الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: التراث السلفي تحت المجهر

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1437 هـ

عدد الصفحات: 418

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

يتناول هذا الكتاب عرضا موجزا للتراث السلفي في أهم مجالاته من علوم القرآن والحديث والعقيدة والفقه والسيرة والتاريخ والعلوم العقلية والعلوم الكونية.

وهو يسلط مجهر النقد على ما تضمنه هذا التراث من انحرافات عن المنهج القرآني في عرض الحقائق والتعامل معها.

وهو يوظف للدلالة على ذلك الكثير من الشواهد والأدلة والأمثلة التي تكفي لبيان ما جره هذا التراث على الأمة من ويلات ونكبات وتخلف وانحراف عن الدين الإلهي الأصيل.

وهو فوق ذلك كله نصيحة لأصحاب هذه المدرسة لمراجعة تراثها وتنقيته وتطهيره من تلك المعارضات التي تضع الحوائل الكثيرة بينها وبين الدين الأصيل الذي دل عليه القرآن الكريم أولا، ودلت عليه السنة المطهرة ثانيا، ودل عليه معهما العقل السليم الذي لا يمكن أن يفهم الدين إلا به.

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

التراث السلفي .. والقرآن

أولا ـ تشويه الحقائق القرآنية.

1 ـ تشويه الحقائق العقدية:

2 ـ تشويه الحقائق الكونية:

ثانيا ـ تشويه القيم القرآنية.

التراث السلفي .. والحديث

أولا  ـ الطائفية في التعامل مع الحديث رواية ودراية:

المثال الأول:  موقف السلفية من الكوثري:

المثال الثاني: موقف السلفية من الغماري:

ثانيا ـ الذاتية في قبول الرواة ورفضهم:

ثالثا ـ الذاتية في تحديد علل الحديث:

رابعا ـ الذاتية في تفسير الأحاديث وتأويلها:

خامسا ـ مزاحمة الحديث بالرواية عن السلف:

التراث السلفي .. والعقيدة

أولا ـ تحريف العقائد الإسلامية:

1 ـ التصورات الوثنية لله:

توحيد الألوهية:

توحيد الربوبية:

توحيد الأسماء والصفات:

2 ـ التصورات الإسرائيلية للنبوة:

3 ـ التصورات الخرافية للعوالم الغيبية:

ثانيا ـ إضافة عقائد جديدة:

1 ـ العقيدة في الصحابة:

2 ـ فروع فقهية:

التراث السلفي.. والفقه

أولا ـ أحكام الجوانب التعبدية:

المثال الأول: تحريم السلفية الصلاة مع سائر المسلمين:

المثال الثاني: مخالفة السلفية لسائر المسلمين في مواقيت الإفطار:

المثال الثالث: تبديعهم لبعض الممارسات التعبدية الجماعية:

ثانيا ـ أحكام الجوانب الشخصية:

1 ـ أحكام الرجال:

2 ـ أحكام النساء:

ثالثا ـ أحكام الجوانب الاجتماعية:

1 ـ العلاقات الاجتماعية مع المخالفين لهم من المسلمين:

2 ـ العلاقات الاجتماعية مع المخالفين لهم من غير المسلمين:

رابعا: أحكام الجوانب السياسية:

1 ـ الولاء المطلق للسلطة:

2 ـ المعارضة المطلقة للسلطة:

التراث السلفي.. والسيرة والتاريخ

أولا ـ جانب التحقق من الأحداث التاريخية:

1 ـ التساهل مع الرواة:

2 ـ الكذب على المخالفين:

3 ـ تقبل الخرافة:

4ـ الولع بالتفاصيل:

ثانيا ـ جانب العبرة من الأحداث التاريخية:

التراث السلفي.. والعلوم العقلية

أولا ـ التراث السلفي والمنطق:

ثانيا ـ التراث السلفي والفلسفة:

ثالثا ـ التراث السلفي وعلم الكلام:

رابعا ـ التراث السلفي والعقلانية:

التراث السلفي.. والعلوم الكونية

أولا ـ الموقف السلبي من العلوم الكونية:

1 ـ موقف المتقدمين من العلوم الكونية:

2 ـ موقف المتأخرين من العلوم الكونية:

النموذج الأول: الوادعي ومدرسته:

النموذج الثاني: حمود بن عبد الله التويجري

ثانيا ـ المعارف السلفية في العلوم الكونية:

هذا الكتاب

 

المقدمة

يذكر السلفية بفخر واعتزاز الكتب الكثيرة التي تركها سلفهم الأول، والتي تشمل أكثر المعارف والعلوم، والتي لم يزاحمهم فيها أحد من المتقدمين أو المتأخرين.

فقد كتب سلفهم في علوم القرآن والحديث والعقيدة والفقه والسيرة والتاريخ والعلوم العقلية والعلوم الكونية الكتب الكثيرة التي لا يمكن عدها ولا إحصاؤها من كثرتها، وتشعب المجالات التي بحثت فيها.

وهم يرددون بفخر بأن كل علم من أعلام سلفهم وخلفهم ترك الكثير من التراث المعرفي في كل المجالات السابقة..

فقد كتب الطبري مثلا في التفسير كتايه المعروف الذي أثنى عليه ابن تيمية كثيرا (جامع البيان في تفسير القرآن) والذي طُبع في ثلاثين جزءًا، ويعتبر من أكبر التفاسير القديمة، بل يذكرون أنه رغب أن يُمليَ على طلابه فيه ثلاثين ألف ورقة، فما قدَرُوا، فلخَّصَه إلى ثلاثة آلاف ليسهل حفظه بنظرته.

وكتب في التاريخ كتابه المعروف (تاريخ الرسل والملوك)، وهو كتاب ضخم أيضا، وبدأ فيه من أخبار آدم عليه السلام إلى عصره.

وكتب في (تهذيب الآثار، وتفصيل معاني الثابت عن رسول الله من الأخبار)، والذي جمع فيه الكثير من الآثار والأخبار.

وكتب في (اختلاف الفقهاء) كتابه المعروف (اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام)، والذي ذكر فيه المسائل الخلافية بين المجتهدين؛ كالأئمة الثلاثة: أبي حنيفة ومالك والشافعي، وذكر فيه قول الأوزاعي والليث ونحوهم.

وكتب في الأخلاق كتابه (أدب النفوس الجيدة والأخلاق النفيسة)، والمعنون أيضا بـ (أدب النفس الشريفة والأخلاق الحميدة)

وكتب في (آداب القضاة)، و(آداب المناسك)، و(بسيط القول في أحكام شرائع الإسلام)، و(التبصير في معالم الدين)، و(الخفيف في أحكام شرائع الإسلام)..

وغيرها من الكتب الكثيرة حتى قال فيه الخطيب البغدادي: (وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات بصيرا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها صحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تارخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله، وكتاب سماه (تهذيب الآثار) لم أر سواه في معناه إلا أنه لم يتمه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء)([1])

ويحكي عن بعضهم: أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة.. وعن آخر أنه لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرا، وعن أبي القاسم بن عقيل الوراق، أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة. فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة. ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوا مما ذكره في التفسير فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله ماتت الهمم([2]).

وهكذا يذكرون باعتزاز قول الذهبي في ابن تيمية: (إنه صار من أكابر العلماء في حياة شيوخه... ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعةَ آلاف كُرَّاسٍ وأكثر، وفسَّر كتاب الله -تعالى- مدة سنين من صدره أيامَ الجُمَع، وكان يتوقَّد ذكاءً، وسماعاته من الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر من مائتي شيخ، ومعرفته بالتفسير إليها المنتهى، وحفظه للحديث ورجاله وصحيحه وسقيمه مما لا يُلحق فيه، وأما نقله للفقه ولمذاهب الصحابة والتابعين، فضلاً عن المذاهب الأربعة، فليس له نظير، وأما معرفتُه بالملل والنِّحَل، والأصول والكلام، فلا أعلم له فيه مثيلاً، ويدري جملةً صالحة من اللغة، وعربيَّتُه قوية جدًّا، وأما معرفته بالتاريخ والسير فعجبٌ عجيب)([3])

ويذكرون قول تلميذه ابن عبدالهادي: (وللشيخ رحمه الله من المصنفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط، ولا أعلم أحداً من متقدمي الأئمة ولا متأخريها جمع مثل ما جمع، ولا صنّف نحو ما صنّف ولا قريباً من ذلك)([4])

هذه مجرد أمثلة ونماذج عن اجتهاد السلفية سلفهم وخلفهم في التأليف في كل المجالات المعرفية.. وهو مما لا يمكن أن ينازعهم فيه أحد، فالمكتبات مليئة بكتبهم، والمواقع الإلكترونية المختصة بكتب التراث لا تكاد تعرف غير آثارهم، ومثل ذلك الكتب الحديثة، فهي من الكثرة بحيث لا يمكن إحصاؤها أو التقليل من شأنها.

ولكن المشكلة التي نريد طرحها في كتابنا هذه ليست في الكم، وإنما في الكيف.. فهل هذه الكتب أو هذا التراث العريض الذي يفخرون به، والذي يزعمون ارتباطه بالكتب والسنة، بل يزعمون أنه لا يمكن أن يفهم الكتاب والسنة إلا من خلاله، ينتسب حقا للكتاب والسنة، وأنه شرح لهما، وتفصيل لمجملهما، وكشف لغامضمها، أم أنه ليس سوى اجتهادات بشرية أثرت فيها البيئة والثقافة والعادات والتقاليد، وأنه بذلك أصبح خليطا من المقدس والمدنس والهوى والحقيقة؟

والتساؤل الذي يأتي بعد هذا عن علاقة هذا التراث بالعقل، وخاصة العقل الحديث الذي كشفت له الكثير من المعارف والعلوم التي لم يكن يتسنى للسلف الأول الاطلاع عليها، وهل يستطيع التراث السلفي ـ وخاصة وهو يقحم أنفه في كل شيء ـ أن يصمد أمام هذا الواقع العلمي، أم أنه سينهار، كما انهارت نظريات بطليموس أمام علم الفلك الحديث؟

والتساؤل الذي يأتي بعد هذا .. وهو من أهم التساؤلات .. هو عن نوع الشخصية التي يشكلها من يتقوت من هذا التراث.. وهل هي شخصية علمية عقلانية قرآينة ممتلئة بالأدب والتواضع، أم أنها شخصة مشحونة بالأحقاد، تخلط التدين بكل الأمراض النفسية والعقد العصبية، ولا تستطيع أن تنسجم مع واقعها، ولا تستطيع أن تتعايش معه؟

هذه هي التساؤلات الكبرى التي يحاول هذا الكتاب أن يجيب عليها، كما تحاول هذه السلسلة جميعا [الدين .. والدجل] أن تجيب عليها.

وقد قسمنا الكتاب بحسب أقسام التراث السلفي إلى سبعة أقسام، كل قسم يتناول صنفا من أصناف العلوم الكبرى التي اهتم بها السلفية وصنفوا فيها.

ونحب في هذه المقدمة أن نجيب باختصار على شبهة قد تعرض لمن يقرأ هذا الكتاب، وخاصة لمن يطلع على سعة التراث السلفي، فيتعجب عن كيفية عرض هذا التراث ونقده في هذه الصفحات المحدودة.. والجواب على ذلك من وجوه:

أولها: أن التراث السلفي مع كثرته وسعته ممتلئ بالتكرار.. فكل سلفي يكرر سلفه ويعيد إحياءه من جديد، إما بهيئته التي ظهر بها أول مرة، أو ببعض النفخ فيه ليتحول إلى شخص مقدس، بعد أن كان شخصا عاديا.. فابن خزيمة مثلا كان في عصره عالما كسائر العلماء، ومحدثا كسائر المحدثين.. لكن من بعده حوله إلى إمام..ومن بعده حوله إلى إمام الأئمة.. فصار الآن يعرف بإمام الأئمة.

وهكذا ابن تيمية وابن القيم والذهبي .. وغيرهم.. والذين تحولوا جميعا إلى أيقونات مقدسة لا ينقص السلفية سوى أن يصلوا عليهم متى ذكروهم، بل لا ينقصهم سوى أن يضيفوا إليهم ما يضيفونه إلى الله من عزة وتعال وجلال.

ثانيا ـ أننا في هذا الكتاب سنركز على القضايا الكبرى التي تميز بها التراث السلفي، ولا نهتم كثيرا بالتفاصيل .. اللهم إلا إذا احتجنا إليها للدلالة على أمر، أو توضيح قضية.. والهدف منها ليس التفاصيل في حد ذاتها، وإنما القضية التي نريد إثباتها، والتي لم نر وسيلة للدلالة عليها سوى تلك التفاصيل.

ثالثا ـ نحن لا ننكر أن يكون في التراث السلفي بعض المحاسن، أو الكثير من المحاسن.. ولكنها وحدها لا تكفي، فمفسدة واحدة قد تقضي على المحاسن جميعا، والشيطان لا يضع سم مكره إلا في عسل كثير من المحاسن.. ولهذا حاولنا في هذا الكتاب أن نسلط مجهر التحقيق على تلك الفيروسات التي تكمن في التراث السلفي لتنحرف به إلى خدمة المشروع الشيطاني، ومواجهة المشروع الرباني.

وفي ختام هذه المقدمة نذكر أن هذا جهد المقل، وأن مثل هذه الأعمال تحتاج إلى دراسات نقدية كثيرة، مع جرأة كبيرة، لأنه لا يمكن تمييز الدين من الدجل إلا بالبحث الجريء الصادق الذي يعتمد القرآن والعقل وسائل للتصحيح والسير على الصراط المستقيم.

 

التراث السلفي .. والقرآن

لا ينكر أحد من الناس اهتمام السلفية بالقرآن الكريم حفظا وتلاوة وترتيلا، حتى أنه روي عن سلفهم أنه كان منهم من يختم القرآن كل يوم مرة، وكان بعضهم يختم في قيام رمضان كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر.. ويروون عن قتادة أنه كان يختم في كل سبع دائمًا، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر في كل ليلة.. وكان الزهريُّ إذا دخل رمضان يفرُّ من قراءة الحديث، ومجالسة أهل العلم، ويُقبِل على تلاوة القرآن من المصحف.. وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن([5]).

وهكذا نجدهم في عصرنا الحديث يهتمون بتلاوة القرآن الكريم، وترتيله، ولهم قنواتهم الكثيرة المختصة بذلك، بالإضافة لكثرة قرائهم ومرتليهم الذين لقوا شهرة كبيرة بسبب أصواتهم العذبة، وأدائهم الماهر، وتدقيقهم الكبير في مخارج الحروف وأحكام التلاوة.

 بالإضافة إلى هذا نجد اهتمامهم الشديد ـ من لدن سلفهم الأول ـ بالتصنيف في تفسير القرآن الكريم وعلومه، بل إننا نجدهم أول من بادر إلى ذلك.. فمن أوائل ما صنف في التفسير يزيد بن هارون السلمى المتوفى سنة 117هـ، وشعبة بن الحجاج المتوفى سنة 160هـ، ووكيع بن الجراح المتوفى سنة 197هـ وسفيان بن عيينة المتوفى سنة 198هـ، وروح عن عبادة البصرى المتوفى سنة 205هـ، وعبد الرزاق بن همام المتوفى سنة 211هـ، وآدم بن أبى إياس المتوفى سنة 220هـ، وعبد بن حميد المتوفى سنة 249هـ وغيرهم، (وهؤلاء جميعاً كانوا من أئمة الحديث، فكان جمعهم للتفسير جمعاً لباب من أبواب الحديث، ولم يكن جمعاً للتفسير على استقلال وانفراد، وجميع ما نقله هؤلاء الأعلام عن أسلافهم من أئمة التفسير نقلوه مسنداً إليهم)([6])

ثم عندما بدأت مرحلة التدوين في التفسير بشكل منفصل عن الحديث كان سلف السلفية أول من بادر إلى ذلك، وكانوا أول من وضع التفسير لكل آية من القرآن، ورُتَّب ذلك على حسب ترتب المصحف، فقد كان من أوائل من وضع كتبا في التفسير ابن ماجه المتوفى سنة 273هـ، وابن جرير الطبرى المتوفى سنة 310هـ، وأبو بكر بن المنذر النيسابورى المتوفى سنة 318هـ، وابن أبى حاتم المتوفى سنة 327هـ، وأبو الشيخ بن حبان المتوفى سنة 369هـ، والحاكم المتوفى سنة 405هـ، وأبو بكر بن مردويه المتوفى سنة 410هـ، وغيرهم من أهل الحديث الذين هم سلف السلفية([7])

وهكذا عندما نذهب للبحث عن الكتب المصنفة في أسباب النزول أو الناسخ والمنسوخ أو غريب القرآن أو غيرها من علوم القرآن الكريم، فإننا نجد سلف السلفية هم أول من بادر إلى ذلك، فقد كتب علي بن المديني شيخ البخاري المتوفى سنة (234 هـ) كتابا في (أسباب النزول)، وكتب أبو عبيد القاسم بن سلّام المتوفى سنة (224 هـ) في (الناسخ والمنسوخ)، وكتب أبو بكر السجستاني المتوفى (330 هـ) في (غريب القرآن)، وكتب عليّ بن سعيد الحوفي في (إعراب القرآن)

 وهكذا نجد في العصور التالية: ابن تيمية المتوفى سنة (728 هـ) يكتب رسالة في أصول التفسير، وهي مشتملة على بعض موضوعات علوم القرآن ([8]).

وقد كان جل اعتماد هذه الكتب على النقل عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولذلك لقيت عناية كبيرة من طرف السلفية الذين أثنوا عليها، بل اعتبروها مصادرهم الأساسية في فهم القرآن الكريم، بل لم يحلوا لأحد من الأمة أن يتجاوزها إن أراد أن يفهم كتابه المقدس غضا طريا كما أنزل.

يقول ابن تيمية، وهو يوضح منهج سلفه في التفسير: (إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها؛ ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح؛ لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين)([9])

وهذا الكلام من ابن تيمية ـ مع جماله الظاهري ـ يحوي مغالطة عظيمة ذلك أن المروي عن هؤلاء الراشدين المهديين ـ كما يقول ـ محصور جدا في كتب التفسير، بل لا يكاد يوجد.. حتى قال السيوطي ـ وهو من أكبر المهتمين بجمع كل ما روي من التفسير بالمأثور ـ: (لا أحفظ عن أبي بكر  في التفسير إلا آثارا قليلة جدا لا تكاد تجاوز العشرة)([10])، بل إنهم يروون عنه أنه سئل عن آية،  فقال: (أي أرض تسعني؟ أو أي سماء تظلني؟ إذا قلت في كتاب الله ما لم يرد الله؟)([11])

ومثله روي أن عمر قرأ على المنبر قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: 27 - 31]، ثم قال: كل هذا قد عرفناه فما الأب؟ ثم رفع عصا كانت في يده فقال: هذا لعمر الله هو التكلف فما عليك أن لا تدري ما الأب، اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب، فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه)([12])

وهكذا لا نجد الصحابة الذين ذكرهم ابن تيمية في مصادر التفسير، فلا نجد بلالا ولا عمارا، ولا غيرهم من أهل بدر أو أحد .. ولو أن السلفية اكتفوا بهؤلاء لما وصل تفسير الطبري إلى 25 مجلدا.

لذلك فقد لجأ السلفية إلى التابعين، كما قال ابن تيمية: (إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين  كمجاهد بن جبر فإنه كان آية في التفسير كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها وبه إلى الترمذي قال: حدثنا الحسين بن مهدي البصري حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئا وبه إليه قال حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن الأعمش قال: قال مجاهد: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا طلق بن غنام عن عثمان المكي عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه قال: فيقول له ابن عباس اكتب حتى سأله عن التفسير كله ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وكسعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومسروق بن الأجدع وسعيد بن المسيب وأبي العالية والربيع بن أنس وقتادة والضحاك بن مزاحم وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم)([13])

وكل هؤلاء الذين ذكرهم ابن تيمية هم في الحقيقة أركان التفسير الذي يعتمد عليه السلفية، لأن تفسيرهم القرآن بالقرآن محدود جدا، وفي آيات مخصوصة فقط، ومثله التفاسير المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل لا يكاد يذكر منها شيء، ولو ذكر فإن سند الرواية فيه عن أولئك الذين تشبعوا بالروايات الإسرائيلية أو اختلطت أحاديثهم بأحاديث بني إسرائيل، فصارت الأحاديث المرفوعة في ذلك كأحاديث كعب الأحبار نفسها.

وبناء على هذا، فإن التفاسير السلفية معتمدة أساسا على التابعين، وكلهم بلا استثناء تتلمذوا على اليهود، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، واختلطت رواياتهم عن الصحابة برواياتهم عن اليهود.

ولذلك نجد علما كبيرا في التفسير كمجاهد والذي أثنى عليه ابن تيمية كثيرا باعتباره من تلاميذ ابن عباس، وقال فيه ابن سعد: (ثقة فقيه عالم، كثير الحديث)، وقال فيه يحيى القطان: (أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به)، وقال فيه الذهبي: (أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به)، وقال ابن كثير: (أحد أئمة التابعين والمفسرين، كان من أخصاء أصحاب ابن عباس، وكان أعلم أهل زمانه بالتفسير حتى قيل: إنه لم يكن أحد يريد بالعلم وجه الله إلا مجاهد وطاووس)([14])

نجد هذا العلم الكبير الثقة مثله مثل سائر السلف يروي الكثير من الإسرائيليات، وهو دليل على أنه نقلها من أهل الكتاب، فقد كان يجمع بين تلمذته على ابن عباس، وتلمذته على الكثير من أهل الكتاب الذين أسلموا وخصوصا من اليهود منهم، كعطية القرظى.

ومن الأمثلة على هذا تفسيره لقوله تعالى: ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ [البقرة: 58]، فقد قال في تفسيرها: (باب حطة باب إلياء بيت المقدس، أمر قوم موسى أن يدخلوا الباب سجدا، ويقولوا: حطة، وطؤطيء الباب ليخفضوا رؤوسهم، فلما سجدوا قالوا: حنطة)([15])، وفسر قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ [الفتح: 4] قال: (السكينة من الله عز وجل كهيئة الريح لها رأس مثل رأس الهرة وجناحان)([16])

وفسر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: 247] بقوله: (فكان طالوت على الجيش أميرا، فبعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته، فقال داود لطالوت: ماذا لي وأقتل جالوت؟، قال: لك ثلث ملكي وأنكحك ابنتي، فأخذ داود مخلاة فجعل فيها ثلاث مروات - يعني ثلاثة أحجار - وسمى أحجاره إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فخرج الذي على اسم إبراهيم فجعله في مرجمته فرمى بها جالوت فخرق ثلاثا وثلاثين بيضة على رأسه، وقتل ما وراءه ثلاثين ألفا، يقول: ﴿ ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾  [البقرة: 247]، يعني: سلطانه، وقال ابن أبي نجيح: وسمعت مجاهدا يقول: أقبلت السكينة والصرد وجبريل عليه السلام مع إبراهيم خليل الرحمن عز وجل من الشام، قال مجاهد فبلغني أن السكينة لها رأس كرأس الهرة وجناحان)([17])

بل إننا نجد أعلام السلفية يدافعون عمن وصفهم سلفهم بالكذب وبرواية الإسرائيليات بل بالبدع المختلفة، ومن ذلك دفاعهم المستميت عن عكرمة مولى ابن عباس على الرغم من تصريح بعض السلف بكونه كذابا، وذلك كاف لرده لو طبقوا منهجهم في الحكم على الأحاديث، وفي تقديم الجرح على التعديل.

يقول السمعوني في ترجمته: (احتج به البخاري وأصحاب السنن وتركه مسلم فلم يخرج له سوى حديث واحد في الحج مقرونا بسعيد بن جبير، وإنماتركه لكلام مالك فيه، وقد تعقب جماعة من الأئمة ذلك وصنفوا في الذب عن عكرمة منهم أبو جعفر بن جرير الطبري ومحمد بن نصر المروزي وأبو عبد الله بن مندة وأبو حاتم ابن حبان وابن عبد البر وغيرهم)([18])

ثم ذكر التهم الخطيرة الموجهة له، فقال ـ مستصغرا لها ـ: (ومدار طعن الطاعنين فيه على ثلاثة أشياء: وهي الكذب، وموافقة الخوارج في مذهبهم، وقبول جوائز الأمراء)([19])

ثم ذكر جواب المدافعين عنه من أعلام السلفية، فقال: (ومدار جواب الذابين عنه على أن قبول جوائز الأمراء لا يوجب القدح إلا عند المشددين، وأهل العلم على جواز ذلك وقد صنف في ذلك ابن عبد البر، وأما البدعة فإن ثبتت عنه فلا تضر في روايته، لأنه لم يكن داعية، مع أنها لم تثبت عليه، وأما نسبته إلى الكذب، فأشد ما ورد في ذلك ما روي عن عبد الله بن عمر أنه قال لنافع: (لا تكذب علي، كما كذب عكرمة على ابن عباس)، قال ابن حبان: (أهل الحجاز يطلقون كذب في موضع أخطأ، ويؤيد ذلك قول عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد، لما أخبر أنه يقول: إن الوتر واجب، مع أنه لم يقله راوية وإنما قاله اجتهادا، ولا يقال للمجتهد فيما أداه إليه اجتهاده إنه كذب فيه، وإنما يقال أخطأ فيه، وقد ذكر ابن عبد البر أمثلة كثيرة تدل على أن كذب تأتي بمعنى أخطأ، ويتلو ما روي عن ابن عمر في الشدة ما يروي عن ابن سيرين من قوله لمولاه برد لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس وقد عرفت ان كذب قد يكون بمعنى أهخطأ، وقال بعض العلماء: كان عكرمة ربما سمع الحديث من رجلين فيحدث به عن احدهما تارة وعن الآخر تارة أخرى فربما قالوا ما أكذبه فربما قالوا ما أكذبه وه صادق، وقال أيوب قال عكرمة أرأيت هؤلاء الذين يكذبونني من خلفي أفلا يكذبونني في وجهي، يعني انهم إذا واجهوه بذلك أمكنه الجواب عنه والمخرج منه، وأما طعن مالك فيه فقد بين سببه أبو حاتم قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عكرمة فقال ثقة قلت يحتج بحديثه قال نعم إذا روى عنه الثقات والذي أنكر عليه به مالك إنما هو بسبب رأيه على انه لم يثبت عنه من وجه قاطع أنه كان يرى ذلك، وإنما كان يوافقهم في بعض المسائل فنسبوه إليهم وقد برأه أحمد والعجلي من ذلك) ([20])

وهكذا استطاع العقل السلفي أن يحتال له كما احتال لغيره، لأنه إن لم يحتل له، ولم يدافع عنه، فستضيع ثروة حديثية كثيرة، وتنقص معها صفحات كثيرة من تراث السلفية في التفسير والعقائد والفقه وغيرها.

وقد ذكر الطبري هذا المبرر عند دفاعه عنه، فقال: (لو كان كل من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعي به وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك للزم ترك أكثر محدثي الأمصار لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه)([21])

وهكذا نجد أمثال هذه المرافعات الطويلة عن كل المفسرين من التابعين، والذين اعتمد عليهم التراث السلفي بالدرجة الأولى.. فلا نكاد نجد أحدا منهم إلا وتكلم فيه، ولا نجد أحدا منهم إلا ودافع السلفية عنه دفاع المستميت مستعملين كل أدوات الحيلة التي استفادوها نتيجة تواصلهم الدائم مع اليهود أو تلاميذهم.

وليس الأمر قاصرا على الروايات الإسرائيلية، بل تعداه إلى أمور خطيرة كثيرة، ساهمت في تشويه المعاني القرآنية، بتحويلها إلى معان بشرية مدنسة بالانحرافات التي وقعت فيها سائر الأديان.

لذلك فإن ما يعتبره السلفية مكرمة لسلفهم بالمبادرة لتفسير القرآن الكريم، نراها أكبر بدعة وانحراف ساهم في تحريف القرآن الكريم، وإبعاد الأمة عن معانيه السامية، نتيجة خلطه بتراث الأديان الأخرى، وبالمفاهيم البشرية القاصرة.

ومن العجيب أن السلفية الذين ذكروا من أسباب نهي سلفهم عن تدوين الحديث خشية اختلاطه بالقرآن الكريم، نجدهم هم أنفسهم يخلطون تراث الأمم الأخرى، ومفاهيمهم القاصرة بالقرآن الكريم.. فلا تجد آية حتى لو كانت واضحة الدلالة لا تحتاج إلى تفسير إلا وأمامها ما قال مجاهد أو عكرمة أوقتادة أو كعب أو غيره.

فمع وضوح معنى الكلب في قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: 18] لأن العرب كانت ولا تزال تطلقه على الحيوان المعروف، إلا أن مفسر السلفية الثقة والمشهور ابن جرير يقول في تفسير معنى [الكلب]: (اختلف أهل التأويل في الذي عنى الله بقوله: (وكلبهم باسط ذراعيه) فقال بعضهم: هو كلب من كلابهم كان معهم، وقد ذكرنا كثيرا ممن قال ذلك فيما مضى، وقال بعضهم: كان إنسانا من الناس طباخا لهم تبعهم)([22]) .. وهكذا نرى كيف يحرف القرآن الكريم.. فيتحول الإنسان المحترم المبجل إلى كلب.

وهكذا نراه عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ [ص: 23]، فقد قال: (وإنما كنى بالنعجة ها هنا عن المرأة، والعرب تفعل ذلك، ومنه قول الأعشى:

قَدْ كُنْتُ رَائِدَهَا وَشاةِ مُحَاذِرٍ... حَذرًا يُقِلُّ بعَيْنِهِ إغْفَالَهَا

يعني بالشاة: امرأة رجل يحذر الناس عليها، وإنما يعني: لقد ظلمت بسؤال امرأتك الواحدة إلى التسع والتسعين من نسائه)([23])

بناء على هذا، سنحاول هنا أن نسلط مجهر التحقيق والنقد على التراث السلفي المتعلق بالقرآن الكريم لنرى أهم الانحرافات التي سربها للأمة من خلال هذا المصدر العظيم من مصادر الدين.

وقد رأينا أنه يمكن جمعها في انحرافين كبيرين:  الأول: هو تشويه الحقائق القرآنية، والثاني: وهو تشويه القيم القرآنية.. وسنتحدث عن هذين المعنيين في المبحثين التاليين:

أولا ـ تشويه الحقائق القرآنية.

مع ورود النهي في القرآن الكريم عن سؤال أحد من الناس عن الحقائق القرآنية، وخاصة اليهود منهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 22]، وقد فسرها مجاهد بأن المراد منهم اليهود([24]). 

وهكذا نجد النصوص الكثيرة التي تحذر من خلط الحقائق القرآنية الناصعة بغيرها، إلا أننا نجد التراث السلفي، لم يصغ إلى كل تلك التنبيهات والتحذيرات، وانشغل بسبب هيامه بالحشو والرواية والتصنيف والمبالغة فيها إلى تشويه الحقائق القرآنية تشويها عظيما خلطها بالخرافة والدجل، فأصبح القرآن الكريم بذلك مطية لكل الأساطير والأوهام البشرية.

ومن العجيب أن السلفية ـ مع تشددهم الكبير ـ في فروع الأحكام الفقهية، وخاصة ما يتعلق منها بالشعائر التعيدية من الطهارة والصلاة وغيرها، حيث أنهم يتشددون مع الرواة، ويقومون بالكثير من المقارنات والتحقيقات، ويؤلفون في ذلك الكتب والرسائل، إلا أنهم وفي حقائق القرآن تساهلوا تساهلا عظيما، فأخذوها من كل من هب ودب، حتى قال الإمام أحمد: (ثلاثة كتب ليس لها أصول المغازي والملاحم والتفسير)([25])، وقد علق عليه الزركشي بقوله: (قال المحققون من أصحابه: ومراده أن الغالب أنها ليس لها أسانيد صحاح متصلة) ([26])

وهكذا نرى السيوطي ينقل عن الشافعي قوله: (لم يثبت عن ابن عباس في التفسير شبيهٌ بمئة حديث)([27])

وهكذا قال عبد الرحمن بن مهدي ، وهو من من أعلام السلفية الكبار: (إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال، تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام، تشدَّدنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال)

بل هكذا نرى ابن تيمية نفسه يعتبر التحقيق في هذا نوعا من الفضول، وكأن الحقائق القرآنية لا أهمية لها حتى يتحدث فيها من شاء كما شاء، يقول في ذلك: (الاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك، إذ العلم إما نقل مصدق، وإما استدلال محقق، والمنقول إما عن المعصوم، وإما عن غير المعصوم، والمقصود بأن جنس المنقول سواء كان عن المعصوم أو غير المعصوم، وهذا هو النوع الأول منه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه. وهذا القسم الثاني من المنقول، وهو ما لا طريق لنا إلى الجزم بالصدق منه عامته مما لا فائدة فيه فالكلام فيه من فضول الكلام، وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته فإن الله نصب على الحق فيه دليلا فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، وفي مقدار سفينة نوح وما كان خشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ونحو ذلك، فهذه الأمور طريق العلم بها النقل، فما كان من هذا منقولا نقلا صحيحا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كاسم صاحب موسى أنه الخضر  فهذا معلوم وما لم يكن كذلك بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب - كالمنقول عن كعب ووهب ومحمد بن إسحاق وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب - فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة .. وكذلك ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض وما نقل في ذلك عن بعض الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو من بعض من سمعه منه أقوى؛ ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين ومع جزم)([28])

ونحب أن ننقل هنا للدلالة على هذا التساهل أو الحرص على الحفاظ على التراث الإسرائيلي في تفسير القرآن الكريم رسالة كتبها أحد أعلام السلفية المعاصرين، وهو أبو إسحق الحويني لشيخه الألباني.. وسبب كتابته لها هو أنه عندما أراد أن يخضع الروايات الواردة في التفسير عن السلف إلى منهج المحدثين ـ مع ما فيه من قصور ـ لقي معارضة على ذلك، فأرسل للألباني ليزكي عمله هذا.

قال الشيخ أبو إسحاق الحويني في مقدّمة تحقيقه لتفسير ابن كثير: (توقفتُ طويلاً في الحكم على الآثار التي يوردها ابن كثير: هل أخضعها لقواعد المحدّثين من النظر في رجال السند، واعتبار ما قيل فيهم من جرحٍ وتعديلٍ، أم أتساهل في ذلك وأداني البحثُ والتأمل أنه لا بد من إخضاع كل ذلك لقواعد المحدّثين، إذ الكل نقلٌ، وأصول الحديث إنما وضعها العلماء لذلك، ولأني أشعر بخطورة الأمر، عرضتُ ما وصلتُ إليه على مَن أثق بعلمه ورأيه من شيوخي وإخواني، فكتبتُ لشيخنا الشيخ الإمام، حسنة الأيام، أبي عبد الرحمن ناصر الدين الألباني حفظه الله ومتّع به أذكر له ما انتهى إليه بحثي، وما اخترتُهُ منهجاً لي في العمل.. فأجابني إلى ما أردتُ برغم مرضه الشديد - آنذاك - عافاه الله ورفع عنه)([29])

ونص رسالة الألباني ـ كما نقلها عنه الحويني ـ هي: (أما بعدُ، فقد ذكرتَ أنك في صدد تحقيق تفسير الحافظ ابن كثير، وأن العلماء وطلبة العلم اختلفوا عليك في إخضاع أسانيد التفسير كلِّها لقواعد المحدّثين إلى فريقين: أحدهما: يرى أن الإخضاع المذكور فيه تضييع للتفسير، إذ غالبُهُ نسخ وكتبٌ؛ كنسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وكتفسير السدّي وغيرها، ومن حجّتهم المقالةُ التي تُنسَب إلى الإمام أحمد قال: ثلاثة لا أصل لها؛ منها: التفسير، قالوا: معنى لا أصل لها؛ يعني: لا إسناد لها، فهذا يدلُّ على عدم اعتبار الإسناد في التفسير، فهل هذا صحيح ؟.. والآخر: يرى - معك - ضرورة إخضاع ذلك لقواعد المحدّثين، ثم رجوتَ أن أسطر لك جوابي عليه، فأقول مستعيناً بالله، ومعتذراً لك عن الإيجاز فيه نظراً لظروفي الخاصّة: لا أرى - البته - عدم تطبيق قواعد علم الحديث على الآثار السلفيّة؛ كيف ؟ وهي في المرتبة الثانية بعد السنّة المحمديّة في تفسير الآيات الكريمة، فينبغي أن تُساق مساقها في تحقيق الكلام على أسانيدها، وهو الذي جرى عليه مجرى العلماءُ المحقّقون، وقد فصّل السيوطي القول في نسخة (علي بن أبي طلحة عن ابن عباس)، وفي غيرها من الروايات، وبيّن ما يصحُّ منها وما لا يصحُّ على تساهل منه في التصحيح معروف، ثم نقل عن الشافعي أنه قال: (لم يثبت عن ابن عباس في التفسير شبيهٌ بمئة حديث)([30])، وكلمة الإمام أحمد التي احتجّ بها الفريقُ الأول هي - إن صحَّت - حجّةٌ عليهم إذا فسِّرت على ظاهرها، لأنه لا يجوز الجزم بما لا أصل له اتفاقاً، ولذلك فسّرها المحققون من أصحابه بأن مراده: أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاحٌ متصلة، وإلا فقد صحَّ من ذلك كثيرٌ، وعليه فلا يجوز أيضاً التسوية في تفسير كلام الله بين ما صحَّ من الآثار وما لم يصحّ، وأن تساق مساقاً واحداً، هذا ما لا يقوله عالمٌ، وإن قال خلافه عالم، فله وجهة نظر عنده، ولا يُجعل قاعدةً .. وختاماً: فإني أرى أنه لا بد من إخضاع أسانيد التفسير كلّها للنقد العلميِّ الحديثي، وبذلك نتخلّص من كثيرٍ من الآثار الواهية التي لا تزال في بطون كتب التفسير، وما كان سكوت العلماء عنها إلاّ لكثرتها وصعوبة التفرّغ لها)([31])

انطلاقا من هذا سنحاول هنا، وباختصار، أن نذكر نموذجين عن تأثير المنهج السلفي المعتمد في التفسير على الحقائق القرآنية، وهما يمثلان أصول الحقائق القرآنية، والتأثير فيهما تأثير في الدين جميعا، وقد اعتمدنا في الأمثلة والنماذج على التفاسير المعتبرة عند أعلام السلفية القدامى والمحدثين.

1 ـ تشويه الحقائق العقدية:

ربما يكون المنطلق الأول الذي بدأ فيه تشويه التراث السلفي للحقائق العقدية هو عدم إعمالهم للتفريق بين المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، أو خلطهم بينهما، وسبب ذلك هو عدم رجوعهم للراسخين في العلم، والذين ذكر القرآن الكريم أنهم هم وحدهم الذين يستطيعون التفريق بينهما، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7]

فالله تعالى في هذه الآية الكريمة أخبر أن في القرآن الكريم نوعين من الآيات، آيات محكمات واضحات هي الأصل والمرجع وأم الكتاب الذي يصار إليه عند التنازع، ومنه متشابهات، وهي ـ كما يعبر الزركشي ـ (أن يشتبه اللفظ [فيها] في الظاهر مع اختلاف المعاني، ويقال للغامض متشابه لأن جهة الشبه فيه، والمتشابه مثل المشكل لأنه أشكل ودخل في شكل غير شكله)([32])

وهي على نوعين: (أحدُهُما إذا رُدَّ إلى المُحْكَم عُرِف معناه، والآخر ما لا سبيل إلى معرفة حقيقته. فالمُتَتَبِّع له مُبْتَغ لِلْفتنَة، لأنه لا يكادُ ينتهي إلى شيءٍ تسكن نَفْسُه إليه)([33])

وعلى عكس ذلك المحكم، لأنه (لا اختلاف فـيه ولا اضطراب، وما لا يحتمل الوجوه وعُرف بنفسه)([34])

وقد ذكرت الآية الكريمة أن من أغراض وجود المتشابه في القرآن الكريم هو الفتنة والابتلاء ليميز الراسخون في العلم من الذين في قلوبهم مرض، كما قال قال محمد بن جعفر بن الزبير([35]): (المحكمات هي التي فيها حجة الرب،  وعصمة العباد ودفع الخُصُوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه. والمتشابهات لهنّ تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهنّ العباد)

وبناء على هذا كان الأصل في التعريف بالحقائق المرتبطة بالألوهية الاكتفاء بما ورد في القرآن الكريم من حقائق قطعية لا خلاف فيها، والتي تضمنتها أسماؤه الحسنى الكثيرة،وفيها غنية وكفاية لمن يريد التعرف على الله بحسب الطاقة المحدودة.

لكن العقل السلفي لم يهضم ذلك، ولم يكتف به، بل لم يعره أي أهمية، وراح إلى ألفاظ متشابهات تحمل معاني متعددة ليستنتج منها ما يسميه صفات الله تعالى.

ومن الأمثلة على ذلك ما ورد من النصوص القرآنية في ذكر اليد مضافة لله تعالى، لأن العرب عندما تضيف اليد لأي كان قد تريد بذلك اليد التي هي الجارحة، وتريد بها أيضا معاني أخرى مثل: القوة والنعمة والعطاء والثواب والهداية والنصرة والحفظ وغيرها.

وبما أن الأمر كذلك، فاليد المنسوبة لله، تعتبر من المتشابهات، والتي لا يمكن القطع بمعناها إلا للراسخين في العلم، ولهذا وقفت الأمة ـ من غير السلفية ـ موقفين: أحدهما تفويض المراد منها لله تعالى، والثاني هو تأويلهما بما يتناسب مع كلام العرب، وقد قال الزركشي عند حديثه عن المحكم والمتشابه، (وممن نقل عنه التأويل علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم.وهو اختيار ابن برهان من الأشعرية.. وإنما حملهم على التأويل وجوب حمل الكلام على خلاف المفهوم من حقيقته لقيام الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى، والخوض في كل هذه  الأمور خطر عظيم)([36]).

لكن السلفية وحدهم من بين الأمة رفضوا اعتبار ذلك من المتشابه، بل اعتبروه محكما، قال ابن تيمية: (ما وجدت أحدا من أهل العلم من السلف جعل آيات الصفات من المتشابه)([37])

ثم فسر المتشابه ـ كما تتصوره المدرسة السلفية ـ فقال: (المعنى الذي يراد به هذا في حق المخلوقين لا يجوز أن ثم يكون نظيره ثابتا لله، فلهذا صار متشابها، وكذلك قوله: {ثم استوى على العرش} فإنه قد قال: {واستوت على الجودي} وقال: {فاستوى على سوقه} وقال: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} وقال: {لتستووا على ظهوره} فهذا الاستواء كله يتضمن حاجة المستوي إلى المستوى عليه، وأنه لو عدم من تحته لخر، والله تعالى غني عن العرش وعن كل شيء، بل هو سبحانه بقدرته يحمل العرش وحملة العرش.. فصار لفظ الاستواء متشابها يلزمه في حق المخلوقين معاني ينزه الله عنها، فنحن نعلم معناه وأنه العلو والاعتدال، لكن لا نعلم الكيفية التي اختص بها الرب التي يكون بها مستويا من غير افتقار منه إلى العرش، بل مع حاجة العرش وكل شيء محتاج إليه من كل وجه، وأنا لم نعهد في الموجودات ما يستوي على غيره مع غناه عنه وحاجة ذلك المستوى عليه إلى المستوي، فصار متشابها من هذا الوجه، فإن بين اللفظين والمعنيين قدرا مشتركا، وبينهما قدرا فارقا هو مراد في كل منهما، ونحن لا نعرف الفارق الذي امتاز الرب به فصرنا نعرفه من وجه ونجهله من وجه، وذلك هو تأويله، والأول هو تفسيره) ([38])

وهكذا صار المتشابه عنده ليس كونه مجهولا غير معلوم بسبب الاحتمالات الكثيرة الواردة على اللفظ، وإنما هو متشابه من حيثية واحدة وهي عدم معرفة الكيفية..

فالاستواء عندهم والذي له في اللغة دلالات كثيرة بإقرارهم وإقرار مفسريهم المعتبرين مثل الطبري، الذي قال في شرحه للاستواء: (الاستواء فـي كلام العرب منصرف علـى وجوه: منها انتهاء شبـاب الرجل وقوّته، فـيقال إذا صار كذلك: قد استوى الرجل، ومنها: استقامة ما كان فـيه أَوَدٌ من الأمور والأسبـاب، يقال منه: استوى لفلان أمره: إذا استقام له بعد أود. ومنها: الإقبـال علـى الشيء بـالفعل، كما يقال: استوى فلان علـى فلان بـما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إلـيه. ومنها: الاحتـياز والاستـيلاء كقولهم: استوى فلان علـى الـمـملكة، بـمعنى احتوى علـيها وحازها. ومنها: العلوّ والارتفـاع، كقول القائل: استوى فلان علـى سريره، يعنـي به علوّه علـيه)([39])

لكن السلفية وابن تيمية ـ كما رأينا ذلك بتفصيل في كتاب [السلفية والوثنية المقدسة] يفسرون الاستواء بالقعود والجلوس، ويجعلون المتشابه فيه هو عدم معرفتهم لكيفية القعود والجلوس.

وبناء على هذا راح السلفية لكل الآيات المحكمة في القرآن الكريم يحولونها آيات متشابهة، لأنه إذا اعتبرت الآية المتشابهة محكمة، فإنه لابد أن يؤول كل مخالف لها.

ومن هذا الباب أولوا كل الآيات التي تذكر استغناء الله عن المكان، قال أبو عمر الطلمنكي الأندلسي (339-429 هـ) في كتابه (الوصول إلى معرفة الأصول): (أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: وهو معكم أينما كنتم. ونحو ذلك من القرآن: أنه علمه، وأن الله تعالى فوق السموات بذاتـه مستو على عرشه كيف شاء)([40])

وقال أبو نصر السجزي (ت 444 هـ) في كتابه الإبانة: (فأئمتنا كسفيان الثوري ومالك وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وعبد الله بن المبارك وفضيل بن عياض واحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي متفقـون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء فمن خالف شيئا من ذلك فهو منهم بريء وهم منه براء)([41])

 وهكذا اعتبر ابن عبد البر (ت 463 هـ) كل تلك الإضافات المتشابهة محكمة يؤول كل القرآن لأجلها، قال: (أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا انهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله) ([42])

وبذلك تحول المحكم متشابها، والمتشابه محكما، وقد ذكر ابن القيم ذلك، فقال: (الذين يستمسكون بالمتشابه في رد المحكم، لهم طريقان في رد السنن: أحدهما: ردها بالمتشابه من القرآن أو من السنن، الثاني: جعلهم المحكم متشابها ليعطلوا دلالته، وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق: فعكس هذه الطريق، وهي أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم وتوافق النصوص بعضها بعضا، ويصدق بعضها بعضا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره)([43])

فالمفاهيم هنا ـ في الظاهر ـ سليمة جدا، فالأصل أن نرجع المتشابه للمحكم، لكن ابن القيم وكل سلفه يخلطون في المصاديق، فيحولون المتشابه محكما، والمحكم متشابها.

ولهذا ذكر ابن القيم أمثلة يوضح بها مقصوده حتى لا يختلط بغيره، فقال: (ولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب.. المثال الأول: رد الجهمية النصوص المحكمة غاية الإحكام المبينة بأقصى غاية البيان أن الله موصوف بصفات الكمال من العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر والوجه واليدين والغضب والرضا والفرح والضحك والرحمة والحكمة وبالأفعال كالمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا ونحو ذلك) ([44])

فقد اعتبر الوجه واليدين والنزول وغيرها محكمات، ولا دليل على هذا، لا من العقل الذي يرفض ذلك رفضا تاما، ولا من النقل الذي لا يدل عليه دلالة قطعية، بل دلالته على ذلك من النوع المتشابه الذي يحتمل فيه اللفظ وجوها متعددة كما ذكرنا في الاستواء واليدين وغيرهما.

بل إنهم هم أنفسهم يقرون بالتأويل وضرورته فيما يتصورونه من صفات الله تعالى، فلهذا يؤولونها في نفس الوقت الذي ينكرون على غيرهم التأويل.

ومن الأمثلة على ذلك ما أوردوه في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]، فقد قال الطبري: (وفي قوله: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ) وجهان من التأويل: أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والآخر: قوّة الله فوق قوّتهم في نُصرة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنهم إنما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نُصرته على العدوّ) ([45])

وقال ابن تيمية: (ومعلوم أن يد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كانت مع أيديهم كانوا يصافحونه ويصفقون على يده في البيعة، فعلم أن يد الله التي فوق أيديهم ليست هي  يد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولكن الرسول عبد الله ورسوله فبايعهم عن الله وعاهدهم وعاقدهم عن الله، فالذين بايعوه بايعوا الله الذي أرسله  وأمره ببيعتهم، ألا ترى أن كل من وكل شخصاً بعقد مع الوكيل كان ذلك عقداً مع الموكل ومن وكل نائباً له في معاهدة قوم فعاهدهم عن مستنيبه كانوا معاهدين لمستنيبه، ومن وكل رجلاً في نكاح أو تزوج كان الموكل هو الزوج الذي وقع له العقد؟)([46])

وبناء على هذا الخلط بين المحكم والمتشابه، صار تخبطهم الكبير في هذا الباب العقدي الخطير، بل صار القرآن الكريم عندهم محلا لتفسيرات غريبة متكلفة، ولو أنهم أعملوا المحكم واكتفوا بما ورد في القرآن الكريم من أسماء الله الحسنى لما تخبطواذلك التخبط الذي عبر عنه ابن القيم بقوله: (التشابه والإحكام نوعان: تشابه وإحكام يعم الكتاب كله، وتشابه وإحكام يخص بعضه دون بعض، فالأول كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ [الزمر23]وقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾[هود1].. والثاني: كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران7]، فإن اردتم بتشابه آيات الصفات النوع الأول فنعم هي متشابهة غير متناقضة يشبه بعضها بعضا، وكذلك آيات الأحكام، وإن أردتم أنه يشتبه المراد بها بغير المراد فهذا وإن كان يعرض لبعض الناس فهو أمر نسبي إضافي فيكون متشابها بالنسبة إليه دون غيره، ولا فرق في هذا بين آيات الأحكام وآيات الصفات، فإن المراد قد يشتبه فيهما بغيره على بعض الناس دون بعض، وقد تنازع الناس في المحكم والمتشابه تنازعا كثيرا ولم يعرف عن أحد من الصحابة قط أن المتشابهات آيات الصفات، بل المنقول عنهم يدل على خلاف ذلك، فكيف تكون آيات الصفات متشابهة عندهم وهم لا يتنازعون في شيء منها، وآيات الأحكام هي المحكمة وقد وقع بينهم النزاع في بعضها؟! وإنما هذا قول بعض المتأخرين، وسيأتي إشباع الكلام في هذا في الفصل المعقود له إن شاء الله تعالى)([47])

وهكذا استدل ابن تيمية كعادته في إطلاق الحكم بالإجماع واتفاق الأمة على هذا، فقال: (أما الدليل على بطلان ذلك [أي اعتبار ما يسمونه آيات الصفات متشابهات] أني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفي أن يعلم أحد معناه وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا: إن الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه، وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: تمر كما جاءت ـ ونهوا عن تأويلات الجهمية وردوها وأبطلوها التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه، ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية، ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك، وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت)([48])

وهكذا فإن الدليل الذي يذكره ابن تيمية كما يذكره جميع السلفية ليس هو في كون النص محتملا للتأويل أو غير محتمل، لأنهم هم أيضا يمارسون التأويل.. وإنما هو أقوال السلف، وقد وضحنا بالأدلة الكثيرة في كتاب [هكذا يفكر العقل السلفي] أن المركز الذي يجتمع عنده سلفهم جميعا هو اليهود وتلاميذ اليهود.

فهم الذين فسروا لهم الآيات القرآنية تفسيرا حسيا موغلا في التجسيم والتشبيه، ثم تلى ذلك عنهم أعلام الحديث الكبار الذين اشتغلوا بالحشو أكثر من اشتغالهم بالتحقيق.. وبمرور الزمن أصبحت تلك التشويهات العقيدة عقيدة سنية يكفر جاحدها، ويحكم عليه بالقتل.

وكمثال على ذلك أن ابن عباس الذي هو ترجمان القرآن الكريم ـ كما يعتقد السلفية ـ فسر ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، بشدَّة الهول والأمر، لكن السلفية يرفضون هذا التفسير، ويتعلقون بتفسير يرفعونه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسر لهم الساق بأنها ساق الله، وأنه يكشفها يوم القيامة ليميز المؤمنين من الكافرين، فقد رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا)([49])

هذا نموذج لأثر كتاباتهم في علم المحكم والمتشابه على عقيدة الأمة، بل على أهم مسألة عقدية وهي معرفة الله تعالى.. أما معرفة الرسل والملائكة .. فحدث على تحريفاتهم فيها ولا حرج.

2 ـ تشويه الحقائق الكونية:

مثلما حصل الوهم الكبير للسلفية حين وثقوا في سلفهم كل تلك الثقة العمياء التي جعلتهم يتركون آيات الله المحكمات ليتعلقوا بالمتشابهات، ليبنوا عليها جدرانا من الأوهام جعلهتم أقرب إلى الوثنية منهم إلى التوحيد.. حصل لهم مع الحقائق الكونية التي تشكل جزءا مهما جدا في القرآن الكريم.

فقد تصور السلفية أن سلفهم ـ كما أحاطوا علما بالله وملائكته وكبته ورسله ـ فقد أحاطوا علما كذلك بالكون، ولذلك راحوا ينهلون منهم معارفهم في الفلك والجغرافيا والتاريخ والطب وكل العلوم، ويفسرون القرآن الكريم من خلالها.

وقد تناسوا خلال ذلك الانبهار بالسلف استحالة إحاطة أي جيل من الأجيال بالمعاني القرآنية.. لأن الله تعالى أخبر أن عطاء القرآن الكريم ممتد، وأن كل جيل ينهل منه بحسب استعداداته، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت: 53]

لكن السلفية الذين حصروا فهم القرآن الكريم في السلف الأول من أصحاب القرون الثلاثة الأولى، حجروا على غيرهم أن يتحدث في الحقائق القرآنية.

ولهذا كانوا أول من بادر إلى تحريم تفسير القرآن بمقتضيات العلم، باعتبار أن من شروط المفسر عندهم ألا يخالف ما ورد عن السلف.

كما نص على ذلك بعضهم، فقال: (إنَّ أي تفسير جاء بعد تفسير السلف، فإنه لا يقبل إلا بضوابط ،وهذه الضوابط: أن لا يناقض (أي: يبطل) ما جاء عن السلف (أعني: الصحابة والتابعين وأتباع التابعين) .. وذلك لأنَّ فهم السلف حجة يُحتكم إليه، ولا تجوز مناقضته البتة، فمن جاء بتفسير بعدهم، سواءً أكان مصدره لغة، أو بحثًا تجريبيًا، فإنه لا يقبل إن كان يناقض قولهم)([50])

وبناء على هذا صدرت الفتاوى الكثيرة من أعلامهم تحرم البحث في مثل هذا النوع من التفسير، لأن البحث فيه سيقضي على مصداقية السلف الذي أقحموا أنوفهم في كل شيء..

ومن الأمثلة على ذلك ما أجابت به اللجنة الدائمة للفتوى في السعودية عن سؤال يقول: (ماحكم الشرع في التفاسير التي تسمى بالتفاسير العلمية؟ وما مدى مشروعية ربط آيات القرآن ببعض الأمور العلمية التجريبية فقد كثر الجدل حول هذه المسائل ؟)، فأجابت: (إذا كانت من جنس التفاسير التي تفسر قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنبياء: 30] بأن الأرض كانت متصلة بالشمس وجزءً منها ومن شدة دوران الشمس انفصلت عنها الأرض ثم برد سطحها وبقي جوفها حاراً وصارت من الكواكب التي تدور حول الشمس – إذا كانت التفاسير من هذا النوع فلا ينبغي التعويل ولا الاعتماد عليها،  وكذلك التفاسير التي يستدل مؤلفوها بقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 88] على دوران الأرض، وذلك أن هذه التفاسير تحرف الكلم عن مواضعه وتخضع القرآن الكريم لما يسمونه نظريات علمية، وإنما هي ظنيات أو وهميات وخيالات، وهكذا جميع التفاسير التي تعتمد على آراء جديدة ليس لها أصل في الكتاب والسنة ولا في كلام سلف الأمة لما فيها من القول على الله بلا علم)([51])

ومثل ذلك الشيخ صالح بن فوزان الفوزان، الذي كتب مقالا بعنوان (حكم تفسير القرآن بنظريات علمية حديثة)، ومما جاء فيه تعقيبا على كلام نقله عن ابن تيمية في التفسير: (انتهى ملخص كلام الشيخ في الرد على من فسّر آية في القرآن بتفسير لم يرد في الكتاب والسنة، وأنه تفسيرٌ باطلٌ.. وهذا ينطبق اليوم على كثيرٍ من جهّال الكتبة الذين يفسرون القرآن حسب أفهامهم وآرائهم .. أو يفسرون القرآن بنظريات حديثة من نظريات الطب أو علم الفلك أو نظريات روّاد الفضاء ويسمّون ذلك: بالإعجاز العلميّ للقرآن الكريم .. وفي هذا من الخطورة والكذب على الله الشيء الكثير؛ وإن كان بعض أصحابه فعلوه عن حسن نيّة وإظهاراً لمكانة القرآن ..إلاّ أنّ هذا عملٌ لا يجوز، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال في القرآن برأيه وبما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار).. والقرآن لا يُفسّر إلاّ بالقرآن أو بالسنة أو بقول الصّحابيّ كما هو معلوم عند العلماء المحققين)([52])

وهنا يقضى العجب منهم، فما داموا يعتقدون حرمة القرآن الكريم، وحرمة تفسيره بالرأي والعلم، كيف أجازوا لسلفهم أن يفسر القرآن الكريم بالخرافة؟

هكذا هي المكاييل المزدوجة للعقل السلفي، فهو يقلب كل شيء .. يقلب المحكم متشابها، والمتشابه محكما، ويحرم التفسير العلمي في نفس الوقت الذي يجيز فيه التفسير الخرافي.

ولم يكتف التراث السلفي بتحريم البحث العلمي في القرآن الكريم، بل راح يفرض خرافات استفادها من الشعوب البدائية ليفسر بها القرآن الكريم، ويضع من خلالها خارطة للكون تختلف عن كل خرائط العالم.

وكمثال على ذلك أن من وجوه الاختلاف التي يمكننا أن نستفيدها من تراث السلفية عن خرائط العالم هو أن أعلى قمة على سطح الأرض ليست هي قمة إفرست، وإنما هي قمة جبل قاف، والذي رووا فيه الروايات الكثيرة التي توضح طوله وعرضه ووظائفه على هذه الأرض.

ومنها ما رووه عن ابن عباس أنه قال ـ وهو يوضح الخارطة السلفية للأرض ـ: (خلق الله تعالى من وراء هذه الأرض بحرا محيطا بها ثم خلق من وراء ذلك جبلا يقال له ﴿ق﴾ السماء الدنيا مترفرفة عليه ثم خلق من وراء ذلك الجبل أرضا مثل تلك الأرض سبع مرات، ثم خلق من وراء ذلك بحرا محيطا بها، ثم خلق من وراء ذلك جبلا يقال له ق السماء الثانية مترفرفة عليه، حتى عد سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل وسبع سموات قال: وذلك قوله ﴿ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: 27])([53])

بل ذكروا أن لهذا الجبل قدرة على الحديث، فقد رووا عن ابن عبّاس، أنه حدث عن وهب بن منبه أنه قال: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام، قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ)([54])

وقد فسروا بهذا الغثاء قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: 38]

وبعد كل هذه الخرافات نجد ابن خلدون يعتذر لهم بكل احترام، ويقول ـ عند حديثه عن التفاسير السلفية ـ: (وصار التفسير على صنفين: تفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف وهي معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ومقاصد الآي. وكل ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين. وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين والمقبول والمردود. والسبب في ذلك أن العرب لم  يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية. فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم. فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرى في الصحة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات. وأصلها كما قلناه عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا أنهم بعد صيتهم وعظمت أقدارهم. لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتلقيت بالقبول من يومئذ)([55])

ولم يقف الأمر عند حد تفسير القرآن الكريم بالخرافة، بل راح السلفية المتأخرون لا ليعتذروا بمثل ما اعتذر به ابن خلدون، وإنما راحوا يقررون ما ذكر سلفهم من الحقائق، ويربطونها بالقرآن الكريم، ليبنوا عليها أحكامهم التكفيرية.

ومن أمثلة ذلك قول الشيخ ابن عثيمين عند حديثه عن مسألة دوران الأرض، وتطويعه للنصوص المقدسة في سبيل إثبات ذلك: (.. لكن الشيء الذي أرى أنه لا بد منه هو أن نعتقد أن الشمس هي التي تدور على الأرض، وهي التي يكون بها اختلاف الليل والنهار، لأن الله تعالى أضاف الطلوع والغروب إلى الشمس، فقال عز وجل: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: 17]، فهذه أربعة أفعال أضيفت كلها إلى الشمس إذا طلعت، وإذا غربت، تزاور، تقرض، كلها أفعال أضيفت إلى الشمس، والأصل أن الفعل لا يضاف إلا إلى فاعله، أو من قام به، أي من قام به هذا الفعل فلا يقال: مات زيدٌ، ويراد مات عمرو .. فإذا قال الله (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ) ليس المعنى أن الأرض دارت حتى رأينا الشمس لأنه لو كانت الأرض هي التي تدور، وطلوع الشمس يختلف باختلاف الدوران ما قيل: إن الشمس طلعت، بل يقال نحن طلعنا على الشمس، أو الأرض طلعت على الشمس وكذلك قال الله تبارك وتعالى في قصة سليمان ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ﴾ [ص: 32] أي الشمس، ولم يقل حتى توارى عنها بالحجاب، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر: أتدري أين تذهب هذه الشمس؟) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (تذهب تسجد تحت العرش، فتستأذن، فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها)([56])، فأضاف الذهاب إلى الشمس)([57])

وهكذا، وبعد أن طوع ما شاء من النصوص القرآنية لقوته الوهمية، قال: (فظاهر القرآن والسنة أن اختلاف الليل والنهار يكون بدوران الشمس على الأرض، وهذا هو الذي يجب أن نعتقده ما لم يوجد دليلٌ حسيٌ قاطع يسوغ لنا أن نصرف النصوص عن ظواهرها إلى ما يوافق هذا النص القاطع، وذلك لأن الأصل في أخبار الله ورسوله أن تكون على ظاهرها حتى يقوم دليل قاطع على صرفها عن ظاهرها، لأننا يوم القيامة سنسأل عما تقتضيه هذه النصوص بحسب الظاهر، والواجب علينا أن نعتقد ظاهرها إلا إذا وجد دليلٌ قاطع يسوغ لنا أن نصرفها عن هذا الظاهر) ([58])

وهكذا قال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: 61] عند ذكره لفوائد هذه الآية الكريمة، فقد قال: (وفي قوله تعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) دليلٌ على أنهما هما اللذان يجريان حول الأرض يسِيرَان حول الأرض خلافًا لِمَن قال: إنَّهما لا يسيرَان على الأرض وأنَّ هذا -اختلاف الليل والنهار- بسبب دَوَران الأرض نفسِها وهذا لا شكَ أنَّ الذي لا يعتقد أنهما يدوران على الأرض أنَّه على خطر عظِيم ربما يصل به ذلك إلى الكفر لأنّ الذي نؤمن به ونعتقِدُه ما أخبرَنا الله عنه مِن أنَّ الشمس هي التي تدور على الأرض وكذلك القمر) ([59])

ثم يرد ـ بمثل ما ردوا به على من أنكر عليهم تصوراتهم المرتبطة بالحقائق الدينية ـ فقال: (ومِن العجيب أنَّ هذا القول المخالف لِظاهِر القرآن أنَّه قد سرَى إلى أناسٍ لا تثِقُ في ديانَتِهم قصدي لا تشُكّ في ديانتهم، لكن غرَّهم السراب، فانخدعوا والواجِبُ علينا في هذه الأمور أن نمشِيَ على ظاهِر القرآن هذا الواجب حتى يتبَيَّن لنا ما يكون مخالِفًا لهذا الظاهر، أمَّا ما دلَّ عليه القرآن دلالة يقينية فإنَّه لا يمكن لِشيء أن يخالفه فدلالةُ القرآن إمَّا ظاهرة وإما صرِيحة الصريحة قطْعِيَّةُ الدلالة ولا يمكن لشيء أن يخالفَها، والظاهرة ظنِّيَّة الدلالة فنبقى على هذا الأصل نبقى على الظاهر حتى يتبيَّن لنا بأمرٍ قطعي خلافُه وحينئذٍ ما دام ظاهرًا فإنه يمكن أن يُؤَوَّل) ([60])

بل إن بعض السلفية لم يكتف بإنكار دوران الأرض، بل راح ينكر كرويتها أيضا، استنادا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 20]، وفي ذلك يقول القحطاني في نونيته التي لا يزال السلفية يهتمون بها ويحفظونها([61]):

كذب المهندس والمنجم مثله              فهما لعلم الله مدعيان

الأرض عند كليهما كروية                  وهما بهذا القول مقترنان

والأرض عند أولي النهى لسطيحة بدليل صدق واضح القرآن

والله صيرها فراشا للورى           وبنى السماء بأحسن البنيان

والله أخبر أنها مسطوحة                       وأبان ذلك أيما تبيان

بل كان أئمة الوهابية في السعودية يتهمون القائل بكون الأرض كروية بالتجهم، حتى أنه اتهم تقي الدين محمد بن عبد القادر الهلالي (المغربي)، بذلك مع كونه سلفيا متشددا، حيث وشى به المسؤول عن مراقبة الدروس في المسجد النبوي للمسئولين لأنه يقول بكروية الأرض! واشتد نكيره عليه، وقال: (هذا لا يقوله إلا جهمي!)([62])

ثانيا ـ تشويه القيم القرآنية.

يمكننا تقسيم المحار الكبرى التي يدورها عليها القرآن الكريم إلى محورين كبيرين:

المحور الأول هو محور الحقائق الكبرى التي يتشكل منها الوجود بنوعيه الواجب والممكن، وهو ما تحدثنا عنه في المبحث السابق.

والمحور الثانية هو القيم التي يتنظم بها الإنسان في هذا الوجود انتظاما صحيحا وإيجابيا لينال بذلك حظه من الكمال والسعادة.

والقرآن الكريم تناول بتفصيل كلا الجانبين، وربطهما ببعضهما البعض ربطا محكما، فحقائق الوجود هي التي تغذي القيم، والالتزام بالقيم هو الذي يرفع الإنسان إلى آفاق الكمال التي تؤهله للتعرف على الوجود ونيل حظه من الفلاح والسعادة فيه، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ [التين: 4 - 6]

فقوله تعالى ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يشير إلى الإيمان بحقائق الوجود كما ذكرها الله لا كما ذكرتها الخرافة، وقوله ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ إشارة إلى الالتزام بالقيم القرآنية، لا القيم التي صاغها البشر لأنفسهم، أو صاغها لهم الشيطان.

وكما أن العبث أصاب الحقائق القرآنية من خلال سلف السلفية، فقد أصاب العبث القيم القرآنية أيضا، حيث جرى التلاعب بها باسم الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ونحوها من علوم القرآن الكريم التي ابتدعها سلف السلفية، وقيدوا بها المعاني القرآنية أو عطلوها، أو حرفوها.

وبما أن النماذج كثيرة جدا لكثرة القيم الواردة في القرآن الكريم، فسأكتفي هنا بقيمة واحدة هي قيمة السماحة، والتي عبث فيها باسم علمين من علوم القرآن، أولهما: أسباب النزول، والثاني: الناسخ والمنسوخ.

أما الأول فعبث بالآية الكريمة التي تضع قانون التعامل مع المخالف في الدين أيا كان كتابيا أو غير كتابي، وهي قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8]، فالآية الكريمة تدعو إلى البر والقسط بين المسلمين وغيرهم من أهل الأديان المختلفة، بل حتى مع الملحدين منهم، لأن القيد فيها مرتبط بالمحاربة، ولا علاقة له بالدين، وهي بذلك تقسم الناس إلى معتدين ومسالمين، كما تقسمهم آيات أخرى إلى مستضعفين ومستكبرين.

لكن مفسري السلفية ـ وباسم علم أسباب النزول ـ عطلوا الآية الكريمة تعطيلا تاما، حيث أنهم جعلوها خاصة بقوم مخصوصين في زمان مخصوص، وأن علاقتنا بها لا تتعدى الترتيل مع اشتراط أن يكون الترتيل متناسبا مع مخارج الحروف وأحكامها.

وسأنقل هنا ما ذكره المفسرون من الأقوال في تفسير الآية الكريمة، أو بالأخرى في تحريفها، ومنها قول مجاهد أنهم (الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا) ([63])

ومنها قول عبد الله بن الزبير، أنه (عني بها من غير أهل مكة من لم يهاجر)([64])، وقد روى عنه الطبري وغيره في سبب نزول الآية قوله: (نزلت في أسماء بنت أبي بكر، وكانت لها أم فى الجاهلية يقال لها قتيلة ابنة عبد العزى، فأتتها بهدايا وصناب وأقط وسمن، فقالت: لا اقبل لك هدية، ولا تدخلي علي حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك عائشة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8])([65])

ومنها قول بأنه (عني بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين، ولم يخرجوهم من ديارهم؛ ونسخ الله ذلك بعد بالأمر بقتالهم)، وهو قول ابن زيد، فقد قال: (هذا قد نسخ، نسخه، القتال، أمروا أن يرجعوا إليهم بالسيوف، ويجاهدوهم بها، يضربونهم، وضرب الله لهم أجل أربعة أشهر، إما المذابحة، وإما الإسلام)([66])

وبناء على هذا فقد عطلت هذه الآية الكريمة تعطيلا تاما.. وعطل بنفس السبب قوله تعالى في شأن رقة النصارى مقارنة باليهود: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون ﴾ [المائدة:82]، فقد ذكروا عن سلفهم أن هذا ليس عاما بكل النصارى، بل خاص بالنجاشي ووفده الذين أسلموا لما قدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم اثنان وثلاثون أو أربعون أو سبعون أو ثمانون رجلا، وليس المراد كل النصارى لأنهم في عداوتهم كاليهود([67]).

وهكذا عطلت هذه الآيات الكريمة باستخدام سلاح أسباب النزول.. لكن لا بأس فهناك آيات أخرى كثيرة يمكن الرجوع إليها لإثبات سماحة الإسلام، ولقيام الفروع الفقهية على أساسها.

لكن سلف السلفية راحوا إلى تلك الآيات الكريمة أيضا يستخدمون في حقها سلاحا آخر أكثر تطورا، هو سلاح النسخ، فقد قال الشيخ مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلى (المتوفى: 1033هـ)، وهو من مشايخ السلفية الكبار في قوله تعالى: ﴿ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ﴾ [البقرة:109]: (أصل العفو الترك والمحو والصفح الإعراض والتجاوز نسخ بقوله تعالى: ﴿ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ  ﴾ [التوبة:29]، وأمر الله القتل والسبي لبني قريظة، والجلاء والنفي لبني النضير، قال المحققون: إن مثل هذا لا يسمى منسوخا، لأن الله جعل العفو والصفح مؤقتا بغاية، وهو إتيان أمره بالقتال، ولو كان غير مؤقت بغاية لجاز أن يكون منسوخا)([68])

ومثل ذلك قالوا في قوله تعالى:﴿ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُون ﴾ [البقرة:139]، فقد اعتبروها أيضا منسوخة، نسختها آية السيف([69]).. فما حاجة المسلمين إلى محاجة خصومهم ومجادلتهم وحوارهم بعد أن أن أمدهم الله بقوة السيف؟ فكفى بالسيف شافيا، وكفى بالسيف محاورا.

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ  ﴾ [البقرة:256]، فهي مثل سابقاتها.. نسختها آية السيف([70])..

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ أولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ﴾ [النساء:63]، فقد ذكروا أن هذا (كان في بدء الإسلام، ثم صار الوعظ والإعراض منسوخاً بآية السيف)([71])

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿  فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين ﴾ [المائدة:13]، فقد ذكروا أن سلفهم ذكر أنها (نزلت في اليهود، ثم نسخ العفو والصفح بآية السيف)([72])

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم ﴾ [الأنفال:61]، فقد نص سلفهم على أنها منسوخة بآية السيف ([73]).. فما حاجة المسلمين للسلام، وقد أعطاهم الله القوة التي يقهرون بها أعداءهم.

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين ﴾ [النحل:125]، فقد نصوا على أنها منسوخة نسختها آية السيف([74]).. فما حاجة المسلمين للحكمة والموعظة وقد من الله عليهم بنعمة القوة والعزة والتسلط.

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُون ﴾ [المؤمنون:96]، فقد نصوا على أنها نسختها آية السيف([75]).. وذلك واضح لكل عاقل.. فمن أعطاه الله القوة التي يقهر بها أعداءه لا يحتاج إلى أن يدفع بالتي هي أحسن. 

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيل ﴾ [يونس:108]، فقد نصوا على أن معناها نسخ لا لفظها بآية السيف([76]).

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِين ﴾ [القصص:55]، فهي الأخرى نسخت بآية السيف([77]).. وهو واضح لمن تأمله.. أليس الإعراض نوعا من الضعف.. والمسلم قوي عزيز لا يحتاج أن يذل نفسه.

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ [الأحزاب:45]،  فهي مثل سابقاتها منسوخة بآية السيف([78]).. وهي واضحة لا تحتاج إلى شرح يبين نسخها.

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم ﴾ [فصلت:34]، فقد نص سلفهم على أنها منسوخة بآية السيف([79]).

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير ﴾ [الشورى:15]، فقد نصوا على أنها منسوخة بآية السيف ([80]).

وهكذا استطاعت آية واحدة أساء سلفهم فهمها أن ينسخوا بها كل قيم السماحة والرحمة التي جاء القرآن الكريم للدعوة إليها، ولهذا يذكرون في فضل آية السيف قول الحسن بن فضل: (نسخت هذه الآية كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء..)، وقال ابن حزم في كتابه الناسخ والمنسوخ: (في القرآن مائة وأربع عشرة آية في ثمان وأربعين سورة نسخت الكل بقوله: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم..)([81])

ولهذا نجد فتاوى السلفية المرتبطة بالعلاقة مع الآخر تلغي كل آيات السماحة لكونها مخصوصة بزمن معين وقوم معينين، أو لكونها منسوخة لا يمكن تطبيقها، لأنها معطلة عن التنفيذ، ونجدهم بدل ذلك يستدلون بالآيات الكريمة في التعامل مع المحاربين.

وهكذا انتكس الأمر هنا أيضا، فتحول المسالمون الذين دعا القرآن الكريم إلى تأليف قلوبهم والمعاملة الحسنة معهم إلى محاربين لا يمكننا أن نتدين التدين الصحيح إلا إذا أريناهم وجوهنا الكالحة، تحت اسم [الولاء والبراء]

وسأسوق هنا بعض الأمثلة من فتاوى السلفية المعاصرين في حكم بعض المعاملات البسيطة التي تدخل ضمن البر والرحمة والسماحة والأخلاق الحسنة التي أمرنا القرآن الكريم أن نتعامل بها مع الناس جميعا بغض النظر عن دينهم وعرقهم وأرضهم، لكن هؤلاء العلماء نظروا إلى المسألة كما نظروا إلى المتشابه والمحكم، حيث تحول المحكم متشابها، والمتشابه محكما، وهكذا تحول المسالمون عندهم إلى محاربين، كما تحول المحاربون عند أولياء أمورهم إلى مسالمين.

فمن الأمثلة على ذلك ما أجاب به الشيخ ابن باز عن سؤال يقول صاحبه: (يسكن معي شخص مسيحي،وهو يقول لي:يا أخي، ونحن إخوة، ويأكل معنا ويشرب، فهل يجوز هذا العمل أم لا؟)

فأجاب الشيخ بقوله: (الكافر ليس أخا للمسلم، والله يقول:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[الحجرات:10]، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: (المسلم أخو المسلم)([82])، فليس الكافر -يهوديا أو نصرانيا أو وثنيا أو مجوسيا أو شيوعيا أو غيرهم- ليس أخا للمسلم، ولا يجوز اتخاذه صاحبا وصديقا، لكن إذا أكل معكم بعض الأحيان من غير أن تتخذوه صاحبا وصديقا، وإنما يصادف أن يأكل معكم، أو في وليمة عامة فلا بأس، أما اتخاذه صاحبا وصديقا وجليسا وأكيلا فلا يجوز، لأن الله قطع بيننا وبينهم المحبة والموالاة، فقال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم:﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:4]، وقال سبحانه:﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني يحبون ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾[المجادلة:22]، فالواجب على المسلم البراءة من أهل الشرك وبغضهم في الله، ولكن لا يؤذيهم ولا يضرهم ولا يتعدى عليهم بغير حق، لكن لا يتخذهم أصحابا ولا أخدانا، ومتى صادف أن أكل معهم في وليمة عامة أو طعام عارض من غير صحبة ولا ولاية ولا مودة فلا بأس)([83])

وعندما نشرت بعض الصحف مقالا جاء فيه هذه العبارة:(إننا لا نكن العداء لليهود واليهودية وإننا نحترم جميع الأديان السماوية) انبرى أكبر علم سلفي في ذلك الحين، وهو ابن باز، فكتب بيانا شديد اللهجة، جاء فيه: (.. ولما كان هذا الكلام في شأن اليهود واليهودية يخالف صريح الكتاب العزيز والسنة المطهرة،ويخالف العقيدة الإسلامية وهو تصريح يخشى أن يغتر به بعض الناس، رأيت التنبيه على ما جاء فيه من الخطأ نصحا لله ولعباده..فأقول: قد دل الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على أنه يجب على المسلمين أن يعادوا الكافرين من اليهود والنصارى وسائر المشركين، وأن يحذروا مودتهم واتخاذهم أولياء، كما أخبر الله سبحانه في كتابه المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد..  ونظرا إلى ما في هذا الكلام من مصادمة الأدلة الشرعية الدالة على أنه لا أخوة ولا محبة بين المسلمين والكافرين، وإنما ذلك بين المسلمين أنفسهم، وأنه لا اتحاد بين الدينين الإسلامي والنصراني، لأن الدين الإسلامي هو الحق الذي يجب على جميع أهل الأرض المكلفين اتباعه، أما النصرانية فكفر وضلال بنص القرآن الكريم .. أما الكفار فيجب بغضهم في الله ومعاداتهم فيه سبحانه، وتحرم موالاتهم وتوليهم حتى يؤمنوا بالله وحده ويدعوا ما هم عليه من الكفر والضلال)([84])

وهكذا أجاب الشيخ الفوزان عندما سئل: (ما رأيُ فضيلتكم فيمن يتقرَّب إلى الكفَّار ويواليهم بحجَّة أنهم يفهمون في أمور المادَّة أكثر منَّا ؟ وكيف يكون التعامل معه ؟)، فأجاب بقوله: (التودُّدُ إلى الكفار لا يجوز، لا تجوز محبَّتُهم في القلوب، لأنهم أعداءُ الله ورسوله،تجبُ عداوتهم، قال تعالى:﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ [ المجادلة:22 .]، فلا يجوز للمسلم أن يحبَّ الكافر، أما التعامل معه في الأمور المباحة، فلا بأس إذا كان الكافر عنده تجارة تبيع معه وتشتري، لا بأس بالبيع والشِّراء معه، هذا من المعاملات المباحة، النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعامل مع اليهود، اشترى منهم، استدان منهم عليه السلام، كذلك إذا كان عندهم خبرات في بعض الأمور، ولا يوجد عند المسلمين من يقوم بها، فلا بأس أن نستفيد من خبراتهم، لكن لا نحبُّهُم، ولا نواليهم، وإنما نؤاجِرُهم أجرةً،ي ؤدُّون لنا عملاً بالأجرة، مع بغضهم ومع عداوتهم)([85])

هذه مجرد أمثلة عن انهيار القيم القرآنية بسبب التراث السلفي في التفسير والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وغيرها، والتي يفخر السلفية بأن لهم الريادة فيها، وهم لا يعلمون أن لهم الريادة في تحريف القرآن الكريم وتشويه معانيه، بل محاربتها، ومناقضتها، ولو أن الأعداء اجتمعوا ليفعلوا بالقرآن الكريم ما فعله السلفية فيه ما استطاعوا.

ولهذا نرى من الغرابة أو من الجبن ذلك التركيز الشديد من بعض المثقفين والمفكرين على الرد على الحداثيين ومواقفهم من القرآن الكريم، مع الغفلة عن الرد عن هؤلاء الذين لولاهم ما كان الحداثيون ولا الليبراليون ولا العلمانيون.. بل إن هؤلاء جميعا ضحية لتلك المفاهيم الشيطانية التي ألصقها السلفيون وسلفهم بالقرآن الكريم.

التراث السلفي .. والحديث

لا يستطيع أي عاقل في الدنيا أن ينكر اهتمام السلفية ـ سلفهم وخلفهم ـ بالحديث، فالحديث هو مهنتهم الأولى، وهو بضاعتهم التي يقدمونها للناس، كما أنه الأداة التي من خلالها يزنون من يقبلون من الناس، ومن يرفضون منهم.

ولأجل ذلك سمى أسلافهم أنفسهم [أهل الحديث]، والأثريين، بل إنهم ـ وبثقة عظيمة ـ أنزلوا كل ما ورد في السنة المطهرة حول شرف أهل الحديث عليهم.. فهم المقصودون بقوله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ولو لم ينص الحديث على ذلك.. لأن سلفهم أخبروا بذلك، وما كان لسلفهم الربانيين المتقين أن يتقولوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يقله.

ولذلك تراهم إذا قرأوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع)([86]) نقلوا معه قول أبي بكر بن العربي في تفسيره: (قال علماء الحديث ما من رجل يطلب الحديث إلا كان على وجهة نضرة لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع) الحديث.. وهذا دعاء منه عليه السلام لحملة علمه، ولابد بفضل الله من نيل بركته)([87])

ونقلوا معه قول أبي العباس العزفي([88]):

أهل الحديث عصابة الحق ... فازوا بدعوة سيد الخلق

فوجوههم زهر منضرة ....... لألاؤها كتألق البرق

يا ليتني معهم فيدركني ... ما أدركوه بها من السبق

وإذا قرأو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) ([89]) نصوا على أن أهل هذا العلم هم أهل الحديث، وأنهم لذلك عدول بتعديل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قال الحاكم: (لولا كثرة طائفة المحدثين على حفظ الأسانيد، لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد) ([90])

وقال بعده النووي: (هذا إخبار منه صلى الله عليه وآله وسلم  بصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وإن الله تعالى يوفق له في كل عصر خلفا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر، وهكذا وقع ولله الحمد، وهو من أعلام النبوة، ولا يضر كون بعض الفساق يعرف شيئا من علم الحديث، فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئا منه)([91])

وهكا إذا رووا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أولى الناس بى يوم القيامة أكثرهم على صلاة)([92])، فإنهم وبتحد عجيب يحملونها على أنفسهم، لا على أصحاب الطرق الصوفية الذين اتخذوا الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وظيفة دائمة لا يتوقفون عنها، يقول أبو حاتم: (في هذا الخبر دليل على أن أولى الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  في القيامة يكون أصحاب الحديث، إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم  منهم)([93]).. ويقول أبو اليمن بن عساكر: (ليهن أهل الحديث هذه البشرى، فقد أتم الله نعمه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، فإنهم أولى الناس بنبيهم، وأقربهم إن شاء الله تعالى وسيلة يوم القيامة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنهم يخلدون ذكره في دروسهم، ويجددون الصلاة والتسليم عليه في معظم الأوقات، في مجالس مذاكراتهم ودروسهم، فهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية، جعلنا الله منهم وحشرتنا في زمرتهم) ([94]).

وهكذا إذا رووا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تزال طائفة من أمتى منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة)([95])  ، فإنهم يروون معه قول على بن المدينى: (هم أصحاب الحديث)([96]).. ويروون عن أحمد قوله لما سئل عن الطائفة المنصورة المذكورة في الحديث: (إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث، فلا أدري من هم)، وقول الحاكم معقبا: (فلقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر، أن الطائفة المنصورة التي يدفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة هم أصحاب الحديث، ومن أحق بهذا التأويل من قوم سلكوا محجة الصالحين، واتبعوا آثار السلف من الماضين، ودفعوا أهل البدع والمخالفين، بسنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وعلى آله أجمعين) ([97]).

وهكذا نجدهم مع كل الأحاديث الواردة في فضل نقل السنة أو الاهتمام بها أو تمحيصها، فإنهم يعتبرون أنفسهم المقصودون بالحديث، ما عدا حديثا واحدا، فإنهم ـ ومع كونه صلى الله عليه وآله وسلم  ذكر فيه أهل الحديث ـ إلا أنهم لا ينسبونه لهم، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (سيخرج قوم في آخر الزمان، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) ([98]) 

ونحن لا ننكر أن يكون لأهل الحديث ـ الذين يعتبرهم السلفية سلفهم الأول ـ جهودهم في البحث عن السنة وتدوينها ووضع القواعد المرتبطة بتمحيصها .. ولكنا ننكر عليهم ذلك الغرور العظيم الذي جعلهم ينفصلون عن الأمة انفصالا تاما، ليصبحوا طائفة خاصة، وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحدث سواهم، ولم تشمل رحمته التي وسعت العالمين غيرهم.

ولذلك فإن مبدأ الانحراف في التراث السلفي هو تلك الطائفية المقيتة التي جعلتهم يتصورون أنهم وحدهم أهل الحديث.. وأن غيرهم من الأمة ليس كذلك.. حتى لو أمضى حياته كلها متتبعا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمفهومها القرآني الشامل..

لأن التصور السلفي أعطى لأهل الحديث شروطا، ووضع لهم قواعد، فمن كان معهم فيها، فهو من أهلهم، ومن أهل الحديث، وتنطبق عليه كل الأحاديث التي وردت في فضلهم، ومن لم يكن معهم، فلا حظ له من أجر، ولا حق له في ثواب.. لأنهم هم من يوزع الثواب.

يقول الخطيب البغدادي ـ مبينا سر ذلك ذلك الشرف الذي خص به أهل الحديث ـ: (لولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها، واستنباطها من معادنها، والنظر في طرقها لبطلت الشريعة، وتعطلت أحكامها، إذ كانت مستخرجة من الآثار المحفوظة، ومستفادة من السنن المنقولة، فمن عرف للإسلام حقه، وأوجب للدين حرمته، أكبر أن يحتقر من عظم الله شأنه، وأعلى مكانه، وأظهر حجته، وأبان فضيلته، ولم يرتق بطعنه إلى حزب الرسول وأتباع الوحي وأوعية الدين، وخزنة العلم، الذين ذكرهم الله في كتابه فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ [التوبة: 100] وكفى المحدث شرفا أن يكون اسمه مقرونا باسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذكره متصلا بذكره ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ [الجمعة: 4]) ([99])

ويقول ابن تيمية مبينا سر ذلك التميز الذي تميز به أهل الحديث عن غيرهم من الأمة: (من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال ويمتازون عنهم بما ليس عندهم.فإن المنازع لهم لا بد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقا أخرى ؛ مثل المعقول والقياس والرأي والكلام والنظر والاستدلال والمحاجة والمجادلة والمكاشفة والمخاطبة والوجد والذوق ونحو ذلك، وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها: فهم أكمل الناس عقلا ؛ وأعدلهم قياسا وأصوبهم رأيا وأسدهم كلاما وأصحهم نظرا وأهداهم استدلالا وأقومهم جدلا وأتمهم فراسة وأصدقهم إلهاما وأحدهم بصرا ومكاشفة وأصوبهم سمعا ومخاطبة وأعظمهم وأحسنهم وجدا وذوقا .وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل) ([100])

ويقول باستعلاء وكبرياء كل حين: (وبهذا يتبيّن أنّ أحقّ الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث والسنّة الذين ليس لهم متبوع يتعصّبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله وأعظمهم تمييزا بين صحيحها وسقيمها وأئمّتهم فقهاء فيها وأهل معرفة بمعانيها واتباعٌ لها: تصديقًا وعملاً وحبًّا وموالاةً لمن والاها ومعاداة لمن عاداها، الذين يَرُدون المقالات المجملةَ إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة، فلا يُنَصِّبُون مقالةً ويجعلونها من أصول دينهم وجُمل كلامهم إن لم تكن ثابتةً فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بل يجعلون ما بعث به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه)([101])

 

وهكذا أصبح أهل الحديث بمنطق ابن تيمية وجميع السلفية هم زبدة الأمة وخلاصتها، لذلك فإنهم، وبهذا الاعتبار، لا يختلفون عن الصحابة، لأنهم تسنى لهم ـ بسبب الحديث ـ الإطلاع على جميع أحواله صلى الله عليه وآله وسلم  كما قال قائلهم:

أهل الحديث هم أهل النبي وإن  لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا

وما دام قد ورد النهي عن التعرض للصحابة ـ كما ينص السلفية ـ فقد ورد النهي عن التعرض لهم أيضا، بل إن حرمتهم تزيد على حرمة الصحابة الذين لم يكفر السلفية سابيهم ولاعنيهم والطاعنين فيهم([102])، بينما كفروا من يطعن في أهل الحديث.

فقد رووا عن محمد ابن إسماعيل الترمذي قوله: كنت أنا وأحمد بن الحسن الترمذي عند أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل فقال له أحمد بن الحسن: يا أبا عبد اللّه ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث، فقال: أصحاب الحديث قوم سوء. فقام أبو عبد اللّه وهو ينفض ثوبه فقال: (زنديق زنديق زنديق)، ودخل البيت ([103]).

ورووا عن أحمد بن سنان القطان قوله: (ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث وإذا ابتدع الرجل نزع حلاوة الحديث من قلبه)، وروى عن أحمد بن سلام الفقيه قوله: (ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناد)([104])

وقد علق الحاكم على هذين الأثرين بقوله: (وعلى هذا عهدنا في أسفارنا وأوطاننا كل من ينسب إلى نوع من الإلحاد والبدع لا ينظر إلى الطائفة المنصورة إلا بعين الحقارة، ويسميها الحشوية، سمعت الشيخ أبا بكر أحمد بن إسحاق الفقيه وهو يناظر رجلا، فقال: الشيخ: حدثنا فلان، فقال له الرجل: دعنا من حدثنا، إلى متى حدثنا، فقال له الشيخ: (قم يا كافر، ولا يحل لك أن تدخل داري بعد هذا)، ثم التفت إلينا، فقال: (ما قلت قط لأحد لا تدخل داري إلا لهذا)([105])

بناء على هذا، فإن جذور المشكلة في التراث السلفي تكمن في هذه الطائفية المقيتة، ولو أن السلفية وسلفهم تعاملوا مع الحديث النبوي الشريف كما تعاملت الأمة مع القرآن الكريم لما كان الأمر بهذه الصورة، ولما وقعوا في تلك الانحرافات الكثيرة.. ذلك أن القرآن والحديث كلاهما وحي إلهي، وكلاهما مصدر أساسي للدين.. فلم التمييز بينهما؟

ولكن المشروع الشيطاني في هذه الأمة، والذي لم يستطع أن يمس كتابها بالتحريف كما حرف كتب الأمم السابقة راح يحارب الكتاب بالحديث، ولينجح في مشروعه اتخذ له من هذه الطائفة الناجية أمة من الناس تفسر الدين بحسب ما وصلها من روايات اختلط فيها الحابل بالنابل والطيب بالخبيث والعقل بالخرافة والمقدس بالمدنس.

وسنحاول هنا باختصار أن نبين الانحرافات الكبرى التي وقع فيها التراث السلفي في تعامله مع الحديث النبوي الشريف، وقد رأينا من خلال الاستقراء أنها خمسة أخطاء كبرى تساهم جميعا في حرب السنة النبوية المطهرة، وإحلال السنة المذهبية بدلها، والسنة المذهبية ليست سوى تلك الآراء التي تبناها سلف السلفية، وراحوا يفسرون بها القرآن الكريم والحديث وكل شيء.

وهي مرتبة بهذا الترتيب:

أولا  ـ الطائفية في التعامل مع الحديث رواية ودراية.

ثانيا ـ الذاتية في قبول الرواة ورفضهم.

ثالثا ـ الذاتية في تحديد علل الحديث.

رابعا ـ الذاتية في تفسير الأحاديث وتأويلها.

خامسا ـ مزاحمة الحديث بالرواية عن السلف.

وبهذا الترتيب لن ينجو من منخل أهل الحديث إلا ما يرتضونه من أحاديث، أو ما وضعه لهم سلفهم من الحديث.. اللهم إلا الأحاديث التي لا تضرهم، ولا تصيب مقاتلهم، فإنهم يتركونها تمر، فالشيطان لا يأتي من أبواب الشر المجردة، بل يخلط الخير بالشر، حتى يعبث من خلال ذلك بالعقول.

وأول ما يبدؤون به فرزهم للحديث بحسب أهوائهم هو حرمانهم لمن لا ينتسب لهم من الكلام في الحديث حتى لو بلغ ما بلغ من الحفظ والإتقان.. وهكذا يتعاملون مع رواة الأحاديث، فمن حدث بما يوافق أهواءهم قبلوه ووثقوه، ومن خالفها ضعفوه ووهنوه واتهموا حديثه.. فإن نجا الحديث منهم بصحة السند، ذكروا أن السند لا يكفي وحده للصحة، بل قد يضعف لعلة خفية فيه.. ثم راحوا يذكرون أي علة، ولا يحاسبهم أحد في ذلك، لأن العلل الخفية قد لا يطاق التعبير عنها.. فإن نجا الحديث منهم بعد ذلك كله فسروه أو أولوه بما يتناسب مع مزاجهم.. فإن نجا من ذلك ولم يكن هناك محمل آخر يمكن حمله عليه زاحموه بأقوال السلف التي يعتبرونها أكثر حرمة من القرآن الكريم والسنة المطهرة.

هذا هو منهج السلفية وسلفهم في التعامل مع الأحاديث التي لا تتناسب مع معتقداتهم، وسنفصل الكلام في هذا وأدلته في المباحث التالية:

 

أولا  ـ الطائفية في التعامل مع الحديث رواية ودراية:

لعل أكبر انحراف وقع فيه التراث السلفي ورجاله هو تلك النبرة الطائفية المقيتة التي تعاملوا بها مع الحديث، ومع أهل الحديث، حيث أنهم وضعوا قوانين للمحدثين تفتقد للمصداقية والعلمية والموضوعية، وهي فوق ذلك تمتلئ بكل متطلبات الذاتية والقناعات الشخصية، فأصبح علم الحديث بذلك وسيلة لخدمة أغراضهم، لا كونه العلم الذي نعرف من خلاله السنة المطهرة.

ومن الأدلة على ذلك موقفهم من المحدثين الكبار الذين يخالفونهم في الرأي، أو يذهبون خلاف مذاهبهم العقدية الممتلئة بالتجسيم والوثنية، أو يخالفونهم لكونهم ارتضوا لأنفسهم منهجها معينا، أومدرسة معينة.

وقد أشار ابن حجر العسقلاني(ت 825هـ) إلى هذه الطائفية المقيتة، فقال: (واعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن بسبب اختلافهم في العقائد فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به إلا بحق، وكذا عاب جماعة من الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا فضعفوهم لذلك ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط، وأبعد ذلك كله من الاعتبار تضعيف من ضعف بعض الرواة بأمر يكون الحمل فيه على غيره أو للتحامل بين الأقران، وأشد من ذلك تضعيف من ضعّف من هو أوثق منه أو أعلى قدراً أو أعرف بالحديث فكل هذا لا يعتبر به)([106])

وبذلك تحولت غاية علم الحديث من كونه العلم الذي تعرف به سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى العلم الذي ينتصر لأهواء المحدثين، ورغباتهم الشخصية، وكأنهم يشرطون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى سنته أن توافق أهواء سلفهم من اليهود أو تلاميذ اليهود، أو يرمى بها عرض الجدار.

ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره المحدث الكبير أحمد بن محمد بن الصديق الغماري في كتابه (المداوي لعلل المناوي) منتقدا تلك المواقف السلبية من علماء الجرح والتعديل من الرواة المتعلقين بحب أهل البيت مقارنة بموقفهم من أعدائهم، فقد قال عند حديثه عن بعضهم: (وهذا الرجل ـ يعني عبدالسلام بن صالح الهروي ـ ممن ظلمه أهل الجرح والتعديل لأجل تشيعه لأهل البيت، وقد وثقه أهل التحقيق منهم، كما بينته في (فتح الملك العلي)([107])

وقال منتقدا بشدة موقف الذهبي والمناوي من الإمام جعفر الصادق: (هذه غلطة شنيعة من الشارح وغفلة عظيمة راج عليه معها نصب الذهبي، فهل أنت يا مناوي مجنون تعلل الحديث بجعفر الصادق أحد كبار الأئمة وسادات الأمة وبحور العلم والمعرفة من آل البيت الأطهار ؟! وتجعله في مصاف الضعفاء والمتروكين الذين يردُّ بهم الحديث.. غرضه الأكيد هو جلب الطعن فيه من إخوانه النواصب، وإدراج هذا الإمام ـ يعني جعفر الصادق ـ في دفتر الضعفاء والمتروكين، فإنه ذكر فيه أيضاً جميع الأئمة المشاهير المتبوعين من سادات أهل البيت رضي الله عنهم) ([108])

وقال عند ذكره لبعض الرواة الذين اتهمهم الذهبي زورا وبهتانا: (والذهبي إنما أورده لما قيل فيه من التشيع، وهو لا يترك شيعياً إلا أورده في الضعفاء) ([109])

وهكذا انتقد موقفهم من المحدثين والرواة الذين اختاروا لأنفسهم منهج التصوف كوسيلة للسلوك إلى الله، فقد قال منتقدا موقفهم من أبي عبدالرحمن السلمي الصوفي المشهور، صاحب الطبقات والأربعين وحقائق التفسير، وغيرها: (هو ثقة تكلم فيه بلا حجة، كما هي عادة أهل الحديث مع أمثاله من الصوفية، فيعاب على الشارح تعليل الحديث به لاسيما وهو من العارفين بقدر الرجل ومنزلته وجلالته) ([110])

وقال: (تعليل الحديث بأبي عبدالرحمن السلمي من جهل الشارح، بل من قلة حيائه، لأنه يدعي التصوف وإجلال الصوفية، ومن يجهل قدر أبي عبدالرحمن السلمي ويقبل قول الخطيب فيه فلم يشم للتصوف رائحة ولا قرب من ساحة ميدان الحديث، والذهبي على بغضه للصوفية وتعنته عليهم قد أورده في (تذكرة الحفاظ) وامتدحه وأطراه، وتكلم فيه من أجل مالم يفهمه من تصوفه، ونقل كلام من تكلم فيه كما هو الشأن في كتب الرجال، فقال في (التذكرة): أبوعبدالرحمن السلمي الحافظ العالم الزاهد شيخ المشايخ محمد بن الحسين بن محمد بن موسى النيسابوري الصوفي الأزدي الأب السلمي الأم، سمع خلقاً كثيراً، وكتب العالي والنازل، وصنف وجمع، وسارت بتصانيفه الركبان، حمل عنه القشيري والبيهقي وأبوصالح المؤذن وخلق سواهم، إلا أنه ضعيف، قال الخطيب: محله كبير، وكان مع ذلك صاحب حديث مجوداً، جمع شيوخاً وتراجم وأبواب، وله دويرة للصوفية، وعمل سنناً وتفسيراً وتاريخاً) ([111])

ومن الأمثلة على ذلك انتقادات العلامة المحدث محمود سعيد ممدوح لتفريط الأمة في تراث أهل البيت الحديثي لأسباب سياسية ومذهبية وطائفية، سواء في كتبه أو في محاضراته ولقاءاته، والتي كانت سببا في حرق كتبه في دول الخليج، وكانت سببا في الحملة الإعلامية الشديدة عليه على الرغم من إقرارهم له بالتمكن من علم الحديث.

فمما قال في بعض الحوارات التي أجريت معه جوابا عن سؤال حول حكم روايات آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غير دواوين أهل السنة: (المعول هنا على الإسناد فإذا ثبت الإسناد لأئمة آل البيت فهو كذلك وإلا فلا، ثم اعلم أن الله تعالى لم يقصر الثابت بأقسامه على كتب أهل السنة فقط ففي كتب السادة الزيدية جمع عظيم من الأحاديث النبوية الشريفة الثابتة، وعلى سبيل المثال بين يدي الآن شرح تجريد فتاوى الإمامين القاسم الرسي وحفيده الإمام الهادي عليهما السلام، والشرح للحافظ الفقيه الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين بن هارون الحسني المتوفى سنة 416 هـ وهو مخطوط ومصور في ستة أجزاء ضخام بحجم مستدرك الحاكم، والكتاب قد امتلأ بالأحاديث المرفوعة المسندة من طريق آل البيت وغيرهم، والإمام المؤيد بالله له شيوخ كثيرون، وبينه وبين الطحاوي واسطة واحدة، وهذا الشرح أعني شرح التجريد، علق أسانيده الإمام المجتهد أحمد بن سليمان من ذرية الإمام الهادي يحي بن الحسين عليهم السلام المتوفى سنة 566هـ وجمع متونه في كتاب مفرد اسمه أصول الأحكام الجامع لأدلة الحلال والحرام، وهو مطبوع في مجلدين .. وفقه وحديث آل البيت عليهم السلام يحتاج لتوجه صادق وبحث وجَلَد وقبل ذلك تقوى واستعانة بالله تعالى)([112])

وقال جوابا على سؤال حول رأيه في (مسند الإمام الشهيد زيد بن علي)، وهل تصح نسبته إليه: (مسند الإمام زيد بن علي عليهما السلام صحيح النسبة إليه، وقد تلقاه ائمة آل البيت عليهم السلام بالقبول، وجميعهم بالنسبة لأحاديثه وآثاره بين عامل به أو متأول له، وهذا معنى التلقي بالقبول، وراوي المسند عن الإمام زيد عليه السلام، هو أبو خالد الواسطي قد قدح فيه غير واحد من ائمة الجرح والتعديل، لكن جرحهم مردود بتلقي ائمة آل البيت للمسند بالقبول، وأحاديث المسند معروفة ومشهورة وقد شرحها عدد من العلماء وخرجت واعتبرت.وأرجوا من الأستاذ الهولي الشافعي مراجعة مقدمة الروض النضير للعلامة الكبير السياغي الصنعاني رحمه الله تعالى فقد أفاض وأجاد وأتى بالمراد وفيه غنية وكفاية لإثبات صحة ونسبة مسند الإمام زيد بن علي له.والمسند مطبوع بمصر وعليه تقريظات عدد من علماء الأزهر، ثم اعلم أنه إذا كان العمل على القبول رد الجرح، وأنت إذا تأملت الجرح الذي جاء في عدد من ائمة الفقه وأن العمل على خلافه انحلت لك المشكلة، فهذا هو الإمام أبو حنيفة النعمان قد قدح في عدالته وضبطه عدد كبير من الحفاظ والفقهاء، وصنف ابن حبان الحافظ في علل أحاديثه، وهذا لم يحدث لأبي خالد الواسطي راوي المسند ومع ذلك كان العمل على خلاف هذا الجرح، وهذان محمد بن شجاع الثلجي، والحسن بن زياد اللؤلؤي من أجل المجتهدين والرواة من أصحاب الإمام أبي حنيفة معتمدان في النقل والفقه عند السادة الحنفية مع أنهما كذابان عند ائمة الجرح والتعديل بل قال أبوثور ما رأيت أكذب من اللؤلؤي، وللشيخ الكوثري رسالة خاصة اسمها (الإمتاع) خاصة بالثلجي واللؤلؤي فإنها مطبوعة، وللثلجي واللؤلؤي نظائر كالحارثي والحسن بن عمارة، وابن حبيب، والحاصل أن أبا خالد الواسطي حديثه مقبول عند قرناء الكتاب أعني ائمة آل البيت عليهم السلام طبقة بعد طبقة مع توفر كتب الرجال عندهم، وفي هذا القدر كفاية لقبول حديث الرجل)([113]) 

وقال جوابا عن سؤال حول رأيه في كتاب (العتب الجميل) الذي انتقد فيه صاحبه ذاتية المحدثين، وكيلهم بالمكاييل المزدوجة، حين وثقوا النواصب وضعفوا الموالين لأهل البيت: (كتاب (العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل) لسيدي العلامة المبجل الشريف محمد بن عقيل بن يحيى باعلوي الشافعي، كتاب رائد في بابه، تعرض لمشكلة من أهم المشكلات في الجرح والتعديل، ألا وهي توهين وجرح وظلم آل البيت عليهم السلام وشيعتهم، وتوثيق ومدح النواصب المجرمين، وهي مسألة عظيمة تعرض لها السيد محمد بن عقيل، فأزاح الستار عن سببها وأثرها، وذكر نماذج لها، فلله دره) ([114]) 

ولم يقتصر أمر السلفية على توهينهم المخالفين لهم من الرواة القدامى بسبب آرائهم ومواقفهم، بل شمل ذلك أيضا كبار علماء هذا العصر، ومن المحدثين الذي شهد لهم الجميع بالقدرة والوثاقة.

وسنسوق هنا بعض الأمثلة على ذلك للدلالة على أن العقل السلفي القديم هو نفسه العقل السلفي الجديد، وأن السلفية لم يطوروا أنفسهم، ولم يراجعوا آراءهم، ولم يصححوا منهجهم.

المثال الأول:  موقف السلفية من الكوثري:

يعتبر محمد زاهد الكوثري من كبار أعلام هذا العصر في كثير من العلوم الشرعية، ومنها علم الحديث، الذي ترك فيه آثار رائعة تدل على قدراته النقدية.

وقد شهد له بهذا كبار الأعلام المعاصرين، كتلميذه أحمد خيري، الذي شهد له بقوله: (كان ذا ذاكرة فذة، ولاسيما في حفظ الأسماء فكان إذا سمع شيئا أو رأى أحدا مرة واحدة ذكره ولو بعد سنوات، وهيأ له ذلك مع إطلاعه على المخطوطات النادرة في الآستانة ومصر والشام إلى أن أصبح حجة لا يبارى في علم الرجال وجمع إلى براعته في الحديث ورجاله مهارة فائقة في علم الكلام وتنزيه الله سبحانه وتعالى، كما كان أستاذ العصر في علمي الأصول والفقه، وكان على عبقريته المدهشة يحب أن يتعقّبه العلماء)([115])

وشهد له الشيخ الكبير محمد أبو زهرة، فقال: (لا أعرف عالما مات فخلا مكانه في هذه السنين كما خلا مكان الإمام الكوثري،لأنه بقية السلف الصالح الذين لم يجعلوا العلم مرتزقا ولا سلما لغاية.. لقد تحقق فيه القول المأثور (العلماء ورثة الأنبياء)، وما كان يرى تلك الوراثة شرفا يفتخر به ويتسلط به على الناس،بل كان يراه جهادا في إعلان الإسلام وبيان حقائقه وإزالة الأوهام التي لحقت جوهره)([116])

وقال فيه: (لم يكن الكوثري من المنتحلين لمذهب جديد أو داعيا إلى مذهب لم يسبق إليه، لهذا كان ينفر من من يسمهم العامة وأشباه المثقفين بسمة التجديد، ومع ذلك فقد كان من المجددين بالمعنى الحقيقي للتجديد والذي هو إعادة رونق الدين وجماله وإزالة ما علق به من الأوهام، إنه لمن التجديد أن تحي السنة وتموت البدعة ويقوم بين الناس عمود الدين)([117])

وقال فيه الأستاذ محمد بن يوسف البنوري، أستاذ الحديث بدار العلوم بباكستان، بعد أن ساق ما ذكره مسروق في حق عبد الله بن مسعود حيث قال: (لقد جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم   فوجدتهم كالإخاذ، فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، فوجدت عبد الله بن مسعود من ذلك الإخاذ): (إنها تصدق هذه الكلمة في محقق العصر، الجهبذ الناقد البحاثة الخبير…فكان رجلا يتجلى فيه بعصره هذه المزية بأجلى منظرها، رجل جمع بين غاية سعة العلم والاستبحار المدهش ودقة النظر، والحافظة الخارقة، والاستحضار المحيّر، والجمع بين علوم الرواية على اختلاف فروعها وشعبها، وعلوم الدراية على تفنن مراميها)([118])

لكن كل هذه الشهادات وغيرها للرجل، وقدرته، وعلمه، واجتهاده، وصدقه لم تنفعه عند السلفية لسبب بسيط، وهو أنه يخالفهم في عقائدهم التجسيمية، وفي مواقفهم من التوسل وفي عبوديتهم لابن تيمية، فهو من العلماء الكبار الذين ردوا عليه، فقد كتب كتابه (البحوث الوفية في مفردات ابن تيمية) تعقّبت فيه كتاب (منهاج السنة) لابن تيمية فيما أورده من مسائل منافية لأحاديث صحيحة وصريحة حول فضائل الإمام علي.. ومنها كتابه (التعقّب الحثيث لما ينفيه ابن تيمية من الحديث)، والذي تعقّبت فيه ما نفاه من أحاديث في كتابه منهاج السنة رغم وروده في كتب السنة.. ومنها كتابه (محق التقول في مسألة التوسل) والذي رد فيه على ابن تيمية والوهابية من رميهم المتوسلين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلموأهل بيته بالشرك.. وغيرها من الكتب الكثيرة.

وبما أن السلفية يجعلون ابن تيمية قسيم الجنة والنار، فقد اعتبروا كلام الكوثري في ابن تيمية دليلا على أنه من أهل النار.

وقد كتبوا في الرد عليه والتحذير منه الكثير من الرسائل والكتب، ومن أمثلة ذلك قول بعضهم فيه: (رمز التعصب والتقليد حامل لواء الجهمية في هذا العصر ناشر للبدع ويثني على أهلها يعول عليه أهل البدع كثيرا وبخاصة الأشعرية والماتريدية والصوفية وغيرها من الفرق الضالة وبخاصة أهل الرفض يحتجون بكلامه ضد أهل السنة والجماعة ومحاربته لأهل الحديث وأعلام السنة والتوحيد)([119])

وقال الألباني عنه في مقدمة (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل): (فإني أقدم اليوم إلى القراء الكرام كتاب التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل.. بين فيه بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة تجني الأستاذ الكوثري على أئمة الحديث ورواته ورميه إياهم بالتجسيم والتشبيه وطعنه عليهم بالهوى والعصبية المذهبية حتى لقد تجاوز طعنه إلى بعض الصحابة مصرحا بأن أبا حنيفة رغب عن أحاديثهم وأن قياسه مقدم عليها فضلا عن غمزه بفضل الأئمة وعلمهم فمالك مثلا عنده ليس عربي النسب بل مولى والشافعي كذلك بل هو عنده غير فصيح في لغته ولا متين في فقهه والإمام أحمد غير فقيه وابنه مجسم.. وهكذا لم يسلم من طعنه حتى مثل الحميدي وغيرهم، ثم هو إلى طعنه يضعف الثقات من الحفاظ والرواة وينصب العداوة بينهم وبين أبي حنيفة لمجرد روايتهم عنه بعض الكلمات التي لا تروق لعصبية الكوثري وجموده المذهبي وهو في سبيل ذلك لا يتورع ان يعتمد على مثل ابن النديم الوراق وغيره ممن لا يعتد بعلمه في هذا الشأن.وهو على النقيض من ذلك يوثق الضعفاء والكذابين إذا رووا ما يوافق هواه، ومنه يتبين للناس ما كان خافيا من حقيقة الكوثري وأنه كان يجمع في نفسه بين صفتين متناقضتين فهو في الفقهيات وعلم الكلام مقلد جامد وفي التجريح والتعديل والتوثيق والتضعيف وتصحيح الحديث وتوهينه ينحو منحى المجتهد المطلق غير أنه لا يلتزم في ذلك قواعد أصولية ولا منهجاً علمياً فهو مطلق عن كل قيد وشرط لذلك فهو يوثق من شاء من الرواة ولو أجمع أئمة الحديث على تكذيبه ويضعف من يشاء ممن أجمعوا على توثيقه ويصرح بأنه لا يثق بالخطيب وأبي الشيخ ابن حيان ونحوهما ويضعف من الحديث ما اتفقوا على تصحيحه ولو كان مما خرجه الشيخان في صحيحهما ولا علة قادحة فيه)([120])

وقال فيه سلفي آخر: (.. وهذه الدراسة تتناول علما من أعلام عصره وهو الشيخ محمد زاهد الكوثري (1296-1371 هـ) حيث إنه كان من أشد المنافحين عن مذهب الماتريدية وله أثر كبير على أبناء عصره .. والكوثري أدرك إحياء الدعوة السلفية بمصر، وكان شديد المعارضة لها، فتجده ينكر طبع المخطوطات السلفية ويتألم لإخراجها مثل (السنة) لعبدالله بن أحمد و(نقض الدرامي) للدارمي و(التوحيد) لابن خزيمة وكتب شيخ الإسلام وغيرها والتي نشط علماء السلف لإخراجها وطبعها حتى إنه كتب في ذلك مقالا بعنوان: (تحذير الأمة من دعاة الوثنية)، ويقصد به دعاة السلف رحمهم الله)([121])

وقال مبينا سبب طعن السلفية فيه: (إن الكوثري رد وطعن على كثير من أئمة السلف قديماً وحديثاً، فمنهم من طعن ورد عليه، ومنهم من طعن عليه وغمزه فعل ذلك لأجل إثباتهم صفات الله وفق معتقد السلف، فقد رد على ابن خزيمة وعلى سفيان الثوري والأوزاعي .. وعلى الحافظ صالح التميمي المشهور بصالح جزرة .. وعلى عبد الله بن أحمد وعلى الإمام ابن أبي حاتم فقد رد عليه مطولا متهما إياه بالجهل بالتوحيد وسوء المعتقد والتشبيه .. وعلى الإمام عبيد الله العكبري (ابن بطة) .. وعلى عثمان الدارمي وعلى مجاهد بن جبر .. وعلى ابن المديني والدراقطني وابي حاتم .. ونعيم بن حماد طعن في معتقده.. وأما طعونه في شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم فشيء كثير متفرق في رسائله وتعليقاته) ([122])

وهكذا صار الطعن في هؤلاء أو نقدهم سببا لتجريح كل عالم حتى لو كان محدثا كبيرا، لأن من أول شروط المحدث عند السلفية أن يكون سلفيا، وأن يقدم كل قرابين الطاعة لابن تيمية وابن بطة والدارقطني وكل مجسم ومشبه.

ولذلك كان من انتقاداتهم الشديدة عليه، والتي كفروه بسببها، هو ما ذكره بعضهم من أنه (حاول إرجاع معتقد من أثبت الصفات من السلف إلى جهل رواة الحديث وبساطتهم بسبب الأعراب وغيرهم، فنقلوا أساطير اليهود والنصارى والمجوس، وربما رفعوها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوجد التشبيه وشاع) ([123])

وبذلك صار قول الحقيقة التي يدل عليها كل شيء سببا في التجريح.. كما عبر عن ذلك الشيخ مقبل بن هادي، فقال: (محمد بن زاهد الكوثري مبتدع لا يعتمد عليه في علم الحديث)([124])

وهذا أكبر دليل على الذاتية والطائفية المسيطرة على السلفية، الذين يصدقون الكاذب المجسم، ويكذبون الصادق المنزه.

المثال الثاني: موقف السلفية من الغماري:

يعتبر الشيخ العلامة المحدث عبد الله بن محمد بن الصديق الغُماري من كبار محدثي هذا العصر، الذين شهد له الكل بتمكنه وقدراته، لكن السلفية وبسبب مواقفه من آل البيت الكرام، أو من الصوفية، أخرجوه من زمرة أهل الحديث، وحرموه من كل ما ورد في النصوص من فضلهم.

ولم يكتفوا بذلك، بل راحوا يبدعونه ويكفرونه، هو وكل من سار على منهجه من المحدثين، غير مراعين ما يذكرونه كل حين من حرمة الطعن في أهل الحديث أو التعرض لهم، واعتبار التعرض لهم زندقة.

وممن تولى كبر ذلك منهم شيخهم الكبير المعاصر الشيخ الألباني الذي لم يكن يدع مناسبة إلا وهجم عليه فيها، ومن ذلك قوله في الرد عليه بسبب نصرته للمسبحة التي يستعملها جميع المسلمين في جميع العصور، وخاصة الصوفية منهم، لكن السلفية انفردوا دون الأمة جميعا بالقول ببدعيتها: (.. وجهل ذلك أو تجاهله بعض من ألف في سنية السبحة من أهل الأهواء من المعاصرين مقلداً في ذلك شيخه عبد الله الغماري الذي تجاهل هذه الحقائق وأورد هذا الحديث ليتوصل منه إلى تجويز السبحة لمريديه، ثم إلى تجويز تعليقها على العنق كما يفعل بعض مشايخ الطرق)([125]) 

وقال فيه: (هناك في المغرب رجل ينتمي إلى العلم، وله رسائل معروفة ويزعم أنه خادم الحديث الشريف، وهو الشيخ عبد الله بن الصدِّيق الغُماري .. معروف بعدائه الشديد منذ القديم لأنصار السنّة، ولِكل من ينتمي إلى عقيدة السلف، مما يدل العاقل أنه لم يستفد من الحديث إلا حمله! ولا أدل على ذلك من كتيب له طُبع بعنوان: (القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع)، أقول: إن كل من يقرا هذا العنوان من القرَّاء همهما كان اتِّجاهه- يتسائل في نفسه متعجباً: ماذا ارتكب الألبانيُّ من البدع - وهو المعروف بمحاربته إياها في محاضراته وكتبه، ومن مشاريعه المعروفة (قاموس البدع)، وقد نص على الكثير منها في فصول خاصة في آخر بعض كتبه، مثل بدع الجنائز، وبدع الجمعة، وبدع الحج والعمرة، فما هي البدع التي جاء بها الألباني حتى وصمه الغُماري بـ (المبتدع)؟ مع أنه كان ﴿أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ لأنه هو المعروف بالابتداع شي الدين، والانتصار للمبتدعة والطُرُقِيِّين، كما يشهد بذلك كل من اطلع على شيء من رسائله، وحسب القارئ دليلًا على ما أقول. أنه شيخ الطريقة الشاذلية الدرقاوية الصديقية، وهو يفخر بذلك في بعض كتاباته، كما يفخر بأنه خادم السنة، وليته كان خادماً لها. بل نقنع منه أن لا يكون من الهادمين لها)([126])

بل إن السلفية كعادتهم في كتابة الكتب في الرد على مخالفيهم أفردوه بالكثير من الكتب، ومنها كتاب (الفتح المبين بالرد على نقد عبد الله بن محمد الصديق الغماري لكتاب الأربعين) للشيخ علي ناصر الفقيهي، والذي انتقده في أمور كثيرة، يتبين من خلالها الذاتية والطائفية والغلو فيهما عند السلفية.

ومن الأمثلة على ذلك انتقادهم لموقفه من راو من الرواة اشتهر بالروايات التجسيمية هو حماد بن سلمة، وهو موقف طبيعي من محدث يتهم راويا من الرواة، وهم يمارسونه ذلك دائما، بل يستحيل أن يكون المحدث محدثا، وهو لا يوثق الرواة أو يضعفهم.. لكنهم لا يقبلون ذلك إلا منهم وفيهم وعلى منهجهم، فقد قال فيه: (ومن البلايا والطوام لعبد الله بن الصديق الغماري الوقيعة في الإمام حماد بن سلمة.. إن وقيعته في حماد بن سلمة يخشى عليه من قول ابن المديني: (من سمعتموه يتكلم في حماد فاتهموه) .. وقال أحمد ويحيى: ثقة وقال ابن المديني: من سمعتموه يتكلم في حماد فاتهموه، إلا ان حماد بن سلمة كان شديدا على المبتدعة ولهذا لم يسلم من ألسنتهم كما فعل الكوثري قبل عبد الله الغماري وذلك سيكون زيادة في حسناته إن شاء الله تعالى)([127])

وهكذا أصبح الرأي والمذهب والأيديولوجيا هي الحكم، لا الموضوعية العلمية التي تتنزه عن كل ذاتية وطائفية.

وهكذا كان موقفه منه أيضا بسبب دعوته لعرض الحديث على القرآن الكريم، والتي يخالفها السلفية بشدة، فقد قال فيه: (ومما ينبغي الإشارة إليه هنا بمناسبة رد الناقد والاستدلال بالحديث بعد صحته بحجة إنه يخالف القرآن: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر عن جماعة يأتون آخر الزمان يردون سنته بحجة أنهم لم يجدوا ما أمر به أو نهي عنه صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن ويسمون أنفسهم قرآنيين ومنهم جماعة في العصر الحاضر ولا أظن أن الناقد – عبد الله الغماري – منهم) ([128])

ثانيا ـ الذاتية في قبول الرواة ورفضهم:

يذكر السلفية كثيرا وبإعجاب شديد تورع سلفهم من أهل الحديث في الحكم على الأحاديث أو الحكم على رواتها الذين نقلوها، فهم يصورونهم وكأنهم معصومون لا يخطئون، مع أن أحدهم قد يحفظ مئات الآلاف من الأحاديث، وبأسانيدها ورجالها، مع اتصالها وانفصالها، ومواضع العلل فيها.

والعجيب في الأمر أن من يقول هذا هو نفسه من يجوز صدور المعاصي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قبل النبوة وبعدها، ويعتذر لذلك بأنهم ـ ومع كون الوحي يتنزل عليهم ـ إلا أنهم بشر.. وما داموا بشرا فلا مانع أن يخطئوا .. بل من الغلو أن نعتبرهم لا يخطئون.

لكنك إن قلت لأحدهم: قد يكون هذا الحديث الذي رواه البخاري أخطأ فيه، أو حصل له سهو في بعض ألفاظه، أو أنه وثق فيمن ليس أهلا لأن يثق فيه أقام الدنيا عليك ولم يقعدها، بل ونادى فيك، كما نادى سلفه: زنديق .. زنديق .. زنديق.

ثم ألقى عليك محاضرة في ورع المحدثين وعدم مداهنتهم ومجاملتهم لأي كان، وروى لك بسنده عن البيهقي أحمد بن الحسين (ت 458هـ) قوله: (ومن أنعم النظر في اجتهاد أهل الحفظ في معرفة أحوال الرواة، وما يقبل من الأخبار وما يرد، علم أنهم لم يألوا جهداً في ذلك حتى إذا كان الابن يقدح في أبيه إذا عثر منه على ما يوجب رد خبره، والأب في ولده، والأخ في أخيه لا تأخذه في الله لومة لائم ولا تمنعه في ذلك شجنة رحم ولا صلة مال، والحكايات عنهم في ذلك كثير)([129]).

فإن رأى في وجهك بعض الاستغراب أخبرك أن علي بن عبد الله بن المديني شيخ البخاري (ت 234هـ) سئل عن أبيه فقال: (اسألوا غيري، فقالوا: سألناك، فأطرق ثم رفع رأسه وقال: هذا هو الدين، أبي ضعيف)([130])

ثم أردف بأن حمزة بن يوسف السهمي (ت427هـ) قال: سمعت أبا مسعود الدمشقي يقول: سمعت الزينبي ببغداد يقول: دخلت على محمد بن محمد الباغندي فسمعته يقول: لا تكتبوا عن ابني فإنه يكذب، فدخلت على ابنه فسمعته يقول: لا تكتبوا عن أبي فإنه يكذب)([131])

ثم روى لك أن شعبة بن الحجاج أبو بسطام الواسطي (ت 160هـ) قال: (سميت ابني سعداً، فما سعد ولا فلح، كنت أقول له: اذهب إلى هشام الدستوائي فيقول:  اليوم أريد أن أرسل الحمام)([132])

ثم حدثك عن هشام بن حسان القردوسي، (ت148هـ) أن ابن عدي روى عنه، فقال: (لو حابيت أحداً لحابيت هشام بن حسان كان ختني([133])، ولكن لم يكن يحفظ)([134])

ثم حدثك عن أبي عروبة الحسين بن محمد الحرّاني (318هـ) أنه جرّح خال أمه: الحسين بن أبي السري العسقلاني (240هـ) حيث قال: كذاب هو خال أمي([135]).

ثم حدثك كيف كانت صلابة المحدثين إذا ما طلب منهم أن يكفوا عن بعض من يتهمونهم، وروى لك من أخبار ذلك عن عباد بن عباد المهلبي قال: أتيتُ شعبة أنا وحماد بن زيد فكلمناه في أبان بن أبي عياش فقلنا له: يا أبا بسطام تمسك عنه، فلقيهم بعد فقال: ما أراني يسعني السكوت عنه([136]).

بل إنهم لصلابتهم في مواقفهم لم يكونوا يبالون بتلك الأيدي التي ترفع للسماء للدعاء عليهم، وروى لك من ذلك أن الحسن بن عمارة ـ وهو أحد الذين اتهمهم شعبة ـ كان يقول: (الناس كلهم مني في حل، خلا شعبة فإني لا أجعله في حل حتى أقف أنا وهو بين يدي الله عز وجل فيحكم بيني وبينه) ([137])، ومع ذلك فإن شعبة لم يهم بذلك، بل ظل على اتهامه له ([138]) .

لكن كل هذا الذي ذكروه ليس سوى زخرف من القول، لا يصح الاعتماد عليه، أو هو مجرد خطب مؤثرة يضحكون بها على أصحاب العقول الضعيفة، وليس لها حظ من الحقيقة، لأنهم هم أنفسهم يرمي بعضهم بعضا، ويتهم بعضهم بعضا، ولو طبقنا عليهم المقاييس التي يتعاملون بها مع خصومهم، فلن يبقى أحد منهم أهلا للرواية، ولا أهلا للحكم على الأحاديث.

لكن عند البحث بموضوعية وجرأة في كتب علم الحديث، وخاصة علم الرجال وعلم الجرح والتعديل ـ وهما العلمان اللذان يقوم عليهما الحكم على الحديث قبولا ورفضا ـ نجد كل أنواع المكاييل المزدوجة التي تخول للمحدث التلاعب برفض ما يشاء من الأحاديث، وقبول ما يشاء منها، لأنه لا يوجد راو في الدنيا إلا وهناك من ضعفه، وبذلك يتسنى للمحدث أن يستعمل هذا السلاح مع المخالف إن أورد أي حديث لا يوافق هواه.

وقد حاول المتقدمون والمتأخرون من المحدثين أن يسدوا هذه الثغرة، لكن لم يستطيعوا، فراحوا يضعون قواعد لأنفسهم تمكنهم من استعمال هذا السلاح متى شاءوا، من دون أن يسمحوا لخصومهم باستعماله.

ومن أمثلة ذلك ما نص عليه ابن البر (ت463هـ) بقوله عند الحديث عن تجريح أهل الحديث لبعضهم بعضا: (.. هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس وضلت به نابتة جاهلة لاتدري ما عليها في ذلك، والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته، وثبتت في العلم أمانته، وبانت ثقته وعنايته بالعلم، لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته علي طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر، وأمّا من لم تثبت إمامته ولا عرف عدالته، ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته، فإنه ينظر فيما اتفق أهل العلم عليه ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه والدليل، على أنه لايقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماماً في الدين قول أحد من الطاغين، أن السلف رضوان الله عليهم قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير في حال الغضب ومنه ما حمل عليه الحسد كما قال ابن عباس ومالك بن دينار وأبو حازم، ومنه على جهة التأويل مما لا يلزم القول فيه ما قاله القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض السيف تأويلاً واجتهاداً لا يلزم تقليدهم في شيء من دون برهان ولا حجة توجبه([139]).

وقال عبد الله بن وهب (ت197هـ): (لا يجوز شهادة القارئ على القارئ – يعني العلماء – لأنهم أشد الناس تحاسداً وتباغضاً، وقاله سفيان الثوري ومالك بن دينار)([140]).

وقال أحمد بن صالح المصري (ت284هـ): قلت لابن وهب: ما كان مالك يقول في ابن سمعان – يعني عبد الله بن زياد بن سمعان – قال: (لا يقبل قول بعضهم في بعض([141]).قلت: وإن كان ابن سمعان من معاصري الإمام مالك إلا أن كلام الإمام مالك فيه كان بحجة، بدليل أن العلماء مجمعون على ترك حديثه وكذّبه غير واحد منهم([142]).

ولهذا نرى الذهبي (ت748هـ) المشهور بعلم الرجال، وبتشدده في الأحكام عليهم يستعمل هذا السلاح الخطير في تراجمه، فمن كان على مذهبه في التجسيم ونحوه دافع عنه، ومن كان مخالفا لمنهجه نقل فيه أحكام خصومه وأقرها، ومن ذلك موقفه من أبي نعيم (ت430هـ) الذي روى الكثير من الأحاديث التجسيمية في كتبه، فقد قال مدافعا عنه ضد من جرحه من كبار المحدثين: (وكلام ابن مندة في أبي نعيم فظيع لا أحب حكايته ولا أقبل قول كل منهما في الآخر بل هما عندي مقبولان، لا أعلم لهما ذنباً أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها، قرأت بخط يوسف ابن أحمد الشيرازي الحافظ، رأيت بخط ابن طاهر المقدسي يقول أسخن الله عين أبي نعيم، يتكلم في أبي عبد الله بن مندة وقد أجمع الناس على إمامته، وسكت عن لاحق وقد أجمع الناس على أنه كذّاب، قلت: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله، ما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس، اللهم فلا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم([143]).

وقال في ترجمة أبي عبدالله محمد بن حاتم بن ميمون السمين (ت 316هـ): (وذكره أبو حفص الفلاس فقال: ليس بشيء، قلت: هذا من كلام الأقران الذي لا يسمع له فإن الرجل ثبت حجة)([144]).

وقال في ترجمة أبي بكر بن أبي داود السجستاني (ت 316هـ): (قلت: لا ينبغي سماع قول ابن صاعد فيه كما لم نعتد بتكذيبه لابن صاعد، وكذا لا يسمع قول ابن جرير فيه فإن هؤلاء بينهم عداوة بينة فقف في كلام الأقران بعضهم في بعض)([145])

وقد كان ابن تيمية يستعمل هذا المنهج في رده ما يشاء من الأحاديث، وقبوله ما يشاء منها، حتى عاتبه عليه كبار المحدثين، كقول الألباني في نقد رد ابن تيمية لبعض الأحاديث: (من العجيب حقاً أن يتجرأ شيخ الإسلام ابن تيمية على إنكار هذا الحديث وتكذيبه في منهاج السنة كما فعل بالحديث المتقدم هناك، مع تقريره رحمه الله أحسن تقرير أن الموالاة هنا ضد المعاداة وهو حكم ثابت لكل مؤمن وعليّ رضي الله عنه من كبـارهم يتولاهم ويتولونه، ففيه رد على الخـوارج والنواصب)([146])

وقال مبينا سبب إطالته في بيان صحة الحديث: (فقد كان الدافع لتحرير الكلام على الحديث وبيان صحته أنني رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية، قد ضعّف الشطر الأول من الحديث، وأما الشطر الآخر فزعم أنه كذب ! وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري من تسرعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقق النظر فيها، والله المستعان)([147])

وقد ساعدهم على كل هذا المنهج الذي اختاروه في الجرح والتعديل، وفي الكلام في الرجال، فقد كانوا يضعون المحاسن والمساوئ، والمناقب والمثالب عند ذكر كل راوية حتى يتخير المحدث بعد ذلك ما شاء لرفض الحديث أو قبوله، وهم يعدون أن ذلك من محاسنهم، ويغفلون عن الآثار الخطيرة التي جلبها هذه المنهج.

يقول ظفر بن أحمد العثماني التهانوي (ت 1394هـ) في بيان ذلك: (إذا كان الراوي مختلفاً فيه، وثقه بعضهم، وضعّفه بعضهم فالاقتصار على ذكر التضعيف والسكوت عن التوثيق عيب شديد، وكذا بالعكس، إلا أن يكون ممن ثبتت عدالته وأذعنت الأمة لإمامته فلا بأس بالاقتصار على التوثيق إذاً، بل قد يجب ذلك إذا تبين صدور الجرح فيه من متعصب أو متعنت أو مجروح ينفسه أو متحامل عليه للمعاصرة أو المنافرة الدنيوية، أو ممن لا يلتفت إلى كلامه لكونه جاهلاً بحال الراوي، وهذا كله ظاهر بعد التأمل فيما ذكرنا من أصول الجرح والتعديل)([148])

وبناء على هذا عاب الذهبي المنهج الذي اعتمده ابن الجوزي في كتابه (الضعفاء والمتروكين)، والذي كان  يورد الجرح في الراوي ولا يورد التعديل، ومن الأمثلة على ذلك اعتراضه عليه في ترجمته لأبان بن يزيد العطار إذ قال: (وقد أورده العلامة أبو الفرج ابن الجوزي في الضعفاء ولم يذكر فيه أقوال من وثّقه، وهذا من عيوب كتابه، يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق)([149])

وبناء على هذا نجد المحدثين يقعون في تناقضات كثيرة في أحكامهم على الأحاديث بسبب تغليب الذاتية، وكون علم الحديث أدة طيعة لتحقيق الذاتية.

ثالثا ـ الذاتية في تحديد علل الحديث:

لم يكتف المحدثون بما وضعوه من قواعد تتعلق بالسند تخول لهم التحكم في الأحاديث قبولا ورفضا، بل أضافوا إلى ذلك قاعدة أخرى، وهي أنه ليس كل ما صح سنده صح متنه، أو كما عبر ابن القيم، فقال: (وقد علم أن صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث وليست موجبة لصحته فإن الحديث إنما يصح بمجموع أمور منها صحة سنده وانتفاء علته وعدم شذوذه ونكارته وأن لا يكون روايه قد خالف الثقات أو شذ عنهم)([150])

وهي قاعدة مهمة لو أحسنوا تطبيقها، فاعتبروا العلة مخالفة الحديث للقرآن الكريم، أو للمتواتر المشهور من السنة، أو لما اتفق عليه العقلاء، أو أن الحديث يحتاج إلى نقل كثير باعتباره مما تعم به البلوى.

لكنهم لم يفعلوا ذلك، بل تركوا العلة لمزاجهم، وأذواقهم التي قد تختلف بين حين وحين، فإن سئلوا عن سر رفضهم لبعض الأحاديث قالوا: لعلة خفية فيه، فإن سئلوا: ما العلة؟ نقلوا له من كلام أئمتهم أنها (الإلهام)([151])

أو يقولون له ما قال ابن كثير: (وإنما يهتدي إلى تحقيق هذا الفن الجهابذة النقاد منهم، يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه، ومعوجه ومستقيمه، كما يميز الصيرفي البصير بصناعته بين الجياد والسيوف، والدنانير والفلوس، فكما لا يتمارى هذا، كذلك يقطع ذاك بما ذكرناه، ومنهم من يظن، ومنهم من يقف، بحسب مراتب علومهم وحذقهم واطلاعهم على طرق الحديث، وذوقهم حلاوة عبارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التي لا يشبهها غيرها من ألفاظ الناس)([152])

أو يقولون له ما قال الحاكم: (إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة، ليظهر ما يخفى من علة الحديث، فإذا وجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير المخرجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم، لزم صاحب الحديث التنقير عن علته، ومذاكرة أهل المعرفة لتظهر علته)([153])، وقال: (وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير) ([154])

 أو ما قال الخطيب عن علم العلل: (فإنه علم يخلقه الله تعالى في القلوب بعد طول الممارسة له والاعتناء به)([155])

أو ما قال ابن حجر: (هو من أغمض أنواع علوم الحديث، وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله فهما ثاقبا، وحفظا واسعا، ومعرفة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون. ولذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن كعلي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري ويعقوب بن شيبة وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين والدارقطني.. وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه، كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم)([156])

أو ما قال السخاوي: (ولخفائه  (يعني علم العلل) كان بعض الحفاظ يقول: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل، وقال ابن مهدي: هي إلهام، لو قلت للقيم بالعلل: من أين لك هذا؟ لم تكن له حجة، يعني يعبر بها غالبا، وإلا ففي نفسه حجج للقول وللدفع)([157])

 وقال: (ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعن، فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالا نقادا تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه، وعلله، ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين. فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت مع الفهم، وجودة التصور، ومداومة الاشتغال، وملازمة التقوى والتواضع يوجب لك إن شاء الله معرفة السنن النبوية، ولا قوة إلا بالله)([158])

وبناء على هذا أصبح كل محدث متحكما في الحديث كما يشاء، لا يسأل عن قوله، ولا عن حكمه، وكيف يسأل الخبير عن ذلك، كما قال الزركشي عند حديثه عن زيادة الثقة وموقف المحدثين منها: (الذي يظهر من كلامهم خصوصا المتقدمين كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ومن بعدهما كأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وهذه الطبقة ومن بعدهم كالبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين ومسلم والترمذي والنسائي وأمثالهم والدارقطني والخليلي كل هؤلاء مقتضى تصرفهم في الزيادة قبولا وردا الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند الواحد منهم في كل حديث ولا يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جميع الأحاديث وهذا هو الحق)([159])

وبناء على هذه كله أعطى السلفية لأنفسهم حق التحكم في الأحاديث قبولا ورفضا بحسب ما يمليه عليهم مزاجهم، ولهذا نراهم يهشون ويبشون للأحاديث الممتلئة بالتجسيم، لأن بصائرهم ترى من خلال كل لفظة منها نور النبوة.

وكمثال على ذلك موقفهم من الحديث الطويل الذي رووه عن لقيط بن عامرٍ مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيه: (فأصبح ربك يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد)([160])

وهو حديث يخالف القرآن الكريم والعقل والفطرة السليمة وحتى الموازين التي وضعها المحدثون للتمييز بين الصحيح والضعيف، ولكن بسبب موافقته مزاج المحدثين في التجسيم، أقروه ودافعوا عنه، كما قال ابن القيم تلميذ ابن تيمية النجيب بعد إيراده الرواية: (هذا حديث كبير جليل تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما من كبار علماء المدينة ثقتان محتج بهما في الصحيح، احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري. ورواه أئمة أهل السنة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد ولم يطعن أحد منهم فيه ولا في أحد من رواته. فممن رواه الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه وفي كتاب السنة.. ومنهم الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في كتاب السنة له، ومنهم الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسال في كتاب المعرفة، ومنهم الحافظ أبو محمد عبدالله بن محمد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب السنة، ومنهم الحافظ أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة حافظ أصبهان، ..وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم) ([161])

بل إنه يرتب على منكر هذا حكما خطيرا، فينقل عن سلفه أبي عبد الله بن مندة مقرا له: (ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة)([162])

ثم لا يكتفي بذلك.. بل يذهب يفسر الحديث حرفا حرفا يستنبط منه كل صنوف التجسيم والتشبيه، فيقول: (وقوله فيظل يضحك هو من صفات أفعاله سبحانه وتعالى التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصفة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردها كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها.. وكذلك فأصبح ربك يطوف في الأرض هو من صفات فعله..والكلام في الجميع صراط واحد مستقيم إثبات بلا تمثيل بلا تحريف ولا تعطيل.. وقوله:  فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم  فيه إثبات صفة اليد له سبحانه بقوله وإثبات الفعل الذي هو النضح)([163])

وما فعله سلف السلفية هو نفس ما فعله خلفهم حين استنهضوا هذه الخاصية الممنوحة لهم من طرف سلفهم ليبحثوا في الحديث من جديد، فيضعفوا ما شاءوا ويصححوا ما شاءوا.

وقد أشار الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي عند رده على الألباني إلى استغلاله لهذه الناحية للتعامل مع الحديث بمزاجية، فقال: (الشيخ ناصر الدين الألباني شديد الولوع بتخطئة الحذاق من كبار علماء المسلمين ولا يحابي في ذلك أحدا كائنا من كان، فتراه يوهم البخاري ومسلما ومن دونهما.. ويكثر من ذلك حتى يظن الجهلة والسذج من العلماء أن الألباني نبغ في هذا العصر نبوغا يندر مثله. وهذا الذي ينم عنه ما يتبجج به الألباني في كثيرمن المواطن، ويلفت إليه أنظار قارئيه، فتارة يقول: أغتنم هذا التحقيق فإنك لا تجده في غير هذا الموضع ـ يعني عند غيره من المصنفين ـ وتارة يدعي أنه خصه الله تعالى في هذا العصر بالوقوف على زيادات الحديث الواردة في مختلف طرقه المنتشرة في الكتب المبعثرة، وبذلك وصل إلى ما لم يصل إليه غيره من المحققين السابقين ولا اللاحقين.. هذا مبلغ علم الألباني، فإذا نظرت في كتبه تجد الدليل فإنه يذكر فيما يسميها بالصحيحة ما يناقض ما يسميها بالضعيفة، فتراه يغير على الأحاديث النبوية الشريفة بما لا يجوز عند أهل العلم بالحديث، فيضعف الصحيح، ويجود الضعيف، وهذا شأن من لم يشم رائحة العلم، وسبيل من لم يعرف له شيوخ الحديث، وسماع من ألفاظهم، ولا أراه إلا مطالعا من المطالعين الذين ظنوا أن الكتب تغني عن الشيوخ والتلقي، فإنا لم نجد في ترجمة لحافظ أو محدث أنه اقتصر على المطالعة من غير أن يدور على الشيوخ، ويسمع منهم كما سمعوا ممن قبلهم على عادة أهل الإسناد، ومن معايبه تطاوله على الأئمة الكبار، ويكفيه ذما أنه تطاول على البخاري ومسلم فأغار على صحيحيهما ولم يسلما منه، وليته ضعف تلك الأحاديث بعلم ومعرفة، ولكن بجهل ووقاحة، ومن نظر في كتبه وكان له معرفة وفهم وبعدعن التعصب الأعمى والجهل القتال تبين له أن الألباني ضعيف في علم الحديث متنا ورجالا.. ومن معايبه أيضا لمزه لن يخالفه بالابتداع فهو ومن كان معه على زعمه سني يستحق الجنة، ومن خالفه فهو مبتدع يستحق النار، وقصده بهذا الشهرة، ومراده أنه أوحد عصره، وأنه سبق معاصريه، وتفوق على متقدميه.. وبالجملة فالألباني في فتاويه واستنباطاته بلايا وطامات، وسقطات عظيمة تراه يبدع من يذكر بالسبحة، أو يقرأ القرءان على الميت، وتجد في كتبه ولا سيما شرح الطحاوي الضلال والفساد)([164])

بل إننا نجد هذا النقد من نفس المدرسة السلفية، فقد قال الشيخ مقبل الوادعي منتقدا منهج الألباني في الحكم على الحديث:  (.. العلماء المتقدمون مقدمون في هذا، لأنهم كما قلنا قد عرفوا هذه الطرق، ومن الأمثلة على هذا: ما جاء أن الحافظ يقول في حديث المسح على الوجه بعد الدعاء: أنه بمجموع طرقه حسن، والإمام أحمد يقول: إنه حديث لا يثبت، وهكذا إذا حصل من الشيخ ناصر الدين الألباني هذا؛ نحن نأخذ بقول المتقدمين ونتوقف في كلام الشيخ ناصر الدين الألباني، فهناك كتب ما وضعت للتصحيح والتضعيف، وضعت لبيان أحوال الرجال مثل: الكامل لابن عدي والضعفاء للعقيلي، وهم وإن تعرضوا للتضعيف، فهي موضوعة لبيان أحوال الرجال، وليست بكتب علل، فنحن الذي تطمئن إليه نفوسنا أننا نأخذ بكلام المتقدمين، لأن الشيخ ناصر الدين الألباني ما بلغ في الحديث مبلغ الإمام أحمد بن حنبل، ولا مبلغ البخاري، ومن جرى مجراهما. ونحن ما نظن أن المتأخرين يعثرون على مالم يعثر عليه المتقدمون اللهم إلا في النادر، فالقصد أن هذا الحديث إذا ضعفه العلماء المتقدمون الذين هم حفاظ، ويعرفون كم لكل حديث من طريق، فأحسن واحد في هذا الزمن هو الشيخ ناصر الدين الألباني، فهو يعتبر باحثا، ولا يعتبر حافظا، وقد أعطاه الله من البصيرة في هذا الزمن ما لم يعط غيره، حسبه أن يكون الوحيد في هذا المجال، لكن ما بلغ مبلغ المتقدمين)([165])

رابعا ـ الذاتية في تفسير الأحاديث وتأويلها:

المنهج الرابع الذي يعتمده المحدثون لحرب الأحاديث التي لا تتناسب مع أمزجتهم هو تفسيرها وتأويلها وحملها على ما يتناسب مع أهوائهم.

وكمثال على ذلك موقف السلفية من الأحاديث التي تثبت جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهم بعد أن رموا الكثير منها بالضعف والكذب والوضع، مع كونها ليس كذلك، راحوا إلى حديث لم يمكنهم أن يكذبوه، فلذلك استبدلوا تكذيبه بتأويله تأويلا باردا يجعله خاصا بشخص معين، وفي زمن معين مع أن صيغة الحديث لا تحتمل ذلك.

وسأورد الحديث، ثم أورد أقوالهم في تأويله ليتبين لنا كيفية تلاعب السلفية الحديث سندا ومتنا.

والحديث هو ما روي عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال:(ادع الله أن يعافني)، فقال:(إن شئت أخرت ذلك وهو خير، وإن شئت دعوت)، قال:(فادعه) قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن، ثم يصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء، فيقول:(اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي، اللهم شفعه في وشفعني فيه) ([166])

فالحديث ـ كما هو ظاهر ـ ورد مطلقا، ومن التأويل تقييده بما لم يدل الدليل على تقييده، بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصف فيه هيئة خاصة بصلاة الحاجة، وذكر فيه صيغة خاصة بها، وهو لا يحتاج بعد ذلك إلى أي دليل خارجي يدل على أنه عام يصلح تطبيقه في كل الأزمنة، ومع ذلك ورد ذلك الدليل الخارجي.

ففي الحديث عن عثمان بن حنيف: أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد، فصل فيه ركعتين، ثم قل: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمة، يا محمد أني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي)، وتذكر حاجتك، ورح إلي حتى أروح معك.فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة، وقال له ما حاجتك فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فائتنا.ثم إن الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في.فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره.فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أو تصبر ؟ فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي.فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات) قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث، حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط ([167]) .

ومع كل ذلك نرى ابن تيمية وجميع السلفية يؤولون الحديث بصنوف من التأويلات ليصرفوه عن ظاهره الذي لا يروقهم، فمن التأويلات البعيدة التي أول بها ابن تيمية الحديث قوله: (وكذلك لو كان كل أعمى توسل به، ولم يدع له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة ذلك الأعمى لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، فعدولهم عن هذا إلى هذا مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فإنهم أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله، وما يشرع من الدعاء وينفع وما لم يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه) ([168])

وما ذكره ابن تيمية من التأويل بعيد جدا ذلك أن من الصحابة من رضي بحاله، ولم يسأل الله تغييره رضى بقسمة الله، بل في حديث الأعمى دليل على استحباب ذلك، وقد ورد في الحديث أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبها طيف، فقالت:(يا رسول اللّه إني أصرع، وأتكشف، فادع اللّه أن يشفيني)، فقال:(إن شئت دعوت لك أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة)، فقالت:(بل أصبر ولي الجنة، ولكن ادع اللّه لي أن لا أتكشف)، فدعا لها فكانت لا تتكشف([169]).

بالإضافة إلى أن اشتراط تأييد كل ما ورد من الأحاديث القولية أو الفعلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالآثار الدالة على الفعل به من الصحابة يكلفنا شططا، بل يلغي أكثر السنن.

وهكذا نجد الألباني في كتابه الذي خص به التوسل يتلاعب بكل صنوف التأويلات ليخرج الحديث من مضمونه، فقد قال ـ بعد ذكر الحديث، وعدم قدرته على تضعيفه ـ: (يرى المخالفون: أن هذا الحديث يدل على جواز التوسل في الدعاء بجاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو غيره من الصالحين، إذ فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وقد فعل الأعمى ذلك فعاد بصيراً، وأما نحن فنرى ان هذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل المختلف فيه، وهو التوسل بالذات، بل هو دليل آخر على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع الذي أسلفناه، لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه. والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة، وأهمها: أن الأعمى إنما جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم  ليدعو له، وذلك قوله: (أدعُ الله أن يعافيني) فهو توسل إلى الله تعالى بدعائه صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه يعلم أن دعاءه صلى الله عليه وآله وسلم  أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره، ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم  أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجة به إلى أن يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته، ويدعو ربه بأن يقول مثلاً: (اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن يشفيني، وتجعلني بصيراً). ولكنه لم يفعل.. ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له..   ثالثاً: إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: (فادع) فهذا يقتضي أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  دعا له، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم  خير من وفى بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فقد شاء الدعاء وأصر عليه، فإذن لا بد أنه صلى الله عليه وآله وسلم  دعا له، فثبت المراد، وقد وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم  الأعمى بدافع من رحمته، وبحرص منه أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه، وجهه إلى النوع الثاني من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه وهذه الأعمال طاعة لله سبحانه وتعالى يقدمها بين يدي دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم  له.. وهكذا فلم يكتف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  بدعائه للأعمى الذي وعده به، بل شغله بأعمال فيها طاعة لله سبحانه وتعالى وقربة إليه، ليكون الأمر مكتملاً من جميع نواحيه)([170])

وهكذا يمضي الألباني كما مضى قبله ابن تيمية في رد الحديث والتلاعب بتأويله ليصرف صرفا تاما عن معناه الواضح الذي لا يحتاج إلى كل ذلك التكلف.

هذا موقفهم من حديث التوسل الذي لا يرضيهم، فلذلك تلاعبوا به كما شاءت لهم أهواؤهم، في نفس الوقت نجد حديثا آخر، يرتبط بحادثة خاصة، وموقف خاص، ولكن لكونه يرتبط بأهواء سلفية، عمموه ولم يقولوا بتخصيصه، وأطلقوه ولم يقولوا بتقييده، بل لم يكتفوا باعتباره من مسائل الفروع، وإنما حولوه إلا مسائل الأصول التي يرتبط بها الكفر والإيمان.

والحديث هو ما رواه أبو سعيد الخدري قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تسبوا أحدا من أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)([171])

ففي هذا الحديث يقول صلى الله عليه وآله وسلم لخالد ـ الذي أسلم متأخرا، أي بعد الفتح ـ: (لا تسبوا أصحابي)، يقصد عبد الرحمن بن عوف وأمثاله، لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان؛ والحديث يقصدهم، لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل لخالد: (أنت من أصحابي فلا تسب أصحابي)

وهذا بظاهره يدل على أن الصحبة خاصة بالسابقين الأولين ـ باعتبار عبد الرحمن بن عوف هو المراد في الحديث بالنهي عن سبه، أو قد تعمم إلى كل من أسلم قبل الفتح، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: { لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً