور وحقيقة الخلق، أحمد يحيى، وكتب هارون يحي في الرد على نظرية التطور.

صفحة ( 35)

قال: أول الإشكاليات التي تطرحها التجربة، والفرضية المرتبطة بها هي أن معطيات الافتراض والتجربة كانت انتقائيه بامتياز، وغير ممثلة للظروف الحقيقيه لجو الأرض البدائى.. ذلك أن [أوبارين]، وهو أول من اقترح جو الأرض البدائية المختزل المكون من الماء، والميثان، والأمونيا، والهيدروجين، أتي من كونه مختصا بعلوم الكيمياء، ولذلك راح يختار هذه العناصر بالضبط، وليس من معطيات حقيقيه متوفره عن جو الأرض البدائى.

وبناء على ذلك راح يقوم بتوليف المركبات الأولية القادره على إنتاج حساء عضوي، مع ضرورة استبعاد الأكسجين أوالمركبات المؤكسدة من الخليط.

قلت: هل تقصد أنه لم يكن هناك أي حساء بدائي للحياة على الأرض؟

قال: أجل.. فبعد بعد مضي سنوات من تجربة ميلر التى حاكى فيها ظروف أوبارين المقترحه، بيّن التحليل الجيوكيميائى الدقيق أن الجو الذي ساد على الأرض لم يكن مختزلا كما افترض لتكوين الحساء البدائى للحياة، وأن مثل هذه الأجواء المختزلة، إذا كانت موجودة فى أي وقت مضى، فإنها لم تدم طويلا.

بالإضافة إلى ذلك فإن الغلاف الجوى الذى تمت محاكاته فى التجارب كتمثيل لنشأة الحياة كان يتألف في المقام الأول من غاز الميثان، والأمونيا، ومستويات عالية من الهيدروجين.. والعلماء الآن يجمعون على رفض ذلك السيناريو.

فالجيوكيمائيين اليوم يعرفون أن الغلاف الجوي للأرض في وقت مبكر لم يحتوي على كميات ملموسة من هذه المكونات.. بل إن الغلاف الجوي للأرض في وقت مبكر كان مختلفا جدا عما افترضه ميلر..

بل إنه لا أحد يعرف الأساس الذي استند إليه ميلر فى تقدير تلك المكونات على أنها محاكاة فعلية لجو الأرض وقتها.. فالعلماء يتفقون على أن المصدر الرئيسي للغازات هو البراكين، والبراكين ينبعث منها أول اكسيد الكربون، وثانى اكسيد الكربون، والنيتروجين،

صفحة ( 36)

وبخار الماء، ومن المرجح لدى العلماء أن هذه الغازات كانت وفيرة جدا في الغلاف الجوي في وقت مبكرمن حياة الأرض.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تلك التجارب كانت تفترض الغياب الكلى للأكسجين، باعتباره عدوا للتجربة، مع أنه كان متواجدا بوفرة فى جو الأرض البدائى.. فوجود الأكسجين الحر من شأنه أن يدمر أى مادة عضوية ناشئه، ولذلك تجنب ميلر تلك الإشكاليه باستبعاد الأكسجين من جو التجربة.. وهذا خلاف ما كان واقعا فى جو الأرض البدائي.

قلت: هل ما تقوله صحيح.. وكيف غاب عنه هذا؟

قال: ما أسهل أن يغيب عنه.. لأن هدفه لم يكن الوصول إلى الحقيقة العلمية، وإنما كان الوصول إلى الحقيقة الميتافزيقية..

فالباحثون الآن يعتقدون أن غاز الأكسجين كان موجودا على الأرض في وقت مبكر، لأن غلافها احتوى على الكثير من بخار الماء، والإنحلال الضوئي للمياه الناجم عن الأشعة فوق البنفسجية في الغلاف الجوي العلوي سيكون مصدرا رئيسيا للأكسجين الحر في الغلاف الجوي، حيث أنتج الأكسجين بمعدلات مرتفعه للغاية على الأرض البدائية، لعدم وجود درع الأوزون، والمصنوع من الأكسجين، لمنع ضوء الأشعة فوق البنفسجية.

وقد كشف تحليل أقرب عصور ما قبل الكمبري للصخور الرسوبية على وجود الأكسجين الحر، وبمستويات مماثلة لما هو عليه اليوم.. كما نشرت مجلة العلوم [عدد ديسيمر 1995] مقالا لجون كوهين يظهر ذلك بوضوح، ويؤكد مخالفة جو الأرض البدائى لما افترضه ميلر في تجربته.. وذلك ما يؤكد عدم صلاحيتها.

بل إن الأمر ازداد تأكيدا مع الاكتشافات الجيولوجية الحديثة، فقد تم العثور فى طبقات الأرض القديمة على المعادن المؤكسدة (الهيماتيت) في وقت مبكر قبل 3.8 مليار سنة، وهو دليل لا يقبل التشكيك على وجود الأكسجين بمعدلات مرتفعه جدا كما هى الآن.

صفحة ( 37)

وهكذا كان الأمر مع الدرسات والتأكيدات من قبل الجيوكيميائين، والتي ذكرت أن الظروف المؤكسدة، والتمثيل الضوئى تواجدا على كوكب الأرض منذ أكثر من 3،7 مليار سنة، وأن الحياة كانت موجودة تقريبا في أقرب وقت كانت الأرض قادرة على دعم ذلك.

وهكذا راحت تتوالى التأكيدات العلميه الدالة على وجود الأكسجين الحر فى غلاف الأرض بعد وقت قريب جدا من تشكلها، حيث تم اكتشاف وجود نطاقات واسعه من الكائنات الحية المعتمده على التمثيل الضوئى لحياتها.

قلت: وهل ترى أن هذه الاكتشافات كافية وحدها لتهديم النظرية؟

قال: أجل.. فالمفروض في أي تجربة علمية وفق المنهج العلمي مراعاة جميع الشروط المرتبطة بالتجربة، حتى تصح نتائجها، وإلا فإن إجراء أي تعديل عليها سيؤثر لا محالة في مصداقية النتائج.

قلت: فقد كان اكتشاف وجود الأكسجين في تلك المرحلة وحده ما تسبب في تهدم الأسس التي تقوم عليها النظرية؟

قال: أجل، فيكفي إثبات وجود الأكسجين لتنهد النظرية، ذلك أن تجربة ميلر ويوري وشبيهاتها لايمكن أن تتم فى مجال يحتوى على الأكسجين كما أكد ميلر ذلك بنفسه، وهذا يناقض ما كانت عليه طبيعة الغلاف الجوى فى تلك العهود المبكرة.

قلت: ولكن ألا يوجد خلاف بين الباحثين في هذا حتى يمكن الاستفادة منه؟

قال: بلى.. يوجد من يدافع عن نموذج ميلر، ولكن من دون الاعتماد على أي دليل حقيقى.. وأغلب علماء الجيولوجيا اليوم يؤكدون تواجد الأكسجين بنفس نسبة وجوده اليوم فى الغلاف الجوي، بل وفى أعماق البحار قبل 3.46 مليار سنه من هذا الوقت.

بالإضافة إلى هذا، فقد غاب عن بال المدافعين عن نموذج ميلر، والقائلين بغياب الأكسجين من جو الأرض المبكر حقيقة مهمة وخطيرة جدا، وهي أنه إذا لم يكن هناك

صفحة ( 38)

أكسجين فى ذلك الوقت من عمر نشوء الحياة فلن يكون هناك أوزون، لذلك لن تكون هناك حماية من الأشعة فوق البنفسجية التى تنفذ لتدمر المواد الكيميائية الحيوية المتكونه فى الحساء البدائى المزعوم.

***

على الرغم من كون حديث [جيفري بادا] يتناقض تماما مع مبتغاي، لكن صدقه وإخلاصه وموضوعيته في طرح فكرته، والتي يختلف بها مع نفسه، ومع أستاذه.. كل ذلك جعلني أحاول التعرف على كل التفاصيل، وبكل دقة وموضوعية.

قلت: أظنني اقتنعت بهذا، فدعنا منه، وحدثنا عن الحساء البدائي.. وهل هناك أدلة جيوكيميائية على وجوده في أي وقت مضى على الأرض؟

قال: إذا كان هناك فى أي وقت مضى حساء بمركبات عضوية أولية، فلابد أن تحتوي الصخور الرسوبيه القديمه على علامات واضحه وطبقة كبيرة بسمك يتراواح بين (1 ـ 10 متر) من القطران تطوق الأرض لأنها من نواتج التفاعل الاولى كما بينت تجارب انتاج الأحماض الأمينية.. ولكن ليس هناك أى أدله جيولوجيه كشفت عن هذه الطبقة.

بل لم يُكتشف أي دليل جيوكيميائى على أنه كان هناك حساء فى عمر الأرض المبكر، مع أنه كان لابد للصخور الرسوبيه فى تلك الفترة الزمنية أن تحتوي على نسبة كبيرة بشكل غير اعتيادي من الكربون أو المواد الكيميائية العضوية لكن هذا لم يحدث.

وكذلك لا توجد أى أحافير يمكن أن يدل تحليلها الكيميائى على خطوات ما قبل الحياة، وخطوت ظهور الحياة على الأرض، وهذا يؤدي بنا إلى نتيجه واضحه وهي أن كل ما يطرح من سيناريوهات وتوقعات ليست سوى مجرد فروض بدائيه غير مدعمة بأي دليل، بل إنها متناقضه مع الشواهد العلمية.

صفحة ( 39)

قلت: ولكن ما هي الأسباب التي جعلت العلماء يتمسكون بهذه التجارب، وبالفرضيات المرتبطة بها مع كل هذه المشاكل المنهجيه القاتله فى أصل الاستدلال بها؟

قال: لعل أهم تلك الأسباب التي جعلت الكثير يتمسك بتجارب ميلر ومثيلتها على إمكانية نشأة الحياة على الأرض بطرق طبيعية عشوائيه هو عدم وجود بديل مقترح أفضل منها، وهو ما أقره عالم الأحياء التنموية [جوناثان ويلز] فى كتابه [أيقونات التطور]، حيث قال: (نحن لا زلنا جاهلين جهلا عميقا بكيفية نشأة الحياة، ومع ذلك لازالت تجربة ميلر أوري تستخدم كأيقونه للتطور، لأنه لم يظهر شيء أفضل منها.. وبدلا من قول الحقيقة، أعطينا انطباعا مضللا أن العلماء أثبتوا تجريبيا الخطوة الأولى في أصل الحياة)

سكت قليلا، ثم قال: لكن مع ذلك، ونتيجة للتشكيك العلمى الواضح في تلك الفرضية وما ارتبط بها من تجارب، وبعد ما يقارب القرن من اعتماد نموذج الحساء البدائى، تخلى جمهور العلماء عن التمسك بها، لتهافتها وعدم صلاحيتها.. بل اضطر أنصار التطور والنشأة العشوائيه إلى البحث عن سيناريو بديل.. حتى صرح [نيك لين] وفريقه بجامعة لندن عام 2010، بأن نظرية الحساء البدائي لا تصمد، وأنها صارت من الماضى.

لكنه بدل أن يقر بنظرية الخلق الإلهي للحياة، راح يقترح بأن الحياة نشأت في الفتحات الحرارية المائية تحت سطح البحر.. ولم يكن قصده من ذلك إلا الخروج من الأزمه التي يوقع فيها التخلي عن الحساء البدائي، مع أنه لا يقوم على دعم ما ذكره أى دليل.

***

بينما كنت مع [جيفري بادا] منشغلين بتلك الأحاديث العلمية الراقية إذ جاء تلميذ من تلاميذه يحمل كتابا بيده، وهو يقول: هل سمعت أستاذنا ما ذكره [كارل بوبر] في هذا الكتاب، فقد قال: (التقدم العلمى غير المسبوق فى البيولوجيا جعل مشكلة أصل الحياة لغزا أكبر مما كان عليه قبل ذلك، فقد اكتسبنا مشاكل جديدة وأكثر عمقا)

صفحة ( 40)

قال جيفري: صدق [كارل بوبر] في قوله هذا.. فقد كان القدماء يؤمنون بالتوالد الذاتي، وهو ما جعلهم لا يقعون في الكثير من الإشكالات التي نقع فيها اليوم.. أما في زماننا هذا، وبعد إدراكنا لأسرار الحياة، فإن الأمر صار أشد تعقيدا، وأكثر غموضا.

قال التلميذ: ولكن العلماء استطاعوا أن ينتجوا أحماضا أمينية ضمن بيئة معينة.. أفلا يكون ذلك اكتشافا لأصل الحياة؟

قال جيفري: لنسلم جدا بأن التجارب التي أجريت في سبيل تحقيق ذلك نجحت فى توليف الجو الفعلى للأرض، فهل أمكنها فعلا خلق الحياة؟

سكت التلميذ، فقال جيفري: من المغالطات التي يوهم بها أنصار النشأة العشوائية عامة الناس وغير المتخصصين هوالقول بأن إنتاج بعض الأحماض الأمينية يجعل من خلق الحياة أمرا فى حدود الإمكان.

بل يتعمد بعضهم اللجوء إلى تسطيح مستفز حتى ظن غير المتخصصين أن إنتاج الخلية الحية لا يختلف عن تصنيع قطعة جيلى فى مصنع حلوى.

قال التلميذ: لكنه لا يمكن أن تقوم الحياة من دون أحماض أمينية؟

قال جيفري: أجل.. ولكنها مع ذلك ليست سوى مادة عضوية بسيطة جدا خالية تماما من الحياة.. بل هي مجرد لبنة بناء بسيطة وأولية.. ويمكن تشبيهها باستخراج معدن الألمينوم باعتباره أحد المعادن المستخدمه فى بناء طائرة وجعلها تطير.. فبالطبع لن يطير معدن الألمنيوم الخام إلا فى الطائرة، وداخل نظام مصمم وذكى بالغ التعقيد.

وهكذا الأحماض الأمينية، فإنها مع أهميتها لا تمثل أى قيمه بيولوجية إلا فى الخلية، ومع اعتبار الفارق الشديد فى نسبة التعقيد بين الطائرة والخلية.

سكت قليلا، ثم قال مخاطبا تلميذه: لتقريب الصورة لك يمكننا تمثيل الأحماض الأمينية بأنها جزء من مجموعة الحروف.. والخلية الحية هى كتاب مؤلف من ملايين الحروف

صفحة ( 41)

لتشكيل ملحمة روائية بالغة الحنكة.. والإشكال الحقيقى يكمن فى الاستخدام الذكى لترتيب تلك الحروف، وليس مجرد تراكمات وتراكبات عشوائيه ناتجه من عمليات فزيوكيميائه.

قال التلميذ: صدقت أستاذي.. فالخلية ـ كما شرحتها لنا ـ نظام كونى مستقل له إرادة تخالف تلك القوانين.. ونظرة قريبة فى الخلية تثير الذهول من ذلك التصميم الدقيق المحكم، فهى مدينة كاملة من الآلات الجزيئيه المتعاضده المتكامله التى لا تضاهيها عوالم التقانات النانوية.. فمع اهتزازها أو التفافها أو زحفها المتواصل في أرجاء الخلية، تقطع هذه الآلات، وتلصق وتنسخ جزيئات جينية، وتقوم بنقل المغذّيات من مكان إلى آخر، أو تحولها إلى طاقة، وتبني أو تصلح الأغشية الخلوية، وتنقل الرسائل الميكانيكية والكيميائية والكهربائية.

***

انصرف التلميذ، فقال لي جيفري، وهو يحاورني: لا بأس.. فلنتخط ذلك التعقيد المذهل فى تركيب الخلية، والكافي وحده لإقناع أى عاقل بحتمية تصميمه.. ولنتناول أهم الإشكالات التى تلي مرحلة تكوين الحساء البدائى والمكونات الأولية.

قلت: هل هناك مشاكل أخرى لا تزال تعترض الحساء البدائي؟

قال: إن شئت الصدق.. فالمشاكل التي يثيرها الحساء البدائي أكثر بكثير من الحلول التي يضعها..

قلت: فما هي المشكلة الجديدة التي تريد أن تذكرها لي؟

قال: من أبرز ألغاز الحياة، والتى تقف بقوه ضد كل النظريات العشوائيه التي تحاول تفسيرها، تلك الغائية والتوجيه المستقل للحياة بعيدا عن العمليات الكيميائية الطبيعية.

فبتخطى تلك العقبات التي مرت بها أمثال تلك التجارب، وبافتراض نجاحها فى محاكاة جو الأرض وإنتاج مادة عضوية أولية للحياة، وتخليق الأحماض الأمينية، فإن تخليقها

صفحة ( 42)

من مواد أولية ليست الجزء الصعب.. فالإشكال الحقيقى هو الحصول على نوع الأحماض الأمينية المطلوبة للحياة، وطريقة تنظيمها.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أنت تعلم أنه يوجد أكثر من 2000 نوع من الأحماض الأمينية في الطبيعة، بينما لا يدخل فى التركيب الحيوى للخلية إلا 20 نوعا فقط.. وعلاوة على ذلك، يتم تجميع الذرات التي تشكل كل الأحماض الأمينية الأساسية في شكلين متناظرين عرفا باسم (اليد اليسرى، واليد اليمنى) مقارنة بتناظر كلتا يدي الإنسان.. فلكل يد نفس المكونات، ومع ذلك فهي مختلفة.

ومثل أيدينا، تأتى الأحماض الأمينية في شكلين حيث تتألف من نفس المكونات، ولكن هي صور طبق الأصل من بعضها البعض، ولهذا تسمى الأحماض الأمينية العسراء، والأحماض الأمينية اليمينيه.

لكن المذهل هو أن جزيئات الأحماض الأمينية اللازمه للحياة كلها عسراء التوجه، وكل السكريات الموجودة في الأحماض النووية اللازمه للحياة يمينية التوجه، أما تلك الأحماض الأمينية المنتجة في المختبر فهي نصف عسراء، ونصف يمينية، وتسمى راسيمات، وهنا تكمن مشكله قاتلة، وهي أن السكريات العسراء والأحماض الأمينية اليمينيه تكون سامة وقاتلة، وتحول دون أى محاوله للتخلق الحيوى المزعوم من تلك المخاليط الراسميه الملوثه.

وعلاوة على ذلك، فقد تم تصميم جميع الإنزيمات لتعمل فقط مع سكريات اليد اليمنى والأحماض الأمينية العسراء.. لذلك إذا تم ارتباط حمض أمينى واحد يمينى الاتجاه أثناء تجميع بروتين، فإن ذلك البروتين الناتج لن يكون له أي قيمة للحياة.

قلت: لكن لماذا استخدمت البروتينات البيولوجية الأحماض الأمينية العسراء فقط.

صفحة ( 43)

قال: لا يزال الأمر لغزا.. لأن الكيمياء غير الموجهة تعطى نسبا متساوية من كلا النوعين، ولهذا راحوا يحاولون الخروج ذلك المأزق الأولى بتفسيرات أفضل ما يقال عنها: إنها فرضيات غير مدعومة بأي دليل، بل هي مجرد تخيلات فقط لتخطى تلك العقبة التى تعاند قوانين الكيمياء الأولى، وتظهر إرادة مستقله للحياة.

الصدفة.. ومشكلة البلمرة:

بعد أن ذكر لي كل ذلك، وذكر لي مثل صاحبه استحالة أن يبيع علمه بالمال، رحت أبحث عن عضو آخر ممن سجلتهم في دفتري.. وكان يعمل في المركز الطبى بجامعة [بايلور] بولاية تكساس الأمريكية، وهو [جوزيف كوهن]، الذي كان بالإضافة لكونه عالما بيولوجيا كبيرا، جراحا بذلك المركز.

وكنت قد علمت بعد ذلك أنه من العلماء الذين انتقدوا نظرية التطور، فقد عرض فى بحث نشره بعنوان [دحض الدارونية] بعض الأخطاء البارزة التى تكتنف النظرية، وعلى رأسها استحالة نشوء الحياة من مواد كيماوية فقط، مبرهناً على ذلك بأن المعلومات التى يحتويها الحامض النووى [دى إن إيه] تتطلب معلومات من الطبيعة الخارجية.

وقد ذكر في بحثه ذلك أن جسم الإنسان عبارة عن منظومة شاملة لكى تؤدى وظائفها فى الحفاظ على حياته يجب توافر مكوناتها الأساسية والمواد الكيماوية اللازمة لعملها دفعة واحدة وبصورة متزامنة.

وقد أيد كوهن آراء علماء الكيمياء الحيوية من أن جسد الإنسان يعمل كوحدة واحدة، وفى حالة نزع أى عضو من أعضائه يتوقف الباقى عن أداء وظائفه، مما يدل بجلاء على أن الإنسان خلقه الله منذ البداية ـ كما هو ـ بجميع أعضائه دفعة واحدة، وليس بالتدرج الطبيعى عضواً عضواً كما تدعى نظرية دارون.

صفحة ( 44)

بالإضافة إلى ذلك، فقد ذكر أن الجسد البشرى مكون من عدة أجهزة لا يمكن اختزالها أو الانتقاص منها على أى مستوى، بدءا من التشريح الفسيولوجى العام إلى منظومة الكيمياء الحيوية.

وخلص في الأخير إلى أن خلق الإنسان بهيئته البديعة لا يمكن أن يصدر إلا عن خالق حكيم، مشيراً إلى أن نظرية التطور تفتقر إلى أية براهين عن أصل عضو واحد من أعضاء الإنسان، ناهيك عن شبكة متكاملة بالغة التعقيد يتألف منها الجسد البشرى.

عندما التقيت به، وحدثته عن الأبحاث التي نريد إجراءها، وذكرت له ما قاله لي [جيفري بادا] نظر إلي مبتسما، وقال: كل الإشكالات التي طرحها لك صديقي جيفري لا تساوي شيئا أمام الإشكالات التي لم يذكرها.

قلت: فهل هناك إشكالات أخرى لم يذكرها؟

قال: أجل.. فبالإضافة لما ذكره لك [جيفري بادا]، فإن هناك إشكاليات كثيرة لا يمكن حلها وفق الظروف المفترضه، ومن أمثلتها كيفية ربط الأحماض الأمينية أو الجزيئات العضوية الأساسية الأخرى لتشكل سلاسل طويلة (البوليمرات) مثل البروتينات أو [رى إن إيه] كنموذج ذاتى التكرار..

قلت: ما تعني بقولك هذا؟

قال: أعني [البلمرة].. ولاشك أنك تعرفها.. فهي العملية التي من خلالها تشكل [المونومرات]، أو الجزيئات العضوية البسيطة روابط تساهمية مع بعضها البعض لإنتاج [البوليمرات]، أو الجزيئات العضوية المعقدة.

ولذلك يجب أن تحتوي [المونومرات] المكونة للحساء البدائى على الأحماض الأمينية، والسكريات، والدهون، والكربوهيدرات البسيطة، والقواعد النيتروجينيه، والبوليمرات، وهي سلاسل من تلك المونومرات.

صفحة ( 45)

سكت قليلا، ثم قال: سأقرب لك هذا بمثال قياسى.. فإذا افترضنا أن [المونومرات] كالأحماض الأمينية حروفا.. وافترضنا [البوليمرات] كالببتيدات والدهون الفوسفاتية و[رى إن إيه] و[دى إن إيه] كلمات وجملا.. فإنه يمكن بكل بساطه يدركها أى بيولوجى اعتبار الخلية بمثابة مجلد ضخم مصمم ومؤلف بفعل قريحه عبقريه ليحكى ملحمة بالغة التعقيد، وليس مجرد تراكمات عشوائيه لركام من تلك الحروف أو تلك الكلمات.

لكن مع استحالة أن تصنع الحروف بمفردها كلمات وجملا مفيدة، فضلا عن أن تصنع روايه ملحميه ضخمه، فإنه لا توجد أى فرص لالتقائها وترابطها بالأساس فى حيز معين يوفر لها إمكانية الترابط.

قلت: ألا يمكن أن تنشأ البلمرة فى ظروف النشأة الطبيعية المقترحه؟

قال: ذلك مستحيل.. لأن هناك الكثير من المشاكل التي تعترض تحقيق ذلك.. منها مثلا أن فرضيات الحساء البدائى والفوهات الحارة تفترض حدوث التخلق قبل الحيوى فى حيز مائى كالمحيطات.. ووفقا لمبدأ [انزياح التوازن] أو مبدأ [لو شاتيليه] فإن وجود منتج كهذا لايمكن بحال من الأحوال أن يسير عكس التوازن لإنتاج بوليمرات وجزيئات معقدة، لأن الماء هو بالأساس مذيب ومخفف للمونومرات ليجعل فرص التقائها معدومه.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المركبات العضوية تتحلل بسرعة إذا تعرضت لحرارة عالية من الفتحات الحرارية في أعماق البحار، لذلك فإن خطوة البلمرة في الأصل الكيميائي للحياة لا يمكن أبدا أن تجري في حيز هائل من المياه، كالمحيطات، وفرص التقاء المونمرات مستحيلة.

ولذلك فإن تركيب البروتينات والأحماض النووية من السلائف العضوية ولبنات الحساء البدائى يمثل واحدا من أصعب التحديات لنموذج التخلق قبل الحيوى.. فهناك العديد من المشاكل المختلفة التي يواجهها أي اقتراح.. وهواستحالة البلمرة، وتكوين المعقدات في المياه.

صفحة ( 46)

فمع افتراض بدء الحياة في المحيطات، فان الجزيئات العضوية المفترض تكونها فى الماء سوف يتم تدميرها على الفور خلال عملية التحلل المائي، وهو إضافة جزيء الماء بين جزيئين المستعبدين (اثنين من الأحماض الأمينية في هذه الحالة)

وعلاوة على ذلك، تميل المياه لكسر سلاسل الأحماض الأمينية وتفكيكها عن بعضها البعض إن وجدت تلك البروتينات المزعومه التى شكلت في المحيطات بترابط الأحماض الأمينية منذ 3.5 مليار سنة مضت.

قلت: أعلم ذلك.. فإن تشكيل البوليمرات يحتاج بالضروره إلى ظروف جافه.

قال: وهذا لا يتفق مع فرضيات التخلق اللاحيوي المطروحة..

قلت: وعيت هذا.. فهل هناك مشكلة أخرى غير هذا؟

قال: أجل.. المشكلة الأخرى هي أن الأحماض الأمينية مع كونها بطبيعتها قادرة على الارتباط في العديد من المواقع من قبل العديد من أنواع الروابط الكيميائية.. إلا أن تشكيل سلاسل ببتيد يتطلب تقييد وصلاتها إلى روابط الببتيد فقط، وفي المواقع الصحيحة فقط.