الكتاب: رسائل إلى القرابة المظلومة

الوصف: ردود علمية على الظالمين لأهل بيت النبوة

السلسلة: رسائل شوق وحنين

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1440 هـ

عدد الصفحات: 180

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

الكتاب موافق للمطبوع

التعريف بالكتاب

هذا الكتاب زفرات ألم على المظالم التي تعرض لها أقارب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابتداء من أمه وأبيه، واللذين رميا بالشرك، وحكم عليهما بأنهما من أهل النار، بينما اعتبر جميع المشركين بمنجاة منها، لأنهم من من أهل الفترة.

وهو زفرات ألم في حق أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الذي فداه بكل شيء، وضحى في سبيله بكل ما يملك، لكنهم يذكرون أنه مات على الشرك، مع أنه لم يعرف الشرك في حياته، وآمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يتنزل عليه ملاك الوحي.

وهو زفرات ألم في حق خديجة سيدة نساء العالمين تلك الطاهرة التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع مريم وآسية وفاطمة في محل واحد.. والتي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يعوض بمثلها، ولا بمن يدانيها، ولكنا لا نكاد نسمع بها.

وهو زفرات ألم في حق الإمام الحسين وأصحابه في الطفوف.. والذي صار ذكرهم بدعة، والبكاء عليهم هرطقة.. والتغني بأعدائهم سنة.

وهو زفرات ألم في حق أولئك الأبطال المنسيين الذين كانوا أكبر من نصر الإسلام، وفدوه بأنفسهم، لكنهم أهملوا، ونسب الفضل لغيرهم.

وهو زفرات ألم في حق أولئك الثوار المضطهدين الذين قاموا لمواجهة الاستبداد والظلم وتحريف الدين، فقمعوا وقتلوا وعلقوا في الصلبان وامتلأت بهم السجون.

فهرس المحتويات

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

إلى خير عم في الدنيا

إلى الأم لمظلومة

إلى الزوجة الوفية

إلى رمال الطفوف

إلى الأقارب المبعدين

إلى الأبطال المنسيين

بطولات أبي طالب:

بطولات حمزة:

بطولات علي:

بطولات جعفر:

إلى الثوار المضطهدين

زيد الشهيد:

ثائرون على الدرب:

منتصرون رغم المحن:

هذا الكتاب

المقدمة

هذا الكتاب محاولة لتعميق المحبة الحقيقية لأهل بيت النبوة، وإخراجها من السطحية والسذاجة والتناقض إلى المعاني الحقيقية المرادة منها، والتي تنسجم مع العقل والفطرة والدين.

ذلك أن كل تلك الأحاديث النبوية الكثيرة المتفق عليها، والتي تعتبر حبهم والولاء لهم ركنا من أركان الدين، وشعبة من شعب الإيمان، في نفس الوقت الذي تعتبر فيه بغضهم نفاقا، لم تكن تقصد ذلك الحب السطحي الذي يتغني فيه المرء بمن يحب من دون أن يكون له أي آثار عملية.

فذلك غير صحيح، لأن محبة أهل البيت تندرج ضمن محبة المسلمين جميعا، ولا يصح لأحد أن يفاضل في ذلك.. لكن المراد منها ما هو أعمق منها.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ بما أعطاه الله من علم بما سيحصل لأمته من تحريف وتبديل ـ يعلم جيدا حاجة الأمة إلى البوصلة التي تحدد لها الاتجاه الصحيح، والسفينة التي تحتاج إلى ركوبها، حتى لا تغرق في بحر الفتن..

وكان أولى الناس بذلك ـ لا بسبب نسبهم فقط ـ أهل البيت، لا بذلك المعنى الساذج الذي يتصوره البعض، ويفاخر به، ويطلب من الناس أن يحسنوا إليه، ويقفوا تعظيما له بسبب ذلك النسب الذي يحمله.. فذلك لا يتناسب مع الدين، ولا مع قيم الدين، بل هو يتناقض معها، وقد ورد في الحديث الصحيح: (من أبطأ به عمله، لم يسرع به نسبه)(1)

__________

(1) رواه مسلم (2699)، وأبو داود (1455) و(4946)، وابن ماجه (225)

صفحة ( 3)

ولكن أهل البيت الموصى بهم هم أولئك الذين وقفوا في وجه الطغيان، وبذلوا دماءهم في سبيل الحفاظ على الدين الأصيل، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما آتاه الله من نور النبوة يدعو إلى الانضمام إلى صفوفهم، وترك صفوف أعدائهم..

كان صلى الله عليه وآله وسلم بتلك الأحاديث يدعو إلى الانضمام إلى الإمام علي عند خلافه مع أهل الجمل أو أهل صفين أو أهل النهراوين.. أو غيرهم.. وليس الوقوف مع أعدائه، أو الوقوف موقف الحياد.. سواء في ذلك الزمن الذي جرت فيه تلك المعارك، أم في سائر الأزمنة، لأن الدين أسس في ذلك الوقت، وآثار ما حصل بقيت إلى اليوم.

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى الانضمام للإمام الحسن حتى لا يضطر إلى عقد ذلك الصلح الذي يتنازل فيه عن ولاية المسلمين، ويتركها للبغاة الذين استطاعوا أن يشتروا الذمم التي لم تفقه جيدا معنى الولاء والمحبة لأهل بيت النبوة.

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى الانضمام للإمام الحسين، وعدم تركه وحيدا، بين رمال الطفوف، ثم يتهم أهل الكوفة وحدهم بالخيانة، مع أن كل من لم يتحرك لمساعدته كان خائنا، ومخالفا لتلك الوصايا التي تدعو إلى حبه.. فهل يمكن أن يحب شخص شخصا، ثم يتركه أحوج ما يكون إليه؟

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى الانضمام إلى صف زيد بن علي بن الحسين في مواجهة هشام والأمويين.. وإلى الانضمام إلى صف محمد ذي النفس الزكية وإبراهيم في مواجهة المنصور.. وإلى الانضمام إلى إدريس وغيره في مواجهة هارون..

وإلى الذهاب إلى تلك السجون والزنازن التي امتلأت بالعلويين والحسنيين والحسينيين وكل أهل بيت النبوة، بسبب اعتراضهم على تحريف دين جدهم، لإخراجهم منها، لا الوقوف موقف المتفرج، بل المثني على المستبدين الذين ملأوا بهم السجون، ثم التغني بعد ذلك كذبا وزورا بحب أهل البيت.

صفحة ( 4)

هذا هو الولاء الحقيقي لأهل بيت النبوة، وهذه هي المحبة الحقيقية التي مثلها عمار بن ياسر الذي لم يترك سيفه في الوقوف مع الإمام علي، كما لم يتركه في وقوفه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فكلاهما واحد، والوقوف مع أحدهما، سببه ربط الدين بالبشر لا بالله..

ذلك أن دعوة الإمام علي لم تكن سوى دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم نبه إلى ذلك في كل تلك الأحاديث التي تذكره.. فهو لم يذكره لأجل قرابته، ولا كونه صهره، وإنما للمسؤولية المناطة به.. فهو تلميذه الأول والأكبر.

ولكن كل هذه المفاهيم عراها ما عرى غيرها من سطحية، حيث صارت المحبة لهم لا تختلف عن ذلك الغزل الرقيق الذي لا أثر له في الواقع.

بل عراها التناقض العجيب الذي تصرخ منه الفطرة والعقول السليمة ألما.. فمن العجيب أن ينادي المتناقضون بحبهم للإمام علي، وحبهم لأعدائه في وقت واحد.. ولست أدري كيف يجتمع هذان المتناقضان في قلب واحد؟

ولو أننا حللنا حقيقة ذلك القلب لوجدنا حبه الحقيقي لمعاوية، وليس للإمام علي، ذلك أنهم يفرحون لكل حديث مكذوب في حق معاوية، ويحزنون لكل حديث صحيح في حق الإمام علي، ويحاولون أن يسدلوا عليه كثبانا من رمال النسيان..

وهكذا تجدهم يرمون بالبدعة من يحب الإمام علي، ويدعو إليه وإلى القيم التي جاء بها، ويرمونه بالرفض والمجوسية والشرك وكل أنواع الكفر، في نفس الوقت الذي يعتبرون فيه محب معاوية والمدافع عنه سنيا وسلفيا وصحيح العقيدة، حتى لو جاءت كل الأحاديث تذمه، وتدعو إلى ذمه، وتدعو إلى مواجهة التحريفات التي جاء بها.

صفحة ( 5)

بل إن النسائي ـ صاحب السنن ـ قُتل بسبب تأليفه لكتاب في خصائص الإمام علي، وقد طلب منه حينها أن يكتب مثله في فضائل معاوية فقال: ما أعرف له فضيلة إلا: (لا أشبع الله بطنه!)، فضربوه حتى قتلوه (1).

وهكذا نجد المعاصرين لنا يطلبون منا ألا نكتفي بذكر فضائل أهل البيت، بل علينا إذا أردنا أن ندخل رياض أهل السنة أن نكتب في فضل أعدائهم الذين حاربوهم وقتلوهم وشردوهم.. ثم يصخون آذاننا كل حين بأنهم يحبون أهل بيت النبوة.. ولست أدري كيف تجمع قلوبهم كل هذه التناقضات.

لذلك كان هذا الكتاب زفرات ألم على المظالم التي تعرض لها أقارب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابتداء من أمه وأبيه، واللذين رميا بالشرك، وحكم عليهما بأنهما من أهل النار، بينما اعتبر جميع المشركين بمنجاة منها، لأنهم من من أهل الفترة.

وهو زفرات ألم في حق عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الذي فداه بكل شيء، وضحى في سبيله بكل ما يملك، لكنهم يذكرون أنه مات على الشرك، مع أنه لم يعرف الشرك في حياته، وآمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يتنزل عليه ملاك الوحي.

وهو زفرات ألم في حق خديجة سيدة نساء العالمين تلك الطاهرة التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع مريم وآسية وفاطمة في محل واحد.. والتي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يعوض بمثلها، ولا بمن يدانيها، ولكنا لا نكاد نسمع بها.

وهو زفرات ألم في حق الإمام الحسين وأصحابه في الطفوف.. والذي صار ذكرهم بدعة، والبكاء عليهم هرطقة.. والتغني بأعدائهم سنة.

__________

(1) سير أعلام النبلاء 14: 125، وفيات الأعيان 1: 77.

صفحة ( 6)

وهو زفرات ألم في حق أولئك الأبطال المنسيين الذين كانوا أكبر من نصر الإسلام، وفدوه بأنفسهم، لكنهم أهملوا، ونسب الفضل لغيرهم.

وهو زفرات ألم في حق أولئك الثوار المضطهدين الذين قاموا لمواجهة الاستبداد والظلم وتحريف الدين، فقمعوا وقتلوا وعلقوا في الصلبان وامتلأت بهم السجون.

وقد كنا نود أن نذكر زفرات أخرى أكثر ألما وحزنا.. لكنا أمسكنا عن ذلك.. ونستغفر الله تعالى من التقصير..

وقد حاولنا قدر المستطاع ألا نترك للعاطفة وحدها حق الكلام، بل خلطنا كلامنا بالحجاج الذي تقتنع بها العقول السليمة.. فالعاطفة المجردة عن العقل هوى مجرد.. ولذلك كان كمال العاطفة انسجامها مع العقل.

لذلك كانت هذه الخطابات خطابات عقلية مصاغة بصياغة عاطفية، ذلك أنه لا يملك أحد من الناس مهما أوتي من قوة، أن يتكلم عن مظالم قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون أن تهزه العاطفة، وتتغلب عليه المشاعر الجياشة.

وكيف لا يفعل ذلك، وهو يقرأ بأم عينينه ومن كل المصادر، ذلك التنكيل والتشريد والتقتيل والعزل الذي أصابهم، وكأنهم أبناء أبي جهل، لا أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وقرابة أبي سفيان لا قرابة رسول رب العالمين.

مع أن الله تعالى في القرآن الكريم عند حديثه عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يعطي أهمية خاصة لذريتهم، ويبين أن لهم مكانة كبيرة، لا من الجانب العاطفي فقط، وإنما من جانب العملي أيضا، باعتبار أن لهم اصطفاء خاصا، ودورا مهما في الرسالة وحفظها والوفاء بمقتضياتها.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 33، 34]، فمن العجيب أن يطالب عشاق آل بيت النبوة بالدليل بعد هذه الآية الكريمة، وهي أوضح الواضحات.. فإن كان الله تعالى قد اصطفى آل إبراهيم وآل

صفحة ( 7)

عمران.. وهما أدنى من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكثير.. فكيف لا يصطفى آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

ولذلك قرأ الإمام الحسين على ابن الأشعث تلك الآية عندما قال له: (يا حسين بن فاطمة، أيّ حرمة لك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليست لغيرك؟)، ثمّ قال له: (والله إنّ محمداً لمن آل إبراهيم، وإنّ العترة الهادية لمن آل محمد)(1)

ولم يكتف القرآن الكريم بتلك الإشارة الصريحة التي تضمنتها تلك الآية الكريمة، بل ورد في ذلك نصوص أخرى كثيرة، كقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87)} [الأنعام: 83 - 87]، فهذه الآيات الكريمة توضح الصلات النبسية بين الأنبياء جميعا، وتبين أن الاجتباء الإلهي شملهم بهذا الشكل، ولا راد لاجتباء الله.

ولم يكتف القرآن الكريم بهذا التعميم، بل ذكر تفاصيل كثيرة تدل عليه، حتى يترسخ في الأذهان أن اصطفاء الأنبياء فضل إلهي باعتباره استمرارا للنهج الرسالي وتوحيدا لمسيرته حتى لا تنحرف به الطرق والمناهج، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الله تعالى من اصطفائه لآل إبراهيم عليهم السلام في آيات متعددة، كقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27]

__________

(1) الأمالي، الشيخ الصدوق، ص 222..

صفحة ( 8)

ومنها ما ذكره من أن إبراهيم عليه السلام نفسه دعا الله أن يكون الخط الرسالي ممتدا في ذريته، فقال: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124]

بل إن الله تعالى صرح بأن الأمر باق في عقبه، فقال: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 28]

بل إن الله تعالى ذكر أن إبراهيم عليه السلام – كما سأل ربه أن يجعل ذريته أئمة للناس - سأله أيضا أن يوفق الناس لمودتهم والاقتداء بهم، فقال – على لسان إبراهيم عليه السلام -: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37]

ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الله تعالى من اصطفائه لآل موسى وآل هارون عليهم السلام، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى في قصة طالوت: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 248]

بل إننا نجد أن الله تعالى اختار هارون أخا موسى عليه السلام ليكون معينا له ووزيرا بناء على طلب موسى، فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا} [الفرقان: 35]

ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الله تعالى من اصطفائه لآل يعقوب عليهم السلام، وهم وإن كانوا جزءا من آل إبراهيم، لكن القرآن خصهم بالذكر عند الحديث عن يوسف بن يعقوب عليهما السلام في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [يوسف: 6]

صفحة ( 9)

وذكرهم عند الحديث عن زكريا عليه السلام حينما دعا الله عز وجل وطلب الذرية الصالحة، فقال: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: 5، 6]

ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الله تعالى من اصطفائه لآل داود عليهم السلام، والذين ورد ذكرهم في قوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، وقد بين القرآن الكريم أن سليمان ورث داود، فقال: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16]

لكن كل ذلك لم يلتفت إليه، وكأن الله تعالى بين اصطفاءه الخاص لذريات الأنبياء، وأقاربهم إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فهو وحده المخالف لهم، مع أن الأصل أن يكون أولى بذلك منهم، إن لم يكن نظيرا لهم فيه، وقد قال تعالى عنه: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأحقاف: 9]

لهذا نجد ابن تيمية ـ وهو من أكبر المنظرين للنصب والعداوة لأهل البيت في هذه الأمة ـ يعتبر تقديم آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على غيرهم أثر من آثار الجاهلية في تقديم أهل بيت الرؤساء، كما نص على ذلك في (منهاج السنة) – على طريقته الخاصة في التحايل - بقوله: (وإنما قال من فيه أثر جاهلية عربية أو فارسية: إن بيت الرسول أحق بالولاية. لكون العرب كانت في جاهليتها تقدم أهل بيت الرؤساء، وكذلك الفرس يقدمون أهل بيت الملك، فنقل عمن نقل عنه كلام يشير به إلى هذا، كما نقل عن أبي سفيان، وصاحب هذا الرأي لم يكن له غرض في علي، بل كان العباس عنده بحكم رأيه أولى من علي، وإن قدر أنه رجح عليا، فلعلمه بأن الإسلام يقدم الإيمان والتقوى على النسب، فأراد أن يجمع بين حكم الجاهلية والإسلام)(1)

__________

(1) منهاج السنة النبوية (6/ 455)

صفحة ( 10)

وابن تيمية ـ وكل من وافقه على هذا القول وغيره من الأقوال الشنيعة ـ يرمي كما كبير من النصوص التي يوصي فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بآل بيته، ويعتبرهم مراجع الأمة من بعده، بل يعتبرهم صمام أمنها، وسفينة نجاتها كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها غرق)(1)

وفي الحديث المتواتر في كتب السنة، قال (: (إني تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، الثقلين وأحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي. ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)(2)

وفي رواية: (أيها الناس. إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول من ربي فأجيب. وإني تارك فيكم الثقلين. أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به. فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي)(3)

__________

(1) رواه الفاكهي في أخبار مكة (3/رقم 1904)، وأبو يعلى في مسنده الكبير [كما في تفسير ابن كثير 4/ 115]، والقطيعي في زوائده على فضائل الصحابة (2/ 785/1402)، والحاكم في المستدرك (2/ 343) و(3/ 150) وصحّحه على شرط مسلم.

(2) رواه أبو داود (السنن 5/ 5/ 13/ رقم 4607) واللفظ له، والترمذي (العلم 16/ رقم 2676) وابن ماجه (المقدمة 6/ 42 و43 و44) والحاكم (العلم 1/ 175/ 329) وصححه، ووافقه الذهبي والألباني، وقال الترمذي: حسن صحيح..

(3) رواه مسلم ح / 2408، سنن الترمذي: ح / 3788، مسند أحمد 3/ 17، المستدرك 3/ 148 وغيرها.

صفحة ( 11)

وللأسف فإن هذا الحديث مع وروده بلفظ (كتاب الله وعترتي) ومع كثرة الروايات الواردة فيه بهذا المعنى استبدل بحديث آخر، وصار هو المعروف عند الناس، وهو استبدال (عترتي) بلفظ (سنتي) مع أنه لم يرد في أي من الصحاح الست، وقد أخرج الحديث بهذا اللفظ مالك بن أنس في موطئه ونقله مرسلا غير مسند، وأخذ عنه بعد ذلك البعض كالطبري وابن هشام ونقلوه مرسلا كما ورد عن مالك.

مع العلم أنه في قانون المحدثين لا يروى الحديث إلا بأصح صيغه، هذا في حال كون الصيغة المروية عن مالك صحيحة باعتبار المحدثين لأنها مرسلة، ولكنه للأسف صار الحديث المرسل هو الأصل، وصار الحديث المتواتر في حكم المكتوم، بل لو أن شخصا حدث به لاتهم في دينه.

بالإضافة إلى هذا، فقد وردت الأدلة الكثيرة التي تدل على وجوب الرجوع إلى آل البيت لتلقي الدين، وهي لا تعد ولا تحصى، فقد ورد في الحديث الصحيح المعروف: (علي مني وأنا منه. ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي)(1)

وقال (: (ومن أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة التي وعدني بها ربّي، وهي جنّة الخلد، فليتوّلَ عليّاً وذرّيته من بعدي؛ فإنّهم لن يخرجوكم من هدى، ولن يدخلوكم باب ضلالة)(2)

وقال (: (إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. ولكنه خاصف النعل وكان علي يخصف نعل رسول الله في الحجرة عند فاطمة)(3)

__________

(1) رواه أحمد 4/ 164، وفي (4/ 164 و165، والنسائى في فضائل الصحابة (44)، وابن ماجة (119).

(2) رواه الحاكم مستدرك الحاكم ج 3 ص 128.

(3) رواه أحمد (1/ 155)(1335) وأبو داود (2700)، والترمذي (3715).

صفحة ( 12)

وفي رواية أخرى: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لتنتهن معشر قريش، أو ليبعثن الله عليكم رجلا مني امتحن الله قلبه للإيمان، يضرب أعناقكم على الدين. قيل يا رسول الله أبو بكر؟ قال: لا. قيل: عمر. قال: لا. ولكن خاصف النعل في الحجرة)(1)

لكن ـ للأسف ـ حصل الإعراض الكبير عن كل هذا، حيث قدم الطلقاء واليهود على آل بيت النبوة، حتى أن مرويات كعب الأحبار في تفسير القرآن الكريم وفي كتب العقيدة أكبر بكثير من المرويات التي رووها عن أهل البيت.. بل إننا نجد الجماهير تعظم السنة التي حصل فيها المأساة الكبرى حين حصل الصلح بين الحسن بن علي مع معاوية، ويسمون تلك السنة سنة الجماعة.. ويعتبرون معاوية بموجبها خليفة للمسلمين مع تلك النصوص الكثيرة التي تعتبر الحسن بن علي سيد شباب أهل الجنة.. وأن له مكانة عظيمة في الدين..

ولكن مع ذلك يعتبرون ذلك الموقف إقرارا منه بحقانية معاوية، وهم ينسون أن يقرؤوا قوله تعالى في وصف وضع قريب من الوضع الذي كان فيه الحسن بن علي: {قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 92 - 94]

فهذه الآيات توضح سنة من سنن الغواية التي يتلاعب بها الشيطان بأتباع الأنبياء حين يسول لهم أن يأخذوا دينهم من السامري، ويتركوا النبي وآل بيت النبي.

ومثلما حصل للحسن بن علي حصل لأخيه الحسين بن علي الذي ورد في الأحاديث الكثيرة بيان فضله ومرتبته من الدين، وأنه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك نجد أصحاب السنة المذهبية حين يذكرون تلك التضحية العظيمة التي

__________

(1) المصادر السابقة.

صفحة ( 13)

قام بها الحسين للحفاظ على الدين في وجه من يريد تحريفه، يحتقرون ما فعله، بل يعتبرونه من الأخطاء الكبرى التي لا منفعة فيها.. ويقدمون عليه مواقف ابن عمر وغيره من الصحابة، كما قال ابن تيمية: (ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قتلوه مظلوماً شهيداً وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده. فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء، بل زاد الشر بخروجه وقتله ونقص الخير بذلك وصار ذلك سبباً لشر عظيم)(1)

وهكذا أصبح ابن تيمية وغيره أساتذة وأئمة وناصحين لذلك الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سِبْطٌ من الأسباط)(2)

بل أعلن صلى الله عليه وآله وسلم، وهو في حياته الشريفة أنه سلم لمن سالم وحرب لمن حارب، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى ابنته فاطمة وإلى علي ومعهما الحسن والحسين وقال لهم: (أنا حرب لمن حاربكم، وسِلْمٌ لمن سالمكم)(3)، وقال: (من أحب الحسن والحسين أحببته، ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله جنات النعيم، ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله جهنم وله عذاب مقيم)(4)

__________

(1) منهاج السنة ج 4 ص 530 - 531.

(2) رواه أحمد (4/ 172) وابن ماجة (144) والترمذي (3775).

(3) قال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (9/ 169): رواه أحمد والطبراني.

(4) رواه الطبراني في الكبير: 6/ 296.

صفحة ( 14)

هذه دوافعنا من هذه الكتاب، وأغراضنا منه، ونحن نعلم أنه لن يستفيد منه إلا أولئك الذين تحرروا من ربقة التقليد، وخرجوا من السجون التي وضعهم فيها أصحاب الملك العضوض، وسدنة الدين المزيف الممتلئ بالتحريفات..

أولئك فقط من يمكنهم الاستفادة من هذا الكتاب لإقامة علاقة محبة حقيقية بأولئك الذين أمرنا بحبهم ومودتهم والولاء لهم ونصرتهم والعيش في ظلال القيم التي كانوا يمثلون، وضحوا بأنفسهم في سبيلها.

إلى خير عم في الدنيا

سيدي أبا طالب.. يا عم رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم وحاميه وناصره..

يا من جعلك الله كفيلا لنبيه وسندا له منذ ولادته إلى آخر يوم من حياتك.. يا من رأيت المعجزات الباهرات.. وتشرفت برؤية الأنوار الساطعات.. وسمعت من فم الحبيب الكلمات النيرات..

ماذا عساي أقول لك.. لقد عدت خاوي الوفاض.. فلم ينفعهم ما ذكرته لهم من فضلك وجهدك في خدمة الإسلام ونبيه.. ولم ينفعهم ما ذكرته لهم من عقلك وطهارتك وإيمانك.. ولم ينفعهم ذلك الجدل الذي استعملته معهم لأخاطب عقولهم.. ولم تنفعهم تلك الخطب الحزينة التي خاطبت بها عواطفهم..

لقد رفضوا كل ذلك.. ولو كنتُ معهم حين أوردت عليهم ما أوردت لأوسعوني ضربا، أو لرموني بالحجارة، أو لحاصروني في الشعب كما حاصروك مع ابنك وابن أخيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وأنا لا أبالي في سبيلك سيدي كل ما يقولون.. لأني أعلم أن القلوب إذا طبعت، والعقول إذا ختمت، لا تكاد تبصر أو تسمع، {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179]

صفحة ( 15)

لقد قلت لهم بكل صدق وإخلاص: يا قوم.. أين عقولكم؟.. هل تتصورون هذا الرجل العظيم الذي قدم كل هذه الخدمات، والذي عاش كل هذا العمر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبخل الله عليه بهداية قلبه..

ألم ترووا في كتبكم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يضع يده على صدر المنافق، فيسلم، وكان لا يراه أحد ـ وكان صادقاـ إلا أحبه وآمن به.. أفيكون كل الناس مرحومين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تتنزل عليهم بركاته ـ حتى أعداؤه الذين قاتلوه ـ إلا أبا طالب؟

ألم ترووا بأسانيدكم التي تعتبرونها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا لأم أبي هريرة التي لم تكتف بشركها بالله فقط، وإنما أضافت إليه سب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك، بمجرد أن طلب أبا هريرة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو لأمه، تحولت من النقيض إلى النقيض.. لقد رويتم أن أبا هريرة قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما.. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أبكي قلت: يا رسول الله، إنى كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى على فدعوتها اليوم فأسمعتنى فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم اهد أم أبي هريرة).. ففتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)(1)

أنا لا أنكر الحديث، فأنا أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستجاب الدعوة، ولكني أعجب من عقولكم التي قبلت أن يدعو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالهداية لأم أبي هريرة التي كانت تسبه، فتحولت مباشرة إلى الإيمان، ثم يسكت عن الدعاء لعمه، أو يدعو ولا يستجاب له، مع أنه قضى حياته كلها في مدحه ونصرته،

__________

(1) رواه مسلم (2491)

صفحة ( 16)

على خلاف أم أبي هريرة التي لم تكن تكتفي بالشرك بل أضافت إليه سب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولم تكتفوا بأم أبي هريرة، بل أدخلتم قوم أبي هريرة جميعا إلى الإسلام بدعوة واحدة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد حدث أبو هريرة نفسه، قال: (جاء الطفيل بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إن دوسا قد عصت وأبت، فادع الله عليهم، فقال: (اللهم اهد دوسا، وأت بهم)(1)

بل رويتم أن المنافقين الذين وصفهم الله بما وصفهم به في القرآن الكريم من الخداع والمكر والتذبذب، ومع ذلك استطاعت دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تدركهم، فقد حدثتم عن ابن عمر. قال: (كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاءه حرملة بن زيد، فجلس بين يديه، فقال: يا رسول الله الإيمان هاهنا، وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق هاهنا، وأشار بيده إلى قلبه، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فردد عليه مرارا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطرف لسان حرملة، وقال: (اللهم ارزقه لسانا صادقا، وقلبا شاكرا، وارزقه حبي وحب من يحبني وصير أمره إلى الخير، فقال: يارسول الله إن لي إخوانا منافقين كنت رأسا فيهم أفلا أدذلك عليهم؟ فقال: من جاءنا منهم استغفرنا له كما استغفرنا لك، ومن مات منهم على دينه فالله أولى به، ولا تخرق على أحد سترا)(2)

__________

(1) رواه البخاري (2937) ومسلم (2524)

(2) المعجم الكبير للطبراني: 4/ 5، وقال ابن حجر في الإصابة: إسناده لا بأس به، وأخرجه ابن منده أيضاً. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ولم يذكر من أخرج الخبر. مجمع الزوائد: 9/ 410..

صفحة ( 17)

هكذا رويتم أن هذا المنافق تحول إلى الإيمان بدعوة واحدة، بل تحول مباشرة من منافق في الدرك الأسفل من النار إلى أحد الصحابة الذين تجلونهم (1)، وتعتقدون أنه لا يمكن لأحد من الناس أن يدرك عملهم حتى لو قام فلم يفتر، وصام ولم يفطر.. بل حتى لو قضى حياته جميعا في سجدة واحدة.

بل رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن أي منافق يأتيه يمكنه أن يتحول إلى الإيمان في لحظة واحدة.. فهل كان جدار الهداية التي حجب عنها أبو طالب ـ كما تذكرون ـ أسمك من جدار المنافقين، وهو الذي عاش حياته كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

لقد قلت لهم كل ذلك.. وقلت لهم: ألم ترووا في سيركم ما يدل على أن أبا طالب آمن بنبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه الشريف، بل آمن به، وهو غلام صغير..

ألم ترووا فيها أن أبا طالب أراد المسير في ركب إلى الشام فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي عم إلى من تخلفني ها هنا؟ وصب به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرق له أبو طالب، فلما سارا أردفه خلفه، فخرج به فنزلوا على صاحب دير فقال صاحب الدير: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال: ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له أب حي. قال: ولم؟ قال: لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي. قال: وما النبي؟ قال: الذي يوحى إليه من السماء فينبئ أهل الأرض (2).. وقال له: (ارجع بابن أخيك إلى بلدك واحذر عليه اليهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا فإنه كائن

__________

(1) انظر: أسد الغابة: 1/ 475؛ والإصابة: 1/ 330..

(2) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (2/ 140)

صفحة ( 18)

لابن أخيك شأن. فأسرع به إلى بلاده ولا تذهب به إلى الروم فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه)(1)

وقلت لهم: تأملوا في هذه النصوص التي تروونها جيدا، واقرأوا بعقولكم لا بألسنتكم فقط لتروا فيها الدلائل الواضحات على إيمانك العظيم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فمن الدلائل البينات على إيمانك سيدي بنبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو فتى صغير تصديقك للراهب، وعودتك بابن أخيك إلى بلده، بعد أن قطعت كل تلك المسافة..

في ذلك الوقت الذي عدت فيه مصدقا الراهب لم ينزل القرآن بعد.. ولم ينشق القمر بعد.. ولم تر تلك المعجزات الباهرات بعد.. أفيمكن أن تؤمن به صغيرا، وتجحده كبيرا؟.. أو تؤمن به وأنت لم تر منه ما يستدعي الإيمان، وتجحد به، وأنت ترى كل شيء يدل عليه؟

لقد قلت لهم: اقرأوا الرواية جيدا.. وانظروا فيها إلى تلك الرحمة والشفقة التي كان تملأ قلب أبي طالب على ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. ألم تروا كيف كان يدعوه ابني؟

ولم يكن ذلك إلا تعبيرا عن حقيقة مشاعره.. والتي كان يبادله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثلها مثلما يبادل زوجه فاطمة بنت أسد التي كانت بمثابة أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فقد رويتم في كتبكم التي تقدسونها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال عندما دفنها: (يرحمك الله يا أمّي، كنت أمّي بعد أمّي، تجوعين

__________

(1) المرجع السابق، (2/ 141)

صفحة ( 19)

وتشبعيني وتعرين وتكسيني، وتمنعين نفسك طيبا، وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله تعالى والدّار الآخرة)(1)

وقلت لهم: ارجعوا إلى كتب السنة والسيرة، وستجدون الأشعار الرقيقة التي قالها أبو طالب، والتي جمعها بعض محققيكم.. اقرأوها بتدبر، وسترون روح الإيمان الصادق تنبعث من كل كلمة من كلماتها.

وقلت لهم: لا بأس.. لعلكم لا تجدون الوقت الذي تبحثون عنها.. ولهذا سأرتل عليكم بعض آياتها (2) والتي قالها ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صبي صغير بعد أن رجع به من الشام.. لقد ذكرت لهم من قصائدك قولك (3):

إن ابن آمنة الأمين محمدا... عندي بمثل منازل الأولاد

لما تعلق بالزمام رحمته... والعيس قد قلصن بالأزواد

وفيها تقول:

حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا... لاقوا على شرك من المرصاد

__________

(1) رواه الطبراني في الكبير والأوسط برجال الصحيح وفي الأوسط، انظر: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (11/ 287)

(2) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (2/ 142)

(3) دلائل النبوة للبيهقي (2/ 29)

صفحة ( 20)

حبرا فأخبرهم حديثاً صادقا... عنه ورد معاشر الحساد

قوما يهودا قد رأوا ما قد رأى... ظل الغمامة ثاغري الأكباد

ساروا لفتك محمد فنهاهم... عنه وأجهد أحسن الإجهاد

فثنى زبيراء بحير فانثنى... في القوم بعد تجادل وتعاد

ونهى دريسا فانتهى لما نهي... عن قول حبر ناطق بسداد

وأنشدتهم بعدها قصائدك الكثيرة في مساندة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذب عنه، والتي رواها المحققون من المحدثين الذين يعتبرونهم، ويرجعون إليهم، كالحافظ ابن حجر العسقلاني الذي يسمونه خاتمة الحفاظ، والذي قال مخبرا عنك: (وأخباره في حياطته والذب عنه صلى الله عليه وآله وسلم معروفة مشهورة، ومما اشتهر من شعره في ذلك قوله: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا وقوله: كذبتم وبيت الله نبزي محمداً ولما نقاتل حوله ونناضل)(1)

__________

(1) فتح الباري، (7/ 194)

صفحة ( 21)

وأنشدتهم قولك:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم... حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة... وابشر بذاك وقر منك عيونا

ودعوتني وعلمت أنك صادق... ولقد صدقت وكنت ثَمَّ أمينا

ولقد علمت بأن دين محمد... من خير أديان البرية دينا (1)

وأنشدتهم قولك:

لعمري لقد كلّفت وجدا بأحمد... وإخوته دأب المحبّ المواصل

فلا زال في الدّنيا جمالا بأحمد... وإخوته دأب المحبّ المواصل

__________

(1) هذه الأبيات ذكرها القرطبي في (تفسيره)(6/ 406)، وأورد الحافظ ابن حجر البيتين الأخيرين في (الإصابة)(7/ 236)، وانظر: دلائل النبوة للبيهقي (2/ 188)

صفحة ( 22)

فلا زال في الدّنيا جمالا لأهلها... وزينا على رغم العدو المخاتل

فمن مثله في النّاس أيّ مؤمّل... إذا قاسه الحكّام عند التّفاضل

حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غير طائش... يوالي إلهاً ليس عنه بغافل

فأيّده ربّ العباد بنصره... وأظهر دينا حقّه غير ناصل (1)

وأنشدتهم ذلك البيت المعروف الذي لا يزالون ينشدونه من غير أن يعرفوا أن قائله هو أنت:

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه... ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يلوذ به الهلاك من آل هاشمٍ... فهم عنده في نعمة وفواضل

__________

(1) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (2/ 381)

صفحة ( 23)

ثم قصصت لهم ما رواه علماء السيرة عن سبب قولك له، فذكرت لهم أن ابن عساكر حدث عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وقريش في قحط، فقائل منهم يقول: اعتمدوا واللات والعزى. وقائل منهم يقول: اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي: أنى تؤفكون وفيكم بقية إبراهيم وسلالة إسماعيل. قالوا: كأنك عنيت أبا طالب؟ قال: إيها. فقاموا بأجمعهم وقمت معهم فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجل حسن الوجه عليه إزار قد اتشح به فثاروا إليه فقالوا: يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب العيال فهلم فاستسق لنا فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجنة تجلت عليه سحابة قتماء وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بإصبعه الغلام وما في السماء قزعة فأقبل السحاب من هاهنا وها هنا وأغدق واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي (1).

وقلت لهم، وأنا متعجب من عقولهم وانسدادها: هل تتصورون أن الذي توسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو صبي صغير، لا يتوسل به وهو كهل كبير..

وهل تتصورون أن الذي توسل به للسقيا، لا يتوسل به للحياة الأبدية؟

بل رويت لهم ما هو أخطر من ذلك مما يدل على معرفتك به وبنبوته منذ ولد إلى أن توفاك الله.. لقد حكيت لهم ما رواه ابن سعد والخطيب وابن عساكر: عن عمرو بن سعيد أن أبا طالب قال: كنت بذي المجاز مع ابن أخي، يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأدركني العطش فشكوت إليه فقلت: يا ابن أخي قد عطشت. وما قلت له ذلك وأنا أرى عنده شيئاً إلا الجزع قال: فثنى وركه ثم قال: يا عم عطشت؟ قلت: نعم. فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا أنا بالماء فقال: اشرب فشربت (2).

__________

(1) المرجع السابق، (2/ 137)

(2) المرجع السابق، (2/ 137)

صفحة ( 24)

وقلت لهم بعد أن رويت لهم هذه الرواية وغيرها: هل ترون أن الذي عاين هذه المعجزة سيكون جاهلا كافرا من أجل حرصه على إرضاء أبي جهل وأبي لهب؟

وهكذا ذكرت لهم سيدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان متعلقا بك إلى درجة لا يمكن تصورها حتى أنه سمى عاما كاملا عام الحزن حدادا عليك، وعلى السيدة العظيمة المظلومة خديجة..

تصور سيدي أني بعد أن ذكرت لهم هذا راحوا يسخرون مني، ويقولون: ما دمت قد أثبت لنا أن أبا طالب مؤمن، وأنه من أهل الجنة.. فاذهب وابحث لعلك تجد ما يدلك على أن أبا جهل وأبا لهب مؤمنان وفي الجنة.

تصور سيدي كيف يضعانك مع أعدائك وأعداء نبيك في خندق واحد.. لقد أعماهم التعصب عن إدراك الحق.. فتصوروا أننا ندافع عنك فقط لكونك عما لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ونسوا أننا ندافع عن الجبل الذي واجه كل المعتدين.. وعن السيد الذي حمى ذمامه من كل المنحرفين.. في نفس الوقت الذي لا يستحيون فيه عن الدفاع عن كل أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعداء دينه، وأعداء أمته.

لقد راحوا ـ سيدي ـ يواجهونني ببعض الروايات التي رواها البخاري ومسلم.. وهم في نفوسهم ينتقدون الكثير من أحاديث البخاري ومسلم، بل لا يقبلون منهما إلا ما يتناسب مع أهوائهم.. ولو كانوا يقبلون بهما لكانوا قد وجدوا فيهما ما يدلهم على ضلالة الفئة الباغية التي ينتصرون لها، ويعلنون ولاءهم كل حين لمن يواليها.. ولو بحثوا فيهما لوجدوا من أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم سيغيرون السنن، ويحرفون الدين، وينحرفون بالأمة نحو الهاوية السحيقة التي وقعت فيها.

سأذكر لك سيدي بعض ما راحوا يستدلون به زورا وبهتانا..

صفحة ( 25)

لقد نقلوا ما رواه البخاري ومسلم أن عمك العباس سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هل أغنيت عن عمك شيئا؟، فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه)(1)

انظر إلى لغة الحقد التي عبروا بها عن العذاب الذي أوهمتهم شياطينهم أنه ينزل بك.. ولو أنهم عرضوا هذا الحديث على القرآن الكريم لوجدوا فيه الدلالة الصريحة القاطعة على عدم جواز الشفاعة في الكفار.. فقد أخبر الله تعالى عن الكفار بأنهم {لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36]، وأنهم لا {تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48]

ولو أنهم عرضوا هذه الرواية على روايات أخرى أكثر عقلانية وانسجاما مع الواقع والقرآن لحلوا المعضلة بكل سهولة، فقد روى هذا الحديث ابن سعد عن العباس أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما ترجو لأبي طالب؟ قال: (كل الخير أرجو من ربي)(2)

وهذا اللفظ يعكر على اللفظ السابق، ويجعل الحديث مضطربا على حسب القواعد التي يعتمدون عليها في الحديث.

ولو أنهم راجعوا سند الحديث لوجدوا العجب العجاب.. لو راجعوه لوجدوا في سنده (عبد الله بن الحارث بن نوفل)، وهو أموي المشرب، أمه هند بنت أبي سفيان أخت معاوية، وقد اصطلح عليه أهل البصرة حين مات يزيد بن معاوية.. وقد روى هذا الأموي الكثير من الروايات المنكرة الممتلئة بالتجسيم، وكان من أساتذته في التجسيم كعب الأحبار اليهودي (3).

__________

(1) رواه البخاري 7/ 149، ومسلم رقم (210)

(2) طبقات ابن سعد:1/ 125.

(3) تهذيب الكمال: 14/ 396.

صفحة ( 26)

لكنهم سيدي لا يقرؤون إلا ما يتناسب مع أمزجتهم.. بل إنهم سيدي راحوا يؤولون القرآن الكريم، ويفسرونه بغير ما أنزل الله بغية مواجهتك وإعلان الحرب عليك..

لقد رووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليك لما حضرتك الوفاة، وعندك أبو جهل، فقال لك: (أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله).. فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية لك: (يا أبا طالب ترغب عن ملة عبدالمطلب)، وأنهما لم يزالا يكلمانك حتى كان آخر شيء كلمتهم به، هو (على ملة عبدالمطلب)، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لك: (لاستغفرن لك ما لم أنه عنه)(1)، وأنه نزل فيك قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113]، ونزل فيك: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56]

ومن العجب أن يوردوا مثل هذا البهتان العظيم.. ومن العجب أن يذكروا أن أولئك الطغاة الظلمة المشركين ينالون في آخر لحظة من الحظوة عندك ما لا ينالها ابن أخيك الذي عشت حياتك كلها من أجله، وضحيت بكل شيء في سبيله..

وهل يمكن لعاقل أن يصدق خضوع شيخ كبير للذين وحاصروه واستحلوا كل الحرمات في حقه؟.. هل يمكن أن يخضع لهم ويرضيهم؟.. أليست الفطرة السليمة تدعو لمواجهة أمثال هؤلاء بما يكرهونه حتى بما لا نعتقده؟

لكن حديث الفطرة والعقل لم يقنعهم، فرحت أخاطبهم بما تعودوا.. لقد ذكرت لهم أن المحققين من المحدثين ـ كابن حجر ـ رأوا أن في نزولها فيك نظر، وهذا طعن صريح في هذا الحديث المروي في الصحيحين، فقد قال في معلقا على هذا: (هذا فيه إشكال، لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقاً، وقد ثبت أن النبي صلى الله

__________

(1) البخاري (3884) ومسلم (24)

صفحة ( 27)

عليه وآله وسلم أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية، والأصل عدم تكرر النزول)(1) بل روي في سبب نزول الآية أن رجلاً استغفر لوالديه وهما مشركان فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله الآية (2).

وهذه الروايات تدل على الاضطراب في سبب نزول الآية، وعدم صحة الاستدلال بها على أنها نزلت فيك أو في والدة النبي آمنة بنت وهب عليها السلام.

ثم إن من العجيب أنهم يروون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى على أبي بن سلول المنافق مع أن الله تعالى قال في شأنهم: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145]، بل يروون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استغفر له، وكفنه بقميصه، وقد رووا ذلك في الصحيحين وغيرهما، فإذا كان الله قد نهى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك بسنين عن أن يستغفر للكفار ـ الذين يعتبرونك منهم ـ فكيف يستغفر بعد ذلك لأبي بن سلول، ويخالف ما أمره الله تعالى به؟!

وفي الأخير سيدي بعد أن خاطبت عقولهم وقلوبهم ودينهم.. لم يجدوا إلا أن يواجهوني بالحقيقة التي تختفي وراء كل ذلك الحقد الذي يكنونه لك.. وكل ذلك الولاء الذي يهدونه لأعدائك.. إنه حقدهم على الشيعة.. ولأن الشيعة يدافعون عنك ويحترمونك ويقدرون جهودك العظيمة، ويعتبرونك من الصحابة الكبار المنتجبين، فإن ذلك لا يرضيهم.. لأن مبدأهم ليس الحقيقة مهما كان القائل بها، وإنما الحقيقة التي تأتي من طرفهم.. وطرف الجماعة التي يعطونها كل ولائهم.

لقد راح بعضهم يقول لي، وكأنه يهددني: لقد ذكر المحققون كابن كثير وغيره أن القول بهذا هو قول الشيعة.. وأنني إن لم أكف عن الدفاع عنك، فسأرمى بالرفض والتشيع..

__________

(1) فتح الباري (8/ 508)

(2) رواه أحمد (1/ 99 و130)

صفحة ( 28)

فقلت لهم: ارموني بما شئتم.. ليس بالرفض والتشيع فقط.. بل بالزندقة والكفر والضلالة.. وارموني في أي جحيم يحلو لكم.. لأني أعلم أن الجنة بيد الله.. والنار بيد الله.. وأعلم أن قلبي الذي يحبك سيدي سيشفع لي عند ربي..

ولو أنهم تخلوا عن غرورهم، ودرسوا العلم عن أهله لعرفوا أن الصالحين من هذه الأمة كلهم يحترمونك ويعظمونك مهما اختلفت مذاهبهم.

فهل كان مفتي الشافعية في مكة المكرمة في وقته السيد أحمد زيني دحلان الذي آلمته الأحقاد الموجهة لك. فكتب كتابا في نصرتك سماه (أسنى المطالب في نجاة أبي طالب) شيعيا.. وهل الشافعية شيعة.. وهل مفتيهم يقول بقول الشيعة؟

وهل كان العلامة البرزنجي الذي تألم هو الآخر لما قيل فيك، فكتب كتابا في نصرتك سماه (بغية الطالب لإيمان أبي طالب وحسن خاتمته) هو الآخر شيعيا؟

وهل كان مولانا محمد معين الهندي السندي التتوي الحنفي الذي كتب كتابا في نصرتك سماه (إثبات إسلام أبي طالب) شيعيا.. وهل الحنفية شيعة؟

وهل كان أبو الهدى محمد أفندي بن حسن الصيادي الرفاعي، الذي ألف كتابا في نصرتك سماه (السهم الصائب لكبد من آذى أبا طالب) شيعا.. وهل رجال الطريقة الرفاعية الصوفية شيعة؟

وهل كان السيد علي كبير بن علي جعفر الحسيني الهندي الإله أبادي الذي ألف كتابا في نصرتك سماه (غاية المطالب في بحث إيمان أبي طالب) شيعيا؟

وهل كان الشيخ أحمد فيضي بن علي عارف الجورومي الخالدي الرومي الحنفي الذي ألف في الانتصار لك (فيض الواهب في نجاة أبي طالب) شيعيا؟

وهل كان القاضي الفاضل السيد حيدر ابن العلامة السيد محمد سعيد العرفي الذي ألف في نصرتك كتابا سماه (أبو طالب بطل الإسلام) شيعيا؟

ليس هؤلاء فقط من قالوا هذا، بل المفتون والعلماء من جميع المذاهب الإسلامية ذكروا فضلك وحرمتك، لأن حرمتك من حرمة أعظم إنسان في التاريخ، بل أعظم

صفحة ( 29)

مخلوق على الإطلاق محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. لقد قال بهذا: الأجهوري، والتلمساني، والحافظ السيوطي، وأحمد بن الحسين الموصلي الحنفي، ومحمد بن سلامة القضاعي، والقرطبي، والسبكي، والشعراني.. وغيرهم كثير.

بعد هذا سيدي ما عساي أقول لك.. أعلم أني أضعف من أن أؤدي الرسالة التي تطلبها الحقيقة مني.. ولكني مع ذلك موقن أن الحق سيظهر لا محالة، وأن هؤلاء الذين يجادلون عن أبي سفيان وهند ومعاوية وكل الطلقاء الذين حبسوك وحبسوا ابن أخيك في الشعب سيدركون الحقيقة التي يحاولون الهروب منها.

إن الحقائق تحاصرهم من كل ناحية.. وهم يواجهونها بمثل ما كانوا يواجهونك به من الحصار والتضييق والتكفير والرمي بالعذاب الشديد.. وينسون أن نور الله لا تطفئه أفواه البشر، {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8]

إلى الأم لمظلومة

سيدتي الفاضلة الكبيرة.. يا أشرف أم في الدنيا.. ماذا عساي أقول لك.. وكيف أعتذر لك عن نفسي، وعن أولئك الذين لا يزالون يخطئون في حقك..

لقد كنت أذكر جيدا في صباي الباكر ـ قبل أن تتدنس فطرتي، وينتكس عقلي ـ كيف كنا في باديتنا الجميلة نتغنى بك، وبجمالك، وبأخلاقك، وبأنوارك العظيمة..

كنا نحفظ عن ظهر قلب قولك، وأنت على فراش الموت تخاطبين ابنك الصغير محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنت تنظرين إلى وجهه الجميل البريء الممتلئ بالقداسة (1):

بارك فيك الله من

__________

(1) رواه أبو نعيم عن أم سماعة بنت أبي رهم عن أمها، انظر: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (2/ 121)

صفحة ( 30)

غلام... يا ابن الذي من حومة الحمام

نجا بعون الملك المنعام... فودي غداة الضرب بالسهام

بمائة من إبل سوام... إن صح ما أبصرت في منامي

فأنت مبعوث إلى الأنام... من عند ذي الجلال والإكرام

تبعث في الحل وفي الحرام... تبعث بالتحقيق والإسلام

دين أبيك البر إبراهام... تبعث بالتخفيف والإسلام

أن لا تواليها مع الأقوام... فالله أنهاك عن الأصنام

ثم قولك بعدها: (كل حي ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة وذكري باق، وقد تركت خيرا، وولدت طهرا)

صفحة ( 31)

وكنا نردد ما قيل حينها فيك من أشعار لم يعرف أصحابها، فنسبت إلى الجن (1):

نبكي الفتاة البرة الأمينة... ذات الجمال العفة الرزينة

زوجة عبد الله والقرينة... أم نبي الله ذي السكينه

وصاحب المنبر بالمدينة... صارت لدى حفرتها رهينه

لو فوديت لفوديت ثمينه... وللمنايا شفرة سنينه

لا تبقي ظعانا ولا ظعينة... إلا أتت وقطعت وتينه

أما هلكت أيها الحزينة... عن الذي ذو العرش يعلي دينه

فكلنا والهة حزينه... نبكيك للعطلة أو للزينه

__________

(1) المرجع السابق.

صفحة ( 32)

وكنا نردد في الموالد قول البوصيري في همزيته:

فهنيئًا به لآمنة الفضل... الذي شرفت به حواء

من لحواء أنها حملت... أحمد أو أنها به نفساء

يوم نالت بوضعه ابنة وهبٍ... من فخارٍ مالم تنله النساء

وأتت قومها بأفضل مما... حملت قبلُ مريم العذراء

وكنا كلما قرأنا قوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} (المائدة: 15)، تذكرنا قولك: (ما شعرت أني حملت به، ولا وجدت ثقله كما تجد النساء.. وأتاني آت وأنا بين النائم واليقظان فقال لي: هل شعرت أنك حملت؟ فأقول: ما أدري فقال: إنك حملت بسيد هذه الأمة ونبيها.. وآية ذلك أنه يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وضع فسميه محمدا)(1)

__________

(1) رواه ابن سعد، والبيهقي وغيرهما، انظر: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (1/ 328)

صفحة ( 33)

وتذكرنا أنك حين حملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاك آت من ربك، فقال: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: (أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، من كل بر عاهد وكل عبد رائد، يذود عنى ذائد، فإنه عند الحميد الماجد، حتى أراه قد أتى المشاهد)(1)

لقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض ذلك، فقال مجيبا لمن سأله عن نفسه: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام)(2)

وذكر ذلك بعض النسوة اللاتي تشرفن بالحضور يوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم، فقد ذكرت بعضهن: أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة ولدته، قالت: فما شئ أنظره في البيت إلا نور، وإنى أنظر إلى النجوم تدنو حتى إنى لأقول: لتقعن على (3).

وقد اشتهر هذا النور الذي ظهر وقت ولادته صلى الله عليه وآله وسلم في قريش كلها، وكثر ذكره فيهم، حتى أن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (4):

وأنت لما ولدت أشرقت الأر... ض وضاءت بنورك الأفق

__________

(1) السيرة النبوية لابن هشام (1/ 293)

(2) رواه الحاكم وصححه والبيهقي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (1/ 329)

(3) رواه البيهقى، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (1/ 341)

(4) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (1/ 342)

صفحة ( 34)

فنحن في ذلك الضّياء وفي النّو... ر وسبل الرشاد نخترق

وقال آخر (1):

لمّا استهلّ المصطفى طالعاً... أضاء الفضا من نوره السّاطع

وعطّر الكون شذا عطره الطّ... يّب من دانٍ ومن شاسع

ونادت الأكوان من فرحة... يا مرحباً بالقمر الطالع

لكنا عندما كبرنا، ودخلنا الجامعات.. وأخذنا الشهادات.. بدأت صورتك تبهت وتبهت إلى أن زالت.. وحلت مكانها صورة لامرأة أخرى كانت تبغض ابنك بغضا شديدا..

لاشك أنك تعرفينها.. إنها هند بنت عتبة. تلك التي كنا في صغرنا نبغضها لبغضها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وكنا لا ننسى أبدا موقفها يوم أحد، يوم أخذت الدف هي ونسوة قريش، تضرب عليه خلف الرجال، وتحرض على القتال، وهي تقول بكل وقاحة (2):

__________

(1) المرجع السابق، (1/ 343)

(2) السيرة النبوية لابن هشام (4/ 14)

صفحة ( 35)

إن تقبلوا نعانق... ونفرش النمارق

أو تدبروا نفارق... فراق غير وامق

ولا ننسى صورتها أبدا وهي تبقر بطن حمزة، وتلوكها، ثم تلفظها، وهي تصرخ بأعلى صوتها (1):

نحن جزيناكم بيوم بدر... والحرب بعد الحرب ذات سعر

ما كان عن عتبة لي من صبر... ولا أخي وعمه وبكري

شفيت نفسي وقضيت نذري... شفيت وحشي غليل صدري

فشكر وحشي على عمري... حتى ترم أعظمي في قبري

__________

(1) السيرة النبوية لابن هشام (4/ 40)

صفحة ( 36)

لكنا عندما كبرنا وتعلمنا، ونلنا الشهادات الجوفاء الممتلئة بالغرور والكبرياء نسينا كل ذلك.. وملأنا قلوبنا بهند وبعلها وبنيها.. وصرنا نبشر بأن هندا وذويها كلهم في الجنة.. أما أنت يا أطهر أم في الدنيا.. فصرنا نعتبرك من أهل النار.. وصرنا نحذر كل من يخالف هذا المعتقد بعذاب الله الشديد..

صرنا ــ بسبب ذلك التعليم المحشو بالحقد ـ نرميك يا سيدة الموحدين بأنك مشركة، وكأن الله أعمى قلوبنا عن أن نقرأ قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28]، فإذا كانت نجاسة المشركين تحول بينهم وبين القرب من المسجد الحرام، فكيف تقبل العقول أن يكون الرحم الذي آوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشهرا معدودات نجسا..

وكيف تقبل العقول أن يكون أول لبن تغذى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نجسا؟

ليتنا في ذلك الحين جمعنا بين الآية الكريمة وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء وما ولدني الا نكاح كنكاح الإسلام)(1).. فهذا الحديث لا يكرمك فقط، بل يكرم كل آبائك وأجداك، وكل آبائه صلى الله عليه وآله وسلم من أبيه وأجداده.. فكلهم كانوا على الطهارة والصفاء والإسلام.

لقد كان في إمكاننا أن نجد الأدلة الكثيرة التي تحافظ على تلك المكانة في قلوبنا نحوك.. وكنا نتقن أن نجمع بين جميع الأدلة حتى لو شئنا أن نحول الذئب خروفا لحولناه إلا عند الحديث عنك.. فقد كانت قلوبنا تعمى أن تبصر الحقائق.

لقد استطعنا بذكائنا، وقدرتنا على التلفيق والجمع أن نجعل من أبي سفيان بطلا من أبطال الإسلام، لا عدوا من أعدائه..

__________

(1) رواه الطبراني، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (8/ 214)

صفحة ( 37)

وقد استطعنا أن نحول من الجيش الذي لا يعدو بضعة آلاف يوم فتح مكة، والذي بسبب رؤيته أسلم أبو سفيان كما حفظنا. لقد جعلنا من ذلك الجيش معجزة أعظم من كل تلك المعجزات التي أظهرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقومه لكي يؤمنوا.. أعظم من معجزة شق القمر التي ذكر الله موقف المشركين منها، وكان أولهم أبو سفيان، فقال: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 1، 2] وأعظم من معجزة القرآن نفسه الذي ذكر الله تعالى موقف هند وأبي سفيان منه، فقال: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 30 ـ 32]

بل أعرضنا عن تدبر القرآن الكريم حين يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لا أمل له في أولئك المشركين الكبار الذين أخرجوه، وظاهروا على إخراجه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)} [البقرة: 6، 7]

لقد استطعنا أن نحول من كل أولئك المشركين أناسا طيبين، بل مسلمين مخلصين، بل صحابة أجلاء لا يجوز تخطئتهم، ولا الكلام فيهم..

بل جعلناهم أولياء وقديسين حتى أنه لو صام أحدنا طول عمره، فلم يفطر، وقام فلم يفتر، فإنه لا يمكنه أبدا أن يصل إلى المكانة التي حلها أبو سفيان أو زوجه هند.

هكذا عُلمنا يا أشرف النساء وأطيبهم وأكرمهم.. فلا تلومينا.. وسامحينا.. واشفعي لنا عند ربك.. فلا شك عندنا أن الذي اختارك لتكوني أما لخير خلقه، قد جعل لك مكانة عالية، وجاها عريضا..

واشفعي لنا ـ سيدتي ـ عند ابنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي آذيناه بإيذائنا لك.. ولم نراع حرمته.. ولم نراع تحذير الله من إذيته، حيث قال: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} [الأحزاب: 57]

صفحة ( 38)

لقد تشبهنا ببني إسرائيل في إذيتهم لموسى عليه السلام، ولأنبيائهم، مع أن الله حذرنا من التشبه بهم، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ الله وَجِيهًا} [الأحزاب: 69]

سيدتي الطاهرة.. سأذكر لك بعض أعذاري.. فاسمعيها مني، ولا تلوميني.. فقد كنت غضا طريا.. وكان عقلي فارغا.. وكان للذين يلقونني تلك التعاليم، مع أترابي في الجامعة والمسجد، من السلطان ما لا طاقة لنا بمقاومته..

كانوا يقولون لنا: هذه هي السنة شئتم أو أبيتم.. فإن رفضتم فأنتم رافضة، أو أنتم قبورية، أو أنتم ملاحدة.. إن رفضتم فأنتم مشركون في كل الأحوال.

أذكر أن بعض مشايخنا.. كان صعيديا.. كان اسمه.. دعنا من اسمه، فلعله هو الآخر يتوب.. ويكتب رسالة باكية لك، يترجاك فيها أن تسامحيه.

لقد تنكر لحب أهله من الصعايدة لك، فلم يكفه أن يعتقد ما اعتقد المبغضون لك.. بل راح يبشر بذلك، ويكتب رسالة عنك وعن زوجك الطاهر عبد الله سماها (التعبد المرضي بإثبات كفر والدي النبي كما نطقت بذا الآثار، وجاءت به صحيح الأخبار، مخالفين بذا كل غبيٍّ أبيّ)(1)

ليس هو فقط من تكلم عنك.. لقد تفرغ رجال كثيرون لإخراجك من مقعد الصدق الذي أعده الله لك في الجنة بجوار حبيبك وابنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وكأن الجنة التي وسعوها لهند وبعلها وبنيها ضاقت عنك.

لقد راحوا جميعا بكل ما أوتوا من قوة وحيلة يحاولون أن يثبتوا أنك لست من الذين لا نعلم مصيرهم عند الله.. ولست من أهل الفترة الذين نكل أمرهم إلى الله.. وإنما أنت من دونهم جميعا من أهل جهنم.. ومن المعذبين فيها.

ويلهم.. كيف يتجرؤون على قول هذا.. بل على كتابته؟

__________

(1) هي لمحمد بن عبدالحميد حسونة.

صفحة ( 39)

هل تسمحين لي سيدتي أن أدوس على مشاعر الغيظ في قلبي.. وأذكر لك ما نشروه عنك.. وعن مصيرك..

لقد أوردوا في ذلك أحاديث لست أدري من حدثهم بها يخبر فيها ابنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنك وزوجك عبد الله كلاكما في النار..

فقط أنت وعبد الله أوردوا فيك مثل هذه الأحاديث.. أما أجداد هند وأبي سفيان وأبي جهل والوليد بن المغيرة.. فلم يرووا فيهم حديثا واحدا.. لقد اكتفوا في جواب من يسألهم عنهم أن يقرأوا قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، ثم يعقبوا على الآية الكريمة بأن أولئك جميعا كانوا من أهل الفترة.. ولم يكن هناك نبي..

بل ذهب بعضهم إلى أنهم حتى لو كانوا مشركين.. فقد كان شركم أفضل بكثير من شرك الذين أحبوك أو دافعوا عنك، أو كتبوا القصائد في مديحك.

لقد كانوا يجيبون من يسألهم عن أم أبي سفيان من القرآن بتلك الآية، أما أذا سئلوا عنك أيتها الطاهرة النقية فقد كانوا يقرؤون عليه قوله تعالى: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة: 119]، ثم يذكرون له أن الآية نزلت فيك وفي زوجك عبد الله.. وأن ابنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول كل حين حزنا عليك: (ليت شعري ما فعل أبواي، ليت شعري ما فعل أبواي، ليت شعري ما فعل أبواي؟)، فنزلت الآية لتملأ عليه حياته حزنا، وتنسخ معها قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5]، فلا يملك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن يكف عن ذكرهما حتى توفاه الله، عز وجل (1).

__________

(1) تفسير عبد الرزاق (2/ 78) وتفسير الطبري (2/ 558).

صفحة ( 40)

هكذا استبدلوك بهند وبأبي سفيان وبغيرهم ممن تعلمين.. وكأن الله عوض رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عنك وعن أبيه بأولئك الذين لم يتركوا سبيلا لحربه وعداوته إلا فعلوه.

ويستدلون لذلك بحديث يروونه من أن ابنك محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لما قدم مكة، أتى رسم قبر، فجلس إليه، فجعل يخاطب، ثم قام مستعبراً، فقيل له: يا رسول الله! إنا رأينا ما صنعت.. فقال: (إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها، فلم يأذن لي).. وأنه ما رؤي باكياً أكثر من يومئذ (1).

وليتهم إذ رووه بكوا.. لا.. لقد كانوا مسرورين جذلين لأنهم وجدوا ما يؤكد لهم اعتقادهم.. أنا لا أكذب هذا الحديث.. فقد يكون صحيحا.. ولكني لا أرى فيه إلا نورا آخر من أنوار جمالك وكمالك.. فالاستغفار يكون للمذنبين، أما أنت فمن المصطفين الأخيار الذين نكتفي بالسلام عليهم، كما قال تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59] ولذلك فأنت يقال لك: آمنة عليها السلام.. لا آمنة غفر الله لها. لكنهم للأسف لم يلاحظوا هذا.. بل راحوا ينقلون عن بعضهم قوله ـ بعد ذكر الحديثـ: (فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى.. وفيه النهي عن الاستغفار للكفار)

بل إن بعضهم تجرأ فراح يزعم أن ابنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يزرك قاصدا لزيارتك، وإنما زارك قصد قوة الموعضة والذكرى بمشاهدة قبرك..

لم يكتفوا بهذا ـ سيدتي ـ بل راحوا ينقلون الإجماع.. وكأن الأمة اختصرت فيهم.. فقد ذكروا عن بعضهم (إجماع السلف والخلف على عدم نجاة أبوي النبي صلى الله عليه

__________

(1) رواه مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج 7 ص 46..

صفحة ( 41)

وآله وسلم..) ونقلوا عنه قوله: (اتفق السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين على ذلك من غير خلاف لما هنالك)(1)

لا تحزني أيتها الطاهرة النبيلة، فليس هناك إجماع ولا هم يحزنون.. كل ما في الأمر أنهم ثلة من الناس رفعت الحياء عن وجهها، فراحت تصحح كل ضعيف، وتحيي كل ميت في سبيل أن تنال منك..

لكن الكثير من محبيك قاموا ليدافعوا عنك وعن زوجك عبد الله، وألفوا في ذلك رسائل وكتبا.. كان منها (الانتصار لوالدي النبي المختار صلى الله عليه وآله وسلم) للسيد مرتضى الزبيدي.. ومنها (تحقيق آمال الراجين في أن والدي المصطفى من الناجين) لابن الجزاز.. ومنها (التعظيم والمنة في أن أبوي المصطفى في الجنة)، و(مسالك الحنفا في والدي المصطفى) للسيوطي.. ومنها (ذخائر العابدين في نجاة والد المكرم سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم) للأسبيري.. ومنها (مرشد الهدى في نجاة أبوي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم) للرومي.. ومنها (مطلع النيرين في إثبات نجاة أبوي سيد الكونين صلى الله عليه وآله وسلم) للمنيني.. ومنها (هدايا الكرام في تنزيه آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم) للبديعي.. ومنها (أمهات النبي صلى الله عليه وآله وسلم) للمدائني.. ومنها (تأديب المتمردين في حق الأبوين) لعبد الأحد بن مصطفى الكتاهي السيواسي.. ومنها (قرة العين في إيمان الوالدين) للدويخي.. وغيرها كثير.

هل أخبرك ـ سيدتي ـ بشيء قد يثير عجبك.. ولكن لا تتعجبي، فأمثال هذه العقول يمكنها أن تجمع المتناقضات، ولا تضيق بها..

__________

(1) أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن سلطان محمد القاري تحقيق: مشهور بن حسن بن سلمان - مكتبة الغرباء الأثرية - الطبعة الأولى 1413 هـ، ص (7 - 8)

صفحة ( 42)

إنهم يروون عن بعضهم قوله: (وفُضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين: سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم)(1)

كان في إمكانهم لو طبقوا هذا على أنفسهم.. لا بسؤال اليهود والنصاري.. فقد يكذبون.. وإنما بسؤال القرآن نفسه.. لا عن أصحاب موسى، فقد أخبر الله عما فعلوه به.. ولا عن أصحاب المسيح، فقد أخبر القرآن عن انحرافهم عنه.. وإنما يسألوا القرآن الكريم نفسه عن أم موسى وعيسى.. فإذا سألوه فسيجيبهم بأن أم موسى أوحى لها الله: {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] وأما أم المسيح، فقد أوحى لها الله: {يَامَرْيَمُ إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45] ونحسب أن ما رأيته وما سمعته لا يقل عما رأته أم موسى أو أم المسيح.. لأن محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو سيد موسى والمسيح.

ليتهم يعملون القياس الذي تعودوا أن يعملوه في كل شيء، ليروا أنفسهم أسوأ من اليهود والنصارى في موقفهم من أم نبيهم.. مع العلم أن أم أي شخص في الدنيا أقرب إليه وأعز من كل أصحابه..

أمر أخير ـ سيدتي ـ أريد أن أبثه لك.. ولست أدري هل يحق لي ذلك أم لا.. فاعذريني فأنا عبد بسيط حقير.. معارفه محدودة.. وقد أكون مخطئا فيما سأذكره لك.

لقد كان المدافعون عنك.. وكأنك مذنبة أو ظالمة.. يلتمسون كل السبل، ليثبتوا إيمانك.. حتى أنهم ذكروا حديثا بأن الله أحياك لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم لتؤمني به.. ولست أدري كيف أني من غير قصد لم أصدق ذلك.. ووقعت عند عدم تصديقي

__________

(1) منهاج السنة: ج/1 - ص/27.

صفحة ( 43)

مع الفريق الذي أعلن عليك الحرب.. طبعا أنا لم أصدق ذلك لا لكونه غريبا.. فالله قادر على كل شيء، والذي أحيا الموتى للمسيح عليه السلام، لا يعجز عن إحياء الموتى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

ولكني لم أصدقه لأجل الغاية التي وردت في الحديث.. وهي أنك حييت لأجل أن تؤمني به.. لأني أعلم أنك كنت مؤمنة به قبل أن يولد.. وبعد أن ولد.. ومت وأنت من أكثر خلق الله عشقا له.

وحتى بعد موتك.. أنا أعتقد أن الله القادر على كل شيء، والذي جعل الشهداء أحياء عنده.. ويستبشرون بما يروه من أعمال من لم يلحق بهم.. أعتقد جازما ـ ولا يهمني أن أرمى بالخرافة أو الضلالة أو البدعةـ أنك كنت حية تتابعين كل حركة وسكنة من حركات ابنك وسكناته.. وتستبشرين بذلك.. ولذلك لم تكوني بحاجة إلى إحياء..

لكن ذلك الصعيدي الجافي الغليظ وأصحابه تصوروا أنهم بمجرد الحكم على وضع الحديث وكذبه يكونون قد قضوا على الدليل الوحيد الذي يحميك من نار جهنم..

لقد نقل هذا الصعيدي، وغيره من الذين امتلأت قلوبهم قسوة وغلظة قول ابن الجوزي في ذلك الحديث: (هذا حديث موضوع لا يشك فيه، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافرا لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن بعد المعاينة، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217])(1)

هل سمعت ما قال؟.. إنه يقول بأنك حتى لو حييت من جديد، فإن ذلك لن ينفعك.. وكأن الله قدر لك العذاب لا محالة..

__________

(1) الموضوعات، (1: 284).

صفحة ( 44)

ولست أدري هل ذلك كان عقوبة لك لكونك حملت بخير خلق الله.. أم لأي شيء آخر.

أما من يسمونه شيخ الإسلام، الذي هو أستاذ كل من تكلم فيك.. فقد علق على ذلك الحديث بقوله، وهو في غاية الغبطة والسرور: (لا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذباً، كما نص عليه أهل العلم، وليس ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث، لا في الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد، ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير، وإن كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح، لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متدين، فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي في نقله، فإنه من أعظم الأمور خرقاً للعادة من وجهين: من جهة إحياء الموتى.. ومن جهة الإيمان بعد الموت.. فكان نقل مثل هذا أولى من غيره، فلما لم يروه أحد من الثقات علم أنه كذب)(1)

هل رأيت أيتها الطاهرة كيف يتكلمون عنك.. وكأنهم قطعوا كل حبال النجدة التي يمدها إليك محبوك من البسطاء والمتواضعين، والذين رضوا أن يصدقوا بالمعجزات والخوارق في سبيل أن يثبتوا نجاتك.

وقد غاب عنهم جميعا أنك لست ناجية فقط.. وأنك لست من أهل الجنة فقط.. بل أنت محل نظر الله.. ومحل اصطفائه.. فهو اختارك من بين نساء العالمين جميعا لتكوني أما لحبيبه الذي اصطفاه وارتضاه.. ومن كان محلا لهذا الاصطفاء لا يمكن أن يتخيل خيال، أو تدرك نفس ما أعد له من قرة أعين.

هذه رسالتي ـ سيدتي ـ مضمخة بدموعي.. وبحرارة الشوق لك، ولابنك.. ولأحفادك الطاهرين.. فتقبليها مني.. وكوني أنت وابنك وأحفادك شفعاء لي عند ربك.

__________

(1) مجموع الفتاوى (4/ 325)

صفحة ( 45)

إلى الزوجة الوفية

سيدتي الطاهرة الوفية المظلومة خديجة..

يا أم كل الطاهرين الشهداء الذين تزينت بهم الأرض، وتضمخت بعطرهم السماء.. يا أم الزهراء، وجدة الحسن والحسين، وجدة كل أولئك الذين ملأوا الأرض سلاما وجمالا وطهرا.. يا زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. يا من بشرك جبريل بالجنان.. وألقى إليك تحيات السماء..

يا من ملأت قلوبنا أشواقا ورقة.. فكلما نتذكرك، ونتذكر تضحياتك، تنهمر الدموع من مآقينا، لا نستطيع كفكفتها، وكيف نستطيع، ومشهدك وأنت تعانين في رمال الشعب، محاصرة جائعة ظمآنة، مثلما حوصر حفيدك الحسين، وأهل بيته الذين هم من نسلك الطاهر.. لا يغادر أبصارنا ولا بصائرنا.

اسمحي لي أيتها الزوجة الوفية.. والأم الغالية.. والشهيدة الصديقة.. أن أحدث قومي بشأنك، فقد رأيت فيهم من الغفلة عنك، ما جعلهم لا يكادون يذكرونك بين زوجات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أنك كنت زوجته الوحيدة في أكثر سني عمره، وفي السنين التي لم يكن فيها إلا معك، قبل أن تزدحم عليه تكاليف الرسالة وأعباءها في المدينة المنورة؛ فلا يكاد يمكث في بيته إلا قليلا.

ومع ذلك، وبعد فراقك الحزين له، بقي يحن إليك، ويذكرك كل حين، لأنك لم تغادري قلبه، ولا حياته، بل كان يحن للأيام التي كنت فيها سنده، وكنت فيها المثال الأعلى للمرأة الصديقة الطاهرة المجاهدة التي لم يكن لأي امرأة غيرها، أن توضع معها، أو تقارن بها.

ولم يكن ذلك نتيجة عاطفة من عواطف البشر العاديين؛ فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معصوم العاطفة، فلم يكن ينظر إليك جسدا، وإنما كان ينظر إليك روحا

صفحة ( 46)

شفافة مملوءة بقيم الجمال؛ فلذلك كان يحدث عنك أمته، لتجعلك رمزا من رموزها، وقيمة من قيمها، ومعنى من معانيها النبيلة.

لقد كان يقول عنك وعن فاطمة التي هي بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنتك، ومريم، وامرأة فرعون: (حسبك من نساء العالمين: مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد. وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون)(1)

وكان يكرر ذلك لأمته لتملأ قلوبها بمحبتك، ومحبة القيم النبيلة التي تحملينها، والتي أهلتك لذلك الشريف الرفيع في مراتب الإنسانية، ومن الأمثلة على ذلك ما رواه ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأرض أربعة خطوط. فقال: أتدرون ما هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: (أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة ابنة محمد صلى الله عليه وآله وسلمومريم ابنة عمران وآسية ابنة مزاحم امرأة فرعون)(2)

وهذا الفضل ـ أيتها الوفية الصديقة ـ ليس فضلا اعتباطيا ـ كما يتوهم المغلفون ـ ولا عاطفيا، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكبر من أن يحكم بعاطفته، وقد قال تعالى عنه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]، وإنما كان صلى الله عليه وآله وسلم يعبر عن الحقائق الكبرى للوجود، ومنها وجودك الممتلئ بالطهر والقداسة، فأنت ركن من أركان الجمال الأنثوي في معانيه السامية التي لا تراها العيون المحبوسة في قيود الكثافة.

__________

(1) رواه الترمذي بسند صحيح والنسائي والحاكم (التاج الجامع للأصول 379/ 3)

(2) رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الزوائد 223/ 9)

صفحة ( 47)

ولذلك لا نستطيع نحن ولا غيرنا أن نعرفك، أو نعرف معنى كونك أحد أولئك الأربع الذين تأسس عليهم الجمال الملكوتي للمرأة.. وإنما يمكننا أن نعرفك فقط من خلال ما روي عنك، وهو قليل جدا بجانب حقيقتك التي امتلأت بها جوانحك، حتى يختارك الله لنبيه، وفي أحرج الفترات التي تمر بحياته.

ونحن نحسب، بل نوقن أن تلك المعاني النبيلة التي كان قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمتلئ بها، حين يذهب إلى حراء أو قبلها أو بعدها، كان يبثها إليك، فيستحيل على الزوجة ألا تسأل زوجها، ويستحيل عليك وأنت من امتلأت بحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا تعرفيه، وتعرفي الأسرار التي كان يمتلئ بها، ولذلك كنت أول المؤمنين إيمانا.

ولم تكوني في حاجة للذهاب إلى ورقة بن نوفل أو غيره، ليثبت لك ذلك.. فكل ذلك من رواياة البغاة الذين أرادوا تشويهك وتشويه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ومن العجيب أنهم يذكرون أن موسى عليه السلام عرف كونه نبيا، بل طلب النبوة لأخيه، عند كلام الله له، ثم يجعلون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محتاجا إلى ورقة وغيره ليثبت له نبوته..

وكل ذلك تضليلات من الفئة الباغية لتصور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصورة التي يرغبون فيها.. ولذلك نحن نوقن بأن معرفتك بشأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكونه محلا للنظر الإلهي، ومحلا لارتباط الأرض بالسماء، لم يكن وليد بعثته فقط، وإنما كان قبل ذلك بكثير..

وقد روى الرواة أن سبب زواجك به، وتركك للزواج من غيره، رغم كثر من طلب يدك، هو انتظارك لذلك اليوم الذي تتحقق فيه أمنيتك، فقد روي أن نساء أهل مكة احتفلن في عيد كان لهن في رجب، فلم يتركن شيئا من إكبار ذلك العيد إلا أتينه، فبينما هن في عيدهن تمثل لهن رجل، فلما صار منهن قريبا نادى بأعلى صوته: (يا نساء مكة إنه سيكون في بلدكن نبي يقال له أحمد، يبعث برسالة الله، فأيما امرأة استطاعت أن تكون

صفحة ( 48)

له زوجا فلتفعل؛ فحصبته النساء وقبحنه وأغلظن له، وأغضت خديجة على قوله، ولم تعرض له فيما عرض فيه النساء)(1)

ومن ذلك اليوم، وأنت تبحثين عن ذلك الزوج الكريم.. وعندما علم الله صدقك، دلك عليه، فلم يكن حديث ذلك الرجل الذي سمعته كما سمعه النسوة معك سوى دعوة إلهية لك، لتلتحقي بقافلة الطهر، التي كانت تهيأ ذلك الحين.

ونحن لا نستغرب هذا، ولا نتعجب منه، فكما هيأ الله تعالى للمسيح أما من صغرها الباكر، فأنت أيضا قد هيئت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تهيئة خاصة، ولذلك كنت ومريم في درجة واحدة.

وقد أشار ابن عمك ورقة بن نوفل إلى كثرة ذكرك له صلى الله عليه وآله وسلم، وكثرة بحثك عنه، فقال بعد أن وصفت له ما ذكره لك ميسرة: (لئن كان هذا حقا يا خديجة، فإن محمدا لنبي هذه الأمة، وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه)(2)

ثم أخذ أمامك يذكر أشواقه إلى هذا النبي الموعود، وكأنه يعبر عن أشواقك أنت أيضا؛ فقد قال:

لججت وكنت في الذكرى لجوجا... لهم طالما بعث النشيجا

ووصف من خديجة بعد

__________

(1) رواه المدائني، عن ابن عباس، انظر: شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (4/ 365)

(2) السيرة النبوية لابن كثير (1/ 268)

صفحة ( 49)

وصف... فقد طال انتظاري يا خديجا

ببطن المكتين على رجائي... حديثك أن أرى منه خروجا

بما خبرتنا من قول قس... من الرهبان أكره أن يعوجا

بأن محمدا سيسود فينا... ويخصم من يكون له حجيجا

ويظهر في البلاد ضياء نور... يقيم به البرية أن تموجا

فيلقى من يحاربه خسارا... ويلقى من يسالمه فلوجا

فيا ليتي إذا ما كان ذاكم... شهدت فكنت أولهم ولوجا ولوجا

في الذي كرهت قريش... ولو عجت بمكتها عجيجا

أرجي بالذي كرهوا جميعا... إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا

صفحة ( 50)

وهل أمر السفالة غير كفر... بمن يختار من سمك البروجا

فإن يبقوا وأبق تكن أمور... يضج الكافرون لها ضجيجا

وإن أهلك فكل فتى سيلقى... من الأقدار متلفة حروجا

وهكذا وردت الروايات الكثيرة تخبر عن علمك بالشأن الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثلما كانت تعلم أمه وعمه وجده، والذين كانوا يحرصون عليه، ويعلمون أن له شأنا عظيما عند الله تعالى.

ولذلك نحن نكذب كل الروايات التي تسيء إليك، وتصورك بصورة المرأة الجاهلية العادية التي تعبد الأصنام، وتمارس ما يمارسه أهل الجاهلية من طقوس، ذلك أن تلك المنزلة الرفيعة التي أهلت لها، لم تكن لتسمح بذلك، فعقلك لم يكن أقل نضجا من عقل أولئك الحنفاء، ولا من عقل أولئك الموحدين المحافظين على دين إبراهيم..

وكيف يكون الأمر كذلك، وأنت لم تذكري زواجك لسدنة الأصنام المحيطة بالكعبة، وإنما ذكرتها لابن عمك لعلمك بتوحيده وإيمانه وانتظاره للنبي الموعود، والذي لم يكن يختلف عن انتظارك.

لكن المشاغبين من الفئة الباغية راحوا يصورونك بصورة أخرى، بل إنهم في بعض ما يروونه يذكرون أنك سقيت أباك أو عمك خمرا حتى يوافق على زواجك، بل إن بعضها يذكر أنه كان ثملا عندما حدثته عن ذلك.

صفحة ( 51)

وكل ذلك زور وبهتان وتلفيق من أعدائك الذين لم يجدوا في حياتك ما يمكن أن يسيء إليك، فراحوا ـ بعد وفاتك ـ يستحلون الكذب عليك، كما استحلوه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكل الأنبياء والصالحين.

لقد رووا عن الزهري، وأنت تعرفين تدليسه، وصلته بالفئة الباغية من بني أمية، أنه قال يحدث عن كيفية زواجك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (.. فانطلقت إلى أبيها خويلد بن أسد، وهو ثمل من الشراب، فقالت: هذا ابن أخيك محمَّد بن عبد الله يخطب خديجة، وقد رضيت خديجة، فدعاه، فسأله عن ذلك، فخطب إليه، فأنكحه، قال: فخَلَّقته خديجة، وحَلَّت عليه حلة، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بها، فلما أصبح، صحا الشيخ من سكره، فقال: ما هذا الخلوق، وما هذه الحُلَّة؟ قالت أخت خديجة: هذه حلَّة كساكها ابن أخيك محمد بن عبد الله أنكحته خديجة، وقد بنى بها، فأنكر الشيخ، ثم سلَّم إلى أن صار ذلك واستحيي، وطفقت رُجاز من رُجَّاز قريش تقول:

لا تزهدي خديجُ في محمَّد.. جلد يضيء كضياء الفرقد)(1)

ولم يكتفوا بذلك، بل راحوا يصورون أنك التي قمت بذلك، لأنك لم تستطيعي إقناعهم بالقبول بزواجك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فرحت تحتالين عليهم بالخمر.. وكل ذلك ليشوهوك، ويشوهوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويذكروا أنه لم تكن له أي مكانة بين قومه على الرغم من كل الروايات التي تشيد به، وتذكر أن قومه جميعا كانوا يصفونه بأنه الصادق الأمين (2).

__________

(1) المغازي النبوية لابن شهاب الزهري ص 43..

(2) وقد كانت هذه الروايات التي لفقوها سببا في طعون المستشرقين، فقد قال دورمنغم: (ولم يتم لخديجة ما عزمت عليه بغير مقاومة، فلم يرق أسرتها وهي غنية حليفة لبني مخزوم، أن تتزوج يتيما فقيرا غامض الأمر دون بني مخزوم قدرا) [حياة محمد، ص 43]، وهذا غريب، فلم يكن بنو أسد حلفاء لبني مخزوم، وهكذا علق بودلي على هذا الأمر فقال: (لو أن محمدا كان من علية القوم الأربعمائة، ولو أنه كان من أعضاء الندوة الأغنياء أو بني المطلب، الذين عاشوا حول الكعبة.. بل كان نقيض ذلك) [الرسول، ص 46]، وقال: (وقامت خديجة في نفس الوقت، تمسح رأس عمها بالزعفران والعنبر، ودوت في أركان بيت خديجة أصوات التهليل، وصار زواج محمد من خديجة أمرا واقعا، وما كانت خديجة بالمندفعة في هذه الفرصة السانحة فقد تعلم فعل الخمر في النفوس، وحين كان كل يربت على كتف صاحبه ويتقارعون الكؤوس ويتفاخرون، جاء من يكتب العقد وفي هذا الجو الذي يغلب عليه الصفاء، أتفق على الصداق وتم عقد القران وانتهى الأمر، وصار محمد يعد بعلا لخديجة بحسب شريعة مكة) [الرسول، ص 35]

صفحة ( 52)

وهم يعلمون أن الخمر لم يكن يشربها في ذلك العصر إلا الصعاليك، أما أصحاب المروءات، فلم يكونوا يقربونها، بل كانوا يعتبرونها من الرجس الذي يسيء إليهم، وقد رووا أن العباس بن مرداس السلمي، والذي لم يكن أكثر مرؤة من والدك، قال: (لا أشرب شرابا أصبح سيد قومي، وأمسي سفيههم)(1)

وهكذا يذكرون أن الشاعر المعروف طرفة بن العبد تحاشاه قومه بسبب معاقرته الخمر، كما يفعلون بالبعير الأجرب، فراح يعبر عن ذلك بقوله (2):

ومازال تشرابي الخمور ولذتي... وبيعي وإنفاقي طريفي وملبدي

الى أن تحامتني العشيرة كلها... وأفردت أفراد البعير المبعد

__________

(1) أبو علي القالي، الأمالي، 1/ 205.

(2) الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص 86 ـ.

صفحة ( 53)

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى... وإن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي... فدعني أبادرها بما ملكت يدي

والعجيب أن هؤلاء الذين يذكرون هذا، هم أنفسهم الذين يذكرون أنك كبيرة السن، وسبق لك الزواج قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنك لم تكتف قبله بزوج واحد، وإنما تزوجت بزوجين، وكل ذلك، حتى يثبتوا أنك لست أكثر شأنا من غيرك، ولا أفضل منهم.. وكل ذلك كذب وزور وبهتان ينفيه العقل والنقل.

أما العقل، فالكل، وفي جميع العالم يعلم أن الزواج الأول لأي شخص، وخاصة في مرحلة الشباب، يكون من البكر، لا من الثيب، ويكون من المرأة التي تدانيه في السن، لا التي تكبر عليه.. وهذا من المتفق عليه بين طباع البشر جميعا، وخصوصا بين العرب الذين كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحدا منهم.

ولم يدر هؤلاء أن ذلك التبرير الخطير الذي وضعوه، وهو كونك غنية مع فقر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يسيء لا لك فقط، وإنما يسيء إليه أيضا، لأن العادة جارية على أن الشخص لا يتزوج المرأة التي تكبره سنا إلا لطمعه في مالها، أو في بعض المصالح التي يقضيها من وراء زواجه منها.

صفحة ( 54)

ولو أن هؤلاء الذين أشاعوا هذا راحوا يستعملون عقولهم في الروايات التي تؤرخ لعمرك، لعرفوا أنك لم تكوني إلا تربا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي نفس عمره، وقد ذكر البيهقي ذلك، وصححه، وأورد غيره الأدلة عليه (1).

لكنهم أبوا إلا أن يجعلوك ـ حين تقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لخطبتك ـ بنت ست وأربعين سنة، أو في سنّ الأربعين (2)، ومن العجيب أنهم يذكرون أن أهلك مع ذلك كانوا مترددين في زواجك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان حينها لا يزال شابا يافعا لا يجاوز الإحدى وعشرين سنة (3).

ولو أنهم رجعوا لما ذكروه في تاريخ وفاتك، وعمرك حينها، لعرفوا ذلك، فقد ذكر البيهقي في دلائل النبوة أن عمرك حين الوفاة كان خمسين سنة، فقال: (لقد بلغت خديجة

__________

(1) انظر: دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 71 والبداية والنهاية ج 2 ص 294 و295، السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 265.

(2) انظر: ابن اثير، الكامل، ج 2، ص 39؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 8،ص 174؛ ابن اثير الجزري، أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج 1، ص 23.

(3) هكذا روى الزهري، فقد روي عنه أنه قال: كان عمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحدى وعشرين سنة، وهو يتناسب مع عمر الزواج في ذلك الوقت، وقيل: خمساًوعشرين سنة، زمان بنيت الكعبة، وفي الاستيعاب لابن عبد البر أنّ عمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الزواج بخديجة خمس وعشرون سنة، ونقل ابن الأثير أقوالاً مختلفة في ذلك وهي: (??، ??، ??، ??، ??، ??) سنة [انظر: ابن کثير، البداية والنهاية، ج 5، ص 314، ابن عبدالبر، الاستيعاب، ج ?، ص?5].

صفحة ( 55)

خمساً وستين سنة، ويقال خمسين وهو أصح)(1)، وهكذا اعتمد ابن كثير على رواية البيهقي، فذهب إلى أن عمرك حين الوفاة كان خمسين سنة (2).

وهم يتفقون على أن زواجك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قبل البعثة بخمس عشرة سنة، وأنك مكثت معه في بيته زوجة له خمسا وعشرين سنة.. وهذه الحسابات وحدها كافية لرد تلك الأباطيل التي يشيعونها عنك قصد تشويهك، وتشويه النبوة معك.

ولم يكتفوا بذلك، بل راحوا يذكرون زواجك قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى يهونوا من شأنك، وقد كان الكذب واضحا في تلك الروايات، فبينما هم يذكرون تنافس أشراف قريش على طلب يدك، بل يذكرون تردد أهلك في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين طلبك، إذا بهم يذكرون أن الذي تزوجك لم يكن سوى شخصين عاديين لم يكن لهما أي قيمة اجتماعية، وقد تناقضوا فيهما كما تناقضوا في كل ما يدلسونه عليك (3)، لأنهم يعرفون أن هناك الكثير ممن لا يقرأ، ولا يحقق، بل يكتفي فقط بأن يستمع، ويردد ما يقال له.

لم تقتصر إساءاتهم إليك على ذلك فقط، بل إنهم راحوا يتلاعبون بتلك النصوص المقدسة الكثيرة التي وردت في فضلك، يؤولونها ليصرفوا عنك الأفضلية لتصبح لغيرك،

__________

(1) دلائل النبوة: ج 2، ص 71.

(2) سيرة ابن كثير: ج 1 ص 264.

(3) بعض المصادر تسمي أحدهما أبا شهاب عمرو الکندي، وتسميه اُخري مالک بن النباش بن زرارة التميمي، واُخري تسميه هند بن النباش، واُخري تسميه النباش بن زرارة، وأما من دعي بعتيق بن عائذ المخزومي، وهو الزوج الثاني المفترض، فقد سمته بعض المصادر عتيق بن عابد التميمي إلي غيرذلک..

صفحة ( 56)

مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يخبر كل حين أنك أنت الأفضل، لا باعتبارك جسدا، وإنما باعتبارك ممثلة لكل القيم النبيلة التي لم تجتمع إلا في النساء الأربع.

ومن ذلك ما حدثت به عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة؛ فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوماً من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزاً، فقد أبدلك الله خيراً منها، فغضب، ثم قال: (لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء)، قالت عائشة: (فقلت في نفسي لا أذكرها بسيئة أبداً)(1)

فذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لك بين الناس يدل على أنك من أولئك الذين أمرنا بذكرهم والثناء عليهم، لا لذواتهم، وإنما لتحولهم إلى قيم نبيلة، يمكن أن يتخذها الناس أسوة لهم في حياتهم.

وكيف لا يفعل ذلك، وقد أمره الله تعالى بذكر صاحبتك مريم عندما قال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} [مريم: 16]، فأنت ومريم في مرتبة واحدة، وفي محل واحد، ولذلك كان ذكرك مطلوبا مثل ذكرها.. ذلك أنه بذكركما تذكر المعاني الطاهرة.

ولذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم يذكرك أمام النساء، لا باعتبارك زوجة له، وإنما باعتبارك رمزا عمليا لكل القيم النبيلة التي تمثلت فيك.. وكيف لا تتمثلينها، وأنت التي أخرت زواجك حتى تلتقي به صلى الله عليه وآله وسلم، وبقيت أشواق قلبك معلقة إلى أن وصلت إليه، ثم ضحيت بعد ذلك بكل ما تملكين، وآثرت الحصار والجوع والآلام على تلك العزة التي كان يمكن لأموالك أن توفرها لك.

__________

(1) رواه أحمد وإسناده حسن (مجمع الزوائد 224/ 9)

صفحة ( 57)

ولكن مع ذلك كله نظر الباغون إليك نظرة أخرى، غير تلك التي كنت عليها، والتي رسمها صلى الله عليه وآله وسلم عنك.. حيث تصوروا أن الأمر مرتبط بالأهواء لا بالدين.. فلذلك راحوا يستعملون كل الحيل التي تجعلهم يصورون أن الله تعالى أبدلك بمن هو خير منك.. مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يردد كل حين: (لا والله ما أبدلني الله خيراً منها)، وهي كلمة عظيمة من الذي لا ينطق عن الهوى، ومشفوعة بقسم.. وما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم عن هوى، أو يتحدث عن هوى.

والعاقلون يدركون ذلك، ولا يحتاجون لقسم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فالفطرة السليمة تدل على ذلك، فكيف يوضع معك غيرك، وأنت التي قدمت من الخدمات للإسلام في تلك الفترة الحرجة ما تنوء به الجبال.. ويكفي من ذلك أنك كنت أول النساء إسلاما، وبذلت كل مالك في سبيل الله إلى أن مت في الشعب فقيرة محاصرة لا تجدين شيئا تأكلينه.

وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بركات مالك على الدعوة الإسلامية في مهدها، ففي الحديث، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما نفعني مالٌ قطُّ، ما نفعني مالُ خديجة)(1)، وقد كنت تساهمين به في عتق الرقيق، وأداء الديون عن الغارمين، ومساعدة الفقراء، ومدّ يد العون إلى المحتاجين، وكنت أنت وأبو طالب مصدر الإنفاق في ذلك الحصار الجائر.

ومما روي في ذلك أن أبا جهل بن هشام كان قد لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، ومعه غلام يحمل قمحاً، فتعلّق به وقال: أ تذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة؛ فجاءه أبو البختري ابن هاشم بن الحارث بن أسد، فقال: مالك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختري:

__________

(1) بحارالانوار، ج 19، ص 63..

صفحة ( 58)

(طعام كان لعمّته ـ أي خديجة ـ عنده بعثت إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها! خل سبيل الرجل)(1)

وكيف يوضع غيرك معك، وقد روي بالأسانيد الكثيرة المتواترة ما يدل على الصبر الذي أبديته في حياتك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة، وفي أوقات الشدة العظيمة، وأنت التي كنت غنية عن ذلك.. في نفس الوقت الذي يذكر القرآن الكريم والسنة الصحيحة أن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة اشتكين حياة الشظف التي يعشنها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الدرجة التي نزل القرآن الكريم يخيرن فيها بين صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصبر على حياته، أو أن يملكن أمرهن بالافتراق عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال تعالى يذكر ذلك: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ الله أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28، 29]

وقد أورد المحدثون في سبب نزولها أن عائشة أخبرت: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمجاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه، فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك)، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه. قالت: ثم قال: (وإن الله قال: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة)(2)

نعم هذا موقف طيب من عائشة، والباغون يفخرون به كثيرا، وينسون أن يذكروا معه في غمرة فخرهم واستعلائهم أن كل ذلك لم يخطر على بالك أصلا.. وهل يمكن لمن

__________

(1) سيرة ابن هشام (2/ 5).

(2) رواه البخاري برقم (4785)

صفحة ( 59)

هو في مرتبتك من الزهد والتقوى أن يطالب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمثل هذا أو غيره؟

لقد كنت ترين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل شيء.. فلم يكن يهمك سواه.. فلذلك ضحيت بمالك كله في سبيل الله.. ولم تشتكي أي شكوى.. بل بذلت ذلك برضا وطمأنينة وسعادة.

لكن البغاة يأبون إلا أن يتلاعبون بكل ما ورد في حقك من فضل، باعتبارك المثال الأعلى للمرأة المسلمة، ليستبدلوا غيرك بصنوف الحيل التي تعلموها في تمييع النصوص المقدسة والتلاعب بها.

ومن الأمثلة على ذلك إيراد الخلاف في التفاضل بينك وبين عائشة، فقد قال بعضهم: (وفاطمة أفضل بناته على الإطلاق، وقيل إنها أفضل نساء العالمين، وقيل بل أمها خديجة، وقيل بل عائشة، وقيل بل بالوقف في ذلك)(1)

ولست أدري كيف يطرح هذا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكرك وابنتك فاطمة، ولم يذكر معك عائشة، ولكنهم أبوا إلا أن يدخلوها، وأبوا إلا أن يزيدوا فيفضلوها.. من غير دليل إلا الأهواء، ولم يعلموا أن الأمر مرتبط بالدين، لا بالأشخاص، وأن الله هو الذي يختار، لا رسوله، ولا غيره من البشر، وقد قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68]، فقد اعتبر الله في الآية الكريمة الاختيار مع اختيار الله شرك، لأن المشرك هو الذي يجعل نفسه أو غيره ندا لله.

وهكذا قال آخر، لاشك أنك تعرفينه، إنه من يطلقون عليه كذبا وزورا [شيخ الإسلام]، ذلك الذي امتلأ نصبا وعداوة لكل من يمت لأهل النبوة بصلة، فقد قال تلميذه النجيب يذكر ذلك: (ومنها أنها خير نساء الأمة واختلف في تفضيلها على عائشة

__________

(1) زاد المعاد ج: 1 ص: 104.

صفحة ( 60)

على ثلاثة أقوال، ثالثها الوقف، وسألت شيخنا ابن تيمية فقال: اختص كل واحدة منها بخاصة، فخديجة كان تأثيرها في أول الإسلام، وكانت تسلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتثبته وتسكنه وتبذل دونه مالها فأدركت عزة الإسلام، واحتملت الأذى في الله وفي رسوله، وكانت نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها، وعائشة تأثيرها في آخر الإسلام فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة وانتفاع نبيها بما أدت إليهم من العلم ما ليس لغيرها هذا معنى كلامه)(1)

ولو قرأ هذا الذي يسمونه شيخ الإسلام القرآن الكريم، وسلم لقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} [الحديد: 10]، لعرف أن الفضل لا يرتبط بالرواية، وإنما يرتبط بالمواقف، وفي الأوقات الحرجة.

ولو كان الأمر مرتبطا بالرواية، لكان أبو هريرة أفضل الصحابة، فهم يروون عنه ما لا يروون عن غيره، مع العلم أنه أسلم بعد الفتح.. وهم لا يقولون بذلك.

ولو كان الأمر مرتبطا بالرواية، فإن جميع أمهات المؤمنين بلغن الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأدين ما رأينه واجبا عليهن، فلم تخص بذلك زوجة دون زوجة.

ولم يكتفوا بذلك حتى يصرفوا النظر عنك، وإنما راحوا يدرجون في النصوص المقدسة ما ليس منها، ثم يجعلون المدرج أصلا، ليلغوا به متن الحديث.. فقد زادوا في الحديث الذي ذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النسوة الأربع التي تمثلن بجميع القيم النبيلة حتى صرن نماذج صالحة للاقتداء هذه الزيادة: (وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)(2)

__________

(1) جلاء الأفهام ج: 1 ص: 234.

(2) رواه البخاري (3411)، ومسلم (2431)

صفحة ( 61)

وقد رووا ذلك، وهم يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكرم من أن يشبه البشر بالطعام، ويشبه زوجته بالثريد.. وهذا لا يكون إلا من أولئك الذين يحتقرون المرأة، ويتصورون أنها مجرد متعة من المتع مثل الطعام الذي يستمتعون به، وليست إنسانا محترما له رسالته في الحياة الدنيا مثله مثل الرجل تماما.

ورووه، وهم يعلمون أن الثريد لم يكن في يوم من الأيام سيد الطعام، بل قد ورد في النصوص ما يبين فضل اللبن والتمر والعسل، وغيرها، والتي لا يساوي الثريد أمامها شيئا، حتى أن بعض المحدثين راح يبرر الحديث بطريقته الخاصة في التبرير الذي يتنافى مع جلال النبوة، فقال: (والظاهر أن فضل الثريد على سائر الطعام إنما كان في زمنهم لأنهم قلما كانوا يجدون الطبيخ، ولا سيما إذا كان باللحم، وأما في هذا الزمان فأطعمة معمولة من أشياء كثيرة متنوعة فيها من أنواع اللحوم ومعها أنواع من الخبز الحواري، فلا يقال: إن مجرد اللحم مع الخبز المكسور أفضل من هذه الأطعمة المختلفة الأجناس والأنواع، وهذا ظاهر لا يخفى)(1)، ولو أنه رفض الحديث لتنافيه مع بلاغة النبوة، لكان أسهل عليه وأجمل من ذلك التعليل.

وهكذا راح آخر يحتال لذلك بقوله: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.. ضرب به مثلا ليؤذن بأنها أعطيت مع حسن الخلق والخلق وحلاوة النطق وفصاحة اللهجة وجودة القريحة ورزانة الرأي ورصانة العقل والتحبب إلى البعل، فهي تصلح للتبعل والتحدث والاستئناس بها والإصغاء إليها وحسبك أنها عقلت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما لم تعقل غيرها من النساء وروت ما لم يرو مثلها من الرجال)(2)

__________

(1) عمدة القاري ج 16 ص 251.

(2) تحفة الأحوذي ج 10 ص 260.

صفحة ( 62)

وكل ذلك تكلف ممقوت تأباه لغة العرب، فالكريم لا يوصف بكونه ثريدا، ولا أي طعام من الأطعمة، بل يوصف بما يتناسب مع إنسانيته وكرامتها.

ولذلك أنكر ابن حجر كل هذه التعليلات التي لم تكتف بتفضيل عائشة على النساء، وإنما راحت تفضل الثريد على سائر الطعام، فقال: (وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة فقد يكون مفضولاً بالنسبة لغيره من جهات أخرى)(1)

لكن من يسمونه شيخ الإسلام.. راح يستعمل ذلك النص ليلغي كل تلك الأحاديث التي وردت في فضلك.. وليكون ذلك مقدمة لتنساك الأمة.. ولهذا صرنا إذا سألنا أي عامي عن زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر عائشة، ولا يذكرك.. وكأن كل تلك المناقب التي وردت في حقك لم تصدر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

لقد قال ابن تيمية عند بيانه لتفضيل عائشة في كتابه (منهاج السنة النبوية)، الذي حشاه بكل ألوان التعصب على أهل بيت النبوة: (والجواب أولا أن يقال إن أهل السنة ليسوا مجمعين على أن عائشة أفضل نسائه، بل قد ذهب إلى ذلك كثير من أهل السنة، واحتجوا بما في الصحيحين عن أبي موسى وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلمقال: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، والثريد هو أفضل الأطعمة لأنه خبز ولحم.. وذلك أن البر أفضل الأقوات، واللحم أفضل الإدام.. فإذا كان اللحم سيد الإدام، والبر سيد الأقوات، ومجموعهما الثريد، كان الثريد أفضل الطعام. وقد صح من غير وجه عن الصادق المصدوق أنه قال: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)(2)

__________

(1) فتح الباري ج 6 ص 321.

(2) منهاج السنة النبوية ج: 4 ص: 301.

صفحة ( 63)

وقد تبعه على هذا الاستدلالات العجيبة تلاميذه من المعاصرين لنا، والذين أنسوا الأجيال ذكرك، وكلما ذكرت ذكر معك الثريد، وبما أنك لست ثريدا فأنت لست سيدة النساء، ولا النموذج المثالي للمرأة المسلمة.

وكل ذلك إعراض عن النصوص الواضحة الكثيرة التي تحدد مكانتك ومنزلتك وفضلك على نساء العالمين.. وهي نصوص صريحة لا تحتاج أي تأويل أو تكلف في الشرح والتوضيح، وتتناسب فوق ذلك مع بلاغة النبوة، وكرامة الإنسان.. فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليثبت فضل شيء أن يدخل أي واسطة لذلك الفضل.

بالإضافة إلى ذلك، فقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة عندما ذكرت له أن الله أبدله خيرا من خديجة: (لا والله ما أبدلني الله خيرا منها؟)، وهو دليل واضح قطعي في فضل خديجة.. لكن مع ذلك ما أسهل أن تؤول النصوص ويتلاعب بها، وقد سمعت بعضهم يقول في هذا الحديث بعد محاولة التشكيك في سنده: (حتى لو صحت فهي ليست نصاً، لأن من الممكن أن يكون المعنى: أن الله ما أبدلني خيراً منها، لكن أبدلني مثلها)

وهكذا الأمر في الاحتيال على الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تدل على فضل ابنتك فاطمة الزهراء على نساء العالمين، ففي كتب أولئك الذين يحاولون تغييبك وتغييبها نجد تفضيلا لعائشة على فاطمة مع أن البخاري روى في صحيحه قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حق فاطمة الزهراء: (أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين)(1)، وروى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فاطمة سيدة نساء أهل الجنة)(2)، وروى في باب مناقب فاطمة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فاطمة سيدة نساء

__________

(1) البخاري (4/ 183)

(2) البخاري (4/ 209)

صفحة ( 64)

أهل الجنة)(1)، وروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمقوله: (يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة)(2)

لكن أولئك الذين يقدسون البخاري ويجلونه يشترطون عليه ألا يعارض الأصول التي يعتمدون عليها، فهم يقيمون الدنيا ولا يقعدوها لمن نقد حديثا في البخاري.. لكنهم يعطون لأنفسهم الحرية المطلقة في إنكار ما يشاءون إذا تعارض ذلك مع الأصول التي تعتمد عليها سنتهم.

اعذريني أيتها الأم الطاهرة، والزوجة الوفية أن ذكرت لك كيف يتعاملون معك.. فهم لم يقصدوا فقط إنزالك من مرتبتك التي أنزلك فيها ربك، وإنما يقصدون إلغاءك تماما، لهذا لا نراهم يذكرونك إلا قليلا، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يذكرك كثيرا.

ولذلك كانت السنة أن نذكرك ونشيد بك، لتكوني النموذج المثالي أنت والنساء الأربع.. هكذا ورد النص المقدس، وما كان لنا أن نختار مع النص المقدس، أو نذكر آراءنا أو نحتال بما نشاء من حيل.

بعد هذا اسمحي لي أن أردد على مسامعك في ختام هذه الرسالة تلك الكلمات العذبة التي قيلت لك، وقلتها في خاتمة حياتك المملوءة بالتضحية والوفاء وكل قيم الجمال..

لقد ورد في الحديث أن الملاك العظيم روح الله جبريل أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام، فإذا هي أتتك فاقرأ

__________

(1) البخاري (4/ 219)

(2) البخاري (7/ 142)

صفحة ( 65)

عليها السلام من ربها، ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب.. لا صخب فيه ولا نصب)(1)

وقد روى المحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما بلغ هذه التحيات الزكيات الطاهرات، قلت كلمات تنبئ عما في قلبك من معان نبيلة رقيقة: (هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته)

لله ما أجمل هذه الكلمات وأعظمها.. إنها تختصر حياتك اختصارا.. فأنت وفي ظل تلك الظروف الشديدة القاسية، وبعد ثلاث سنوات من الجوع والحصار.. لم تتأثر علاقتك بربك، ولا اهتزت، ولا بلغ قلبك الحناجر، مع أن الكل كان يتربص بك وبزوجك العظيم.. ولكنك مع كل تلك الزلازل التي عشت فيها واقعة الأحزاب كل يوم، كنت تشعرين بالسلام.. السلام الذي لا يشعر به إلا القديسون.. وأنت سيدة القديسين.

ولذلك حزن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فراقك حزنا شديدا، بل سمى العام الذي فارقته فيه عام الحزن، وبقي ذلك الحزن يتابعه إلى أن لحق بك.. وقد كان من محبته لك في الله.. أنه كان يكرم كل من له صلة بك، وقد ورد في الحديث عن عائشة قالت: ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا على خديجة، وإني لم أدركها.. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذا ذبح الشاة يقول: (أرسلوا بها إلى صدائق خديجة)، قالت: فأغضبته يوما، فقلت: خديجة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إني رزقت حبها)(2)

وقالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعرف استئذان خديجة وتذكره، فارتاع لذلك، فقال: (اللهم هالة بنت خويلد)، فغرت، فقلت:

__________

(1) رواه البخاري 7/ 104، ومسلم رقم (2433).

(2) رواه مسلم: 6431..

صفحة ( 66)

وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين (1) هلكت في الدهر، فأبدلك الله خيرا منها، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قالت له: لا أذكرها بعد هذا إلا بخير (2).

وفي حديث آخر روته عائشة، قالت: جاءت عجوز إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو عندي، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أنت؟ قالت: أنا جثامة المزنية فقال: بل أنت حسانة المزنية، كيف كنتم؟ كيف حالكم؟ كيف أنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خرجت قلت: يا رسول الله تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال فقال: (إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان)(3)

هل رأيت وفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لك أيتها الصديقة الوفية.. فرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعبر بكل رقة عن حبه لك، وأنت ميتة.. ولا ينسى ـ وفاء لك ـ أن يحسن لكل من له علاقة بك، بل يغضب زوجه لأجلك.

هذه كلماتي لك سيدتي مضمخة بدموعي التي لا أستطيع كفكفتها، وكيف أستطيع وأنا أراك كل حين في تلك الشعاب محاصرة جائعة ظمآنة.. لم تشهدي ذلك العز الذي آل إليه المسلمون، ولا تلك الذلة التي نزلت بمن ناوأك..

لكن حسبي أن أعلم أنك لم تغادري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحظة واحدة.. فأنت كنت معه في كل المحال.. والله تعالى الذي أكرم الشهداء بالحياة، وبمعرفة إخوانهم من المؤمنين أكرمك أنت أيضا.. فأنت كنت رمزا للتضحية والفداء.. ولذلك لم

__________

(1) حمراء الشدقين: أي سقطت أسنانها وبقيت حمرة اللثاث.

(2) رواه البخاري: 3821، ومسلم: 6435.

(3) رواه أحمد: 1/ 134، المعجم الكبير:23/ 14، شعب الإيمان:6/ 517، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين على الاحتجاج برواته في أحاديث كثيرة وليس له علة، الحاكم:1/ 62.

صفحة ( 67)

تكن خاتمتك المباركة أقل من خاتمة الشهداء، يا من ارتوت الأرض بدم أحفادها من الشهداء.

إلى رمال الطفوف

يا رمال الطفوف الطاهرة..

جئت إليك من بلاد بعيدة لأسألك عن أولئك الذين اختلطت دماؤهم الزكية بذراتك؛ فحولوها إلى مغناطيس تنجذب إليه الأفئدة، وتحن إليه القلوب.. فهلا حدثتني عنهم..

هلا حدثتني.. وأجريت من مآقي الدموع التي تغسل عن قلبي تلك القسوة التي بثها قومي في قلبي حين جعلوني أتوهّم أن الحديث عنك وعن تلك الدماء الطاهرة التي سقت أرضك بدعة وهرطقة وزندقة ورفضا وفتنة..

حدثيني لأمتلأ بغضا وحربا لأولئك المجرمين المستبدين الذين راح قومي يضعون كل ألوان الطلاء ليزينوهم، ويمسحوا عنهم تلك الجرائم العظيمة.. وكان من جملة ذلك الطلاء تحريم الحديث عنك، وعن الطاهرين الذين سقوا أرضك.

حدثيني، فأنا أصبحت لا أبالي أن يسموني مهرطقا أو زنديقا أو مبتدعا.. فما أجمل أن أكون في أعينهم بتلك الصورة، ما دام المجرمون عندهم أولياء، والمستبدون عندهم صالحين، والمفسدون مصلحين.. وما دامت قد انتكست في أعينهم الأشياء، فصار الباطل عندهم حقا، والحق عندهم باطلا.

حدثيني، حتى أخرج من حزب يزيد ومعاوية والفئة الباغية، وأنضم إلى حزب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي خاطب أهل بيته، عليا وفاطمة والحسن

صفحة ( 68)

والحسين، وقال: (أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم)(1)، وقال: (أنا حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم)(2)

حدثيني.. فنحن الآن في زمنك أيتها الرمال الطاهرة، بعد أن كشفت الحقائق، وظهر المستور، وبرز ما حاول كل الطغاة ستره.

حدثيني فأحفاد يزيد وعمر بن سعد وحرملة والشمر كلهم قد عادوا من جديد، وصاروا علماء ومفتين، ومحدثين وفقهاء، وأرسلوا بكل سراياهم وكتائبهم ليعثوا في الأرض فسادا باسم الإسلام.. ولم يعد الإسلام بسببهم ذلك الدين الجميل الذي ضحى الإمام الحسين من أجله، وإنما صار دينا للقتل والسلب والنهب وكل أنواع الجرائم.

حدثيني ليسمع قومي الدين الصحيح الذي لم تمسه أيدي المجرمين الظالمين.. فلا يمكن لهم أن يميزوا بين دين الله ودين البشر قبل أن يميزوا بين أولياء الله، وأعدائه.

حدثيني.. فأنا لا أحب أن أخرج من هذه الدنيا قبل أن أشم عطر أولئك الصادقين المخلصين الذين أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. بل أخبرت عنهم كل المصادر المقدسة.. واعتبرت حبهم ولاية، وبغضهم فجورا.

حدثيني.. حتى أعيش بكل كياني ذلك المشهد الذي صوره أنس بن مالك، فقال: (استأذن مَلَكُ القَطْرِ ربه أن يزور النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأذن له، فكان في يوم أم سلمة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (احْفَظِي علينا البابَ لا يَدْخُلُ علينا أحَدٌ)، فبينا هي على الباب إذ جاء الحسين بن علي، فظفر فاقتحم ففتح الباب فدخل فجعل يتوثب على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجعل النبي يتلثَّمه ويقبِّله، فقال له المَلَك: أتحبه؟ قال: نعم، قال: أما إن أمتك ستقتله، إن شئت أريتك المكان الذي يقتل

__________

(1) رواه الترمذي ج 2 ص 319، الحاكم فى المستدرك: 3/ 149.

(2) قال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (9/ 169): رواه أحمد والطبراني، وفيه تليد بن سليمان، وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح.

صفحة ( 69)

فيه. قال: نعم. فقبض قبضة من المكان الذي يقتل فيه فأراه إياه فجاءه بسهلة أو تراب أحمر فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها. قال ثابت: كنا نقول: إنها كربلاء)(1)

ورسمته أم سلمة، فقالت: (كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيتي، فنزل جبريل فقال: يا محمد، إن أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك. فأوما بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وضمه إلى صدره، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وديعة عندك هذه التربة)، فشمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (ويح كرب وبلاء) قالت: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أم سلمة، إذا تحولت هذه التربة دما فاعلمي أن ابني قد قتل)، قال: فجعلتها أم سلمة في قارورة، ثم جعلت تنظر إليها كل يوم وتقول: (إن يوما تحولين دما ليوم عظيم)(2)

وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي كنا نقرؤها في مصادر الحديث، ثم لا يُسمح لنا بالتفكير في معانيها.. ويحذروننا أننا إذا فكرنا في معانيها، فسنقع في الزندقة.. لذلك كنا نفعل مثلما كان يفعل اليهود، حين يرون وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كتبهم، لكنهم يسارعون إلى طمسه وتأويله خشية أن يتسرب إليهم اعتقاد نبوته.<