الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: أسرار الإنسان

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1437 هـ

عدد الصفحات: 534

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

تهدف هذه الرواية إلى الإجابة ـ وفق المنظور الإسلامي ـ على عن كل التساؤلات التي يطرحها العقل حول الإنسان، وحقيقته، ووظيفته، وطاقاته التي زود بها، ولم زود بها، وكيف يستخدمها، وما هي نتيجة استخدامه لها؟

وهي لذلك تدخل ضمن ما يسمى [الحكمة العملية]، أو [العرفان العملي] أو [السلوك التخلقي والتحققي]

وقد كان اعتمادنا فيها بالدرجة الأولى على ما ورد في النصوص المقدسة فيما يتعلق بهذه الجوانب .. بالإضافة إلى ما كتب في علم السلوك والعرفان والتصوف.

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

أولا ـ الضعيف

1 ـ الجهل

2 ـ الجدل

3 ـ الغرور

الكفار:

العصاة:

العلماء:

العبَّاد:

4 ـ العجلة

الحسنة:

السيئة:

5 ـ الهلع

6 ـ الجبن

7 ـ العجز

ثانيا ـ القوي

1 ـ اليقظة

2 ـ الإرادة

3 ـ المعاهدة

4 ـ المراقبة

مراقبة الصديقين:

مراقبة الورعين:

5 ـ المجاهدة

6 ـ المحاسبة

قبل العمل:

بعد العمل:

7 ـ المعاقبة

ثالثا ـ اللين

1 ـ الرحمة

2 ـ الحلم

3 ـ الألفة

4 ـ الكرم

5 ـ الحياء

6 ـ الرفق

7 ـ المودة

رابعا ـ الشديد

1 ـ الشجاعة

2 ـ القناعة

3 ـ العزة

4 ـ الغيرة

5 ـ الشهامة

6 ـ المروءة

7 ـ الثبات

خامسا ـ المتثاقل

1 ـ الدنيا

2 ـ المال

3 ـ الطعام

4 ـ الكلام

5 ـ التكاثر

6 ـ البنيان

7 ـ الجاه

سادسا ـ المتسامي

1 ـ الإخلاص

2 ـ الصدق

3 ـ الصبر

4 ـ الشكر

5 ـ الزهد

6 ـ التوكل

7 ـ المحبة

سابعا ـ الهابط

1 ـ الغافلون

2 ـ الفاسقون

3 ـ الظالمون

4 ـ المبتدعون

5 ـ المشركون

6 ـ الملحدون

7 ـ المنافقون

ثامنا ـ الصاعد

1 ـ العلماء

2 ـ العباد

3 ـ المتقون

4 ـ الزهاد

5 ـ الفتيان

6 ـ المجاهدون

7 ـ الصديقون

النهاية

هذا الكتاب

 

المقدمة

تهدف هذه الرواية إلى نفس الأهداف التي هدف إليها ما قبلها من الروايات من سلسلة [حقائق ورقائق]، وهي إثبات أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يجيب عن كل التساؤلات التي يطرحها العقل الإنساني، ويحتار في الإجابة عليها.

ومن أهم تلك التساؤلات التساؤل عن الإنسان، وحقيقته، ووظيفته، وطاقاته التي زود بها، ولم زود بها، وكيف يستخدمها، وما هي نتيجة استخدامه لها.

وهذا النوع من الأسئلة يجاب عليه عادة في كتب الأخلاق والسلوك والتصوف، ولهذا كانت هذه الكتب هي مراجعنا الكبرى، وقد اقتصرنا منها على ما يسمى [الحكمة العملية]، أو [العرفان العملي] أو [السلوك التخلقي والتحققي]، أما المسائل النظرية المرتبطة بحقيقة الإنسان، وترتيبه في سلم الوجود، ونحو ذلك، فإننا لم نتطرق لها في هذه الرسالة لأسباب كثيرة.

لعل أهمها أن فهم أكثر تلك المسائل مرتبط بالسلوك التحققي والتخلقي.. لأن المعارف المرتبطة بها معارف ذوقية، وهي من النوع الذي لا يمكن التعبير عنه، ومن عبر عنه سيقع في الخطأ لا محالة.

بالإضافة إلى أن الكثير من تلك المعارف المبثوثة في كتب العرفان والتصوف تختلط بالأوهام والثقافات المختلفة، ومن الصعب التمييز بينها..

لذلك كان الأسلم والأحكم الاكتفاء بما ورد في النصوص المقدسة من التعريف بحقيقة الإنسان، وصفاته ووظائفه([1]) .. والاكتفاء بما ورد في التراث الإسلامي من تجارب علماء الأخلاق والسلوك.

ولهذا فقد كان ا بالدرجة الأولى على ما ورد في النصوص المقدسة فيما يتعلق بهذه الجوانب.. وخصوصا القرآن الكريم، والسنة الصحيحة الموافقة للقرآن.

ومن كتب التراث كان اعتمادنا الأكبر على كتاب [إحياء علوم الدين]، لاعتبارات مختلفة.. أولها أنه كتاب متفق عليه عند مدارس الأمة جميعا، ولهذا كنا نرجع إليه، ونقارن ما فيه بما في كتاب [المحجة البيضاء] للفيض الكاشاني.

بالإضافة إلى أن الغزالي في كتابه ذلك، نقل كل ما أورده سلفه في أمثال هذه المسائل من أمثال [قوت القلوب] لأبي طالب المكي، و[الرعاية لحقوق الله] للحارب المحاسبي، وغيرها.

بالإضافة إلى أن أكثر ما كتبه المتأخرون في أمثال هذه المسائل منقول بالحرف أو المعنى من كتب الغزالي.

وقد حرصنا في هذه الرواية ـ كما في غيرها من الروايات ـ أن يكون أبطالها من جميع المذاهب والمدارس الإسلامية ممن اهتموا بالأخلاق والسلوك، وتركوا فيها آثارا، بناء على حرصنا على الوحدة الإسلامية، وذلك لا يعني أننا نوافق هذه الشخصيات في كل ما سلكته أو رأته من آراء.

ونحب أن نبين في الأخير أننا اختصرنا الكلام في بعض القضايا في هذه الرواية، لا لعدم أهميتها، وإنما لأننا خصصنا لها كتبا خاصة بها، وخاصة في سلسلة [رسائل السلام] التي تتناول بأجزائها جميعا هذا النوع من المسائل.

البداية

في ذلك اليوم العجيب، استيقظت فزعا مذعورا من رؤيا رأيتها.. كانت أبعد ما تكون في وضوحها وصفائها عن الرؤى.. لقد كنت فيها ـ كما أنا في اليقظة تماما ـ بجميع مشاعري وقواي وضعفي.. وكان الزمان فيها كالمكان ككل شيء لا يختلف تماما عما أراه في اليقظة وأشعر به وأعيشه.

سأقص عليكم ما بقي منها في خاطري.. فإن لها علاقة بهذه الرواية.. ولها علاقة كبرى بالرحلة العجيبة التي حدثني عنها الشيخ الغريب الصالح، والتي سـأرويها لكم بدوري كما رواها لي([2]).

لقد رأيتني وحدي أنام على تراب الأرض.. كان ترابا ممتلئا بالماء.. وقد تحول نتيجة لذلك إلى طين.. بل إنه تغير من طول المكث، فصار حمأ مسنونا.. لعله يشبه الحمأ المسنون الذي تشكل منه آدم u.

استيقظت في تلك المتاهة.. ولم أكن أعرف من أيقظني.. ولكني شعرت بيده الحانية تربت على كتفي.. وتوقظني بحنان.. كان ذلك هو أسعد شيء في رؤياي.. وليتها توقفت عند ذلك الحد.. ولم أتعرض لتلك الاختبارات التي تعرضت لها.. والتي جعلت حلمي كابوسا ثقيلا ملأني رعبا.

سرت في تلك المتاهة خطوات طويلة إلى أن وجدت قصرا مكتنفا بأشجار كثيرة.. وكان تحت الأشجار ماء كثير.. وأزهار كثيرة.. وعشب جميل.

لقد كانت لي في ذلك الحلم جراءة لم أعهدها في اليقظة.. ولذلك دخلت القصر من غير أن أطرق بابه.. فقد كان بابه مفتوحا..

لكني مع سوء أدبي هذا استقبلني صاحب القصر أحسن استقبال.. بل أتاح لي في ذلك القصر والجنة المحيطة به من المتاع ما لم أر مثله في حياتي..

بعد أن مكثت فترة في ذلك الجو الهادئ السعيد.. لم تطمئن نفسي لتلك الحياة التي ليس فيها إلا اللذة المجردة عن كل تكليف وكل مغامرة..

لذلك طلبت من صاحب القصر.. ذلك الرجل الكريم.. الذي أغدق علي من كرمه ما لم أر مثله في حياتي، أن يكلفني بأي وظيفة.. لقد قلت له، وأنا ممتلئ حماسة وقوة: لم لا تكلفني.. أنت تراني ممتلئ بالقوى العجيبة.. أنا أفكر.. وأحلل.. وأشعر.. وأتخيل.. وأطير في الأجواء التي لا يستطيع جسدي أن يطير إليها.

وقلت له: أنا أشق الشعرة بذكائي.. وأحول من تلك التربة التي كنت فيها جنات وقصورا لا تقل عن هذا القصر الذي أسكنتني فيه..

وقلت له: نعم أنا معك الآن.. وقريب منك.. ولكني أشعر أني مع هذا القرب بعيد.. بل أشعر أنك لا تريد إلا أن تهجرني عندما تشغلني بهذا النعيم عن الجلوس إليك ومنادمتك.

نظر إلي صاحب القصر بعين حانية ممتلئة بالشفقة، وقال: لقد جاء قبلك من طلب مني ما تطلب.. لكنه ما إن وضع قدمه على مقام التكليف حتى امتلأ عقله وقلبه وكل قواه بالتحريف.. فراح يصورني في أذهان الخلق بصورة المجرم..

قلت بغضب: ويل للمجرم.. أيقابل مثلك بهذا؟

قال: لا تهتم.. فقد نال جزاءه.. فإني مع كرمي الشديد لا أترك لأي أحد الفرصة أن يعبث بسمعتي أو بالرحمة والعدالة التي أشعر أن الله كلفني برعايتها، وعدم التقصير في رعايتها.

قلت: أهو مسجون في هذا القصر؟

ابتسم، وقال: القصر لا يسجن فيه.. أنا لدي من الزنازن ما يوضع فيه المجرمون ليردعوا نفوسهم الشريرة التي تحدثهم بالإجرام.

قلت: ما كنت أتصور أن لمثلك في حنانك ورحمتك ولطفك زنازن؟

قال: أحيانا تقتضي العدالة والرحمة أن تتخذ من الزنازن ما يحفظ لهما وجودهما وتوازنهما.

قلت: دعنا من هذا.. وهيا كلفني.. فستجدني قويا أمينا.. حفيظا عليما.. أسند إلي أي وظيفة.. بل أسند إلي أخطر الوظائف.. فإن لدي من القدرات ما يطيق أعلى الوظائف وأدقها.

ابتسم، وقال: سأعطيك كنزا..

قاطعته قائلا ـ وقد سال لعابي، ولم أملك أن أحبسه ـ : وما أفعل به؟

قال: لقد تعودت أن أتعهد قرية من القرى الضعيفة الفقيرة بما يكفيها من المال وغيره.. وأنا لا أطلب منك إلا أن توصل ذلك الكنز لتلك القرية.. وتوزعه عليها بحسب ما لديك من موازين العدالة التي ذكرتها لي.

قلت ـ وأنا ممتلئ زهوا ـ : ما أبسط ذلك.. وما أيسره.. نم هانئا.. فلن يجد أهل القرية مني إلا ما وجدته منك من الكرم والرحمة واللطف والحنان.. سأسير فيهم بما تعلمته منك.. فقد تعلمت منك الكثير.

قال: لكن احذر.. فهناك محتالون.. قد يخادعونك.. وقد يأخذون منك الكنز ليستأثروا به لأنفسهم، ويدعو أهل القرية للجوع والعراء.

قلت: لا تهتم.. أنا لم أذكر لك طاقاتي جميعا.. لدي طاقة تسمى الفراسة أتفرس بها الوجوه لأميز الخبيث من الطيب.. والكاذب من الصادق.. والخب من المغفل.

قال: واحذر أن تحدثك نفسك بأن تأخذ من هذا الكنز ما لم أتح لك منه..

قلت: لا تهتم.. فلي نفس ممتلئة بالزهد والعفاف.. وهي لن تتحرك لأي إغراء.

قال: احذر.. فالأمر أخطر مما تتصور..

قلت: الأمر بسيط.. ولست أدري لم تعقده.

قال: لأنه معقد.. أنت لا تعلم عاقبة نجاحك أو فشلك.

قلت: لقد ذكرت لي أن عاقبة فشلي هي الزنزانة..

قال: لا تستهن بها.. فإن العذاب الذي فيها لا يمكن لأحد تخيله.

قلت: وما الجزاء إن نجحت؟

قال: ستعطى الجائزة الكبرى.

قلت: وما الجائزة الكبرى؟

قال: ستكون مفاجأة.. كل ما يمكن أن تعرفه عنها.. هو أن هذا القصر الذي تراه بالجنة التي تحيط به سيصبح ملكك.

قلت مندهشا: ملكي!؟

قال: ليس وحده.. هناك قصور كثيرة معه.. وفيها من كل شيء.

قلت: وأنت.. هل يمكنني أن أتصل بك وأجلس إليك.. إن هذا شيء مهم بالنسبة لي لا تغنيني عنه جميع قصور الدنيا؟

قال: لك ذلك.. ولكن بشرط واحد أن تؤدي هذه الأمانة الثقيلة إلى المحل الذي طلبت منك.

قلت: لا تهتم.. سأسير الآن.

قال: سر.. واعلم أن لي في كل خطوة تتحركها من العيون من ينقلها لي..

قلت: لن ترى مني إلا ما يسرك.

بعد أن قلت هذا سرت.. وبصحبة ذلك الكنز العظيم الممتلئ بكل أصناف الجمال.. كنت في الطريق أنظر إليه كل حين.. وكنت إذا ما ارتحت في أي محل أنشغل بالنظر إليه عن الأكل والشرب..

بعد أيام من السير صرت مدمنا على النظر إليه، والتمتع بذلك..

وقد وصل بي الأمر بعد أيام قلائل إلى أن توقفت عن السير.. بل وصل بي الأمر إلى أن وضعت الكنز في محل رفيع، ورحت أجثو بين يديه كما يجثو الوثني أمام أصنامه.

أذكر أني في تلك الرؤيا كنت أسمع التحذيرات الشديدة من الانشغال بالكنز عن الوظيفة التي كلفت بها.. لكني لم ألتفت لأي ناصح أو محذر..

وذات يوم.. حصل ما حول من حلمي كابوسا.. لقد مددت يدي لآخذ من ذلك الكنز.. فلم يعد يكفيني أن أنظر إليه.. وليت ذلك فقط كان، بل حدثتني حينها نفسي أن أستأثر به لنفسي.. وقال لي شيطاني: إنك لو ملكت هذا الكنز، فستصير كصاحب ذلك القصر.. سيكون لك من الأمر ما هو له..

مددت يدي.. وليتني ما مددتها.. لقد تحول ذلك الكنز الذي كنت ممتلئا إعجابا به إلى حية كبيرة أحاطت بذراعي، ولم ينقذني منها إلا صراخي، واستيقاظي بعده..

***

ملأتني تلك الرؤيا بالمخافة.. ولست أدري كيف سرت إلى الشيخ الصالح ـ الذي تشرفت بزيارته ذلك اليوم ـ من حيث لا أشعر لأقصها عليه..

لكني ما إن دخلت عليه حتى خاطبني بقوله: هل رأيت الإنسان؟

قلت: كيف لا أرى الإنسان.. أنا لا أرى إلا الإنسان.. ألست أنت وأنا وكل أولئك الذين يعمرون القارات أناسي؟

قال: لا.. ليسوا كلهم أناسي.. الإنسان هو الذي بقي إنسانا.. أما من لم يبق إنسانا، فلا يصح أن نطلق عليه هذا اللقب العظيم.

قلت: لم أفهم.

قال: أرأيت لو أن عنبا لذيذا حلالا حوله مجرم خمرا.. هل يبقى للعنب كرامة العنب؟

قلت: كيف تبقى له كرامة العنب، وقد نجس بتحويله خمرا؟

قال: فلو قال لك رجل من الناس: أعطني عنبا.. فأعطيته خمرا.. هل تكون مصيبا بفعلك هذا؟

قلت: بل أكون مصيبة بفعلي هذا.. فشتان بين الخمر والعنب.

قال: ولكن الخمر ليست سوى عنب.

قلت: هي عنب منحرف خبيث.. لا عنب مستقيم طيب.

قال: أخبثه وانحرافه يحذف منه كرامة اسمه؟

قلت: أجل.. كما تحذف من الخائن كل ألقاب الأمانة التي لقب بها.

قال: فهكذا الإنسان..

قلت: ما تقصد؟

قال: لقد خلق الله الإنسان مخلوقا طيبا بريئا ممتلئا بالطاقات العظيمة التي تؤهله للخلافة التي هي وظيفته الكبرى.. ولكن الكثير من الخلائق راحوا يمحون اسم الإنسان ليضعوا بدله اسم الشيطان.

قلت: لم أفهم.

قال: أرأيت لو أن صاحب مطعم أراد أن يجعل بعض عماله نادلا لما رأى فيه من الخلال المناسبة لذلك.. لكنه فوجئ بأن يدي النادل تقطعان.. أو تشلان.. فهل يمكن أن يستمر صاحب المطعم على هذه النية؟

قلت: غبي إن هو استمر على هذه النية.. فلا يمكن للقطيع أو المشلول أن يحمل الطعام إلى فمه.. فكيف يحمله إلى أفواه غيره؟

قال: فهكذا الإنسان.. لقد وهب الله الإنسان من القوى ما يستطيع أن يؤدي به الوظائف الخطيرة التي وكلت إليه.. لكنه إن راح يقطعها ويصيبها بالشلل، فلن يطيق تحمل شيء.

قلت: فهلا ضربت لي مثالا على ذلك.

 قال: ألا ترى هؤلاء الخلائق الذين راحوا يتلاعبون بالكنوز التي جعلها الله أمانة في أعناقهم؟

أصابني رعب الكابوس، فقلت له: لقد ذكرتني بما جئت من أجله.. لقد رأيتني أخون الكنز.. لقد مددت يدي إليه.. لكن الحية طوقت يدي.. وكادت تقضي علي لولا أن تداركتني اليقظة.

قال: وهكذا البشر جميعا لن ينقذهم من الحيات إلا اليقظة.

قلت: ولكنهم مستيقظون؟

قال: لا.. بل هم نائمون.. كل من غفل عن حقيقته نائم.. كل من انشغل عن وظيفته نائم.. كل من مد يده للكنوز التي اؤتمن عليها غير مدرك عواقبها نائم..

قلت: فمن يوقظهم؟

قال: لقد أيقظهم الله بالرسل..

قلت: ولكن الرسل ماتوا.

قال: لقد تركوا من الورثة ما يخلفهم في هذه الوظيفة.

قلت: فهل يسمع الناس للورثة؟

قال: فهل سمعت أنت؟

قلت: في الحلم لم أسمع.

قال: ليس الشأن بالحلم.. الشأن باليقظة.. أنت لا تحاسب على ما تفعله في الأحلام، بل تحاسب على ما تفعله في اليقظة.

قلت: فهل يمكنني أن أسمع الورثة الذين لم أسمعهم في الرؤيا؟

قال: ذلك يرجع إليك.. أنت الذي تقرر.. ولا يمكن لأحد في الدنيا أن يقرر بدلك.

قلت: لقد أرحتني بقولك هذا.. سأتدارك بتوفيق الله ما فاتني في الحلم أن أتداركه.

قال: إنك إن صدقت.. فلن تطوقك الحية.

قلت: لقد غفلنا بالحديث عن الرؤى عن الحديث عن قصتك التي أخبرتني أنك ستحدثني عنها، وطلبت مني كتابتها.

قال: قصتي مرتبطة بما كنا نتحدث عنه.. لقد تعرفت من خلالها على الإنسان.. الإنسان الذي كان لغزا.. ولم يستطع أحد في الدنيا أن يجرؤ على حله لولا الأشعة التي أنالنا الله إياها من شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: ما أشد شوقي لأن أسمع أشعة ترتبط بهذا.. فلا يعرف ربه من لا يعرف نفسه.

***

اعتدل الشيخ الصالح في جلسته، وحمد الله، وصلى وسلم على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مستغرقا في كل ذلك، ثم قال: بعد أن قدر الله لي من معرفته ما قدر.. وبعد أن هداني، فتخلصت من كل تلك القيود التي كانت تحول بيني وبين الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.. وبعد أن تنزل علي من النور ما تنزل على من أراد الله هدايته.. بعد كل ذلك شعرت بشوق عظيم يحركني للتعرف على ذاتي.. على حقيقتها.. ومكانتها.. والوظائف المناطة بها.

وكما تعودت في رحلاتي السابقة، فإن الله بفضله حرك أخي التوأم لأن يوفر لي من الجو ما ييسر لي التعرض لهذا النوع من الأشعة.. فقد أرسلني إلى بقعة خالية في إقليم من أقاليم الأرض لم أعرفه.. ولا أحسب أحدا في الدنيا يمكن أن يعرفه.. لقد طارت بي طائرة خاصة إلى ذلك الموقع، ثم تركتني فيه مع بعض الزاد، ثم انصرفت..

لقد كانت البقعة خالية.. وكانت ممتلئة بالطين.. وكان بعض الطين قد تحول إلى حمأ مسنون.. وبعضه تحول إلى صلصال كالفخار..

قلت: عجبا.. لكأنك تذكر رؤياي.. لقد كان هذا ما رأيته في رؤياي.

قال: لقد ذكرت لك أنك رأيت الإنسان.. فلا يمكن أن يعرف الإنسان من لم يعرف الطين والتراب والحمأ المسنون.. ولكن هناك فرقا كبيرا بين رؤيتي ورؤيتك.. فأنت رأيت الإنسان في الحلم، أما أنا فقد أرانيه الله في اليقظة.

قلت: ما أراد أخوك بإرسالك إلى هذه البقعة الخالية؟

قال: أراد أن يعاقبني بفعله هذا.. فقد أوحى إليه بعضهم بأنني لن أكف عما أنا فيه إلا بتلك العزلة التي تعيد لعقلي اتزانه.

قلت: فكيف خرجت من هذه البقعة؟.. وكيف استطعت أن تقوم برحلتك هذه فيها، وقد ذكرت لي أنه ليس فيها إلا التراب؟

قال: لقد قدر الله أن تكون رحلتي هذه في تلك البقعة الخالية التي ليس فيها إلا التراب.

قلت: لقد ملأتني بالعجب.. كيف ذلك؟.. وليس في الخلاء إلا الهباء.

قال: ببصرنا الضعيف نرى الهباء..ولكنا ببصر الحقيقة نرى ما لا يمكن تصوره.

قلت: لقد زدتني عجبا.. فحدثني كيف كان ذلك؟

قال: عندما انصرفت الطائرة انصرفت إلى أذكاري وأورادي.. وقد شعرت بأنس عظيم وأنا في تلك الحال، وفي تلك البقعة..

وفجأة.. وبينما أنا كذلك إذا بي أرى صاحبك (معلم السلام) كالشمس في ضحاها، وكالزهور في جمالها، وكالبراءة في ابتسامتها.. ما رأيته حتى صحت بأعلى صوتي أريد أن أسمعه: يا من يمتلئ بالحكمة والنور.. تعال أخبرك أخبارا سارة.. لقد يسر الله لي الطريق إليه.. لقد عرفت محمدا صلى الله عليه وآله وسلم.. وعرفت أنه هو الشمس التي دلتني عليها جميع الحقائق.

رأيت البشر على وجهه.. لكنه أشاح بوجهه عني، وهو يقول: ليس الشأن أن تعرف الملوك، ولكن الشأن أن ترفع الحجب عنك، فتدخل عليهم.. وليس الشأن أن تدخل عليهم، ولكن الشأن أن تستقر عندهم.. وليس الشأن أن تستقر عندهم، ولكن الشأن أن تصلح لمنادمتهم.. وليس الشأن أن تنادمهم، ولكن الشأن أن تنصهر فيهم، فلا تميز عنهم، ولا يميزون عنك([3]).

قلت: كيف لا أميز عنهم، ولا يميزون عني.. وأنا لي كياني الذي لا يمكن أن يندمج في أي كيان.. ولي دولتي التي لا تستعمرها أي دولة؟ 

قال: ذلك عالم التراب.. أما عالم الأرواح الذي يمثل حقيقتك، فمختلف تماما.

قلت: فحدثني عنه.. لقد بعث الله في من الأشواق إلى معرفة ذاتي ما بعثه قبل ذلك لمعرفته.

قال: أنت تعلم دوري.. أنا دليل.. والدليل يدلك على طرق الحقيقة.. ثم يدعك تسير إليها.

قلت: لقد تعودت منك أن تدلني على أبواب الحقيقة.. فما أبواب الـ (أنا)؟

قال: ثمانية.. عددها كأعداد أبواب الجنة الثمانية([4]).

قلت: فما هي؟.. وكيف أهتدي إليها؟

قال: افتح عينيك.. وسيقيض الله لك من يدلك عليها.

قلت: أنا لا أرى في هذه البقعة إلا الهباء.. فكيف تطلب مني أن أفتح عيني، وأنت تراهما منفتحتين؟

قال: افتح عيني بصيرتك.. وسترى ما لا يراه بصرك.

قلت: بصيرتي ترى عالم الحقائق، لا عالم الأجساد.

قال: قد يجعل الله للحقائق أجسادا تعرف بها وتميز.

قلت: إنها حينذاك تتلوت بلوث الأجسام..

قال: من خلق الطهارة في عالم الحقائق، فلن يعجز عن خلق الطهارة في عالم الأجساد.

قلت: هل تقصد أني سأرى ببصيرتي أجسادا تتحرك؟

قال: لو فتحت بصيرتك، فسترى الحقائق تتحرك.. فلله من المعلمين ما له من الجنود.. ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ..(31)﴾ (المدثر)

قلت: لا أزال لا أرى إلا الهباء.. فما أفعل حتى تنفتح بصيرتي؟

قال: إذا حجبك بصرك عن بصيرتك.. فأغلق بصرك لتعيش عوالم بصيرتك.

لست أدري كيف بدا أن أغلق بصري..

وقد امتلأت عجبا.. فما إن أغلقته حتى رأيت رياحا عجيبة تهب من اللامكان تمتلئ بروائح مقدسة لا يمكن للواصف أن يصفها.. ثم تنجلي الغمامة عن مدينة عجيبة ممتلئة بكل الألوان.. بل - فوق ذلك - رأيتني أتحرك فيها بكل نشاط، وكأن شبابي قد عاد إلي، بل كأني ولدت في تلك اللحظة.

***

في تلك البلاد العجيبة التقيت كثيرا من أهل الله في مواطن مختلفة.. وقد تعلمت منهم جميعا أركان (الأنا) وأوصافها وأخلاقها وصعودها وهبوطها.

قلت: فهل ستحدثني بما أفادوك؟

قال: من كلامهم ما تسمح العبارة بنقله.. ومنه ما لا تطيقه عقول الجماهير.. ولا ينبغي للعاقل أن يتكلم بما لا تطيقه عقول الجماهير.

قلت: فهو معارض للشريعة إذن؟

قال: لا.. ما كان لأهل الله أن يعارضوا الشريعة، وهم لا يستقون إلا من حياضها الطاهرة.

قلت: عهدي بالشريعة اليسر والوضوح.

قال: هي كذلك.. ولكن فيها من الحقائق ما لا تطيق الجماهير فهمه.

قلت: لم أستوعب سر ذلك.

قال: هل ترى الجماهير تفهم الحقائق التي تنطوي عليها نظرية النسبية؟

قلت: هي نظرية تحتاج عقلا رياضيا..

قال: ومن حقائق الإيمان ما يحتاج عقلا عرفانيا.

قلت: فهل ستسر لي منها ما أستفيد منه لخاصة نفسي؟

قال: لن ينفعك ذلك.. فهذه الحقائق لا تنال بالألسن.

قلت: فبم تنال إذن؟

قال: بالسلوك.. وبالتدريب.. عندما تتطهر في البحار المقدسة.. وعندما يصفو قلبك.. حينها سيتنزل عليك من حقائق العرفان ما تعرف به حقيقة حقائق الإنسان.

قلت: فهلم حدثني بما أطيق، وبما يطيق قومي.

قال: سأحدثك عن أسرار الإنسان الثمانية التي فتحها الله علي في هذه الرحلة.. وحسبك بها.

 

 

أولا ـ الضعيف

قلت: فما السر الأول منها؟ .. ما السر الأول من أسرار الإنسان؟

قال: لقد عبر عنه القرآن الكريم، فقال :﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾ (النساء:28)

قلت: تريد ضعف الإنسان؟

قال: أجل.. فلا يمكن أن تعرف الإنسان، وأنت تجهل ضعفه وقصوره وهوانه.

قلت: ألا ترى أن هذه الحقيقة ستؤدي بنا إلى التقصير في شكر ربنا.. فكيف نشكر الله على ضعفنا؟.. ثم ألا ترى أنا سنتهم ربنا ونعارضه لأنه خلقنا ضعفاء؟

قال: لا.. لن يكمل الإنسان حتى يشعر بضعفه.. ولن تتجلى فيه الحقائق حتى يلبس لباس قصوره.. ولن يدخل رياض الملكوت حتى يقول بكل كيانه (حطة).. ألم يأمر الله بني إسرائيل بأن يقولوا ذلك؟

قلت: بلى.. وقد نص على ذلك قوله تعالى :﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة:58)

قال: انظر.. كيف أن الله رتب على قولهم لهذه الكلمة مغفرته لخطاياهم ومزيد فضله عليهم.

قلت: فما سر ذلك؟

قال: ألا ترى التربة الهينة اللينة الضعيفة.. كيف تثمر من كل الثمرات.. بينما الصخور الصلبة القوية لا تنبت شيئا؟

قلت: بلى..

قال: فقد خلق الله الإنسان من تراب.. فمن بقي يشعر بضعف التراب ولين التراب أثمر من كل شيء.. ومن تحول إلى صخرة صلبة قوية فإنه لن ينبت في أرض نفسه شيء.

قلت: فهمت هذا المثال.. فحدثني كيف عرفت أسرار ضعف الإنسان، وما تحمله من معان سامية.

قال: في تلك المدينة العجيبة ـ التي فتح الله لي فيها من علوم الإنسان ما كان منغلقا ـ سرت على غير هدى إلى أن رأيت قصرا مهيبا ممتلئا بجميع ألوان الزخارف.. فحدثتني نفسي أن أسير إليه.. لأتأمل ما أودع فيه صانعوه من صنوف الجمال..

ما اقتربت من بابه حتى انتهرني حجابه الكثيرون.. فانتهرت، ولم أنبس ـ دفاعا عن نفسي ـ ببنت شفة، فقد كان لهم من البطش والقوة ما لا أستطيع معهما أن أرفض لهم أي أمر..

بينما أنا كذلك إذا بي أرى صاحب القصر يصل في سيارة ضخمة إلى قصره، وفي فمه سيجار عملاق.. وقد عجبت لما رأيته.. فقد كان له من قوة الجسد، ومهابة المنظر، وحسن الخلقة ما يملأ العيون..

ولكنه ـ للأسف ـ لم يكن يملك مع هذا الجسد أي عقل..

بمجرد نزوله من السيارة تقدم إليه رجل يشبهه في قوة جسده، وقسمات ملامحه.. وكأنهما أخوان توأمان.. لكن الفرق بينهما شديد.. فبينما كان العتو والطغيان يطغيان على الأول.. كان التواضع والأدب  تمتلئ به أسارير الثاني..

لم يطل الحديث بينهما حتى رأيت الأول تتسلط عليه أنفة شديدة.. ثم يمد يده يريد أن يبطش بمحدثه.. لولا أنه حمى نفسه عنه..

فلم يجد الأول إلا أن يكفهر بوجهه، ثم يدخل قصره، وهو ممتلئ كبرياء وغرورا.. بل كأن جميع الغرور والكبرياء ركبتا فيه.

امتلأت حزنا على الثاني.. واقتربت منه لأسليه، فقال: لا تسليني أنا.. فهو أحوج مني إلى التسلية.

قلت: ما تقول.. الناس عادة يسلون المستضعفين لا المستكبرين..؟

قال: ذلك لعدم علمهم بحقيقة الإنسان.. ولو علموا حقيقته لم يجدوا إلا أن يسلوا المستكبرين.. ذلك أن كل مستكبر يحمل في حقيبة نفسه المملوءة بالغرور جميع السموم التي لا دور لها إلا الإجهاز عليه.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألم يخلق الله الإنسان من تراب؟

قلت: بلى.. فقد قال تعالى :﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ (الروم:20)، وقال مخبرا عن حديث الرجل المؤمن مع صاحبه الممتلئ بالغرور :﴿ قالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ (الكهف:37)

قال: انظر كيف يربي ربك عباده بالتراب الذي خلقوا منه.

قلت: ما تعني؟

قال: إن ربك يأمر عباده بأن يتذكروا التراب الذي نشأوا منه لئلا يحتقروا التراب الذي يمشون عليه.. ولا يحتقروا من يمشي معهم عليه.

قلت: لقد ذكرت لي أن من شأنه التكبر على هذا التراب يحتاج إلى أن يعزى في نفسه.

قال: أجل.. لأن التراب الذي تكبر عليه سيضمه لا محالة.. وسيعرف الطريقة التي يضمه بها.. ألم تسمع خبر قارون؟

قلت: بلى..

ابتسم، وقال: لقد سمي هذا الرجل الذي كنت أتحدث إليه لشقائه باسم قارون.. كان اسمه الذي سماه به والده هارون.. فأبى إلا أن يحول من الهاء قافا.. ويحول نفسه عن تواضع هارون ولينه([5]) إلى كبرياء قارون وعتوه.

قلت: أرى أن لك به معرفة..

قال: هو أخي.. هو ابن أبي وأمي.. سماني والدي موسى.. كما سماه هارون تفاؤلا بأسماء الأنبياء.. لكن أخي بغى علينا، وكان أول ما فعله بعد أن تحول إلى قارون أن قطع بيننا وبينه كل صلة.. بل قطع بينه وبين ربه كل صلة..

كان يصيح في الناس كل حين كما يصيح قارون :﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (القصص:78)

وكان الناس قد انقسموا لما رأوه قسمين:

أما أولهما، فردد ما ردده الغافلون الذين انشغلوا بزينة قارون عن الضعف الخطير الذي كان يحمله.. لقد رددوا ـ شعروا أو لم يشعروا ـ :﴿ يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)﴾ (القصص)

وأما الثاني، ففريق من المؤمنين خاطبوه قائلين :﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) ﴾ (القصص)

لكنه أجابهم بنفس إجابة قارون.. والتي ظل يرددها كل حين :﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي  ﴾ (القصص:78)

قلت: لكأني أرى قصة قارون تتكرر أمامي.

قال: هي لا تتكرر أمامك فقط.. بل هي تتكرر في جميع الأرض.. تتكرر بين الأفراد والجماعات.. وبين الأمم والشعوب.. كلهم يفخر ويزهو ببعض ما أوتيه من قوة غافلا عن القنابل الموقوتة التي قد تدمر حياته كل حين.

قلت: قنابل موقوتة!؟

قال: أجل.. لقد ركب الله في أجهزة الإنسان من الضعف ما يستأصله إن بغى وطغى..

قلت: فالإنسان يشعل ـ إذن ـ في عتوه فتيلة تفجيره؟

قال: أجل.. هو يشعلها ـ من حيث لا يشعر ـ كما يشعل سيجارته..

لست أدري كيف قلت له من حيث لا أشعر: أنا طالب أبحث عن الإنسان..  وأحسب أن لك معرفة به.. فدلني عليه.

قال: لن تعرف الإنسان حتى تعرف ضعفه.. والقنابل الموقوتة التي يحملها في ضعفه.

قلت: فما هي؟

قال: للإنسان من الضعف عدد ما فيه من الخلايا.. وفيه من النقص عدد ما في ربه من الكمالات..

قلت: فلا يمكن إحصاء ضعفه إذن.

قال: ما دمنا لا نحصي كمال ربنا.. فلا يمكننا بحال من الأحوال أن نحصي ضعف نفوسنا.. بل إن ضعف نفوسنا هو المرآة التي تتجلى فيها كمالات ربنا.

قلت: لقد عرفت هذا في رحلتي للبحث عن الله.. وأنا أريد أن أعرف الإنسان.

قال: سأحدثك عن سبعة أركان لضعف الإنسان.. لا يليق بعاقل أن يجهلها.

قلت: فمن أين تعلمتها؟

قال: لقد شاء الله لي أن أنتمي إلى مدرسة من مدارس المعرفة.. وقد تعلمت من أساتذتها من أركان ضعف الإنسان ما حماني من الوقوع في متاهة القوة المزيفة.

قلت: فأخبرني عن ذلك.. فما أحلى أحاديث المدارس، وما أعذبها.

قال: سأبدأ حديثي من أوله..

ذات يوم، دخلت الحمام.. ثم لبست ثوبا جديدا.. ثم ركبت حصانا لي.. وكان حصانا في غاية القوة..

وبينا أنا كذلك إذا بهواتف غريبة تدعوني للاستعلاء، وتقول لي: أنت شاب قوي وسيم تملك كل أنواع القوة..

أنت إنسان مكرم قد سخر لك كل شيء.. فهذا الحصان مع قوته مستعبد لك لا يتحرك إلا بإذنك، ولا يسكن إلا بإذنك..

أنت لك من شدة الذكاء وقوة الذاكرة وحدة الملاحظة ما تفرق في غيرك..

أنت لك..

بقيت هذه الخواطر تتردد على خاطري إلى أن أصابني من الزهو الكاذب ما لا يمكن تصوره..

ما أصابني ذلك الزهو حتى رماني الحصان من على ظهره، وكأني قد ثقلت عليه، وقد أصابني من الكسور بسبب رميه لي ما لا أزال أحمد الله عليه كل حين.

قلت: أتحمد الله على ما أصابك من الكسور؟

قال: أجل.. لقد كانت كسور جسدي هي المراهم التي عولجت بها جراح قلبي.. وجراح قلبي أخطر بكثير من جراح جسدي.. لقد كان أول ما فعلته بعد أن شفاني الله أن رحت أعتذر إلى ذلك الحصان الذي سخره الله لي، وأقول له بكل تواضع: اعذرني.. فلست إلا عبدا مثلك ابتليت بي وابتليت بك.. أمرت بأن أقول عندما أركبك :﴿ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14)﴾ (الزخرف)، لكني أبيت إلا أن أذلك لنفسي، وأستعبدك لنفسي..

أمرت أن أركبك عبدا، لكني أبيت أن أركبك إلا ربا.. فحاق بي ما حاق بجميع من ادعى ما ليس له.

في ذلك الموقف الذي وقفته قيض الله لي رجلا من الصالحين علمت بعد ذلك أن اسمه (أحمد الرفاعي)([6])، رآني في تلك الحال، فابتسم، وقال: ها قد وجدت تلميذا جديدا لمدرستي.

ابتسمت قائلا: لقد تخرجت منذ زمن طويل من الجامعة، ونلت أرفع الرتب فيها.. فكيف تريدني تلميذا في مدرستي.

قال: مدرستي لا تفرق بين الأمي والعالم.. الكل تجده فيها.. الكل فيها يدرس ويدرِِّس.

قلت: ما اسم مدرستك؟

قال: اسمها (مدرسة الضعفاء)، وبعضهم يطلق عليها اسم (مدرسة الفقراء)، وآخرون يطلقون عليها (مدرسة العجزة)

قلت: أنا أبحث عن المدرسة التي تعلمني القوة، لا المدرسة التي تعلمني الضعف..

قال: من لم يعرف ضعفه لم يصل إلى قوته.. ومن لم يصل إلى عجزه لن يصل إلى توفيقه.

قلت: أراك تشير إلى معان خفية عني.

قال: ما دمت قد فقهت أن تعتذر للحصان، فسيفتح الله لك من فهمها ما فتحه على أوليائه.

قلت: لا بأس.. ما دمت قد ذكرت لي هذا.. فهلم سر بي إليها.

قال: هذه المدرسة لا يمكنك أن تسير إليها بهذه الحال.

قلت: وكيف أسير إليها؟

قال: أنت الآن في حلة فاخرة.. وهذه المدرسة لا يذهب إليها إلا من تخلى عن جميع حظوظه.. وأول الحظوظ هذا الكفن الذي تكفن به جسدك؟

قلت: لقد رفع عنا الحرج في اللباس، وقد ورد في القرآن قوله تعالى :﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)﴾ (الأعراف)

وقد روي عن أبي مطر؛ أنه رأى عليا أتى غلامًا حدثًا، فاشترى منه قميصًا بثلاثة دراهم، ولبسه إلى ما بين الرسغين إلى الكعبين، يقول ولبسه: (الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي)، فقيل: هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: هذا شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول عند الكسوة: (الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي)([7])

وحدث أبو الأحوص عن أبيه أنّه قال: أتيت النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم  في ثوب دون فقال: (ألك مال؟)، قال: نعم من كلّ المال. قال: (من أيّ المال؟)، قال: قد آتاني اللّه من الإبل والغنم والخيل والرّقيق، قال: (فإذا آتاك اللّه مالا فلير أثر نعمة اللّه عليك وكرامته)([8])

قال: وروي في الحديث عن عبد اللّه بن شقيق أنّه قال: كان رجل من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عاملا بمصر فأتاه رجل من أصحابه فإذا هو شعث الرّأس مشعانّ([9])، قال: (مالي أراك مشعانّا وأنت أمير؟) قال: كان نبيّ اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ينهانا عن الإرفاه([10])، قلنا: وما الإرفاه؟ قال: (التّرجّل كلّ يوم)([11])

وعن أبي أمامة الحارثيّ أنه ذكر أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يوما عنده الدّنيا، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا تسمعون، ألا تسمعون، إنّ البذاذة([12]) من الإيمان، إنّ البذاذة من الإيمان، يعني التّقحّل)([13])

وعن سراقة بن مالك أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (يا سراقة ألا أخبرك بأهل الجنّة وأهل النّار؟) قلت: بلى يا رسول اللّه. قال: (أمّا أهل النّار فكلّ جعظريّ جوّاظ مستكبر، وأمّا أهل الجنّة فالضّعفاء المغلوبون)([14])

ولاشك أنك تحفظ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ربّ أشعث([15]) مدفوع بالأبواب لو أقسم على اللّه لأبرّه)([16])، وقوله: (تعس عبد الدّينار وعبد الدّرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل اللّه، أشعث رأسه مغبرّة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في السّاقة كان في السّاقة، إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفّع)([17])

قلت: أتضرب النصوص المقدسة بعضها ببعض؟

قال: حاش لله.. ولكن أولياء الله الذين جعلهم الله أدلاء عليه قد اتفقوا على أن على المريد في أول سلوكه أن يتلخص من كل ما يشعره بأنانيته وقوته وغناه وعلمه.. فلا يمكن أن يصل إلى الله إلا من تحقق بقصوره..

وقد روي في هذا أن شاهداً عظيم القدر من أعيان أهل بسطام كان لا يفارق مجلس أبي يزيد، فقال له يوماً: أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر لا أفطر وأقوم الليل لا أنام ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئاً وأنا أصدق به وأحبه، فقال أبو يزيد: ولو صمت ثلثمائة سنة وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة! قال: ولم؟ قال: لأنك محجوب بنفسك، قال: فلهذا دواء؟ قال: نعم، قال: قل لي حتى أعمله، قال: لا تقبله، قال: فاذكره لي حتى أعمل، قال: اذهب الساعة إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك وانزع هذا اللباس واتزر بعباءة وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزاً، واجمع الصبيان حولك وقل: كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة، وادخل السوق وطف الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك وأنت على ذلك، فقال الرجل: سبحان الله! تقول لي مثل هذا! فقال أبو زيد: قولك (سبحان الله) شرك، قال: وكيف؟ قال: لأنك عظمتك نفسك فسبحتها وما سبحت ربك! فقال: هذا لا أفعله ولكن دلني على غيره! فقال: ابتدئ بهذا قبل كل شيء. فقال: لا أطيقه، قال: قد قلت لك إنك لا تقبل؟

قلت: ألا ترى أن هذه الوصفة مخالفة للشرع؟

قال: لا.. هذا دواء من الأدوية التي يعالج بها المربون النفوس الممتلئة بالكبر والغرور.. وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الله (ما أنزل داء إلا أنزل له شفاء أو دواء علمه من علمه وجهله من جهله)([18])

قلت: ذاك في طب الأجسام.

قال: أترى أن الله الرحيم الرحمن أنزل لكل داء من أدواء الأجساد ما يعالجه، ولم ينزل مثله ما يداوي أدواء الأرواح؟

قلت: الجسد مختلف عن النفس.

قال: لقد عبر أولياء الله من الجسد إلى النفس، فذكروا أن([19]) مثال النفس في علاجها بمحو الرذائل والأخلاق الرديئة عنها وجلب الفضائل والأخلاق الجميلة عليها، مثال البدن في علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحة له وجلبها إليه.

وكما أن الغالب على أصل المزاج الاعتدال، وإنما تعتري المعدة الضرر بعوارض الأغذية والأهوية والأحوال، فكذلك كل مولود يولد معتدلاً صحيح الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسناه - أي بالاعتياد والتعليم تكسب الرذائل –

وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملاً وإنما يكمل ويقوى بالنشو والتربية بالغذاء؛ فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال؛ وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم.

وكما أن البدن إن كان صحيحاً فشأن الطبيب تمهيد القانون الحافظ للصحة وإن كان مريضاً فشأنه جلب الصحة إليه؛ فكذلك النفس منك إن كانت زكية طاهرة مهذبة فينبغي أن تسعى لحفظها وجلب مزيد قوة إليها واكتساب زيادة صفائها، وإن كانت عديمة الكمال والصفاء فينبغي أن تسعى لجلب ذلك عليها.

وكما أن العلة المغيرة لاعتدال البدن الموجبة للمرض لا تعالج إلا بضدها فإن كانت من حرارة فبالبرودة، وإن كانت من برودة فبالحرارة، فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب وعلاجها بضدها. فيعالج مرض الجهل بالتعلم، ومرض البخل بالتسخى، ومرض الكبر بالتواضع، ومرض الشره بالكف عن المشتهى تكلفاً.

وكما أنه لا بد من الاحتمال لمرارة الدواء وشدة الصبر عن المشتهيات لعلاج الأبدان المريضة فكذلك لا بد من احتمال مرارة المجاهدة والصبر لمداواة مرض القلب بل أولى. فإن مرض البدن يخلص منه بالموت ومرض القلب مرض يدوم بعد الموت أبد الآباد.

وكما أن كل مبرد لا يصلح لعلة سببها الحرارة إلا إذا كانت على حد مخصوص فكذلك النقائض التي تعالج بها الأخلاق لا بد لها من معيار.

وكما أن معيار الدواء مأخوذ من عيار العلة حتى إن الطبيب لا يعالج ما لم يعرف أن العلة من حرارة أو برودة، فإن كانت من حرارة فيعرف درجتها أهي ضعيفة أم قوية؟ فإذا عرف ذلك التفت إلى أحوال البدن وأحوال الزمان وصناعة المريض وسنه وسائر أحواله ثم يعالج بحسبها، فكذلك طبيب النفوس لا يهجم عليهم بالرياضة والتكاليف في فن مخصوص وفي طريق مخصوص ما لم يعرف أخلاقهم وأمراضهم.

وكما أن طبيب الأجساد لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم فكذلك طبيب النفوس لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم وأمات قلوبهم.. بل ينبغي أن ينظر في مرض المريد وفي حاله وسنه ومزاجه وما تحتمله بنيته من الرياضة ويبني على ذلك رياضته.

قلت: إن ما ذكرته يجعل مما تقوله علما قائما بذاته.

قال: بل علوما قائمة بذاتها.

قلت: فأين أتعلم علمها؟

قال: في المدرسة التي دعوتك إلى الانتساب إليها.

قلت: فهلم سر بي إليها.. فما أحوجني إلى التخلص من درن نفسي.

1 ـ الجهل

سرت مع الرفاعي إلى أول قسم من المدرسة، وكان اسمه (قسم الجهل)، فسألته متعجبا: عادة المدارس أنها تعلمنا العلم،  لا الجهل.

قال: لا يمكن أن يتعلم العلم من لم يعلم أنه جاهل.. فالعلم بالجهل هو مقدمة العلم.. وقد ذكر الله أن الأمم ما حجبت عن رسلها إلا بما توهمته من علمها.. لقد ذكر الله ذلك، فقال:﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ(83)﴾ (غافر)

قلت: أنت تذكرني بأخي قارون.. فقد كان عالما بالكيمياء وأسرارها، وقد أتيح له بسببها أن يكتشف مركبات استطاع أن يكتسب من خلال تصنيعها أموالا ضخمة.. وقد جعله غروره يصيح في كل حين :﴿.. إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي..(78)﴾ (القصص)

قال: ويله :﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)﴾ (القصص)

قلت: وعيت أهمية هذا القسم وضرورته.. فمن شيخه؟

قال: شيخه علم من أعلام هذه الأمة الكبار، وقد قدم من بخارى، واسمه [محمد بهاء الدين النبقشندي([20])] على اسم جده الأكبر مؤسس الطريقة النقشبندية.

دخلنا إلى القسم، فرأينا الراغب يخاطب تلاميذه المحيطين به بقوله: والآن.. سلوني ما بدا لكم.

قال بعض تلاميذه: لقد وعينا جميع ما ذكرت.. ونحن نسألك عن أصناف الناس في علاقة علمهم بالعمل.

قال: الناس في علاقة علمهم بعملهم على أربعة أصناف([21]) :

الصنف الأول: من له العلم بما يجب أن يفعل، وله مع ذلك قوة العزيمة على العمل به، وهم الموصوفون بقوله تعالى في غير موضع :﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. ﴾

والصنف الثاني من عدمهما جميعاً وهم الموصوفون بقول الله تعالى :﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)﴾ (الأنفال) وقوله :﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)﴾ (الأعراف)، وقوله :﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)﴾ (الفرقان)

والصنف الثالث: من له العلم وليس له قوة العزيمة على فعله، فهو في مرتبة الجاهل بل هو شرٌّ منه، كما روي أن حكيماً سئل: متى يكون العلم شرّاً من الجهل فقال: (أن لا يعمل به)، وروي عن أمير المؤمنين عليّ أنه قال: (من كانت ضلالته بعد التصديق بالحق فهو بعيد من المغفرة)

والصنف الرابع: من ليس له العلم لكن له قوة العزيمة، فهذا متى انقاد لأهل العلم وعمل بقولهم أنجح في فعله وصار من الموصوفين بقوله تعالى :﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)﴾ (النساء)

قال آخر: فما مراتب الناس في الجهل؟

قال النقشبندي: الناس في الجهل على أربعة منازل:

الأوّل: من لا يعتقد اعتقادا لا صالحا ولا طالحا، فأمره في إرشاده سهل إذا كان له طبع سليم، فإنّه كلوح أبيض لم يشغله نقش، وكأرض بيضاء لم يلق فيها بذر، ويقال له باعتبار العلم النّظريّ: غفل، وباعتبار العلم العمليّ: غمر، ويقال له: سليم الصّدر.

والثّانيّ: معتقد لرأي فاسد، لكنّه لم ينشأ عليه، ولم يتربّ به، واستنزاله عنه سهل، وإن كان أصعب من الأوّل، فإنّه كلوح يحتاج فيه إلى محو وكتابة، وكأرض يحتاج فيها إلى تنظيف، ويقال له: غاو وضالّ.

والثّالث: معتقد لرأي فاسد قد ران على قلبه، وتراءت له صحّته، فركن إليه لجهله وضعف نحيزته، ممّن وصفهم اللّه تعالى بقوله :﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)﴾ (الأنفال) فهذا ذو داء أعيا الأطبّاء، فما كلّ داء له دواء، فلا سبيل إلى تنبّهه وتهذيبه.. كما قيل لحكيم يعظ شيخا جاهلا: ما تصنع؟ فقال: أغسل مسحا لعلّه يبيضّ.

والرّابع: معتقد اعتقادا فاسدا عرف فساده، أو تمكّن من معرفته، لكنّه اكتسب دنيّة لرأسه، وكرسيّا لرئاسته، فهو يحامي عليها، فيجادل بالباطل ليدحض به الحقّ، ويذمّ أهل العلم ليجرّ إلى نفسه الخلق، ويقال له: فاسق ومنافق، وهو من الموصوفين بالاستكبار والتّكبّر في مثل قوله تعالى :﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)﴾ (النساء)، وقوله :﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5)﴾ (المنافقون) فنبّه تعالى أنّهم ينكرون ما يقولونه لمعرفتهم ببطلانه، لكن يستكبرون عن التزام الحقّ وذلك حال إبليس فيما دعي إليه من السّجود لآدم u ([22]).

قال آخر: فما أصناف الذين جمعوا بين الجهل والظّلم.. أولئك الّذين جمعوا بين الجهل بالحقيقة والظّلم باتّباع أهوائهم؟

قال النقشبندي: قسمان([23]):

أولهما: أهل الجهل المركّب.. وأهل الجهل والضّلال.. أولئك الذين يحسبون أنّهم على علم وهدى.. أولئك الّذين يجهلون الحقّ ويعادونه ويعادون أهله، وينصرون الباطل ويوالون أهله.. أولئك:﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)﴾ (الكهف).. أولئك الذين :﴿.. يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18)﴾ (المجادلة)، فهم لاعتقادهم الشّيء على خلاف ما هو عليه بمنزلة رائي السّراب الّذي :﴿.. يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا..(39)﴾ (النور)

وهكذا هؤلاء.. أعمالهم وعلومهم بمنزلة السّراب الّذي يكون صاحبه أحوج ما هو إليه، ولم يقتصر على مجرّد الخيبة والحرمان كما هو الحال فيمن أمّ السّراب فلم يجده ماء، بل انضاف إلى ذلك أنّه وجد عنده أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين سبحانه وتعالى، فحسب له ما عنده من العلم والعمل فوفّاه إيّاه بمثاقيل الذّرّ، وقدم إلى ما عمل من عمل يرجو نفعه، فجعله هباء منثورا؛ إذ لم يكن خالصا لوجهه، وصارت تلك الشّبهات الباطلة الّتي كان يظنّها علوما نافعة كذلك هباءا منثورا.

وثانيهما: أصحاب الظّلمات، وهم المنغمسون في الجهل، قد أحاط بهم من كلّ وجه، فهم بمنزلة الأنعام، بل هم أضلّ سبيلا، فهؤلاء أعمالهم الّتي عملوها على غير بصيرة، بل بمجرّد التّقليد واتّباع الآباء من غير نور من اللّه تعالى، كظلمات عديدة وهي ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة الظّلم واتّباع الهوى، وظلمة الشّكّ والرّيب، وظلمة الإعراض عن الحقّ الّذي بعث اللّه تعالى به رسله- صلوات اللّه وسلامه عليهم-، والنّور الّذي أنزله معهم ليخرجوا به النّاس من الظّلمات إلى النّور.

فإنّ المعرض عمّا بعث اللّه تعالى به محمّدا صلى الله عليه وآله وسلم من الهدى ودين الحقّ يتقلّب في خمس ظلمات: قوله ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظّلمة، وقلبه مظلم، ووجهه مظلم، وكلامه مظلم، وحاله مظلم؛ وإذا قابلت بصيرته الخفّاشيّة ما بعث اللّه به محمّدا صلى الله عليه وآله وسلم من النّور جدّ في الهرب منه، وكاد نوره يخطف بصره، فهرب إلى ظلمات الآراء الّتي هي به أنسب وأولى كما قيل:

خفافيش أعشاها النّهار بضوئه

 

ووافقها قطع من اللّيل مظلم

قال آخر: فقد آل الأمر إلى أن الجهل المركب أو البسيط هو منبع الرذائل ومرتعها.

قال النقشبندي: أجل.. ولهذا أسسنا هذا القسم لنبحث في أنواع الجهل، وكيفية الخروج منه.. فلا يمكن أن يعرف نفسه من لم يعرف جهله.

قال الرجل([24]): لقد ذكر بعض الفلاسفة والعلماء أنّ (العلم يساوي الأخلاق)، ونقلوا عن سقراط الحكيم أنّ العلم والحكمة والمعرفة هي المنبع الرّئيسي للأخلاق.. وأنّ الرّذائل الأخلاقيّة سببها الجهل.

قال النقشبندي: هذا الكلام ينبغي فهمه على ضوء ما سبق أن ذكرته لكم من أصناف الناس في علاقة علمهم بعملهم.. فهناك من يعملون بعلمهم ويعيشونه، وهناك من يعزلونه ويغفلون عنه أو يتغافلون.

أما دور العلم في التربية، فلا شك في ضرورته.. فلا يمكن أن يؤسس بنيان الأخلاق من غير لبنات العلم النافع.

لقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في آيات كثيرة منها قوله تعالى في بيان الهدف من البعثة:﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)﴾ (الجمعة)

و بناءً على ذلك، فإنّ النّجاة من الضّلال المبين، و الطّهارة من الرّذيلة والذنوب تأتي بعد تلاوة الكتاب المجيد، وتعليم الكتاب والحكمة، وهو دليلٌ واضحٌ على وجود العلاقة بين الاثنين.

وقد ذكر القرآن الكريم للدلالة على هذه الحقيقة نماذج كثيرة.. يكفيكم عشرة منها..

قالوا: فما أولها؟

قال: أولها.. أن الجهل مصدرٌ للفساد و الإنحراف.. قال تعالى يقرر ذلك :﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55)﴾ (النمل)، فقرن هنا الجهل، بالإنحراف الجنسي والفساد الأخلاقي.

قالوا: فما الثاني؟

قال: ثانيها.. أن الجهل سبب للانفلات و التّحلل الجنسي.. قال تعالى يقرر ذلك مخبرا عن دعاء يوسف u :﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾ (يوسف)

قالوا: فما الثالث؟

قال: ثالثها.. أن الجهل أحد عوامل الحسد.. قال تعالى يقرر ذلك مخبرا عن حديث يوسف u مع إخوته:﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89)﴾ (يوسف)، أي أنّ جهلكم هو السبب في وقوعكم في أسر الحسد، الذي دفعكم إلى تعذيبه، و السّعي لقتله، و إلقائه في البئر.

قالوا: فما الرابع؟

قال: رابعها.. أن الجهل هو مصدر التّعصب و العناد و اللؤم..فقد ذكر الله تعالى أنّ تعصّب مشركي العرب في الجاهلية، كان بسبب جهلهم و ضلالهم، قال تعالى :﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ..(26)﴾ (الفتح)

قالوا: فما الخامس؟

قال: خامسها.. أن الجهل هو السبب الأكبر في تلك الذرائع التي كان يواجه بها الأقوام أنبياءهم.. قال تعالى يقرر ذلك :﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)﴾ (البقرة)

قالوا: فما السادس؟

قال: سادسها.. أن الجهل هو المنبع الذي ينشأ عنه سوء الظنّ بالله.. قال تعالى يقرر ذلك: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ.. (154)﴾ (آل عمران)

قالوا: فما السابع؟

قال: سابعها.. أن الجهل هو المنبع الذي ينشأ عنه سوء الأدب.. قال تعالى عند ذكر الّذين لا يحترمون مقام النبوة :﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4)﴾ (الحجرات)، ففي قوله تعالى :﴿ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ إشارة لطيفة للسّبب الكامن وراء سوء تعاملهم، و قلّة أدبهم وجسارتهم.

قالوا: فما الثامن؟

قال: ثامنها.. أن الله تعالى وصف أصحاب النّار بأنهم لا يفقهون.. وأصحاب النّار هم أصحاب الرذائل، وهم الملوّثون بألوان القبائح.. وفي ذلك إشارة إلى العلاقة بين الجهل وارتكاب القبائح، قال تعالى :﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)﴾ (الأعراف)

قالوا: فما التاسع؟

قال: تاسعها.. أن الجهل هو منبع الضعف الأكبر.. قال تعالى يقرر ذلك :﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65)﴾ (الأنفال)

قالوا: فما العاشر؟

قال: عاشرها.. أن الجهل هو منبع النفاق والفرقة.. قال تعالى عند ذكر يهود (بني النضير)، وعجزهم عن مُقاومة المسلمين، لأنّهم كانوا مُختلفين و مُتفرقين، رغم أنّ ظاهرهم الوحدة والاتفاق :﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14)﴾ (الحشر)

قام رجل من الجالسين: صدقت.. وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن فساد أمر هذه الأمة يكون على أيدي الجهلة السفهاء خفيفي العقول.. ففي الحديث عن جابر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال لكعب بن عجرة: ( (أعاذك اللّه من إمارة السّفهاء). قال: وما إمارة السّفهاء؟ قال: (أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي، ولا يستنّون بسنّتي، فمن صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا منّي، ولست منهم ولا يردون عليّ حوضي، ومن لم يصدّقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك منّي، وأنا منهم، وسيردون عليّ حوضي)([25])

وعن عبس الغفاريّ أنّه لمّا رأى النّاس يخرجون في الطّاعون قال: يا طاعون خذني (ثلاثا)، فقال له رجل: لم تقول هذا؟: ألم يقل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يتمنّ أحدكم الموت؛ فإنّه عند انقطاع عمله. ولا يردّ فيستعتب) فقال: إنّي سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (بادروا بالموت ستّا: إمرة السّفهاء، وكثرة الشّرط، وبيع الحكم، واستخفافا بالدّم، وقطيعة الرّحم، ونشوا يتّخذون القرآن مزامير، يقدّمونه يغنّيهم وإن كان أقلّ منهم فقها)([26])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ هلاك أمّتي على يدي غلمة سفهاء من قريش)([27])

وقال: (إنّها ستأتي على النّاس سنون خدّاعة، يصدّق فيها الكاذب، ويكذّب فيها الصّادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوّن فيها الأمين، وينطق فيها الرّويبضة) قيل: وما الرّويبضة؟. قال: (السّفيه يتكلّم في أمر العامّة)([28])

وقال: (ضاف ضيف رجلا من بني إسرائيل وفي داره كلبة مجحّ([29])، فقالت الكلبة: واللّه لا أنبح ضيف أهلي. قال: فعوى جراؤها في بطنها قال: قيل: ما هذا؟ قال: فأوحى اللّه- عزّ وجلّ- إلى رجل منهم: هذا مثل أمّة تكون من بعدكم يقهر سفهاؤها أحلامها)([30])

وقال: (يخرج في آخر الزّمان أقوام أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البريّة، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)([31])

***

بقيت مدة في قسم الجهل.. أتعلم من النقشبندي وتلاميذه منابع الجهل وثماره ومحاله إلى أن أيقنت بجهلي وقصور علمي.. وأيقنت أن كل ما أوتيته من علم لا يستطيع أن يصد جحافل الجيوش التي ينشرها جهلي..

وقد ملأني هذا الشعور بالحياء.. فصرت أستحيي من ذكر شهاداتي التي كانت تملؤني فخرا وزهوا.

وقد أيقنت فوق ذلك أن العلم الذي تعلمته والذي لم يتحول إلى عمل لا يختلف عن جهلي بما لم أعلمه.. بل إن الأمر أخطر من ذلك.. وقد وعظنا - مرة - النقشبندي في هذا، فقال([32]): لا تكونوا من الأعمال مفلسين، ولا من الأحوال خالين، وتيقّنوا أن العلم المجرد لا يأخذ باليد.. مثال ذلك ما لو كان على رجل في برية عشرة أسياف هندية مع أسلحة أخرى، وكان الرجل شجاعا وأهل حرب، فحمل عليه أسد عظيم مهيب، فما ظنّكم؟ هل تدفع الأسلحة شره عنه بلا استعمالها وضربها؟!

ثم أجاب قائلا: أنتم تعلمون أنها لن تدفع عنه إلا بالتحريك والضرب.. وهكذا لو قرأ رجل مائة ألف مسألة علمية وتعلمها، ولم يعمل بها: لا تفيده إلا بالعمل.

بعد أن تعلمت هذه العلوم، وغيرها طلب مني النقشبندي أن أسير إلى القسم الثاني..

2 ـ الجدل

سرت إلى القسم الثاني، وكان اسم شيخه وأستاذه علم كبير من أعلام الإسلام اسمه أبو الحسن الشاذلي([33]).

كان أول مجلس جلسته معه ومع تلاميذه في تفسير قوله تعالى :﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ..(197)﴾ (البقرة)

 ومما لا أزال أذكره من ذلك الدرس قوله([34]): الحكمة في أن الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة لا أزيد ولا أنقص، وهو قوله :﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ ﴾ هي أنه قد ثبت في العلوم العقلية أن الإنسان فيه أربعة قوى: قوة شهوانية بهيمية، وقوة غضبية سبعية، وقوة وهمية شيطانية، وقوة عقلية ملكية.

وعلم كذلك بالضرورة أن المقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاثة: الشهوانية، والغضبية، والوهمية.

ففي قوله :﴿ فَلاَ رَفَثَ ﴾ إشارة إلى قهر الشهوانية..

وفي قوله :﴿ وَلاَ فُسُوقَ ﴾ إشارة إلى قهر القوة الغضبية التي توجب التمرد والغضب.

وفي قوله :﴿ وَلاَ جِدَالَ ﴾ إشارة إلى القوة الوهمية التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات الله وأفعاله، وأحكامه، وأسمائه، وهي الباعثة للإنسان على منازعة الناس ومماراتهم، والمخاصمة معهم في كل شيء، وقد أشار الله تعالى إلى هذه القوة في قوله:﴿.. وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54)﴾ (الكهف)

وقد وردت النصوص الكثيرة تأمر بتهذيب هذه القوة الداعية إلى الجدل، وتعد بالوعد الجزيل من استطاع التحكم فيها، وتتوعد بالوعيد الخطير من ركن لها، فراحت تتحكم فيه.

ففي الوعد ورد قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة، ومن تركه وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها)([35]) 

وقال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، وببيت في وسط الجنة وببيت في أعلى الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وترك الكذب وإن كان مازحا، وحسن خلقه)([36])

وفي الوعيد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)، ثم قرأ:﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا.. (58)﴾ (الزخرف)([37])

وقال: (إن أبغض الرجال إلى الله الألد([38]) الخصم)([39])

وقال: (كفى بك إثما أن لا تزال مخاصما)([40])

 وقال: (المراء في القرآن كفر)([41])

وروي عن جمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما ونحن نتمارى في شيء من أمر الدين فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله، ثم انتهرنا، فقال: (مهلا يا أمة محمد إنما هلك من كان قبلكم بهذا.. ذروا المراء لقلة خيره.. ذروا المراء فإن المؤمن لا يماري.. ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارته.. ذروا المراء فكفى إثما أن لا تزال مماريا.. ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة.. ذروا المراء فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة في رباضها ووسطها وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق.. ذروا المراء فإن أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان المراء)([42]) 

وروي عن أبي سعيد قال: كنا جلوسا عند باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نتذاكر ينزع هذا بآية، وينزع هذا بآية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يفقأ في وجهه حب الرمان، فقال: (يا هؤلاء بهذا بعثتم؟ أم بهذا أمرتم؟ لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)([43]) 

قال بعض الحاضرين: كيف تقول هذا.. وقد ورد في النصوص المقدسة اعتبار الجدال وسيلة من وسائل الدعوة، قال تعالى:﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)﴾ (العنكبوت)، وقال:﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)﴾ (النحل)

قال الشاذلي: لقد قيدت هذه الآيات الكريمة الجدال بكونه :﴿ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾، وهو قيد يحول من الجدال حوارا بالمعروف.. وشتان بين الحوار وبين الجدال.

قلت: فما الفرق بينهما؟

قال: لقد ذكر العلماء في هذا أربعة مصطلحات بجميعها وردت النصوص.

قال الرجل: فما أولها؟

قال: الحوار، وهو (تبادل الحديث)، أو (الكلام المتبادل بين طرفين)، أو (الكلام وتبادل الرأي من أجل الوصول إلى الحقيقة) أو (هو تردد الكلام ـ أو ما يقوم مقامه ـ بين المتخاطبين على وجه المراجعة في القول وانتظار الجواب للوصول إلى الحقيقة)([44])

وهو ممدوح في كل الأحوال، لأنه وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله، ووسيلة من وسائل طلب العلم.. ولهذا لم يذمه القرآن الكريم مطلقا، بل ورد ما يشير إلى مدحه، ومن ذلك قوله تعالى :﴿ :﴿ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37)﴾ (الكهف)، وقوله :﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)﴾ (المجادلة)

قال الرجل: فما الثانية؟

قال: المراء، وهو طعنك في كلام غيرك لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مرتبتك عليه.. وقد ذكرت لكم ما ورد في فضل تركه.

قال الرجل: فما الثالثة؟

قال: الجدل هو دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجّة أو شبهة، أو هو ما يقصد به تصحيح كلامه، أو هو ما يتعلق بإظهار الآراء وتقريرها.

وهو في أصله مذموم، كما ورد ذلك في قوله تعالى :﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197)﴾ (البقرة)، وقوله:﴿ كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (5) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6)﴾ (الأنفال)، وقوله:﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)﴾ (الأنعام)، وقوله:﴿ وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)﴾ (الأنعام)، وقوله:﴿ وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69)﴾ (الحج)، وقوله:﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56)﴾ (غافر)، وقوله:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72)﴾ (غافر)، وقوله:﴿ وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35)﴾ (الشورى)، وقوله :﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (13)﴾ (الرعد)، وقوله :﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (8)﴾ (الحج)، وقوله :﴿ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)﴾ (غافر)

وقد يمدح إذا تقيد بالقيود الشرعية، وبالتالي يتحول من الجدل الذي لا يقصد منه إلا الغلبة إلى الحوار الممدوح.

قال الرجل: فما الرابعة؟

قال: الخصومة، وهي ثمرة من ثمار المبالغة في الجدل.. وقد وردت النصوص بذمه ذما شديدا.. ومن ذلك قوله تعالى :﴿ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (106) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109)﴾ (النساء)

وقال تعالى:﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (59)﴾ (الزخرف)

وفي الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (كفى بك أن لا تزال مخاصما)([45]) 

وقال: ( أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)([46])، أي كثير الخصومة.

قال الرجل: ولكن مع ما ذكرت فإنا أحيانا قد نجد أنفسنا مضطرين للخصومة.

قال: لقد ذكر العلماء أن الذم متوجه لمن خاصم بباطل، أو بغير علم.. ويدخل في الذم كذلك من طلب حقا، لكنه لا يقتصر على قدر الحاجة منه، بل يظهر اللدد والكذب للإيذاء أو التسليط على خصمه.. وكذلك من يحمله على الخصومة محض العناد لقهر الخصم وكسره.. وكذلك من يخلط الخصومة بكلمات تؤذي، وليس له إليها ضرورة في التوصل له إلى غرضه، فهذا هو المذموم.

أما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا إيذاء ففعله هذا ليس مذموما ولا حراما، لكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا ؛ لأن ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر والخصومة توغر الصدور وتهيج الغضب، فإذا هاج الغضب حصل الحقد بينهما حتى يفرح كل واحد منهما بمساءة الآخر ويحزن بمسرته ويطلق اللسان في عرضه، فمن خاصم فقد تعرض لهذه الآفات وأقل ما فيها اشتغال القلب حتى إنه يكون في صلاته وخاطره معلقا بالمحاججة والخصومة، فلا يبقى حاله على الاستقامة، والخصومة مبدأ الشر.

***

بقيت مدة في قسم الجدل.. أتعلم من الشاذلي وأصحابه كيف أوجه الجدل إلى الجهة الحسنى، وأتدرب على ذلك، وقد كانت تداريب في غاية الإرهاق والتعب..

وبعدما امتحنني الشاذلي ببعض الامتحانات، ورأى أني قد نجحت فيها أجازني في هذا القسم، وأمرني أن أسير إلى القسم الثالث..

3 ـ الغرور

سرت إلى القسم الثالث.. وقد كان شيخه الشيخ عبد القادر الجيلاني([47]).. وكان أول ما سمعته منه قراءته بصوت خاشع لقوله تعالى:﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70)﴾ (الأنعام)، وقوله:﴿ يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (130)﴾ (الأنعام)، وقوله: ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (51)﴾ (الأعراف)، وقوله:﴿ ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35)﴾ (الجاثية)

سأله بعض الحاضرين قائلا: إن هذه الآيات تتحدث عن الغرور.. وتعتبره السبب الأكبر فيما يقع فيه الإنسان من أنواع الضلال والانحراف.. فما الغرور([48])؟

قال: الغرور هو سكون النّفس إلى ما يوافق الهوى، ويميل إليه الطّبع عن شبهة، أو خدعة من الشّيطان.. فمن اعتقد أنّه في خير إمّا في العاجل أو في الآجل عن شبهة فاسدة، أو وسواس خادع فهو مغرور.

قال الرجل: فهو نوع من الجهل إذن؟

قال ابن الجوزي: أجل.. فالمغرور يشارك الجاهل في أنه يعتقد الشّيء ويراه على خلاف ما هو عليه..

قال الرجل: فما الأصناف التي يصيبها هذا الداء؟

قال الجيلاني: أنبئني أولا عن الأصناف التي تصلها وساوس الشيطان.

قال الرجل: وساوس الشيطان تصل إلى الكل.. فليس هناك من عصم منها إلا من عصمه الله بتقواه وإخلاصه.

قال الجيلاني: فالغرور يصيب الكل إذن إلا من عصمه الله بتقواه وإيمانه وإخلاصه.

قال الرجل: عجبا.. كيف تذكر أنه يصيب الكل.. وقد وصف الله به الكفار.

قال الجيلاني: كونه صفة للكفار لا يعني عصمة المؤمنين منه.. لقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصاف المنافقين، فقال: (أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) ([49]) .. فهل ترى هذه الأوصاف خاصة بالمنافقين.. أم أن من عوام المؤمنين من يقع فيها؟

قال الرجل: بل من عوامهم من يقع فيها؟

قال الجيلاني: فهكذا الغرور.. ومع ذلك فقد أخبر الله تعالى أن الشيطان قد يصل بحبال غروره إلى خواص خواص عباد الله.. قال تعالى مخبرا عن خبر آدم وزوجه مع إبليس في الجنة: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)﴾ (الأعراف)

قال آخر: إن هذا يدعوك إلى أن تذكر لنا الحبال التي يصل بها الشيطان إلى بني آدم ليملأهم بالغرور.

قال الجيلاني: هذا هو الهدف الذي من أجله أسس هذا القسم.. إننا نبحث فيه عن الحبال التي يدليها الشيطان إلى أصناف الخلق ليملأهم بالغرور.

قال الرجل: فحدثنا عما وصلتم إليه.

قال الجيلاني: ذلك كثير.. لا يمكن وصفه ولا حصره.. ولكن سلوني ما بدا لكم عن أصناف الناس، وسأذكر لكم بعض الحبال التي قد يصل الشيطان إليهم بسببها، فيملأهم غرورا([50]).

الكفار:

قام بعض الحاضرين، وقال: فحدثنا عن الحبال التي يدليها الشيطان للكفار، ليملأهم بها غرورا.

قال الجيلاني: الكفار في غرورهم صنفان.. صنف غرتهم الأماني والأهواء والدنيا بما فيها، وإليهم الإشارة بقوله تعالى:﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً (64)﴾ (الإسراء)

وصنف غرهم بالله الغرور، وهم الذي ذكرهم الله، فقال:﴿ يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)﴾ (الحديد)

قال الرجل: فحدثنا عن الصنف الأول.. أولئك الذين غرتهم الحياة الدنيا.

قال الجيلاني: الذين غرتهم الحياة الدنيا هم الذين قاسوا هذه الأقيسة الفاسدة، فقالوا: النقد خير من النسيئة.. ولذات الدنيا يقين.. ولذات الآخرة شك!!.. ولا يترك اليقين بالشك..

وكل هذا قياس فاسد.. وهو نفس قياس إبليس عندما قال :﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)﴾ (الأعراف).. فظن أن الخيرية فى النسب..

قال الرجل: فما البلسم الذي يعالج به هذا النوع من الغرور؟

قال الجيلاني: يعالج هذا الداء ببلسمين: بلسم التصديق، وبلسم البرهان.

قال الرجل: فما بلسم التصديق؟

قال الجيلاني: التصديق هو أن يصدق ما ورد في النصوص المقدسة المخبرة بأن الآخرة خير من الدنيا، وذلك كقوله تعالى :﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)﴾ (النساء)، وقوله مخبرا عن مؤمن آل فرعون:﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39)﴾ (غافر)

وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)([51])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بماذا ترجع)([52])

قال الرجل: فما بلسم البرهان؟

قال الجيلاني: البرهان هو أن يعرف وجه فساد قياسه.. وأن قوله: (الدنيا نقد والآخرة نسيئة) مقدمة صحيحة وأما قوله: (النقد خير من النسيئة)، فهو محل التلبيس.. فليس الأمر كما اعتقد.. بل إن كان النقد مثل النسيئة في المقدار والمقصود فهو خير.. وإن كان أقل منها، فالنسيئة خير منه.. ومعلوم أن الآخرة أبدية، والدنيا غير أبدية.. وأما قوله: (ولذات الدنيا يقين ولذات الآخرة شك) فهو أيضا باطل.. بل ذلك يقين عند المؤمنين..

وليقينه مدركان: أحدهما الإيمان والتصديق على وجه التقليد للأنبياء والعلماء كما يقلد الطبيب الحاذق في الدواء.. والمدرك الثاني: الوحى للأنبياء والإلهام للأولياء..

قال الرجل: عرفنا النوع الأول من غرور الكفار.. فما النوع الثاني؟

قال الجيلاني: هو الغرور بالله تعالى.. وقد حكاه الله عن الصاحب الكافر في سورة الكهف عندما قال :﴿ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36)﴾ (الكهف)

قال الرجل: فما سبب هذا الغرور؟

قال الجيلاني: سببه قياس من أقيسة إبليس الفاسدة.. ذلك أنهم ينظرون مرة إلى نعم الله تعالى عليهم في الدنيا، فيقيسون عليها نعم الآخرة.. ومرة ينظرون إلى تأخير عذاب الله عنهم في الدنيا فيقيسون عذاب الآخرة كما أخبر الله تعالى عنهم، فقال :﴿ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8)﴾ (المجادلة).. ومرة ينظرون إلى المؤمنين وهم فقراء، فيزدرونهم ويقولون :﴿ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)﴾ (الأنعام).. ويقولون :﴿ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11)﴾ (الأحقاف)

وترتيب القياس الذى نظم فى قلوبهم أنهم يقولون: (قد أحسن الله إلينا بنعم الدنيا.. وكل محسن فهو محب، وكل محب فهو محسن)

قال الرجل: أليس الأمر كذلك.. أليس كل محسن محب؟

قال الجيلاني: لا.. ليس الأمر كذلك.. بل ربما يكون محسناً ولا يكون محباً.. بل ربما يكون الإحسان سبب هلاكه على الاستدراج.. وذلك محض الغرور بالله.. كما قال الله تعالى :﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾ (الفجر)، ثم قال :﴿ كَلَّا..(17)﴾ (الفجر) أي ليس الأمر كما تزعمون.

وقال في آية أخرى يكذب أصل قياسهم:﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56)﴾ (مريم)، وقال :﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)﴾ (القلم)، وقال :﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾ (الأنعام)

وقد رد الله على قياسهم ذلك في مواضع كثيرة من القرآن.. ومن ذلك قوله تعالى :﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55)﴾ (التوبة)، وقال :﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)﴾ (آل عمران)، وقال :﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37)﴾ (سبأ)

قال الرجل: ففي أي أرض ينبت هذا الغرور؟

قال الجيلاني: هذا الغرور ينبت في أرض الجهل بالله تعالى.. فإن من عرف الله لا يقع في مثل هذا الوهم.. بل يأخذ العبرة من فرعون وهامان وثمود وماذا حل بهم.. مع أن الله تعالى أعطاهم من كل الأموال..

العصاة:

قام آخر، وقال: وعينا هذا.. فحدثنا عن الحبال التي دلاها الشيطان للعصاة.

قال الجيلاني: الحبال التي دلاها الشيطان للعصاة هي اتكالهم على عفو الله مع إهمالهم للعمل.. فهم يرددون كل حين إما بألسنة مقالهم أو ألسنة أحوالهم: الله غفور رحيم، ورحمته واسعة، ونعمته وشاملة، وكرمه عميم، ونحن موحدون ونحن نرجوه بوسيلة الإِيمان والكرم والإِحسان..

وربما غرهم بمن صلح من آبائهم.. وذلك نهاية الغرور، فإن آباءهم مع صلاحهم وورعهم كانوا خائفين.. ونظم قياسهم الذى سول لهم الشيطان: (من أحب إنساناً أحب أولاده.. فإن الله قد أحب أباكم فهو يحبكم فلا تحتاجون إلى الطاعات)، فاتكلوا على ذلك واغتروا بالله، ولم يعلموا أن نوحا u أراد أن يحمل ولده فى السفينة فمنع، وأغرقه إليه سبحانه وتعالى بأشد ما أغرق به قوم نوح..

ونسوا قوله تعالى :﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)﴾ (النجم)

ونسوا أن من ظن أنه ينجو بتقوى آبائه كمن ظن أنه يشبع بأكلهم أو يروى بشرابهم..

ونسوا ما ورد في النصوص المقدسة من أن التقوى فرض عين لا يجزى فيها والد عن ولده، كما قال تعالى :﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)﴾ (عبس)

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (الكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه وهواها وتمنى على الله الأماني)([53])

 ومن هؤلاء من يغترون بتصورهم أن كفة حسناتهم ترجح على كفة السيئات، فترى الواحد منهم يتصدق بدراهم معدودة من الحلال والحرام، ويكون ما تناوله من أموال الناس والشبهات أضعافا.. وهو كمن وضع فى كفة الميزان عشرة دراهم، ووضع فى الكفة الأخرى ألفاً، وأراد أن تميل الكفة التى فيها العشرة.. وذلك غاية الجهل..

ومن هؤلاء من إذا عمل طاعة حفظها واعتد بها، كالذى يستغفر بلسانه أو يسبح فى الليل والنهار مثلا مائة مرة أو ألف مرة، ثم يغتاب المسلمين ويتكلم بما لا يرضاه الله طول النهار، ويلتفت إلى ما ورد فى فضل التسبيح.. ويغفل عما ورد فى عقوبة المغتابين والكذابين والنمامين والمنافقين.. وذلك محض الغرور، فحفظ لسانه عن المعاصى آكد من تسبيحاته.

وإلى هؤلاء جميعا يشير ما ورد في الحديث من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توضأ، فأحسن الوضوء ثمّ قال: (من توضّأ مثل هذا الوضوء، ثمّ أتى المسجد فركع ركعتين، ثمّ جلس غفر له ما تقدّم من ذنبه)، وقال: (لا تغترّوا)([54])

العلماء:

قام آخر، وقال: ما دمت قد ذكرت بأن الغرور يصيب كل طوائف الخلق.. فهل يصيب العلماء؟

قال الجيلاني: ما دام العلماء من طوائف الخلق.. وما داموا يتعرضون لوساوس الشياطين.. وما دامت لهم نفوس أمارة.. فلاشك أن الغرور يصيبهم كما يصيب سائر الناس.

لقد ذكر الله ذلك، فقال :﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)﴾ (الأعراف)

قال الرجل: فحدثنا عن غرورهم.

قال الجيلاني: هم على فرق في ذلك.. سأكتفي لكم بتسعة منها.

قالوا: فما أولها؟

قال: أولهم من أحكموا العلوم الشرعية والعقلية وتعمقوا فيها واشتغلوا بها وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصى وإلزامها الطاعات، فاغتروا بعلمهم وظنوا أنهم عند الله بمكان.. وأنهم قد بلغوا من العلم مبلغا لا يعذب الله تعالى مثلهم.. بل ظنوا أن الله يقبل عليهم ويقبل فى الخلق شفاعتهم، ولا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم..

ومثالهم في غرورهم مثال طبيب طب غيره وهو عليل قادر على طب نفسه ولم يفعل.. وهل ينفع الدواء بالوصف؟!.. هيهات لا ينفع الدواء إلا من شربه بعد الحمية.. وغفلوا عن قوله تعالى :﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس)، فلم يقل: من يعلم تزكيتها وأهمل علمها وعلمها الناس..

قالوا: وعينا هذا .. فما الثانية؟

قال: الثانية من أحكموا العلم والعمل الظاهر، وتركوا المعاصى الظاهرة، وغفلوا عن قلوبهم، فلم يمحو منها الصفات المذمومة عند الله كالكبر والرياء والحسد وطلب الرياسة والعلا وإرادة الثناء على الأقران والشركاء وطلب الشهرة فى البلاد والعباد، وذلك غرور سببه غفلتهم عن قوله تعالى :﴿ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120)﴾ (الأنعام)

ومثالهم في ذلك مثال مريض ظهر به الجرب فأمره الطبيب بالطلاء وشرب الدواء.. فاشتغل بالطلاء وترك شرب الدواء.. فأزال ما بظاهره.. ولم يزل ما بباطنه.. وأصل ما على ظاهره مما فى باطنه.. فلا يزال جربه يزداد أبدا مما فى باطنه.. فكذلك الخبائث إذا كانت كامنة فى القلب يظهر أثرها على الجوارح.

قالوا: وعينا هذا .. فما الثالثة؟

قال: الثالثة من علموا هذه الأخلاق.. وعلموا أنها مذمومة من وجه الشرع إلا أنهم لعجبهم بأنفسهم يظنون أنهم منفكون عنها.. وأنهم أرفع عند الله من أن يبتليهم بذلك.. وإنما يبتلى به العوام دون من بلغ مبلغهم فى العلم.. فأما هم فإنهم أعظم عند الله من أن يبتليهم..

وبهذا الاعتقاد تسلل إليهم الشيطان، فظهرت عليهم مخايل الكبر والرياسة.. وطلبوا العلو والشرف.. ولبسوا على أنفسهم بأن القصد من ذلك هو عز الدين، وإظهار شرف العلم..

ثم لبسوا على أنفسهم بأن أطلقوا لسان فى الحسد فى أقرانهم، أو فيمن رد عليهم شيئا من كلامهم،  وقالوا: إنما هو غضب للحق، ورد على المبطل فى عدوانه وظلمه.. وهذ مغرور.. فإنه لو طعن في غيره من العلماء من أقرانه ربما لم يغضب، بل ربما يفرح، وإن أظهر الغضب عند الناس بأنه يحبه.. وربما يظهر العلم ويقول: غرضى به أن أفيد الخلق.. وهو هراء لأنه لو كان غرضه صلاح الخلق لأحب صلاحهم على يد غيره ممن هو مثله أو فوقه.

وربما يدخل على السلطان ويتودد إليه ويثنى عليه.. فإذا سئل عن ذلك قال: إنما غرضى أن أنفع المسلمين.. وأن أرفع عنهم الضرر.. وهو مغرور. ولو كان غرضه ذلك فرح به إذا جرى على يد غيره، ولو رأى من هو مثله عند السلطان يشفع فى أحد يغضب.. وربما أخذ من أموالهم فإن خطر بباله أنه حرام قال له الشيطان هذا مال لا مالك له وهو لمصالح المسلمين وأنت إمام المسلمين وعالمهم وبك قوام الدين..

قالوا: وعينا هذا .. فما الرابعة؟

قال: الرابعة من أحكموا العلم.. وطهروا الجوارح، وزينوها بالطاعات.. واجتنبوا ظاهر المعاصى.. وتفقدوا أخلاق النفس وصفات القلب من الرياء والحسد والكبر والحقد وطلب العلو.. وجاهدوا أنفسكم فى التبرى منها، وقلعوا من القلب منابتها الجلية القوية.. ولكنهم مغرورون إذ بقى فى زوايا القلب بقايا من خفايا مكايد الشيطان.. خبايا خدع النفس ما دق وغمض.. فلم يفطنوا لها.. وأهملوها..

ومثالهم في حالهم هذه كمثل من يريد تنقية الزرع من الحشيش فدار عليه.. وفتش عن كل حشيش فقلعه.. إلا أنه لم يفتش عما لم يخرج رأسه بعد من تحت الأرض وظن أن الكل قد ظهر وبرز فلما غفل عنها ظهرت وأفسدت عليه الزرع. وهؤلاء إن غيروا تغيروا.. وربما تركوا مخالطة الخلق استكبارا.. وربما نظروا إليهم بعين الحقارة.. وربما يجتهد بعضهم فى تحسين نظمه لئلا ينظر إليه بعين الركاكة..

قالوا: وعينا هذا .. فما الخامسة؟

قال: الخامسة من تركوا المهم من العلوم.. واقتصروا على علوم الفتاوى فى الحكومات والخصومات وتفصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح المعايش.. وربما ضيعوا مع ذلك علم الأعمال الظاهرة والباطنة، ولم يتفقدوا الجوارح.. ولم يحرسوا اللسان من الغيبة، والبطن عن الحرام، والرجل عن السعى إلى السلاطين.. وكذلك سائر الجوارح.. ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والرياء والحسد وسائر المهلكات..

وهؤلاء مغرورون من وجهين: احدهما: من حيث العمل، ومثالهم في ذلك كمثل المريض الذى تعلم الدواء من الحكماء ولم يعلمه أو يعمله وهؤلاء مشرفون على الهلاك حيث أنهم تركوا تزكية أنفسهم وتخليتها.. فاشتغلوا بكتاب الديات والدعاوى والظهار واللعان.. وضيعوا أعمارهم فيها..

والثانى: من حيث العلم وذلك لظنهم أنه لا علم إلا بذلك وأنه المنجى الموصل.. وإنما المنجى الموصل حب الله.. ولا يتصور حب الله تعالى إلا بمعرفته..

ومثال هؤلاء مثال من اقتصر على بيع الزاد فى طريق الحاج.. ولم يعلم أن الفقه هو الفقه عن الله تعالى ومعرفة صفاته المخوفة والزاجرة ليستشعر القلب الخوف ويلازم التقوى.

ومن هؤلاء من اقتصر من علم الفقه على الخلافيات ولا يهمه إلا العلم بطريق المجادلة والإلزام.. وإقحام الخصم، ودفع الحق لأجل المباهاة.. وهو طول الليل والنهار فى التفتيش فى مناقضات أرباب المذاهب، والتفقد لعيوب الأقران.. وهؤلاء لم يقصدوا العلم.. وإنما قصروا مباهاة الأقران ولو اشتغلوا بتصفية قلوبهم كان خيرا لهم من علم لا ينفع إلا فى الدنيا.. ونفعه فى الدنيا التكبر.. وذلك ينقلب فى الآخرة نارا تلظى..

قالوا: وعينا هذا .. فما السادسة؟

قال: السادسة من اشتغلوا بعلم الكلام والمجادلة والرد على المخالفين وتتبع مناقضاتهم.. واستكثروا من علم المقولات المختلفة.. واشتغلوا بتعلم الطريق فى مناظرة أولئك وإفحامهم..

وهم على فرقتين: إحداهما: ضالة مضلة، والأخرى محقة.

أما غرور الفرقة الضالة فلغفلتها عن ضلالتها وظنها بنفسها النجاة.. وهم فرق كثيرة يكفر بعضهم بعضا.. وإنما ضلوا من حيث أنهم لم يحكموا شروط الأدلة ومناهجها.. فرأوا الشبه دليلاً.. والدليل شبهة.

وأما غرور المحقة، فمن حيث أنهم ظنوا أن الجدال هو أهم الأمور وأفضل القربات فى دين الله تعالى.. وزعموا أنه لا يتم لأحد دينه ما لم يتفحص ويبحث.. وأن من صدق الله تعالى من غير بحث وتحرير دليل فليس ذلك بمؤمن وليس بكامل ولا بمقرب عند الله، ولم يلتفتوا إلى القرن الأول.. وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهد لهم بأنهم على خير ولم يطلب منهم الدليل.

قالوا: وعينا هذا .. فما السابعة؟

قال: السابعة من اشتغلوا بالوعظ.. وأعلاهم نية من يتكلم فى أخلاق النفس وصفات القلب.. من الخوف والرجاء.. والصبر والشكر والتوكل.. والزهد واليقين والإخلاص والصدق.. وهم مغرورون لأنهم يظنون بأنفسهم إذا تكلموا بهذه الصفات.. ودعوا الخلق إليها فقد اتصفوا بها.. وهم منفكون عنها إلا عن قدر يسير لا ينفك عنه عوام المسلمين.. وغرورهم أساس الغرور لأنهم يعجبون بأنفسهم غاية الإعجاب..

ويظنون أنهم ما تبحروا فى علم المحبة إلا وهم من الناجين عند الله تعالى وأنهم مغفور لهم بحفظهم لكلام الزهاد مع خلودهم من العمل وهؤلاء أشد غرورا ممن كان قبلهم لأنهم يظنون أنهم يحببون فى الله ورسوله.. وما قدروا على تحقيق دقائق الإخلاص إلا وهم مخلصون ولا وقفوا على خطايا عيوب النفس إلا وهم عنها منزهون.. وكذلك جميع الصفات..

ومع ذلك فهم أشد الناس حبا للدنيا.. يظهرون الزهد فى الدنيا، وما ذلك إلا لشدة حرصهم عليها.. وقوة رغبتهم فيها.. ويحثون على الإخلاص وهم غير مخلصين.. ويظهرون الدعاء إلى الله وهم منه فارون.. ويخوفون بالله وهم منه آمنون.. ويذكرون بالله وهم له ناسون.. ويقربون إلى الله تعالى وهم منه متباعدون.. ويذمون الصفات المذمومة وهم بها متصفون.. ويصرفون الناس عن الخلق وهم على الخلق أشدهم حرصا.. لو منعوا عن مجالسهم التى يدعون فيها الناس إلى الله لضاقت عليهم الأرض بما رحبت.. ويزعمون أن غرضهم إصلاح الخلق، ولو ظهر من أقرانه أحدهم ممن أقبل الخلق عليه ومن صلحوا على يديه لمات غما وحسدا، ولو أثنى واحد من المترددين إليه على بعض أقرانه لكان أبغض خلق الله تعالى إليه، فهؤلاء أعظم الناس غرورا وأبعدهم عن التنبيه والرجوع إلى السداد.

قالوا: وعينا هذا .. فما الثامنة؟

قال: الثامنة من عدلوا عن المنهج الواجب فى الوعظ.. فاشتغلوا بالطامات والشطح وتلفيق كلمات خارجة عن قانون الشرع والعدل طلبا للإغراب.

وطائفة اشتغلوا بطيارات النكت وتسجيع الألفاظ وتلفيقها.. وأكثر همهم فى الأسجاع والاستشهاد بأشعار الوصال.. والفراق.. وغرضهم أن يكثر فى مجلسهم التواجد والزعقات ولو على أغراض فاسدة.. وهؤلاء شياطين الإنس ضلوا وأضلوا.. فإن الأولين إن لم يصلحوا أنفسهم فقد أصلحوا غيرهم وصححوا كلامهم ووعظهم.. وأما هؤلاء فإنهم يصدون عن السبيل.. ويجرون الخلق إلى الغرور بالله بلفظ الرجاء فيزيدهم كلامهم جرأة على المعاصى.. ورغبة فى الدنيا لا سيما إذا كان الواعظ متزينا بالثياب والخيل والمراكب ويقنطهم من رحمة الله تعالى.

قالوا: وعينا هذا .. فما التاسعة؟

قال: التاسعة من فتنوا بكلام الزهاد وأحاديثهم فى ذم الدنيا فيعيدونها على نحو ما يحفظونه من كلام حفظوه من غير إحاطة بمعانيها.. فبعضهم بفعل ذلك على المنابر.. وبعضهم فى المحاريب.. وبعضهم فى الأسواق مع الجلساء.. ويظن أنه ناج عند الله.. وأنه مغفور له بحفظه لكلام الزهاد مع خلوه من العمل.. وهؤلاء أشد غرورا ممن كان قبلهم.

العبَّاد:

قام آخر، وقال: ما دمت قد ذكرت بأن الغرور يصيب كل طوائف الخلق.. فهل يصيب أولئك الذين تفرغوا للعبادة، فصاروا مشهورين بين الخلق بالعبَّاد؟

قال الجيلاني: ما دام العبَّاد من طوائف الخلق.. وما داموا يتعرضون لوساوس الشياطين.. وما دامت لهم نفوس أمارة.. فلاشك أن الغرور يصيبهم كما يصيب سائر الناس.

قال الرجل: فحدثنا عن غرورهم.

قال الجيلاني: هم على فرق في ذلك.. سأكتفي لكم بعشرة منها.

قالوا: فما أولها؟

قال: أولهم من أهملوا الفرائض، واشتغلوا بالنوافل، وربما تعمقوا حتى خرجوا إلى السرف والعدوان، كالذى تغلب عليه الوسوسة فى الوضوء فيبالغ فيها.. ويقدر الاحتمالات البعيدة قريبة من النجاسة.. وإذا آل الأمر إلى أكل الحلال قدر الاحتمالات القريبة بعيدة وربما أكل الحرام المحض..

قالوا: وعينا هذا .. فما الثانية؟

قال: الثانية من غلبت عليهم الوسوسة فى نية الصلاة، فلا يدعهم الشيطان يعتقدون نية صحيحة.. بل يوسوس عليهم حتى تفوتهم الجماعة، وتخرج الصلاة عن الوقت..

قالوا: وعينا هذا .. فما الثالثة؟

قال: الثالثة من غلب عليها الوسوسة فى إخراج حروف الفاتحة.. وسائر الأذكار من مخارجها.. فلا تزال تحتاط فى التشديدات.. والفرق بين الضاد والظاء.. لا يهمه غير ذلك ولا يتفكر فى أسرار الفاتحة ولا فى معانيها.. ولم يعلم أنه لم يكلف الخلق فى تلاوة القرآن من تحقيق مخارج الحروف إلا ما جرت به عادتهم فى الكلام..

وهذا غرور عظيم.. ومثالهم مثال من حمل رسالة إلى مجلس السلطان وأمر أن يؤديها على وجهها.. فأخذ يؤدى الرسالة ويتأنق فى مخارج الحروف ويكررها ويعيدها مرة بعد أخرى وهو مع ذلك غافل عن مقصود الرسالة.. ومراعاة حرمة المجلس.. وبهذا يرد إلى دار المجانين ويحكم عليه بفقد العقل.

قالوا: وعينا هذا .. فما الرابعة؟

قال: الرابعة من اغتروا بقراءة القرآن.. فيهدرونه هدرا.. وربما يختمونه فى اليوم والليلة ختما.. وألسنتهم تجرى به.. وقلوبهم تتردى فى أودية الأماني والتفكر فى الدنيا.. ولا يتفكر فى معانى القرآن..لينزجر بزواجره.. ويتعظ بمواعظه.. ويقف عند أوامره ونواهيه.. ويعتبر بمواضع الاعتبار منه.. ويتلذذ به من حيث المعنى لا من حيث النظم.. ومن قرأ كتاب الله تعالى فى اليوم والليلة مائة مرة.. ثم ترك أوامره ونواهيه فهو مستحق العقوبة.. وربما قد يكون له صوت لين فهو يقرأ ويتلذذ به.. ويغتر باستلذاذه.. ويظن أن ذلك مناجاة الله سبحانه تعالى.. وسماع كلامه.. وهيهات ما أبعده.. إذا لذاته فى صوته.. ولو أدرك لذة كلام الله تعالى ما نظر إلى صوته وطيبه..ولا تعلق خاطره به..

قالوا: وعينا هذا .. فما الخامسة؟

قال: الخامسة من اغتروا بالصوم.. وربما صاموا الدهر.. وصاموا الأيام الشريفة وهم فيها لا يحفظون ألسنتهم من الغيبة.. ولا خواطرهم من الربا.. ولا بطونهم من الحرام عند الافطار ولا من الهذيان من أنواع الفضول.. وذلك غرور عظيم.. وهؤلاء تركوا الواجب.. وأبقوا المندوب.. فظنوا أنهم يسلمون.. وهيهات.. إنما يسلم من أتى الله بقلب سليم..

قالوا: وعينا هذا .. فما السادسة؟

قال: السادسة من أخذوا فى طريق الخشية والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ينكر على الناس.. ويأمرهم بالخير.. وينسى نفسه!.. وإذا أمرهم بالخير عنف وطلب الرياسة والعزة.. وإذا باشر منكرا أنكر عليه، وغضب وقال: أنا المحتسب.. فكيف تنكر علىَّ.. وقد تجمع الناس فى مجلسه أو مسجده.. ومن تأخر عنه أغلظ عليه القول.. وإنما غرضه الرياء والسمعة وحب الرئاسة.. وعلامة أنه لو قام بالمسجد غيره تجرأ عليه..

بل منهم من يؤذن ويظن أنه يؤذن لله تعالى.. ولو جاء غيره وأذن فى وقت غيبته قامت عليه القيامة.. وقال: لم أخذ حقى؟!.. وزوحمت؟!..

ومنهم من يتقيد إمام مسجد ويظن أنه على خير.. وإنما غرضه أن يقال: إنه إمام المسجد.. وعلامته: أنه لو قدم غيره وإن كان أروع منه.. وأعلم.. ثقل عليه ذلك..

قالوا: وعينا هذا .. فما السابعة؟

قال: السابعة من زهدوا فى المال وقنعوا من الطعام واللباس بالدون.. ومن السكن بالمساجد. وظنوا أنهم أدركوا رتبة الزهاد.. وهم مع ذلك راغبون فى الرياسة والجاه.. والزهادة إنما تحصل بأحد أشياء: إما بالتعلم أو بالوعظ.. أو بمجرد الزهد.. فلقد تركوا أهون الأمرين.. وباءوا بأعظم المهلكات.. فإن الجاه أعظم من المال.. ولو أخذ المال وترك الجاه كان إلى السلامة أقرب.. وهؤلاء مغرورون بظنهم أنهم من الزهاد فى الدنيا، ولم يفهموا كيف مكر بهم..

ومنهم من يعجب بعلمه.. ومنهم من يؤثر الخلوة وهو عن شروطها خال.. ومنهم من يعطى المال فلا يأخذه خيفة أن يقال بطل زهده.. وهو راغب فى الدنيا.. خائف من ذم الناس.. ومنهم من شدد على نفسه فى أعمال الجوامع.. حتى يصلى فى اليوم مثلا ألف ركعة ويختم القرآن وهو فى جميع ذلك لا يخطر له مراعاة القلب وتفقده وتطهيره من الرياء والكبر والعجب وسائر المهلكات.. وربما يظن أن العبادة الظاهرة ترجح بها كفة الحسنات.. وهيهات ذرة من ذى تقوى.. وخلق واحد من خلق الأكياس أفضل من أمثال الجبال عملا بالجوارح.. ثم قد يغتر بقول من يقول له: إنك من أوتاد الأرض.. وأولياء الله وأحبائه.. فيفرح لذلك.. ويطهر له تزكية نفسه.. ولو شتم يوما واحدا ثلاث مرات أو مرتين لكفر وجاهد من فعل ذلك به.. وربما قال لمن سبه: لا يغفر الله لك أبدا..

قالوا: وعينا هذا .. فما الثامنة؟

قال: الثامنة من حرصت على النوافل، ولم يعظم اعتدادها بالفرائض.. فتارة يفرح بصلاة الضحى، وصلاة الليل.. وأمثال هذه النوافل، فلا يجد لصلاة الفريضة لذة ولا خير من الله تعالى، لشدة حرصه على المبادرة فى أول الوقت..

وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الغرور.. بل قد يتعين على الإنسان فرضان: أحدهما يفوت والآخر لا يفوت.. أو نفلان أحدهما يضيق وقته والآخر متسع وقته.. فإن لم يحفظ الترتيب كان مغرورا.. ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى.. فإن المعصية ظاهرة.. وإنما الغامض تقديم بعض الطاعات على بعض.. كتقديم الفرائض كلها على النوافل.. وتقديم فروض الأعيان على فروض الكفايات التى لا قائم بها على ما قدم بها غيره.. وتقديم الأهم من فروض الأعيان على ما دونه.. وتقديم ما يفوت مثل تقديم حق الوالدة على الوالد.. وتقديم الدين على القروض غيره.. وما أعظم العبد أن ينفذ ذلك.. ويرتبه.. ولكن الغرور فى الترتيب دقيق خفى لا يقدر عليه إلا العلماء الراسخون فى العلم.

قالوا: وعينا هذا .. فما التاسعة؟

قال: التاسعة فرق اهتموا بالعبادات المالية.. وهؤلاء أصناف متعددة..

فمنهم من يحرصون على بناء المساجد والمدارس، ويكتبون أسماءهم عليها.. ليتخلده ذكرهم، ويبقى بعد الموت أثرهم.. وهم يظنون أنهم استحقوا المغفرة بذلك.. وقد اغتروا فيه من وجهين..

أحدهما: أنهم قد اكتسبوها من الظلم والشبهات والرشا والجهات المحظورة.. وهم قد تعرضوا لسخط الله فى كسبها.. والواجب عليهم فى التوبة ردها إلى ملاكها إن كانوا أحياء أو إلى ورثتهم.. فإن لم يبق منهم أحد وانقرضوا فالواجب صرفها فى أهم المصالح..

والثانى: أنهم يظنون بأنفسهم الإخلاص وقصد الخير فى الانفاق.. وعلو الأبنية.. ولو كلف أحد منهم أن ينفق دينارا على مسكين لم تسمح نفسه بذلك..

ومنهم آخرون ربما اكتسبوا الحلال.. واجتنبوا الحرام وأنفقوه على المساجد، وهى أيضا مغرورة من وجهين:

أحدهما: الرياء وطلب السمعة والثناء.. فإنه ربما يكون فى جواره أو بلده فقراء، وصرف المال إليهم أهم.. فإن المساجد كثيرة.. والمساكين والفقراء محتاجون.

وإنما خف عليهم دفع المال فى بناء المساجد لظهور ذلك بين الناس.. ولما يسمع من الثناء عليه من الخلق، فيظن أنه يعمل لله وهو يعمل لغير الله.. والله أعلم بذلك..

والثانى: أنه يصرف ذلك فى زخرفة المساجد وتزيينها بالنقوش المنهى عنها.. الشاغلة قلوب المصلين لأنهم ينظرون إليها وتشغلهم عن الخشوع فى الصلاة.. وعن حضور القلب.. وهو المقصود.. وكلما طرأ على المصلين فى صلاتهم وفى غير صلاتهم فهو فى رقبة البانى للمسجد.. إذ لا يحل تزيين المسجد بوجه.. وغرور هؤلاء أنهم رأوا المنكر معروفا فاتكلوا عليه.

ومنهم من ينفقون الأموال فى الصدقات على الفقراء والمساكين.. ويطلبون بها المحافل الجامعة.. ومن الفقراء من عادته الشكر..والإفشاء للمعروف.. ويكرهون التصدق فى السر.. ويرون إخفاء الصدقة للفقير لما يأخذه منهم خيانة عليهم.. وكفرانا..وربما تركوا جيرانهم جائعين..

ومنهم من يحفظون الأموال، ويمسكونها بحكم البخل ويشتغلون بالعبادات الدينية التى لا يحتاجون فيها إلى نفقة.. كصيام النهار.. وقيام الليل.. وختم القرآن.. وهؤلاء مغرورن.. لأن البخل المهلك قد استولى على باطنهم.. فهم محتاجون إلى قمعه بإخراج المال.. فاشتغلوا بطلب فضائل وهم مشتغلون عنها..

ومثالهم في هذا مثال من دخلت فى ثوبه حية.. وقد أشرف على الهلاك.. وهم مشغول عنها بطلب الدواء الذي يسكن الصفراء.. ومن لدغته الحية كيف يحتاج إلى ذلك؟!.. ولذلك قيل لبشر الحافى: إن فلانا كثير الصوم والصلاة.. فقال: المسكين ترك حاله.. ودخل فى حال غيره.. وإنما حال هذا إطعام الطعام للجائع.. والإنفاق على المساكين.. فهو أفضل له من تجويع نفسه.. ومن صلاته.. مع جمعه للدنيا ومنعه للفقراء..

ومنهم من غلب عليهم البخل.. فلا تسمح نفوسهم إلا بأداء الزكاة فقط.. ثم إنهم يخرجونها من المال الخبيث الردئ الذى يرغبون عنه.. ويطلبون من الفقراء من يخدمهم.. ويتردد فى حاجاتهم.. أو من يحتاج إليه فى المستقبل للاستئجار لهم فى الخدمة.. ومن لهم فيه غرض.. ويسلمونها إلى شخص بعينه واحد من الكبار.. ممن يستظهر بخشيته.. لينال بذلك عنده منزلة.. فيقوم بحاجته.. وكل ذلك مفسد للنية.. ومحبط للعمل.. وصاحبه مغرور.. يظن أنه مطيع لله تعالى.. وهو فاجر.. إذا يطلب بعبادة الله تعالى عوضا من غيره..

قالوا: وعينا هذا .. فما العاشرة؟

قال: العاشرة طائفة من عوام الخلق وأرباب والأموال والفقراء.. اغتروا بحضور مجالس الذكر.. واعتقدوا أن ذلك يغنيهم ويكفيهم.. فاتخذوا ذلك عادة ويظنون أن لهم على مجرد سماع الوعظ دون العمل.. ودون الاتعاظ أجرا.. وهم مغرورن لأن فضل مجالس الذكر لكونها رغبة فى الخير.. وإذا لم تهج الرغبة فلا خير فيها.. والرغبة محمودة.. لأنها تبعث على العمل.. وإن لم تبعث على العمل فلا خير فيها.. وربما يغتر بما يسمعه من الوعظ.. وإنما يداخله رقه كرقة النساء فيبكى!.. وربما يسمع كلاما مخوفا فلا يزال يصفر بين يديه ويقول: يا سلام سلم!.. ونعوذ بالله!.. والحمد لله.. وحسبى الله ولا حول ولا قوة إلا بالله!.. ويظن أنه قد أتى بالخير كله.. وهو مغرور..

ومثاله مثال المريض.. الذى يحضر إلى مجالس الأطباء.. ويسمع ما يصفونه من الأدوية ولا يعقلها.. ولا يشتغل بها ويظن أنه يجد الراحة بذلك. والجائع الذى يحضر عنده من يصف له الأطعمة اللذيذة..

فكل وعظ لا يغير منك صفة تغير بدونها أفعالك.. حتى تقبل على الله وتعرض عن الدنيا.. وتقبل إقبالاً قويا.. وإن لم تفعل فذلك الوعظ زيادة حجة عليك.. فإذا رأيته وسيلة لك كنت مغرورا.

***

بقيت مدة في قسم الغرور.. أتعلم من الجيلاني تلبيسات إبليس، وحبال غروره إلى أن أيقنت بأن لإبليس في كل محل وساوس ينبغي أن أحتاط لها.. فهو – بما أوتيه من خبرة بنفوس البشر- لا يفرق في وساوسه بين الخير والشر، ولا بين الصالحين والمنحرفين.. لا ييأس من أي منهم.. بل يستعمل مع كل صنف ما يتناسب معه.

وبعدما امتحنني الجيلاني ببعض الامتحانات، ورأى أني قد نجحت فيها أجازني في هذا القسم، وأمرني أن أسير إلى القسم الرابع..

4 ـ العجلة

سرت إلى القسم الرابع.. وقد كان شيخه رجلا عالما علامة قدم من بلخ، كان الجميع يطلقون عليه تعظيما لقب مولانا.. وكان اسمه جلال الدين الرومي([55]).

وقد عجبت من كثرة من كان في هذا القسم، وعجبت أكثر لما رأيت من نشاطهم الكبير وحماستهم العظيمة، وقد أخبرني شيخي الرفاعي أن أكثر حضور ذلك المجلس رجال من الدعاة إلى الله سقطوا في فخاخ العجلة، فراحوا يتسرعون في أحكامهم وفي محاولة قطف ثمار مجهوداتهم.. وقد جعلهم كل ذلك يقعون في الشباك التي يقع فيها كل عجول، فلا الثمار قطفوا، ولا قواهم حفظوا.

كان أول ما سمعته منه عندما دخلت مجلسه هو ترتيله بخشوع لقوله تعالى :﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (11)﴾ (الإسراء)

ثم قال بعدها: إن الله تعالى يقرر في هذه الآية صفة من صفات الإنسان، لا يمكن أن يعرف الإنسان من دون أن تعرف، ولا يمكن أن يسمو من دون أن توجه وتعالج بما وضع الشرع من بلاسم الشفاء.

قالوا: لاشك أنك تقصد العجلة؟

قال: أجل.. فالإنسان – كما تقرر الآية الكريمة- مفطور عليها.. وذلك بحكم الزمن المحدود الذي يعيشه، والأماكن المحدودة التي يمكن أن يعيش فيها.. وهو مع هذه المحدودية ذو نفس تواقة لا يملؤها شيء.. فلهذا تجده يستعجل كل شيء، ويتمنى أن يكون أمامه قبل أن يأتي عليه ما قدر عليه من الممات.

قالوا: فلم ليم عليها ما دامت قد طبعت فيه، وجبل عليها؟

قال: هو لا يلام على كونها طبعت فيه.. ولكنه يلام على توجيهها التوجيه السيء.

الحسنة:

قالوا: أيمكن أن توجه العجلة توجيها حسنا؟

قال: أجل.. وعلى ذلك تدل النصوص الكثيرة الداعية إلى المبادرة إلى الخيرات والعجلة فيها، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى إخبارا عن موسى u :﴿ وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84)﴾ (طه)

ومثل ذلك قوله تعالى :﴿ وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136)﴾ (آل عمران)

ومثل ذلك إخباره عن أنبياء الله ومسارعتهم في الخيرات:﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (90)﴾ (الأنبياء)

ومثل ذلك إخباره عمن قبلنا من الصالحين من أهل الكتاب :﴿ لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)﴾ (آل عمران)

ومثل ذلك إخباره عن صفة المؤمنين في كل الأزمنة :﴿ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (60) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (61)﴾ (المؤمنون)

ومثل ذلك قوله آمرا بالمسارعة إلى الخيرات :﴿ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)﴾ (البقرة)، وقوله :﴿ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)﴾ (المائدة)

ومثل ذلك قوله آمرا المؤمنين بأن يحرصوا على الأولية التي لا يصلها إلا المسارعون:﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)﴾ (الأنعام)، وقوله قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام)، قوله :﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13)﴾ (الزمر)، وقوله إخبارا عن موسى u :﴿ وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)﴾ (الأعراف)، وقوله على ألسنة السحرة بعد أن آمنوا :﴿ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)﴾ (الشعراء)

ومثل ذلك إخباره عن فضل السابقين من المؤمنين، قال تعالى :﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)﴾ (التوبة)، وقال :﴿ وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)﴾ (الحديد)

ومثل ذلك إخباره عن فضل الورثة السابقين، قال تعالى :﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)﴾ (فاطر)

ومثل ذلك إخباره عن فوز السابقين دون المتكاسلين، قال تعالى :﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (20) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)﴾ (الحديد)، وقال :﴿ إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (26)﴾ (المطففين)

إن هذه النصوص جميعا تدل على العجلة الحسنة.. وهي العجلة التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: (التؤدة([56]) في كلّ شيء إلّا في عمل الآخرة)([57])

وبين أسباب الدعوة إليها، فقال في أحاديث متعددة بصيغ مختلفة: (بادروا بالأعمال سبعا: هل تنظرون إلّا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدّجّال، فشرّ غائب ينتظر، أو السّاعة فالسّاعة أدهى وأمرّ)([58])

وقال: (بادروا بالأعمال فتنا كقطع اللّيل المظلم، يصبح الرّجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدّنيا)([59])

وقال: (تبادروا بالأعمال ستّا: طلوع الشّمس من مغربها، والدّجّال، والدّخان، ودابّة الأرض، وخويصة أحدكم، وأمر العامّة)([60])

وقال: (اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)([61])

وبين سعة أجر المسارعين للخيرات مقارنة بغيرهم، فقال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثمّ راح فكأنّما قرّب بدنة، ومن راح في السّاعة الثّانية فكأنّما قرّب بقرة، ومن راح في السّاعة الثّالثة فكأنّما قرّب كبشا أقرن، ومن راح في السّاعة الرّابعة فكأنّما قرّب دجاجة، ومن راح في السّاعة الخامسة فكأنّما قرّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذّكر)([62])

وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه بالغزو، وأنّ رجلا تخلّف وقال لأهله: أتخلّف حتّى أصلّي مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم الظّهر ثمّ أسلّم عليه وأودّعه فيدعو لي بدعوة تكون شافعة يوم القيامة. فلمّا صلّى النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أقبل الرّجل مسلّما عليه فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم :(والّذي نفسي بيده لقد سبقوك بأبعد ما بين المشرقين والمغربين في الفضيلة)([63])

ودعا إلى المنافسة التي تستدعي التعجيل والمسارعة، فقال: (لا تنافس بينكم إلّا في اثنتين: رجل أعطاه اللّه عزّ وجلّ القرآن فهو يقوم به آناء اللّيل وآناء النّهار ويتّبع ما فيه فيقول رجل: لو أنّ اللّه تعالى أعطاني مثل ما أعطى فلانا فأقوم به كما يقوم به. ورجل أعطاه اللّه مالا فهو ينفق ويتصدّق فيقول رجل: لو أنّ اللّه أعطاني مثل ما أعطى فلانا فأتصدّق به..الحديث)([64])

بل مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه هذه المسارعة، ففي الحديث عن أنس قال: كان النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أحسن النّاس، وأشجع النّاس، وأجود النّاس، ولقد فزع أهل المدينة، فكان النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سبقهم على فرس، وقال: (وجدناه بحرا)([65])

السيئة:

قالوا: لقد عرفنا العجلة الحسنة.. فما العجلة السيئة.. أو ما الوجهة السيئة التي يمكن أن توجه إليها العجلة؟

قال: هي تلك الوجهة التي أخبر الله تعالى أن أقوام الأنبياء أتوا منهم.. فقد كذبوا أنبياءهم واستعجلوا العذاب الذي توعدوهم به:

قال تعالى حاكيا عن عاد:﴿ وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)﴾ (الأحقاف)

وقال حاكيا عن ثمود:﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)﴾ (النمل)

وقال حاكيا عن أقوام مختلفين:﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (14) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (15) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (16)﴾ (ص)

وقاليا حاكيا عن قوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم :﴿ فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (35)﴾ (الأحقاف)، وقال:﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)﴾ (الحج)، وقال:﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55)﴾ (العنكبوت)، وقال:﴿ أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (177)﴾ (الصافات)، وقال:﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)﴾ (الذاريات)، وقال:﴿ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (18)﴾ (الشورى)

وقد أخبر الله تعالى أنه برحمته ولطفه بعباده لا يعجل لخلقه ما يطلبونه من شر، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11)﴾ (يونس)

ومثل هذا ورد النهي عن العجلة في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مبينا خطر عواقبها، ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (التّؤدة([66]) في كلّ شيء إلّا في عمل الآخرة)([67])

وقال: (السّمت الحسن والتّؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءا من النّبوّة)([68])

وقال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت ربّي فلم يستجب لي)([69])

وروي أنّ رجلا من أعظم المسلمين غناء عن المسلمين في غزوة غزاها مع النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فنظر النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل النّار فلينظر إلى هذا، فاتّبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشدّ النّاس على المشركين حتّى جرح فاستعجل الموت فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه حتّى خرج من بين كتفيه فأقبل الرّجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مسرعا فقال: أشهد أنّك رسول اللّه، فقال: وما ذاك؟ قال: قلت لفلان من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل النّار فلينظر إليه، وكان من أعظمنا غناء عن المسلمين فعرفت أنّه لا يموت على ذلك، فلمّا جرح استعجل الموت فقتل نفسه. فقال النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك: (إنّ العبد ليعمل عمل أهل النّار وإنّه من أهل الجنّة، ويعمل عمل أهل الجنّة وإنّه من أهل النّار، وإنّما الأعمال بالخواتيم)([70])

وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم عاد رجلا من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: (هل كنت تدعوه بشيء أو تسأله إيّاه؟) قال: نعم. كنت أقول: اللّهمّ ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجّله لي في الدّنيا. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (سبحان اللّه لا تطيقه، أفلا قلت: (اللّهمّ آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار) وقال: فدعا اللّه له. فشفاه)([71])

وسمع صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يدعو في صلاته لم يمجّد اللّه ولم يصلّ على النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: (عجلت أيّها المصلّي)، ثمّ علّمهم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم.. وسمع رجلا يصلّي فمجّد اللّه وحمده وصلّى على النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ادع تجب وسل تعط)([72])

وعن عليّ قال: بعثني رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن قاضيا، فقلت يا رسول اللّه، ترسلني وأنا حديث السّنّ ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: (إنّ اللّه سيهدي قلبك ويثبّت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينّ حتّى تسمع من الآخر كما سمعت من الأوّل؛ فإنّه أحرى أن يتبيّن لك القضاء)، قال: فما زلت قاضيا، أو ما شككت في قضاء بعد([73]).

قام بعض الحاضرين، وقال: نحن قوم من الدعاة إلى الله كانت تنقصنا البصيرة.. وكانت تستفزنا العجلة.. وقد حصل لنا بسببها ما نحن نادمون عليه.. وقد قصدناك لنتدرب على الأناة.. فحدثنا عنها.. وحدثنا عن الفرق بين العجلة المحمودة والعجلة المذمومة.

قال([74]): العجلة المحمودة هي ما كانت ناشئة عن تقدير دقيق للآثار والعواقب، وعن إدراك تام للظروف والملابسات، وعن حسن إعداد وجودة ترتيب.. أما العجلة السيئة، فهي ما كانت مجرد ثورة نفسية، خالية من تقدير العاقبة ومن الإحاطة بالظروف والملابسات، ومن أخذ الأهبة والاستعداد.

وهذا النوع الأخير هو الذي عناه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حين قال لخباب بن الأرت، وقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشكو ما يلقاه هو وإخوانه من الأذى والاضطهاد، ويطلب منه أن يستنصر ربه، وأن يدعوه قال له: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرّجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه فما يصدّه ذلك عن دينه.. واللّه ليتمّنّ هذا الأمر حتّى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلّا اللّه والذّئب على غنمه ولكنّكم تستعجلون)([75])

***

بقيت مدة في قسم العجلة.. أتعلم من مولانا جلال الدين الرومي وأصحابه كيف أوجه العجلة توجيهها الصالح الذي حثت عليه النصوص المقدسة، وأتدرب على ذلك، وقد كانت تداريب في غاية الإرهاق والتعب..

وبعدما امتحنني مولانا الرومي ببعض الامتحانات، ورأى أني قد نجحت فيها أجازني في هذا القسم، وأمرني أن أسير إلى القسم الخامس..

5 ـ الهلع

سرت إلى القسم الخامس.. وقد كان شيخه رجلا ربانيا صالحا ممتلئا زهدا وورعا وعرفانا من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه.. وقد كان الجميع يطلقون عليه (محمد ماضي أبو العزائم)([76])، وقد علمت أنه قدم من مصر، وأن له فيها أتباعا كثيرين..

وقد أحضره شيخي أحمد الرفاعي لغرض تنقية نفوس المريدين من مرض الهلع.

كان أول سمعته من بعض التلاميذ في حلقه الدرس قوله: يا شيخ.. لقد سميتم هذا القسم (قسم الهلع)، ونحن لا نعرف هذه الكلمة.. فما تريدون منها؟

قال: نريد منها ما أر