الكتاب: دعاة على أبواب جهنم

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 128

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

الكتاب موافق للمطبوع

التعريف بالكتاب

في هذه المقالات القصصية حاولنا أن نربط بين ما ورد في القرآن الكريم من حديث عن علماء السوء، وأدوارهم التخريبية في الأمم السابقة، وكيف ورث علماء السوء من هذه الأمة تلك الخلال، وراحوا ينفذونها بدقة.

فهرس المحتويات

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

اللاهثون

الفرحون

الحمير

السامريون

السبتيون

المرجئة

الكاتمون

المقدمة

من المغالطات الكبرى التي نوهم بها أنفسنا تصورنا أننا نعبد الله حينما نجادل بكل ما أوتينا من قوة عن أولئك الدعاة والعلماء الذين لا دور لهم إلا تخريب حياة الناس في الدنيا، وجرهم بسلاسل الكذب والبهتان إلى جهنم في الآخرة..

وسبب هذه المغالطة هو إعراضنا عن القرآن الكريم، وتدبره، وتفعيله في الحياة..

ذلك أننا عندما نقرأ ما ورد من أوصاف عن علماء بني إسرائيل، وأنهم السبب الأكبر في كل ما حصل لهم من انحرافات، نتصور أن ذلك خاص ببني إسرئيل، وأننا أفضل الأمم، وأن علماءنا ليسوا كعلمائهم، وأن دعاتنا ليسوا كدعاتهم، وكأن سنة الله تسير مع جميع الأمم سيرا مطردا، ولا تتخلف إلا في هذه الأمة، مع أن سنة الله لا تتبدل ولا تتغير: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62]

ولهذا فإنا في هذه المقالات القصصية نحاول أن نرسم من خلال الواقع والتاريخ مشاهد لعلماء لا يختلفون عن علماء السوء الذين كانوا في الأمم السابقة.

 دعاة على أبواب جهنم (2/ صفحات الكتاب 128)

ونرى أن التشهير بهم واجب شرعا، فلا يمكن للناس أن يتدينوا بالدين الأقوم الذي أرادهم الله أن يتدينوا به، وهم يرون كل حين من يحرضهم على الدين الأعوج، ويدعوهم إليه بكل الوسائل.

ولسنا مبتدعين في هذا السلوك، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حذرنا من علماء السوء، وأخبر أنهم سبب الفتن، فقال: (إنَّ أخوف ما أخاف على أمَّتي كلّ مُنافق عليم اللِّسان)(1)، وقال: (إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الأئمَّة المضلُّون)(2)، وقال: (يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليست قراءتكم الى قراءتهم شيئا، ولا صلاتكم الى صلاتهم شيئا، ولا صيامكم الى صيامهم شيئا، يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية)(3)

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا ألا نقف مكتوفي الأيدي أمامهم، بل دعانا إلى استعمال كل الوسائل للتحذير منهم، ففي الحديث:: (يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون

__________

(1) رواه الطبراني في الكبير والبزار ورواته محتج بهم في الصحيح.

(2) رواه أحمد وغيره.

(3) رواه مسلم وابو داود وابو عوانة.

 دعاة على أبواب جهنم (3/ صفحات الكتاب 128)

يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شر الخلق والخليفة)(1)

وتفعيل هذه الأحاديث في الحياة يدعونا إلى البحث والتحقيق عنهم بدقة، وعزل كل ما كتبوه أو دعوا إليه، حتى لا يتشوه دين الله الجميل بأهوائهم وفتنهم.. لأن ذلك لا يقل عن البحث عن الرواة السوء الذين كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لم يكونوا أخطر منهم، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21]

ولهذا، فإنا في هذه المقالات حاولنا أن نربط بين ما ورد في القرآن الكريم من حديث عن علماء السوء، وأدوارهم التخريبية في الأمم السابقة، وكيف ورث علماء السوء من هذه الأمة تلك الخلال، وراحوا ينفذونها بدقة.

وأول ما قاموا بتنفيذه لتصلح خططهم التخريبية أنهم وضعوا لأنفسهم حصانة تحميهم من النقد والرد والتحذير.. وأن لحومهم مسمومة، فكل من أكل منها مات، وكل من اقترب من ساحتهم سيعذب لا محالة، وستصيبه أنواع الآفات في الدنيا والآخرة..

__________

(1) رواه ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والطبراني في الكبير والحاكم.

 دعاة على أبواب جهنم (4/ صفحات الكتاب 128)

وقد آتت تلك التحذيرات دورها للأسف، فالكثير يتجرأ على القرآن الكريم، فيعطله، ويشوهه، ويغير معانيه، ويتجرأ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيحوله إلى ما شاء له هواه.. لكنه إن جاء إلى أولئك العلماء تجده جاثيا بين أيديهم، ساجدا لهم، لا يتجرأ على أن ينبس ببنت كلمة في حقهم.. وهذا هو الشرك بعينه، والذي قال الله تعالى فيه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165]، وقال: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ} [إبراهيم: 30]

انطلاقا من هذا، فإن المرحلة الأولى في التدين الصحيح تبدأ من التخلص من كل علاقة تربط المتدين بهذا الصنف من العلماء والدعاة، لأنهم الحجاب الأكبر الحائل بين الخلق والحق..

والمرحلة الثانية تنطلق من تحطيم هذه الأنداد التي صارت تعبد من دون الله، فلا يكفي أن يتدين المرء في نفسه، وهو يرى المخربين يشوهون دين الله، ويقضون عليه، وهو يتفرج، وكأن الأمر لا يعنيه.

والكثير للأسف من هؤلاء الساكتين ينطلقون من رعاية مصالحهم الشخصية، لأنهم يخافون أن يصطدموا مع المجتمع الخاضع لسيطرة علماء السوء، أو يخافوا أن يجرحوا أو يصنفوا أو يحجر عليهم..

 دعاة على أبواب جهنم (5/ صفحات الكتاب 128)

وكل هذه المخاوف لا قيمة لها، لأن من ضريبة التواصي بالحق التواصي بالصبر، ومن ضريبة النهي عن المنكر تحمل أذى أصحاب المنكر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصف ذلك: (سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: يا رسول الله وما الرويبضة؟ قال: (الرجل التافه ينطق في أمر العامة)(1)

__________

(1) رواه أحمد وابن ماجة.

 دعاة على أبواب جهنم (6/ صفحات الكتاب 128)

اللاهثون

من أصناف الدعاة إلى جهنم، والذين ذكرهم القرآن الكريم، وبين خطرهم من يمكن أن يطلق عليه لقب (اللاهثين)، وهو وصف قرآني دقيق لصنف من الناس ركن إلى الدنيا، واتبع هواه، وصار يبحث عن الجماهيرية والشهرة والمنصب والمال.. وصار كل همه من تلك الآيات التي حفظها، والعلوم التي درسها أن يقتنص قلوب الناس وجيوبهم ليرضى هواه ونزوته وغرائزه..

لن أستعجل فأصف هذا الداعية المجرم، وإنما أترك القرآن الكريم الذي لا تفنى عجائبه ليقوم بذلك، يقول تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175، 176]

سيرجع الكثير منكم إلى كتب التفسير، ويقولون لي: ويلك.. هذه الآيات نزلت في بلعم بن باعوراء.. ذلك الشقي الذي وصفه مالك بن دينار، فقال: (كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة، يقدمونه في الشدائد، بعثه

 دعاة على أبواب جهنم (7/ صفحات الكتاب 128)

نبي الله موسى إلى ملك مدين يدعوه إلى الله، فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى، عليه السلام)(1)

وبعضهم يقول لي هو أمية بن الصلت.. فقد (اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة، ولكنه لم ينتفع بعلمه، فإنه أدرك زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته، وظهرت لكل من له بصيرة، ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم، ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة)(2)

وأنا لن أرد عليهم.. ولن أكذب ما قالوا، فالآيات الكريمة تصدق على بلعم بن باعوراء، وعلى أمية بن الصلت.. لكني فقط أريد أن أضيف مصداقا آخر لشخص رأيته بعيني، وسمعته بأذني.. هو أشبه الناس ببلعم وأمية.. وليس هناك من فرق بينهما إلا أن صاحبي من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. والآخران من غيرها من الأمم.. وهذا ليس فرقا مهما، فالعدالة الإلهية المطلقة لا تفرق بين أمة وأمة.. {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123]

__________

(1) تفسير ابن كثير (3/ 507).

(2) تفسير ابن كثير (3/ 507).

 دعاة على أبواب جهنم (8/ صفحات الكتاب 128)

طبعا هذا المصداق الجديد الذي سأذكره لكم، ليس هو البلعم الوحيد، أو اللاهث الوحيد، بل يمكنكم أن تضيفوا بلاعم جددا، لنخرج موسوعة للاهثين الذين انسلخوا من القيم التي جاء بها دينهم.. وركنوا إلى الدنيا.. واتبعوا أهواءهم.. وقدموا الخدمات الجليلة للمشروع الشيطاني في تدمير الإنسان، وتدمير كل هدي يرفع الإنسان.

كان تاريخ اكتشافي لتفعيل تلك الآية الكريمة، وتشرفي برؤية أخ من إخوان بلعم بن باعوراء وأمية بن الصلت يعود إلى حوالي عشر سنوات من اليوم.. ومن ذلك الحين وأنا أرى اللاهثين يزداودون كل يوم عددا وعدة وركونا.. وكل يوم أراهم، وهم يوظفون في كل مشاريع التخريب التي تمر بها أمتنا..

وطبعا لن أقص عليكم الأحداث الواقعية بتفاصيلها، ولن أسمي لكم أي اسم.. فذلك لن يفيدكم.. وقد يضرني.. وإنما سأقص عليكم روح ما رأيت، واحكموا بما شئتم.

في قريتنا المتواضعة كان لنا إمام بسيط ومحترم.. كان في كل جمعة يقدم لنا بعض المواعظ التي استطاع تحضيرها طيلة الأسبوع.. كان يحثنا فيها على التقوى والصدق وحسن الخلق.. وكان يذكرنا كل حين بمصيرنا الأبدي.. ويرسم لنا خارطة مفصلة بذلك.. وكان أكثر الناس يرضون بذلك، ويتأثرون

 دعاة على أبواب جهنم (9/ صفحات الكتاب 128)

به على الرغم من أنه لم تكن للإمام تلك الفصاحة التي يظهر بها الخطباء على شاشات التلفاز..

لكنه ولتواضعه وأدبه وعفافه وزهده واهتمامه بأداء وظيفته على أحسن ما يكون كان محبوبا عند عوام الناس، ولذلك كان الكثير منهم يعينه في تنظيف المسجد، وفي تنظيم الأطفال الذين يداومون على الحضور لحفظ القرآن الكريم.. وغير ذلك من الخدمات التي يحتاجها المسجد.

ظللنا فترة على هذه الصفة إلى أن ظهر فينا بعض الأغنياء ورجال الأعمال الذين بدا لهم فجأة أن يجمعوا بين المال والدين.. وقد فرحنا بهم في مسجدنا كثيرا.. خاصة وأنهم غيروا الزرابي العتيقة، وأبدلوها بزرابي جديدة، ثم غيروا دورات المياه.. ثم غيروا صباغة المسجد، وأضافوا الكثير من الزخارف فيه.. وقد بالغوا في ذلك قليلا لأن الكثير من أهل القرية استبدلوا الجلوس الهادئ في المسجد للذكر أو القراءة بالتجول في أنحائه ورؤية الزخاف والألوان والتعجب منها ومن جمالها.

مهما كان ذلك، فقد كنا راضين عن هؤلاء، ندعو لهم كل حين بالثبات، وبأن يبارك الله في أموالهم.. وكان إمام المسجد يفعل ذلك كل جمعة.. فكلما قدموا خدمة من الخدمات ذكرهم وشكرهم ودعا لهم..

 دعاة على أبواب جهنم (10/ صفحات الكتاب 128)

لكن هؤلاء الأغنياء لم يكفهم أن يغيروا الحالة المادية للمسجد، وإنما أرادوا أن يضيفوا إلى القرية أشياء جديدة لم تكن تخطر على أعيان القرية وكبارها على بال..

في ذلك الاجتماع الذي ضم بعض الأغنياء من رجال الأعمال مع شيخ من كبار أهل القرية وأعيانها جرى هذا الحوار:

الغني: لقد مللنا من خطب هذا الإمام.. ففي كل مرة يعيد نفس الكلمات، ويردد نفس المعاني..

الشيخ: وماذا تريده أن يقول.. وهل الدين سوى ما يردده.. إنه يذكرنا بالتقوى والصدق والإخلاص وبإقامة الصلاة.. وأداء الواجبات.. ألا ترى هذا كافيا؟

الغني: بلى.. ولكن الناس يحبون التجديد.. يحبون أن يسمعوا كل مرة شيئا لم يسمعوه من قبل.

الشيخ: وهل طبق الناس ما قاله حتى يطلبوا منه الجديد؟

الغني: أنت لم تفهمني.. نحن الآن في واقع مختلف.. وهناك الكثير من الدعاة الكبار الذين بهروا العالم بفصاحتهم وبلاغتهم وخطبهم.. فهم اليوم هنا.. وغدا في أمريكا.. وبعد غد في أوروبا.. وهم يظهرون على القنوات الكثيرة يفتون، ويخطبون..

 دعاة على أبواب جهنم (11/ صفحات الكتاب 128)

الشيخ: عجبا.. هل هذا صحيح؟

الغني: أجل.. مشكلتك يا شيخ أنك إلى الآن لا تزال تعيش القرون الوسطى.. فليس في بيتك تلفاز.. وحتى المذياع البسيط الذي تملكه ليس فيه إلا القناة المحلية اليتيمة، ولهذا لا تعرف العالم والتغيرات التي تحصل فيه كل يوم.

الشيخ: أنا لم أتعجب من تنقلاتهم وخطبهم وإنما أتعجب من قدرتهم على الجمع بينها وبين التحضير للخطب والفتاوى.. فلا يمكن لشخص أن يتكلم في الدين إلا بعد البحث والنظر والاجتهاد.. ألا ترى إمامنا كيف يبقى أسبوعا كاملا يحضر في الكلمات القليلة التي يريد أن يقدمها لنا.. وفوق ذلك يأتيني ويعرضها علي قبل تقديمها.. ويستشيرني في كل كلمة يريد أن يطرحها.

ضحك الغني، وقال: ولم ذلك؟

الشيخ: لقد ذكر لي الإمام أنه يخاف أن يكون سببا في أي فتنة قد تحصل في القرية.. ولذلك يراعي كل كلمة يقولها، وكل معنى يشير إليه.. وإذا ما استفتاه أي واحد منا تجده يذهب إلى الكتب المختلفة، ويسأل من يثق فيهم من المشايخ.. ثم لا يجيب إلا بعد أن يدرس الفتوى من جميع الجوانب.

الغني: ذلك لجهله ومستواه الضعيف.

 دعاة على أبواب جهنم (12/ صفحات الكتاب 128)

غضب الشيخ، وقال: بل ذلك لورعه وتقواه.. فالدين ليس لهوا ولعبا بحيث يمكن لأي شخص أن يتحدث فيه..

الغني: لا بأس.. أنا لا أنكر أن إمامنا يحفظ القرآن الكريم حفظا متقنا.. ولهذا يملأ خطبه بترديد آياته.. ولا أنكر أنه درس العلوم الشرعية، ويفهمها.. ولكن هناك أشياء أخرى يحتاجها الناس غير هذه الأمور.

الشيخ: مثل ماذا؟

الغني: الناس يحتاجون إلى رجل فصيح بليغ يملأ خطبه بالمحسنات البديعية.. ويقرأ لهم كل حين أبياتا من الشعر العذب.. ويخلط معهما بعض الأحداث والقصص.. وغيرها.. وكل ذلك مما يؤثر في الناس ويجعلهم يتدينون التدين الصحيح.

الشيخ: أتتهم دين الناس.. أنت تراهم بحمد الله يحرصون على الصلاة، ويؤدون الزكوات، وإذا ما أصاب أحد منا فاقة هرعوا إليه يواسونه بحسب ما أطاقوا.. نعم هم ليسوا بالمستوى المطلوب.. ولكن لهم بحمد الله من الصدق والإخلاص ما يغفر لهم ما قد يقعون فيه من أخطاء.

الغني: لن أجادلك في هذا.. وأنا وإخواني لم نأتك لأجله.. وإنما جئناك لأجل أمر نرجو أن توافقنا عليه.

 دعاة على أبواب جهنم (13/ صفحات الكتاب 128)

الشيخ: ومنذ متى خالفتكم.. إن كان في الأمر مصلحة للقرية، فأنا وجميع القرية في خدمتكم.

الغني: نحن نريد أن نستضيف بعض الدعاة الكبار ممن يظهرون على القنوات الفضائية ليلقي خطبة في مسجدنا.

الشيخ: ولم يا بني.. ما دام هذا الشيخ يظهر في القنوات الفضائية.. فما الحاجة لإرهاقة وإحضاره.. يمكن للناس أن يشاهدوه عليها؟

الغني: أنت تعرف أن الخبر ليس كالعيان.. وأن من رأى ليس كمن سمع.

الشيخ: صدقت في هذا.. ولكن ألا ترى أن ذلك قد يفتن الناس.. فهم الآن راضون عن إمامهم، ويبكرون لسماع خطبه، ويستفيدون منها.. فإذا ما جاءهم بعد ذلك من يكون في أعينهم أفضل من إمامهم، زهدوا فيه، ورغبوا عنه، وأضر ذلك بهم..

الغني: لا تقل هذا.. فالناس يحبون التنوع.. وسوف لن يزهدوا في إمامهم، وسوف يظلون يستفيدون منه.. فلا تخف ولا تفزع، ولا تعطي الأمر كل هذا التضخيم.

الشيخ: لست أدري ما أقول لكم.. ولكن أتعلمون التكاليف المادية التي يتطلبها إحضار هذا الشخص؟

 دعاة على أبواب جهنم (14/ صفحات الكتاب 128)

الغني: لا عليك.. هذا نتحمله نحن.. وسوف نطلب من أهل القرية أن يقدموا له بعض ما يطيقون من هدايا.. فمن الحرج أن نستضيف عالما كبيرا، ثم يخرج من عندنا صفر اليدين.

الشيخ: إن كنتم تريدون بهذا العمل وجه الله.. فهناك الكثير من الفقراء.. وأولهم إمامنا.. ألا تعلمون أنه عمل عملية لابنه، كلفته مالا كثيرا، باع لأجله كل ما يملك، واستدان فوق ذلك مالا كثيرا.. ولم يخبرنا خشية أن يحرجنا.. ولم أعلم ذلك إلا قبل فترة قصيرة.. فهلم بتلك الأموال نقدمها لهذا الإمام ليسد ديونه، ويترك التقشف الذي يعيشه..

الغني: ألا تعلم أن هذا الإمام يتقاضى مرتبا من الدولة.. حسبه به.. وليحمد الله أنه ينال مرتبا على عمل هين كعمله..

الشيخ: لست أدري ما أقول لكم.. ولكني أشعر أن قريتنا الهادئة البسيطة لن تبقى هادئة أو بسيطة.. أشعر بالطوفان يكاد يغمرها.. والنيران تكاد تحرقها..

الغني: هكذا أنتم دائما.. كلما نريد أن نتقدم إلى الأمام تعيدوننا إلى الخلف.

الشيخ: أجيبوني.. ألستم تريدون أن تصرفوا مالكم في سبيل الله، وتبحثون عن عمل خيري لذلك؟

 دعاة على أبواب جهنم (15/ صفحات الكتاب 128)

الغني: بلى.. وإلا فما حاجتنا لتضييع أموالنا.

الشيخ: فأنا أدلكم على عمل خير يمكنه أن يخدم القرية خدمة جليلة.

الغني: ما هو؟

الشيخ: دعكم من المسجد.. ومن دين الناس.. فالدين لا يحتاج إلى كل تلك التكاليف التي تكلفون بها أنفسكم.. هناك أمر نحتاجه في قريتنا.. وبسببه يوقف الآباء أبناءهم عن الدراسة.

الغني: وما هو؟

الشيخ: أنتم تعلمون أنه لا توجد ثانوية بقريتنا.. ولذلك يضطر أبناؤنا إلى السفر إلى المدينة، والمعاناة كل يوم لأجل الدراسة.. والكثير منهم ينقطع عنها بسبب ذلك.. فلو أنكم أنفقتم أموالكم في شراء بعض الحافلات التي توصل التلاميذ، ويكون لكم شيء من ريعها، ويكون لكم فوق ذلك أجر عظيم.

الغني: ذلك شيء آخر.. وهو ليس بالأهمية التي يكتسيها إحضار الداعية الذي ذكرناه لك..

لم يجد الشيخ إلا أن يتركهم.. وهو يردد بحزن قوله تعالى: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 44]

 دعاة على أبواب جهنم (16/ صفحات الكتاب 128)

ما هي إلا أيام قليلة حتى رأينا إعلانات كثيرة معلقة في كل مكان.. في قريتنا وغيرها من القرى المجاورة.. وعليها صورة للداعية الذي تحدثوا عنه، وأمامها دعوة لحضور خطبة له يقدمها في المسجد.. وأمامها طلب بسيط من الناس أن يكرموا الداعية بما يطيقون باعتباره ضيفا على القرية، وأنه لا ينبغي أن يأخذ عنها أي صورة سيئة.

وجاء اليوم الموعود، وحضر الداعية الكبير في موكب ضخم من السيارات.. وكان معه كاميرات وأجهزة صوت وإضاءة وغيرها.. فتعجبت من ذلك.. وزال عجبي حين علمت أن لهذا الداعية قناة فضائية، وأنه يسجل كل صغيرة وكبيرة يفعلها، ثم يبثها على قناته الفضائية التي تستقطب الملايين من الناس.

وصعد المنبر وخطب خطبة بليغة مملوءة شعرا وسجعا ومحسنات بديعية..

وقد رأى أهل قريتنا لأول مرة شخصا يلهث وهو يخطب.. فقد تعودوا على إمامهم الذي كان يقرأ خطبته من الورقة بهدوء وتؤدة من دون أي تكلف أو معاناة.. لكن هذا الخطيب الكبير كان يرفع صوته مرة، ويخفضه أخرى.. ويقرأ الشعر بطريقة خاصة.. ويسرد القصص بطريقة مختلفة.. ويلهث بين ذلك كله كما تلهث الحيوانات التي ذكرتها الآية الكريمة.

 دعاة على أبواب جهنم (17/ صفحات الكتاب 128)

وقد لاحظت أن الفريق الذي حضر معه كان يسجل كل ما يحصل مع الشيخ، فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصوها إلا أمرا واحدا لم أرهم يسجلونه، ولكني سجلته بدقة في ذاكرتي، وحزنت بسببه كثيرا.

بعد أن انتهى من خطبته اجتمع الناس حوله، وأولهم الأغنياء ورجال الأعمال، ثم راحوا يصطفون ليقدموا له الهدايا، ويأخذون صورا معه..

كانت الهدايا كثيرة جدا.. وغالية جدا.. وكان في إمكانها أن توفر للقرية الكثير من الحاجات التي تفتقر إليها..

ولكنه لجشعه لم يكتف بها، لقد طلب من أهل القرية البسطاء أن يجمعوا المال لقناته الفضائية، والتي تفتقر كل شهر إلى مبلغ كبير من المال لتسديد حقوق الموظفين، والأقمار الصناعية، وغيرها..

وبالفعل جمع أهل القرية وخاصة أغنياءهم له من المال ما أطاقوا.. واستمروا على ذلك فترة طويلة.. وقد توقف بسبب ذلك دعمهم للجمعية الخيرة الوحيدة في القرية.

لم يكن هذا هو المشكل الوحيد الذي تسبب فيه هذا اللاهث.. لقد حصل ما هو أخطر من ذلك.

 دعاة على أبواب جهنم (18/ صفحات الكتاب 128)

في الجمعة التي تلت حضور اللاهث كان عدد الحضور لخطبة الإمام قليلا جدا.. وبدأ العدد يقل ويقل إلى أن لم يبق مع الإمام سوى بعض الشيوخ الكبار.

ثم أسس الشباب مع الأغنياء مسجدا آخر.. وأحضروا له داعية تتلمذ على القناة الفضائية التي يديرها اللاهث..

وبدأ الخراب يعم القرية.. وبدأ الطوفان يغزوا بيوتها.. فصار الناس مثل جمر الغضا ممتلئين حقدا بعضهم على بعض.. وأصبحت المنابر الطاهرة محلا للعواصف والزوابع والأعاصير، وافتقد الناس الهدوء والسلام والطمأنينة..

ثم ما هي إلا فترة قصيرة حتى أعلنت الحرب.. واحترقت القرية بأهلها وخطبائها ومساجدها..

أما اللاهث.. فلم يسمع بما جرى.. وإنما كان ينتقل من قرية إلى قرية، ومن بلد إلى بلد يأخذ الهدايا والتحف، ويخلف العواصف والأعاصير.

 دعاة على أبواب جهنم (19/ صفحات الكتاب 128)

الفرحون

من أخطر أصناف الناس الذين وقفوا في وجه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - كما يذكر القرآن الكريم - من يمكن أن نطلق عليه لقب (الفرحين)

وهو لقب يمكن اشتقاقه بسهولة من قوله تعالى عند حكاية مواقف القرى من أنبيائها: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83]

وهي تعني بمنطوقها كما يقول ابن كثير: (لما جاءتهم الرسل بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين الدامغات، لم يلتفتوا إليهم، ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل)(1)

وتعني بمفهومها معاني كثيرة نراها في واقعنا.. لا من اللادينيين أو الملاحدة أو الحداثيين فقط.. وإنما من الذين يحسبون أنفسهم من أتباع الأنبياء، بل من الدعاة إليهم، بل من الناطقين باسمهم.

فمنهم الكثير من الذين يفرحون بهذه النسبة، ويغترون بها، ويتصورون أنها كافية للنجاة، بل لتسلم أرقى مدارج الفوز والفلاح.. ناسين أن الله سبحانه وتعالى أخبر عن سنته في خلقه، وأنه كما اختبر أقوام الأنبياء، سيختبر

__________

(1) تفسير ابن كثير (7/ 160).

 دعاة على أبواب جهنم (20/ صفحات الكتاب 128)

أتباعهم.. وأنه كما سقط في الاختبار أقوام الأنبياء، فيمكن أن يسقط في الاختبار من يزعمون أنهم أتباعهم.

فسنة الله في عدله واحدة، لا يفرق بين قوم وقوم، وبين ملأ وملأ، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 214]، وقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16]

ولذلك من الأجدى لنا، ولعافيتنا في الدنيا والآخرة، وحتى لا نسقط في هذا الاختبار العظيم أن نبحث عن مصاديق تلك الآية الكريمة في نفوسنا ومجتمعاتنا قبل أن نلصقها بقوم هود أو قوم صالح.. ونكتفي بذلك.

وسأحكي لكم حكاية عن أحد هؤلاء الدعاة الكبار الذين يحسبون أنفسهم دعاة إلى الجنة، بينما هم - بالتصنيف القرآني - ليسوا سوى إخوان أو توائم لأولئك الذين واجهوا الرسل، وحاربوهم، واكتفوا بما عندهم من العلم، واغتروا به.

وطبعا لن أذكر لكم اسمه.. حتى لا تتصوروا أنني أخصص الحقائق القرآنية بالأسماء، فالقرآن أسمى من أن يخصص أو يقيد أو تغل معانيه بقيود التأويل والتفسير..

 دعاة على أبواب جهنم (21/ صفحات الكتاب 128)

لم يكن الداعية من قريتنا البسيطة المتواضعة، وإنما كان من مدينة من المدن الكبرى، وكان يجالس الأمراء والملوك، ويأكل أصناف الطيبات معهم، وكان أحب الطعام إليه المضيرة (1).. وما أدراكم ما المضيرة..

وقد صار له بفضل الهدايا وأخواتها قصر كقصور الأمراء، وخدم كخدمهم.. وجشع لا يختلف كثيرا عن جشعهم.

وكان الذي دعاه إلى قريتنا نفر من الناس.. قد يطلق عليهم بالمصطلح القرآني لقب (الملأ).. فقد كانت لهم ثروة وجاه وعلاقات كبرى ببعض البلاد التي تصدر الذهب الأسود، وتصدر معه فهمها الأسود للدين والحياة.

وسبب دعوتهم له – كما علمت ذلك من مصادر موثوقة - أنه ظهر في قريتنا بعض طلبة العلم ممن تحررت عقولهم من قيود التقليد، فراحوا يحققون في تعاليم الدين ليميزوا الإسلام الأصيل من الإسلام الدخيل، وليفصلوا بين الخبيث والطيب.. وقد استنتجوا من خلال بحثهم الطويل والمعمق أنه لا يمكن للإسلام الأصيل أن تقوم قائمته من غير استئصال لمنابع الخبث التي حرفت الدين، وحولته عن مساره الصحيح.. وقد صادفوا في أثناء بحثهم

__________

(1) هي أن يطبخ اللحم باللبَن البحت الصَّريح الذي قد حَذَى اللسان حتى يَنضَجَ اللحم وتَخثُرَ المضيرة.. وقد كان معاوية يقدمها للمقربين منه.

 دعاة على أبواب جهنم (22/ صفحات الكتاب 128)

حديثا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انطلقوا منه، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية)(1)

وقد راحوا يبحثون في مصداق هذا الحديث عبر المناهج المختلفة، فاستقر رأيهم بعد البحث والتنقيب على أن معاوية هو الشخص الوحيد الذي تصدق عليه جميع المواصفات التي وردت في الحديث..

فراحوا لذلك يبحثون في سيرته، وتشويهاته للدين.. وقد أثار ذلك حفيظة الملأ من أهل قريتنا، فحذروهم بكل صنوف التحذير، وكلفوا خطباء المساجد بأن يخطبوا الخطب الطويلة في فضائل معاوية وخدماته للدين..

__________

(1) قال الألباني في (السلسلة الصحيحة) 4/ 329: أخرجه ابن أبي عاصم في (الأوائل): حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا عوف عن المهاجر أبي مخلد عن أبي العالية عن أبي ذر أنه قال ليزيد ابن أبي سفيان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير المهاجر وهو ابن مخلد، أبو مخلد، قال ابن معين: (صالح). وذكره ابن حبان في (الثقات).. قلت: فمثله لا ينزل حديثه عن مرتبة الحسن. والله أعلم. ولعل المراد بالحديث تغيير نظام اختيار الخليفة، وجعله وراثة. والله أعلم)

 دعاة على أبواب جهنم (23/ صفحات الكتاب 128)

ولكن كل ذلك لم يجدي.. فقد كانت المعاني والأدلة التي وصل إليها الباحثون المتحررون أكبر من أن ترد عليها تلك الخطب الممجوجة المملوءة بالجعجعة التي لا طحين فيها.

فاستقر رأيهم أن يجمعوا من المال ما أطاقوا، ويحضروا بعض الدعاة النجديين الكبار.. ممن لهم صيت وعلم.. لعلهم يفيدون القرية، ويحرروها من أفكار المتحررين.

وجاء اليوم الموعود، وتزينت القرية بكل أصناف الزينة، وحضرت أطباق المضيرة ليتناولها الناس جميعا، لعلها تحدث فيهم من التأثير ما أحدثته في الأيام الخوالي.

واجتمع الناس حول الداعية النجدي الكبير، والذي بدأ حديثه بقراءة قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]

وكنا نتصور أنه سيحدثنا عن الصحابة الذين اتفقت عليهم الأمة جميعا بسنتها وشيعتها، والذين توفرت فيهم كل هذه الخصائص بدقة عالية.. وبذلك ينتفي الخلاف، وتزول الفتنة..

 دعاة على أبواب جهنم (24/ صفحات الكتاب 128)

لكنه أبى إلا أن يجعل هذه الآية الكريمة، وكأنها نزلت خصوصا في معاوية بن أبي سفيان، وقد توسل لذلك بكل أنواع الحيل والدهاء التي استفادها من الشخص الذي يدافع عنه.

بعد أن أنهى محاضرته قام بعض الحضور، وقد كان من الباحثين المتحررين الذين ذكرتهم لكم، فقال: لن أجادلك – يا شيخ - في الآية الكريمة.. وفي سبب نزولها.. فقد يكون معاوية أحدهم.. ولكني أريد أن أسألك عن حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فقد ذكر لنا أنك مختص في الحديث.

شعر الفارح بسرور عظيم، وقال: صدقت.. أنا مجاز في الكتب السنة وفي المسانيد والمعاجم والمستخرجات وكل ما تراه من كتب الحديث..

قال الرجل: بورك لك في إجازاتك وفي علومك..

قاطعه الفارح، وقال: نسيت.. لدي كذلك إجازات بشروح متون الحديث، فأنا أرويها عن أصحابها بسندي لا من خلال الكتب المطبوعة.. فلدي سند عال إلى النووي وابن حجر وابن بطال والشوكاني.. وكل من تراهم من المحدثين.. بالإضافة إلى أني نلت إجازة في جميع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وخصوصا كتابه (منهاج السنة)

 دعاة على أبواب جهنم (25/ صفحات الكتاب 128)

قال الرجل: بورك لك في كل ذلك.. ولذلك أرى أنك أحسن من سيحدثني عن هذا الحديث الذي طالما أرقني، وزرع الشبهات في نفسي.. وبسببه اتهمني بعض قومي بالمروق.. ولعلهم يكونون صادقين في ذلك.

قال الفارح: فهلم به..

قال الرجل: لقد قرأت حديثا عن ابن عباس يقول فيه: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتواريت خلف باب، قال: فجاء فحطأني حطأة وقال: اذهب وادع لي معاوية، قال فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي معاوية، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنه (1).. فما تقول في هذا الحديث؟

شعر الفارح ببعض الغيظ من السؤال، لكنه تمالك نفسه، وقال بكل برودة: نعم الحديث صحيح.. فقد رواه مسلم.

ضجت القاعة، وأخذ الحضور ينظر بعضهم إلى بعض، ويتساءلون: هل حقا هذا الحديث صحيح؟.. وهل كانت كل تلك الفضائل التي ذكرها في شخص هذه صفاته..؟ وهل يجرؤ أحد من الناس على عدم إجابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأجل بطنه؟.. كيف يستقيم هذا ونحن في آخر

__________

(1) رواه مسلم (2604).

 دعاة على أبواب جهنم (26/ صفحات الكتاب 128)

الزمان نجد من يبيع كل من يملك لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويتحمل في سبيل ذلك كل أنواع المعاناة؟

ضرب الفارح بيده على الطاولة التي يجلس عليها، وهو يقول: اصبروا.. فللحديث وجوه من التأويل والفهم لا يمكن لأي كان أن يدركها.. فهذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

لقد ظن بعض المبتدعة أن هذا الحديث من مثالب معاوية، بئس ما صنعوا، بل الحديث منقبة من مناقبه الكبرى، وخصيصة من خصائصه العظمى، فلم يدع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأحد بهذه الدعوة إلا معاوية.

وقد ورد في رواية الطيالسي في تأويل (لا أشبع الله بطنه) عن بعض السلف، وهو يونس بن حبيب قوله: (معناه والله أعلم: لا أشبع الله بطنه في الدنيا حتى لا يكون ممن يجوع يوم القيامة، لأن الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أطول الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة)

انظروا هذا الفهم السديد للحديث..

ومثله موقف الحافظ الجهبذ ابن كثير الذي كان مدركا وواعيا لقيمة هذا الحديث، ولذلك فهمه الفهم المناسب، فقد ذكر في (البداية والنهاية) عند ترجمته لخال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان قوله: (وقد انتفع معاوية بهذه

 دعاة على أبواب جهنم (27/ صفحات الكتاب 128)

الدعوة في دنياه وأخراه.. أما في دنياه: فإنه لما صار إلى الشام أميرا، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير، وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا، ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك.. وأما في الآخرة: فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة. أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة)

انظروا هذا الفهم السني السلفي لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وقد أيده النووي فقال: (وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيره من مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاء له)(1)

قام شيخ كبير من أعيان القرية، وقال: هل يمكنك سيدي أن تكرر لنا الحديث الأخير الذي ذكرته؟

أعاد الشيخ النجدي الحديث، فقال الشيخ: ألا ترى سيدي أن هذا الحديث لا يتناسب مع كرم أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. إن

__________

(1) المنهاج: (16/ 156).

 دعاة على أبواب جهنم (28/ صفحات الكتاب 128)

القرآن الكريم وصف لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]

وذكر رحمته ولطفه ولينه، فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]

بل إن الله تعالى سماه باسمين من أسمائه الحسنى، فقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]

بل إن الرواة الذين تعرفهم حدثونا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجاب من سأله: (هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟)، قال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله

 دعاة على أبواب جهنم (29/ صفحات الكتاب 128)

عليه وآله وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا)(1)

ونحن نتعجب: هل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يسارع إلى اللعن والدعاء على من يغضب عليه هو نفسه هذا الرؤوف الرحيم الذي لم يدعو على المشركين الذي بالغوا في إيذائه.

كان في إمكان النجدي لو لم يكن من الفرحين أن يتراجع بسهولة عن خطئه، وأن يفكر في الدليل، أو أن يشكر المتحدث، ويرحم كبر سنه، أو يعتذر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من السبة العظيمة التي رماه بها.

كان في إمكانه أن يفعل مثلما فعل السحرة عندما رأوا الدليل، فيسلم له.. لكنه لم يفعل.. ومثله لن يفعل..

بل راح يستعين بكل الشياطين ليرد عن هذه الحجة الدامغة، ولو بالتقليل من شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه.. فحرمة معاوية عنده أعظم من حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

تظاهر الفارح بالهدوء مع أنه في أعماقه كان كالمرجل، وراح يقول: ليس من السهولة لمثلك يا شيخ أن يورد مثل هذه الترهات.. فالدين لا يفهم

__________

(1) صحيح البخاري (4/ 115).

 دعاة على أبواب جهنم (30/ صفحات الكتاب 128)

بالعقل.. الدين أعظم من أن يكون كلأ مباحا لكل من هب ودب ليتكلم فيه..

أما الشبهة التي عرضتها، والتي يدندن حولها الضالون والمبتدعة فمن السهل الرد عليها.. وقد أجاب العلامة الألباني عليها بقوله في السلسلة الصحيحة (1/ 123 – 124): (قد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء إلى إنكار مثل هذا الحديث؛ بزعم تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتنزيهه عن النطق به! ولا مجال إلى مثل هذا الإنكار؛ فإن الحديث صحيح، بل هو عندنا متواتر؛ فقد رواه مسلم.. وتعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعظيما مشروعا، إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم صحيحا ثابتا، وبذلك يجتمع الإيمان به صلى الله عليه وآله وسلم عبدا ورسولا؛ دون إفراط ولا تفريط، فهو صلى الله عليه وآله وسلم بشر بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقا بنص الأحاديث الصحيحة، وكما يدل عليه تاريخ حياته صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته)

نظر إلى الحضور، وكأنه ينتظر تكبيرا على الحجة العظيمة التي أوردها، لكن أهل قريتنا البسطاء لم يفهموا منها شيئا، لأنه لم يكن فيها أي شيء.

لم يشأ شباب القرية المتحررون أن يجادلوه، بل راح أحدهم يسأله بقوله: لقد روينا في بعض كتب الحديث أن معاوية لما قدم المدينة لقيه أبو قتادة

 دعاة على أبواب جهنم (31/ صفحات الكتاب 128)

الأنصاري فقال: تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار فما منعكم أن تلقوني؟ قال: لم تكن لنا دواب، قال معاوية: فأين النواضح؟ قال أبو قتادة: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، ثم قال أبو قتادة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لنا إنا لنرى بعده أثرة، قال معاوية: فما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر حتى نلقاه، قال: (فاصبروا حتى تلقوه!)(1).. فهل الحديث صحيح؟

قال الشيخ النجدي: أجل.. ولدي فيه إسناد عال إلى مصنفه عبد الرزاق.. وقد ورد في كثير من مصادر الحديث كشعب الإيمان للبيهقي والاستيعاب لابن عبد البر وغيرها..

تعجب أهل القرية من الحديث، ومن إقراره بصحته، فقام بعض الشيوخ، وقال: ألا ترى سيدنا أن معاوية يستهزئ ويسخر من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للأنصار؟.. ألا ترى في قوله: (فاصبروا حتى تلقوه!) نوعا من الجحود واللامبالاة؟

قال الشيخ النجدي: أنا لا أرى شيئا من ذلك.. بل أراه داعية مصلحا هاديا.. فقد راح يذكر الأنصار بنصيحة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا ينسوها.

__________

(1) مصنف عبد الرزاق - (ج 11 / ص 60).

 دعاة على أبواب جهنم (32/ صفحات الكتاب 128)

قام شاب من المتحررين، وقال: ألا ترى سيدي أن الحديث يدل على أن لمعاوية موقفا سلبيا من الأنصار، وكتب الحديث والتاريخ تثبت أنه كان من أكبر مبغضي الأنصار، وله معهم مواقف كثيرة في قطع العطاء وذمهم وهجائهم وظلمهم والوصية بسفك دمائهم التي كان من نتائجها مجزرة الحرة؟

قال: بلى.. وما في ذلك.. فقد ناوؤوه وحاربوه وكانوا في صف أعدائه، والطبع العادي لأي إنسان هو أن يقف موقفا سلبيا ممن أظهر له العداوة.. والدين لم يأمرنا بأن نخرج عن طباعنا.

قال الشاب: ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر من علامات المنافقين بغض الأنصار، فقد ورد في الصحيحين قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الأنْصَار: (لا يُحِبُّهم إلاَّ مؤمن، ولا يبغضهم إلاَّ مُنافق، مَن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)

قال الفارح: الجواب على هذا سهل جدا، فمن حيث السند فإن هذا الحديث وإن روي في الصحيحين إلا أن من رواته عدي بن ثابت، وقد قال عنه أبو حاتم: صدوق، وكان إمام مسجد الشيعة وقاصّهم.. وقال عنه الإمام الذهبي في كتابه (الكاشف): (ثِقَة، لكنه قَاصّ الشيعة وإمام مسجدهم بالكوفة)

 دعاة على أبواب جهنم (33/ صفحات الكتاب 128)

وأما من حيث المتن، فالمراد هو بغض الأنصار لكونهم أنصارا، أو لأجل نصرتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا لأجل شيء آخر، وقد كان بغض معاوية لهم كما ذكرت لكم لأجل موقفهم من بيعته وبيعته ابنه يزيد.. وهو ولي الأمر، ويحتاج إلى ضبط الأمور.

قام شاب آخر، وقال: فقد ورد في أحاديث كثيرة في الصحاح ما يدل على أن معاوية كان يسب عليا ابن أبي طالب، وكان يأمر بسبه على المنابر، وقد ورد في الحديث ما يدل على أن مبغض علي من المنافقين، فقد روى أحمد عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)

وروى عن ابن عباس قال: بعثني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلى علي بن أبي طالب فقال: (أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة، من أحبك فقد أحبني، وحبيبك حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، الويل لمن أبغضك بعدي)(1)

__________

(1) فضائل الصحابة 2/ 642.

 دعاة على أبواب جهنم (34/ صفحات الكتاب 128)

وروي ما يدل على أن الصحابة كانوا يميزون المنافقين عن غيرهم بموقفهم من علي بن أبي طالب، وقد حدث جابر بن عبد الله قال: (ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار، إلا ببغضهم عليا)(1)

اغتاظ الفارح كثيرا من كلام الشاب، لكنه حاول أن يتدارك الموقف، فقال بابتسامة ساخرة: لم أراك أيها الشاب متحمسا هكذا؟.. الأمر أيسر بكثير.. ولو أنك قرأت ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية حول الأحاديث الواردة في هذا الباب، لعلمت أن الأمر لا يستحق كل هذه الحماسة.

أما من حيث السند، فقد ذكر شيخ الإسلام هذه الأحاديث، فقال: (أصح مما يروى عن علي، أنه قال: إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق)، فإن هذا من أفراد مسلم، وهو من رواية عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش عن علي، والبخاري أعرض عن هذا الحديث، بخلاف أحاديث الأنصار، فإنها مما اتفق عليه أهل الصحيح كلهم: البخاري وغيره، وأهل العلم يعلمون يقينا أن النبي قاله، وحديث علي قد شك فيه بعضهم (2))(3)

__________

(1) فضائل الصحابة 2/ 639.

(2) انظروا هنا التشكيك في حديث في صحيح مسلم، مع أنه لو فعل ذلك شخص آخر غير ابن تيمية لقامت عليه القيامة.

(3) منهاج السنة النبوية (7/ 147)

 دعاة على أبواب جهنم (35/ صفحات الكتاب 128)

وأما من حيث المتن: فقد قال شيخ الإسلام فيه: (علامات النفاق لا تختص بحب شخص أو طائفة ولا بغضهم، إن كان ذلك من العلامات. ولا ريب أن من أحب عليا لله بما يستحقه من المحبة لله، فذلك من الدليل على إيمانه، وكذلك من أحب الأنصار، لأنهم نصروا الله ورسوله، فذلك من علامات إيمانه، ومن أبغض عليا والأنصار لما فيهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله، فهو منافق.. وأما من أحب الأنصار أو عليا أو غيرهم لأمر طبيعي مثل قرابة بينهما، فهو كمحبة أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لا ينفعه عند الله ومن غلا في الأنصار، أو في علي أو في المسيح أو في نبي فأحبه واعتقد فيه فوق مرتبته فإنه لم يحبه في الحقيقة، إنما أحب ما لا وجود له، كحب النصارى للمسيح، فإن المسيح أفضل من علي.. وهذه المحبة لا تنفعهم، فإنه إنما ينفع الحب لله، لا الحب مع الله)(1)

قام الشاب، وقال: ما دام الأمر بهذه السماحة، وأنه كما قال ابن تيمية: (علامات النفاق لا تختص بحب شخص أو طائفة ولا بغضهم)، فلم تعتبرون الكلام في بعض الصحابة أو انتقادهم كفرا ونفاقا، وبسببه تخرجون طائفة كبيرة من الناس من الإسلام؟

__________

(1) منهاج السنة النبوية (7/ 148)

 دعاة على أبواب جهنم (36/ صفحات الكتاب 128)

امتعض الفارح، ولكنه نظر إلى الوجوه، وهي تحدق فيه وتنتظر جوابه، فقال: الأمر ليس كما تظن.. لتفهم هذا تحتاج إلى علوم كثيرة ليس الآن محل ذكرها.

قام شاب آخر، وقال: لقد ورد في الروايات الصحيحة سب معاوية لعلي بن أبي طالب (1)، بل قتاله له، فلم لم تطبق عليه أحكام سب الصحابة، أم أن ذلك خاص بعلي بن أبي طالب دون غيره؟

__________

(1) الأدلة كثيرة على ذلك، ومنها ما رواه مسلم في فضائل الصحابة رقم الحديث: (4420)، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب، فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي: من حمر النعم سمعت رسول الله يقول له خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ألا إنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: إدعوا لي علياً فأتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه ولما نزلت هذه الآية: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناًً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي.

 دعاة على أبواب جهنم (37/ صفحات الكتاب 128)

غضب الفارح، ولم يستطع أن يكظم غيضه، وقال بقوة: أشم في هذا المجالس رائحة الرفض، ورائحة الرافضة المنتنة.. هم وحدهم الذين يوردون أمثال هذه الترهات.. ولكني سأغيضهم بكلام عدوهم الأكبر شيخ الإسلام ابن تيمية، فهم يحترقون عند سماع كلماته.

نعم الطعن في أبي بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية كفر وزندقة وبدعة وضلال.. أما الطعن في علي بن أبي طالب، فلا حرج فيه، وليس كفرا ولا زندقة ولا بدعة ولا ضلالة.. بل قد يكون دليلا على السنة والصلاح والإمامة في الدين.. لقد اتفق على هذا كل سلفنا الصالح..

لقد ذكر شيخ الإسلام هذا، فقال: (إنّ الله قد أخبر أنّه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ودّاً، وهذا وعد منه صادق، ومعلوم أنّ الله قد جعل للصحابة مودّة في قلب كلّ مسلم، لا سيّما الخلفاء رضي الله عنهم ولا سيّما أبو بكر وعمر، فإنّ عامّة الصحابة والتابعين كانوا يودّونهما وكانوا خير القرون. ولم يكن كذلك عليّ فإنّ كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبّونه ويقاتلونه، وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - قد أبغضهما وسبهما الرافضة والنصيرية والغالية والإسماعيلية. لكن معلوم أن الذين أحبوا ذينك أفضل وأكثر، وأن الذين أبغضوهما أبعد عن الإسلام وأقل، بخلاف علي، فإن الذين أبغضوه وقاتلوه هم خير من الذين أبغضوا أبا بكر وعمر، بل شيعة عثمان

 دعاة على أبواب جهنم (38/ صفحات الكتاب 128)

الذين يحبونه ويبغضون عليا، وإن كانوا مبتدعين ظالمين، فشيعة علي الذين يحبونه ويبغضون عثمان أنقص منهم علما ودينا، وأكثر جهلا وظلما. فعلم أن المودة التي جعلت للثلاثة أعظم)(1)

وهكذا نجد شيخ الإسلام لا يتحرج من الطعن في علي بن أبي طالب، فيذكر في مواضع كثيرة من كتابه العظيم (منهاج السنة) أن إن علياً قاتل للرياسة، لا للديانة، وأن إسلام عليّ مشكَّك فيه لصغره سنه، وأن تواتر إسلام معاوية ويزيد بن معاوية أعظم من تواتر إسلام عليّ..

بل إن سلفنا الصالح حكموا بالعلم والإمامة في الدين لمن كانوا يتعبدون بلعن علي، ومنهم الثقة الكبير حَريز بن عثمان الرحبي الحمصي، وهو تابعي، حافظ، من رواة الحديث، أَخرج له البخاري والترمذي والنسائي وأبو داوود وابن ماجه، مع كونه كان (يشتم علياً على المنابر)(2)، وقال ابن حبان عند ذكره له: (كان يلعن علياً بالغداة سبعين مرة وبالعشيّ سبعين مرة، فقيل له في ذلك فقال: هو القاطع رؤوس آبائي وأجدادي)(3)

__________

(1) منهاج السنة النبوية (7/ 138)

(2) تاريخ بغداد، ج 8 ص 261..

(3) تهذيب التهذيب، ج 1 ص 465.

 دعاة على أبواب جهنم (39/ صفحات الكتاب 128)

انظروا مبرره، وارحموه، فكيف تريدون من رجل قام علي بن أبي طالب بقتل آبائه وأجداده أن يحبه..

بقي الفارح ينفث سمومه على علي بن أبي طالب ناسيا أنه جاء ليذكرنا بفضائل الصحابة، وخصوصا معاوية بن أبي سفيان.. إلى أن جف ريقه، وتوقفت الكلمات الممتلئة بالحقد في فمه.. فطلب ماء، فأحضروه له، فشربه، ثم أذن للحضور بالسؤال.

قام شاب من المتحررين، وقال: ما دام في الأمر فسحة، وأن دين الله يسع الناس جميعا، وأنه لا عبرة بالمواقف من أفراد الصحابة تعديلا أو تجريحا.. فلم هذا التشدد في الطاعنين في معاوية؟

قال الفارح: معاوية له ميزة خاصة عبر عنها سلفنا الصالح.. فقد قال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي: (معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه)(1)

ولمّا سئل الإمام أحمد: ما تقول رحمك الله فيمن قال: لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول أنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسَّيف غصْباً؟ قال

__________

(1) انظر أقوال السلف في معاوية في البداية والنهاية لابن كثير في ترجمة معاوية، ج 8، ص 130 - 139.

 دعاة على أبواب جهنم (40/ صفحات الكتاب 128)

الإمام أحمد: (هذا قول سوءٍ رديء، يجانبون هؤلاء القوم، ولا يجالسون، ونبيِّن أمرهم للناس)(1)

انظر خطورة من لا يقول عن معاوية أنه خال المؤمنين..

قام شاب، وقال: لأي سبب استحق هذا اللقب؟

قال الفارح: لأن أخته زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأم المؤمنين، وهو بالتالي خال للمؤمنين.

قال الشاب: أفيمكن بهذا الاعتبار أن نعتبر حيي بن أخطب أبا صفية - وهي أم من أمهات المؤمنين - ذلك الظالم المعتدي الذي أهدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دمه.. هل يمكن اعتباره جدا للمؤمنين؟

قال الفارح: طبعا.. لا.. فذلك كافر، ومعاوية مؤمن.. وفوق ذلك كان كاتبا للوحي (2).

__________

(1) السنة للخلال (2|434)

(2) يذكر كثير من المدافعين عن الظلمة والمشرعين للاستبداد أن معاوية أحد كتاب الوحي، وهو غير صحيح من الناحية التاريخية، فلم يثبت أنه كتب الوحي قط، بل كان كاتباً من كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فترة وجيزة.. وذلك لا يغني عن شيئا..

 دعاة على أبواب جهنم (41/ صفحات الكتاب 128)

قال الشاب: حتى لو فرضنا صحة كتابته للوحي.. فإنه لن يغني عنه من الله شيئا ألا تعلم أن هناك اثنين من كتبة الوحي قد ارتدا عن الإسلام؟

قال الفارح: أجل.. أما أحدهما، فهو عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وله قصة مفصلة في كتب الحديث عنه (1)

وأما الثاني.. فأعرف أن الأرض لفظته، فعن أنس قال: كان هنا رجل من بني النجار، وقد قرأ البقرة وآل عمران، كان يكتب للنبي - صلى الله عليه وسلم - فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه، قالوا: هذا كان يكتب لمحد، فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الارض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصحبت الارض قد نبذته وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصحبت الارض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذا (2)

قام شاب آخر، وقال: ما تقول شيخنا في الأخذ بأقوال الصحابة؟

قال الفارح: هم أفضل الناس من تمسك بهم هدي، ومن ابتعد عنهم ابتعد عن الصراط المستقيم..

__________

(1) رواه ابن أبي حاتم وابو الشيخ عن الضحاك والبيهقي، عن عروة عن حذيفة وعن ابن اسحاق..

(2) رواه البخاري ومسلم.

 دعاة على أبواب جهنم (42/ صفحات الكتاب 128)

قام شاب آخر، وقال: فإذا اختلف الصحابة في أمر.. فهل يجوز الأخذ بقول أحدهم؟

قال الفارح: أجل.. وقد ورد في بعض الآثار: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، وهو وإن كان ضعيف السند، فقد اتفق سلفنا على صحة معناه.

قال الشاب: فما موقف الصحابة من معاوية؟

قال الفارح: لعل أكبر دليل على توثيق الصحابة لمعاوية أن عمر رضيه واليا على ثغر من ثغور المسلمين.. فلو كان كافرا أو منافقا أو فاسقا أو غير مأمون الديانة، هل يقبل به عمر أميرا له على المسلمين، فإذا كان عمر لم يرض بكافر أن يكون كاتبا عند بعض أمرائه، فكيف يولي من هو كافر منافق؟!

وقد توقف عدد من العلماء عند موقف عمر هذا، وعدوه دليلا ظاهرا على إيمان معاوية وحسن سيرته، وفي هذا يقول الذهبي: (حسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم – وهو ثغر – فيضبطه ويقوم به أتم قيام ويرضى الناس بسخائه وحلمه وإن كان بعضهم تألم مرة منه وكذلك فليكن الملك)(1)

__________

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي (3/ 132)

 دعاة على أبواب جهنم (43/ صفحات الكتاب 128)

أما شيخ الإسلام، فقد ذكر الدلالات العميقة التي تدل عليها هذه التولية، فقال: (لما مات يزيد بن أبى سفيان في خلافة عمر استعمل أخاه معاوية، وكان عمر بن الخطاب من أعظم الناس فراسة وأخبرهم بالرجال وأقومهم بالحق، وأعلمهم به... ولا استعمل عمر قط، بل ولا أبو بكر على المسلمين منافقا، ولا استعملا من أقاربهما، ولا كان تأخذهما في الله لومة لائم، بل لما قاتلا أهل الردة وأعادوهم إلى الإسلام منعوهم ركوب الخيل وحمل السلاح حتى تظهر صحة توبتهم)(1)

قال الشاب: أجبني عن سبب نزول قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]

قال الفارح: على الخبير سقطت.. لهذه الآية الكريمة سبب نزول توارد المفسرون على ذكره، وخلاصته أن الحارث بن ضرار الخزاعي لما أسلم اتفق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبعث له - في وقت اتفقا عليه - جابياً يأخذ منه زكاة بني المصطلق، فخرج رسولُ رسولِ صلى الله عليه وآله وسلم لكنه خاف فرجع في منتصف الطريق، فاستغرب الحارث بن ضرار تأخر رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الوقت ذاته لما رجع الرسول

__________

(1) مجموع الفتاوى، ابن تيمية (35/ 65)

 دعاة على أبواب جهنم (44/ صفحات الكتاب 128)

إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا رسول الله! إن الحارث منعني الزكاة، وأراد قتلي، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعث إلى الحارث، فالتقى البعث الذين بعثهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع الحارث بن ضرار في الطريق، فقال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك! قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله! قال: لا والذي بعث محمداً بالحق، ما رأيته بتة ولا أتاني، فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟! قال: لا والذي بعثك بالحق، ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، خشيت أن تكون كانت سخطة من الله عز وجل ورسوله.. وقد رواه الإمام أحمد بسند لا بأس به، ويعضده الإجماع الذي حكاه ابن عبدالبر على أنها نزلت في هذه القصة.

قال الشاب: فكيف تستدل بتولية عمر لمعاوية على كونه ثقة، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو المعصوم، من خانه في ولايته، ولم يحسن التصرف فيها؟

قال الفارح: هذه أمور لا يمكنك أن تفهمها بسهولة.. فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان معصوما في تبليغ الدين، ولم يكن معصوما فيما

 دعاة على أبواب جهنم (45/ صفحات الكتاب 128)

عداه.. بينما كان للصحابة من الخبرة بأمور الدنيا ما جعلهم يرفعون لواء الإسلام، ويحققون الأمجاد العظيمة التي لا نزال نجني ثمارها.. انظروا إلى الفتوح العظيمة التي فتحوها..

بقي مدة يذكر فتوح الشام والعراق والمغرب، ويطنب في ذلك، وبعد أن أصابه الإرهاق من ترداد ذلك، قام شاب، وقال: لقد علمنا أن بعض كبار الصحابة طعن في معاوية بن أبي سفيان، بل اتهمه بعدم الإسلام أصلا.. فهل من جناح علينا إن قلنا بقوله؟

غضب الفارح، وقال: ويل لك.. من يتجرأ من الصحابة على أن يرمي خال المؤمنين بما ذكرت من العظائم؟

قال الشاب: لقد ورد ذلك بالأدلة الصحيحة القوية عن عمار بن ياسر (1)، و..

__________

(1) مما ورد عن عمار بن ياسر في هذا ما رواه الطبراني عن سعد بن حذيفة بن اليمان قال: قال عمار بن ياسر يوم صفين وذكر أمرهم وأمر الصلح فقال: والله ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما رأوا عليه أعواناً أظهروه)! قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج 1/ 118): (رواه الطبراني في الكبير وسعد بن حذيفة لم أر من ترجمه!) مع أن ترجمته موجودة في طبقات ابن سعد وتاريخ البخاري وتاريخ ابن أبي خيثمة وكتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم وفي ثقات ابن حبان وغيرها.

 دعاة على أبواب جهنم (46/ صفحات الكتاب 128)

قاطعه الفارح غاضبا، وقال: لا عبرة بما يقول عمار بن ياسر، فقد كان من المحاربين لمعاوية، وقد حمله الغضب على أن يقول ما قال..

قال الشاب: ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال عنه: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)، وهو متواتر.. ومثله حديث (قاتل عمار وسالبه في النار)، وله أسانيد قوية، وقد صححه الألباني، ولا ريب أن من وضع الجائزة لمن يأتي برأس عمار هو مشارك في القتل.

قال الفارح: مشكلتك أيها الشاب أنك لا تطالع، فلو قرأت ما قاله ابن كثير في الحديث لفهمت منه فهما مغايرا تماما، فهو أقرب إلى مدح معاوية منه إلى ثلبه.. لقد قال ابن كثير في شرحه للحديث: (وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن عمار أنه تقتله الفئة الباغية، وقد قتله أهل الشام في وقعة صفين، وعمار مع علي وأهل العراق.. وقد كان علي أحق بالأمر من معاوية.. ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم، كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم، لأنهم، وإن كانوا بغاة في نفس الأمر، فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال، وليس كل مجتهد مصيبا، بل المصيب له أجران، والمخطئ له أجر)(1)

__________

(1) البداية والنهاية، (4/ 538).

 دعاة على أبواب جهنم (47/ صفحات الكتاب 128)

انظر كيف أثبت ابن كثير أن لمعاوية وجيشه أجرا على تلك الحرب التي أقاموها في وجه علي.

قال الشاب: فما تقول في تتمة الحديث: (يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)؟

قال الفارح: لقد رد ابن كثير على هذا، فقال: (فإن عمارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة، وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعا على كل قطر إمام برأسه، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة، واختلاف الأمة، فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه)

قال الشاب: ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند ذكره لتلك النبوءة، لم يكن إلا مبلغا عن الله، وقد أخبر أن عمارا يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار..

تظاهر الفارح بالهدوء، وقال: أولا يجب إحسان الظن بمن اصطفاهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فهم خير صحابة لخير نبي، لا يجوز في حقهم إلا حسن الثناء عليهم، ومن وقع فيهم فهو متهم على دينه.. وقد قال أبو زرعة الرازي: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعلم أنه زنديق)

 دعاة على أبواب جهنم (48/ صفحات الكتاب 128)

والثاني: إنما اقتتل عامة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على التأويل والاجتهاد، الذي يبدو لصاحبه أنه على الحق؛ ولذلك لما استبان لبعضهم أنه كان مخطئا ندم على خروجه وقتاله، والندم توبة، والتوبة تجب ما قبلها، وخاصة في حق أشرف الخلق وأعلاهم قدرا وأعظمهم حرما وجاها بعد أنبياء الله ورسله.

ومن تحقق الأمر علم أن هذا القتال كان سببه أهل الفتنة الذين روجوا لها بالباطل.

بقي الفارح مدة من الزمن في قريتنا يحاضر ويخطب ويأكل المضيرة.. وقد شكل بعد خروجه حزبا للطلقاء الذين لا هم لهم إلا التسبيح بحمد معاوية وفريقه صباحا، ولعن علي وأصحابه مساء..

أما المتحررون من أهل القرية، فقد قامت الحرب عليهم، ومنعوا من كل شيء.. حتى اضطروا للجوء إلى بعض الشعاب التي آوتهم إلى أن قضى الله أمرا كان مفعولا.

 دعاة على أبواب جهنم (49/ صفحات الكتاب 128)

الحمير

اعذروني على هذه التسمية، فلم أكن لأتجرأ عليها لولا أنها تمثل لقبا قرآنيا لصنف من الناس يحمل الأسفار، ولا يعيها، ويحمل العلوم، ولا يفكر فيها.

وأعتذر للحمير بعد أن أعتذر لكم.. فالحمير خلقها الله كذلك، وهي راضية بذلك، وتسبح الله وتحمده، وتنفذ ما أمرت به بدقة.. وهي لم تتلطخ بما تلطخت به الحمير البشرية الذين جعلوا من ظهورهم مطايا لكل الطغاة والمجرمين ليركبوهم، ويحولوا منهم أدوات لتنفيذ جميع مخططاتهم الشيطانية.

لا طاقة لي أن أحدثكم عن جميع الحمير الذي عرفتهم، فهم من الكثرة بحيث نحتاج إلى أسفار كثيرة للتعريف بهم.. ولهذا سأكتفي هنا بأحدهم، ويمكنكم أن تقيسوا عليه الباقي.

إنه رجل نال شهادة عالية في العلوم الدينية في جامعة من الجامعات الكبرى، وقد نال مع الشهادة بفضل ذكائه وحدة ذهنه الكثير من التزكيات التي خولت له أن يتولى التدريس والخطابة واعتلاء المنابر الكثيرة والحضور للمؤتمرات الحافلة ورئاسة الكثير من الجمعيات والمؤسسات والمنظمات.. وكان فرحا بذلك كله إلى درجة الثمالة.

وقد نال بسبب قدرته الفائقة على الاستحمار رضى الكثير من المنظمات العالمية المختلفة، وخصوصا منظمة الأيباك الصهيونية التي ضمته شرفيا إلى

 دعاة على أبواب جهنم (50/ صفحات الكتاب 128)

أعضائها المخفيين مع كونه مسلما ورث الإسلام عن آبائه لمئات السنين.. وقد أخفت اسمه ولم تعلن عنه حرصا على حياته، فحياته أهم عندها من رئيس الأيباك نفسه.

وممن سجلوا إعجابهم به – على حسب ما علمت من مصادر موثوقة- وزيرة الخارجية الأميركية السابقة (كونداليزا رايس)، وذلك في حديث صحفي لها مع جريدة (واشنطن بوست الأميركية)، وقد أخبرت حينها عن مشروعها في نشر الديمقراطية بالعالم العربي والبدأ بتشكيل مايُعرف بـ (الشرق الأوسط الجديد)، عبر نشر (الفوضى الخلاقة)

وعندما سئلت عن كيفية تحقيق ذلك، أخرجت صورة لهذا العلامة الكبير، وهمست للصحفي في أذنه، بأن صاحب الصورة هو الذي يقوم بذلك، وقد طلبت منه أن يحلف بالأيمان المغلظة على ألا ينشر ذلك.. لكنه نشره بعد ذلك سرا مقابل بعض المبالغ المغرية.. أما الأيمان المغلظة فقد أفتاه للتخص منها بعض السبتيين الذين أتقنوا فن التحايل على الشريعة والعبث بها.. وما أكثرهم.

طبعا لم ينل إعجاب هذين فقط.. بل نال إعجاب الكثير.. ولكنهم جميعا لم يصرحوا بذلك.. بل ربما صرحوا بعكسه، لأنه لا يمكن أن يفطن الناس إلى أن الذين يشاهدونه على كل القنوات، ويسبحون بحمده كل حين ليس سوى

 دعاة على أبواب جهنم (51/ صفحات الكتاب 128)

حمار من أحمرة الاستكبار العالمي.. وأنه لم يمكن كل ذلك التمكين إلا ليؤدي وظيفته في نشر الفوضى بكل أنواعها.

لا أخفي عليكم أني كنت أستمع إلى نهيقه كل حين..

في البداية نهق لأجل خراب ليبيا.. وكان يحرض الذين يخربون بيوتهم بأيديهم بكل صنوف التحريض، وكان يعدهم بالجنة وما فيها من أنواع النعيم.. ويعد إخوانهم في الدين واللغة والوطن بالعذاب الدائم الذي لا ينتهي..

وبعدما خربت ليبيا.. راح يبحث عن مواطن أخرى.. فوجد سوريا أرضا خصبة لنهيقة.. فراح ينهق ويحرض جميع حمير العالم على أن يأتوا لسوريا، ويقوموا بإبادة كل من لا يزال يحتفظ بإنسانيته.

وهكذا هو في جميع القنوات والمنابر لا هم له إلا النهيق، وتحويل كل من يدمن على الاستماع لنهيقه إلى حمار لا يختلف عن الحمار العادي إلا في لباسه.. فالحمار العادي يرتدي بردعة.. والحمار الإنساني يلبس بذلة أو قميصا..

لست أدري كيف أتاح الله لي فرصة التعرف عليه عن كثب، بل الاستماع إلى حوار له مع صديق من أصدقائه الذين رافقوه في مرحلة الدراسة.. وقد كان صديقه هذا بسيطا متواضعا، لا يملك من الدنيا شيئا.. ولكنه كان مؤمنا ممتلئا تقوى وصلاحا.. وكان في إمكانه لو خضع لعملية بسيطة يتحول

 دعاة على أبواب جهنم (52/ صفحات الكتاب 128)

بموجبها إلى حمار لتخلص من كل ذلك البؤس الذي يعانيه.. لكنه لم يفعل.. ورضي أن يكون إنسانا فقيرا، بدل أن يكون حمارا غنيا.

عند سماحي للحوار الذي دار بينهما عرفت معنى قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5]، وسأترك لكم الفرصة لتعرفوا معناها بأنفسكم من دون تدخل مني.

قال له صاحبه، وهو يحاوره في بعض خطبه وفتاواه حول اليمن ودعوته إلى خرابها: مهلا.. أخي.. فأنت قد من الله عليك بكل هذه الامتيازات، وقد آتاك الله كل ما كنت تحلم به.. لكن لا يحق لك أن تسخر نعم الله في سخطه، وأن تتخذ ما آتاك الله من علم ومعرفة مطية لخدمة الطغاة والظلمة.

غضب (..؟)، وقال: من أنت حتى تحدد الظغاة والظلمة.. إن تحقيق المناط علم من علوم الشريعة الكبرى لا يحق لأحد أن يتحدث فيه إلا إذا قرأ (البرهان) للجويني.. و(المستصفى) للغزالي.. و(المحصول) للرازي.. و(الإحكام) للآمدي.. و(اللمع وشرحه والتبصرة) للشيرازي.. و(قواطع الأدلة) لابن السمعاني.. و(المنهاج) للقاضي البيضاوي.. وشروحه مثل نهاية السول للإسنوي.. والإبهاج للتقي السبكي وأكمله ابنه تاج الدين.. وكتاب (الورقات) لإمام الحرمين الجويني، وشروحه كشرح المحلي وشرحي العبادي على شرح المحلي.. وأوسع شروحه وأجمعها شرح المرابط الدلائي المسمى

 دعاة على أبواب جهنم (53/ صفحات الكتاب 128)

(المعارج المرتقاة إلى معاني الورقات) الذي حقق مؤخرا في رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.. وكل هذه الكتب في مكتبتي وقد قرأتها من صغري الباكر، وكنت أحملها دوما على ظهري.

قال له صاحبه: أنت تعرف أني لم أقرأ ذلك كله.. وأنت تعلم أني مع كوني تشرفت بزمالتك في المراحل الأولى من الدراسة إلا أن ظروفي لم تسمح لي بإكمالها.. ولكن الذي حدثتك عنه لا علاقة له بكل تلك الكتب.. إنه واضح وضوحا جليا.. إن الأمراء والملوك الذين تدافع عنهم يرمون بنيران غضبهم وحزمهم وجبروتهم على قرى المستضعفين، فيحولونها خرابا.. أترضى أن يكون أولئك الفقراء خصومك يوم القيامة؟

قال (..؟): هذه الأمور لا تفهمها.. ولا يمكنك أبدا أن تفهمها.. وعقلك أقل من أن يفهمها.. وحتى تفهمها تحتاج إلى قراءة كل ما كتبه الباحثون المحققون حول الرافضة وخطرها على العالم الإسلامي، بل على العالم كله، ومنها كتاب (تبصرة الموحدين بخيانات ومخططات الشيعة على الإسلام والمسلمين) لمراد سلامة.. وكتاب (إيران الخفية) لراي تقية.. وكتاب (أصول الديانة اليهودية وفروعها ودورها في تكوين عقائد الرافصة) للدكتور سعد المبارك الحسن محمد.. وكتاب (تبديد الظلام وتنبيه النيام إلى خطر التشيع على المسلمين والإسلام) لإبراهيم سليمان الجبهان.. وكتاب (سل

 دعاة على أبواب جهنم (54/ صفحات الكتاب 128)

السنان في الذب عن معاوية بن أبي سفيان) للشيخ سعد ضيدان السبيعي.. وكتاب (حزب الله الرافضي تاريخ أسود وافتراءات) للدكتور سيد بن حسين العفاني.. وغيرها من الكتب.

قال له صاحبه: إن هذه الكتب جميعا تدعو إلى الطائفية والتفريق بين المسلمين، والله تعالى نهانا عن ذلك، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159]، وقال: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]

قال (..؟): هذه الآية لن تفهمها بسهولة.. وحتى تفهمها تحتاج إلى قراءة ما كتب في كل أسفار التفسير مثل كتاب (جامع البيان عن تأويل القرآن) لابن جرير الطبري.. وكتاب (بحر العلوم) لأبي الليث نصر بن محمد السمرقندي.. وكتاب (معالم التنزيل) لأبي محمد الحسن بن مسعود البغوي.. وكتاب (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية.. وكتاب (تفسير القرآن العظيم) لأبي الفداء إسماعيل بن عمر ابن كثير.. وكتاب (الجواهر الحسان في تفسير القرآن) لأبي زيد عبد الرحمن بن محمد الثعالبي.. وكتاب (الدر المنتور في التفسير بالمأثور) للحافظ جلال الدين

 دعاة على أبواب جهنم (55/ صفحات الكتاب 128)

بن أبي بكر عبد الرحمن السيوطي.. وكتاب (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي.. وغيرها كثير.

قال له صاحبه: لكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حذرنا من الفتن، ومن سفك الدماء، وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بين يدي الساعة الهرج)، قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: (القتل)، قالوا: أكثر مما نقتل، إنا لنقتل في العام الواحد أكثر من كذا ألفا؟ قال: (إنه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضا)، قالوا: ومعنا يومئذ عقولنا؟ قال: (إنه ينتزع عقول أكثر ذلك الزمان، ويخلف له هباء (1) من الناس، يحسب أكثرهم أنه على شيء، وليسوا على شيء)(2)

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل، فقيل: كيف يكون ذلك؟ فقال: (الهرج القاتل والمقتول في النار)(3)

__________

(1) الهباء في الأصل: ما ارْتَفع من تَحْت سَنابِك الخَيْل، والشَّيءُ المُنْبَثُّ الَّذي تَراه في ضَوْء الشمسِ.

(2) رواه البيهقي في الدلائل.

(3) رواه أحمد.

 دعاة على أبواب جهنم (56/ صفحات الكتاب 128)

بدا الغضب على وجه (..؟)، وقال: لن تفهم هذه الأحاديث بسهولة.. ولتفهمها تحتاج إلى قراءة كل ما كتب في شروح الحديث مثل كتاب (إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام) لابن دقيق العبد.. وكتاب (سبل السلام شرح بلوغ المرام) للصنعاني.. وكتاب (نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار) للقاضي محمد بن علي الشوكاني.. وكتاب (جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم) لابن رجب.. وكتاب (غريب الحديث) لأبي عبيد.. وكتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر) لابن الأثير.. وكتاب (الفائق في غريب الحديث) للزمخشري.. وكتاب (الكواكب الدرارى في شرح صحيح البخاري) لشمس الدين محمد بن يوسف بن علي بن سعيد الكرماني.. وغيرها من الكتب والأسفار.

بقي الصاحبان يتحدثان مدة.. أولهما أو الإنسان فيهما يذكر بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.. ويخوف من الفتن وأسبابها وآثارها.. والثاني فيهما، أو الحمار منهما، يعدد أسماء الأسفار التي يحملها، والتي غفل بها عن جميع قوى الشر العالمي التي تستثمر فيه وفي بردعته.

 دعاة على أبواب جهنم (57/ صفحات الكتاب 128)

السامريون

السامريون هم قوم من الدعاة إلى جهنم ورثوا جميع خصائص السامري التي ذكرها القرآن الكريم.. وليس هناك من فرق بينهما سوى أن السامري الإسرائيلي مارس تضليله وتحريفه في بني إسرائيل، وإخوانه من السامريين مارسوه في هذه الأمة.

وقد ذكر القرآن الكريم الأوصاف التي يستطيع أن يتحول بها الإنسان أي إنسان إلى سامري:

ومنها قوله تعالى: {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} [طه: 85]، فمن أتقن فن التضليل، وهو تحويل المهتدين عن الصراط المستقيم الذي ارتضاه الله لهم، نال شرف السامرية بامتياز..

ومنها قوله في وصف إعراض السامري عن هارون وصي موسى عليه السلام وخليفته في قومه: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} [طه: 90، 91]، وبناء عليه، فإن كل من أعرض عن منابع الهدى التي خلفها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعا إلى التمسك بها، يقع له ما وقع للسامري.

 دعاة على أبواب جهنم (58/ صفحات الكتاب 128)

ومنها قوله تعالى في وصف الإله الجديد الذي صنعه لهم بدل إله موسى عليه السلام: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} [طه: 88]، وبناء عليه، فكل من أصيب بمرض السامرية لابد أن يضع إلهه في قالب جسماني قد يختلف عن قالب العجل، لكنه يظل قالبا جسمانيا.

ومنها قوله في وصف غروره وعجرفته وادعائه أنه وصل إلى الحقيقة التي لم يصل إليها غيره: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} [طه: 96]، وبناء عليه، يكون المصاب بداء السامرية متعجرفا متكبرا مغرورا يتصور أنه الوحيد المتمسك بأثر الرسول.. وأنه الوحيد المحافظ على هديه.

انطلاقا من هذه الأوصاف سأحكي لكم قصة عن داعية كبير زار قريتنا المتواضعة لينشر فيها التوحيد، ويخلصها من الشرك، ويخلصها من تلك العقيدة التنزيهية التي فطرت عليها.

وككل مرة يستضاف أمثال هؤلاء الدعاة، فإن الزينة وجميع أنواع البهارج تنصب لهم في قريتنا.. ويقوم الملأ ومن تبعهم من الأذناب بالإعداد لذلك كله.

 دعاة على أبواب جهنم (59/ صفحات الكتاب 128)

وجاء اليوم الموعود، ودخل السامري قريتنا بزينته التي بهرت الألباب، وقال نفر من قومنا بمجرد رؤيته: يا ليت لنا مثلما أوتي إنه لذو حظ عظيم.

وكانت أول موعظة قدمها لنا حول الإله الجديد الذي أراد أن ينسخ به الإله الذي كنا نعرفه ونعبده ونقدسه..

قال لنا، وهو يتربع على أعلى تلة في القرية: لقد جئتكم من تلك البلاد البعيدة – أنا السني السلفي الأثري - حاملا معي جميع الآثار التي تعرفكم بربكم، وتبعد عنكم ذلك الزيغ، وتلك الضلالة التي نشرها بينكم المنحرفون عن السلف الصالح الذي هم سفينة نجاة هذه الأمة..

إن معي من أثر الرسول ما يعصمكم من الغواية، وما يدلكم على الهداية.. فاسمعوا لي لتنجوا.. فلا نجاة لمن صم أذنيه عن هدي نبيه أو سلفه الصالح..

قال رجل من الملأ: نحن معك.. فتكلم بما شئت.. فلن تجد منا إلا آذانا صاغية، وقلوبا حاضرة.

قال السامري: أجيبوني.. أليس أول ما تحتاجونه للتعريف بأي شخص هو معرفة مكانه وبلده؟

قالوا: بلى.. ذلك صحيح.. ونحن يعرف بعضنا بعضا بالأماكن التي نسكن فيها.

 دعاة على أبواب جهنم (60/ صفحات الكتاب 128)

قال السامري: أليس من العجب أن تعرفوا أماكن بعضكم بعضا.. ثم لا تعرفوا المكان الذي يتواجد فيه ربكم؟

ثارت ضجة بين الحضور، وقال بعضهم: كيف تقول ذلك، وقد قال الله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4]، وقال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]؟

قال آخر: نحن مذ ولدنا، ونحن نعلم الله أعظم من أن يحويه مكان، أو يجري عليه زمان.. وقد حفظنا من صغرنا قول الإمام علي: (كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان)

قال السامري: ما تقولونه هو عقائد الجهمية والأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والرافضة الذين ضلوا عن ربهم.. الله بحسب الآثار فوق السماء السابعة.. ألستم ترفعون أيديكم إلى السماء عند الدعاء؟

قال رجل منا: بلى.. نحن نرفع أيدينا في الدعاء إلى السماء لأنها مهبط الرحمات والبركات، وليس لأن الله موجود بذاته فيها.. كما أننا نستقبل الكعبة الشريفة في الصلاة لأن الله أمرنا بذلك، وليس لأن الله ساكن فيها.

قال السامري: كل ما تقولونه لا ينهض أمام الحجج العظيمة التي سأدلي بها إليكم.. وأنتم في الخيار بعد ذلك: بين أن تؤمنوا بها، فتنجوا.. وبين أن تعرضوا عنها، فتضلوا.

 دعاة على أبواب جهنم (61/ صفحات الكتاب 128)

قال رجل من الملأ: تحدث يا سيدنا.. فنحن ما جئنا بك لنسمع لأنفسنا، أو لبعضنا بعضا، جئنا بك لتعلمنا وتعرفنا بربنا.

قال السامري: بوركت.. وسأذكر لكم من أقوال سلفنا الصالح ما يدلكم على هذا، وما يدلكم على خطورة الإعراض عنه.. لقد روى عبد الله بن أحمد بسنده عن خارجة بن مصعب قال: (الجهمية كفار، بلغوا نساءهم أنهن طوالق، وأنهن لا يحللن لأزواجهن، لاتعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم، ثم تلا: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، ثم قال: (وهل يكون الاستواء إلا بجلوس)(1)

وقد وردت النصوص عن الصحابة التي تؤكد هذا، فقد روى عبد الله بن أحمد بسنده عن عمر قوله: (إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد)(2)

وقد قال شيخنا سليمان بن سحمان رحمه الله يرد على من خالف ذلك: (قد جاء الخبر بذلك عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي ضرب الله الحق

__________

(1) السنة 1/ 106 (10). وانظر الاحتجاج بهذا القول في الصواعق المرسلة لابن القيم 4/ 1303.

(2) السنة 1/ 300 (584) وأخرجه بهذا اللفظ البزار في مسنده 1/ 457 (325)

 دعاة على أبواب جهنم (62/ صفحات الكتاب 128)

على لسانه كما رواه الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه السنة له.. وهذا الحديث صححه جماعة من المحدثين)(1)

بل ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على هذا، فقد روى عبد الله بن أحمد أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظَّم الرب عز وجل، وقال: وسع كرسيه السموات والأرض، إنه ليقعد عليه جل وعز، فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل إذا ركب)(2)

وقد رواه الدارمي السلفي الأثري بلفظ فيه زيادة قال في آخره: (وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركبه من يثقله)(3)

ثم عقب عليه بقوله ردا على الملاحدة الذين ينكرون جلوس الله على عرشه: (فهاك أيها المريسي خذها مشهورة مأثورة، فصرها وضعها بجنب تأويلك الذي خالفت فيه أمة محمد)(4)

قال رجل من الملأ: لقد ذكرت سيدنا أنه يفضل من العرش قيد أربعة أصابع.. ما سر ذلك؟

__________

(1) الضياء الشارق في رد شبهات المازق المارق 79

(2) السنة 1/ 305 (593)

(3) نقض عثمان بن سعيد 1/ 425 - 428.وأخرجه الطبري في تفسيره 3/ 9 - 11 وابن خزيمة في التوحيد 106.

(4) نقض عثمان بن سعيد 1/ 428.

 دعاة على أبواب جهنم (63/ صفحات الكتاب 128)

قال السامري: لقد ورد في الآثار الكثيرة التي وصلتنا عن الرسول أن تلك الفضلة هي مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي يُجلسه الله فيه معه يوم القيامة (1).

ثارت ضجة بين الحضور، فقال: لا تستغربوا.. ولا تنكروا ما وصلنا من الآثار حتى لا تهلكوا.. لقد قال العلامة مرعي بن يوسف الحنبلي عن ذلك الحديث الذي استغربتموه: (أما هذا الحديث فنحن لم نقله من عند أنفسنا فقد رواه عامة أئمة الحديث في كتبهم التي قصدوا فيها نقل الأخبار الصحيحة وتكلموا على توثقة رجاله وتصحيح طرقه ورواه من الأئمة جماعة أحدهم إمامنا أحمد وأبو بكر الخلال صاحبه وابن بطة والدارقطني في كتاب الصفات الذي جمعه وضبط طرقه وحفظ عدالة رواته وهو حديث ثابت لا سبيل إلى دفعه ورده إلا بطريق العناد والمكابرة)(2)

قال ذلك، ثم التفت للحضور، وخاصة إلى الملأ، وقال: لا تتصوروا أن الله جالس على عرشه فقط.. لقد وصل إلينا من أثر الرسول ما يدل على أن الله يستلقي عليه أيضا.

__________

(1) كتاب السنة للخلال 1/ 220.

(2) أقاويل الثقات 119

 دعاة على أبواب جهنم (64/ صفحات الكتاب 128)

ثارت ضجة كبرى بين الحضور، فقال: لا تستغربوا.. فقد ورد في الأثر فقد ورد في الأثر: (لما قضى الله خلقه استلقى ثم وضع إحدى رجليه على الآخرى)(1)

وقد قال بعض سلفنا الصالح في هذا الأثر: (اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء منها جواز الاستلقاء عليه لا على وجه الاستراحة، بل على صفة لا نعقل معناها، وأن له رجلين يضع إحداهما على الأخرى على صفة لا نعقل معناها، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته، لأنا لا نصف ذلك بصفات المخلوقين، بل نطلق ذلك كما أطلقنا الوجه واليدين وخلق آدم بهما والاستواء على العرش.. وخبر كعب تضمن شيئين: أحدهما: إثبات الرجلين صفة، والثاني: منع هذه الجلسة وكراهتها. وقام الدليل على جواز هذه الجلسة.. وبقي إثبات الرجلين على ظاهره لأنه لم ينقل عنهم خلافه ولا رده فوجب الرجوع إليه)(2)

__________

(1) عزاه الألباني في تخريج السنة لابن أبي عاصم إلى ابن منده في المعرفة (21321)، وعزاه ابن القيم في اجتماع الجيوش 1/ 54 إلى الخلال في كتاب السنة وقال (.. بإسناد صحيح على شرط البخاري)

(2) إبطال التأويلات 1/ 188 - 189

 دعاة على أبواب جهنم (65/ صفحات الكتاب 128)

وقد اشتد ابن القيم على من أنكر هذا الخبر فقال بعد أن تحدث عن المعطلة الذين يقابلون الأخبار بالمنع والمعارضة: (إن كل واحد من هذين الأمرين أعني المنع والمعارضة ينقسم إلى درجات متعددة. فأما المنع فهو على ثلاث درجات. أحدها منع كون الرسول جاء بذلك أو قاله. الدرجة الثانية منع دلالته على ذلك المعنى. وهذه الدرجة بعد التنزل إلى الاعتراف بكونه قاله. الدرجة الثالثة منع كون قوله حجة في هذه المسائل.. والدرجات الثلاث قد استعملها المعطلة النفاة فأما الأولى فاستعملوها في الأحاديث المخالفة لأقوالهم وقواعدهم، ونسبوا رواتها إلى الكذب والغلط والخطأ في السمع واعتقاد أن كثيراً منها من كلام الكفار والمشركين كان النبي يحكيه عنهم، فربما أدركه الواحد في أثناء كلامه بعد تصديره بالحكاية فيسمع المحكيَّ فيعتقده قائلاً له لا حاكياً فيقول قال رسول الله، كما قاله بعضهم في حديث قتادة بن النعمان في الاستلقاء قال يحتمل أن يكون النبي حدَّث به عن بعض أهل الكتاب على طريق الإنكار عليهم فلم يفهم عنه قتادة بن النعمان إنكاره، فقال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا فلهذا الاحتمال تركنا الاحتجاج بأخبار الآحاد في صفات الله عز وجل. فتأمل ما في هذا الوجه من الأمر العظيم أن يَشتبه على أعلم الناس بالله وصفاته وكلامه وكلامِ رسوله كلامُ

 دعاة على أبواب جهنم (66/ صفحات الكتاب 128)

الرسول الحق الذي قاله مدحاً وثناءً على الله بكلام الكفار المشركين الذي هو تنقصٌ وعيبٌ فلا يميز بين هذا وهذا)(1)

قام بعض الحضور، وقال: إن قولك هذا يا شيخ ينسف كل عقائدنا.. فهو يدل على أن الله مركب من أبعاض وأجزاء، وقد روينا عن أئمتنا أن ذلك مستحيل على الله..

قال السامري: كل أولئك الذين تزعمون لهم الإمامة قد ضلوا عن ربهم.. الله لا يعرف إلا من خلال أثر الرسول الذي وصلنا عن طريق أهل الحديث.. فهم وحدهم سفينة النجاة.

قال رجل منا، وكان يشتغل بالفلسفة: ولكن العقل يحيل ذلك.. فوحدة الخالق تقتضي عدم تركيبه.

قال السامري: دعك من عقلك.. فإنه أكبر حجاب لك عن ربك.. لقد اتفق أهل الأثر عندنا على أن الله مركب من أجزاء يمكن أن يطلق عليها صفات.. فقد روى عبد الله بن أحمد بسنده عن عكرمة قال: (إن الله عز وجل إذا أراد أن يخوف عباده أبدى عن بعضه إلى الأرض فعند ذلك تزلزل، وإذا أراد أن تدمدم على قوم تجلى لها)(2)

__________

(1) الصواعق المرسلة 4/ 1527 - 1529

(2) السنة 2/ 470 (1069)

 دعاة على أبواب جهنم (67/ صفحات الكتاب 128)

وقد رد ابن القيم على من أنكر هذا، فقال:

وزعمت أن الله أبدى بعضه** للطور حتى عاد كالكثبان

لما تجلى يوم تكليم الرضى**موسى الكليم مكلَّم الرحمن (1)

أما شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أطنب في الاستدلال لذلك، وأثبت بكل أنواع الحجج على أن الصفة بعض الموصوف وليست غيره، ومن أقواله في ذلك: (وأما إطلاق القول بأن الصفة بعض الموصوف، وأنها ليست غيره، فقد قال ذلك طوائف من أئمة أهل الكلام وفرسانُهم. وإذا حُقق الأمر في كثير من هذه المنازعات لم يجد العاقل السليم العقل ما يخالف ضرورة العقل لغير غرض.. وإن كان الإنكار لأنه لا يقال في صفات الله لفظ البعض فهذا اللفظ قد نطق به أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم ذاكرين وآثرين. قال أبو القسم الطبراني في كتاب السنة.. عن ابن عباس قال: إذا أراد الله أن يخوف عباده أبدا عن بعضه للأرض فعند ذلك تزلزلت.. وقد جاء في الأحاديث المرفوعة في تجليه سبحانه للجبل ما رواه الترمذي في جامعه - وذكر بعض ما جاء من الأخبار التي فيها أنه ما تجلى منه إلا مثل الخنصر-... وعن مجاهد عن عبيد بن عمير في قوله في قصة داود: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 25]، قال: يدنيه حتى يمس بعضه. وهذا متواتر عن هؤلاء)(2)

__________

(1) انظر شرح قصيدة ابن القيم لأحمد بن إبراهيم 1/ 230

(2) الفتاوى الكبرى 5/ 85 - 92.

 دعاة على أبواب جهنم (68/ صفحات الكتاب 128)

ثارت ضجة بين الحضور، وقال بعضهم: أيمكن هذا؟.. أيمكن أن يمس أحد الله؟ إن هذا لغريب..

قال السامري: دعكم من كل تلك الضلالات التي كنتم تتعلقون بها.. فالآثار التي وصلتنا عن الرسول وورثته تدل على إمكانية ذلك.. بل حصوله.. فالله تعالى يمس خلقه، ويمسونه.. وقد روى سلفنا الصالح في تفسير قوله تعالى في حق داود عليه السلام: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 25] عن مجاهد عن عبيد بن عمير، قال: (ذكر الدنو منه حتى ذكر أنه يمس بعضه)(1)

وفي رواية أخرى عنه تحديد دقيق للمماسة، وأنها كانت في القدم، قال مجاهد: (ما يأمن داود عليه السلام يوم القيامة حتى يقال له اُدنه فيقول: ذنبي ذنبي، حتى بلغ، فيقال: اُدنه، فيقول: ذنبي ذنبي، فيقال له: اُدنه، فيقول: ذنبي ذنبي حتى بلغ مكاناً الله أعلم به - قال سفيان - كأنه يمسك شيئا)(2)

ومن الروايات الورادة في هذا الباب ما رواه الخلال بسنده عن مجاهد قال: (إذا كان يوم القيامة ذكر داود ذنبه فيقول الله عز وجل له: كن أمامي

__________

(1) السنة 2/ 503 (1165)

(2) السنة 2/ 502 (1161)

 دعاة على أبواب جهنم (69/ صفحات الكتاب 128)

فيقول: رب ذنبي ذنبي فيقول الله له: كن خلفي فيقول: رب ذنبي ذنبي فيقول الله عز وجل: خذ بقدمي)(1)

وهناك روايات أخرى تدل على أن المماسة كانت في اليد، فقد روى عبد الله بن أحمد بسنده عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال: (حتى يضع يده في يده)(2)

وهناك روايات أخرى تدل على أن المماسة كانت في الحقو (3)،فقد روى عبد الله بن أحمد بسنده عن مجاهد قال: (إن داود عليه السلام يجيء يوم القيامة خطيئته مكتوبة في كفه فيقول: يا رب خطيئتي مهلكتي فيقول له: كن بين يدي فينظر إلى كفه فيراها فيقول: يا رب خطيئتي مهلكتي فيقول: خذ بحقوي. فذلك قوله عز وجل: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 25])(4)

وهناك روايات أخرى تدل على أن المماسة كانت في الفخذ والإبهام، وقد رواه أبو يعلى عن الحسن قال: أوحى الله إلى داود ارفع رأسك فقد غفرت لك، فقال: يارب كيف تغفر لي وقد صنعت ما صنعت؟ قال: ارفع رأسك

__________

(1) السنة 1/ 262 (322) وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 6/ 342 (31888)

(2) السنة 2/ 502 (1163) وقال محققه: (رجاله ثقات)

(3) الأصل في الحقو معقد الإزار ثم سمي الإزار حقواً لأنه يشد على الحقو.

(4) السنة 2/ 503 (1166)

 دعاة على أبواب جهنم (70/ صفحات الكتاب 128)

فقد غفرت لك ومحوت خطيئتي بإبهام يميني)، وقد علق عليها أبو يعلي بقوله: (وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبها، م وذلك غير ممتنع كما لم يمنع إثبات الأصابع)(1)

قام رجل من الملأ، وقال: أخاصية المس التي ذكرتها عن الله خاصة بداود عليه السلام فقط، أم أنها يمكن أن تكون لغيره؟

قال السامري: المس صفة لله، فيمكن أن يمس من يشاء متى شاء كيف شاء بأي صفة شاء.. وقد ورد في الآثار ما يدل على ذلك.. فقد روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن حكيم بن جابر قال: (إن الله تبارك وتعالى لم يمس بيده غير ثلاثة أشياء خلق الجنة بيده، ثم جعل ترابها الورْس والزعفران وجبالها المسك وخلق آدم بيده وكتب التوراة لموسى)(2)