الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: ما قاله الملاحدة.. ولم يسجله التاريخ

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1438 هـ

عدد الصفحات: 352

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

هذه الرواية الحوارية محاولة لاستنطاق أصوات الفطرة التي لم يستطع كبار ملاحدة التاريخ أن ينطقوا بها، أو يسجلوها في كتبهم، أو يسجلها التاريخ عنهم.. بينما كل شيء يدل عليها، فالإنسان مهما انحرف عن فطرته، فسيبقى فيه ما يصرخ بالحقيقة التي يغض طرفه عنها.

وقد استلهمنا هذه الأحاديث من تلك الصرخة التي صرخها فرعون الطاغية المستبد الذي كان يجاهر كل حين بمعارضته لربه، وتكذيبه به.. لكنه في اللحظة التي تنكشف فيها الحقائق راح يصرخ بالاعتراف بالله، والإذعان له.. وهذا يدل على أنه كان في قرارة نفسه يعترف بالله، ولكن كبرياءه حال بينه وبين الإذعان له، كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]

وهكذا يحكي لنا القرآن الكريم قصص أولئك المشركين الذين يقرون بالله، ويخلصون له، ويتخلصون من كل الأوثان التي تحول بينهم وبينه في ساعات الشدة والضيق، قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]

فهرس المحتويات

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

مقدمة السلسلة

مقدمة الكتاب

البداية

تنويريون

بارون دي هولباخ:

جان مسلييه:

عبد الله القصيمي:

صادق جلال العظم:

وجوديون

جان بول سارتر:

جوزيبّي رينسي:

ميخائيل باكونين:

كريستوفر هيتشنز:

حسيون

دافيد هيوم:

برتراندرسل:

كارل ساغان:

سام هاريس:

عبثيون

أبيقور اليوناني:

آرثر شوبنهاور:

مايكل مارتن:

ديفيد رونيجارد:

مصارعون

لودفيج فويرباخ:

كارل ماركس:

فريدريك إنجلز:

فلاديمير لينين:

متجبرون

هربرت سبنسر:

فريدرك نيتشة:

آدولف هتلر:

أدولف أيخمان:

طبائعيون

ديموقريطس اليوناني:

فيكتور شتينجر:

ريتشارد دوكينز:

ستيفن هوكنج:

النهاية

 

هذا الكتاب

هذه الرواية الحوارية محاولة لاستنطاق أصوات الفطرة التي لم يستطع كبار ملاحدة التاريخ أن ينطقوا بها، أو يسجلوها في كتبهم، أو يسجلها التاريخ عنهم.. بينما كل شيء يدل عليها، فالإنسان مهما انحرف عن فطرته، فسيبقى فيه ما يصرخ بالحقيقة التي يغض طرفه عنها.

وقد استلهمنا هذه الأحاديث من تلك الصرخة التي صرخها فرعون الطاغية المستبد الذي كان يجاهر كل حين بمعارضته لربه، وتكذيبه به.. لكنه في اللحظة التي تنكشف فيها الحقائق راح يصرخ بالاعتراف بالله، والإذعان له.. وهذا يدل على أنه كان في قرارة نفسه يعترف بالله، ولكن كبرياءه حال بينه وبين الإذعان له، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]

وهكذا يحكي لنا القرآن الكريم قصص أولئك المشركين الذين يقرون بالله، ويخلصون له، ويتخلصون من كل الأوثان التي تحول بينهم وبينه في ساعات الشدة والضيق، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65]

 

مقدمة السلسلة

تحاول هذه السلسلة المعنونة بـ [الإلحاد .. والدجل] مواجهة الموجة الإلحادية الجديدة التي تكتسح مجتمعاتنا الإسلامية خصوصا، والمجتمعات الإنسانية عموما، لتحقق مشروع الشيطان الأكبر: صرف الإنسان عن الله، وصرفه بعد ذلك عن كل القيم الإنسانية والدينية الرفيعة، والانحدار به في هاوية [أسفل سافلين]، حيث يفقد الإنسان إنسانيته، ويفقد معها قيمه وكرامته، وينضم بعدها إلى معسكر الشياطين.

وقد استثمر هذا الإلحاد الجديد الدجل الديني الذي وقع فيه أصحاب الأديان، وخصوصا المسلمين في عصرنا، من إعطائهم صورا مشوهة للدين تمتلئ بالتطرف والعنف والإرهاب وكل القيم الشيطانية، كما استغل سلفهم من ملاحدة التنويريين أخطاء الكنيسة ودجلها وانحرافها عن رسالتها المثالية الرفيعة، لتصبح دين خرافة وإقطاع واستبداد.

وقد رأينا أنه لا يمكن لأحد من الناس أن يواجه هذين النوعين من الإلحاد [التنويري والجديد] من دون أن يعترف بوجود الدجل الديني، فلا يمكن لمن يظل محتفظا بالخرافات والضلالات المتسربة للدين أن يواجه الحقائق العلمية والعقلية التي يدل عليها كل شيئا.

ولذلك كتبنا سلسلة [الدين .. والدجل] قبل أن نكتب هذه السلسلة الجديدة، لنحطم بذلك أكبر الأسس التي تقوم عليها البراهين الإلحادية، والمعتمدة على نقد التراث الديني، واستغلال أخطائه وضلالاته ودجله، ولكي لا نلتزم بكل ما يريد دعاة الإلحاد التنويري أو الجديد من إلزامنا به، فدين الله أعظم من أن يمثله البشر، وإنما يدل على نفسه بنفسه من خلال مصادره المقدسة.

وبما أن هذا النوع من الإلحاد لا يكتفي باللغة الفلسفية أو العلمية، وإنما يستعمل كل الوسائل والأساليب ليصل لعوام الناس وخواصهم، فهو يستعمل اللغة الأدبية في رواياته وقصصه القصيرة والطويلة، ليصل إلى الجماهير العريضة من الناس، كما يستعمل الكتابة العلمية والأكاديمية ليصل إلى نخبة المثقفين، فإنه يلزم على من يريد أن يواجه هذه المنظومة الشاملة لأخطر أنواع الأسلحة أن يستعمل نفس أساليبها ووسائلها حتى يصل إلى عوام الناس ونخبتهم.

ولذلك استعملت هذه السلسلة كلا الأسلوبين: الأسلوب العلمي الذي يصف الواقع بدقة، ويرد عليه، والأسلوب الأدبي الذي يصف الواقع ببعض الرمزية ليقرب الصورة، ويحولها إلى واقع مشاهد بدل أن يكون واقعا مسموعا أو موصوفا.

وبما أن هذا النوع من الإلحاد لا يكتفي باللغة الجادة، وإنما يضم إليها الكثير من السخرية الممتلئة بالبذاءة والوقاحة مستثمرا الواقع الديني المزيف، فلا مناص لنا من أن نستعمل السخرية من باب المشاكلة، ولكنا نربأ بأنفسنا أن نقع في البذاءة التي يقع فيها، وإنما نستعمل السخرية التي نص عليها قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾[ هود: 38]

وهي سخرية ممتلئة الأدب، ومضمخة بعطر السلام، فلا نقصد منها إهانة لهؤلاء الملاحدة أو تحقيرا لهم، وإنما قصدنا منها أن ينتبهوا إلى أنفسهم، وما تريد بهم الشياطين.

وهكذا فإننا لا نريد من استعمال كلا اللغتين الجادة والساخرة سوى الخير لهؤلاء الضحايا المغرر بهم، فهم فريسة الجهل، وتعطيل العقل، كما هم فرائس للواقع الديني المزيف، ولو أنهم أبصروا الحقيقة الجميلة الصافية، لكانوا أول المدافعين عنها.

وبما أن هذا الإلحاد الجديد يستمد مصادره من الإلحاد التنويري ومن الصراع بين المتدينين، فهكذا سنفعل في مناقشتنا له من الاستفادة من كل المصادر التي تناقشه أو ترد عليه بلغة هادئة أو لغة قاسية.. مع فارق بسيط، وهو أننا لا نعتمد إلا الصدق والحقيقة، فالغاية لا تبرر الوسيلة.

ولذلك سيرى القارئ الكريم أننا نستفيد من الكثير من المراجع التي اهتمت بنقد الإلحاد، بغض النظر عن الجهة التي أصدرتها.. فهي جميعا مراجع لها قيمتها العلمية، ويشكر أصحابها عليها، ونحن نعتبرهم شركاءنا في الحرب على هذا الدجل الخطير الذي يريد أن يقضي على كل القيم الإنسانية، فالإلحاد مقدمة لانهيار الإنسانية.

ولا ينبغي للمسلم العارف بدينه أن تضيق نفسه بهذا، فالله تعالى أخبرنا أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بيننا وبين أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46]

ولكن ذلك لا يمنعنا من نقد الدجل الديني الذي وقع فيه بعض رجال الأديان المختلفة، والذي كان سببا من أسباب الإلحاد، مثلما نقدنا الدجل الديني الذي وقع فيه بعض المسلمين.

وفي الأخير قد يعتبر البعض البحث في هذا نوعا من الترف العقلي الذي لا مبرر له، وأن المسلمين بخير، ولا يحتاجون لمثل هذا الأبحاث، وقائل هذا لا يعرف الواقع، وليس له تفكير استشرافي مستقبلي ليعرف ما يراد بالمسلمين.

فمعسكر الاستكبار العالمي الذين استثمر جهل المسلمين ليغزو أرضهم، ويسرق خيراتهم، هو نفسه الذي لا يزال يخطط، لا للعودة من جديد، وإنما لتحويل المسلمين إلى خدم مسخرين لخدمته، ولا يتمكن من ذلك إلا إذا استأصل منهم إنسانيتهم، ولن يتاح له ذلك إلا إذا استأصل منهم عقيدتهم.. وأول عقائدهم إيمانهم بالله.

ونحب أن ننبه في مقدمة هذه السلسلة كما نبهنا في مقدمة سلسلة [الدين .. والدجل] إلى أن هدفنا منها هو النصيحة الصادقة المخلصة التي لا تتضمن أي نوع من العداوة أو الحقد، فنحن نعتقد أن هؤلاء الملاحدة إخواننا في الإنسانية، وأنه يجب علينا جميعا أن نبحث عن الحقيقة، وأن نسلك في حياتنا ما تدعو إليه من غير أن يشنع بعضنا على بعض، أو يلغي بعضنا بعضا.

مقدمة الكتاب

من الأساليب التي يستعملها الملاحدة قديما وحديثا في مناقشاتهم مع المؤمنين من أهل الأديان المختلفة، ما يطلق عليه (الشخصنة)([1])، وهي التركيز على الأشخاص بدل الحقائق، على الرغم من نقدهم الشديد لما يسمونه التيارات السلفية والراديكالية والأصولية، وعلى الرغم من تبجحهم بكونهم من أهل العلم والحقيقة والعقل.

إلا أننا عندما نستقرئ كتاباتهم نجد ذلك التضخيم المبالغ فيه لكل ملحد مهما كانت رتبته من الثقافة والفكر.. فهو عندهم عبقري ما دام قد صرح بالإلحاد.. وهو عندهم أبله وغبي ورجعي ما دام محافظا على إيمانه.. بغض النظر عن طروحاته التي يطرحها.

وكمثال على ذلك موقفهم من الملحد العربي [عبد الله القصيمي]، فهو مع كونه قبل إلحاده كان أصوليا سلفيا متطرفا، كتب يدافع عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب والطروحات السلفية المتشددة، ويشن هجوماته على المخالفين لهم، إلا أنه وبمجرد تصريحه بإلحاده تحول عندهم إلى رمز للعبقرية والتفكير المنطقي.

وهكذا نراهم يضخمون [إسماعيل مظهر] ذلك الشاب البسيط الذي لم يخلف أي ثروة علمية، ولا أي إنتاج فكري، لسبب بسيط، هو تأليفه لرسالة هزيلة لا تمت بصلة للفلسفة ولا للعلم عنونها بـ [لماذا أنا ملحد]، وتراهم يستعملون كل الوسائل للدفاع عنه، وعن كونه لم ينتحر، بل يتهمون المؤمنين بقتله من غير بينة ولا دليل.

وهكذا نراهم يمجدون الحداثيين، لا لشيء، وإنما لموقفهم المتشدد من الدين، ومن مصادره المقدسة، على الرغم من أن هؤلاء الذين يمجدونهم لم يقدموا أي بديل لأطروحاتهم إلا البديل الذي تلقفوه من الغرب، ومن الأساتذة الذين تتلمذوا عليهم.

ونفس الشيء نجده في موقفهم من العلماء من غير العرب.. فهم يمجدون الملاحدة منهم، ويحتقرون المؤمنين حتى لو كانوا من أصحاب تخصص واحد، ومدرسة واحدة.

ومن الأمثلة على ذلك أنهم يقدمون كل أساتذة نظرية التطور من الملاحدة على نفس القائلين بهذه النظرية من غيرهم حتى لو كان دارون نفسه([2]) .. فهم يشيدون بالعالم الألماني [أرنست هايكل]، لا بسبب دقته العلمية، وإنجازاته في هذا المجال([3])، وإنما بسبب تصريحه بالإلحاد، ولهذا نراهم يرددون كل حين اعتباره أن أصل الحياة هو [المونيرا] التي تركبت اتفاقا من الأزوت والهيدروجين والأكسجين، ومنها تكونت الحياة.. ويرددون معها قوله: (ائتوني بالهواء وبالماء وبالأجزاء الكيماوية وبالوقت وسأخلق الإنسان)([4])

وهكذا نراهم يمجدون كاهن الإلحاد الأكبر في العصر الحديث [ريتشارد دوكينز] الذي راح يحول من نظرية دارون من مجرد كونها محاولة لفهم سر نشأة الحياة وتعدد أنواعها إلى نظرية فلسفية تحاول أن تزيح الله من إيجاد الحياة، بل من إيجاد كل شيء.

ولذلك نجد كتب دوكينز تحظى من الشهرة والانتشار بين الملاحدة ما لا تحظى به كتب أعلام نظرية التطور الكبار أنفسهم، ونحسب أنه لولا امتطاؤه لهذه النظرية واستثمار لها في الدعوة للإلحاد ما كانت له هذه الشهرة، ولا المقروئية.

وهكذا نجدهم في تعاملهم مع أعلام الفيزياء الحديثة، والتي صرح كبار أعلامها بإيمانهم بالله، بل ألفوا في ذلك المؤلفات.. لكن مرض الشخصنة الذي أصيب به دعاة الإلحاد الجديد جعلهم يغفلون عن هؤلاء، وعن غيرهم كثير، ويركزون على ستيفن هوكينج الذي يحاول الملاحدة أن يلغوا به كل الفيزيائيين التقليديين والمحدثين، كما عبر عن ذلك الملحد التطوري [ريتشارد دوكينز] بقوله: (لقد طرد دارون الإله من البيولوجيا، ولكن الوضع في الفيزياء بقي أقل وضوحاً، ويُسدد هوكينج الضربة القاضية الآن!!)

وقد عبر [هوكينج] عن هذا الدور الذي وكل إليه في نشر الإلحاد باسم الفيزياء بقوله: (تماما مثلما فسر دارون ووالاس كيف أن التصاميم المعجزة المظهر في الكائنات الحية من الممكن أن تظهر بدون تدخل قوة عظمى، فمبدأ الأكوان المتعددة من الممكن أن يفسر دقة القوانين الفيزيائية بدون الحاجة لوجود خالق سخر لنا الكون، فبسبب قانون الجاذبية فالكون يستطيع ويمكنه أن يُنشيء نفسه من اللاشيء، فالخلق الذاتي هو سبب أن هناك شيء بدلا من لاشيء، ويفسر لنا لماذا الكون موجود، وكذلك نحن)([5])

انطلاقا من هذه الشخصنة التي يعالج بها الملاحدة أخطر قضية في الوجود [وجود الله]، يحاول هذا الكتاب، وهو مقدمة هذه السلسلة، أن يحطم هذه الأسطورة عبر مناقشته لأطروحات كبار الشخصيات التي يتبناها الملاحدة، ويدافعون عنها، ويعتبرونها نماذج للتفكير المنطقي، والبحث العلمي، ونحن لا ننكر أن يكون لتلك الشخصيات إسهاماتها في البحث العلمي، ولا كونها تفكر تفكيرا منطقيا في الكثير من القضايا، ولكنا ننكر اعتماد الشخصنة بدل اعتماد البحث العلمي والعقلي في كل القضايا، وخاصة في هذه القضية الخطيرة.

وبما أن الملاحدة الجدد يعرضون أمثال هذه الشخصيات وعليها الكثير من تيجان الوقار والانبهار، وبلغة تصل للعام والخاص، فقد حاولنا في هذا الكتاب أن نستعمل نفس الأسلوب، ونعرض هذه الشخصيات بطريقة مبسطة سهلة لتصل إلى عوام الناس وخواصهم.

وحتى لا تكون ردودنا قاسية أو تحمل أي إساءة لأشخاص هؤلاء الملاحدة والمتعلقين بهم، فقد اعتمدنا منهج الاعتراف والإقرار، أي أننا حاولنا أن نستنطق الفطرة التي جبل عليها كل خلق الله بما فيهم الملاحدة أنفسهم، ليقوم الملاحدة أنفسهم بذكر أخطائهم والرد عليها بعد اكتشافهم للحقيقة، كما قال تعالى معبرا عن حال الكفار بعد معاينهم للحقائق: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 27 ـ 29]

ولهذا فإن هذه الرواية الحوارية محاولة لاستنطاق أصوات الفطرة التي لم يستطع كبار ملاحدة التاريخ أن ينطقوا بها، أو يسجلوها في كتبهم، أو يسجلها التاريخ عنهم.. بينما كل شيء يدل عليها، فالإنسان مهما انحرف عن فطرته، فسيبقى فيه ما يصرخ بالحقيقة التي يغض طرفه عنها.

وقد استلهمنا هذه الأحاديث من تلك الصرخة التي صرخها فرعون الطاغية المستبد الذي كان يجاهر كل حين بمعارضته لربه، وتكذيبه به.. لكنه في اللحظة التي تنكشف فيها الحقائق راح يصرخ بالاعتراف بالله، والإذعان له.. وهذا يدل على أنه كان في قرارة نفسه يعترف بالله، ولكن كبرياءه حال بينه وبين الإذعان له، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]

وهكذا يحكي لنا القرآن الكريم قصص أولئك المشركين الذين يقرون بالله، ويخلصون له، ويتخلصون من كل الأوثان التي تحول بينهم وبينه في ساعات الشدة والضيق، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65]

وجمعنا بين المشركين والملحدين في محل واحد ليس غريبا، ولا مستبعدا، فالملحد ليس سوى مشرك، أشرك الطبيعة بالله، ونسب الصنعة لغير أهلها، ونسب التدبير لغير أهله.. فلذلك كانت آيات الرد على المشركين هي نفسها آيات الرد على الملحدين.. فالمشرك الذي نسب الكون لصنم لا عقل له ولا تدبير، لا يختلف عن الملحد الذي ينسب الكون للطبيعة العمياء الصماء البكماء التي لا عقل لها ولا تدبير.

وقد اخترنا لتحقيق هذا الغرض سبعة أصناف من المدارس التي تضم كبار الملاحدة في التاريخ، غير مراعين في اختيار الشخصيات البعد الزماني، وهي:

التنويريون: ونقصد بهم أعلام التنوير في عصر النهضة الأوروبية، والذين اكتفى بعضهم بإبداء موقف سلبي من الكنيسة والمسيحية، بينما ذهب آخرون إلى إلغاء الأديان جميعا، بل صرح الكثير منهم بالإلحاد.. وقد ناقشنا في هذا الفصل استثمار الملاحدة لأخطاء المتدينين في الدعوة للإلحاد، أو كون الدين المزيف سببا في ظهور الإلحاد، وحاولنا أن نثبت عدم علاقة الإيمان ولا الإلحاد بالتنوير.. وأن كليهما يمكن أن يساهم في التنوير، أو يساهم في الظلامية.

الوجوديون: ونقصد بهم أعلام المدرسة الوجودية، وهي المدرسة التي تدعو إلى الحرية التامة في التفكير بدون قيود، وتؤكد على تفرد الإنسان، وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار، ولا يحتاج إلى موجه خارجي، وبالتالي لا يحتاج إلى إله.. ومع علمنا بكون الوجودية ذات تيارات مختلفة منها ما هو ملحد، ومنها ما لا علاقة له بالإلحاد، إلا أننا هنا ركزنا على الملاحدة خصوصا، وعلى العلاقة بين الأخلاق والإلحاد.

الحسيون: ونقصد بهم أعلام المدرسة الوضعية ودعاة المنهج التجريبي الذين طالبوا بالتعامل مع الحقائق الدينية بأساليب المنهج التجريبي المادي.

العبثيون: ونقصد بهم أعلام المدرسة العبثية، والتي تتصور الحياة بصورة ممتلئة بالعبث واللامعنى، وهي لذلك لا ترى أي مضمون حقيقي وراء السلوك الإنساني، بل وراء الحياة نفسها.. وقد ناقشنا من خلالهم التصورات الإلحادية للحياة، وعبثيتها، لنبين من خلال ذلك قيمة الإيمان ومدى فاعليته في الحياة.

المصارعون: ونقصد بهم أعلام المادية الديالكتيكية، وهي التفسير المادي الجدلي للمادة وللظواهر الطبيعية.. وقد ناقشنا من خلالهم هذه الطروحات، وبينا مدى ما تحمله من مصداقية علمية.

المتجبرون: ونقصد بهم أعلام العنصرية في التاريخ، والمرتبطين بالكثير من أعلام الملاحدة من أمثال نيتشة وسبنسر وهتلر وغيرهم.. وقد ناقشنا من خلالهم مدى الظلم الذي يلحق بالإنسان جراء الإلحاد، وإلغاء القيم الدينية والإنسانية.

الطبائعيون: ونقصد به علماء الفيزياء والبيولوجيا من أصحاب النظرة المادية والتفسير المادي للكون والحياة سواء كانوا من أعلام النظرة العلمية القديمة، أو النظرة العلمية الجديدة.. وقد ناقشنا من خلالها مدى دقة ما طرحوه من أفكار إلحادية.

ونحب أن ننبه إلى أن هذا العمل ـ مع اعتماده العلمية والعقلانية في طرح الأفكار ومناقشتها ـ إلا أنه من حيث الصياغة عمل فني، لا تراعى فيه الدقة في الوقائع التاريخية، فلذلك قد نضع بعض الشخصيات في أمكنة أو أزمنة لا علاقة لها بها من الناحية الواقعية، ذلك أن الهدف هو الفكرة، وليس الأحداث.

وبناء على هذا اعتمدنا الرمز وسيلة لطرح الكثير من الأفكار أو تقريبها، ومن أمثلة ذلك رمز [فندق الملاحدة]، والذي يمتلئ بكل ألوان الترف والزينة، لكن الملاحدة يحجبون عنه، ويعيشون حياة ممتلئة بالأسى، ومتوافقة مع ما اختاروه من مواقف.. وهو جزاء وفاق لحقيقة الملاحدة الذين تنعمت أجسادهم بزينة الحياة الدنيا، وشقيت أرواحهم بالانقطاع عن النعيم الحقيقي: نعيم التواصل مع الله.

ونحب أن ننبه أيضا إلى أننا في نقد بعض الطروحات العلمية نكتفي بالرد المجمل، لا المفصل، لأننا خصصنا كتبا خاصة بالرد المفصل على الطروحات الإلحادية المختلفة.. فهدف هذا الجزء هو التعريف بكبار مروجي الإلحاد، مع ذكر عوامل إلحادهم، والتعريف بطروحاتهم ومناقشتها مناقشة عامة لا تفصيلية.

البداية

تبدأ حكاية رحلتي هذه مع [معلم الإيمان] عند زيارته لي لأول مرة، وقوله ـ بشدة ممزوجة لينا، وقسوة ممتلئة رحمة ـ: قم لتتعلم الإيمان.

فرددت عليه بتلقائية: أنا مؤمن بحمد الله، وقد ورثت إيماني عن أجداد كثيرين، كلهم يلهجون بالشهادتين، وماتوا وهم يرددونها.

قال: ذلك إيمان الوراثة.. وهو إيمان لا يفرقك عن غيرك، ولا يميزك عن سواك.. فكلهم ورثوا عقائدهم، كما ورثوا أموالهم.. ولا ينفعهم في اليوم الذي تبلى فيه السرائر إلا ذلك الإيمان الذي اكتسبوه، وعاشوه، وتحققوا به.. فعدل الله يأبى أن يحاسب الإنسان إلا على ما اختاره واكتسبه.

قلت: لكني سمعت مشايخي من العلماء والمحققين يسألون ربهم أن يرزقهم إيمانا كإيمان العجائز.. وقد حكى لي بعضهم أن الإمام الهمام شيخ الإسلام فخر الدين الرازي مر مع نفر من أصحابه على عجوز تعجبت من احترامهم له، فسألت عن سر ذلك، فقال لها بعضهم: هذا إمام وجد ألف دليل على وجود الله.. فتعجبت وقالت: لو لم يكن عنده ألف شك، لما احتاج إلى البحث عن ألف دليل.

قال: وهل تعرف دين العجائز، وإيمانهم؟

قلت: أجل.. فهو إيمان فطري بسيط لا يحتاج أي تكلف ولا استدلال.. هومثل حياتهم تماما، ممتلئ بالبساطة.. ليس فيه أي تعقيد.. ولا يحتاج بذلك أي بحث.

قال: فكيف يميز هؤلاء الحق من الباطل، والخير من الشر؟

قلت: هم ورثوا ذلك وراثة.

قال: فهل ورثوه عن معصومين لا يخطئون ولا ينحرفون، أم ورثوه عن بشر مثلهم يخطئون ويصيبون؟

قلت: بل ورثوه عن بشر مثلهم، يخطئون ويصيبون.

قال: فهل ترى موازين الله الممتلئة بالعدالة تقبل باطلهم الممزوج بالحق، وشرهم الممزوج بالخير، لكونهم ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، ولا مسؤولية لهم في ذلك؟

لم أدر ما أجيبه، لأني إن خالفته في ذلك قرأ علي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإلى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: 104]، وغيرها من الآيات الكريمة التي تنعى عليهم تقليد المشركين لآبائهم، ووراثتهم الدين منهم.

وإن وافقته فيما ذكر أكون قد تخليت عن مبدئي الذي تعلمته وورثته.. لكني وجدت حيلة للفرار، فقلت: لك أن تقرأ علي ما شئت من آيات القرآن الكريم التي تنعى على المشركين اتباعهم لآبائهم وأجدادهم.. لكن الأمر مختلف هنا، فنحن مسلمون بحمد الله، وقد ورثنا الإسلام من أشخاص كثيرين كلهم مسلمون.

 قال: الحق أعظم من أن يتعلق بالأشخاص.. الحق اسم الله، واسم الله لا يسمى به غيره.. فلذلك ابحث عنه تجده..

قلت: فكيف أبحث عنه؟

قال: بالبحث عن أهله.

قلت: ها قد عدت بنا إلى الأشخاص..

قال: عندما تسلم للأشخاص، وتنقاد لهم، وتجثو بين أيديهم كالميت بين يدي الغسال، لا تناقش لهم رأيا، ولا ترد عليهم وهما، حينها تكون عبدا للأشخاص.. وحينها ستسد الحجب بينك وبين الحقيقة.

قلت: أتقصد أن أناقش الأشخاص؟

قال: تناقش أفكارهم، لا ذواتهم.. وحججهم، لا أعيانهم.

قلت: بم؟

قال: بحجج الله التي أودعها الله في عقلك، لتميز الحق من الباطل، والخبيث من الطيب.

قلت: هذا كلام جميل.. فمن أنت .. ومن الذي أرسلك لي؟

قال: ما دمت قد جئت لأعلمك الإيمان.. فأنا [معلم الإيمان]

قلت: لا شك أن الذي أرسلك لي هو معلمي [معلم السلام]

قال: كلنا نقطة تحت الباء([6]) .. فلا تسأل عما لا يعنيك.. ولا تسأل عما يعجز عقلك عن فهمه.

قلت: معذرة .. نسيت أنني أتحدث مع النقطة التي تحت الباء..لكن أخبرني عن المنهج الذي تريد أن تعلمني به الإيمان.. هل على منهج الأشاعرة .. أم على منهج الماتريدية .. أم على منهج المعتزلة .. أم على منهج أهل الحديث.. أم على منهج الإمامية .. أم على منهج الإباضية.. أم على منهج المتكلمين .. أم على منهج الفلاسفة.. أم على منهج الإشراقيين والروحانيين.. أم على منهج ..؟

قاطعني، وقال: ألم تتعلم من معلمك معلم السلام أن تترك مثل هذه الأسماء.. فلا يمكن إدراك الحقائق لمن سجن عقله في سجون الأسماء؟

قلت: بلى .. لك الحق في ذلك .. فالحق أعظم من أن يسجن في سجون الطوائف والمذاهب والأشخاص.

***

لست أدري هل كنت نائما أم يقظان حين جرى هذا الحوار بيني وبين معلمي الجديد [معلم الإيمان]، لكن الذي أدركه جيدا أنني كنت في قمة يقظتي، ومعها في قمة حزني، قبل تلك اللحظات السعيدة التي التقيت فيها معلمي الجديد.

كنت حينها مستلقيا على أريكتي أشاهد شريطا وثائقيا عن ظاهرة الإلحاد الجديد، وسيطرته على الشباب المسلم، وتحول الإلحاد إلى موضة جديدة لا تختلف عن موضة الأكل واللباس.

وقد آثر معدو الشريط الوثائقي تصويب الكاميرا على مجموعة من الشباب الملحد، مع ترك الفرصة لهم للحديث كما يشتهون من غير أي تدخل خارجي يوجه دفة الحديث.

وهذا أسلوب صحفي اعتمدته بعض الوسائل، الإعلام ورأت مدى نجاعته في نقل الصور والحقائق بدقة.. وقد أصابوا في ذلك.. فقد صور أولئك الشباب هذا الواقع الإلحادي الجديد بكل دقة، وبكل ألم.

كان أول من بدأ الحديث شاب في مقتبل العمر، راح يردد بين أصدقائه بفخر واعتزاز ـ مجيبا من سأله عن سر إلحاده ـ: وكيف لا ألحد .. وأنا أرى أن البشرية لم تزدهر، والعقول لم تنور إلا بعد أن تخلصت من قيود الإيمان الممتلئ بالخرافة .. انظروا إلى كبار عمالقة التاريخ من أمثال هولباخ وفولتير وهيغل وانجلز وماركس ونيتشه وفرويد ودركايم ولينين وتروتسكي وسارتر.. وغيرهم .. ترونهم جميعا نبذوا أديانهم وكل الخرافات التي تقيد بها سلفهم، ليؤمنوا بإله العقل والعلم.

قال آخر: وانظروا إلى عمالقة العرب تجدونهم جميعا من الذي أقروا بإلحادهم، بل انتصروا له رغم القمع الذي واجههم به الخرافيون.. هل سمعتم بإسماعيل مظهر، والزهاوي، والرصافي، والعظم، والقصيمي.. كل هؤلاء العمالقة، وغيرهم كثير، تمردوا على الخرافة، واعتنقوا الإلحاد.

قال آخر: هل سمعتم بعبقري العصر، بل نبي الإلحاد الجديد [ريتشارد دوكنز] صاحب القرآن البديل عن قرآن الخرافيين.. إنه صاحب كتاب [وَهْم الإله]، ذلك الكتاب العبقري الذي استطاع أن يحطم به أسطورة الدين وكل عقائده الخرافية.. لقد عبر في كتابه ذلك عن الحقيقة التي تاهت البشرية عنها لأجيال طويلة، لقد أثبت فيه أن (الملحدين يجب أن يكونوا فخورين، لأن الإلحاد دليل على عقل صحي ومستقل) .. وأثبت (أن الملحدين يمكن أن يكونوا سعداء، متّزنين، ذوي أخلاق، وراضين فكريًا).. وأن (الانتقاء الطبيعي والنظريات العلمية المشابهة تتفوق على فرضية الإله في تفسير وجود الكائنات الحية والكون)([7])

قال آخر: ومثله ذكر [روبرت بيرسيغ]، فقد اكتشف أنه (عندما يعاني شخص من وهم يسمى ذلك جنوناً، وعندما يعاني مجموعة أشخاص من وهم يسمى ذلك ديناً)

قال آخر: وهل سمعتم بذلك العبقري العظيم [سام هاريس] صاحب الكتاب الأسطورة [نهاية الإيمان] الذي تصدر قوائم أكثر الكتب مبيعًا في العالم، وصاحب المحاضرات والفيديوهات التي يسمعها ويشاهدها مئات الآلاف حول العالم، وصاحب المؤسسة العظيمة [المعرفة العلمية] التي حطمت كل خرافات المتدينين.

قال آخر: وهل سمعتم بذلك الفلكي الأمريكي العظيم [كارل ساغان] صاحب كتاب [عالم تسكنه الشياطين: العلم الطبيعي كشمعة في الظلام] ذلك الكتاب الذي قضى على الخرافة والأسطورة، وبشر بملة الإلحاد الجديد ..هذه النِّحلة الطبيعية المعاصرة التي قضت على كل الأديان.. ورفعت شعارات التنوير والعلم الطبيعي والعقلانية.. لقد استطاع أن يكمل بجهوده الجبارة ما قام به ريتشارد دوكينز في كتابه [وهم الإله]، وسام هاريس في كتابه [نهاية الإيمان]، وهيتشنز في كتابه [الإله ليس عظيمًا]

قال آخر: لا تنسوا أن تذكروا أعظم فيزيائي في التاريخ [ستيفن هوكينغ] الذي استطاع أن يجيب عن كل تساؤلاتنا المرتبطة بنشأة المادة، مثلما أجاب دوكينز عن أسئلتنا المرتبطة بالحياة.. ولذلك لا نحتاج أي دين ليجيبنا عن تساؤلاتنا.. فالعلم هو مصدر الحقيقة لا الدين.

قال آخر، بصوت ممتلئ بالانبهار والدهشة، وهو يحمل صورة هوكينغ وهو مقعد على كرسيه: لقد توصل هذا المقعد إلى معادلة عالمية تجمع بين النظرية العامة للنسبية التي توصل إليها أينشتاين وبين علم ميكانيك الكم.. واستطاع بذلك أن يحطم كل الخرافات التي تعلق بها المتدينون.

فجأة تغير حديث الشباب المجتمعين من الحديث عن الإلحاد وأسبابه إلى الحديث عن هوكينغ الذي امتلأوا إعجابا به إلى حد الثمالة، قال أحدهم: ألم تسمعوا ما أوردته القنوات الفضائية هذه الأيام من أن أطروحة الدكتوراه التي أعدها هوكينغ عام 1966، لاقت إقبالا كبيرا من الجمهور في يوم نشرها، ما أدى إلى تعطل قسم النشر بالموقع الإلكتروني لجامعة كامبريدج.. بل حاول أكثر من 500 ألف شخص تحميل البحث العلمي، المعنون بـ [خصائص الكون المتمدد]

قال آخر: أجل.. وقد وصف الدكتور أرثر سميث، من جامعة كامبريدج، تلك الأرقام بأنها مهولة.. وأضاف الدكتور سميث، نائب مدير الاتصالات العلمية بالجامعة: (هذه الأعداد أكبر بكثير من الأعداد التي حققها أي موضوع في مستودع جامعة كامبريج للأبحاث (أبوللو).. وأضاف: (ربما أجازف بالتخمين أن أطروحة البروفيسور هوكينغ تعد أكثر الموضوعات التي لاقت إقبالا، في أي مستودع للأبحاث على الإطلاق. لم نشهد أرقاما مثل تلك من قبل)

قال آخر: ألم تعلموا أن الأطباء قدروا في شبابه أنه لن يعيش سوى فترة محدودة بعدما تم تشخيص حالته عندما كان في الثانية والعشرين من عمره، بأنه مصاب بمرض عضال لا شفاء منه في العضلات والجهاز العصبي.. لكنه عاش رغما عنهم، ليذهل البشرية باكتشافاته العجيبة.

بعد أن ملوا من الحديث عن هوكينغ، وبعدها عن دوكينز.. قال أحدهم: دعونا من كل هذه الأحاديث.. وهلم أسمعكم آخر إبداعاتي التي نشرتها على صفحتي.. لقد وضعت آذانا جديدا للملاحدة([8]) ..

ضحك أصحابه، وقالوا: هلم أسمعنا إياه.. فصوتك جميل جدا.

راح الشاب يرفع صوته مثل المؤذنين بكلمات في قمة البذاءة لا أستطيع ذكرها لكم.. بعد انتهائه من سخريته قال بعض الحاضرين: رب هذة الدعوة التامة و الصلاة القائمة آتي سيدنا نيوتن الوسيلة و الفضيلة، و ابعث داروين المقام المحمود الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد.

قال آخر: و اللات و العزى و مناة الثالثة الأخرى، لو قرأت هذا الآذان علي برج إيفل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية نيتون.

قال آخر: تعالوا لأسمعكم سورة جديدة من قرآن الملحدين، سميتها سورة الفاتحة.. اسمعوا لها..

ثم راح يقلد بعض المقرئين: أعوذ بداروين من الله الرجيم .. باسم نيوتن العالم العظيم.. الحمد لداروين العالم الفهيم.. هاتك عرض الدين.. إياك ندرس و إياك نستعين.. اهدنا الفهم السليم. فهم الذين أنعمت عليهم.. غير الذين ضحكت عليهم و لا المهبولين.

قال آخر: وقد وضعت سورة سميتها سورة داروين.. اسمعوا لها.

راح يقرأ: بسم العلم العظيم.. ألم.. والعلم العظيم.. هل اتاك حديث داروين.. اذ قال ياقوم انا كنا قردة خاسئين.. فتتطورنا إلى بشر عاقلين.. كذلك التطور يفعل لو كنتم موقنين.. فكذبوه وقالوا عجوز سمين.. أإذا كنا قرودا نتطور إلى بشرا إن هذا إلا أساطير الاولين.. ومابال القرود لم تتطور إن كنت من الصادقين.. قال ياقوم إنا نشترك معهم بسلف مشترك لو كنتم تعقلون.. قالوا مانراك إلا خرفت ياداروين.. فأرسلنا عليهم عذابا مهين.. وكذلك نجزي الظالمين.. فسبح بحمد العقل إنه لك دليل متين.. صدق العقل العظيم.

***

بقي الشباب الملحد فترة يمزج بين الجد والسخرية من القرآن الكريم، ومن كل الشعائر الدينية إلى أن كدت أنفجر ألما وحزنا وغضبا.. وقد زاد في ألمي أن هذا الشريط يراه ويسمعه ملايين الناس، والكثير منهم لا اهتمام له بالدين، ولا علاقه له به.. وقد خشيت أن ينتقلوا به من واقع الغفلة إلى واقع الجحود.. لتنتشر بذلك موضة الإلحاد، وتنتشر معها قيم الملاحدة.

وقد زاد في ألمي أن الفرص كلها كانت متاحة لهؤلاء الدجالين لينشروا سمومهم، فالكثير من الوعاظ والخطباء تخلوا عن الحديث عن العقائد والقيم، ليتحدثوا عن طوائفهم ومذاهبهم.. ليكفر بعضهم بعضا، ويبيح بعضهم دماء بعض لتخلو الفرصة بعدها لهذا الجيل من المنحرفين والملحدين.

في تلك اللحظات الأليمة، جاءني معلم الإيمان.. وطلب مني الاستعداد للقيام بأول رحلة لتثبيت الإيمان.. وطلب مني أن أحمل قلمي، لأسجل كل ما أراه وأسمعه بدقة.

سألته عن وجهتنا، فقال: سنذهب إلى فندق الملاحدة.

قلت متعجبا: فندق الملاحدة..ماذا تقول.. لعلك أخطأت.. قل جحيم الملاحدة.. لا فندق الملاحدة.. ألم تسمع سخريتهم من القرآن الكريم.. ألم تر صلافتهم ووقاحتهم.. هل ترى أن أمثال هؤلاء المجرمين يجازون بالفنادق.. لعل الأمر اختلط عليك؟

لم يأبه معلم الإيمان لكلامي.. بل سار بي في متاهات عجيبة لا أستطيع وصفها، حتى وصل بي إلى عمارة ضخمة، ممتلئة بكل ألوان الزينة، وفيها كل أنواع الرفاه.. وقال لي: هذا هو فندق الملاحدة.. فسر إليه، وستجد من يرشدك في رحلتك هذه .. ولا تنس أن تكتب كل ما تسمع.. وتسجل كل ما ترى.

امتلأت دهشة لما رأيت.. وقلت في نفسي: هل هذا هو فندق الملاحدة.. ألأجل هذا الفندق راح أولئك الشباب يتركون دينهم؟

قال لي معلم الإيمان: لا تستعجل.. وسر.. فلن ترى العجائب إلا بالسير.

قلت: وأنت .. ألن تسير معي؟

قال: أنا دوري الهداية والدلالة.. وقد انتهى الآن .. وسترى في الطريق من يرشدك.. فلكل وجهة إمام.

قال ذلك، ثم غاب عني، كما تعود معلم السلام أن يغيب.

سرت في الطريق المؤدية إلى فندق الملاحدة، وكانت ممتلئة بالزهور الجميلة، لكنها لم تكن تصدر أي رائحة.. بل كانت ممتلئة بالحزن والكآبة.. وكانت أول مرة أرى فيها الزهور بتلك الحالة.. وكانت أول مرة أشعر فيها بالأسى والألم، وأنا أعاين جمالها..

في مدخل الفندق.. رأيت شابا ممتلئا بأنوار الإيمان، استقبلني بأدب، وراح يقول لي: لاشك أن الذي أرسلك هو معلمي معلم الإيمان.

قلت: أجل.. هل تعرفه؟

قال: وهل يمكن لي أن أنساه.. لقد جعله الله واسطة الهداية التي أخرجتني من ظلمات الغواية.

قلت: عجبا.. وهل مررت بظلمات الغواية.. لا يبدو عليك ذلك.

قال: هل رأيت الشباب الذين امتلأوا إلحادا وغفلة؟

قلت: أولئك المجرمين أصحاب القلوب المظلمة، والعقول المعطلة.. لا تحدثني عنهم.

قال: لقد كنت أحدهم.. لكن الله من علي بمعلم الإيمان.. فخرجت من التيه إلى الرشاد.. ومن الضلال إلى الإيمان.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد رحل بي إلى هذا الفندق.. وفيه عاينت الحقيقة التي كان عقلي غافلا عنها..

قلت: إن ما تقوله عجيب.. فكيف يكون فندق الملاحدة مدرسة للإيمان .. وكيف يكون مركز الضلالة منبعا للهداية .. أتراكم أخطأتم التسمية.. أم ترى الإلحاد عندكم ليس سوى الإيمان؟

قال: لا هذا ولا ذاك.. هذا فندق الملاحدة، لأن نزلاءه جميعا ملاحدة..

قلت: لم تزدني إلا عجبا.. فكيف يكون أساتذة الإلحاد هم أساتذة الإيمان.

قال: عندما تراهم وتسمع كلامهم ستعرف حقيقة ذلك.

قلت: وهل سمعتهم أنت؟

قال: أجل.. ولولاهم لكنت الآن في هاوية الإلحاد التي أوقعتني فيها غفلتي.

قلت: لا أزال لا أفهم ما تقصد؟

قال: لقد كان هؤلاء النزلاء هم سبب غوايتي.. وأبى الله إلا أن يجعلهم سبب هدايتي.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد كنت في فترة إلحادي وغفلتي معجبا بهم، فانيا فيهم، فكنت أتلقى كل ما يقولونه بتسليم مطلق، لا أناقش لهم رأيا، ولا أطلب منهم دليلا.. فقد كانت أقوالهم وحدها كافية لإقناعي.. وكانت أسماؤهم وحدها كافية لتسليمي.

قلت: ولم كان الأمر كذلك؟

قال: لقد ابتليت بأساتذة وأصدقاء زينوهم في عيني.. وصوروهم لي كما يصور الأنبياء والقديسون للمؤمنين.. وقد جعلني ذلك أقع في شباكهم.. ولولا أن من الله علي بمعلم الإيمان الذي عرفني حقيقتهم لكنت الآن في حفرة من حفرهم، وسجن من سجونهم.

قلت: فكيف وظفوك مرشدا في هذا الفندق؟

قال: هم لم يوظفوني.. بل أنا الذي تطوعت لذلك .. حتى أصلح ما كنت أفسدت، وأرقع ما كنت مزقت.. فقد كنت داعية ضلالة.. وأبى الله إلا أن يجعلني داعية هداية.

قلت: وما ذلك على الله بعزيز.. فهلا دللتني على سر وجودي في هذا الفندق.

قال: لاشك أنك أحضرت قلمك وقراطيسك معك، كما طلب منك معلم الإيمان.

قلت: أجل.. هل تريدون توثيق عقود هذا الفندق؟

ابتسم، وقال: بل نريد تسجيل أحاديث نزلائه.

قلت: كيف ذلك.. وأنى لي بذلك؟

قال: في هذا الفندق أجنحة كثيرة.. يوجد في كل جناح منها مجموعة متجانسة من الملاحدة.. وهم يتحدثون ويناقشون أسرار الإلحاد وأسبابه ودوافعه.. وأنت مطالب بأن تسجل كل ما يقولونه بدقة من غير أن تتدخل في شيء.

قلت: وما الحاجة لكل هذا التعب.. لقد ترك الملاحدة تراثا ضخما، يمكن الرجوع إليه، فهو أدق من كل ما سأكتبه.

قال: ذلك ما سجلوه.. أما أنت فستسجل ما لم يسجلوه.. هناك أشياء كثيرة صاحت بها فطرتهم وعقولهم.. لكنهم لم يجرؤوا على تسجيلها.. ولا النطق بها.. وفي هذا الفندق من الأسرار ما يجعلهم يذكرون الحقيقة كما هي من دون طلاء ولا دجل.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لا تسأل عن الكيف، فلن تفهمه.. فالله قادر على كل شيء.. ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: 21، 22]

قلت: بلى.. لكن ذلك في الآخرة.

قال: ربك رب الدنيا والآخرة..

قلت: لكن الله ذكر جلودهم؟

قال: من أنطق جلودهم قادر على أن ينطق ألسنتهم.

قلت: فهل هناك جلادون يجبرونهم على النطق بالحقيقة التي كانوا لا يجرؤون على النطق بها.

قال: لا تقل هذا فـ ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]

قلت: أتقصد أنهم ينطقون بالحقائق من تلقاء ذواتهم، من دون أن يجبرهم على النطق أحد؟

قال: أجل.. فقد تبين لهم في هذا الفندق ﴿الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]

قلت: فقد فازوا إذن؟

قال: لو قالوا ذلك في غير هذا الفندق لفازوا.. لكن الحال هنا مختلف.. حتى الشيطان نفسه لو جاء هنا لنطق بالحقيقة التي راح يكابر في الاعتراف بها.

قلت: أنا لا أزال كليلا دون فهم كل ما يحصل .. ما دام هؤلاء لم يفوزوا فلم كان جزاؤهم النزول في هذا الفندق الفخم.

قال: هو فخم بالنسبة لناظرك.. لأنك لم تنكر الحقائق، ولم تجادل فيها.. لكن النازلين في هذا الفندق من الملاحدة يتعذبون عذابا شديدا.. هم يتعذبون بقدر ما تتنعم أنت.

قلت: لم أفهم كيف يكون النعيم عذابا.

قال: ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]؟

قلت: بلى.. ولكن تلك النار.. وذلك إبراهيم.

قال: من قدر أن يحول النار بردا وسلاما قادر على أن يحول هذا الفندق نارا وجحيما.

قلت: أتقصد أن سكان هذا الفندق لا يعاينون النعيم؟

قال: بل يعاينونه كما نعاينه.. لكنهم يرونه جحيما، ولا يرونه نعيما.

قلت: لقد كل فهمي دون هذا.

قال: ألم تر في طريقك الأزهار كئيبة حزينة، لا تصدر أي رائحة؟

قلت: بلى.. وقد تعجب من ذلك.

قال: ذلك لتفهم أن النعيم منه، لا من الأزهار..

قلت: ما تعني؟

قال: الله تعالى هو الذي يرزقك السعادة عند رؤيتك للأزهار.. لا الأزهار هي التي ترزقك ذلك.. فهي ليست سوى مخلوق مثلك.

قلت: ألهذا إذن يعاين هؤلاء الملاحدة النعيم، ولا يذوقونه؟

قال: أجل.. أبى الله أن يذيق السعادة من جحده.. فالسعادة ثمرة التواصل مع الله.. وبقدر تواصلك معه تكون سعادتك به.

قلت: أجل.. أعرف هذا.. وقد مررت في رحلاتي السابقة بمن علمني علوم هذا.

قال: فهلم بنا لنزور أجنحة الملاحدة.

قلت: لقد ذكرت لي أن الأجنحة كثيرة.. فهل سنزورها جميعا؟

قال: لا .. سنكتفي بسبعة منها..

تنويريون

سرنا إلى الجناح الأول في فندق الملاحدة، وقد كتب على بابه قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 16]

سألت المرشد عن الآية، وعلاقتها بهذا الجناح، فقال: هذا جناح التنويريين..

قلت: فمن هم؟

قال: هم الذين اختلط عليهم الأمر، فتصوروا ظلمات الغواية أنوارا.. كما تصوروا أنوار الهداية ظلمة.

قلت: أعرفهم .. إنهم أولئك الذين اكتووا بنار الاستبداد، ورأوا كيف يعلق العلماء والمطالبون بالعدالة على أعواد المشانق، فراحوا يكفرون بالسلطتين الزمنية والدينية، ويصيحون: (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس)

قال: ليسوا كلهم كذلك.. فبعضهم لم ير شيئا من ذلك.. وإنما راح يحقد على الدين وعلى الله.. ويربط كل تخلف واستبداد وجور وجهل بالله.. وكأن الله هو الذي أمر عباده بذلك.

قلت: صدقت في هذا.. وقد رأيت من قومي من يربط الدين بالتاريخ الأسود للطغاة والمجرمين.. فيسقط عليه كل ما أحدثوه من جرائم.. وكأن الله هو الذي أمر بذلك.

قال: لقد اتخذ الشيطان من ذلك وسيلته للدعوة للإلحاد.. فربط الإيمان بالتخلف، وربط الإلحاد بالتحضر، مع أن الله وضع للتحضر والتخلف سننه التي من راعاها وتحقق بها تحققت له نتائجها سواء كان مؤمنا أو كافرا، وقد قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20

قلت: صدق الله العظيم.. بل إن الله تعالى أخبر أن الحضارة والتطور والرفاه متحقق للمؤمنين الذين يقيمون الكتاب حق إقامته، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ [المائدة: 66]، وضرب لنا المثل على ذلك بسليمان عليه السلام الذي آتاه الله من خير الدنيا والآخرة من غير أن يحرمه ذلك من الإيمان.

قال: وضرب له المثل بذي القرنين الذي اتبع سنن الله، وسعى في الأرض ليحقق العدل والرفاه، وقد تحقق له ذلك.. فكل من سعى وصل.

قلت: وعيت هذا.. ووعيت ذلك الكبر الذي يعاني منه أمثال هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم متنورين.. فيضعون من مقاييس الحقيقة ما لا علاقة له بالعقول.

التفتّ إلى باب الجناح الضخم، وقلت: ألا يسكن في هذا الجناح إلا المتنورون؟

قال: بلى ..

قلت: إنه جناح ضخم.. فهل هم كثيرون لهذه الدرجة؟

قال: هم أكثر مما تتصور.. كل الملاحدة يكادون ينزلون فيه.. أو لهم جزء فيه.. أو لهم زيارة له بين الحين والحين.

قلت: أتقصد أن من الملاحدة من يسكن هذا الجناح، وفي نفس الوقت يسكن جناحا آخر؟

قال: أجل.. ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ [الحجر: 43، 44]؟

قلت: بلى.. فما فيها من العلم؟

قال: لقد أخبر الله تعالى أن سكان الجحيم تتعدد منازلهم بحسب تعدد جرائمهم.. فيعذب في كل محل بالعذاب المناسب لجريمته.

قلت: وعيت هذا.. فهل ستفتح لي الباب لأعاين هؤلاء التنويريين؟

قال: أجل.. سأفتحه.. ولكنك لن ترى أحدا منهم.. بل ستمع كلامهم فقط.

قلت: لم .. أتراهم يضعون على رؤوسهم طاقية الإخفاء؟

قال: لا.. ولكن جناحهم مظلم تماما..

قلت: ولم لم تصلح إدارة الفندق إضاءة جناحهم؟

قال: هي صالحة.. ولكنهم يرفضون استعمال الإضاءة.. هم يحبون الظلام المطبق.. فلا يحلو لهم الحديث إلا فيه..

قلت: فهمت ذلك.. أنا أيضا لا يحلو لي الحديث إلا في الظلام المطبق؟

قال: ظلامهم ليس خاصا بعيونهم فقط.. بل هو ممتد إلى قلوبهم وبصائرهم.. وما الظلمة الحسية إلا صورة من صور الظلمة التي تحجبهم عن رؤية الحقائق.

فتح المرشد الباب.. فإذا بظلمة مطبقة.. لا ينطبق عليها إلا قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40]

بارون دي هولباخ:

فجأة سمعت صوتا يقول: سيتقدم الآن [بول هينري ثيري] المعروف بـ [بارون دي هولباخ]([9])).. لا شك أنكم تعرفونه .. إنه كاتب وفيلسوف وموسوعي فرنسي ألماني.. عرف بكونه أحد رواد عصر التنوير الفرنسي.. كما عرف بالصالونات الأدبية.. وهو موجود بيننا طبعا بسبب إلحاده.. فلا ينزل فندق الملاحدة إلا الملاحدة.. وهو ملحد جلد كانت له كتابات مهمة ضد الدين، ساهمت في نشر الإلحاد بين ثلة كثيرة من الناس..

سكت قليلا، ثم قال: نسيت أن أذكر لكم أن كارل ماركس العظيم كان واحدا من المتأثرين بأفكاره .. ولذلك كلاهما موجود بيننا.. لن أطيل عليكم.. سيصعد إلى هذه المنصة ليحدثكم بنفسه عن سر إلحاده.

سمعت قرع أقدام تتقدم نحوي، ثم سمعت بعدها صوتا خشنا باردا يقول: ربما لا أحتاج لكلام كثير.. فكلكم تعرفونني.. وكلكم ربما قرأتم كتبي.. فأنا من أوتاد الإلحاد الكبار.. ولعل الكثير من الملاحدة الذين يتبجحون بإلحادهم لم يكونوا سوى تلاميذ طيعين على أفكاري وكتبي..

ولعلمكم، فقد كنت من أسرة غنية.. وكان لي ضيعة ضخمة.. إلى درجة أن أطلق علي المحيطون بي لقب البارون.. وقد أهدرت جزءا كبيرا من تلك الثروة في نشر الإلحاد والدعوة إليه، فقد أقمت صالونا كبيرا كنت أدعو إليه كبار التنويريين لنسخر من الدين..

في ذلك الصالون كان الكلام مباحًا في كل شيء، وضد كل شيء.. ضد الألوهية.. وضد القيامة .. وضد الغيب.. وضد المعجزات.. وكان الكل في ذلك الصالون يفخرون بإلحادهم، أو مواجهتهم للدين.

أذكر جيدا أني خطبت كثيرا في ذلك الصالون، وصفق الكثير إعجابا بخطبي وبجرأتي.. ومن تلك الخطب التي لا أزال أذكرها .. والتي نالت استحسان الجميع قولي في إنكار المعجزات التي كان رجال الدين المسيحي يعتمدونها في التبشير بالمسيح: (ما هي المعجزة؟ قيل لنا إنها عملية مضادة لقوانين الطبيعة التي ثبتها الله بنفسه؛ وأرُد وأقول إنه وفقاً للأفكار التي كونتها عن الحكمة الإلهية، يظهر لي أنه من المستحيل على إله لا يتغير أن يغير القوانين الحكيمة التي أسسها هو بنفسه.. وأستنتج من ذلك أن المعجزات مستحيلة، متأكداً من أنها غير متفقة مع أفكارنا عن حكمة وثبات خالق الكون.. وبجانب ذلك فإن مثل هذه المعجزات لا نفع منها للإله.. فإذا كان كلي القدرة، ألم يكن قادراً على تغيير عقول مخلوقاته وفق إرادته؟ فكي يقنعهم يكفيه أن يقتنعوا.. إذ لم يكن عليه إلا أن يقول لهم أشياء واضحة ومعقولة، أشياء يمكن البرهنة عليها؛ وكانوا سيجدون أنفسهم قابلين لما هو على بينة واضحة.. وكي يفعل ذلك لم يكن بحاجة إلى معجزات أو متأولين؛ فالحقيقة وحدها كانت كافية لفوزه بتصديق الإنسانية كلها)([10])

لقد قلت ذلك، وأنا ممتلئ زهوا وفرحا وخيلاء، وكأن الله كان بين يدي مثل ذلك القطيع من الخدم الذي كنت أتحكم فيه.. بل إنني كنت أتصور نفسي أعظم من الله نفسه، فأنا لم أكن أتقيد بالقوانين أبدا .. لا التي أضعها، ولا التي وضعها غيري.. كنت متمردا على كل شيء.. ومع ذلك كنت أطالب الله ألا يخرق القوانين التي يضعها.

لاشك أن في كلامي ذلك مغالطات كثيرة ليس هذا محل الرد عليها.. ولكني أردت أن أشهد بين أيديكم فقط، بأني لم أقل ذلك إلا لأستمطر منهم الثناء والمديح، ولأبين لهم أني متنور متحرر لا يصدق بالخوارق، ولا يؤمن بها.

لم يكن ذلك وحده ما كنت أقوله عن الله .. بل كنت أقول كلاما أكثر خطرا.. كنت أقول مثلا: (إله حكيم لا يصل تدبيره إلى النجاح أبداً؛ إنه إله عظيم، يشغل نفسه دائماً بصغائر الأمور وأتفهها؛ إله مكتف بذاته، لكنه عرضة للغيرة؛ إله قوي، لكنه شكاك ومنتقم وقاس؛ إله عادل، لكنه يسمح بحدوث أكثر الأفعال ظلماً)([11])

وكنت أقول: (إن الأزلي [الإله] بعد أن ملَّ من عدم الفعل، قدر ذات يوم أن يخلق عالماً ضرورياً لمجده. وكي يحقق ذلك فقد خلق مادة من العدم؛ روح خالصة تنتج جوهراً ليست بينه وبينها أي نسبة؛ وعلى الرغم من أن هذا الإله يملأ كل المكان بعظمته، إلا أنه لا يزال يجد مكاناً فيه يسمح بوجود الكون، بالإضافة إلى كل الأجسام التي يحتويها)([12])

هذا الكلام لم يكن وليد قناعات عقلية، وبحوث محايدة، وإنما كان وليد قراءتي للكتاب المقدس، وما رأيت فيه من النصوص التي تصور الله بصور لا تليق به..

لقد ذكرت ذلك في بعض خطبي، فقلت: (كل الصفات التي يصف بها الكتاب المقدس الإله مستقاة دائماً من الإنسان أو من حاكم فخور؛ ونجد فيه دائماً أنه بدلاً من أن يخلق الإله الإنسان على صورته، فإن الإنسان هو الذي خلق الإله على صورته، وأنه هو الذي ألحق بالإله طرقه في التفكير وفضائله ومساوئه)

لقد دفعني إلى قول هذا ما رأيته في الكتاب المقدس من صفات لا تتناسب مع الله الذي يدل عليه العقل والعلم.. فهو إله يأكل ويشرب ويتعب ويستريح ويضحك ويبكي، غضوب متعطش للدماء، يحب ويبغض، متقلب الأطوار، يُلحق العذاب بكل من ارتكب ذنباً سواء ارتكبه عن قصد أو ارتكبه عن غير قصد، ويأخذ الأبناء والأحفاد بذنوب الآباء، بل يحس بالندم ووخز الضمير، وينسى ويتذكر، وهو ليس عالماً بكل شيء، ولذا فهو يطلب من أعضاء جماعة إسرائيل أن يرشدوه بأن يصبغوا أبواب بيوتهم بالدم حتى لا يهلكهم مع أعدائهم من المصريين عن طريق الخطأ.. وهو إله متجرِّد، ولكنه في الوقت نفسه يأخذ أشكالاً حسية محددة، فهو يطلب إلى اليهود أن يصنعوا له مكاناً مقدَّساً ليسكن في وسطهم، كما يسير على شكل عمود دخان في النهار كي يهديهم الطريق، أما في الليل فكان يتحول إلى عمود نار كي يضيء لهم.

هذا بعض ما صرفني عن الله، وألجأني إلى الإلحاد عند قراءتي للكتاب المقدس.. لا أقول لكم هذا لأبرر لنفسي أخطاءها في حق الإله.. ولكني أقوله لأبين لكم سببا من أسباب إلحادي.. مع أنني كنت ولا زلت أوقن أنه كان في إمكاني ألا أكون ملحدا، مثل الكثير من الفلاسفة الذين انتقدوا الكتاب المقدس، ومع ذلك ظلوا على إيمانهم بالله ..

كان في إمكاني أن أعتبر كل تلك النصوص تحريفا بشريا للكتاب المقدس.. كما نص على ذلك الكتاب المقدس نفسه.. فقد كان موسى يردد كثيرا الوصية بعدم الكذب على الله.. لأنه كان يعلم ما سيلحق كتابه.. لقد كان يقول:(لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه لتحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها)(التثنية: 4/ 2).. وهكذا كان النبي إرميا يقول:(فقال الرب لي: بالكذب يتنبأ الأنبياء باسمي..لم أرسلهم ولا أمرتهم ولا كلمتهم.. برؤيا كاذبة وعرافة وباطل ومكر قلوبهم هم يتنبأون لكم) (إرميا: 14:14)، وكان يقول: (الأنبياء يتنبأون بالكذب والكهنة تحكم على أيديهم وشعبي هكذا أحب.. وماذا تعملون في آخرتها)(إرميا:5: 31)، وكان يقول: (وأقاوم الأنبياء الذين يسخرون ألسنتهم قائلين: الرب يقول هذا.. ها أنا أقاوم المتنبئين بأحلام كاذبة ويقصونها مضلين شعبي بأكاذيبهم واستخفافهم) (إرميا: 23 /31 ـ 32)

وكان في إمكاني أن أعتبرها من النصوص المتشابهة، وأردها إلى المحكم الذي ورد في الكتاب المقدس.. فقد ورد فيه أوصاف كثيرة لله ممتلئة بالجمال.. كما في (اللاوين 11: 44-45): (أنا الرب إلهكم، فكرسوا أنفسكم وتقدسوا، لأني أنا قدوس، ولا تنجسوا أنفسكم بشيء من الدبيب المتحرك على الأرض. لأني أنا الرب الذي أخرجكم من ديار مصر لأكون لكم إلها. فكونوا قديسين لأني أنا قدوس)

وكان في إمكاني أن أبحث في الديانات المختلفة لأعرف الله الحقيقي..

وكان في إمكاني أن أستعمل العقل الذي استعمله كبار الفلاسفة في التاريخ لأصل إلى صفات الله بعيد عن تحريفات الأديان..

وكان في إمكاني أن أستعمل الإشراق والتوجه الروحي لأعرف الحقيقة مثلما فعل الكثير من رجال الإشراق..

كان في إمكاني أن أفعل كل ذلك وغيره.. فلله طرائق بعدد الخلائق.. لكني كنت كسولا عن كل ذلك لسبب بسيط، وهو أنني كنت أبغض الكنيسة.. وبما أن الكنيسة لها علاقة بالله.. فقد صرت أبغض الله لأجل بغضي لها.

لقد أفرز بغضي للكنيسة وحقدي عليها كتبا كثيرة، كانت نواة لمن كان بعدي من الملاحدة، لينسجوا عليها، وليؤسسوا عليها مقولتهم الشهيرة [الدين أفيون الشعوب]

هي ليست مقولتهم.. بل هي مقولتي، فأنا الذي كتبتها في كتابي [المسيحية في خطر]، وحتى أتجنب خطر محاكم التفتيش نسبته إلى بولانجيه، الذي مات من سنوات.. وقد مُنع هذا الكتاب من التداول.. بل إنهم عندما ضبطوا أحد الباعة المتجولين وهو يبيع الكتاب حُوكم، وحُكم عليه بالتجديف في المراكب الشراعية لمدة خمس سنوات، كما حُكم على غلام آخر أشترى الكتاب ليعيد بيعه، بنفس الحكم السابق لمدة تسع سنوات.

لم يكن ذلك كتابي الوحيد حول المسيحية.. فقد كان حقدي عليها أعظم من أن يضمه كتاب واحد.. فمن كتبي [الأدب المعادي للكنيسة].. و[قائمة القديسين].. و[الوقفة المقدَّسة].. و[آباء الكنيسة بغير قناع].. و[القساوسة الدينية وتحطيم الجحيم]

وفي سنة 1770م أصدرت أخطر كتبي ضد المسيحية، والذي نال شهرة كبيرة عند التنويريين .. كتاب [فضح أسرار المسيحية ومنهج الطبيعة] .. كتبته طبعا باسم مستعار، وهو مسيو ميرابو .. وهو اسم لرجل كان يشغل منصف سكرتير الأكاديمية الفرنسية من قبل، ومات منذ عشر سنوات..

لقد قام رجال الدين بحملة قاسية شديدة على هذا الكتاب.. أذكر أنه في تلك السنة بعد أن قررت جمعية رجال الدين أن تجمع كل أربع سنوات منحة مالية للملك، وأهابت به أن يمنع تداول المؤلفات المعادية للمسيحية، والتي انتشرت كثيراً في فرنسا، أصدر لويس الخامس عشر أوامره إلى النائب العام أن يتخذ الإجراءات فوراً.. وشجب برلمان باريس سبعة كتب من بينها كتابي [فضح أسرار المسيحية ومنهج الطبيعة]

وقد كان من المبررات التي وضعها لمصادرة كتابي هذا وكتبي الأخرى: كونها مليئة بالتخريف، محرضة على الفتنة، نزاعة إلى القضاء على كل فكرة عن الألوهية، وإلى إثارة الشعب للتمرد على ديانته وحكومته، والقضاء على كل مبادئ الأمن العام والأخلاق، وصرف الناس عن واجب الطاعة والإذعان لمليكهم.

كان يمكن أن أكون قد ذبحت أو أحرقت أو اعتقلت بسبب كتبي تلك .. لكن كل ذلك لم يحصل .. وكأن الله كان يعطيني الفرصة تلو الفرصة لأصحح معتقداتي، وأترك أحقادي، وأتعامل مع الحقيقة بكل شفافية وموضوعية.. لقد عرف الكثير من الناس أنني أنا [دي هولباخ] هو المؤلف .. لكنهم كتموا السر لمدة عشرين عاماً.. ولم أتب طيلة تلك المدة.

لقد وصل كتابي [منهج الطبيعة] مهرباً من هولندا، وتهافت على شرائه جمهور كبير يشمل ـ كما ذكر لي صديقي العزيز المتنور [فولتير] ـ العلماء والباحثين والجهّال والسيدات.. وسر به ديدرو، وقال عنه: (إن ما أحب هو فلسفة واضحة محددة صريحة مثل تلك الموجودة في كتاب [منهج الطبيعة]، والمؤلف ليس ملحداً في أي من الصفحات، وهو ربوبي في بعضها، وفلسفته تجري على نسق واحد)([13])

لست أدري هل كان يكذب على نفسه أم على القراء، أم أنه لم يقرأ الكتاب إطلاقا، أو لم يكن لديه أدوات فهمه.. فأنا كنت ملحداً في كل صفحات الكتاب.. وكنت أصرح بذلك، لكن حقدي على رجال الدين كان طاغيا على الكتاب..

لقد قلت في مقدمة الكتاب أبين فيه دوافعي لتأليفه: (إن مصدر شقاء الإنسان وبؤسه هو جهله بالطبيعة.. إن إصراره على التمسك بالآراء الخاطئة العمياء التي تلقنها في طفولته .. وما نتج عن ذلك من تحيز وهوى ظللا عقله وأفسدا ذهنه .. يبدو أنهما قضيا عليه بالاستمرار على الخطأ .. أنه يستمد أسلوب تفكيره من الآخرين تحت مسئوليتهم، ثقة منه بهم، وهم أنفسهم مخطئون، أو أن لهم مصلحة في تظليله وخداعه. ولإزالة هذه الغشاوة وإخراجه من هذه المتاهة فإن الأمر يتطلب يداً حانية وحباً شديداً.. كما يقتضي أعظم الشجاعة التي لا يعتريها خوف ولا وجل وتصميماً أكيداً لا يكل ولا يمل.. ومن ثم يكون أهم واجب علينا أن نفتش عن الوسائل التي نقضي بها على الأوهام التي تظللنا وتخدعنا)([14])

لاشك أن هذا كلام صحيح.. وهو يدعو إلى إعمال العقل، ونبذ التقليد، والشجاعة في مواجهة التقاليد البالية، والأفكار الخرافية.. لكن الحكمة التي دعوت إليها لم أنفذها، بل رحت أستأصل بحقد شديد شجرة المسيحية بجذورها وأغصانها وثمارها.. وكل ما يرتبط بها.. وبذلك تغلب الحقد على العقل، ومنعه من الرؤية البصيرة للحقيقة.

لذلك ما إن أقنعت القارئ بالرجوع للعقل، ونبذ الدين حتى رحت أبشره بأفكاري الممتلئة بالمادية والإلحاد.. لقد عبر عن ذلك مؤرخ الحضارة الكبير [ويليام جيمس ديورَانت]، فقال عني: (بعد أن انتهى دي هولباخ من بيان برنامجه على هذه النحو تقدم في ترتيب ونظام ليفند كل الكائنات والاعتبارات والأفكار الخارقة للطبيعة. ويحبذ الطبيعة بكل ما فيها من جمال وقسوة وتقييد وإمكانات، وليختزل كل الحقيقة والواقع إلى مادة وحركة، ويبني على هذا الأساس المادي منهجاً للفضيلة والأخلاق يأمل أن يكون في مقدوره أن يحول المتوحشين إلى مواطنين، ويشكل الخلق الفردي والنظام الاجتماعي ويضفي سعادة معقولة على حياة مقرر لها الموت المحتوم. إنه يبدأ ويختتم بالطبيعة، ولكنه ينكر أية محاولات لتشخيصها أو تجسيدها، إنه يحددها ويعرفها بأنها الكل الأعظم الذي ينتج من اجتماع المادة في مجموعاتها المختلفة. وهذا هو الاسم المحبب لدى دي هولباخ للكون، فهو يعرف المادة في حرص وحذر بأنها بصفة عامة، كل ما يؤثر على حواسنا بأي شكل كان)([15])

ثم اقتبس من كتبي هذه القوانين التي لا يزال الملاحدة يتعلقون بها: (كل شيء في الكون في حركة دائبة.. وجوهر المادة هو أن تعمل، وإذا تأملناها في يقظة تامة لاكتشفنا أنه ليس ثمة جزء صغير فيها ينعم بسكون مطلق، وكل ما يبدو لنا أنه ساكن لا يبقى ولو للحظة واحدة على نفس الحالة، وكل الكائنات تتناسل وتتكاثر وتتناقص وتتفرق باستمرار.. إن أشد الصخور صلابة تتصدع بدرجات متفاوتة أمام لمسات الهواء.. إن هذا الكل لا يقدم لمجال تأملنا وتفكيرنا إلا مجرد تعاقب ضخم متصل غير متقطع لأسباب ونتائج.. وكلما ازدادت معرفتنا وجدنا أبلغ دليل على أن الكون يعمل من خلال الأسباب الطبيعية وحدها. وقد يكون من العسير أن ندرك كيف أن المادة الجامدة يمكن أن تكون فيها حياة، ولكن يكون من الأصعب أن تصدق أن الحياة خلق أو نتاج خاص لوجود خفي خارج عن الكون المادي)

هذا بعض ما ذكرته في ذلك الحين، وأنا أعزل عقلي تماما عن الحقيقة العظمى .. حقيقة وجود الله .. ذلك أني أعطيت الطبيعة ما لا تستحق، وما لا تقدر عليه.. فكيف تكون القوانين الطبيعية فاعلة، وهي صماء بكماء عمياء ([16]) .

لهذا كنت شديد النفور من اسم [الله]، وكنت شديد الحساسية منه، مع أني كنت أعطي الطبيعة جميع وظائف الله.. ولو أني أبدلت اسم الطبيعة باسم الله لتخلصت من إلحادي، لكني كنت أرفض ذلك.. وكنت أذكر لمحدثي أن لفظتي [الله] و[يخلق] ينبغي أن تختفيا تمامًا من لغة الذين يريدون أن يتحدثوا بلغة مفهومة، فهاتان اللفظتان أبتدعهما الجهل، و(أن صديق الجنس البشري لا يمكن أن يكون صديقًا للإله الذي كان في كل الأوقات سوطًا مُسلطًا على الأرض)

أذكر جيدا أنه في سنة 1704م عندما أصدر [صامويل كلارك] كتابه [مبحث عن وجود الله وصفاته]، ونسب لله الصفات الواجبة له مثل الخلود والقدم واللامحدودية واللانهائية، ضحكت من ذلك، وقلت بكل كبرياء ردا عليه: (إن جميع الصفات التي نسبتها يا كلارك لله غير قابلة للفهم، بل هي تنطبق على المادة والطبيعة بصورة أوضح)

لم يتوقف تأليهي للطبعية عند ذلك الحد، بل رحت أناجيها كما يناجي المؤمنون الله، فقد قلت في فقرة ختامية من كتابي [منهج الطبيعة] أناجيها، وكأنها الله نفسه: (أيتها الطبيعة، يا سيدة كل الكائنات.. إن بناتك الفاتنات الجديرات بالتوقير والعبادة.. الفضيلة والعقل والحقيقية.. يبقين إلى الأبد معبوداتنا الوحيدات.. إن إليك تتجه كل تسابيح الجنس البشري وينصب عليك ثناؤه، وإليك يقدم كل ولائه وإجلاله)

وكان من تجليات تأليهي للطبعية قولي: (إن صديق الجنس البشري لا يمكن أن يكون صديقاً للإله الذي كان في كل الأوقات سوطاً مسلطاً على الأرض.. إن رسول الطبيعة لن يكون أداة الأوهام المظللة التي تجعل الدنيا مقراً للخداع.. إن من يقدس الحقيقة لن ينسجم مع الزيف والباطل.. إنه يعلم أن سعادة الجنس البشري تقتضي بشكل لا رجعة فيه، تقويض صرح الخرافة المظلم المقلقل من أساسه، لكي يقيم على أطلاله معبداً للطبيعة ملائماً للسلام.. هيكلاً مقدساً للفضيلة.. فإذا ذهبت جهوده أدراج الرياح وإذا لم يستطع أن يبث الشجاعة في الكائنات التي اعتادت أن ترتعد فرائصها جبناً، فإن له على الأقل أن يفاخر بتجاسره على أن يقوم بالمحاولة)

لذلك كله أطلق علي المعاصرون لي.. والذين شاهدوا صلفي وكبريائي على الله هذا اللقب الذي كنت أتصف بكل مقتضياته [العدو الشخصي لله].. بل أنني أنا الذي كنت أدعوهم إلى إطلاقه، وأفرح بذلك.

وقد سرى موقفي من الله إلى موقفي من الإنسان .. ذلك الكائن المعقد العجيب.. فقد قلت فيه: (الإنسان كائن مادي صرف خاضع لنفس القوانين التي تحكم سائر العالم.. وكيف يتسنى لجسم مادي وذهن غير مادي أن يتفاعل كل منهما مع الآخر؟)

وذكرت أن (الروح مجرد تنظيم الجسم ونشاطه، ولا يمكن أن يكون له وجود مستقل.. وأن القول بأن الروح ستحس وتفكر وتنعم وتعاني بعد فناء الجسم مثل الزعم بأن الساعة التي تتهشم إلى ألف قطعة تستمر في دقاتها ساعة بعد ساعة!)

قلت هذا طبعا مدفوعا بمعارفي الطبيعية المحدودة، وإلا فإن قدرة الله التي أوجدت كل شيء لا يستحيل عليها أن تربط الروح بالجسد، أو بأي شيء آخر..

لكن كبري وغروري ومالي الكثير والوجهاء الذين كانوا يملأون علي قصري .. حجبونني عن رؤية الحقيقة التي يدل عليها كل شيء.

لقد رحت ـ أنا القزم الحقير ـ أصور قدرة الله المطلقة من خلال معارفي العلمية البسيطة التي ثبت جهل الكثير منها في العصور التالية..

لقد أنتجت تلك التصورات التي ألغيت فيها الله، وعبدت فيها الطبيعة تصورات كثيرة منحرفة، كان لها أثرها بعد ذلك على من بعدي من الملاحدة والماديين واللادينيين، منها ـ مثلا ـ ما ذكرته في الفصل الحادي عشر من كتابي.. فقد ذكرت فيه رؤيتي للحتمية الطبيعية.. أو القضاء والقدر الذي تفرضه الطبيعية.. أو الجبرية الطبيعية.

لقد قلت موضحا لهذا المذهب المصادم للحرية الإنسانية: (إن حياة الإنسان قضت عليه الطبيعة برسنه على سطح الأرض دون أن يكون لديه القدرة على الانحراف عنه قيد أنملة.. أنه ولد دون رضاه.. أن كيانه أو تنظيمه لا يتوقف البتة على نفسه.. إن الأفكار التي تخالجه تأتي قسراً لا طوعاً، وعاداته واقفة تحت سيطرة الذين يحملونه على التخلي عنها.. ويتعدل الإنسان ويتغير بلا انقطاع نتيجة أسباب وعلل مرئية أو خفية ليس له سلطان عليها ولا تحكم فيها، وهي بالضرورة تنظم أسلوب وجوده وتصبغ تفكيره بصبغة معينة، وتقرر طريقة تصرفه وأفعاله، فهو طيب أو رديء، سعيد أو تعس، عاقل أو أحمق، ومتعقل أو غير متعقل دون أن يكون لإرادته دخل في أي من هذه الحالات المختلفة)([17])

طبعا لم يكن لي بد من هذا القول.. بل ليس هناك بد لأي ملحد إلا أن يقول هذا .. ذلك أن الحرية الحقيقية لا تتناسب إلا مع القول بوجود الله .. واعتقاد إرادته المطلقة وقدرته المطلقة.. في ذلك الحين فقط نتخلص من أسر الطبيعة وقوانينها.

ولهذا نرى المؤمنين الذي تنزلت عليهم الأمراض الشديدة التي يحكم الطب باستحالة علاجها، لا ييأسون من علاجها، لأنهم يعلمون أن هناك إله قادر على كل شيء.. وما دام قد خلق الداء، فلا يعجز عن خلق الدواء.

سكت قليلا، ثم راح يصرخ: ما أشد غروري، وغرور العلماء المعاصرين لي.. لقد كنا نتصور أن ما وصلنا إليه هو كل شيء.. لكن جاء من بعدنا، ليثبت، وبالعلم والعقل أن كل تلك التصورات التي كنا نتيه بها كانت خاطئة، ولا حظ لها من العلمية.

لقد أثبتت الحقائق العلمية في القرون التالية، وبالضبط في القرن العشرين أن مبدأ الحتمية الذي كنا ننادي به، ونعتبره حقيقة مطلقة، ليس مطلقا، ولا يصدق إلا على العناصر الأولية التي تتكون منها الظواهر الطبيعية، أو عالم الماكروفيزياء، أما عالم الميكروفيزياء، أي الظواهر المتناهية في الصغر فهو يفلت من قيود الحتمية، ويدخل في مجال آخر، هو مجال اللاحتمية.

لقد عبر عن هذه الحقيقة [لويس دوبري] في كتابه [المتصل والمنفصل] قائلا: (حين نريد في المجال الذري أن نحصر حالة الأشياء الراهنة حتى نتمكن من الإخبار عن الظواهر المستقبلية بدقّة أشدّ خسرنا بعض المعطيات الضرورية)

ومن الأمثلة التي تؤكد مبدأ اللاحتمية أن انشطار ذرة الراديوم لا يخضع لقاعدة ثابتة كما أن الذرة تصدر طاقة في شكل صدمات غير منتظمة يصعب معها التنبؤ الدقيق([18]) ..

سكت قليلا، ثم قال بألم: لقد كنت أنكر هذا الذي أصبح يردده العلم.. وكنت حزينا لإنكاري، لأني كنت أشعر أني سجين في سجون القوانين المادية التي لا تعرف الرحمة.. ولكني لم أستطع أن أتخلص من كبريائي لأعترف بالله.. وكيف أعترف به، وأنا ـ كما يذكر أصدقائي ـ [العدو الشخصي لله]

لقد عبرت عن هذا الألم بقولي: (إن الإنسان من عمل الطبيعة، وهو يوجد في الطبيعة، خاضع لقوانينها، ولا يملك تخليص نفسه من هذه القوانين، ولا يمكنه أن يخطو فيما وراءها خطوة واحدة حتى في فكره.. ولذلك فأنه بدلاً من البحث خارج العالم عن كائنات توفر له السعادة التي تنكرها عليه الطبيعة يحمل به أن يدرس هذه الطبيعة ويعرف قوانينها، ويتأمل في قواها ويراعي القواعد الثابتة التي تعمل بمقتضاها.. فليطبق الإنسان كل ما يتصل إليه على هناءته هو ويخضع في صمت لما تفرضه عليه من الحماية أو الوصاية التي ليس في مقدور أحد تبديلها أو تغييرها، ويرتضي مبتهجاً أن يتجاهل الأسباب والعلل التي يحول بينه وبينها حجاب كثيف لا يمكن اختراقه، ويستسلم دون تذمر لقوانين الضرورة الكونية التي يستحيل عليه إدراكها إطلاقاً. ولا تحرره أبداً من تلك القوانين التي فرضت عليه بحكم ماهيته أو جوهره)

لقد كنت أعلم النتائج الخطيرة التي تحملها هذه الجبرية الطبيعية، كنت أعلم أنها قد تؤدي إلى القول بأنه لا فائدة ترجى من وراء محاولتنا تفادي الشرور أو السيئات والأعمال المخزية أو المرض.. وتجعلنا نكف عن بذل أي جهود، أو عن الطموح أو التطلع وأن ندع الأمور تجري في أعنتها؟

كنت أعلم أن طرح مثل هذه التساؤلات قد يؤدي إلى ضرورة العودة إلى الدين، وإلى الله، لأنه وحده من يوجه مسيرة الإنسان نحو القيم الرفيعة.. لهذا رحت أستعمل كل الحيل للانصراف عن الدين، وإعطاء بدائل طبيعية له .. فذكرت (أن الجبرية لا توحي بعدم معاقبة الجريمة بل إنها على النقيض من ذلك ستؤدي بالشرع والمعلم والرأي العام أن يصنعوا بمقتضى القوانين أو الأخلاق عوائق أفضل في سبيل ارتكاب الجرائم، ويوفروا الدوافع والمغريات بالسلوك الاجتماعي القويم، وهذه العوائق والدوافع والمغريات ستنضم إلى العوامل البيئية التي تشكل سلوك الإنسان)

لقد ذكرت هذا وغيره، لأصرف عن كل تفكير في العودة للدين، ولو على سبيل الاستفادة من قيمه وأخلاقه وتصوراته، كما قال صديقي العزيز فولتير الذي كان أرجح عقلا مني.. فقد قال: (لو لم يكن الله موجودا ً لكان لابد من اختراعه)

وقلت هذا لأني أعلم أنه لا يمكن أن تكون هناك أخلاق ولا قيم من دون أن يكون هناك جزاء مرتبط بها.. فلا يمكن أن تتولد قيم الصّدق والنّزاهة والاستقامة والرّحمة والسّماحة والتّعاون والعدالة والكرم والإيثار وحبّ الخير ومساعدة المحتاج والعناية بالضّعيف من الطبيعة وحدها.. ومن دون أن يكون هناك علم بالجزاء المرتبط بمثل هذه التضحيات.

وأنا لم أكن أؤمن باليوم الآخر.. بل كنت أعتبر الإيمان بوجود حياة أخرى لا يعدو أن يكون سرابًا خادعًا من شأنه أن يصرف أنظار الناس عما هو أهم منها، وهو المجتمع في الوقت الحالي.. ولهذا لم أكن أملك أي مبرر لدعوة الناس لتلك القيم.

بل لا توجد أي فلسفة أخلاقية تجعل الملحد يرهق نفسه بما تتطلبه القيم الأخلاقية من تضحية وبذل وإيثار، ذلك أنه لا يؤمن بالحياة الأخروية، ولا بالجزاء الأخروي، وهذا ما جعل الدكتور [جون لينكس] يذكر أن الملحد ليس بعاجز عن أن يكون خيراً، ولكن الإلحاد لا يدعم أي أسس فكرية للأخلاق، لأن فرضية الإلحاد ليس لديها تأسيس لمبادئ الخير والشر([19]).

ويعبر عن ذلك بقوله: (كيف تستطيع في عالم مادي أن تفسر لي عدم السرقة والقتل إن كان فيهما مصلحة (أي منفعة) وإذا أمنت العقاب (عدم الضرر) أو أن يكشف أمرك أحد؟ كيف تفسر عدم غواية زوجة جارك أو أخيك أو صديقك واستغلال غيابه عنها إذا تأكدت من عدم الفضيحة؟ كيف تفسر عدم خيانتك لزوجتك؟ كيف تفسر أمانتك في العمل؟ بل ما هو الدافع المادي لديك مثلاً للمخاطرة بنفسك لإنقاذ طفل يغرق؟ هل يمكن (اختراع) أي فكرة مقنعة ساعتها للإجابة عن مثل هذه الأسئلة بالغاً ما بلغت من الخيال؟)([20])

ويقول: (من الصعب جداً أن نرى كيف للعملية التطورية غير الواعية أن تشرح لنا حالة الإيمان بالأخلاق ذات المكانة المتأصلة والشاملة في البشر والتي توجب علينا دعم الناس الذين ـ في طبيعة الأمور ـ مسؤولين عن إيقاف أو حتى تهديد التقدم التطوري كالضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى والكبار في السن)([21])

قال ذلك.. ثم راح يصرخ: هل رأيتم معشر الملاحدة ما فعلت بنا عقولنا .. هل رأيتم الأوهام التي كنا نتعلق بها، والتي لم تنفعنا، لا في دنيانا ولا في أخرانا.. كم تمنيت لو ظللت عاميا أبله بسيطا، ولم أدخل في هذه المتاهات التي حجبتني عن حقيقتي، وأبعدتني عن ربي..

لم يتمالك نفسه بعد أن قال هذا، فراح يبكي مثل الأطفال الصغار، وراحت القاعة كلها تضج بالبكاء.. كنت أسمع صراخهم ونحيبهم من غير أن أرى أحدا منهم.

جان مسلييه:

بعدها عم سكون عميق القاعة، قطعه قرع أقدام، ثم سمعت بعدها الصوت الأول يقول: من خلال الاعترافات التي أدلى بها زميلنا في الإلحاد [بارون دي هولباخ] يمكننا أن نكتشف سببين كبيرين لإلحاده: أولهما تلك المواقف الخاطئة لرجال الدين من العقل والعلم، والذي برز خصوصا في موقف الكنيسة من النهضة العلمية.. والثاني هو ذلك الاستبداد السياسي والاجتماعي الذي تغطى بغطاء الدين.

ولمزيد من التفصيل حول هذين السببين، سيتقدم الكثير من أساتذة الإلحاد في التاريخ، والذين اتخذوا من هذين السببين قنطرة لجحود الله.

وسيتقدم الآن أستاذ من أساتذة [بارون دي هولباخ] الكبار، بل أستاذ من أساتذة التنوير المتقدمين، لاشك أنكم تعرفونه جيدا، بل ربما تكونون من تلامذته المباشرين أو غير المباشرين.. فلا يمكن لملحد بعد عصر النهضة أن لا يكون قد عرفه، أو سمع باسمه، أو تتلمذ على من تتلمذ عليه.. إنه القس [جان مسلييه([22])].. قد تتعجبون من كونه قسا وملحدا.. لن أشرح لكم سر ذلك.. بل سأدعه للقس نفسه، فخير من عبر عن الإنسان لسانه.

سمعت قرع أقدام .. بعدها سمعت صوتا ممتلئا حزنا، راح يقول: لست أدري ما أقول لكم، وكيف أعبر لكم عن نفسي، وعن الأزمة الفكرية الحادة التي مررت بها، لا في أيام معدودة، بل في جميع حياتي..

لقد كنت راعي أبرشية (أتربيني) في شمبانيا.. وكنت محبوبا جدا بينهم.. وحق لهم ذلك، فقد كنت أمنح الفقراء كل ما يتبقى من راتبي بعد تسديد نفقات حياتي البسيطة البعيدة عن الإسراف والتبذير..

وبعدما أن ألقيت جسدي عني.. أي بعد ثلاثين عاماً من حياة هادئة مثالية في وظيفة الراعي.. كان عمري حينها خمسة وخمسين سنة .. وقد أو صيت بكل ما أملك لأهالي الأبرشية، الذين دفنوني بكل إجلال وتعظيم، ولم يعرفوا أي شيطان كان يختبئ في ثيابي.

طبعا لم أكن أغشهم ولا أكذب عليهم بتمثيل دور القس الورع، ولكني كنت خائفا من التصريح بأفكاري بينهم، لأن محاكم التفتيش كانت ستقضي علي، وتقتلني شر قتلة.. لهذا كنت أخزن كل أفكاري في مذكرات خاصة، سميتها (عهدي الجديد)([23])

لقد كتبت مجموعة نسخ منها.. وجهت إحداها إلى شعب الأبرشية، توسلت فيها إليهم على المظروف الذي وضعت فيه المخطوطة، أن يغفروا لي، لأني خدمت الخطيئة والأهواء طوال مقامي بينهم.. أي قبل أن أترسم كاهناً.. وذكرت لهم (أنني لم أتقلد عملاً يتعارض مع مشاعري بشكل صريح طمعاً في المال، بل أني امتثلت في هذا لأبوي)

طبعا بعد أن اطلع شعب الأبرشية على ذلك ـ بعد إلقائي لجبة جسدي ـ صبوا علي كل لعناتهم.. وحق لهم ذلك.

سأذكر لكم بعض الجنون الذي سطرته في اعترافاتي، وسأبين لكم موقفي منها الآن.. لقد قلت في عهدي الجديد: (لن أضحي بعقلي؛ لأنه وحده الذي يمنحني التمييز بين الخير والشر، وبين الحق والضلال! لن أتخلى عن الخبرة؛ لأنها خير مرشد وهاد، وهي أفضل بكثير من الخيال أو من سلطان المرشدين! لن أرتاب في حواسي، ولست أتجاهل أنها يمكن أحياناً أن تؤدي بي إلى الخطأ، ولكنني من جهة أخرى أدرك أنها لن تضللني دائماً. إن حواسي تكفي لتصحيح الأحكام والقرارات المتسرعة، التي ملت إلى اتخاذها)

ربما تشبه هذه الاعترافات ما حدث للغزالي.. ذلك العلم الكبير من أعلام المسلمين، والذي مر بتجربة شك خطيرة، ولكنه استطاع أن يتخطاها، واستطاع أن يتخطى معها كل الأطروحات المتلبسة بلباس الدين وغير الدين..

لكني لم أفعل ذلك.. لقد كانت تصوراتي للدين والحياة قاصرة على البيئة التي كنت أعيش فيها.. فتصورت أن الأخطاء الدينية التي وقعت فيها الكنيسة، لا تلزمها فقط، بل تلزم الله نفسه.. ذلك أن الكنيسة كانت تنشر بين جماهيرها أن (ابن الله هو الذي أقامها، وأنه هو الذي وضع عقائدها الأساسية)([24]) .. ولذلك فإن أي حركة تنتقدها بغض النظر عن الأخطاء التي يرتكبها الذين يصرفون شئونها إنما هي خروج على السلطة القدسية، وخيانة للدولة الزمنية التي كانت الكنيسة درعها الأخلاقي الواقي.

لقد كنت أقرأ الكتاب المقدس، وأمتلئ من العجب من التناقضات التي يمتلئ بها، والتي لا يسمح لأحد بمناقشتها، لقد كنت أتساءل دوما (لماذا يختلف نسب السيد المسيح في إنجيل متى اختلافاً كبيراً عن إنجيل لوقا.. إذا كان كلاهما منزلا من عند الله؟ .. لماذا لم تنته سلسلتا النسب هاتان بيوسف إذا كان سيعفي سريعاً من إنجاب يسوع.. لماذا يمتدح ابن الله بأنه ابن داود الذي صوره الكتاب المقدس بأنه كان زانياً بكل معنى الكلمة؟ .. وهل تنطبق نبوءات العهد القديم على المسيح، أم أن هذه التطبيقات مجرد للقوة اللاهوتية؟ .. وهل كانت معجزات العهد الجديد حيلاً أو خداعات ورعة، أم كانت عمليات طبيعية أسئ فهمها؟ .. وهل نصدق هذه لحكايات أم نتبع العقل؟)([25])

كنت كلما قرأت أمثال هذه التناقضات أصيح بكل قوة: (لن أضحي بعقلي، لأن عقلي وحده يمكنني من التمييز بين الخير والشر وبين الحق والضلال..)

وكنت أكذب في ذلك..فقد كنت أتحكم في عقلي كما أشاء.. لأن وجود خطأ ما في مكان ما لا يلغيه، وإنما يدعو إلى تصحيحه.. فوجود أخطاء في الكنيسة، أو حتى في الكتاب المقدس نفسه لا علاقة له بوجود الله، أو بالقيم التي يرتبط بها.

ولو طبقنا ذلك المقياس الذي حكمت به على الله نتيجة أحقادي على الكنيسة لألغيت كل العلوم، لأنه لا يوجد علم من العلوم، ولا حقيقة من الحقائق إلا ارتبطت بالخرافة في يوم من الأيام.

لم يكتف عقلي الممتلئ بالحقد على الكنيسة بذلك، وإنما راح إلى الحقائق التي نطق بها الفلاسفة قبل أن ينطق بها الدين والمرتبطة بوجود الروح، وخلود النفس.. ليجحدها مثلما جحد الله.. لقد كنت أقول: (يجدر بنا أن نكون شاكرين أن تهيأ لنا جميعاً نوم أبدى بعد نصب وصخب الحياة الدنيا التي تسبب المشقة أكثر مما تسبب اللذة لغالبيتنا.. عودوا جميعاً في سلام إلى المستقر العام الذي جئتم منه، ومروا دون ضجة أو تذمر مثل كل الكائنات التي حولكم)

 وكنت أقول للمؤمنين الذين يدعون الجنة، ويعتبرونها عزاء لهم عن الآلام التي يعانونها في الدنيا: (إن أقلية ضئيلة، حققت هذا الهدف، على حين كان مآل الأغلبية إلى الجحيم. فكيف إذن يمكن أن تكون فكرة الخلود عزاء؟ إن العقيدة التي تخلصني من المخاوف الرهيبة تبدو مرغوباً فيها أكثر من الشك الذي تركني مؤمناً باله يتحكم في عطفه، فلا يمنحه إلا لذوي الحظوة لديه، ويهيئ للآخرين السبيل ليكونوا جديرين بالعذاب الأبدي، فكيف يمكن لأي إنسان متحضر أن يؤمن باله يحكم على المخلوقات بالخلود في الجحيم؟ هل هناك في الطبيعة إنسان بلغ من القسوة حداً يتعمد فيه تعذيب، لا أقول رفاقه من الكائنات، بل أي كائن واعٍ حساس أياً كان؟ فأقروا إذن يا رجال اللاهوت أن إلهكم طبقاً لمبادئكم، شرير أكثر بكثير من أي شرير من بني الإنسان.. إن القساوسة ورجال الدين جعلوا من الإله كائناً خبيثاً ماكراً صارماً إلى حد أن فئة قليلة في هذه الدنيا هي التي لا تود أن يكون الإله موجوداً .. وأية أخلاق نتحلى بها إذ كنا نقلد هذا الإله)

لاشك أنكم لاحظتم هذه الحدة التي في كلامي، والتي تتناقض مع العقل الذي أدعيه، لأني كنت أحكم على الله من خلال موقفي من القساوسة ورجال الدين..

ولم أتساءل أبدا حينها عن المانع الذي يمنع الله من أن يفعل في ملكه ما يشاء.. أن يعذب من يشاء، أو ينعم من يشاء.. وأي سلطة لي عليه.. وكيف أفرض عليه قوانيني وأنا عبده الضعيف الحقير.

ولم أتساءل، ولو من باب الاحتياط عن إمكانية أن يكون ذلك الجزاء صحيحا، وأن هناك جنة فعلية ونار فعلية.. وحينها كيف يكون الحال..

أتذكر حينها أبياتا سمعتها من بعض المسلمين يقول فيها:

زعم المنجم والطبيب كلاهما

 

لا تبعث الأجساد قلت: إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر

 

أو صح قولي فالخسار عليكما

طبعا لم أهتم لكل هذه الصيحات.. ولا كل هذه البراهين.. لأني كنت غارقا في أوحال أحقادي على الكنيسة ورجال الدين.. وكانت كل همتي منصرفة للفرار من الله، لذلك كنت أطرح الكثير من الإشكالات على أمثال تلك البراهين لأفر من الحقيقة التي يدل عليها كل شيء([26]) .

لقد كنت أصيح كل حين: (إن إله المسيحية هو منشئ كل الشرور، لأنه حيث أنه قادر على كل شئ يتم دون رضاه وموافقه، فإذا وهبنا الحياة فإنه كذلك كتب علينا الموت، وإذا وهبنا الصحة والثروة، فإنه يعوض منهما بالفقر والقحط والمصائب والحروب)

وكنت أقول: (إن في العالم دلائل كثيرة على تصميم بارع، ولكن هلا توجد فيه علامات كثيرة بنفس القدر على أن العناية الإلهية، إن وجدت، قادرة على إيقاع أشد أذى شيطاني؟ إن كل الكتب زاخرة بأشد المديح والثناء رياء ونفاقاً على العناية الإلهية التي أفرطوا في الثناء على رقابتها اليقظة، ومهما يكن من أمر فإننا إذا تفحصنا كل أجزاء الكرة الأرضية لوجدنا أن الإنسان المتحضر وغير المتحضر على السواء في صراع دائم مع العناية الإلهية، فهو مضطر إلى أن يصد الضربات التي تنزلها به في صورة أعاصير وعواصف وصقيع وبرد وفيضانات وجدب وغيرها من مختلف النازلات التي تجعل كد الإنسان وجده غير ذي جدوى.. وفي إيجاز أرى أن البشر جميعاً مشغولون باستمرار في حماية أنفسهم من الحيل الشريرة الخبيثة التي تدبرها العناية الإلهية التي يقال إنها ساهرة على توفير السعادة لهم)

كنت أقول هذا وغيره لأهرب من الإيمان بالله، وإلا فإن تسليمي للتصميم البديع للكون، والذي يدل على وجود المصمم كاف في دفعي للإيمان به، والإيمان بمدى حكمته.

لكني كنت أردد ما يذكره كل الملاحدة قبلي وبعدي من غير شعور، ولا تريث، ولا بحث.. كنت أردد ما ذكره أبيقور عن الله: (هل هو يريد منع الشر لكنه لا يقدر؟ إذن هو عاجز. هل هو قادر لكنه لا يريد؟ إذن هو بغيض . هل هو قادر ويريد معًا؟ إذن هو شرير)

وكنت أردد ما قال ماكلوسكي: (يعتبر الشر مشكلة للمؤمن من جهة أن هناك تناقضًا بين حقيقة وجود الشر من جهة والإيمان بكمال الله، وعدم محدودية قدرته من الجهة الأخرى)

وكنت أردد ما قال ماكي: (مشكلة الشر ـ بالمفهوم الذي سأستعمله هنا ـ  هي مشكلة فقط لمن يؤمن بوجود إله مطلق القدرة ومطلق الخيرية، وهي مشكلة منطقية في التوفيق بين عدد من الاعتقادات، وليست مشكلة علمية يمكن حلها بالمزيد من الملاحظة العلمية أو مشكلة عملية يمكن حلها بقرار أو إجراء عملي)

لكني لم أردد أبدا ما يقوله المؤمنون ([27]) ..

سكت قليلا، ثم قال: أتذكر حينها أني طرحت هذا الإشكال على بعض أهل قريتي من البسطاء قصد تشكيكه في معتقداته، وقد ذكرته له بطريقة لبقة ذكية حتى لا يسبب لي أي مشكلة.. فقال لي: إن وقوع الشر في العالم لا يناقض رحمة الله، ولا يعارض اتصافه بصفات الخير، نظرًا لكون هذا الشر سبيلٌ إلى خيرٍ أكبر وأعظم؛ فارتكاب الذنب سبيلٌ إلى التوبة، والبلاء سبيلٌ إلى الصبر والصمود والتحمل، والقتل والشهادة في سبيل الله سبيلٌ إلى أعلى الدرجات في الجنة .

قلت له حينها: ما دام الله قادرا على إيصال هذا الخير دون وقوع الشر، فلم يفعل ذلك؟

فأجابني ببداهة: هذا غير ممكن، فلا يتصور عقلاً وجود صفات الصبر والصمود وتحدي الصعاب ـ وهي من معاني الخير ـ دون وقوع البلاء .. وكذلك لا يتصور حدوث التوبة دون ذنب، فقد ربط الله تعالى الأسباب بمسبباتها .. وجعل الأسباب محل حكمته، فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات العقلية وقدح في العقول والفطر.

قلت له: لا شك أنك تؤمن بأن العالم العلوي .. أي عالم الملائكة .. ليس فيه شر.. فلم لا يكون عالمنا كذلك؟

قال لي: يلزمك في هذه الحالة أن تثبت أن الخير المجرد أعظم وأفضل من الخير الممزوج بالشر، وهذا صعب جدًا، بل مستحيل في حقيقة الأمر، وعقيدة المؤمن أن الله يسمح بالشر في هذا العالم لأجل تحصيل الخير الناتج عنه أو المترتب عليه شريطة أن تكون المحصلة العامة هي زيادة الخير على الشر بقدر أكبر من القدر الذي يمكن تحصيله من الخير البحت، وأن في وجود الشر من المصالح والمنافع والخيرات ما يبرر وقوعه ([28]).

كان لكلامه من القوة والحجة ما لم أملك أي سبيل لدفعه أو للرد عليه، لكني بعد أن رجعت إلى نفسي وشياطيني رحت أثير شبها أخرى لأهرب من الإيمان.. لقد رحت أصيح: (هل وجد إله أغرب وأبعد عن التصديق من هذا؟ أنه لآلاف السنين ظل مختفياً عن أعين البشر، وأستمع دون استجابة واضحة بريئة لصلوات آلاف الملايين ودعواتهم وثنائهم عليه. والمفروض أنه حكيم بالغ الحكمة، ولكن ملكه يسوده الخلل والاضطراب والخراب. والمفروض أنه خير ولكنه يعاقب شيطان مجرد من الروح الإنسانية. والمفروض أنه عادل وهو يهيئ للأشرار سبل الرخاء والازدهار، على حين يتعذب القديسون حتى الموت. إنه منهمك دائماً في الخلق والتدمير)([29])

 وهكذا رحت أطالب الله بأن يرني نفسه حتى أؤمن به.. وهذا من المستحيلات التي يدل عليها العقل.. فالله يستحيل أن يرى لأنه ليس جسما، ولا محدودا، وليس له مكان ولا محل.. وكيف يمكن أن يرى أو يدرك أو تحيط به الحواس؟

وهذا دليل على أنني لم أكن أعمل عقلي أبدا.. أو أنني لم أنكر الله المطلق، وإنما أنكرت ذلك الله المجسم الذي عبده الوثنيون، أو صورته الكثير من النصوص المحرفة في الكتاب المقدس..

وكان في إمكاني أن أتخلص من تلك الأوهام كما تخلص منها الفلاسفة بالبحث العقلي في صفات الله.. وكان في إمكاني أن أسير في الأرض لأبحث عن الحقيقة .. لكني لم أفعل ذلك.. بل ظللت في قريتي آكل من رزق الله.. في نفس الوقت الذي أقوم بمحاربته.

وقد بلغ من حقدي على الله أني كنت ـ خلافا لما ذكره فولتير من أن الإيمان بالله أمر طبيعي فطري عام ـ أقول عكس ذلك.. بل كنت أقول: (إن مثل هذا الإيمان أمر غير طبيعي، وأنه يجب أن يصب في أذهان المراهقين أن: كل الأطفال ملحدون، ليس لديهم فكرة عن الإله.. ويؤمن الناس بالله بناء على كلام أولئك الذين لا يعرفون عنه أكثر مما يعرف الأولون، إن مربياتنا هن أول معلمي اللاهوت.. إنهن يتحدثن إليهم عن الإله كما يتحدث عن آدميين تحولوا إلى ذئاب .. إن قلة قليلة من الناس كانت تتخذ إلهاً لولا ما يبذل من جهد في أن يجعلوا لهم إلهاً)([30])

بل إن حقدي على الله وصل إلى درجة لا تطاق.. لقد كنت أصيح من خلال عهدي الجديد: (اتركوا لرجال اللاهوت علتهم الأولى وليس للطبيعة من حاجة بهذا لإحداث كل الآثار والنتائج التي تراها.. وإذا كان لزاماً أن تعبدوا أحداً، فاعبدوا الشمس، كما تفعل شعوب كثيرة، فإن الشمس هي الخالق الحقيقي لحياتنا وللصحة والضوء والدفء والبهجة والسرور)

قال ذلك، ثم غرق في صمت عميق امتلأ بأنات كثيرة..

عبد الله القصيمي:

ساد بعدها صمت عميق ممتلئ بالأحزان، قطعه قرع أقدام.. سمعت بعدها الصوت الأول يقول: سيتقدم الآن علم من أعلام الإلحاد الكبار.. له قصة غريبة لا تختلف كثيرا عن قصة [جان مسلييه].. فقد كان هو الآخر رجل دين.. وكتب كتبا في نصرة الدين.. ثم تحول عنه إلى الإلحاد.. وكتب كتبا في نصرة الإلحاد.. إنه عبد الله القصيمي([31]) .. لاشك أنكم سمعتم به، وبالضجة الكبيرة التي أثارتها كتبه التي يدعي فيها أنه تنويري مثلنا، وأنه ما قام بحركته إلا ليبدد الظلمات التي تنشرها الأديان..

قد تتعجبون من هذا التحول العجيب.. لن أشرح لكم سره.. بل سأدعه للقصيمي نفسه، فخير من عبر عن الإنسان لسانه.

سمعت قرع أقدام .. بعدها سمعت صوتا ممتلئا ألما، راح يقول: ما عساي أقول لكم، أنا المتألم الحزين الذي قضى على نفسه، بعد أن قضى على حقيقته.. لقد أعطاني الله من الفرص ما لم يعط الكثير منكم، ولكنني ـ ولغروري وكبريائي ـ فرطت فيها جميعا، ورحت أبحث في القمامة عما يسد رمق شهواتي .. فلم أجد في القمامة إلا ما ملأ حياتي بالضنك والضيق الذي رحت أفرزه في كتبي التي تعرفونها..

وأنا أريد من خلال موقفي هذا بين أيديكم أن أذكر لكم الأسباب الحقيقية لإلحادي، والتي حاولت أن أتستر عليها بتلك الدعاوى العريضة من التحرر والتنوير التي كنت أزعمها لنفسي، مع أني في حقيقة أمري لم يكن لي من دافع سوى عقدي النفسية التي ولدتها البيئة الاجتماعية والفكرية التي عشت فيها، والتي غذتني بلبان التدين المتطرف.

وأنا لا أرمي بأخطائي على بيئتي فقط.. بل أبدا بنفسي .. نفسي الأمارة بالسوء.. فقد كانت تراودني كل حين.. وكانت تتزين لي .. ولم أكن أملك إلا أن أخضع لها.. فكنت أملأ صفحات كتبي مدحا لها وثناء عليها، وكبرياء بها..

لقد كنت مزهوا بها لدرجة أنني رحت أطالب الجميع ـ حتى في فترة إيماني ـ بأن يروا نفسي المتكبرة، ويقدروها، ويعرفوا مكانتها..

لقد كتبت في تلك المرحلة قصائد كثيرة في مدحها وتعظيمها.. منها قولي([32]):

لو أنصفوا كنت المقدم في الأمر

 

ولم يطلبوا غيري لدى الحادث النكر

ولم يرغبوا إلا إليّ إذا ابتغوا

 

رشاداً وحزماً يعزبان عن الفكر

ولم يذكروا غيري متى ذكر الذكا

 

ولم يبصروا غيري لدى غيبة البدر

فما أنا إلا الشمس في غير برجها

 

وما أنا إلا الدر في لجج البحر

متى جريت فكل الناس في أثري

 

وإن وقفت فما في الناس من يجري

وقلت  مرة يثني على نفسه بأبيات ركيكة بعدما قرأت كتاباً للمتنبي فكتبت على هامشه:

كفى أحمداً أني نظرت كتابه

 

لأن يدعي أن الإله مخاطبه

ولو شامني أني قرأت كتابه

 

لقال إله الكون إني وخالقه !!

وقلت:

حاشا لهم أن يعدلوا بي واحدًا

 

من بعد ما وضحت لهم أنبائي

وأُعيذهم من أن يعيل أديبهم

 

وأديب كل الناس في النعماء

عابوا عليَّ تحدُّثي وتمدُّحي

 

بأصالتي وشجاعتي وذكائي

إن لم يُبح مدح الفتى أخلاقه

 

بيضًا فأي تمدح وثناءِ

لقد قلت هذا في المرحلة الأولى من حياتي، وبقي معي في المرحلة الأخرى التي أقمت فيها معابد لأعبد فيها نفسي وأنانيتي.. لقد كتبت في الغلاف الخارجي لكتابي (هذه هي الأغلال) هذه العبارة المشحونة بكل أصناف الكبرياء: (سيقول مؤرخو الفكر إنه بهذا الكتاب بدأت الأمم العربية تبصر طريق العقل!)

وقلت في ثناياه: (إن مافي هذا الكتاب من الحقائق الأزلية الأبدية التي تفتقدها أمة فتهوى، وتأخذ بها أمة فتنهض، ولن يوجد مسلم يستغني عن هذه الأفكار إذا أراد حياة صحيحة)

ولم تكن هذه الأنانية حبيسة نفسي أو كتبي، بل إن روائحها المنتنة فاحت لكل من حولي، وخاصة لمن خالفني أو اختلف معي..

لعلكم تذكرون موقفي من أستاذي الكفيف الشيخ يوسف الدجوي، والذي اختلفت معه في بعض المسائل.. فرحت أشنع به في الكتب والصحف والمجلات، وأتهمه بالغرور لأنه خالفني، ولم يخضع لأفكاري.. لقد قلت فيه: (وكأني بالدجوي المغرور عندما يرى هذه البراهين إن كان يرى التي ما كانت تخطر على فؤاده إن كان له فؤاد يغضب ويصخب، ويشتم، ويقول ماهذه البلوى؟ ما هذه المحنة التي خصصت بها؟ ما هذا النجدي الذي يريد أن يأكلني ويشربني؟ ما هذا العربي الذي منيت به لينزلني من منزلتي التي ارتقيتها بلقبي وكتبي وراتبي ورتبي وغفلة أهل العلم والفهم عني؟ ويقول يا ليتنا أرضينا هذا النجدي وأسكتناه عنا ولو بملء فيه دراً، ولو بكل ما نأخذه من راتب، وما نملكه من متاع)

أصدقكم القول بأنه كان يمكنني ألا أكون بهذه الصورة لو أنني لم أعش بين قوم نفخوا في من روح الكبرياء ما جعلني أستعلي على أستاذي الدجوي وغيره من علماء الأزهر، بل كل علماء الأمة.. لقد كانوا يصورون لي أننا وحدنا ـ أتباع محمد بن عبد الوهاب على الحق ـ وأننا ينبغي أن نعتز بكوننا كذلك.. وأننا ينبغي أن نتهم كل مخالف لنا بالشرك والكفر الجلي.. بل ينبغي لنا أن نفتي بسفك دمه..

لقد كان لإدماني على قراءة كتب ابن تيمية وابن عبد الوهاب ومشايخ نجد وغيرهم ممن يسمون أنفسهم الفرقة الناجية أثره الكبير على نفسي، فلذلك راح عقلي الضعيف يصور لي أنني أحمل الحق المجرد، وغيري يحمل الباطل المجرد.

لذلك رحت، ولأجل خلافات فرعية بسيطة بين مذهبي الذي ربيت عليه، وبين البيئة العلمية الجديدة التي انتقلت إليها، أتهم الأزهر ومشايخه بالإلحاد والضلال والكفر.. وأولهم شيخي الدجوي الذي اختلفت معه حول كفر القائلين بزيارة الأولياء، والتوسل بالصالحين، وطلب الشفاعة منهم، وكان شيخي ينهاني عن تكفير من يقول بهذا وتضليله، ورحت بالكبرياء التي نفختها في طائفتي أرد عليه بكل قوة وصلافة وحقد.. بل ألفت في ذلك كتابي [البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية]

وبعدها.. وبعد أن قرر مشايخ الأزهر فصلي منه، لسوء أدبي مع أساتذتي ([33]) .. رحت أصب جام حقدي عليهم، وكتبت في ذلك كتابي [شيوخ الأزهر والزيارة في الإسلام]، و[الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم]

ولم أكتف بالتشنيع على الأزهر، وعلى المناهج الصوفية والكلامية التي كان يتبناها، بل رحت إلى طوائف المسلمين الأخرى، أصب عليهم جام حقدي وأنانيتي.. فأرميهم ـ كما ترميهم الوهابية التي كنت أنتمي إليها ـ بالوثنية.. وقد كتبت في ذلك كتابي الكبير [الصراع بين الإسلام والوثنية]، والذي لقي قبولا كبيرا من أبناء طائفتي، حتى قال فيه إمام الحرم المكي في ذلك الوقت ([34]):

صراعٌ بَين إسلامٍ وكفرٍ

 

يقوم به القصيميُّ الشجاعُ

ألا لله ما خط اليراعُ

 

لنصر الدين واحتدم النزاعُ

بل أخبرني بعضهم أن الملك عبد العزيز قال عني، وعن كتابي: (لقد دفع القصيمي مهر الجنة بكتابه هذا)([35])

هذا هو السبب الأول لإلحادي.. وهو السبب الذي نجتمع فيه جميعا.. فالكبرياء والغرور والعقد النفسية هي التي تحرمنا من تفضل الله علينا بالإيمان.. ذلك أن الإيمان هدية إلهية غالية، لا يستحقها إلا أصحاب القلوب المتواضعة، كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 146]

أما السبب الثاني، فهو قومي الذين جنوا علي، فجنبت بعدهم على كل الناس.. وأنتم تعرفون قومي من النجديين أولئك الذين ذكر رسول الله a بلادهم، واعتبرها موطن الفتن والزلازل، وأن منها يطلع قرن الشيطان([36]).

وصدق في ذلك، فلاشك أنكم سمعتم أن كل ذلك الإرهاب والعنف والتطرف والخرافة بدأت من تلك النجود العالية، لتشوه الإسلام، وتحارب الدين، وتنشر الإلحاد.

وكان أول ما لقنني قومي هو تحطيم كل الرموز والمقدسات التي أمر الله أن تعزر وتوقر وتحترم.. ابتداء من رسل الله، وانتهاء بأوليائه.. لقد أشاع قومي أن التعلق بهؤلاء والتمسك بهم والعشق لهم ليس سوى شرك مغلف.. ولهذا رحت أصب جام غضبي على الصوفية والشيعة وعامة المسلمين الذين امتلأت قلوبهم محبة لأولياء الله ورسله.. وفاحت تلك المحبة بكل تلك الألوان من السلوكات التي لم أفهمها، ولم يفهمها قومي، فراحوا يحاربونها ويكفرون أصحابها.

لقد حصل لنا ما حصل لإبليس عندما رفض السجود لآدم .. فوقع في كل ألوان الضلالة، وصبت عليه جميع ألوان اللعنات.

لم تكن عقولنا الصلبة لتفقه سر تلك المحبة التي تفوح من قلوب الصوفية أو الشيعة أو العوام لرسل الله وأليائه، كنا نتصورها شركا، بينما لم تكن سوى التوحيد المقدس.. لأن محبة الرسل والأولياء ليست سوى فيض من محبة الله.. فمن أحب أولياء الله، لا شك أنه يحب الله.

ولم تكن عقولنا لتفقه أن في كل إنسان نزوعا لحب الأبطال، لاتخاذهم مثلا عليا، يقتدى بها، ويهتدى بهديها، لأنه لا يكفي الهدي النظري دون أن تكون هناك معالم عملية يتخذها الناس منارات هدى يهتدون بها.

لم نكن نفقه أن الأولياء الذين يعشقهم الناس لم يكونوا سوى منارات هدى.. بل تصورناهم بجهلنا أصناما رحنا نحطمها، فحصل لنا من الكبرياء والغرور ما حصل لإبليس..

لقد عبرت عن ذلك في بعض قصائدي التي أمجد فيها نفسي، فقلت:

ولو أن ماعندي من العلم والفضل   يقسم في الآفاق أغنى عن الرسل!

هذه هي صورة الرسل عندي، وهي صورة باهتة ضعيفة.. حرص قومي على أن يلقنوني إياها حتى يحموني من الشرك الأكبر.. فوقعت في الإلحاد.

لعل هذا هو السبب الأكبر فيما حاق بي.. وهناك أسباب أخرى كثيرة، منها أنني، وبعد تأليفي لمجموعة كتبي في الرد على الصوفية والشيعة.. وحول تمجيد الوهابية وتعظيمها.. وبعد أن لاقيت القبول الحسن من قومي الذين راحوا يمجدونني ويثنون علي.. دعيت ونفر من قومي الذين التحقوا بالأزهر مع كبير مشايخ قومنا.. لن أسميه لكم.. فلن ينفعكم اسمه.. طلب منا أن نجلس إليه ليحمي عقائدنا مما تسرب إليها من ضلالات الأزهر.

وقد كان ذلك المجلس وحده كافيا لأطلق تلك الآراء الرعناء المتخلفة الوثنية التي ينشرها قومي، لأستبدلها بعقائد أفضل وأكرم وأكثر عقلانية.. لكني لم أفعل.. لأني كنت أتصور أن الإله إما أن يكون بالصورة التي صورها قومي.. وإما أن لا يكون موجودا.

وقد كانت الصورة التي صورها قومي، والتي وضحها لنا الشيخ في منتهى الدجل والخرافة .. فلذلك رحت أنفر منها، لأقع في الإلحاد.

سأذكر لكم بعض ما قال.. لقد روى لنا حديثا في منتهى الغرابة .. وهو أن حبرا من الأحبار جاء إلى رسول الله a، فقال: يا محمد: إنا نجد أن الله عز وجل يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع. فيقول: (أنا الملك)، فضحك رسول الله a حتى بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله a: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَإلى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67]([37])

ذكر هذه الرواية ليبين عظمة الله، وأن رسول الله a ضحك تصديقا لليهودي، فقلت له: ألا ترى يا شيخا أن تفسير ضحك رسول الله a بذلك لا يستقيم مع الآية الكريمة التي قرأها.. ولهذا فقد يكون رسول الله a ضحك لخفة عقول اليهود، ولعدم تقديرهم لله حق قدره.

وقد كنت قرأت في الأزهر أن الفخر الرازي قال ـ تعليقا على الرواية ـ نقلا عن الزمخشري صاحب (الكشاف) ـ: (وإنما ضحك أفصح العرب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أول كل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة، التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام ولا تكتنهها الأذهان هينة عليه)

غضب الشيخ غضبا شديدا لترديدي لأسماء يمقتها ويكفرها من أمثال الرازي والزمخشري، وقال: أرى أن لوثات الأزهر علقت في رأسك.. وتحتاج إلى التخلص منها حتى يخلص لك دينك، وحتى لا تقع في الشرك الأكبر.

قلت له: وما علي أن أفهم من الحديث حتى يخلص لي ديني؟

قال: أن تفهمه كما هو .. كما يفهمه العوام.. فهذا الحديث قد نص على عقيدة من العقائد الكبرى التي اتفق عليها سلف أهل السنة وخلفهم.. وهي أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع.. أي أن الله له خمس أصابع.. ويوزع عليها كل أولئك المخلوقات.. ألا يكفيك هذا لبيان عظمة الله؟

كبر أصحابي لقول الشيخ إلا أنا.. فقد رحت أقول له: ولكن عند عرض هذا الحديث على العلم يتبين لنا مدى ضحالة ما طرحه اليهودي من معان.. فقد ذكر أن الله تعالى (وضع السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع)، انطلاقا من أن السموات في حجمها ـ في تصوره ـ تساوي الأرض، ولذلك وضعت السموات جميعا بنجومها ومجراتها في أصبع، والأرض في أصبع أخرى.. وكأنها تساويها في الحجم أو الكتلة .. وهذا خلاف الحقائق العلمية التي تنص على أن الأرض لا تساوي شيئا أمام هذا الكون الواسع..

غضب الشيخ غضبا شديدا، وقال: ومن أين عرفت حجم وكتلة الأرض أو السموات حتى تتكلم عنها؟

قلت: لقد ذكر الفلكيون هذا..

قاطعني بشدة، وقال: ومن أين للفلكيين هذا.. ألم تقرأ ما كتبه علماؤنا في حرمة تعلم علم الفلك.. ألم تقرأ وأنت في الأزهر تلك الكتب الكثيرة التي ألفوها في الرد على أباطيل الفلكيين الكفرة المنجمين.. ألم تقرأ كتاب (الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة) للشيخ التويجري، وغيرها من الكتب؟

قلت: إن قولك هذا يوقعنا فيما وقع فيه رجال الدين المسيحي حينما تبنوا بعض النظريات العلمية، وربطوها بالدين، ثم حاربوا كل من يقول بخلافها واعتبار القول به هرطقة.

قال: مثل ماذا؟

قلت: مثل دوران الأرض حول الشمس.. فقد اعتبروا القول بهذا هرطقة.

قال: وصدقوا في ذلك.. ألم تقرأ كتاب (دوران الأرض حقيقة أم خرافة) لعادل العشري، وكتاب (هداية الحيران في مسألة الدوران) لعبد الكريم بن صالح الحميد، وكتاب (الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب) لابن باز.. وقد قال بعض علمائنا في ذلك: (ومن قال بدوران الأرض وعدم جريان الشمس فقد كفر وضل، ويجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً، ويكون ماله فيئاً لبيت مال المسلمين)

وقد نصَّ على (أن كثيراً من مدرسي علوم الفلك ذهبوا إلى القول بثبوت الشمس ودوران الأرض، وهذا كفرٌ وضلال وتكذيبٌ للكتاب والسنة وأقوال السلف،وقد اجتمع في هذا الأمر العظيم النقل والفطرة وشاهد العيان فكيف لا يكون مثل هذا كافراً)

وقد حاجَّهم بقوله:(لو أن الأرض تتحرك لكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد، لذلك فالقول بهذه المعلومات الطبيعية وتدريسها للتلاميذ على أنها حقائق ثابتة يؤدي إلى أن يتذرع بها أولئك التلاميذ على الإلحاد حتى أصبح كثير من المسلمين يعتقدون أن مثل هذا الأمر من المسلمات العلمية)

واستدل لهذا بأنَّه (لو كانت الأرض تدور كما يزعمون لكانت البلدان والأشجار والأنهار لا قرار لها، ولشاهد الناس البلدان المغربية في المشرق والبلدان المشرقية في المغرب، ولتغيرت القبلة على الناس، لأن دوران الأرض يقتضي تغيير الجهات بالنسبة للبلدان والقارات هذا إلى أنه لو كانت الأرض تدور فعلاً لأحسَّ الناس بحركة كما يحسون بحركة الباخرة والطائرة وغيرها من المركوبات الضخمة)

وقد وصف المسلمين الذين يؤمنون بكروية الأرض بأنهم بعيدون عن استعمال عقولهم وأنهم أعطوا قيادهم لغيرهم، فأصبحوا كبيهمة الأنعام العجماء بعد أن فقدوا ميزة العقل.

وقد خلص في الأخير إلى أن (القائل بدوران الأرض ضال قد كفر وأضل كذَّب القرآن والسنة، وأنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً، ويكون ماله فيئاً لبيت مال المسلمين).

ثم قام من مكانه، وأخرج لي كتابا بعنوان (الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة)، ثم راح يقرأ منه: الرد على من قال: (الأرض سابحة في الجو معلقة بسلاسل الجاذبية وقائمة بها.. ونقول أما قولهم إن الأرض سابحة في الجو فهذا باطل ترده الآيات والأحاديث الدالة على سكون الأرض وثباتها. ويرده أيضاً إجماع المسلمين على ثبات الأرض وسكونها. وقد تقدم كل ذلك فليراجع وأما قولهم إنها معلقة بسلاسل الجاذبية فهذا باطل يرده قول الله تعالى (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) وقوله تعالى (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) فالسماء قائمة بأمر الله تعالى وإمساكه لها من غير عمد والأرض قائمة بأمر الله تعالى وإمساكه لها من غير سلاسل)([38])

بعد أن قال لي هذا.. انهار كل البنيان الديني الهش الذي كنت بنيته لنفسي، وبناه لي قومي.. وكان في إمكاني أن أعود إلى الأزهر لأصحح الأخطاء الكثيرة التي أوقعني فيها قومي.. فقد كان فيه أعلام كبار يجمعون بين الدين والعلم، ولا يقولون بالتناقض بينهما.. وكان في إمكاني أن أذهب إلى الحوزات العلمية، لأستمع لكلام المتكلمين والفلاسفة عن تنزيه الله عن كل سمات الجسمية والحدوث.. لكني لم أفعل.. لأني كنت قد بدأت بالصراع معهما، قبل أن أكتشف الخدعة الكبرى التي كنت ضحية لها.

لقد كتبت معبرا عن ذلك، وعن التصورات التي بثها في نفسي مشايخ طائفتي، أقول: (إن البشر يضعون في اذهانهم صورة للإله، لو انها تجسدت كائناً حياً خارجياً مرئياً يعمل في الكون والحياة والمجتمع الذي يعيشون فيه على المكشوف والرؤية، ويعاملهم بالصفات التي تخيلوها وتمنوها له لأصبح لديهم أبشع كائن لا يمكن أن يقبلوا التعامل معه، ولا أن يكون لهم صديقاً وعليهم حاكماً، ولا أن يكون مجرد مواطن لهم، بل لكان محتوماً ان يحكموا عليه بالإعدام. ولا يوجد بين المؤمنين بهذا الإله على النحو الذي تصوروه من يرضى لنفسه بأن يعيش بالصفات التي اختاروها وألفوها له، أو يرضى بأن يكون إلهاً هذا الإله)([39])

وقلت: (كل الناس يعبرون عن عقائدهم ومذاهبهم ويفسرونها باستعداداتهم ورغباتهم لا بنصوص ولا بروح تلك العقائد والمذاهب ـــ بل لا يوجد من يعبر عن دينه أو مذهبه حين يعمل أو يفكر وإنما يعبر عن وجوده، فصفات المجتمع هي التي تفسر دينه وتعبر عنه لا روح ذلك الدين ولا نصوصه، كما أنها هي التي تصوغه، اذن فالأديان والمذاهب ليست مذمومة ولا ممدوحة إذا هان أهلها أو عظموا، وكذا إذا انحرفوا أو استقاموا) ([40])

كان في إمكاني بعد قولي هذا أن أقوم برحلة للبحث عن الدين الحقيقي، أو عن الحقيقة في الأديان والمذاهب، لكنني لم أفعل .. بل اعتزلت الدين كليا، واعتزلت أهله جميعا المحق منهم والمبطل، ورحت ألتمس أصحابا جددا.. كان من أولهم تلك المرأة المتحررة [هدى الشعراوي]، التي جلست إليها كما يجلس المريد إلى شيخه، فراحت تشنع على تلك العادات السخيفة التي ربطها قومي بالدين، فاستعبدوا المرأة وأذلوها.. وكان في إمكاني أن أصحح لها الخطأ الذي وقعت فيه.. وأذكر لها بأن ما عليه قومي ليس سوى عادات جاهلية بائدة لا علاقة لها بالدين.. لكن نفسي نفرت أن تسب قومي، فراحت تسب الدين نفسه، وتتمرد عليه، على الرغم من أن تشريعاته تحوي كل التكريم والصيانة والاحترام للمرأة وللإنسان ولكل شيء.

لقد سألني بعض أصحابي عند خروجي من عندها: من أين أقبلت؟ فقلت: من عند هدى شعراوي، فقال مستغربًا: هدى شعراوي؟ قلت: نعم، قال: وما تصنع عندها؟ قلت: تعلمت منها علمًا لا يعرفه علماء الأزهر، قال: ماذا تعلمت منها؟ قال: تعلمت منها كيف أحطم هذه الأغلال([41]).

بعد ذلك اللقاء كتبت مجموعة كتب لي .. أزعم أنها شريكتي فيها.. فقد كنت أضع صورتها بين عيني، وهي تحدثني عن تحطيم الأغلال.. وبعدها أحول قلمي إلى معول، وأحطم به ما كنت أرى أنه أغلال .. ومن تلك الكتب كتابي (هذه الأغلال).. و(أيها العقلُ مَن رَآك).. و(الإنسان يَعْصِي لهذا يَصْنَعُ الحَضَاراتِ).. و(هذا الكون ما ضميره)

لقد بلغ من جنوني وتمردي أني رحت أخاطب الشمس، وأطالبها بالتمرد على إلهها الذي خلقها، وعلى الوظيفة التي جبلت عليها، وتقبلتها وهي طائعة.. لقد قلت في كتابي [هذا الكون ما ضميره]: (إن الشمس ـ هذا الجرم الأبله الهائل الذي هو أكبر وأضخم وأجمل كائن دميم نراه في هذا الكون ـ لو أنها كانت تستطيع الاحتجاج على نفسها، وعلى كينونتها، وعلى سلوكها المثير في بلادته، لكان من المحتوم أن تبحث عن بحر كوني يتسع لبدانتها الجوفاء، لكي تموت فيه منتحرة غرقاً!)

وقلت بجنون وبلاهة: (لقد ظلت الشمس ـ مجد هذا الكون الذي نراه ـ في وقفتها الطويلة الخرساء، وفي دورتها الغبية المتسكعة، تعرض بافتضاح جسدها المزخرف، مثلما تفعل أجهل غانية رخيصة مستهترة، وتبدد طاقاتها الجزافية التي لا تعرف كيف ولا لماذا ملكتها بلا حساب، أو ذكاء، أو تدبير. وتواجه هذا الكون، والناس، والآلهة، واالحشرات، والفراغ الرهيب العقيم دون أن ترفض، أو تغضب، أو تبكي، أو تحزن، أو تمرض، أو تقاوم، أو تسأل: لماذا أنا، إلى أين أساق، من فعل بي ذلك. لمصلحة من، ما الهدف، ما البداية، ما النهاية، متى الاستراحة، من أين؟)

وقلت مخاطبا الكون جميعا أدعوه للتمرد: (لماذا لم يرفض الكون نفسه، لماذا لم يمت انتحاراً، أو اشمئزازاً مما يمارس ويواجه ويرى؟ لماذا لم يمت حزناً على المتألمين والمقهورين، وعلى الباحثين عن العزاء؟ إنه لم يفعل، لأنه لايحتج)

هل رأيتم المدى الذي يصل إليه العقل الملحد.. العقل المغرور المكابر الذي يتعدى حده وطوره، ليتدخل فيما لا يعنيه، وفيما لا قدرة له عليه..

كان في إمكاني، وأنا العربي البليغ، أن أرجع إلى الرسالة التي أرسلها الله لي، وبين لي من خلالها سر الكون، ووظائف المكونات، وأنها في عبودية تامة لله، وأنها في منتهى السعادة والسلام لأدائها لأدوارها التعبدية التي لا نفقهها.

وكان في إمكاني أن أرجع إلى عقلي، فأرى قصوره وضعفه، فلا أتجاوز به حدوده..

وكان في إمكاني أن أرجع إلى العلماء الكبار الذين أفنوا أعمارهم في صحبة الكون، وكيف هداهم الله بالنظر إليه إلى الإيمان..

لكني لم أفعل ذلك، لأني كنت خزانا مملوءا بالحقد الذي أعماني عن رؤية الحقائق، وعن التعبير عنها.. فرحت أدعو إلى التمرد على كل شيء.. ليصدق علي ما ذكره بعضهم عني من أن إلحادي [إلحاد انتقامي]، لا أساس له من العقلانية، ولا البحث ولا النظر..

لقد كان مخائيل نعيمة محقا حين قال عن كتابي (العالم ليس عقلا): (إنه كتاب هدم ونفي من الطراز الأول.. هدم الآلهة والأخلاق والفضائل والثورات والمثل العليا والغايات الشريفة، ولاعجب فأنت في أول فصل تنفي أن يكون لوجود الإنسان أي معنى، والذي لا يعرف لوجود الإنسان ولعبقريته أي معنى كيف يكون لكلامه أي معنى؟ إن قلمك ليقطر ألما ومرارة واشمئزازا وحقدا على خنوع الجماهير لا العباقرة، ولو كان لمثل حقدك أن تصنع قنبلة لكانت أشد هولا من قنبلة هيروشيما)

لم يكن ميخائيل وحده من اكتشف جنوني وعقدي.. بل كل المتنورين الذي كنت أحاول التقرب إليهم ضاقوا مني، ومن حماقاتي.. لقد قال حسين مروة، الاشتراكي القومي عني: (يبدو لي أن أول ما ينبغي إيضاحه منذ الآن، هو أنه لم يكن عسيرا علي، وليس عسيرا على أي قارئ غيري، اكتشاف كون المؤلف [عبد الله القصيمي] خاضعا في معظم أفكاره وتأملاته وخواطره إلى عدد من الضغوط النفسية والفكرية العنيفة، التي يصح أن نجعلها كلها في حالة أو وحدة تؤلف ما نسميه بالأزمة، إذا لم نسمها عقدة)

هل رأيتم كيف اعتبرني مجنونا ومعقدا .. يحق له أن يقول ذلك .. فأنا لم أكن إلا كذلك.. لكن غروري منعني أن أكتشف حقيقتي..

ومثله قال أدونيس.. شيخ الحداثيين .. عني، فقد قال: (عبد الله القصيمي لا تستطيع أن تمسك به، فهو صراخ يقول كل شيء ولا يقول شيئا، يخاطب الجميع ولا يخاطب أحدا، إنه الوجه والقفا)

بل أنا عبرت عن نفسي، وعن أمراضها .. فقلت في كتابي (العالم ليس عقلا): (إن كل دموع البشر تنصب في عيوني، وأحزانهم تتجمع في قلبي، وآلامهم تأكل أعضائي .. ليس لأني قديس، بل لأني مصاب بمرض الحساسية)

وقلت: (دعوني أبكي، فما أكثر الضاحكين في مواقف البكاء، دعوني أحزن فما أكثر المبتهجين أمام مواكب الأحزان، دعوني أنقد فما أكثر المعجبين بكل التوافه، دعوني احتج على نفسي)

ليسوا كلهم انتقدوني.. بل فيهم من بالغ في مدحي والثناء علي، واعتبرني بطلا كبيرا.. وفيهم من هو موجود بينكم.. لكن الذي آلمني منهم صديق من أصدقائي قرأ كتابي [الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات]، وتأثر به كثيرا.. لهذا راح يرتكب جميع المعاصي ليتحضر ويتنور..

لاشك أنكم تعرفونه، ولعله الآن بينكم .. إنه صديقي([42]) [فهد بن صالح بن محمد العسكر ([43])] ذلك الشاعر الكويتي الماجن، الذي سلك سبيلي في الدعوة إلى التمرد على الأخلاق والفضيلة .. وكان من كبار المتشككين والساخرين بالأديان في شعره.

كان في بدايته محافظا مثلي.. لكنه عندما قرأ كتبي، وبعض كتب المتنورين من أمثالكم أصابته الحيرة والشك، فمال معها، وتعاطى الخمر وأدمنها، وطفح شعره بالكفر والاستهزاء والعهر والمجون .. إلى أن عمي في آخر عمره، ونصحه الأطباء بترك الخمرة فأبى، فساءت صحته جدا، وأدخل المستشفى فمات بعد فترة، ولم يصل عليه أحد من أهله، وقاموا بإحراق جميع أوراقه وبقايا شعره.

وكيف يحتفظون بأمثال قوله:

ليلة ذكرياتها ملء ذهني

 

وهي في ظلمة الأسى قنديلي

ليلة لا كليلة القدر بل

 

خير وخيرٌ والله من ألف جيل

أنا ديني الهوى ودمعي نبيي

 

حين أصبو ووحيه إنجيلي

ليس هذا هو صديقي الوحيد الذي أعجب بأفكاري، وراح ينشرها بين الحمقى والمغفلين، بل منهم آخرون كثيرون .. أذكر الآن منهم بطلا من أبطال الإلحاد.. لاشك أنه الآن بينكم.. إنه أحمد حسن علي القبانجي([44]).. إنه لا يقل عني ولا عنكم كبرياء ولا غرورا.. لاشك أنكم سمعتم سخريته من الجنة والنار .. وقوله عن الجنة أنها حظيرة الأغنام.. وغير ذلك من الهرطقات التي أراد أن يتقرب بها إلى التنويريين.. فخسر دينه، وخسرهم.

في آخر هذه الاعترافات التي أدليت بها إليكم، أود أن أذكر لكم بعض كلماتي التافهة التي قلتها، وأنا في تلك النشوة الموهومة التي زينها الشيطان لي، كان بودي أن أنزه أسماعكم عنها، ولكن لا مناص لي من ذكرها، ففي هذا الفندق لا يمكن لأحد أن ينكر أي جريمة من جرائمه.

من كلماتي التي ربما تدلكم على بعض أسباب انتكاستي، وإلحادي قولي في كتابي [هذي هي الاغلال] الذي نشرته عام (1946م): (من المعلوم أن أوروبا يوم أن كانت مؤمنة بالكنيسة متدينة كانت في ذلك الهوان والضعف والعجز الذي نعرفه ونقرأه، فلما أن فرت من إيمانها وتنازلت عن ذلك الأمل الأخروي ! وجعلت الصناعة والتجارة والحياة الكبيرة القوية هي آلهتها التي وحدتها، وأبت الإشراك بها، صعدت بالحياة)([45])

وهذا كلام في منتهى الكذب والتزوير، وهو دليل على أنني كنت ضحية لمجتمعي وبيئتي، ولم أستعمل عقلي يوما في البحث المستنير عن الحقيقة، لقد كتبت ذلك الكلام بعد زيارة لي للسويد التي أخبرني أصدقائي من الملاحدة أنها المثال النموذجي للدولة الملحدة، وأنها مثال التحضر الذي ينشره الإلحاد..ولأجلها كتبت كتابي [الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات]

لكني.. وبعد كتابة ذلك الكتاب.. وبعد أن توهمت أنني قد ألقمت الإيمان والتدين حجرا لن يتكلم بعده أبدا.. في ذلك الحين التقيت رجلا سويديا عليه كل ملامح الأوروبيين الذين كنت أراهم نماذج للتحضر والتنوير والعقلانية.. ولكني فوجئت أنه كان مؤمنا، وأنه زار بلدي ليؤدي فريضة الحج.

سألته حينها ساخرا: كيف تهبط من فردوسك الأعلى إلى هذا الجحيم الذي نعيش فيه؟

قال لي: وكيف لا يهفو قلبي للمكان الذي دعا له إبراهيم عليه السلام، فقال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: 37].. وأنا أرجو أن يجعل الله قلبي من تلك الأفئدة التي تهفو إلى بيته.

ضحكت ساخرا، وقلت: لو أنك أجريت مقارنة بسيطة بين بلدك، والبلاد التي تهفو إليها .. لعرفت أن الحق لا يمكن أن يكون إلا للعقول التي تسكن بلدك.

قال: في بلدي يوجد المؤمن والملحد.. والطيب والخبيث.. والمنحرف والمستقيم.. هو كسائر بلاد الله.. ولا يمكننا أن نبحث عن الحق في الجغرافية ولا في التاريخ.. وإنما نبحث عنه في عقولنا.. ألم تسمع قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]

ولو أن الحق كان تبعا للبلاد التي تنتشر فيها الحضارة، لكانت الروم وفارس هي بلاد النبوة، لا الصحراء التي ولد فيها رسول الله a..

ضحكت حينها كثيرا من طريقة تفكيره، وقلت: نحن لا نتحدث عن فارس ولا عن الروم.. بل نتحدث عن السويد؛ أيقونة الإلحاد، وكاتدرائية الحرية في العالم.. ومحراب الديمقراطية([46]) .

ابتسم بأدب وقال: إن كان الأمر كذلك فلم لا تنظر إلى بتسوانا وناميبيا وجامبيا وموريشيوس والسنغال .. فهي كلها دول أفريقية تُدار بأنظمة ليبرالية علمانية رأسمالية ديمقراطية منذ عشرات السنين ومع ذلك لا تزال تعيش في قمة التخلف..

لم لا تنظر إلى دولة ليبريا الإفريقية، فهي دولة تعمل بالدستور الأمريكي مباشرًة، وعملتها الدولار، وبها مجلس شيوخ، ومجلس نواب منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، وهي علمانية ليبرالية عتيقة، وأهلها ليبراليون جدًا.. يرقصون الشارلستون.. ويأكلون لبان تشكلس.. ويرتدون أحذية نايكي.. ومع ذلك فهي مُصنفة كأفقر دول العالم على الإطلاق.

قلت: لكن السويد وأوروبا تختلف تماما.

قال بأسف: وكيف لا تكون كذلك، وقد ملأت خزائنها من ثروات الشعوب الفقيرة المستضعفة التي استعمرتها؟

قلت: مع ذلك، فإن السويد من أكثر ديموقراطيات العالم نجاحاً .

قال: كلامك صحيح، لكن الذي لا تعرفه، ولا يعرفه الملاحدة العرب أن السويد دولة ملكية دستورية، يحكمها الملك كارل السادس عشر غوستاف، والحكم وراثي في السويد.. وهذا يعني أن القيادة والحُكم مرتبطة بالدم، لا برجاحة العقل أو الاختيار.

قلت: لكن دولة السويد دولة محايدة تماماً، وآخر حرب دخلتها كانت عام 1814 .

قال: نعم هي لم تدخل حربا منذ آخر حملة عسكرية شنتها على النرويج عام 1814، لكنها في واقع الأمر ارتكبت جريمة خطيرة لا تقل عن جرائم الحرب نفسها، فقد سمحت للنظام النازي باستخدام سككها الحديدية لنقل الجنود والعتاد، وأمدت هتلر بالحديد والصلب من مناجمها التي تقع في شمال البلاد، بل إن عِماد الصناعة العسكرية النازية اعتمد بشكل أساسي وجوهري على حديد السويد..

قلت: يكفي أن أنها دولة مستقرة، وهي من أقل دول العالم جريمة.. وهذا دليل على القيم العظيمة التي يحملها الملاحدة.

قال: أخطأت في كلامك من جهتين.. من جهة معدلات الجريمة.. فهي في السويد مرتفعة للغاية مثلها مثل الكثير من البلاد التي يفخر بها الملاحدة.. حتى أن معدلات الاغتصاب في السويد هي الأعلى عالمياً، حيث تأتي في المرتبة الرابعة بعد فرنسا وألمانيا وروسيا، بل إنها تشرفت بأن تكون في عام 2009 دولة الإغتصاب الرسمية في أوربا.. وفي نفس العام ذكرت الإحصائيات أنه تم ارتكاب مليون ونصف جريمة، مع العلم أن عدد السكان في ذلك الوقت كان 9 مليون نسمة، وهذا ما يجعلها من أكثر دول العالم جريمة.

وأما خطؤك الثاني، فهو حكمك على جميع السويديين بالإلحاد.. وهذا خطـأ كبير، فطبقاً لإحصائية 2012 فإن 67 بالمائة من الشعب السويدي مسيحيون، إلى جانب 5 بالمائة مسلمون، والباقي يؤمنون بوجود خالق.. ونسبة ترك المسيحية بالفعل في ارتفاع ليس في السويد وحدها، وإنما في الاتحاد الأوربي كله، لأن الصورة التي تقدمها المسيحية للإله تجعل النسبة في ارتفاع باضطراد، وهذا لا علاقة له بالإلحاد الذي يتشوق إليه ملاحدتكم.

هذا بعض حديثي مع ذلك السويدي المسلم الذي أبصر الحقيقة بقلبه، فآمن بها، وسلم لها، ولم تشغله عنه كل الشهوات التي تمتلئ بها بلده.

هذا بعض ما جرى لي مع ذلك الرجل السويدي.. وقد كان رسالة من الله لي، لأستعيد وعيي، لكني لم أفعل.. بل رحت أصر على رأيي مدفوعا بكبريائي وغروري.

أذكر جيدا أنه بعد انصرافه عني، رحت إلى دفاتري أكتب أمثال هذه العبارات، لأنتقم منه، ومن انهيار حججي أمامه: (من الهزل أن الكون أو الإنسان مخلوق بمشيئة إله أو بعدله أو برحمته أو بقدرته أو بذكائه)([47])

وقلت: (فكيف يكون وجود الإله أفضل لنا؟ إن وجوده يعني محاسبتنا، ومراقبتنا، ويعني الثواب والعقاب، ويعني الجنة والنار)([48])

 وقلت: (إن الأفضل لنا إلا تكون فوقنا قوة هائلة مطلقة مثل قوة الإله تسلبنا الحرية وتحاسبنا أقصى محاسبة، وتضعنا تحت أقوى رقابة وتخيفنا بمشيئتها، ثم تحكم علينا بالخلود في الجنة، أو في الجحيم.. إن وجود الإله يجعلنا محكومًا علينا أن نعيش عراة ونشعر بأننا عراة) ([49])

 وقلت: (فهل من الأفضل حقًّا للإنسان أن يكون فوقه إله.. كيف يكون الأفضل للبشر أن يكون فوقهم طاغية ..لأحد لقدراته ولغيرته ولغضبه ولحبه لذاته ولبحثه عن المجد الذاتي)([50])

وقلت: (إننا في حالة آلية الكون نكون فيه سادة، نحكمه ونوجهه كما نشاء بقدر ما نستطيع، أما في حالة روحانيته وعبوديته، فإننا نكون فيه عبيدا مقهورين بقوة غيبية مثله لا نستطيع أن ننتصر عليها، ولا أن نتفاهم معها، أو نعرف متى تفعل، أو تكف عن الفعل، متى توقف النهر أو إلى متى تتركه جاريا)([51])

وقلت: (إني أتشاءم بحرارة ومعاناة وإيمان.. تشاؤمي نوع من الاحتجاج ضد الكون، وضد الآلهة وضد نفسي.. إني أتشاءم لأني لا أستطيع أن أكون إلهًا) ([52])

وقلت: (إن الدعاء والصلاة اتهام لله بليد ! إنك إذا دعوت الله، فقد طلبت منه أن يكون أو لا يكون.. إنك تطلب منه حينئذ أن يغير سلوكه، ومنطقه وانفعالاته.. إنك إذا صليت لله فقد رشوته لتؤثر في أخلاقه، ليفعل لك طبق هواك، فالمؤمنون العابدون قوم يريدون أن يؤثروا في ذات الله، أو يصوغوا سلوكه، لأن الصلاة والدعاء ليستا إهانة لله فقط؛ إنهما أيضًا إفساد للداعي والمصلي، وإنهما تقوية له على الرشوة وعلى نفي القانون والعدالة، والذي يتعلم رشوة الله، وينكر قوانين الأشياء، هل يمكن أن يكون في سلوكه أو تفكيره فاضلاً أو ذكيًّا؟.. إن الذي يصلي لله لا يريد أن يتصدق على الله بصلاته.. إذن هو يرشوه، إنه يريد منه أن يغير سلوكه، وإرادته وأن يفعل ما ليس فاعلاً.. أن يفعل إرادة المصلي ثمنًا لصلاته) ([53])

هذا بعض ما سطرته يداي في كتبي عن الله، وأنا ممتلئ حقدا عليه، وعلى قومي الذين كنت أستحيي منهم، ومن بلادتهم وتخلفهم، فرحت بدل أن أصب جام غضبي عليهم، أصب جام غضبي على الله.

أما مقولاتي عن القرآن الكريم، والذي تجلى الله فيه لعباده ليعرفوه، ويعرفوا عدله ورحمته وحكمته، ويعرفوا من خلاله أسرار الوجود والكون والحياة والإنسان، فقد رحت ـ بكبريائي، وبدواعي الانتقام التي أنشأها في قومي ـ أصب عليه كل ألوان حقدي، لقد قلت فيه: (إن معارضة القرآن ومحاولة التفوق عليه شيء واجب على المؤمنين أن يوجدوه ليحققوا للقرآن رغبة الضجيج، والاعلان والتوتر، والمخاصمة)([54])

سأكون صادقا معكم ومع نفسي، فإن الذي دعاني إلى قول هذا هم أولئك الأدعياء من قومي الذين راحوا يعارضون الحقائق العلمية الثابتة بما تفهمه عقولهم البسيطة من القرآن الكريم.. في نفس الوقت الذي راحوا يتهمون فيه كل مسلم مؤمن عالم بكونه ضحية للعلوم الحديثة.. وبما أني وضعت خيارين فقط لنفسي: إما الإلحاد أو دين قومي، فقد اخترت الإلحاد على دين قومي.

في تلك الأيام سمعت بطبيب فرنسي أسلم يقال له [موريس بوكاي]، وقد تعجبت من إسلامه.. بل عجبت من إيمانه بالله.. وعندما أتيحت لي الفرصة سألته عن سره، فقال لي، وهو يشير إلى كتاب في يده يحمل عنوان [القرآن والتوراة والإنجيل والعلم: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة]: هذا الكتاب يجيبك عن سؤالك.

فقلت: أجبني أنت.. وسأقرأ الكتاب لاحقا.

فقال: لقد كنت في يوم من الأيام ملحدا، وأردت أن أثبت إلحادي بنقد المصادر المقدسة للأديان الكبرى، ووجدت أن أحسن طريقة لذلك هي عرضها على منتجات العلم الحديث.. وبالفعل، قمت بدراسة مقارنة للكتب السماوية الثلاثة.. واستغرقت مني الدراسة عشرين عاماً.

قلت: فما النتيجة التي خلصت إليها؟

قال: لقد قمت أولاً بدراسة القرآن الكريم، وذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة، باحثاً عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث، وكنت أعرف قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات، أن القرآن يذكر أنواعاً كثيرة من الظواهر الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة، وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أي مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث، وبالموضوعية نفسها قمت بالفحص نفسه على العهد القديم والأناجيل.

أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول، أي سفر التكوين، فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخاً في عصرنا، وأما بالنسبة للأناجيل فإننا نجد نص (إنجيل متى) يناقض بشكل جلي (إنجيل لوقا)، وأن هذا الأخير يقدم لنا صراحةً أمراً لا يتفق مع المعارف الحديثة)([55])

قلت حينها لنفسي: (لو كان كاتب القرآن إنساناً، كيف استطاع في القرن السابع الميلادي أن يكتب ما اتضح أنه يتفق مع المعارف العلمية الحديثة، في الخلق وعلم الفلك، وعلوم الأرض والحيوان والنبات، والتناسل الإنساني التي تعكس التوراة أخطاء علمية ضخمة بشأنها؟ ليس هناك أي مجال للشك، فنص القرآن الذي نملك اليوم هو فعلاً النصّ الأوّل نفسه، ما التعليل الإنساني الذي يمكن أن نعطيه لتلك الملاحظة؟ في رأيي ليس هناك أي تعليل، إذ ليس هناك سبب خاص يدعو للاعتقاد بأن أحد سكان شبه الجزيرة العربية استطاع ـ يومها ـ أن يملك ثقافة علمية تسبق بحوالي عشرة قرون ثقافتنا العلمية فيما يخص بعض الموضوعات) ([56])

قلت: لكن قومك من الباحثين المحققين يذكرون أن محمدا نقل كتابه من الكتب السابقة.

قال: دعني من ترهاتهم وأحقادهم.. ولتفترض معي أن محمداً تلقى كتابه عن الآخرين من أهل الكتاب، فمن الذي أعطاه القدرة على تمييز الخرافات الواردة في تلك الكتب عن غيرها.. وكيف لم ينقل من خرافاته ما اتضح بعد ذلك للأجيال.. أليس هذا وحده كاف لإثبات نبوته؟

طبعا، بعد انصرافه عني لم أقرأ الكتاب، بل ذهبت وأحرقته خشية أن أعود للإيمان من جديد.. فقد كنت ضحية للإلحاد الانتقامي.. وهو نوع مرضي لا يجدي معه أي شفاء.

قال ذلك.. ثم غرق في صمت عميق .. مملوء بكل ألوان الألم والندم.

صادق جلال العظم:

ما هي إلا لحظات حتى سمعت قرع أقدام، سمعت بعدها الصوت الأول يقول: سيتقدم الآن علم من أعلام الإلحاد الكبار.. له قصة لا تختلف كثيرا عن القصص التي سبق لكم أن سمعتموها.. إنه صادق جلال العظم ([57]).. أدعه ليحدثكم، فخير من عبر عن الإنسان لسانه.

سمعت قرع أقدام .. بعدها سمعت صوتا ممتلئا ألما، راح يقول: لاشك أنكم تعرفونني، وأنني لم يتح لي ما أتيح للقصيمي أو لمسلييه من العيش في جو ديني.. فأبي، وهو من أصل تركي، كان من العلمانيين المعجبين بتجربة كمال أتاتورك في تركيا([58]) .. ولهذا نشأت في جو علماني متحرر، لا يعرف أحكام الدين، ولا يهتم لها، ولا ينفذها.. لم يكن أحد حولي يصلي أو يصوم.. بل كانوا يسخرون من الصلاة والصوم.. ويعتبرون التدين رجعية، ويعتبرون الإلحاد تنويرا.

بعد أن شببت عن الطوق رحت أدرس الفلسفة، وكانت رسالتي للأسف عن الفيلسوف (كانط).. ليتها كانت عن الغزالي أو ابن سينا أو فولتير.. ولم تكن عن كانط.

لقد رحت أحفظ كتابه (نقد العقل الخالص) عن ظهر قلب.. وكان هو السند الذي اعتمدت عليه في فكري المعادي للدين ولله ([59]).. ففلسفة كانط شكلت خطوة مهمة في توجهي نحو الإلحاد..

لقد وجدت في نقده للعقل الخالص نقدا مهما لقدرات العقل، وإبعاده عن الانشغال بالدين، وبما وراء الطبيعة.. ذلك أنه انطلق من فيزياء نيوتن الموغلة في الحس، فخلص إلى الحد من مجال العقل.

لقد رحت من خلال دراستي لكانط أميز بين الظاهرة، والحقيقة.. وانتهيت إلى أن العقل البشري محصور في قدرته المعرفية على عالم الظاهر، ولا يمكن أن يبحث في حقائق الأشياء، ولا يحق له أن يسأل عنها، ولا عن مصدرها.

لم أكن وحدي في ذلك التأثر بكانط، فقد استثمر هذه الفكرة كل الفلسفات الناقدة للدين.. فهي جميعا تبشر به، وتوظفه على نحو مغاير لمقصوده هو نفسه.

ذلك أنه في القسم الخاص من كتابه [نقد العقل الخالص]، والذي عنونه بـ [الجدل المتعالي] وقف متسائلا عن سبب نزوع العقل البشري إلى تجاوز عالم الحس والتجربة، مذكرا بأفلاطون الذي وقف كثيرا عند نزوع العقل إلى التدين والتفكير فيما وراء العالم الحسي.

وبذلك، فإن كانط اعترف بأن هذه المجاوزة ذات حافز طبيعي يوجد داخل كينونة العقل، وليست مجرد افتعال أو سلوك من الترف الذهني، كما أنه في كتابه [نقد العقل الخالص] كان يرى أن العقل البشري عاجز عن إنتاج حقيقة فيما وراء عالم الحس، منتهيا إلى الاستحالة العقلية لتأسيس معرفي للميتافيزيقا، ولذلك عاد في كتابه [نقد العقل العملي] إلى تأسيس الدين على أساس أخلاقي، لا أساس معرفي.

اعذروني إن كنت قد أقحمتكم معي في هذه الأحاديث.. وأنا لا أريد أن أعتذر لكم من خلال ذكرها لكم عن نفسي، ولا أريد أن أجعلها مبررا لإلحادي، فأنا قد وفر الله لي في الفترة التي عشتها في عالم الدنيا الكثير من الفرص للمراجعة والتوبة، لكني لم أستفد منها.. فقد قام الكثير من الأعلام والمشايخ والمثقفين بتتبع أطروحاتي ومناقشتها والرد عليها، ودعوتي إلى التوبة منها.. لكني كنت أتكبر عليهم جميعا([60]).. وأنظر إليهم باحتقار، لأني كنت أعتبر نفسي الوحيد الذي يعقل، والوحيد الذي يحق له أن يتحدث باسم العقل والعلم.

لقد رحت أكتب في الرد عليهم كتابي [نقد الفكر الديني]([61]) الذي اعتبره أصحابي من الملاحدة دستورهم وقرآنهم وإنجيلهم، يستشهدون بما فيه، وكأنه حقائق مطلقة.

وكنت لا أقصد بالدين الرؤية البشرية له، أو التطبيق التاريخي لمعانيه وقيمه.. بل كنت أقصد به الدين نفسه.. أو كما عبرت عن ذلك بقولي في كتابي بأن الدين: (مجموعة المعتقدات والتشريعات والشعائر والطقوس والمؤسسات التي تحيط بالإنسان لا باعتباره ظاهرة روحية نقية وخالصة)([62])

ولهذا فإن نقدي كان لمعتقدات وقيم الدين المقدس نفسه، لا الدين الذي فهمه البشر، وطبقوه، وأخطأوا في تطبيقه..

وقد وظفت كل شيء لأصرف الأبصار عن الدين، وأحوله إلى الإلحاد والمادية والتنوير والحضارة التي كنت أتوهمها..ولهذا فإن كتابي شمل موضوعات كثيرة كلها تصب في بحر واحد.. بحر الإلحاد..

لقد رحت ـ بحقدي الدفين على الدين ـ أعلق عليه كل قيم التخلف والرجعية والهزيمة، حتى انتكاسة 1967، والتي حصلت تحت شعارات مختلفة ليس من بينها شعار الإسلام.. علقتها على الدين.. لقد رحت أقول: (تبين بعد هزيمة 1967 أن الإيديولوجية الدينية هي السلاح النظري والأساسي والصريح للرجعية العربية في حربها ومناوراتها على القوى الثورية والتقدمية في الوطن .. كما أن بعض الأنظمة التقدمية العربية وجدت في الدين عكازا تتكئ عليها في تهدئة الجماهير عن طريق مماشاة التفسيرات الدينية والروحانية للانتصار الإسرائيلي والخسارة العربية وصمتها حول انتظار النصر الجديد من عنده تعالى)([63])

هل رأيتم المدى الذي وصل إليه كذبي وتزويري للحقائق؟ فما علاقة الإسلام بالهزيمة؟.. وهل الهزيمة هي التي تحدد صوابية الحقائق أو خطأها؟ .. وهل هناك مذهب في الدنيا تحققت له الانتصارات الدائمة؟ .. وهل الانتصارات هي علامة الحقانية؟

ثم إن المعركة مع إسرائيل كانت باسم القومية العربية، لا باسم الإسلام.. وجميع الأنظمة تبرأت من الإسلام خوفا من الحرب الدينية..

لقد رد بعضهم علي حينها يقول: (يدعى الدكتور العظم أنه يثور على الدين لأجل ثورة فلسطين.. ولكن ما هي علاقة الموقف الثوري بالصوم والصلاة؟.. أمن الضروري أن نخسر فلسطين إذا صمنا وصلينا، ثم أمن الضروري أن نسترجع فلسطين إذا كفرنا وألحدنا؟)([64])

ورد علي حينها آخر بقوله: (ببالغ من التزييف الوقح بدأ الملحدون من أجراء صانعي الهزيمة العربية في عام 1967م يحمِّلون الدين وزور الهزيمة التي اصطنعوها، وكانوا قبل المعركة وفي أثنائها قد عزلوا الدين عزلاً كلياً عن جميع ساحاتها، حتى لم يبق له صوت ولا سوط يرتفعان، ثم يقولون: إن سبب الهزيمة هو وجود رواسب من الذهنيات الدينية الغيبية الاتكالية عند الثوريين الذين قادوا المعركة)([65])

والعجيب أنني وأصحابي من الملاحدة، والذين علقنا الهزيمة على الإسلام، لم ننبس ببنت شفة بالحديث عن حرب رمضان عام 1973م، والتي أظهرت لي، وللناس جميعاً ما للعقيدة من تأثير كبير في تحقيق النصر..

لم أكتف بربط الدين بالانتكاسة التي حصلت عام 1967.. وإنما رحت بكبريائي أربط بين الدين والجهل.. وأعتبر العلم مناقضا للدين .. بالرغم من أن الإسلام يحث على طلب العلم، ويؤكد على التوافق والتناسق بين العلم والدين.

لكنني كنت أرفض ذلك، وأقول: (النظرة الإسلامية نظرة غائبة تعتمد في تفسيرها لطبيعة الكون على العلل الغائبة والأهداف السامية وعلى مفاهيم أخلاقية مثل الحق والعدل، فهي لا تنسجم مع النظرة العلمية التي تسود العالم المعاصر وثقافته)([66])

لقد كنت بقولي هذا أقابل النظرة الإسلامية بما سميته [النظرة العلمية في تفسير طبيعة الكون]، وأنا أقصد من [النظرة العلمية] ذلك النتاج العقلي الوارد إلينا من المجتمعات الغربية، باعتباره نتاجا غير قابل للمناقشة والمراجعة والمواجهة النقدية..

قلت ذلك لأعزل الوحي الذي هو منحة الله لعباده لتحصيل المعرفة الصحيحة بالعالم الغيبي، ذلك أنه لا يمكن إدراك حقائق ذلك العالم من دون اتصال الله بعباده، وإخباره عما غاب عنهم، وعما يراد منهم وبهم.

وليس في ذلك أي مناقضة للعقل، ذلك أن برهان العقل هو الذي دلنا على أن ما يخبرنا به الرسول عن طريق الوحي صدق وحق..

والمشكلة التي كنت أعاني منها كما كان يعاني منها أكثر التنويريين هو تصورهم أن منهج البحث عن الحقيقة واحد مع أنه يختلف باختلاف الموضوع المراد البحث فيه.. فكل وسيلة صحيحة تعطينا صورة صادقة عن الواقع والحقيقة هي وسيلة يجب الاعتماد عليها والثقة بها في تحصيل المعرفة، والمرجع الأول والأخير دائماً هو الواقع، وبالواقع تقاس النتائج.

لن أحدثكم عن هذا الآن، فما اجتمعنا هنا لنناقش مثل هذه المسائل، ولهذا سأدخل في صلب الموضوع.. وهو موقفي من الله.. والذي تأسست عليه كل مواقف حياتي، فلو كنت أعرف الله، وأؤمن به، وأقدسه، وأعرفه حقه، لما كنت الآن بينكم.

لقد اختصرت موقفي الحاقد من الله في قولي: (وهل باستطاعتنا أن ننكر أن الإله الذي مات في أوربا بدأ يحتضر في كل مكان تحت وقع تأثير المعرفة والتقدم الصناعي والمناهج العقلية في تقصي المعرفة والاتجاهات الثورية في النمجتمع والاقتصاد؟)!! ([67])

هل رأيتم كيف رحت أنادي بما نادى به (نيتشه) من موت الإله.. وهل رأيتم القياس الفاسد الذي استعملته، والمغالطة الجدلية التي يحتوي عليها.. فأي علاقة للتقدم العلمي، والمناهج العلمية، والتقدم الصناعي، والمناهج العقلية في تقصي المعرفة.. وأي علاقة للاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد بذلك..

لقد كنا نتعمد خلط أمثال هذه العبارات وحشرها في كل مكان، ومع كل مناقشة، للتمويه والتضليل، وكأن التقدم العلمي والصناعي للإلحاد وحده، وليس للإيمان، مع أن الدنيا جميعها وما فيها من ماديات قد كانت وما زالت ولن تزال حتى تقوم الساعة للمؤمنين والكافرين وغيرهم على سواء، ضمن سنن الله الثابتة التي لا تتغير، وهي مجال مفتوح لكل الناس، إذ يمتحن الله بها إرادتهم وسلوكهم في الحياة، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً.

لم أكتف بذلك، بل رحت أحاول بمغالطة أخرى استعملها كل الملاحدة، وفي كل العصور أن أقضي على أساس الدين، وهو وجود الله، وطرح ذلك التساؤل الأبله [إذا كان الله قد خلقنا وخلق العالم من حولنا فمن خلق الله؟]

لقد قلت معبرا عن ذلك: (عندما تقول لي: إن الله هو علة وجود المادة الأولى التي يتألف منها الكون، وأسألك بدوري: وما علة وجود الله؟ إن أقصى ما تستطيع الإجابة به: لا أعرف إلا أن وجود الله غير معلول، ومن جهة أخرى عندما تسألني: وما علة وجود المادة الأولى فإن أقصى ما أستطيع الإجابة به: لا أعرف إلا أنها غير معلولة الوجود، في نهاية الأمر اعترف كل منها بجهله حيال المصدر الأول للأشياء. ولكنك اعترفت بذلك بعدي بخطوة واحدة، وأدخلت عناصر غيبية لا لزوم لها لحل المشكلة. والخلاصة، إذا قلنا: عن المادة الأولى قديمة وغير محدثة أو إن الله قديم وغير محدث، نكون قد اعترفنا بأننا لا نعرف ولن نعرف كيف يكون الجواب على مشكلة المصدر الأول للأشياء، فالأفضل إذن أن نعترف بجهلنا صراحة ومباشرة عوضاً عن الاعتراف به بطرق ملتوية وبكلمات وعبارات رنانة. ليس من العيب أن نعترف بجهلنا، لأن الاعتراف الصريح بأننا لا نعرف ما لا نعرفه من أهم مقومات التفكير العلمي، وتعرفون أن العالم ملزم على تعليق الحكم عندما لا تتوافر لديه الأدلة والشواهد والبراهين الكافية لإثبات أو لنفي قضية ما. هذا هو الحد الأدنى من متطلبات الأمانة الفكرية في البحث الجاد عن المعرفة والحقيقة)([68])

لا تحسبوا أن هذه الأطروحة من إبداعي، فأنا لم أكن سوى بوق ينعق بما يسمعه من أساتذته في الإلحاد.. لقد ردد هذا القول قبلي [هيوم] حين قال: (إذا كان لابد لنا من البحث عن علّة لكل شيء، لوجب إذن أن نبحث عن علّة للإله نفسه)

ورددها (هربرت سبنسر)، فقال: (استمع إلى هذا الناسك المتدين، هاهو ذا يقصّ عليك علّة الكون، وكيف نشأ، فخالق الكون عنده هو الله، ولكنه لم يفسّر بهذا الرأي من المشكلة شيئاً، ولم يزد على صاحبه (أي: المنكر للخالق) سوى أن أرجعها خطوة إلى الوراء)

وكنت ـ تبعا لهم ـ أرددها كل حين، حين كنت أقول للرفقاء الذين لا يزال فيهم بعض البصيص من الإيمان: (ألستم تقولون: إن كل موجود لا بد له من موجد، وإن هذا الكون موجود فلا بد له من موجد، وأن ذلك الموجد هو الله؟)، فيقولون: بلى. عندئذ أقول لهم: (إذن بما أن الله موجود، فلا بد له من موجد)، فلا يجد المساكين بما يجيبونني.

كان في إمكاني أن أعلمهم الجواب الصحيح على السؤال، لكني لم أفعل، لأني لم أكن لأستطيع أن أمرر عليهم أفكاري، وهم يعتقدون بوجود إله.. فأفكاري التي كنت أزعم أنها أفكار تنويرية كانت تستدعي قطيعة تامة بينهم وبين الله.

أنا لا أعذرهم بذلك، فقد كان في إمكانهم أن يردوا علي قائلين: إن مقدمتك القائلة (كل موجود لا بد له من موجد) مقدمة كاذبة غير صحيحة، فالخبير لا يسلم بها لفسادها، وإنما يقول بدلها: (كل موجود حادث لم يكن ثم كان لا بد له من محدث)، ثم يقول: (وهذا الكون موجود حادث لم يكن ثم كان بشهادة العقل وبشهادة البحوث العلمية)، عندئذٍ تتحصل النتيجة على الوجه التالي: (إذن فلا بد لهذا الكون من محدث)، وهذا المحدث للكون لا بد أن يكون موجوداً أزلياً غير حادث، ولا بد أن يكون منزهاً عن كل الصفات التي يلزم منها حدوثه، حتى لا يحتاج إلى موجد يوجده.

لقد كانت مغالطتي ومغالطة جميع الملاحدة قائمة على التعميم، إذ وضعنا (كل موجود) بدل (كل موجود حادث)، ومعلوم أن عبارة (موجود) تشمل الموجود الأزلي والموجود الحادث.

فالخالق موجود أزلي ليس له من الصفات ما يلزم منها حدوثه، ووجوده هو الأصل، فلا يسأل عن علة وجوده عند العقلاء أصلاً، والسؤال عن علة وجوده أمر مخالف للحقيقة العلمية المنطقية.

أما الكون، فإنه يحمل دائماً وباستمرار صفات حدوثه، تشهد بهذه الحقيقة النظرات العقلية المستندة إلى المشاهدات الحسية، وتشهد بها أيضاً البحوث العلمية المختلفة في كل مجالات المعرفة، والقوانين العلمية التي توصَّل إليها العلماء الماديون.

وإذا ثبت أن هذا الكون حادث له بداية وله نهاية كان لا بد له من علة تسبب له هذا الحدوث، لاستحالة تحول العدم نفسه إلى وجود، أما ما لا يحمل في ذاته صفات تدل على حدوثه فوجوده هو الأصل، ولذلك فهو لا يحتاج أصلاً إلى موجد يوجده، وكل تساؤل عن سبب وجوده تساؤل باطل منطقياً، لأنه أزلي واجب الوجود، وليس حادثاً حتى يُسأل عن سبب وجوده.

لقد طالعت كل ما ذكره العلماء والفلاسفة والمتكملون من البراهين على حدوث الكون، وكانت مقنعة جدا، ولكني كنت أعرض عنها مع كون القائلين بها من كبار الفلاسفة، بل من كبار العلماء الذين كنت أدعو إلى اعتماد مناهجهم في البحث العلمي.

فقد قرر الفلاسفة بمقدمات كثيرة أن هذا الكون حادث لخضوعه للتغير الملازم لكل شيء فيه، والتغير نوع من الحدوث للصورة والهيئة والصفات، وهذا الحدوث لا بد له من علة، وتسلسلاً مع العلل للمتغيرات الأولى، سنصل حتماً إلى نقطة بدء نقرر فيها أن هذا الكون له بداية، في صفاته وأعراضه، وفي ذاته ومادته الأولى، وحينما نصل إلى هذه الحقيقة لا بد أن نقرر أن خالقاً أزلياً لا يمكن أن يتصف بصفات تقتضي حدوثه، وهذا الخالق هو الذي خلق هذا الكون وأمده بالصفات التي هو عليها.

وتأييدا لهم اكتشف العلم الحديث القانون الثاني للحرارة الديناميكية، وهو القانون المسمى (قانون الطاقة المتاحة) أو يسمونه (ضابط التغير).. وهذا القانون يثبت أنه لا يمكن أن يكون وجود الكون أزلياً، إذ هو يفيد تناقص عمل الكون يوماً بعد يوم، ولا بد من وقت تتساوى فيه حرارة جميع الموجودات، وحينئذ لا تبقى أية طاقة مفيدة للحياة والعمل، وتنتهي العمليات الكيميائية والطبيعية، وبذلك تنتهي الحياة.

لقد ذكر هذا (إدوارد لوثر كيسل)، ثم قال: (وهكذا أثبتت البحوث العلمية دون قصد أن لهذا الكون بداية، فأثبتت تلقائياً وجود الإله، لأن كل شيء ذي بداية لا يمكن أن يبتدئ بذاته، ولا بد أن يحتاج إلى المحرك الأولى الخالق الإله)

وقال (السير جيمس): (تؤمن العلوم الحديثة بأن (عملية تغير الحرارة) سوف تستمر حتى تنتهي طاقاتها كلية، ولم تصل هذه العملية حتى الآن إلى آخر درجاتها، لأنه لو حدث شيء مثل هذا لما كنا الآن موجودين على ظهر الأرض حتى نفكر فيها، إن هذه العملية تتقدم بسرعة مع الزمن، ومن ثم لا بد لها من بداية، ولا بد أنه قد حدثت عملية في الكون يمكن أن نسميها (خلقاً في وقت ما) حيث لا يمكن أن يكون هذا الكون أزلياً)

كل هذه الطروحات التي تضع تفسيرا علميا وفلسفيا لنشأة الكون تتناسب مع الرؤية الدينية كنت أعرض عنها، بل أتقزز منها، لا لكونها غير مقنعة، وإنما لكونها تصطدم مع مشروعي التنويري الذي توهمته.

ولذلك تبنيت بدلها ذلك التفسير الخرافي الأسطوري الذي كتبه أستاذي في الإلحاد [برتراندرسل] في القصة التي ذكر فيها أن سديما حارا دار عبثاً في الفضاء عصوراً لا تعد ولا تحصى دوراناً ذاتيا، ثمّ نشأت عن هذا الدوران هذه الكائنات المنظمة البديعة، بطريق المصادفة، وأن اصطداماً كبيراً سيحدث في هذا الكون، يعود به كل شيء إلى سديم، كما كان أولاً .

لقد أعجبتني هذه القصة كثيرا، وعلقت عليها حينها قائلا: (هذا المقطع الذي كتبه [رسل] يلخص لنا بكل بساطة النظرة العلمية الطبيعية للقضايا التالية: نشوء الكون وتطوره.. نشوء الحياة وتطورها.. أصل الإنسان ونشأته وتطوره.. نشوء الديانات والعبادات والطقوس وتطورها.. وأخيراً يشدد على أن النهاية الحتمية لجميع الأشياء هي الفناء والعدم، ولا أمل لكائن بعدها بشيء، إنه من السديم وإلى السديم يعود) ([69])

سكت قليلا، وكأنه يتذكر شيئا، ثم قال: من المغالطات التي كنت أستعملها للتنفير من الدين ومن الاعتقاد في الله، وفي نشر الإلحاد أني كنت أخير مستمعي وقرائي بين العلم والإيمان، وكنت أقول لهم: لابد أن تختاروا أحدهما.. فإن شئتم العلم، فينبغي عليكم طرح الإيمان.. فلا يصح أن تجتمع الحقائق العلمية مع الخرافات التي يدعو إليها الإيمان.

لقد قلت في كتابي الذي انتقدت فيه الفكر الديني:(ولنلمس طبيعة هذا الفارق بين النظرة الدينية القديمة وبين النظرة العلمية التي حلت محلها، سنوجه انتباهنا إلى مثال محدد يبين بجلاء كيف يقودنا البحث العلمي إلى قناعات وتعليلات تتنافى مع المعتقدات والتعليلات الدينية السائدة، مما يضطرنا إلى الاختيار بينهما اختياراً حاسماً ونهائياً)([70]) 

ولأؤكد لهم هذه المغالطة، ضربت لهم هذا المثال الذي عبرت عنه بقولي: (لا شك أن القارئ يعرف التعليل الإسلامي التقليدي لطبيعة الكون ونشأته ومصيره: خلق الله هذا الكون في فترة معينة من الزمن، بقوله: كن فكان، ولا شك أنه يذكر حادثة طرد آدم وحواء من الجنة، تلك الحادثة التي بدأ بها تاريخ الإنسان على هذا الأرض. ومن صلب المعتقدات الدينية أن الله يرعى مخلوقاته بعنايته وهو يسمع صلواتنا وأحياناً يستجيب لدعائنا، ويتدخل من وقت لآخر في نظام الطبيعة فتكون المعجزات، أما الطبيعة فقد حافظت على سماتها الأساسية منذ أن خلقها الله، أي: إنها تحتوي الآن على نفس الأجرام السماوية وأنواع الحيوانات والنباتات التي كانت موجودة فيها منذ اليوم الأول لخلقه.. أما النظرة العلمية حول الموضوع ذاته فلا تعترف بالخلق من لا شيء، ولا تقر بأن الطبيعة كانت منذ البداية كما هي عليه الآن)

هل تعلمون الكم الكبير من المغالطات التي يحتوي عليها هذا الكلام.. لقد كنت أعلم بها، ومع ذلك كنت أحاول التستر عليها، لأني كنت أتصور أنه لا يمكن تمرير مشروعي التنويري في وجود الله.

 لقد أدخلت في أغلوطاتي تلك فكرة لا يعترف بها الدين أصلاً، ضمن عرضي لطائفة من المفاهيم والعقائد الدينية الصحيحة، لأضلل القارئ حتى يعتقد أن هذه الفكرة الدخيلة هي فعلاً من المفاهيم الدينية، ما دامت قد وردت ضمن مجموعة مفاهيم صحيحة يعرفها هو عن الدين.

لقد زعمت له أن الرؤية الدينية الإسلامية ترى أن الطبيعة قد حافظت على سماتها منذ أن خلقها الله.. أي أن الأجرام السماوية، وأنواع الحيوانات والنباتات كانت موجودة بهذه الصورة منذ اليوم الأول لخلقها.. وهذا افتراء صريح على الدين، تكذبه مصادره المقدسة.

فالقرآن الكريم عندما تحدث عن الحيوانات التي خلقها الله لركوب الإنسان، وليتخذها زينة له، ألحقها بقوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8] بصيغة الفعل المضارع التي تدل على الحال والاستقبال، للدلالة على أن عمليات التجديد في الخلق الرباني للأشياء مستمرة غير منقطعة.

وهكذا بالنسبة إلى الأجرام السماوية، فإنه لا يوجد في الكتاب المقدس للمسلمين ما يدل على الفرية التي افتريتها.. بل فيه ما يناقضها، ففيه مثل هذه الآية: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47] .. فكلمة (موسعون) في الآية تشير إلى أعمال التوسعة المتجددة في السماء، وذلك لأن هذه الكلمة من صيغ اسم الفاعل، وهي للتعبير عن الحال أولاً ثم عن الاستقبال.

أما الطامة الكبرى، فقولي: (إن النظرية العلمية لا تعترف بالخلق من لا شيء)، وأنا أشير بذلك إلى [نظرية لافوازيه] التي تقول: (لا يخلق شيء من العدم المطلق ولا يعدم شيء وإنما هي تحولات من مادة لطاقة، أو من طاقة لمادة، أو من مادة لمادة)

مع العلم أن هذه النظرية محصورة في مجال معين ذي أبعاد، وليس في مستطاعها أن تتحدث عن كل الوجود في كل أبعاده من الأزل إلى الأبد.. فهذا أمر لا تستطيع تقريره أي نظرية استقرائية مهما بلغ شأنها، إلا أن يكون كلامها رجماً بالغيب، وتكهناً لا سند له، وطرحاً تخيلياً محضاً.

فهل رصد [لافوازيه] جميع أجزاء الكون في كل الأزمان، وعرف منها أنه لم يخلق في الأزمان القديمة جداً شيء من العدم؟

وهل رصد جميع أجزاء الكون فيما يأتي من الأزمان، وثبت له أنه لا يمكن أن يخلق شيء من العدم، ولا يمكن أن يعدم شيء موجود؟ .. وكيف يتسنى له رصد المستقبل، وهو لا يملك استقدامه؟

وهل رصد هذا الكون في كل أبعاده المكانية؟ .. ألا يحتمل وجود مكان سحيق فيه لم يرصدوه ولم يعرفوا ما فيه؟ .. أفيحكمون عليه إذن حكماً غيابياً قياساً على ما رصدوه منه في الأمكنة التي استطاعت أن تبلغ إلى مداها أجهزتهم وملاحظاتهم؟

أليس هذا الحكم الغيابي مع جهالة الخصائص والصفات حكم باطل؟

ثم إن هذه النظرية التي اعتمدت عليها لأثبت الإلحاد ليست سوى نتيجة لملاحظة الكون المنظور المدرك، أما عالم الغيب الذي لا تصل إليه الإدراكات الإنسانية المباشرة أو عن طريق الأجهزة، فهو عالم خارج بطبيعته عن مجال النظرية، لذلك فإنها لا تستطيع أن تحكم عليه، لأن حكمهما عليه هو من قبيل الحكم على الغائب المجهول في ذاته وفي صفاته.

ولذلك، فإن جُلُّ ما تستطيعه مثل هذه النظريات هي أن تعلق أحكامها تعليقاً كلياً، أو تصدر أحكاماً مشروطة احتمالية غير جازمة، وهذا ما تقتضيه الدراسة العلمية المنطقية الحيادية، وتوجبه الأمانة الفكرية في البحث الجاد عن المعرفة والحقيقة.

بالإضافة إلى هذا كله، فإنه لا يوجد نص مقدس عند المسلمين يتنافى مع ما تطرحه تلك النظرية في مجالها المحدود.. فكلمة [الخلق] الواردة في القرآن الكريم لا تعني دائماً الإيجاد من العدم المطلق، بل كثيراً ما تستعمل مراداً منها التحويل في الصفات والعناصر التركيبية من حال إلى حال، ومن وضع إلى وضع، ومن هيئة إلى هيئة، ومن خصائص إلى خصائص، دون زيادة شيء على المادة الأولى من العدم المطلق.

ففي القرآن الكريم نجد هذه الآيات: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ﴾ [المؤمنون: 12 ـ 15]، وهي تشير بصراحة إلى أن كل صور الخلق هذه هي عبارة عن عمليات تحويل من وضع إلى وضع، ومن حال إلى حال، ومن صورة إلى صورة، ومن خصائص إلى خصائص، وقد أطلق على هذه التحويلات أنها خلق، باعتبار أن القدرة الربانية هي المتصرفة في كل هذه التحويلات.

وهكذا نجد في القرآن إطلاق الخلق على تغيير هيئة الطين وجعله على صورة طير، كما ورد في قوله تعالى للمسيح عيسى عليه السلام: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: 110] .. وبما أن كل التغييرات الكونية إنما تجري بإرادة الله وقدرته، فهي ظواهر لأعمال الخلق التي يقوم بها الله تعالى.

ولهذا فإن التسليم الكامل بنظرية (لافوازيه) ضمن حدودها، لا تتعارض أبدا مع المفاهيم الدينية التي دلت عليها نصوصه المقدسة.

هذه بعض مغالطاتي التي كنت أدافع بها عن إلحادي، مع أنني كنت أعلم أن العلم والفلسفة وكل شيء يسير في خطى متسارعة للدلالة على الله.. ولهذا كنت أغض طرفي، وأستغشي ثيابي حتى لا أرى ذلك..

لماذا كان ذلك كذلك؟

لاشك أنكم قد عرفتم الآن.. وفي هذا العالم .. أن الله أعز وأكرم من أن يتزلف لعباده حتى يؤمنوا به.. لقد وضع لهم الأدلة عليه، وهي في قمة الوضوح والعقلانية.. وأرسل لهم الرسل، وأيدهم بالمعجزات والبراهين، وبكل أصنافها، ثم تركهم بعد ذلك لاختياراتهم .. ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

وقد شئنا نحن بكبرنا وغرورنا وتعالينا على الله أن نكفر ونلحد.. فلذلك لا يصح أن نلوم إلا أنفسنا، ولا نبكي إلا على القرارات التي اتخذناها ونحن في قمة وعينا.

قال ذلك، ثم انفجر يبكي .. ثم ما لبثت أن تحولت القاعة جميعا إلى صراخ وعويل.

***

بينما أنا في قمة استغراقي في سماع ما قاله هؤلاء الملاحدة التنويريون، نبهني صاحبي المرشد، وقال لي: أظن أن ما سمعته هنا من اعترافات يكفي.. فهلم بنا إلى جناح آخر.. لترى أهله وتعرف أسرار إلحادهم.

وجوديون

سرنا إلى الجناح الثاني في فندق الملاحدة، وقد كتب على بابه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: 39]

سألت المرشد عن الآية، وعلاقتها بهذا الجناح، فقال: هذا جناح الوجوديين.. أو ملاحدة الوجوديين.

قلت: فهل هناك وجوديون مؤمنون؟

قال: كما أن هناك تنويريين مؤمنون، فهناك وجوديون مؤمنون.

قلت: أعرف التنويريين المؤمنين.. لكني لا أعرف الوجوديين المؤمنين.

قال: عندما تفهم الآية التي علقت على هذا الباب ستعرف الفرق بينهما.

قلت: فهلا شرحت لي مراد أهل هذا الفندق من تعليقها هنا.

قال: هذه الآية الكريمة تصور بدقة حال هؤلاء الجاحدين من الوجوديين، فهم يلهثون وراء السراب الذي يتوهمونه ماء، فإذا وصلوا إليه لم يجدوه شيئا، وظلوا على عطشهم وفاقتهم وحاجتهم.. حينها فقط يعلمون أنه لا يمكن أن يروي ظمأهم إلا الله.. وحينذاك فقط يتحول المتواضع منهم إلى الله.. أما المتكبر، فيظل على هواه، ويمتلئ بالتشاؤم والحزن والألم لأنه لم يجد إلا السراب.

قلت: ألهذا سمعت أن الكثير من الوجوديين الذين كانوا لا يبالون بالإيمان بالله تحولوا إليه.. وأنا أعرف منهم الفيلسوف الألماني الكبير مارتن هايدغر الذي كان يرى أنه لا يمكن البتّ في وجود الله أو عدم وجوده.. لكنه أنهى مساره الفلسفي بمقولته الشهيرة [إنه لا يُخلّصنا إلا إله]

وأعرف كذلك فيلسوفا عربيا مشهورا هو عبد الرحمن بدوي، كتب عن [الوجودية] و[الزمن الوجودي]، بل وصفه بعضهم أنه [رائد الوجودية فى الوطن العربي]، لكنه وبعد تلك المسيرة الطويلة، ترك ذلك كله، وتوجه إلى الإيمان، وقد قرأت حوارا جرى معه في آخر حياته، قال فيه: (أي عقل ناضج يفكر لا يثبت على حقيقة واحدة.. ولكنه يتساءل ويستفسر ويطرح أسئلته في كل وقت، ويجدد نشاطه باستمرار، ولهذا فأنا في الفترة الحالية أعيش مرحلة القرب من الله تعالى، والتخلي عن كل ما كتبت من قبل، من آراء تتصادم مع العقيدة والشريعة، ومع الادب الملتزم بالحق والخير والجمال)([71])

قال: الأمثلة على ذلك أكثر من أن تعدها أو تحصيها.. فالوجودية ليست قاصرة على الفلاسفة ولا المفكرين، بل هي تعم كل إنسان باحث عن ذاته وحقيقته.. فمنهم من يصل إليها، ومنهم من يقترب منها، ومنهم من يضل عنها، ومنهم من ينحرف بها..

قلت: ما تعني بذلك؟

قال: لا يمكن للإنسان أن يعرف ذاته، ولا أن يروي ظمأها، أو يسد حاجتها، وهو بعيد عن مصدر وجوده، ذلك الذي خلقه، إن من يفعل ذلك يشبه من قطع التيار الكهربائي عن الآلة التي لا يمكنها إلا أن تشتغل إلا بتلك الطاقة، أو يشبه من يريد أن يرتوي من غير ماء، أو يشبع من غير طعام.

قلت: أجل .. فتحقيق الوجود الإنساني لا يمكن أن يتم بمعزل عن الله.

قال: كما أن كل شيء يمد يديه بالفقر إلى الله.. فكذلك الإنسان.. فسعادته في أن يكون كذلك.. لأن الله خلقه كذلك.. ومن خالف طبيعته شقي، ومن خالف فطرته ضل.

قلت: لقد ذكرني كلامك هذا بكلام كثير قاله الصالحون الذين راحوا يبحثون عن السعادة، فلم يجدوها إلا عند الله.. لقد قال بعضهم معبرا عن ذلك: (في القلب شعث: لا يلمه إلا الإقبال على الله، وعليه وحشة: لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن: لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق: لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات: لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد: لا يقف دون أن يكون هو وحده المطلوب، وفيه فاقة: لا يسدها إلا محبته ودوام ذكره والاخلاص له، ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدا!!)

وقال آخر: (الإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم، فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها كما أن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها، وكما أن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته، فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه، فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان إذا سلم من مرض الأهواء المضلة والشهوات المحرمة وجد حلاوة الإيمان حينئذ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان، بل يستحلي ما فيه هلاكه من الأهواء والمعاصي)

قال: صدقوا في ذلك.. وقد عبر القرآن الكريم عنه أحسن عبارة، فقال: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ إلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، فلا ينزع عن القلوب قلقها وألمها وحزنها وتشاؤمها ويأسها إلا الإيمان بالله والشعور بحضوره الدائم والفاعل.

قلت: ألهذا نرى الوجوديين ممتلئين بالتشاؤم والقلق والحزن؟

قال: أجل.. إنهم مثل ذلك الذي سعى بكل جهده، وطول عمره، إلى النهر ليشرب، فلما وصل إليه لم يجده شيئا.. هكذا حالهم كما صورته الآية الكريمة، فهم يلهثون وراء اللاشيء.. وفي الأخير يكتشفون الحقيقة.. يكتشفون أن كل ما حصل لهم من آلام كان بسبب نسيانهم لله.. ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]

قلت: ولكن لم لم ينتبه هؤلاء لهذا، وهم فلاسفة وأصحاب عقول وتأمل وتفكير؟

قال: أسباب ذلك كثيرة، وستسمعها منهم.. فهلم ندخل إليهم.

فتح الباب.. فظهر بمجرد فتحه جنات ممتلئة بالجمال.. وكأنها جنة الفردوس قد تبرجت بمحاسنها.. لكن، وبعد فترة قصيرة، بدأت المياه تغور، والأشجار تتلاشى، والمحاسن ترتفع.. وبدأ يحل بدلها قحط وجدب شديد.. وما هي إلا لحظات قصيرة حتى تحولت الجنة إلى صحراء مرعبة.

ثم ظهر في تلك الصحراء جمع كبير من الناس.. سألت صاحبي عنهم، فقال لي: هؤلاء هم ملاحدة الوجودية.. هم يعيشون الآن في الصحراء التي بنوها بأفكارهم وأعمالهم.

قلت: ولكن الأمر كان مختلفا عند فتحك للباب.. فقد بدت لي حينها جنة الفردوس بجميع محاسنها..

قال: ذلك ما أعد لهم في ديار الضيافة الإلهية.. لكنهم راحوا يحرقون الأشجار، ويدمرون القصور، ويخربون كل ما رزقهم الله من فضله.. ولم يبق لهم إلا هذه الصحراء الموحشة التي بنتها لهم عقولهم المستكبرة.. ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [النمل: 52]

جان بول سارتر:

بينما نحن كذلك إذ قام من أولئك النفر المنبطحين على رمال الصحراء القاسية رجل قصير القامة، قد بلغ به العطش مبلغا عظيما، فهو يلهث، ولا يكاد يستطيع الحديث من شدة العطش.. نظر إلى الأفق البعيد، ثم راح يخاطب أصحابه بقوله: انظروا .. ربما يكون ذلك السراب ماء.. لا تيأسوا.. هيا نسير إليه قبل أن تلتهمنا رمال الصحراء.

قال ذلك، ثم سقط إلى الأرض يبكي، ويقول: كم خدعنا أنفسنا بالسراب.. لقد ظللت حياتي.. أنا [جان بول سارتر([72])] ألهث وراء السراب دون أن أجد شيئا.. لقد كان الكثير ينادونني بملء أصواتهم أن ألتحق بهم، وأستمع لمواعظهم، وأبتعد عن تلك الكبرياء التي تريد أن تفصمني عن الكون جميعا، لأشكل لنفسي عالما خاصا بي.. له تصوراته الخاصة، وقيمه الخاصة التي تفصله عن الوجود وقوانينه وسننه.

لقد كان الله يناديني كل حين، وبكل اللغات، وبجميع الأساليب المنطقية التي عرفتها البشرية جميعا.. لكني كنت أنفر منه، وأشكل منطقي الخاص، ولغتي الخاصة.

لقد كنت أتصور أن الله يزاحمني وجودي، ويريد أن يستل مني حريتي.. ولذلك كنت أنفر منه.. لكني لم أجد في نفوري منه إلا السراب.

أذكر آخر علاقة لي بالله عندما كنت صغيرا.. لقد سجلت ذلك في بعض كتبي، فقلت: (مرة واحدة شعرت بأن الله موجود حين كنت ألعب بعيدان الكبريت، وأحرقت سجادة صغيرة، وفيما كنت أخفي جرمي أبصرني الله فجأة.. لقد شعرت بنظراته داخل رأسي.. أحسُ أنني مرئي منه بشكل فظيع، وشعرت بأنني هدف حي للرماية، ولكن الإستنكار أنقذني، فقد اغتظت لفضوله المبتذل، لهذا رفضته وجدفت عليه فلم ينظر إليَّ أبدًا فيما بعد)([73])

منذ ذلك الحين، وأنا أمارس مهنة قتل الإحساس بوجود الله في نفسي.. لقد مارست نفس ما مارسه نيتشه عندما قال: (في سن الثانية عشر رأيت الله في تمام جلاله).. ثم راح يقتله.

لقد كنت في ذلك الحين أردد مع [فويرباخ] قوله: (إن نقطة التحول الكبرى في التاريخ ستكون في اللحظة التي سيعنى فيها الإنسان إن الإله الوحيد هو الإنسان نفسه)، وقوله: (الإنسان الذي يؤمن بالله لا يؤمن بنفسه، فالله هو الإنسانية لا أكثر ولا أقل، والدين يجب أن يموت، فيقوم على أنقاضه عالم على مقاييس الإنسان، الذي يلزمه أن يكون إله نفسه)([74])

وأردد مع [إيتان بورن] قوله: (يجب ألا يكون الله، حتى يكون الإنسان)

ومع [باكونين] قوله: (إذا كان الله موجودًا فلست بحر، أنا حر فالله إذا غير موجود)

وقد عقبت عليهم جميعا بقولي في بعض كتبي: (إذا انفجرت الحربة مرة أخرى في روح الإنسان، لم يبق للآلهة على هذا الإنسان أي سلطة)، وقولي: (إذا كان الله موجودًا فالإنسان عدم)، وقولي: (إن وجود الله يعطل وجودي أنا، فالأفضل أن لا يكون الله موجودًا حتى أوجد أنا).. وقلت كلاما كثيرا غير هذا لا أذكره الآن..

وقد كان نتيجة ذلك كله .. أني مارست كل صنوف الرياضة لأقتل الإحساس بوجود الله في نفسي.. وقد كان نتيجة ذلك القتل أن راح كل شيء يتلاشى بين عيني، ويتحول إلى سراب.. فأي قيمة لأي فرد أو جماعة أو شعب ما دام الله نفسه ليس له أي قيمة، بل ليس له أي وجود.

أذكر جيدا أنه أني كنت أقول دائما: (لم أكن أحب شيئًا ولا أحدًا).. وكنت أقول في تأريخي لحياتي: (لقد فهم القارئ إنني أكره طفولتي وكل ما يتعلق بها)..

أذكر جيدا أنه عندما توفي أبي هنأت نفسي بموته، وشعرت أنني تحررت منه.. لقد قلت في ذلك في بعض كتبي: (لو كان أبي حيًا لكان تمدَّد عليَّ بملء قامته وسحقني، ولحسن حظي مات أبي عندما كنت صغيرًا.. إن موت جان باتسيت (والده) كان الحدث الأهم في حياتي، لقد أعاد إليَّ حريتي)([75])

لذلك كنت أنظر بعين الريبة حتى للذين يبدون لي مودتهم ومحبتهم، وقد كنت أقول: (إننا منذ الآونة التي نشعر فيها بأن إنسانًا آخر ينظر إلينا، إنما نشعر أيضًا بأن الآخر يسلبنا عالمنا على نحو من الأنحاء، هذا العالم الذي كنا نمتلكه وحدنا حتى هذه اللحظة).. وكنت أقول: (إنني ابتداءً من الآونة التي أشعر فيها أن أحدًا ينظر إليّ، أشعر أنني سلبت عن طريق نظر الآخر الموجه إليّ وإلى العالم، إنّ العلاقة بيننا وبين الآخرين هي التي تخلق شقاءنا) ([76])، بل كنت أعبر عن ذلك بعبارة فجة غليظة، فأقول: (إن الآخرين هم الجحيم)

أظن أنكم فهمتم سر إلحادي.. إنه البحث عن الحرية.. لأنني اكتشفت أنها الوسيلة الوحيدة التي أستطيع أن أشكل بها ذاتي وماهيتي وحقيقتي..

والحرية التي كنت ألهث وراءها لا تختلف عن هذا السراب الذي نراه كل حين، ثم نلهث خلفه، ثم نكتشف أنه لا شيء.. مجرد سراب.

لقد جعلتني تصوراتي للحرية أتصور الوجود وجودا سخيفا بلا غاية.. وجودا في عالم لا معقول.. والإنسان فيه لا يعرف من أين أتى، ولا إلى أين هو ذاهب، فهو بمثابة لقيط في مكان موحش، هو الطبيعة، لا يجد حوله أبًا ولا أمًا، وليس له ما يعتمد عليه إلا نفسه، وكل ما يعرفه عن وجوده هو أنه محكوم ومُسيَّر..

ولذلك كنت أرى أنه لا فرق بين الإنسان الذي يحكمه الجبر وتسوقه الطبيعة، وبين الحيوان إلا في شيء واحد هو الإرادة العاقلة.. والإرادة العاقلة لا تتحقق إلا إذا اكتملت لحرية، فبمقدار ما يكون الإنسان حرا يمكن تسميته إنسانًا، فواجب الإنسان الأول هو البحث عن الحرية.. الحرية من كل نوع.. الحرية في السياسة.. الحرية في المجتمع.. الحرية في الأخلاق([77]).

لقد كنت أقول(إن الإنسان ليس جمادا، ومثال ذلك أن الطاولة هي طاولة فقط ولا شيء غير ذلك، بينما الإنسان بعكس الطاولة يصبح جمادا باختياره هو. فالطاولة، أو هذا التمثال، يبلغون الوجود الحقيقي، في نظري، حين يوجودن لأجلي، فوجودهم إذن متوقف علي، رهين بوعيي، وهم مدينون لي بالوجود في عالم أراه عالمي الحقيقي)

وكنت أقول: (الإنسان يوجد دائما خارج ذاته، بأن يصمم ويحقق خارج نفسه إمكانيات وغايات، وليس ثم عالم غير العالم الإنساني، عالم الذاتية الإنسانية، ويعلو الإنسان على نفسه بخروجه عن ذاته لتحقيق إمكانيات خارج نطاقها)

وكنت أقول: (إن الإنسان، على عكس الطاولة، لا يملك سمة مميزة أو جوهرا ثابتا محددا أو مخصصا له. ومبدئيا فإن الناس يوجدون كمخلوقات عليهم أن يختاروا طبائعهم وسماتهم بأنفسهم)

لقد كانت الصورة الشريرة التي أحملها عن الله هي سبب كل تلك التصورات الخاطئة المنجرة عنها.. فقد كنت أرى الله جبارا طاغية متكبرا، لا يختلف عن أولئك الطواغيت الذين أذاقوا البشرية الويلات التي رأيت بعضها وعانيت منها في الحرب العالمية الثانية.

لذلك رحت أقتل هذا الإله كما قتله نيتشة.. لقد صرحت بذلك.. صرحت بإلحادي في مسرحية [الغثيان]، ومسرحية [الشيطان والإله الطيب]، والتي قلت فيها: (لم يكن هناك غيري، لقد قررت وحدي الشر، ووحدي اخترعت الخير، أنا الذي عشت، أنا الذي أفعل المعجزات، أنا الذين أتهم نفسي، وأنا وحدي من أستطيع الغفران لنفسي، أنا الإنسان، إذا كان الله موجودًا فإن الإنسان هو العدم)([78])

وصرحت بذلك في أوقات كثيرة .. كنت أقول دائما: (إن وجود الله يعطل وجودي أنا، فالأفضل أن لا يكون الله موجودًا حتى أُوجد أنا).. وكنت أقول عن الذين يعتقدون بوجود الله: (إنهم المؤمنون الجبناء القذرون)

وكنت أصرح تبعا لذلك بجحود جميع العقائد الدينية، فلا حياة أخروية، ولا ثواب ولا عقاب.. ولا يوجد عالم غير عالم الإنسان.. فهو المحور، وهو المركز، وهو الدائرة، وهو كل شيء.

لقد كان لهذا أثره السلبي على تصوراتي لجميع القيم الأخلاقية والاجتماعية.. وماذا تنتظرون من شخص لا يؤمن بإله، ولا بثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار؟

لقد جعلت كل همتي بعد ذلك الإلحاد الذي جهرت به ودعوت إليه الدعوة لإجابة كل ما تمليه الشهوات على الإنسان.. ونبذ كل التقاليد والتعاليم الاجتماعية.. وما تواطأ عليه البشر من أخلاق..

لقد كنت أصرخ كل حين: (اركب رأسك أيها الإنسان إلى حيث تشاء ساعة تشاء، وكما تشاء.. لأن الضمير والأخلاق والتقاليد ليست سوى ستار صفيق يحجب عنك حقيقة وجودك)

وكنت أقول: (انطلق: أيها الأحمق الغبي في عمل ما تريد أو تشتهي وتهوى، مهما كان ذلك في اعتبار الناس شرًا، دون أن يكون لأحد عليك سلطان، فأنت الذي تصنع فكرة الخير بحسب مزاجك، وأنت الذي تصنع فكرة الشر، وأنت الذي تخلق فكرة الحق وفكرة الباطل، وأنت الذي تخلق فكرة الحسن وفكرة القبيح)([79])

 وكنت أقول: (ماضيك أيها الإنسان قد تحجر ومات.. فعليك دفنه لئلا يقيدك).. أذكر أنني قلت هذه الكلمات لراهبة لمحت شابًا في حصن الدير فكَلفت به.. فنصحتها بتطليق الماضي كله، والفرار مع الشاب .. فإذا عنَّ لها أن تتركه بعد قليل لترتمي في أحضان آخر أجمل منه، فلا بأس عليها، فالماضي ميت دائما.. بل هو يموت بمجرد حصوله.

وكنت أقول: (التجربة الوجودية هي التي تعلن لك حقيقة الوجود.. والأشياء تكون بحسب ما يريك هواك، فلا حقائق ثابتة ولا قيم مستقرة.. ولا قواعد ولا أنظمة ولا أخلاق.. وإذا كنت مؤمنًا صالحًا فهذا وجودك الزائف، لأن في وسعك أن تكون مملكة وجودية خاصة بك، لا يزاحمك فيها الله)([80])

لقد حاولت أن أطبق هذه المعاني التي دعوت إليها في حياتي مع صديقتي أو زوجتي الوجودية [سيمون دي بوفوار([81])]، لقد ذكرت لها في بداية علاقتنا أن الإخلاص لشخص واحد كثمن لاستمرار العلاقة الزوجية كذبة تاريخية([82]).

وهكذا كنت أنظر للحياة الزوجية من خلال قاعات الخلاعة، ودور الفجور والحانات، والسهرات الباريسية، وأعتبر ذلك تحقيقا لوجودي.. فلم أجد إلا السراب.. فقد كنت أشعر بالوحدة القاتلة حتى قلت: (أصحبت راشدًا وحيدًا، لا أب ولا أم ولا مقر لي، وأكاد أكون بلا اسم)([83])..

لقد صارت الحياة بالنسبة لي كابوسا مرعبا يولد فيه (كل إنسان بلا مبرر، ويستمر في ضعف، ويموت بلا هدف)

سكت قليلا، ثم قال: صدق [بوخينسكي] أستاذ الفلسفة بجامعة (فريبورج) بسويسرا حين قال تعليقا على تلك الآراء الممتلئة بالشذوذ: (ليس في وسعنا هنا سوى الاقتصار على ذكر النتائج الأخلاقية التي تربت على هذه الفلسفة، والتي تمثلت في نكران كل القيم، وكل القوانين الموضوعية، وفي ادعاء استحالة وعدم جدوى الحياة الإنسانية، بل إن الوجودية قد أرغت حتى ظاهرة الموت نفسها من معناها على يدي سارتر.. ومن نتائج الوجودية أيضًا، دعوتها إلى التشكيك في جدوى قيام كل ما يتسمم بروح الجد وطابعه، فهي فلسفة انحلالية عدمية تمامًا)([84])

لكني مع ذلك، ومع كثرة الانتقادات التي ووجهت بها أفكاري الموغلة في التطرف.. لم أكن أجد حلاوة إلا في التعبير عنها.. وكأن الشيطان هو الذي كان يمليها علي، لأدمر بها كل القيم الإنسانية الرفيعة.

لقد كتبت سنة 1943م كتابي الضخم [الوجود والعدم]، والذي دعوت فيه إلى الفلسفة الوجودية، مختصرا الوجود في كونه ليس سوى (صراع عبثي بين الحريات، فكل حرية تحاول أن تفني الأخرى، حتى تحتفظ باستقلالها السيادي)([85])

وكتبت في السنة نفسها [مسرحية الذباب]، وتم عرضها على مسرح [لاسيتي] في باريس سنة 1943م في الوقت الذي كانت فيه فرنسا محتلة من ألمانيا..

وبما أن لهذه المسرحية شهرتها الكبرى، وعلاقتها بتصوراتي عن الله، وسبب إلحادي، فاسمحوا لي أن أذكر لكم مشهدا من مشاهدها.. لقد استوحيت فكرتها ـ مثل الكثير من أصدقائي الملاحدة ـ من أساطير هوميروس اليونانية القديمة.. وهي تهدف للثورة ضد الله، حتى يستطيع الإنسان أن يعيش حرًا، يفعل كل ما يريد بضمير مستريح.

ذلك المشهد الذي لا تزال صورته بين عيني هو خطاب [أوريست] للإله قائلة له: أنت يا جوبتر ملك الآلهة.. ملك النجوم والحجر .. ملك أمواج البحر.. ولكنك لستَ ملك البشر.. فيرد جوبتر، وهو رمز في المسرحية لله: ألست ملكك أيها الدودة الوقحة؟ من خلقك إذًا؟ .. فترد عليه أوريست: أنت. لكن ما كان عليك أن تخلقني حرًا.. فيقول جوبتر: منحتك الحرية لتخدمني.. فترد أوريست: لربما، إلا أنها انقلبت عليك، ولا نستطيع بعد شيئًا، لا أنت ولا أنا.. منذ أن خلقتني لم أعد ملكًا لك.. إنك حتى هذه الساعة كنتُ حجابًا على عيني وسدادًا من الشمع في أذني، خلقتني لأنفذ خططك.. وفجأة انقضت عليَّ الحرية وأتعبتني، وشعرت بنفسي وحيدًا كل الوحدة. ولم يبقَ شيء في السماء من خير أو شر، وما من أحد يلقي إليَّ أوامره.

لعل هذا المشهد يختصر تصوراتي عن الله، والتي جعلتني لا أرى حلا لنفيه عن حياتي، وتحققي بالحرية التامة إلا جحودي له.

نعم .. كان عقلي يرفض وجود الكون أو الإنسان أو الحياة من غير إله عليم قادر، له عناية مطلقة بعباده.. لكني كنت أخشى من هذا الإيمان أن يتسلط على حريتي.. فقد كنت أتصور الله مثل والدي تماما.. ذلك الوالد المتجبر الطاغية الذي فرحت بموته.

ولو أني خففت من غلواء حقدي على والدي، وعلى مجتمعي.. ورحت أتحرر من تلك البيئة القاسية التي تعلمت منها هذه المعاني لرأيت رحمة الله متجلية في كل شيء.. ولرأيت يده الحانية، وهي تربت على كتفي، وتمنحني من الحرية ما لم أكن أحلم به.

سكت قليلا، ثم قال: لا أزال أذكر ذلك اليوم الذي منحني الله فيه الفرصة للتعرف على الحقيقة، ومراجعة أفكاري.. لكني أشحت عنها بكبريائي وغطرستي وتأليهي لنفسي.

أذكر ذلك اليوم الذي التقيت فيه رجل دين .. لا أعرف بالضبط على أي دين كان.. ولكنه كان مؤمنا بالله، ومتحمسا للدعوة إليه.. لقد قال لي بعد أن عرضت عليه أفكاري عن تحرير الوجود الإنساني من الوجود الإلهي: وهل وجود الله يزاحم وجودك.. إن الصورة التي تحملها عن الله خاطئة.. فالله أغنى من أن يزاحمك وجودك..

إنك تتصور الله كذلك المتكبر الجبار الذي (يسعى دائما لإخضاع الإنسان وإذلاله والحد من حريته عن طريق وصايا ثقيلة.. وتتصور الإنسان الذي يؤمن بوجود الله بمثابة عبد ذليل لسيد قاسٍ، يحاسبه على أقل خطأ يرتكبه، وقد أعد له العذاب الأبدي.. وتتصور الله بصورة الإله الذي يفرح ويُسر بعذاب الإنسان.. وكل هذا تصور مقلوب لا حقيقة له)([86])

فالله (نبع يفيض على كل أحد، وشمس تشرق على كل أحد، وخير يعم الكل، وحب يشمل الجميع.. شاء بإرادته أن يخلق الإنسان حرًّا مريدًا، ولم يندم قط على أنه وهبه حرية الإرادة حتى لو استخدم الإنسان هذه الحرية ضد الله ذاته، ورفضه وجدَّف عليه، بل إنه لا يقبل الإنسان إلا إذا جاء إليه بكامل إرادته.. فالله لا يقبل إلا البشر الأحرار، والله لم ولن يكون عدوًا للإنسان قط، فالإنسان موضع حب الله وتكريمه.. وقد أعد لنا ملكوتًا يتسع للجميع)

ثم ذكر لي ما قاله القديس أغسطينوس: (إن الذي خلقك بدون إرادتك لن يخلصك بدون إرادتك)

والتقيت بآخر، قال لي: (أنت تحمل مفاهيم ممتلئة بالغالطات عن الله.. فالله لم يخلق الإنسان ليسخره، ولا ليسلب حريته، ولا حتى ليعبده، لأن الله كامل في ذاته متكامل في صفاته، فهو لم يكن محتاجًا إلى عبوديتنا، بل نحن المحتاجون إلى ربوبيته)

ثم راح يضيف: (إن الله خلق الإنسان لكي يتمتع بنعمة الوجود في حضرته، فالإنسان هو نتاج محبة الله، ولهذا عندما أراد أن يخلقه رتب له الكون كله، ودبر له كل احتياجاته، ثم خلقه على أفضل صورة ممكنة)

والتقيت بعدها بعض المؤمنين الممتلئين بالأنوار التي لم أملك التهرب منها.. بل إنه هو الذي قصدني، وقال لي: ألست أنت الذي تنادي بالحرية؟

قلت: بلى..

قال: فاعلم أنك لن تنالها إلا بالإيمان بالله.. (فالمؤمن حرّ في ذاته.. فالذي هو عبد لله رب العالمين لا ينبغي له أن يتذلل للناس.. فكلما رسخ الإيمان قويت الحرية.. أما الحرية المطلقة التي تنادي بها، فليست سوى وحشية مطلقة بل بهيمية مطلقة.. فأنت ترى قسماً كبيرا من السفهاء والمهملين يريدون أن يظلوا أذلاء أسارى النفس الأمارة بالسوء فلا يروق لهم إلا العيش البهيمي الذي يطلقون عليه تمويها وزورا لقب [الحرية])([87])

 وقال لي: (الحرية الخارجة عن القوانين الإلهية المنظمة لحياتنا والمنظمة لحياة كل شيء.. ليست سوى استبداد أو أسر بيد النفس الأمارة بالسوء، أو بـهيمية أو وحشية)

لكني لم أستمع له .. ولكل أصوات الحكمة التي كنت تناديني.. وظللت حياتي جميعا أعيش حياة الحرية.. عفوا حياة البهيمية.

قال ذلك.. ثم راح يبحث مع زملائه في السراب عن الماء.

جوزيبّي رينسي:

ما إن انتهى سارتر من حديثه، حتى قام رجل شاحب، قد بلغ به الهرم والعياء مبلغا شديدا، وكان فوق ذلك كله يلهث من العطش..

قام، وقال بصوت متقطع ممتلئ ألما: اسمعوني أيها الناس .. أنا الذي كنت أنادي معاشر المؤمنين في كل محل ساخرا منهم، ومستهزئا بهم، قائلا لهم: (ما دام الله الذي تعرفونه وتعبدونه وتخضعون له وتبذلون حريتكم من أجله لم يرنا نفسه.. فإنه غير موجود.. فلا موجود إلا ما تستشعره حواسنا)

اسمعوني، فأنا صاحب الكتاب الذي تصور أنه بمداد مختلط بالجنون والرذيلة يمكنه أن يمحو الله من الوجود.. أنا صاحب كتاب [دفاعا عن الإلحاد] بين أيديكم الآن.. يمكنكم أن تقاضوني وتجلدوني وتعذبوني كما شئتم.. فقد كنت أكذب عليكم.. وكنت أزخرف القول لأتلاعب بأكبر حقائق الوجود.. ليخلو الجو لي بعدها معكم، فنعيش عالم البهيمة والشياطين.

أنا كاهن الإلحاد الأكبر [جوزيبّي رينسي([88])] تعالوا لتنظروا إلي، لتروا حقيقتي كما هي بعيدة عن أنواع الطلاء التي كانت تسترني، والتي كانت جميع الشياطين تزينها لكم.

أو دعكم من محاكمتي، فأنا سأحاكم نفسي، وسأقدم اعترافاتي.. فالحقيقة أعظم من أن يحجبها أحد..

أنا الذي ألفت كتابي في الدفاع عن الإلحاد.. سأكتب بين أيديكم الآن وعلى أسماعكم كتابي في الدفاع عن الإيمان.. فكما سمعتم الأول، فهلموا لتسمعوا الثاني.

لقد قلت في كتابي الأول [دفاعا عن الإلحاد]: (إنّ قضيّة الإلحاد هي واحدة مع العقل، مع المنطق، مع الحس الإنساني السّليم، حيث إن الرغبة في دحض الإلحاد هي ببساطة تمردٌ على القوانين الأساسية للتفكير المنطقي.. وإنكار الإلحاد هو الوقوع في الهلوسة، في الجنون، في العقلية الضّبابية للبدائيين، غير القادرة على التمييز بين الكينونة والعدم)

وأنا الآن أقول في كتابي الجديد الذي لم يسجله التاريخ [دفاعا عن الإيمان]: كل ذلك كذب.. فلا علاقة للإلحاد بالعلم، ولا بالمنطق.. ولا بالذهنية المتقدمة والمتحضرة.. ولا بالفكر الرصين.. والعقل السليم.. بل هو نوع من الهلوسة التي تبعدنا عن الواقع وعن الحقيقة، وتجعلنا نعيش عالما افتراضيا وهميا أسسته لنا نفوسنا الأمارة بالسوء.. ليحلو لها الجو بعد ذلك أن تفعل ما تشاء، وكما تشاء..

إن حال العقل الملحد لا يختلف عن حال رئيس العصابة الذي يستعمل كل وسائل الخداع ليقنع أفراد عصابته أنه لا وجود للشرطة، ولا للمحاكم، ولا للسجون، ولا لأي نوع من أنواع الرقابة.. وأنه بإمكانهم أن يرتكبوا جرائمهم، وهم في راحة تامة.. وكل ذلك مجرد خداع ومكر لا علاقة له بالحقيقة.. فالكلمات وحدها لا تلغي الموجود، ولا توجد المعدوم.. والمنطق المزخرف بأنواع الطلاء الكاذب لا يمكنه أن يغير الحقائق.

لذلك فإن ادعاء ارتباط الإلحاد بالعقل والمنطق، وارتباط الإيمان بالهلوسة والاغتراب الذهني كذب على الحقيقة.. ولو كان الأمر كذلك لكان كبار فلاسفة العالم، بل الذين أسسوا المنطق نفسه بجميع أنواعه مهلوسين ومغتربين..

ولو كان الإلحاد مرتبطا بالتقدم والتحضر، لكانت الأنظمة الإلحادية من أعدل الأنظمة وأكثرها رفاها، وذلك لم يتحقق في التاريخ، فالدول التي قامت على أسس إلحادية كانت أكثر الدول إجراما وتسلطا وظلما.. والمجتمعات التي قامت على الإلحاد مجتمعات للرذيلة والانحراف والشذوذ، وهي أبعد المجتمعات عن كل القيم الإنسانية.

لذلك لا تصدقوا ما قلت لكم.. فقد كنت أكذب عليكم، لأعطي نفوسكم تلك الحرية الوهمية، التي تجعلها تتحرك بعيدا عن كل القيم.

سكت قليلا، ثم نظر إلى كفه، وراح يقول: وقلت لكم أيضا في كتابي الأول، وأنا أدافع عن الإلحاد: (من الأكيد أن البراهين المنطقية على عدم وجود الله تهزّ بقوّة كيان المؤمنين، وتصدم ناكري الإلحاد من المفكرين المهادنين مع الدين أو المتعاطفين مع المؤمنين، خصوصا إذا بيّنت لهم أنه لا يمكن التمسّك بالعقل، ثم التضحية به لأجل الإيمان. فالمَرء لكي يؤمن يجب عليه أن يَخنق عقله، أن يلويه ويحوّل وجهته عمدا، أن يتحيّز باطلا لإثبات ما يريد بالفعل أن يصدق، يُجبره على مداهنة نفسه قصد إرساء وتدعيم ما يرغب في الإيمان به)

وهذا كله كذب وزور.. فالمؤمنون الصادقون لا تهتز عقيدتهم في الله بسبب تلك الزخارف التي يزينها الملاحدة.. وهم إذا حزنوا لا يحزنون إلا على ذلك العقل المجنون الذي راح يكذب على نفسه، ليجعلها ممتلئة بالوهم الكاذب..

والكذب والخداع لن يحول الحقائق أبدا.. والتفكير الرغبوي لا يمكنه أن يغير الأمور، بل هو ـ فقط ـ يخدع صاحبه، ويحتال عليه.

لهذا فإن تلك المقالات الخطابية التي كنا نرددها عن خنق المؤمن لعقله، وإصابته بالهلوسة والاغتراب ليس سوى نوع من أنواع الخداع التي كنا نتلاعب بها لنخفي الحقائق.

وهي لذلك لا تصلح إلا مع أولئك المذبذبين المترددين المقلدين الذين ورثوا الإيمان ولم يعيشوه.. أما المؤمنون الراسخون الصادقون فإن عقولهم أرسخ من أن يؤثر فيها تلك الزخارف.

سكت قليلا، ثم نظر إلى أصحابه، وقال: لقد كانت الخدعة الكبرى التي مارستها لأدافع عن الإلحاد هي ذلك المفهوم الممتلئ بالمغالطات حول معنى الوجود.. لقد وضعت هذا السؤال [ما هو الوجود؟] في صلب كتابي، ثم رحت أجيب عنه بقولي: (إن الإجابة الصحيحة عن هذا السؤال تحلّ مسألة [وجود الله] وتمنح قضية الإلحاد الانتصار النهائي والتام.. الوجود يعني كل ما يمكن رؤيته، ولمسه، وإدراكه.. والإمكان هنا لا يعني أنه لا يوجد فعلا في هذه اللحظة إلا ما يمكن أن يُلقَى عليه بالبصر وتُوضَع عليه اليد ويُدرك بالعقل، ولكن بمعنى أنه حتى في حال لم يحدث هذا أبدا، فإن الشيء الموجود يجب أن يملك طبيعة تجعله قابلا لأن يكون مرئيا وملموسا ومُدركا.. [وجود] إذن، لا يعني شيئا آخر سوى هذا)([89])

لقد رددت بكلامي هذا كل ما قاله الأغبياء والمغفلون من أصحابي الملاحدة.. لقد رددت قول (ديلوس مكنون): (التخفي وعدم الوجود يتشابهان إلى حدٍّ كبير).. ورددت قول (جورج كارلن): (الأديان في الواقع أقنعت المؤمنين أن هناك رَجُلاً متخفيّاً يسكن الفضاء).. ورددت قول (وتني براون): (أنا لست ملحدة .. أنا ببساطة لا أؤمن بشيء لا وجود له؟).. ورددت قول (كارل ساغان): (لا تستطيع أن تقنع المؤمن بأي شيء فإيمانه لا يستند على أدلة وإنما على حاجة ماسة للإيمان)

لقد رددنا جميعا مثل هذه الكلمات، ونحن نطلب من الله أن يظهر نفسه بالأسلوب الذي نريده، لا الذي يريده.. لعلنا كنا نطلب منه أن يظهر كل فترة في السماء كجسم من الأجسام، ويقول أنا هنا .. أنا موجود؟.. وحينها سنتهمه بالنرجسية، أو بأنه يحاول إرهابنا لكي نضطر للاعتراف به وبتبعيته.. أو لعلنا كنا نطلب منه أن يتكلم بصوت مرتفع ليُسمع في كل الأرض.. وحينها سنتهمه بأنه يُقلِق راحتنا.. .. أو لعلنا كنا نطلب منه أن يتجسد في صورة إنسان.. أي أن يكون إنساناً مثلنا حتى نتأكد أنه موجود..

ربما كان الكثير منا يفعل ذلك .. فبعضهم يقول: سأؤمن بوجود الله إذا شفى أبي. وآخر سأؤمن به إذا جعلني غنياً.. وآخر إذا جعل حياتنا أكثر عدلاً.. وآخر سأؤمن به إذا رأيته بعيني ولمسته بيدي.. وآخر سأؤمن به إذا أعطاني إجابات منطقية لكل تساؤلاتي ([90]) ..

سكت قليلا، ثم قال: هذا كله كذب وزور، فالوجود الحسي ليس سوى لون من ألوان الوجود.. وهناك أشياء كثيرة ترتبط بنا، ونستعملها، ومع ذلك لا ندركها إلا من خلال آثارها.. من غير أن تستطيع حواسنا البسيطة المحدودة أن تدركها.

سأضرب لكم مثالا على ذلك .. وهو عالم الرؤى العجيب.. والذي جعله الله فرصة لنا لنعرف من خلاله أنواعا أخرى للوجود غير عالم الحس الذي نعيشه.. فلو أن البشر لم يتسن لهم أن يحلموا، ثم أخبرهم شخص أنه ـ وعند نومه، وفي حال توقف جميع مداركه الحسية ـ يسمع ويرى ويتحرك ويشم، ويمارس كل طاقاته، بل يعطى من الطاقات ما لم يعط مثله في اليقظة لسارعوا بالتكذيب.. فهم لم يدركوا ما أدرك.

وهكذا يقال للمدافعين عن الإلحاد.. ومنهم أنا.. فمن أين لنا بانحصار الوجود في العالم الذي تدركه حواسنا؟

وهل حواسنا هي التي تتعرف على الأشياء، أم أنها هي التي تنشئها؟

سكت قليلا، ثم قال: لو أننا ـ معشر الملاحدة ـ رجعنا إلى أنفسنا، وطبقنا هذا الضابط الإلحادي على دعاوانا لاستحيينا أن نجزم على الأقل بالإلحاد.. فهل اطلعنا على كل الكون بكل جزئياته وتفاصيله حتى نحكم بعد ذلك على خلو الكون من إله؟

وهل كانت المجرات البعيدة التي اكتشفها أهل هذا العصر عدما، ولم توجد إلا بعد أن اكتشفتها الوسائل الحديثة؟

هذا هو العقل الملحد وغباؤه وغفلته عن الأمور البديهية البسيطة.. لأنه لا ينطلق من العقل الموضوعي المحايد الذي يريد أن يصل إلى الحقيقة مهما كان، وإنما هو عقل مزاجي رغبوي يريد أن يقتنع بما يتناسب مع مزاجه ورغبته، لا مع الواقع.

سكت قليلا، ثم نظر إلى كفه، وراح يقول: وقلت لكم أيضا في كتابي الأول، وأنا أدافع عن الإلحاد: (الوجود هو مادة وحركة، والطبيعة هي قوة محايثة، مكتفية بذاتها، أو طبقا لتعريف أرسطو: هي سبب ومبدأ للحركة التي تحدث في الزمن، من ذاتها، والزمن هو عدد الحركة بحسب السابق واللاحق.. وأشكال الفكر تتطابق مع أشكال الوجود، فقط كل ما هو قابل للإدراك، للحس، كل ما هو مكاني، زماني، ممتدّ، مادّي قابل بصورة مشروعة للتعقل، ويمكن أن تنطبق عليه دون أن تقع في الفراغ)

قال ذلك .. ثم راح يضحك بصوت عال، وهو يقول: لقد قلت هذا الكلام في حالة هلوسة واغتراب ذهني كبير.. فأنا في ذلك الحين.. لم أكن أعرف حقيقة المادة، ولا حقيقة الحركة.. واستدعائي لأرسطو من الزمن البعيد ليشاركني دجلي وكذبي نوع من الكذب على نفسي وعلى جمهوري وعلى أرسطو نفسه.. فالمادة والحركة المرتبطة بها لا تزال محل بحث من علوم عديدة.. وكل ما وصل إليه أهل عصري حولها لا يساوي شيئا أمام ما وصل إليه أهل العصور التالية.. وكل ما وصلوا إليه لا يساوي قطرة من حقيقتها التي لا يعلمها إلا الله .. وهي فوق ذلك كله صورة من صور الوجود.. وصور الوجود لا يقدر العقل أن يحصرها.. فالممكنات لا حدود لها.

إن مثلي في ذلك مثل رجل لم ير في حياته إلا الحيوانات الأليفة.. فإذا ما جاءه شخص وقال له: ما دام يوجد في الطبيعة هذه الأنواع من الحيوانات، فلا مانع عقلا من أن يوجد غيرها، وبأشكال مختلفة.. فراح يكذبه، ويقول له: لا وجود إلا لما أراه، ويستحيل أن يوجد غيره.. فأيهما صاحب العقل المنطقي، وأيهما صاحب العقل المخادع؟

دعكم من هذا المثال، فأنا أعلم أن هناك من العقول المخادعة من سيجادل فيه.. سأضرب لكم مثالا بسيطا آخر.. هو عن ذلك الذي نسميه فراغا، وقد نسميه عدما، وقد نضرب به الأمثلة على عدم وجود الأشياء.. لقد كنت أفعل هذا مع طلبتي، فأشير لهم إلى الفراغ، وأقول لهم: كما أن هذا الفراغ معدوم، وليس شيئا، فالله كذلك معدوم وليس شيئا.. والعلة الجامعة بينهما هي عدم إدراكنا لهذا الفراغ.

وقد كنت أستند في هذا إلى ما قاله [ديمقريطس] في القرن الخامس قبل الميلاد، فقد عرف الفراغ أنه [ما ليس موجوداً]

لكن العلم أثبت بعد ذلك([91]) أنه لا يصح لعاقل أن يقول بأن هذا الفراغ الذي نراه عدم.. بل ذكروا أنه لا وجود للفراغ أصلا، بعدما اكتشفوا أن كل جزء من أجزاء الكون مهما كان صغيراً مشغول دائماً بالطاقة، مثل طاقة الضوء أو الأشعة الكونية أو الأشعة الراديوية وغير ذلك .. واكتشفوا أن الكون غني بالبناء، ففي كل ميليمتر مكعب هناك نوع من المادة والطاقة، ولا وجود للفضاء أبداً.‏

واكتشفوا أن طاقة الفراغ ـ الذي كنا نتوهمه عدما ـ شيء عظيم فوق ما يتصوره البشر، وهي تملأ الكون، وتتحكم بحركة المجرات، ولولا وجود هذه الطاقة لانهار الكون، ولم يستمر أبداً.

ليس هذا فقط ما أرد به على نفسي وعقلي المخادع.. فهناك ردود كثيرة، وكلها تتسم بالعقلانية والمنطقية والعلمية.. ولكن الوقت لا يسعفني لذكرها الآن .. ولعلكم ستمعونها من غيري.

سكت قليلا، ثم راح يقول: في تلك الأيام التي كنت أدافع فيها عن الإلحاد كنت أنظر إلى حواسي الخمس بكل ألوان الزهو والتعظيم، وأتصور أنها وحدها يمكنها أن تختصر لي الوجود.. كنت أقول ـ وأنا أنظر إليها بكل كبريائي وغروري ـ وأنا أخاطب المؤمنين: (إن من يعتمد طريقتكم في التفكير يقبع خارج العقل تماما، وهو فريسة للجنون.. من يتبنّى ويتعاطى هذا النمط من التفكير المُهيّئ لإثبات وجود الله، هو مجنون بالمعنى الأكثر صرامة للكلمة، تماما مثل من هو مقتنع بأن 2×2=5)([92])

وكنت أقول: (كيف لا يخرج عن طور العقل مَن يدّعي أنه يمكن أن يكون هناك موجود ذو طبيعة مختلفة عن تلك التي تُدرَك حسيّا، والتي هي خاصة بما هو موجود بالنسبة إلينا؟)

وكنت أقول: (التصريح بنسبوية الحكم بخصوص الوجود، هو مطابق للتصريح بواحدة من هذه الأقوال: ما الجسم؟ كل ما هو ممتدّ في المكان.. لكن، حذاري، هكذا هو الجسم بالنسبة إلينا؛ إلا أنه من الممكن ربما، بالنسبة إلى كائنات أخرى، لأمكنة أخرى، أو في ذاتها، أن توجد أجسام دون امتداد.. ما الشيء الصّلب؟ هو الجسم الذي يقاوم الاختراق. ومن قال إنه لا يمكن أن يوجد جسم صلب آخر، ذو طبيعة أخرى، يمكن اختراقه دون ملاقاة أية مقاومة.. ما الزمن؟ إنه عدد الحركة بحسب السابق واللاحق. لكن ما يمنع من أن يكون سَهم الزمن الذي ينتقل من الماضي إلى المستقبل، مرورا بالحاضر، هو كذلك فقط بالنسبة إلينا نحن؛ وأنه في أمكنة أخرى، الزمن يسير من المستقبل إلى الماضي، والشخص يبدأ بالموت وينتهي في رحم أمه، والتاريخ كله يسير في اتجاه تراجعي، والمستقبل، رغم أنه يتم الانطلاق منه، يبقى مستقبلا، والماضي، رغم أنه إليه يُوصل، يبقى ماضيا. النتيجة (كل هذا هو بَيّن الجنون)([93])

 كنت أقول هذا ردا على زميلي في الوجودية [هايدغر]، والذي أراد أن يحقق ذاته من غير أن يحكم بالإعدام على خالقه، لأن عقله لم يستطع أن يهضم كونا من دون مكون.

لقد قال لي [هايدغر] حين عرضت عليه ذلك الإشكال الذي تصورت أنه يقضي تماما على كل البراهين الدالة على الله.. قال لي بشفقة: (إن جسم الإنسان هو أساسا شيء آخر أكثر من مجرد كائن عضوي حيواني)

وقال لي: (أن يكون بإمكان الفيزيولوجيا والكيمياء دراسة الإنسان كهيئة عضوية من وجهة نظر العلوم الطبيعية، فذلك ليس بدليل على أن ماهية الإنسان تكمُن في [الخاصية العضوية] أي في الجسم المفسر علميا. فشبيه بهذا ادّعاء حصر ماهية الطبيعة في الطاقة الذرية؛ إذ من الممكن جدا أن تكون الطبيعة قد أخفت بالضبط ماهيتها في ذلك الجانب الذي تقدمه للهيمنة التقنية من طرف الإنسان.. فكما أن ماهية الإنسان لا تقوم في أن يكون عضوية حيوانية، كذلك القصور الذي يطبع هذا التحديد الماهوي للإنسان، لا يقصى ولا يختزل، حين نخص الإنسان بنفس خالدة وبملكة عقلية، أو بالخاصية التي تجعل منه شخصا)

وقال لي آخر، وهو يخاطبني مع مجموعة من الملحدين: (حسنا؛ ستكون أطروحتكم صحيحة لو أضَفتم: إلينا نحن.. إذا قلتم إنه بالنسبة إلينا نحن، يعني بالنسبة إلى طبيعة ذهننا المرتبطة بالحواسّ، فإنّ وجود شيءٍ ما، لا يتمظهر إلا بواسطة الإدراك الحسي، ولا ينطبق إلا على هذا العينيّ المُشار إليه فقط، الذي يتمظهر بتلك الصيغة، نستطيع أن نطبّق مفهومَكم للوجود، وما عدا ذلك فإن أطروحتكم غير جائزة. فعلا، من الذي سمح لكم بأن تُنصّبوا ما هو نسبي إلينا على أنه قانون كونيّ، أن تجعلوا من طبيعة ذهننا المعيار المطلق للكون، من مفهومنا للوجود المفهوم الوحيد الصحيح؟ مَن الذي أذِنَ لكم باستبعاد أن يكون هناك موجود ذو طبيعة مختلفة عن ذاك الوجود الذي هو موجود أو يظهر موجود بالنسبة إلينا؟)([94])

وقال لي آخر، وهو [ألبير كامو]، وهو يعاتبني بقسوة، ويشير إلى حواسي بسخرية([95]): (إنك تستطيع إدراك وحساب الأحداث من خلال العلم، ولكنك لا تستطيع إدراك الكون.. فهذه الشجرة، يمكنك أن تشعر بقسوتها، وهذا الماء يمكنك تذوقه.. وذلك الهواء يشعرك بالبرودة، ولابد أن تدرك كل هذا .. لكن جميع المعلومات الموجودة لدينا حول حقيقة العالم الذي نعيش فيه تنتقل إلينا عبر الحواس الخمس.. والعالم الذي نعرفه يتألف مما تراه عيوننا، وتشعر به أيدينا، ونشمه بأنوفنا، ونتذوقه بألسنتنا، ونسمعه بآذاننا. إننا لا نفكر أبداً في أن العالم الخارجي يمكن أن يكون شيئاً مختلفاً عما تقدمه لنا حواسنا باعتبار أننا نعتمد فقط على هذه الحواس منذ ولادتنا)

وقال لي آخر، وقد كان عالما كبيرا في الفيزيولوجيا، وهو يحدثني بلغة علمية حية، وكأنه يسخر من لغتي الفلسفية العقيمة، التي لا تعدو أن تكون مجرد خواطر مهلوس: (إن ما ندركه كعالم خارجي هو فقط نتيجة تحفيز العقل بواسطة الإشارات الكهربائية التي ترسلها إليه الأعضاء الحسية، وذلك حسب النتائج العلمية. فالتدرج المتعدد للألوان الذي تدركه بواسطة حس النظر، وشعور القساوة أو الليونة الذي ينتقل إليك بواسطة اللمس، والتذوق الذي تمارسه بلسانك، وإشارات الصوت المختلفة والأصوات التي تسمعها بأذنك، وأنواع الروائح التي تشمها، وعملك، وبيتك، وكل ما تملكه.. كل ذلك يتألف بصورة خالصة وبسيطة من إشارات كهربائية ترسلها أعضاء الحس لديك إلى الدماغ. ورغم أن هذا يبدو صعباً عند أول تحليل لكنه حقيقة علمية)

وقال لي آخر، وقد كان صديقا حميما لـ [برتراند راسل]، وهو يمسك بيده حبة ليمون: (مثلاً، هل حبة الليمون موجودة أم لا، وكيف وجدت.. فهذا أمر لا يمكن السؤال أو التحري عنه.. فحبة الليمون تتألف فقط من طعم نشعر به بلساننا، ورائحة نشمها بأنفنا ولون وشكل نحس به بالعين، هذه المظاهر هي التي يمكن فحصها وتقييمها.. فالعلم لا يستطيع أبداً معرفة العالم المادي)

وقال لي آخر، وكان صديقا لـ [فريدريك فيستر]: (إن عبارات بعض العلماء التي تقول بأن الإنسان هو صورة، وكل ما يقوم به هو مؤقت ومضلل، والكون عبارة عن ظل قد أثبتها العلم اليوم)

وقادني آخر ـ وكان طبيب عيون ـ إلى مخبر أبحاثه، وهو يسألني قائلا: هل تعرف كيف نرى؟

سخرت من سؤاله، وقلت: وهل هناك شك في ذلك.. إننا نرى بعيوننا.

فقال لي: عندما ننظر بالتفسير التقني لعملية الرؤية، فإن الأمر لا يبدو كذلك.. إن عملية الرؤية تتحقق بالتدريج. تنتقل الحزم الضوئية من الموضع إلى العين، وتمر من خلال العدسة الموجودة في العين الأمامية حيث تنكسر وتسقط مقلوبة على الشبكية في الجزء الخلفي من العين.. وهنا يتحول الضوء المرتطم إلى إشارات كهربائية تنتقل بواسطة النترونات إلى بقعة صغيرة تدعى مركز الرؤية في الجزء الخلفي من الدماغ.. وعملية الرؤية تتم فعلياً في هذه البقعة الصغيرة في الجزء الخلفي من الدماغ الشديد السواد و المعزول كلياً عن الضوء.. وبما أن الدماغ معزول عن الضوء، فمن المستحيل أن يصل الضوء إلى مركز الرؤية.. وهذا يعني أننا نرى عالماً واسعاً من الضوء والعمق في نقطة صغيرة معزولة عن الضوء.. وحتى عندما نشعر بضوء النار وحرارتها فإن داخل دماغنا شديد السواد ولا تتغير درجة حرارته أبداً)

ثم أضاف يقول: (إن الطبيعة المتعددة الألوان، والمناظر الطبيعية المتوهجة، وجميع درجات اللون، اللون الأخضر وألوان الفاكهة، وأشكال الأزهار، وإشراقة الشمس، وجميع الناس في شارع مزدحم والسيارات تتحرك سريعاً مع حركة المرور، ومئات الثياب في مجمع تجاري وكل الأشياء الأخرى هي عبارة عن صور تشكلت في هذه البقعة المظلمة وحتى تشكل الألوان في البقعة المظلمة لم يكتشف بعد)

ثم قدم لي مقالة لـ [ر. ل غريغوري] يقول فيها: (إن موضوع النظر مألوف جداً بالنسبة لنا بحيث نحتاج إلى قفزة خيال صغيرة حتى ندرك أن هناك مشكلات يجب حلها. ولكن فكر في هذا الأمر. إن لدينا صوراً مقلوبة في عيوننا، ونرى أشياء صلبة منفصلة في الفضاء المحيط. ومن خلال الأشكال الزائفة الموجودة على الشبكية نستطيع إدراك الأشياء الموجودة في العالم. وهذا ليس بأقل من معجزة)

ثم أردف يقول، وهو ينظر لي بسخرية: هذه الحالة تنطبق على جميع حواسنا. الصوت واللمس والذوق والشم، فكلها تدرك على شكل إشارات كهربائية في الدماغ..

ثم أمسك بأذني، وراح يقول: إن الدماغ معزول تماما عن الصوت كما هو معزول عن الضوء.. ولهذا ومهما كان مقدار الضجيج في الخارج، فإن داخل الدماغ ساكن تماماً. ومع ذلك فإن الدماغ يتلقى أدق الأصوات.. إن هذه العملية دقيقة للغاية بحيث تستطيع أذن الشخص السليم سماع كل شيء بدون أية أصوات تشويش أو تدخل.. وبواسطة دماغك، المعزول عن الصوت، وحيث الصمت المطبق، تستطيع الاستماع إلى سيمفونيات فرقة الأوركسترا، وسماع جميع الأصوات في مكان مزدحم، وتلقي كل الأصوات ضمن مجال تردد واسع، من صوت حفيف الورقة إلى أزيز طائرة الجت. ومع ذلك إذا تم قياس مستوى الصوت في دماغك بواسطة جهاز حساس في تلك اللحظة فيمكنك ملاحظة صمت مطبق يسود بداخله.

تركته بعد أن ملأني عتابا وسخرية، وفي طريقة التقيت بصديق آخر، لعلكم تعرفونه.. إنه [جورج بركلي]([96]) حدثته عما جرى لي مع المخالفين لي من أصدقائي، فقال: (لقد كنت مثلك أعتقد بأن الألوان والروائح وغيرها موجودة فعلاً لأني أدركها.. لكني بعد ذلك اكتشفت أنها موجودة فقط بالاعتماد على أحاسيسنا.. وبذلك اعتبار الأحاسيس وحدها أداة المعرفة واليقين)

ثم قال لي: أستطيع بواسطة النظر الحصول على الأفكار ا لمتعلقة بالضوء والألوان بدرجاتها المختلفة واختلافاتها. وأستطيع بواسطة اللمس إدراك ما هو قاسٍ وطري وحار وبارد ومقاوم.. وتزودني حاسة الشم بالروائح وحاسة الذوق بالطعم، والسمع بنقل الأصوات.. وبما أن العديد منها تترافق مع بعضها البعض فيمكن جمعها باسم واحد وبالتالي اعتبارها شيئاً واحداً.. وهكذا فمثلاً إن لوناً من الألوان وطعماً ورائحة وشكلاً وتماسكاً يلاحظ أنها تتماشى مع بعضها البعض تعتبر شيئاً واحداً له اسم تفاحة. ومجموعات الأفكار الأخرى تتألف من الحجر، الشجرة، الكتاب وما شابه ذلك من الأشياء الحسية.

ولهذا عند معالجة المعلومات في مراكز الرؤية والصوت والرائحة والطعم و اللمس، فإن دماغنا لا يواجه، خلال حياتنا، أصل المادة الموجودة في الخارج، ولكنه يواجه الصورة التي تتشكل داخل دماغنا، وفي هذه المرحلة سنخدع بسبب افتراضنا أن هذه الصور هي أمثلة على المادة الحقيقية الخارجية.

وقال لي: عندما تفكر في أنك تسمع صوت التلفاز في الغرفة المجاورة، فإنك تقوم باختبار الصوت داخل دماغك فعلياً ولا تستطيع إثبات أن الغرفة موجودة إلى جانب غرفتك، ولا أنه صوت آتٍ من جهاز التلفاز في تلك الغرفة. إن كلاً من الصوت الذي تظن أنه آت من على بعد أمتار وحديث شخص يجلس بجوارك، يتم إدراكهما في مركز السمع بالدماغ الذي يبلغ عد سنتمترات مكعبة فقط. وبعيداً عن مركز الإدراك هذا فإنه لا يوجد أي مفهوم مثل يمين، أو يسار أو أمام أو خلف. وهذا يعني أن الصوت لا يأتي إليك من اليمين أو اليسار أو من الهواء لأن الأصوات الآتية ليس لها اتجاه.

وقال لي: إن الإحساس بالبرودة و الحرارة، لا يمكن الحكم على وجوده من دون العقل.. لنفترض أن إحدى يديك ساخنة والأخرى باردة، ووضَعْتَ كليهما مرة واحدة في وعاء من الماء متوسط الحرارة، ألن يكون الماء بارداً بالنسبة ليد وساخناً بالنسبة للأخرى؟ ولو كانت الحرارة والبرودة موجودتين في المادة نفسها فإن كلتا اليدين ستشعران بالشيء نفسه.

تركته .. وسرت في طريقي حزينا على الحقائق التي كنت أتصور أنني بلغت غايتها.. وفي طريقي اشتريت [المجلة العلمية الأمريكية] المعروفة، وفي بيتي رحت أقلب صفحاتها ([97])، فوجدت هذا المقال الذي أكد لي حرف قاله أصدقائي.. لقد قرأت فيها: (إن العالم الخارجي الذي ندركه ليس إلا مجموعة من الإشارات الكهربائية التي تصل إلى دماغنا. ويقوم الدماغ، خلال الحياة، بمعالجة وتفسير هذه الإشارات، ونعيش دون التمييز بأننا أخطأنا في افتراض أن هذه الإشارات هي النسخ الأساسية للأشياء الموجودة في العالم الخارجي.. لقد خدعنا لأننا لا نستطيع الوصول إلى الأشياء نفسها بواسطة حواسنا. هذه النقطة مهمة جداً)

قطعت المجلة..ورحت أكمل كتابي في الدفاع عن الإلحاد.. وعن حواسي التي كاد أولئك الفلاسفة والأطباء والفيزيائيين أن يسلبوا مني ثقتي بقدرتها على تمييز الموجود من المعدوم.

بعدها جلس، وراح ينكت بعود على الأرض، وهو يقول: أذكر ذلك اليوم جيدا عندما كنت في بلد من بلاد المسلمين، وقد رأيت حينها رجلا مقعدا مشلولا، لم يكن يتحرك منه إلا لسانه، ومع ذلك كان ممتلئا سرورا، ولم تظهر عليه أي علامة من علامات الاكتئاب أو الإحباط.

اقتربت منه وسألته عنه، وعن سر ابتسامته وفرحه، وهل يتعاطى بعض الأدوية التي سببت له ذلك السرور الذي لا يتناسب مع حالته..

 فقال لي: أجل .. أنا أتعاطى دواء الإيمان.

قلت: ما تعني بذلك؟

قال: إن هذا الدواء جعلني أعلم علم اليقين أنني أعيش في هذه الحياة الدنيا مرحلة قصيرة فقط.. لا تساوي شيئا أمام الأزل والأبد.. وأعلم أنني بعد هذه المرحلة القصيرة سأعيش الحياة الأبدية الحقيقية التي أتنعم فيها بكل أصناف النعيم.. ولذلك لم أر مبررا لحزني ولا اكتئابي ولا يأسي.. فكل الحياة الدنيا لا تساوي ثانية واحدة من تلك الحياة الأبدية التي تنتظرني وأنتظرها بكل شغف.

لم أجد ما أقول له، لأني خشيت أن أحطم فيه هذا الإيمان، فيتحطم، ولا أستيطع بما لدي من معارف أن أجبره.. لكنه نظر في عيني، وكأنه قرأ سخريتي من حديثه فقال: يمكنك إلا تصدق قولي.. ويمكنك أن تعتبرني مجنونا لكنك لو نظرت إلى الكون ودقته وصنوف الجمال المبثوثة فيه، لعلمت أن صاحبه أعظم من أن يبتليني، ثم لا يحن علي.. وأعظم من أن يمن علي بنعمة الوجود، ثم يسلبني منها.. وأعظم من يريني دار ضيافته، ثم لا يدخلني إليها.

لم أجد ما أرد عليه، فقال، وهو يشير إلى أعضائه المشلولة: أنت تتصور أنني هذه الأعضاء المشلولة المقعدة أمامك.. لست ذلك أنا .. هذه مجرد كسوة لبستها .. أما حقيقتي فهي أعظم من ذلك.. لقد من الله علي بلطائف كثيرة يمكنني أن أعيش في رحاب جمالها من غير أن أحزن على ما أصاب جسدي .. ومشكلة الغارقين في أوحال أجسادهم أنهم ربطوا حياتهم بطينهم، فلم ينعموا بالفضائل والمكرمات التي وهبها الله لأرواحهم.. لذلك تراهم يعيشون وجودا ناقصا محدودا لا قيمة له.

سكت قليلا، ثم قال: لقد كانت هذه بعض الأصوات التي نادتني للإيمان.. لكني بكبريائي وغروري لم ألتفت لها.. ورحت أمارس حياة البهيمية المتحررة عن الله وعن كل القيم.

قال ذلك.. ثم راح يبحث مع زملائه في السراب عن الماء.

ميخائيل باكونين:

ما إن انتهى [جوزيبّي رينسي] من حديثه، حتى قام رجل على تلة من تلال تلك الصحراء القاحلة، وكان في قمة الضعف والشحوب، وقد بلغ به العطش مبلغا عظيما.

قام، وقال بصوت متقطع ممتلئ ألما: اسمعوني أيها الناس.. فأنا المحارب الأعظم لله.. وأنا المتحدي الأعظم لوجوده وخالقيته.. وأنا المتمرد الأعظم على سلطانه.. أنا [ميخائيل باكونين([98])] صاحب ذلك الفكر المتمرد على كل شيء.. أنا الداعية الأكبر إلى الحرية التي تتمرد على كل القيم والحقائق.. أنا الداعية الأكبر للفوضى .. اسمعوني لأحدثكم عن أفكاري التي وضعتني في هذه الصحراء القاحلة التي لا يوجد فيها إلا السراب.

وحق لي ألا أرى إلا السراب، فقد كنت مستكبرا مغرورا معرضا عن كل أولئك الذين دعوني لأشرب عذب مائهم، وأرتوي من بحار حقائقهم.. لكني تركتهم ورحت ألهث وراء السراب الذي دعاني إليه الشيطان الذي أحببته من كل قلبي، ورحت أدعو الكل إلى حبه.. لسبب بسيط، وهو أنه تمرد على سلطة الله، وتحققت له بذلك الحرية..

لعلكم تذكرون ما قلت عنه في كتابي [الله والدولة] .. أما أنا فلا أزال أذكره وأتعذب به، فقد قلت: (هنا نترقي بالشيطان المتمرد الأبدي، أول مُفكر حُر ومُحرر للعوالم.. من يجعل الإنسان يخجل من رضوخه وبهيميته الجاهلة، لقد أعتقه ووسمه بوسم الحرية والإنسانية بحثه على العصيان وأكل فاكهة المعرفة)([99])

وكانت كل دعواتي إلى إزالة الله من قاموس الحياة، حتى تتاح لنا الحرية المطلقة، وحتى لا يتحكم فينا أحد.. لقد صحت في أولئك المتدينين أو الفلاسفة المثاليين: (أنا أعكس عبارة فولتير، فأقول: إن كان الله موجودا فعلاً، فسيكون من الضروري نَفيه).. وكنت أصيح فيهم: (زعيم في الجنة أفضل ذريعة لزعيم على الأرض؛ لذلك إن كان الله قد وجد، سيكون عليه أن يُلغى)

هكذا بكل تبجح وكبرياء كنت أتحدث عن الله.. وكنت أشعر أنني حققت حريتي الكاملة برفضه.. لأن سلطته قد رفعت عني، ولم يبق لي إلا نفسي التي بين جنبي.. والتي تركت لها الحرية في أن تقول ما تشاء، وتفعل ما تشاء، وتحكم بما تشاء.

لقد عبرت عن ذلك، فقلت: (تتألف حرية الإنسان من مُجرد التالي: أن يُطيع قوانين الطبيعة لأنه أدركها بنفسه على هذا النحو، وليس لأنها فُرضت عليه بواسطة سلطة خارجية، بشرية أو إلهية، جماعية أو فردية).. وقلت: (تتضمن فكرة الإله التخلي عن العقل والعدالة، إنها النفي الأكثر حسماً للحرية الإنسانية. وتنتهي بالضرورة إلى إستعباد الجنس البشري في كل من النظرية والتطبيق)

وهكذا دعوت في كتابي [سلطة الدولة والفوضى] الذي نشرته سنة (1873) إلى الفوضى المطلقة.. لأنني لبلاهتي لم أكن أتصور الحرية إلا في الفوضى.. لقد اعتبرت التدين جنونا جماعيا.. واعتبرته الثمرة الفجة لوعي الجماهير المتهورة.. أما الكنيسة، فقد اعتبرتها المكان الذي يلتمس فيه المتهورون السُّلْوان لتجاوز تعاساتهم اليومية.. ولذلك دعوت إلى أن تنسف الدولة أولاً، وأن يستبعد مبدأ السلطة من حياة الناس حتى تسير البشرية إلى مملكة الحرية.

سكت قليلا يسترجع أنفاسه، ثم قال: لست أدري على من ألقي اللوم .. هل على عقلي الكسول الذي لم يبحث في الأديان والفلسفات ليكتشف الحقيقة، ويسير في حياته وفق مقتضاها.. أم على البيئة التي كنت أعيش فيها، والتي جعلتني أبحث عن كل السبل للتمرد عليها.. وبما أن الكنيسة كانت هي السلطة العليا، فقد وجهت جهدي كله لمحاربتها.. ومحاربة كل الأديان معها.. بل محاربة الله نفسه.

لا أكتمكم أنني في بداية حياتي رحت للكتاب المقدس لعلي أجد فيه السلوى.. لكني اصطدمت بما فيه.. فلذلك رحت أنبذه وأنبذ معه كل الأديان والفلسفات والعقول.

لقد ذكرت ذلك في كتابي عن الله والدولة.. فقد قلت فيه: (يُعتبر الإنجيل كتابًا ملفتًا وعظيمًا في كونه أقدم التجليات الباقية عن الحكمة والوهم الإنساني، وهو يعبر عن هذه الحقيقة بسذاجة شديدة من خلال خرافة الخطيئة الأولى)

أجل .. لقد كانت تلك العقائد الكنسية المرتبطة بالخطيئة الأولى، ووراثة الإنسانية لها هي السبب الأول الذي جعلني أتمرد على الله، وأسخر منه، ومن كتبه المقدسة، لقد قلت في ذلك: (كان يهوه، الوحيد من بين بقية الآلهة الذي حظي بتقديس الإنسان له، الأكثر غيرة وغرورًا وضراوة وظلمًا ودمويةً واستبدادية وعدائية تجاه الكرامة والحرية الإنسانية.. وقد خلق يهوه آدم وحواء بدوافع نزوة لا نعلم ماهيتها، وبما لا يقبل الشك قد يكون بدواع قتل الوقت الذي يثقل عليه في عزلته الأنانية الأبدية، أو ربما ليخلق عبيدًا جددًا، وبكل كرم وضع تحت تصرفهم الأرض كلها بكامل خيراتها ووضع حدًا واحدًا أمام التمتع الكامل بهذا الكرم؛ فقد منعهم بكل وضوح من لمس شجرة المعرفة على أمل أن يبقى الإنسان المحروم من أي فهم لنفسه وحشًا أبديًا جاثيًا على قوائمه الأربع أمام الرب الأبدي خالقه وسيده)

وكل ما ذكرته في هذا أوهام جرني إليها حقدي لا عقلي.. فإن كان العقل يقر بكون الله موجودا وخالقا، فإنه من العظمة والعلم والخبرة ما لا يحتاج معه أن يسأل عن سر خلقه.. فالحكيم لا يفعل إلا ما تدعوه إليه حكمته.. والكريم لا يفعل إلا ما يتطلبه منه كرمه.. والطبيب لا يسأل عن سر الدواء المر الذي يعطيه للمريض، ولا عن سر الحمية الثقيلة التي يكلفه بمراعاتها.

كان في إمكاني أن أفهم أن سر النهي عن الأكل من الشجرة مرتبط بحكمة الله.. وأن الله الرحيم الطبيب الخبير بعباده هو الذي نهى عن ذلك.. لكني لم أفعل لعقلي الكسول أولا.. ولتلك التحريفات التي وردت في الكتاب المقدس ثانيا.. والتي اعتبرت الشجرة المنهي عنها هي شجرة المعرفة..

ولهذا رحت أمجد الشيطان، لكونه هو الذي دعا إلى الأكل من الشجرة، فقلت: (وهنا يأتي دور الشيطان، المتمرد الأبدي والمفكر الحر الأول ومحرر العوالم، هو من يجعل الإنسان يشعر بالعار من جهله وخضوعه الوحشي، هو من يحرره ويدمغ على جبينه ختم الحرية والإنسانية عندما يدفعه إلى عدم الطاعة، وتناول ثمار المعرفة)

طبعا أنا لم أكن أؤمن .. لا بالله .. ولا بالشيطان.. ولا بشيء مما ورد في الأديان.. ولكني كنت أسخر فقط من المتدينين، ومن إيمانهم بالله، والذي اعتبرته طول حياتي وهما لا وجود له.

لكني كنت أذكر أنني إن كنت مخيرا بين تمجيد الله في حال وجوده، أو تمجيد الشيطان، فإنني أميل إلى تمجيد الشيطان.. لأنه أتاح للإنسان أن يأكل من شجرة المعرفة التي نهاه ربه عنها([100]) .

سكت قليلا، ثم قال: ليس هذا فقط ما انحرف بي عن الدين.. وجعلني ألحد بالله.. هناك أشياء أخرى كثيرة في الكتاب المقدسة.. ومن بينها تلك الصفات التي وضعت لله.. والتي تجعله عاجزا عن أن يفعل شيئا.. لقد قلت في ذلك.. وفي أثناء حديثي عن قصة بداية خلق الإنسان كما وردت في الكتاب المقدس: (نحن نعلم ما حدث بعد ذلك، فالله الخيِّر الذي يتمتع بالبصيرة كإحدى قدراته الإلهية، فشل في رؤية ما سيحدث ودخل في حالة غضب عظيمة وسخيفة، ولعن في إثرها الشيطان والإنسان وكل العالم الذي خلقه بنفسه، وأصاب بذلك نفسه تمامًا كما يفعل الأطفال عندما يغضبون.. لم يكتف فحسب بقتل أسلافنا بل لعن سلالتهم ومن سيأتي بعدهم، وهم أبرياء، من جريمة ارتكبها أجدادهم)

ثم رحت أشنع على رجال الدين وتلك العقائد التي يفرضونها على العقول، ويطالبونها بالتسليم لها من غير نقد ولا مراجعة، فقلت: (ينظر رجال اللاهوت الكاثوليك والبروتستانت إلى هذا على أنه عظيم جدًا وعادل، مع أنه وبكل دقة حكم جائر وغير مقبول إلى حد كبير، ولكن يتذكرون آنذاك أن الرب ليس فقط الرب المنتقم والغاضب بل أيضًا رب المحبة. الرب الذي أخذته الشفقة على من تبقى بعد أن عذب مليارات من المخلوقات البشرية المسكينة وحكم عليهم بالجحيم الأبدي، ورغبة منه في إنقاذهم ورأب الخلاف بين محبته الإلهية الأبدية وغضبه الأبدي والإلهي، ولأنه متعطش دومًا للمزيد من الدماء، أرسل إلى العالم ابنه الوحيد، كتكفير، ليقتله البشر. وهذا ما يدعى بسر الفداء؛ أساس كل الطوائف المسيحية. بالرغم من هذا، هل أنقذ المخلص الإلهي العالم البشري؟! لا لم يفعل، ففي الجنة التي وعد بها المسيح كما تقول النصوص الرسمية سيكون المختارون لدخلوها قلة، بينما البقية الغالبية من الأجيال الحالية والقادمة ستحترق في الجحيم إلى الأبد. في الوقت ذاته ومن أجل أن يخفف الرب علينا، ولأنه عادل وطيب كما هو دومًا، أعطى السلطة في الأرض لحكومة نابليون الثالث وويليام الأول وفريناند النمسا والكسندر روسيا)

سكت قليلا، ثم قال: كان في إمكان عقلي حينها أن يبحث عن الحقائق من جهات أخرى، ومصادر أخرى لعلها تكون أكثر عقلانية وعلمية.. وكان في إمكاني التمييز بين ما يقبله العقل من الدين، وما لا يقبله.. لكنني لم أفعل ذلك.. لأن العقل الملحد عقل كسول، لا يبحث في الحقائق، وإنما يكتفي بالحكم عليها.

لقد ذكرت في كتابي السر الذي دعاني إلى هذه الهجمة الشرسة على الله.. وهو لا يعود للبحث العقلي، بقدر ما يعود للرغبات النفسية، والنزوات الغضبية.. لقد قلت معبرا عن ذلك: (هذه هي القصص السخيفة والعقائد الوحشية التي كانت تروى وتُعلَّم في وضح النهار خلال القرن التاسع عشر في كل المدارس الحكومية الأوربية وبتوجيه من الحكومات، ثم يدعون هذا تثقيف وتمدين الشعب! أليس واضحًا بأن كل هذه الحكومات هي سجون منظمة وأداة تغبية وتتفيه للجموع؟)

ثم علقت على هذا بقولي: (أعلم بأنني ابتعدت عن موضوع اهتمامي، وذلك لأن الغضب يتمكن مني كلما فكرت بالأدوات المنحطة والإجرامية التي يستخدمونها لإبقاء الأمم في عبودية أبدية بدلاً من تحريرها، وهم الأقدر على ذلك بلا شك)

أرأيتم.. لقد كان دليلي الوحيد على نفي الله والدعوة لإلغائه هو ما رأيته من استبداد وخرافة.. وكان في إمكاني تمييز الدين عن رجال الدين.. وتمييز ما يدعو إليه العقل من الدين عما تدعو إليه الخرافة.. ولكن عقول الملحد كسول كما ذكرت.

سكت قليلا، ثم قال: لقد اعتبرت ـ كأولئك التنويريين المغفلين ـ تحرر الإنسان من الله هو الوسيلة الوحيدة لتحضره وتطوره وسيره في مراتب الكمال.. لقد قلت في ذلك: (لقد خلَّص الإنسان نفسه وفصلها عن الحيوانية مؤسِّسًا بذلك ذاته البشرية، وعلى إثر ذلك بدأ تاريخه البشري المميز بفعل العصيان والعلم أي بفعل التمرد والفكر)

ولهذا رحت أضع ثلاثة شروط للتطور البشري، بشقيه الجمعي والفردي، وهي: [أولاً: الحيوانية الإنسانية .. ثانيًا: الفكر.. ثالثًا: التمرد]، أما العنصر الأول، فهو وثيق الصلة بالاقتصاد الاجتماعي والخاص.. أما العنصر الثاني، فيتصل بالعلم .. أما العنصر الثالث، فيتصل بالحرية.

وقد رأيت أن أكبر من يقف في وجه هذا المشروع الكبير لتطور الإنسان هم الدعاة إلى الله أو إلى القيم التي لها علاقة به.. ولهذا لم أحارب فقط رجال الدين، وإنما وجهت سيفي لكل داعية للمثل العليا، أيا كان توجهه.. لقد قلت عن رجال الدين: (قضى رجال الدين وصناع القوانين والأنبياء والمكرسون حياتهم في البحث عنه ولم يجدوا شيئًا غير التعذيب والموت. تمامًا مثل أبو الهول، هذا اللغز الذي افترسهم لأنهم فشلوا في فهمه)

وقلت عن الفلاسفة: (كتب فلاسفة عظام انطلاقًا من هيرقليطوس وأفلاطون حتى تصل إلى ديكارت وسبينوزا ولبينتز وكانط وفيخته وشيلنغ وهيغل بالإضافة إلى الفلاسفة الهنود، أكومًا من المجلدات ووضعوا نظمًا خلاقة وعظيمة في وصف العديد من الأشياء الجميلة والعظيمة وكشف الستار عن العديد من الحقائق الخالدة، ولكنهم تجاهلوا هذا اللغز والموضوع الأساسي الذي تتمحور حوله كشوفاتهم الروحية، وبالتالي بقي عصيًا على سبر غوره كما كان في السابق. ولم تثمر جهود الكثير من العباقرة الرائعين المعروفين عالميًا ومن أخذوا على عاتقهم منذ أكثر من ثلاثين قرنٍ مضى هذه المهمة أي شيء سوى تعقيد هذا اللغز أكثر فأكثر. هل هناك أمل في الكشف عنه مستقبلاً عبر التأملات الروتينية لمنهج شديد التدقيق في التفاصيل متصل بفلسفة ما ورائية أعيد احيائها اصطناعيًا وفي وقت تتخلى فيه كل الأرواح الحية والجسورة عن ذلك العلم الغامض، هذا العلم الذي كان نتيجة تسوية ما، تسوية مفهومة تاريخيًا، بين لاعقلانية الإيمان والعقلانية العلمية السليمة؟)

وهكذا أصبح [الله] في تصوري هو اللغز الذي حال بين البشرية والتطور، وأنه العقبة التي لا يمكن تحقق الإنسان بإنسانيته وحريته من دونها.

سكت قليلا، ثم قال: لا أخفي عليكم أنني تأثرت كثيرا بنظرية التطور.. فقد جعلتني أرى المسيرة التاريخية للإنسان بصورة أخرى غير الصورة التي تعلمتها من الكنيسة.. وهي التي جعلتني أتكبر على كل شيء.. لأنني أكثر تطورا من كل من سبقني..

لقد تصورت أن التحرر التام من الله ومن كل القيود هي الدرجة العليا التي يسير إليها الإنسان، ولذلك فإن كل من يقف في طريقها يقف في وجه التطور.

لقد عبرت عن هذا بصيغ كثيرة، منها قولي في انتقاد المتدينين والمثاليين: (بعيدًا عن التمييز بين مستويات النظام الطبيعي من الأسفل إلى الأعلى، من الدنيء إلى السامي، من البسيط نسبيًا إلى الأكثر تعقيدًا، وبدلاً من مواكبة الحركة الواقعية والتطورية بكل حكمة وعقلانية؛ حركة الانتقال من العالم اللاعضوي إلى العالم العضوي بما في ذلك النبات والحيوان والإنسان على وجه الخصوص، الانتقال من المادة الكيميائية أو الكائن الكيميائي إلى المادة الحية أو الكائن الحي، والانتقال من الكائن الحي إلى الكائن المفكر؛ ارتأى المثاليون أن ينحوا بالتحديد منحى مختلفًا يدفعهم إلى ذلك عماهم وهوسهم بهذا الشبح الإلهي الذي ورثوه عن علماء الدين. فانتقلوا من الأعلى إلى الأسفل، من السامي إلى الدنيء، من المعقد إلى البسيط. انطلقوا من عند الله سواء كان شخصًا أو مكونًا إلهيًا أو حتى فكرة. فكانت خطوتهم الأولى إلى تحقيق ذلك سقطة مروعة من القمة العظيمة للمثالية الأبدية إلى مستنقع العالم المادي، من الكمال المطلق إلى اللاكمال المطلق، من الفكرة إلى الكينونة أو بالأحرى من الكينونة السامية إلى العدم. أما متى وكيف ولماذا خلق هذا الكائن الإلهي الأبدي اللامحدود والكامل تمامًا لدرجة الارهاق الإنسان الفاني فهذا أمر لن يقدر أي مثالي أو عالم لاهوتي أو ماورائي أو شاعر أن يفهمه بنفسه أو يشرحه للعلمانيين)

ولهذا، فقد بذلت جهدا كبيرا في الانتصار لنظرية التطور، وللمادية المرتبطة بها.. ورحت كأبناء عصري المنبهرين ببعض الاكتشافات العلمية أستثمرها لنصرة المادية ومواجهة المثالية والدين.. لقد قلت في ذلك: (تُجمع مجمل فروع العلوم الحديثة على هذه الحقيقة العظيمة، هذه الحقيقة الأساسية والقاطعة، حقيقة أن العالم الاجتماعي، أو كما يجب تسميته العالم الإنساني أو الإنسانية باختصار، ما هو إلا التطور الأخير والأسمى، على كوكبنا على الأقل، والتجلي الأرقى للحيوانية. لكن كل تطور يتضمن بالضرورة نفيًا إما لقاعدته أو منطلقاته. تعبر الإنسانية عن النفي المدروس والتدريجي للعنصر الحيواني في الإنسان، وهذا النفي بحد ذاته، المنطقي بقدر ما هو طبيعي، وهو منطقي لأنه طبيعي وبالتالي أصبح تاريخيًا ومنطقيًا بحتمية تطور وتحقق كل القوانين الطبيعية في العالم، هذا النفي الذي يؤسِّس المثالي وعالم المعتقدات الفكرية والأخلاقية كأفكار)

وقلت: (نعم، إن لم يكن أجدادنا الأوائل، آدم وحواء، غوريلات فقد كانوا أقرب إليها: حيوانات تقتات على كل شيء، وحوش ذكية وضارية امتلكت دون بقية الحيوانات من الأجناس الأخرى مقدرتين هامتين: القدرة على التفكير، والرغبة بالتمرد)

وقلت: (على حد سواء يمكن فهم التطور التدريجي للعالم المادي وللحياة الحيوانية العضوية ولذكاء الإنسان المتطور تاريخيًا سواء كان فرديًا أو اجتماعيًا. فهذا التطور هو حركة طبيعية تمامًا من البسيط إلى المعقد، من الأسفل إلى الأعلى، من الدنيء إلى السامي.. إنه حركة تتسق مع كل خبراتنا اليومية وتتسق أيضًا مع المنطق الطبيعي بما في ذلك القوانين الخاصة بعقولنا التي تطورت فقط بمساعدة هذه الخبرات بالذات، وإن جاز التعبير فهذه الحركة ما هي إلا نسخة عقلية ودماغية أو مجرد خلاصة منعكسة)

هذه بعض أفكاري التي تعلقت بها، وحجبت بها عن الله وعن جميع حقائق الوجود، وجميع القيم المرتبطة بذلك.. وهي من السخافة بحيث لا تحتاج مني إلا الاعتراف بأنني لم أكتبها إلا في فورة غضب، ونشوة تمرد وجنون.. وربما لا يلغي آرائي المتطرفة حول الله مثلي، فقد عبرت عن ذلك بقولي: (أنا أعكس عبارة فولتير، فأقول: إن كان الله موجودا فعلاً، فسيكون من الضروري نَفيه)

فقد نفيت الله.. لا لدليل عقلي أو منطقي دل عليه.. وإنما لأني كنت متشوفا إلى التحرر والتمرد.. ولم يكن يتاح لي ذلك في ظل وجود الله.. لهذا كنت أصيح في قومي: (إن كان الله قد وجد، فسيكون عليه أن يُلغى)

قال ذلك.. ثم راح يبحث مع زملائه في السراب عن الماء.

كريستوفر هيتشنز:

ما إن انتهى [ميخائيل باكونين] من حديثه، حتى قام رجل على تلة من تلك الصحراء القاحلة، وقد بلغ به العطش مبلغا عظيما.. قام، وقال بصوت متقطع ممتلئ ألما: اسمعوني أيها الناس .. أنا [كريستوفر هيتشنز([101])]..صاحب كتاب [الله ليس عظيما].. وصاحب تلك المشاهد الساخرة المستهزئة بالله، وبكل القيم الإنسانية.

إن كنتم لا تعرفونني([102]) فأنا من أركان [الإلحاد الجديد].. أنا أحد الأربعة الذين يقوم عليهم بنيان الإلحاد الجديد .. الإلحاد المستهتر بكل القيم.. أنا والبيولوجي [ريتشارد دوكينز]، والفيلسوف [دانيال دينيت].. والكاتب والباحث [سام هاريس].. وأنا الصحفي المتحذلق [كريستوفر هيتشنز]

لقد انتهجت مع زملائي من فرسان الإلحاد الجديد أسلوبا خاصا في نقد الدين، والدعوة للإلحاد.. وكان لي النصيب الأوفر من هذا الأسلوب.. إنه أسلوب السفالة والبذاءة وفحش اللسان في مهاجمة الأديان ومقدساتها.. وفي مواجهة الله وعظمته.. حتى أنني كنت أقوم وبشكل تلقائي عادي بالنطق بألفاظ نابية خادشة للحياء في مناظراتي العلنية مع خصومي مما يربكهم، ويجعلهم مستسلمين لسلاطة لساني، لا لقوة حجتي..

ولم أكن أكتفي بذلك، بل كنت أذهب وأسب وأشتم عامة الحضور في تلك المحافل العامة التي كنت أدعى إليها.. لحجة بسيطة.. وهي أنني حر، ليس علي رقيب، ولا أخاف أي جهة تفرض علي سلطتها.. حتى ضميري قتلته، لأني كنت أعتقد ـ بما يقوله صديقي دوكينز ـ أنني ابن للجين الأناني المتسلط علي.

لا أخفي عليكم أن تأثيري لم يكن قاصرا على تلك المجالس.. ولا على من يشاهدونها في الوسائل المختلفة.. وإنما تعدى تأثيري إلى كثيرين اكتسبوا من لساني سلاطته.. ومن عقلي إلحاده.. ومن قلبي غلظته.

وأصدقكم القول أنه لم يكن لدي حجج فلسفية، ولا براهين علمية أستطيع أن أناقش بها خصومي، ولهذا كنت أستبدلها بلساني السليط المتدرب على كل ألوان الاستهزاء والسخرية.

لقد كنت في بداية حياتي العملية مراسلا صحفيا في مجلة من مجلات اليسار السياسي في أمريكا، وكنت لا أختلف في قدراتي العلمية والثقافية عن عامة الصحفيين والمحررين ممن يكتبون في أمثال تلك المجلات.

ولكن الذي أكسبني شهرتي العريضة تخصصي في النقد اللاذع العنيف للدين وأهله، فقد كان نقد الدين تجارة مربحة لا تقل عن التجارة التي يمارسها رجال الدين المزيف.. لأن كليهما كان يخدم مشروعا واحدا، وهو مشروع الشيطان.

وقد كان من الوسائل التي كسبت بها جمهوري أني كنت أطلب منهم أن يلقبوني بعدو الإله .. أي أنني لم أكن كأولئك المتواضعين من الملاحدة الذين وقف بهم إلحادهم عند حد الاعتقاد بعدم وجود إله لعدم كفاية الأدلة، بل جاوزت ذلك لإعلان الحرب على مفهوم الإله نفسه، واعتقاد أنه هو الشر المحض ومصدر كل وبال في تاريخ البشرية!

لاشك أنكم سمعتم بالصفعة الهيتشية.. إنها صفعتي.. فأنا [هيتشنز] كنت أستعمل في محاوراتي أسلوب الصفع، لا أسلوب الحجة.. وأسلوب الصخب، لا أسلوب الهدوء والروية.. ولذلك كنت أفاجئ خصمي من حيث لا يحتسب..

لقد انتشرت صفعاتي تلك .. أو ضرباتي القاضية في ساحات الملاكمة.. معذرة المناظرة.. وفرح بها الملحدون القساة الغلاظ كما فرحت بها زمنا طويلا.. ولو أني لم أكن أؤمن بها.. ولا بما أقوله فيها.. لأني لم أكن أؤمن إلا بنفسي.. وبضربتي القوية.

سأذكر لكم أمثلة على ذلك .. لا أزال أذكرها، لأنها جلبت لي الكثير من الشهرة والأتباع.. ومعها الكثير من الأموال.. ووضعتني فوق ذلك في مصاف العباقرة العظام من أصحاب الإلحاد الجديد.

من تلك الصفعات قولي، وأنا أخاطب خصمي، وألكمه بلساني: (يجب على صانع هذا العالم إن وجد أن يجعله حفلة أبدية)

كنت أقول هذا كل حين.. وخاصة عندما تعرض مسائل الحياة بعد الموت.. وقلت مرة لمحدثي، وأنا أسخر منه: (يحدث لك في مرحلة ما من مراحل حياتك أن تجد من يربت على كتفك ولا يقول لك: الحفل انتهى، وإنما يقول: الحفل مستمر، وعليك أن تغادر الآن، وسيستمر الحفل بدونك)

وهنا يضحك الجمهور.. وهنا أنتفخ أنا.. ثم أقول: (هذه هي الفكرة التي تضايق البشر بشأن هلاكهم.. ولكن هب أنه بدلا من أن يقال لك هذا الكلام، قيل لك نقيضه التام: الحفل مستمر إلى الأبد، ولا يمكنك أن تغادر.. السيد صاحب المكان يصر على أن تبقى، ويصر أيضا على أن تقضي وقتا ممتعا)

ثم رحت أقص عليهم، لأمزج بين كل أساليب التشويق، فأقول: (لقد قرأت عن والد ديفيد.. وقد مررت أنا نفسي بوقت عسير على أثر وفاة والدي.. ولكن الأب الذي يقترحه أصحاب الديانات التي تؤمن بالخالق هو أب لا يموت.. فهو يطمئن أولاده: لا تقلقوا لن أترككم أبدا.. لن تروا نهايتي أبدا.. لن تسنح لكم الفرصة للشعور بالأسف على فقدي.. فأنا دائم الوجود.. أنا صاحب الديكتاتورية المحضة المطلقة.. وفي محاكمي ليس ثمة استئناف.. فهل حقا تعتقدون أن هذا سيسعد أي مخلوق عاقل ذي شعور أو النوع البشري أو أي كائن قادر على الشعور بأي شيء؟ أنا أشهد بأن هذا محال!)

وهنا يصفق الجمهور تصفيقا حادا.. وأزداد انتفاخا، وتزداد فطرتي انكماشا..

وعندما أعود إلى بيتي، وأتذكر كل الكلام الذي قلته.. أصفع وجهي.. وأضرب رأسي على الجدار جراء تلك السخافات التي كنت أرددها.. لأنه إن كان الله موجودا، فله أن يفعل في ملكه ما يشاء.. له أن يطرد من يشاء، ويبقي من يشاء.. وليس لي الحق في أن أفرض عليه سلوك والدي، ولا أحد من الناس.

ومن أدراني أن الذي أقام حفلة بسيطة هنا، يمكنه أن يقيم حفلة أجمل منها هناك.. وأنه إن رأى في بعض الناس أدبا واحتراما وخلقا رفيعا، قال لهم: حفلتكم هناك أفضل وأكرم.. فارحلوا إليها، واستأنسوا بها أبد الآباد.

وإن رأى في بعضهم سوء أدب وانحرافا عن حقيقتهم طردهم من هذه الحفلة، وطردهم من تلك الحفلة أيضا.. فالملك له، وهو العادل الذي يفعل ما يشاء.

ثم من الذي قال: إن كل من كان قادرا على فعل شيء يحبه أولئك الذين يخضعون لسلطانه، تعين عليه أن يفعله مطلقا؟.. من أين جاء ذاك الوجوب وبأي قاعدة أخلاقية أطلقه؟ ثم من ذا الذي قال: إن خالقك هو أبوك الذي عليه أن يرعاك رعاية الأب لولده، لا رعاية الإله لعبده؟

سكت قليلا، ثم قال: إن كلامي ذلك لم يكن إلا تعبيرا ساخرا لمشكلة الشر التي رددها الجميع منذ أبيقور إلى آخر ملحد في الدنيا.. إنهم يرددون قوله: (لماذا خلقنا، أما كان خيرا لنا أن يتركنا في العدم ولا يكلفنا بشيء أصلا؟.. أما كان خيرا لنا أن يخلقنا في نعيم أبدي سرمدي ولا يسلط بعضنا على بعض ولا يبتلينا بشيء البتة؟.. لماذا علينا أن نقبل منه أن يرسل إلينا رسلا يكلفوننا بعبادته والخضوع التام لسلطانه المطلق ونحن لا نراه؟)

إلى آخر تلك الاعتراضات التي ينطلق منها كل فلاسفة الإلحاد، ويلبسونها لباس الدليل المنطقي أو العقلي ليلبسوا بها على الناس.

والعجب أني في مواقفي من البشر كنت أكثر سلاسة وتقديرا لسلوكاتهم الحازمة.. فأنا أحرم على الله أن يحزم مع عباده، ليربيهم ويهذب سلوكهم وأخلاقهم، ويرتقي بأرواحهم.. ويشتد عليهم إذا شاءت عدالته وحكمته ذلك.. بينما أبيح للبشر أن يفعلوا ما يرونه مناسبا..

من الأمثلة على ذلك أني كنت من أكثر الناس تأييدا لحرب أمريكا للعراق.. مع علمي أنه سيسقط ضحايا كثيرون جدا، وستهدم بيوت، وتشرد أسر.. ومع ذلك نظرت إلى العواقب، ورأيت أنها هي الأصل الذي ينبغي أن يراعى.. ولذلك أجزت لأمريكا وسلاطين أمريكا المستبدين الظلمة أن يقوموا بدور الشرطي في العالم، يضربوا من يشاءون، ويقتلوا ما يشاءون، ويتحركوا بما تقتضيه مصالحهم.

ولو أني راعيت ذلك في الحكم  على أفعال الخالق الحكيم الرحيم الذي يوجب العقل له كل الكمالات في صفاته لما رددت ما رددت.

سكت قليلا، ثم قال: من صفعاتي التي لا أزال أذكرها قولي: (نحن لا نستحسن فكرة هلاك أنفسنا أو هلاك الكون نفسه الذي سيكون سببه الانخفاض الإنتروبي لدرجة الحرارة فيه إلى حد التجمد، ولكن لدينا الكثير من الأدلة التي تدل على أن هذا ما سيحدث. وفي المقابل فثمة أدلة قليلة جدا جدا على أنني سأراكم كلكم مرة أخرى فيما يشبه [حديقة الملاهي] (يعني بعد الموت).. ليس ثمة أدلة تدعم هذا الأمر مطلقا.. لذا فأنا على استعداد لأن أقبل ـ تأسيسا على الأدلة ـ نتائج قد لا تكون محببة لنفسي. اعذروني إن كنت أبدو وكأني أملي هذا الكلام إملاءً..)

بعدما انتفخت كثيرا جراء تصفيق الجمهور، وعندما خرجت من المسرح، رأيت شبابا من المسلمين مجتمعين، ويظهر عليهم سيما المتدينين، وقد كانوا من الشباب الذين حضروا المناظرة.. فاقتربت منهم أسترق السمع، لعلي أجد في حديثهم ما ييسر علي التحضير لمحاضراتي أو مناظراتي الجديدة.. فقد سئم الناس من تكراري لصفعاتي القديمة.

لا أكتمكم القول أن حديثهم صفعني صفعات كثيرة، كان يمكنني أن أفطن بعدها وأستفيق، وأتخلص من كبري وغروري .. لكني لم أفعل.

سأذكر لكم بعض ما قالوا، فهي من الأحاديث التي لم أنسها في حياتي، لأنها ظلت تعذبني، وتكدر علي، وليتني سمعتها بقلبي، ولم أسمعها بغروري..

لقد قال أحدهم، وهو يخاطب رفاقه بلطف وأدب([103]): أمن الممكن لـمَن له شأن الربوبية وسلطنة الألوهية، فأوجد كوناً بديعاً كهذا الكون؛ لغايات سامية ولمقاصد جليلة، إظهاراً لكماله، ثم لا يكون لديه ثواب للمؤمنين الذين قابلوا تلك الغايات والمقاصد بالايمان والعبودية، ولا يعاقِب أهل الضلالة الذين قابلوا تلك المقاصد بالرفض والاستخفاف؟

قال آخر: أمن الممكن لربّ هذا العالم ومالكه الذي أظهر بآثاره كرماً بلا نهاية، ورحمة بلا نهاية، وعزة بلا نهاية، وغيرة بلا نهاية، أن لا يقدّر مثوبة تليق بكرمه ورحمته للمحسنين، ولا يقرر عقوبة تناسب عزته وغيرته للمسيئين؟

قال آخر: أمن الممكن لخالق ذي جلال أظهر سلطان ربوبيته بتدبير قانون الوجود ابتداء من الذرات وانتهاء بالمجرات، بغاية الحكمة والنظام وبمنتهى العدالة والميزان.. أن لا يعامل بالاحسان من احتموا بتلك الربوبية وانقادوا لتلك الحكمة والعدالة، وأن لا يجازي أولئك الذين عصوا بكفرهم وطغيانهم تلك الحكمة والعدالة؟.

قال آخر: أمن الممكن لجود وسخاء مطلقين، وثروة لا تنضب، وخزائن لا تنفد، وجمال سرمدي لا مثيل له، وكمال ابدي لا نقص فيه، أن لا يطلب دار سعادةٍ ومحل ضيافةٍ، يخلد فيه المحتاجون للجود، الشاكرون له، والمشتاقون الى الجمال، المعجبون به؟

قال آخر: صدقتم.. فإنه لما كان ذلك الجود في العطاء غير المحدود، وذلك الحسن في الجمال الذي لا مثيل له، وذلك الكمال الذي لا نقص فيه.. يقتضي خلود الشاكرين، وبقاء المشتاقين المستحسنين، ونحن نشاهد رحلة كل شخص واختفاءه بسرعة في دار ضيافة الدنيا هذه، دون أن يستمتع باحسان ذلك السخاء إلا نزراً يسيراً بما يفتح شهيته فقط، ودون أن يرى من نور ذلك الجمال والكمال اِلاّ لمحة خاطفة.. إذن الرحلة منطلقة نحو متنزهات خالدة ومَشاهدَ أبدية.

قال آخر: مثلما أن هذا العالم يدل بموجوداته دلالة قاطعة يقيناً على صانعه الكريم ذي الجلال، فصفاته المقدسة سبحانه وأسماؤه الحسنى تدل كذلك على الدار الآخرة بلا ريب وتظهرها، بل تقتضيها.

سكت قليلا، ثم قال: هذا بعض ما قالوا.. وقد بقيت بعد سماعي لذلك أياما أتحسر على نفسي التي خرجت من سيطرتي.. لكنها ما إن مضت حتى رحت أحضر نفسي لصفعة جديدة أصفع بها الإيمان والمؤمنين.

لقد رحت أقول في تلك الصفعة: (من المرجح أنه قبل حوالي 180 ألف سنة مضت، حدثت كارثة كبيرة للاحتباس الحراري على الأرض، والتقديرات تشير إلى أن عدد البشر في إفريقيا انخفض إلى ما بين ثلاثين وأربعين ألفا، أي أنهم كانوا في غاية القرب حينئذ من الانضمام إلى جميع الكائنات التي سبق لها الانقراض على الأرض.. فثمة نوع من الغرور عند من يفترض أن كل هذا التقلب الفاحش في أحداث العالم وأحواله، كان جميعه من أجلنا نحن البشر! هذا الإهدار الفائق الذي يظهر فيه، هذه القسوة البالغة التي تغلب عليها، هذه العشوائية وهذا التخبط الفاحش الذي يتسم به، كل هذا لا يهم، ما دمنا نعيش فيه! الكون كله قد صمم لك وحدك!)

لقد قلت هذا، وأنا أحاسب الله العظيم.. المدبر الحكيم على أفعاله في خلقه، دون أن أسأله أو أسأل أوليائه عن أسرار حكمته في أفعاله.. مع أني كنت لا أسأل الطبيب الجراح الذي يبقر البطون عن سر جرحه وتمزيقه للأجساد.

لقد كان السبب في تلك الأفكار الشيطانية هو حصري الحياة في تلك الدنيا، وتصوري أن قدرة الله العظيم توقفت عندها، ولم يبق له قدرة على الخلق، ولذلك فإنه بإماتة المخلوق يكون قد أعدمه، وانتهى أمره.

ولو أن عقلي كان معي لاعتبر ذلك من الأدلة على وجود حياة ثانية تتحقق فيها من المقاصد ما لم يتحقق في هذه الحياة..

لقد قال لي بعض المؤمنين، وهو يحدثني عن هذا، بعد أن قرأ علي بعض النصوص من كتابه المقدس.. أذكر منه هذه الآيات: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: 5- 7]

وحين سخرت منه، وقلت له: كيف تذكر لي أنها كلمات إله، وأنا لا أؤمن به أصلا.. أثبت إلهك أولا.. ثم أثبت أنه تكلم.. ثم أثبت أن كلامه وصلك.. ثم أثبت أن هذا من كلامه.. ودون كل هذا خرط القتاد؟

ابتسم، وقال: انظر إلى الكلام والحجج المبثوثة فيه.. ودعك من المتكلم.. فالله يذكر أنه خلق خلقه على مراحل عديدة ابتداء من النطفة، وانتهاء بالموت.. ويذكر أن هناك مراحل أخرى بعد الموت.. ويشبه ذلك بالأرض الميتة، وكيفية عودتها إلى الحياة من جديد.

قلت: تفسير ما يقع في الأرض سهل.. فما دامت البذور موجودة، فإنه حالما تتوفر الظروف تعود الحياة إليها.

قال: وهكذا الإنسان، فإن بموته لا يعدم.. وإنما يتحول إلى حياة جديدة لها شروطها الخاصة.

ضحكت بصوت عال، وقلت: ذلك مستحيل..

قال: فهل العقل هو الذي أحاله، أم أن مزاجك هو الذي فعل ذلك.. أم لك كتابا دلك على ذلك.. لقد قال الله تعالى بعد تلك الآيات التي تلوتها عليك: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10)﴾ [الحج: 8 ـ 10]

قلت: إن إلهك يهددني، ويعلن الحرب علي.

قال: لا.. إلهي ينذرك ويوجهك.. ويحذرك أن تحاربه.. فهو أعظم من أن يحارب.

قلت: لكن عقلي الذي تذكر أنه خلقه يحيل هذا.. فكيف أفرض على عقلي ما لا يقبل؟

قال: ولم قبل عقلي هذا؟.. ولم نرى ملايين الناس على مر العصور يقبلونه؟.. أم أنك تريد أن تركب الكون على مزاج عقلك؟

قلت: أليس من الغريب أن تأتي لعظام قد بلت.. ثم تذكر أن ربك سيحييها؟

قال: لقد ذكرتني بآيات كريمة من كتابي المقدس، يقول فيها ربي: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)﴾ [يس: 78 ـ 83]

قرأ ذلك.. ثم انصرف عني.. وكم تمنيت لو بقي.. وقد كان لتلك الآيات مفعولها الكبير على نفسي.. لكني بعد أن قدرت العواقب أحضرت قلمي ودفاتري، ورحت أسجل صفعة جديدة.. كنت أريد إلقاءها، أو ضرب خصومي بها في ندوة عامة في جامعة يهودية أمريكية.. يمكن تلخصيها في هذه العبارة الوجودية التي استفدتها من سارتر وغيره: (دعوني أموت وزجاجة الخمر في يدي)

لقد قلت فيها: (يبدو أمرا طبيعيا للغاية في هذا المجتمع، أن تقترب من رجل يحتضر على فراش الموت وأنت لا تعرفه، وهو ممن يكفرون بالخالق، فتقول له: هل ستغير رأيك الآن؟.. إنهم يعتبرونه سؤالا مهذبا للغاية!)

وهنا يضحك الحضور، وأنتفخ أنا، وتنكمش فطرتي، ثم أعقب على ذلك بقولي: (وكما تعلمون فإن ثمة تاريخا طويلا للتزوير في هذا الأمر، فمن الناس من زعم أن داروين رجع إلى النصرانية على فراش موته.. وكذلك اختلقوا الأكاذيب حول توماس بين.. والأمر يقع كثيرا. إنها قطعة مقززة من تاريخ البشرية. إنها كذلك صورة رديئة من صور الابتزاز، كأن يقال: (أنظر، لديك فرصة واحدة الآن، ألن تغتنمها؟ أنا أكتب إليك هذا الكلام كصديق!).. لقد حاولوا معي ذلك في يوم من الأيام عندما كنت مريضا للغاية في إحدى المستشفيات، ولكن لم أكن متمكنا من الرد عليهم كما كان يحلو لي يومئذ.. ولا مانع عندي من سماع هذا الكلام على أي حال، فإنه بوسعي أن أتحمله.. ولكن في ظني أن كثيرا من الناس ممن هم أكبر مني سنا وأشد مني مرضا، وربما أقل تعلما منا، هذه التجربة تكون شديدة عليهم للغاية، فهي مسألة محبطة ومقلقة ولا شك أن يخاطبوا بمثل هذا الكلام. يعني لو أني كونتُ أنا وسام.. أعني صديقي العزيز [سام هاريس].. فريقا يذهب إلى المستشفيات الدينية ـ وهو عكس ما يحصل في الواقع -، فنقول لأناس يرقدون في الألم: هل قلت إنك كاثوليكي؟ .. فإذا قال: نعم.. قلنا له: حسنا اسمع، ربما لا يزيد ما بقي لك من العمر على بضعة أيام، ولكنك لست مضطرا لأن تحياها كعبد! حسبك أن تعلم أن هذا كله لم يكن إلا ..

ثم أردد كلمة بذيئة لا أستطيع بعد أن اكتشفت الحقيقة أن أنطق بها.. وحينها يضحك الحضور ويقهقهون ويصفقون.. فأضيف: (لقد كان الرهبان يخدعونك.. وأنا أضمن لك أنك ستشعر بالراحة).. لا أظن أن هذا سيكون عملا أخلاقيا! أعتقد أنه سيكون نوعا من خرق الذوق العام.. ولكن ما دام باسم الإله، فإنه يحظى بالرخصة الاجتماعية، وأنا أقول: ..

ثم أقول كلاما بذيئا يضحك له الحضور ويصفقون تصفيقا حادا.. وأنتفخ أنا انتفاخة جديدة..

لن أستطيع الآن أن أعقب على هذا التهريج.. فأنا كنت أناقش أسلوب المؤمنين، ولا أناقش في الحقائق.. وقد كان في إمكاني أن أعذر المؤمنين في نصيحتهم لي.. ولا أعذر الملحد في نصيحته للمؤمنين.. لأن المؤمن يرى أن لموقفي آثارا سليبة على حياتي المستقبلية التي يؤمن بها.. أما أنا فلم أكن أرى ذلك.. ولذلك فإنه حتى لو مات على مات عليه لن يضره شيء.

فرق كبير جدا بين رهانينا .. رهاني أنا الذي لا يحوي شيئا.. ورهان المؤمن الذي يحوي كل شيء..

<