الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: الهاربون من جحيم الإلحاد

الوصف: عرض مبسط لأمهات البراهين الدالة على وجود الله

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1438 هـ

عدد الصفحات: 425

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

يتناول هذا الكتاب المناهج الكبرى التي استعملها العلماء والفلاسفة والمتكلمون من المدارس المختلفة للدلالة على وجود الله، مع ضرب الأمثلة عن البراهين المرتبطة بها، وتقريراتها المختلفة، محاولا تبسيط كل ذلك، باستعمال الحوار والقصة والمثال وغيرها من أساليب التبسيط.

ذلك أن الكثير من تلك المناهج ـ وخاصة الفلسفية أو الكلامية منها ـ تعرض بطريقة يصعب على العامة والبسطاء التعرف عليها والاستفادة منها مع أهميتها البالغة، ولذلك تبقى محصورة في دوائر ضيقة، مع أنها من الأسلحة المهمة والنافعة التي يواجه بها الإلحاد، وخاصة الإلحاد الجديد الذي يعتمد عرض الأطروحات الإلحادية القديمة بطريقة بسيطة، ويجد من يسمع له، وفي نفس الوقت لا يجد في الطرف المقابل إلا طروحات غاية في التعقيد والغموض، والتي قد تثير فيه من الإشكالات أكثر مما تحل له من العقد.

فهرس المحتويات

الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

مقدمة الكتاب

البداية

البراهين القاطعة

برهان العلية:

برهان الحدوث:

برهان التطبيق:

برهان الخلق:

المعاني الرقيقة

برهان الفطرة:

برهان الصديقين:

البرهان الوجودي:

البرهان الوجداني:

العناية الرحيمة

برهان التسخير:

برهان التوفير:

برهان التيسير:

برهان التطوير:

الصنعة العجيبة

برهان التصميم:

برهان التكيف:

برهان التناسق:

برهان التكامل:

النظام البديع

برهان الثبات:

برهان التدبير:

برهان الغائية:

برهان التوازن:

الآيات الباهرة

برهان الكون:

برهان الحياة:

برهان الوعي:

برهان المشاعر:

الهداية المبينة

برهان التواصل:

برهان القيم:

برهان النبوة:

برهان الوحي:

النهاية

هذا الكتاب

 

مقدمة الكتاب

يتناول هذا الكتاب المناهج الكبرى التي استعملها العلماء والفلاسفة والمتكلمون من المدارس المختلفة للدلالة على وجود الله، مع ضرب الأمثلة عن البراهين المرتبطة بها، وتقريراتها المختلفة، محاولا تبسيط كل ذلك، باستعمال الحوار والقصة والمثال وغيرها من أساليب التبسيط.

ذلك أن الكثير من تلك المناهج ـ وخاصة الفلسفية أو الكلامية منها ـ تُعرض بطريقة يصعب على العامة والبسطاء التعرف عليها والاستفادة منها مع أهميتها البالغة، ولذلك تبقى محصورة في دوائر ضيقة، مع أنها من الأسلحة المهمة والنافعة التي يواجه بها الإلحاد، وخاصة الإلحاد الجديد الذي يعتمد عرض الأطروحات الإلحادية القديمة بطريقة بسيطة، ويجد من يسمع له، وفي نفس الوقت لا يجد في الطرف المقابل إلا طروحات غاية في التعقيد والغموض، والتي قد تثير فيه من الإشكالات أكثر مما تحل له من العقد.

بالإضافة إلى ذلك كله، فقد بنينا الحديث عن هذه المناهج والبراهين والتقريرات المرتبطة بها على أساس التنوع الحاصل في طرق التفكير ومدارسه ومناهجه.. ولذلك لم نستعمل تلك الطريقة التي وقع فيها بعض المؤمنين الذين راحوا ينتقدون مناهج وبراهين لم تتناسب مع طرقهم في التفكير، فراحوا يعطون الملاحدة الأدوات التي يواجهون بها تلك الأدلة.

ولذلك قبلنا جميع الأدلة، وبتقريراتها المختلفة، بناء على القاعدة المعروفة [لله طرائق بعدد الخلائق]، فقد لا يفهم بعض الناس دليلا من الأدلة كالدليل الأنطولوجي لأنسلم وديكارت، أو دليل الصديقين للفارابي وابن سينا والملا صدرا.. لكن في نفس الوقت نرى من فهم تلك الأدلة، واستفاد منها، وتحول بموجبها من الإلحاد إلى الإيمان.. ولذلك لا معنى لانتقادها أو رفضها بحجة عدم تناسبها مع الاتجاه الفكري أو المدرسة الفكرية.

ولهذا كان موقفنا في الكثير من القضايا هو قبول كل ما يدعم الإيمان بغض النظر عن التفاصيل المرتبطة به.. فمن المسائل المطروحة في هذا الباب ـ مثلا ـ مسألة قدم العالم، وهل هي في حال صحتها ـ كما يقول الكثير من الفلاسفة ـ تتناقض مع الإيمان، أو لا تتناقض معه، وهل قدم العالم شرط لثبوت الصانع، أو ليس شرطا.. فلم نهتم بهذه المسألة باعتبارها مسألة جزئية، وإنما اهتممنا بها باعتبارها شبهة قد يستفيد منها الملاحدة.

ولذلك بحثنا فيها على كلا الاحتمالين.. على احتمال الحدوث، وهو الذي نؤمن به، وقد ذكرنا براهين كثيرة خاصة بذلك.. أو على احتمال عدم الحدوث ـ كما يقول الفلاسفة ـ وقد ذكرنا أيضا أنه حتى لو كانت الحالة كذلك، فإنها لا تتناقض مع وجود الله بناء على مبدأ العلية والإمكان.

وقد استلهمنا الجانب الروائي والقصصي في هذا الكتاب مما ورد عن اجتماع المؤمنين في الجنة، وحديث بعضهم مع بعض عن سبب هدايتهم وضلالهم، وكيف خرجوا من ذلك، وهو المشهد الذي نص عليه قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60)﴾ [الصافات: 50-60]

ولهذا جعلنا المؤلف يرحل بصحبة معلمه [معلم الإيمان] إلى روضات المؤمنين الذين هربوا من جحيم الإلحاد، وهناك يجد حدائق كثيرة، كل حديقة تضم جماعة من الجماعات، مقسمين على أساس المدارس الفكرية التي عرفوا الله من خلالها.

وعند زيارته لكل جماعة يتعرف على المنهج العام الذي بنوا عليه استدلالاتهم، ثم يسمع من كل واحد منهم البراهين التفصيلية المرتبطة بذلك المنهج، على سبيل الحكاية الرمزية، مع الحوارات التي تناقش الشبهات، وترد عليها بسلاسة ووضوح وتبسيط.

وقد قسمنا المناهج الكبرى التي تقوم عليها براهين وجود الله إلى سبعة أقسام:

البراهين القاطعة: ونقصد بها أصناف الأدلة والبراهين التي استعملها الفلاسفة والمتكلمون من أمثال برهان العلية، وبرهان لحدوث، وبرهان التطبيق أو نفي التسلسل، وغيرها.. وهي جميعا براهين تنطلق من الكون كواسطة للوصول إلى الله.

المعاني الرقيقة: ونقصد بها أصناف الأدلة التي استعملها الفلاسفة أو الصوفية، وهي الانطلاق من الأعلى إلى الأدنى أو من المكون إلى الكون، ومن أمثلتها برهان الفطرة، وبرهان الصديقين، والبرهان الوجودي أو الأنطولوجي، والبرهان الوجداني.

العناية الرحيمة: ونقصد بها أصناف الأدلة التي استعملها الفلاسفة والمتكلمون والعلماء، والتي تتعلق بالنظر إلى عناية الله بعباده ورحمته بهم، عبر المظاهر المختلفة لتلك العناية، والتي دل العلم الحديث على تفاصيل الكثير منها.

الصنعة العجيبة: ونقصد بها أصناف الأدلة التي يستعملها علم الكلام الجديد، والعلماء المعاصرون في الدلالة على الله انطلاقا من براعة الصنعة وإتقانها، فالصنعة المتقنة تدل على الصانع المبدع، وقد استفدنا في هذا المنهج خصوصا مما كتبه علماء الفيزياء والفلك والطب وغيرهم في هذا الجانب محاولين تبسيطه قدر المستطاع.

النظام البديع: ونقصد بها أصناف الأدلة التي يستعملها علم الكلام الجديد خصوصا لنفي العشوائية والصدفة.. فالنظام يحتاج إلى منظم، ويستدعيه بالضرورة العقلية.

الآيات الباهرة: ونقصد بها أصناف الأدلة التي تواجه الأطروحات الإلحادية التي تتصور أن الأدلة على الله أدلة نظرية وفلسفية فقط، ليس لها أي جانب حسي أو تجريبي.. فهي تعطي الكثير من المناهج التي يمكنها أن تحول الإيمان بالله إلى تجربة حسية، كسائر التجارب.

الهداية المبينة: ونقصد بها أصناف الأدلة التي استعملتها الكتب المقدسة في الدلالة على الله، لا عبر الاستدلال بنصوص تلك الكتب المقدسة نفسها، لأن ذلك قد يعبر دورا، وإنما باعتبارها ظاهرة من الظواهر الحسية، التي تحتاج إلى البحث فيها من هذا الجانب، وقد حاولنا أن نبين أن هذه الظاهرة أكبر ظاهرة تعريفية بالله، فالله لم يعلن عن نفسه من خلال الكون وظواهره فقط، وإنما أعلن عنه عبر رسله وكلماته المقدسة لعباده.. وقد اقتصرنا على بعض الأمثلة على ذلك، بناء على أننا خصصنا سلسلة [حقائق ورقائق] جميعا لإثبات النبوة بالمناهج المختلفة، وإثبات النبوة، ليس سوى إثبات للألوهية بالدرجة الأولى.

وقد اعتمدنا في هذا الكتاب على مصادر كثيرة متنوعة، وضعنا التوثيقات المرتبطة بها في الهوامش، ولم نبالغ في التوثيق عند كل محل، لأننا نتصرف كثيرا في النصوص، فالهدف ليس النصوص بحد ذاتها، ولا أصحابها، وإنما الأفكار التي تحملها.

وننبه أيضا إلى أننا في هذا الكتاب باعتباره يمزج العلم بالفن والأدب لم نراع التسلسل التاريخي في الأحداث والوقائع التي يرويها أبطال الرواية، ولا المعلومات الدقيقة المرتبطة بأشخاصهم.. لأن كل ذلك لم نقصد منه سوى تقريب الصورة، وتيسير الفهم، وتوضيح المقاصد.

وننبه أيضا إلى أن الكتاب باعتباره يخاطب جهات متعددة، فإن أساليبه متعددة، فمنها المغرق في التعقيد الفلسفي، ومنها العلمي البسيط اليسير، ومنها الخطابي الوعظي.. ولذلك يمكن للقارئ الذي لم يفهم نصا من النصوص، أو برهانا من البراهين أن ينتقل لغيره من غير أن يؤثر ذلك في فهمه للمسائل المطروحة، ولو أننا نعمد كل برهان إلى وضع تقريرات مختلفة تخاطب أصناف الناس: الفيلسوف والعالم والعامي وغيرهم.

وننبه في الأخير إلى أن هذا الكتاب ليس سوى جزء من سلسلة [الإلحاد.. والدجل]، ولهذا لم نتعمق في تفاصيل بعض الأدلة، باعتبار أننا سنتحدث عنها بتفصيل في محالها من الأجزاء الباقية.

البداية

في صباح ذلك اليوم الذي التقيت فيه معلمي الجديد [معلم الإيمان] كنت في غاية الاكتئاب والإحباط بسبب مشهد افتتحت به يومي، جعلني أمتلئ حنقا على التطرف والمتطرفين على أي ملة كانوا.. متدينين أو غير متدينين.

فقد رأيت شابا كنت أعرفه بالتزامه الديني المتشدد، وبلحيته الطويلة، ولسانه الذي لا يقل عنها طولا.. لكني رأيته في ذلك الصباح بصورة معاكسة تماما، فقد انتقل مباشرة ومن غير جسور من تطرف إلى تطرف، ومن غلو إلى غلو..

وكما تجلى تطرفه الأول على شعر لحيته.. فقد تجلى تطرفه الثاني على شعر رأسه.. فقد رأيته يقصه قصات غريبة، جعلتني أقترب منه، وأقول له بكل لطف: ألست فلانا؟

قال: بلى.. فما حاجتك إلي؟

قلت: ألا ترى أن ما فعلت بشعر رأسك لا يتناسب مع مؤمن متدين.. فأنت تعلم نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن..

بمجرد أن قلت هذا، قاطعني بغضب وجفاء وتجهم لا يقل عن تجهمه في تطرفه الأول، وقال: دعني من أولئك البدو الجفاة الغلاظ.. فمن أين لي بأن الله أرسل بشرا.. ومن أين لك بأنه يوجد إله أصلا.. أنت لا تعلم ما قال العلم الحديث.. وما قال..

قاطعته، وقلت: هل أنت الذي تقول هذا؟.. ما بك يا رجل؟.. أين ذهب عقلك؟

قال: بل أين ذهب عقلك أنت؟.. لقد كنت غبيا مثلك.. لكني اكتشفت الحقيقة بعد أن عاد إلي عقلي ووعيي.. وأنا الآن أعيش حياتي بكل حرية، لا يقيدني فيها إله، ولا يتحكم في دين.. فأنا أحق بحياتي من غيري.. لقد اكتشفت ـ كما اكتشف سارتر ـ أن وجود الله يعطل وجودي أنا، فلذلك كان (الأفضل أن لا يكون الله موجودًا حتى أُوجد أنا)

قال ذلك، ثم انصرف عني، وهو يصفر ويرقص كالمجانين.. حينها لم أجد من فرط اكتئابي إلا أن أسير خارج قريتي لأستلقي على عشب بعض المروج، أتأمل السماء والجمال المودع فيها، وأتعجب من تلك العقول التي تغفل عن كل هذه الصنعة الإلهية، والعناية الربانية، لترتع في مستنقعات الشياطين.

حينها جاءني معلمي الجديد [معلم الإيمان] محاطا بهالة النور التي تغشاه من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه، وقال لي: قم لنزور الهاربين من جحيم الإلحاد..

قلت: أتريد أن تعود بي إلى فندق الملاحدة.. ذلك الفندق الذي امتلأت فيه بالمرارة والألم؟

قال: لا.. ستزور اليوم جنات الهاربين من جحيم الإلحاد.. أولئك الذين أعملوا عقولهم، وطهروا نفوسهم، فاستعدوا لنيل فضل الله بالهداية التي أخرجتهم من ظلمات الضلالة إلى نور الإيمان.. ومن جحيم الجحود إلى نعيم العرفان.

قلت: لا تذكرني بالجاحدين المارقين.. فقد رأيت اليوم أحدهم، وكاد قلبي ينفطر لمرآه، وكادت يدي تمتد لرقبته، فتخنقها.. ليتك سمعت ما قال.

قال: ما أكثر من قال ما قال.. لكنه عاد إلى وعيه، وعادت إليه فطرته، وفر من جحيم الملاحدة لتستقبله جنان فضل الله.. فالله كريم غفور شكور..

قلت: لكنك لم تسمع ما قال.. ولو سمعته لما رددت علي هذا.

قال: ربما لم أسمعه، ولكني سمعت السحرة حين دخلوا على فرعون قائلين: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: 44].. ولم يخرجوا من عنده إلا وهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: 47، 48]

قلت: ربما كان لأولئك السحرة بعض العقل الذي جعلهم يرددون ذلك.

قال: لا تحجر هداية الله وفضله العظيم.. وسلم لربك، ولا تقترح عليه.. وإن كان لك من شيء تفعله نحوهم، فهو أن تدعو الله لهم بالهداية، وأن تقوم بما يجب عليك من إقامة الحجة والدليل.. فالله تعالى يقول: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]

قلت: لكن هؤلاء لا يفهمون حجة.. ولا يقتنعون بدليل.. وكيف يتاح لهم ذلك، وقلوبهم مغلقة، وعقولهم معطلة، ونفوسهم مدنسة؟

قال: أد ما عليك من واجب.. واترك لله الهداية.. فـ ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56]

قلت: بأي لغة تريد أن أحدثهم.. وبأي حجة تريد أن أخاطبهم.. وهم قد سدوا آذانهم عن كل ألوان الحجج؟

قال: خاطبهم بأي لغة تتناسب مع عقولهم وأمزجتهم.. فلله طرائق بعدد الخلائق.

قلت: فهلا وصفت لي بعضها.. فأنت معلم الإيمان.

قال: لأجل هذا جئتك اليوم.

قلت: هل تقصد تعليمي براهين الإيمان؟

قال: سأذهب بك إلى من يعلمك تلك البراهين..

قلت: من تقصد؟

قال: أولئك الذين اكتووا بنار الإلحاد، ثم منّ الله عليهم بالهداية، فهم أدرى الناس بمسالك الإيمان لدرايتهم بمسالك الشبه.

قلت: أتقصد أننا سنزور في رحلتنا هذه ملاحدة؟

قال: سنزور من اكتووا في يوم من أيام حياتهم بنار الإلحاد.. لكن هداية الله تداركتهم بسبب صفاء سرائرهم، وطهر نفوسهم.. فلذلك خرجوا من جحيم الإلحاد.. ودخلوا جنات الإيمان.

قلت: فمن هم؟

قال: كثيرون.. ستراهم.. وتسمعهم.. ولك أن تسألهم.. ولهم أن يجيبوك.

قلت: هل سنذهب الآن إليهم.

قال: لا.. سيأتون هم إلينا..

قلت: لم أفهم ما تعني.

قال: حدق بصر الإيمان.. وسترى ما لم تكن ترى، وتسمع ما لم تكن تسمع.

قلت: ما علي فعله؟

قال: أغمض عين الملك، وافتح عين الملكوت.. وسترى من العوالم ما كان محجوبا عنك.

فعلت ما طلبه مني، كما دربني على ذلك معلم السلام.. وفجأة رأيت شيئا عجيبا..

لقد تحولت تلك المروج التي كنت مستلقيا على عشبها إلى جنات وارفة ممتلئة بكل أصناف الأزهار، وكل أنواع الطيور.. وكان أريجها يعبق بنسيم عليل ممتلئ بالروائح الطيبة.. وكأن الجنة قد تنزلت من عليائها إلى ذلك المكان..

وفجأة رأيت بشرا كثيرين يجتمعون جماعات متفرقة.. يجلسون على أرائك من العشب الخالص.. يبتسم بعضهم لبعض، ويحدث بعضهم بعضا..

 

 

 

البراهين القاطعة

فجأة اقترب مني أحدهم، وقال: مرحبا بك يا تلميذ الإيمان.. لقد أخبرنا معلم الإيمان عنك، وعن زيارتك لنا، ونتشرف بأن نكون أول من يستقبلك.

قلت: من أنت؟

قال: لن تعرفني.. ولا حاجة لك بمعرفتي.. لأن كل من تراه هنا تخلى عن اسمه ورسمه منذ عرفه..

قلت: أنت تذكرني بذلك الولي الصالح الذي سئل عن اسمه، فقال: لقد ذهب عني، لا أعاده الله إلي.

قال: صدق.. فمن عرف الله لم يحجب عنه بغيره كائنا من كان حتى نفسه التي بين جنبيه..

قلت: إن هذا من الحجب التي حالت بين بعض قومي وبين الإيمان.. فقد خافوا على وجودهم أن يلغى بسبب وجود الله.. فلذلك راحوا يلغون وجود الله ليبقى لهم وجودهم.

قال: وهل لهم وجود من دون مدده.. إن إلغاءهم لوجود الله هو إلغاء لوجودهم، فلا وجود إلا منه، ولا وجود إلا به..

قلت: هنيئا لك هذه المرتبة الرفيعة.. وهذا المقام السامي.. لاشك أنك سليل أسرة من الصالحين الذين توارثوا الولاية وأمجادها.

قال: بل أنا سليل أسرة من الملاحدة الذين ألغوا لله من حياتهم.. ولولا أن منّ الله علي بالهداية لكنت الآن في فندق الملاحدة، لا في روضات جنات المؤمنين التي تراها.

قلت: فكيف تخلصت من قيود الإلحاد.. وكيف هربت من سجونهم؟

قال: هلم بنا إلى مجلسنا، وسترى نفرا من أصحابي، وسنحدثك جميعا عن نعمة الله علينا بالهداية، وكيف أخرجنا الله من ظلمات الغواية إلى نور الهداية.

قلت: أتقصد هذه الأرائك التي يجلس عليها أولئك النفر من النوارنيين؟

قال: أجل..

قلت: فلم أرى حلقات كثيرة منفصلة.. لم لم تجتمعوا جميعا في محل واحد، بحيث يسمع بعضكم بعضا، ويحكي بعضهم لبعض؟

قال: ألم تسمع ما قاله معلم الإيمان لك.. لله طرائق بعدد الخلائق؟

قلت: أجل.. لقد قال لي ذلك.

قال: فكل من تراه له طريقته الخاصة التي وصل بها إلى الله.. فالله يدلي حبال فضله لعباده كل حين.. فمن شاء أن يتعلق بها تعلق.. ومن شاء أن يبقى في عوالم نفسه بقي.

قلت: فبأي حبل تعلقتم؟

قال: أنا وأصحابي تعلقنا بحبل [البراهين القاطعة]

قلت: فلم تعلقتم بها دون غيرها؟

قال: لقد كنا قبل تنعمنا بنعمة الإيمان من الفلاسفة الذين توهموا أن العقل يرفض الله.. ولا يثبت وجوده.. أو يتوقف في ذلك.. لكنا بعد البحث والتحري، والتأمل والتدقيق وصلنا إلى الحقيقة العظمى، وهي أن الله هو الدليل على خلقه، وليس الخلق هو الدليل على الله.. فلولا الله ما كان شيء من الأشياء.

قلت: لقد ذكرتني بقولك بهذا بـ[فرنسيس بيكون]، فقد قال: (القليل من الفلسفة يميل بعقل الإنسان إلى الإلحاد، ولكن التعمق فيها ينتهي بالعقول إلى الإيمان.. إذا أمعن (العقل) النظر وشهد سلسلة الأسباب كيف تتصل حلقاتها فأنه لا يجد بدًا من التسليم بالله)([1])

قال: صدق فرنسيس بيكون.. لقد كان في يوم من الأيام صديقي.. والحمد لله كانت نصيحته تلك سببا من أسباب هدايتي.

قلت: فهلا حدثتني عن ذلك.

قال: هلم بنا نجلس إلى تلك الأرائك حيث يجتمع أصحابي، وهناك ستسمع مني ومنهم.

برهان العلية:

جلسنا في حلقة من الحلقات، وبمجرد جلوسنا اقتربت أرائك الإخوان المنورين بنور الإيمان من بعضها بحركات آلية في منتهى الدقة والجمال، مما جعلني أعيش قوله تعالى في وصف أهل الجنة: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47]

كان الجو ممتلئا بالأنوار الجميلة الهادئة.. وكان النسيم مملوءا بالعطر الفواح الطيب.. فانشرحت نفسي انشراحا شديدا، ورحت أقول من حيث لا أشعر: هلم بنا إلى الحديث عن سر وجودكم هنا.. فما أرسلني معلمي معلم الإيمان إلا لهذا؟

قال أحدهم، وهو صاحبي الذي جاء بي إلى ذلك المجلس: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53)﴾ [الصافات: 51-53].. ويقول لي: هل تصدق حقا أن هناك إله في هذا الوجود.. فإن كان هناك إله، فأين هو، ولم لا نراه، ولم لا يظهر لنا نفسه؟

وكنت أصدقه في كثير مما يقوله تبعية طوعية مني، لانبهاري بالكثير من منجزاته، والتي جعلتني أعطيه العصمة المطلقة، وأقول في نفسي: يستحيل على من استطاع أن يصل إلى كل ذلك المال والجاه، وأن يصطاد كل تلك القلوب والعقول، أن يكون كاذبا فيما ادعي..

لكن الله بفضله الكريم خلصني منه بواقعة بسيطة وقعت لي، لم أكن أعلم أنها تخرجني من جحيم الإلحاد إلى جنات الإيمان.. فإن شئتم أن أذكرها لكم فعلت.. وإن شئتم اقتصرت منها على البراهين التي أخرجني الله بها من أوهامي.

قال أحدهم: هلم اذكرها لنا تفاصيلها.. فما تحلو مجالسنا هذه إلا بالتفاصيل.

قال الرجل: في ذلك اليوم دعيت للشهادة في المحكمة من طرف صاحبي الذي ذكرته لكم.. وقد ذهبت إليها على الرغم من أنني لم أعاين شيئا.. ولكني كنت واثقا تماما أن صاحبي صاحب العلم والمال والجاه لا يمكن أن يظلم أو يغدر.. فقد كانت ثقتي فيه لا حد لها.. لكن الله شاء أن يجعل ذلك اليوم سببا في اكتشافي لحقيقته، واكتشافي بعد ذلك لله تعالى.

وقد وضح لي صاحبي، ومدراء أعماله ما علي أن أقوله بدقة.. فحفظته عن ظهر قلب.. لكني ما دخلت القاعة، وسمعت كلام المتهم، ورأيت سنحة وجهه حتى نسيت كل شيء.

لقد كان أول ما بدأ به المتهم كلامه، هو شهادته على نفسه، وإقراره بأنه صاحب الفعلة التي اتهم بها، وأنه لا يحتاج إلى أي شهود يثبتون ذلك أو ينفونه.. وسرني ذلك كثيرا، فقد ألقى عن ظهري تبعة الشهادة بما لا أعلم([2])..

لكن المتهم لم يكتف بذلك، بل راح يقول للقاضي، والمدعين عليه: لكن اسمعني ـ سيدي ـ قبل أن تحكم علي بما تشاء لأذكر لك سر فعلتي تلك.. ولعلك بعدها تعذرني.. ولعلك تنزل علي ما تشاء من العقوبة.

لم يجد القاضي ومن حوله من المستشارين سوى أن يأذنوا له بالحديث، فقال: كل ما سأقوله لكم حقيقة مطلقة يشهد عليها صاحب المعمل الذي ادعى علي، ويشهد عليها كذلك العمال الذين حضروا، فإن رأوا أني أضفت شيئا من عندي، فيمكنهم أن يكذبوني.

قال ذلك، ثم التفت الى العمال الكثيرين الذين حضروا قاعة المحاكمة، وقال: سيدي القاضي.. إن هؤلاء العمال الذي تراهم يشهدون أن المدعي علي كان يجمعنا كل أسبوع ليلقي علينا محاضراته التشكيكية في كل الحقائق، مما جعل الكثير منا يكاد يفقد عقله، وبعضنا خرج من جميع معتقداته التي ورثها، وكان سعيدا بها من دون أن يجد أي معتقدات صحيحة نافعة يمكن أن تعوضها.. ولذلك فإنني أدعي على المدعي علي بأن جريمته أكبر من جريمتي.. فأنا لم أفعل سوى أن قطعت التيار الكهربائي عن الآلات عدة ساعات، مما أحدث بعض الخسارة في المعمل.. لكن هذا الرجل قطع تيار الحياة عن أرواح أصحابي من العمال قطعا أبديا.. وهو بذلك قد قام بقتلهم من حيث لا يشعر.

قال القاضي: وضح ما تقول.. فنحن لا نفهم شيئا.

قال المتهم: أنتم تعلمون أن الرجل الواقف أمامكم، والذي يطلق عليه الناس اسم [ديفيد هيوم([3])]، ليس رجل أعمال فحسب، وإنما هو فيلسوف أيضا، مثله مثل زملائه في الفلسفة ديكارت وسبينوزا وبيكون وكانط وجون ستيوارت ميل وبرنارد راسل.. وغيرهم.

قال القاضي: نعم نعلم ذلك.. فهل في ذلك مشكلة؟

قال المتهم: لكن فلسفته ـ سيدي ـ ليست فلسفة عادية، إنها نوع من السموم القاتلة.. إن أفكاره تنخر العقل والروح، فلا تبقي منهما شيئا.. بل تجعل الإنسان يشك في كل شيء.

قال القاضي: وضح أكثر.

قال المتهم: إن المتهم الواقف أمامكم سيدي يتميز عن غيره من الفلاسفة بأنه سلك خطاً فلسفيا جديداً خطيرا.. فلا هو سقط في المثالية المشغولة بالتأمل العقلي.. ولا هو ناصر المذهب التجريبي.. لقد كان يذكر لنا كل حين أن مصدر المعرفة للإنسان لا يكون بالعقل، كما أنه لا يكون بالحواس.. بل هو يرى أن مصدر المعرفة عند الإنسان لا يكون إلا بالعادة والتكرار..

ولذلك أنكر وجود ما يسمى بالعقل البشري، وقال: إن العقل ليس سوى ذاكرة نحفظ بها تجاربنا وتجارب الآخرين.. وبهذا أبطل العلية، وفتح الباب على مصراعيه لهدم المنهج الإستقرائي، ومنه لهدم المنهج التجريبي.. وبذلك أحدث هذا الرجل من الفضائح الفلسفية ما هو وبال على البشرية جميعا.. و..

قاطعه القاضي، وقال: قبل أن تكمل، دعنا نسأل صاحب الدعوى ديفيد هيوم عن مدى صحة ما قلت.. وهل هو حقا يرفض السببية؟

قال ديفيد: أجل ـ سيدي القاضي ـ فقد اكتشفت أن السبية ليست سوى نتيجة للبرهان الاستقرائي القائم من الملاحظة المستمدة من الاطراد في الطبيعة كوسيلة للنظر للمستقبل والتنبؤ به.. فلو رأينا ظاهرتين تتبع إحداهما الأخرى على الدوام، فالنتيجة أنهما سيستمران في التتابع إلى الأبد..

التفت القاضي إلى المتهم، وقال: واصل حديثك..

توجه المتهم إلى ديفيد هيوم، وقال([4]): اسمعني ـ ديفيد ـ لأقول لك بكل صراحة: لقد حجبك حسك الممتلئ بالزهو والغرور عن كل شيء.. فرحت تعتبره المجال الوحيد للمعرفة، والمنبع الفريد للإدراك.. ورحت تحصر المعارف في المادة الجامدة، وما ارتبط بها.. ورحت تعتبر كل ما يتحدث عنه العقلاء من مصادر للمعرفة غير الحس والمادة أوهاما لا حقيقة لها، وخرافة لا وجود لها إلا في مخيلة أصحابها.

ولم تكتف بذلك، بل رحت تعتبر كل معتقدات الإنسان وآراءه عن العالم الخارجي مجرد خيالات وأوهام لا وجود لها.. وأنها مجرد مدركات ذهنية مختزنه، وأن الإنسان لا يفعل سوى أن يسقط كل ذلك على العالم الخارجي، ويفسره به، فتكون الحصيلة أن يعلن عن ذاته، وعن مكونات نفسه، ولا يعلن عن الحقائق الخارجية التي يزخر بها العالم الواقعي.

ولم تكتف بذلك، بل رحت تمعن في الحس والكثافة، فتعتبر كل أفعال الإنسان وكل سلوكاته مجرد ردود أفعال لما يعتمل في نفسه من إحساس باللذة أو الألم، واستجابة لكل ما يشعر به اتجاه الأشياء من سعادة أو شقاء.. وبذلك أصبحت الحواس الظاهرة هي المتحكمة في كل شيء ابتداء من الإحساس باللذة والألم.

بل إنك اعتبرت الحواس الباطنة مجرد تابع ذليل للحواس الباطنية.. فألغيت بذلك وجودها وحقيقتها.

أتدري ما فعلت بفلسفتك الرعناء هذه.. لقد قضيت على كل حقائق الوجود، كما قضيت على كل القيم النبيلة.. وكيف لا تقضي عليها، وقد جعلت الأخلاق قائمة على أصول حسية مادية بحتة.. وكيف لا تقضي عليها، وقد جردت الإنسان من مسئوليته على أفعاله، وجعلت حركاته كلها مجرد ردود أفعال لما يحس به من لذة، أو ما يحس به من ألم..

سكت قليلا، ثم قال: إن المدعي علي الواقف أمامكم ليس من أولئك المترددين المتوقفين اللاأدريين من أصحاب الإلحاد السلبي.. بل كان من أصحاب الإلحاد الإيجابي الذين راحوا يحاولون التماس الأدلة على نفي وجود الله.. وقد رأى أن من أصحابه في كل تاريخ البشرية من وضع لذلك مبادئ ونظريات ممتلئة بالعبث واللاعقلانية كنقض مبدأ الخلق، ومشكلة العدل والشر، واستحالة الوحي، ونقد الكتب المقدسة للأديان، واستحالة الحياة بعد الموت.. فراح يضيف إليها شيئا جديدا لم يسبقه إليه أحد، بل لم يفكر فيه أحد أصلا، وهو [إبطال مبدأ السببية]([5]) الذي اتفقت عليه جميع العقول، بل اعتبر من (إحدى بدائه الفكر الأساسية)، ذلك أنه (لا يحدث شيء بلا علة، أو على الأقل بلا سبب محدد)([6])

بل إن الفطرة تقتضيه، فالطفل الصغير إن تعرض لتأثير مؤثر ما؛ تراه يطلب ذلك المؤثر ويبحث عنه، فيلتفت ليبحث عمن ضربه خلسة، لكونه مما ارتكز في فطرته، وفي مبادئ عملياته العقلية الأولى أن لكل فعل فاعلا، ولكل مصنوع صانعا.. بل إنه إن لم يجد ذلك المؤثر يرتبك، بل لعله يخاف ويهلع، وسبب ذلك الخوف ليس الجن أو الشياطين.. فالطفل لا يدرك وجود تلك القوى غير المنظورة أصلا في تلك المرحلة المبكرة من حياته، ولكن سبب ذلك هو الاضطراب النفسي الذي يصيبه نتيجة اختلال المبادئ التي يفهم بها الوجود.

ولهذا كان البحث في العلل قديما قدم الفكر نفسه، فمنذ العصور الفلسفية لليونان اهتم أرسطو بدرس العلل، وقسمها إلى علل أربع: المادية، والصورية (الهيولى)، والفاعلية، والغائية([7]).. وقد أثبت بالأدلة العقلية أن الله هو العلة الأولى، وليس معلولا لشيء آخر.

لكن صاحبنا هذا أثناء دفاعه عن الإلحاد، وحقده على الإيمان أنكر هذا المبدأ لسبب وحيد، وهو أن جميع المؤمنين من فلاسفة ورجال دين يعتمدون عليه لإثبات وجود الله.

التفت القاضي إلى ديفيد، وقال: هل حقا ما يقول الرجل؟

قال ديفيد: أجل.. كل ما قاله صحيح.. وأنا فخور بأني وجدت من عمالي من فهم فلسفتي.. لاشك أن هذا العامل قرأ كتابي الأكبر(بحث في الطبيعة الإنسانية)، والذي ذكرت فيه أن فكرة العلية قائمة على أسس ثلاثة: هي الاتصال ([8])، والأسبقية ([9])، والارتباط الضروري.. ثم رحت أفند السبية فيهما جميعا.

لقد عبرت عن مقولتي في نفي الارتباط الضروري بقولي: (رؤية أي شيئين أو فعلين، مهما تكن العلاقة بينهما، لا يمكن أن تعطينا أ ي فكرة عن قوة، أو ارتباط بينهما، وأن هذه الفكرة تنشأ عن تكرار وجودهما معا، وأن التكرار لا يكشف ولا يحدث أي شيء في الموضوعات، وإنما يؤثر فقط في العقل بذلك الانتقال المعتاد الذي يحدثه، وأن هذه الانتقال المعتاد من العلة إلى المعلول هو: القوة والضرورة)

وقلت: (ليست لدينا أية فكرة عن العلة والمعلول غير فكرة عن أشياء كانت مرتبطة دائما، وفي جميع الأحوال الماضية بدت غير منفصلة بعضها عن بعض، وليس في وسعنا النفوذ إلى سبب هذا الارتباط.. وإنما نحن نلاحظ هذه الواقعة فقط، ونجد أنه تبعا لهذا الارتباط المستمر فإن الأشياء تتحد بالضرورة في الخيال، فإذا حضر انطباع الواحد كوَّنا نحن في الحال فكرة زميله المرتبط به في العادة)([10])

التفت القاضي إلى المتهم، وقال: واصل.. لكن لا تغرق بنا في بحر الفلسفة العميق.. حدثنا فقط عن آثار أقواله عليك وعلى أصحابك من العمال.

قال المتهم: أجل ـ سيدي ـ فهدفي من كل ذلك الحديث هو الوصول إلى هذه النقطة الخطيرة.. فقد كان لأقواله تلك، والتي شهد بها على نفسه أمامكم آثار كثيرة على أصحابي من العمال وغيرهم.. فقد كان له دوره في إمداد الملاحدة بمادة لاعقلانية جديدة يقضون بها على كل الحجج العقلية للمؤمنين.

لقد عبر بعضهم عن ذلك، فقال: (هيوم أول فيلسوف أوروبي نقل فكرة العلة من معانيها الأرسطية إلى معنى التتابع المجرد بين السبب والمسبب، أي التتابع الذي لا يعني شيئا أكثر من أن السبب سابق لمسببه فيما دلت عليه العادة (التجربة). وقد كان يمكن عقلا أن يجيء الترتيب على صورة أخرى، لكنه جاء هكذا)([11])

وقد استفاد من مقولته تلك عمانويل كانط ([12])، الذي أعطى الملاحدة المبرر العقلي لنفي وجود الله، باعتبار أنه لا يمكن التدليل عليه بالدليل العقلي.. بل راح ـ تحت تأثير تلك المقولة ـ يزعم أنه يستحيل إثبات وجود الله بالعقل، كما أنه يستحيل إثبات عدمه.. ثم ترك القضية بعد ذلك للضمير، ولمصادرات العقل العملي.

لقد كان قبل احتكاكه به وبأفكاره المسمومة لا يقول بذلك، بل كان يقرر العلية في كتبه، لكنه بعد اطلاعه على مقالته تحول إلى كانط المؤمن الوحيد الذي يحبه الملاحدة، ويستدلون بمقالاته لضرب الدين.. لقد قال في ذلك: (إن هيوم أيقظني من سباتي الاعتقادي، وكان ذلك برأيه في مبدأ العلية بنوع خاص، إذ كان قد قال: إن مبدأ العلية ليس قضية تحليلية، أي: إن المعلول ليس متضمنًا في العلة أو مرتبطًا بها ارتباطًا ضروريًّا، وإن الضرورة التي تبين له ما هي إلا وليدة عادة تتكون بتكرار التجربة)([13])

سكت قليلا، ثم قال ([14]): لقد كان المدعي يجمعنا ـ معشر العمال البسطاء ـ كل حين، ويقول لنا: أنتم تزعمون أنه إذا كان للبيت مهندس، فلا بد أن يكون للكون خالق.. وهذا قياس فاسد.. فنحن لم نشاهد عالَما آخر لنقارنه بعالمنا كي نستنتج أن هذا العالم مخلوق بالضرورة.

كان يقول هذا، وهو مدرك تمام الإدراك أن البيت والكون من جنس واحد، فكلاهما كيان مادي حادث في الزمان والمكان، وكلاهما يحتاج إلى طاقة، والاختلاف بينهما يقتصر على الصفات فقط، وليس الجنس.

قال القاضي: سمعنا ما قلت.. لكنا لم ندرك بعد علاقة ذلك بالجريمة التي فعلتها.

قال المتهم: لقد فعلت تلك الجريمة التي اعترفت بها أمامكم بكل طواعية، لأثبت له قانون العلية الذي راح ينفيه، ويتهم المؤمنين بالجنون لقولهم به.. لقد ذكرت له في بعض المجالس التي عقدها لنا لتلقين الإلحاد قصة العجوز التي سئلت عن سر إيمانها، فقالت: (من آلة النسيج هذه، فعند ما أمسك مقبضها وأدوّره بهذا الدوران ينسج الحبل، وحيث أرفعُ يدي وأتوقف عن التدوير تتوقّف ويبقي الصوف والقطن على حاله، عندها لا نسيج ينسج، ولا ليف يبرم.. من هنا أيقنت أن للأفلاك والنجوم والكواكب السيّارة والشمس والقمر والأرض ونظام الخلق بأجمعه خالقاً مقتدراً، متى شاء عطّل الوجود ورماه في هوّة العدم. وإن شاء أمدّه بأسباب الحياة وأدار عجلة استمراره)([15])

وذكرت له أن طائفة من الملاحدة طلبوا من بعض العلماء أن يثبت لهم وجود الله، فقال لهم: (قبل أن أناظركم هلم بنا إلى الشاطئ، فقد علمت أن هناك سفينة مملوءة من البضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء حتى أرست في الميناء، ونزلت الحمولة وذهبت، وليس فيها قائد ولا حمالون ولا عساكر ولا حراس.. فهي فرصة لنا للغنيمة منها).. ضحك الملاحدة لقوله، وقالوا له: (كيف تريد أن تناظرنا وأنت لا عقل لك.. فهل يعقل أن سفينة تأتي بدون قائد وتنزل وتنصرف؟! حتى صبياننا لا يصدقون هذا).. فقال: (كيف لا تعقلون هذا، وتعقلون أن هذه السماوات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والناس كلها بدون صانع؟)

وذكرت له قول الأعرابي عندما سئل: بِمَ عرفتَ ربك؟ فقال: (البَعرةُ تدل على البعير، والأثَر يدل على المسير، ليل داجٍ، ونهار ساجٍ، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟!)

لكنه بدل أن يواجه حججي بالحجج راح يسخر مني أمام العمال، ويحول المسألة عن مسارها، ويقول: إن هذه المقولة مليئة بالمغالطات المنطقية.. وأولها لم البعير؟!.. لم لا يكون الجاموس أم البقر أم الماعز أم الجمل؟!.. وهذا ينطبق على الكون، فلماذا هو الله؟ لم ليس فيشنو أو أودين أو زيوس أو أهووا مازدا؟

والثاني أننا نعرف شكل البعرة من الخبرات السابقة، ونعلم كيف يتم تكوينها؛ لذا عندما نراها يساعدنا دماغنا على إمدادنا بمعلومة سابقة تمكننا من التعرف على الجسم الموجود أمامنا، والآن تأملوا معي ذلك الأعرابي الذي وجد البعرة وأثر السير، تخيلوا لو أنه رأى حفرة على شكل مثلث.. ماذا كان سيقول؟ البعرة تدل على البعير، والحفرة تلك تدل على.. ببساطة لن يعلم؛ لأنه ليست لديه خبرات سابقة تمكنه من التعرف عليه.

كان العمال يضحكون من أمثال هذه الكلمات، وهم لا يدركون الكم الكبير من المغالطات التي تحويها..

التفت القاضي إلى ديفيد، وقال: هل صحيح ما ذكره الرجل؟

قال ديفيد: أجل.. فقد نسي أنه يتحدث مع فيلسوف.. فمن العجوز ومن الأعرابي حتى أتلقى منهم معارفي.. إنهم عوام بسطاء لا عقول لهم.. فكيف أسلم لهم عقلي؟.. ولو أنه بدل ذلك حدثني بطريقتنا ـ نحن الفلاسفة ـ لربما أكون قد ناقشته مناقشة علمية، أو ربما أكون اتبعته في دعواه.

رفع رجل من القاعة يده، وقال: ما دام قد طلب هذا، فليسمح لي ـ سيدي القاضي ـ أن ألبي رغبته في هذا المجلس، وأن أحدثه بالطريقة التي يريدها.. فأنا ضيف على هذه المدينة، وأشتغل بالفلسفة، ولدي فيها أبحاث وكتب.. وقد أتيت إلى هنا عندما سمعت بالقصة، لأرى هل يحتفظ صديقي ديفيد بمبادئه في إنكار العلية أم تراه يتركها لتعارضها مع مصالحه.. وقد رأيت أنه تركها بسهولة وبساطة، فهو بمجرد حصول الحادثة في مصنعه تأكد أن هناك من يقف وراءها، فراح يتحرى عنه إلى أن وجده.. وهكذا لو تعامل مع الحقائق الكبرى، وتحرى عنها لوجد كل الأدلة التي ترشد إليها.

قال القاضي: لقد طلب أن تحدثه بطريقة الفلاسفة.. لا بطريقة العوام.

قال الفيلسوف: أجل.. سأحدثه بذلك.. إن ما عبر عنه العامل بلغته البسيطة هو ما يعبر عنه في الفلسفة بدليل العلية وهو دليل من بين آلاف الأدلة على وجود الله.. بعضهم يسميه الدليل الكياني([16]).

والمقدمة الأولى من هذا الدليل هي أننا نرى في العالم حادثات، وتقلبات، حتى إن وجودنا نحن من جملة تلك الحادثات.. وهذه مقدمةٌ، مبنية على الإحساس والمشاهدة، ومسلم بها عند أهل العلم القديم، والعلم الحديث.

أما المقدمة الثانية، والتي أنكرها صاحبنا، فهي أنه [لا بد لكل حادثٍ من علةٍ]، وهذه المقدمة، وإن كانت لا تستند بكليتها إلى الإحساس، والتجربة، والمشاهدة؛ بناءً على أن العلية أمر معنويٌّ، لا يشاهَد، ولا أناَّ لم نشاهِد كل حادثٍ، إلا أنها ليست دون المقدمة الأولى المبنية على الحسِّ في القوة؛ بل أقوى منها.

قال القاضي: كيف ذلك؟

قال الفيلسوف: لأن حصول العلم بالمحسوس، بواسطة الإحساس، يتوقف عند التحليل العلمي على تصديق هذه المقدمة الثانية، ولهذا، يحق القول، بأن: (الشبهة في مبدإ العلية، تستلزم الشبهة في وجود المحسوسات)

قال القاضي: كيف ذلك؟

قال الفيلسوف: ذلك أن هذا المبدأ، القائل بلزوم علة لكل حادثة من مبادئ الذهن الأولى، بل هي من القضايا التي يتوقف عليها عقل كل إنسانٍ، ويحكم بها، قبل الحكم بسائر القضايا، ويجعل لها قيمة، وأهمية تجعلانها فوق كل مناقشة.. فتلك القضايا للتفكر، كالعضلات للمشي، على تشبيه الفيلسوف [له بينج]

ذلك أن كل إنسانٍ يستخدمها ـ حتى ديفيد هيوم نفسه ـ ربما البعض لا يعرفها في حالته الابتدائية، أي يستخدمها من حيث لا يشعر، وهي آخِرُ تأمين على ما يعرف الإنسان، وما يريد أن يعرفه من الحقائق؛ ولولاها، لما تقررت أي حقيقة في الأذهان.

لقد قال أرسطو معبرا عن ذلك: (للمبادئ الأولى خصلتان؛ الأولى: عدم احتياجها إلى الإثبات بالدليل.. والثانية: كونها معلومة بيقين، أعلى من جميع النتائج، التي يمكن أن تُستنتج منها؛ لأن الاستنتاج مجرى اليقين، والمبادئ معادنه).. وقال: (لو احتاج كل معرفة إلى البرهنة، لاستحال العلم).. أي، للزم التسلسل في البراهين.

فجميع العلوم ـ سيدي القاضي ـ مدينة لمبدإ العلية؛ لأن العلم معرفة الشيء بسببه؛ وبعبارة أخرى بدليله؛ فلولا مبدأ العلية في الإنسان، لما انبعثت نفسه إلى تحري الأسباب، والعلل، وارتفعت العلوم.

و هذا الذي ذكرته ـ سيدي القاضي ـ لا خلاف فيه بين المذاهب الفلسفية؛ وإنما الخلاف في أن تلك المبادئ: فطرية مطلقاً؛ أو فطريةٌ للفردِ، مكتسبةٌ للنوع؛ أو مكتسبةٌ للفرد أيضاً؛ وأصح المذاهب أولها، كما أن الأخير أضعفها.

التفت القاضي إلى ديفيد، وقال: هل ترى الرجل حدثك باللغة التي تناسبك؟

قال ديفيد: لا.. أريد لغة أخرى أكثر وضوحا..

قال الفيلسوف: لا بأس سأعرض لك البرهان على الطريقة المتبعة في علم الكلام، وهي: كل حادثٍ، يلزم أن يكون ممكناً؛ لا مستحيلاً، وإلا لما حدَثَ؛ ولا واجباً، وإلا لما سبقه العدم.. والممكن، ما لا يقتضى لذاته أن يكون موجوداً، ولا أن يكون معدوماً.. فالوجود والعدم، سيان بالنسبة إليه؛ فإذا وُجدَ، وُجدَ لعلةٍ ترجحه لهُ، لئلاَّ يلزم الرجحان من غير مرجحٍ، وهو محالٌ، ومستلزمٌ لعدم تساوي الوجود والعدم، فيما فُرض تساويهما فيه.

و عدمُ التساوي فيما فُرضَ فيه التساوي، يستلزم خلاف المفروض، المؤدي إلى التناقض.

فعلى هذه الطريقة، تكون المقدمة الثانية من مقدمات البرهان على وجود الله، القائلة بأن لكل حادث علةٌ، ثابتةً بالبرهان، وعلى الطريقة الأولى تكون بديهية.

فمقدمات هذا الدليل، أدناها درجةً في اليقينية، هي المقدمة الأولى، المبنية على الحس([17]).. فإذا كانت مقدمات الدليل يقينية، كانت النتيجة المترتبة عليها أيضاً يقينية، إلا أن مرتبتها في اليقين، تكون على قدر أدنى المقدمات مرتبةً فيهِ، لأن نتيجية القياس المنطقي تتبع أخس المقدمتين اللتين يتألف منهما القياس.. حتى إن هذه الكائنات المحسوسة، التي نسميها [العالم]، إن لم تكن موجودةً، وكانت حواسنا تغالطنا، فعند ذلك ينهار الدليل الذي أقمناه لإثبات وجود الله، بانهيار مقدمة من مقدماته.

لكنا ـ جميعا سيدي القاضي ـ نحمد الله على أننا لسنا من الحسبانية، الذين لا يستيقنون وجود العالم، وينفون اليقين في كل شيء.. ولسنا كذلك من [أشباه الحسبانيين] القائلين بأن العالم عبارة عن صورة نفسية، أنشأتها أذهاننا في نفسها، ومخيلاتُنا في الخارج، وهم الذين يتزعمهم الفيلسوف [كانت].. كما أننا لسنا من القائلين بوحدة الوجود، والذين أعدموا الدليل على وجود الله بإعدام العالم؛ لأنهم لم يُعدِموا الدليل، وإنما ألحقوه بالمدلول.

نحن لسنا جميع أولئك.. ولذلك نرى أن العاقل يدرك وجود الله، كما يدرك وجود المحسوسات.. أي أن إدراك وجودها، ليس أقوى من إدراك وجودهِ بدليله العقلي المنطقي.

لقد عبر عن ذلك [له بينج]، وهو من أكبر الفلاسفة الغربيين الألمان، فقال: (إن اليقين البرهاني، عبارة عن اليقين البديهي، الذي ينطبق على رابطة بين الحقائق المتعددة، بدلاً من انطباقه على حقيقة منفردة)

وهكذا قال [ديكارت]: (نحن ندرك وجود الإدراك، ووجود الله، المستنبَطَ منه، بلا واسطةٍ؛ أما وجود العالم، فليس له مؤيدٌ غير صدوقية الله، الذي لا يحتمل أن يخدعنا، فيما جعلَنا ندرك وجود العالم، ونعاينه).. وقول ديكارت هذا، طورٌ آخر في إدراك وجود الله، وهو طورٌ يليق بخواص العقلاء.

قال ذلك، ثم التفت للحضور، وقال: إني من موقفي هذا أتحدى حضرة الفيلسوف هيوم، وكل من يأبون الاعتراف بقوة هذا الدليل وقطعيته، أن يأتوا باعتراضهم عليه، من أي ناحية استطاعوا.

قام أحد الحضور، وقال: ما دمت ذكرت أن المقدمة الأولى من مقدمات هذا البرهان ليست في أعلى درجات اليقين، فإن نتيجة القياس المنطقي بذلك تكون تابعة لأخس المقدمات.. وبذلك لا يثبت بهذا البرهان وجود الله، على الوجه المطلوب، الذي هو أن يكون وجوده ضرورياًّ، والذي به يتحقق كونه [واجب الوجود]

ابتسم الفيلسوف، وقال: لاشك أنك أيها السائل، وأنتم يا جميع الحاضرين، لا تشكون في ذواتكم ووجودكم، ولا تشكون في وجود الأشياء من حولكم.. وإلا لما كنتم موجودين هنا.. فأنتم جئتم إلى هنا لتثبتوا التهمة على هذا الرجل المسكين.. فإن لم يكن موجودا، ولم يكن ما فعله سببا في حصول ما حصل.. فلم وجودكم هنا، ولم ادعاؤكم عليه؟

قال الرجل: فلم ذكرت أن هذه المقدمة ليست في أعلى درجات اليقين؟

قال الفيلسوف: لقد ذكرت ذلك لأولئك الذين خرجوا من طبيعتهم البشرية، فراحوا يشككون في حقائق الأشياء.. ولذلك فإن الشبهة في ثبوت وجود الله على الوجه المطلوب عندهم، تأتي من الشبهة في ثبوت وجود العالم نفسه.. فهم لا ينكرون وجود الله فقط، وإنما ينكرون وجود العالم أيضا.. وهؤلاء بلا شك لا يخالفون عامة الناس فقط، وإنما يخالفون أيضا بداهة الحس.

ولهذا سمينا هذا النوع من الضرورةِ: [الضرورةَ بشرط المحمولِ]؛ وهي كافيةٌ لاستلزام الضرورة المطلقة، لوجود الله، بناء على صدق قولنا: (إن كان العالم موجوداً، ضروري الوجود، ما دام موجوداً؛ فوجود الله ضروريٌّ ضرورةً مطلقةً، ليكون موجدَ هذا العالم المحتاج إلى الإيجاد)، فيندفع تأثير الشبهة الثانية أيضاً، المتصلة بوجود العالم، في قضية (وجود الله، الضروري الوجود)

و لو أننا تنازلنا، وأعرنا الفلاسفة الريبيين شيئاً من الاعتداد، وقلنا في تصوير قضيتنا: (إن كان العالم موجوداً؛ فالله موجودٌ بالضرورةِ)؛ كفانا ذلك في إثبات المطلوب.

و لا يرد علينا انتفاء هذه الضرورة، لوجود الله على تقدير عدم وجود العالم، لأنا لا نكتم أن دليلنا على معرفة وجود الله، هو وجود العالم.. فإذا انتفى الدليل، يكون انتفاء المدلول، الذي هو معرفة وجود الله طبيعياًّ..

وبهذا الكلام ينقطع دابر كل شبهة تحوم حول المقدمة الأولى لدليل إثبات الواجب.. فإن كان لكم ـ سيدي القاضي أو للحضور الكرام ـ شبهة أخرى، فأنا مستعد لجوابها هنا.

قام رجل، وقال([18]): صدقت في كل ما ذكرت.. ولكن لم لا تعتبر علة وجود العالم هي قوانين الكون نفسها.. أو هي الطبيعة.. لم يشترط أن يكون ذلك هو الله.. أو واجب الوجود، كما ذكرت؟

قام آخر، وقال: ألا ترى أن الكون فيه أنظمة وقوانين تُسيِّره؛ وهو بذلك ليس بحاجة إلى خالق يدبر أموره؟

قال آخر: العالم تحكُمُه قوانين، ولسنا بحاجة إلى أن نفترضَ وراء القوانين خالقًا.

قال آخر: قوانينَ الكون هي التي تحكُمُ الكون، ولا داعيَ للقول بوجود خالق يدبِّرُ أمر الكون ويُسيِّرُه.

ابتسم الفيلسوف، وقال: مع احترامي الشديد لكم أيها السادة إلا أن قولكم هذا يشبه من يعتقد أن القوانين التي تعمَل بها السيارة يمكن أن تُسيِّر السيارةَ دون الحاجة لمن يقُودها.. ومثله مثل من يعتقد أن القوانين التي تعمل بها الطائرة يمكن أن تجعَلها تطير دون الحاجة لمن يقودها.. ومثله مثل من يعتقد أن القوانينَ الحسابية يمكن أن تُجريَ عملية حسابية دون الحاجة إلى محاسبٍ مالي.

ولا يخفى عليكم ـ سادتي الكرام ـ تفاهةُ هذا الاعتقاد.. إذ قوانينُ الكون ليست عندها المقدرة على تدبير وتسييرِ الكون، سواء أكانت مجتمعة أم متفرقة.. فقوانين السيارة ليست عندها المقدرة على قيادة السيارة، سواء أكانت مجتمعة أم متفرقة.. وقوانين الطائرة ليست عندها المقدرة على طيران الطائرة، سواء أكانت مجتمعة أم متفرقة!

وهكذا، فإن قوانين الكون هي وصفٌ لطريقة سَيْر الكون، وليست هي مَن يُسيِّر الكون، كما أن قوانين الطائرة هي وصفٌ لطريقة طيران الطائرة، وليست هي مَن يقود الطائرة.

إن قوانينَ الكون ـ سادتي الأفاضل ـ تدل بَداهةً على وجود مُقنِّن لها، سنَّ هذه القوانين، وأودَعها في الكون، والعلمُ بذلك كالعلم بوجود كاتبٍ للكتابة، وبانٍ للبناء، ومؤثِّر للأثر، وفاعل للفعل، ومحدِث للحدَث، وهذه القضايا المعيَّنة الجزئية لا يشكُّ فيها أحدٌ مِن العقلاء، ولا يُفتَقَر في العلم بها إلى دليلٍ؛ فهي واضحةٌ ظاهرة.

قام رجل، وقال: إذا كانت قوانينُ الكون تدلُّ بَداهةً على وجود مُقنِّن لها سنَّ هذه القوانينَ وأودَعها في الكون؛ فلم لا يعتبر الكون نفسه هو الذي سن هذه القوانينَ.. أي سن القوانين لنفسه؟

ابتسم الفيلسوف، وقال: لو كان الكونُ هو الذي سنَّ هذه القوانين لنفسه، لاستطاع أن يُغيِّرَها كما يشاء، لكن الواقع أنه لا يستطيع تغييرَها، ولا الخروج عنها، وإنما هي مفروضةٌ عليه فرضًا؛ فدلَّ ذلك على أن هذه القوانينَ ليست مِن الكون نفسِه.

قال آخر: فلم لا نقول بأن الذي سنَّ هذه القوانينَ هي القوانينُ نفسُها؟

ابتسم الفيلسوف، وقال: هذا تصويرٌ للقوانين على أنها فاعلٌ محرك، وهذا تصوُّر غير صحيح، والواقع يرفضه؛ لأن القوانينَ مجردُ وصفِ سلوك الظواهر الطبيعية التي تحدُثُ في الكون وتتكرَّر تحت نفس الظروف، وليست هي الفاعلَ المحركَ للكون.

قال آخر: فلم لا نقول بأن الذي سنَّ قوانينَ الكون هي الصدفةُ؟

ابتسم الفيلسوف، وقال: الصُّدفةَ تصف كيفية الحدث، ووصفُ كيفية حدوث الفعل لا ينفي وجودَ فاعلٍ له.. ومعنى أن الفعلَ حدَث صدفة أنَّ الفعل حدَث دون قصدٍ وترتيب مسبق مِن الفاعل، وليس أن الفعلَ ليس له فاعلٌ.

التفت للرجل، وقال: على التسليم الجدلي بما ذكرت.. أليس مِن الممكن أن توجَد صدفةٌ أخرى تُلْغي هذه القوانينَ وتقضي عليها؟

سكت الرجل، فقال الفيلسوف: إن العلامة المميزة للصدفة: هي عدمُ الثبات، وعدم الاطِّراد، بينما قوانينُ الكون ثابتةٌ مطَّردة.. والصُّدفة لا تنتج قوانينَ مطردة ثابتة.. ولو سلَّمنا جدلًا وتنزُّلًا أنها أنتجت قوانينَ مطردة، فسَرْعان ما تزول هذه القوانينُ.

التفت للحضور، وقال: أجيبوني ـ معشر الحضور الكرام ـ إذا كانت قوانينُ الكون وُجدت صدفةً، فكيف تبقى وتستمرُّ دون وجود قوة خارجية تحافظُ على بقائِها واستمرارِها؟!

لم يجبه أحد، فقال: ما دامت كل الاحتمالات التي ذكرتموها مفندة بدليل الحس والواقع والمشاهدة، فلم يبق إلا احتمال واحد، وهو أن الذي سنَّ قوانينَ الكون شيءٌ خارجٌ عن الكون.. هذا هو الصحيحُ الموافقُ للعقل.. وهذا هو ما نعبر عنه بأنه [الخالقُ الذي خلَق الكونَ، وخلَق القوانين التي يَسِير بها الكون]

سكت قليلا، ثم قال: سأبسط المسألة أكثر.. لو سُئل أي شخص منكم يعمل في هذا المصنع: مَن يُدير هذا المصنع؟.. فأجاب: إن هناك قوانين تَسِيره تطبَّق على الجميع.. هل ترون إجابته صحيحة عند العقلاء؟!

سكتوا، فقال: إن وجود قوانينَ تحكُمُ الكون ويَسِير بها لا يمنَع ولا يستلزم عدمَ وجود خالقٍ للكون، بل وجودُ قوانينَ تحكُمُ الكونَ ويَسِير بها يدلُّ - بوضوح - على وجودِ مُقنِّن لهذه القوانين، يحفَظها ويرعاها، ويجعلها مستمرةً ثابتةً مطردة.

بعد أن قال هذا، وبعد أن شعرت كما شعر الجميع بقوة الحجج التي أدلى بها، قام صاحبي ديفيد هيوم يحاول أن يتدارك الموقف بكل ما أوتي من صنوف الحيلة، فقال([19]): إن ما ذكرته أيها الفيلسوف المراوغ من مغالطات لا يساوي عندي شيئا.. فوجود الله ـ بالنسبة لي ـ مجرد فرضية كفرضية وجود الوحش الاسباجيتي الطائر..

ثم التفت للحضور، وراح يؤدي دور المهرج، ويقول: هل تستطيعون ـ معشر الحضور ـ إثبات أن وحش المكرونة.. أو السباغيتي.. كما شئتم.. الطائر الذي يأكل البسكويت غير موجود؟.. أليس السؤال المنطقي هنا هو كوني أملك دليلًا على وجوده أم لا؟.. هل عدم قدرتكم على إثبات أنه غير موجود يعني أنه موجود؟

بنفس الطريقة، الله غير موجود؛ لأنكم لا تستطيعون إثبات وجوده، والبرهان لا يقع على عاتقنا للإثبات بأن الله غير موجود، بل يقع على عاتق المؤمن أن يثبت أن الله موجود بالدليل، بنفس الطريقة التي يقع على عاتقي إثبات أن وحش السباغيتي الطائر موجود إذا ادعيت ذلك، وما قلته أنا هو قاعدة علمية؛ فعبء الإثبات يقع على عاتق المدَّعِي، وليس عبء الإنكار يقع على عاتق المستمع.

قال الفيلسوف: كلامك صحيح.. وأنا في حواري معكم لم أذكر سوى برهان واحد من البراهين الدالة على وجود الله، وهو برهان ممتلئ بالعقلانية.. فكل حياتنا ممتلئة بإرجاع الأحداث لأسبابها.. وما دمنا قد رأينا الكون بهذه الصفة، فلابد أن يكون هناك من خلقه، ودبر أموره بالشكل الذي نراه.

غضب صاحبي ديفيد، وقال: وجود علة أولى لا يعني وجود إلهك الديني.. فخلق الكون ليس مسجلًا كبراءة اختراع للإله الذي تعتقد به، ولا أي إله آخر.. لماذا يفترض أن الفرضية المقبولة هي فكرة أحد آلهة الأديان، وليس مثلًا وحش السباغيتي الطائر، أو إذا أردنا فرضية اقترحها بعض علماء الفيزياء النظرية، فلدينا [نظرية – إم] التي يرى ستيفن هوكنج أنها تفسر وجود الكون دون حاجة إلى خالق؟

إن مثلك أيها الفيلسوف مثل رجل ذهب إلى الغابة، وعندما عاد ذكر لقومه أنه رأى وحشًا بسبعة أرجل وعشرين جناحًا، ونظرًا لاستحالة الأمر كذبه الجميع، لكن بدلًا من أن يثبت لهم أن الوحش موجود، طلب منهم محاولة نفي وجوده، فإن لم يستطيعوا نفي وجوده، فهذا يعني أنه موجود.

ألا ترون أن المنطق الذي قام عليه السؤال غبي جدًّا، إذا ادعيت أن عندي إلهًا اسمه وحش السباغيتي الطائر، هذا الإله أوحى برسالة لنا، وطلب منا أن نعبده، هل تستطيع أن تكذب كلامي؟ هل علي أن أثبت لك أن وحش السباغيتي الطائر موجود أم عليك أنت أن تحاول نفي وجوده؟

وبقي يلقي أمثال هذه المغالطات إلى أن أمر القاضي بانفضاض الجمع، وحكم على العامل بالبراءة، لاقتناعه التام بكل ما طرحه الفيلسوف من آراء.

أما صاحبي ديفيد فقد اعتزل الناس جميعا في تلك الأيام.. وراح يؤلف الكتب التي ملأها بكل ألوان الضلالة.. وعندما التقيت به آخر مرة، بعد أن ذقت حلاوة الإيمان راح يتجهم في وجهي، ويقول: حتى أنت أيها الأحمق التهمك وحش السباغيتي.

قال ذلك، ثم التفت إلينا، وقال: هذه قصتي مع الإيمان، وكيف نجاني الله تعالى من كيد صاحبي ديفيد.. ولست أدري الآن ما حل به بعد أن فارقته فراقا أبديا.

ما إن انتهى الرجل من حديثه حتى سمعنا نداء من السماء يقول: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: 54]

فاطلعنا جميعا إلى مرآة عجيبة تنزلت من السماء، وكان فيها رجل يتألم ألما شديدا، ما إن رآه صاحبها حتى راح يقول له: ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾ [الصافات: 56 - 61]

برهان الحدوث:

بعد أن انتهى الرجل الأول حديثه، قام آخر، وقال: أظن أن الدور وصل إلي، وسأحدثكم ـ أنا العبد الفقير إلى الله ـ عن فضل الله علي بالهداية، وإخراجي من ظلمات الجهل والغواية، وكيف أنقذني ربي من جحيم الملاحدة.. وزج بي في روضات جنات المؤمنين.

قالوا جميعا: يسرنا ذلك.. فهلم حدثنا بنعمة الله عليك.. فلا نعمة أفضل من الهداية.. ولا سعادة أعظم من إذن الله لعبده بالتواصل معه.

قال: في ذلك الزمان الذي كنت أتيه فيه بعقلي على كل شيء، كان لي الكثير من الأصدقاء الفلاسفة الذين زينوا لي أنه حتى لو قلنا بمبدأ العلية، وأنه لا سبب إلا ويقف وراءه مسبب، فإننا مع ذلك لا نحتاج إلى القول بضرورة وجود إله.. لأن الكون قديم قدما أزليا([20]).. ولذلك لن يحتاج لمن يوجده.

وقد كانوا يذكرون لي ـ ليملأوني بالانبهار ـ أسماء الكثير من كبار الفلاسفة والعلماء في كل العصور.. ويذكرون لي معها جدلهم مع خصومهم، وكيف استطاعوا أن ينتصروا عليهم بالحجج والبراهين الدامغة.

وكنت مستسلما لكل ذلك، مع أنه لم يكن لدي أي علم قطعي بحقيقة الأمر.. لأن مداركي العقلية والعلمية لم يتح لها ذلك.. فلذلك اكتفيت بالتقليد.. وكان هو المرحلة الأولى من مراحل موقفي من هذه القضية.

أما المرحلة الثانية، فقد تمثلت في خروجي من القول بقدم العالم، إلى التوقف في شأنه، وقد كان ذلك بسبب حضوري مناظرة علمية بين طرفين أحدهما يدعي قدم العالم، والآخر يدعي حدوثه.

فقد قال مدعي حدوث العالم مخاطبا مدعي قدمه: إذا افترضنا أن العالم بدون بداية في الزمان، فإن هذا يعني أن كل حادثة فيه قد سبقتها حوادث أخرى لانهاية لها.. ولا يمكن أن تأتي حادثة من سلسلة لامتناهية من الحوادث.. فكي نثبت ظهور حادثة يجب علينا افتراض بداية أولى للزمان.. وهذا القول نفسه يسرى على المكان، فإذا افترضناه كلاً لامتناهياً، فلا معنى لوجود الأمكنة الجزئية، لأن المكان الجزئي ما هو إلا تركيب لبعض خصائص المكان الواحد الكلي، أي اللامتناهي.. واللامتناهي لا يمكن أن يُخصَّص أو يُجزأ، ولذلك لا يمكن انقسام المكان اللامتناهي، لأن المنقسم هو المتناهي وحده.. وبما أن هناك أمكنة جزئية، وبما أنه من الممكن أن ينقسم المكان، فيجب القول بتناهي المكان.

وقال الآخر، أي مدعي حدوث العالم، ردا عليه: لا بأس.. فلنفترض كما زعمت أن للعالم بداية.. وبما أن كل بداية تفترض زماناً خالياً سبقها، فمعنى هذا أننا نفترض زماناً سابقاً على وجود العالم كان خالياً منه.. لكن لا يمكن ظهور شئ من زمان خالٍ، لأن الزمان الخالي لا يمتلك شرطاً يميز وجود أو عدم وجود العالم.. أي ليس به مرجح للوجود على العدم.. وهكذا بالنسبة لمحدودية المكان، فإن القول بذلك يعني أن هذا العالم يقع في مكان خالٍ، وهذا مستحيل، إذ ينطوي على القول بأن للعالم صلة بمكان خالٍ، أي باللاشئ.. فلا يبقى إلا القول بأن العالم لامتناه من حيث الامتدادين الزماني والمكاني.

وهكذا بقيا يشاغبان ويجادلان إلى أن خرجت منهما بهذه الفائدة الجديدة، وهي التوقف في شأن بداية الكون.. وقد كان لذلك أثره الإيجابي الكبير علي في انتقالي من مرحلة الإلحاد المطلق إلى مرحلة الإلحاد النسبي.. فقد صار في نفسي شعور أنه ما دام من المحتمل أن يكون لهذا الكون بداية، فمن الممكن أن يكون له صانع أخرجه من العدم إلى الوجود بناء على مبدأ العلية الذي تتفق عليه العقول.

ثم ما لبثت حتى بدأت نسبة الإلحاد تنقص إلى حد كبير بعد أن التقيت ببعض فلاسفة المسلمين القائلين بقدم العالم، والذي تعجبت منه حين ذكر لي أنه لا تنافي بين الإيمان بالله، وبين قدم العالم.. فالعالم ـ حتى لو قيل بقدمه ـ يظل عاجزا فقيرا محتاجا، ولذلك يحتاج إلى من يعتني به ويرعاه وينظمه ويعطيه من المدد ما يستمر به وجوده([21]).

وذكر لي أن أكثر القائلين بقدم العالم من الفلاسفة كانوا من المؤمنين الموحدين، من أمثال أرسطو والفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم كثير..

قلت له: لكن كيف يستقيم الإيمان بالله مع القول بقدم العالم.. فالعالم إن كان قديما، فإنه لا يحتاج إلى علة توجده.. وبذلك تنتفي ضرورة وجود الإله؟

ابتسم، وقال: هذا بالنظر المبدئي، أو ببادئ الرأي.. لكن عند التأمل في القضية بعمق تجد أن الأمر لا علاقه له بذلك.. سأشرح لك ذلك على ضوء الإيمان بالله.. وكيف أن الإيمان بالله يقتضي القول بقدم العالم.

رحت أستمع له بكل جوارحي، فقد كان له أسلوب مميز في الكلام يأسر القلوب والعقول أسرا شديدا.. لقد قال لي: أجبني.. لو أراد شخص ما أن يصنع شيئا.. ثم تأخر عن صنعه.. ما ترى أسباب ذلك؟

قلت: أسباب ذلك كثيرة.. فيمكن أن تكون المشكلة في عدم توفر المادة.. أو في عدم توفر الوسيلة.. أو في عدم توفر الإرادة.. أو أسباب أخرى.

قال: فإن توفر كل ذلك.. فهل يمكن أن يتأخر الصانع عن صنع يريده ويرغب في حصوله؟

قلت: ذلك يستحيل.

قال: فهكذا الأمر بالنسبة لله تعالى..

قلت: كيف؟

قال: لو فرضنا أن العالم الّذي هو صنع الله لم يكن قديما.. أي أنه كان في فترة من الفترات غير موجود.. فإن هذا لا يخلو من وجوه.. فإمّا أنّ الله كان عاجزا ثمّ صار قادرا، وحين صار قادرا قام بصنعه، وهذا محال.. وإمّا أن يكون قد افتقر لآلة من الآلات، ثمّ وجدت، وهذا أيضا محال، لأنّه من ضروريات كون الإله إلها قدرته المطلقة، وكون كل ما سواه محتاجا له، والآلات مفعولة له، فكيف تكون شرطا في الخلق؟.. وإمّا أنّ الله لم يكن مريدا لوجود الكون، ولذلك بقي معلّقا في العدم حتى أراده.. وهذا أيضا محال، لأنّه يجعل الذّات الإلهيّة محلاّ للحدوث والتغيّر.. ولأنّه ولو افترضنا جواز كونه محلاّ لتجدّد هذه الإرادة، فإنّ هذه الإرادة نفسها المتجدّدة الّتي كانت سببا لإيجاد العالم الحادث، هي نفسها محتاجة لإرادة أخرى متجدّدة لتوجدها لكونها هي نفسها حادثة.. فيتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، وهذا محال.

قلت له: لكن كيف يستقيم أن يكون العالم قديما، وفي نفس الوقت محتاجا لصانع.. فهو مصنوع بذاته.. ومن كان مصنوعا بذاته لا يحتاج إلى صانع؟

قال: لا.. ليس بالضرورة ذلك..

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألا ترى أن ظلك تابع لك، ولا يمكن أن يكون موجودا بدونك، ومع ذلك يظل موجودا معك في كل حين.. وهكذا نور الشمس يظل تابعا للشمس مرتبطا بها في كل الأزمنة، مع أنه لا وجود له من دونها.. وهكذا الخالق.. فمن ضروريات كونه إله كونه خالقا.. ولذلك ينشأ الخلق عنه كما تنشأ عن الشمس أشعتها من غير ارتباط بزمن.

***

عندما قال لي هذا بدأت نسبة كبيرة من الإلحاد تتلاشى وتتبخر لأشعر بنوع من الراحة النفسية تجاه هذه المسألة.. فالله قد صار في ذهني مثل الشمس تماما، والشمس ضرورية لوجود النور.. وكذلك الله ضروري لوجود خلقه.

لكن المسألة.. وبعد التطورات العلمية الكثيرة التي شهدها العالم حينها.. راحت تميل بعقلي إلى القول بحدوث العالم.. والذي ينفي كل شبهة تتعلق بوجود الله مهما كانت هزيلة وحقيرة.. وقد حصل لي ذلك اليقين بعد حضوري مجلسا من المجالس العلمية، والتي اجتمع فيها نخبة العلماء من المتخصصين في مجالات مختلفة.

سأحكيها لكم طبعا.. ولكن قبل أن أحكيها لكم، سأذكر لكم حديثا جرى لي مع بعض فلاسفة المسلمين من القائلين بحدوث العالم، فقد التقيت به حينها، وأخبرته عن زميله القائل بقدم العالم، والعلل التي تعلل بها لذلك.. فقال لي([22]): ما ذكره أخي في الفلسفة من الأسباب الداعية للقول بقدم العالم لا يمكن قبولها جملة، ولا رفضها جملة.. فليس من العلم ولا من الفلسفة ولا من الأدب أن نعمم الإنكار والنقد.. ولهذا فأنا أنكر ـ مثلما أنكر ـ أن يكون سبب حدوث العالم هو فقد المادّة، أو فقد الآلات، لأنّ ذلك يتعارض مع القدرة الإلهيّة المطلقة، وكون كلّ الموجودات ما سوى الله معلول له.. لكنّ المسألة لا تتعلق بذلك.

قلت: وبم تتعلق إذن؟

قال: إن زميلي في الفلسفة قد مال إلى القول بقدم العالم لتوهمه أن حدوث العالم يستدعي القول بتجدد إرادة الله.. وهذا غير صحيح.. فقد توهم ذلك لمقارنته بين إرادة الله وإرادة خلقه، فقاس الغائب على الشاهد، والخالق على المخلوق..

قلت: ما تعني؟

قال: سأضرب لك مثالا يقرب لك ذلك.. عندما يريد النجّار صناعة باب لا شكّ أننا نقول أنه قد تجدّدت إرادته بتلك الصناعة.. أي أنه حدثت فيه صفة لم تكن.. وهذا عيب فيه، ودال على حدوثه.. ولذلك توهم صاحبي في الفلسفة أن القول بحدوث العالم يعني نفس القصور بالنسبة لله تعالى.. بينما الأمر يختلف.

قلت: كيف يختلف.. أنا أرى أن لقوله قوة وحجة صحيحة.

قال: سننظر إلى الأمر من زاوية أخرى.. ألا يمكن أن يكون النجّار قد يريد صناعة الباب، ولكنه بدل صناعته في الحين، يعلّق تحقيق إرادته بوقت متأخّر يراه مناسبا، كأن يقول: إنّي عزمت على أن أصنع بابا، لكنّي سأصنعه السّبت القابل..

قلت: أجل يمكن ذلك.

قال: وحين يحين الموعد الذي حدده.. ويأخذ في صنعه الباب.. هل ترانا نذكر أنه صنعه بإرادة متجدّدة.. أو بنفس الإرادة الأولى؟

قلت: بنفس الإرادة الأولى..

قال: فهكذا الأمر بالنسبة للقول بحدوث الكون، فإنّ تأخّر صنعه قد نعزوه إلى الإرادة الإلهيّة من غير أن يلزم عن ذلك محال تجدّد صفة الإرادة في الله..

قلت: لكن هناك إشكالا خطيرا يعرض لما ذكرت.

قال: أجل.. أعرفه.. وحله بسيط جدا.

قلت: كيف عرفته، وأنا لم أنطق به.

قال: فكيف أكون فيلسوفا، وأنا لا أعرف الإشكالات التي قد ترد على أي برهان من البراهين؟

قلت: لا بأس.. فاذكره لي إذن.

قال: أنت تريد أن تذكر لي بأنه إذا كانت الأوقات كلّها متماثلة بالنسبة للإرادة الإلهية، فلم تخصّص وقتا دون غيره؟.. وما الذي جعلها ترجح وجود العالم في ذلك الوقت، وليس في وقت آخر؟

قلت: أجل.. هذا بالضبط ما كنت أريد طرحه عليك.. وهو لازم عن مبدأ مدرك ببديهة العقل، وهو أنّه إذا كان هناك أشياء متشابهة، فإنّ الإرادة لا يمكن أن تتعلّق بواحد دون آخر إلاّ اعتباطا واتّفاقا، لا بموجب مخصّص يرجّح جانب الشّيء عن مثله.. فلو افترضنا مثلا رجلا عطشانا ووضعنا بين يديه قدحين من ماء ليس بينهما أيّ اختلاف لا في ذاتهما، ولا بالإضافة للرّجل، فهو إمّا أن لا تترجّح إرادة الرجّل بتاتا لأخذ القدح، وإن ترجّحت فترجّحها لن يكون بحسب مخصّص في قدح منهما، بل اعتباطا واتّفاقا.. وهكذا الأمر في تعلّق الإرادة الأزليّة بإيجاد العالم في وقت دون وقت، لو سُلِّمَ بصحّة ذلك، فإنّه لن يكون إلاّ اتّفاقا، ولكن لو جاز أن يكون ترجّح جانب الوجود عن العدم في العالم قد حصل اتّفاقا، لجاز أن يكون العالم قد وُجِدَ منذ القدم، وعلى الهيئة التّي وجد عليها إنّما كان اتّفاقا.

قال: أنت بهذا المثال تقع فيما وقع فيه أخي في الفلسفة، فتقيس الغائب على الشاهد، والله على عباده.. وإرادة الله على إرادة البشر.

قلت: فهل هناك خلاف بينهما؟

قال: أجل.. كما أن الله يختلف عن خلقه.. فصفاته تختلف عنهم أيضا.. فإرادتنا نحن لكوننا بشرا ذوي نقص لا يمكنها أن تخصّص شيئا عن مثله إلاّ بوجود مرجّح في الشّيء نفسه، فمثلا الرّجل العطشان الذي ذكرته حين يرى أنّ القدحين متشابهين من كلّ الوجوه، لكن أحدهما أيسر مأخذا من الآخر، فإنّ هذا الصّفة االموجودة في القدح الأوّل تجعل إرادته تميل إلى أخذه.. وهذا يختلف اختلافا جذريا عن إرادة الله تعالى صاحب الغنى المطلق، والقدرة المطلقة.

قلت: إن قولك هذا يبقي السؤال كما هو.. فكيف تجيبني، وكيف تجيب إخوانك في الفلسفة؟

قال: أجيبهم بنفس المنهج الذي يفكرون به.. فهم أنفسهم مضطرّون للقول بتخصيص الشّيء عن مثله بالإرادة القديمة.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألا ترى أنّهم قد قالوا بأنّ العالم قد صدر بالضّرورة عن الواجب.. وأنه ذو هيئة خاصة ونظام خاص..

قلت: بلى.. ذلك ما قالوه.

قال: ألا ترى أن هناك وجوها أخرى لا نهائيّة كان يمكن للعالم أن يخلق بها.. فلِمَ اختصّ بهذا الوجه دون الآخر؟ وماالشّيء الّذي كان قد خصّصه، وهو يماثل من حيث الامكان تمام المماثلة الوجه الّذي قد وجد عليه بالفعل؟

قلت: قد يجيبون على ذلك بأنّ نظام العالم الكلّي لا يمكن أن يستقيم إلاّ على الوجه الّذي وُجِدَ عليه، وكلّ الوجوه الأخرى مع كونها ممكنة إلا أنها قد تسبب خللا فيه.. فلو وُجِدَ أكبر أو أصغر، أو ذو عدد أقلّ أو أكثر من الكواكب والأفلاك لاختلّ هذا النّظام.. لذلك فإنّ تخصيص الإرادة القديمة له دون الهيئات الأخرى الممكنة ليس من باب تخصيص الشّيء عن مثله بخلاف حدوث العالم في وقت دون وقت فهو بالضّرورة من باب تخصيص الشّيء عن مثله، لأنّه كلّ الأوقات هي متشابهة، والعالم إن وجد في وقت قبل الوقت الّذي وجد فيه أو بعده لا يتصوّر تغيّر من نظامه شيء.

قال([23]): أجل.. يمكنهم الاعتراض بهذا.. ولكني أرى أن هذا فيه الكثير من التحكم والتنافي مع الإرادة الإلهية المطلقة عن كل قيد.. فلم لا نترك الأمر لله في شأن خلقه من دون أن نفرض عليه زمنا ولا هيئة ولا نوعا ولا شكلا.. فمن نحن حتى نحجر على الله؟

***

كانت تلك نهاية حديثي مع هذا الفيلسوف المسلم الذي أسرني بحديثه وأدبه مع المخالفين له.. ولا أكتمكم أني ملت إلى قوله كثيرا، وبدأت الكثير من الإشكالات تنحل بعد هذا المجلس الذي جلسته معه.

وقد زاد في حلها مجلسا علميا آخر حضرته، عقد في بلدتي في ذلك الحين، بين أكابر علماء ذلك العصر من مختلف التخصصات.. سأحكي لكم بعضه، لأن هناك الكثير من التفاصيل التي قد لا يحتاج إليها تلميذ الإيمان.

بدأ ذلك المجلس برجل كنت أعرفه تماما، وكنت أعرف دفاعه عن الإلحاد، وعن كل المقولات التي تساهم في نشره وتثبيته، ومن بينها القول بقدم العالم..

قام، وقال بحماسة لا نظير لها: اسمعوني يا قوم.. فقدم العالم لم يعد فقط مجرد طروحات فلسفية قال بها العقل المجرد.. وإنما تحول إلى علم.. فالعلم الآن بكل أدواته يثبت أن العالم قديم قدما أزليا سرمديا.. لقد ذكر هذا كبار علماء العالم في كل المجالات.. ومنهم ثلاثة من كبار علماء الفلك يعملون في جامعة كامبردج بلندن، إنهم فريد هويل، وهيرمان بوندي، وتوم غولد([24]).. فقد أثبوا بكل الأدلة العلمية أن المادة كانت الشيء الوحيد الموجود في الكون، وأن الكون وجد في الزمن اللانهائي، وسوف يبقى إلى الأبد.

لقد قال العلامة الجليل (بولتزر) في كتابه [المبادئ الأساسية في الفلسفة] يعبر عن هذا: (الكون ليس شيئاً مخلوقاً، فإذا كان كذلك فهذا يقتضي أنه خلق في لحظة ما من قبل إله، وبالتالي ظهر إلى الوجود من لا شيء، ولقبول الخلق يجب على الإنسان أن يقبل في المقام الأول أنه كانت توجد لحظة لم يكن فيها الكون موجوداً، ثم انبثق شيء من العدم، وهذا أمر لا يمكن للعلم أن يقبل به)

عندما انتهى من حديثه قام رجل آخر، كنت أعرفه جيدا، وأعرف جمعه بين العلم والإيمان، قام وقال: اسمح لي ـ سيدي الكريم ـ أن أذكر لك أن حديثك هذا مبني على معلومات قديمة، وأن قولك هذا مفند الآن تفنيدا علميا مطلقا.. طبعا لن أتحدث لكم إلا عن اختصاصي، وأنا كما تعرفون باحث في الفلك.. ولذلك سأذكر لكم آخر الحقائق العلمية المرتبطة بهذا الجانب.

لاشك أنكم تعلمون أن علم الفلك الحديث تقدم تقدماً كبيراً في هذا العصر.. وكان من نتائج تقدمه تقديمه الدليل المادي لنشأة الكون.. بل إنه أجاب عن كثير من التساؤلات المرتبطة بكيفية ذلك.

طبعا.. نحن هنا لا تعنينا الكثير من التفاصيل المرتبطة بالكيفية، فقد يكون بعضها صحيحا صحة مطلقة، وبعضها مجرد تخمين.. لكن الذي يعنينا هو القول ببداية الكون..

وأول ما يدل على ذلك الاكتشاف الرهيب الذي توصل إليه العالم الفلكي الأمريكي [أدوين هابل] عام 1929م، والذي أدى إلى إحداث تغيير كبيرفي علوم الفضاء.. وبسبب هذا الاكتشاف سمي منظار ناسا الشهير فيما بعد باسم (هابل) نسبة إليه.

لقد كان هذا العالم يراقب النجوم بمنظاره.. فاكتشف أن لون الطيف الصادر من النجم الذي كان يراقبه يتحول إلى اللون الأحمر.. ومعنى هذا حسب نظريات علم الفيزياء الفلكية أنه عندما ينقلب لون الطيف الصادر من جسم سماوي (سوبر نوفا) إلى الأشعة الحمراء.. فإن هذا يعني أن النجم يبتعد عن الأرض، وأما إذا كان هذا النجم يقترب من الأرض فإن الطيف يظهر اللون الأزرق، وكان هذا أول اكتشاف لهابل من ناحية حركة النجوم.

ثم تابع هابل أبحاثة، فاكتشف أن النجوم لا تبتعد عن الأرض فحسب، بل يبتعد بعضها عن بعض.. بما يشبه البالون عند نفخه.. وهذا يدل على أن هذا الكون في تمدد دائم كل ثانية.

وقد توصل هابل بعد ذلك إلى أن الكون يتمدد باستمرار وبسرعة متزايدة.. واكتشف أيضاً أن المجرات التي ولدت تبتعد عن مركز الانفجار الأول، وكذلك تبتعد عن بعضها البعض..

التفت العالم المؤمن للحضور، وقال: أتدرون ما يعني هذا؟

قالوا: وما يعني؟

قال: إن هذا يعني أن كل المعارف السابقة، والتي تتبنى سرمدية الكون وأزليته قد تبخرت مع هذا الاكتشاف.. ولهذا، فقد بادر الكثير من العلماء إلى تكذيب هذه النظرية قبل التثبت من صدقها.. لأن الإيمان بها كان يستوجب الكثير من التغيير في طريقة التفكير التي كان يتبعها العلماء في نشأة الكون واستقراره.

قام العالم الملحد، وقال: أنا لا أشك في القدرات العلمية لهابل، ولكني لا أرى أي علاقة بين اكتشافاته، وما تدعيه من حدوث الكون.

قال العالم المؤمن: ألا ترون أن من أبرز مقتضيات هذه النظرية أنه إذا كان الكون اليوم يتباعد، فلابد أنه كان في يوم ما متقارباً؟

قالوا: بلى.. هذا ضروري.

قال: ولو فرضنا أن بداية ذلك التباعد قديمة أزلية.. فهل يمكن أن نرى شيئا من الأشياء؟

قالوا: لم نفهم..

قال: تصوروا معي.. لو أن مجموعة رجال يبتعد بعضهم عن بعضهم كل يوم مسافة متر واحد فقط.. فهل يمكن أن يرى بعضهم بعضا بعد مليون سنة؟

قالوا: ذلك مستحيل.. لأن المسافة بينهم حينها ستكون مليون متر.. أي ألف كيلومتر..

قال: فلو فرضنا أن المسافة بينهما كانت أكثر من ذلك..

قالوا: ذلك أدعى بأن تكون مستحيلة استحالة مطلقة.

قال: فهكذا لو جمعنا بين هذه الحقيقة العلمية التي دلت عليها كل الأدلة، والقول بتلك النظرية الفلسفية القديمة القائلة بقدم العالم.. فلو فرضنا أن العالم يتباعد منذ ما لا نهاية فإن هذا يجعلنا لا نرى شيئا من العالم.. ورؤيتنا له دليل على حدوثه.

قالوا: ذلك صحيح، ومنطقي.

قال: ولهذا، فإن علم الفلك الحديث يبذل كل الجهود ليحدد عمر الكون([25]) بناء على ما لديه من معطيات علمية.. ونحن وإن كنا لا نثق ثقة مطلقة في كل النتائج التي قد يصل إليها، لأنها قد تتغير مع الزمن، لكن الذي يعنينا هو وجود بداية للكون.. ووجود بداية للكون يستدعي بالضرورة العقلية وجود إله صاحب علم وإرادة وقدرة مطلقة قام بإخراجه من العدم إلى الوجود.

قام آخر، وقال: لقد أدلى زميلي الفلكي مشكورا بما لديه من معلومات لها علاقة بتخصصه.. وسأتحدث أنا بما له علاقة بتخصصي.. فأنا مختص في [الديناميكا الحرارية].. طبعا لن أصدع رؤوسكم بالتفاصيل العلمية المرتبطة بذلك([26]).. ولكني سأقتصر على ما له علاقة بحدوث العالم.. وسأقتصر بالتحديد على ما يطلق عليه [تبرد الكون]، أو [قانون الديناميكا الحرارية الثاني]، وهو القانون الذي ينص على أن الكون يستمر باستنفاد طاقته حتى يصل إلى حالة التوازن.. أي الحالة التي تستوي فيها درجات حرارة جميع أجزاء الكون.. حتى يصل في نهاية المطاف إلى ما يسمى عندنا ـ معشر الفيزيائيين ـ بالموت الحراري.. هل تدركون ما علاقة هذا بحدوث الكون؟

قال رجل من الحاضرين: إن كان الأمر كما تقول، فإن هذا يعني بالضرورة وجود بداية للكون.. وإلا لوصل الكون إلى حالته الأخيرة من التوازن قبل زمن طويل لا حدود له.

قال العالم المؤمن: صدقت.. فقوانين الديناميكا الحرارية تثبت بكل وضوح أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليا، فهناك انتقال حراري مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، ولا يمكن أن يحدث العكس بقوة ذاتية.. ومعنى ذلك أن الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام، وينضب منها معين الطاقة.. ويومئذ لن تكون هناك عمليات كيماوية أو طبيعية.. ولن يكون هنالك أثر للحياة نفسها في هذا الكون.. لذلك فإن النتيجة الطبيعية لهذا هي أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً، وإلا لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد، وتوقف كل نشاط في الوجود.

 وهكذا توصل العلم إلى أن لهذا الكون بداية.. وهو بذلك يدل دلالة قطعية على وجود الله.. ذلك أن ما كان له بداية لا يمكن أن يكون قد بدأ بنفسه، ولا بد له من مبديء، أو من محرك أول، أو من خالق.

قام عالم آخر، وقال: شكرا جزيلا سادتي العلماء على هذه المعلومات القيمة.. واسمحوا لي أن أشارك في نفس الموضوع، وبحسب تخصصي العلم، والذي كشف لي بطريقة قطعية ليس فيها ارتياب عن أن الكون له بداية.

وحتى أبسط لكم هذا وأختصره، أقول: أنتم تعلمون جميعا أن ذرات الكون كلها مؤلفة من جزيئات كهربائية سالبة وموجبة.. وتعلمون أن الموجبة يطلق عليها اسم البروتون.. والسالبة يطلق عليها اسم الإلكترون.. وتعلمون أن أنوية الذرات إلا ذرة الهيدروجين فيها زيادة على ذلك شحنة معتدلة تسمى نيترون.. وأن البروتون والنيترون يشكلان نواة الذرة بينما الإلكترونات تشكل الكواكب السيارة لهذه النواة.. وهي تدور حولها بسرعة هائلة بحركة دائرية إهليلجية.. وبسبب هذه السرعة الهائلة في حركة الإلكترون يبقى الإلكترون متحركا هذه الحركة، إذ لولا هذا الدوران لجذبت كتلة النواة كتلة الإلكترون.

قالوا: نعلم ذلك جميعا، فما علاقته ببداية الكون؟

قال: بناء على ذلك.. وبناء على أن هذه الحركة التي نجدها في الإلكترون نجدها في كل جرم في الفضاء، نقول: إن الشيء الدائر لا بد أن تكون له نقطة بداية زمانية ومكانية بدأ منها دورته.. ولما كانت الإلكترونات والأجرام كلها في حركة دائرية.. ولما كانت هذه الحركة غير مستأنفة كما يبدو.. فإذن لا بد أن تكون هناك بداية زمانية ومكانية لحركة الإلكترون.. وهذه البداية في الحقيقة هي بداية وجود الذرات نفسها.. وبهذا نكون قد وصلنا إلى أن لهذا الكون بداية ونشأة وخالقا من العدم.. إذ العدم لا ينتج عنه وجود.

قام آخر، وقال: قبل أن أذكر لكم وجهة نظري أحب أن أرسم لخيالكم معنى الأزلية.. لأن البعض قد لا يفهم معنى ما نقوله بسبب تبسيطه لمعناها.. لو فرضنا أننا وضعنا الرقم 1 وأمامه أصفار ممتدة منه إلى محيط الكرة الأرضية، فإن هذا الرقم الكبير من السنين لا يمثل إلا جزءا كالصفر تقريبا بالنسبة إلى اللانهاية أو اللابداية.. ونفس الشيء لو كان الرقم 1 أمامه أصفار من أول الكون إلى نهايته فإن هذا الرقم لا يمثل إلا جزءا من اللانهاية يشبه الصفر.. وكذلك هو بالنسبة للأزل.

وهكذا، فإن الذين يقولون بقدم المادة إنما يعطونها هذا المعنى، وهذا الذي تثبت الظواهر كلها استحالته.. ومن الأمثلة البسيطة على ذلك الطاقة الشمسية.. فمن أين تأتي الشمس بطاقتها؟ وكيف تحافظ على حرارتها؟

قام رجل، وقال: لقد أجيب عن هذا السؤال أجوبة كثيرة.. لعل آخرها هو أن ذراتها هي وسائر النجوم تتحطم في قلبها مرتفع الحرارة.. وبواسطة هذا التحطم الهائل الواسع المستمر تتولد هذه الطاقة الحرارية التي لا مثيل لها.

قال العالم المؤمن: لا شك أنكم تعلمون أن الذرة عندما تتحطم تفقد جزءا من كتلتها، حيث يتحول هذا الجزء إلى طاقة.

قالوا: أجل.

قال: بحسب هذا، فإنه لا يمر يوم على أي شمس حتى تفقد ولو جزءا بسيط من كتلتها.

قال رجل منهم: أجل.. وقد حسب بعضهم المقدار الدقيق لذلك.. لكني لا أذكره.

قال العالم المؤمن: فلو أن هذه الشمس قديمة أزلية هل يمكن أن تكون في وضعها الحالي، أو أنها تكون قد استنفدت طاقتها، وانتهى أمرها؟

قالوا جميعا: لا شك أنها تكون قد استنفذت طاقتها..

قال: فطبقوا هذا على سائر مواد الكون.. وسترون أنها جميعا ستنفذ كل طاقتها.. قبل ما لا يمكن عده من السنين.

قال رجل من القوم: فلم لا نقول بأن الكون كله كان في الأصل طاقة، ثم تحول إلى مادة.. وهو الآن مادة يتحول إلى طاقة.. وهكذا يبقى مترددا بين المادة والطاقة؟

قال العالم المؤمن: إن المغالطة في هذا واضحة.. ذلك أن الطاقة كطاقة إنما تظهر إذا وجدت مادة ما تقوم بها، فالطاقة تحتاج إلى ذات، وبدون ذات تكون أشبه بمعدوم، أو بتعبير الفلاسفة القدامى: الطاقة عرض تحتاج إلى جوهر لتظهر فيه.. فإشعاع الشمس عندما يصادف الأرض مثلا تأخذ ذرات الأرض حرارته، وبهذا تصبح ذرات الأرض مشحونة بالطاقة الحرارية، ولكن إذا لم يصادف هذا الشعاع مادة فلن يتحول هو نفسه إلى ذرة مادية.

وبهذا يتضح بما لا شك فيه أن هذا الكون ليس قديما، وأن له بداية، وأنه لا يتصور وجوده لولا أن له خالقا هذا الخالق هو ابتدأ خلقه ووجوده بعد إذ لم يكن.

قام رجل من القوم، وقال: اسمحوا لي ـ أنا تلميذ الفلاسفة القدامى ـ أن أعبر لكم عن هذا بلغة أساتذتي من الفلاسفة.. فقد قسموا ما في الكون إلى نوعين: نوع يقوم بذاته، ونوع لا يقوم بذاته.. فمثلا الجسم يقوم بذاته.. لكن المرض لا يكون بلا جسم.. والذرة تقوم بذاتها.. ولكن الحرارة لا تكون بلا ذات.

وقد سموا ما يقوم بذاته [الجوهر].. وسموا مالا يقوم إلا بالجوهر [عرض].. فالذرة جوهر وحرارتها عرض.. والجسم جوهر والصحة عرض..وبناء على هذا ذكروا أن الجوهر لا ينفك عن الأعراض، فما رأينا جوهرا إلا ويلازمه عرض ما.. وكل عرض حادث.. فالظلام حادث، فمنذ فترة كان قبله نهار.. والنهار حادث، فمنذ فترة كان قبله ليل.. وحرارة الذرات مهما كانت فإن لها بداية.. وإذا كان لا جوهر إلا بعرض فلا جوهر إلا وله بداية، فالكون جواهره وأعراضه كله حادث وليس أزليا.

برهان التطبيق:

بعد أن انتهى الرجل الثاني حديثه، قام آخر، وقال: أظن أن الدور وصل إلي، وسأحدثكم ـ أنا العبد الضعيف ـ عن فضل الله علي بالهداية، وإخراجي من ظلمات الجهل والغواية، وكيف أنقذني ربي من جحيم الملاحدة، وزج بي في روضات جنات المؤمنين.. وكل ذلك بفضل برهان بسيط واضح أطلق عليه المنافحون عن عرض الحقيقة لقب [برهان التطبيق]، وهو البرهان الذي يدل على استحالة التسلسل([27]).

قالوا جميعا: يسرنا ذلك.. فهلم حدثنا بنعمة الله عليك.

قال: أذكر جيدا أنه في ذلك الحين كنت تلميذا وفيا للكثير من الفلاسفة والعلماء الذين أخرجوني من حصون فطرتي المنيعة، وألقوني في صحراء الشكوك والعبثية وكل أنواع الفوضى الفكرية.. وكانت خطتهم التي تسللوا بها إلى حصوني ليس ما مارسه ديفيد هيوم ومن تبعه من الفلاسفة، مثلما حكى لكم صاحبي.. وإنما خطة جديدة كانت أكثر ذكاء وحنكة.. استثمرت مبدأ العلية، واستخدمته في غير موضعه.

وكان أستاذي الأكبر فيها فيلسوف يقال له [اللورد برتراند راسل].. وقد تبعته تبعية طوعية، لا بسبب اقتناعي بطروحاته الفكرية، ولكن بسبب بعض مواقفه الإنسانية، مثل رفضه التجنيد في الحرب العالمية الأولى، ومثل تحريضه المواطنين الإنجليز على العصيان، وقد تحمل السجن نتيجة لذلك، إضافة إلى تأليفه قرابة سبعين كتاباً في الفلسفة والرياضيات والسياسة والأخلاق والاجتماعيات، وقد كانت كتبه حينها ثورة في المنهج التحليلي والمنطقي، ولذلك كرم بجائزة نوبل في الأدب..

وقد كان لتلك الصفات، وذلك التكريم أثره الكبير علي، وعلى الكثير من جيلي.. فقد كنا نتصور أن جائزة نوبل لا تعطى إلا لمن كانت له عصمة عقلية وفكرية تحول بينه وبين الخطأ.

ولهذا لم نكن نناقش ما يقول، وإنما نسعى بكل جهدنا أن نفهم ما يقول، ثم نعتقد رغما عنا، وإلا اعتبرنا من حولنا من زمرة المتخلفين الرجعيين الذين لم يرتقوا في سلم التطور الإنساني إلى مداه الأعلى.

في ذلك الزمان البعيد حضرت محاضرة لراسل بعنوان [لماذا لست مسيحيا]، ذكر فيها سبب الحاده، فقال: (لقد قبلت لوقت طويل بفرضية المسبب الأول، حتى جاء اليوم الذي تخليت عن هذه الفرضية، وذلك بعد قراءتي لسيرة حياة جون ستيوارت ميل، حيث قال فيها : (لقد علمني والدي إجابة السؤال عمّن خلقني. وبعدها مباشرة طرحت سؤالاً أبعد من هذا، من خلق الإله ؟).. إن هذه الجملة القصيرة، علمتني، إلى الآن، كيف أن مبدأ المسبب الأول هو مبدأ مغالط ومسفسط. فإذا كان لكل شيء مسبب، فيجب أن يكون لله مسبب أيضاً. وإذا كان كل شيء بلا مسبب، فسيكون العالم هو الله! لهذا وجدت أنه لا مصداقية في هذه الفرضية)

أذكر جيدا أنه عندما قال هذا صاح الكل معجبين، وصحت معهم، وقد خرجنا جميعا وقد تخلينا على الله في ذلك المجلس.. من دون أن نناقش ما قال أدنى مناقشة، فقد كانت طريقة راسل في الحديث تشبه طريقة السحرة.. ولذلك خدعنا بها انخداعا تاما.

ولم أكتف بخداع نفسي بذلك الزخرف من الحديث الذي ألقاه علينا، بل رحت أبشر به من حولي.. وقد كان الكثير منهم يستقبل ما أطرحه فرحا مسرورا، وكأنه اكتشف الاكتشاف العجيب الذي يخلصه من ربه، ليرفع عنه إصر كل القيم النبيلة.

لكن رجلا واحدا، قال لي، وهو يضحك: لو دخلت إلى مكتبك ووجدت كتابا على الطاولة.. ووجدت في نفس الوقت رجلا جالسا على كرسي، ثم خرجت ورجعت، فوجدت الكتاب الذي كان على الطاولة داخل الدرج، ووجدت الرجل جالسا على البساط.. فلا شك أنك ستسأل من نقل الكتاب إلى الدرج.. دون أن تسأل عمن نقل الرجل إلى البساط.

قلت: أجل.. ذلك صحيح.

قال: أتدري لم؟

قلت: أجل.. فالكتاب ليس له إرادة، ويحتاج إلى من ينقله، ولا يتحرك بذاته، فلذلك كان السؤال منطقيًا واقعيًا.. بخلاف السؤال عن الرجل، ذلك أن لديه قوة وطاقة واختيارا وارادة يستطيع بها أن ينتقل بنفسه من غير أن ينقله أحد.

قال: فطبق هذا على تلك الشبهة التي أثارها لكم ذلك الفيلسوف.. وستصل إلى الجواب..

كان في إمكاني حينها أن أطبق ما قاله، فأكتشف أن من ضروريات خالق الكون أن يكون صاحب إرادة وقدرة، وأنه يختلف تماما عن كونه.. ولذلك لا يمكننا أن نطبق عليه نفس المقاييس التي نطبقها على الكون.. لكنني لم أفعل.. ربما لأنني كنت أبله وحريصا على تلك الفكرة التي تزينت لي بسببها كل أنواع الرذائل، بعد أن أخليت وجودي من ربي.

***

لكن الله برحمته لم يدعني، بل كان يرسل لي كل حين من ينبهني إلى غفلتي، ويسد علي تلك الأبواب الشيطانية التي فتحها راسل على عقلي وقلبي.

ومن تلك الأبواب أنني بعد أن ألقيت تلك الشبهة في بعض المجالس، قام رجل بكل هدوء، وقال: إن في هذا الإعتراض مغالطة كبيرة لا تتناسب مع فيلسوف مثل برتراند.. لأنه يفترض أن الاله مثله.. أي له مادة مثل مادة الكون، مما يمكن سحب القياس عليها، وهذا غير صحيح.. فالله لا يشبه مخلوقا في شيء..

ولهذا لا يصح أن نخضعه لتصوراتنا، لأنه ليس شبيها بشئ نعرفه حتى نقيسه عليه.. فإذا كان فوق تصوراتنا ومعارفنا، بل فوق قدرات عقولنا مهما تضخمت ملايين المرات، فإن هذا السؤال يعد مستحيلا فى حقه، بل وغير منطقى أيضا.

ذلك أن جميع المخلوقات يصح فى حقها هذا السؤال، لأنها تتحرك وفق قوانين نكاد نعرفها جميعا، ويمكن إخضاعها للتجربة والقياس والحسابات الرياضية، لكن الله ليس خاضعا لكل هذا، لأنه فوق علمنا وتصوراتنا، وما يمكن أن نقترحه على مانعرفه لايمكن اقتراحه على ماهو فوق معارفنا وتصوراتنا.. بل الشئ الوحيد الذى نتأكد منه أنه ليس مشابها لكل مانعرف وما نتوقع معرفته، ولا يمكن أن تسرى عليه تخيلاتنا.

بعد أن أنهى حديثه الهادئ، قام آخر، وقال: وفق أى قانون يمكن أن نسأل هذا السؤال، وهل يمكن للعقل البشرى أن يجعل الله مادة لمعرفته فى ذاته.. إن معنى ذلك هو أن هذا العقل البشرى بلغ من القدرة أن يكون إلها.. ولكن الثابت أن هذا العقل بكل وسائله، وبكل معارفة الحديثة لايزال عاجزا عن تفسير أشيئا كثيرة فى عالم الماديات، ورغم كل معارفه فلا يزال الكون مجهولا بالنسبة له، وهو مازال يطور ويصحح فى معلوماته كل يوم، ومع كل كشف جديد.. فإذا كان العقل ومقاييسه ومعارفه لايمكنه إدراك أغلبية الحقائق المخلوقة، فكيف فى وثبة من الغرور يريد أن يخضع خالقه وخالق معارفه ومقاييسه لأدواته البدائية هذه.. إن المنطق لا يقبل أن يكون الطفل الذى يحبو، ويستطلع الأشياء من حوله قادرا على فهم ما يفهمه الشيخ المجرب العالم.

***

بعد أن قال هذا وغيره بعض ما ذكرته لكم بدأت بعض التشكيكات تتسرب إلى الشبهة التي أودعها في نفسي راسل وغيره من فلاسفة الإلحاد..

لكن الشبهة لم تزل زوالا كليا إلا في ذلك اليوم الذي التقيت فيه ذلك الفيلسوف المسلم الذي راح يخاطب عقلي باللغة التي تتناسب معه، واستطاع أن يضع مشرطه على الورم الذي غرسه راسل في عقلي، وأزاله إزالة كلية.

لقد قال لي، وهو يحاورني: إن ما طرحه أستاذك في الفلسفة مع احترامنا له ولمواقفه الإنسانية وقدراته العلمية والأدبية يتنافى مع بعض القوانين العقلية المهمة التي تتفق العقول على الإذعان لها.. ولذلك اسمح لي أن أناقشه من هذه الزاوية فقط.. لا من زاوية مواقفه الإنسانية التي أحترمها كثيرا.

كان يتكلم بطريقة ممتلئة بالأدب والهدوء، ولذلك لم أملك إلا أن آذن له أن يحدثني..

قال لي ([28]) : إن ما ذكره أستاذك المحترم ينطبق عليه ما يطلق عليه الحكماء [التسلسل]، وهو باطل عقلا عند جميع العقلاء.

وقد نصوا على هذا بذكرهم أن عالمنا الذي نعيش فيه غني بمجموعة من الظواهر الطبيعية.. وكلّ ظاهرة إمّا أن تكون علّة أو معلولة، فهي علّة للظاهرة التي تليها، ومعلولةً لظاهرة قبلها.. ولولا وجود العلّة لم يحدث المعلول، وبانعدام العلّة ينعدم المعلول.. وهكذا يتحقّق وجوده بوجودها.

وفي هذه الحالة نحن في العلل التي نشأت بها الظواهر الكونية بين أمرين.. إما أن نصل بها في التسلسل إلى علة نهائية هي العلّة الموجدة للكون.. وهي الله تعالى، وهو الغني بالذات، ويعتبر هو الخالق لهذه السلسلة.

وإما أن نستمر في التسلسل إلى ما لا نهاية له من العلل.. وهذا مستحيل عقلا.

قلت: كيف اعتبرته مستحيلا؟

قال: كيف يمكننا أن نتصوّر مجموعة من الكائنات الحيّة ـ والتي كانت فاقدة للحياة يوماً ما، ثم أصبحت فجأة قادرة عليها ـ أنها أوجدت نفسها من العدم من دون أن يكون هناك طرف خارجي صاحب قدرة مطلقة هو الذي أوجدها؟

ذلك أن كلّ كائن في هذا العالم يشهد بصدق بأنّه لم يكن صانع نفسه، بل يعترف بوجود علة موجدة له.. وجميعهم يشهدون بأنّ وجودهم وحقيقتهم لم تكن من ذات أنفسهم.. إذن من أين أتى وجودهم وخلقهم، وكيف؟

ليس أمامنا إلاّ طريق واحد، وهو الاعتراف بأن كلّ موجود حادث وناتج عن موجود غني بالذّات، وعنده يتوقّف التسلسل، إذ يعتبر هو العلّة الرئيسية لجميع المعلولات، وهو الخالق القدير.

ثم ابتسم، وقال ـ وقد رأى الحيرة في وجهي ـ : إن من يدّعي بأنّ الكائنات قد أوجدت نفسها من العدم دون استعانة بكائن خارجي، يشابه من يدعي بأننا يمكن أن نحصل على عدد صحيح عند اجتماع ما لا نهاية له من الأصفار، أو يمكننا الحصول على الوجود أو الحياة عندما تتراكم ما لا نهاية من العدوم.

عندما قال ذلك، ورآني أهم بالانصراف عنه، وأنا ممتلئ بالحيرة، ربت على كتفي، وقال: لابد لكلّ متفكّر عاقل أن يعترف بأنّ وجود هذه المخلوقات قد انحصر تحقّقها بكائن حي غني على الإطلاق، إذ يعتبر نهاية للتسلسل، ومنبعاً للكائنات جميعاً.. وأنه هو العلّة المطلقة.. وما دام كذلك، فهو ليس بمعلول.. فيستحيل على العلة المطلقة أن تكون معلولة.. ذلك أن وجودها ينبع من نفسها، وهي غير محتاجة إلى سواها.

ثم قال لي: إن قدر لك أن تلتقي أستاذك في الفلسفة، فوجه إليه نفس السؤال.. قل له: (إذا كان كلّ موجود معلول لعلّة، والعلّة له هي المادّة، فما هي إذن العلّة الموجدة للمادة؟)

***

طبعا.. لم يقدر لي أن ألتقي بأستاذي برتراند.. ولكني التقيت بالكثير من أمثاله، وكلهم راح يتلاعب بالألفاظ ليصرفني عن الحقيقة.. لكن زخرف الألفاظ لم يعد يتلاعب بعقلي أو يتحكم فيه خاصة وأنه قيض لي بعد ذلك أن ألتقي بالكثير من الباحثين الصادقين الذين وضحوا لي الأمر بكل وسائل التوضيح، حتى صرت أرى وجود الله أكثر وضوحا من وجود كل شيء.. لأن كل شيء منه ينبع، وإليه يعود.

ومن أولئك الباحثين الصادقين رجل سمعته يتحدث في جمع من الملاحدة، يخاطبهم بقوله: من كان لديه أي شبهة بعد هذا في وجود الله.. فليطرحها، وسأجيبه عنها بإذن الله.

حينها قام أحدهم، وكان من زملائي الذين تتلمذوا على برتراند راسل وغيره من الفلاسفة، وقال([29]): لا شك أنكم أيها المؤمنون بوجود إله، انطلقتم في بحثكم عن الله من السؤال عن علة وجود المادة الأولى للكون.. ثم أجبتم أنفسكم بأن علة وجود المادة الأولى للكون هي الله، ونحن نسألكم بنفس ما سألتم به: وما علة وجود الله؟.. لاشك أنكم ستحتالون علينا بأن الله غير معلول الوجود.. وإن كان الأمر كذلك، فلماذا توقفون مبدأ السببية وتعطلونه عندما يتعلق الأمر بالله؟.. وهنا نجيبكم: ولماذا لا نفترض أن المادة الأولى غير معلولة الوجود؟! وبذلك يُحسم النقاش بيننا وبينكم.. وطبعا يحسم النقاش لصالحنا.

صفق الكثير من الحضور على كلامه، فقال الرجل المؤمن بهدوء: هل انتهيت من طرح إشكالك، لأجيبك عليه؟

قال الملحد: بل أنهيت به كل ما يمكن أن تقوله من حجج.. فهل يمكنك أن تضيف بعد هذا شيئا، وقد ألجأتك إلى هذه المضايق الحرجة؟

قال المؤمن: لا بأس دعني أجيبك بما أراه.. وليس عليك أن تقتنع بما أقول.. إننا معشر المؤمنين نرى بمقدمات عقلية كثيرة أن الأصل في الخالق الوجودُ؛ إذ لو كان الأصل فيه العدم لَمَا أوجد الكون؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، وإذا كان وجود الله هو الأصل، فهذا يستلزم أنه لا يحتاج إلى موجِدٍ يوجده، ولا علة لوجوده؛ إذ لا يُبحَث عن علةِ وجودِ ما الأصلُ فيه الوجود!

ولهذا، فإن قول القائل: إن خالق الكون بحاجة إلى خالق، رغم أنه خالق، قريب من قول القائل: إن المِلح يحتاج إلى ملح كي يكون مالحًا رغم أنه مالح.. وإن السكر يحتاج إلى سكر حتى يكون حلوًا رغم أنه سكر.. وإن الأحمر يحتاج إلى اللون الأحمر كي يكون أحمرَ رغم أنه أحمر.

وهكذا، فإن قول القائل: (من خلق الله؟) يساوي قوله: ما الذي سبق الشيء الذي لا شيء قبله؟.. ويساوي قوله: ما بداية الشيء الذي لا بداية له؟.. ويساوي قوله: ما بداية وجود الشيء الذي لا بداية لوجوده؟.. وهذه الأقوال جميعا في غاية السخف والسقوط والاستحالة.

قال الملحد: إن قولك بأن الله لا علة لوجوده، يستلزم أن الله‏ توقف في وجوده على نفسه؛ أي: إن الله‏ هو الذي أوجد نفسه بنفسه، وهذا يستلزم أن الله علة لنفسه.

ابتسم المؤمن، وقال: إن كلامك هذا يمكن قبوله لو كان الله ممكن الوجود؛ إذ ممكن الوجود هو ما كان حادثًا بعد عدم؛ أي: وجوده له بداية، فيتصور العقل وجوده وعدم وجوده، فيمكن أن يوجد، ويمكن ألا يوجد، وهذا الحادث بعد عدم لا بد له من موجد يوجده، ومحدثٍ يُحدِثه.. ولكن الله - عندنا معشر المؤمنين - واجب الوجود؛ أي أن وجوده ذاتي لا ينفك عنه، فلم يكُنْ في زمن من الأزمان بمفتقرٍ إلى الوجود.. ولم يكن في زمن من الأزمان معدومًا حتى يحتاج إلى من يخرجه من العدم إلى حَيِّز الوجود.. سبحانه، فهو خالق الزمان والمكان، وعليه فإن الله‏ لا يصدُقُ عليه أنه مخلوق ومعلول حتى نسأل عن خالقه وعلته، أو أن نقول بأنه خلَق نفسه بنفسه.

قال الملحد: فلماذا توقفون مبدأ السببية وتعطلونه عندما يتعلق الأمر بالله؟

قال المؤمن: جواب ذلك بسيط، وهو أن الأصل في الخالق الوجود؛ إذ لو كان الأصل فيه العدم لما أوجد الكون؛ لأن فاقد الشيء الذي لا يملِكه ولا يملِك سببًا لإعطائه لا يعطيه، وإذا كان الأصل في الخالق الوجود، فلا يصح أن نسأل عن سبب وجوده.

هذا أولا.. ثانيا.. إن الله ـ كما تدل عليه الأدلة العقلية الكثيرة ـ أزليٌّ؛ فوجوده ذاتي لا ينفك عنه، فلا يصح أن نسأل عن سبب وجوده، ووجوده ليس له بداية.

ثالثا.. إن الله له الكمال المطلق؛ إذ هوواهبُ الكمال لمخلوقاته؛ فهو أحق بالاتصاف به من الموهوب، وكل كمالٍ ثبت للمخلوق الممكن، فإنه يكون ثابتًا للخالق من باب أَوْلى.. وإذا كان الكمال المطلق لله، والاحتياج يناقض الكمال المطلق، فالكامل المطلَق لا يحتاج إلى غيره، وعليه فالخالق لا يحتاج إلى غيره، وإذا لم يحتَجْ إلى غيره فهو غير معلول، وإذا كان غير معلول فلا يصح أن نسأل عن علته.

رابعا.. إن السؤال عن سبب وجود شيء يصح فيما كان الأصل فيه الحدوث، وأنه لم يكن موجودًا ثم أصبح موجودًا بعد عدم، والله قديم وليس حادثًا.

خامسا.. لو قلنا بأن كلَّ خالق له مَن خلَقه؛ أي: خالق الكون له مَن خلقه، ومَن خلَق خالقَ الكون له مَن خلَقه، ومَن خلَق خالقَ خالقِ الكون له مَن خلَقه، وهكذا إلى ما لا نهاية، فإن هذا يستلزم أنْ لا خالقَ للكون، وهذا باطل لوجود الكون؛ فوجود الكون يستلزم عدم تسلسل الفاعلين إلى ما لا نهاية؛ إذ لا بد أن تصل سلسلة الفاعلين إلى علة غير معلولة، ولا بد مِن سبب تنتهي إليه الأسباب، وليس هناك أسباب لا تنتهي إلى شيء، وإلا لم يكن هناك شيء؛ أي: إن التسلسل في الفاعلين ممنوع، بل لا بد أن نصل إلى نهاية، وهذه النهاية في الفاعلين أو المؤثرين هي إلى الله تعالى.. وهذا ما نص عليه كتابنا المقدس في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: 42].. أي أن كل شيء ينتهي إليه.

ضحك الملحد بصوت عال، وقال: ألا ترون غباء المؤمنين.. نحن نطلب منه الدليل على وجود الله.. وهو يذكر لنا كلام من يصفه بالإله ليستدل لنا به.

قال المؤمن: أنا لم أذكر لك كلام ربي كدليل عليه، وإنما ذكرته لك لأنه يحوي الدليل.. فالله أخبر أن نهاية كل شيء إليه، كما أن بداية كل شيء منه.

لم يجد الملحد ما يقول، فقال المؤمن، موجها كلامه للحضور: لا شك أن فيكم من خدم في يوم من الأيام الخدمة العسكرية.

قالوا: كلنا فعل ذلك.. فهل لذلك علاقة بوجود الله؟

قال: لو أنكم تدبرتم نظام الجندية وقوانينها لوصلتم إلى الله بسهولة.

قالوا: كيف ذلك؟

قال: ألستم ترون أن هناك مراتب في القيادة في النظام العسكري، حتى أنه لا يطلق جندي رصاصة إلا بعد أمر القائد له بذلك؟

قالوا: أجل.. فهل ترى في ذلك حرجا؟

قال: فلنفرض أن هذا النظام لا نهاية لتسلسله.. أي أن الجندي قبل أن يرمي الرصاصة يستأذن من المجند الذي فوقه مرتبة، وهو كذلك لا يعطي الإذن حتى يستأذن ممن فوقه، وهكذا إلى ما لا نهاية.. أجيبوني.. هل يمكن في هذه الحالة أن يطلق الجندي النار؟

سكت الجميع، لكن بعض الملاحدة قال: لا يمكن أن يطلق الرصاصة في هذه الحالة، لأنه لن يصل إلى الجندي الذي سيعطيه الإذن بإطلاق النار.

قال المؤمن: صدقت.. إذن لابد من انتهاء السلسلة إلى شخص لا يوجد فوقه أحد ليعطيه الإذن بإطلاق النار، حينها ستنطلق الرصاصة.. وبدون هذا الشخص، ومهما كثُر عدد الأشخاص، لن تنطلق الرصاصة؛ لأنهم حينها كالأصفار إذا وضعتها بجانب بعضها البعض، فمهما كثرت وبلغت حدًّا لا نهاية له، فستظل لا تساوي شيئًا، إلا أن يوضع قبلها رقم: 1 فأكثر.. حينها يصبح لها وجود واعتبار.

تأثر الكثير من الملاحدة بقوله هذا إلا رأسهم، فقد راح يشاغب ويجادل، ويسخر، وبما أننا في محل ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: 23]، فلا يصح أن أذكر لكم ما قاله.

برهان الخلق:

بعد أن انتهى الرجل الأول من حديثه، قام آخر، وقال: أظن أن الدور وصل إلي، وسأحدثكم ـ أنا العبد الضعيف ـ عن فضل الله علي بالهداية، وإخراجي من ظلمات الجهل والغواية، وكيف أنقذني ربي من جحيم الملاحدة.. وزج بي في روضات جنات المؤمنين.

قالوا جميعا: يسرنا ذلك.. فهلم حدثنا بنعمة الله عليك.

قال([30]): أذكر جيدا أنه في ذلك الحين كنت تلميذا وفيا للكثير من الفلاسفة والعلماء الذين كانوا يصيحون في عقلي كل حين: إن كل ما تراه من أنواع الجمال والنظام، والإبداع والإتقان ليس سوى نتاج خلق إلهي محكم، وإنما هو ثمرة لصدفة([31]) عشوائية تنقلت طورا فطورا إلى أن تحولت إلى العالم الذي نراه بأحيائه وجماداته.

وكان أحدهم، ويدعى [توماس هنري هاكسلي([32]) ]، والذي كنا ندعوه (كلب داروين) نتيجة إخلاصه الشديد لدارون ونظرية التطور يقول لنا كل حين: لو تركنا ستة قرود تضرب على آلة كاتبة تحوي 26 حرفا، و4 رموز، ومسافات، وزمنا طويلا، فإنها يمكنها أن أن تكتب الاعمال الكاملة لويليام شكسبير..

وقد حاولنا تجربة ذلك على مجموعة من القردة، وبعد تدريبها على الضرب على لوحة المفاتيح، وبعد أن تركناها مدة طويلة، لم تتمكن من كتابة كلمة واحدة كاملة ([33]).

وعندما أخبرنا بعض أصحابنا من الملاحدة بذلك راح يجري تعديلا على النظرية، فاستبدلها بنظرية جديدة، وهي [نظرية القردة اللا متناهية]

وقال لنا آخر: لا نحتاج إلى ذلك.. فلو جلس ستة من القردة على آلات كاتبة، وظلت تضرب على حروفها لملايين السنين، فلا نستبعد أبدا أن نجد في بعض الأوراق الأخيرة التي كتبوها قصيدة من قصائد شكسبير..

وقال لنا آخر: دعونا من القردة.. فالحياة نشأت صدفة عبر سلسلة طويلة من التطور الكيميائي ما قبل الحيوي استمر لملايين السنين، ابتداءً من الكيميائيات البسيطة، مرورًا بالجزيئات المتعددة، والجزيئات المتعددة الناسخة ذاتيًّا داخلة بدورات تحفيزية، وصولًا إلى كائنات [ما قبل بكتيرية]، وأخيرًا وصولًا إلى بكتريا بسيطة.

وصور لنا آخر ذلك بدقة، وكأنه كان شاهد عيان لما حصل بالضبط، أو كأنه نصب كاميرات على الكون قبل تشكله، فقال: إن الكون الذي نراه بهذا الانتظام لم يتكون إلا صدفة نتيجة سلسلة من العلل المادية غير العاقلة وغير المدركة.. ونتيجة لتوافر الظروف والعلل المادية لنشأة الكون نشأ الكون دون حاجة لقوة عاقلة مريدة أرادت إنشاءه على هذا الشكل.

وهكذا ظللت مدة طويلة أرتع في أمثال هذه المراعي إلى أن تحولت الحقائق عندي إلى مغالطات، وانطمست فطرتي انطماسا تاما، إلى أن من الله علي بذلك اليوم الذي التقيت فيه بعض العلماء العقلاء ممن لم تتدنس فطرهم بأرجاس الهوى.. فقد كان أول من بذر في عقلي بذور التشكيك في الصدفة وأصحابها.

التقيته في متحف طبيعي كان قد وضع فيه الكثير من الآثار القديمة، وكان بجانبها بعض الجماجم وغيرها..

وكان مما شد انتباهي آلة قديمة على شكل اصطرلاب، وفيها رسوم ذات ألوان زاهية لم يؤثر فيها التاريخ الطويل.. فقلت له: إلى أي حضارة تعود هذه التحفة الأثرية الثمينة؟

فقال لي، وكان يعرفني، ويعرف مذهبي: هذه تحفة طبيعية.. وجدت هكذا في الطبيعة، وليست ثمرة لأي حضارة.. ألا ترانا وضعناها بجانب الجماجم وغيرها؟

قلت: أتقصد أن هذه التحفة وجدت هكذا صدفة؟

قال: أجل.. ما دامت الجماجم التي تراها، والتي هي أكثر إبداعا وإتقانا منها وجدت صدفة.. فما المانع أن توجد هذه التحفة صدفة؟

لم أستسغ ما قاله، بل رحت في نفسي أرميه بالخرف.. وقلت له مختبرا: أتظن أن أهرامات المصريين أيضا وجدت صدفة؟

قال: أليس من الممكن أن تهب الزوابع والعواصف وتتجمع الأحجار الكثيرة لتتشكل منها تلك الأهرامات العجيبة؟

قلت: إن ما تقوله محال، ولست أراك إلا صاحب خرافة، ولا علاقة لك بالعلم؟

قال: كيف تقول لي هذا، وأنا العالم الذي أدير هذا المتحف.. وكل ما تراه من تحف هنا من اكتشافي.. وكل ما سجل من تاريخ حولها هو من كتابتي؟

قلت: لكن كلامك يتناقض مع ما تدعيه.

قال: أخبرني أنت عن هذه الجماجم كيف وجدت.. وأنا حينها يمكنني أن أعدل من موقفي.. فأنا مطالب أن أخاطب الناس على قدر عقولهم.

قلت: الذي أعرفه أن هذه الجماجم تشكلت منذ ملايين السنين نتيجة حركة تطورية للكائنات الحية بدأت عن طريق الصدفة..

قال: ألم يحتج التصميم العجيب لها لأي عقل مدبر أو إرادة حكيم أو صانع خبير؟

قلت: لا.. هي لم تحتج لذلك كله.. ولماذا تحتاج ما دامت قوانين الصدفة موجودة؟

قال: دعنا من مصدرها، وأخبرنا عن حقيقتها، فهل هي أكثر إتقانا من هذه التحف التي أعجبتك أم أقل إتقانا منها؟

قلت: بل هي أقل إتقانا بكثير.. لأن الذي صمم هذه التحف ليس سوى جمجمة من هذه الجماجم.

قال: ألا ترى أنك تتناقض مع نفسك.. فتزعم أن الجمجمة الممتلئة بالغرابة وجدت هكذا صدفة، بينما اختراع بسيط من اختراعاتها تراه من المحال أن ينشأ صدفة..

قال ذلك، ثم انصرف عني، وتركني لحيرتي، بعد أن بذر أول بذور التشكيك في نفسي.

***

بعدها التقيت ببعض الأصدقاء ممن تلمذ معي على [كلب دارون([34])]، وأخبرته عما حصل لي مع مدير المتحف، فقال لي: صدق.. فمن الصعب أن نقبل الصدفة في أمثال تلك المحال.. يمكننا قبول الصدفة فقط باعتبارها تصف كيفية الحدث.. لكننا لا يمكن قبولها لنفي وجود فاعل للحدث.

قلت: لم أفهم.. ما الذي تقصده؟

قال: سأضرب لك مثالا يوضح لك ذلك.. عندما اكتشف أهالي إحدى قرى المنوفية بمصر عن طريق الصدفة مدخل مقبرة فرعونية أثناء إجراء حفائر لتشييد مسجد، وقاموا بإبلاغ مسؤولي المجلس الأعلى للآثار، الذين أوفدوا لجنة فنية وأثرية متخصصة، وتبين لهم ـ بعد البحث والتنقيب ـ أنه من الاكتشافات الأثرية المهمة، وأنه يعود إلى العصر الفرعوني المتأخر للدولة الفرعونية القديمة.

فهنا عبرنا عن الاكتشاف بكونه صدفة.. لكنا لم نعبر عن المكتشَف بأن حصوله كان صدفة، وإنما رحنا نبحث بجد عن حقيقته وتاريخه والتفاصيل المرتبطة به، ولو اعتبرناه صدفة لما فعلنا ذلك.

وهكذا عندما نسمع أن أحد القوانين الفيزيائية اكتشف صدفة.. مثل اكتشاف أرشميدس لقانون الطفو، واكتشاف نيوتن للجاذبية.. لا نفهم من ذلك أن القانون ليس له مكتشِف.. وإنما طريقة الاكتشاف فقط كانت عن طريق الصدفة.

وهكذا عندما نسمع أن شيئًا من الأشياء اخترع صدفة.. مثل اختراع هانز ليبرش للنظارة الطبية، واختراع جون واكر لأعواد الثقاب، واختراع ليبارون سبنسر للميكروويف.. لا نفهم من ذلك أن هذا الشيء ليس له مخترِع.

وهكذا عندما نسمع أن جريمة من الجرائم اكتشفت صدفة لا نفهم من ذلك أن هذه الجريمة ليس لها مرتكب.

قلت: أتعني بذلك أن اعتبار أصحابنا، وخصوصا [كلب دارون] لنشأة الكون بكونها ليست دليلاً على وجود خالق؛ لأن الكون نشأ صدفة نتيجة سلسلة من التفاعلات الطويلة، دون تنظيم أو تخطيط سابق.. مقولة غير صحيحة؟

قال: إذا اعتبرنا ذلك.. فلم لا نعممه في كل شيء؟.. لم نقصره فقط لإزالة الإيمان بالخالق؟.. لم لا نطبقه على كل الأشياء حتى لا نقع في المكاييل المزدوجة؟

***

لم أدر ما أقول له، لكني تذكرت حينها ذلك الملحد الذي كان يصيح كل حين بأن الكون نشأ صدفة، وأنه لا يحتاج إلى خالق، ولا إلى مدبر..

تذكرت [كارل ساغان]، وروايته [اتصال] التي حولتها [هوليود] إلى فلم سينمائي يحكي قصة عالِمة فلك تدعى [إيلي] كانت تدرس مع زملائها في مركز أبحاث [سيتي] إشارات واردة من أعماق الفضاء، وتبين من خلال البحث أنها تتمتع بصفتي التفرد والتعقيد، وذلك ما جعل أعضاء فريق البحث يؤكد أنها يستحيل أن تكون قد نشأت بالصدفة، ولذا يصيحون: (إنها ليست تشويشا كونيا.. إنها تحمل نظاما).. ثم تكشف أحداث الفيلم عن ورود تلك الرسائل بالفعل من عوالم أخرى.

فالرواية، والفيلم الذي مثلها يؤكد أن رسالة معقدة واحدة كانت كافية لإثبات وجود مرسل ذكي، لكن هذا الرجل نفسه وملايين الملحدين لم يستخدموا نفس هذا المنطق عندما يرون تعقيد الحمض النووي..بل يعتبرونه نشأ عن صدفة عشوائية.

بعد أن فارقت صاحبي، وما أثاره في من شكوك جديدة، التقيت مسلما ربت على كتفي، وقال بهدوء، وهو يبتسم([35]): ألا ترى من الغرابة أن بعض الناس ممن يدعون العقل والحكمة والعلم يرى حجرين موضوعين في نظام معين أو قُطّعا لغرض معين، فيستنتج أن هذا من عمل إنسان ما في الزمان القديم.. لكنه إذا وجد بالقرب من الحجر جمجمة بشرية أكثر كمالاً وأكثر تعقيداً بدرجة لا تقارن لن يفكر في أنها من صنع كائن واع، بل ينظر إليها باعتبارها نشأت بذاتها وصدفة.

أردت أن أجيبه، فأكمل دون أن يتلتف إلي قائلا: وهكذا ترانا نقيم مشاريع عملاقة للبحث عن مؤشرات لوجود كائنات حية في كواكب أخرى، وذلك برصد الإشارات اللاسلكية والميكروية القادمة من أعماق الكون، أملا في أن تحمل رسائل مشفرة تختلف عن النبضات والموجات الكونية العادية.. وهذا يدل على أننا نعتقد فعلا بأن العوالم الأخرى لا يجب أن تنسحب عليها مبادئنا العقلية.

قال ذلك، ثم انصرف عني، وقد بذر بذورا تشكيكية جديدة، كان لها دورها في سقي شجرة الإيمان في عقلي وقلبي.

***

التقيت بعدها عالما آخر، لست أدري من أي دين كان، ولا على أي مذهب، قال لي بكل هدوء: اسمعني يا تلميذ [كلب دارون] الوفي هذه الكلمة التي قد لا تنفعك اليوم، ولكن لا شك أنها ستنفعك غدا.. إذا سلمنا جدلا بأن الكون نشأ صدفة نتيجة سلسلة من التفاعلات الطويلة دون تنظيم أو تخطيط سابق، فإن هذا لا ينفي وجود خالق للكون، ومكون له؛ لأن الصدفة ليست فاعلة، ولكنها صفة للفعل الصادر من الفاعل، والفعل لا يوجد بدون فاعل.

قلت: لم أفهم.. ما الذي تقصد؟

قال: لو أن الكون نشأ نتيجة سلسلة من التفاعلات الطويلة دون تنظيم أو تخطيط سابق، فإنه لا بد من وجود موجِد للكون هو الذي أنشأ المادة التي كونت الكون.. وهو الذي جعل جزيئاتها تتفاعل.. وهو الذي أعطاها القابلية للتفاعل والتشكل.. وهذه السلسلة من التفاعلات لها شروط معينة للحدوث.. ولذلك تحتاج إلى من يهيئ لها الشروط المعينة لحدوثها.. وتحتاج إلى من يحافظ عليها كي تعطي نتائجها.. ولذلك فإنه حتى لو سلمنا بالصدفة، فإنها لا تلغي حاجة الكون إلى مكون، والمخلوق إلى خالق.

قلت: ولكن لم لا يقال بالصدفة المحضة.. وهي لا تحتاج لكل ما ذكرت؟

قال: إن قول ذلك ممتلئ بالمحالات العقلية.. ذلك أنه يقتضي أن تكون خصائص مادة الكون هي التي أنشأته.

قلت: أجل.. لم لا نقول بذلك؟.. وبذلك لن يحتاج الكون إلى قوة خارجية.

قال: إن هذا يعني أن الكون أنشأ نفسه بنفسه.. أي أنه علة لنفسه.

قلت: فما المانع من ذلك؟

قال: إن ذلك يقتضي أن يكون الكون سابقًا على نفسه في الوجود من حيث هو علة، ومتأخرًا على نفسه في الوجود من حيث هو معلول.. فهل يمكن لعقلك أن يقبل كل هذا التناقض؟

***

لم أدر ما أجيبه.. فقد كان لحجته من القوة ما لم أملك معه أي رد.. لكني ذهبت إلى بعض كلاب دارون الأوفياء الذين لم يفعلوا سوى أن أضافوا قرودا جديدة لتتعاون جميعا على كتابة المجموعة الكاملة لأعمال شكسبير.

التقيت بعدها بعض المخترعين ممن كانت لهم اليد الطولى في صناعة الكثير من الأجهزة والأدوات، وسألته عن دور الصدفة في اختراعاته، فقال لي: من واقع خبرتي في تخصصي.. فإن الصدفة وحدها أصغر من أن تفسر شيئا.. ذلك أن الاختراعات التي يذكر الناس أنها حصلت لي صدفة.. كنت أنا الذي وفرت لها كل وسائل الظهور إلى أن ظهرت بالشكل الذي هو عليه.. ولذلك لا أستطيع أن أعتبر تلك الاختراعات نشأت صدفة.. وإنما نشأت بسببي، وبسبب الظروف التي وفرتها.

قلت: وما تقول في نشأة الكون صدفة؟

قال: من واقع تجربتي مع اختراعاتي البسيطة، مقارنة بالأجهزة المعقدة الموجودة في الكون، فإن نشأة الكون صدفة مستحيل.. ذلك أن تكوين هذا الكون من ذرات على النحو الذي هو عليه يستلزم أن تكون هذه الذرات قد صممت وهيئت، بحيث إنها إذا اجتمعت بطريقة معينة يتكون منها شيء معين في الكون.. مثلاً تتجمع الذرات بطريقة معينة تكون ماءً.. وبطريقة أخرى تكون أكسجين.. وبطريقة أخرى تكون نيتروجين.. وبطريقة أخرى تكون ذهبًا، وهكذا، فلا بد من وجود مصمم لها ومهيئ لها قبل وجودها وقبل نشأة الكون.

قلت: ما تعني بذلك؟

قال: إن فروع العلم كافة تثبت أن هنالك نظامًا معجزًا يسود هذا الكون، أساسه القوانين والسنن الكونية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل.. فمن الذي سن هذه القوانين وأودعها كل ذرة من ذرات الوجود، بل في كل ما هو دون الذرة عند نشأتها الأولى؟ ومن الذي خلق كل ذلك النظام والتوافق والانسجام؟ من الذي صمم فأبدع وقدَّر فأحسن التقدير؟ هل خلق كل ذلك من غير خالق أم هم الخالقون؟ إن النظام والقانون وذلك الإبداع الذي نلمسه في الكون حيثما اتجهت أبصارنا يدل على أن هناك عليما خبيرا وراء كل ذلك([36]).

قلت: ولكن أصحابنا يذكرون أن نشأة الحياة ليست دليلاً على وجود خالق؛ لأنها نشأت صدفة عبر سلسلة طويلة من التطورات الكيميائية ما قبل الحيوية استمر لملايين السنين ابتداءً من الكيميائيات البسيطة، مرورًا بالجزيئات المتعددة، والجزيئات المتعددة الناسخة ذاتيًّا داخلة بدورات تحفيزية، وصولًا إلى كائنات ما قبل بكتيرية، وأخيرًا وصولًا إلى بكتريا بسيطة.

قال: كلامهم هذا لا يمكن أن يصح في موازين العقول، بل هو ينم عن جهلهم بمفهوم الصدفة.. فحتى لو سلمنا جدلا أن الحياة نشأت صدفة نتيجة سلسلة من التفاعلات، فهذا لا ينفي وجود خالق للحياة؛ لأن الصدفة ليست فاعلة، ولكنها صفة للفعل الصادر من الفاعل، والفعل لا يوجد بدون فاعل.

قلت: ولكن نفرا من أصحابي وصفوا الكثير من المشاهد عن نشأة الحياة صدفة.

قال: أعرفهم.. إنهم تكلموا عن كيفية نشأة الحياة ـ بحسب أوهامهم ـ وليس لماذا نشأت الحياة.. ومن الذي أنشأها؟.. ومن الذي جعلها تنشأ بتلك الطريقة؟.. وعذرهم الوحيد الذي قد نلتمسه لهم هو أن العلم يبحث عن الفعل، ولا يبحث عن الفاعل.. ويبحث عن الحدث، ولا يبحث عن المحدث.

ولهذا، فإنه لو كانت الحياة قد نشأت ـ كما يذكرون ـ نتيجة سلسلة من التفاعلات، فإنه لا بد من وجود موجِد للمواد التي تتفاعل.. ولا بد من وجود من أعطى هذه المواد القابلية للتفاعل.. ووفر لها الشروط التي تحتاجها للتفاعل..

وهكذا لو كانت الحياة قد تطورت من مادة غير حية، فمن الذي طور هذه المادة؟.. إذ أي تطور لا بد له من مطوِّر.

قلت: هم يذكرون أن المادة هي التي طورت نفسها عبر ملايين السنين.

قال: إن هذا يستلزم أن الأدنى يتطور بنفسه إلى الأعلى.. والتطور الذاتي إلى الأكمل دون تدبير حكيم عليم قدير خالق، أمرٌ مستحيل عقلًا؛ إذ الناقص لا ينتج الكامل في خطةٍ ثابتة، وهو بمثابة إنتاج العدم للوجود.. بالإضافة إلى ذلك، فإنه يلزم من هذا قبول تحول الناقص إلى الكامل بنفسه، وهذا نظير وجود الشيء من العدم الكلي المحض([37]).

***

لم أدر ما أجيبه.. لكني ذهبت إلى بعض أصدقائي، وحدثتهم بما حصل لي مع الرجل، فلم يجيبوا عن إشكالاتي، وإنما علموني حيلا جديدة، وكأن مشكلتي لم تكن في عقلي الذي صار لا يستوعب الصدفة، أو يتقبلها، وإنما في الانتصار على أولئك الذين يلقونني كل حين من الحجج ما لا أملك معه أي رد.

بعدها التقيت رجلا آخر لا يقل عقلا عن سابقيه، قال لي، وقد رأى حيرتي: خذ مني هذه الحكمة.. وتأمل فيها.. فعساها تنفعك.. إن (احتمال وقوع الحدث لا يستلزم وقوعه)

قلت: ما تعني؟

قال: لو كان عندك قطعة معدنية بها وجه صورة، ووجه كتابة عندما نلقيها على الأرض، فاحتمال وقوع وجه الصورة في كل مرة واحد من اثنين.. أليس كذلك؟

قلت: بلى.. هذا ما تقوله قوانين الاحتمالات.

قال: ولكن مع ذلك يمكن أن تلقي القطعة المعدنية عشر مرات، ولا تحصل على وجه الصورة.. بل يمكن أن تلقيها عشرين مرة ولا تحصل على وجه الصورة.

قلت: ذلك صحيح..

قال: فلذلك لا تستسلم لمغالطاتهم في الحساب، وفي تكثير القردة، وفي تطويل الزمان.. فالاحتمالية الرياضية لا تعني قبول الحدث للخروج إلى حيز الواقع دون أن تتوافر له المقدمات التي تنسجم مع القوانين الموجدة له([38]).

قلت: هلا ضربت لي مثالا يوضح لي ذلك.

قال: إن قال لك طالب لا يراجع دروسه: إن احتمال نجاحي هو بنسبة 50 بالمائة، ألست تقول له: إن النجاح له أسبابه.. وليس معنى احتمالية نجاحك في الامتحان إمكان أن تنجح دون مراجعة؛ فمن جد وجد، ومن زرع حصد.

قلت: صدقت في ذلك.. ولكن من أساتذتي من لقنني أن أقول لك.. إذا كان هناك احتمال - ولو ضئيلاً - في أن تنشأ الحياة من المادة صدفة بلا خالق عبر ملايين السنين، فمن الممكن أن تنشأ الحياة من المادة صدفة عبر تلك المدة الطويلة.. وفي ظل وجود الكثير من الوقت فإن المستحيل يصبح ممكنًا.. والممكن يصبح من المحتمل.. والمحتمل قد يصبح مؤكدًا.. وما على المرء إلا الانتظار، والوقت نفسه ينفذ المعجزات.

ابتسم، وقال: إن هذا القول يستلزم أن المادة التي لا حياة فيها يمكن أن تعطي الحياة لغيرها، وهذا باطل مستحيل؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.. فلا يعطي الشيء إلا من يملِكه ويملك أسبابه.. وبما أن المادة تفتقد الحياة، فكيف تهب الحياة لغيرها؟.. وبما أن الحياة شيء غير مادي، فكيف تكون ناتجة من شيء مادي؟

ألا ترى أن كلام هؤلاء يستلزم قبول تحول الناقص إلى الكامل بنفسه، وهذا لا يختلف عن دعوى وجود الشيء من العدم الكلي المحض([39]).

قلت: ولكنك نسيت عنصر الزمن.. فله دوره الكبير في تحقيق المعجزات.

قال: الوقت عامل هدم لا عامل بناء.. فالكائنات من إنسان وحيوان ونبات وأسماك وطيور وحشرات كلها تهرَمُ وتموت بمرور الوقت.. والجمادات من بيوت وقصور تفسُدُ وتبلى بمرور الوقت.. وإذا تركت طعامًا أو لحمًا تجده يفسد بعد مدة معينة.. حتى النجوم فإنها بمرور الوقت تفقد وقودها من غاز الهيدروجين الذي يزودها بالطاقة.. أضِفْ إلى ذلك كله فإن الشيء الممكن قد يصير مستحيلاً بمرور الوقت.

لم أجد ما أرد عليه، فقد نفذ كل ما لقنني إياه أصدقائي من أسلحة المواجهة، ولما رأى صمتي، قال: أضف إلى ما ذكرت لك هذه القاعدة الذهبية التي تمسح عن عقلك كل فيروسات الصدفة.. إن [تكرار الحدث يقلل من احتمالية الصدفة]

قلت: ما تعني بذلك؟

قال: أنت ترى الباحثين عندما يرون حادثة تتكرر بنفس النمط، فإن أول ما يستبعدونه هو الصدفة، ولهذا يبحثون عن الأسباب الحقيقية للحادثة.. فالصدفة لا تکون أکثرية أو دائمية في الحدوث، بل عشوائية، لا قصد فيها ولا ترتيب، ولا يمكن التنبؤ بها قبل حدوثها.

قلت: فهلا ضربت لي مثالا على ذلك.

قال: لو أنك وجدت حادثة من الحوادث تتكرر من حين لآخر في نفس المكان، وبنفس النمط، لا شك أنك ستستبعد الصدفة، وتبحث عن سبب وراء ذلك، وهذا السبب ربما يكون خللاً ما في هذا المكان، أو شخصًا معينًا يتسبب في ذلك.

قلت: ذلك صحيح.

قال: ومثل ذلك ما لو رسب طلاب مدرسة معينة في امتحان معين دون باقي المدارس، لا شك أنك ستستبعد الصدفة، وتبحث عن سبب وراء ذلك، ربما يكون خللاً في المنظومة التعليمية، أو إهمال أُسَرِ الطلاب لأبنائهم.

قلت: ذلك صحيح.. وكل الدراسات الميدانية تنطلق من هذا لتصل إلى النتائج العلمية التي تعالج المشكلة.

قال: وهكذا لو أن شخصا كان يسكن في شقة وحيدًا، يذهب لعمله صباحًا ويأتي ليلاً، لكنه عندما عاد في مرة من المرات وجد نافذة حجرة النوم مفتوحة، رغم أنه يغلق جميع نوافذ الشقة قبل خروجه منها، فإنه يشك في البدء بكونه نسي، لكن إن تكرر هذا الأمر، فلا شك أنه سيستبعد الصدفة، ويبحث عن سبب وراء ذلك، ويفكر في أن شخصًا ما يتسلل إلى شقته.

قلت: ذلك صحيح.. وربما أكون أنا ذلك الشخص، فقد حصل لي بعض ما ذكرت.

عندما قلت له هذا، قرأ لي من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]، ثم انصرف عني، وتركني لأفكاري التي صارت أقرب ما تكون إلى تلمس الحقيقة المجردة من أي وقت مضى.

***

لكني عندما ذهبت إلى أصدقائي وأساتذتي من الملاحدة راحوا يقولون لي: لا تلتفت لكلام أولئك الخرافيين.. فمادة الكون كانت موجودة، ثم انفجرت وتباعدت أجزاؤها وتناثرت، وفي اللحظات الأولى من الانفجار الهائل ارتفعت درجة الحرارة إلى عدة تريليونات، حيث كونت فيها أجزاء الذرات، ومن هذه الأجزاء كونت الذرات، وهي ذرات الهيدروجين والهليوم، ومن هذه الذرات تألَّف الغبار الكوني الذي نشأت منه المجرات فيما بعد، ثم تكونت النجوم والكواكب، وما زالت تتكون حتى وصل الكون إلى ما نراه عليه اليوم، وكل هذا صدفة دون تدخُّل قوى عاقلة مريدة.

وبعد أن غادرتهم، رحت إلى بعض أصدقائي من الفيزيائيين، وطرحت عليه المشكلة، فقال لي: إن ما ذكروه من الصدفة المجردة يتنافى مع أول قانون من قوانين الفيزياء، وهو أن الجسم الساكن يبقى ساكنًا ما لم تؤثر عليه قوة خارجية فتحركه، والجسم المتحرك بسرعة ثابتة في خط مستقيم يبقى على هذه الحالة ما لم تؤثر عليه قوة خارجية فتغير الحالة الحركية له.. وبما أن مادة الكون الأولى كانت ساكنة ثم انفجرت، فلا بد من وجود قوة خارجية أدت إلى ذلك؛ فكل حدث لا بد له من محدِث.

قلت: صدقت.. كيف غاب عنهم هذا؟

قال: ليس ذلك فقط ما غاب عنهم.. لقد غاب عنهم أيضا أن أي انفجار يتبعه تناثر لأشلاء عديدة وجسيمات صغيرة، فكيف يتبع الانفجار تجمُّع للجزئيات والجسيمات، وتكوين أرض وجبال وكواكب ونجوم ومجرات وغير ذلك دون وجود قوة خارجية حكيمة عالمة أدت لذلك.. فتناسق الكون وانتظامه يشهد بذلك، وكل شيء في الكون يوجد في المكان المناسب له، وجمال الطبيعة دليل على حكمة وعلم وإبداع خالقها، والعشوائية لا تنتج نظامًا.

قلت: أجل.. كلامك صحيح.. فكيف غاب عنهم كل هذا؟

قال: ليس ذلك فقط ما غاب عنهم.. لقد غاب عنهم أيضا أن أي انفجار يتبعه دمار، فكيف يتبع الانفجار الكوني العظيم عمار، وتكوين أرض وجبال وبحار ومحيطات وأنهار وكواكب وأقمار ونجوم ومجرات دون وجود قوة عالمة حكيمة..

عندما أردت الانصراف من عنده، قال لي: هل سألت نفسك عن السر في توقف الصدفة التي أنشأت هذا الكون عن العمل؟

قلت: ما تقصد؟

قال([40]): إذا كان وجود هذا الكون عن طريقة الصدفة، أليس من الممكن، والحال هكذا، أن توجد صدفة أخرى تقضي على هذا الكون؟..وعلى التسليم الجدلي بأن تكوين كوكب من الكواكب كان صدفة، فكيف تفسر الصدفة تكوين الكواكب الأخرى؟.. ولو كان تكوين أحد الأقمار صدفة.. فكيف تفسر الصدفة تكوين الأقمار الأخرى؟.. فإذا سلمنا جدلاً أن الصدفة أحدثت كوكبًا، أفلا يمكنها أن تكرر إحداث كوكب آخر كل مرة؟

***

بعد أن تركته سرت في طريقي، وقد قررت حينها قرارا جازما أن أتخذ أصدقاء جددا، يملؤون قلبي بالحقائق بدل الخرافات.. ويصدقونني، ولا يكذبون علي.. وما أسرع ما لبى الله أمنيتي.

ففي مسيرتي تلك إلى بيتي، وجدت نفرا من أترابي يتحدثون، فاقتربت منهم، وكانوا في قمة الأدب والأخلاق..

قال أحدهم: لقد أجريت بعض الحسابات التي طلبتموها مني.. وها أنذا أذكرها لكم.. لقد ذكرتم لي أنه لو أن هزة أرضية قلبت صناديق الحروف في مطبعة، بها نصف مليون حرف، فخلطتها ببعضها، فأخبرنا صاحب المطبعة أنه تكون من اختلاط الحروف صدفة عشر كلمات متفرقة؛ وقد وجدت بحساب الاحتمالات أن المسألة تحتمل التصديق، وتحتمل النفي.

لكنه لو أخبرنا بأن الكلمات العشر كونت جملة مفيدة، لازدادت درجة النفي والاستبعاد، لكننا قد لا نجزم بالاستحالة.

لكنه لو أخبرنا بأن الحروف المبعثرة كونت كتابًا من مائة صفحة، وبه قصيدة كاملة منسجمة بألفاظها، وأوزانها، فالاستحالة في هذه الحالة بحكم البديهية.

قال آخر: بورك فيك.. هذه حجة قوية للرد على أولئك السفسطائيين القائلين بالصدفة.. فالكون وأجزاؤه، وما فيها من إتقان وإحكام وعناية أعقد بكثير من مثال حروف المطبعة؛ لأن الحروف هنا جاهزة معبأة في صناديقها.. والصدفة في مجال الكون مستحيلة في ذاتها، فضلًا عن أن ينبثق عنها هذا الإحكام والنظام، ولو سلمنا جدلًا بصدفة واحدة في البداية، فهل يقبل عقلنا بسلسلة طويلة متتابعة من المصادفات([41]

قال آخر: وهكذا لو قال شخص: وجدت قصرًا شديد الجمال، مكونًا من خمسة طوابق، فيه ثلاثون غرفة، كل غرفة مفروشة بأجمل أنواع الفرش، ومزخرفة بأجمل أنواع الزخارف، وهذا القصر ليس له بانٍ، ولا مصمم، وإنما تكوَّن صدفة عبر عشرات السنين، أترى أحدًا يصدق هذا الكلام؟.. وإذا لم يصدق أحد أن هذا القصر تكون صدفة، وهو جماد لا حياة فيه، ولا وعي ولا إدراك ولا مشاعر ولا أحاسيس، فكيف يصدق أحدٌ أن هذا الكون تكون صدفة دون قوة عالمة حكيمة رغم ما في الكون من جمال وإبداع؟

قال آخر: يقال لكل قائل بالصدفة: ما تقول في دولاب دائر على نهر، قد أحكمت آلاته، وأحكم تركيبه، وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه، بحيث لا يرى الناظر فيه خللًا في مادته ولا في صورته، وقد جعل على حديقة عظيمة فيها من كل أنواع الثمار والزروع يسقيها حاجتها، وفي تلك الحديقة من يلم شعثها، ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها، فلا يختل منها شيء، ولا يتلف ثمارها، ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على سائر المخارج بحسب حاجاتهم وضروراتهم، فيقسم لكل صنف منهم ما يليق به، ويقسمه هكذا على الدوام، أترى هذا اتفاقًا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر، بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقًا من غير فاعل ولا مدبر؟ أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان؟ وما الذي يفتيك به؟ وما الذي يرشدك إليه([42]

قال آخر: وهكذا لو قال شخص: وجدت كتابًا محكَمًا في علم من العلوم، يتكون من مجلدين، والمجلد يتكون من جزأين، وكل جزء مكون من ثلاثمائة صفحة، وكل صفحة بها عشرون سطرًا، وكل سطر به عشرون كلمة، وهذا الكتاب ليس له مؤلف، ولا كاتب، وإنما تألف وكتب صدفة عبر عشرات السنين، أترى أحدًا يصدق هذا الكلام؟!.. وإذا لم يصدق أحد أن هذا الكتاب كُتب وأُلِّف صدفة، وهو جماد لا حياة فيه، ولا وعي ولا إدراك ولا مشاعر ولا أحاسيس، فكيف يصدق أحد أن هذا الكون تكوَّن صدفة بما فيه من آلاف الحيوانات، وآلاف الطيور، وآلاف الزواحف، وآلاف النباتات، ويمكن أن تكتب عشرات المجلدات في إحكام ونظام كل نوع من هذه الكائنات؟

***

ما أنهى صاحبنا حديثه حتى انتشرت أنوار لطيفة على تلك الروضة الجميلة التي اجتمعت فيها كل تلك العقول الكبيرة، وقد سرى أريج تلك العطور إلى كل لطائفي، فحلت به الكثير من العقد التي كنت أحاول كل جهدي فهمها، فلا أفهمها.

وحينذاك عرفت أنه ـ كما أن الله صاحب العقول التي نفكر بها ـ فهو كذلك صاحب تدبيرها.. فمن لم يحل عقله بين وبين ربه.. ومن جعله عقله يتقرب من ربه.. فإن الله بفضله الكريم، يزيده عقلا على عقل، ووعيا على وعي، وفهما على فهم.. ومن حجبه عقله القاصر عن ربه، حجب عن عقله، وصار أبعد الناس عنه.. بل صار أغبى الأغبياء، وأكثر الغافلين غفلة، وإن توهم نفسه أذكى الناس، وأكثرهم إعمالا لعقله..

وكيف يكون صاحب عقل من يكل عقله عن فهم كل تلك الضرورات والبديهيات والمسلمات التي اتفقت عليها كل العقول السليمة؟

وكيف يكون صاحب عقل من راح يجحد الحقيقة العظمى التي شهد لها كل شيء، ودل عليها كل شيء، ونطق بالتنزيه لها والثناء عليها لسان كل شيء؟

 

 

المعاني الرقيقة

ما شعرت بتلك المشاعر الإيمانية العميقة التي سرت من عقلي إلى قلبي، حتى رأيت شابا قادما على أريكته العجيبة من روضة أخرى من الرياض المجاورة، ثم ما لبث حتى اقترب مجلسه من مجلسي، ثم نظر إلي، وقال: لقد أرسل لنا معلم الإيمان رسالة يدعونا فيها لاستقبالك في روضتنا.. فهلم بنا إليها.

قلت: شكرا له ولكم.. ولكن كلاما كثيرا لا أزال أحب سماعه من أهل هذا المجلس، فدعني ريثما أنتهي منه، وسأحضر بنفسي.. أو اجلس معنا لتسمعه، فإنك ستسمع كلاما لن تسمع مثله في حياتك.

ابتسم، وقال: لن تخرج من هنا لو ظللت في هذه الروضة، أو في أي روضة.. فكل حديث عن الله جميل..

قلت: فهل في روضتكم أحاديث مثل هذه الأحاديث؟

قال: لو كانت أحاديثنا مثل هذه الأحاديث لكنا هنا، ولم نكن هناك.. ألست تقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: 7]

قلت: بلى.. وأفهم منها أن الله تعالى بكرمه يضع كل المتشاكلين في محل واحد، لينسجم بعضهم مع بعض، ويكمل بعضهم بعضا.

قال: ولهذا وضع أصحاب البراهين القاطعة في هذه الروضة.. أما روضتنا فمختلفة تماما عنها.. إنها روضة المعاني الرقيقة.

قلت: كيف ذلك؟.. أليست كل البراهين كلها تعود إلى العقول؟

قال: بلى.. ولكن براهينهم تنطلق من الكون لتصل إلى المكون.. أما براهيننا فتنطلق من المكون لتصل إلى الكون.. ولذلك كانت معانيها رقيقة ودقيقة، فلا يستوعبها إلا أصحاب النفوس الطاهرة، والقلوب الخاشعة، والأرواح السامية.

قلت: لم أفهم.. أو لم أعقل.. هل يمكن أن توجد براهين بهذا النوع؟.. وهل هناك من العقول من يسلم لها؟

قال: أجل.. وقد وجد ذلك في كل فن من الفنون.. ألست ترى ملايين طلبة العلم في الدنيا، لكن لا ينبغ منهم إلا العدد المحدود؟

قلت: ذلك صحيح..

قال: فما دامت عقولهم واحدة.. فكيف اختلف النبوغ فيهم؟

قلت: هناك أسباب كثيرة.. فبعضهم يفكر تفكيرا غليظا كثيفا محدودا.. وبعضهم يفكر تفكيرا رقيقا عميقا واسعا.. وهم الثلة القليلة من أصحاب العقول الذين نسميهم عباقرة.

قال: فهكذا الأمر مع الحقائق الإيمانية.. فهناك من يحتاج إلى الأدلة الكثيفة التي تحاول أن تزيل الغشاوة عن عينيه، وقد تفلح ولا تفلح.. وهناك من يكون مبصرا، لا غشاوة على عينيه، ولذلك لا يحتاج إلى أي أدلة، لأنه مبصر بالفطرة أو الاكتساب.

قلت: لقد ذكرتني بقدرات بعض العقول في الحساب.. حيث أنه تلقى إليه المسائل العويصة الصعبة، فيحلها في طرفة عين، وكأنه يراها بأم عينيه.. وهناك من يبذل جهدا كبيرا في حلها، ويستعمل كل ألوان الأقلام، ومع ذلك قد يخطئ في حلها.. لكن كيف يخاطب هؤلاء غيرهم؟.. وكيف يثبت هؤلاء لغيرهم ما ثبت لهم؟

قال: لكل قوم لغتهم الخاصة بهم.. ولذلك ترى من لم ينجذب عقله للبراهين القاطعة، لكنه ما إن يسمع المعاني الرقيقة حتى يذوب فيها.. وينتقل مباشرة من الإلحاد إلى الإيمان.. ومن الغفلة إلى اليقين.

قلت: أتعني أن الأدلة العقلية ليست وحدها براهين المعرفة الإلهية؟

قال: وهل عرف سحرة موسى عليه السلام ربهم وسجدوا له وضحوا بأنفسهم في سبيله نتيجة لخطابات عقلية من موسى عليه السلام؟

قلت: لا.. بل رأوا حججه الواضحة، وأدلته القاطعة التي تحدثت بها العصا.

قال: فقد كانت الآيات الباهرة هي دليلهم إلى الله.

قلت: ذلك صحيح.

قال: وهكذا ﴿لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: 7].. ولكل أمة رسول.. ولكل عقل حجة.

قلت: فما حجة قومك؟

قال: تعال معي، واسمع الأمر من أهله.. فخير من حدث عن المرء لسانه.

قلت: وأصحابي هؤلاء.. أأتركهم من غير وداع؟

قال: أنت تراهم يتحدثون، وكأنهم لا يعلمون بحديثك معي.

التفتّ إليهم، فوجدتهم منشغلين عني، ويتحدثون ويضحك بعضهم مع بعض، وكأني لست معهم.. وكأنه لم تكن بيننا أي أحاديث..

قلت: كيف هذا؟.. ولم هذا؟

قال: أنت مكلف بمهمة محدودة ومؤقتة.. ولذلك لن تسمع إلا ما يتاح لك سماعه.. ولن ترى إلا ما يؤذن لك في رؤيته.

قلت: أتعني أن هناك أشياء كثيرة تراها أنت، ولا أراها أنا؟

قال: أجل.. بل إن رؤيتنا نفسها تختلف، وتذوقنا للأشياء يختلف.. فأنت لا تزال تحمل مدارك أهل الدنيا المحدودة.. وأنا وكل من حولي لنا مدارك أخرى تتيح لنا ما لا تتيح لك.

سرنا بين روضات كثيرة مملتئة بالجمال إلى أن وصلنا إلى روضة المعاني الرقيقة، وقد دهشت للأنوار الجميلة التي تحيط بها.. ودهشت لكل تلك الروائح العطرة التي تصل مباشرة إلى القلب، فتجعله يخفق بكل معاني العشق والهيمان.. ودهشت للألوان البديعة للورود والزهور التي لم أر في حياتي مثل جمالها ودقة صنعها.

ولكن كل تلك الدهشة التي أصابتني لم تكن تعدل جزءا بسيطا من دهشتي لأولئك الطيبين الذين اجتمعوا يتحدثون عن سر وجودهم في تلك الروضة.. فقد كانوا في منتهى الكمال والجمال، وقمة الأدب واللطف، وغاية العقل والحكمة.

برهان الفطرة:

بعد أن استقر بي المجلس، وزال عني بعض آثار تلك الدهشة والانبهار، وسلمت على الجمع المنور بنور الإيمان، وسلموا علي، قال أحدهم مخاطبا رسولهم الذي جاء بي إلى ذلك المجلس: فلتبدأ أنت يا صاحب الفطرة الطاهرة لتحدثنا عن أسرار إيمانك، وكيف أنقذك الله من براثن الملحدين، وزج بك في رحاب روضات المؤمنين.

قال: إن في قصتي لعبرة، وهي تدل على فضل الله العظيم علي بالهداية، فلولاه لكنت الآن في فنادق الملاحدة، أو في غياهب سجونهم.

ففي بداية أمري كنت أعيش في زمن الحكم العسكري المشدد للحزب الشيوعي.. وكنت حينها رفيقا من الرفاق الذين تشبعوا بكل ما تعلموه في المدارس من أنواع الإلحاد والمادية إلى أن أصبحت بينهم في درجة المبلغين والدعاة الذين يمكنهم أن يحطموا أي جدار من جدر الإيمان، وأي حصن من حصونه.

وقد أرسلوني بتلك الأفكار التي سقوني بها مع الماء والحليب إلى بلدة من بلاد المسلمين، كانت لا تزال مصرة على الحفاظ على دينها.. وأعطوني الكثير من الصلاحيات التي تخول لي أن أحول من جحيم حياتهم نعيما إن هم أطاعوني، وتحولوا عن الإيمان إلى المذاهب المادية الإلحادية التي كانت تنتشر في ذلك الحين.

عندما ذهبت كنت موقنا تماما أنه لن تمر إلا أيام قليلة حتى تتحول البلدة عن معتقداتها إلى معتقداتي.. لكني لم أدرك أبدا أن صبية البلدة وعوامها البسطاء يمكنهم أن يحولوا عقلا كعقلي درس كل فنون الإلحاد، وتدرب على كل أنواع المحاجة.

***

في بداية نزولي بينهم، لم أشأ ـ كما تدربت على ذلك ـ أن أبادرهم بما عندي من معتقدات، بل رحت أحاول السماع منهم، لأعرف الثغرات التي أدخل إليهم من خلالها.

وقد كنت تعلمت من فنون الديالكتيك، واستفدت من نظرية التطور، والكثير من العلوم الحديثة ما تصورت أنها أسلحة يمكنني أن أواجه بها أي حجة من الحجج التي يدلون بها.. لكني لم أجد مبررا لاستعمال أي معرفة من معارفي، أو حجة من حججي.. فقد كان إيمانهم بالله يستند لركن أوثق من كل الأركان، وسند أعلى من كل الأسانيد.. وهو الفطرة والجبلة الطاهرة التي كان كيانهم قد امتلأ بها، فلم يتلطخ بأوزار المادية، ولم يتدنس بدنس الكبرياء والغرور والعجب الذي أصاب أصحاب الفكر المادي.

فذلك السند العالي يصل بفطرتهم نفسها إلى الله مباشرة من دون أي وسائط من الأدلة والبراهين، وكأنهم تذكروا بمجرد مجيئهم للدنيا قوله تعالى مخاطبا الإنسان في عالم الذر: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 172]

أذكر أني في بداية دخولي للمدينة زرت مدرسة من مدارسها، وقد كانت تلقن الإلحاد كما تلقن الرياضيات والعلوم.. لكني مع ذلك اصطدمت بتلاميذها، فقد سألت أحدهم عن الله، وعن الأدلة عليه، فقال لي مبتسما: لست محتاجا إلى ذلك..

قلت: أتراك لا تؤمن بالله؟

قال: وكيف لا أؤمن به.. وأعماقي كلها تشعر به.. ووجداني كله يسبح بحمده.

قلت: فما دليلك عليه؟

قال: لقد ذكرت لك أن أعماقي ووجداني هي دليلي عليه.

قلت: لم أفهم.

قال: ألا ترى أنّ غرائز الإنسان ذاتية له لا يمكن فصلها عنه، ولا تحتاج إلى من يدله عليها، أو يعلمه علومها ؟.. ألا ترى أنّ عواطف الإنسان وأحاسيسه جزء من خلقته وكيانه، فلا يحتاج إلى من يرشده إليها، أو ينبئه عنها؟

قلت: بلى.. ولكن تلك العواطف والغرائز.

قال: فقد أودع الله في فطرتي منذ نشأتي شعوري بالله، وأنا لا أحتاج دليلا خارجيا فوق هذا الشعور، لأنه أكثر بداهة عندي من الحس نفسه.. وهل يمكن لأحد من الناس أن يشك فيما يحس فيه، أو يشعر به؟

قلت: ولكن كيف توصل قناعاتك هذه للناس؟

قال: بإرشادهم إلى العودة إلى نفوسهم، والتخلي عن كبريائهم الحائل بينهم وبين الشعور بما تدعو إليه فطرهم.

قلت: ما تعني؟

قال: إن المحجوبين عن الله لم يحجبوا عنه بقوة دليل، وإنما حجبوا عنه بكبريائهم، فالله أوضح من أن يحتاج إلى دليل يدل عليه.. إن مثل أولئك كمثل الجوعان الذي راح يقنع نفسه بأنه لا حاجة له إلى الطعام.. وبقي جوعان إلى أن انهارت قواه.

قلت: أراك تشبه الله بالطعام.

قال: ما دمنا نحتاج إلى الطعام، ولا يمكننا الاستغناء عنه.. ولا يمكن لأحد أن يقنعنا بعدم حاجتنا إليه، فيمكنني أن أشبهه بذلك.. بالنسبة لي أو للبشر جميعا.. وإن كان الأمر أعظم من ذلك، فنحن أحوج إلى الله من حاجتنا إلى الطعام والشراب، لأنهما جميعا خلق من خلقه، ويمكن أن يغنينا عنهما كما أغنى عنهما الملائكة، ولكننا لن نستطيع أبدا أن نستغني عن الله..

لقد قال الله تعالى يذكر ذلك: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17)﴾ [فاطر: 15 - 17]

قلت، وأنا أضحك: بحسب قولك هذا.. فإن البشرية جميعا جائعة في هذا العصر.. فكلها تميل إلى الإلحاد؟

قال: ولهذا ترى الصراع بينهم.. لأن عقولهم الجائعة إلى الحقيقة جعلتهم يصارعون كل القيم، ويحطمون أركان كل الفضائل.

قلت: ولكن.. لو كان التوجه إلى الله أمراً فطرياً كما تزعم.. فلم عبد الناس في مختلف العصور آلهة شتى.. ولم تدينوا بأديان مختلفة متناقضة؟

قال: إن ذلك كمن استبد به الجوع، فإنه إذا لم يجد الطعام الطيب الذي يناسبه سيتناول كل ما يمكن أكله، ولو كان خبيثا ليسد به جوعته.. فالفطرة تدعو الإنسان إلى الاتجاه إلى الخالق، لكن الإنسان قد تحيط به عوامل تنحرف به عن المسار الصحيح لها.. والانحراف عن الطريق، لا يلغي وجود الطريق.

قلت: ولكن.. ألا ترى أنه لو كان الدين صحيحا لاتفق عليه الناس.. ولو كان الإله موجودا لاتفق الخلق على صفاته.. ولو كان التوجه إلى الله أمراً فطرياً ـ كما تدعي ـ لما عبد النّاس آلهة شتى؟

قال: مثلما اختلف الخلق في تصور المطاعم والمشارب النافعة لهم.. كذلك اختلفوا في تصورهم لله.. لكن الاختلاف في أنواع الطعام لا يلغي ضرورة الطعام.. وهكذا الاختلاف في الله لا يلغي ضرورة الله.

قلت: ولكن كيف نصل إلى الإله الحقيقي؟

قال: كما نصل إلى الطعام الحقيقي..

قلت: كيف؟

قال: بالبحث والعلم.. والتدقيق والتحري.. فلا يصح أن نخلص طعامنا من السموم، ولا نخلص ديننا من السموم.. وبالدين تقوم حياة أرواحنا، كما بالطعام تقوم حياة أجسادنا.

لم أجده ما أقول له.. فقد كان يجيبني عن كل شبهة أطرحها عليه بدقة عالية..

***

تركته، بعد أن امتلأت نفسي له احتراما، وذهبت إلى أستاذ الفصل المخصص لتدريس الإلحاد، وسألته عن مواقف الطلبة من دروسه، فابتسم، وقال: هم يحفظونها بدقة.. ويكتبون في ورقة الامتحان كل ما أمليه عليهم.. وهم ينالون لذلك علامات جيدة.

قلت: لم أسألك عن هذا.. سألتك عن قناعتهم بما تقول.

ابتسم، وقال: وهل يمكن للجدار أن يقتنع بما تمليه عليه.. إنهم كالجدر التي لا تخترق، والحصون التي لا تهدم.

قلت: فهل استعملت معهم كل وسائل الإقناع؟

قال: استعملت معهم ما خطر ببالك، وما لم يخطر.. حتى أني رضيت منهم أن يعتقدوا بأي اعتقاد مادي شيوعيا كان أو غير شيوعي.. فلم يقبلوا إلا بما ورثوه، والذي يذكرون لي أنه فطرتهم، وقناعتهم التي لا يمكن زحزحتها.

قلت: فهلا ضربت لي مثالا على موقف من مواقفهم.

قال: أذكر مرة أني أردت إقناعهم بعدم وجود الله بالدليل الحسي، فقلت لهم: أترونني؟.. فقالوا: نعم.. قلت: فإذن أنا موجود.. ثم قلت لهم: أترون اللوح؟ قالوا: نعم.. قلت: فاللوح إذن موجود.. ثم قلت لهم: أترون الله؟ قالوا: لا.. قلت: فالله إذن غير موجود! فوقف أحد التلاميذ، وقال: أترون عقل الأستاذ؟.. قالوا جميعا: لا.. قال: فعقل الأستاذ إذن غير موجود.

التفت المعلم إلي، وقال: كيف يمكنك أن تقنع أمثال هؤلاء؟

قلت: ألم تلقن في معاهد تكويننا كيفية الإجابة عن مثل هذه الأطروحات؟

قال: أجل.. وطرحتها عليهم جميعا، لكنهم كانوا يقابلونها بأصوات فطرتهم الهادئة.

قلت: أخاف أن تكون قد تأثرت بهم.

قال: إن شئت الصدق.. فقد حصل لي ذلك.. فهم وذووهم من أطيب الناس.. ويأسرونك بأخلاقهم وكرمهم.. وأحسب أنه لولا تلك العقائد التي يعتقدونها ما كان سلوكهم ليرقى لهذه المقامات العالية.

قلت: فهل أسرك سلوكهم.. أم أسرتك عقائدهم أيضا؟

قال: إن شئت الصدق.. فقد أسرني كلاهما.. فكلاهما يرتبط بعضه ببعض.. فهم على الفطرة الإنسانية النقية بعقائدهم أو بسلوكهم.. أما نحن.. فقد حاولنا أن نتملص من إنسانيتنا، والنتيجة ما تراه في واقعنا من كل ألوان الانحلال والعقد والأمراض والصراع.

قلت: ولكن ألا يمكن أن يحيا الإنسان من دون الله؟

قال: كما لا يمكن أن يحيا الإنسان من دون طعام.. فكذلك لا يمكن أن يحيا من دون الله.. ألا ترى من العجب كيف أنه لا توجد حضارة من الحضارات.. ولا قبيلة من القبائل إلا وهي تعتقد في وجود قوة غيبية تتحكم في الكون؟

قلت: ولكنها جميعا مملوء بالخرافات.

قال: أحيانا كثيرة تكون الحقيقة مختلطة بالخرافة.. وليس علينا أن نلغي الحقيقة لأجل خرافة ارتبطت بها.. كما أننا لا يمكن أن نستغني عن الطعام بسبب أن بعض الناس وضع السم في طعام من الأطعمة، وفي يوم من الأيام.

***

لم أدر ما أقول له.. فقد كان ما قاله حقيقة شهد بها كل المؤرخين، وعلماء الاجتماع حتى فلاسفة قومي الذين راحوا يفلسفون ذلك بحسب ما تصوره أوهامهم، لا بحسب الواقع.

لقد قال [ويليام جيمس ديورَانت] يذكر ذلك: (صحيح أنّ بعض الشعوب البدائية ليس لها ديانة على الظاهر فبعض قبائل الأقزام في إفريقية لم يكن لهم عقائد أو شعائر دينية على الإطلاق، إلاّ أنّ هذه الحالات نادرة الوقوع ولا يزال الاعتقاد القديم بأنّ الدين ظاهرة تعم البشر جميعاً اعتقاداً سليماً وهذه في رأي الفيلسوف حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية)([43])

ويعبر في موضع آخر ـ وهو المؤرخ الكبير للحضارات البشرية ـ عن مدى تجذر الدين في الفطرة، وأن استثمار رجال الدين لذلك يدل على مدى ترسخه فيها، فيقول: (إنّ الكاهن لم يخلق الدين خلقاً لكن استخدمه لأغراضه كما يستخدم السياسي دوافع الإنسان الفطرية وغرائزه، فلم تنشأ العقيدة الدينية عن تلفيقات أو الاعيب كهنوتية إنّما نشأت عن فطرة الإنسان)([44])

ويقول العالم الاجتماعي [صموئيل كونيك] عند حديثه عن جذور الدين في الأسلاف من البشر: (إنّ أسلاف البشر المعاصر ـ كما تشهد آثارهم التى حصل عليها في الحفريات ـ كانوا أصحاب دين، ومتدينين، بدليل أنَّهم كانوا يدفنون موتاهم ضمن طقوس ومراسيم خاصة وكانوا يدفنون معهم أدوات عملهم، وبهذا الطريق كانوا يثبتون اعتقادهم بوجود عالم آخر، وراء هذا العالم)([45])

وعبر عن ذلك آخر لا أذكره الآن، فقال: (لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، لكن لم توجد جماعة بغير ديانة.. فالشعور الفطري بوجود خالق مدبر للكون شعور مشترك بين جميع الناس، مغروس في النفوس، يقوم في نفس الطفل الصغير، والإنسان البدائي، والإنسان المتحضر، والجاهل والعالم والباحث والفيلسوف، كل هؤلاء يشعرون بشعور مشترك لا يستطيعون دفعه عن أنفسهم)

***

بعد انصرافي عن تلك المدرسة التقيت عالم نفس من بلدتي، وقد رأيت أن أسأله عن سر تجذر الدين في أهل تلك البلدة، وعدم استطاعة الديالكتيك وغيره من الفلسفات المادية التأثير فيها.. وقد كنت أتصور أنه سيحدثني بما درسه عن فرويد من الأنا الأدنى أو الأنا الأعلى.. أو يحدثني بما ذكره دوركايم أو إنجلز أو غيرهم من فلاسفتنا.. لكنه لم يفعل ذلك، وإنما قال لي: لقد أجاب عن سؤالك هذا الفيلسوف الانجليزي [توماس كارليل] بقوله: (إنّ الذين يريدون إثبات وجود الله بالبرهان والدليل ما هم إلاّ كالذي يريد الاستدلال على وجود الشمس الساطعة الوهّاجة بالفانوس)

قلت: ما يعني بقوله هذا؟.. وما تعني بنقلك لقوله؟

قال: إن هؤلاء الذين تراهم يقفون بعقولهم وقلوبهم بكل قوة في وجه الزحف المادي الذي اكتسح البشرية جميعا يعود إلى ما ذكره ذلك الفيلسوف الإنجليزي.. فهو قد صور حالهم بكل دقة.. فهم مثل من شاهد الشمس.. وهل يمكن لمن شاهد الشمس أن يقنعه أحد من الناس بعدم وجودها؟

قلت: نعم ذلك صعب جدا.

قال: بل مستحيل.. استحالة مطلقة.

ثم ابتسم، وقال لي: إن مهمتك ـ يا سيدي ـ مستحيلة.. وأنصحك أن تتخلى عنها.

قلت: ولكني لم آت بالأفكار فقط.. وإنما أتيت بالأموال أيضا.. وأتيتهم بما يرفع بؤسهم، ويحول حياتهم إلى الجنة التي يحلمون بها.

قال: لا تتعب نفسك.. فهؤلاء قد يأكلون خبزك، ولكنهم لا يبيعونك دينهم.. ألم يخبرك معلم المدرسة كيف ينال التلاميذ عنده العلامات الكاملة في الإلحاد، وفي نفس الوقت ينالون العلامات الكاملة في الإيمان؟

قلت: بلى.. لقد أخبرني بذلك.

قال: فلذلك لك أن تصرف عليهم من الأموال ما شئت.. لكن تأكد تماما أنه لا أموالك ولا أموال الدولة جميعا تستطيع أن تغرز أنيابها في عقائدهم.. لأن لها من الرسوخ ما لا يمكن أن يؤثر فيه شيء.

لقد عبر الفيلسوف الفرنسي ديكارت عن حالهم بقوله: (لا يبقى ما يقال بعد ذلك إلا أن هذه الفكرة ولدت ووجدت معي منذ خلقت، كما ولدت الفكرة التي لدي عن نفسي، والحق أنه لا ينبغي أن نعجب من أن الله حين خلقني غرس فيّ هذه الفكرة لكي تكون علامة للصانع مطبوعة على صنعته)

بل عبر عن ذلك الفيلسوف الاسكتلندي الشكاك [ديفيد هيوم] الذي قال في [حواراته]: (ليس هنالك من هو أشد مني إحساسًا بالدين المنطبع في نفسي أو أشد تعلقًا بالموجود الإلهي كما ينكشف للعقل بين ابتداع الطبيعة وصناعتها اللذين من الصعب تفسيرهما).. وقال في موضع آخر من الكتاب: (لا توجد حقيقة أظهر وأوضح من وجود إله)

***

بعد أن قال لي هذا تركته، وأنا يا ئس تماما من النجاح في تحقيق المهمة التي وكلت لي.. لكني في أثناء جمعي لحقائبي للعودة إلى بلادي بخفي حنين.. خطر لي خاطر جعلني أعدل عن ذلك.. لقد قلت لنفسي: إلى أي بلد سأعود.. وهل هناك بلد أفضل من هذا البلد.. وهل هناك جيران أفضل منهم أبقى معهم طول حياتي؟

وبالفعل بدأت حياتي معهم، لكن لا كأستاذ لهم، وإنما كتلميذ من تلاميذهم، وكان أول من التقيت به منهم بعد ذلك القرار شيخ كبير، سألته عن سر ذلك الجدار الذي يقف بين عقلي وقلبي وحقائق الوجود، فقال لي: ذلك هو الران.. وفي إمكانك أن تزيله بضربة قوية منك.. لتعود إلى إنسانيتك حقيقتها.. وإلى فطرتك صفاءها.

قلت: فما الران؟

قال: ذلك الذي ذكره الله تعالى، فقال: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ (المطففين:14)، أي أن كسب الإنسان وعمله وحركة قلمه هي التي ملأت فطرته بقعا منحرفة حالت بينها وبين التعرف على الحق أو سلوكه.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد فسر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كيفية حصول ذلك على مرآة القلب، فقال:(إن العبد إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت، فذلك قول اللّه تعالى:﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾)([46])

قلت: أريد توضحا أكثر لذلك.

قال: إن أردت تمثيلا واقعيا لذلك، فهو ما نعرفه في الواقع من تأثير الإدمان على الجسد، بحيث لا يملك صاحبه دفع آثاره، فالمدمن هو الذي أقبل على ما أدمن عليه باختياره، ولكنه نتيجة للمبالغة فيه وصل إلى حالة المتحكم فيه بعد أن كان متحكما في نفسه.

ثم التفت إلي، وقال: وأنت يا بني منذ نشأتك الباكرة، وأنت تتملذ على مثل تلك الأفكار التي تألمت لها فطرتك، وانتكست لها طبيعتك.

قلت: فما الحل الذي تراه لعودة فطرتي إلى أصالتها؟

قال: باللجوء إليه وحده.. فهو الذي بيده قلبك وعقلك وكلك.

قال: كيف ألجأ إليه، وأنا لا أؤمن به؟

قال: خاطبه بتواضع وأدب ومحبة، وقل له: يا مدبر هذا الوجود.. أنا عبدك الضعيف بين يديك.. فإن كنت موجودا ومدبرا لأمري، فخلص قلبي من كل ما يحول بيني وبينك.. واملأ قلبي بالإيمان.

رحت أكتب ما يقول.. ثم أردده كل حين.. وأنا في غاية الخشوع والخضوع.. فما أسرع ما بدأت أشعر أن يدا حانية تمتد إلى فطرتي، فتمسح كل آثار الران التي علقت بها.. وما هي إلا أيام معدودة حتى دخلت رحاب الإيمان من غير أن أحتاج إلى أي برهان.. فالله وحده تولى تعريفي بنفسه بعد أن خلصني من كبريائي وغروري، ومسح على فطرتي كل آثار الانتكاسة التي حصلت لها.

***

بعد مضي عشر سنوات عدت إلى بلدي، وهناك التقيت بالذي أرسلني إلى تلك البلدة، بعد أن أنهى عمله، وأحيل إلى التقاعد، وقد عجبت إذ رأيته بغير الصورة التي كنت أراها، فقد سلم علي، وسألني عني، وكان في أثناء حديثه معي يذكر الله كل حين.. فسألته عن ذلك.. وكيف يمكن لملحد أن يذكر الله؟.. فابتسم، وقال: لا تذكرني بتلك الأيام.. فقد كنا نعيش موضة قديمة.. أما الموضة الحالية، فهي موضة الإيمان.. لقد عاد للإيمان وجوده في هذه البلاد بعد أن استعملت كل الأساطيل لحربة.

قلت: لكن كيف ذلك؟

قال: النهر قد يجف.. والأرض قد تشح.. لكن ذلك لن يدون طويلا.. فالله بكرمه ينزل الغيث كل حين، ليعيد للحياة جمالها وبهاءها.. ولا جمال ولا بهاء للحياة من دون الله.

قلت: فهلا قصصت لي كيف عدت للإيمان؟

قال: في ذلك اليوم كنت فيه مع بعض الرفاق الذين يفخرون بإلحادهم نمتطي بعض الطائرات لنسير لبعض البلاد المسلمة لننشر بينها الإلحاد.. وكان معنا في الطائرة شيخ مسلم يحمل مسبحة، ويذكر الله كل حين.. وكنا نسخر منه.. لكن حصل أثناء تحليقنا ما جعلنا جميعا نجثو بين يديه ونطلب منه أن يفعل شيئا.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد أصاب الطائرة عطب شديد، وكادت تهوي بنا، وهناك تخلصنا من إلحادنا.. لقد صحنا جميعا نطلب النجدة من الله.. ثم لجأنا إلى الشيخ نطلب منه أن يدعو الله لنا.. لقد شعرنا حينها بأنه لا يمكن أن يغيثنا غير ربنا.. لقد عادت فطرتنا في ذلك الحين إلى وضعها الطبيعي، بعد أن نبهت ذلك التنبيه الشديد.

وعندما من الله علينا بالنجاة، راح بعض رفاقي يستمرون في حياتهم العادية، وكأنه لم يحصل شيء.. أما أنا فرحت أصحب الشيخ، وأتعلم منه الإيمان، ولم أحتج منه أي دليل، لأن ما حصل لي كان هو الدليل..

لقد أخبرني الشيخ حينها أن ذلك تنبيه من الله.. وأن الله بكرمه يستعمل كل الوسائل التي تغسل الران عن قلوب عباده.. وقرأ علي حينها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)﴾ [يونس: 22، 23]

برهان الصديقين:

بعد أن أنهى الرجل الأول حديثه، قام آخر، وقال: أظن أن الدور وصل إلي، وسأحدثكم ـ أنا العبد الفقير إلى الله ـ عن فضل الله علي بالهداية، وإخراجي من ظلمات الجهل والغواية، وكيف أنقذني ربي من جحيم الملاحدة.. ووضعني معكم معشر المنورين بنور الإيمان.

قالوا جميعا: يسرنا ذلك.. فهلم حدثنا بنعمة الله عليك.. فلا نعمة أفضل من معرفة الله.. ولا هدية أعظم من التواصل معه.

قال: لقد عشت فترة حياتي الدنيا في فترة سماها أهل القرون التالية [القرون الوسطى].. وكنت من مدرسة فلسفية ترى الكون ثابثا مستقرا منذ الأزل.. وترى أنه لا بداية له ولا نهاية.

 ولذلك لم تكن ترى حاجة لوجود إله.. فدور الإله منتف كما تذكر.. لأن دوره هو إخراج الوجود من العدم.. وما دام الوجود خارجا بنفسه، بل لم يسبق له عدم، فإن الحاجة للإله منتفية.

وقد أرسلني قومي حينها بكل ما يملكون من الأدلة لبلدة من بلاد المسلمين، كانت تمتلئ بالفلاسفة والحكماء، وذكروا لي أني إن استطعت إقناعهم، فسأكون قد قدمت خدمة كبيرة للحقيقة، وخلصتهم من كل الخرافات التي يدينون بها.

لكني ما إن ذهبت إليهم، وألقيت إليهم ببضاعتي، حتى ابتسموا، وقالوا: فلنفرض أن ما تقوله صحيح.. ولنفرض أن الكون قديم.. وأزلي.. ولا بداية له.. فهل يعني ذلك عدم وجود إله؟

قلت: أجل.. فإن كان الكون قديما وأزليا.. فما الضرورة لوجود إله؟

قال لي أحدهم، وهو يبتسم: نحن لا نحتاج في إثبات الإله إلى أي وسائط.. فالله يدل بنفسه على نفسه؟

قلت: ألا ترى أن ذلك دور.. فكيف يدل بنفسه على نفسه؟

قال: ليس في ذلك أي دور.. سأشرح لك المسألة بطرق مختلفة.. وسأخاطبك باعتبارك فيلسوفا.. فلدينا نحن أيضا الكثير من الفلاسفة.. وسأبدا لك بفيلسوف كبير عندنا نطلق عليه ابن سينا.

قلت: أعرفه جيدا.. إنه من كبار الفلاسفة الذين استفاد منهم قومي.

قال: لقد وضع هذا الفيلسوف الكبير برهانا حول هذا سماه [برهان الصديقين].. سماه بذلك لأنه لا يحتاج إلى أي وسائط.. ولذلك اعتبره أشرف البراهين.. لأنّ الأشياء والمخلوقات لم تأتِ فيه واسطة في الإثبات..

قلت: فكيف قرر هذا البرهان؟

قال: لقد انطلق فيه من ظاهرة متفق عليها بين البشر جميعا، وهي ظاهرة الإمكان.. فمن تعقّل معنى الإمكان، ونظر إلى هذا العالَم فسوف يراه موجودًا ممكنًا.. فكل ما فيه يدل على ذلك.. كل ما فيه يدل على أن الوجود ليس من ذاتيّاته.. وأنّه لذلك يحتاج إلى علة خارجية توفر له هذا الوجود.. وهكذا ننتقل إلى صفة أساسية من صفات موجِد هذا العالم، وهي صفة وجوب الوجود التي تعني ذاتية وجوده، وعدم إمكان تعقّله دون وجود.

قلت: هلا وضحت لي أكثر..

قال: لتفهم هذا البرهان تحتاج إلى التوغّل قليلاً وراء الظواهر الطبيعية والحيثيّات المحسوسة للأشياء.. فهذا - ورغم بداهته - لكنّ أذهاننا لم تعتد عليه.. فغالبًا ما نتعرّف إلى الأشياء بواسطة حيثياتها وخصائصها المحسوسة، ثم ننتقل إلى التعميم من خلال عملية انتزاع فكري نزيل فيها الحيثيات المفرّقة بين الأشياء، ونركّز على الحيثيات المشتركة.

ألست ترى أننا في بدء الأمر نتعرّف على الشخص بما له من حيثيّات خاصّة، كطوله وعرضه واسمه وعنوانه ونسبه وما شاكل ذلك.. لكنّنا لن نطلق عليه صفة الإنسانية إلا إذا قارناه بغيره من الأفراد الكثيرين، ولاحظنا جهة الاشتراك بينهم، وهي الناطقية والفكر والنمو والحركة، فنصل بعدها إلى معنى الإنسانية المشهور بين الفلاسفة وهو [الحيوان الناطق]

لكنّا ـ في هذا البرهان ـ نتجاوز مثل هذه الحركة الفكرية التحليلية، لندخل مباشرة إلى أصل وجود الأشياء.. وهذا يتطلّب المزيد من التعميم.. أي يتطلب الاستمرار في الحركة الفكرية السابقة لننظر إلى ما هو مشترك عام بين جميع الكائنات..

وعند النظر في ذلك المشترك نجد أنه الوجود.. أو هو ذوات الماهيّات بمعزل عن ماهيّاتها.. وعند التأمل في هذا المشترك الذي يجمع بينها، وهو الوجود نجد أنه ـ بحسب الواقع والتصوّر ـ غير واجب لها، بل هو ممكن..

فعند تعقلّنا للإنسان أو لماهية الشجر مثلاً، لا يخطر ببالنا ضرورة أن يكون مصداق الإنسانية أو الشجرية موجودا، بل نستطيع أن نتعقله دون أن نلتزم وجوده.. وهذا معنى الإمكان الذي هو من لوازم الماهيات..

قلت: أتعني أن الإمكان يعني تساوي نسبة الوجود والعدم في عملية التعقّل.. وأن الممكن هو الشيء الذي إذا تصوّرناه لا يوصلنا تصوّره إلى ضرورة أن يكون موجودا، ولا أن يكون معدوما.

قال: أجل.. ذلك صحيح.. ونحن أمام هذه الظاهرة التي نتعقّلها في كلّ العالم ومكوّناته، ونتفق عليها، يتبّين لنا أنّ إمكان العالم وإمكان أيّ موجود هو دليل واضح على وجوب وجود خالقه وعلته.. أو بعبارة أخرى: إن هذه الظاهرة الكونية هي أكبر دليل على ضرورة كون وجود العلّة الخالقة أمرًا حتميًا وواجبًا، ولهذا يوصف الخالق الأول بأنه واجب الوجود.

التفت إلي، وقال: أرى أنك ـ باعتبارك فيلسوفا ـ لن تحتاج إلى جهد كبير لفهم هذا التقرير المبسط.. ذلك أنه لا يعتمد إلا على التعقّل.. وكلّ من تمكّن ذهنه من هذا التجريد، سيجد سهولة للوصول إلى النتيجة من غير أي مقدمات.

قلت: في هذه الحالة لن تحتاجوا إلى إثبات حدوث العالم..

قال: لن نحتاج إلى أي شيء آخر.. فيكفي أن يكون العالم بكل تفاصيله ممكنا لنثبت افتقاره إلى صاحب الوجود الحقيقي.. إن مثل ذلك مثل الظل.. فيكفي أن يكون ظلا حتى نثبت أن هناك ذاتا تسببت في وجوده.. فيستحيل أن يكون الشيء ظلا من غير وجود ذات تسببت في ذلك.

***

التقيت بعدها حكيما آخر، قال لي ـ وقد رآني مزمعا إلى السفر إلى بلادي ـ: هلم إلي أحكي لك عن برهان الصديقين لتأخذه معك إلى قومك عساهم ينتفعوا به.

قلت: لقد سمعته من بعضكم.. ويكفيني ذلك.

قال: لا.. الفيلسوف لا يكتفي بالتقرير والتقريرين.. فهو لا يخاطب العقل والعقلين.. ولذلك اسمع من الجميع، فعسى أن تجد من التعابير ما يرفع عنك الحجب.

قلت: فهل لك تقرير يرتبط به تريد أن تفيدني إياه.

قال: أجل.. فمن كرم الضيافة أن تكرم الفلاسفة بما يغذي عقولهم بكل ألوان المقدمات، وبأجمل أصناف النتائج، في أجمل صحون التقريرات.

قلت: ولم حرصت على برهان الصديقين دون غيره من البراهين؟

قال: لأنني أحب أن أكون من الصديقين.. ولأني لا أحب أن أضع بين عقلي وبين الله أي واسطة.. ولذلك وجدت هذا البرهان أشرف الطرق لمعرفة الله تعالى، لأنه يعتمد منذ خطواته الأولى على حقيقة واجب الوجود، في حين تبدأ البراهين الأخرى من المخلوقات وتجعلها واسطة لإثبات وجود الله، والمخلوقات مشوبة بالعدم والنقص.. بالإضافة إلى ذلك وجدته أبسط البراهين وأسهلها.. بالإضافة إلى ذلك وجدت أنه البرهان الوحيد الذي يكفي لإثبات ذات الحق، وتوحيد الذات، ومعرفة صفات الحق، وتوحيد الصفات، ومعرفة أفعال الحق، وتوحيد الأفعال، خلافاً لكل لبراهين الأخرى.. بالإضافة إلى ذلك كله وجدت في بعض التقريرات أنني لا حاجة لي عند تقريره لإبطال الدور والتسلسل.

قلت: هل يمكن هذا.. هل يمكن أن تثبت وجود الله من غير حاجة لإبطال الدور والتسلسل؟

قال: أجل.. سأشرح لك ذلك بكل ما أستطيع من تفاصيل.. أنت تعلم أن البراهين التي تثبت وجود الله إما أن تجعل المخلوقات واسطة في الاستدلال، لتستعين بها في إثبات وجوده، وهي التي يطلق عليها البراهين الإنية.. وهي التي تسلك الطريق من المعلول إلى العلة.. وإما ألا تحتاج إلى ذلك.. وهي التي يطلق عليها البراهين اللميّة ([47]) .. وهي التي تصل إلى العلة بواسطة العلة ذاتها.. فلا تجعل من المخلوقات واسطة لإثبات وجود الله.. وإنما تصل إلى الله عن طريق حقيقة الوجود ومفهوم الوجود.. أو بعبارة أخرى تستدل بذات الحق على ذات الحق.

قلت: فهمت هذا.. ولكني أنتظر منك أن تشرح لي ما ذكرت من أن الاستيعاب الجيد لهذا البرهان، يجعلنا لا نحتاج لإبطال الدور والتسلسل.

قال: أجل.. أنت تدفعني الآن لأذكر لك تقريرا لهذا البرهان أورده بعض حكمائنا الكبار.. إنه من يطلق عليه [الملا صدرا] أو صدر المتألهين.. وهو صاحب [الحكمة المتعالية].. وقد أقام تقريره على أساس الأصول والقواعد التي تقوم عليها.. ولتفهم ما أورده سأذكر لك أربع قواعد يقوم عليها تقريره لهذا البرهان.

قلت: فما القاعدة الأولى؟

قال: القاعدة الأولى هي قوله بأصالة الوجود، واعتبارية الماهية.

قلت: ما يعني بذلك؟

قال: من خلال تأملنا في كل موجود في العالم الخارجي نجد أنه لا يملك أكثر من واقعية واحدة.. أي أن الذهن هو الذي ينتزع مفهومي الوجود والماهية من الموجود.

قلت: هلا وضحت لي ذلك.

قال: أنت ترى ـ مثلا ـ إنساناً معيناً، أو شجرة معينة ليس لهما مسميان خارجيان.. اسم أحدهما الوجود.. واسم الآخر الماهية.. ولكننا وبالتحليل الذهني نرى أن ماهية أي شيء وخصوصيته تختلف عن أصل وجوده.. فماهية الشخص أو الشجرة تأتي إلى الذهن كما هي عليه في الخارج، لكن وجوده مختلف ما بين الخارج والذهن، فهو في الخارج غيره في الذهن.. وإذ لم يكن هناك وجود، فلا يمكن أن تتحقق أي ماهية للمخلوقات.. فالوجود هو الذي يخرج ماهية الشجرة أو الإنسان من مرحلة العدم إلى ساحة الوجود، وإلا فإن ماهية الأشياء ليس لها أي نوع تعلق في أن تكون أو لا تكون.. لأنها ـ أي الماهية ـ من حيث هي ليست إلا هي لا موجودة ولا معدومة.. وكون الشيء لا يتحقق إلا بالوجود، وبانتزاع الوجود منه يصير إلى العدم والفناء، يدل عن كون الماهية ليست أصيلة.. بل الأصيل هو الوجود.

قلت: وعيت هذا.. فما القاعدة الثانية؟

قال: القاعدة الثانية هي أن [الوجود مفهوم مشكك]

قلت: ما تعني بذلك؟

قال: عند التأمل في الوجود نفسه نجد أنه حقيقة واحدة.. ولكن مع ذلك لها مراتب في الشدة والضعف.. فجميع الموجودات ابتداءً من واجب الوجود وحتى المادة الأولى التي تشكل منها الكون تتمتع بهذه الحقيقة بحسب مرتبتها.. أي أن الجميع يشترك في سنخ الوجود، ولكن التمايز يكون بالمرتبة.

قلت: وعيت هذا فما القاعدة الثالثة؟

قال: القاعدة الثالثة هي [بساطة الوجود]

قلت: فما تعني؟

قال: عند التأمل في الوجود نفسه نجد أنه حقيقة بسيطة، فليس له جزء، ولا هو جزء لشيءٍ آخر.. لأنه لا يوجد شيء غير الوجود.

قلت: هذا صحيح.. وهي حقيقة بديهية.. فما القاعدة الرابعة؟

قال: القاعدة الرابعة هي [المعلول هو عين الربط والحاجة للعلة]

قلت: فما تعني؟

قال: عند التأمل في علاقة المعلول بالعلة نجد أنها علاقة الفقر.. وبما أن المعلول يأخذ كامل وجوده وهويته من العلة، فإن وجوده وجود ربطي، وليس له أي وجود بدون العلة.. وبذلك يكون ارتباطه بالعلة ارتباطا مطلقا، ولا يمكن أن ننتظر من ذات المعلول إلا المحدودية والاحتياج والفقر.

قلت: وعيت هذا.. فكيف قرر الملا صدرا هذا البرهان بناء على هذه القواعد؟

قال: لقد ذكر أنه ما دام الوجود حقيقة عينية واحدة بسيطة لا اختلاف بين أفرادها لذاتها إلا بالكمال والنقص، والشدة والضعف، ونحو ذلك.. فإن الوجود إذن إما أن يكون مستغنيا عن غيره، وإما مفتقرا لذاته إلى غيره.

قلت: هذا تقسيم صحيح.

قال: أما الأول، وهو المستغني عن غيره، فهو واجب الوجود.. وهو صرف الوجود الذي لا أتم منه، ولا يشوبه عدم ولا نقص.. وأما الثاني، فهو ما سواه من أفعاله وآثاره، ولا قوام لما سواه إلا بواجب الوجود.

***

بعد أن فارقت تلميذ الملا صدرا.. التقيت حكيما آخر، قال لي: تعالى أقرر لك هذا البرهان على منهج [التّقدّم والتّأخّر بين العلّة والمعلول].. وهو منهج استعمله بعض فلاسفتنا، ويدعى [أبو نصر الفارابي]، وقد أقامه ليثبت امتناع تسلسل العلل.. وهو يدل أيضا على إثبات واجب الوجود.

قلت: فكيف برهن على ذلك؟

قال: من المتفق عليه بين العقلاء أن العلّة ذات تقدّم وجودي على المعلول.. لا تقدّمًا زمانيًا.. فالمعلول رغم اقترانه مع العلّة، ليس له تقدّم وتأخّر من هذه الناحية في البين، لكنّه لاحق للعلّة في المرتبة والمرحلة.. وهو ـ بالإضافة إلى ذلك ـ مشروط بوجود العلّة، خلافاً للعلّة فإنها ليست مشروطة بوجود المعلول.. ولذلك يصح أن نقول: (ما لم تتوفر العلة على الوجود فهو لا يتوفّر على الوجود).. ولكن لا يصح أن نقول بشأن العلّة (ما لم يتوفّر المعلول على الوجود فهي لا تتوفّر على الوجوب)

قلت: فهلا وضحت لي هذا.

قال: سأضرب لك مثالا على ذلك يقربه لك.. أرأيت لو أن مجموعة من الجنود تريد القيام بعمل، كالهجوم على العدو مثلاً، لكن أياً من أفراد هذه الجماعة غير مستعد لأن يكون هو المتقدّم في عملية الهجوم، بل غير مستعد لأن يكون في خط واحد مع الآخرين.. فإذا ذهبنا إلى الفرد الثاني يقول ما قاله الأول بالنسبة إلى الثالث.. والثالث يقول ذلك بالنسبة إلى الرابع وهكذا.. فلا نجد فرداً واحداً يوافق على الهجوم بلا شرط، فهل يمكن في مثل هذه الحال أن يحصل الهجوم؟

قلت: لاشك أنه لن يحصل.. لأنّ كل الهجومات مشروطة بهجوم واحد، وليس لدينا هجوم غير مشروط.. والهجومات المشروطة التي تشكلّ سلسلة لا تتوفّر على الوجود من دون تحقّق الشرط، مما يعني عدم وقوع أي هجوم.

قال: فهكذا إذا فرضنا سلسلة غير متناهية من العلل والمعلولات، فبحكم كونها بكلّ آحادها ممكنة الوجود، فسوف يكون وجود كل واحد من هذه السلسلة مشروطاً بوجود الآخر، وهذا الآخر بدوره مشروط بفرد آخر، وجميع آحاد هذه السلسلة كأنها تقول: (ما لم يتوفّر فرد آخر على الوجود فسوف لا أتوفّر على الوجود).. وحيث إنّ لسان الحال هذا هو لسان حال الجميع بلا استثناء، إذاً فجميع هذه الأفراد مشروطة بشرط لا وجود له، إذاً فسوف لا يتوفّر أيّ منها على الوجود.

لكن بما أن هناك موجودات قائمة في عالم الوجود.. إذاً فمن المحتّم وجود واجب بالذات، وعلّة غير معلولة، وشرط غير مشروط في نظام الوجود، حيث كان هو الذي أوجد سائر الموجودات الأخرى.

***

بعد أن فارقت تلميذ الفارابي، التقيت فيلسوفا آخر يقال له [العلامة الطباطبائي] قال لي([48]): بما أنه لا يوجد لدينا أدنى شك في واقعية الوجود، ولا في ثبوته.. فهي واقعية لا تقبل النفي ولا الفناء عند العقلاء ما عدا السفسطائية..

قلت: الحمد لله.. أنا لست سفسطائيا، وأنا مقر بواقعية الوجود، وأنها واقعية دون قيد أو شرط.

قال: بما أنك صرحت بذلك.. فإن عليك أيضا أن تصرح أن هذا العالم وأجزاءه ليس كذلك، فهو يقبل النفي.

قلت: أصرح بذلك أيضا.. فهو ليس لازم الوجود.

قال: إن هذا يدعوك لأن تصرح أيضا بأن هذا العالم ـ ما دام موجودا ـ فهو يستند إلى واقعية لا تقبل النفي، وبوجودها تكون له واقعية، ولو لم تكن هذه الواقعية موجودة لما وجد هذا العالم وأجزاؤه.

سكت، فقال: لا يصح أن تفهمني خطأ.. فتعتبر أن هذه الواقعية متحدة مع الأشياء أو أنها تحل فيها، أو أن أجزاءً من هذه الواقعية قد انفصلت واتصلت بالأشياء.. إنها فقط مثل النور الذي تصبح به الأجسام المظلمة أجساماً مضيئة، ومن دونه تبقى مظلمة.

قلت: وعيت هذا.. أنت تريد أن تصل بي إلى أن أصل الواقعية الواجب الأزلي، وبذلك تكون الواقعيات القابلة للزوال والموجودات المحدودة مرتبطة بهذه الواقعية غير القابلة للزوال ومعتمدة عليها.

قال: ذلك صحيح.. فتأمل فيه.. ودع عنك تلك الوسائط الممتلئة بالشبهات، والتي حجبتك عن الوصول للحقيقة.. فـ (شتان بين من يستدل به، أو يستدل عليه، المستدل به عرف الحق لأهله، فأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه، ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه)

***

بعد أن قال لي هذا انزاحت الكثير من الشبهات.. وامتلأت بالكثير من الأنوار لكني لم أتخلص كليا من دين قومي إلا وأنا سائر إلى بلدي، حيث تهت في الصحراء، لولا أن من الله علي ببعض أهل البادية ممن أنقذ جسدي، وأنقذ إيماني أيضا.. فقد رأيته يقوم في منتصف الليل إلى وضوئه، ثم إلى صلاته، ثم إلى دعائه ومناجاته لربه.. وكان مما سمعته منه.. ودخل قلبي من دون استئذان قوله ـ وهو يناجي ربه ـ : (إلهي، كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك.. أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك.. متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك.. ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك!!)

عندما قال هذا اغرورقت عياني بالدموع، وأسرعت إليه، أسأله عن ربه، فقال لي: ربي معي.. يسكن في قلبي.. وفي كل لطيفة من لطائفي.. ولا حياة لي من دونه.

قال: ولكني أراه محجوبا عن خلقه.

قال: أنت الذي حجبت نفسك عنه.. وإلا فإنه أعظم من أن يحجبه شيء.. فكيف يتصور أن يحجبه شئ، وهو الذي أظهر كل شئ.. وكيف يتصور أن يحجبه شئ، وهو الذي ظهر بكل شئ.. وكيف يتصور أن يحجبه شئ، وهو الذي ظهر في كل شئ.. وكيف يتصور أن يحجبه شئ، وهو الظاهر قبل وجود كل شئ.. وكيف يتصور أن يحجبه شئ، وهو أظهر من كل شئ.. وكيف يتصور أن يحجبه شئ، وهو الواحد الذي ليس معه شئ.. وكيف يتصور أن يحجبه شئ، وهو أقرب إليك من كل شئ.. وكيف يتصور أن يحجبه شئ، ولولاه ما كان وجود شئ.

 عندما سمعت هذا منه، لم أجد إلا أن أترك متاعي وكل شيء لي، وأعيش في صحبته في تلك البادية، ننقذ التائهين، ونرشد الغافلين إلى أن الله من علي بالجلوس إليكم، وصحبتكم في هذه الروضة المباركة.

البرهان الوجودي:

بعد أن أنهى الرجل الثاني حديثه، قام ثالث، وقال: الدور دوري بلا شك، فليس بعد برهان الصديقين إلا البرهان الوجودي([49]).. وأنا لي علاقة كبيرة به، وبأصحابه بدءا من الراهب أنسلم، وانتهاء بالفيلسوف الكبير ديكارت..

ولهذا يشرفني أن أحدثكم ـ أنا العبد الفقير إلى الله ـ عن فضل الله علي بالهداية بسبب هذا البرهان العظيم.. فبه أخرجني الله من ظلمات الجهل والغواية، وبه أنقذني من جحيم الملاحدة.. ووضعني معكم معشر المنورين بنور الإيمان.

قالوا جميعا: يسرنا ذلك.. فهلم حدثنا بنعمة الله عليك.. فلا نعمة أفضل من معرفة الله.. ولا هدية أعظم من التواصل معه.

قال: اسمحوا لي قبل أن أحدثكم عن أسباب فضل الله علي بالهداية، وعلى البرهان الذي جذبني الله به إليه، أن أذكر لكم فضل أستاذي [رينيه ديكارت] ذلك الذي يطلق عليه [مؤسس الفلسفة الحديثة].. فقد كانت فلسفته هي السبب الذي توافق مع عقلي وطبعي، فجعلني أتحول من الإلحاد إلى الإيمان، ومن السفسطة والجدل العقيم إلى التحقيق والعلم المنير.

لقد كانت فلسفته فلسفة جديدة بالفعل.. فقد طرح أفكاره بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي طرحت بها الفلسفة طوال عشرة قرون من قبله.. أقصد الفلسفة المدرسية المعروفة.. فلسفة أفلاطون وأرسطو اللتين سادتا التفكير الفلسفي في أوربا أيام العصر الوسيط.

والذي جعلني أميل إلى فلسفته خصوصا هو أنها ليست مجرد تأملات خالصة أو أفكار عقيمة.. وإنما كانت ذات مردودات عملية تتعلق بجميع جوانب الحياة.

ومن أهم تلك الجوانب التي أفادتني كثيرا، بل أنقذتني من الإلحاد والسفسطة كما ذكرت لكم أسلوبه الجديد الذي وضعه للوصول إلى المعرفة، وخاصة المعرفة الإلهية.. حيث كان السائد في العصور السابقة، وخاصة في الفلسفة اليونانية أن معرفة الله لا تكون إلا عن طريق الكون.. ثم بعدها يسمو الإنسان بفكره إلى أن يصل إلى وجود الله.

لكن ديكارت خالف هذه النظرة، وطرح فكرة بديلة، وهي الوصول إلى الله تعالى أولا، ثم الوصول إلى كونه.. أي أنه فعل مثلما فعل فلاسفة برهان الصديقين من الدعوة إلى أن تبدأ المعرفة من الأعلى والأشرف إلى الأدنى.. أو كما أشار إلى ذلك وبعده قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]

فقد أشارت الآية الكريمة إلى كل أنواع البراهين: سواء تلك التي يبدأ فيها الباحث من الأدنى إلى الأعلى عبر البحث في الآفاق والأنفس.. أو عبر البدء من الأعلى إلى الأدنى، وهو شهادة الله على الكائنات، أو للكائنات.. أي أنه هو الشاهد على وجودها، فلولا وجوده ما كان وجودها.

طبعا لم يكن ديكارت وحده صاحب هذا التوجه في الفلسفة الأوروبية، وإنما كان ممثلا لسلسلة من أصحاب التوجه التأملي العرفاني الذي بدأ بالقديس أوغسطين، وانتهى به.. مثله مثل هذا التوجه عند المسلمين، والذي اختلف فيه أصحاب التوجه العرفاني الصوفي عن التوجه العقلي الفلسفي.. وإن اتفق الجميع على الله.. ولم تختلف إلا مسالكهم في الوصول إليه.

وهكذا عندما كنت في أوروبا في ذلك الزمان كان هناك تياران كلاهما يحاول أن يواجه الإلحاد كل بأسلوبه الخاص:

أما التيار الأول، فتمثل في التوجه الأكويني المنتسب لـ [توماس الأكويني] الذي بنى براهينه على أساس اثنينية العقل والله متأثرا بأفكار أرسطو، وبطروحات الفيلسوف ابن رشد وأتباعه.. وهو ما يهتم به أصحاب روضة [البراهين القاطعة] الذين يرحلون من الكون إلى المكون.

أما التيار الثاني، فهو التوجه الأغوسطيني الإيماني الذي بنى براهينه على أساس اثنينية النفس والله، وقد تأثر أيضا بالأفكار الصوفية الإسلامية، والذين يدعون دوما إلى البدء في الرحلة من الله للوصول إلى أكوانه.. بل ربما يكون تأثر بالطرح القرآني نفسه، والذي يعتبر الله حقيقة بديهية لا تحتاج إلى أي براهين تدل عليها، فالله تعالى يخبر عن منهج دعوة الرسل لأقوامهم، فيقول: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: 10]

بل إن القرآن الكريم يذكر أن وجود الله حقيقة نفسية موجودة حتى في نفوس الملاحدة أنفسهم، وأن سبب عدم اعترافهم بها هو كبرهم وجحودهم، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14].. ولذلك كان كفرهم هو كفر نفسي، قبل أن يكون كفرا عقليا.. أي أنهم كفروا بحقائق آمنت بها أنفسهم، ودلت عليها فطرهم، لكنهم لكبرهم جحدوها.

***

سكت قليلا، ثم قال([50]): لقد كان من أبرز أعلام هذه المدرسة، وربما يكون ديكارت من المتأثرين به والمتتلمذين على يديه الفيلسوف والمتأله [أنسيلم]، والذي تحول في ذلك العصر إلى أفضل ممثل للتوجه الأغوسطيني المؤسس على الإيمان والعرفان.. وميزته أنه حاول أن يكون حلقة وصل بين الأغوسطينية والتوماوية، أو بين الإشراق الداخلي والتأمل العقلي.. وهذا ما جعلني أنجذب إليه.. كما أنجذب إلى ديكارت من بعده.

فقد قدم هذا الفيلسوف في كتابه الموسوم بـ [بروسلجيون]، نفسه على أنه الساعي لـ (إيجاد حجة دامغة لا بد أن تكفي – وحدها – في البرهنة على أن الله موجود حقا، وأنه الخير الأسمى، وأنه غني عن العالمين، وأن جميع الخلق يحتاجون إليه في وجودهم وفي سعادتهم، وفي البرهنة على كل ما نعتقده في الجوهر الإلهي)([51])

وبناء على ذلك خاطب أنسليم نفوس كل أولئك المتشككين أو المترددين أو الملاحدة، بأساليب مختلفة، ولغات متعددة، لينال كل واحد منهم حظه من المعرفة، بحسب طبيعته ومرتبته وتجرده..

ومن خطاباته التي لا أزال أذكرها قوله لهم: عودوا إلى أنفسكم.. وفي ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات: 21].. وسترون أن اسم الله مكتوب على صحائفها، وفي صفحاتها.. ذلك أنه حتى الأحمق لا يتصور في ذهنه أن هناك موجود أعظم من الله.. فما لا نستطيع أن نتصور أعظم منه في الذهن هو كذلك في الواقع وإلا لزم الدور في تصور عظمة سواه.. وذلك أن رسوخية ثبوت وجود الله وصلت حد عدم الاستطاعة على تصور عدم وجوده.

وكان يقول لهم: إنكم مهما تصورتم ـ أيها الناس ـ من كائن ممكن الوجود على أنه أكبر شيء، فسوف تجدون بأنه ليس ذلك الكائن الأكبر، لأنه ليس بوجود حقيقي.. ولهذا السبب يجب على الكائن ذي الكمال المطلق أن يحتوي في وجوده، إلى جانب الكمالات الأخرى، الوجود الواقعي الكامل.. فالوجود الحقيقي هو المكون الماهوي لهذا الكائن اللامتناهي، بخلاف باقي الموجودات الممكنة والتي لا تمتلك هكذا ماهية.

وكان يقول لهم: إذا كان الله إلها، فإن الله موجود فالوجود الإلهي كفيل للقول بوجود الله.

وكان يقول لهم: البرهان على وجود الله لا يبدأ من الوجود، بل من فكرة الله نفسها.. ولما كان الله هو ما لا يتصور أعظم منه.. أي الموجود الكامل، وكأن الوجود أحد هذه الكمالات، فالله موجود.. فالموجود الكامل لا يوجد فقط في الذهن، بل أيضا في الواقع وإلا كان مجرد تصور، ولا فرق في ذلك بين المؤمن وغير المؤمن، فهو دليل طبيعي مفطور عليه الإنسان.

وكان يقول لهم: إن الكائن الذي يكون عدم وجوده ممكنا هو أقل كمالا من الوجود الذي يكون فيه عدم الوجود مستحيلا.. ذلك أن اعتقاد عدم وجود موجود يظل منقصة في الموجود لأنه من المتيسر تصور عدم وجوده، أما الموجود الذي لا يتيسر تصور عدم وجوده فهو أكمل من سابقه، لانتفاء هذه المنقصة فيه.

وكان يقول لهم: إن الكائن الذي يوجد بالضرورة، والذي لا يمكن تمييزه عن وجوده هو أكثر كمالا من الكائن الذي يكون وجوده غير مهم، بمعنى أن وجوده أو عدم وجوده سيان.

وكان يقول لهم([52]): إن الموجود الذي لا يمكن تصور شيء أعظم منه لا يمكن أن يوجد في العقل وحده، وبالفعل، حتى إذا كان موجودا في العقل وحده، فمن الممكن أن نتصور موجودا مثله له وجود في الواقع أيضا، وهو بالتالي أعظم منه، وعليه، إذا كان موجودا في العقل وحده، فإن الموجود الذي لا يمكن تصور شيء أعظم منه سيكون من طبيعة تستلزم أن يكون بالإمكان تصور شيء أعظم منه.

جاءه في ذلك اليوم أحدهم، وقال: أرى أنك تتكلم كلاما غريبا، لا دلالة له، فهلا وضحته لي، ولهؤلاء الذين يحيطون بك.

قال أنسلم: أجبني.. هل يمكن أن تتصوَّر أي شيء في الذّهن مهما كان عظيما؟

قال الرجل: نعم.. يمكنني ذلك.

قال أنسلم: فهل يمكن أن تتصوَّر ما هو أعظم من ذلك الشَّيء الّذي ورد في خيالك؟

قال الرجل: نعم، يمكن تصوّر شيء أعظم من ذلك.

قال أنسلم: فلنسمِّ هذا الأعظم الذي لا أعظم منه [الله].. أترى أن هذا خاص بك، أم يشمل جميع الناس؟

قال الرجل: بل جميع الناس يستوون في هذا.. حتى الأحمق يمكنه أن يتصوَّر هذا الشَّيء الأعظم في ذهنه؟

قال أنسلم: فهل هذا الشيء الّذي يتصوره الجميع.. المؤمن وغير المؤمن.. موجود في الذهن فقط أم موجود في الذهن، وفي الواقع؟

قال الرجل: ربّما يكون موجودا في الذهن فقط.

قال أنسلم: ألا ترى أننا حين نذكر أنَّ هذا الأعظم موجود في الذّهن فقط نكون قد حقرناه، ولم نعطه أي قيمة، بل إن أي موجود مهما كان حقيرا يصبح أعظم منه.. وبالتّالي فإنَّ هذا الأعظم لا يبقى عظيمًا.

قال الرجل: هذا صحيح...

قال أنسلم: فإذن ليكون هذا الأعظم عظيمًا ينبغي أن يكون موجودًا في الذّهن وفي الواقع.

قال الرجل: نعم، بكلّ تأكيد.

قال أنسلم: إذن، مادمنا نستطيع تصوُّر هذا الموجود الأعظم، والّذي هو الله، فإنَّ هذا يعني أن الله موجود في الذّهن وفي الواقع.

***

أذكر أن الكثير في ذلك الزمان أعجبوا بهذا البرهان، واستفادوا منه، وتخلصوا من كثير من الشبه التي كانت تعرض لهم جراء البراهين الأخرى.. لكن آخرين راحوا يعترضون عليه، ويسخرون منه حتى من الرهبان أنفسهم.. لكنه كان لا يأبه لهم.. لأن حديثه لم يكن معهم، وإنما كان مع المتجردين.. ولهذا كان يقول لهم، ولراهب مارموتيو خصوصا، والذي اعترض عليه كثيرا: لا تعترض علي.. فلكل قوم مشربهم.. ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: 7].. و﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

وأذكر في ذلك الحين أن ذلك الراهب كتب كتابا حاوره فيه على لسان شخص غير مؤمن بوجود خالق للكون قال له فيه: يلزم من برهانك هذا أن مجرد التصور لشيء ما يستلزم وجوده الخارجي.. وبناء على قولك هذا توجد [الجزيرة المثلى].. ولو أن الجزيرة المثلى لم توجد، فإن ذلك سوف يتناقض مع كونها مثلى.. وعليه فإنها وغيرها مما نعتبرها مثاليًا، يجب وجوده.. وهذا أمر غير منطقي؛ لأن الجزيرة المثلى لا توجد بالفعل.. وإذا كانت البراهين الموازية للبرهان الأصلي غير منطقية فالأخير يكون غير منطقي كذلك.

وقد كتب له أنسلم ردًا يقول له فيه: أنت لم تع برهاني.. ففرق كبير بين الوجود الواجب، والوجود الممكن.. أما الجزيرة التي ذكرتها ورحت تشنع بها علي فهي ممكنة، ووجودها ممكن؛ لأنه يفتقر إلى وجود البحر والأرض، والجزر نفسها لا يلزم وجودها، فهو إذن وجود غير واجب.. فكيف تبطل ما ذكرت بما ذكرت.. وكيف تبطل بالممكن الواجب.

***

سكت قليلا، ثم قال: هذا بعض ما سمعته من الراهب أنسلم.. أما ديكارت.. وهو أستاذي الأكبر.. فقد سمعت منه الكثير.. دعوني قبل أن أحدثكم عن برهانه الذي لا يختلف كثيرا عن برهان أنسلم أن أذكر لكم قيمة هذا الرجل، مقارنة بأولئك الفلاسفة الجاحدين([53]).

ذلك أني رأيت الكثير من الفلاسفة والمسلمين منهم خصوصا يهتمون بكانت الألماني، أكثر من اهتمامهم بديكارت الفرنسي.. مع أن فلسفة كانت كانت من أبرز أسباب التيه في فهم موقف الدين من العقل والعلم.. ففلسفة كانت ـ كما تعلمون ـ كانت تهدف إلى إبعاد العلم والعقل النظري من المسائل الدينية بخلاف فلسفة ديكارت.

وللأسف فقد كانوا يسيئون أيضا إلى فلسفة ديكارت حينما يسمونها فلسفة الشك، وحين يعتبرون ديكارت زعيم الشاكين، والمشككين للناس في الله.. وهذا خطأ جسيم، فديكارت كان في طليعة المؤمنين بالله، الموقنين إيقاناً يجعله أساس العلم وأصله ومنبعه.

أما مسألة الشك الشائعة عنه، فإن ديكارت ـ على حسب ما عرفته من خلال فلسفته، ومن خلال صحبتي له ـ لم يضعها لإثارة الشك في كل شيء، وإنما وضعها لهدم صرح الشك، الذي كان الحسبانيون قد أسسوه في قلوب الناس.

فقد كان العصر الذي يعيش فيه.. وهو بداية عصر التنوير قد امتحن بتسلط الحسبانية المتوارثة من الفلسفة اليونانية عليه، وعلى أفكار الفلاسفة الغربيين، ولاسيما المسيحيين منهم، فكان ديكارت ـ بمنهجه وفلسفته ـ أول من دك دعائم الشك في الغرب، وأبعده عن الفلسفة.

وكان من دلائل ذكائه وعبقريته أنه جعل الشك نفسه يهدم الشك.. ولذلك قال مخاطبا المشككين: إني أشك، فأدرك.. لأن الشك نوع من الإدراك، أي أنه إدراك متردد بين الإيجاب والسلب.. ثم أدرك من هذا أني موجود.. ولو لم أكن موجوداً لانتفى شكي، وإدراكي المندمج فيه بانتفائي، مع أني قلت لكم: إني أشك، وأنتم معاشر الريبيين صدقتموني في قولي هذا.

وبهذه المقولة وضع ديكارت أساس العلم تجاه داء الشك المزمن، مستخلصاً دواءه من نفس الداء، وحصل على أول يقين من إدراك الإنسان وجود نفسه.

لقد قال معبرا عن ذلك: إن قضية [أدرك فأنا إذن موجودٌ]، حقيقة بديهية.

وبذلك يخطئ من يظن أن ديكارت كان يدعو إلى الشك في كل شيء، بل إنه هو الذي استخرج -حتى من الشك- حقيقة متحققة.. وهو الفيلسوف الوحيد بين فلاسفة الغرب الذي ألغى ثنائية العقل والإيمان المنتقلة من فلسفة القرون الوسطى، والتي تأثرت بها المسيحية، فأدخلت الإيمان في نظرية اليقين ركناً جديداً؛ بحجة أن العقل لا يتخلص من الحسبانية في اكتساب اليقين، فيحتاج إلى دعمه بالإيمان المبني على الإرادة.. ولم يكن ذلك سوى توهيناً للعقل، أكثر من دعم له، لاتهامه بالعجز، وتفضيل قوة الإيمان على قوته.

وأنتم تعلمون السبب الذي جعل رجال الدين المسيحي يتوجهون هذا التوجه، فهو ليس حرصا على الإيمان بوجود الله، ولا حرصا على كمالاته، لأن العقل يؤيد هذين الأمرين جميعا.. ولكن دفعوا لذلك لعجزهم عن إثبات تلك الإضافات التي أضافوها للإيمان بالله، والتي عجزت العقول عن تعقلها أو تصورها.

 لقد قال [بول زانه] يذكر ذلك: (يُفهم أن القرون الوسطى، لم توفق في علمها، ولم تستطع تأليف العقل بالإيمان، فسعى لتغليب الثاني على الأول)

ولهذا، فإن ديكارت عندما جاء في ذلك العصر راح يلغي ثنائية العقل والإيمان، باطراح الإيمان، وإعادة حقوق العقل إليه، وتخليصه من الحسبانية، وقضائه على الشك، بسلاحٍ مأخوذٍ من الشك نفسه.

وليس معنى إشادتي بطرحه للإيمان، أنه فعل ذلك مطلقاً، كما قد يتوهم، وإنما طرح اعتباره ركناً في نظرية اليقين، وسنداً للعقل في إدراك الحقائق؛ فليس العقل عنده تابعاً للإيمان، بل الإيمان تابع للعقل.

لقد عبر عن ذلك بقوله:(إن قضية [أدرك فأنا إذن موجودٌ] حقيقةٌ بديهية، وهذه الحقيقة لا تسقط في أي زمان بساحة الذاكرة، ولا تزال غير فاقدة لبداهتها حتى تصل إلى الله؛ فإذا وصلت إليه تُيقِّن أن العقل أنشئ لفهم الحقيقة، ويتضمن هذا اليقينَ المقدماتُ المستخدمة في إثبات وجود الله أيضاً)([54])

وهو يقصد بذلك أنه يشك في كل ما ليس بمبرهن عليه، ولا يُقبَل، ما عدا الظاهر بذاته، أو بغيره، أو تدل الأدلة والبراهين عليه..

وقد مارس بذلك ما مارسه جميع المؤمنين الذي قد ينطلقون من الشك، ليحققوا الإيمان، فالخروج من الإيمان الوراثي يستدعي طرح تساؤلات تشكيكية ليصل صاحبها بعدها إلى بحر الحقيقة الذي لا ساحل له.. ولذلك يحتاج إلى أن يبحر في زورق صحيح من البراهين العقلية، ليتمكن من الاستمرار في الطريق.

لقد فعل ذلك الكثير من الفلاسفة والمفكرين، ومنهم [طوماس في سوم أولوزيك] الذي بدأ أبحاثه الإلهية بطرح هذا السؤال: (هل الله موجود؟ )، ثم راح يجيب عليه بقوله: (و ليكن جوابنا بالنفي).. ثم راح يورد الاعتراضات العقلية على ذلك النفي إلى أن أثبت الوجود.

***

والميزة الثانية التي جعلت من أستاذي الكبير ديكارت أستاذا للإيمان كما أنه أستاذ في الفلسفة هو اعتباره لموجودية الإدراك الأساس الذي ينطلق منه اكتشاف الحقائق.

قد عبر عن ذلك بقوله: (مهما كان ترتيب المعاني، الذي يراد تقريره في الفلسفة، فالشيء الذي يبقى حقيقة دائماً، هو الشعور؛ فقد أشك في وجود الأجسام، وقد أشك في وجود الله، وفي الحقائق الرياضية؛ لكن لا أشك أصلاً في وجود شعوري، لأن شكي في وجود شعوري، شعورٌ أيضاً؛ والحال أن شعوري، أي شكي معناه أني موجودٌ، فإن من لا يوجد، لا يشكُّ أيضاً؛ وبناءً عليه، فأنا مدرك، شاعرٌ، موجودٌ، من حيثُ أني مدركٌ، إن لم أكن موجوداً بأي حيثية)

وبناء على هذا لم يستعمل ديكارت الأدلة الطبيعية.. لا الدليل الكياني.. ولا دليل العلة الغائية.. الذي استعمله سائر الفلاسفة.. لأنه رأى أن وجودَ الكائنات المادية يحتاج أولا إلى إثبات وجودها إلى وجود الله؛ والذي لا يحتاج في إثبات وجوده إلى وجود الله، إنما هو وجود نفسه، فلا دور.. فوجود نفسه، المستفاد من إدراكه، هو الحقيقة الأولى الثابتة، ثم يترتب عليه وجود الله، ثم يترتب عليه ثبوت وجود العالم.

ففلسفة ديكارت بهذا تمتاز بكونه أثبت وجود الله، قبل إثبات وجود العالم المادي، واستدل عليه من وجود نفسه الناطقة، ووجود شعوره، وتمتاز أيضاً بكونه بنى حقية وجود العالم على صدوقية الله.

لعل كل ذلك.. وكل تلك المعاني السامية التي أشار إليها ديكارت متضمنة في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: 23]، فقد أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن أحقية ربوبية الله للكون بدليل شعوري نفسي وهو النطق.. فكما أن الإنسان يشعر بنطقه، ولا يجادله أحد في وجوده، فإن ذلك الشعور لابد أن يكون أداته ووسيلته للوصول إلى الحق.

***

بناء على هذا، راح ديكارت مثله مثل أنسلم والقديس أوغسطين وغيرهما من الفلاسفة والباحثين عن الله يخاطبون زمر المشككين واللاأدريين والملاحدة بقوله: إذا قلت الله، فإني أفهم منه جوهراً أزلياًّ غير متناهٍ، ولا قابلٍ للتغير، عليماً، قديراً، أوجدني وسائر الأشياء على تقدير ثبوتها.. فمن أين يأتيني هذا المفهوم؟.. ومن حيث أنه معنى من المعاني، يلزم أن يوضح منشأه؟.. وهب أني لكوني جوهراً، أتصور في نفسي جوهراً غيري، ولكني جوهرٌ متناهٍ؛ فكيف أتصور جوهراً غير متناهٍ؟.. ألا يكفي هذا للدلالة على وجود الله؟

وكان يقول ـ مخاطبا علماء الرياضيات والهندسة ([55]) ـ : من الحقائق ما هو ضروريٌّ أزلي، وتلك الحقائق لا تخرج من أن تكون حقاًّ، ولو لم يوجد شيءٌ من الأشياء، التي تعمل فيها، مثلاً إن زوايا المثلث مساوية لقائمتين، فلا تحتاج هذه الحقيقة في أن تكون حقاًّ، إلى تحقق أي مثلث في الواقع، ولا تحتاج أيضاً إلى وجود الذهن الإنساني ليعلمها، فهي حقٌّ، ولو لم يوجد إنسان في الدنيا، وإذا لم يكن لها أي توقف على العالم، ولا على الروح الإنسانية، لزم أن تكون مربوطة بوجود آخر.

وكان يقول مخاطبا لهم: إن وجود الله يقيني، أكثر من يقينية الدعاوى الهندسية، والقوانين الرياضية، لأن تلك الدعاوى، وتلك القوانين التي لا تحتاج في كونها حقاًّ، ثابتةٌ إلى وجود ما تنطبق عليه من الكائنات في العالم، ولا في أذهان من يتصورونها من علماء البشر الرياضيين.

وكانوا يقول مخاطبا الذين لم يستسيغوا رفض التسلسل، ولم تقنعهم البراهين المرتبطة بذلك: أنتم لستم في حاجة للبرهنة على بطلان التسلسل، فبقاء الكون على ما عليه دليل على الله.. ذلك أن حفظ الجوهر، وإبقاءه، عينُ خلقه.. فمن خلقني سابقاً، هو الذي يبقيني حالاً؛ مع أني لا يمكنني إن لم أسنده إلى من يملك جميع الكمالات، وأجد مفهومه في ذهني، أن أسنده لا إليّ، ولا إلى والديّ، ولا إلى أيّ علة أخرى.

وكان يرد على الذين يناقشونه في هذا الدليل بقوله: إن العلة الموجدة لأي شيء، يلزم أن تبقى ما دام معلولها باقياً، حتى لو زالت علته، انعدم معها المعلول، فيكون زوال العلة علةٌ لعدم الحادث؛ ومن هنا يقال: (علة العدمِ، عدم العلة)

***

بعد هذا كله اسمحوا لي معشر الإخوان المنورين بنور الإيمان أن أذكر لكم أهم دليل ذكره ديكارت، أعتبره السبب الأكبر في خروجي من أوهام الإلحاد.. إنه ما يطلق عليه [الدليل الوجودي]، أو [الدليل الانطلوجي]، والذي استفاده من أنسلم، وقرره تقريرات جميلة، وفي منتهى الوضوح والدقة.

سأنقل لكم بعض ما قاله، وهو يخاطب زمر الملحدين والمشككين الذين انتشروا بكثرة في ذلك الزمان.. لقد كان يقول لهم: ألا ترون الفنان أو الصانع الذي يختم بصفته واسمه على صورته واختراعه ليسجل ذلك براءة اختراعه وتصميمه له؟

قالوا: بلى.. نحن نرى ذلك.. ولا أحد إلا ويفعل ذلك.. حتى تنسب الأشياء إلى أصحابها.

قال: أترون أن الذي أبدع هذا الكون جميعا تركه من دون أن يضع فيه أي ختم أو بصمة أو توقيع أو علامة على كونه الخالق المدبر؟

قالوا: فأين ذلك.. فنحن نرى صورة التواقيع التي يوقعها الفنانون والمخترعون.. ولا نرى صورة توقيع الإله الذي تذكره.

قال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات: 21]

قالوا: ما تعني؟

قال: ألا ترون في نفوسكم أنه إذا تحققت للإنسان معرفة ذاته بصورة تامة، وأدرك أن أخص خصائصه يتمثل في الدافع نحو الكمال، فإنه حينئذ يعرف حقيقتين في وقت واحد.. الحقيقة الأولى تتمثل في أنه شيء ناقص ومعتمد على غيره ومفتقر إليه.. والحقيقة الثانية أن هذا الموجود الذي يعتمد عليه يملك بالفعل – وإلى ما لا نهاية – كل الكمال.. وبذلك يكون افتقاره المطلق هو دليله إلى الغني المطلق.

لقد أشارت إلى ذلك تلك الكلمات الخاتمة المقدسة التي أنزلها الله على عباده، والتي يقول فيها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]

وقد عبر عن هذا البرهان في محل آخر، فقال: (إني لأتصور هذه المشابهة المتضمنة لفكرة الله بعين الملكة التي أتصور بها نفسي، أي أني حيث أجعل نفسي موضوع تفكيري، لا أتبين فقط أني شيء ناقص، غير تام، ومعتمد على غيري، ودائم النزوع والاشتياق إلى شيء أحن وأعظم مني، بل أعرف أيضاً وفي الوقت نفسه أن الذي اعتمد عليه يملك في ذاته كل هذه الأشياء العظيمة التي أشتاق إليها، والتي أجد في نفس أفكارً عنها، وأنه يملكها لاعلى نحو معين أو بالقوة فحسب، بل يتمتع بها في الواقع وبالفعل وإلى غير نهاية، ومن ثم أعرف أنه هو الله)

وعبر عنه في محل آخر، فقال: ألا ترون معشر المشككين أن نفس الشكوك التي تعتريكم دليل على الله.. ذلك أن الشك ينطوي على النقص.. ولما كان ماهو ناقص لايمكن أن يكون سبباً لما هو كامل بمقتضى مبدأ السبب الكافي الذي يكشفه لنا نور العقل الفطري.. ولما كان ذلك كذلك فمن المحال أن نحصل على فكرة الكمال اللامتناهي من تراكم أفكار أشياء متناهية، لأن المتناهيات لايمكن أن تؤدي إلى لامتناهي، ولهذا، مهما بلغت معرفتي من العظم، فإنها لا تبلغ حداً لامتناهياً بالفعل، لأنها لايمكن أن تصل إلى نقطة لاتكون عندها قابلة للزيادة.

وعبر عنه في محل آخر، فقال: ما دمتم لا تنظرون إلى أنفسكم.. فانظروا إلي أنا جيدا.. انظروا إلى ديكارت.. وسترون أنه موجود غير تام الكمال.. بل ناقص.. وهو ليس الكائن الوحيد في الوجود، إذ لابد لوجوده من علة.. والعلة لابد أن تكون مكافئة على الأقل للمعلول إن لم تكن أكثر منه فضلاً وكيفاً.. وبما أن ديكارت الذي يقف أمامكم ليس علة لوجود نفسه، إذ لو كان كذلك لاستطاع أن يحصل من نفسه لنفسه على كل مايعرف أنه ينقصه من الكمالات، لأن الكمال ليس إلا محمولاً من محمولات الوجود، والذي يستطيع أن يهب الوجود يستطيع أن يهب الكمال.. والتأمل في هذا يدلكم على وجود علة وجوده، وهي ذات تتوفر على كل ما لا يمكن تصوره من الكمالات وهذه هي ذات الله تعالى ([56]) .

وعبر عنه في محل آخر مخاطبا به بعض المهندسين والرياضيين، فقال: كما أن فكرتنا عن المثلث تستتبع أن تكون زواياه الداخلية مساوية لقائمتين (180 درجة )، كذلك فإن فكرتنا عن الله باعتباره كائناً كاملاً متناهياً تستلزم وجوده بالضرورة.. ففكرة الوجود متضمنة في تعريف المثلث.. وعليه فإذا كان من التناقض أن نعتبر الزوايا الداخلية للمثلث لاتساوي قائمتين، فمن التناقض كذلك أن نعتبر الله غير موجود، لأن الوجود متضمن في ماهية الله على نحو ما تكون مساواة الزوايا الداخلية للمثلث لقائمتين متضمنة في تعريف المثلث.

***

سكت قليلا، ثم قال: لقد كانت أمثال تلك الطروحات والتأمل فيها وحدها كاف لعقلي أن يدع كبرياءة وغروره، ويلتحق بركب الإيمان..

لقد كنت حينها شغوفا بالرياضيات.. وكانت الرياضيات والمثلثات وكل تلك الأرقام المجردة دليلي على الله..

أذكر جيدا أنني التقيت في ذلك الزمان البعيد، أي قبل ديكارت بفترة طويلة، عالما من علماء المسلمين.. التقيت به في قرطبة.. يقال له [ابن حزم].. وقد رأى مدى حبي للرياضيات والأعداد، فقال لي: تعال لأعرج بك من عالم الأعداد إلى عالم الألوهية..

قلت: وهل يمكن ذلك؟

قال: يستحيل على ربك أن يخلق شيئا، ثم لا يضع فيه التوقيع الدال عليه.

جلست فرحا مسرورا لما دعاني إليه.. فقال، وهو يحاورني ([57]) : إن خاصة العدد هو أن يوجد عدد آخر مساو له، وعدد آخر ليس مساوياً له، هذا لا يخلو منه عدد أصلاً.

قلت: كيف ذلك؟

قال: المساواة هي أن تكون أبعاضه كلها مساوية له إذا جزئت.. ألا ترى أن الفرد والفرد مساويان للاثنين، وأن الزوج والفرد ليسا مساويين للزوج الذي هو الاثنان، والخمسة مساوية للاثنين والثلاثة، غير مساوية للثلاثة.. وهكذا كل عدد في العالم.

قلت: وعيت هذا.. فما تريد منه؟

قال: كل ما كان له أبعاض فهو مركب كثيراً بلا شك، فهو إذن بالضرورة ليس واحداً، فالواحد ضرورة هو الذي لا أبعاض له.

قلت: هذا صحيح.

قال: فإن الحس وضرورة العقل يشهدان بوجود الواحد، إذ لو لم يكن الواحد موجوداً لم يقدر على عدد أصلاً، إذ الواحد مبدأ العدد والمعدود الذي لا يوصل الى عدد ولا معدود إلا بعد وجوده، ولو لم يوجد الواحد لما وجد في العالم عدد ولا معدود أصلاً.

قلت: وعيت هذا.. فما تريد منه؟

قال: بما أن العالم كله أعداد ومعدودات موجودة.. فإن الواحد لابد أن يكون موجودا بالضرورة.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لو نظرنا في العالم كله نظراً طبيعياً ضرورياً لم نجد فيه واحداً على الحقيقة البتة بوجه من الوجوه، لأن كل جرم من العالم منقسم.. محتمل للتجزئة.. متكثر بالانقسام أبداً بلا نهاية.. وكل حركة فهي أيضاً منقسمة بانقسام المتحرك بها الذي هو المدة.. وكذلك كل معقول، من جنس أو نوع أو فصل.. وكذلك كل عرض محمول في جرم فإنه منقسم بانقسام حامله..

قلت: صحيح.. وهذا أمر يعلم بضرورة العقل والمشاهدة، وليس العالم كله شيئاً غير ما ذكرت.

قال: بما أن أمر العالم كما ذكرت.. وبما أنه ليس في العالم واحد البتة.. وبما أن البرهان قائم على ضرورة وجود الواحد، فإذن لابد من وجوده.. وبما أنه ليس في العالم، فهو إذا شيء غير العالم..

***

لست أدري كيف صحت من قوة هذا البرهان وسلامته ودقته.. وكنت أبشر به وبغيره من البراهين التي استفدتها من ديكارت وأنسلم وغيرهما إلى أن من الله علي بلقياكم في هذه الروضة من روضات النعيم.

نعم وجد من أهل ذلك الزمان ممن لم يكن لهم القدرة على استيعاب ما أذكره لهم.. لكني لم أكن أعنف عليهم، ولم أكن أتهمهم بالغفلة أو الغباء، وإنما كنت أقول لهم بكل رحمة وشفقة ونصح: اذهبوا فلستم بحاجة إليها.. فلله من الأبواب والطرق ما لا عد له ولا حصر.. فلا تكتفوا بإعدام ما لا تفهمونه، فعدم قدرتي على إثبات الحقيقة الأزلية لعقولكم لا يعني عدم ثبوتها، وإنما يعني أننا نفكر بطرق مختلفة.

البرهان الوجداني:

بعد أن أنهى الرجل الثالث حديثه، قام رجل رابع، وقال: سأحكي لكم الآن حكاية برهاني.. والذي له علاقة بجميع ما ذكرتموه من براهين.. لا أدعي أنه يعوضها، أو يتجاوزها.. ولكنه يفيدها..

 فالكثير ممن ينكر برهان الفطرة، أو برهان الصديقين، أو البرهان الوجودي، أو حتى براهين الفلاسفة الذين يستخدمون الوسائط للدلالة على الله.. لا يكون إنكاره لها إلا بسبب خرم خطير في ذاته ووجدانه جعله لا يرى الأشياء بحقيقتها.. ولذلك كان البرهان الوجداني هو النظارة التي تصحح له الرؤية، فيفهم البراهين بدقة.

إن تلك النظارة الوجدانية، أو ذلك التلسكوب الإيماني، أو ذلك الميكروسكوب العقدي، هو الذي أخرجني من ظلمة نفسي ودنسها إلى أنوار الوجود وقدسيتها.. حتى جعلني أرى المعاني الإيمانية رؤية أوضح من رؤية العينين الباصرتين.. ولذلك لم أعد أحتاج إلى أي دليل.. وهل بعد العيان من خبر؟.. وهل بعد المشاهدة من إنكار؟

وأول من علمني حقائق هذا البرهان ومقدماته، وأقنعني به، ومارسته معه، وتدربت عليه بصحبته عالم من علماء المسلمين وعارفيهم التقيت به في ذلك الزمان البعيد في بلدة من خراسان، وقد سمعت أنه كان تلميذا للفيلسوف واللاهوتي [أبي حامد الغزالي]، التقيته، وبثثت له شكوكي، وأني لم أعد أطيقها.

قال لي: لا تقلق من ذلك.. فالشك مقدمة اليقين ومبدؤه.. وقد حدثني شيخي أبو حامد الغزالي أنه مر بتجربة شك أخرجته من صحراء التقليد إلى جنان التحقيق.. لقد ذكر لي ذلك، فقال: (إن اختلاف الخلق في الأديان والملل، ثم اختلاف الأئمة في المذاهب، على كثرة الفرق وتباين الطرق بحر عميق غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه الناجي.. وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد وانكسرت على العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا، إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام، وسمعت الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرناه ويمجسانه)، فتحرك باطني إلى حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات وأوائلها تلقينات، وفي تميز الحق منها عن الباطل اختلافات)([58])

قلت: عجبا.. إن ما ذكرته عن شيخك.. هو نفس ما ذكره شيخي.

قال: ومن شيخك؟

قلت: ألا تعرفه.. إنه ديكارت أبو الفلسفة الحديثة ورائدها.

قال: بلى.. أعرفه جيدا.

قلت: فقد حدث عن نفسه، فقال: (ليس بالأمر الجديد ما تبينت من أنني منذ حداثة سني قد تلقيت طائفة من الآراء الباطلة وكنت أحسبها صحيحة، وأن ما بنيته منذ ذلك الحين على مبادئ هذا حالها من الزعزعة والاضطراب، لا يمكن أن يكون إلا شيئاً مشكوكاً فيه جداً.. فحكمت حينئذ بأنه لا بد لي مرة في حياتي من الشروع الجدي في إطلاق نفسي من جميع الآراء التي تلقيتها في اعتقادي من قبل، ولا بد لي من بناء جديد من الأسس إذا كنت أريد أن أقيم في العلوم شيئاً وطيداً مستقراً)([59]) ‏

ابتسم، وقال: ما دام لك مثل هذا الشيخ.. فما الذي جعلك تقطع الفيافي والقفار لتشكو لغيره ما حصل لك؟.. وهل يمكن لمن يكون لديه طبيب مثل ديكارت أن يبحث عن طبيب آخر؟

قلت: لك الحق فيما تقول.. ولكن ديكارت هو الذي أصابني بهذا الداء، ثم عجز عن علاجه.

قال: كيف ذلك؟

قلت: لقد شجعني على الشك.. وعندما طرح علي البراهين التي تزيل الشك لم ينمح، ولم يزل، بل زاد وترسخ إلى أن أصبحت أعاني منه عناء شديدا.

قال: ألم ينصحك بالذهاب للفلاسفة الذين استعملوا الوسائط للدلالة على الله؟

قلت: بلى.. لقد أرسلني إليهم.. لكن الشك بلغ بي مبلغا عظيما وصل إلى إنكار العقليات والحسيات.. وهي جميعا مما يعتمد عليه في كل برهان.. وأنا الآن في حال السفسطة.

قال: فقد وقعت على الخبير إذن.. إن ما ذكرته عن نفسك هو نفس ما ذكره أستاذي أبي حامد عن نفسه.. سأحكي لك ما قال، وسأذكر لك العلاج الذي إن استعملته فلن تخرج من طوس إلا وأنت ولي أو قديس.

قلت: فما قال الغزالي؟

قال: لقد ذكر عن نفسه أنه ـ في مرحلة الشك التي اعتترته ـ فجعلته يرفض كل المعلومات التي حصلها عليها عن طريق الحواس بالتقليد والتلقين.. اتجه إلى المحسوسات لعله يجد فيها اليقين، لكنه اصطدم بأنها هي الأخرى عرضة للشك.. فالمعرفة الحسية عرضة للخطأ.. وأكبر دليل على ذلك ما يقع من خداع الحواس، حيث نرى الكواكب صغيرة جدا في مقدار الدينارن بينما الأدلة الهندسية تثبت عكس ما نرى، بل تثبت أن الكواكب منها ما هو أكبر من الأرض بكثير.

ابتسمت، وقلت: هذا بالضبط ما حصل لي.. بل هو نفسه ما حصل لديكارت.. فقد استبعد في حوار جرى لي معه شهادة الحواس، وقال لي: ألا ترى أنّها تخدعنا أحياناً كثرة.. ولذلك من الفطنة ألاّ نأمن أمناً تامّاً من خدعنا ولو مرَّةً واحدة.. لقد قال لي معبرا عن ذلك: (كل ما تلقيته حتى اليوم وآمنت بأنه أصدق الأشياء وأوثقها قد اكتسبته من الحواس أو بواسطة الحواس، غير أني جربت هذه الحواس في بعض الأحيان فوجدتها خداعة، ومن الحكمة أن لا نطمئن كل الاطمئنان إلى من خدعونا ولو مرة واحدة)

وقد ضرب لي في نهاية تأمله الفلسفي الثاني، مثال قطعة الشمع الذي كان يكرره علي وعلى تلاميذه مرات كثيرة، فقد ذكر أن قطعة الشمع التي تم استخلاصها من خلية النحل صلبة وباردة ومتينة نسبيا، وعندما نلمسها يصدر عنها صوت، لكننا ما إن نقربها من النار حتى تتغير تغيرا تاما، فشكلها يتغير، وتتحول إلى سائل، وتسخن، ولا يصدر عنها أي صوت..

ثم يعقب على هذا المشهد بقوله: بذلك لا يتم تصور الشمع إذن إلا عبر فحص عقلي.. فالحواس لا تمنحنا مطلقا إلا معطيات هاربة، قابلة للانمحاء وغير منتظمة.. بل إنها لا تقدم لنا أي فكرة عن الأشياء كما نصوغها نحن بواسطة العقل.

قال: لقد ذكرني كلامك هذا بإشكال خطير يتعلق بالحواس، وصعوبة الاعتماد على المعارف المرتبطة بها.. فقد ذكر أستاذي الغزالي عند نقده للحواس اختلاط اليقظة بالنوم، وصعوبة التفريق بينهما، فقال: (فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلاً، وأيدت إشكالها بالمنام وقالت: أما تراك تعتقد في النوم أموراً، وتتخيل أحوالاً، وتعتقد لها ثباتاً واستقراراً، ولا شك في تلك الحالة فيها، ثم تستيقظ فتعلم أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل؟ فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها. لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك، وتكون يقظتك نوماً بالنسبة إليها، فإذا أوردت تلك الحالة تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا حاصل لها)([60]) ‏

قلت: عجبا.. ما أعظم التشابه بين أستاذك الغزالي وأستاذي ديكارت.. فقد ذكر هو الآخر هذا الجانب، وما ينشأ عنه من إشكالات، فقال: (ينبغي علي هنا أن أعتبر أني إنسان، وأن من عادتي لذلك أن أنام، وأني أرى في أحلامي عين الأشياء التي يتخيلها أولئك المخبولون في يقظتهم؛ بل قد أرى أحياناً أشياء أبعد عن الواقع مما يتخيلون.. كم مرة وقع لي أن أرى في المنام أني في هذا المكان، وأني لابس ثيابي، وأني قرب النار، مع أني أكون في سريري متجرداً من ثيابي، يبدو لي الآن أني لا أنظر إلى هذه الورقة بعينين نائمتين، وأن هذا الرأس الذي أهزه ليس ناعساً.. لكن عندما أطيل التفكير في الأمر، أتذكر أني كثيراً ما انخدعت في النوم بأشباه هذه الرؤى، وعندما أقف عند هذا الخاطر أرى بغاية الجلاء أنه ليس هناك أمارات يقينة نستطيع بها أن نميز بين اليقظة والنوم تمييزاً دقيقاً، فيساورني الذهول، وأن ذهولي لعظيم، حتى يكاد يصل إلى إقناعي بأني نائم)([61])

قال: لم يتوقف شك أستاذي على تأثير المنام على الإدراكات الحسية.. بل إنه امتد ليشمل المدركات العقلية أيضاً، فالمنام تخيل، والتخيل قوامه الصور الحسية التي تختزنها الذاكرة.. وهذا حال المحسوسات، فما هو مصير المعقولات.. أو الضرورات العقلية؟

لقد ذكر أستاذي الغزالي تلك الشكوك التي راودته حول العقليات، فقال: (فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون حادثاً قديماً، موجوداً معدوماً واجباً محالاً)([62])‏

قلت: وقد ذكر ذلك أستاذي ديكارت، فقال: (في حين أن الحساب والهندسة وما شاكلهما من العلوم التي لا تنظر إلا في أمور بسيطة جداً وعامة جداً، دون اهتمام كثير بالوقوف على مبلغ تحقق هذه الأمور في الخارج أو عدم تحققها، إنما تشتمل على شيء يقيني لا سبيل إلى الشك فيه: فسواء كنت متيقظاً أو نائماً هناك حقيقة ثابتة وهي أن مجموع اثنين وثلاثة هو خمسة دائماً، وأن المربع لن يزيد على أربعة أضلاع أبداً، وليس يبدو في الإمكان أن حقائق بلغت هذه المرتبة من الوضوح والجلاء يصح أن تكون موضع شبهة خطأ أو انعدام يقين)([63]) ‏

قال: لكن أستاذي لم يلبث حتى أصابه الشك في تلك الضرورة العقلية أيضا، وقد قال معبرا عن ذلك الشك: (لعل وراء إدراك العقل حاكماً آخر، إذا تجلى كذب العقل في حكمه كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه، وعدم تجلي ذلك الأمر لا يدل على استحالته)([64])

‏قلت: وقد عرض نفس ذلك الشك على أستاذي ديكارت، فقال: (ومع ذلك فإن معتقداً قد رسخ في ذهني منذ زمن طويل، وهو أن هناك إلهاً قادراً على كل شيء، وهو صانعي وخالقي على نحو ما أنا موجود، فما يدريني لعله قد قضى بأن لا يكون هناك أرض ولا سماء ولا جسم ممتد ولا شكل ولا مقدار ولا مكان، ودبَّر مع ذلك كله أن أحس هذه الأشياء جميعاً، وأن تبدو لي موجودة على نحو ما أراها؟ بل لما كنت أرى أحياناً أن أناساً يغلطون في الأمور التي يحسبون أنهم أعلم الناس بها، فما يدريني لعله قد أراد أن أغلط أنا أيضاً كلما جمعت اثنين إلى ثلاثة، أو أحصيت أضلاع مربع ما)([65]) ‏

وقال: (إذن فسأفترض، لا أن الله ـ وهو أرحم الراحمين وهو المصدر الأعلى للحقيقة ـ بل إن شيطاناً خبيثاً ذا مكر وبأس شديدين قد استعمل ما أوتي من مهارة لإضلالي، وسأفترض أن السماء والهواء والأشياء الخارجية لا تعدو أن تكون أوهاماً وخيالات قد نصبها ذلك الشيطان فخاخاً لاقتناص سذاجتي في التصديق، وسأعد نفسي خلواً من اليدين والعينين واللحم والدم، وخلواً من الحواس، وأن الوهم هو الذي يخيل لي أني مالك لهذه الأشياء كلها وسأصر على التشبث بهذا الخاطر) ([66]) ‏

***

قال: أرى أن كلا الأستاذين قد مرا بنفس التجربة.. فلذلك لا أظن أنك ستجد عندي ما لم تجد عنده.

قلت: اذكر لي ما عندك.. وكيف خرج أستاذك من الشك إلى اليقين لعلي أنتفع به؟

قال: اذكر لي أنت أولا كيف خرج أستاذك.. لأن المخرج الذي خرج به أستاذي يحتاج إلى الكثير من العمل.

قلت: لقد ذكر أستاذي المخرج الذي خرج به من ذلك.. فقال: (ولكنني سرعان ما لاحظت وأنا أحاول على هذا المنوال أن أعتقد بطلان كل شيء، أنه يلزمني ضرورة، أنا صاحب هذا الاعتقاد، أن أكون شيئاً من الأشياء، ولما رأيت هذه الحقيقة، أنا أفكر، إذن أنا موجود، هي من الرسوخ بحيث لا تزعزعها فروض الريبيين. مهما يكن فيها من شطط حكمت بأني أستطيع مطمئناً أن أتخذها مبدأ أول للفلسفة التي كنت أبحث عنها)([67]) ‏

قال: أما أستاذي، فقد خرج من ذلك باعتقاده بالهداية الإلهية التي تنزلت عليه بعد أن امتلأ فقرا إلى الله وحاجة إليه، وبعد أن تألم ألما شديدا نتيجة ذلك الحجاب الذي ابتلي به، وقد قال معبرا عن ذلك: (ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدور، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيَّق رحمة الله تعالى الواسعة)([68]) ‏

قلت: ولكن.. هل ذلك خاص به.. أم هو عام لكل من عرض له من الشك ما عرض له؟

قال: جلت رحمة الله أن تفرق بين الفقراء والمحتاجين.. ألا ترى رزق الله يشمل الجميع؟

قلت: ولكن كيف خصته العناية دوني.. فأنا لا أزال أسير شكي.. وقد سرت البلاد، وخدمت العباد.. ولما يزل شكي.

قال: لقد مررت بنفس تجربتك.. وأتيت شيخي وأستاذي الغزالي، وأخبرته عن ذلك، فقال لي: يا بني أنت محتاج لأن تعدل في جهاز استقبالك للحقائق.. ذلك أنه لا ينكر أحد الحقائق أو يشك فيها إلا بسبب خلل حصل لوجدانه، فجعله لا يرى الحقائق، أو جعله يبصرها بصورة مشوهة.

قلت: أكل الملاحدة والمشككين واللاأدريين حصل لهم هذا؟

قال: أجل.. ولولا ذلك ما أنكروا الحقائق، فلها من الوضوح والقوة ما لا يستطيع أن يجادل فيه مجادل.

قلت: كيف ذلك؟

قال([69]): اعلم ـ يا بني ـ أن القلب أو العقل الذي نتلقى بواسطته المعارف يشبه المرآة، والحقائق لها من الجمال والصفاء مثلما للمرآة.. فإذا قابلت مرآة القلب والعقل الصافية بمرآة الحقائق حلت صور إحداهما في الأخرى.

قلت: فلم لا يحصل ذلك لكل الناس.. وتنتهي الشكوك، وينتهي معها الإلحاد، وكل أنواع الضلال؟

قال: بسبب علل تحصل في مرآة العقل والقلب تحول بينه وبين رؤية الحقائق.

قلت: فما هي؟

قال: إن هذا يستدعي البحث عن الحجب التي تحول بين مرائي الناس والصور المقابلة لها.. وإدراك ذلك بسيط لا يستدعي إلا التأمل في سر عدم انكشاف الأشياء للمرآة الحسية مع وجودها، ووجود الأشياء حولها.. فأخبرني عما تراه من أسباب ذلك.

قلت: ربما لا تنكشف للمرآة الصورة بسبب نقصان صورتها كجوهر الحديد قبل أن يدور ويشكل ويصقل.. وربما يكون لكدورة المادة التي صنعت منها المرآة، وإن كانت تامة الشكل.. وربما لكونها معدولاً بها عن جهة الصورة إلى غيرها، كما إذا كانت الصورة وراء المرآة.. وربما لحجاب مرسل بين المرآة والصورة.. وربما للجهل بالجهة التي فيها الصورة المطلوبة حتى يتعذر بسببه أن يحاذى بها شطر الصورة وجهتها.

قال: فهكذا مرآة القلب.. فهي تحجب عن الحقائق بالأسباب الخمسة التي ذكرتها.. أما أولها، فهو نقصانها في ذاتها كقلب الصبي، فإنه لا ينجلى له المعلومات لنقصانه..

وأما الثاني، فلكدورة المعاصي والخبث الذي يتراكم على وجه القلب من كثرة الشهوات، فإن ذلك يمنع صفاء القلب وجلاءه فيمتنع ظهور الحق فيه لظلمته وتراكمه..

وأما الثالث، فأن يكون معدولاً به عن جهة الحقيقة المطلوبة، فإن قلب المطيع الصالح وإن كان صافياً، فإنه ليس يتضح فيه جلية الحق لأنه ليس يطلب الحق وليس محاذياً بمرآته شطر المطلوب..

وأما الرابع، فالحجاب.. فإن المطيع القاهر لشهواته المتجرد الفكر في حقيقة من الحقائق قد لا ينكشف له ذلك لكونه محجوباً عنه باعتقاد سبق إليه منذ الصبا على سبيل التقليد والقبول بحسن الظن، فإن ذلك يحول بينه وبين حقيقة الحق ويمنع من أن ينكشف في قلبه خلاف ما تلقفه من ظاهر التقليد..

وأما الخامس، فالجهل بالجهة التي يقع منها العثور على المطلوب، فإن طالب العلم ليس يمكنه أن يحصل العلم بالمجهول إلا بالتذكر للعلوم التي تناسب مطلوبه حتى إذا تذكرها ورتبها في نفسه ترتيباً مخصوصاً يعرفه العلماء بطرق الاعتبار، فعند ذلك يكون قد عثر على جهة المطلوب فتنجلى حقيقة المطلوب لقلبه، فإن العلوم المطلوبة التي ليست فطرية لا تقتنص إلا بشبكة العلوم الحاصلة، بل كل علم لا يحصل إلا من علمين سابقين يأتلفا ويزدوجان على وجه الخصوص فيحصل من ازدواجهما علم ثالث.

قلت: أهذه هي الأسباب المانعة للقلوب من معرفة حقائق الأمور؟

قال: أجل.. فكل قلب هو بالفطرة صالح لمعرفة الحقائق، لأنه أمر رباني شريف فارق سائر جواهر العالم بهذه الخاصية والشرف.

***

قلت: ولكن العجب لا يزال يحول بيني وبين فهم ما تقول.. فأنت بقولك هذا تجعل الإنسان تلميذا لمصادر خارجية غير العقل وغير الحواس.. بل غير أساتذته الذين يدرس على يديهم.

قال: أجل.. ففي وجداننا من الأساتذة والمعلمين والمربين من يغنونا عن كثير من المدارس التي تراها.

قلت: كيف ذلك؟

قال: سأضرب لك مثالا قد يقرب لك هذا.. لو فرضنا حوضاً محفوراً في الأرض، فإنه يحتمل أن يساق الماء من فوقه بأنهار تفتح فيه، ويحتمل أن يحفر أسفل الحوض ويرفع منه التراب إلى أن يقرب من مستقر الماء الصافي، فينفجر الماء من أسفل الحوض ويكون ذلك الماء أصفى وأدوم، وقد يكون أغزر وأكثر.. فذلك القلب مثل الحوض، والعلم مثل الماء، وتكون الحواس الخمس مثال الأنهار.. وقد يمكن أن تساق العلوم إلى القلب بواسطة أنهار الحواس والاعتبار بالمشاهدات حتى يمتلئ علماً، ويمكن أن تسد هذه الأنهار بالخلوة والعزلة وغض البصر، ويعمد إلى عمق القلب بتطهيره ورفع طبقات الحجب عنه حتى تنفجر ينابيع العلم من داخله.

قلت: فكيف يتفجر العلم من ذات القلب وهو خال عنه؟

قال: كما أن المهندس يصور أبنية الدار في بياض، ثم يخرجها إلى الوجود على وفق تلك النسخة، فكذلك فاطر السموات والأرض كتب نسخة العالم من أوله إلى آخره في اللوح المحفوظ، ثم أخرج إلى الوجود على وفق تلك النسخة، والعالم الذي خرج إلى الوجود بصورته تتأدى منه صورة أخرى إلى الحس والخيال، فإن من ينظر إلى السماء والأرض ثم يغض بصره يرى صورة السماء والأرض في خياله حتى كأنه ينظر إليها، ولو انعدمت السماء والأرض وبقي هو في نفسه لوجد صورة السماء والأرض في نفسه كأنه يشاهدهما وينظر إليهما، ثم يتأدى من خياله أثر إلى القلب فيحصل فيه حقائق الأشياء التي دخلت في الحس والخيال. والحاصل في القلب موافق للعالم الحاصل في الخيال، والحاصل في الخيال موافق للعالم الموجود في نفسه خارجاً من خيال الإنسان وقلبه، والعالم الموجود موافق للنسخة الموجودة في اللوح المحفوظ.

قلت: لكأن للعالم ـ بحسب ما تصفه ـ أربع درجات في الوجود: وجود في اللوح المحفوظ وهو سابق على وجوده الجسماني، ويتبعه وجوده الحقيقي، ويتبع وجوده الحقيقي وجوده الخيالي.. أي وجود صورته في الخيال.. ويبتع وجوده الخيال وجوده العقلي.. أي وجود صورته في القلب.

قال: أجل.. وبعض هذه الوجودات روحانية وبعضها جسمانية، والروحانية بعضها أشد روحانية من البعض.. وهذا اللطف من الحكمة الإلهية، إذ جعل حدقتك على صغر حجمها تنطبع صورة العالم والسموات والأرض على اتساع أكنافها فيها، ثم يسري من وجودها في الحس وجود إلى الخيال، ثم منه وجود في القلب.

قلت: وعيت هذا.. لكن لا يزال في نفسي بعض الغموض.

قال: أعلم ذلك.. وسأوضحه لك بهذه الحكاية.. روي في الحكايات أن أهل الصين وأهل الروم تباهوا بين يدي بعض الملوك بحسن صناعة النقش والصور، فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة لينقش أهل الصين منها جانباً وأهل الروم جانبياً ويرخى بينهم حجاب يمنع اطلاع كل فريق على الآخر ففعل ذلك، فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر، ودخل أهل الصين من غير صبغ وأقبلوا يجلون جانبهم ويصقلونه، فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين أنهم فرغوا أيضاً فعجب الملك من قولهم وأنهم كيف فرغوا من النقش من غير صبغ؟ فقيل: وكيف فرغتم من غير صبغ! فقالوا: ما عليكم ارفعوا الحجاب، فرفعوا وإذا بجانبهم يتلألأ منه عجائب الصنائع الرومية مع زيادة إشراق وبريق، إذ قد صار كالمرآة المجلوة لكثرة التصقيل فازداد حسن جانبهم بمزيد التقصيل.

قلت: إن هذا مثال جميل.. فما تفسيره؟

قال: إن عناية الأولياء بتطهير القلب وجلائه وتزكيته وصفائه حتى يتلألأ فيه جلية الحق بنهاية الإشراق كفعل أهل الصين، وعناية الحكماء والعلماء بالاكتساب ونقش العلوم وتحصيل نقشها في القلب كفعل أهل الروم.

***

قلت: فكيف نعرف هذه الطريق، ونتأكد من وجودها؟

قال: هذه الطريق لا يفهم إلا بالتجربة، وإن لم تحصل بالذوق لم تحصل بالتعليم.. والواجب التصديق بها حتى لا تحرم منها.. ومن لم يبصر لم يصدق، كما قال تعالى :﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (يونس:39)، وقال :﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ)(الاحقاف: من الآية11)

قلت: فكيف تتسنى لي التجربة؟.. ها أنذا بين يديك، فسد عني أبواب هذه الشكوك التي تكاد تقتلني؟

قال: لابد أولا من أن تخلص المجاهدة والرياضة، وتتخلص من يد الشهوة والغضب والأخلاق القبيحة والأعمال الرديئة.. فإن معرفة الله كنز ثمين، وجوهر طاهر، وهي لا تحل إلا بأصحاب العقول والقلوب الطاهرة.

قلت: فهبني فعلت ذلك.. فما أفعل بعده؟

قال: حينها تتوجه إلى الله.. وتفتح عين الباطن وسمعه، وتردد بكل شوق: (الله - الله – الله).. وحينها سيفتح فضل الله عليك.. ويكشف عن عقلك وقلبك الحجب لترى الحقائق واضحة لا تحتاج أي دليل يدل عليها.. وهل يحتاج النهار إلى دليل؟

عندما قال لي هذا، رحت أصحبه، وأمارس كل ما يطلبه مني من أنواع الرياضات.. وقد فتح الله علي بسبب ذلك من غير أي معاناة.. بل أضاف لي من فضله من الأذواق والمواجيد ما لا يساويه أي نعيم من نعم الدنيا.

***

بعد أن حكى لي تلميذ الغزالي حكايته هذه شعرت بشوق عظيم للقيام بنفس التجربة التي قام بها.. وما هي إلا أيام معدودات حتى رأيت الحقائق أوضح من أن أتكلف أي دليل يدل عليها.

وقد شعرت حينها بمدى صدق أولئك الأولياء الذين كنت أسخر منهم، وأعتبرهم أبعد الناس عن العقل، بينما كانوا أكثر الناس استعمالا له.. فقد كانوا يرددون كل حين مخاطبين ربهم عز وجل:

لقد ظهرت فلا تخفي على أحد

 

 إلا على أكمه لا يبصر القمرا

لكن بطنت بما أظهرت محتجباً

 

 وكيف يعرف من بالعزة أستترا

***

ما أنهى صاحبنا حديثه حتى انتشرت أنوار لطيفة على تلك الروضة الجميلة التي اجتمعت فيها كل تلك النفوس الطاهرة، والأرواح السامية، والعقول الكبيرة، وقد سرى أريج تلك العطور إلى كل لطائفي، فحلت به الكثير من العقد التي كنت أحاول كل جهدي فهمها، فلا أفهمها.

وحينذاك عرفت أن الله تعالى أقرب إلينا من أنفسنا، وأننا لوخلعنا حجب الكبرياء والغفلة والغرور والجهل التي تحول بيننا وبينه، فإننا لن ندرك وجوده فقط، بل ندرك معها عظمته ولطفه وكرمه.. بل فوق ذلك يصبح لنا من العلاقة به والتواصل معه ما يملأ حياتنا بالسعادة والطمأنينة والسلام.

وأدركت مع ذلك أيضا غبن أولئك الذين يسارعون لرفض الأدلة والبراهين الدالة على وجود الله وعظمته دون أن يسمحوا لأنفسهم بلحظة تبصر أو تأمل حتى ترى مدى مصداقية تلك الأدلة.. في نفس الوقت الذي نراهم فيه يستعملون كل وسائل التحقيق من أجل بعض مصالحهم الزائلة الباهتة التي لا تساوي شيئا أمام الله.

وحين أدركت هذا عرفت عزة الله، وأنهم ما حجبوا عنه إلا بسبب حجبه لهم، فهو أكرم من أن يعرفوه.. وهو أعز من أن يتصلوا به.. فجناب الله العظيم عزيز لا يناله إلا من طهرت نفسه، وسلم عقله، وسمت روحه.

العناية الرحيمة

ما خطر هذا ببالي حتى جاءني من روضة من الروضات المجاورة رجل على أريكته العجيبة المتحركة، واقترب مني، وقال: صدق الله تعالى حين قال: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 24]

قلت: ما تعني بإيرادك لهذه الآية؟

قال: هذه الآية الكريمة توضح سرا من أسرار الإلحاد.. وهو ذلك التكبر عن الاستجابة.. فأنت تعلم أن الكثير من الذين حجبوا عن شهود الله ومعرفته.. بل حجبوا عن مجرد الاعتراف به والإذعان له.. لم يحصل لهم ذلك بسبب وجود ما يحجب عقولهم عن الله، لأن كل ما هو موجود مستنير بنوره، ومن ثم فهو دال عليه.. وإنما حجبوا بسبب ذلك الإعراض والكبر والغرور.. ولذلك بدل أن يقابلوا بلطف الله ورحمته، قوبلوا بقهر الله وعزته.. فالله لا يعطي الإنسان إلى بحسب قابليته، كما قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ [الإسراء: 20]

قلت: صدق الله العلي العظيم.. لكأنك كنت تسمع حديثي مع نفسي.

ابتسم، وقال: بل كنت أقرؤه في ملامح وجهك.. ألست تؤمن بالفراسة؟

قلت: بلى.. وكيف لا أؤمن بها، وقد ورد في النصوص المقدسة الحديث عنها.

قال: فقد آتى الله المؤمنين في هذه الروضات تلك الفراسة، ولذلك يفهمون بعضهم بعضا من غير حديث..

قلت: ذلك من فضل الله العظيم.. ما أعظم عناية الله بعباده.

قال: أجل.. فالله خلقهم، وهو أدرى بحاجاتهم، ولذلك يعطيهم من فضله بحسب جوده وكرمه، وهو لا حدود له.. ولذلك لا حدود للعناية التي يعتني الله بها بعباده في كل طور من أطوار حياتهم.

قلت: لأجل هذا نرى القرآن الكريم مملوءات بذكر نعم الله على عباده، فالله تعالى يخاطب عباده بكل حنان ورحمة، ويقول لهم: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)﴾ [النبأ: 6 - 16]

قال: إن مثل ذلك مثل رجل كريم أعد ضيافة لقوم من الناس، ثم راح يخبرهم بما أعد لهم من وسائل الراحة ليلتفتوا إليها.

قلت: أجل.. فالقرآن الكريم يذكر لنا ذلك، ويعده لنا، حتى نلتفت إليه، بل يأمرنا بعدّه، فيقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 18]

قال: ويقول أيضا: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34].. أتدري لم ختمت الآية باتهام الإنسان بالظلم والكفران؟

قلت: أجل.. فهي تعبر عن الواقع.. فمع كون هذه النعم من فضل الله العظيم على عباده إلا أن من العباد من راح يعتبرها نعما عبثية وصلته عن طريق الصدفة والتطور، ولم تصله عن طريق إرادة حكيمة، ولطف وتدبير عظيم.

قال: إن مثل ذلك مثل ضيف لئيم، يقابل كل الكرم الذي يبديه له مضيفه بأنواع الإهانة والتحقير والجحود.

قلت: أجل.. فجهل الإنسان الذي ينتج عنه الكفر، وكبره الذي ينتج عنه الظلم، هما اللذان يعميان الإنسان الملحد عن رؤية بداهة نعم الله.. بل تجعلانه لا ينسبها إلى الله بإخلاص وتجرد، بل ينسبها إلى أي شيء، مهما كان تافها وباطلا.

قال: صدق الله العلي العظيم حين أشار إلى ذلك، فقال: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: 45]

قلت: بل أشار إلى ذلك عندما ذكر عجز البشر عن مواجهة ذبابة تلتهم طعامهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: 73]

قال: إن هذه الآية تتحدى كل أولئك الماديين من عبدة الطبيعة والمادة أن يخلقوا ذبابة واحدة.. أو أن يستعيدوا شيئا سلبهم منهم الذباب..

قلت: إن التحدى لا يزال قائما.. فهم مع كل وسائلهم التي يفخرون بها، لم يستطيعوا صناعة الحياة في خلية واحدة.. بينما يتصورون أن الحياة هكذا صنعت صدفة من غير سبب.

قال: ولهذا يبتلي الله عباده بسلب النعم، لا عقوبة لهم، وإنما تأديبا وتربية ليكتشفوا حقيقة المنعم، لأنه لا سعادة لهم إلا في جواره وصحبته، والعيش في ظلال رعايته وعنايته.

قلت: لقد ذكرتني بذلك التأديب الإلهي الذي حصل لقوم فرعون عندما أعرضوا عن موسى عليه السلام، والذي نص عليه قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134)﴾ [الأعراف: 132 - 134]

قال: وما أكثر ما يبتلى البشر بمثل هذا في جميع الأزمنة، لكنهم بدل أن يعلموا أن صاحب النعم هو مغيرها، تجدهم ينسبون كل شيء للطبيعة، بل يتهمون الله بأنه صانع للشرور، ويروحون يجحدونه بسبب ذلك.

قلت: لقد ذكر الله ذلك الموقف عن قوم فرعون، فقال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) ﴾ [الأعراف: 135 - 137]

قال: وهذه سنة الله مع عباده.. فالنعم رسول من رسل الهداية.. فمن رآها بقلب طاهر وعقل سليم عرج بها في سموات الحقائق لينال نعما أعظم، ورعاية أكرم.. لكنه إن لم يلتفت لها، وحجب عنها، وجحدها كانت مصيدة من مصايد الهلاك، ومنهجا من مناهج الخسران.

قلت: أجل.. واسمح لي أني لم أتعرف إليك.. فمن أنت؟ ومن أي روضة من رياض الجنان التي أراها؟

قال: أنا عبد من عباد الله المتمرغين في نعمه، المستضافين في دار ضيافته.. أما روضتي فهي [روضة العناية الرحيمة].. فقد كانت عناية الله هي الطريق الذي عرفنا به ربنا وعبدناه.. وكانت هي ملاذنا الذي فررنا به من جحيم الإلحاد إلى جنات الإيمان.

قلت: فهلم بنا إليها.. فما أجملها من روضة، وما أعقلها من براهين.

***

سرنا بين روضات كثيرة مملتئة بالجمال إلى أن وصلنا إلى روضة العناية الرحيمة، وقد دهشت لجمالها وبهائها وكثرة النعم المفاضة عليها.. ولكن كل تلك الدهشة لم تكن تعدل جزءا من دهشتي لكثرة أولئك الطيبين الذين اجتمعوا يتحدثون عن سر وجودهم في تلك الروضة.. فقد كانوا كثيرين جدا، بحيث لم أستطع عدهم، وكأنهم شعوب كثيرة اجتمعت في تلك الروضة.. والعجب أنها وسعتهم جميعا.

سألت صاحبي عن سر ذلك، فقال لي: إن كل واحد من هؤلاء جذب إلى الله بنوع من أنواع العناية.. وبما أن أنواع العناية لا حد لها، فلذلك كان لهؤلاء من الكثرة ما تراه.. بل إن من لا تراه أكبر بكثير ممن تراه..

قلت: فهل سأسمع هنا براهينهم التي وصلوا بها إلى الله؟

قال: ستسمع بعضها فقط.. وإلا فإن الدنيا جميعا لا تكفي لإحصاء ما يرتبط بهذا النوع من البراهين من الحجج والدلائل.

برهان التسخير:

بعد أن استقر بي المجلس، وزال عني بعض آثار تلك الدهشة والانبهار، وسلمت على ذلك الجمع المنور بنور الإيمان، وسلموا علي، قال أحدهم مخاطبا رسولهم الذي جاء بي إليهم: فلتبدأ أنت يا صاحب النفس الطاهرة، والعقل السليم لتحدثنا عن أسرار إيمانك، وكيف أخرجك الله من قيود الملاحدة، وزج بك في رحاب روضات المؤمنين.

ابتسم، وقال: لا أزال أذكر تلك الأيام جيدا.. فقد كانت من أغلى هدايا الله التي أهداها لي.. وكلها غالية.. لقد ربيت في أسرة طيبة.. كان كل من فيها مسخر لخدمتي ابتداء من والدي، وانتهاء بالخدم الكثيرين الذين لا وظيفة لهم سوى تحقيق مطالبي، وجلب السعادة لي..

لكني مع ذلك كله لم أكن سعيدا.. فقد كان أولئك المحيطين بي والمسخرين بخدمتي يلبون مطالب جسدي، ولكنهم لا يعرفون مطالب روحي، فلذلك لم يكونوا يلتفون إليها..

في ذلك الوقت، وفي تلك الأيام التي من الله علي بالهداية التقيت رجلا من المؤمنين، وقد كان بسيطا جدا، لكنه كان يشعر بسعادة عظيمة، فسألته عن ذلك، فقال: وكيف لا أسعد بذلك، وأنا في رعاية إله حكيم، وفر لي كل ما أحتاجه، وأنا موقن أنه كما لم يضيعني في حياتي هذه، فإنه لن يضيعني في حياتي الأخرى.. وأنه كما سخر لي من فضله العظيم ما ملأني بالسعادة، فإن فضله وكرمه وجوده سيظل معي أبد الآبدين.

كنت في ذلك الحين ممتلئا بتلك الأفكار التي تتربى عليها الأسر الأرستقراطية التي تدعي التنوير، بينما هي تعيش في أحلك أنواع الظلمات، ولذلك قلت له، وأنا أسخر منه: عن أي إله تتحدث؟.. وفي أي حياة تأمل؟.. ليس هناك إلا ما تراه عيناك من حياة.. وليس هناك من مدبر للكون غير تلك الصدفة العبثية، والطبيعة العمياء.

قال لي، وهو يبتسم: ما دام الأمر كذلك.. فكيف سخر الخدم لك، ولم يسخروا لغيرك من الذين تراهم، وما أكثرهم.. أم أن الصدفة اختارتك من بينهم؟

قلت: الخدم الذين يخدمونني.. لا يخدمونني إلا لمالي.. وهم تبع لوالدي.. ولو كان لأولئك الذين تذكرهم أموال كأموالي، ووالد ثري كوالدي، لسخر لهم من الخدم والحشم ما سخر لي.

قال: فاعبر من خدمك وحشمك الذين سخروا لك لتصل إلى الله وتعرف آلاءه التي وفرها لك كما وفرها لكل شيء..فيستحيل على العطية أن لا يكون لها معط، ويستحيل على النعمة أن لا يكون لها منعم.

***

قال لي هذه الكلمات، ثم انصرف، وقد غرس في قلبي بذرة الإيمان التي تعاهدها الله بفضله، فنَمَت رويدا رويدا إلى أن تحولت إلى شجرة باسقة، أثمرت بعد ذلك كل أنواع القيم والفضائل، وخلّصت روحي من كل تلك الكآبة التي كانت تسكن فيها.

كانت كلماته هي المفتاح الذي أزاح عني غشاوة رؤية المنعم.. فقد كنت أعيش النعم، وأتصور أنها هكذا جاءت.. وأنها اختارتني هكذا صدفة.. لكني بعد التأمل والتحقيق.. وبعد الرحلة والسير.. شعرت بصحبة المنعم ولطفه العظيم، وكأنه يناولي بيده كل فضل من أفضاله ونعمة من نعمة.

في ذلك الحين.. وقبل أن يستقر الإيمان في قلبي.. التقيت فيلسوفا من بلاد المسلمين، كان تلميذا لابن رشد، وحدثني عنه كثيرا، وهو ممتلئ بالإعجاب به، فقلت له: عجبا.. هل يمكن أن يكون المرء فيلسوفا، ثم يكون مسلما؟

قال: وما المانع من ذلك.. بل إن الفلسفة الحقيقية هي طريق الإيمان، ومن حجبته فلسفته عن الإيمان، فهو لم يعرف الفلسفة، ولم يشم رائحتها.

ثم حدثني عن أستاذه الفيلسوف، وكيف ألف الرسائل والكتب التي تربط بين الإيمان والفلسفة، وأنه لا تعارض بينهما.. وحدثني في ذلك عن كتاب له بعنوان [فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال]، وأخبرني أنه ذكر فيه أن الفلسفة ليست سوى رحلة إلى الموجودات وحقائقها، وهي لن توصلنا إلا إلى موجدها.. ولذلك لا تعارض بين الدين والفلسفة.. فكلاهما سبيل صالح للتعرف على الخالق الذي حث على وجوب استعمال النظر العقلي والبرهان والحجة بجميع أنواعها.

وأخبرني أنه ذكر في الكتاب كيف أوجبت النصوص المقدسة التي أوحاها الله لرسله النظر العقلي في الموجودات، والذي يسمى بالبرهان.. والذي لا يمكن استعماله إلا بمعرفة أنواعه وقواعده وأشكاله وأوجه الاختلاف بينه وبين باقي أنواع القياس كالقياس الجدلي، والخطابي والمغالطي وغيرها.

كما أخبرني أن البشر مختلفون في طباعهم وطريقة تفكيرهم، فمنهم من يصدق بالأقاويل الجدلية التي تعتمد على المقدمات الظنية، ومنهم من يصدق بالأقاويل الخطابية التي تعتمد على المقدمات العاطفية، ومنهم من يصدق بالبرهان العقلي القائم على الحجج المنطقية.

وأخبرني أن صاحبه دافع عن الفلاسفة ضد من أنكر عليهم، مبينا أنهم يؤمنون بوجود الله، وأن البراهين العقلية تؤدي لا محالة إلى معرفة الله حق المعرفة.

وأخبرني أن تلك الإشاعات التي تشاع عنهم بأنهم يقولون بأن الله تعالى لا يعلم الجزئيات كذب عليهم، وتحريف لكلامهم، بل إنهم يرون أن الله تعالى يعلمها بطريقة سامية لا يمكننا فهمها، والدليل على ذلك أنهم يرون أن الرؤيا الصادقة تتضمن الإنذارا بالجزئيات الحادثة في المستقبل، وهي كلها من الجزئيات المتغيرة، مما يعني علمه بها كما يعلم بالكليات.

وهكذا راح يدافع عن موقفم من المسائل المختلفة، ولم يكن يعنيني أكثر ما ذكره، بل كل ما ذكره، فقد كنت مشغولا بالبحث عن الحقيقة التي بذرها في عقلي ذلك المؤمن الذي التقيته، ولذلك رحت أسأله: دعنا من الفلسفة والفلاسفة، وأخبرني بما هو أهم من ذلك كله.. أخبرني بالبرهان الذي جعل صاحبك يختار الإيمان على الإلحاد.. وهل هو من البراهين المنطقية، أم هو من الخطابات العاطفية والمغالطية والجدلية.

قال: يستحيل على صاحبي أن يختار في هذه المسألة الخطيرة تلك الأنواع الغثة من الخطابات.. فتلك قد ترتبط بإقناع الجماهير والغوغاء بالمصالح المؤقتة.. أما مسألة وجود الله وكمالاته، فإنها تحتاج إلى الإثبات بأقوى أنواع البراهين.

قلت: فهل تحفظ عن أستاذك شيئا في هذا الباب؟

قال: أجل.. وكيف لا أحفظ.. ولم يكن هناك مجلس، ولا مناسبة إلا حدثنا عنه، ليملأ قلوبنا بالإيمان.

قلت: فاذكر لي ما كان يقول لكم.

قال: لا يمكن ذلك.. فمجالسه في ذلك لا تعد ولا تحصى.

قلت: فأخبرني عن مجامعه.

قال: لقد كان أستاذي الحكيم ابن رشد يعلم كل أنواع البراهين التي أثرت عن الفلاسفة من أمثال برهان الحركة والعلية والتطبيق وغيرها كثير.. ولكنه كان يؤثر ما يسميه برهان العناية على غيرها من البراهين: لوضوحه أولا.. ولتناسبه مع ما ورد في كلمات الله المقدسة ثانيا.

لقد سمعته يقول في ذلك: (الطريق التي نبه الكتاب العزيز عليها ودعا الكل من بابها إذا استقرىء الكتاب العزيز وجدت تنحصر في جنسين: أحدهما : طريق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجلها ولنسم هذه (دليل العناية ).. والطريقة الثانية : ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات مثل اختراع الحياة في الجماد والإدراكات الحسية والعقل، ولنسم هذه (دليل الاختراع )([70])

ثم راح يذكر لي وجه الاستدلال على البرهان الأول [برهان العناية].. فذكر لي أنه ينبني على أصلين بقدر فهمهما والرسوخ في معرفتهما، بقدر ما يتوضح البرهان، وتزال الإشكالات المرتبطة به.

أما الأصل الأول، فهو (أن جميع الموجودات التي ها هنا موافقة لوجود الإنسان)، وأما الأصل الثاني، فهو (أن هذه الموافقة ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك، مريد، إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق.. أي صدفة)

ثم راح يفصل لي بعض الحقائق المرتبطة بالأصل الأول، فقال: (فأما كونها موافقة لوجود الإنسان، فيحصل اليقين بذلك باعتبار موافقة الليل والنهار، والشمس والقمر لوجود الإنسان، وكذلك موافقة الأزمنة الأربعة له، والمكان الذي هو فيه أيضا وهو الأرض، وكذلك تظهر أيضا موافقة كثير من الحيوان له والنبات والجماد وجزئيات كثيرة مثل الأمطار والأنهار والبحار، وبالجملة، الأرض والماء والنار والهواء، وكذلك أيضا تظهر العناية في أعضاء البدن وأعضاء الحيوان، أعني كونها موافقة لحياته ووجوده.. وبالجملة فمعرفة ذلك أعني منافع الموجودات داخلة في هذا الجنس، ولذلك وجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن منافع المجودات)

وهكذا ذكر لي [دلالة الاختراع] على الله، ولها علاقة أيضا بـ [دلالة العناية]، وذكر لي أنها أيضا تنبني على أصلين موجودين بالقوة في جميع فِطر الناس، أما أحدهما، فهو (أن هذه الموجودات مخترعة.. فإنا نرى أجساما جمادية، ثم تحدث فيها الحياة، فنعلم قطعا أن ها هنا موجدا للحياة ومنعما بها، وهو الله تبارك وتعالى.. وأما السموات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفتر أنها مأمورة بالعناية بما ها هنا ومسخرة لنا، والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة)

وأما الأصل الثاني، فهو (أن كل مُخترَع فله مُختَرِع، فيصح من هذين الأصلين أن للموجود فاعلا مخترِعا له)

ثم ذكر لي دعوة ابن رشد إلى البحث في الآفاق والأنفس للتعرف على الله.. فقد نصب الله دلائل التعرف عليه في مخلوقاته.. وقرأ علي قوله تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]

ثم ذكر لي قول ابن رشد: (ولذلك كان واجبا على من أراد معرفة الله حق معرفته أن يعرف جواهر الأشياء ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات، لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 185].. وكذلك أيضا من تتبع معنى الحكمة في وجود موجود، أعني معرفة السبب الذي من أجله خلق، والغاية المقصودة به كان وقوفه عى دليل العناية أتم)

ثم ذكر لي أن هذا النوع من الأدلة هو الذي دلت عليه النصوص المقدسة، ففي القرآن الكريم الكثير من (الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الصانع سبحانه في الكتاب العزيز وهي منحصرة في هذين الجنسين من الأدلة، فذلك بيّن لمن تأمل الآيات الواردة في الكتاب العزيز في هذا المعنى.. وذلك أن الآيات التي في الكتاب العزيز في هذه المعنى إذا تصفحت وجدت على ثلاثة أنواع: إما آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية، وإما آيات تتضمن التنبيه على دلالة الاختراع، وإما آيات تجمع الأمرين من الدلالة جميعا)

ثم أحضر مصحفا، وقرأ لي الكثير من النصوص المقدسة التي تتحدث عن هذه الأنواع من النعم، والتي تبين مجامعها الكثيرة.

وقد شد انتباهي منها تلك الآيات التي تتحدث عن التسخير.. فرحت أبحث عن أسراره.. وكيف أن كل شيء مسخر للإنسان متناسب معه مهيأ له ليستفيد منه، مثلما كان الخدم والحشم المحيطون بي مسخرون لكل غرض من أغراضي، وحاجة من حاجاتي.

وقد جعلني ذلك أخرج من كسلي، ومن حياتي التي لا معنى لها، لأخوض بحار علوم مختلفة، أتعلم أسرارها، وأستكنه أغوارها، وألاحظ في كل طرف من أطرافها العناية الإلهية، وهي تقدم لي خدماتها التي لا تنتهي.

***

بعد هذا اسمحوا لي أن أذكر لكم مجلسا من المجالس التي جلستها، والتي رسخت في قلبي الإيمان، وأخرجتني من رؤية النعم والاستغراق فيها إلى رؤية المنعم والبحث عنه، ومحاولة التواصل معه.

في ذلك المجلس الذي جمع ناسا مختلفي المشارب والأذواق والمذاهب والطوائف قام رجل من أهلنا ممن يزعمون لأنفسهم التنوير المضمخ بخرافات الإلحاد يخاطب شيخا وقورا من مشايخ المسلمين، ويقول له ساخرا: إن قرءانكم يزعم أن كل ما في السموات والأرض مسخر للإنسان.. ففيه هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [لقمان:28].. وفيه هذه الآية: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:13]

وهو دليل على أن الذي كتب تلك الكلمات لا يعرف الكون وسعته.. ولا يعرف أن الأرض ليست ذرة رمل في بحر الكون الواسع.. فكيف يسخر الكون جميعا للإنسان، وهو لا يساوي شيئا في الكون جميعا؟

ابتسم الشيخ، وقال: هل يمكنك أن تغلق أنفك وفمك ولو لدقائق محدودة؟

قال الرجل: ألم يعجبك كلامي.. فرحت تأمرني بالسكوت؟

قال الشيخ: لا.. أنا لم آمرك بالسكوت.. لكني أجبتك عن سؤالك.. فطلبت منك أن تتوقف عن التنفس لبضع دقائق، وأحببت أن أرى هل تطيق ذلك، أم لا؟

قال الرجل: لا حاجة لي لأن أفعل ذلك.. فأنا أعلم أنني لا أطيق ذلك..

قال الشيخ: لم؟

قال الرجل: هذا لن تفهمه أنت.. ولكني مع ذلك سأشرحه للحضور..

ثم توجه للحضور، وقال: لقد دلت الحقائق العلمية التجريبية على أن وظيفة الجهاز التنفسي هي توفير غاز الأوكسجين لكل خلية من خلايا الجسم، ومن ثم تخليصها من غاز ثاني أكسيد الكربون الذي تنتجه هذه الخلايا.. والأوكسجين عنصر ضروري لإنجاز عملية تحويل المواد الغذائية إلى طاقة تلزم لإجراء مختلف أنواع العمليات الحيوية التي تجري في داخل الخلايا، أو ما يسمى بالحرق أو الهدم، وينتج عن عملية التحويل هذه غاز ثاني أكسيد الكربون.. وتقوم مكونات الجهاز التنفسي المختلفة بأخذ الأوكسجين من الجو، ومن ثم يتم إيصاله إلى خلايا الجسم من خلال الدم، والذي يعود محملا بثاني أكسيد الكربون فيقوم الجهاز التنفسي بسحبه من الدم وطرده إلى الجو..

وبما أن الجسم لا يمكنه أن يخزن الأوكسجين في داخله فإنه من الضروري تزويده بهذه العنصر الهام بشكل متواصل؛ حيث أن انقطاع وصوله للجسم لمدة ثلاث دقائق في المتوسط يؤدي إلى موت الإنسان، بينما يمكن أن يعيش الإنسان بدون طعام لعدة أسابيع، وبدون ماء لعدة أيام.

وإلى جانب هذه الوظيفة الرئيسية يقوم الجهاز التنفسي بوظيفتين ثانويتين: أولاهما استخدام الهواء الخارج من الرئتين لتوليد الأصوات من خلال مروره على الحبال الصوتية، ومن ثم الفم والأنف.. وثانيهما استخدام الهواء المستنشق المحمل بالمواد المتطايرة من مختلف المصادر للتعرف على روائحها من خلال مستقبلات الشم الموجودة في سقف الأنف.

قال الشيخ: بورك فيك على هذه المعلومات القيمة التي أفدتنا بها.. فأجبني الآن أو أجب الحضور.. لو أن هذا الأكسجين الذي تتحدث عنه لم يكن موجودا، أو كان موجودا بنسبة ضئيلة أو نسبة زائدة.. هل يمكنك أن تستفيد منه؟

قال الرجل: أظن أنك تريد أن تختبر معلوماتي.. لا بأس.. سأذكر لك معارفي فيها، فأنا مختص في هذه الجوانب([71]).. إن الأكسجين يعتبر بلا شك الغاز الأهم الموجود على الأرض.. فلو كان غير موجود لما تمكن أي كائن حي من العيش على هذا الكوكب.. وقد أثبت العلماء أن هذا العنصر يشكل ربع نسبة الغازات الجوية الموجودة حولنا.. وأثبتوا أنه لو اختفى عن الأرض لمدة 5 ثوان فقط فإن نتائج كارثية كبيرة ستحصل..

منها أن كل شخص تلمس جلده أشعة الشمس سوف يصاب بحروق خطيرة، وذلك لأن جزيئات الأكسجين تحمينا من الأشعة فوق البنفسجية المنبعثة من الشمس.

ومنها أن سماء الصباح سوف تكون مظلمة كالليل تماما، لأنه بانعدام الأكسجين سوف تقل قابلية الجسيمات الموجودة في الجو على بعثرة الضوء الأزرق.

ومنها أن كل قطع الحديد غير المعالجة سوف تلتحم مع بعضها البعض فورا، لأن ما يمنع الحديد من الإلتصاق هو في الواقع طبقة من الأكسيد.

ومنها أنأن القشرة الأرضية ستنهار، وذلك لأن الأكسجين يشكل نسبة 45 في المائة منها.

ومنها أن جميع آذان المخلوقات سوف تنفجر، لأن الأكسجين يشكل 21 في المائة من غازات الهواء الجوي فبانعدامه سوف نفقد نسبة 21 بالمائة من في لحظة، أي ما يعادل الإنتقال فوريا لأعلى قمة في جبال الأنديز بارتفاع حوالي 2000 متر.

ومنها أن كل مبنى صنع من الأسمنت سوف يتحول إلى غبار، فالأكسجين يعتبر مادة مهمة للتماسك بين الجزيئات في المواد الخرسانية، وبدونه المركبات الأخرى لا يمكنها تحمل الثقل.

ومنها أن المحيطات سوف تتبخر وتتناثر في الفضاء، فكما هو معروف الماء مكون من ذرتين هيدروجين وذرة أكسجين، وباختفاء الأكسجين سيبقى الهيدروجين على شكل غاز، ولأنه خفيف الوزن سوف يرتفع إلى طبقات الجو العليا ومنها سوف يتسرب للفضاء الخارجي.

قال الشيخ: فهذا الغاز ـ على حسب ما ذكرت ـ مسخر في خدمة الإنسان.. ولا حياة للإنسان من دونه.

قال الرجل: أجل.. والحقائق العلمية كلها تثبت ذلك.. فخدماته للإنسان والطبيعة التي يستفيد منها الإنسان لا حدود لها.

قال الشيخ: فهل لوجود هذا الغاز بهذا الشكل على الأرض، وبالمقادير التي يوجد عليها علاقة بالأرض فقط.. أم له علاقة بالمجموعة الشمسية أيضا؟

قال الرجل: ما تقول؟.. إن معلوماتك محدودة كثيرا في هذا الجانب.. فهذا الغاز ونسبته له علاقة بكل ما تراه في السماء من كواكب.. فالكون مرتبط بعضه ببعض..

فقد اكتشف علماء الفلك والكونيات مثل العالِم الشهير [سير. مارتن رِيس] أن كوننا يتمتع بخاصية غاية في الإدهاش وهي ما تُسمَّى بـ [الضبط الطفيف] حيث وجد رِيس أن خصائص الكون تتحدَّد بستة عوامل فيزيائية، وهذه العوامل تتخذ قيمًا معينة لا بد منها لوجود حياة في الكون، فإذا حاد أي منهم عن قيمته حيودًا طفيفًا استحال إعالة الكون للشفرة الحيوية، وبالتالي استحالة وجود حياة..

من هذه العوامل ما يطلق عليه [إبسلن]، قيمته في كوننا هي بالضبظ 0.007 وهي نسبة الهيدروجين الذي تحوَّل إلى هيليوم في الانفجار العظيم.. وهذا العامل لو قلت قيمته إلى 0.006 مثلًا لضعفت القوى النووية الضعيفة، وبالتالي لم يُتح للذرات الثقيلة مثل الكربون اللازم للحياة أن تتكون، ولم يُتح للنجوم أن تتكون ولصار الكون كله مليئًا بعنصر الهيدروجين فقط.. أما إذا زادت لقيمة مثل 0.008 فإن كل الهيدروجين سيتحول إلى هيليوم.. ولما تبقى أية ذرات هيدروجين تعطي طاقة اندماجها في النجوم إلى هليوم للكون والحياة فيه.

ومنها ما يطلق عليه [أن] وقيمته في كوننا (1 وعلى يمينه 36 صفرًا) وهي نسبة القوة الكهرومغناطيسية في الكون إلى القوة الجذبوية فيه، فلو كانت الجاذبية أضعف قليلًا لما تكونت النجوم، ولما أدفأت ولا أنارت كوكبنا ولانحدرت درجة حرارته إلى الهاوية السحيقة بحيث الصمت المطبق فلا حياة.. وإذا زادت قوة الجذب الكوني قليلًا لتكونت النجوم سريعًا، واحترقت سريعًا لاندفاع كميات رهيبة من الطاقة منها، وذلك لكثافتها المهولة التي تسمح بازدياد معدل احتراق وقود النجوم النووي وانتهائه سريعًا. ويترتب على ذلك احتراق أي أثر للحياة أثناء تسرُّب الطاقة من النجوم سريعًا ثم يخيم الموت الأسود البارد على الكون.

ومنها ما يطلق عليه [أوميغا]، فلو كانت قليلة لاتسع الكون سريعًا دون كبحٍ لجماحه، وخيمت الظلمة والبرودة على الكون لتتجمد أي حياة.. ولو كانت أكبر من ذلك قليلًا لانكمش الكون سريعًا وعاد إلى انهدام عظيم قبل تواجد الظروف المواتية لخلق أي حياة.. لقد قال مارتن ريس معبرا عن ذلك: (لو اختلفت أوميغا عن الواحد الصحيح بعد ثانية واحدة من الانفجار العظيم بقيمة 1 على مليون بليون -البليون = 1000000000- لما كنت تقرأ مقالتي الآن أيها القارئ العزيز!)

ومنها ما يطلق عليه [الثابت الكونياتي].. وهذه الكمية هي التي تعبر عن تسارع اتساع الكون والتي يجب أن تكون قيمتها في نطاق ضيق جدًا، فإذا زادت قليلًا لاتسع الكون قبل أن تستقر الحياة المخلوقة على الأرض، وكذلك يحدث لو قلت قليلًا فسينهدم الكون بعد قليل من فتق الرتق، وبالتالي فسيكون كونًا مبتسرًا لا حياة فيه.

ومنها ما يطلق عليه [كا] وهي كمية عجيبة تعبر عن مدى عدم انتظام كثافة الطاقة الفائرة عند فتق الرتق وهي تساوي في كوننا (1\100000)، فلو كانت هذه الطاقة منتظمة ومتماثلة تمام التماثل لظلت هكذا إلى الأبد، ولما تكونت النجوم ولا الكواكب، ولما كان يوجد تمايز بين أبعاض الكون، وبالتالى لاستحال وجود أية حياة.. ولو كانت غير منتظمة أكثر مما هي عليه لعج الكون بالثقوب السوداء التي تجعل النجوم قريبة جدًا من بعضها مما لا يتيح تكون كواكب تدور حولها وبالتالي يستحيل وجود حياة.

ومنها ما يطلق عليه [دي] وهي عدد الأبعاد الفضائية، وقد وجد العلماء استحالة وجود حياة إذا كان الكون بعدًا واحدًا لأنه حسب ميكانيكا الكم فإن الجسيمات في البُعد الواحد تمرُّ من بعضها البعض ولا يمكن أن تتماسك بحال.. أما في بعدين فيستحيل وجود حياة لأنها لن تستطيع أن تتغذى.. تخيلوا معي كائنًا ثنائي الأبعاد فإن قناته الهضمية من موضع الفم إلى موضع الإخراج ستقسِمه إلى جزئين وتتفكك الحياة التي تعتمِد على التغذية.. أي كل أنواع الحياة المعروفة. من ناحية أخرى فنظرًا لتعقيد مخ الحياة الذكية للإنسان، فلا يمكن بحالٍ أن تتكون شبكة عصبية معقدة، فكل خلية عصبية ترتبط بـ 10000 خلية أخرى من أخواتها في مخ الإنسان في كون ذي بعد واحد أو بعدين اثنين.. أما لو زادت عدد الأبعاد عن 3 أبعاد فضائية فقد وجد بول ايرينفيست المعاصر لأينشتين سنة 1917م أن مدارات الكوكب والإلكترونات حول الشموس وأنوية الذرات بالترتيب لن تكون مستقرة وبالتالي يستحيل تواجد أية حياة.

قال الشيخ، وهو يبتسم: بورك فيك يا بني.. فقد قمت بدلي بتفسير الآية الكريمة التي سردتها علي.. وقد كفيتني شرحها.. بل لم أكن لأشرحها بمثل ما شرحتها أنت.

قال الرجل: ما تعني بقولك هذا؟

قال الشيخ: أنت ترى ـ بحسب ما شرحت ـ أن كل ما في الكون مسخر للإنسان.. وأنه لو اختل جزء بسيط منه لقضي على كل شيء بما فيه الإنسان.. أنسيت أنك نقلت عن مارتن ريس قوله: (لو اختلفت أوميغا عن الواحد الصحيح بعد ثانية واحدة من الانفجار العظيم بقيمة 1 على مليون بليون -البليون = 1000000000- لما كنت تقرأ مقالتي الآن أيها القارئ العزيز!)

***

لم يجد الرجل ما يجيب.. وانصرف الشيخ، ورحت أتبعه.. فدخل المسجد.. ودخلت معه إليه من غير أن أكون مؤمنا في ذلك الوقت.. وما هي إلا فترة وجيزة حتى صعد المنبر، وراح يقرأ آيات التسخير في القرآن الكريم، ثم يخطب في الحاضرين.. ومما أذكره قوله: هل فكَّرت ـ أيها الإنسان ـ يومًا لماذا تصحو من النوم صباح كل يوم فتجد هناك جاذبية أرضية ولم يحدث مرة في حياتك أن انقطعت خدمة الجاذبية عن منزلك كما تنقطع خدمة الكهرباء بسبب الأعطال الفنية في شركة الكهرباء؟!

هل تفكَّرت يومًا لماذا لا يزداد ثابت الجذب العام فجأة عشرة أضعاف فتجد نفسط ملقىً على الأرض لا تستطيع حِراكًا، بل تجد أن الغلاف الجوي قد انضغط جدًا حتى صار الضغط رهيبًا؟! بل وتجد القمر قد اقترب إلينا بحيث يجرُّ معه مياه البحار والمحيطات جرًّا ليُصبح المدُّ رهيبًا فتغرق المدن الساحلية. بل وتجد الأرض قد اقتربت من الشمس فازدات حرارتها فوق احتمالنا؟ لقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر:41]، هذا مثال واحد لقيومية الله تعالى على تسخير الجاذبية الكونية لنستفيد منها، فكيف بباقي المسخرات التي لا عد لها؟

ثم أضاف يقول: إن الكون بعظمته مُسخَّرٌ لك أيها الإنسان. وهو ليس مُسخَّرًا لك لتستخدمه في معصية من سخَّره لك، وإنما هو مُسخَّرٌ لك لتقوم بوظيفتك المحدَّدة بوضوح من قِبل ربك تعالى وهي عبادته.

فإن أردت أن تستخدم نعمة الله التي لا تُحصى في معصيته، فلتعصه بدون جسدك المملوك لله المُسخَّر لك وبدون كونه المملوك له تعالى المُسخَّر لك حتى تكون قد تحليت ببعض الحياء. فمن قلة الحياء أن تُعادي ربك بفضله!

***

بعد أن سمعت هذا خرجت إلى بعض المراصد الفلكية، بعد أن سمعت أن هناك فيزيائيين وفلكيين كبارا حضروا البلدة بعد أن اكتشف بعض أهلها اكتشافات فلكية مهمة، فجاءوا لزيارته وتكريمه.

وقد تسنى لي بفعل علاقات الكثيرة، أن أجلس إليهم، وأستمع منهم.. ويا سبحان الله.. فقد كانت أحاديثهم كلها تدور حول تسخير الله لمخلوقاته.. وكأن الله قد أرسل لي هذا المفتاح لألج منه إلى أبواب فضله وكرامته.

لقد كان مما سمعته منهم قول أحدهم: إنه لمن المدهش حقا أن يكون هذا الكون الشاسع الهائل بكل ما فيه من أجرام سماوية، ومخلوقات أرضية، مسخرا تسخيرا خاصا لخدمتنا نحن البشر.

قال آخر: لقد كانت النظرة السائدة إبان الثورة العلمية الأوروبية، وخاصة بعد نظريات لابلاس ونيوتن وغيرهما، احتقار الإنسان، واحتقار ما ورد في الكتب المقدسة من تسخير الكون له.. ولهذا اعتبروا الأرض كوكبا تافها، كتفاهة حبة الرمل إذا ما قورنت بشواطئ البحار.. لكن بعد التطورات الكثيرة التي عرفتها الفيزياء الحديثة ظهرت نظريات أكثر علمية وأكثر دقة، وقد أعادت للإنسان مكانتها التي اعتبرتها الأديان والكتب المقدسة.

قال آخر: لقد قال مؤلف كتاب العلم من منظوره الجديد يحكي قصة ذلك: (وهكذا بعد أن كان الإنسان يعتبر مخلوقاً يسكن كوكباً متواضعاً يدور حول نجم لا شأن له في مجرة تحوى 100 مليار نجم آخر، أصبح الآن يقوم بدور المشارك في مسرحية كونية عظيمة، هذا إلى جانب جميع الأحداث الكونية بدءاً بالانفجار العظيم فصاعداً كانت قد صممت بحيث تسمح بوجود مخلوقات واعية في مكان ما من الكون المتمدد وفي حقبة من حقب تاريخه.. كل هذه أدلة تحمل في طياتها الإقناع الكافي بنشوء تصور كوني جديد للعالم.. فالنظرة القديمة هي في سبيل إفساح المجال أمام نظرة جديدة تركز على الإنسان بوصفه مراقباً ومشاركاً واعياً وتفرد للعقل وللعمليات الذهنية مكانة تضاهي مكانة العالم المادي)([72])

قال آخر: وقال [أندرو كونواي ايغي] أحد أشهر علماء الطبيعة في أوائل القرن العشرين: (ففي علم وظائف الأعضاء تدل خياشيم الأسماك على أسبقية الماء، كما تدل أجنحة الطيور ورئات الإنسان على أسبقية الهواء، وتدل أعين الإنسان على أسبقية الضوء، كما يدل حب الاستطلاع العلمي على أسبقية الوقائع، وكما تدل الحياة على أسبقية القانون الطبيعي اللازم لنشأتها.. وإنني أتساءل الآن: أفلا يدل التدبر العميق والتفكير الصافي والشجاعة العظمى والواجب الأعظم والإيمان الكبير والحب العميق.. أفلا يدل كل أولئك على شيء سابق؟ من الحماقة أن نظن أن أعمق الأفكار والعواطف والأعمال التي نشاهدها في الإنسان لا تدل على شيء سابق.. إنها تدل على أسبقية وجود عقل علوي. إنها تدل على وجود خالق يتجلى في خبرة أولئك الذين لا يضعون الحواجز في طريق عقولهم عند البحث عن العقل الأسمى أو الخالق الأعلى)([73])

ما سمعت هذا حتى رحت أصرخ في القاعة، وأمام الجمع الكثير من العلماء: (يا الله.. يا الله.. يا الله)، وبقيت أرددها وأبكي.. والعجب أن كل القاعة بعلمائها وفلاسفتها وعوامها وخواصها رددوها معي بكل عشق وشوق.

برهان التوفير:

بعد أن أنهى الرجل الأول حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن حدثكم صديقي وأخي عن [برهان التسخير]، وكيف خرج به من ظلمات الجهل والغواية إلى نور الإيمان والهداية.. فاسمعوا حديثي الذي لا يقل عنه عجبا.. وهو عن برهان من براهين العناية الرحيمة، أطلقت عليه اسم [برهان التوفير].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات..

فالله برحمته وفر لنا كل ما نحتاجه.. وبقدر ما نحتاجه.. وفي الوقت الذي نحتاجه.. وبالدقة التي نحتاجها.. وكل ذلك لا يدل على وجوده فقط، بل يدل على مدى عنايته ورحمته ولطفه بعباده، وأنه ما خلقهم إلا ليكرمهم، ويمن عليهم من فضله.

وقد كان التأمل في هذا وحده هو رسول ربي إلي للإيمان.. فقد كنت في بيئة لم يكن فيها مؤمن واحد.. ولا شيخ واحد.. ولم أكن أسمع بالأديان أصلا.. لأني لم أكن أعيش إلا وسط المخابر.

لكن التأمل في الكائنات والبحث في المعارف المختلفة قادوني جميعا إلى الله.. وسأحكي لكم قصة هدايتي.. وكيف جذبني الله إليه بهذه السلاسل من فضله.

كان أول ما أثار انتباهي في هذا هو اللبن.. ذلك الغذاء الأساسي الذي يعتمد عليه الرضيع في نشأته.. والذي لولاه لم تستمر الحياة، ولم تصر إلى الصورة التي نراها.. لقد كان اللبن مثار اهتمام شديد من طرفي في ذلك الوقت الذي كنت لا أؤمن فيه إلا بمادية الحياة، وأنها لم تكن سوى نتيجة تطور وجد بالصدفة..

لقد وجدت ذلك السائل العجيب، وفي تلك المرحلة الدقيقة والخطيرة من عمر الإنسان، آية من آيات الله العظمى، التي لو تأملها الإنسان، واكتفى بها لوصل إلى الله.. ولهذا وجدت في رحلتي إلى الله كيف أشاد القرآن الكريم به، وكيف دعا إلى النظر فيه باعتباره برهانا عظيما من براهين الدلالة على الله.. قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]، وقال: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: 66]

لقد كان أول ما بدأت به أبحاثي هو مقارنتي بين اللبن الطبيعي الذي تفرزه الأم بعد الولادة مباشرة، لتوفر لابنها الغذاء الذي يحتاجه، وبين اللبن الذي أنتجته مصانعنا المتطورة، والذي لم تستطع تصنيعه ولا تصميمه إلا بعد أبحاث طويلة، ومن كبار المختصين، وبإسناد كبير من جهات كثيرة متعددة.. وعندما رأيت الفرق العظيم بينهما، قلت في نفسي: هل يمكن أن يكون اللبن الذي وجد صدفة، وبطريقة عشوائية، ومن طبيعة عمياء صماء بكماء أكثر إتقانا وإبداعا من لبن وضعه كبار الباحثين، وبعد خبرة طويلة؟

لقد جعلني هذا أعيد النظر في مواقفي فيمن صمم اللبن الأول.. لقد قلت في نفسي: هل يمكن أن تكون الصورة المتقنة التي لا تحوي أي ثغرة، ولا أي خطأ، صورة عشوائية، لم يقم برسمها أي فنان، بينما الصورة الممتلئة بالأخطاء والثغرات صورة تحتاج إلى مبدع وفنان؟

اسمحوا لي أن ألقي على مسامعكم بعض ما اكتشفت في ذلك الحين، والذي كان من أول البراهين والآيات التي جذبتني إلى الله([74]).

لقد رأيت من خلال أبحاثي، وأبحاث غيري الكثيرة في هذا المجال، أن حليب الأم يتطور تركيبه من يوم لآخر بحسب ما يلائم حاجة الرضيع الغذائية، وبحسب تحمل جسمه، وما يلائم غريزته وأجهزته التي تتطور يوماً بعد يوم، وذلك عكس الحليب الصناعي الثابت التركيب..

فمثلاً تفرز الأم في الأيام الأولى لبنا يحوي أضعاف ما يحوي اللبن العادي من البروتين والعناصر المعدنية، لكنه فقير بالدسم والسكر، كما يحوي أضدادا لرفع مناعة الوليد، وله فعل ملين، هو الغذاء المثالي للوليد.

كما رأيت أنه يخف إدرار اللبن من ثدي الأم، أو يخف تركيزه بين فترة وأخرى بشكل غريزي، وذلك لإراحة الجهاز الهضمي عند الوليد، ثم يعود بعدها بما يلائم حاجة الطفل.

ورأيت أن لبن الأم أسهل هضماً من اللبن الصناعي، وذلك لاحتوائه على خمائر هاضمة تساعد خمائر المعدة عند الطفل على الهضم، وتستطيع المعدة إفراغ محتواها منه بعد ساعة ونصف، وتبقى حموضة المعدة طبيعية ومناسبة للقضاء على الجراثيم التي تصلها، بينما يتأخر هضم خثرات الجبن في غيره من الألبان، لثلاثة أو أربع ساعات، كما تعدل الأملاح الكثيرة الموجودة في غيره من الألبان حموضة المعدة ،و تنقصها مما يسمح للجراثيم وخاصة الكولونية بالتكاثر مما يؤدي للإسهال والإقياء.

بالإضافة إلى هذا وجدت أن حليب الأم معقم، بينما يندر أن يخلو الحليب في الرضاع الصناعي من التلوث الجرثومي، وذلك يحدث إما عند عملية الحلب، أو باستخدام الآنية المختلفة أو بتلوث زجاجة الإرضاع.

ووجدت أن درجة حرارة لبن الأم ثابتة وملائمة لحرارة الطفل، ولا يتوفر ذلك دائماً في الإرضاع الصناعي.

ووجدت أن لبن الأم يحتوي على أجسام ضدية نوعية، تساعد الطفل على مقاومة الأمراض، ووجدت أنها تتواجد بنسبة أقل بكثير في غيره من الألبان، كما أنها غير نوعية، ولهذا فمن الثابت أن الأطفال الذين يرضعون من أمهاتهم أقل عرضة للإنتان ممن يعتمدون على الإرضاع الصناعي.

ووجدت أن الإرضاع الطبيعي يدعم الزمرة الجرثومية الطبيعية في الأمعاء ذات الدور الفعال في امتصاص الفيتامينات وغيرها من العناصر الغذائية، بينما يسبب الإرضاع الصناعي اضطراب هذه الزمرة.

ووجدت في مقابل ذلك أن الإرضاع الصناعي يهيء الطفل للإصابة أكثر، بأمراض مختلفة، كالتهابات الطرق التنفسية، وتحدد الرئة المزمن الذي يرتبط بترسب بروتين اللبن في بلاسما الطفل.. والتهاب الأذن الوسطى، لأن الطفل في الإرضاع الصناعي يتناول وجبته وهو مضطجع على ظهره، فعند قيامه بأول عملية بلع بعد الرضاعة ينفتح نفير أوستاش ويدخل الحليب واللعاب إلى الأذن الوسطى مؤدياً لالتهابها.

ووجدت أن الرضاع الصناعي يزيد حالات التهاب اللثة والأنسجة الداعمة للسن بنسبة ثلاثة أضعاف، عن الذين يرضعون رضاعة طبيعية، أما تشنج الحنجرة، فلا يشاهد عند الأطفال الذين يعتمدون على رضاعة طبيعية.

وقد وجدت بعد كل هذا أن هذه الفروق وغيرها ليست بسيطة، أو يمكن المرور عليها مرور الكرام، بل إنها مهمة جدا، وهي تفسر لنا نسبة الوفيات عند الأطفال الذين يعتمدون الإرضاع الصناعي عن نسبة وفيات إخوانهم الذين يرضعنو رضاعة طبيعية بمقدار أربعة أضعاف رغم كل التحسينات التي أدخلت على طريقة إعداد الحليب في الطرق الصناعية، وعلى طريقة إعطائه للرضيع..

بالإضافة إلى ذلك كله وجدت أن هناك فوائد نفسية واجتماعية كثيرة للأم ورضيعها بسبب تلك الرضاعة الطبيعية، فقد أكد علماء النفس أن الرضاعة ليست مجرد إشباع حاجة عضوية إنما هو موقف نفسي اجتماعي شامل، تشمل الرضيع والأم وهو أول فرصة للتفاعل الاجتماعي.

ففي الرضاعة الطبيعية يشعر الطفل بالحنان والحب والطمأنينة، ويحدث اندماج في المشاعر بين الطفل وأمه، وهذا يحدث من التصاقه بأمه أثناء الرضاعة، وخصوصا الرضاعة لفترة طويلة.. وبذلك تقوي العلاقة بين الطفل والأم عكس الطفل الذي يأخذ غذاءه عن طريق الرضاعة الصناعية، فهو محروم من الحب والحنان والشعور، ولهذا يكون دائما خائفا، وتكون العلاقة بينه وبين أمه مضطربة الى حد كبير مما يؤدي فيما بعد أو أثناء فترة الطفولة الى الاستعداد للإصابة بالأمراض النفسية المختلفة.

ولذلك وجدت أن الرضاعة الطبيعية تعتبر مناعة طبيعية ضد حدوث المرض النفسي والعقلي سواء في فترة الطفولة أو باقي مراحل الحياة.. ووجدت أن الأطفال الذين تم تغذيتهم عن طريق الرضاعة الطبيعية أكثر ذكاء، ويمتازون بسلوكيات سوية، مثل التعامل مع الآخرين والتفاعل الجيد والسليم مع المواقف المختلفة.. بخلاف الأطفال الذين كانوا يتعاطون الرضاعة الصناعية الذين كانوا أقل ذكاء، وأكثر توترا، وأقل تعاونا مع الآخرين.. وكانوا يعانون من بعض الأمراض النفسية مثل الحركة الزائدة، أو التخلف في بعض منهم والتردد والإصابة بالنزعات العصبية والأزمات وكذلك الأنانية والتمركز حول الذات والعنف والاندفاعية.

ووجدت بالإضافة إلى ذلك كله أن في الرضاعة الطبيعية فوائد اقتصادية كبيرة، لا على الأسرة وحدها بل على المجتمع أيضا، ولهذا رأيت حرص الشركات الكبرى الممونة للرضاعة الصناعية على إشهار منتوجاتها تحت عناوين مختلفة.

وقد قرأت حينها مقالا لأحدهم يذكر فيه هذه الناحية الخطيرة التي جلبتها الحضارة الحديثة للإنسانية، يقول فيه: (يعتبر مسحوق اللبن الصناعي صنفا محببا من أصناف الغذاء الذي تقدمه الدول الغنية إلى الدول التي تعاني من كوارث ومجاعات، ولكن المعارضة على هذه المعونات تتزايد لأنها تعيق استمرار الرضاعة الطبيعية التي تعتبر أفضل وسيلة لحماية الطفل، فاستخدام قارورة الرضاعة مرة واحدة قد يجعل الطفل يعاف الرضاعة من الثدي مرة أخرى، كما تتعرض هذه المساحيق بسهولة إلى التلوث أثناء تحضيرها نتيجة لتدني مستويات النظافة في المناطق المنكوبة، وهذا كله يعرض الأطفال في تلك المجتمعات الفقيرة للخطر، ويهدد بانتشار أوبئة الإسهال والنزلات الشعبية والرئوية القاتلة.. وعلى الرغم من توصيات خبراء التغذية بعدم التوسع في استخدامها، مازالت المجتمعات الدولية تقدم الألبان الصناعية كمعونات، وتعتبر منظمة الصليب الأحمر أكبر المنظمات التي توزع الألبان الصناعية في العالم، وأحد الأسباب الهامة وراء انخفاض معدلات الرضاعة الطبيعية كان بسبب برامج المساعدات الدولية في فترة الأربعينيات والخمسينيات) ([75])

***

سكت قليلا، ثم قال: لم يكن حليب الأم وحده سبب هدايتي مع أنه كان حقيقا بذلك.. ولكني ولكثرة ما غرس في عقلي وقلبي من شبهات كنت أعاني من تلك الخراسانة المسلحة التي وضعها في عقلي العلم الحديث المطعم بالإلحاد.. ولهذا رحت أستعمل كل معاول العلم الحقيقي لأحطم ذلك الجدار السميك الذي يحول بيني وبين إدراك حقائق الوجود.

لقد قلت في نفسي: فليكن هذا السائل العجيب بداية رحلتي للحقيقة.. فهل التوفير الذي وفر للرضيع في بداية نشوئه، خاص به أم أن مصمم هذا الكون تعامل مع الكل بهذا الاعتبار، فوفر له كل ما يحتاجه بالقدر الذي يحتاجه والنسبة التي يحتاجها والزمن الذي يحتاجه؟

وكان أول ما بدأت به ذلك الطعام الذي لا يستغني عنه أحد من المخلوقات الحية، وهو ذلك الهواء الذي نتنفسه، والذي لولاه لم تكن الحياة، ولم تستمر..

واسمحوا لي قبل أن أحدثكم عنه، أن أذكر لكم شريكي في البحث فيه وفي غيره.. بل شريكي في البحث عن الإيمان.. وهو صديقي العزيز [كريسى موريسون] الذي كان حينها يمارس أهم الوظائف العلمية في أمريكا، فقد كان رئيسا لأكاديمية العلوم بنيويورك، ورئيسا للمعهد الامريكي لمدينة نيويورك، وعضوا للمجلس التنفيذي لمجلس البحوث القومي بالولايات المتحدة، وزميلا في المتحف الامريكي للتاريخ الطبيعي، وعضوا للمعهد الملكي البريطاني.. وكل هذه المراتب العلمية الكبيرة التي أتيحت له كانت بسبب أبحاثه الكثيرة والجادة في المجالات العلمية المختلفة.

قال لي في بداية التقائي به في أكاديمية العلوم بنيويورك، وهو يحاورني: لا شك أن لبن الأم قد أثار اهتمامك، وجعلك تتساءل تساؤلات فلسفية، لا صبغة علمية لها؟

قلت: كيف تقول ذلك.. ونحن نمزج في دراساتنا العلم بالفلسفة، بل نخلطهما خلطا عجيبا، لا يتسنى لأحد أن يتخلص منه بسهولة.. هذا إن استطاع أن يتخلص.

قال: كيف ذلك؟

قلت: ألسنا نعبر عن الحليب الصحي المتناسب مع طبيعة الإنسان وحاجاته باسم [الحليب الطبيعي]، بينما نعبر عن منتجاتنا في هذا المجال، والمملوءة بالثغرات بـ [اللبن الصناعي]؟

قال: وما في ذلك؟

قلت: ألم تتساءل عن سر نسبة الحليب الصحي المتناسب مع الإنسان إلى الطبيعة، بينما نسب الآخر للصناعة؟

قال: هم يعبرون عن ذلك لكون الطبيعة هي التي صنعته.. بينما الحليب الآخر نسب إلينا لأننا نحن ومصانعنا المتطورة هي التي قامت بذلك.

قلت: ومن الطبيعة؟.. وهل لها من الذكاء والقدرات العقلية والعلمية ما تستطيع تصميم مثل ذلك اللبن العجيب الذي عجزت عن تقليده مصانعنا المتطورة؟

قال: صدقت في هذا.. فنحن نهرب بنسبتنا الأشياء للطبيعة عن البحث عن منتجها الحقيقي..

قال لي ذلك، ثم أخذني إلى بعض المخابر، وراح يحدثني عن الهواء، ذلك الغذاء الأساسي الذي لا يستغني عنه الإنسان.. بل لا تستغني عنه الحياة.. وقال لي([76]): إن الأوكسجين هو نسمة الحياة لكل الحيوانات التي فوق الأرض، ولا يمكن الحصول عليه لهذا الغرض إلا من الهواء.. وهذا يدعونا إلى التساؤل عن سبب كون هذا العنصر ذي النشاط البالغ من الوجهة الكيموية، قد أفلت من الاتحاد مع غيره من العناصر، وترك في الجو بنفس النسبة تقريبا اللازمة لجميع الكائنات الحية؟

فلو كان الأوكسجين بنسبة 50 بالمائة مثلا أو أكثر من الهواء بدلا من 21 بالمائة، فإن جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة لابد أن تلهب الغابة حتى لتكاد تنفجر.

ولو أن نسبة الأوكسجين في الهواء قد هبطت إلى 10 بالمائة أو أقل، فإن الحياة ربما طابقت نفسها عليها في خلال الدهور، ولكن في هذه الحالة كان القليل من عناصر المدنية التي ألفها الإنسان – كالنار مثلا – تتوافر له.. واذا امتص الأوكسجين الطليق، ذلك الجزء الواحد من عدة ملايين من مادة الأرض، فن كل حياة حيوانية تنقرض على الفور.

وقال لي، وهو يشير إلى غاز آخر: إن ثاني أوكسيد الكربون، من الغازات الضرورية التي تعتمد عليها الحياة، وهو يعلق بالأرض، ولا يتم فصله إلى أوكسيجين وكربون إلا بصعوبة كبيرة.. وعليه تعتمد حياة كل نبات.. فأوراق الشجر هي بمثابة رئات، ولها القدرة في ضوء الشمس على تجزئة ثاني اوكسيد الكربون العنيد إلى كربون واوكسيجين.

وبتعبير آخر: يلفظ الأوكسجين ويحتفظ بالكربون متحداً مع هيدروجين الماء الذي يستمده النبات من جذوره. وبكيمياء سحرية، يصنع من هذه العناصر سكرا أو سيلولوزا ومواد كيموية أخرى عديدة وفواكه وأزهاراً.. ويغذي النبات نفسه، وينتج فائضا يكفي لتغذية كل حيوان على وجه الأرض. وفي الوقت نفسه، يلفظ النبات الأوكسجين الذي نتنسمه، والذي بدونه تنتهي الحياة بعد خمس دقائق.

وهكذا نجد أن جميع النباتات، والغابات والأعشاب، وكل قطعة من الطحلب، وكل ما يتعلق بحياة الزرع، تبني تكوينها من الكربون والماء على الأخص.. والحيوانات تلفظ ثاني اوكسيد الكربون، بينما تلفظ النباتات الأوكسيجين، ولو كانت هذه المقايضة غير قائمة، فإن الحياة الحيوانية أو النباتية كانت تستنفد في النهاية كل الأوكسجين أو كل ثاني اوكسيد الكربون، تقريباً، ومتى انقلب التوازن تماماً ذوي النبات أو مات الانسان، فيلحق به الآخر وشيكا.

وقد اكتشف أخيراً أن وجود ثاني اوكسيد الكربون بمقادير صغيرة، هو أيضاً ضروري لمعظم حياة الحيوان، كما اكتشف أن النباتات تستخدم بعض الاوكسيجين.

وقال لي، وهو يشير إلى غاز آخر: ويجب أن يضاف الهيدروجين أيضا، وإن كنا لا نتنسمه، فبدون الهيدروجين لا يمكن وجود الماء.. فالأوكسجين والهيدروجين وثاني اوكسيد الكربون والكربون.. سواء أكانت منعزلة أم على علاقاتها المختلفة بعضها مع بعض هي العناصر الرئيسية لتكون الحياة.. وهي عين الأساس الذي تقوم عليه الحياة..

قلت: أليس من الغريب أن تجتمع جميع هذه الغازات الضرورية في محل واحد، وبنسب مضبوطة مع الحياة.. وأن تتوفر في نفس الوقت لجميع الكائنات الحية من دون بذل أي جهد في تحصيلها؟

قال: بلى.. إنه غريب جدا، فالاحتمالات المرتبطة بذلك لا تعد ولا تحصى.. والقول بأن كل ذلك جاء مصادفة من غير يد خارجية صممته مستحيل من الناحية العقلية استحالة تامة.. بل إنه قول يتحدى جميع العلوم الرياضية.

قلت، وأنا أبتسم: ولكن مع ذلك.. هناك غاز قد يشير إلى احتمالية ذلك.. فهو غاز موجود في الطبيعة بشكل كثيف وكثير من غير أن تكون هناك أي دواع لوجوده.. وبذلك قد يكون مبررا للقائلين بالعبثية والصدفة.

ابتسم، وقال: لا أشك أنك تقصد النتروجين؟

قلت: أجل.. ألست تراه لا أهمية له ولا ضرورة، لا للنبات، ولا للحيوان، ولا للإنسان؟

قال: لا تقل هذا أبدا.. فأنت تخطئ في حقه، وفي حق المصمم العظيم الذي صممه، فهذا الغاز لا يقل أهمية عن كل الغازات التي ذكرتها، ونسبته مضبوطة بدقة مثل سائر الغازات.. فهو يعمل كمخفف للأوكسيجين، ويخفضه إلى النسبة التي تلائم الإنسان والحيوان.. وهو يتوافر بقدر حاجتنا بالضبط، لا يزيد عنها ولا ينقص.

بالإضافة إلى ذلك، فإن النتروجين لو توافر بمقادير أكثر أو أقل مما هو عليه، لما أمكن أن تكون الحياة بهذا الشكل، ذلك أن هناك سلسلة من المواد الكيموية التي يجد النتروجين جزءا منها، والتي يمكن أن يقال عنها بصفة عامة أنها نتروجين مركب.. أي النتروجين الذي يمكن ان تتلقاه النباتات، أو النتروجين الذي يتكون منه العنصر النتروجيني في أغذيتنا التي بدونها يموت الإنسان جوعا.. وبدون النتروجين، في شكل ما، لا يمكن أن ينمو أي نبات من النباتات الغذائية.

***

وهكذا بقيت مع صديقي [كريسى موريسون] ننتقل من عنصر إلى عنصر، ومن مادة إلى مادة، وقد وجدنا أن الله تعالى بحكمته ورحمته ورعايته ولطفه بعباده وفر لهم كل ما يحتاجونه، وبدقة عالية لا يمكن تصورها.

لقد جعلنا ذلك نشهد أن لهذا الكون مصمما وخالقا وبارئا، وأنه من الخرافة والجهل عدم اعتبار ذلك.. وقد طرح علي صديقي موريسون حينها أن نشترك في كتابة كتاب يلخص أبحاثنا في هذا الجانب.. وأن نسميه [العلم يدعو للإيمان]، فطلبت منه أن يقوم بصياغته وبحثه، فهو صاحب المبادرة فيه.. وقد نفذ ما طلبته منه، وقال في مقدمته يذكر شهادته في هذا الجانب: (إن وجود الخالق تدل عليه تنظيمات لا نهاية لها، تكون الحياة بدونها مستحيلة. وإن وجود الإنسان على ظهر الارض، والمظاهر الفاخرة لذكائه، إنما هي جزء من برنامج ينفذه بارئ الكون)([77])

 برهان التيسير:

بعد أن أنهى الرجل الثاني حديثه، قام آخر، وقال: بعد أن حدثكم صديقي وأخي عن [برهان التوفير]، وكيف خرج به من ظلمات الجهل والغواية إلى نور الإيمان والهداية.. فاسمعوا حديثي الذي لا يقل عنه عجبا.. وهو عن برهان من براهين العناية الرحيمة، أطلقت عليه اسم [برهان التيسير].. وهو برهان يدل على الله من كل الوجوه، وبكل المقدمات، وبجميع اللغات..

فالله برحمته لم يوفر لنا فقط كل ما نحتاجه، بل يسر لنا أيضا تناوله والحصول عليه والاستفادة منه بطرق عجيبة غاية في الدقة والجمال.

لست أدري ما أقول لكم حول الجديد الذي سأذكره في قصتي إضافة لما ذكره أخي وصديقي صاحب [برهان التوفير]، ذلك أن نفس ما عرض له عرض لي، ونفس الطريقة التي قام بها في البحث قمت بها، ونحن لا نختلف إلا في الصديق الذي لقيه هو، والصديق الذي لقيته أنا.. أما هو فقد لقي عالما غربيا.. وأما أنا فقد لقيت عالما عربيا.. وأنتم تعلمون أن العلم لا وطن له.. والحقيقة لا جنسية لها.

عندما لقيته في ذلك الوقت، وكنت مشحونا من رأسي إلى قدمي بتلك المادية المقيتة التي حفظناها في المدارس كما نحفظ جدول الضرب.. وكنت حينها منشغلا بالاضطرابات السياسية التي أصابت العالم، فكدرت عليه صفوه، وجعلته يستعلي بعضه على بعض، ويظلم بعضه بعضا.. قال لي وهو يحاورني: دعني من سياسة العالم، وهلم بنا نبحث في سياسة الجسد.. لنرى عجائب التنظيم المودعة فيه.. فلعلنا نجد في نظام الجسد ما يحفظ نظام العالم.

قلت: وهل هناك سياسة في الجسد حتى نستفيد منها في سياسة العالم؟

قال: لو لم تكن في الجسد سياسة وتنظيم، لما قام لحظة واحدة.

قلت: ها أنا أستمع.. فحدثني.

قال([78]): يمكن تشبيه الجسم إلى حد بعيد بالأمة والدولة.. فالخلايا هي أفراد الشعب العامل.. وتجمع الخلايا في عمل واحد يشبه المديريات والمؤسسات.. والاختصاصات في الجسم تشبه الوزارات إلى حد ما.. فالجهاز العصبي المركزي هو بمثابة السلطة الحاكمة المهيمنة، المخلصة، العاقلة، العالمة، والجسم كله يمثل الشعب المتفاني في الطاعة وتقديم الولاء.

قلت مبتسما: وجهاز الدوران.. ما هي الوزارة التي سلمتها له؟

قال: هو يجمع بين خاصية نقل الغذاء والاكسجين إلى الأنسجة العطشى الجائعة وإرجاع بقايا الاحتراق ونفايات الغذاء، فهذا الجهاز يعبّد الطرق، ويشق الممرات ويحس الوصل.. ولذا فهو أشبه بوزارة المواصلات.

قلت: والجهاز الهضمي؟

قال: هو ينقل إلى الأمعاء النشويات والبروتينات والدسم والماء والأملاح المعدنية والفيتامينات، ويلقي الفضلات والقمامة التي لا يحتاجها البدن، ولذا فإن هذا الجهاز أشبه بوزارة التموين في الجسم.

قلت، وكأني أريد أن أتحداه: والغدد العرقية؟

قال بهدوء، وكأنه أعد الإجابة إعدادا: هي أشبه بوزارة السياحة والاصطياف لأنها تبرد الجسم وتخفف من حرارته.

قلت: والجلد واللحف([79]) والأظافر والاشعار؟

قال: هي تمثل الانسان من الخارج، فهي أشبه بوزارة الخارجية!

قلت: وجهاز التنفس؟

قال: هو يأتي بالغازات الضرورية للبدن مثل الاكسجين، ويطرح غاز الفحم، وهكذا يتصفى الدم من الكدر، ولذا فهو أشبه بوزارة الاقتصاد لأنه يستورد ويصدر.

قلت: والعضلات والمفاصل والعظام؟

قال: هي أشبه بوزارة الدفاع أو الحربية والجيش، لأنها تدافع عن الانسان كما تقوم بالهجوم إذا لزم الأمر.

قلت: والكبد؟

قال: هو مركز الجمارك العام، لأن كل ما يرد إلى البدن من الطريق الهضمي يمر فيه حيث يبعد المشتبه به، ويدخل المرغوب فيه، كما يعدل الشيء المشكوك به ويرسل معه مراقباً حتى يلقيه خارج الحدود عن طريق الكلية، وهو ما يعرف بالازدواج الكبريتي أو الغلو كوروني، لأن هاتين المادتين تترافقان مع المادة التي ستطرح إلى الكلية.

قلت: والطحال؟

قال: هو المقبرة الموحشة للكريات الحمر، لأن الكرية لا تعيش أكثر من شهرين وسطياً حيث تنقل إلى الطحال وتواري مثواها الأخير..

قلت: والنخاع الموجود في باطن العظام وأماكن أخرى متناثرة في الجسم؟

 قال: هو أشبه ما يكون بوزارة الصناعة لأنه يصنع الكريات الحمر والبيض والصفيحات، وعناصر أخرى كثيرة.

قلت: والجهاز البولي؟

قال: هو أشبه بوزارة الداخلية، لأنه يطرح العناصر غير المرغوب فيها خارج الحدود، ويحافظ على نظام البدن الداخلي حتى يتزن ولا يتقلب، كما ينظم السوائل الداخلة والخارجة حتى لا يحصل العبث بالنظام الداخلي، ولذا فهو مصفاة البدن الكبيرة والمحافظة على الاتزان الداخلي.

قلت: والحواس؟

قال: هي امتدادات وزارة الخارجية.. أي الجلد.

قلت: واللسان وأعضاء التصويت؟

قال: هي وزارة الإعلام التي تذيع الأخبار وتبث الأحاديث، وتنقل الأفكار والمفاهيم، والإذاعة هي مراكز التصويت المتجمعة في الحبال الصوتية والحنجرة وغضاريفها، واللسان وعضلاته، والجمجمة وحفرها، والشفة ومقدم الفم.

***

لقد كان حوارنا هذا مقدمة لحوارات كثيرة جعلتنا نخرج من عالم الإنسان المحدود إلى عالم الوجود اللا محدود.. لقد جعلنا هذا نتساءل عن سر ذلك التيسير الذي توفر لكل شيء حتى يعيش حياته بأحسن ما يرام، من غير تكلف ولا عن