الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: سوق الخطايا

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1437 هـ

عدد الصفحات: 189

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

تهدف هذه الرواية إلى بيان أثر الاختيار الإنساني للخطيئة فيما يحصل له من مآس وآلام ومصائب .. وهي تعبر عن ذلك بتعبير رمزي عن طريق سوق ممتلئة بكل أنواع الفقر والحاجة، يراها المؤلف ـ تلميذ السلام ـ فتثور في نفسه ألوان الصراع حول سر ذلك، ومدى انسجامه مع الرحمة والعدالة الإلهية ..

لكن معلم السلام، وعبر ما يرسله لتلميذه من الوسائط يبرهن له على أن كل ما حصل لأهل السوق من آلام هو ثمرة اختياراتهم.

ثم يأخذ بيده إلى مدرسة تدرب أهل السوق على التخلص من الآثام التي حالت بينهم وبين تنزل البركات عليهم .. وهناك يعرف تلميذ السلام، وأهل السوق، سبب ما حل بهم من محق وآلام.

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

أولا ـ الجحود

الإعراض:

الضلال:

الكذب:

الخداع:

الغش:

الافتراء:

الغدر:

ثانيا ـ الأنا

العجب:

الكبر:

ثالثا ـ الشحناء

الحسد:

الحقد:

رابعا ـ اللؤم

الفحش:

البذاءة:

النجوى:

الإسراف:

المجاهرة:

النجاسة:

أكل الحرام:

خامسا ـ البخل

سادسا ـ الفحشاء

تيسير الزواج:

حفظ البصر:

حفظ العرض:

حفظ البيئة:

سابعا ـ العدوان

الدماء:

الأموال:

الأعراض:

المنع:

الخذلان:

الاحتقار:

الهجر:

الخاتمة

هذا الكتاب

 

المقدمة

تهدف هذه الرواية إلى بيان أثر الاختيار الإنساني للخطيئة فيما يحصل له من مآس وآلام ومصائب.. وهي تعبر عن ذلك بتعبير رمزي عن طريق سوق ممتلئة بكل أنواع الفقر والحاجة، يراها المؤلف ـ تلميذ السلام ـ فتثور في نفسه ألوان الصراع حول سر ذلك، ومدى انسجامه مع الرحمة والعدالة الإلهية..

لكن معلم السلام، وعبر ما يرسله لتلميذه من الوسائط يبرهن له على أن كل ما حصل لأهل السوق من آلام هو ثمرة اختياراتهم.

ثم يأخذ بيده إلى مدرسة تدرب أهل السوق على التخلص من الآثام التي حالت بينهم وبين تنزل البركات عليهم.. وهناك يعرف تلميذ السلام، وأهل السوق، سبب ما حل بهم من محق وآلام.

وفي الرواية استعراض لأمهات الذنوب والخطايا أصولها وفروعها، وبيان أسبابها، وآثارها ودورها في طمس الفطرة الإنسانية.

وفيها استعراض لكم كبير من النصوص المقدسة من القرآن الكريم والسنة المطهرة، حول أنواع الخطايا والذنوب وعواقبها .. باعتبار تلك النصوص المصدر الأول والأساسي للتعرف على الحقيقة الإنسانية ومنهج تطهيرها، وإعادة صياغتها لتتناسب مع الجبلة التي طبعها الله عليها.

وقد حاولنا في أكثر المحال من هذه الرواية الاكتفاء بإيراد النصوص عن إعطاء توضيحات عليها.. ذلك أن النص المقدس في تصورنا أكبر من أن يفسر أو يوضح أو يقيد بأي قيد.

وقد اكتفينا في محال كثيرة كذلك بذكر الخطايا دون ذكر تفاصيل التخلص منها، لأنا خصصنا لذلك رسائل خاصة من هذه السلسلة، بالإضافة إلى أن غرض هذه الرواية هو بيان آثار الذنوب على البركة والرزق.. وذلك وحده كاف لكثير من الناس في التنفير عنها، والتوبة منها.

وقد أشارت النصوص المقدسة الكثيرة إلى الحقيقة التي تهدف إليها هذه الرواية، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124]، فإن هذه الآية الكريمة تشير إلى دور الإعراض عن ذكر الله ـ والذي هو سبب كل الذنوب والمعاصي ـ في تحقق الضنك والضيق على المعيشة.

ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96]

وهكذا أخبر الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه في دعوته لقومه ربط الاستغفار بزيادة الرزق وتنزل البركات: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) ﴾ [نوح: 10-12 ]

ومثله هود عليه السلام الذي قال مخاطبا لقومه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: 52]

ونحب أن نشير هنا إلى هذا ليس بعمومه، فقد يبتلي الله عباده الصالحين بما شاء وكيف شاء ليطهرهم ويرفع درجاتهم.. وليجعل الأسوة بهم، وقد ورد في الحديث أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)([1]) 

وقد وضحنا سنن ذلك وقوانينه في كتابنا [أسرار الأقدار] و[ابتسامة الأنين] وغيرهما من هذه السلسلة.

 

البداية

لست أدري هل كان ذلك يقظة أو مناما.. فقد اختلطت علي في تلك الأيام حياة اليقظة بحياة الأحلام.. لكن الذي أدريه أنني بعد أن استيقظت أو عاد إلي وعيي رحت إلى كل نص سمعته، أو فكرة سجلتها، أبحث عن حقيقتها ومصداقها.. وقد وجدتها جميعا كما رأيتها وسمعتها لم تزد حرفا، ولم تنقص.. ولهذا رحت أسجل هذه الأحداث بالدقة التي رأيتها فيها.. عساكم تنتفعون بها كما انتفعت.

وبداية حكايتي تنطلق مني، ومن قريتي الصغيرة المتواضعة .. فقد مررت بسوقها، فرأيت الكثير من المظاهر التي سببت لي الأسى والألم.. وجعلتني أعاني أنواعا كثيرة من الصراع.

وعندما سرت في الطريق الخالي، وأنا عائد إلى بيتي صادفت ذلك السوق العجيب الذي بصرني الله من خلاله إلى أن كل ما نعانيه من آلام ومآس سببه ما نقترفه من الآثام والذنوب التي نشعر بها أو لا نشعر.

في بداية دخولي إلى ذلك السوق العجيب أصابني ما أصابني في سوق قريتي من الألم.. فقد كانت السوق ممتلئة شحا وفقرا.. وكانت أرضها مملوءة بالأوساخ والقاذورات.. وكانت سماؤها مملوءة بدخان أسود يحيل حياة أهل السوق إلى جحيم..

عندما شاهدت هذا المشهد المؤلم امتلأت نفسي بالاعتراض والصراع.. بل كدت أصيح: يا رب.. أنزل عليهم من بركاتك ما يرفع عنهم هذا الهم الذي يعيشونه.. وهذا الفقر الذي يعانونه.. وارفع عن السماء سوادها.. وارفع عن الأرض ما حل بها من رجس.. وارفع عن أهل هذا السوق ما نزل بهم من محق..

ما اكتمل هذا الحديث في نفسي حتى ربت رجل ـ يبدو عليه الغنى ـ على كتفي، وقال: ألا ترى هؤلاء الحمقى والمغفلين؟

قلت: بل الفقراء والمساكين..

قال: لو لم يكونوا حمقى ومغفلين ما كانوا فقراء ولا مساكين..

قلت: أرى أنك امرؤ عديم الرحمة والمروءة.. أهكذا يتعامل الأغنياء مع الفقراء؟.. أبهذا الازدراء تعاملهم بدل أن تعاملهم بالإحسان، وبما من الله عليك من كرمه؟

قال: لقد جربت ذلك.. فوجدتهم لا يستحقون إلا هذا الجزاء الذي يعيشونه.. إن هذا الواقع المؤلم الذي تراه ليس إلا جريرة آثامهم وصنعة ذنوبهم وصدى ما في نفوسهم من ألوان الإثم والغواية.. ولو أنهم أوقفوا تلك المحركات التي لا تصدر إلا الاثم لحسن حالهم، وارتفع المحق عن معاشهم، ولحلت بدله البركات.

توسمت في الرجل، فرأيت فيه ما كنت أرى في أولياء الله الصالحين الذين تعود معلم السلام أن يرسلهم لي، فقلت له: لا شك أنك من أصحاب معلم السلام.

قال: ومن أنا حتى أكون صاحبه.. أنا لست سوى تلميذ بسيط من تلاميذه.. أو عبد حقير من عبيده.

قلت: فهل لك رسالة منه لي، فقد اشتقت إلى رسائله وحديثه؟

قال: أجل .. رسالتي لك هي قصتي مع هذا السوق.. فإن لي حديثا طويلا مع أهله.. سأحدثك عنه.. فلن يخلص نفسك من الصراع إلا حديثي عنه.

نظر إلى المكان الذي نقف فيه، ثم قال: أما المكان.. فلا أرى مكانا أصلح لما أريد أن أحدثك عنه من هذه السوق..

قلت: من أنت أولا.. فلا يصح أن أسمع حديثا لا سند له؟

قال: أنا من من أهل كاشان... سماني والدي فيض الله (محسنا)([2]).. وقد حبانا الله من فضله الكثير.. وقد بدأت علاقتي بهذه السوق في يوم لا يختلف عن يومنا هذا.. وفي حال لا تختلف عن حالنا هذه..

ذهبت حينها إلى والدي، وأنا أعتصر من الألم لأطلب منه أن يمد السوق بما حباه الله من فضله، فيخرج أهله من فاقتهم وفقرهم وعجزهم..

وقد استجاب والدي لطلبي، ولكنه قال لي: لقد رأيت صورتهم الظاهرة.. فحزنت عليها.. وحاولت أن تغيرها.. فهلا رأيت صورتهم الباطنة.. فعساك تتحرك لإصلاحها.. فإنه لا يصلح ظاهر باطنه خراب..

قلت: ما تقصد؟

قال: هل نميت فيهم من المكارم التي تمسح عنهم المآثم.. فلا يمكن أن تستقر بأحد حال.. وفي صدره وقلبه وحقيقته من الثعابين والحيات ما يظل ينهشه ويقتل فيه الحياة؟

قلت: أنى لي أن أفعل ذلك.. ولكني مع ذلك أستطيع بكل يقين أن أجزم بأن صورتهم الباطنة من أحسن الصور.. ولذلك فلن أخاف من بواطنهم على ظواهرهم.. ولن أخاف على مكارمهم من آثامهم..

بعد أن قلت هذا، قال لي والدي: سنرى.. سأعطيك مبلغا محترما من المال.. وهو كاف لأن يحول سوقهم ـ لو أحسنوا استخدامه ـ إلى سوق صالحة ممتلئة بكل البركات.. بل إن المشارق والمغارب ستفد إليهم طلبا لما عندهم.. ولكن قبل أن تسلمهم المال حذرهم من الآفات والموبقات.. وذكرهم بما ورد في الحديث من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلس على المنبر وحوله أصحابه، فقال لهم: (أخوف ما أخاف عليكم، ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا)، قالوا : وما زهرة الدنيا يا رسول الله ؟ قال : (بركات الأرض) قالوا : يا رسول الله، وهل يأتي الخير بالشر؟ قال : (لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، إن كل ما أنبت الربيع يقتل، أو يلم، إلا آكلة الخضر، فإنها تأكل، حتى إذا امتدث خاصرتاها، استقبلت الشمس، ثم اجترت، وبالت، وثلطت، ثم عادت فأكلت، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه، ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه، كان كالذي يأكل ولا يشبع)([3])

قلت: لا عليك يا والدي.. سأؤدي كل ما تطلبه مني..

قلت هذا، ثم أسرعت إلى أهل السوق أفرق عليهم من الأموال ما عساه يحول حالهم ويبدلها وينزع عنهم وعنها تلك الكآبة التي تحيط بهم وبها..

 وقد نسيت في غمرة ذلك الكرم العظيم كرما أكرم وأجدى.. نسيت أن أخبرهم بوصية والدي، وبحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وبتلك الحصون القوية التي تحمي نفوسهم من شر الأموال التي تحملها أيديهم..

نسيت ذلك.. أو تعمدت أن أنساه.. لأني لم أكن أود أن أفسد تلك الفرحة التي ملأت أقطار نفسي، وهي ترسل إليهم الأموال كالريح المرسلة.. ولم أكن أود في نفس الوقت أن أمثل دور الواعظ والمعلم.. فقد كان دور الكريم أرفع عندي من دور الواعظ المعلم..

لكن فرحتي لم تستمر طويلا..

فما هي إلا أيام وأشهر وسنوات حتى عادت السوق إلى حالها.. وعاد أهل السوق إلى حالهم.. وكأن تلك الأموال التي امتلأت بها جيوبهم ومخازنهم لم تكن إلا حلما استيقظوا منه على حياة النكد التي ألفوها وألفتهم..

قلت: أهذه هي حكايتك مع أهل هذه السوق.. فلهذا أراك ناقما منهم؟

قال: لا.. حكايتي مع أهل هذه السوق أطول.. وأنا لم آتهم ناقما.. بل أتيتهم لأصلح الخطأ الذي وقعت فيه المرة الماضية.. فما كان لتلاميذ السلام أن يحملوا نقمة.. وما كان لتلاميذ السلام أن يسكتوا عن خطأ.. وما كان لتلاميذ السلام أن يقعدوا عن إصلاح.

قلت: فقد أتيتهم بالمواعظ بدل الأموال؟

قال: تستطيع أن تقول ذلك.. فقد رأيت أن المال لا يحميه شيء كما تحميه المواعظ.. 

قلت: ولكن المواعظ سرعان ما تحاصرها جنود الغفلة التي يمدها الشيطان بمدده.. فيرتفع عن القلوب تأثيرها، ويرتفع عن النفس أثرها.

قال: ولذلك لم آت بالمواعظ وحدها.. فالمواعظ وسيلة من الوسائل التي يتم بها الإصلاح.. ومن أعظم الأخطاء أن يقتصر العاقل في حربه مع الشيطان والنفس على بعض الوسائل.. فيؤتى من قبل غيرها.

قلت: فبم أتيت إذن؟

قال: لقد بدأت ـ بمعونة والدي ـ بإحصاء العلل والآثام التي حولت السوق إلى هذه الحال.. فلا يمكن أن يداوي الطبيب مريضا لا يعرف مرضه.

قلت: فما العلل التي وجدتها بأهل هذه السوق؟

قال: سبع..

قلت: فقط.. إنهم أصحاء إذن..

قال: كل علة منها كافية لأن تخرب كل حياة.. وتفسد كل صالح.. وتعوج كل مقوم.

قلت: فهلا حدثتني عنها.

قال: سأحدثك أولا عن الدليل الذي دلني عليها.

قلت: لقد ذكرت لي أنه والدك..

قال: والدي أضعف من أن يعرف مثل هذا.

قلت: فمن هو إذن؟

قال: الله..

قلت: الله!؟

قال: أجل.. الله الذي خلق الإنسان، وهو العليم بما خلق.. هو الذي أخبرنا عنها.. إن ذلك ـ ولله المثل الأعلى ـ مثل الصانع الذي يخبرك عن الآفات التي قد تنزل بالجهاز الذي باعه لك.. لتأخذ احتياطاتك نحوها.

وهكذا فإن الله الحكيم أخبرنا أن بالإنسان آثام ظاهرة وباطنة.. وأنه لا يصلح حاله إلا بتركها.. قال تعالى :﴿ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْأِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ) (الأنعام:120)

قلت: هذه الآية مجملة.. فكيف كشفت غموضها؟

قال: لقد أخبرنا القرآن الكريم عن العلل التي تنخر حقيقة الإنسان.. وقد ربطها جميعا بالإنسان..

أخبرنا عن كفره ويأسه، فقال :﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ ﴾ (هود:9)، وقال :﴿ لا يَسْأَمُ الْأِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ) (فصلت:49)

وأخبرنا عن ظلمه الممزوج بكفره، فقال :﴿ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (ابراهيم:34)

وأخبرنا عن ظلمه الممزوج بجهله، فقال :﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (الأحزاب:72)

وأخبرنا عن خصومته، فقال :﴿ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (النحل:4)

وأخبرنا عن عجلته، فقال :﴿ وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً﴾ (الاسراء:11)، وقال:﴿  خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (الانبياء:37)

 وأخبرنا عن بخله، فقال :﴿ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً﴾ (الاسراء:100)

وأخبرنا عن جدله، فقال :﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (الكهف:54)

وأخبرنا عن هلعه، فقال :﴿ إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ (المعارج:19)

وهكذا.. أخبرنا ربنا عن حقيقتنا وحقيقة الصفات التي تمتلئ بها ذواتنا.

قلت: لقد أثار في كلامك هذا زوابع من الشبهات..

قال: أعلم ذلك.. أنت تتعجب كيف يخلق الله كائنا به كل هذه الشرور والآثام.

قلت: لم تعدو ما في نفسي.. فهل بحثت في جواب ذلك؟

قال: لقد أخبرنا القرآن الكريم بالجواب.. وذلك لم يحتج مني إلا بعض التدبر البسيط.

قلت: أين؟

قال: في قوله تعالى :﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:30).. ففي هذه الآية إخبار إلهي عن سر ما يكتنزه الإنسان من آثام..

ولهذا عندما ذكر الله للملائكة الخلافة ذكروا الإثم.. وسفك الدماء؟

قلت: لقد ظللت متعجبا من هذا.. فما علاقة الخلافة بالفساد وسفك الدماء؟

قال: الخلافة تقتضي الحرية.. والحرية تقتضي الاختيار.. والاختيار يقتضي أن تكون هناك فرص مختلفة متعددة، وسبل متنوعة.. وكل ذلك يقتضي أن يكون في الإنسان ميل متساو لكل الطرق ولكل الاتجاهات حتى يحدد بعد ذلك الخيار الذي يتناسب معه ومع طبيعته وعزيمته وإرادته.

لقد ذكر الله ذلك فقال عند حديثه عن الإنسان :﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)﴾ (الإنسان)

انظر كيف ربط الله تعالى بين السمع والبصر وبين الهداية والضلال.. فكما أن السمع والبصر يتيحان لنا أن نستعملهما في الخير والشر.. فهكذا باقي القوى واللطائف..

قلت: ألهذا نفخ في الإنسان كل تلك الآثام؟

قال: نحن نعبر عنها بالآثام باعتبار اختيار الإنسان.. لا باعتبار حقيقة الحال.. فالله الحكيم الرحيم لا يخلق الشر المجرد عن كل خير([4]).. بل هو يخلق الخير.. ومن الخير ما يتحول إلى شر.. كما أن من الطعام ما يتسنه ويصبح غير صالح للأكل.. مع أنه في أصل طبيعته طيب وصالح.

قلت: فهمت تسنه الطعام.. ولم أفهم تسنه الإنسان.

قال: أليس الطعام يتسنه بالغفلة عنه؟

قلت: تستطيع أن تقول ذلك.. فعندما نغفل عن الطعام مدة من الزمان نكتشف أنه قد تسنه وتغير.

قال: فكذلك الإنسان.. كلما غفل عن النظر في حقيقته وتقويمها وربطها بمصدرها الأعلى كلما تمكنت الآفات منه، وانحرفت به بعد ذلك.. لقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك، فقال :﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19)﴾ (الحشر)

قلت: ولكن الآية تتحدث عن نسيان الله والغفلة عنه.. لا عن الإنسان لنفسه.

قال: لا يمكن لإنسان أن يذكر نفسه أو يعرفها.. وهو لا يذكر ربه ولا يعرفه.. إن حقيقة الإنسان لا يمكن أن تتجلى للإنسان إلا عندما يتصل بربه.

قلت: أكاد أفهم ما تقول.. لكني أتعجب كيف يخلق الله نفسا شحيحة.. أتعجب لقوله تعالى :﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ (النساء:128).. وغيرها من الآيات التي تذكر الخراب الذي يملأ أعماق الإنسان.

قال: هو ليس خرابا بالصورة التي تتصورها..

قلت: فما هو إذن؟

قال: تستطيع أن تقول: إنه لبنات.. ومواد خام.. نعم هي مفرقة في أرض النفس بحيث يهيأ لمن يراها بأنه يرى خرابا.. ولكنها في الحقيقة إن وجدت أيد ماهرة ومهندسين خبراء.. فستتحول تلك اللبنات إلى عمران ليس مثله عمران.

قلت: هل لي بمثال يوضح لي هذا؟

قال: أنت تعجبت من أن تفطر النفس على الشح؟

قلت: أجل.. ذلك صحيح.. والكل يتعجب من ذلك.

قال: هل ترى أن حياة الإنسان يمكن أن تستمر.. ولحضارته يمكن أن تقوم.. ولوظيفة الخلافة فيه يمكن أن تؤدى من غير أن تكون فيه هذه الخصلة؟

قلت: لو خلت حياة الإنسان من الشح.. وخلت حضارته منه لعاش الإنسان إنسانا.

قال: ذلك هو الشح المنحرف.. السلبي.. أما الشح الفطري.. والذي هو لبنة من لبنات الإنسان.. فإن نزعه من الإنسان لن يبقيه إنسانا..

نظر إلي، فوجدني لا أزال على هيئتي لم أقتنع، فقال: أليس الشح هو الحرص على ما تملكه من أشياء؟

قلت: بلى.. فالشحيح هو الذي يبخل بماله.

قال: البخل بالمال فرع من فروع الشح.. الشح أخطر من أن ينحصر في المال..

قلت: صحيح ما تقول..

قال: نحن نرى الشح السلبي.. وهو شح يوظف لبنات الإنسان لتخدم المصالح الخاصة ولو على حساب المصالح العامة.

 قلت: فهل هناك شح إيجابي؟

قال: أجل.. وهو شح يوظف لبنات الإنسان وطاقاته لتخدم المصالح الخاصة.. وفي نفس الوقت لا تضر بالمصالح العامة.. بل إنه يخدم المصالح العامة.. فلا يمكن للمصالح العامة أن تقوم إلا بالمصالح الخاصة.

قلت: لم أفهم.

قال: أرأيت لو أن كل الناس حرصوا على ما عندهم من مال وصحة وعافية.. وشحوا بها.. فلم يدعوها للآفات.. أليس في ذلك اجتماع للمصالح الخاصة والعامة؟

قلت: بلى.. سيكون المجتمع حينها مجتمعا قويا صحيحا سليما من الآفات..

قال: ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهو يحض على هذا الشح الإيجابي.. لبعض صحابته : (الثلث والثلث كبير، أو كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة، تبتغى بها وجه الله، إلا أجرت بها، حتى ما تجعل فى فى امرأتك)([5])

قلت: وعيت هذا في الشح.. لكن هناك آثاما أخرى قد لا ينطبق عليها ما تقول.

قال: كلها ينطبق عليها ما أقول..

قلت: الجدل مثلا.. لا ينطبق عليه ما تقول.

قال: لولا الجدل ما قامت للأفكار سوق..

قلت: والكفر!؟

قال: لولا الكفر ما عرفنا قيمة اختيار المؤمن للإيمان..

قلت: والظلم!؟

قال: الظالم هو الذي انحرف بموازين العدالة في نفسه عن وجهتها..

قلت: فالموازين صحيحة.. لكنه هو الذي انحرف بها؟

قال: أجل.. وهكذا في كل الأمور.. إن مثل ذلك مثل الملح يكون في الطعام.. فمن وضعه بقدر انتفع به وانتفع بطعامه.. ومن وضع بغير قدر استضر به واستضر بطعامه.

قلت: لقد وعيت الآن.. فبورك فيك.. ولكني لن أتركك حتى تحدثني عن هذه الآثام السبعة.. عن حقيقتها.. وعن علاقتها بهذه السوق.. وعن الترياق الذي قدمت به لعلاجها.

قال: ما جئت اليوم لهذه السوق إلا لأجل هذا.. لقد وفقني الله، فأسست مدرسة تطهيرية في مدخل هذه السوق، وقد جئت لها بالعلماء من كل حدب وصوب.. وجعلتها أقساما بحسب الآثام التي التي يمكن أن يقع فيها الإنسان.

قلت: فمن تريد أن يتتلمذ فيها؟

قال: أهل هذه السوق.. أهل هذه السوق هم تلاميذ تلك المدرسة؟

ابتسمت، وقلت: هل تريد من هؤلاء أن يتركوا معايشهم وأرزاقهم وقوت أولادهم ليتتلمذوا في مدرستك.. لا شك أنهم لن يقبلوا.

قال: سأستغل آثامهم للوصول إلى طهارتهم.

قلت: عجبا.. ما تقول؟

قال: ألم أذكر لك شح الإنسان وحرصه وأنانيته؟

قلت: بلى..

قال: فسأطرق أبوابهم من هذه النواحي.

قلت: كيف؟

قال: اصبر.. ولا تستعجل.. وسترى الكيف.

***

 قال ذلك، ثم طلب من بعض من كان معه بأن يباشر المهمة التي كلفه بها.

قام ذلك الرجل، وراح ينادي في أهل السوق: يا أهل السوق.. إن محسن بن فيض الله يريد أن يحدثكم.

رنت جميع الوجوه إليه.. ثم سرعان ما اجتمعوا حولنا..

بعد أن اجتمعوا قام محسن بن فيض الله، وقال: لاشك أنكم تعرفونني.. فلذلك لا أحتاج أن أعرفكم بنفسي.

قال واحد منهم: أجل.. لقد سبق لك أن قدمت في يوم من الأيام بعض الإحسان.. ولكنك سرعان ما غفلت عنا.. وأنستك الشياطين أن تذكرنا.

قال آخر: هات ما جئت من أجله.. فأرزاق أولادنا تنتظرنا.

قال آخر: إن كنت جئت بالمال، فأسرع به.. أما إن جئتنا بالكلام، فاتركه لنفسك، فلا يمكننا أن نطعم أولادنا كلاما.

تكلم أكثر من كان حاضرا، وكان كلاما وقحا أكد لي ما ذكره محسن بن فيض الله.

بعد أن انتهوا من كلماتهم الممتلئة بالبذاءة والوقاحة، قال محسن: تريثوا يا أهل هذه السوق الكرام.. نعم أنا أتيتكم بالكلام.. ولكنه ليس كلاما مجردا.. إنه كلام..

قاطعه بعضهم، وقال: الكلام هو الكلام.. ولا شيء غير الكلام.. هيا بنا ننفض عنه.. لقد كنت أعلم أني أضيع وقتي بالجلوس إليه..

ردد آخر نفس ما ردده الأول، فارتفع الضجيج..

لكن محسنا كان في غاية الذكاء، فقد أمر من معه بأن يسمعوا الحاضرين رنين الدراهم والدنانير.. فما إن سمعوها حتى امتلأت السوق بصمت عميق قطعه محسن بقوله: لقد جئتكم بهذه أيضا..

سال لعاب الحاضرين، وامتلأوا بخشوع عظيم.. ثم قال بعضهم: هاتها.. فطالما رأيناك محسنا.

قال آخر: بل أنت الإحسان عينه.

قال آخر: لو أن الدنيا كلها كانت في كفك لجدت بها.

قال آخر: لا أظن من قال هذه الأبيات إلا يقصدك..

ثم راح ينشد:

تراه إذا ما جئتَه متهلِّــلاً  ‍
ولو لم يكن في كفّه غيرُ رُوحه

  كأنَّك تعطيه الذي أنت نائلُهْ
  لجاد بها فليتَّقِ اللهَ سائلــــــــه

قال آخر: ومثله من قال:

أقول لمرتاد الندى عند مالك  ‍
فتى جعل الدنيا وقاء لعرضه  ‍
فلو خذلت أمواله جود كفه  ‍
وإن لم يجز في العمر قسم لمالك  ‍
وجاد بها من غير كفر بربـــــه

  تمسك بجدوى مالك وصلاته
  فأسدى بها المعروف قبل عداته
  لقاسم من يرجوه شطر حياته
  وجاز له أعطاه من حسناته
  وأشركه في صومه وصلاتـــــه

قاطعهم محسن بقوله: مهلا.. فهذه المرة لن أعطيكم المال دون أن آخذ  شيئا..

قال واحد منا: خذ منا كل شيء.. أعطنا المال فقط..

قال محسن: لن آخذ منكم إلا بعض أوقاتكم.. وسأعطيكم بدلها من المال ما يكفيكم.. ولكن من نجح منكم فيما أطلبه منه، فسأعطيه من فضل الله الذي من به علينا ما يجعله أغنى أهل هذه السوق.

قالوا: لم نفهم ما تريده منا.

قال: لقد أنشأت مدرسة تربوية في مدخل هذه السوق، وقد ملأتها بالعلماء والمربين والمدربين.. وجعلت لكل من يدخل لتلك المدرسة مرتبا يكفيه لمعاشه.. ولكنه إن استطاع أن يهضم دروسها، ويتدرب عليها، فسأعطيه من المال ما يستطيع أن يتحول به إلى غني من أغنياء هذه المدينة.. فهل تراكم تقبلون؟

صاحوا جميعا بصوت واحد: أجل.. ومن لا يقبل.

قال واحد منهم: نعرف المراد من هضم الدروس.. ولكن ما تريد بالتدرب عليها؟

قال محسن: أنتم تدرسون في هذه المدرسة في الصباح.. وبالتحديد تبدأ دراستكم من طلوع الفجر.. وبعد أن تنتهوا من دروسكم تعودون إلى سوقكم لتطبقوا كل ما درستموه.

قال الرجل: ولكن كيف تميز المتفوق منا من غير المتفوق؟

قال محسن: ما أيسر ذلك.. سأرسل مراقبين يطوفون عليكم كل حين.. وسيروا مدى تفاعلكم مع الدروس التي درستموها.. وقد ذكرت لكم أن من نجح في التدرب عليها سأعطيه من المال ما يملك به هذه السوق جميعا.

سال لعابهم جميعا.. وقالوا: فمتى نبدأ دراستنا؟

قال محسن: من فجر يوم الغد.. وكل من تغيب، فسيعتبر بالنسبة لي غير موافق على العرض الذي قدمته.

قال رجل منهم: أحمق من غاب عن مثل هذا العرض.

قال آخر: أما أنا، فلن أنام الليل جميعا.

قال آخر: أما أنا، فسأذهب إلى باب المدرسة، لأبيت هناك، فلا أحب أن يسبقني إليه أحد..

وهكذا ردد الجميع ما ردده هؤلاء.. ثم انصرفوا، والفرحة بادية على وجوههم التي كانت ممتلئة كآبة ويأسا.

أولا ـ الجحود

انصرفت إلى بيتي.. وفي فجر اليوم التالي سرت إلى المدرسة، ففوجئت بالأعداد الهائلة من الناس من مختلف الأعمار تنتظر عند بابها..

فتح عليهم محسن الباب، وقال: لدينا سبعة أقسام في هذه المدرسة.. لكل قسم منها دروسه الخاصة به.. ولكل قسم منها أستاذه الخبير الذي كلف به.

قالوا: فما هو القسم الأول؟

قال: هو قسم (الجحود).. وأستاذكم فيه هو (أبو بكر الخرائطي)([6]).. وهو رجل قدير خبير بالنفس وأسرارها.. وقد ألف كتبا في التربية والأخلاق، منها كتاب سماه (مكارم الأخلاق ومعاليها)، ومنها (مساوىء الأخلاق ومذمومها وطرائق مكروهها).. فاجلسوا إليه، وسلوه ما بدا لكم.. وبعدها عودوا إلى سوقكم لتطبقوا ما درستموه.

ذهبنا إلى الخرائطي في القسم الخاص به.. وقد استقبلنا بكل أدب.. ثم طلب منا أن نجلس..

فجلسنا، وقد بدأ حديثه بعد حمد الله والصلاة والسلام على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وآله بقوله: لنبدأ دروسنا بالإثم الأول.. إنه الإثم الذي تأسست منه الآثام، وتفرعت عنه الذنوب.. إنه الجحود.. فمن امتلأ قلبه بجحود مولاه لم ينل في حياته خيرا ولا بركة ولا فضلا.

لقد أشار القرآن الكريم إلى ارتباط هذا الإثم بالإنسان في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وكأنه ينبهنا إلى هذا الوحش الخطير الذي يريد أن ينحرف بحياتنا عن المنهج الذي أراده الله لنا..

سأقرأ عليكم ما ورد في القرآن الكريم من ذلك لتتعرف على الأتون الآثم الذي يحترق به الإنسان من حيث يشعر، أو من حيث لا يشعر..

لقد ذكر الله تعالى سرعة ميل الإنسان إلى الكفر والجحود والغفلة بمجرد أن يفرج الله عنه، فقال :﴿ وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (يونس:12).. وقال :﴿ وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (الزمر:8).. وقال:﴿ فَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر:49).. وقال :﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ (فصلت:51).. وقال :﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً ﴾ (الاسراء:67)

انظروا الصورة التي يمثلها الإنسان بهذا الجحود.. إن أوهامه تصور له أنه يمثل على الله ويخادع الله ويحتال عليه.

وهكذا ذكر القرآن الكريم يأس الإنسان وكفره في حال الضرر، فقال :﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ﴾ (هود:9).. وقال :﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً﴾ (الاسراء:83).. وقال :﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إلا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْأِنْسَانَ كَفُورٌ ﴾ (الشورى:48)

وهكذا ذكر جحود الإنسان وغفلته عن فضل ربه عليه، فقال ـ وهو يستعرض نعم الله على عباده ـ :﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(34)﴾ (إبراهيم).. وقال :﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66)﴾ (الحج)

ولهذا كله، فإن الله يصف الإنسان بالكفر الشديد المبين الذي لا فوقه كفر ولا مثله جحود، قال تعالى :﴿ قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ (عبس:17)

قال رجل من الحاضرين: عرفنا ما ورد في القرآن من الحديث عن كفر الإنسان وجحوده.. ولكن كيف عرفت أن هذا هو مبدأ الآثام وأصلها الذي تتفرع منه ؟

قال الخرائطي: لقد عرفت ذلك من مصادر كثيرة.. لعل أهمها تجربتي الشخصية.. لقد من الله علي فأكرمت بعض المحتاجين في بعض الأسواق بما رفع فقره وفاقته.. وقد كان أول ما واجهني به بعد أن من الله عليه من خيره ما من.. وبعد أن ارتفعت عنه قيود الفقر.. وحلت عليه تباشير الغنى أن قابل إحساني بالإساءة.. بل فعل ما هو فوق ذلك مما لا يخطر على بال..

قلنا: ما فعل؟

قال الخرائطي: لقد تصور أن غناي منافس لغناه.. فلذلك راح يستعمل كل الوسائل ليحطمني لتصوره أنه لا يمكن أن يبنى بنيانه مع بنياني..

لم أتعجب من سلوكه هذا.. فقد كان لي من الإيمان العظيم ما جعلني أدرك أن النعمة سرعان ما تغادر من جحدها.

قلنا: فكيف أيقنت بهذا؟

قال: لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ثلاثة نفر في بني إسرائيل أبرص، وأقرع، وأعمى، أراد لله عزوجل أن يبتليهم، فبعث ملكا فأتى الابرص، فقال : أي  شيء أحب اليك؟ قال : لون حسن وجلد حسن، قد قذرني الناس، فمسحه فذهب، وأعطي لونا حسنا وجلد حسنا، فقال : أي المال أحب اليك ؟ قال : الابل، فأعطي ناقة عشراء، فقال : يبارك لك فيها.

وأتى الاقرع، فقال : أي  شيء أحب اليك ؟ قال شعر حسن، ويذهب هذا عني، قد قذرني الناس، فمسحه فذهب وأعطي شعرا حسنا، فقال : فأي المال أحب اليك ؟ قال : البقر، فأعطاه بقرة حاملا، وقال : يبارك لك فيها.

وأتى الاعمى، فقال : أي  شيء أحب اليك ؟ قال، يرد الله إلي بصري، فأبصر به الناس، فمسحه فرد الله إليه بصره، فقال : فأي المال أحب اليك ؟ قال : الغنم فاعطاه شاة والدا.

فأنتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا واد من الابل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من غنم، ثم إنه أتي الابرص في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين، تقطعت به الحبال في سفره، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري، فقال له : إن الحقوق كثيرة، فقال له : كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا، فأعطاك الله، فقال : لقد ورثت لكابر عن كابر، فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت.

وأتى الاقرع في صورته وهيئته، فقال له : مثل ما قال لهذا ورد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال له : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت.

وأتى الاعمى في صورته، فقال رجل مسكين، وابن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله، ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال : قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيرا، فخذ ما شئت، فو الله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله فقال : (أمسك مالك فانما ابتليتم فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك)([7])

بل أخبرنا قبل ذلك القرآن الكريم.. ففيه الآيات الكثيرة الدالة على عواقب جحود النعمة..

اسمعوا لهذه الآيات وهي تتحدث عن قوم مثلنا أصابهم الله بعذابه، بعد أن جحدوا الله وجحدوا آياته، قال تعالى مخبرا عن قوم عاد:﴿ وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)﴾ (هود)

 وما حصل لعاد بسبب جحودهم هو ما حصل لغيرهم، قال تعالى يذكر ذلك، ويذكر به :﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (14) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (17)﴾ (فصلت) 

وقال :﴿ وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (26)﴾ (الأحقاف)

وقال :﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)﴾ (سبأ)

الإعراض:

قال رجل منا: لقد اعتبرت هذه الآيات الإعراض هو سر ما حصل لسبأ من المهالك.

قال الخرائطي: أجل.. فالإعراض هو الصورة البشعة التي ينم بها الجحود عن نفسه.

قال الرجل: فما صور الإعراض التي يظهر بها؟

قال الخرائطي: كثيرة جدا.. وقد أشار القرآن إلى مجامعها([8])..

فمن ذلك الإعراض عن الطّاعات والسّهو عنها، كما قال تعالى :﴿ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ.. (16)﴾ (سبأ)

ومنها الإعراض عن سماع المواعظ والتأثر بها، كما قال تعالى :﴿ فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (94)﴾ (المدثر)

ومنها الإعراض عن تذكر حساب الله لعباده، كما قال تعالى :﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)﴾ (الأنبياء)

ومنها الإعراض عن ذكر اللّه، ليمتلئ الإنسان بدله بالغفلة التي تؤهله لكل أنواع العذاب، كما قال تعالى :﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً (124)﴾ (طه)

ومنها الإعراض عن النظر إلى آيات اللّه في الكون وتبصرها، كما قال تعالى :﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (105)﴾ (يوسف)

ومنها الإعراض عن الحقّ وعدم الإذعان له، كما قال تعالى :﴿.. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24)﴾ (الأنبياء)

ومنها الإعراض عن النّبإ العظيم قال تعالى :﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ(68)﴾ (ص)

ومنها الإعراض عن الوفاء بعهود الله التي أخذها على عباده، قال تعالى :﴿ وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)﴾ (البقرة)

قال الرجل: عرفنا صور الإعراض، فما عقوبته؟

قال الخرائطي: لقد ذكرتها النصوص المقدسة.. وأولها وأخطرها عدم مبالاة الله تعالى بمن أعرض عنه، فالله الغني الكريم لا يضره جحود الجاحدين كما لا تنفعه طاعة الطائعين، قال تعالى :﴿ وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35)﴾ (الأنعام)، وقال:﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (25)﴾ (الأنفال)

وفي الحديث أنه بينما كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم جالسا في المسجد والنّاس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وذهب واحد، فوقفا على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فأمّا أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأمّا الآخر فجلس خلفهم، وأمّا الثّالث فأدبر ذاهبا.. فلمّا فرغ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (ألا أخبركم عن النّفر الثّلاثة؟ أمّا أحدهم فآوى إلى اللّه فآواه اللّه، وأمّا الآخر فاستحيا فاستحيا اللّه منه، وأمّا الآخر فأعرض فأعرض اللّه عنه)([9])

الضلال:

قال رجل من الحاضرين: فكيف يهتدي من أعرض الله عنه؟.. إنه لا شك سيقع في هاوية الضلال.

قال الخرائطي: أجل.. فمن لم يتنعم باسم الله الهادي، وقع تحت اسم الله المضل.. ولله من أبواب الإضلال ما يعدل أبواب هدايته.

قال الرجل: ولكن كيف يفتح الله أبوابا للإضلال؟

قال الخرائطي: إن الله تعالى خلق الجنة، وجعل لها صفات من توفرت فيه استحق دخولها، ومن لم تتوفر فيه دخل النار.. وهكذا، فالهداية الغالية التي هي مفتاح الجنة لها صفات من ظفر بها حلت عليه، ومن لم يظفر بها وقع في أسر الإضلال الذي هو مفتاح لجميع أبواب جهنم.

قال الرجل: ولكن القرآن الكريم ذكر أن الإضلال يقع من الشيطان للإنسان، أو من الإنسان للإنسان، فهو يقول:﴿ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (60)﴾ (المائدة)، وفيه:﴿ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (77)﴾ (المائدة)، وفيه:﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (29)﴾ (الفرقان)

قال الخرائطي: إن الرزق الذي يأتيك من الإنسان لا يعني أن الإنسان هو الرزاق.. والشفاء الذي يأتيك على يد الإنسان لا يعني أنه الطبيب..

قال الرجل: ما تعني بذلك؟

قال الخرائطي: لله تعالى من سلاسل الأسباب التي تقتضيها الحكمة ما ينحجب به الغافلون، ويعرف به العارفون.

قال الرجل: فهل في القرآن ما يدل على أن الله هو الذي عاقب الجاحدين بالإضلال؟

قال الخرائطي: أجل.. فقد أخبر الله تعالى عن موسى u، فقال:﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (يونس:88)

فهذا دعاء من موسى u على فرعون وملئه بعد أن استنفذ كل الوسائل لدعوتهم، وهو يشبه دعاء نوح u على قومه بعد ذلك الجهد العظيم الذي بذله، كما قال تعالى على لسانه:﴿ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالاً ﴾ (نوح:24)، وقال تعالى:﴿ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً﴾ (نوح:28)

وأخبر الله تعالى عن المنافقين ومواقفهم من القرآن الكريم، فقال :﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (التوبة:127)

فهؤلاء المنافقون لانصرافهم عن القرآن الكريم ونفورهم منه عاملهم الله تعالى على مقتضى طبيعتهم، فصرف قلوبهم عن الحق، لأن التكليف يتطلب الطواعية والاختيار، فلذلك من رغب عن الحق رغب الحق عنه، ومثل ذلك قوله تعالى:﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ (الصف:5)

الكذب:

قال رجل من الحاضرين: وعينا أن الجحود يؤدي إلى الإعراض، والإعراض يؤدي إلى الضلال.. فإلى ما يؤدي الضلال؟

قال الخرائطي: يؤدي إلى الكذب والتكذيب.. فمن ضل عن الحق لا شك أنه سيكذب به.. ومن كذب بالحق لاشك أنه سيكذب عليه.

لقد ذكر الله تعالى أن من صفات الضالين التكذيب بآيات الله، فقال:﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (39)﴾ (البقرة)

قال الرجل: فما عاقبة الكذابين المكذبين؟

قال الخرائطي: لقد ذكرها الله تعالى، فقال:﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11)﴾ (آل عمران)، وقال:﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)﴾ (آل عمران)، وقال:﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (10)﴾ (المائدة)، وقال:﴿ وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (5)﴾ (الأنعام)، وقال:﴿ وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (49)﴾ (الأنعام)

وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (عليكم بالصّدق، فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرّجل يصدق ويتحرّى الصّدق حتّى يكتب عند اللّه صدّيقا. وإيّاكم والكذب، فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وما يزال الرّجل يكذب ويتحرّى الكذب حتّى يكتب عند اللّه كذّابا)([10])

وقال: (ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ولا يزكّيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذّاب، وعائل مستكبر)([11])

وقال: (لا تكذبوا عليّ؛ فإنّه من كذب عليّ فليلج النّار)([12])

وقال:(من تحلّم([13]) بحلم لم يره كلّف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرّون منه صبّ في أذنه الآنك([14]) يوم القيامة، ومن صوّر صورة عذّب وكلّف أن ينفخ فيها وليس بنافخ)([15])

قال الرجل: ولكنا قد نضطر أحيانا إلى الكذب؟

قال الخرائطي: إن كان من باب قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس الكذّاب الّذي يصلح بين النّاس فينمي([16]) خيرا أو يقول خيرا)([17]) فنعم.. وإن كان من باب قوله (أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) ([18])  فلا.

قال الرجل: ما تعني؟

قال الخرائطي: لقد ذكر العلماء أن الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكلّ مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه، وإن لم يكن تحصيله إلّا بالكذب، ثمّ إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا كان الكذب مباحا، وإن كان واجبا كان الكذب واجبا.. فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله، أو أخذ ماله، وأخفى ماله، وسئل إنسان عنه وجب الكذب بإخفائه([19]).

قال الرجل: وعيت هذا.. فما علاج الكذب؟

قال الخرائطي: لا يمكن معرفة العلاج قبل معرفة الدواعي والأسباب.

قال الرجل: فما دواعي الكذب، وما أسبابه؟

قال الخرائطي([20]): منها الكذب لاجتلاب النّفع واستدفاع الضّرّ، فيرى الكذّاب أنّ الكذب أسلم وأغنم، فيرخّص لنفسه فيه اغترارا بالخدع، واستشفافا للطّمع.

ومنها أنه يؤثر أن يكون حديثه مستعذبا، وكلامه مستظرفا، فلا يجد صدقا يعذب ولا حديثا يستظرف، فيستحلي الكذب الّذي ليست غرائزه معوزة، ولا طرائفه معجزة.

ومنها أن يقصد بالكذب التّشفّي من عدوّه فيسمه بقبائح يخترعها عليه، ويصفه بفضائح ينسبها إليه.

ومنها أن تكون دواعي الكذب قد ترادفت عليه حتّى ألفها، فصار الكذب له عادة، ونفسه إليه منقادة.

ومنها حبّ التّرأّس، وذلك أنّ الكاذب يرى له فضلا على المخبر بما أعلمه، فهو يتشبّه بالعالم الفاضل في ذلك.

قال الرجل: عرفنا الدواعي، فما العلاج؟

قال الخرائطي: علاج الداء بمقاومته.. وعلاج الدواعي بالتخلي عنها.

الخداع:

قال رجل من الحاضرين: فما الهاوية التي يؤدي إليها الكذب؟

قال الخرائطي: أخطر هاوية يؤدي إليها الكذب هي الخداع.. فالكاذب يتصور أن له القدرة على قلب الحقائق.. ولذلك ذكر الله تعالى عن المنافقين توهمهم - لفرط كذبهم على الله - أنهم يخادعونه، قال تعالى :﴿ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (9)﴾ (البقرة)، وقال:﴿ إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142﴾ (النساء)، وقال :﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62)﴾ (الأنفال)

في الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المؤمن غرّ كريم، والفاجر خبّ لئيم)([21])

قال الرجل: فما صور الخداع؟

قال الخرائطي: كثيرة.. لا يمكن حصرها، فهي تشمل جميع مناحي الحياة..

قال الرجل: لا مناص لك من ذكر بعضها لنا، لنستدل بما ذكرت على ما لم تذكر.

قال الخرائطي: لقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض صور الخداع، فقال: (لا يتلقّى الرّكبان لبيع([22])، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ولا تناجشوا([23])، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصرّوا الإبل والغنم([24]).. فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النّظرين، بعد أن يحلبها فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردّها، وصاعا من تمر)([25])

وقال: (ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السّبيل. ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له باللّه لأخذها بكذا وكذا فصدّقه، وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلّا لدنيا، فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يف)([26])

الغش:

قال رجل من الحاضرين:وعينا هذا.. فهل هناك هاوية غيرها؟

قال الخرائطي: أجل.. هناك هاوية الغش.. لقد ذكر الله الغاشين، فقال:﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)﴾  (المطففين)

وفي الحديث عن أنس قال: كنّا جلوسا عند رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (يطلع عليكم الآن من هذا الفجّ رجل من أهل الجنّة.. الحديث وفيه : فما بلغ بك ما قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: ما هو إلّا ما رأيت. قال: فانصرفت عنه، فلمّا ولّيت دعاني فقال: ما هو إلّا ما رأيت غير أنّي لا أجد في نفسي على أحد من المسلمين غشّا، ولا أحسده على خير أعطاه اللّه إيّاه. فقال عبد اللّه: (فهذه الّتي بلغت بك، وهي الّتي لا نطيق)([27])

ومرّ صلى الله عليه وآله وسلم على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا. فقال: (ما هذا يا صاحب الطّعام؟) قال: أصابته السّماء يا رسول اللّه. قال: (أفلا جعلته فوق الطّعام كي يراه النّاس؟ من غشّ فليس منّي)([28])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من عبد يسترعيه اللّه رعيّة، يموت يوم يموت وهو غاشّ لرعيّته إلّا حرّم اللّه عليه الجنّة)([29])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا): الإشراك باللّه، وعقوق الوالدين وشهادة الزّور (أو قول الزّور)، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم متّكئا فجلس. فما زال يكرّرها حتّى قلنا ليته سكت)([30])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم في خطبته: (ألا إنّ ربّي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني يومي هذا. كلّ مال نحلته عبدا، حلال. وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم. وإنّهم أتتهم الشّياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانا. وإنّ اللّه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلّا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء([31]) تقرؤه نائما ويقظان. وإنّ اللّه أمرني أن أحرّق قريشا. فقلت: ربّ إذا يثلغوا رأسي([32]) فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك. واغزهم نغزك([33]) وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشا نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال: وأهل الجنّة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدّق موفّق. ورجل رقيق القلب لكلّ ذي قربى ومسلم. وعفيف متعفّف ذو عيال. قال: وأهل النّار خمسة: الضّعيف الّذي لا زبر له، الّذين هم فيكم تبعا لا يتبعون أهلا ولا مالا. والخائن الّذي لا يخفى له طمع وإن دقّ إلّا خانه. ورجل لا يصبح ولا يمسي إلّا وهو يخادعك عن أهلك ومالك. وذكر البخل أو الكذب (والشّنظير([34])الفحّاش)([35])

وفي الحديث أن أأن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن تتلقّى السّلع حتّى تبلغ الأسواق([36]).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يتلقّى الرّكبان لبيع ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصرّوا الإبل والغنم. فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النّظرين، بعد أن يحلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردّها وصاعا من تمر)([37])

الافتراء:

قال رجل من الحاضرين:وعينا هذا.. فهل هناك هاوية غيرها؟

قال الخرائطي: أجل.. هناك هاوية الافتراء.. لقد ذكر الله تعالى أهل هذه الهاوية، فقال:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24)﴾ (آل عمران)، وقال:﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103)﴾ (المائدة)، وقال:﴿ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)﴾ (الأنعام)، وقال:﴿ إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (105)﴾ (النحل)

وأخبر تعالى أن أكبر الظلم افتراء الكذب على اللّه وعلى النبيين وعلى الصالحين، فقال:﴿ كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94)﴾ (آل عمران)، وقال:﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (48) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50)﴾ (النساء)، وقال:﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)﴾ (الأنعام)

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن عظم جرم المفترين، فقال: (إنّ أعظم النّاس فرية، لرجل هاجى رجلا، فهجا القبيلة بأسرها، ورجل انتفى من أبيه، وزنّى([38]) أمّه)([39])، وقال: (إنّ من أعظم الفرى أن يدّعى الرّجل إلى غير أبيه، أو يري عينه ما لم تره، أو يقول على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يقل)([40])، وقال: (ليس من رجل ادّعى لغير أبيه- وهو يعلمه- إلّا كفر باللّه، ومن ادّعى قوما ليس له فيهم نسب فليتبوّا مقعده من النّار)([41])، وقال: (من تحلّم بحلم لم يره كلّف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرّون منه صبّ في أذنه الآنك يوم القيامة، ومن صوّر صورة عذّب وكلّف أن ينفخ فيها، وليس بنافخ)([42])

الغدر:

قال رجل من الحاضرين:وعينا هذا.. فهل هناك هاوية غيرها؟

قال الخرائطي: أجل.. هناك هاوية الغدر.. لقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم الغدر من صفات المنافقين، فقال: (أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)([43])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (قال اللّه: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثمّ غدر، ورجل باع حرّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره)([44])

وقال: (لكلّ غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره. ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامّة)([45])

وقال: (من أمّن رجلا على دمه فقتله فإنّه يحمل لواء غدر يوم القيامة)([46])

وقال: (ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة)([47])

وقال: (ألا من قتل نفسا معاهدا له ذمّة اللّه وذمّة رسوله فقد أخفر بذمّة اللّه فلا يرح رائحة الجنّة، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا)([48])

وقال: (خيركم قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم )- قال عمران: لا أدري أذكر النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد قرنين أو ثلاثة- إنّ بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السّمن([49])([50]) 

وقال: شهدت حلف المطيّبين مع عمومتي وأنا غلام فما أحبّ أنّ لي حمر النّعم وأنّي أنكثه) قال الزّهريّ قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (لم يصب الإسلام حلفا إلّا زاده شدّة، ولا حلف في الإسلام) وقد ألّف رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بين قريش والأنصار)([51])

وقال: (من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشدّ عقدة، ولا يحلّها حتّى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء)([52])

وقال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم: يسعى بذمّتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يردّ مشدّهم على مضعفهم، ومتسرّعهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده)([53])

وقال: (من أعطى بيعة ثمّ نكثها لقي اللّه وليست معه يمينه)([54])

وقال: (من خرج من الطّاعة، وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهليّة([55])، ومن قاتل تحت راية عمّيّة([56]) يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة. أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهليّة، ومن خرج على أمّتي يضرب برّها وفاجرها ولا يتحاش  من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منّي ولست منه)([57])

وكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمّر أميرا على جيش أو سريّة، أوصاه في خاصّته بتقوى اللّه ومن معه من المسلمين خيرا. ثمّ قال: (اغزوا باسم اللّه في سبيل اللّه. قاتلوا من كفر باللّه. اغزوا ولا تغلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليدا)([58])

وعن جابرقال: لمّا رجعت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم مهاجرة البحر قال: (ألا تحدّثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟) قال فتية منهم: بلى يا رسول اللّه! بينا نحن جلوس، مرّت بنا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلّة من ماء. فمرّت بفتى منهم. فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثمّ دفعها: فخرّت على ركبتيها. فانكسرت قلّتها. فلمّا ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم، يا غدر إذا وضع اللّه الكرسيّ، وجمع الأوّلين والآخرين، وتكلّمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك، عنده غدا. قال: يقول رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (صدقت. صدقت. كيف يقدّس اللّه أمّة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم)([59])

***

بقينا مع الخرائطي أياما معدودات يعلمنا فيها أسرار الجحود وأركانه وآثاره، ويستعمل في التنفير عنه كل ما آتاه الله من العلم والحكمة..

وبعد أن رأى أن المحيطين به قد فقهوا عنه ما أراد أن يبلغهم إياهم ويدربهم عليه، طلب منهم أن يسيروا للقسم الثاني من أقسام المدرسة.

ثانيا ـ الأنا

بعد أن انتهينا من الدراسة في القسم الأول، وبعد أن رأيت تأثير التعاليم التي بثها الخرائطي في نفوس السامعين..سرت مع أهل السوق إلى القسم الثاني، وكان اسمه (قسم الأنا)، وقد عرفنا أن شيخه هو أبو بكر الآجري([60])، وأن له – كسميه – مصنفات في الأخلاق منها (أخلاق حملة القرآن)، و(أخلاق العلماء)، و(أدب النفس)، و(كتاب أهل البر والتقوى)، و(كتاب التوبة)، و(كتاب التهجد)، وغيرها كثير.

وقد سألنا الآجري عن سر تسمية هذا القسم بهذا الاسم، وسر كونه هو القسم الثاني التالي لقسم الجحود، فقال: إن أول ما يتصف به من جحد مولاه هو تضخم أناه.. وإن أول كلمة ينطق بها من نسي الله هي كلمة أنا..

قال له بعض الحاضرين: ولكن أنا هي أول لفظة يعبر بها الإنسان عن نفسه.. فهل ترى الإنسان آثما بنطقه بها؟

قال الآجري: في الخلق من يقول (أنا) لمجرد التعرف والتعريف، ويستعملها كما يستعمل جميع الضمائر منفصلة ومتصلة لا يشعر بالتغاير بينها ولا يعتقد أن أنا أفضل من أنت، أو أنا خير من هو أو هم.

وفي الخلق من يستعملها كأداة يمحو بها غيره، ويخضع بها رقاب غيره، يقولها ملء فيه، ويتصور أنها كافيه بمجرد نطقه بها أن يسجد لها الخلق، وأن يسمعوا ويطيعوا، أو يسبحوا ويكبروا.

قال الرجل: فما الفرق بين الأول والثاني؟

قال الآجري: الأول يشعر أنه جزء من كل، وفرد في مجموع، وواحد من عدد ضخم يتشكل منه بنيان الكون، أما الثاني فيعتقد أنه هو الكل، وغيره فروع لخدمته، وأنه هو المجموع وغيره شتات يتوحدون فيه، وأنه هو الواحد وغيره أصفار عن يساره و يمينه يتشكل منه عدده.

الأول يرى نفسه وغيره، ويسمع الأصوات جميعا، وبكل موجاتها، وينمحي في الآخرين كما ينمحون فيه، ويحبهم ويتفاعل في حياته معهم، أما الثاني فلا يرى إلا نفسه، ولا يسمع إلا حسه أومن  ضبطت موجاته بحسب ترددات حسه، ولا يعرف الصفر وجوده لأن الصفر غيره.

الأول إذا مشى لم تشعر به الأرض،ولم يتحرك له النسيم، ولم تهرب الطيور من أوكارها ولا النمل إلى قراها ولم تهتز صفحة الماء وهو يطالعها بوجنته، أما الثاني فتندك الأرض من تحته، ويتخلخل السحاب من فوقه، وتفر النسور من قمم الجبال إن نظر إليها، وترتفع أمواج البحار إن طالعها بصفحته كالقمر يمدها ويسحبها.

قال الرجل: فالأنا الآثمة هي الأنا الثانية إذن؟

قال الآجري: أجل.. إنها الأنا التي تمتلئ عجبا بنفسها، ثم يفيض عجبها كبرا على غيرها.

لقد ضرب القرآن الكريم النماذج عن هذه الأنا الآثمة.. وأولها وسابقها إبليس.. ذلك الذي رفض طاعة الله بالسجود لآدم، فعندما قال الله له :﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين ﴾ ٍ(الأعراف:12)

ومن ذلك الحين بدأ التعاظم بالذات، وبدأ الانفصال عن الكون المتكامل المتوازن، وورث خلق كثير من بني آدم هذه الكلمة وتعاظموا بها وتاهوا وأسسوا المعابد والقصور لتعبد ذواتهم، لأن الدماء الإلهية تسري في عروقهم،  وشيدوا التماثيل ونشروا صورهم في كل المحلات وعلقوها على جميع الجدران، وقتلوا كل ذبابة تطن أثناء حديثهم، وقطعوا حبال كل من رفع صوته أمامهم، وأنشأوا دور الأمن المختلفة لتقوم بما يجب في حقهم من تشريفات وتعظيمات وتبجيلات.

والقرآن الكريم يقص علينا من أنباء هؤلاء.. ومنهم ﴿ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) ﴾ (البقرة)

والقرآن الكريم يشير بهذا إلى السذاجة التي يقع فيها هؤلاء المتعاظمين بأنفسهم حين يصدقون أنهم ـ حقيقة ـ آلهة ما دام الملك بأيديهم ورقاب الخلق بين أيديهم يقتلون من يشاءون ويحيون من يريدون بدون معارضة ولا محاسبة.

وهذا التعاظم يحجب عن أعينهم مظاهر القصور الكثيرة التي تحيط بجميع ذواتهم، ولهذا قبل هذا الملك المناظرة مع إبراهيم u لأنه كان يظن أن ألوهيته أمر بديهي لا يناقش فيه، وتصوير دهشته وحيرته عندما واجهه إبراهيم u بالشمس يدل على أنه لم يكن يراها كما يراها سائر الناس لأنه كان مشغولا بنفسه، ولا يرى غيره إلا أصفارا يعكفون على التسبيح له.

والقرآن الكريم يذكر نموذجا آخر لتعاظم الأنا يفصل في ذكره تفصيلا لم يحظ به اسم كافر غيره، هو فرعون حيث ذكر اسمه في القرآن الكريم في سبعة وستين موضعا، وهذا النموذج تنطبق عليه نفس صفات النموذج السابق إلا أن القرآن الكريم يفسر سبب مرضه، وينص عليه في قوله تعالى :﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) ﴾ (الزخرف)

ففسق قومه وخفة عقولهم وطاعتهم المطلقة له وقابليتهم لألوهيته هي التي جعلته يصدق حقيقة أنه إله ينبغي أن يعبد، ولهذا كان يصيح فيهم دائما بخطبة واحدة تكفي مبررا لأي أمر يصدره هي :﴿.. أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾ (النازعات)

وعندما جاءه موسى u يدعوه إلى الله ويعرفه بأنه رسول رب العالمين تعجب أن يكون هناك إله غيره فسأله:﴿.. وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23)﴾ (الشعراء)

وعندما أراهم موسى u كل الحجج نهض فرعون يصيح في قومه وهو يتصور أن كلماته وحدها تكفي لتقرير ما يقول ونسف جميع معجزات موسى u :﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)﴾ (القصص)، وهذه هي السذاجة التي يتحلى بها كل من يعظم أناه ويمحو غيره.

لقد كان يتصور أنه إن وجد إله آخر فلن يعدو كونه صاحب سرير مثل سريره أو تاج مثل تاجه، مثلما تتصور الخلائق جميعا من أصحاب الملل المنحرفة آلهتها عندما تطبعها بطابع القومية والعرقية والأرض وتغرق ربها في مستنقعات من الأساطير لتعبد ذاتها من خلال ربها، وتنزل ربها من علياء وجوده ليرفع رايتها ويصيح بشعاراتها ويفكر بتفكيرها.

ويصور القرآن الكريم أسلوب هؤلاء المتعاظمين مع كل من يقيم عليهم الحجة، وهو أسلوب واحد في مختلف فترات التاريخ وإن تعددت أشكاله، وهو ما صاح به فرعون في وجه موسى u :﴿ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)﴾ (الشعراء)، ثم يتوجه إلى الملأ من قومه ناصحا في غاية التواضع :﴿ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)﴾ (غافر)، والفساد الذي يعنيه فرعون هنا هو أن يتحول غيره أرقاما ويصير هو جزءا من كل.

والقرآن الكريم يخبرنا بذلك التهديد ومحاولة تنفيذه ليبين سذاجة التفكير الناتج عن كسل عقل المتعاظم الذي لا يرى غيره ولا يستفيد من غيره،  والذي يحول بينه وبين الصبر على أي مناظرة أو التنازل لقبول أي  حجة.

ولهذا نرى في جميع مواطن الحوار بين المؤمنين وغيرهم في القرآن الكريم الكفار يقطعون الحوار بإثارة الشغب والتهديد بالقتل والرجم أو بممارسة القتل نفسه، فإبراهيم u يقطع حواره الرقيق مع والده بهذا التهديد الخطير :﴿ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) ﴾ (مريم)، والرجل الذي جاء قومه يسعى في سورة يس يقطع حواره بقتله ليستأنف القرآن الكريم ذكر تتمة حديثه بعد موته، ومؤمن آل فرعون قطع حواره الطويل البليغ بما يشير إلى محاولة قتله، كما قال تعالى :﴿ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45)﴾ (غافر)

والقرآن الكريم يبين أن ذلك التيه بالذات قد لا يكون بسبب ملك عريض أو عرش عظيم، بل قد يتيه الإنسان ببستان يملكه يمحو من خلاله غيره ويتعاظم عليهم، كما قال تعالى عن صاحب الجنتين :﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34)﴾ (الكهف)

بل قد يقول هذا الضمير البسطاء من الخدم والسقاة لمعارف بسيطة يعلمونها أو يدعونها كما قال تعالى عن أحد صاحبي يوسف u في السجن :﴿ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45)﴾ (يوسف)، ولهذا أنكر عليه الحسن البصري، وقال: كيف ينبئهم العلج؟!، بل في القرآن الكريم ما يشير إلى هذا الإنكار عندما طلب منه يوسف u أن يذكره عند ربه فنسي، فمن اللؤم نسيان نبي عرف صديقيته وإحسانه وبشره بنجاته.

ولهذا نرى أن كل من قال أنا في القرآن الكريم من الكفرة يقولها متعاظما مهما اختلف نوع تعاظمه.

قال رجل من الحاضرين: ولكن القرآن يذكر أن المؤمنين يقولون هذه الكلمة.. بل إن الله تعالى يأمر رسوله بأن يقولها.. ألم تسمع قوله تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم :﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾ (الأعراف)

قال الآجري: إن الله تعالى يأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية الكريمة أن ينفي ادعاء أي ملكية لنفع يجلبه لنفسه أو ضر يمنعها منه إلا بما يسره الله له من قوى، وينفي عنه ادعاء الغيب، ويأمره أن يقول في تواضع :﴿ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

وبمثل ذلك يأمره في آية أخرى أن يخبرهم بأنه بشر مثلهم آتاه الله الرسالة، وأما الله تعالى فواحد، وأن لقاء الله مرتبط بأعمالهم التوحيدية المحضة لينفي عنهم أي ظن في نسبة الألوهية له كما نسبها النصارى للمسيح صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى :﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾ (الكهف)

وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول هذه الكلمات التي تفيض بالتواضع لقوم عتاة متكبرين يتصورون أن مقامهم الرفيع يستدعي إنزال ملائكة أويستدعي خطابا مباشرا من الله بل رؤية مباشرة له، قال تعالى :﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)﴾ (الفرقان)

وكانوا يقولون له صلى الله عليه وآله وسلم في تعاظم إذا أمرهم بالسجود للرحمن :﴿ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)﴾ (الفرقان)

العجب:

قال رجل من الحاضرين: وعينا هذا.. ووعينا خطورته.. فحدثنا عن الصنم الأول من أصنام الأنا.. ذلك الذي سميته العجب([61]).

قال الآجري: العجب هو ذلك الصنم الذي ذكره الله تعالى، فقال :﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾ (التوبة)

وذكر نموذجا آخر له، فقال:﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (33) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (35) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (36)﴾ (الكهف)

وذكر نموذجا آخر له، فقال:﴿ قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)﴾ (القصص)

وذكر مآل أمره في الدنيا، فقال:﴿:﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (2)﴾ (الحشر)

وذكر مآل أمره في الآخرة، فقال:﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (105) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106)﴾ (الكهف)

وهو الصنم الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر منه، العجب)([62])

وقال: (بينما رجل يمشي في حلّة تعجبه نفسه، مرجّل جمّته([63])، إذ خسف اللّه به، فهو يتجلجل([64]) إلى يوم القيامة)([65])

بل اعتبره صلى الله عليه وآله وسلم حجابا من الحجب الحائلة بين العقول وقبول الحق، فعندما سئل عن قوله تعالى :﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ (المائدة: 105) قال: (بل ائتمروا بمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيت شحّا مطاعا، وهوى متّبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه فعليك- يعني بنفسك- ودع عنك العوامّ، فإنّ من ورائكم أيّام الصّبر، الصّبر فيه([66]) مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله)([67])

قلنا: عرفنا التحذير، ولكنا لم نعرف المحذر منه.. فما العجب؟

قال الآجري([68]): العجب هو السرور والفرح بالنفس وبما يصدر عنها من أقوال أو أعمال من غير تعد أو تجاوز إلى الآخرين من الناس، سواء أكانت هذه الأقوال وتلك الأعمال خيراً أو شراً، محمودة أو غير محمودة.. فإن كان هناك تعد أو تجاوز إلى الآخرين من الناس باحتقار أو استصغار ما يصدر عنهم فهو الغرور أو شدة الإعجاب.. وإن كان هناك تعد أو تجاوز إلى الآخرين من الناس باحتقارهم في أشخاصهم وذواتهم والترفع عليهم فهو التكبر أو شدة الإعجاب.

قال الرجل: فقد آل أمر الكبر إلى العجب؟

قال الآجري: أجل.. فلولا العجب ما كان الكبر..

قال الرجل: فحدثنا عن البذور التي تنبت شجرة العجب في النفس.

قال الآجري: لاشك أن أولها هو تلك النشأة الأولى التي يربى الإنسان عليها.. فقد ينشأ الإنسان بين أبوين يلمس منهما أو من أحدهما حب المحمدة ودوام تزكية النفس والاستعصاء على النصح والإرشاد ونحو ذلك من مظاهر الإعجاب فيحاكيهما، وبمرور الزمن يتأثر بهما ويصبح الإعجاب بالنفس جزء من شخصيته إلا إذا أنقذه الله منه.

ومنها الجهل بحقيقة النفس.. ذلك أن الإنسان إذا غفل أو جهل حقيقة نفسه،  وأنها من ماء مهين، وأن النقص دائماً طبيعتها وسمتها، وأن مردها أن تلقى في التراب،  فتصير جيفة منتنة،  تنفر من رائحتها جميع الكائنات..  إذا غفل الإنسان أو جهل ذلك كله ربما خطر بباله أنه شئ،  ويقوى الشيطان فيه هذا الخاطر حتى يصير معجباً بنفسه.. ولعل هذا هو السر في حديث القرآن و السنة المتكرر عن حقيقة النفس الإنسانية بدءاً،  ونهاية.

ومنها صحبة المعجبين بأنفسهم.. ذلك أن الإنسان شديد المحاكاة والتأثر بصاحبه لا سيما إذا كان هذا الصاحب قوى الشخصية ذا خبرة ودارية بالحياة وكان المصحوب غافلا على سجيته يتأثر بكل ما يلقى عليه وعليه، فإذا كان الصاحب مصابا بداء الإعجاب، فإن عدواه تصل إلى قرينه فيصير مثله.

ومنها الوقوف عند النعمة ونسيان المنعم.. فمن الناس من إذا حباه الله نعمة من مال أو علم أو قوة أو جاه أو نحوه وقف عند النعمة ونسى المنعم وتحت تأثير بريق المواهب وسلطانها تحدثه نفسه أنه ما أصابته هذه النعمة إلا لما لديه من الكرامة.. ولا يزال هذا الحديث يلح عليه حتى يرى أنه بلغ الغابة أو المنتهي ويسر ويفرح بنفسه وبما يصدر عنها ولو كان باطلا.

ومنها الإطراء والمدح في الوجه دون مراعاة للآداب الشرعية المتعلقة بذلك.. ذلك أن هناك فريقا من الناس إذا أطرى أو مدح في وجهة دون تقيد بالآداب الشرعية في هذا الإطراء وذلك المدح اعتراه - لجهله بمكائد الشيطان - خاطر يقول له: إنك ما مدحت إلا لما تملك من المواهب.. وما يزال هذا الخاطر يلاحقه ويلح عليه حتى يصاب بالإعجاب بالنفس..

ولهذا ورد في النصوص المقدسة النهي عن المدح في الوجه، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)([69])

وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة، فقال: (أهلكتم - أو قطعتم - ظهر الرجل)([70]) 

قال الرجل: فما الثمار التي تنتجها هذه الشجرة المنتنة؟

قال الآجري: كثيرة جدا هي الثمار المسمومة التي تنتجها تلك البذرة الخبيثة..

لعل أولها هو الوقوع في شراك الغرور والتكبر.. ذلك أن المعجب بنفسه كثيراً ما يؤدى به الإعجاب إلى أن يهمل نفسه، ويلغيها من دفتر التفتيش والمحاسبة.. وبمرور الزمن يستفحل الداء،  ويتحول إلى احتقار واستصغار ما يصدر عن الآخرين، وذلك هو الغرور، أو يتحول إلى الترفع عن الآخرين، واحتقارهم في ذواتهم وأشخاصهم، وذلك هو التكبر.

ومنها الحرمان من التوفيق الإلهي.. ذلك أن المعجب بنفسه كثيراً ما ينتهي به الإعجاب إلى أن يقف عند ذاته،  ويعتمد عليها في كل شئ ناسياً أو متناسياً خالقه وصانعه ومدبر أمره والمنعم عليه بسائر النعم الظاهرة و الباطنة، ومثل هذا يكون مآله الخذلان وعدم التوفيق في كل ما يأتي وفي كل ما يدع،  لأن سنة الله تعالى مضت بأنه لا يمنح التوفيق إلا لمن تجردوا من ذواتهم، واستخرجوا منها حظ الشيطان، بل ولجأوا بكليتهم إليه، تبارك اسمه وتعاظمت آلاؤه،  وقضوا حياتهم في طاعته وخدمته،  كما قال تعالى في كتابه الكريم:﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت)، وكما ورد في الحديث القدسي:(.. وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه،  فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها،  ورجله التي يمشى بها،  وإن سألني لأعطينه،  ولئن استعاذ بي لأعيذنه)([71])

 ومنها الانهيار في أوقات المحن و الشدائد.. ذلك أن المعجب بنفسه كثيراً ما يهمل نفسه من التزكية والتزود بزاد الطريق، ومثل هذا ينهار ويضعف مع أول شدة أو محنة يتعرض لها،  لأنه لم يتعرف على الله في الرخاء حتى يعرفه في الشدة،  كما قال تعالى:﴿ ِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)﴾ (النحل)، وقال :﴿.. وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم :( احفظ الله تجده أمامك،  تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة..)([72])

ومنها النفور من الآخرين..  ذلك أن المعجب بنفسه قد عرَّض نفسه بصنيعه هذا لبغض الله له، ومن أبغضه الله أبغضه أهل السموات، ثم يوضع له البغض في الأرض،  فترى الناس ينفرون منه،  ويكرهونه ولا يطيقون رؤيته، بل ولا سماع صوته.. لقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا، فقال:( إن الله إذا أحب عبداً،  دعا جبريل فقال : إني أحب فلاناً فأحبَّه،  قال: فيحبه جبريل،  ثم ينادى في السماء فيقول : إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء،  قال : ثم يوضع له القبول في الأرض،  وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول : إني أبغض فلاناً فأبغضْه،  قال فيبغضه جبريل،  ثم ينادى في أهل السماء،  إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه،  قال : فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض)([73]) 

ومنها العقاب أو الانتقام الإلهي عاجلاً أو آجلاً.. ذلك أن المعجب بنفسه قد عرَّض نفسه بهذا الخلق إلى العقاب والانتقام الإلهي عاجلاً بأن يصاب بالقلق والتمزق والاضطراب النفسي وغيرها من ألوان العقوبات العاجلة،  أو آجلاً بأن يعذب في النار مع المعذبين.. لقد جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين هذين النوعين من العقوبات، فقال :( بينما رجل يمشى في حلة تعجبه نفسه،  مرجِّل جمَّته([74]) إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة)([75])

قال الرجل: وعينا هذا.. فما المنشار الذي نقطع به جذور هذه الشجرة؟

قال الآجري: هذه الشجرة لا تقطع، وإنما توجه بذورها التوجيه الصحيح لتنتج الثمار الصحيحة.

قال الرجل: فبم توجه؟.. وكيف توجه؟

قال الآجري: أولها تذكر الإنسان دائماً لحقيقة نفسه،  فإذا علم المعجب بنفسه أن نفسه التي بين جنبيه لولا ما فيها من النفخة الإلهية ما كانت تساوى شيئاً، فقد خلقت من تراب تدوسه الأقدام،  ثم من ماء مهين يأنف الناظر إليه من رؤيته،  وسترد إلى هذا التراب مرة أخرى،  فتصير جيفة منتنة،  يفر الخلق كلهم من رائحتها،  وهي بين البدء والإعادة تحمل في بطنها الفضلات ذات الروائح الكريهة،  ولا تستريح ولا تهدأ إلا إذا تخلصت من هذه الفضلات.

إن مثل هذا التذكر يساعد كثيراً في ردع النفس،  وردها عن غيها،  واقتلاع داء الإعجاب منها،  بل وحمايتها من التورط فيه مرة أخرى.

وقد لفت أحد الصالحين النظر إلى هذه الوسيلة حين سمع معجباً بنفسه قائلاً :( أتعرف من أنا؟) فرد عليه بقوله: (نعم : أعرف من أنت،  لقد كنت نطفة مذرة، وستصير جيفة قذرة،  وأنت بين هذا وذاك تحمل العذرة)

وقد ذكر بعض الشعراء هذا المعنى، وأحسن، فقال:

يا مظهر الكبر إعجابا بصورته  ‍
لو فكّر النّاس فيما في بطونهم  ‍
هل في ابن آدم مثل الرّأس مكرمة  ‍
أنف يسيل وأذن ريحها سهك  ‍
يا بن التّراب ومأكول التّراب غدا

  انظر خلاك فإنّ النّتن تثريب
  ما استشعر الكبر شبّان ولا شيب
  وهو بخمس من الأقذار مضروب
  والعين مرفضّة والثّغر ملعوب
  أقصر فإنّك مأكول ومشـــــــروب

قال آخر: علمنا هذا.. فهل هناك بلسم غيره؟

قال الآجري: أجل.. تذكر حقيقة الدنيا والآخرة.. فإذا عرف المعجب بنفسه أن الدنيا مزرعة للآخرة، وأنه مهما طال عمر الدنيا فإنها إلى زوال،  وأن الآخرة هي الباقية،  وأنها هي دار القرار.. إذا عرف هذه الحقائق فإنه لا شك سيعدل من سلوكه،  ويقوم عوج نفسه،  قبل أن تنتهي الحياة،  وقبل أن تضيع الفرصة،  ويفوت الأوان.

قال آخر: فما غيره؟

قال الآجري: تذكر النعم التي تغمر الإنسان،  وتحيط به من كل الجهات، كما قال تعالى:﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)﴾ (النحل)، وقال تعالى :﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً.. (20)﴾ (لقمان)

إن هذا التذكر من شأنه أن يشعر الإنسان بضعفه وفقره،  وحاجته إلى الله دائماً،  وبالتالي يطهر نفسه من داء الإعجاب،  بل ويقيه أن يبتلى به مرة أخرى.

قال آخر: وعينا هذا.. فما غيره؟

قال الآجري: التفكر في الموت وما بعده من منازل ومن شدائد وأهوال،  فإن ذلك كفيل باقتلاع الإعجاب من النفس،  بل وتحصينها ضده،  لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

قال آخر: وعينا هذا.. فما غيره؟

قال الآجري: دوام الاستماع أو النظر في كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودوام حضور مجالس العلم،  لاسيما تلك التي تدور حول علل النفس وطريق الخلاص منها،  فإن أمثال هذه المجالس كثيراً ما تعين على تطهير النفس، بل وصيانتها.

قال آخر: وعينا هذا.. فما غيره؟

قال الآجري: الاطلاع على أحوال المرضى وأصحاب العاهات بل و الموتى،  لاسيما في وقت غسلهم وتكفينهم ودفنهم، ثم زيارة القبور بين الحين والحين والتفكر في أحوال أهلها ومصيرهم،  فإن ذلك يحرك الإنسان من داخله،  ويحمله على اقتلاع العجب ونحوه من كل العلل والأمراض النفسية أو القلبية.

قال آخر: وعينا هذا.. فما غيره؟

قال الآجري: تعريض النفس بين الحين والآخر لبعض المواقف التي تقتل كبرياءها وتضعها في موضعها الصحيح،  كأن يقوم صاحبها بخدمة إخوانه الذين هم أدنى منه في المرتبة،  أو أن يقوم بشراء طعامه من السوق،  وحمل أمتعته بنفسه.

الكبر:

قال رجل من الحاضرين: وعينا هذا فحدثنا عن الصنم الثاني من أصنام الأنا.. ذلك الذي سميته الكبر.

قال الآجري([76]): التكبر هو إظهار الإنسان إعجابه بنفسه بصورة تجعله يحتقر الآخرين في أنفسهم وينال من ذواتهم ويترفع عن قبول الحق منهم.

قال الرجل: ففرح الإنسان المجرد بما عنده ليس كبرا؟

قال الآجري: هو ليس كبرا، ولكنه قد يصير عجبا.. وقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:( لا يدجل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة؟ قال: (إن الله جميل يحب الجمال.. الكبر بطر الحق([77]) وغمط الناس([78]) )([79])

قال الرجل: أليس التكبر هو العزة؟

قال الآجري: التكبر هو العزة بالباطل، وهي التي أشار إليها قوله تعالى:﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)﴾ (البقرة)، وقوله تعالى :﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)﴾ (النساء)

وقد تكون هناك عزة بالحق.. وهي العزة التي أشار إليها قوله تعالى:﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾ (فاطر)

وقد جمع الله بينهما في قوله تعالى :﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)﴾ (المنافقون)

قال الرجل: فما البذور التي تنبت منها شجرة الكبر؟

قال الآجري: جميع البذور التي تنبت منها شجرة العجب تنبت منها شجرة الكبر.. فليس الكبر إلا ثمرة من ثمار العجب..

قال الرجل: ولكن الكبر غير العجب.. وهذا يعني أن للكبر مياهه الخاصة التي تسقيه.

قال الآجري: صدقت..

قال الرجل: فاذكر لنا منها ما نعرف به منابع الكبر من نفوسنا.

قال الآجري: من ذلك اختلال معايير التفاضل عند الناس..

قال الرجل: متى يكون ذلك.. وما علاقته بالكبر؟

قال الآجري: يحصل ذلك إذا ساد الجهل في الناس إلى حد اختلال القيم أو معايير التفاضل عندهم، فتراهم يفضلون صاحب الدنيا، ويقدمونه حتى لو كان عاصياً أو بعيداً عن الله، في الوقت الذي يحتقرون فيه البائس المسكين الذي أدارت الدنيا ظهرها له حتى وإن كان طائعاً ملتزماً بهدى الله، ومن يعيش في هذا الجو قد يتأثر به.. ويتجلى هذا التأثر في احتقار الآخرين و الترفع عليهم.

وقد ألمح القرآن الكريم إلى هذا الباعث، فقال:﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56)﴾ (مريم)، وقال:﴿ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37)﴾ (سبأ)

وقد روي في الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم  مر على رجل، فقال لأصحابه: ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: نقول هو من أشرف الناس، هذا حري إن خطب أن يخطب، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع لقوله، فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومرَّ رجل آخر، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :ما تقولون في هذا؟ قالوا : نقول والله يا رسول الله، هذا من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب لم ينكح، وإن شفع لا يشفع، وإن قال لا يسمع لقوله، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لهذا خير من ملء الأرض مثل هذا)([80])

قال آخر: وعينا هذا.. فما غيره؟

قال الآجري: مقارنة المتكبر ما رزقه الله من نعمة بما رزقه الآخرين مع نسيان المنعم، ذلك أن من الناس من يحبوه الله - لحكمة يعلمها - بنعم يحرم منها الآخرين، كالصحة والولد والمال والجاه والعلم وحسن الحديث.. وتحت تأثير هذه النعم ينسى المنعم، ويأخذ في الموازنة بين نعمته ونعمة الآخرين فيراهم دونه فيها، وحينئذٍ يحتقرهم ويزدريهم ويضع من شأنهم.. وهذا هو التكبر.

وقد لفت القرآن الكريم النظر إلى هذا السبب من خلال حديثه عن قصة صاحب الجنتين فقال:﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34)﴾ (الكهف)

قال آخر: وعينا هذا.. فما غيره؟

قال الآجري: ظن دوام النعمة وعدم التحول عنها..

قال الرجل: ما معنى هذا؟

قال الآجري: أنتم ترون أن بعض الناس قد تأتيه النعمة من نعم الدنيا، وتحت تأثيرها وبريقها يظن دوامها أو عدم التحول عنها، وينتهي به هذا الظن إلى التكبر أو الترفع أو التعالي على عباد الله، كما قال صاحب الجنتين لصاحبه:﴿.. مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36)﴾ (الكهف)، وكما قال الله عن الإنسان:﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى.. (50)﴾ (فصلت)

قال آخر: وعينا هذا.. فما غيره؟

قال الآجري: السبق.. فبعض الناس يتيح الله له من الفرص ما يسبق به غيره.. وقد يجره النظر إلى سبقه إلى ازدراء اللاحق والنظر إليه نظرة ازدراء واحتقار.

وقد لفت الله تعالى النظر إلى هذا السبب حين بين أن السبق لا يعتبر، ولا قيمة له إلا إذا كان معه الصدق، فقال:﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)﴾ (الحشر)

انظروا كيف لم يعتبر الله مجرد السبق مزية وفضلا، بل ضم إليه الأسباب الحقيقية للتفضيل، ومنها الهجرة والنصرة واتباع سبيل المؤمنين، وحسن الصلة بالله ومعرفة الفضل لذويه وغيرها.

قال آخر: وعينا هذا.. فما غيره؟

قال الآجري: الغفلة عن الآثار المترتبة على التكبر.. فمن غفل عن الآثار الضارة لعلة من العلل، أو آفة من الآفات، فإنه يصاب بها وتتمكن من نفسه، ولا يشعر بذلك إلا بعد فوات الأوان.

قال رجل: وعينا هذا.. فحدثنا عن الألوان التي يظهر بها المتكبر، والملابس التي يلبسها.

قال الآجري: لقد ذكر الله تعالى مظاهر الكبر وألوانه وألبسته، وفصل ذلك تفصيلا طويلا محذرا منه:

ومن ذلك الاختيال في المشية مع لي صفحة العنق وتصعير الخد، قال تعالى:﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9)﴾ (الحج)، وقال: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)﴾ (لقمان)، وقال :﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)﴾ (الحديد)

ومن ذلك الإفساد في الأرض عندما تتاح له الفرصة مع رفض النصيحة، والاستنكاف عن الحق، قال تعالى:﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)﴾ (البقرة)

ومن ذلك التقعر في الحديث، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله عز وجل يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه، كما تخلل البقرة بلسانها)([81])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : (ألا أنبئكم بشراركم؟ هم الثرثارون المتشدقون..)([82])

ومن ذلك محبة أن يسعى الناس إليه، ولا يسعى هو إليهم، وأن يمثلوا له قياماً إذا قدم أو مر بهم، وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( من أحب أن يمتثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)([83])

قال آخر: وعينا هذا.. فحدثنا عن الثمار التي تثمرها شجرة الكبر المسمومة.

قال الآجري: أولها الحرمان من النظر والاعتبار.. فالمتكبر - بترفعه وتعاليه على عباد الله - قد اعتدى من حيث يدرى أو لا يدرى على مقام الألوهية، ومثل هذا لابد له من عقوبات، وأولها الحرمان من النظر والاعتبار، فتراه يمر على آيات الله المبثوثة في النفس والكون، وهو في إعراض تام عنها، قال تعالى:﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾ (يوسف)

ومن حرم النظر والاعتبار كانت عاقبته البوار و الخسران المبين، لأنه سيبقى مقيماً على عيوبه وأخطائه، غارقاً في أوحاله.. لقد ذكر الله ذلك، فقال:﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)﴾ (الأعراف)

قال آخر: عرفنا هذه الثمرة، وعرفنا خطرها.. فهل هناك غيرها؟

قال الآجري: أجل.. هناك ثمرة القلق والاضطراب النفسي.. فالمتكبر يحب - إشباعاً لرغبة الترفع والتعالي أن يحنى الناس رؤوسهم له، وأن يكونوا دوماً في ركابه، ولأن أعزة الناس وكرامهم يأبون ذلك، بل ليسوا مستعدين له أصلاً، فإنه يصاب بخيبة أمل، تكون عاقبتها القلق والاضطراب النفسي، هذا فضلاً عن أن اشتغال هذا المتكبر بنفسه يجعله في إعراض تام عن معرفة الله وذكره، وذلك له عواقب أدناها في هذه الدنيا القلق والاضطراب النفسي.

لقد ذكر الله ذلك، فقال:﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)﴾ (طه)، وقال :﴿ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17) ﴾ (الجن)

قال آخر: عرفنا هذه الثمرة، وعرفنا خطرها.. فهل هناك غيرها؟

قال الآجري: أجل.. هناك ثمرة الملازمة للعيوب والنقائص.. ذلك أن التكبر لظنه أنه بلغ الكمال في كل شئ لا يفتش في نفسه، فيصلح ما هو في حاجة منها إلى إصلاح، ولا يقبل كذلك نصحاً أو توجيهاً أو إرشاداً من الآخرين، ومثل هذا يبقى غارقاً في عيوبه ونقائصه، ملازماً لها إلى أن تنقضي الحياة، ويدخل النار مع الداخلين، قال تعالى:﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)﴾ (الكهف)

قال آخر: عرفنا هذه الثمرة، وعرفنا خطرها.. فهل هناك غيرها؟

قال الآجري: أجل.. هناك ثمرة الحرمان من الجنة.. ذلك أن المتكبر يعتدي بتكبره على مقام الألوهية، ويظل مقيماً على عيوبه ورذائله، ولذلك ستنتهي به الحياة وما حصل خيراً يستحق به ثواباً، فيحرم الجنة، ومن حرم الجنة دخل النار.

وقد امتلأ القرآن الكريم بالآيات التي تقرر العذاب الشديد الذي خصصه الله تعالى للمتكبرين، قال تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)﴾ (الأعراف)، وقال:﴿ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (60)﴾ (غافر)

ومثل ذلك وردت الأحاديث النبوية الكثيرة مخبرة عن الويلات الشديدة التي تنتظر المتكبرين جزاء وفاقا على تكبرهم، ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يقول اللّه سبحانه: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري. من نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنّم)([84])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (احتجّت النّار والجنّة فقالت هذه: يدخلني الجبّارون والمتكبّرون. وقالت هذه: يدخلني الضّعفاء والمساكين. فقال اللّه عزّ وجلّ لهذه: (أنت عذابي أعذّب بك من أشاء) وقال لهذه: (أنت رحمتي أرحم بك من أشاء). ولكلّ واحدة منكما ملؤها)([85])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبر كبّه اللّه لوجهه في النّار)([86])

وقال: (ألا أخبركم بأهل الجنّة؟)، قالوا: بلى، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كلّ ضعيف متضعّف، لو أقسم على اللّه لأبرّه)، ثمّ قال: (ألا أخبركم بأهل النّار؟) قالوا: بلى. قال: (كلّ عتلّ([87]) جوّاظ([88]) مستكبر)([89])

وقال: (إنّ من أحبّكم إليّ وأقربكم منّي مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإنّ أبغضكم إليّ وأبعدكم منّي مجلسا يوم القيامة الثّرثارون والمتشدّقون والمتفيهقون)، قالوا: يا رسول اللّه قد علمنا الثّرثارون والمتشدّقون. فما المتفيهقون؟ قال: (المتكبّرون)([90])

وقال: (ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ولا يزكّيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذّاب، وعائل مستكبر)([91])

وقال: (لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر). قال رجل: إنّ الرّجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: (إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال. الكبر بطر الحقّ([92]) وغمط النّاس([93])([94])

وقال: (من مات وهو بريء من الكبر، والغلول والدّين دخل الجنّة)([95])

وقال: (يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذّرّ في صور الرّجال يغشاهم الذّلّ من كلّ مكان فيساقون إلى سجن في جهنّم يسمّى بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النّار طينة الخبال)([96])

وقال: (أربع في أمّتي من أمر الجاهليّة لا يتركونهنّ([97]): الفخر في الأحساب، والطّعن في الأنساب، والاستسقاء بالنّجوم، والنّياحة)، وقال: (النّائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)([98])

وقال: (أربعة يبغضهم اللّه- عزّ وجلّ: البيّاع الحلّاف، والفقير المختال، والشّيخ الزّاني، والإمام الجائر)([99])

وقال: (بينما رجل يتبختر. يمشي في برديه قد أعجبته نفسه فخسف اللّه به الأرض. فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)([100])

وقال: (لا يزال الرّجل يذهب بنفسه([101]) حتّى يكتب في الجبّارين، فيصيبه ما أصابهم)([102])

وقال: (تخرج عنق من النّار([103]) يوم القيامة لها عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق، يقول: إنّي وكّلت بثلاثة: بكلّ جبّار عنيد، وبكلّ من دعا مع اللّه إلها آخر، وبالمصوّرين)([104])

قال آخر: عرفنا هذه الثمرة، وعرفنا خطرها، وقد ملأتنا مخافة منها.. فهل هناك غيرها، فإن هناك من يخاف من الثمرات العاجلة أكثر من خوفه من الثمرات الآجلة؟

قال الآجري: أجل.. هناك ثمرات كثيرة عاجلة تثمرها ثمرة الكبر..

منها أن المتكبر يبتلى بقلة الأنصار والمحبين الذين قد يستعين بهم على دنياه.. ذلك أن القلوب جبلت على حب من ألان لها الجانب، وخفض لها الجناح، ونظر إليها من دون لا من علٍ، أما من ترفع عليها واحتقرها أو ازدراها ونال منها، فإنها تبغضه وتنفر منه، بل وتحاول الابتعاد عنه، وتكون العاقبة خواء ذات اليد من الأنصار من ناحية، ووقوع الفرقة والتمزق بين من هو نصير وظهير بالفعل من ناحية أخرى.

وقد لفت القرآن الكريم النظر إلى هذا الأثر، وهو يتحدث عن المنافقين فقال:﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5)﴾ (المنافقون)

ومنها حرمان المتكبر من العون الإلهي.. ذلك أن سنة الحق مضت أنه لا يعطى عونه وتأييده إلا لمن هضموا نفوسهم حتى استخرجوا حظ الشيطان منها، والمتكبرون قوم كبرت نفوسهم، ومن كانت هذه صفته، فلا حق له في عون أو تأييد إلهي، قال تعالى يشير إلى هذا:﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)﴾ (آل عمران)

انظروا كيف ربط الله نصره للمؤمنين بحالهم التي كانوا عليها من المسكنة والتواضع وهضم النفس، وكأن هذه الحال إذا انعدمت أو غابت غاب معها العون والتأييد.

قال آخر: وعينا كل هذا.. فحدثنا عن الترياق الذي نداوي به هذا الداء، ونتخلص به من هذه البذرة الخبيثة.

قال الآجري: انظروا في أخبار المتكبرين، كيف كانوا؟ وإلى أي شئ صاروا؟.. ابحثوا عن أخبار النمرود وفرعون وهامان وقارون وأبى جهل وأبى بن خلف وسائر الطغاة والجبارين والمجرمين، في كل العصور والبيئات، فإن ذلك مما يخوف النفس ويحملها على التوبة والإقلاع، خشية أن تصير إلى نفس المصير، وكتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكتب التراجم والتاريخ خير ما يعينكم على ذلك.

قال آخر: وعينا هذا.. فهل من علاج غيره؟

قال الآجري: ذكروا نفوسكم بالعواقب والآثار المترتبة على التكبر، فلعل هذا التذكير يحرك نفوسكم من داخلها، ويحملها على أن تتوب، وتتدارك أمرها قبل ضياع العمر وفوات الأوان.

قال آخر: وعينا هذا.. فهل من علاج غيره؟

قال الآجري: عودوا المرضى، وشاهدوا المحتضرين وأهل البلاء، وشيعوا الجنائز وزوروا القبور، فلعل ذلك يحرككم من داخلكم، ويعيدكم إلى الإخبات والتواضع.

قال آخر: وعينا هذا.. فهل من علاج غيره؟

قال الآجري: انسلخوا من صحبة المتكبرين، وصاحبوا بدلهم المتواضعين المخبتين، فربما تعكس هذه الصحبة بمرور الأيام شعاعها عليكم، وقد كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجالسة ضعاف الناس وفقرائهم، وذوى العاهات منهم، بل ومؤاكلتهم ومشاربتهم.

قال آخر: وعينا هذا.. فهل من علاج غيره؟

قال الآجري: تفكروا في النفس، وفي الكون، وفي كل النعم التي تحيط به من أعلاه إلى أدناه، مَن مصدر ذلك كله ومن ممسكه، وبأي شئ استحقه العباد، وكيف تكون حاله لو سلبت منه نعمة واحدة فضلاً عن باقي النعم.. فإن ذلك التفكر سيحرك النفس لا محالة ويجعلها تشعر بخطر ما هي فيه، إن لم تبادر بالتوبة والرجوع إلى ربها.

واستعينوا على هذا التفكر بحضور مجالس العلم التي يقوم عليها علماء ثقات نابهون، لاسيما مجالس التذكير والتزكية، فإن هذه المجالس لا تزال بالقلوب حتى ترق وتلين وتعود إليها الحياة من جديد.

قال آخر: وعينا هذا.. فهل من علاج غيره؟

قال الآجري: احملوا النفس على ممارسة بعض الأعمال التي يتأفف منها كثير من الناس ممارسة ذاتية ما دامت مشروعة، كأن يقوم المتكبر بشراء طعامه وشرابه وسائر ما يلزمه بنفسه، ويحرص على حمله و المشي به بين الناس، حتى لو كان له خادم، على نحو ما كان يصنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن هذا يساعد كثيراً في تهذيب النفس وتأديبها، والرجوع بها إلى سيرتها الأولى الفطرية، بعيداً عن أي التواء أو اعوجاج.

قال آخر: وعينا هذا.. فهل من علاج غيره؟

قال الآجري: اعتذروا لمن تطاولتم عليه بسخرية أو استهزاء، بل ضعوا خدودكم على التراب عساه يعفو عنكم.. اصنعوا ما صنع أبو ذر مع بلال لما عاب عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعييره بسواد أمه.

***

بقينا مع الآجري أياما معدودات يعلمنا فيها أمراض الأنا، ويستعمل في التنفير عنها كل ما آتاه الله من العلم والحكمة.. وبعد أن رأى أن المحيطين به قد فقهوا عنه ما أراد أن يبلغهم إياهم ويدربهم عليه، طلب منهم أن يسيروا للقسم الثالث.

ثالثا ـ الشحناء

بعد أن انتهينا من الدراسة في القسم الثاني، وبعد أن رأيت تأثير التعاليم التي بثها الآجري في نفوس السامعين، سرت مع أهل السوق إلى القسم الثالث، وكان اسمه (قسم الشحناء)، وقد عرفنا أن شيخه هو علي بن الحسين المسعودي([105]).. وعلمنا أن له كزملائه من العلماء من المصنفات ما أثبت به تضلعه في علوم الأخلاق، وقد أضاف إلى ذلك علمه بالتاريخ وأحوال الأمم وما مر بها من قوة وضعف.. وقد رشحه كل ذلك لأن يتولى رئاسة التدريس في هذا القسم الخطير من هذه المدرسة.

بعد أن دخلنا القسم تعجبنا من تلك المعاملة الطيبة التي قابلنا بها المسعودي حتى أن أحدنا قال له: لقد ظلمك من وضعك في هذا القسم.. فأنت أستاذ في الحب والمودة لا في الشحناء والبغضاء.

ابتسم المسعودي، وقال: لا يعرف الحب والمودة ولا يقدرهما حق قدرهما إلا من عرف الشحناء والبغضاء وصلي بنارهما.. وأنا قد اخترت هذا القسم لأني جلت البلاد، وطفت دفاتر المؤرخين، وبحثت عن أسرار الصراع، فوجدتها جميعا تنطلق من جمرة الشحناء التي لا تعرف إلا الإحراق، وأول ما تبدأ به في إحراقها قلوب أصحابها.

قلنا متعجبين: قلوب أصحابها!؟

قال المسعودي: أجل.. فما الحريق الخارجي إلا شعلة من ذلك الحريق الداخلي.

قلنا: لقد ملأتنا بالعجب.. فحدثنا عن أسرار هذه الحرائق، وعن مشعلها في قلوب أصحابها.

قال المسعودي: لقد عرفتم طغيان الأنا وعتوها.. وعرفتم أن الأناني لا يبصر إلا نفسه، ولا يحب أن يبصر إلا نفسه.

قلنا: لقد تعلمنا علوم ذلك من الآجري.

قال: فذلك الطغيان الذي تمتلئ به الأنا يوقد نار الشحناء في قلب صاحبها.. فلذلك تراه لا يريد الخير إلا له.. فإن أبصر خيرا في غيره راح يشعل فيه نيران قلبه.. وعندما تشتعل النار تبدأ بقلب صاحبها.

قلنا: نراك تومئ إلى الحسد والحقد.

قال: أجل.. فالحسد والحقد هي النيران التي تريد أن تلتهم الحياة.. ولكنها في عتوها لا تلتهم إلا قلب صاحبها.

قلنا: فلم لم يسم هذا القسم باسم الحقد والحسد؟

قال: لأن الحسد والحقد ثمرتان من ثمار البغض، وشعلتان من ناره.. فالقلب الممتلئ بالشحناء والبغضاء هو الذي يوحي لصاحبه بآيات الحقد والحسد..

لقد رأيت النصوص المقدسة تنص على ذلك في مواضع كثيرة، وكأنها تدلنا على البحث عن المنبع الذي تنبع منه الآثام.. فلا يمكن أن تعالج الآثام إلا من منابعها.

اسمعوا إلى الله تعالى، وهو يحذر أولياءه من قلوب أعدائهم الممتلئة بالبغض، قال تعالى:﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)﴾ (آل عمران)

وأخبر عن سر الفرقة بين أتباع الملل، فقال مشيرا إلى ذلك بحال النصارى:﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (14)﴾ (المائدة)

وقال مشيرا إلى ذلك بحال اليهود:﴿ وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)﴾ (المائدة)

وذكر أن من العلل التي حرمت بسببها بعض المحرمات هي ما تبثه في قلوب أصحابها من بغضاء، وهو يدل على أن سد منافذ البغضاء مقصد مهم من مقاصد الشريعة، قال تعالى:﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92)﴾ (المائدة)

ولهذا، فقد ورد في التوجيهات النبوية الكثيرة النهي عن البغض، وكل ما يترتب عليه، أو يوصل إليه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللّه إخوانا، ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيّام)([106])

وقال: (إذا فتحت عليكم فارس والرّوم، أيّ قوم أنتم؟) قال عبد الرّحمن بن عوف: نقول كما أمرنا اللّه([107]). قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (أو غير ذلك تتنافسون، ثمّ تتحاسدون، ثمّ تتدابرون، ثمّ تتباغضون، أو نحو ذلك، ثمّ تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض)([108])

وقال: (دبّ إليكم داء الأمم: الحسد والبغضاء. هي الحالقة. لا أقول: تحلق الشّعر، ولكن تحلق الدّين، والّذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا، أفلا أنبّئكم بما يثبت ذاكم لكم؟ أفشوا السّلام بينكم)([109])

وقال: (سيصيب أمّتي داء الأمم، فقالوا: يا رسول اللّه وما داء الأمم؟ قال: (الأشر والبطر والتّكاثر والتّناجش([110])  في الدّنيا والتّباغض والتّحاسد حتّى يكون البغي)([111])

وقال: (والّذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتّى تسلموا، ولا تسلموا حتّى تحابّوا، وأفشوا السّلام تحابّوا، وإيّاكم والبغضة، فإنّها هي الحالقة، لا أقول لكم تحلق الشّعر، ولكن تحلق الدّين)([112])

الحسد:

قلنا: عرفنا أصل النار، فحدثنا عن فرعها الأول.. حدثنا عن الحسد([113])، وحدثنا عن الحسود.

قال: الحسد هو النار التي تختصر هدف صاحبها في الحياة في أن يرى النعم تسلب، والبلايا تنزل.

والحسود هو المريض الذي لا يحب أن يرى غير المرضى، والمبتلى الذي لا يحب أن يرى إلا أهل البلاء.

وهو الذي لا ينال من المجالس إلّا مذمّة وذلّا، ولا ينال من الملائكة إلّا لعنة وبغضا، ولا ينال من الخلق إلّا جزعا وغمّا، ولا ينال عند النزع إلّا شدّة وهولا، ولا ينال عند الموقف إلّا فضيحة ونكالا.

وهو الظالم الذي يشبه المظلومين.. فهو في نفس دائم، وهمّ لازم، وقلب هائم.

وهو الذي وصفه الشاعر، فقال:

إنّ الحسود الظّلوم في كرب  ‍
ذا نفس دائم على نفـــــــس

  يخاله من يراه مظلوما
  يظهر منها ما كان مكتوما

وهو الذي وصفه الآخر، فقال:

إنّي لأرحم حاسدي من حرّ ما  ‍
نظروا صنيع اللّه بي فعيونهــم

  ضمّت صدورهم من الأوغار
  في جنّة وقلوبهم في النــــــــــار

قال رجل منا: عد بنا من الوصف إلى التحقيق.. فما حقيقة الحسد؟

التفت المسعودي إليه، وقال([114]): اعلم أن الحسد لا يكون إلا على نعمة، فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة فلك فيها حالتان: إحداهما: أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها، وهذه الحالة تسمى حسداً.. فالحسد حده (كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه)

والحالة الثانية: أن لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها، ولكن تشتهي لنفسك مثلها.. وهذه تسمى غبطة، وقد تختص باسم المنافسة، بل قد تسمى حسدا.. ولا حرج في التسمية بهذا.. ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :(لا حسد إلّا في اثنتين: رجل آتاه اللّه مالا فسلّطه على هلكته في الحقّ، ورجل آتاه اللّه حكمة فهو يقضي بها ويعلّمها)([115])

قال الرجل: فالأولى هي الحسد؟

قال المسعودي: أجل.. وهو حرام بكل حال، إلا كراهيتك لنعمة أصابها فاجر أو كافر ليستعين بها على تهييج الفتنة وإفساد ذات البين وإيذاء الخلق، فلا يضرك كراهتك لها ومحبتك لزوالها، فإنك لا تحب زوالها من حيث هي نعمة بل من حيث هي آلة الفساد، ولو أمنت فساده لم يغمك بنعمته.

قال آخر: إنا نرى الحسدة مختلفين.. فمنهم من يحب زوال النعمة عن المحسود، وإن كان ذلك لا ينتقل إليه.. ومنهم من يحب زوال النعمة إليه لرغبته في تلك النعمة، مثل رغبته في دار حسنة أو ولاية نافذة أو سعة نالها غيره وهو يحب أن تكون له، ومطلوبه تلك النعمة لا زوالها عنه، ومكروهه فقد النعمة لا تنعم غيره بها.. ومنهم من لا يشتهي عين النعمة لنفسه بل يشتهي مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها كيلاً يظهر التفاوت بينهما.. ومنهم من يشتهي لنفسه مثل النعمة فإن لم تحصل فلا يحب زوالها عنه.

فهل لهؤلاء جميعا حكم واحد؟

قال المسعودي: معاذ الله.. فموازين الله العادلة تأبى إلا أن تفرق بين الجرائم فلا تضع الكبيرة مع الصغيرة، ولا تضع الدقيق مع الجليل.

قال الرجل: فما الفرق بين من ذكرت؟

قال المسعودي: أما الأخير، وهو من يشتهي لنفسه مثل النعمة فإن لم تحصل فلا يحب زوالها عن المنعم عليه، فقد ذكرت لكم أنه أولى باسم المنافسة منه باسم الحسد، وهو معفو عنه في شؤون الدنيا، ومندوب إليه في شؤون الدين.

وأما الأول، فهو أخبثهم، وهو الحاسد الحقيقي، والثالث مذموم وغير مذموم، والثاني أخف من الثالث.

قال آخر([116]): فما الوقود الذي يمد نار الحسد بما يشعلها أو يزيدها اشتعالا؟

قال المسعودي: سبعة من حطب جهنم النفوس هي التي توقد نيران الحسد في القلوب.

قال الرجل: فما أولاها؟

قال المسعودي: العداوة والبغضاء.. وهذا أشد وقود الحسد اشتعالا، فإن من آذاه شخص وخالفه في غرض بوجه من الوجوه أبغضه قلبه وغضب عليه ورسخ في نفس