الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: لحوم مسمومة

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 232

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

هذه الرواية الحوارية البسيطة تحاول أن تعبر عن البنية العقلية والفكرية للتيارات السلفية من خلال مصادرها التي تعتمدها، ورجالاتها الذين تثق فيهم.. ونحن لم نفعل شيئا سوى أن أضفنا بعدا فنيا يقرب لنا الصورة .. أما ما عدا ذلك فهي بضاعتهم التي يعرضونها في كتبهم ومواقعهم وقنواتهم وكل ما لديهم من إمكانات إعلامية ضخمة.

والرواية تنقسم إلى قسمين:

في القسم الأول، نرى مواقف الاتجاه السلفي من كل ما أفرزته الأمة من تيارات ومدارس وتوجهات صوفية وكلامية وعلمية وغيرها.

والقسم الثاني، نرى البديل الذي يضعه الاتجاه السلفي لتلك التيارات، أو الصورة التي يريد أن يصور بها هذا الدين.

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

بداية الحكاية

الحافلة الأولى

البوطي.. والحكم العطائية

المالكي.. والصوفية

مصطفى محمود.. والباطنية

الشعراوي.. والأزهريون

السقاف.. والمتكلمون

ابن فرحان.. والقرآنيون

فضل الله.. والحواريون

حسون.. والإنسانيون

جودت.. واللاعنف

الغماري.. والعارفون

الحافلة الثانية

الحافلة الثانية

التهذيب والتصفية

اغتيال العقول

المسؤول الشرعي:

المسؤول العلمي:

المسؤول الأمني:

المسؤول السياسي:

مفهوم المخالفة

الانفتاح الديني

المصادر:

الشخصيات:

أحلام سلفية

عفاريت وسحرة

محكمة في الغابة

سنن الأكل

نهاية الحكاية

 

المقدمة

من الإشكالات الكبرى التي يقع فيها من يحاول أن يحاور التيارات السلفية المتشددة هو صعوبة البحث عن المنطق الذي يفكرون به..

ذلك أنه يتصور أنهم – كسائر الناس- يخضعون لمنطق واحد، مع أنهم ليسوا كذلك.. لأن لهم منطقهم الخاص، المختلف تماما عن منطق أرسطو الذي انتقده شيخهم - بل شيخ الإسلام السلفي - ابن تيمية.. ولهم منهج تفكير مختلف كثيرا عن سائر المناهج التي عهدها الناس.

وليس من السهل شرح هذا المنهج أكاديميا، ذلك أن اللغة الأكاديمية تتوقف عنده، فلا تستطيع أن تصفه، ولا أن تحده، ولا أن تضبطه.. فلذلك كان الحل هو الوصف الواقعي الفني لهذا المنطق.

وبناء على هذا كانت هذه الرواية الحوارية البسيطة، والتي تحاول أن تعبر عن البنية العقلية والفكرية لهذه التيارات من خلال مصادرها التي تعتمدها، ورجالاتها الذين تثق فيهم.

ونحن لم نفعل شيئا سوى أن أضفنا بعدا فنيا يقرب لنا الصورة.. أما ما عدا ذلك فهي بضاعتهم التي يعرضونها في كتبهم ومواقعهم وقنواتهم وكل ما لديهم من إمكانات إعلامية ضخمة.

والرواية تنقسم إلى قسمين:

في القسم الأول، والذي خصصناه بهذا الجزء نرى مواقف الاتجاه السلفي من كل ما أفرزته الأمة من تيارات ومدارس وتوجهات صوفية وكلامية وعلمية وغيرها.

وقد اخترنا نماذج متفرقة عن كل ذلك.. وحرصنا على أن تكون نماذج متنوعة([1]) لتشمل أكبر عدد من التوجهات الفكرية الموجودة على الساحة الإسلامية في القديم والحديث.

وفي القسم الثاني، والذي خصصناه بالجزء الثاني، نرى البديل الذي يضعه الاتجاه السلفي لتلك التيارات، أو الصورة التي يريد أن يصور بها هذا الدين.

ونحب أن ننبه فقط كما نبهنا في الأجزاء السابقة من سلسة (اعترافات هارب من سجون الوهابية) أننا انطلقنا في كتابة هذه النصوص - التي كنا فيها واصفين أكثر منا محللين – من منطلقات السلام والمحبة التي جاء بها ديننا وعلمنا إياها نبينا.. فنحن لا نكفر هذه التيارات، ولا نبدعها تبديعا عاما، ولا ندخلها جهنم، ولا نحرمها من الجنة، مثلما تفعل هي مع مخالفيها.. لاعتقادنا أن كل ذلك لله.. وإنما ننكر عليها فقط مواقفها من المخالفين، وكبرها في التعامل معهم.

حتى أنني - شخصيا - أعتقد أن الكثير مما يرونه من آراء فقهية أو عقدية أو في مجالات أخرى من الدين لا مبرر للإنكار عليهم فيها، لأنها آراء نابعة من اجتهاد صادق.. بل إنني شخصيا آخذ ببعضها، وأوافقهم فيها، لأني أراها من صميم الدين، وقد رجحتها في بعض كتبي الفقهية أو العقدية..

لكن الإنكار الكبير المتوجه لهم هو تعاملهم بجفاء وسلبية مع المدارس المختلفة للأمة، وعدم احترامهم للخلاف، وعدم احترامهم للتنوع الذي شاء الله أن يطبع عباده عليه.. وتصورهم أن البت في الخلاف بين الخلق سيكون في الدنيا مع أن الله أخبر أن محل ذلك في الآخرة، قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة: 113]

فنحن في واقعنا المشحون بداء الطائفية نردد نفس ما ردده اليهود والنصارى، فكل فئة تزعم أنها على الحق المطلق.. ولذلك كان الحل – كما تصف الآية الكريمة - هو أن نترك حكم ذلك لله، وفي الآخرة، أما في الدنيا فليس إلا التحاور والتعايش والتقارب والسلام بين كل المدارس والمذاهب والطوائف والأديان.. ولا يحق لأي جهة أن تكره الأخرى على معتقدها.

وبناء على هذا - أقول كما قلت سابقا – بأنني، ومن وحي المناهل العذبة التي رزقني الله الشرب منها على يد أوليائه أعتذر لكل من تأذى من السلفية بهذه الكلمات، فيعلم الله مدى محبتي لهم وحرصي عليهم.. وإني وإن شددت في بعض المحال لم يكن ذلك إلا كشدة الطبيب مع مريضه المقصر، أو مع الجراثيم التي تريد أن تفتك بمريضه المقصر.

وإني – مع هذا – مستعد للتراجع عن أي خطأ أنبه إليه، فالهدف هو الحق، وليس إلا الحق.


 

بداية الحكاية

كنت في المستشفى مع صديقي الوهابي التائب،  بسبب سهام الحقد التي أصابتنا من القحطاني ونونيته([2])، وبعد أن ارتفع عنا الخطر، وطلبنا العودة إلى بيوتنا، لم يؤذن لنا حتى يتأكد الأطباء من سلامتنا تماما.

وبينما نحن كذلك، وقد غلب علينا الصمت والألم إذا بالممرضين يدخلون علينا جمعا من الشباب يتألمون آلاما شديدة، فسألنا عن سر ما حصل لهم، فذكروا لنا أنهم أكلوا لحوما مسمومة في الحي الجامعي الذي يسكنون فيه.

وهنا أصابت صاحبنا الوهابي التائب نوبة من النوبات التي كانت تعتريه أحيانا، فراح يتنقل بينهم، ويقول: ما الذي حصل؟.. أي لحم أكلتم؟.. أي جيف سرطتم؟.. أي سم بلعتم؟

ثم اقترب من أحدهم، وقال: لاشك أنك أكلت لحم الوادعي.. أعرفه.. إن لحمه مسموم جدا.. لقد كان الجميع يتحدث عن ذلك.

واقترب من آخر، وقال: أما أنت.. فلا أظن إلا أنك أكلت لحم الحجوري.. إن لحمه قد خزن كل أنواع السموم.. لا أظن إلا أنك لن تخرج من هذا المستشفى.

واقترب من آخر، وقال: أما أنت.. فلا أظن إلا أنك أكلت لحم المدخلي أو الحربي أو التويجري أو الهلالي.. إن جميع لحومهم متشابهة.. إنها وسم الأفاعي والعقارب والحيات سواء.

وبقي يفعل ذلك إلى أن أمسكه الممرضون، وحقنوه بحقنة مهدئة، عادت إليه نفسه بعدها.

التفت إلي وإلى الجميع، وقال: اعذروني.. لم أدر ما أفعل، ولا ما أقول..

قلت: ما الذي حصل؟ هل تذكرت حدثا حصل لك فيما مضى من عمرك؟

قال: أجل.. لم أتذكر حادثا واحدا، بل تذكرت أحداثا كثيرة مؤلمة، كنت فيها ممتلئا حماقة وغفلة.. كان فيها (غياب المنطق).. و(المكاييل المزدوجة).. و(التطفيف في الميزان).. وغيرها من الجرائم صفات لي لقنتها كما يلقن الحمقى والمغفلون.. لقد كان مشايخي حينها يتلاعبون بعقلي كما شاءت لهم أهواؤهم.. فلهم لكل حادث حديث.. ولكل قضية ميزان خاص بها إلى أن طاش عقلي، وغادرني لبي.

قلت: فما علاقة ذلك باللحوم المسمومة؟

ابتسم، وقال: لقد كانت (اللحوم المسمومة) من جملة العبارات التي كنا نسمعها كثيرا في مجالسنا مع السلفيين، وكانوا يستخدمونها متى شاءت لهم أهواؤهم، ويتركونها متى شاءت، من غير منطق ولا موازين.. لا يريدون بذلك إلا إلجام خصومهم وإفحامهم.

قلت: فما الذي يقصدونه منها؟

قال: لقد كانوا يقصدون منها حرمة غيبة العلماء، أو انتقادهم، أو الحديث عنهم بغير ما تسمح به أهواؤهم.

قلت: أعرف العبارة جيدا، إنها متداولة مشهورة حتى اعتقد البعض أنها حديث مع أنها ليست سوى مقولة للحافظ ابن عساكر، فقد قال في مقدمة كتابه (تبيين كذب المفتري): (اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، فمن أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب)([3])

وبعضهم يروي عن أحمد أنه قال: (لحوم العلماء مسمومة، من شمها مرض، ومن أكلها مات)([4]) 

وبعضهم نظم ذلك شعرا، فقال:

لحوم أهل العلم مسمومة  ومن يعاديهم سريع الهلاك

فكن لأهل العلم عونا،وإن عاديتهم يوما فخذ ما أتاك

قال: أجل.. تلك عبارته مع أن النصوص المقدسة تبين أن جميع اللحوم محرمة ومسمومة سواء كانت لحوم علماء أو غيرهم، بل سواء كانت لحوم مسلمين أو غير مسلمين.. فلكل إنسان حرمته التي لا يجوز انتهاكها بغير حق.

قلت: لقد شوقتني إلى أحاديثك.. فهلا حدثتني ببعضها اليوم عسانا ننسى بعض ما نعانيه من آلام.

قال: أجل.. سأحدثك عن مكاييلهم المزدوجة مع تلك العبارة.. ولعلك بعدها تعذرني في موقفي الذي وقفته اليوم.

اعتدل في جلسته، ثم قال: قبل سنوات طويلة، وفي ريعان شبابي، أردت السفر عبر الحافلة إلى الجنوب لضرورة من الضرورات، وكنت حينها رفيقا لصديق لي سجن قبلي في سجون الوهابية، ولهذا كنت - وبحكم سابقيته للإسلام في تصوري في ذلك الحين - أتبعه تبعية مطلقة.. بل أراعي كل تصرف من تصرفاتي أو موقف من مواقفي خشية على نفسي من أن يحكم علي في أي لحظة بكفر أو بدعة أو ضلالة، أو يودعني من غير أن أشعر سردابا من سراديب جهنم.

كان اسمه ربيع، وكان يحب هذا الاسم حبا شديدا، لأنه يتفق مع اسم معشوقه (ربيع بن هادي المدخلي) الذي فنى فيه، فصار لا يتحدث إلا عنه، ولا يسبح إلا بحمده، وكان يعظمه تعظيما عجيبا، وكان يقول لي كل حين: إنه أستاذ التجريح في هذا العصر بلا منازع.. ولا يمكن أن تكون هناك سنة بدون أن يصحبها التجريح..

وكان يقول لي: لو أن ابن تيمية رأى ربيعا لفرح به.. ولو أن ابن عبد الوهاب شاهد قوته في الحق لأصبح من تلاميذه.

وهكذا إلى أن جعلني مثله أقدم كل قرابين الخضوع والخشوع والركوع لربيع المدخلي.

كانت حافلات الجنوب عندنا - بسبب بعد المسافة - مزودة بكل وسائل الترفيه والراحة حتى لا يمل المسافرون من الطريق الطويل.. وكان من أهم تلك الوسائل التلفزيون المركب في مقدمة الحافلة، ويشرف عليه وعلى وضع أشرطة الفيديو السائق نفسه.

وقد كان السائق في كل حافلة هو مدير التلفزيون، والمشرف على البرامج التي تعرض فيه، وكان الركاب بحكم كثرة الحافلات ينتقون من الحافلات ما يتناسب مع مزاجهم.

وقد شاء الله أن نمر في رحلتنا تلك بحافلتين مختلفتين تماما.. وستكون قصتي كلها حول هاتين الحافلتين، وما يعرض على شاشتها التلفزيونية.

قال ذلك، ثم التفت للحضور من المرضى والممرضين، وقال: الحياة كلها رحلة.. ونحن إنما ننتقي في حياتنا المراكب التي نصل بها إلى المحطة النهائية.. فمنا من يركب حافلات مقدسة، ومنا من يركب حافلات مدنسة.. وبقدر قداسة الحافلات التي نركبها بقدر جمال المحطات التي نصل إليها.

قلت: أنا في شوق شديد لحديثك.. فهيا حدثنا.

صمت قليلا، وكأنه يتذكر الحادثة بدقة، ثم قال: عندما امتلأت مقاعد الحافلة بالمسافرين، وحان وقت الانطلاق، وقف السائق مخاطبا لنا بكل أدب، وقال: أيها المسافرون الأعزاء يسرني أن أكون في خدمتكم هذه الليلة.. وأنتم تعلمون بعد المسافة وطول الطريق.. ولهذا فقد أتيت لكم ببعض الأشرطة العلمية النافعة حتى لا يضيع وقتكم في لغو المسلسلات والأفلام.. فإن لم يرقكم هذا، فأخبروني، فأنا في خدمتكم.


 

 

 

 

 

 

 

 

الحافلة الأولى

 

البوطي.. والحكم العطائية

صاح جميع المسافرين بالموافقة، وبقبول ما عرضه عليهم.. فأخذ الرجل شريطا من حقيبته، وقال: هذا شريط لعالم جليل من علماء الإسلام المعاصرين.. وقد استشهد رحمه الله.. وكان مثالا للصدق والورع والشجاعة.. وهو يشرح فيه الحكم التي ذاع صيتها في الآفاق.. حكم ابن عطاء الله السكندري.

صاح ربيع في السائق بقوة: ما الذي تريد أن تفعله بنا يا رجل.. أتريد أن تحولنا إلى زنادقة وملحدين.. ما هذه الجريمة التي تريد أن تقترفها؟

قال السائق المسكين بكل أدب: اعذرني يا بني.. فلم أكن أدري أن هذه الحكم تحوي زندقة أو إلحادا.. لقد سمعت آبائي وأجدادي يثنون عليها.. وكانوا يوجهوني كل حين من خلالها.. حتى أني أكاد أحفظها جميعا.

قال ربيع: آباؤك وأجدادك ليسوا مقاييس للحقيقة.. أتريد أن تردد ما ردد أهل الجاهلية: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 22]

قال السائق: لا بأس يا بني.. لكني أود أن أوضح لك بأنني بحمد الله لم أكتف بما رباني عليه والداي.. بل رحت أبحث وأسمع لأهل العلم ولم أجد منهم بحمد الله من يقول ما تقول.. وهذا الشريط الذي أريد أن أسمعكم إياه دليل على هذا.. فحتى لو كان ابن عطاء الله زنديقا فإنك تتفق معي على أن الشارح ليس كذلك.

قال ربيع: ما دام الرجل زنديقا، فكل من يشرح كلامه زنديق مثله.

قال السائق: أنت لا تعلم صاحب الشرح، ولهذا تردد ما تردد.. إنه علم من أعلام الإسلام الكبار في هذا العصر.. وقد تصدى بكل قوة لمؤامرة استهدفت بلده، ودفع دمه ثمنا لذلك.. وقد تشرفت بلقائه، فرأيته ممتلئا صدقا وإخلاصا.

قال ربيع: لا أظنك تريد إلا ذلك الضال المضل رأس الفتنة (محمد سعيد رمضان البوطي)

قال السائق: أجل.. وهو عالم جليل..

قاطعه ربيع، وقال: بل هو ضال مضل، ألم تسمع ما قال فيه السديس مقرئ الحرم وعالمه.. ذلك الفحل الذي لا نظير له في العلوم والقراءة.. لقد أصدر بيانا حول مقتله اعتبر فيه الفرح بموته من الفطرة، وقال في بيانه: (إن البوطي كان من رؤوس أهل البدع والضلال، وممن يزين للناس البدع ويغريهم بها، ويحذرهم من حق أهل السنة ويقبحه لهم، وقد ضل بسببه أمم لا يعلمهم إلا الله)([5])

قال السائق: مع احترامي لك وللسديس ولكل العلماء.. لكني لا أرى من الأدب أن نفرح لموت مسلم.. بل لموت إنسان.. لا يفرح لموت الناس إلا من امتلأ حقدا.

استشاط ربيع غضبا، وقال: تأدب يا رجل.. أراك ترمي السديس بالحقد.. ألا تخاف الله؟.. ألا تعلم أن لحوم العلماء مسمومة؟

قال السائق بكل أدب: أعتذر يا بني.. فلم أكن أقصد الشخص، وإنما قصدت المقالة التي قالها.. فإني أراه مخطئا فيها..

قال ربيع: ويلك.. ما أجرأك على العلماء مع أنك لست سوى نكرة.. ألا تعلم ما قاله سلفنا الصالح في الموت بفرح المبتدعة ورؤوس الضلالة؟

ألا تعلم أنه لما جاء خبر موت المريسي الضال، وكان بعض سلفنا الصالح في السوق فقال: (لولا أنه كان موضع شهرة لكان موضع شكر وسجود، والحمد لله الذي أماته)([6])

وقيل لبعض سلفنا: الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد، عليه في ذلك إثم؟ قال: (ومن لا يفرح بهذا؟!)([7])

وقال سلمة بن شبيب: كنت عند عبد الرزاق -يعني الصنعاني-، فجاءنا موت عبد المجيد - وهو ابن عبدالعزيز بن أبي رواد، وكان رأساً في الإرجاء - فقال: (الحمد لله الذي أراح أُمة محمد من عبد المجيد)([8])

ولما جاء نعي وهب القرشي -وكان ضالاً مضلاً- لعبد الرحمن بن مهدي قال: الحمد لله الذي أراح المسلمين منه([9]).

وقال الحافظ ابن كثير عن أحد رؤوس أهل البدع: (أراح الله المسلمين منه في هذه السنة في ذي الحجة منها، ودفن بداره، ثم نقل إلى مقابر قريش فلله الحمد والمنة، وحين مات فرح أهل السنة بموته فرحاً شديداً، وأظهروا الشكر لله، فلا تجد أحداً منهم إلا يحمد الله)([10])

قال السائق: أنا لم أتشرف بقراءة ما ذكرت من أقوال، لأني كنت مكتفيا بما سمعت من أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ورد فيها النهي عن التعرض للموتى، ففي الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم)([11])، في حديث آخر: (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)([12])، في حديث آخر: (لا تذكروا موتاكم إلا بخير، إن يكونوا من أهل الجنة تأثموا، وإن يكونوا من أهل النار فحسبهم ما هم فيه)([13])، في حديث آخر: (لا تذكروا هلكاكم إلا بخير)([14])

انتفض ربيع غضبا، وقال: ويلك.. أترد على ابن كثير والصنعاني ووهب وخيار السلف؟.. من أنت؟.. ألا تعرف أن ابن كثير حافظ من حفاظ الحديث؟.. إنه يحفظ الأحاديث بطرقها وأسانيدها وكل شيء يرتبط بها.. أتحسب أيها النكرة أن مثل هذه الأحاديث غابت عنه حتى تذكره بها؟

قال السائق: أنا لم أخاطب ابن كثير بهذه الأحاديث إنما خاطبتك أنت.. وذكرت لك أن ما ذكره ابن كثير يخالف ما ورد في الأحاديث.

قال الربيع: ويلك.. ألا تزال مصرا على معارضة العلماء؟.. ألا تعلم أن لحومهم مسمومة؟.. ألا تعلم أن وقائع الله بمنتقصيهم معلومة محتومة؟

المالكي.. والصوفية

كان ربيع يخطب بكل حماسة، ولم يشأ السائق أن يقاطعه، فقد كان شديد الحياء، ولهذا تركه إلى أن انتهى من حديثه، وبعدها لم يشأ أن يجيبه، بل أخذ شريطا آخر، وقال: لا بأس.. ما دام البوطي لم يعجبك.. وما دمت أراك تحب علماء الحرم، فلدي شريط لعالم من علماء مكة الكبار.. كان يدرس في الحرم النبوي.. إنه محمد بن علوي مالكي([15]).. لقد كان من..

قاطعه ربيع بقوة قائلا: ويلك.. ما أشبهك بالغراب.. فلا أراك تقع إلا على الجيف والخبائث.. ألم تسمع ما قال شيخنا الجليل مقبل بن هادي الوادعي عنه.. لقد ذكره في شريط له بعنوان (حاطب ليل)، فقال: (محمد بن علوي مالكي حاطب ليل صوفي زائغ لا ينبغي أن يُعتمد عليه، ولا ينبغي أن يُحضر درسه)، ثم ذكر لنا أن أحد سلفنا الصالح، وهو (أيوب بن أبي تميمة) نهى إخوانه من السلفيين في عصره أن يحضروا حلقة عمرو بن عبيد، (فذلكم الزائغ الضال لا ينبغي أن تُحضر حلقته ولا أن يُكثر سواده)

قال السائق: دعك من شيخك.. فقد يكون أخطأ في حقه.. واسمع إلى كلامه، واحكم عليه بعد ذلك.. أليس شيخك بشرا كسائر البشر، يجوز عليه الخطأ والغفلة والسهو والنسيان؟

قال ربيع: ويلك أما زلت تتجرأ على لحوم العلماء.. أتتجرأ على الشيخ مقبل.. ألم تعلم أنه من أنصار السنة الكبار في هذا العصر؟.. ألم تعلم أن الجرأة على علماء السنة تعدل الجرأة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسها؟.. فعلماء السنة هم حملة حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم لا يختلفون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحرمة في هذا الجانب.

 لقد ذكر العلامة الكبير المحدث يحي الحجوري جهوده في مقاومة المبتدعة من الصوفية والرافضة وغيرهم فقال: (قد خرج شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي وكثير من الناس يخبطون خبط عشواء وتجري عقولهم في اقتناص مصالحهم على غير السواء، فجدد الله به في البلاد أمر دينها، وحمى به جناب السنة وعرينها، فشمر عن ساعد الجد بتشييد علوم كتاب الله وسنة رسوله وتبينها وتزييف تلك الضلالات وتوهينها، فعلّم وصنف ودعا إلى الله عز وجل بكل ثبات ويقين، وفضح الله به الزنادقة والملحدين والمبتدعة الضلال والمتهورين، حتى كان محل ثقة المسلمين الرحال وقطعوا السهول والجبال فأحياه الله حياة طيبة مزدهرة بالعلم والتعلم والنصح والتوجيه والفتوى والبيان)([16])

قال السائق: أنا لم أتعرض يا بني لشيخك بقليل أو كثير.. لا بمدح ولا بهجاء.. لكني فقط ذكرت لك أنه عليك ألا تكتفي بمقولة شيخك من غير بيان ولا دليل؟

قال ربيع: وهل تحسب أني اكتفيت بمقولة شيخي، إننا – معشر السنة – لا نكتفي بمحدث واحد، بل نظل نتردد على العلماء لنستوثق من المعلومة، ونتبينها.

لقد أصدرت فيه هيئة كبار العلماء قرارها الخطير([17]) بإخراجه من أهل السنة، واعتباره من أهل البدعة، وأنه من الدعاة (إلى الشرك بالله سبحانه والدعوة إلى البدع والمنكرات والضلالات والبعد عما عليه سلف هذه الأمة من سلامة العقيدة وصدق العبودية لله تعالى في ألوهيته وربوبيته وكمال ذاته وصفاته)

ومنذ ذلك القرار وأعلام أهل السنة يكتبون الكتب في الرد عليه، فكتب صالح آل الشيخ في (هذه مفاهيمنا) ردا على كتاب (مفاهيم يجب أن تصحح).. وكتب سمير المالكي في (جلاء البصائر) في الرد على كتابي (شفاء الفؤاد) (والذخائر).. وكتب أبو بكر الجزائري في (كمال الأمة في صلاح عقيدتها): في الرد على (الذخائر)، وفي (وجاءوا يركضون) في الرد على (من دافع عن المالكي).. وكتب سفر الحوالي في (الرد على شركيات المالكي) رد فيه على كتاب (شفاء الفؤاد)، وله أيضا (الرد على الخرافيين)، وهي خمسة أشرطة، رد فيها على صوفيات المالكي.. وكتب ابن منيع في (حوار مع المالكي) رد فيه على (بدعة المولد).. وكتب حمود التويجري في (الرد القوي) رد فيه على من (دافع عن المالكي).. وكتب إسماعيل الأنصاري في (القول الفصل) رد فيه عليه في بدعة المولد.. وغيرها كثير.

أراد السائق أن يعلق على قوله، فقاطعه ربيع بقوة، وقال: ألا يكفيك كل هذا؟ أم تريد من المطابع أن تتوقف عن طباعة كل الكتب لتخلص لطباعة ما يكتب كل يوم للرد عليه.

اسمع جيدا ما قال عبدالله بن سليمان بن منيع - أحد قضاة محكمة التمييز بالمنطقة الغربية، وعضو هيئة كبار العلماء – في مقدمة كتابه في الرد عليه، والذي عنونه بـ (حوار مع المالكي)([18])، والذي جاء فيه: (لقد تتابعت سموم هذا الضال المضل على العقيدة السلفية بما ينشره من مؤلفات أطمها وأغمها وأكثرها بلاء ومقتاً وفحشاً كتابه (الذخائر المحمدية)، وآخرها فيما علمنا أن يكون آخرها في مجال الدعوة إلى البدع والضلالات رسالته البتراء المسماة (حول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف)، وهي رسالة تشتمل على الكثير من المغالطات والتلبيسات والتشبيه على العقول)([19])

وقال شمس الدين السلفي: (ألف محمد علوي المالكي أحد الدعاة إلى القبورية في عصرنا هذا كتابه القبوري (مفاهيم يحب أن تصحح) برهن فيه على أنه ملبس مدلس قبوري خرافي...)([20])

وقد حدثني بعض أصدقائي من مكة المكرمة أنه لما أدخلت جنازته للحرم في صلاة المغرب لتصلى عليه الجنازة رأى الشيخ السديس زحمة الناس، فسأل عن السبب، فقالو له: هذه جنازة محمد علوي مالكي.. فرفض الشيخ الصلاة عليه..

وتركوا الجنازة الى صلاة العشاء.. وقتها كان الشيخ (... ) يصلي بهم العشاء، وكان عنده علم بصاحب الجنازة.. في البداية رفض الصلاة عليه.. وبعدها كثر اللغط من أتباع المالكي.. وقتها دخلت جنائز، فوافق الشيخ الصلاة على كل الجنائز، ومن ضمنهم جنازة المالكي.

قال السائق: ولكن يا بني.. ألا ترى أن في هذا تشددا، فصلاة الجنازة عبادة، وهي حق لكل مسلم.

قال ربيع: لو كان مسلما لصلى عليه.. فكيف وهو صاحب بدعة محرمة.. وقد ترك سلفنا الصالح الصلاة على من هو دونه.. لقد حدث مؤمل بن إسماعيل، قال: مات عبد العزيز، فجيء بجنازته، فوضعت عند باب الصفا، وجاء سفيان الثوري، فقال الناس: جاء سفيان، جاء سفيان. فجاء حتى خرق الصفوف، وجاوز الجنازة، ولم يصل عليها، لأنه كان يرى الإرجاء. فقيل لسفيان في ذلك، فقال: (والله إني لأرى الصلاة على من هو دونه عندي، ولكن أردت أن أري الناس أنه مات على بدعة)

قال السائق: ولكن.. ألا ترى – يا بني- أن كل من ذكرت أبناء مدرسة واحدة، ولهذا تراهم يتفقون، ولا يختلفون، لو أنك وسعت مدارك أكثر، ورأيت علماء آخرين من مدارس أخرى، لوجدت آراء أخرى تزيد أفقك اتساعا، ومواقفك وضوحا.

قال ربيع: أتريدني أن أترك روضات أهل السنة المريعة، لأرعي في فيافي المبتدعة المجدبة.. أمجنون أنا؟

قال السائق: لا بأس.. ولكني أراك تكتفي بذكر آراء الرجال، وهم قد يخطئون في أحكامهم.

قال ربيع: وهل تحسب أننا مثل معشر المقلدين نكتفي بحفظ المقولات دون أدلتها.. لقد ساق لنا مشايخنا الكثير من كفرياته ليبرهنوا لنا على ذلك..

لقد ذكروا لنا أنه كتب كتابا سماه (مفاهيم يجب أن تصحح) أثنى فيه على التصوف، ودعا فيه إلى الاستغاثة بالرسول  صلى الله عليه وآله وسلم، وبغيره من الأولياء، كما دعا إلى شد الرحال إلى قبر النبي  صلى الله عليه وآله وسلم.. بل كتب في ذلك كتابا سماه (شفاء الفؤاد في زيارة خير العباد)

وذكر لنا أنه من الدعاة إلى إحياء الاحتفالات المبتدعة أمثال الاحتفال بالمولد النبوي وكتب في ذلك رسالته (حول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف) و(البيان والتعريف في ذكرى المولد الشريف)

كما أن له كتاب بعنوان (الذخائر المحمدية) نشر فيه كثيرا من معتقدات الصوفية في الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم والتي تحتوي على الغلو المنهي عنه في صحيح السنة النبوية!!

ومن ذلك أنه نقل فيه بيتاً من الهمزية الممتلئة كفرا، وهو قوله مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

ليته خصني بـرؤية وجـه     زال عن كل من رآه العناء

وهذا كذبٌ وباطلٌ، وقد رآه في حياته صلى الله عليه وآله وسلم أقوامْ كثيرون، فما زال عنهم عناؤهم ولا كفرهم.

وقال فيه: (من استغرق في محبة الأنبياء والصالحين حمله ذلك على الإذن في تقبيل قبورهم والتمسح بها، وتمريغ الخد عليها)([21]). ونسب أشياء من ذلك الى بعض الصحابة، وأقر ذلك ولم ينكره، مع أن تلك الأمور من البدع ووسائل الشرك الأكبر، ونسبتها الى بعض الصحابة باطلة.

وذكر في نفسه كتابه السابق: (أن زيارة قبره الشريف صلى الله عليه وآله وسلم من كمال الحج، وأن زيارته عند الصوفية فرضٌ، وأن الهجرة الى قبره عندهم كالهجرة اليه حيا)([22]).. وأقر ذلك ولم ينكره مع أن جميع شرك وضلالة.. وصاحبه قبوري مشرك.

مصطفى محمود.. والباطنية

لم يجد السائق إلا أن يأخذ شريطا آخر، ثم يتوجه به إلى المسافرين، ويقول: لا بأس.. أظن أن لصاحبكم مواقف سلبية من الصوفية.. ولهذا لن نحرجه بأن يسمع ما لا يرضيه.. لدي بحمد الله في هذه الحقيبة الكثير من الأشرطة لعلماء مختلفين.. وهذا أحدها.. أنا أحبه كثيرا.. إنه شريط وثائقي بتعليق علم من أعلام عصرنا الكبار.. جمع في شخصه بين العلم والأدب والإيمان.. واستطاع أن يؤثر في أجيال كثيرة، وأن يعرض الإسلام بصورة نقية جميلة.. إنه مصطفى محمود..

انتفض ربيع بقوة، وقال: ويلك.. ما الذي تقول.. متى أصبح الرُّوَيْبِضَة([23]) التافة الحقير من لا يؤبه له الفُوَيْسِقُ عالما يستمع له الناس؟

أين أنت يا شيخنا الألباني لتسمع ما يقول هذا النكرة عن مصطفى محمود؟.. صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: (قبل الساعة سنون خداعة، يصدق فيهن الكاذب، ويكذب فيهن الصادق، ويخون فيهن الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيهن الرويبضة)([24])

وصدقت يا شيخنا ناصر الدين حين قلت: (وما أكثر هؤلاء (الصغار ) الذين يتكلمون في أمر المسلمين بجهل بالغ، الأمر الذي أكّد لي أننا في زمان تجلَّت فيه بعض أشراط الساعة)

قال السائق: ما تقول يا رجل؟.. مصطفى محمود ليس كما ذكرت.. إنه باحث كبير.. وكتبه كلها تدل على ذلك.. وما دمت قد اعتبرت محمد بن علوي المالكي خرافيا، فقد أتيتك بهذا، لأنه طبيب وباحث في مجالات مختلفة حتى أنه كتب في نظرية النسبية وحاول تبسيطها للعامة، ويندر أن يوجد علم من العلوم إلا وتحدث فيه حديث عالم مهتم. 

ضحك ربيع بقوة، وقال: لقد اطلعت على كتبه، فلم أره يخرج حديثا واحدا.. ولم أره ينقل نصا واحدا عن السلف.. إنه مغرم فقط بالكلام.. كل كتبه كلام في كلام.

قال السائق: لقد نجح في عرض الإسلام بطريقة مهذبة مسالمة حضارية.. وهذا ما جعل الكثير ينجذب إليه.

لقد انتقد الإسلام السياسي، فكتب يقول في كتابه (الإسلام السياسى والمعركة القادمة) يرد على من جعلوا من الإسلام وسيلة لطلب المناصب والكراسي: (الاسلام السياسي وعي واستنارة ودعوة بالحسنى إلى كلمة سواء، وهو ليس مؤمرات وانقلابات وسباقات على الكراسي، انه دعوة للحرية وللعدالة وللتقدم فى جميع الميادين تحت راية التوحيد والتقوى.. الاسلام السياسي هو صناعة رأي عام مستنير، يجمع الأمة ولا يفرقها.. يجمع الحلبي والشامي والمغربي والنصراني والمسلم والعلماني..

قاطعه ربيع بقوة، وقال: وأين الولاء والبراء.. إذا اجتمع المسلم مع النصراني مع العلماني انهد الإسلام.. إن الذي يقول هذا لا يعرف الإسلام.

قال السائق: كيف تقول هذا عن مصطفى محمود.. إن حديثه عن الإسلام حديث عارف ذائق مؤمن.. لقد كتب كتابا بعنوان (الإسلام.. ماهو..؟) أبان فيه عن فهمه العميق للدين.. اسمع ما يقول في تعريفه للدين.. لقد قال: (الدين ليس حرفة ولا يصلح لأن يكون حرفة.. ولا توجد في الإسلام وظيفة اسمها رجل دين.. ومجموعة الشعائر والمناسك التي يؤديها المسلم يمكن أن تؤدى في روتينية مكررة فاترة خالية من الشعور، فلا تكون من الدين في شيء.. وليس عندنا زي اسمه زي إسلامي.. والجلباب والسروال والشمروخ واللحية أعراف وعادات يشترك فيها المسلم والبوذي والمجوسي والدرزي.. ومطربو الديسكو والهيبي لحاهم أطول.. وأن يكون اسمك محمدا أو عليا أو عثمان، لا يكفي لتكون مسلما.. وديانتك على البطاقة هي الأخرى مجرد كلمة.. والسبحة والتمتمة والحمحمة، وسمت الدراويش وتهليلة المشايخ أحيانا يباشرها الممثلون بإجادة أكثر من أصحابها.. والرايات واللافتات والمجامر والمباخر والجماعات الدينية أحيانا يختفي وراءها التآمر والمكر السياسي والفتن والثورات التي لا تمت إلى الدين بسبب..)([25])

قهقه ربيع بصوت عال، وقال: إذا أخرجت اللحية والقميص والاسم وكل ما ذكرت من الدين.. فما الذي بقي منه؟.. وكيف نفرق بين صعلوك شيوعي وتقي مسلم؟.. أم ننتظر حتى يأتي وقت الصلاة لنفرق بينهما.

قال السائق: لقد أجاب مصطفى محمود على ذلك، فقال: (الدين حالة قلبية.. شعور.. إحساس باطني بالغيب.. وإدراك مبهم، لكن مع إبهامه شديد الوضوح بأن هناك قوة خفية حكيمة مهيمنة عليا تدبر كل شيء.. إحساس تام قاهر بأن هناك ذاتا عليا.. وأن المملكة لها ملك.. وأنه لا مهرب لظالم ولا إفلات لمجرم.. وأنك حر مسئول لم تولد عبثا ولا تحيا سدى وأن موتك ليس نهايتك.. وإنما سيعبر بك إلى حيث لا تعلم.. إلى غيب من حيث جئت من غيب.. والوجود مستمر.. وهذا الإحساس يورث الرهبة والتقوى والورع، ويدفع إلى مراجعة النفس ويحفز صاحبه لأن يبدع من حياته شيئا ذا قيمة ويصوغ من نفسه وجودا أرقى وأرقى كل لحظة متحسبا لليوم الذي يلاقي فيه ذلك الملك العظيم.. مالك الملك.. هذه الأزمة الوجودية المتجددة والمعاناة الخلاقة المبدعة والشعور المتصل بالحضور أبدا منذ قبل الميلاد إلى ما بعد الموت.. والإحساس بالمسئولية والشعور بالحكمة والجمال والنظام والجدية في كل شيء.. هو حقيقة الدين.. إنما تأتي العبادات والطاعات بعد ذلك شواهد على هذه الحالة القلبية.. لكن الحالة القلبية هي الأصل.. وهي عين الدين وكنهه وجوهره)([26])

قاطعه ربيع بقوة، وقال: هذا دين الباطنية لا دين الإسلام.. لقد حذرنا مشايخنا من كلماته الخطيرة تلك، لقد قال في كتابه الذي تجاسر فيه على تعريف الدين: (إن العمدة في مسألة الدين والتدين هي الحالة القلبية.. ماذا يشغل القلب.. وماذا يجول بالخاطر؟.. وما الحب الغالب على المشاعر ؟.. ولأي شيء الأفضلية القصوى؟.. وماذا يختار القلب في اللحظة الحاسمة ؟.. وإلى أي كفة يميل الهوى ؟.. تلك هي المؤشرات التي سوف تدل على الدين من عدمه.. وهي أكثر دلالة من الصلاة الشكلية) ([27])

قال السائق: ما أجمل هذه الكلمات..

قاطعه ربيع: بل ما أقبحها.. هذا دين الباطنة والملاحدة والزنادقة لا دين المسلمين.

قال السائق: كيف تقول ذلك، والرجل يدعو إلى الحرص على ظاهر الإسلام كما يدعو إلى الحرص على باطنه.. هو فقط يدعو إلى الاهتمام بالباطن لأن الصلاة التي لا يصحبها الخشوع وذكر الله وتعظيمه لا تفيد صاحبها شيئا.. لقد قال في كتابه ذلك: (إنما تكتسب الصلاة أهميتها القصوى في قدرتها على تصفية القلب وجمع الهمة وتحشيد الفكر وتركيز المشاعر.. وكثرة الصلاة تفتح هذه العين الداخلية وتوسع هذا النهر الباطني، وهي الجمعية الوجودية مع الله التي تعبر عن الدين بأكثر مما يعبر أي فعل.. وهي رسم الإسلام الذي يرسمه الجسم على الأرض، سجودا، وركوعا وخشوعا وابتهالا، وفناء.. وبسجود القلب يتجسد المعنى الباطني العميق للدين، وتنعقد الصلة بأوثق ما تكون بين العبد والرب..) ([28])

قال ربيع: إن كل كلماته تفوح منها روائح الباطنية.. ولأنك مجرد سائق بسيط، لا حظ لك في العلم، ولا جلوس لك مع العلماء تنطلي عليك أمثال هذه العبارات.. القوم لا يريدون من الصلاة ما نعرفه من الصلاة.. إنهم يقصدون بها جلسات التأمل الشيطانية.. ولهذا هم لا يؤمنون بشعائر الدين التي نص عليها الفقهاء.. بل هم يسخرون منها.

قال السائق: كيف تقول ذلك.. لقد كان يذكر الرجل حركات الصلاة الظاهرة التي نص عليها الفقهاء، ويبين المعاني العميقة التي تختزنها، فقد قال في نفس ذلك الكتاب، وهو ينتقد التصور الخاطئ لغير المسلمين عن صلاة المسلمين: (وخطأ الأوروبي أنه يظن أن الصلاة الإسلامية هي مجرد حركات وأنها على الأكثر مجرد اغتسال ورياضة بدنية، ولهذا يقف عند ظاهر الامر لا يتخطاه.. وينسى أن الحركات في الصلاة مجرد رمز فهي وقوف إكبار لله مع كلمة (الله أكبر)، ثم ركوع، ثم فناء بالسجدة وملامسة الأرض خشوعا وخضوعا، وبذلك تتم حالة الخلع والتجرد والسكتة الكاملة النفسية.. ولا يبقى إلا استشعار العظمة لله تسبيحا.. سبحان ربي الاعلى وبحمده.. فالصلاة هي المعراج الأصغر وهي نصيب المسلم من المعراج الأكبر الذي عرج فيه محمد - عليه الصلاة والسلام - إلى ربه.. وهي ليست مجرد حركات.. بل هي أسرار ورحمات.. وأشرفها وأرفعها صلاة الفجر التي تشهدها الملائكة.. وصلاة قيام الليل.. التي نال صاحبها بها المقام المحمود) ([29])

التفت السائق إلى ربيع، وقال: هل ترى في هذه الكلمات أي باطنية أو إلحاد أو إنكار لشعائر الدين وشرائعه؟

إن نفس هذا المعنى ذكره عند حديثه عن الصيام، فهو يرى أن (الصيام الرفيع.. ليس تبطلا.. ولا نوما بطول النهار، وسهرا أمام التليفزيون بطول الليل.. وليس قياما متكاسلا في الصباح إلى العمل.. وليس نرفزة وضيق صدر وتوترا مع الناس.. فالله في غنى عن مثل هذا الصيام، وهو يرده على صاحبه ولا يقبله، فلا ينال منه إلا الجوع والعطش.. وإنما الصيام هو ركوب لدابة الجسد لتكدح إلى الله بالعمل الصالح والقول الحسن والعباد ة الحقة..) ([30])

هل ترى ما يقوله هنا أيضا صوما باطنيا؟

لم يجد ربيع إلا أن انتفض غاضبا، وهو يقول: دعك من هذا.. فالرجل عندنا كافر زنديق ضال مضل.. كل كتبه وكلماته تدل على ذلك.. ألا تراه يثني على ابن عربي والعزمي في كتابه (السر الأعظم)، بل ويعتبرهم عارفين بالله.. إن كل من أثنى على هؤلاء زنديق عندنا.. بل إن كل من يطلقون عليه لقب (العارف) هو عندنا جاهل ملحد زنديق..

الشعراوي.. والأزهريون

كان السائق في غاية السماحة والسلام، ولهذا لم يشأ أن يقع معه في جدال، بل أخذ شريطا آخر، وقال: لا بأس ما دام مصطفى محمود لم يعجبك.. فلدي شريط آخر لعالم من كبار العلماء عشقه العامة كما عشقه الخاصة.. كان يفسر القرآن الكريم فتشرئب الأعناق لتفسيره.. كان ذا روحانية عالية..

قاطعه ربيع، وقال: دعك من كل هذه الأوصاف.. ألا تعلم نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المدح.. ألا تعلم أمره بأن يحثى التراب على وجوه المداحين، فقد ورد في الحديث عن أبي معمر قال: قام رجل يثنى على أمير من الأمراء، فجعل المقداد يحثي عليه التراب، وقال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نحثي في وجوه المداحين التراب)([31])

قال السائق: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا لم أقصد المدح، بل قصدت فقط أن أرغبكم في الاستماع إليه، والاستفادة منه.

قال ربيع: من هو، فلا أظنه إلا جيفة من الجيف التي عودتنا عليها.

قال السائق: كيف يكون جيفة.. إن كلامه يحيي القلوب الميتة..

قاطعه ربيع: عدت إلى المدح من جديد.. أخبرنا عن اسمه من دون مقدمات.

قال السائق: لا بأس.. هو الشيخ محمد متولى الشعراوي..

قهقه ربيع بصوت عال، وقال: ألم أقل لكم.. إن صاحبنا لا يختلف عن الغراب.. إنه لا يقع إلا على الجيف.. قبحك الله ألا تعلم ما يقول الثقاة المحققون سدنة الدين ورعاته في الشعراوي؟

ألا تعرف أن الحجة الثقة الضابط المحقق علم الدين وناصر الملة الشيخ العلامة الحبر البحر الفهامة (محمد ناصر الدين الالبانى) رحمه الله ورضي عنه وقدس روحه الشريفة سئل عن النكرة الرويبضة القبوري الملحد الشعراوي، وقد كان السائل مثلك أحمق لا يقع على الجيف، وكان معجبا بالشعراوي إعجابا شديدا فأجابه العلامة بقوله: (هو منحرف عن العقيدة وكثيرا ما يتأول الآيات بتأويل لتناسب مفاهيم العصر الحاضر.. لا يؤخذ عنه العلم.. عنده أسلوب جيد جذاب لكن ما عنده علم صحيح ولهذا فالذي يريد أن يستمع اليه مأخوذا بروعة أسلوبه يجب أن يأخذ حذره من أن يتلقن منه ما ليس بصحيح.. لقد ذكر لي بعضهم أنه سأله عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [طه: 5]، وقال له: هل يوصف ربنا بأن له صفة العلو؟ فثار عليه الشعراوي ثورة عظيمة، وذكر له أن الله ليس له مكان وليس له زمان.. وأظن أن هذا وحده كاف في بيان ضلاله.. بالإضافة إلى ذلك فهو من علماء الأزهر.. وعلماء الأزهر علماء يتقنون اللغة العربية.. لكنهم بعيدون عن السنة كل البعد) ([32])

قال السائق: ألا ترى أن شيخك قد بالغ قليلا حين حكم على جميع علماء الأزهر أنهم بعيدون عن السنة؟

انتفض ربيع غاضبا، وهو يقول: ويلك.. كيف تتجرأ على رمي المحقق المدقق بالمبالغة.. إن جميع كلماته موزونة بموازين دقيقة.. ألا تعرف موازين المحدثين.. إنهم لا يقولون لغوا.. إنهم لا يقولون كذبا.. إنهم لا يقولون زورا.. إنهم لا ينطقون عن هوى.. إن كلامهم {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 42]، ولهذا أبيحت لهم الغيبة التي حرمت على غيرهم.

ألا تعلم أن النيل من أهل الحديث ومن سار على نهجهم أمر عظيم، فبه صرف الناس عن الحق الذي هم عليه، ولهذا شدد سلف هذه الأمة الصالحون المهتدون على من ينال منهم أقل نيل، فعن سفيان الثوري أنه قال: (استوصوا بأهل السنة خيراً؛ فإنهم غرباء.. والظاهر أن سفيان يريد أهل الحديث؛ لأن المنتسبين إلى السنة الذين يقابلون أهل البدع في عصره كانوا أكثرية، والدولة والسلطان بأيديهم.

وقد فسَّر كل العلماء المحققين الغرباء والفرقة الناجية والطائفة المنصورة بأهل الحديث وبأهل السنة، ومرادهم بأهل السنة أهل الحديث، وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا يزال ناس من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة)([33])، وقد سئل الإمام أحمد عن معنى هذا الحديث؟ فقال: إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث؛ فلا أدري من هم؟!.. وقال فيهم حفص بن غياث: هم خير أهل الدنيا.. وعن بكر بن عيَّاش أنه قال: إني لأرجو أن يكون أصحاب الحديث خير الناس.. وقد قال الحاكم مؤيداً قولهما: ولقد صدقا جميعاً أن أصحاب الحديث خير الناس، وكيف لا يكونون كذلك؟! ثم شرع في الثناء عليهم... إلى أن قال: فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء، ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بؤس؛ فعقولهم بلذاذة السُّنة غامرة، وقلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة، تعلُّم السنن سرورهم، ومجالس العلم حُبورهم، وأهل السنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم ([34]).

سكت ربيع قليلا يستجمع أنفاسه، فظن السائق أنه أكمل حديثه، فأراد أن يتحدث، فقاطعه ربيع بقوة، وهو يقول: دعني ويلك أكمل حديثي.. لقد قال يوسف بن موسى القطان: ازدحمنا يوما على أبي بكر بن عياش، فقال: مالي أرى رؤوسا كأنها رؤوس الشياطين، فتنحينا عنه، فقال: ما أعلم في الدنيا قوما خيرا منهم هم قد عرفوا حديثي لو أخذوه وذهبوا من كان يقول لهم شيئا.. وقال هشام بن خالد حدثنا الوليد بن مسلم قال: شيعنا الأوزاعي وقت انصرافنا من عنده فأبعد في تشيعينا حتى مشى معنا فرسخين أو ثلاثة فقلنا له: أيها الشيخ يصعب عليك المشي على كبر سنك، فقال: امشوا واسكتوا لو علمت أن لله طبقة أو قوما يباهي الله بهم، أو أفضل منكم، لمشيت معهم وشيعتهم، ولكنكم أفضل الناس.. وقال محمد بن أحمد بن البراء العبدي سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول - وكان رأى بعض أصحاب الحديث يضطربون – فقال: أما إن فاسقهم خير من عابد غيرهم.. وقال قتيبة بن سعيد: إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيي بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وذكر قوما آخرين فإنه على السنة ومن خالف هذا فاعلم أنه مبتدع.. وقال أحمد بن سنان: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث، وإذا ابتدع الرجل نزع حلاوة الحديث من قلبه.

كان ربيع يخطب بقوة وحماسة، والزبد يتطاير من فمه، وجسمه يرتجف جميعا، وكنت في ذلك الحين كالأبله أتفرج معجبا بحفظه وحماسه وطريقة نطقه بالألفاظ، ولم تكن لدي أي مصفاة أزن بها كلامه، لأميز بين حقه وباطله، وعاقله ومجنونه.

بعد أن انتهى من خطبته الطويلة، قال له السائق: يا بني اسمعني جيدا.. الذي أعلمه.. وأنا كما تراني إنسان أمي بسيط لا أحفظ ما تحفظ.. هو أن أهل الحديث وغيرهم مهما جل قدرهم بشر قد يخطئون وقد يصيبون.. وقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى } [النجم: 3] نزل في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينزل فيهم.

عاد ربيع إلى غضبه من جديد، وصاح في السائق: ويلك.. ثكلتك أمك.. أتتجرأ على أهل الحديث.. ألا تعلم أنه قيل للإمام أحمد: يا أبا عبدالله! ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث، فقال: أصحاب الحديث قوم سوء. فقام الإمام أحمد مثل قيامي هذا، وهو ينفض ثوبه، ثم قال: زنديق، زنديق، زنديق. ودخل البيت.

وقال أحمد بن سنان القطان: ليس في الدنيا مبتدع؛ إلا وهو يبغض أهل الحديث، وإذا ابتدع الرجل؛ نزع حلاوة الحديث من قلبه.

السقاف.. والمتكلمون

ترك السائق ربيعا إلى أن انتهى من خطبته، ثم قال مخاطبا له بكل أدب: ما دمت قد أثنيت على أهل الحديث وذكرت فضلهم.. فلدي هنا بعض الأشرطة لعالم جليل من علماء الحديث.. أرى أن ما ذكرته ينطبق عليه تماما.. فهو لا يقول زورا، ولا ينطق عن هوى.

ابتسم ربيع، وقال: وأخيرا عدت إلى رشدك.. هات ضع الشريط.. وشنف آذاننا بأطيب كلام.. كلام المحدثين.

أخذ السائق يبحث عن الشريط، لكنه بمجرد أن وجده، وأراد وضعه أوقفه ربيع، وقال: رويدك يا رجل.. أخبرنا أولا.. من هو هذا المحدث الذي تريد أن تسمعنا صوته؟

قال السائق: ألم تذكر أن أهل الحديث كلهم ثقاة.. وناجون.. ومنصورون؟

قال ربيع: لقد ظهر فيهم بعض المبتدعة، ممن تلاعب بهم الشيطان.. ولذلك أخبرنا أولا من هو هذا المحدث؟

قال السائق: إنه حسن السقاف..

عاد الغضب إلى ربيع من جديد، وقام، وهو يقول: ويلك.. ألم تعرف من المحدثين غير هذا المبتدع الضال المضل.. ويلك ألا تقع إلا على الجيف.. لقد عقدنا الاجتماعات الطويلة عنه، وكلنا اتفق على أنه([35]) (رافضي خبيث، من أكثر الناس مناداةً ودعوةً إلى وحدة الوجود.. إلا أنه لم يدم في دعوته إلى مبادئه العفنة طويلاً،  فتنصل وانخنس، وأصبح يقرأ في عقائد الفرق الضالة، فأعجبته فكرة دخوله أو تحوله إلى مذهب الرافضة ظناً منه ـ أو تصديقاً لحاله ـ بأنه شريف من السادة آل البيت ـ على حد تعبيره.. وأين هو من ذلك، فإذا نظرت إلى حقيقة هذا الخساف المتهور، وجدته   كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، أو {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40]، ولم يزل هذا المتهور المعثار يطعن في الدين ويشوهه، متخذاً حسبه ونسبه ـ زاعماً ـ مطيةً للدس في الدين.. وقد تبعه على ذلك غلمان حدثاء الأسنان، يمرقون من الدين - وهم لا يشعرون ـ مروق السهم، فقد جرهم هذا المجرم باديء ذي بدء إلى وحدة الوجود - مستغلاً بذلك جهلهم - وهاهو الآن يجرهم وراءه إلى مذهب الرافضة، وهم لا يشعرون)

قال السائق: لا تعجل يا بني في أحكامك ولا تتسرع.. نعم هو اختلف مع الألباني في بعض الأمور.. لكن هذا لا ينفي عنه صفة أهل الحديث.. فكتبه تشهد بكونه محدثا لا يقل عن كبار المحدثين المعاصرين إن لم يكن يتفوق عليهم.. أما كونه رافضيا، فلا أراه يرجع في كتبه إلى بحار الأنوار ولا إلى الكافي، بل أراه يرجع إلى البخاري ومسلم وكتب أهل السنة جميعا.

قال ربيع: أهل الحديث الذين ورد مدحهم في النصوص هم الذين خلصوا للحديث.. أما الذين مزجوا حديثهم بعلم الكلام والتصوف.. فلا كرامة لهم.. ولا حرمة لهم.. ولحومهم حلال لمن يشاء أن يأكلها.. بل إنا نتقرب إلى الله بذمهم والدعاء عليهم.

قال السائق: دعني يا بني أضع الشريط لتسمعه.. إنه في تنزيه الله.. إنه يذكر من الأدلة العقلية على ذلك ما يملأ القلب راحة وطمأنينة وإيمانا.

انتفض ربيع، وقال: وما علاقة العقل بالدين.. ألم تسمع ما ورد في نصوصنا المقدسة عن ذم العقل؟

قال السائق: كيف تقول ذلك.. ألم تقرأ القرآن الكريم؟.. ألم تقرأ ما ورد فيه من مدح العقل، ومن مدح أصحاب العقول؟ 

قال ربيع: من أنت حتى تتجرأ على القرآن الكريم.. لا يمكن أن تحتج بالقرآن ففيه الناسخ والمنسوخ.. والخاص والعام.. والمطلق والمقيد.. ما أدراك لعل الآية التي استدللت بها منسوخة.. أو أنها مخصصة.. أو أنها مقيدة..

قال السائق: إذا لم نرجع للقرآن الكريم.. فلمن نرجع؟

قال ربيع: إلينا.. إلى أهل الحديث.. فالسنة هي بيان القرآن.. ونحن ناقلو السنة.. ولا يفهم السنة من لم يرجع إلينا.

قال السائق: ولكن هذا الرجل متكلم كبير.. وهو يفسر السنة على منهج أهل الكلام..

غضب ربيع غضبا شديدا، وقال: ومتى صار المتكلم سنيا.. (لم يكن للبشرية بعلم الكلام علم منذ عرفت العلم فلم يعرفه السابق حتى يعلمه اللاحق ؛ لقد كان علماً مبتكراً جديدا ظل التاريخ، والواقع عليه شهيدا.. فقد نشأ في الدولة اليونانية، ودرس في مدارسها البيقوريه والرواقية والسفسطائية وفي الدولة اليونانية بنيت العلوم المنطقية، ووضعت ضوابطها العقلية، وقال اليونان بأنه آلة تعصم عن الخطأ الأذهان، ولو عصم منهم الأذهان لقلنا صدق اليونان لكنهم مختلفون في أبسط قواعد ما يعرفون فأرسطاليس الذي رتب علم المنطق، وحرره. رد على أساتذته أفلاطون، وسقراط، وتبرأ منهما فلا يعصم عقل الإنسان مهما كان إلا بوحي من الرحمن يكشف له الغيب، ليصل بلا ريب  ثم زحف علم الكلام على أمة الإسلام فكان لها مضللا، ولفكرها مشتتا، ولرأيها مفرقا، ولوحدتها ممزقا، وبقي إلى اليوم مشغلاً للقوم الذين تأثروا بالأبحاث الفلسفيه في العقائد الإيمانيه مع أنها توقيفيه فيا لمصيبة الإسلام من طريقة أهل الكلام)([36])

قال السائق: لا تعجل يا بني.. فعلم الكلام علم راسخ.. وله علماؤه الكبار المشهود لهم بالعلم ونصرة الدين.. وهم كسائر الناس ليسوا معصومين.. ولا حرج على المجتهد أن يخطئ.. فقصدهم - حتى لو أخطأوا في بعض ما بحثوه -نصرة الدين والرد على الشبهات.

غضب ربيع غضبا شديدا، ثم قال: ألا تعلم ما أجاب به أبو عمر الضرير حين سئل عن تعلم علم الكلام للرد به على أهل الجهل؟ لقد وقف مثل موقفي هذا، وقال: الكلام كله جهل فلا تتعلم الجهل، فإنك كلما كنت بالجهل أعلم كنت بالعلم أجهل([37]).. وقال أبو يوسف: العلم بالكلام، والخصومة جهل، والجهل بالكلام علم.. وقال الإمام مالك: لو كان الكلام علماً لتكلم فيه الصحابة، والتابعون كما تكلموا في الأحكام ،والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل.. وقال الشافعي: الكلام ليس من العلم.

قال السائق: أظن أن المشكلة وردتك من اسمه.. لا بأس.. فله اسم آخر.. إنه (علم التوحيد)

قهقه ربيع بصوت عال، وقال: منذ متى صار علم التوحيد يتكلم عنه بالعقل.. علم التوحيد ما أخذ من النقل لا من العقل.. لقد قال العباس بن سريج: توحيد أهل العلم، وجماعة المسلمين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله، وتوحيد أهل الباطل من المسلمين الخوض في الأعراض والأجسام، وإنما بعث النبي بإنكار ذلك([38]).. وسئل الإمام مالك عن التوحيد، فقال: محال أن يظن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه علم أمته الإستنجاء، ولم يعلمهم التوحيد.

قال السائق: ولكن من الناس من لا يتقبل النقل.. ولذلك نبدأ معه بالعقل.. فكيف ترانا نبادر الملحد الذي ينكر القرآن الكريم.. هل نخاطبه بما يفهمه أم بما لا يفهمه، ولا يقر به؟

قال ربيع: كل جدال بالعقل ضلالة.. لقد قَالَ الله تَعَالَى:{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ }[لقمان: ٢٠].. فلا يجادل في الرحمن إلا اتباع الشيطان.. والجدال في الله بالعقل أضل المسلمين عن النقل.. وقد أمر الله المسلمين بترك المجادلين والإعراض عنهم، وعدم القعود معهم قَالَ تَعَالَى:{ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }[الأعراف: ١٨٠]، بل جعل من قعد معهم في الإثم مثلهم. قَالَ تَعَالَى:{ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } [النساء: ١٤٠]

قال السائق: صدق الله العظيم.. ولكن هذه الآيات الكريمة نزلت في المجادلين العابثين، لا في طالبي الحقيقة الذين يحتاجون من يجادلهم ويحاورهم.. وقد كان المتكلمون هم الذين تخصصوا في هذا.. وكان لهم صوابهم، كما كان لهم خطؤهم.

قال ربيع: لو أنك رجعت إلى سلف الأمة لما وقعت في هذه الضلالات([39]).. لقد سئل أبو حنيفة عما أحدث الناس من الكلام في الأعراض، والأجسام فقال: مقالات الفلاسفة عليك بالأثر وطريقة السلف وإياك، وكل محدثة فإنها بدعة.. وقال: لعن الله عمرو بن عبيد إنه فتح للناس الطريق إلي علم الكلام.. وقال محمد بن الحسن: كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه، وينهانا عن الكلام.. وقال أبو يوسف: العلم بالكلام، والخصومة جهل، والجهل بالكلام علم.. وقال: من طلب الدين بالكلام تزندق.. وقال عبد الرحمن بن مهدي: من طلب الكلام فآخر أمره إلي الزندقة.. ودخل رجل على مالك بن أنس، فسأله عن القرآن. فقال لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد، لعن الله عمراً، فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام علماً لتكلم فيه الصحابة ،و التابعون كما تكلموا في الأحكام، والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل.. وقال: إياكم وأهل البدع فقيل: يا أبا عبد الله، وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله، وصفاته، وكلامه، وعلمه، وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.. وقال الشافعي: لقد اطلعت من أهل الكلام على شيءٍ والله ما توهمته قط ،ولأن يبلى المرء بما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير من أن يبتلى بالكلام.. وقال: حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر، والقبائل، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب، والسنة، وأخذ الكلام.

قال السائق، وهو يبتسم: على حسب قولك.. فإن كل علماء الأمة على ضلالة.. وينبغي أن نضربهم جميعا بالجريد.

قال ربيع: كيف ذلك؟

قال السائق: ما هي الطوائف التي مارست الكلام في تاريخ الإسلام؟

قال ربيع: كل الطوائف الضالة ما عدا أهل الحديث الناجون المنصورون.. أما من عداهم فقد وقعوا في فخ علم الكلام.. فأهل الكلام، والعقل، والجدل هم: المعتزلة والجهمية والأشاعرة والماتريدية والشيعة الإثنا عشرية والشيعة الزيدية والإباضية.. وكل من خاض بعقله في الدين.

قال السائق: أليس في هؤلاء علماء ومحققون وباحثون؟

قال ربيع: لا عالم إلا أهل الحديث.. أما من عداهم فهم في الضلالة يسدرون.. وفي غيهم يخوضون.. وإلى النار يوم القيامة يدخلون.

قال السائق: وما تقول فيما ورد في القرآن من ذكر البرهان، كما قَالَ تَعَالَى:{ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: ١١١]، وعلم الكلام ليس سوى محاولة للبرهان على الحق.

قال ربيع: الحجة في برهان النقل لافي برهان العقل، قَالَ تَعَالَى:{ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: ١٥]، فلو كان البرهان بمجرد العقل لعذب وإن لم يبعث الرسل.

قال السائق: اسمعني يا بني جيدا.. إن بعض ما تقوله صحيح.. فقد تدخل بعض أهل الكلام فيما يعنيهم.. ولكن ذلك لا يلغي أصل علمهم.. علم الكلام محاجة لأهل الباطل.. وقد ضرب الله تعالى مثالا لذلك بإبراهيم عليه السلام: قَالَ تَعَالَى:{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: ٢٥٨ ]

قال ربيع: اسمعني جيدا أيها المجادل عن أهل الباطل.. علم الكلام باطل، ولا يدمغ الباطل إلا الحق، قَالَ تَعَالَى:{ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: ١٨].. محاجة إبراهيم للنمرود تعجيزية، وليست عقليه، وعجزه يدل على صدق إبراهيم، وصدق الأنبياء يعرف بالمعجزات لا بالعقل..

قال السائق: ولكن الله تعالى ذكر أنه لقن إبراهيم عليه السلام الحجة، فقال:{ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: ٨٣]، وعلم الكلام ليس سوى حجج واحتجاجات.

قال ربيع: حجة إبراهيم مستمدة من الرحمن، وحجة أهل الكلام مستمدة من اليونان. فتأمل {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} فالحجة مستمدة من النقل لامن العقل، من وحي الرحمن لا من كلام اليونان.

قال السائق: لكن القرآن الكريم ذكر عن الأنبياء أنهم كانوا يجادلون أقوامهم، كما قال تعالى عن نوح عليه السلام، قَالَ تَعَالَى:{ قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود: ٣٢ ]، وأهل الكلام لا يمارسون سوى ذلك اقتداء بالأنبياء عليهم السلام.

قال ربيع: جدال الأنبياء لأهل الباطل بعلم مستمد من الرحمن، وجدال أهل الكلام بجهل مستمد من اليونان.. قَالَ تَعَالَى:{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود: ٢٨]

قال السائق: ألا ترى أن القرآن كله محاجة لأهل الباطل.. وهو يستعمل ما تعارفت عليه العقول من المنطق؟ ألم تسمع إلى الله تعالى وهو يقول::{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: ٢٢]، وهذه محاجة بقضايا عقلية منطقية.

قال ربيع: النقل هو الذي أعطى الحجة للعقل فمتى كان العقل يعرف التوحيد قبل النقل، فالعقل لا يعلم العقائد، والشرائع إلا بالنقل، ولو عرفت بالعقل لما احتاج العقلاء إلى كتب وأنبياء.

قال السائق: لكن الله تعالى أمرنا بالتدبر فقَالَ:{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء: ٨٢]، وقَالَ:{ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [ص: ٢٩]

وأمرنا بالتفكر، فقَالَ:{ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: ٢٤]، وقَالَ:{ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: ٤٤]

وأمرنا بالتعقل، فقَالَ:{ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}  [يوسف: ٢]، وقَالَ:{ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [ البقرة: ٧٣]

وهذه الأمور جميعا تفتقر إلى العقل.

غضب ربيع غضبا شديد، وقال: ويلك.. تبا لك من مجادل عنيد.. إن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُنَافِقٌ عَلِيمُ اللِّسَانِ يُجَادِلُ بِالْقُرْآنِ)([40]) ليصدق فيك، وينطبق عليك، وأنت حقيق به.

قال السائق: إن لم نحتج بالقرآن ونرجع إليه.. فلمن نرجع؟

قال ربيع: القرآن حمال وجوه.. ولذلك لابد من العودة إلى السنة.. وإلى كلام السلف الذي هم أولى الناس بالقرآن.

قال السائق: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

قاطعه ربيع بقوة، وقال: اسكت.. ويلك..أتريد أن تكذب علينا.

قال السائق: لا.. كنت أريد أن أذكر لك حديثا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤيد ما ذكرت.

قال ربيع: وذلك هو الكذب.. فقد اتفق المحدثون على أنه لم يصح في فضل العقل شيء، لقد قال العلامة ابن القيم: (أحاديث العقل كلها كذب)([41]) ونقل عن أبي الفتح الأزدي وأبي جعفر العقيلي وابن حبان: (أنه لا يصح في العقل حديث.. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: (أحاديث العقل كلها موضوعة )([42])

قال السائق: لا بأس.. فلندع هذا الحديث، ولنستمع كلام هذا العالم ونزنه بموازين الكتاب والسنة، فإن رأيت أنه يخالف ما وردا به ضربنا به عرض الجدار.

قال ربيع: ويلك.. ثم ويلك.. لأن أصب القطران في أذني أحب إلي من أن أستمع إلى هذا الدعي الصعلوك الكذاب المفتري..  لقد قال قال الإمام أبو عثمان الصابوني في صفة أهل السنة: ويبغضون أهل البدع، الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم، التي إذا مرت بالآذان، وقرت في القلوب ضرت، وجرت إليها الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت)([43]).. وقال سفيان الثوري: (من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة، وهو يعلم، خرج من عصمة الله، ووكل إلى نفسه.. وقال: من سمع ببدعة، فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم.. وقال ابن بطة: فالله الله معشر المسلمين، لا يحملن أحدا منكم حسن ظنه بنفسه، وما عهده من معرفته بصحة مذهبه على المخاطرة بدينه في مجالسة بعض أهل هذه الأهواء، فيقول: أداخله لأناظره، أو لأستخرج منه مذهبه، فإنهم أشد فتنة من الدجال، وكلامهم ألصق من الجرب، وأحرق للقلوب من اللهب، ولقد رأيت جماعة من الناس كانوا يلعنونهم، ويسبونهم، فجالسوهم على سبيل الإنكار، والرد عليهم، فما زالت بهم المباسطة وخفي المكر، ودقيق الكفر حتى صبوا إليهم([44]).. وقال ابن قدامة: كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع والنظر في كتبهم والاستماع لكلامهم([45]).. وقال البربهاري: وإذا رأيت الرجل جالساً مع رجل من أهل الأهواء فحذّره وعرّفه، فإن جلس معه بعد ما علم فاتقه؛ فإنه صاحب هوى([46]).. وقال شيخ الجميع، بل شيخ الإسلام نفسه ابن تيمية: ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم أو ذب عنهم، وأثنى عليهم، أو عظم كتبهم، أو عرف بمساعدتهم، أو كره الكلام فيهم، أو أخذ يعتذر لهم.. بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم، ولم يعاون على القيام عليهم، فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات لأنهم أفسدوا العقول والأديان([47]).

 

ابن فرحان.. والقرآنيون

ترك السائق ربيعا إلى أن انتهى من حديثه، وبعد ذلك أخرج شريطا من محفظته، وقال: لا بأس ما دمت قد اعتبرت علم الكلام علما مذموما، وأنه يتناقض مع القرآن الكريم.. فلدي هنا شريط لعالم يوافقك في بعض ما طرحته.. وهو من البلاد التي تطلقون عليها بلاد التوحيد.. وقد نذر حياته كلها للقرآن الكريم، فآراؤه وأفكاره ومواقفه كلها تنهل من بحار القرآن الكريم العذبة..

قال ربيع: لا بأس.. لكن من هو؟ فليس كل من نذر حياته للقرآن من أهل القرآن.. لا يكون الرجل من أهل القرآن حتى يكون من أهل الحديث.. ولا يكون من أهل الحديث حتى يكون من أتباع السلف.. السلف الصالح هم النظارة التي ننظر بها إلى الدين.. وهم الصراط المستقيم الذي جعله الله لعباده ليعصمهم من الضلالة.

قال السائق: لا بأس.. وإن كنت أختلف معك فيما ذكرت.. لكن هذا الرجل ابن للمدرسة التي تتحدث عنها، فقد تتلمذ على مشايخها، ولديه علم بالحديث والرواية، بل لديه فوق ذلك قدرة على الجرح والتعديل وتمحيص النصوص، لا الحديثية فقط، بل التاريخية أيضا.. ولهذا هو يدعو إلى تهذيب التراث وغربلته وإخراج الدخيل عليه.

فرح ربيع، وقال: هذا من نبحث عنه.. هلم به.

أراد السائق أن يضع الشريط، لكن ربيعا أوقفه، وقال: انتظر.. أنت لم تذكر اسمه..

قال السائق: لقد ذكرت لك صفاته.. وفيها ما يغني عن ذكر اسمه.. فالحق يعرف بأوصافه لا بأسماء أصحابه.

قال ربيع: لا.. هذا عندكم معشر المبتدعة.. نحن - بقية السلف وحماة الدين - لا نكتفي بالأوصاف، بل ننظر إلى الأسماء وندقق فيها حتى لا يتسرب للدين المبتدعة والضالين الذين يخدعون الناس بأوصافهم.

قال السائق: لا بأس.. إنه حسن بن فرحان المالكي..

وقف ربيع، والزبد يتطاير من فمه، وهو يقول: أوقفه، أوقف الله أنفاسك.. ما الذي تريد أن تسمعنا؟.. إن هذا الرجل رأس من رؤوس الضلالة.. ألا تعلم ما ألف أنصار السنة والسلف حوله من المؤلفات التي تحذر منه.. إنها كثيرة جدا.. منها (الانتصار للصحابةِ الأخيار في ردِّ أباطيل حسن المالكي) للعلم العلامة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر.. ومنها (الرد السديد على مطاعن حسن المالكي على أئمة الدعوة ومقررات التوحيد) للأثري السلفي الثقة الشيخ إبراهيم بن عامر الرحيلي.. ومنها (دحر افتراءات أهل الزيغ والارتياب عن دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب) لشيخ الجرج والتعديل في هذا العصر بلا منازع الشيخ ربيع المدخلي.. وغيرها كثير.

قال السائق: أرى أن أصحابك ليس لهم شغل إلا التأليف في الرد على من يخالفهم.

قال ربيع: صدقت في هذا.. فهم القائمون على حصن الدين.. وقد آتاهم الله قوة في التأليف، ومدادا كثيرا حولوا منه سهاما نصبوها لحرب أعداء الله، وكل من ينحرف عن دين الله وسنة رسول الله.. لقد كتب شيخنا العلامة محمد ناصر الدين الألـباني كتابه (دفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على جهالات الدكتور البوطي).. وكتب (الرد على أرشد السلفي).. وكتب (الرد على التعقيب الحثيث).. وكتب (الرد على رسالة الشيخ التويجري في بحوث من صفة الصلاة).. وكتب (الرد على السخاف فيما سوَّده على دفع شُبه التشبيه).. وكتب (الرد على الشيخ إسماعيل الأنصاري في مسألة الذهب المحلّق).. وكتب (الرد على عز الدين بيلق في منهاجه).. وكتب (الرد على كتاب: تحرير المرأة في عصر الرسالة).. وكتب (الرد على كتاب: ظاهرة الإرجاء).. وكتب (الرد على كتاب المراجعات).. وكتب (الرد على هدية البديع في مسألة القبض بعد الركوع).. وكتب (الرد المفحم على من خالف العلماء وتشدد وتعصب).. وكتب (كشف النقاب عما في كلمات أبي غدة من الأباطيل والافتراءات).. وكتب (النصيحة بالتحذير من تخريب ابن عبد المنان)

ولا يقل عنه شيخنا الكبير العلامة المحدث بقية السلف الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، فقد حول هو الآخر كل ما آتاه الله من مدادا سهاما وجهها لحرب أعداء السنة.. فقد كتب (الطليعة في الرد على غلاة الشيعة).. وكتب (رياض الجنة في الرد على أعداء السنة).. وكتب (إرشاد ذوي الفطن لإبعاد غلاة الروافض من اليمن).. وكتب (الإلحاد الخميني في أرض الحرمين).. وكتب (ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر).. وكتب (المصارعة).. وكتب (قمع المعاند وزجر الحاقد الحاسد).. وكتب (غارة الأشرطة على أهل الجهل والفسفطة).. وكتب (تحفة الشباب الرباني في الرد على الإمام محمد بن علي الشوكاني).. وكتب (غارة الفصل على المعتدين على كتب العلل).. وكتب (إعلان النكير على أصحاب عيد الغدير).. وكتب (إقامة البرهان على ضلال عبد الرحيم الطحان).. وكتب (فضائح ونصائح).. وكتب (البركان لنسف جامعة الإيمان).. وكتب (إسكات الكلب العاوي يوسف بن عبد الله القرضاوي).. وكتب (صعقة الزلزال لنسف أباطيل أهل الرفض والاعتزال)

ومثلهما كتب شيخنا الكبير العلامة ربيع بن هـادي عمير المدخـلي.. فقد كتب..

قاطعه السائق، وهو يقول: لا بأس.. أرانا لن ننتهي لو عددت لنا كل ما ألفه مشايخك في الردود.. فهل تدعنا نسمع لابن فرحان بنية الرد عليه.. لا بنية الاستفادة منه.

قال ربيع، والربد يتطاير من فمه: ويلك ثم ويلك.. أتريد أن تحتال علي.. لقد حذرنا أئمتنا من الاستماع إلى أهل البدع، ولو بنية الرد عليهم..

قال السائق: فكيف يردون عليهم ما داموا يحرمون الاستماع لهم؟

قال ربيع: للعلماء الأعلام فقط حق الاستماع.. وبعدها يصدرون مواقفهم وردودهم.. ونروح نحن بما أوتينا من قوة نتسابق لنشر تلك الردود والتحذيرات.

قال السائق: اصدقني القول.. هل قرأت شيئا لابن فرحان، أو سمعت له شيئا.

قال ربيع: معاذ الله.. ولكني قرأت كل ما كتب عنه، وسمعت لكل من رد عليه.. وبذلك يمكنني أن أقول: إني أعرفه أكثر من الذين استمعوا له..

قال السائق: كيف ذلك؟

قال ربيع: لأن أعلامنا من أهل الجرح والتعديل يدركون ما لا ندرك.. فقد يكون الكلام صحيحا ومعسولا لكنه يحوي السم الزعاف.. ولذلك لا نقبل شيئا إلا بعد أن يمر على مصفاة أهل السنة والحديث..

قال السائق: لكن الشيخ حسن على حسب ما أعلم تتلمذ على بعض المشايخ الذين تثق فيهم.

قال ربيع: أجل علمت ذلك.. وقد أرسل صديقنا الباحث السلفي الأثري سليمان بن صالح الخراشي رسالة إلى الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن السعد، الذي يدعي ابن فرحان أنه تتلمذ على يديه، وقد جاء فيها: (لا يخفى عليكم ما يقوم به المدعو حسن بن فرحان المالكي من نشر لضلالاته بين الحين والآخر ؛ ومن ذلك : تهجمه على صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى عقيدة السلف الصالح، ومحاربتها بما ينشره من مذكرات خبيثة؛ كمذكرته التي طبعها بعنوان (قراءة في كتب العقائد) وقد شحنها بلمز كثير من علماء السنة الذين ألفوا في العقيدة، بلهجة حانقة لا تصدر إلا عن مبغض شانئ لهم، وكان من آخر مخازي هذا الرجل نشره لمذكرة بعنوان (نقض كشف الشبهات) يحمل فيها هذا المعتوه حملة شعواء على شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبدالوهاب، ويلصق به مذهب تكفير المسلمين، ويدافع عن القبوريين.. وقد تواترت لدينا الأخبار – فضيلة الشيخ – أن هذا المبتدع يتبجح في كثير من مجالسه بأنه كثير المدارسة لكم في علم الحديث، والأخذ منكم، بما يوهم السامعين أنكم راضون عن مسلكه الذميم – والعياذ بالله – تلبيساً منه على بعض طلبة العلم ممن يحسنون الظن بكم.. ونحن نتمنى من فضيلتكم بما عرفناه عنكم من صدع بالحق بيان حقيقة هذا الرجل؛ حتى لا يغتر به أحد ويصدق دعواه، جعلكم الله من أنصار دينه)

وقد رد عليه الشيخ برسالة جاء فيها: (إن حسن بن فرحان المالكي إنسان ضال متبع لهواه، منحرف عما جاء في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، مخالف لما عليه المسلمون.. وقد رددت عليه في مقدمة كتاب (الإبانة لما للصحابة من المنزلة والمكانة ) فيما يتعلق بطعنه في الصحابة، وذلك قبل أن يظهر طعنه بالعقيدة الأثرية التي جاءت في الكتاب والسنة.. وقد حضر فيما سبق بعض دروسي وجرى عدة لقاءات بيني وبينه، وذلك قبل أن يٌظهر كثيراً من ضلالاته وإنحرافاته، وكنت أترفق به وأحاول معه ؛ حتى يتبع الحق، وقد نصحته ولكن الرجل استمر على إنحرافه، بل وزاد في الضلال والغي)

التفت ربيع إلى السائق: ألا ترى كيف تبرأ الشيخ من تلميذه.. ألا يكفيك هذا حتى تتبرأ منه أنت الآخر؟

قال السائق: أنا لا أتبرأ إلا من نفسي الأمارة بالسوء.. أما الخلق فهم لله، وهو أعلم بهم مني.. لكني لم أسمع إلا تجريحا مجردا عن أي بينة.

قال ربيع: هل تريد أن أفصل لك ما ذكره أعلامنا من بينات تدل على ضلاله.. إن ذلك محال.. ولن تكفي جميع أيام الدنيا لذلك؟

قال السائق: ألهذا الحد بلغت جرائمه؟

قال ربيع: أجل.. لقد كتب فضيلة الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي جوابا على من سأله عن حال المالكي الذي ننعته بالهالكي، فقال: (كثر في عصرنا الحداثيون والعلمانيون والمعتزلة وغيرهم من أصحاب العقائد الفاسدة، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وأخطرهم وأعظمهم أثرا من جمع خليطاً من هذه العقائد الفاسدة والأفكار المنحرفة، لا سيما الطعن في الصحابة، والقدح في أهل السنة وفي كتبهم، والدفاع عن أهل الضلال، وعلى رأس هؤلاء حسن بن فرحان المالكي، الذي قد تضخمت انحرافاته، وتعاظم شره)

ألا ترى كيف اعتبره هذه العلم العلامة جامعا لرذائل أهل الملل والنحل؟

قال السائق: لقد سمعت حديثه عن الصحابة.. وهو لا يرقى إلى ما ذكرت.. كل ما في الأمر هو أنه يريد العودة بالدين إلى صفائه وأصالته.. وقد وجد من قومه من يريدون نسف ما ورد في القرآن الكريم من معان وقيم سامية بما ورد عن بعض الصحابة مما يخالفها، فدعاهم إلى تحكيم عقولهم، والتحقيق فيما نقل عن الصحابة حتى لا ننسخ المعاني السامية للدين بما فعله الصحابة أو بعضهم أو فهموه من الدين.. فالصحابة بشر كسائر الناس، وهم يخطئون كما أنهم يصيبون، ولذلك يحتاج من يريد أن يعود بالدين إلى صفائه أن يميز بين ما أخطأوا فيه وما أصابوا.. وليس في ذلك أي حرج.

لقد سمعته يروي عن الصحابة أنفسهم ما يؤيد هذا المعنى، لقد نقل عن أنس بن مالك قوله: (ما أعرف شيئاً مما كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم! قيل آلصلاة؟ قال أليس ضيَّعتم ما ضيَّعتم فيها؟)([48])

بالإضافة إلى هذا، فقد كان التابعون أحيانا يخلطون في رواياتهم عن الصحابة، فعن بسر بن سعيد، قال: اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله، ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم ; فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب ويجعل حديث كعب عن رسول الله)([49])

ولهذا، فإنه يدعو إلى إنقاذ الإسلام من كل التأثيرات السلبية التي دخلت إليه من اليهود أو النصارى أو غيرهم من أهل الملل، والتي أشار إليها صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم). قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: (فمن؟)([50])

وقد وضع لذلك ضابطا مهما، وهو عرض ما ورد في الروايات على القرآن الكريم، فما وافقه قبل، وما خالفه رفض، وقد ورد في ذلك حديث شريف، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : (ستكون علي رواة يروون الحديث، فأعرضوا القرآن، فإن وافقت القرآن فخذوها وإلا فدعوها)([51])

انتفض ربيع غاضبا، وقال: هذا الحديث غير صحيح، وكل ما ورد في هذا الموضوع أحاديث مناكير وبواطيل، قد طعن فيها غير واحد من الأئمة كالشافعي وغيره.. بل قال يحيى بن معين عنه: هذا حديث وضعته الزنادقة.. وسئل مرة: ما تقول في الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ: (ما حدثتكم من حديث فاعرضوه على القرآن، فما وافق القرآن فخذوه، وما عارضه فردوه؟) فقال ابن معين : لقد عرضناه على القرآن فوجدناه كذباً، فقيل: كيف؟ قال: لأن الله عز وجل يقول: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )

قال السائق: أنت لم تفهم مراد الحديث.. فهو لا يقصد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس مستقلا بعرض الحقائق أو بيان شرائع الدين، وإنما يقصد أنه في حال تعارض الحديث مع القرآن الكريم نقدم القرآن باعتباره متواترا، بخلاف الحديث الذي دخله الوضاعون والكذابون وغيرهم.. وإلا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعظم من أن يخالف ربه، أو كلام ربه.

قال ربيع: ويل لك.. ما أجرأك على أهل الحديث.. هل تعلم مرتبة ابن معين حتى تعقب عليه.. لقد قال فيه..

قاطعه السائق، وقال: أعلم ما قيل فيه، وأنا أحترمه وأقدره، ولكن القرآن الكريم أعظم حرمة عندنا من ابن معين وغيره.. اسمع إليه وهو يدعونا إلى التحاكم إلى كتاب الله في حال الخلاف، قال تعالى: ( كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ) [البقرة:213]، وأنكر على المعرضين عن ذلك المنهج، فقال: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىَ كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمّ يَتَوَلّىَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ وَهُمْ مّعْرِضُونَ ) [آل عمران:23]

قال ربيع: إن جرأته على هذا هي التي جعلته يتجرأ بعد ذلك على الجميع ابتداء من الصحابة الذين أخرج أكثرهم من الصحبة، بحجة أن القرآن الكريم ذكر المهاجرين والأنصار ولم يذكر الصحابة.. حتى أنه أخرج خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين من الصحبة، وتكلم فيه كلاما شديدا قاسيا..

ولم يكتف المجرم بذلك بل ذكر أن العلماء شككوا في إسلام أبي سفيان.. وذكر أن أبا هريرة يروي عن كعب الأحبار بعض الإسرائيليات فيرويها الناس عنه ظناً منهم أنها أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال عن أبي هريرة: إنه يهم وينسى في التحديث، وذكر عن عبد الله بن عمرو أنه ظفر بزاملتين يوم اليرموك فهو يحدث منهما فيظن الناس أنه يحدث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم..

بل فوق ذلك هو معطل جهمي معتزلي ينكر إثبات بعض الصفات التي وردت في السنة، ويزعم أن فيها تشبيهاً وتجسيماً.. ويرى أن أهل السنة يثبتون بعض الصفات لله التي أخذوها من التلمود، ويتهم الحنابلة بأنهم متفقون مع العامة بالتجسيم والتشبيه.

وهو فوق ذلك كله يدندن في كتبه على أن عقيدة أهل السنة صنعها الصراع السياسي، وأنها تشكلت حسب الصراع، وليس بناء على الأدلة الشرعية أو اتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الصحابة، ثم رمى الأمة بأنها أحدثت في العقيدة أموراً ما أنزل الله بها من سلطان وذلك بأسباب الصراعات السياسية كالقول بعدم خلق القرآن أو تشبيه الله بخلقه بإثبات صفات له كصفات البشر.

وفوق ذلك كله تراه كثير اللمز لأئمة أهل السنة، فقد ذكر أن ابن تيمية هو الذي أحيا عقيدة النصب بعد أن كادت تنتهي في بداية القرن الثامن.. وذكر أن ابن كثير ناصبي متأثر بأهل بلده، ومثله الذهبي.. واعتبر البربهاري صاحب إرهاب فكري على خصومه.. وأن عبد الله بن الإمام أحمد يروي الخزعبلات والموضوعات والإسرائيليات.

وفوق ذلك فهو يتهم الأمة بأنها لم تقاتل لأجل الدين، بل كانت تقاتل لأجل الدنيا، بل قال: (أنا لا أعد الفتوحات الإسلامية إلا في عهد الخلفاء الراشدين، أما العهد الأموي فغالباً أسميه استعماراً أموياً)

وقد ختم كل هذه المنكرات بنقد الإمام المجدد الذي استطاع - بتوفيق الله ثم بما أعطاه الله من علم وحنكة وإخلاص لربه - أن يغير حالة الجزيرة العربية وما حولها من البلدان من كونها تعيش في جاهلية جهلاء تغلب عليها الوثنية من عبادة الأصنام والأوثان والقبور والأشجار إلى جعلها مركزا ومقرا للتوحيد الخالص، ألا وهو الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب، محيي السنة وقامع البدعة، حيث تناول كشف الشبهات الذي يعتبر من أنفس ما كتب في توحيد الإلهية والرد على المشركين وكسر شبههم، فتناول المالكي هذا الكتاب الجليل بالرد الذي سماه نقض كشف الشبهات.

وبناء على كل هذه الجرائم التي ارتكبها، فقد قرر مشايخه حرمانه من لقب (أهل السنة) ليدخل في ألقاب أهل البدعة، بل حرمناه حتى من اسم قبيلته بني مالك، فصرنا نناديه (الهالكي)

وقد دعوناه إلى مباهلة علنية، فرفض، وهذا ما يدلك على كذبه وضلاله وبهتانه.. فليس بيننا وبين المبتدعة سوى المباهلة.

قال السائق: لعله رفض المباهلة لأجل نصها.. فما كان نصها؟

قال ربيع: باهلناه على أن (من كان في قلبه خبيئة على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأهلكه الله.. ومن كان في قلبه دخن على شيخ الإسلام ابن تيمية فأهلكه الله.. ومن كان في قلبه غل على العقيدة السلفية فأهلكه الله.. ومن كان في قلبه غش على منهج السلف الصالح فأهلكه الله)

فضل الله.. والحواريون

لم يجد السائق بعد أن قرأ ربيع نص المباهلة سوى أن ابتسم ابتسامة ساخرة، ثم قال: لا بأس.. لن أفرض عليك أن تستمع شيئا يخالف معتقدك.. ولكن بما أنك ذكرت أن هناك من كتب كتابا في مناقشة حسن بن فرحان سماه (حوار مع المالكي)، فقد ذكرني ذلك بشريط لي يتحدث عن ضوابط الحوار في القرآن الكريم وآدابه.. وهو مفيد جدا لأن للحوار آدابه الشرعية التي تجعله يؤتي ثماره لا محالة.

قال ربيع: من صاحب الشريط؟

قال السائق: دعنا من هذا.. لأن الأسماء تجعلنا نختلف.. فلنأكل المبقلة، ودعنا من اسم البقال.. ولنأكل اللحم، ودعنا من اسم الجزار.

قال ربيع: ويلك.. وما أدراني، فقد يكون الجزار مجوسيا أو مشركا.. أتريدني أن آكل اللحم الحرام.

قال السائق: المتحدث رجل ملئ إيمانا وعلما ووقارا وأدبا وحبا للوحدة الإسلامية وحرصا عليها.. وهو ينطلق في كل ما ذكرت من القرآن الكريم.. وقد كتب في ذلك كتابا حول (الحوار في القرآن الكريم)

قال ربيع: لم يكتب هذا الكتاب إلا رجل ملئ ضلالة وجهلا وبغيا..

قال السائق: لا تقل هذا.. لعل شخصا آخر كتب بنفس العنوان.

قال ربيع: أتقصد الهالك محمد حسين فضل الله؟

قال السائق: أجل يا بني أنا أقصده.. ولكنه ليس كما وصفت، فقد كان رجلا صالحا، بل كان رائد الوحدة والحوار.. لا يضيق صدره بأي مخالف له، بل يجلس معه، ويحادثه بكل لطف وأدب.. لقد دعا إلى إذابة الجليد بين المتناحرين المتقاتلين ليحل اللسان بدل السنان، والحجة بدل الدبابة، والبرهان بدل الدماء التي تسيل من كل جانب.. لقد سمعته يصرخ في كل ناد: (إن الله علمنا أن نحاور كل الناس، ولا توجد مقدسات في الحوار، فقد حاور الله تعالى إبليس، فهل هناك من الناس من هو مثل إبليس؟ كما أن القرآن هو كتاب حوار مع المشركين في توحيد الله، ومع الكافرين في وجود الله وفي نبوة النبي، كما حاور المنافقين، لذلك نعتبر أن عظمة القرآن في أنه كتاب الحوار المقدس الذي يقول لك إن مسألة أن تؤمن هي أن تفكر وتقتنع، وبالتالي أن تحاور.. )([52])

قال ربيع: هذا ديدين المبتدعة في كل عصر.. إنهم يدعون إلى الحوار لينفذوا بشبههم إلى عقائدنا المصونة.. عقائد أهل السنة والسلف الصالح.. لقد حذرنا السلف من الحوار مع المبتدعة أو الجلوس إليهم حتى لا تسري إلينا سمومهم.. لقد قال الإمام اللالكائي مبيناً خطر مناظرة أهل البدع، وما تؤدي إليه: (فما جنى على المسلمين جناية أعظم من مناظرة المبتدعة، ولم يكن لهم قهر ولا ذل أعظم مما تركهم السلف على تلك الجماعة يموتون من الغيظ، كمداً ودرداً، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلاً )([53])

وقال أبو إسماعيل الصابوني عن أهل السنة: ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت.

وقال أبو المظفر السمعاني: واعلم أنك متى تدبرت سيرة الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح، وجدتهم ينهون عن جدال أهل البدعة بأبلغ النهي.

وقال البربهاري: وإذا أردت الاستقامة على الحق وطريق أهل السنة قبلك، فاحذر الكلام وأصحاب الكلام، والجدال والمراء والقياس والمناظرة في الدين، فإن استماعك منهم - وإن لم تقبل منهم - يقدح الشك في القلب.

وقال الآجري بعد كلامه على هجر أهل البدع: فإن قلت: فلم لا أناظره وأجادله وأرد عليه قوله؟ قيل له: لا يُؤمن عليك أن تناظره وتسمع منه كلاماً يفسد عليك قلبك، ويخدعك بباطله الذي زين له الشيطان ، فتهلك أنت.

وقال ربيع بن هادي المدخلي..

قاطعه السائق، وقال: ولكن الله تعالى ذكر عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم حاوروا أقوامهم، وذكر عن أتباع الأنبياء أنهم كانوا يحاورون بهدوء وأدب المخالفين لهم.. ولعلك قرأت سورة الكهف، وقرأت فيها حوار الصاحبين.. ولعلك قرأت سورة يس، وقرأت فيها حوار المؤمن مع أهل قريته.. ولعلك قرأت سورة غافر، وقرأت فيها حوار الذي يكتم إيمانه.

قال ربيع: أأنت أفقه أم سلفنا الصالح الذي خبروا القرآن وأحاطوا بمعانيه.. نحن لا نفهم القرآن إلا بمرآة السلف.. فهم أطهر الناس قلوبا، وأكثرهم عقلا، وأكثرهم تدينا.

قال السائق: ولكن القرآن الكريم ذكر عن الأنبياء وأتباعهم ما ذكرت لك.

قال ربيع: تلك شرائع من قبلنا.. ونحن لسنا ملزمين بها.

قال السائق: ولكن الله تعالى قال: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [العنكبوت: 46] أليس في هذا دعوة للحوار مع المخالفين.. بل علمنا الله كيف نبحث عن المشتركات لننطلق منها لعلاج المختلف فيه.

قال ربيع: ويلك.. أنت مثل الذي قال عنه صلى الله عليه وآله وسلم : (أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن).. ألا تعلم أن القرآن حمال وجوه.. ولا يقينا من سوء الفهم له إلا سلفنا الصالح.

قال السائق: ولكني قرأت أن سلفك الصالح كانوا يناظرون المخالفين.. وقد ذكرت لي بعض ذلك سابقا.. فالإمام أحمد ناظر الجهمية..كما ناظر عثمان بن سعيد الدارمي بشرًا المريسي..

قال ربيع: وهل يوجد في الدنيا أحد يشبه الإمام أحمد حتى يحل له أن يناظر أو يحاور.. ألا تعلم أن النساء عقمت أن تلد مثله.. أم تحسب أن هذا الصعلولك الدعي الرويبضة يريد أن ينزل نفسه منزلة ابن حنبل ذلك الذي هابه كل شيء حتى العفاريت والمردة.

حسون.. والإنسانيون

لم يجد السائق إلا أن يأخذ شريطا آخر من محفظته، ثم يقول: لا بأس.. لا ألزمك بشيء لم يلزمك الله إياه.. لدي بحمد الله الكثير من الأشرطة، وقد نوعتها حتى تتناسب مع أصناف الناس، فالله خلق خلقه مختلفين، ولا يصح أن نلزمهم بما يخالف طباعهم.. لقد ذكر القرآن الكريم هذه الحقيقة كثيرا، ولا أظنك تخالفني فيها.

قال ربيع: أجل.. وقد ورد في السنة كذلك ما يدل عليها، ففي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وآله وسلم : (تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)([54])

قال السائق: هذه بداية جيدة قد تجعلنا نتفق على صاحب هذا الشريط، لأنه في كل أحاديثه وخطبه يركز على احترام التنوع والاختلاف، وألا نلزم الخلق ما لم يلزمهم الله به.

قال ربيع: أشم من هذا الكلام رائحة مبتدع خبيث هالك.. فهم الذين يسربون بدعهم بدعاوى التقارب والتعايش واحترام الاختلاف.

قال السائق: لا تخف.. فهو ليس كالسابق.. هو سني التوجه.. شافعي المذهب.. بل هو مفت للسنة.

قال ربيع: وهل تحسب أن كل الشوافع سنة.. أكثر الشوافع عندنا – أصحاب منهج السلف – مبتدعة، لأنهم تركوا مذهب الإمام أحمد في الاعتقاد، وراحوا إلى الأشاعرة مخانيث المعتزلة لينصروا عقائدهم.. جد لي شافعيا واحدا كان على مذهب أهل السنة.

قال السائق: عجيب ما تقول.. أليس الشوافع من أهل السنة؟

قال ربيع: هم سنة في الفقه.. ولكن أكثرهم ليس سنة في العقيدة.. أكثرهم أشاعرة.. وأنت تعرف ما قال سلفنا الصالح في الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة وغيرهم من المعطلة منكري الصفات الذين يعبدون الوهم.. وقد شان متأخروهم المذهب الشافعي بالتصوف.. فخرجوا من زمة المبتدعة إلى زمر الكفرة والحلولية والقبورية.. فقلما تجد شافعيا إلا قبوريا.. والقبوري مشرك دمه حلال، وذبيحته حرام.

قال السائق: ونحن أهل المغرب الذين وجدنا آباءنا على المذهب المالكي.. فنحن على آثارهم مقتدون.

قال ربيع: مالك من أئمة السنة والسلف.. ولكن المالكية، وخصوصا المتأخرين شانوا المذهب، وحصل لأكثرهم من البدعة والشرك والخروج من الملة ما حصل للشافعية.

قال السائق: والحنفية.. هل هم من أهل السنة؟

قال ربيع: هناك فرق كبير بين الشافعية والمالكية والحنفية.. الشافعية والمالكية أصولهم صحيحة، والانحراف دب إليهم بعد ذلك.. لكن الحنفية منحرفون أصولا وفروعا.. ألا تعلم ما قال أئمتنا في أبي حنيفة؟

قال السائق: أجل.. أعلم ذلك.. لقد استتيب من الكفر مرتين، وأن سفيان الثوري قال فيه: (غير ثقة ولا مأمون استتيب مرتين)

قال ربيع: أحسنت.. والآن هلم أخبرنا من هو الشخص الذي تريد أن تسمعنا إياه.

قال السائق: ما دام كل هؤلاء لم تستسغهم، فلا أظن أنك ستستيغ هذا، فهو منفتح على العالم لدرجة لا يمكن لطبعك أن يتقبلها.

قال ربيع: أأنت تمدحني أم تسبني؟

قال السائق: أنا أصفك فقط.. والواصف ليس مادحا، وليس ذاما.

قال ربيع: وما أدراك بي.. هل اطلعت على سريرتي، أم تدعي أنك تعلم بواطن الناس، وما تبلي السرائر.

قال السائق: لا هذا ولا ذاك.. ولكني من خلال أحاديثك معي عرفت طبعك.

قال ربيع: ويل لجرأتك على ربك.. كيف تحكم علي من خلال بعض الأحاديث التي تحدثت بها إليك.. ماذا تقول لربك إن سألك عن جرأتك على خلقه.. بم تجيبه؟

قال السائق: لا بأس.. أرجو أن أكون مخطئا في تقديري حتى نتشرف بالاستماع إلى هذا العالم الجليل الذي وسع الله صدره وقلبه وعقله ليستوعب من الحقائق ما ضاق به الآخرون.

قال ربيع: من هذا الذي تكيل له كل هذا المديح.. ألا تعلم أن مدح المنافق أو الكافر كفر ونفاق؟

قال السائق: أنا أمدحه بما علمته منه، فقد كان خير سفير للإسلام.. استطاع بمفرده أن يخلص الكثير من العقدة التي وقع فيها اليهود عقدة (شعب الله المختار).. هو يدعو إلى التواضع واحترام الآخر مهما كان دينه ومذهبه ولغته ولونه..

قام ربيع غاضبا، وهو يصيح: لا تقل بأن الذي تريد أن تسمعنا إياه هو ذلك الهالك الآبق الظالم لنفسه حسون.. ويل له.. كم تمنينا لو أن تلك الرصاصة التي نفذت إلى صدر ابنه سارية نفذت إلى صدره.. لكانت البلاد والعباد ارتاحت من ضلالاته كما ارتاحت من البوطي.. ولكن مع ذلك فقد فرحنا كثيرا بقتل ابنه.. لقد شفى الله غيظنا.. وملأ قلوبنا فرحا وسرورا.

قال السائق: ألا تعتبر – يا بني - هذا حقدا؟

قال ربيع: ويل لك.. ثم ويل لك.. من لم يفرح بآلام المبتدعة لم يذق طعم السنة.. هذا من مقتضيات الولاء والبراء.. فمحب السنة يلزمه أن يملأ قلبه حقدا على المبتدعة.

قال السائق: أتعتبر الحقد دينا؟

قال ربيع: أنت تسميه حقدا.. وأنا أسميه براءة من أعداء الله.. الخلاف بيننا في التسميات.

قال السائق: لكن كيف طابت لكم نفوسكم أن تفجعوه في ولده؟

قال ربيع: لقد أفتى كل العلماء - حتى الذين نختلف معهم في بعض المسائل الفرعية كالقرضاوي أعضاء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - بأن كل موال للنظام السوري حلال الدم.. وقد نفذ شقنا المسلح هذه الفتوى.

ومع ذلك فلم نكتف بذلك.. لقد قال كلمات كثيرة جعلتنا نبيح دمه بغض النظر عن موقفه السياسي، لقد قال في بعض محاضراته: (أنا مسلم في عقيدتي، وعالمي في إنسانيتي.. أنا أبحث عن هذا المسلم وأحاول أن أصيغ هذا المسلم العالمي)، وهذه الكلمة كافية لإباحة دمه.. إنه يدعو إلى وحدة الأديان.

قال السائق: بل هو يدعو إلى تعايش الأديان.

قال ربيع: ومن قال لك بأن الإسلام يدعو إلى التعايش مع الآخر.. لقد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسيف بين يدي الساعة.. لقد نصر ديننا بالرعب.. لا ينبغي لكافر أن يعيش بيننا معافى سليما.. لا ينبغي أن تأمن أمة من الناس ما دامت تعبد الأصنام حتى لو زعمت أنها من المسلمين.

إن هذا الرجل المجنون يريد أن يستأصل كل القيم التي دعا إليها السلف.. تصور أنه يريد أن يستأصل الفرق بين السنة والشيعة.. لقد قال في بعض تصريحاته: (كل سني هو شيعي في ولائه، وكل شيعي هو سني في اقتدائه، وبدون التكامل بين الاثنين لن يكمل اسلام أحدهما)

إن هذا الرجل المجنون يريد أن يقضي على مذهب السلف من جذوره، فإن اتفق السنة والشعية.. واتفق أهل الحديث والمتكلمون.. واتفق السلف مع الصوفية.. فما هي وظيفتنا بعد ذلك.. وممن نحذر؟.. وعلى من نحقد؟

 

 

 

جودت.. واللاعنف

أخرج السائق شريطا آخر من محفظته، وقال: لقد عرفت مشكلتك يا بني.. ولدي في هذا الشريط حلها.. فلو أنك صبرت قليلا، وألقيت سمعك إليه فترة قصيرة، فستجد نفسك شخصا آخر تماما.. ستصل إلى تحقيق كل مآربك من غير أن تتكلف لا حقدا ولا عنتا.

قال ربيع: أنا ليس لدي مشكلة.. المشكلة فيكم أنتم.. أنتم الذين تركتم السنة والسلف، ورحتم تزاحمونهما بآرائكم وأفكاركم ورجالكم.. وكأنكم لا تعلمون بأن الدين اكتمل في القرون الثلاثة الأولى، وأن كل متحدث فيه بعد ذلك من غير نقل عن السلف دعي ودجال وكذاب.

قال السائق: لا تخف.. فهذا الرجل ينقل من القرآن الكريم مباشرة.. وله فيه فهوم عجية ترقى بالإنسان والمجتمع إلى أرقى سبل الحضارة.

قال ربيع: ما هذه الكلمة البدعية الغريبة.. كيف ينقل من القرآن مباشرة؟.. وكيف يحل له أن يصل إلى معاني القرآن دون أن يمر على البغوي وابن عطية وابن جرير وابن تيمية وابن كثير والسعدي؟.. لا يحل لأحد أن يفهم في القرآن معنى لم يشر إليه هؤلاء وغيرهم ممن جعلهم الله حماة لكتابه من تسلل المبتدعة.

قال السائق: هو يثق في كثير من هؤلاء، ويستفيد منهم، لكنه لا يكتفي بهم.

قال ربيع: من لم يكفه السلف، فلا كفاه الله.. ومن ظن أن هناك علما لم يتحدث عنه السلف أو يشيروا إليه، فهو وحمار بيته سواء.

قال السائق: دعنا يا بني نسمع هذا الشريط.. فإن فيه كلاما جميلا عجيبا عن السلام.. إنه بعنوان (مذهب ابن آدم الأول)

ثار ربيع غاضبا، وهو يقول: عرفت الرجل.. إنه ذلك الدعي الدجال الذي يريد أن يقوض صرح الجهاد الذي جاء به الدين، والذي لا يقوم الدين إلا عليه.. إنه ذلك الأفاك الأثيم الذي يريد أن يهدم التاريخ الإسلام المشرق المملوء بالأمجاد.. إنه ذلك الشيخ الخرف الذي لم يقنعه السلف ولا الخلف، فراح يتجاسر على القرآن يفسره بهواه.. ويل لك ما الذي تريد أن تسمعنا إياه.

قال السائق: تمهل يا بني.. فلا يحل لك أن تنهش عرض الرجل بهذه البساطة..

قال ربيع: وهل له عرض حتى أنهشه؟

قال السائق: لا تقل هذا يا بني.. فالرجل يعتمد في دعوته على القرآن الكريم.. فهو يستند إلى القصة التي قصها القرآن الكريم علينا عن ابني آدم، وكيف أثنى الله على المسالم منهما، والذي قال لأخيه: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 28]، ومثله قال نوح عليه السلام: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71]

وقد لاحظ من خلال دراسته للتاريخ الإسلامي امتلاءه بالدماء والمآسي.. ولاحظ من خلال دراسة حركة الدعوة الإسلامية ميلها إلى العنف والشدة.. ولاحظ من خلال دراسة الواقع الاجتماعي والسياسي للأمة تحوله إلى واقع مشحون بكل أصناف العنف.. فراح يدعو إلى السلام الذي جاء به القرآن الكريم، ودعا له الأنبياء.

قال ربيع: ويل للرجل.. أي ضلالة أوقع نفسه فيها.. ألا يعلم أن القرآن حمال وجوه، فكيف يستدل به؟

قال السائق: لقد ساق نصوصا من السنة تؤيد دعواه.. فقد ورد في الحديث: (إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ؛ القاعد فيها خير من القائم، والماشي فيها خير من الساعي، فاكسروا قسيَّكم، واقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دُخِل ـ يعني على أحد منكم ـ فليكن كخير ابنيْ آدم)([55])

قال ربيع: إن هذا الرجل من الذين يريدون أن يقوضوا بنيان الدين من خلال بعض النصوص التي يسيء فهمها، لأنه لم يرجع فيها للسلف.

إنه يريد من مقولته تلك أن يهدم الجهاد الذي جاء به الدين.. لقد حصلت مناظرة بينه وبين رجل منا على شاشة قناة الجزيرة.. فمسح به الأرض، وجعله أثرا بعد عين.

لقد قام بطلنا (نادر التميمي) في تلك الجلسة بقوة وفصاحة وبلاغة، وقال: (الحمد لله الذي أعزنا بالجهاد وجعله ذروة سنام الإسلام.. الحمد لله الذي أذلنا بالقعود عنه.. الحمد لله الذي فتح بلادنا في الشام وفي العراق وفي شمال أفريقيا وفي مصر حتى الأندلس بالجهاد.. )، ثم استمر في حديثه يبين فضائل الجهاد، وأنه الحل الأمثل لكل مشاكلنا.. حتى أن معد الحلقة لم يستطع أن يوقفه.. وكان ذلك اليوم يوما من أيام الله التي نصر فيها جنده([56]).

قال السائق: لقد تابعت الحلقة.. ولكني كنت أميل فيها إلى جودت سعيد.. فقد كان هادئا مسالما يطرح آراءه بكل أدب وهدوء..

قال ربيع: بل بكل ضعف وخور.. إن ديننا دين قوة وعزة.. وقد مثلهما نادر التميمي أحسن تمثيل.. لقد أعاد لنا سير أبطالنا الكبار الذين نفخر بهم.

قال السائق: تمهل يا بني.. فالرجل لا يريد أن يهدم الجهاد.. فالجهاد قيمة من قيم هذا الدين.. بل هو قمية من القيم الإنسانية الرفيعة .. إنه يريد أن يصحح مفهومه فقط.. لقد صار (الجهاد) عند بعض من لا يفقهون الدين وسيلة للتوسع والظلم والاستبداد.. وقد حصل بسبب ذلك الكثير من المآسي.. فلذلك دعا إلى التفريق بين جهاد المسلم المشروع، وجهاد الخوارج الممنوع؟

قال ربيع: الجهاد هو الجهاد.. والخوارج فرقة اندثرت، ولم يبق منهم إلا فلول، سيأتي اليوم الذي نقضي عليهم فيها.

قال السائق: الخوارج الذين حذر منهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخطر من أن تمثلهم طائفة من الطوائف.. إنهم كل من استعمل سلاح العنف الذي يسميه (جهادا) في غير محله.

ضحك ربيع بسخرية: وما محله أيها النكرة الرويبضة؟

قال السائق: له محلان ذكرهما القرآن الكريم، وطبقهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير تطبيق.

أما الأول، فقد نص عليه قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج: 39، 40]، وقد طبقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أكثر الحروب التي فرضت عليه ابتداء من بدر وانتهاء بحنين.. فما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ليحمي المسلمين من أذى المعتدين.

وأما الثاني، فقد  نص عليه قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75]، وهو الخروج لنصرة المستضعفين في الأرض، لا لإكراههم في الدين، أو لجباية أموالهم، وسبي نسائهم وأطفالهم، والتوسع في أراضيهم.

قال ربيع: وأين الجهاد لإعلاء كلمة الله، ونشر دين الإسلام؟

قال السائق: إن القرآن الكريم حصر الدعوة إلى الدين في هذه المحال الثلاث: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، وإن كان للجهاد مجال هنا، فهو الجهاد بالقرآن، كما قال تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52]

قال ربيع: أتريد أن تذكر بأن كل الفتوحات التي حصلت في التاريخ الإسلامي كانت منحرفة عن القرآن الكريم؟

قال السائق: لا أقول ذلك.. ولا يقول صاحبي جودت ذلك.. وإنما ننظر إليها من زاوية الشروط القرآنية، فإن توفرت فيها الشروط الشرعية كانت جهادا وفتحا، وإن لم تتوفر كانت غزوا واستعمارا وعدوانا.

قال ربيع: ويلك يا رجل.. أتريد أن تخرج من الملة؟

قال السائق: لم أكن أحسب أن الموقف من التاريخ يخرج من الملة.. لقد علمنا قرآننا ونبينا أن نقف مع الحق مهما كان، ولا تأخذنا في الله لومة لائم، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، ولذلك إن فعل حكام المسلمين ما فعله المفسدون في الأرض، فلن أنزه المسلمين، بل سأقف مع المظلوم.

قال ربيع: إن هذا يخالف عقيدة الولاء والبراء.

قال السائق: لقد علمنا الله القيم التي نوالي من والاها، ونتبرأ ممن تبرأ منها.. وأول هذه القيم العدالة.. فنحن مع العدالة وضد الظلم.. وأول ظلم نقف في وجهه هو الظلم الذي يرتكب باسم الله، وباسم دين الله ليشوهه، ويقف حجابا بين الخلق وربهم.

قال ربيع: هذا دين الضعفاء والقاعدين لا دين رب العالمين.

قال السائق: لقد مكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث عشرة سنة في مكة، ولم يحمل سلاحا، ولم يواجه المعتدين عليه، فهل كان في ذلك الحين على غير دين الإسلام؟

وقد روي أن بعض الصحابة أتوه في ذلك الحين، فقالوا: يا نبيَّ الله،  كنّا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنّا صرنا أذلة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إني أُمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم)، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك، فقال: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 77]

قال ربيع: ولكن كل ذلك نسخ.. كان ذلك مخصوصا بمكة حيث كانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرَّقون ويودون لو أُمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذلك مناسباً لأسباب  كثيرة.. فلما ذهبوا إلى المدينة، ومكن الله للمؤمنين وشرع الجهاد، ونزلت آية السيف نسخت كل آيات الصفح والحلم والعفو.. فكل آية تأمر بالعفو والصفح والحلم هي من الآيات التي بقي رسمها ونسخ حكمها.

قال السائق: ما دام حكمها قد رفع، فما الحاجة لبقائها في المصحف.. ألا ترى أن في ذلك فتنة للقارئين، حيث يقرؤون شيئا، وينهون عن تطبيقه؟

انتفض ربيع غاضبا، وهو يقول: لا شك أنك رافضي تقول بتحريف القرآن([57]).. لزوال الدنيا أهون عند الله من رفع حرف واحد من المصحف الشريف.. إنه كلام الله الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [فصلت: 42]

قال السائق: مهلا يا بني.. ليس هناك مسلم في الأرض يقول بتحريف ألفاظ القرآن .. فالمصحف واحد.. ولكن ما تقوله أنت الآن هو أعظم تحريف للقرآن..

قال ربيع: أنا لم أقل سوى بأن في القرآن ناسخا ومنسوخا.. وأن الآية الواحدة من القرآن قد تنسخ الآيات الكثيرة.. وقد ابتلانا الله تعالى بهذا حتى نعود لسلف الأمة ليفرقوا لنا بين الناسخ والمنسوخ.. وهذا ما جعلنا لا نكتفي بكتاب الله، ولا بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل نشترط مع ذلك فهم السلف الصالح، فهم أعقل الناس وأحكمهم وأعلمهم بدين الله..

لقد كان هذا أول درس لي تعلمته من مشايخي الكبار.. لقد قرأت بينهم يوما قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، فقال لي: لا يحل لك أن تستدل بهذه الآية، فهي منسوخة بآية السيف..

ثم قرأت قوله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] فأخبرني بأنها منسوخة بآية السيف.

ثم قرأت قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [الممتحنة: 8]، فأخبرني بأنها منسوخة بآية السيف.

وقرأت قوله تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85] ، فأخبرني بأنها منسوخة بآية السيف.

وقرأت قوله تعالى: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)} [الأنعام: 106، 107] ، فأخبرني بأنها منسوخة بآية السيف.

وقرأت قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } [الأعراف: 199] ، فأخبرني بأنها منسوخة بآية السيف.

وقرأت قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94]، فأخبرني بأنها منسوخة بآية السيف.

وقرأت قوله تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 89]، فأخبرني بأنها منسوخة بآية السيف.

 

وهكذا قرأت مائتي آية من القرآن الكريم، كلها يقولون لي: إنها منسوخة بآية السيف.

حينها أدركت أنني لا يمكنني بحال من الأحوال أن أستغني عن سلف هذه الأمة.. فهم أدرى الناس بناسخ القرآن ومنسوخه.. ولولاهم لعبدنا لله بما نسخ من أحكامه.

 

الغماري.. والعارفون

بعد أن انتهى ربيع من حديثه الطويل، نظر السائق إلى الساعة في يده، ثم قال: لم يبق لنا إلا وقت قليل للانطلاق.. ولم يبق في حقيبتي إلا شريط واحد.. فإن شئتم وضعته لكم لتسمعوه.. وإن شئتم سرنا في صمت مطبق.

قال ربيع: ويلك أتريد أن تضعنا في موقف حرج.. أم تريد أن تقول لنا مقالة ابن زياد: البحر من أمامكم والعدو من ورائكم.. لا يمكننا أن نسمع شيئا يأباه ديننا وربنا.. فما الذي تريد أن تسمعنا إياه؟

قال السائق: هذا الشريط لشيخ من أهل التقوى والصلاح.. وهو مثال العارف الصادق المخلص الزاهد.. فهو بين كتبه ومصحفه ومسبحته..لا تشغله الدنيا ولهوها.. ولا يحجبه عن ربه اقتراب الناس منه أو ابتعادهم، فهو منشغل بربه عن كل شيء.

قال ربيع: لا يهمنا إن كان من أهل التقوى أو لم يكن منهم.. ولا يهمنا إن كان زاهدا أو مخلصا.. لا يهمنا إلا أن يكون سنيا.. فلأن نسمع لسكير عربيد خير من أن نسمع لمبتدع.

قال السائق: لا تخف يا بني.. فهذا الرجل حشي تقوى وإخلاصا وعلما وهو مرتبط بالشريعة ارتباطا شديدا.. وشغفه كله بكلام ربه.. فهو يقرؤه ويتدبره ويعيشه.

قال ربيع: فهو من القرآنيين المبتدعين إذن؟

قال السائق: هو يجمع بين القرآن والحديث والورثة..

قال ربيع: أي ورثة؟

قال السائق: ورثة القرآن الكريم وورثة النبوة.

قال ربيع: لم يرث القرآن ولا النبوة إلا أهل الحديث.

قال السائق: أهل الحديث أهل رواية.. والورثة أهل دراية.

قال ربيع: ويلك يا دعي.. كيف تتجرأ على لحوم أهل الحديث المسمومة.. إن لم يكن أهل الحديث هم أهل الدراية، فمن هم أهل الدراية؟

ألم يصلك ما وصف به الخطيب البغدادي أهل الحديث، لقد ذكر أنهم (حفظة الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته... ومنهم كل عالم وفقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب محسن، وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر)

قال السائق: أهل الحديث على عيني وعلى رأسي.. ولكني أرى أن كل الأمة أهل حديث.. فمن بلغه حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفهمه وحاول أن يعيش معناه، فإن ذلك كاف لجعله من أهل الحديث..

قال ربيع: لا.. ذلك ليس بكاف.. لابد أن يعرف الأسانيد.. وإلا وقع في الضلالة.

قال السائق: فإن كان الأمر كذلك، وأنت تعلم أننا أقل من أن نشتغل بهذه الصناعة، فيكفينا إذن القرآن الكريم الذي نقل إلينا متواترا.

قال ربيع: كيف أفهمك أيها المجادل العنيد.. أنا لم أكلفك أن تدرس الأسانيد.. ولكني كلفتك أن ترجع فيها لأهلها من المحدثين.. فهم أدرى الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. لا من تزعم له ذلك من مشايخك.

قال السائق: أنا مسلم لك في هذا.. وإن احتجت إلى التعرف على صحة حديث أو ضعفه فسألجأ للمحدثين الذي تصفهم.. لكني الآن أريد أن أسمع لهذا الشيخ الذي ذكرته لك.. إنه يعلمنا فيه كيف نسمع القرآن من ربنا.

قال ربيع: ويلك وويله.. أيدعي شيخك استمرار النبوة.. أهو قادياني مبتدع ضال مضل..

قال السائق: لا تقل ذلك.. فأنا لم أقصد ما فهمته.. لعلي لم أعرف كيف أشرح لك.. ولذلك سأدعك مع هذا الشريط ليشرح لك فهم أهل الله وورثة النبوة للقرآن، والحقائق التي تتنزل عليهم من خلال قراءتهم له.

قال ربيع: لقد عودنا سلفنا على الإسناد.. ونحن لن نقبل أن نسمع العلم إلا من أهله.. فمن هذا النكرة الذي تريد أن تفرض علينا أن نسمعه؟

قال السائق: إنه الشيخ العارف أحمد بن الصديق الغماري ([58])..

ما نطق السائق بهذا حتى ثارت ثائرة ربيع، وقال: ويلك أتريد أن تسمعنا صوت ذلك الدعي الأفاك الذي ذلك الذي طعن في شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال عنه: (..فإن كل مبتدع وضال بعد المقلدة إنما ضل حتى كفر بقراءة كتب ابن تيمية)([59])

وقال عنه: (أما مثل ابن تيمية فهو عدو الله ورسوله، مجرم خبيث ضال مضل، لم يقتصر عدو الله على بغض الصوفية، بل أبغض إلى قلبه الفاجر منهم آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأولهم وأشدهم ثقلا على قلبه علي بن أبي طالب عليه السلام، فثبت نفاقه بنص الحديث الصحيح..فمن سماه بعد شيخ الإسلام فهو منافق ضال مثله قبحه الله)([60])

وقال عن ابن عبد الوهاب: (.. ويكفي أن قرن الشيطان النجدي وأذنابه من أولاد أفكار ابن تيمية، ولا يخفى شرهم وعظيم ضررهم على الإسلام وأهله)([61])

قال السائق: تلك آراء رآها، قد يكون مخطئا فيها، وقد يكون مصيبا.. وابن تيمية وابن عبد الوهاب أيضا لهما آراؤهما في رجال كثيرين.. وأنا إنسان بسيط لا يهمني هذا ولا هذا، فالله تعالى هو الذي يحكم بين عباده فيما يختلفون فيه.. ما يهمني الآن هو ما وجدته في كتبه من العلم والعرفان والحكمة.. فقد فتح الله عليه أسرار المعارف، وكشف له أغوارها.. فهو يبسط المعقد منها، ويحل المشكل، وكأن مفاتيح الغيب قد فتحت له، فهو يفسر عن رؤية لا عن تقليد، ويحكي عن عيان لا عن خبر.. وليس الخبر كالعيان.

قال ربيع: ويلك.. أرى أن ضلالاته قد انطلت عليك.. أنسيت أنه يقول بقول بوحدة الوجود؟

قال السائق: لقد يسر الله، فقرأت ما كتبه حولها، فرأيت من الحقائق حولها ما ذكره القرآن.. وليس فيها ما يدعيه أصحابك.. لأنهم ينكرون ما لا يعرفون.. ويخوضون فيما لا يعلمون.

قال ربيع: وحدة الوجود واحدة.. وكل من قال بها ملحد وضال وكافر وزنديق.. ألا تعلم ما قال فيها شيخ الإسلام ابن تيمية؟

قال السائق: لقد كنت في يوم من الأيام أقول بأقوالهم، لكني عندما قرأت كتب الشيخ فتح الله علي فهمها ما أزال عني تلك الكدورات التي وضعها ابن تيمية في عقلي وقلبي.

قال ربيع: اتق الله.. ويلك.. لقد تجاوزت حدودك.. ألا تعلم أن لحم شيخ الإسلام ابن تيمية من اللحوم المسمومة.. ثم إياك أن تنطق باسمه من من دون أن تذكر (شيخ الإسلام)، فنحن نفرق بين السني والمبتدع بذلك.

راح السائق يواصل حديثه بنشوة، وكأنه لم يسمع تعليقات ربيع: لقد قرأت فيما قرأت مما كتبه عنها قوله: (إذا تخلى العبد وتحلى.. ولازم عبادة ربه.. واتخذ الذكر شعاره وهجيراه.. فإن الله بفضله وكرمه يوصله إلى مقام يفنى فيه عن وجوده بوجود ربه.. ولا يصبح لوجوده الوهمي بقية)

قال ربيع: أتقصد أنه يصبح إلها.. أو يتحد في الإله.. أو يحل فيه.. ذاك هو الكفر بعينه.

قال السائق: بل أقصد قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)([62])

قال ربيع: أرى أنك شيخك قد أضلك.. فالحديث لا يفيد ما فهمته منه إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقصد أنه: (إذا أدى المسلم ما فرض عليه ثم اجتهد في التقرب إلى الله تعالى بنوافل الطاعات، واستمر على ذلك وسعه - بشرط أن يكون من أهل الحديث والسنة - أحبه الله تعالى - فالله تعالى لا يحب إلا سنيا- وإذا أحبه كان عونا له في كل ما يأتي ويذر.. حيث يصبح سمعه مسدداً من الله.. فلا يستمع إلا الخير ولا يقبل إلا الحق وينزاح عنه الباطل الذي وقع فيه المبتدعة.. وإذا أبصر بعينه أو قلبه أبصر بنور من الله.. فكان في ذلك على هدى من الله وبصيرة يفرق بها بين السني والجهمي.. والمثبت والمعطل.. وإذا بطش بصاحب بدعة أو ضربه أو قتله أو ذبحه.. كان ذلك بقوة من الله.. وهكذا.

قال السائق: أي أن الله يصبح عبدا لأوليائكم.. يبطش بمن يريد أن يبطشوا به.. ويقتل من يريدون قتله.. ويدخل النار من لا يرضون عنه.

قال ربيع: أرى أنك تجاوزت حدك.. ولا ينفع معك إلا المباهلة..

قال السائق: لم يا بني تستعجل اللعنة علي أو عليك؟.. نحن نتحاور.. لقد ذكرت لي ما فهمته من الحديث.. وذكرت لك ما شرحه لنا شيخنا.. وأي حرج في ذلك.. فلك فهمك ولي فهمي.. والله يوم القيامة يحكم بيننا.

وأظن أنك لم تفهم فقط ما أراده الشيخ.. وقد كنت مثلك في يوم من الأيام إلى أن عرفت أن هذه المعاني الرفيعة لا يمكن إدراكها بالعبارة أو الألفاظ.. بل هذا مقام لايدرك إلا بالذوق.. والعبارة لا تزيده إلا تعقيدا كما قال ابن عربي في مقدمة الفتوحات: (كل علم إذا بسطته العبارة حسن وفهم معناه أو قارب وعذب عند السامع الفهم فهو علم العقل النظري لأنه تحت ادراكه ومما يستقل به لو نظر الا علم الأسرار، فإنه أخذته العبارة سمج واعتاص على الأفهام دركه وخشن وربما مجته العقول الضعيفة المتعصبة التي لم تتوفر لتصريف حقيقتها التي جعل الله فيها من النظر والبحث ولهذا صاحب هذا العلم كثيرا ما يوصله إلى الأفهام بضرب الأمثلة والمخاطبات الشعرية)([63])

وقبله قال الغزالي عن الصوفية بعد أن طالع كتبهم: (فظهر لي أن أخص خواصهم، ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات. وكم من الفرق أن تعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما، وبين أن تكون صحيحاً وشبعان؟ وبين أن تعرف حد السكر، وأنه عبارة عن حالة تحصل من استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة على معادن الفكر، وبين أن تكون سكران! بل السكران لا يعرف حد السكر، وعلمه وهو سكران وما معه من علمه شيء. الطبيب في حالة المرض يعرف حد الصحة وأسبابها وأدويتها، وهو فاقد الصحة. فكذلك فرق بين أن تعرف حقيقة الزهد وشروطه وأسبابه، وبين أن تكون حالك الزهد، وعزوف النفس عن الدنيا!. فعلمت يقيناً أنهم أرباب الأحوال، لا أصحاب الأقوال. وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم، بل بالذوق والسلوك)([64])

قال ربيع: أتريد أن أمارس الرياضة حتى أقع في الحلول والاتحاد.. إن هؤلاء هم أولياء الشيطان لا أولياء الرحمن كما قال ذلك شيخ الإسلام.

قال السائق: وهل رأيت الصوفية يقولون بالحلول والاتحاد.. إن أبعد الناس عنهما الصوفية.. فالاتحاد معناه اتحاد شيء بشيء آخر.. أي أن هناك شيئين اتحدا.. وكذلك الحلول معناه حلول شيء في آخر وتخلله به.. والواصلون إلى مقام الوحدة لا يرون وجودهم مطلقا، ولا يثبتون حقيقتهم المفروضة أبدا حتى يلزمهم القول بالاتحاد أو الحلول.. بل لا يكون عندهم الوجود إلا واحدا لا تعدد فيه، ولا ثاني له.

قال ربيع: ولكنك نسيت قول الملحد الضال المضل ابن الفارض:

وهامت بها روحي بحيث تمازجا  اتحادا ولا جُرمٌ تخلله جُرْمُ

قال السائق: إنه يعبر عن مشاعره الوجدانية بلغة الشعراء.. ثم ألا تراه ينفي اتحاد جرم بجرم.. إن معنى كلامه أنه لما هام عشقا، وعمل على ترك الشواغل الصارفة عن الوصول وجد نفسه أنه كان في الحضرة وهو لا يشعر، لأن الحق سبحانه أقرب إلينا من حبل الوريد {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]

قال ربيع: أرى أن شيخك هذا قد طمس بصيرتك.. ولا أمل فيك.. ولا أرى إلا أنك وشيخك.. وكل المشايخ الذين تتعلق بهم ستصلون نار جهنم وبئس المهاد.. وسيشفى الله غليلنا منكم هناك حين نراكم تعذبون..


 

 

 

 

 

 

الحافلة الثانية

 

 

الحافلة الثانية

بعد أن استفرغ السائق كل جهوده لإرضاء ربيع وجد نفسه كمن يريد أن يحرث في اليباب، أو يشرب من السراب.. التفت إليه، وقال: أظن أنك لن تجد عندي ما تريد البحث عنه.. أنا أعرف جيدا ما تبحث عنه.. وقد عشت فترة من عمري أنهل من المنابع التي تنهل منها.. لكني بعد أن عاد إلي عقلي، وتداركتني رحمة ربي تركتها جميعا، وعدت إلى المورد العذب الذي أنزله الله على عباده لأستقي منه، وأدع ما ينفرني منه أو يبعدني عنه.

قال ربيع: ما تقول يا رجل.. أتتهمني في عقلي.. أم تحسب أنك هديت إلى الحكمة التي ضللت عنها.. ويلك لعلك ممن قال الله تعالى فيهم: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف: 175، 176]، أو كمثل من شبههم بالحمير، فقال: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة: 5]

قال السائق: إن الله تعالى لم يحدد في هذه الآية لا أنا ولا أنت.. ولا العلماء الذين أرتضيهم، ولا العلماء الذين ترتضيهم.. وإن من التألي على الله أن أزعم أن تلك الآيات تنطبق علي أو عليك.

إن الله تعالى بعدله ورحمته ترك لنا الفرصة لنحدد بكامل حريتنا ما نراه من مواقف.. لأننا نحاسب يوم القيامة على مواقفنا كما نحاسب على أعمالنا.

قال ربيع متهكما: أراك بارعا في الوعظ.. فهلا تركت هذه المهنة وذهبت إلى المساجد لتخطب فيها.. لا ينقصك سوى أن ترسل لحيتك، وترتدي ما أرتديه من ثياب.

قال السائق: أنا أحترم وظيفتي، وأحترم قدراتي، ولا أتجرأ على منصب لا أرى نفسي أهلا له.. أنا مجرد سائق.. وفقني الله لأشغل أوقات سفري بالتتلمذ على مجالس العلم..

قاطعه ربيع قائلا: بل مجالس الجهل.. فلو أنك بدلها وضعت أفلاما إباحية.. أو أغان خليعة لكان أجدى لك عند ربك.. لأنك ستموت حينها فاسقا.. أما الآن فلا أظن إلا أنك ستموت كافرا، فمن يستمع لمن تستمع إليه من الكفرة لن يطمع في نجاة.. ولن يشم يوم القيامة ريح الجنة..

قال السائق: لا بأس يا بني.. قل ما شئت.. وأنا أعذرك.. فلست أنت الذي تتحدث.. إن الذي يتحدث بدلك هم أولئك الذين أتيحت لهم كل الكراسي والمجالس والمنابر والمناصب ليحولوا الأمة جميعا إلى قطعان ذئاب ينهش بعضها لحم بعض، ويسفك بعضها دماء بعض.

قال ربيع: لا أرى هذه الجرأة منك على لحوم العلماء المسمومة إلا قائدا لك إلى جهنم، وبئس المصير..

ثم أشار إلي أن ننزل من الحافلة، وهو يقول: وأنا وأخي هذا أكرم على الله من أن نضيع وقتنا معك.. فلا أظن حافلتكم هذه ستصل بكم إلى بر الأمان.. فمن تجرأ على العلماء سيلقى وبال جرأته في الدنيا قبل الآخرة.

نزلنا من الحافلة.. وبقينا في المحطة مدة يسيرة وجدنا بعدها سائقا جلفا غليظا لا يختلف عن صاحبي.. اقتربنا منه، وسألناه عن نوع الأشرطة التي يضعها في الحافلة، فأجابنا بكل جفاء: أنا لا أعرف إلا الفرقة الناجية.. فداها أبي وأمي.. فنحن نبدأ بها، وننتهي بها، فمن أعجبه كان معنا، ومن لم يعجبه فإلى جهنم وبئس المصير.

امتلأ صاحبي سرورا، وقال: أرأيت كيف أخرجنا الله من ظلمات الجهلة.. وزج بنا في أنوار العلماء المحققين؟.. لقد قلت لك دوما: سر معي مغمض العينين.. فالله تعالى يحيطنا بعنايته ما دمنا في رحاب الفرقة الناجية.

ركبنا الحافلة، وسرعان ما امتلأت بالركاب..

 

التهذيب والتصفية

نظر السائق إلى الركاب، وفي يده شريط فيديو، وهو يقول: أبشركم.. اليوم تمكنت من إحضار هذا الشريط.. إنه يتحدث عن المرحلة الأولى في التغيير.. المرحلة التي سماها شيخنا الألباني (مرحلة التصفية).. فلا يمكن لأحد أن يضع قدمه في الإسلام قبل أن يمر بها.. أنا شخصيا – لولا مروري بهذه المرحلة – لكنت الآن ضالا زنديقا مبتدعا، فقد كنت أحسن الظن بكل من أراه يلبس لباس العلماء.. لكني أيقنت أن تسعة أعشارهم كفار أو زنادقة أو مبتدعة..سأدعكم مع الشريط، لتعرفوا قيمة هذه المرحلة وأهميتها.. ركزوا جيدا، لأنكم ستسمعون أسماء كثيرة كنتم تحسنون الظن بها.. من المستحسن أن تحملوا أقلاما لتكتبوا بالقلم الأحمر الأسماء التي يذكرها حتى تحذروا منها، وتحذروا غيركم.

قال ذلك، ثم وضع الشريط..

ظهرت حلقة تحوي شيوخا وكهولا كلهم بهيئة واحدة.. وكان يتوسطهم شاب يحمل بيده مجموعة من الملفات، ابتدأ الحديث بقوله: نجتمع اليوم في مجلس التهذيب والتصفية التاسع والتسعين بعد المائة للنظر في ملفات بعض من صار لهم صيت في المجتمع، أو أحنى الناس رؤوسهم ليستمعوا لهم، أو يستفيدوا منهم ظنا منهم أنهم ثقاة هداة مهتدين.. وبما أن منهجنا – كما ينص عليه شيخنا الألباني وغيره من أعلام السلف – يبدأ وينتهي باستئصال كل من ليس له علاقة بالدين الصحيح، فقد اجتمعنا اليوم لدراسة هذه الملفات.

قال أحد الشيوخ: صدقت.. لقد تتلمذت على الشيخ الألباني، وكان يأمرنا بأن نعطي أكثر أوقاتنا للتصفية([65]).. حتى لا يخدعنا أحد من المنافقين والزنادقة..

قال آخر: صدقت.. أذكر ذلك جيدا.. ومن ذلك الوقت.. ونحن نحمل المناخل التي نصفي بها الدين من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

قال آخر: وقد أسسنا لذلك اللجان الكثيرة التي تراقب حركة كل علم يلتف الناس حوله لنحصي عليه أنفاسه.. فإن بدرت منه أي بادرة أخرجناه من الملة، أو زججناه في جحيم أهل البدعة.. واعتبرنا التحذير منه طاعة.. والكلام في عرضه أقوم بضاعة.

قال آخر: صدقت.. فنحن نأتمر في هذا بقوله تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا}(النساء: 109)، فهذه الآية العظيمة ونظائرها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم جرح للخائنين، وأنه لا يجوز الجدال عنهم، وأن من جادل عنهم عليه التوبة إلى الله والاستغفار من ذنبه، لأنه جادل عن الخونة الآثمين الذين يبيتون مالا يرضاه الله من الأقوال المخالفة والأفعال المخادعة الماكرة وسواء كان فعله بدهاء ومكر، أو بغباوة وجهل.

قال آخر: بل إن الله تعالى علمنا كيف نقتدي به سبحانه وتعالى في هذه المهمة الخطيرة.. فالله تعالى قد جرح الكثير من المنحرفين عن دينه، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ}(التوبة: من الآية34)، وقال: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ}(الجمعة:5)، وقال: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(لأعراف: 176)، وغيرها من الآيات الكثيرة.

قال آخر: ونحن نأتمر في ذلك أيضا بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يدعو إلى تجريح من يستحق التجريح، ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون سنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)([66])، وقال: (إن الله لا يقبض العلم انتزعًا من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذا الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)([67])، وقال: (إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان)([68])، وغيرها من الأحاديث.

قال آخر: وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما يحصل في آخر الزمان، فقال: (يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة)([69])

قال آخر: وبناء على هذا، فقد التزم سلفنا من أهل الحديث هذه الوصايا من دون سائر الناس.. فكان لهم وحدهم - بحكم وراثة نبيهم والوصاية على دينه – حق الجرح والتعديل.. فمن جرحوه فهو المجروح.. ومن عدلوه فهو الثقة.

قال آخر: صدقت.. وقد رويت في ذلك عن أبي قلابة أنه كان يقول: (إن أهل الأهواء أهل ضلالة ولا أرى مصيرهم إلا إلى النار)

قال آخر: ورويت بسند صحيح عن أسماء بن عبيد قال: دخل رجلان من أصحاب الأهواء على ابن سيرين فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث؟ قال: لا، قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله؟ قال: لا، لتقومان عني أو لأقومن، قال: فخرجنا فقال بعض القوم: يا أبا بكر وما كان عليك أن يقرأ عليك آية من كتاب الله تعالى؟ قال: إني خشيت أن يقرأ علي آية فيحرفانها فيقر ذلك في قلبي.

قال آخر: صدقت.. وقد حدثني من أثق فيه بسنده عن سعيد عن سلام بن أبي مطيع أن رجلًا من أهل الأهواء قال لأيوب: يا أبا بكر أسألك عن كلمة؟ قال: فولى وهو يشير بأصبعه: ولا نصف كلمة، وأشار لنا سعيد بخنصره اليمنى.

قال آخر: صدقت([70])، فالذي يزهد في الجرح والتعديل إنما يزهد في السنة، فإذا لم يكن هنالك جرح وتعديل فإن كلام السني لن يختلف عن كلام البدعي.. لقد فضلنا معشر أهل الحديث بهذا.

قال آخر: صدقت، لا يزهد في هذا العلم إلا رجل جاهل، أو رجل في قلبه حقد، أو رجل يعلم أنه مجروح فهو ينفًر عن الجرح والتعديل لأنه يعلم أنه مجروح.

قال الشاب الذي يحمل الملفات: بارك الله فيكم مشايخنا الكرام على هذه المقدمات.. واسمحوا لي الآن أن أعرض أمامكم بعض الملفات الجديدة لتنظروا في تعديل أصحابها أو تجريحهم، مع العلم أنه قد وردتنا الأخبار أن لدى بعضهم الكثير من الحسنات والأعمال الصالحة والأقوال الطيبة..

قاطعه شيخ من المشايخ بقوة: لقد قلت لك ألف مرة: لا عبرة بالحسنات أمام السيئات.. ألم تقرأ قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } [الفرقان: 23].. فكذلك أعمال هؤلاء حتى لو كانت جبالا من الحسنات، فهي هباء منثور أمام بدعة واحدة أو كلمة واحدة يقولونها..

قال آخر: صدقت.. وقد سئل شيخنا مقبل الوادعي عن هذا، فقال: (القوم يعرفون أنهم مجروحون فهم يريدون أن يستروا على أنفسهم.. المبتدع الضال لا تذكر حسناته ولا كرامة، وهكذا الكافر)

قال آخر: إن هذا هو منهج جميع سلفنا الصالح، فقد نقل الخطيب البغدادي في الكفاية قول نافع بن أشرس: (كان يقال: من عقوبة الكاذب ألا يقبل صدقه)، وعلق عليه بقوله: (وأنا أقول : من عقوبة الفاسق المبتدع ألا تذكر حسناته)([71])  

 قال آخر: وسئل الأوزاعي عن رجل يقول: أنا أجالس أهل السنة، و أجالس أهل البدع، فقال : (هذا رجل يريد أن يساوي بين الحق و الباطل)، وقد علق عليه ابن بطة بقوله: (صدق الأوزاعي)([72])

قال شاب في آخر الحلقة: لكن الله تعالى قال: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } [آل عمران: 113]

قام شيخ من المشايخ، وصاح بقوة: أخرجوا من بيننا هذا الصعلوك الدعي.. ما أوقحه.. كيف يستشهد بالقرآن في حضرة من هم أعلم منه.. أخرجوه.. وحذروا منه الناس.. فلا شك أن به لوثة من جنون.

بمجرد أن قال ذلك قام جمع من الشباب بجره بعنف، وهو يصيح: أنتم لم تفهموني.. أنا فقط كنت أستفسر.. لم أكن أعترض.. دعوني أشرح لكم وجه استدلالي بالآية.

لكن أحدا لم يكن يستمع لصياحه.. لأن الفتوى صدرت في حقه، ولا تنفعه التوبة بعدها.

قال الشاب الذي يمسك الملفات: أرى أن نبدأ الآن في ذكر الأسماء لتعطوا آراءكم حولها.. ولنبدأ بالملف الأول.

فتح ملفا، ثم قال: هذا ملف إبراهيم بن عقيل مفتي مدينة تعز السابق.. وهو..

قاطعه شيخ من المشايخ، وقال: أغلق ملفه.. إنه زنديق صوفي قبوري مشرك حلولي.. وفوق ذلك لا يخرج إلى صلاة الجماعة.

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف أحمد الخليلي مفتي عمان، وهو كما تعلمون..

قاطعه شيخ آخر، وقال: لا نعلم إلا أنه ضال مبتدع منحرف عن السنة، قد هاجم و طعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقلده في بدعته من قلده.. وهو فوق ذلك إباضي المذهب.. وهو مذهب - كما تعلمون - من مذاهب الخوارج كلاب النار.. فليس هذا الرجل سوى كلب من كلاب النار.

ضحك الجميع.. ثم فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف أمين رضوان، وهو صحفي..

قاطعه شيخ آخر، وقال: وهو فويسق.. ونحن - والله -نشك في إسلامه.. فمن هو حتى يتحكم في دين الله، ويقول: هذا جائز وهذا ليس بجائز!!.. وهو فوق ذلك حالق للحيته.

قال الشاب: ولكن ذكر في ملفه بأنه أزهري.

قاطعه الشيخ بقوة، وقال: وإن كان أزهريًا، فإنها تعتبر وصمة عار في جبين الأزهر.. وليس هو بأول واحد تخرج من الأزهر من المنحرفين، فما أكثر المنحرفين في الأزهر، وإن كان يوجد فيه حفظة قرآن ويوجد رجال أفاضل إلا أن الغالب على الأزهرين الانحراف.

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف جمال الدين الأفغاني، وهو..

قاطعه شيخ، وقال: هذا الرجل أخبث من المعتزلة، هو ومحمد عبده وأحمد أمين.. وهو إلى الكفر أقرب.. وهو ضال مضل هو ومحمد عبده.. وهو الذي أنشأ مدرسة الهوى فلا أقول المدرسة العقلية، فهي مدرسة الهوى([73])...

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف محمد رشيد رضا.. وهو سلفي الهوى كما تعلمون..

قاطعه شيخ، وقال: بل هو تلفي الهوى.. عقلاني إلى النخاع.. لقد تأثر بالمدرسة العقلية تأثراً كبيراً، وكيف لا يكون الأمر كذلك وهو التلميذ البار لمحمد عبده الذي هو نتاج مدرسة جمال الدين الأفغاني؟

قال شيخ آخر: أجل.. لقد رأيته يشذ شذوذاً بيناً، ويرمي كعب الأحبار ووهب بن منبه بما هما بريئان منه، لقد قال في ذلك: (إن كعب الأحبار كان من زنادقة اليهود الذين أظهروا الإسلام والعبادة لتقبل أقوالهم في الدين، وقد راجت دسائسه وانخدع بها بعض الصحابة فرووا عنه وتناقلوا مروياته بدون إسناد إليه حتى ظن بعض التابعين ومن بعدهم أنها مما سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم)([74])

قال آخر: أجل.. وقد قرأت له قوله: (إن شر رواة هذه الإسرائيليات أو أشدهم تلبيساً وخداعاً للمسلمين وهب بن منبه وكعب الأحبار، فلا تجد خرافة دخلت في كتب التفسير والتاريخ الإسلامي في أمور الخلق والتكوين والأنبياء وأقوالهم والفتن والساعة والآخرة إلا منهما مضرب المثل)([75])

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف محمود أبو رية.. وهو -كما تعلمون – من الذين ألفوا في الحديث..

قاطعه شيخ، وقال: ويله.. ثم ويله.. والويل واد في جهنم.. لقد صنف هذا الرجل كتاباً أسماه (أضواء على السنة المحمدية)، وما هو إلا ظلمات وترهات، قال فيه بشناعات كثيرة وخزعبلات ساقطة حتى انبرى للرد عليه جماعة من أهل العلم، كالعلامة محمد عبد الرزاق حمزة، والعلامة عبد الرحمن بن يحي المعلمي في (الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزل والتظليل والمجازفة)، والأستاذ الدكتور محمد بن محمد أبو شهبه في (دفاع عن السنة)

قال آخر:  أظن أنه اقتات على فتات الرافضة والمستشرقين، وقد شحن كتابه بثلب عدد من الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان.. وكان لكعب الأحبار نصيب وافر وقسط كبير من سبه واتهامه بالنفاق.

قال آخر: أجل.. وقد قرأت له قوله في كعب وإخوانه من أئمة العلم: (أخذ أولئك الأحبار يبثون في الدين الإسلامي أكاذيب وترهات يدعون مرة أنها في كتابهم ومن مكنون علمهم، ويدعون أخرى أنها مما سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي في الحقيقة من مفترياتهم)([76])، وقال: (لما قدم كعب إلى المدينة في عهد عمر وأظهر إسلامه أخذ يعمل في دهاء ومكر، ولما أسلم من أجله من إفساد الدين وافتراء الكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم)([77])، وقال: (وقد استطاع أن يدس من الخرافات والأوهام والأكاذيب في الدين ما امتلأت به كتب التفسير والحديث فشوهتها وأدخلت الشك إليها)([78])

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف حسن السقاف.. وهو كما تعلمون..

قاطعه شيخ، وقال: لا نعلم إلا أنه صوفي ضال مضل داع إلى الضلال وإلى التمسح بتربة الموتى وإلى تضليل العلماء، وقد جمع بين التصوف وبين محاربة السنة وهو رجل لا يعتمد عليه([79]).

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف خالد محمد خالد، وهو..

قاطعه شيخ، وقال: أعرفه جيدا.. إنه رجل مضل، وهو الذي ألف كتاب (رجال حول الرسول)، فهو شخص لا يعتمد عليه.. ثم إننا لا ينبغي أن نقلد رجلا عصريًا ضائعًا مائعًا.

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف أحمدزيني دحلان.. وهو..

قاطعه شيخ، وقال: من علماء السوء.. أعرف أنه زائغ وداعية إلى الضلال ومدافع عن الضلال، وله كتاب (الدرر السنية في الرد على الوهابية).. ولأخينا في الله (أبي عبد الله) كتاب قيم في الرد عليه اسمه (صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان).. وقد كان مقلدًا؛ وداعية إلى التقليد([80]).

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف محمود شلتوت، وهو..

قاطعه شيخ، وقال: هذا الرجل من أفراخ الملاحده.. وقد كتب فيه بعض إخواننا كتابا سماه (إعلام الانام بمخالفة شيخ الأزهر شلتوت للإسلام)([81]).. وفوق ذلك هو صاحب تلك الفتوى الملعونة في جواز التعبد بدين الشيعة.. والتي حاولنا بكل الوسائل طمسها، لكنها لا تزيد إلا انتشارا.

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف عبد الله بن محفوظ الحداد.. مفتي حضرموت، وهو..

قاطعه شيخ، وقال: دجال ضال صوفي مبتدع زائغ منحرف.. كتب في بعض الجرائد - بالخط العريض – بأن الديمقراطية لا تتنافي مع تعاليم الإسلام، ولم يكتف بهذا حتى أصبح يحارب أهل السنة وله طامات غير ذلك.

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف عبد الله الأهدل.. وهو..

قاطعه شيخ، وقال: مغفل كذاب.. أخشى أن يكون صوفيًا مدسوس في صفوف السلفية، فكلامه ليس كلام رجل يخاف الله، ويعلم أنه محسوب عليه.. هو الآن خارجي معتزلي شيعي.. فالمعتزلة هم الذين يحثون الناس على الخروج على الحكام.. وهو ليس من العلماء ولا كرامة، بل لا يجوز أن يحضروا محاضراته ومجالسه فهو كذاب أشر.

قال شيخ آخر: صدقت.. فهو رجل محترق، وسيحترق اليوم أو غدا إن شاء الله، فلم يفتر أحد مثلما افترى على أهل السنة([82]).

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف عبد الباسط عبد الصمد.. وهو..

قاطعه شيخ، وقال: أنا أنصح بقراءة القراء المتقنين الذين يقرؤون قراءة سليمة، ولا يمططون كما يصنع عبد الباسط عبد الصمد.. لأن قراءته يكرهها السلف.

قال آخر: وقد سمعت أنه ذهب إلى إيران وقال في أذانه (أشهد أن عليًا ولي الله)؛ فهو يعمل بالبدعة المنكرة، ولا يبالي([83]).. فكيف يسمع القرآن من مثل هذا الآبق؟

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف عبد الرحمن عبد الخالق.. وهو كما تعلمون من إخواننا السلفيين..

قاطعه شيخ، وقال: لا جزاه الله خيرًا.. كان سلفيًا.. لكنه الآن أصبح سلفطيًا، لأنه قد أخذ بالانتخابات والانتخابات من الديمقراطية.

قال آخر: يجب عليه أن يتقي الله، وأن يترك الدعوة إلى الله، فإني أرى أن مثله ينبغي أن يتقاعد وإن كان صغيرًا فقد صار ضرره أعظم من نفعه، وينبغي أن يحجر عليه لكثرة فساده على الدعوات الأخرى القائمة على الكتاب والسنة وننصحه أن يتوب إلى الله ويبتعد عن هذه الحزبيات المغلفة([84]).

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف عبد الرحيم البرعي.. وهو..

قاطعه شيخ، وقال: ضال من كبار المخرفين وديوانه منشور مشهور فيه الاستغاثة بغير الله وفيه البدع والمنكرات([85]).

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف عبد الرحيم الطحان.. وهو..

قاطعه شيخ، وقال: ما هو إلا بدعة، ويأتي بالبدعة، ويجادل عن الضلال.. وأنا الآن أسود كتابا في التحذير منه بعنوانه (إقامة البرهان على ضلال عبد الرحيم الطحان)

قال آخر: صدقت.. هو جويهل مجادل بالباطل دساس كذاب خائن.. لا يجوز لأحد يحضر دروسه ومحاضراته.

قال آخر: صدقت.. ففيه نزعة صوفية.. ولاشك أنه مبتدع.. وأبشركم بأن أهل العلم طحنوا الطحان، وسلموا منه، وهو الآن خامد في قطر([86]).

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف عبد الرحيم الشرعبي.. وهو..

قاطعه شيخ، وقال: عندي كلمة كبيرة تجلجل في صدري، ولا أحب أن ألطمه بها؛ ولكن إذا كتب في مجلة الفرقان فإن شاء الله سأوجهها إليه([87]).

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف عبد الكريم زيدان.. وهو..

قاطعه شيخ، وقال: ديمقراطي.. لا بارك الله فيه.. فويسق حالق للحيته.. لابس البنطلون والكرفتة.. لا تميز بينه وبين النصراني.. شكله شكل نصراني.. لو كان لي حكومة لرحلت هذا المنبوذ من اليمن.. هو قمامة أُتى به إلى اليمن([88]).

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف محمد الغزالي.. وهو..

قاطعه شيخ، وقال: ضال ملحد ملبس لا يعتمد عليه.. انحرف على علم.. خبيث وكتابه كتاب ضلال.. وهو رجل داعية كبير إلى الضلال.. وكتبه كأنها مجلات.. لقد رأيته يسخر من طلبة العلم، ويعتبر السنة ركامًا..

قال آخر: والأخطر من ذلك أنه من دعاة التقارب مع الرافضة، وقد ساهم في بعض كتبه في نشر فتوى محمود شلتوت الخطيرة، والتي نص فيها على أن (مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، مذهب يجوز التعبد به شرعاً كسائر المذاهب، فينبغي للمسلمين ان يعرفوا ذلك وان يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة)([89]) 

قال آخر: أجل.. وقد علق على تلك الفتوى بقوله: (واعتقد ان فتوى الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت، قطعت شوطاً واسعاً في هذا السبيل، واستئناف لجهد المخلصين من أهل السلطة وأهل العلم جميعاً، وتكذيب لما يتوقعه المستشرقون، من أن الأحقاد سوف تأكل الأمة، قبل ان تلتقي صفوفها تحت راية واحدة... وهذه الفتوى في نظري، بداية الطريق وأول العمل)([90])

قال آخر: بل إنه داعا إلى نفس ما دعا إليه الشيخ شلتوت من إتاحة الحرية الدينية بين المسلمين، فقال: (إن السلف والخلف وأهل السنة والشيعة والمتصوفة والمتفلسفة كلهم يرى أنه يخدم الإسلام ويناصر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ويرفع رايته، ومن الصعب إقناع الحرفيين من أهل النص بأن مذهب العقليين أولى بالحق وكذلك العكس، ومن الصعب إقناع العاطفيين من أصحاب القلوب أن مذهب أهل الفقه أدق وأجدر بالاستمساك، وكذلك العكس، ومن الصعب إقناع الشيعة الذائبين فى محبة آل البيت أن النظام الجمهورى فى اختيار الإمام وعزله أولى من الالتفاف حول قريب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم تضفى عليه العصمة، وكذلك العكس، ونحن نرفض فى التعليق على مذاهب أولئك جميعا قول الشاعر: وكل يدعى وصلا لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا ،كما نرفض اعتبار الحق سائلا يتلون مع كل إناء، وأنه ليست له حدود قائمة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها)([91])

قال آخر: بل إنه في موقف آخر صرح تصريحا لا يقل عن تصريح محمود شلتوت، فقال: (ولقد رأيت أن أقوم بعمل إيجابي حاسم سدا لهذه الفجوة التي صنعتها الأوهام، فرأيت أن تتولى وزارة الأوقاف ضم المذهب الفقهي للشيعة الإمامية إلى فقه المذاهب الأربعة، وستتولى إدارة الثقافة تقديم أبواب العبادات والمعاملات فى هذا الفقه الإسلامي لمجتهدين من إخواننا الشيعة، وسيرى أولو الألباب عند مطالعة هذه الجهود العلمية أن الشبه قريب بين ما ألفنا من قراءات فقهية، وبين ما باعدتنا عنه الأحداث السيئة)([92])

قال آخر: بعد كل هذه الجرائم أرى أن نخرج هذا الرجل من الملة تماما.. فنرتاح منه.. فلا يحل لمثله أن يكون من المسلمين.

فتح الشاب ملفا آخر، وقال: هذا ملف محمد زاهد الكوثري.. وهو..

قاطعه شيخ، وقال: مخرف وينصر الباطل ويعطل الأسماء والصفات.. لا كثر الله بالرجال من أمثاله.. يطعن في الإمام مالك.. زاهد في السنة بل محارب للسنة ولأهل السنة.

قال آخر: صدقت.. فهو رجل ضال مضل من أضل علماء الأمة.. وقد كتبت في الرد عليه كتابي (التنكيل لما في تأنيب الكوثري من الأباطيل)

***

بقينا نستمع لأمثال هذه الحديث ساعتين كاملتين إلى أن من الله علينا بالوصول إلى محطة في الطريق لنستريح.. وقد رأيت الكلل والملل في وجوه الركاب..

وعندما نزلنا اقتربت من بعضهم، لأرى موقفه، فسمعته يقول لصاحبه: أهذا هو الإسلام؟.. لقد كنت أحسب أن المسلمين يحترم بعضهم بعضا .. لكني اليوم، وفي هاتين الساعتين الثقيلتين غيرت رأيي تماما.

قال صاحبه: صدقت .. وقد قررت في خلال هاتين الساعتين أن أمنع أولادي من الذهاب إلى المساجد أو الاستماع للقنوات الدينية حتى لا يقعوا في أي شيء يخرجهم عن دينهم .. فما أكثر الدجالين في هذا العصر.

اقتربت من مجموعة أخرى، فسمعت بعضهم يضحك بسخرية، ويقول: ألم أقل لكم: إن الحل في بلادنا هو العلمانية.. فلا يمكن للمسلمين أن يحققوا مجتمعا متماسكا.. ألا ترون كيف يحاربون بعضهم بعضا؟

قال آخر: صدقت .. واليوم .. وفي هاتين الساعتين اقتنعت تماما بكل ما تقول .. لقد كنت أخالفك لأني كنت أرى الدين بعيون القرآن الذي ملك علي كل قلبي .. لكني بعد أن رأيت رجال الدين أيقنت أنه لا حل لنا إلا في العلمانية.. فلو تسلط هؤلاء علينا لعلقونا في حبال المشانق.

اغتيال العقول

بعد أن انتهت الاستراحة، وركب الركاب الحافلة، وقد نقص منهم نفر، آثروا البقاء في الصحراء على ما يفرض عليهم سماعه ومشاهدته.. أخرج السائق شريطا جديدا، ثم قال: بعد أن نلتم حظكم من الراحة اسمحوا لنا أن نضع شريطا آخر.. يخرجكم من ظلمات الجهل والغواية إلى نور العلم والهداية.. إنه يبين دورنا سلفنا الصالح في نصرة النقل، وحرب العقل.. ونصرة المنطق القرآني، ونقض المنطق اليوناني.

قال ذلك، ثم أدخل الشريط.. ليبدو مشهد لقاعة محاضرات فاخرة، يقف على منصتها مجموعة من الناس لا يختلفون في هيئتهم عن المجموعة التي رأيناها في الشريط السابق إلا أنهم أكثر شبابا، وأجمل هنداما، وأقرب إلى عصرنا هذا منهم إلى العصور السابقة.

تكلم أحدهم، ويبدوا أنه المقدم فيهم، فقال: يشرفني اليوم، ومن هذا المجلس أن أزف إليكم بشارة تأسيس جمعيتنا الجديدة، والتي سميناها (الجمعية النقلية لحرب العلوم العقلية)، والحمد لله، فقد تمكنا في وقت قصير - وبواسطة بعض المحسنين داخل البلاد وخارجها - أن نشتري لها الكثير من المقار، بما فيها هذا المقر الذي تجلسون فيه.

لن أطيل عليكم.. سيتقدم أعضاء الجمعية، ليعرفوكم بأهدافها وسياستها ومشاريعها المستقبلية.. كل في المجال الذي تخصص فيه.

المسؤول الشرعي:

تقدم الأول، وقال: أنا المسؤول الشرعي في الجمعية، ودوري فيها واضح، وهو تسليط النقل على العقل، أو تسليط سيف الفتوى الشرعية على أصحاب المناهج العقلية.. وقد رأيت من خلال تتبعي لآثار أسلافنا في هذا أن هناك ثلاث واجبات علي وعلى الفريق المساند لي أن نقوم بها([93]).

أولها: رفض الفلسفة وتكفير رجالها والتحذير منهم، باعتبارهم من أكبر منابع العقلانية..

ولنا في هذا - بحمد الله - الكثير من الفتاوى الجاهزة من كبار أعلام الأمة، وليس علينا سوى نشرها وإذاعتها، بل وتحفيظها للصبيان حتى يشبوا، وهم يبغضون العقلانيين من أول نشأتهم.

قلب بعض الصفحات أمامه، ثم قال: لدينا - مثلا - فتوى العلامة الحافظ أبي عمرو بن الصلاح الذي أصدر هذه الفتوى المهمة، والتي تنص على أن (الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، والزيغ والزندقة.. ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين، ومن تلبّس بها قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان، وأظلم قلبه عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم)([94])

ولم يكتف بذلك، بل راح يكفر الفلاسفة، ومن سار على نهجهم، ويرميهم بالعظائم، ومن ذلك قوله في ابن سينا: (لم يكن من علماء الإسلام، بل كان شيطانا من شياطين الإنس)([95])

قلب صفحات من الملف الذي يحمله، ثم قال: هناك فتاوى أخرى كثيرة هنا.. سنحاول نشرها.. منها فتاوى لشيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية الذي اشتد في انتقاد الفلاسفة وذمهم، وفضحهم في كثير من مصنفاته.. وقد وصف ابن سينا وأمثاله بالمرتدين والمنافقين، واعتبر نصير الدين الطوسي من رؤوس الملاحدة المسلمين الصابئة عبدة النجوم والكواكب([96]).

ومنها فتاوى للحافظ شمس الدين الذهبي الذي حرّم الاشتغال بكثير من علوم الأوائل كالإلهيات والكيمياء.. وأطلق على الفلسفة (الحكمة المشؤومة)، واعتبر الجهل خيرا منها، ووصفها بأنها بلاء وهذيان، ومن طلب فيها الهدى أضله الله([97]).

ومنها فتاوى للحافظ ابن كثير الذي لعن الفلاسفة، ونسبهم إلى الجهل وقلة العقل.. وذكر عن الفارابي أن له أفكارا يخالف فيها المسلمين، (فإن كان مات على ذلك فعليه لعنة الله)([98])

 ومنها فتاوى لعبد المؤمن الجرجاني الذي قال عن الفلاسفة ذما لهم وتحذيرا منهم: (فأعرض عن الفلاسفة، وغض بصرك عن تلك الوجوه الكاسفة، فأكثرهم عبدة الطبع، وحرسة الكواكب السبع)([99])

الثاني: إقصاؤهم من كل شيء له علاقة بالدين، وخصوصا رواية الحديث.. فهم - حتى لو كانوا أصدق الناس - متهمون في رواياتهم، فلا تقبل أحاديثهم.. وذلك لأن علماءنا من السلف الصالح اتفقوا على تكفير الفلاسفة المشائين لمعتقداتهم المناقضة لدين الإسلام؛ و هذا وحده كاف لرفض رواياتهم الحديثية.

ولهذا جرح يحيى بن معين أحمد بن صالح المصري المعروف بابن الطبري بقوله : كذاب يتفلسف([100]).. وقال الحافظ ابن ناصر السلامي البغدادي في الفقيه محمد بن زبيبة البغدادي: (كان على عقيدة الفلاسفة لا تجوز الرواية عنه)([101])

 ولا يغيب على بالكم أن هذا المسلك استخدمه سلفنا الصالح مع كل المنحرفين من أهل الأهواء، ولم يخصوا به الفلاسفة دون غيرهم، وهذا مشهور عنهم.. ولنا فيهم أسوة حسنة.. ولهذا فإن جمعيتنا ستتبنى هذا المنهج التحذيري حتى يفر كل عقلاني إلى جحره، لا يتكلم في الدين، وإن تكلم فيه لا يسمع له أحد.

    ثالثها، وهو الأخطر، التحذير من المنطق الأرسطي الذي تسرب إلى علوم الإسلام بسبب قبول بعض المبتدعة له، كابن حزم الذي دافع عنه في كتابه (التقريب لحدود المنطق)، وأبي حامد الغزالي، وهو الأخطر، حيث أدخل المنطق في علم أصول الفقه، فألحق بكتابه (المستصفى) مقدمة منطقية، اعتبرها (مقدمة العلوم كلها، ومن لم يحط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا)([102])

وقد تصدى سلفنا الصالح من العلماء لهذه الهرطقة، ومنهم الحافظ أبو عمرو بن الصلاح الذي حرّم الاشتغال بالمنطق، وقد قال حين سُئل عن المنطق:  (واستعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية من المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة وليس بالأحكام الشرعية افتقار إلى المنطق أصلا، هو قعاقع قد أغنى الله عنها كل صحيح الذهن، فالواجب على السلطان أعزه الله، أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المشائيم –ويُخرجهم من المدارس و يُبعدهم)([103])

ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية الذي حمل حملته الشديدة على المنطق والمناطقة، وذكر أن (المناطقة هم من أجهل أهل الأرض بالطرق التي تُنال بها العلوم العقلية والشرعية، إلا من علم منهم علما من غير طرقهم المنطقية، فتكون علومه من تلك الجهة، لا من طريق المنطق؛ الذي فيه كثرة التعب في البرهان، وضيق العلم والبيان، والعجز في التصّور والتعبير)([104])

 ومنهم العلامة ابن قيم الجوزية الذي حرّم الاشتغال بالمنطق، بل هجاه بقصيدة ينبغي أن نحفظها لصبياننا كما يحفظ القرآن، ومما جاء فيها:

وعجبا لمنطق اليونان       كم فيه من إفك ومن بهتان

مخبّط لجيد الأذهان            ومفسد لفطرة الإنسان

مضطرب الأصول و المباني    على شفا هار بناه الباني

أحوج ما كان إليه العاني     يخونه في السر و الإعلان

أما فقهاء الأندلس، فقد كان موقفهم شديدا، حيث أنهم كانوا يمنعون أهل العلم من الاشتغال بالمنطق، حتى أن المناطقة كانوا يُعبرون عن المنطق بغير اسمه، فيسمونه (المفعل) خوفا من صولة الفقهاء([105]).

المسؤول العلمي:

تقدم الثاني، وقال: أنا المسؤول العلمي في الجمعية، ودوري فيها واضح إنه يشبه دور المباحث والمخابرات..

لقد شكلت لجنة تبحث في جميع التاريخ الإسلامي، لتحصي كل من فيه رائحة فلسفة، أو عقلانية ونحو ذلك، لتقوم بما يجب عليها نحوه.

لدي هنا ملفات مفصلة بكل ذلك ابتداء من القرن الثاني الهجري إلى عصرنا الحديث:

فمن رجالها الأوائل في القرن الثاني الهجري: أبو الفضل صالح بن عبد القدوس الأزدي المتفلسف الزنديق، وجابر بن حيان الذي صنف كتبا كثيرة في علوم الأوائل  كالكيمياء والهيئة والطب والفلسفة.. وقد كفره سلفنا وخلفنا، وحرموا صناعة الكيمياء التي كان يشتغل بها([106]).

ومن رجالها في القرن الثالث: الفيلسوف يعقوب الكندي البغدادي.. وهو من الضالين المنحرفين، وقد كتب المصنفات الكثيرة في الدعوة للفلسفة والعقل، ومنها (الحث على تعلّم الفلسفة)، و(كتاب الفلسفة الأولى)، و(كتاب لا تنال الفلسفة إلا بالرياضيات)، وغيرها.

ومن رجالها الضالين في القرن الرابع الهجري الطبيب أبو بكر بن زكريا الرازي الذي كتب كتبا كثيرة في الطب والهندسة والفلك والمنطق والإلهيات.

ومنهم أبو نصر الفارابي الذي أعاد تلخيص وتهذيب علوم الأوائل، وعلى مؤلفاته تخرّج الفيلسوف ابن سينا ومن جاء بعده من الفلاسفة.

ومنهم أبو حيان التوحيدي الذي كتب في جميع ضلالات الأدب والفلسفة، منها  كتاب كبير في تصوّف الحكماء والفلاسفة.

ومن رجالها في القرن الخامس الهجري الضال المضل أبو علي بن سيناء الذي كتب كتاب الشفاء، الذي جمع فيه كل علوم الفلسفة.

ومن رجالها في القرن السادس الهجري شهاب الدين السهروردي المقتول الذي، كان جامعا للفنون الفلسفية، وبارعا في أصول الفقه، لكنه كان أحمق منحلا مغرورا.

ومن رجالها في القرن السابع الهجري عز الدين الإربلي الضرير الشيعي الذي كان رأسا في علوم الأوائل، وأقرأ الفلسفة في بيته للمسلمين وأهل الذمة.

ومنهم نصير الدين الطوسي الذي كان وزيرا لهولاكو، وفي زمانه أقام دولة للفلاسفة، فبنى لهم مدرسة بمدينة مراغة، وأغدق عليهم الأموال والامتيازات.

المسؤول الأمني:

بعد أن ذكر المسؤول العلمي الكثير من أسماء الفلاسفة وغيرهم في العصور المختلفة، تقدم الثالث، وقال: أنا المسؤول الأمني في الجمعية، ودوري فيها واضح.. إنه أهم دور في الجمعية.. إنني عبد سميع مطيع للمسؤول الشرعي، ولجنة الفتوى التابعة له.

وقد رأيت - من خلال تتبع آثار سلفنا الصالح في الموقف من هؤلاء العقلانيين المجرمين – أن لي وللجماعة التابعين لي سبعة أدوار، سأشرحها لكم إجمالا، أما التفاصيل، فلا يمكن ذكرها هنا.

أما الأول: فهو حرق كتب الفلسفة وما يتصل بها من العلوم العقلية ومنع بيعها..

لقد كان سلفنا الصالح يستعينون – أحيانا – ببذل ماء وجوههم لدى الملوك والأمراء لتحقيق ذلك.. لكن ذلك ليس شرطا في عصرنا.. فيمكننا أن نحقق ذلك بسهولة بدون الحاجة لأحد من الناس.. لدي خطط ناجعة لتحقيق ذلك.

من الأمثلة التاريخية على ذلك أن السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي – وبتوجيه من سلفنا الصالح - لما ملك مدينة الري، أحرق كتب الفلسفة والفلك.. وبما أن المعتزلة كانوا عقلانيين، فقد أحرق كتبهم أيضا([107]).

ومن الأمثلة على ذلك أن المستنجد بالله أمر بالقبض على الطبيب المتفلسف أبي الوفاء بن المرخم، ثم أُحرق من كتبه ما كان في علوم الفلسفة، كرسائل إخوان الصفا، وكتاب الشفاء وغيرها([108]).

ومن الأمثلة على ذلك أنه لما أُتهم المتفلسف الركن عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلاني باستعمال عقله في الدين جمع الوزير ابن يونس البغدادي الحنبلي كتبه، وعقد له محاكمة حضرها أعيان الناس، وفيها كان الطبيب أبو بكر بن المارستانية يقرأ بعض كتب عبد السلام على الحاضرين، ويقول: (العنوا من كتبها ومن يعتقدها)، فيصيح العوام باللعن حتى تعدى إلى جده الشيخ عبد القادر الجيلاني([109]).

ومن الأمثلة على ذلك أن السلطان المرابطي العظيم أبا الحسن علي بن يوسف ين تاشفين كان شديد الكره للفلسفة وعلم الكلام، فأمر بحرق كتبهما، ومعها كتب أبي حامد الغزالي، لما فيها من كلام وفلسفة، وتوعّد بالقتل لمن يُخفي تلك الكتب([110]).

ومثله السلطان الموحدي أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الذي غضب على الفيلسوف ابن رشد، وأمر بحرق كتب الفلسفة، ونهى عن الاشتغال بها، وتوعّد من وجدها عنده بالعقاب الشديد، واستثنى منها كتب الطب والحساب وما ينفع من علم النجوم في الصلاة([111]).

وأما الثاني، فالحجر على كتب الفلسفة ومنع تدريسها، ومن السهل علينا تطبيق ذلك في عصرنا بالقيام بالتظاهرات والمسيرات وحوادث الشغب.. ويمكننا الاستعانة في هذا بالتزلف لأصحاب القرار، ولو برشوتهم.. الحمد لله لدينا ممولون من أنحاء العالم لا يبخلون علينا.

ومن الأمثلة على ذلك أن الحافظ أبا عمرو بن الصلاح أفتى بأن من الواجب على السلطان أن يُخرج أهل الفلسفة المشائيم من المدارس ويُبعدهم عنها، ويدفع شرهم عن المسلمين([112]).

وقد استجاب الحكام الصالحون - بحمد الله - لهذه الفتوى المقدسة.. فقد طرد الملك الأشرف موسى بن العادل الأيوبي المتكلم المتفلسف العقلاني سيف الدين الآمدي من المدرسة العزيزية بدمشق، فأقام الآمدي في بيته خاملا إلى أن مات([113]).

 ومما يبين إدراك سلفنا لخطر العلوم العقلية أن ابن الصلاح ذكر للملك الأشرف أن أخذ المدرسة العزيزية من هذا العقلاني، أفضل من استرجاع مدينة عكا التي كانت آنذاك بيد الصليبيين([114]).

وقد علق بعض الأثريين على هذا تعليقا حسنا، فقال: (مدينة عكا أمرها واضح، يحتلها الكفار الصليبيون، وسيسترجعها المسلمون منهم يوم يقدرون عليهم.  لكن ما يقوم به السيف الآمدي من تدريس للفلسفة في المدارس السنية هو –في نظر ابن الصلاح – عمل داخلي خطير جدا، يؤدي إلى إفساد الدين وتخريب الفكر الإسلامي السني، والتمكين للفلسفة بأباطيلها وضلالاتها في المجتمع الإسلامي)([115]) 

ومن الأمثلة على ذلك أنه لما استولى الملك الأشرف موسى بن العادل على مدينة دمشق نادى مناديه بأنه لا يشتغل أحد من الفقهاء بشيء من العلوم سوى التفسير والحديث والفقه، ومن اشتغل بالمنطق وعلوم الأوائل نُفي من البلد([116]).

وأما الثالث، فإهدار دم رجال الفلسفة ومن يستخدمون العقل في الدين، وتنفيذ ذلك، إما بأمر السلطان، أو بأمر المفتي حين يقصر السلطان.

ومن أحسن الأمثلة على ذلك وأجودها ما فعله الحاكم الصالح العادل خالد بن عبد الله القسري الذي كان واليا علي العراق لهشام بن عبدالملك، والذي سن سنة حسنة بذبح هؤلاء العقلانيين، فقد ذبح الجعد بن درهم بعد أن خرج به إلي مصلي العيد بوثاقه ثم خطب الناس وقال: (أيها الناس! ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسي تكليما)([117])، ثم نزل وذبحه.

وقد أثنى على سلوكه هذا كل سلفنا الصالح ومن تبعهم بإحسان، فقد قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين معقبا على ثناء ابن تيمية على خالد القسري: (جزاه الله خيرا، فالناس يضحون بالغنم والشاة والمعز والبعير والبقر.. وهذا ضحي بشر منها، فإنه شر من الإبل والغنم والحمير والخنازير، لأن الله يقول: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6]، ويقول: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44]، وإني أسأل الآن: البعير عن سبع، والبقر عن سبع، وهذا الرجل عن كم.. عن آلاف آلاف وقي الله شرا كبيرا، لكن بعض الناس _ والعياذ بالله_ يقولون إن هذا العمل من خالد بن عبد الله القسري ليس دينا، ولكنه سياسي، ونقول لهم هذا كذب، لأن الرجل صرح أمام الناس أنه قتله من أجل هذه البدعة)

وقد مدح ابن القيم هذا السلوك العظيم من خالد القسري في (النونية) التي عرض فيها عقيدة السلف، فقال:

ولأجل ذا ضحي بجعد خالد الق سري يوم ذبائح القريان

إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا *ولا موسي الكليم الداني

شكرا الضحية كل صاحب سنة *لله درك من أخي قربان

ومن الأمثلة على ذلك – أيضا - ما حصل للمتفلسف الصوفي عبد الله عين القضاة الهمداني الذي قتله وزير من الصالحين بعد أن رأى في بعض كتبه ألفاظا شنيعة ينبو عنها السمع، ويُحتاج إلى مراجعة قائلها فيما أراد بها؛ وقد عمل الوزير محضرا وأخذ فيه خطوط جماعة من العلماء، بإباحة دمه بسبب تلك الألفاظ، فقبض عليه وحمله مقيدا إلى بغداد، ثم أرسله إلى همدان وصلبه بها([118]).

ومن الأمثلة على ذلك ما حصل للفيلسوف الإشراقي شهاب الدين السهروردي الذي أفتى علماء حلب بقتله، وما أسرع ما استجاب الملك الظاهر بن صلاح الدين الأيوبي لذلك، ثم جاءه أمر من والده صلاح الدين يأمره بقتله([119]).

ومن الأمثلة على ذلك، وهو عجيب يبين مدى حنق سلفنا الصالح على الفلاسفة والعقلانيين، ما فعله سلطان يُعرف بمحمد بن المظفر بجثة الفيلسوف أبي علي بن سينا، فقد نبش قبره، وأخرج رفاته وأحرقها بعد أكثر من 140 سنة من وفاته([120]).

وأما الرابع، وهو مهم جدا، فهو توظيف الرأي العام لمقاومة الفلاسفة ومن يستخدمون العقل في الدين، وتنفيذ ذلك سهل لا يحتاج إلى سلطان أو مفت، بل قد يكفي فيه خطباء الجمعة والمدرسون واستخدام شبكات التواصل الاجتماعي، وكل وسائل الإعلام الجديد.

وقد طبق سلفنا الصالح هذا خير تطبيق حيث كانوا يتولون شحن الرأي العام بالحقد على المبتدعة والمنحرفين عن السنة، ليتولى العامة بعد ذلك أمرهم إما بقتلهم أو تهديدهم أو تخويفهم.

ومن الأمثلة على ذلك ما رُوي أن بعض أهل الحديث كان يُشنّع على الفيلسوف يعقوب الكندي اشتغاله بعلوم الفلاسفة ،و يُغري به العوام([121]).

ومن الأمثلة أنه عندما حوكم المتفلسف الركن عبد السلام بن عبد الوهاب وأحرقت كتبه، جُمعت العامة لحضور محاكمته، فكانت تصيح بلعنه حتى تعدّى اللعن إلى جده الشيخ عبد القادر الجيلاني([122]) .

ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره المقري الأندلسي عن عوام الأندلس وحرصهم على السنة، وحربهم للفلاسفة والعقلانيين، وقد وصف ذلك، فقال: (وكل العلوم لها عندهم حظ واعتناء إلا الفلسفة والتنجيم [علم الفلك]، فإن لهما حظا عظيما عند خواصهم ولا يتظاههر بهما خوف العامة، فإنه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة، أو يشتغل بالتنجيم أطلقت عليه العامة اسم زنديق، وقيدت عليه أنفاسه، فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة، أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان، أويقتله السلطان تقربا لقلوب العامة، وكثيرا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وجدت)([123])

ومن الأمثلة على ما ذكره المقري أن الفيلسوف علي بن جودي الأندلسي - تلميذ ابن باجة - اشتهر بين الناس باشتغاله بالفلسفة، فاتهموه في دينه وطاردوه للقبض عليه، ففرّ منهم والتحق بجماعة من قطاع الطرق([124]).

المسؤول السياسي:

تقدم الرابع، وقال: أنا المسؤول السياسي في الجمعية، ودوري فيها واضح.. إنني أعرف الأحزاب السياسية، وأتقرب إليها لأرى مواقفها، فمن وقف معنا، فنحن معه، وسينجح في الانتخابات لا محالة، ومن رفضنا أو رفض مواقفنا، فسأحيل أوراقه إلى المسؤول الشرعي، وهو من يتولى أمره برفقة لجنة الفتوى التي تتبعه..

وقد مارس أعلام من السلف هذا حين تقربوا من السلطان لينشروا مذهب أهل السلف، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى ابتداء من العصر الأموي، وانتهاء بعصرنا.

***

بعد أن وصل الحديث إلى هذا الحد وصلنا إلى محطة أخرى لنستريح، وهناك اقتربت من رجلين من الركاب لأسمع تحاورهما:

قال الأول: هل رأيت.. ألم أكن أقول لك دائما: إن كنت تريد أن تتدين، فعليك أن تلغي عقلك .. فلا يمكن أن يجتمع العقل مع الدين؟

قال الثاني: لست أدري ما أقول لك .. لكني لم أشعر في حياتي بألم كما شعرت وأنا أستمع وأشاهد تلك الحرب المقامة على العقل .. لست أدري أهؤلاء لا يقرؤون القرآن .. أم أنني أنا الذي أفهم القرآن على غير ما يفهمونه .. لست أدري يا صديقي .. أنا الآن في حيرة عظيمة .. ولا أحسبني أستطيع أن أستقل هذه الحافلة من جديد.

قال الأول: أتريد أن تبقى في الصحراء .. ما بك يا رجل؟

قال الثاني: لقد كانت كل أماني معقودة على ما ورد في القرآن من قيم وجمال .. لكني الآن أشعر أن كل شيء بدأ ينهار .. فكل شيء صار مظلما بالنسبة لي .. ولا فرق عندي أن أبقى في هذه الصحراء القاحلة، أو أنتقل إلى أي محل آخر.

تركتهما، وانتقلت إلى مجموعة أخرى لأسمع الضحكات والسخرية بالإسلام ونبيه .. وكأنهم كانوا يتفرجون على فلم كوميدي.

أما أنا فقد كنت كالأبله لا هم لي إلا البحث عن ربيع، والاستماع لموقفه .. فلم يكن لي حينها عقل أفكر به إلا عقل ربيع.

 

 

 

 

 

 

 

مفهوم المخالفة

بعد أن انتهت الاستراحة، وركب الركاب الحافلة، وقد نقص منهم نفر كما في المرة السابقة.. أخرج السائق شريطا جديدا، ثم قال: بعد أن نلتم حظكم من الراحة اسمحوا لنا أن نضع شريطا آخر.. يوضح لكم سنة من سنن الإسلام، وهديا من هدي السلف الصالح .. إنه هدي المخالفة والتميز والاستقلالية.

قال ذلك، ثم أدخل الشريط.. ليبدو مشهد لخيمة جلس فيها مجموعة شباب أمام شيخ، وكأنه يحدثهم عن ذكرياته.. وكانت القهوة تجول بينهم.

قال الشيخ، وهو يرتشف فنجان القهوة، وكأنه يواصل حديثه: بعد أن عوفيت من إدماني، أخبروني أنني لو لم أتدين فإنني قد أعود إلى الإدمان من جديد، ولهذا كان أول عمل لي بعد الخروج من المستشفى مع أصدقاء لي تعرفت عليهم هناك، أن سألنا عن أكثر الناس تدينا في قريتنا، فدلونا على رجل كان صيته ذائعا، وسمعته تخترق الآفاق، فذهبنا إليه، وأخبرناه بحالتنا، وأننا نحب أن نتدين ونرتبط بربنا.

فقلب النظر في هيئتنا، وقال: أبهذه الهيئة تريدون أن تتدينوا؟

قلنا له: وما علاقة الهيئة بالتدين؟

قال: هل رأيتم في حياتكم رجلا يلعب كرة القدم.. وفي الملعب.. وفي مباراة رسمية ببذلة ورابطة عنق؟

قلنا: لا..

قال: أفترون التدين أهون من اللعب.. فإن كان للعب لباس رسمي.. فكيف بالتدين؟

قلنا: صدقت.. اعذرنا لجهلنا.. ولكن ما سمة الهيئة، وما ضرورتها.. فقد علمنا أن لكل مهنة اللباس الذي يتناسب معها؟

قال: المخالفة..

تعجبنا لقوله هذا، فقال: لا تتعجبوا.. فمخالفة الآخر من اليهود والنصاري والمجوس والشيوعيين والرأسماليين والوجوديين.. والصوفية والرافضة.. وكل من عدا المسلمين أصل من أصول التميز.. فبقدر مخالفتهم يكون التدين كاملا.

قلنا: ولكن لم ذلك؟

قال: لذلك أسباب كثيرة ذكرها سلفنا الصالح، وقد جمع منها شيخنا التويجري([125]) نتفا منها (أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبًا وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس فإن اللابس لثياب أهل العلم مثلا يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة مثلا يجد في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه مقتضيا لذلك إلا أن يمنعه من ذلك مانع)

ومنها أن (أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة تتوجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال والانعطاف إلى أهل الهدى والرضوان وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.. وكلما كان القلب أتم حياة وأعرف بالإسلام كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنًا وظاهرًا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.)

ومنها (أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التمييز بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين)

قلنا: ولكن ألا ترى أن في ذلك كثيرا من الحرج؟

قال: وهل تريدون أن تدخلوا الجنة بالمجان.. أنسيتم قوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا } [البقرة: 214]

انظروا كيف طبق سلفنا الصالح هذه السنة العظيمة.. لقد سئل أحمد عن نعل سندي يخرج فيه، فكرهه للرجل والمرأة، وقال: إن كان للكنيف والوضوء فلا بأس، وأكره الصرار، وعلل ذلك بأنه من زي الأعاجم.

وروي أن سعيد بن عامر سئل عن لباس النعال السبتية فقال: (زي نبينا أحب إلينا من زي باكهن ملك الهند، ولو كان في مسجد المدينة لأخرجوه من المدينة)

قلنا: ما دام الأمر بهذه الأهمية فلا بأس.. نحن طوع أمرك.

قال: شكرا لكم.. سأرسلكم لصديق لي.. وسيجعلكم وكأنكم قضيتم حياتكم كلها في التدين.. سيجعلكم وكأنكم السنة تمشي.

خرجنا من عنده إلى صديقه الذي ذكره لنا، وقد كان ممتلئا هيبة ووقارا.. عندما دخلنا عليه قلب النظر فينا، ثم نظر إلى شاربي الذي كنت أطيله في ذلك الحين كأهل قريتنا جميعا، وقال: ألا تعلم أن من التشبه بأعداء الله تعالى إعفاء الشوارب، حف شواربك، فلا يصح أن تتدين وهي في وجهك، فإن ذلك من سنن الأكاسرة وقومهم المجوس، ومن أعمال قوم لوط.. وقد أمرنا بمخالفتهم، وفي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم : (من تشبه بقوم فهو منهم)([126])

ثم نظر إلى ذقني، وقال: إياك أن تمس ذقنك مرة أخرى.. لا تحليقا.. ولا تقصيرا.. فالتقصير الذي يقع فيه بعض المبتدعة لا يقل حرمة عند الحلق، وقد كتب في ذلك شيخنا الجليل العلامة حمود بن عبد الله التويجري كتابه العظيم الذي لم يؤلف مثله في الآفاق (الرد على من أجاز تهذيب اللحية)، وقد رد في كتابه هذا على بعض المبتدعة من العصرانيين، والذي زعم أن اللحية لا تعني في الإسلام شيئًا مميزًا للمسلم.

نظر إلى صاحب لنا كان يرتدي برنيطة، فقال: لابد أن تخلع هذه.. فإن (من التشبه بأعداء الله تعالى لبس البرنيطة التي هي من لباس الإفرنج ومن شابههم من أمم الكفر والضلال، وتسمى أيضًا القبعة، وقد افتتن بلبسها كثير من المنتسبين إلى الإسلام في كثير من الأقطار الإسلامية ولا سيما البلدان التي فشت فيها الحرية الإفرنجية، وانطمست فيها أنوار الشريعة المحمدية)([127])

نظر إلى صاحب لنا آخر يرتدي سترة وسروالا، وقال: وأنت أيضا.. لا بد أن تخلع هذين، فـ (الاقتصار على لبس السترة والبنطلون.. فهو من ملابس الإفرنج، والبنطلون اسم للسراويل الإفرنجية، وقد عظمت البلوى بهذه المشابهة الذميمة في أكثر الأقطار الإسلامية.. ومن جمع بين هذا اللباس وبين لبس البرنيطة فوق رأسه فلا فرق بينه وبين رجال الإفرنج في الشكل الظاهر، وإذا ضم على ذلك حلق اللحية كان أتم للمشابهة الظاهرة.. ومن تشبه بقوم فهو منهم)([128])

قال صاحبنا: ولكني لم أضع القبعة على رأسي إلا لحاجتي إليها، فأنا أتأذى من البرد في الشتاء والحر في الصيف.. وألبس السروال والقميص لأن عملي لا يسمح لي بلباس آخر.

انتفض الرجل غاضبا، وقال: (هذه الدعوى حيلة على استحلال التشبه المحرم، والحيل لا تبيح المحرمات، ومن استحل المحرمات بالحيل فقد تشبه باليهود) ([129])

وفي الحديث الذي رواه ابن بطة قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)

وقد قال شيخنا التويجري مجيبا على هذه الشبهة: (وقد جعل الله سبحانه وتعالى للمسلمين مندوحة عن مزاحمة أعداء الله تعالى في لباسهم والتشبه بهم، فمن أراد وقاية لرأسه ففي لباس المسلمين ما يكفيه، ومن أراد ثيابًا للأعمال فكذلك، ومن أراد ثياباً للزينة والجمال فكذلك، ومن رغب عن زي المسلمين ولم يتسع له ما اتسع لهم من الملابس المباحة فلا وسع الله عليه في الدنيا ولا في الآخرة)([130])

وقال الشيخ أحمد محمد شاكر: (ولم يختلف أهل العلم منذ الصدر الأول في هذا أعني: في تحريم التشبه بالكفار حتى جئنا في هذه العصور المتأخرة فنبتت في المسلمين نابتة ذليلة مستعبدة، هجيراها وديدنها التشبه بالكفار في كل شيء والاستخذاء لهم والاستعباد، ثم وجدوا من الملتصقين بالعلم المنتسبين له من يزين لهم أمرهم ويهون عليهم أمر التشبه بالكفار في اللباس والهيئة والمظهر والخلق وكل شيء حتى صرنا في أمة ليس لها من مظهر الإسلام إلا مظهر الصلاة والصيام والحج على ما أدخلوا فيها من بدع بل من ألوان من التشبه بالكفار أيضًا، وأظهر مظهر يريدون أن يضربوه على المسلمين هو غطاء الرأس الذي يسمونه القبعة (البرنيطة)، وتعللوا لها بالأعاليل والأباطيل، وأفتاهم بعض الكبراء المنتسبين إلى العلم أن لا بأس بها إذا أريد بها الوقاية من الشمس، وهم يأبون إلا أن يظهروا أنهم لا يريدون بها إلا الوقاية من الإسلام)([131])

رأى على صاحبي شعرات بيض، فقال: لابد أن تصبغ شعرك حتى تبدو أكثر شبابا.

قال صاحبي: ألهذا علاقة بالتدين؟

قال الرجل: أجل.. هل ترون شعر رأسي.. وهل هو يتناسب مع سني.. أنا ابن سبعين سنة، ومع ذلك أبدو، وكأني ابن عشرين.. ذلك لأني اتبعت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عدم التشبه بأعداء الله من اليهود والنصاري، لقد ورد في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)([132])، وقد علق على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: (قد تبين أن نفس مخالفتهم أمر مقصود للشارع في الجملة، ولهذا كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة يعللون الأمر بالصبغ بعلة المخالفة، قال ابن حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب ولا يتشبه بأهل الكتاب)([133])

نظر إلى خاتم لي كنت وضعته بمناسبة خطوبتي، وكان في يدي اليمنى، فقال: انزعه، وضعه في يدك الأسرى.

قلت: أهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: لا.. ولكن نحن نتأسى في هذا بما فعل سلفنا الصالح، فقد قال ابن عبد البر: (وقد كان التختم في اليمين مباحا حسنا، لأنه قد تختم به جماعة من السلف في اليمين ،كما تختم منهم جماعة في الشمال وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوجهان جميعا، فلما غلبت الروافض على التختم في اليمين ولم يخلطوا به غيره كرهه العلماء منابذة لهم، وكراهية للتشبه بهم، لا أنه حرام ولا أنه مكروه وبالله التوفيق)([134])

قلت: ما دام في الأمر سعة، فدعه في يميني.. فإني لا أحب أن أضعه في يساري.. وأنت تعلم أنني قد أستعملها عند قضاء حاجتي.

غضب الرجل غضبا شديدا، وقال: ويلك.. أتنكر على السلف.. أم تريد أن تتشبه بالرافضة الخبثاء.. افعل ما أمرتك به وإلا فاخرج عني.. فلا يصل مجادل أبدا إلى السنة.. أنسيت قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]

قلت: ولكنك ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تختم بيمينه، ولهذا فأنا لم أقم بأي مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال: اسمعني جيدا.. لقد سن سلفنا أصلا في هذا لابد أن تراعيه إن كنت تريد أن تكون من الفرقة الناجية.. وهو ينص على أنه إذا صار الأمر المباح شعارا لأهل البدع شرع للمسلم مخالفتهم فيه، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية يؤصل لهذا: (وهذا القول يقوله سائر الأئمة، فإنه اذا كان في فعل مستحب مفسدة راجحة لم يصر مستحبا، ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعارا لهم فلا يتميز السنى من الرافضي، ومصلحة التميز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب)([135])

وقد ضرب هو وغيره الأمثلة الكثيرة على ذلك.. ومنها عدم لبس السواد كالعمامة السوداء مع أنه صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبسها، لكن لكونها صارت شعارا للرافضة يشرع مخالفتهم في لبسها.. ومثل ذلك لبس العمامة الخضراء التي أصبحت شعارا للصوفية، فشرع مخالفتهم في ذلك.

بل إن هذه المخالفة حتى في الأمور التعبدية، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر لأن الشيعة ترى الجهر، وهم أكذب الطوائف، فوضعوا في ذلك أحاديث لبسوا بها على الناس دينهم، ولهذا يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثوري أنهم يذكرون من السنة المسح على الخفين وترك الجهر بالبسملة كما يذكرون تقديم أبي بكر وعمر ونحو ذلك لأن هذا كان من شعار الرافضة، ولهذا ذهب أبو علي بن أبي هريرة أحد الأئمة من أصحاب الشافعي إلى ترك الجهر بها قال : لأن الجهر بها صار من شعار المخالفين كما ذهب من ذهب من أصحاب الشافعي إلى تسنمة القبور لأن التسطيح صار من شعار أهل البدع)([136])

ومن ذلك تخصيص آل البيت بالصلاة والسلام، فمع أنه مشروع، وفي الصلاة نفسها، وقد علمنا ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكنه لما صار شعارا للرافضة شرع مخالفتهم، وقد قال ابن حجر في فتح الباري: (اختلف في السلام على غير الأنبياء، بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي، فقيل : يشرع مطلقا، وقيل : بل تبعا، ولا يفرد لواحد، لكونه صار شعارا للرافضة)([137]) 

ونقل عن عبد الله المغربي المالكي في كتابه ( المعلم بفوائد مسلم ) قوله: (إن زيدا كبر خمسا على جنازة، قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكبرها. وهذا المذهب الآن متروك، لأنه صار علما على القول بالرفض)

ونقل عن الشافعي وأحمد والحكم قولهم: (المسح على الخفين أولى من الغسل، لما فيه من مخالفة الشيعة) ([138]) 

***

قال الرجل بعد أن أنهى حديثه: وهكذا عملت بكل ما طلب مني، وما هو إلا شهر واحد حتى تغيرت تماما.. لقد كان الكل يسلم علي، ويكيل لي كل أنواع الاحترام.. بل قد كان بعضهم يأتي ويستفتيني.. وهذا كله ببركة مفهوم المخالفة الذي علمني إياه الشيخ..

حينها كنت بطالا لأنه لا أحد يقبل أن يوظف مدمنا أو سبق له الإدمان، ولهذا اقترح علي بعض المشايخ أن أحيي سنة الرقية في قريتي مستفيدا من حال الإدمان التي كنت أعاني منها.. وقد طبقت اقتراحه.. وها أنا أرفل في نعيم الدنيا بسبب إحيائي لتلك السنة العظيمة.. وأسأل الله أن يديم لي نعمته في الآخرة كما أدامها لي في الدنيا، وأن يحشرني مع السلف الذي كانوا سببا لكل البركات التي أنعمها الله علي.

***

بعد أن وصل الحديث إلى هذا الحد وصلنا إلى محطة أخرى لنستريح، وهناك اقتربت من رجلين من الركاب لأسمع تحاورهما:

قال الأول: لا يمكنني أن أركب في هذه الحافلة المشؤومة مرة أخرى.. لقد ذكرتني بمآسي حصلت لي في شبابي كنت نسيتها .. وكل ذلك بسبب هؤلاء اللئام المتاجرين بالدين.

قال الثاني: ما  الذي حصل لك؟

قال الأول: تصور .. لقد تركت إكمال دراستي بسبب رفضي للباس الرسمي الذي كان مفروضا علينا .. وقد حاول والدي كل جهده ليقنعي، لكن عقلي كان مغلقا تماما، فقد كنت تابعا لشيخ من المشايخ يحذرنا من كل شيء، ويصور لنا على أن الكل أعداؤنا.

قال الأول: صدقت.. وقد حصل لي بسبب أمثال هؤلاء مآسي لا تقل عن مآسيك .. ولا أظنني أستطيع أن أركب هذه الحافلة من جديد .. فالصحراء أرحم من هؤلاء.

 

الانفتاح الديني

بعد أن انتهت الاستراحة، وركب الركاب الحافلة، وقد نقص منهم نفر كما في المرتين السابقتين.. أخرج السائق شريطا جديدا، ثم قال: بعد أن نلتم حظكم من الراحة اسمحوا لنا أن نضع شريطا آخر.. يفند شبهة لطالما رددها المغرضون المبتدعون، أولئك الذين يكرهون السنة والسلف.. وهي أننا  - أتباع السنة والسلف – منغلقون على أنفسنا، متقوقعون على ذواتنا، لا ننتفح على الآخر.. لا تسمعوا لهذا.. فكلها أباطيل وخزعبلات نشرها أعداؤنا ليشوهوا سمعتنا.. ليس الأمر كما يقول أعداؤنا أعداء الله.. وهذا الشريط يوضح لكم ذلك.. فأصيخوا آذانكم له.. وارموا بأبصاركم إليه.

قال ذلك، ثم أدخل الشريط.. ليبدو مشهد لحديقة جميلة مزدانة بأصناف الأشجار والزهور.. وقد ظهر فيها بعض المشايخ، ومعهم شباب يبدون من جنسيات مختلفة.. والعجيب أن أكثرهم لم يكن ملتحيا، ولا تبدو عليهم علاقة بالتشدد والتطرف.

بدأ الحديث شيخ من المشايخ، وقال: سنبدأ الآن بتفنيد الشبهة التي عرضتموها علي، وهي أننا – معشر أهل السنة والحديث – منغلقون على أنفسنا، لا نستفيد من الآخر، ولا ننفتح عليه..

قال شاب من الحاضرين: أجل.. ويدل لذلك ما تنشرونه في كتبكم من التحذير من اتباع الآخر أو تقليده.. بل إنكم تعتبرون مجرد تهنئة الآخر بعيده الديني بدعة خطيرة، وقد قال في ذلك مشايخكم ما قالوا.

ابتسم الشيخ ابتسامة عريضة، وقال: صدقت في هذا.. ولكن كل هذا شكليات.. القصد منها ألا نذوب في الآخر، ولا يذوب فينا.. القصد فقط أن نتميز.. أما الحقيقة فنحن منفتحون على الآخر أكثر من أي فرقة من الفرق أو طائفة من الطوائف حتى من الرافضة أنفسهم.. والذين نزعم بأنهم أخذوا بعض المبادئ المتعلقة بالوصية والإمامة من عبد الله بن سبأ اليهودي.. نحن استفدنا من الآخر، وانفتحنا عليه أكثر منهم.

سأبرهن لكم على ذلك بطريقة عجيبة.. أجيبوني أولا: أليس الانفتاح ينطلق من قبول مصادر الآخر والاهتمام بها؟

قالوا: بلى.. ومن فعل ذلك فقد انفتح انفتاحا كبيرا.

قال: لا يكفي ذلك عندنا.. بل هناك انفتاح آخر.. وهو قبول رجال الآخر ومفكريه وعلمائه والاستفادة منهم.

قالوا: من فعل ذلك فقد كاد يذوب في الآخر.. ولم ينفتح عليه فقط.

قال: ما دام الأمر كذلك، فسأنطلق من كلا الأمرين لأبرهن لكم أننا – معشر السلفيين، وأسلافنا من أهل الحديث – أكثر طوائف المسلمين انفتاحا، وخاصة على أهل الكتاب الأول من اليهود.

المصادر:

قالوا: ما ذكرته منطقي.. فهات حدثنا عن الأول.. فهل قبل سلفكم التوراة والكتاب المقدس؟

قال: لم يقبلوا التوراة والكتاب المقدس فقط، بل إنهم استفادوا منها أيضا، وبنوا الكثير من الأحكام في القضايا الكبرى عليها.

قالوا: ولكن القرآن الذي تعتبرونه المصدر الأول ينص على تحريف التوراة، ويحذر من الانجرار وراء أهل الكتاب.

ابتسم الشيخ ابتسامة عريضة، وقال: نحن في العادة نتبرك بالقرآن.. ونجمع الأجور والحسنات من خلال قراءته.. تصوروا أننا كلما قرأنا حرفا قرقرأنا حرفا واحدا نلنا عشر حسنات، وخاصة إن رتلناه ترتيلا جميلا.. أما المعاني التي فيه.. فنحن نرجع فيها إلى سلفنا.. فهم أدرى بالناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد.. وغيرها كثير.

ولهذا فهم اعتبروا تلك النصوص من باب التشديد في خطاب اليهود.. أما الحقيقة فهي أن علماءنا ينظرون إلى التوراة كما ينظرون إلى القرآن نفسه، وقد قال بعض مشايخنا في ذلك: (وأيضًا فمن المعلوم أن هذه النسخ الموجودة اليوم بالتوراة ونحوها قد كانت موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلو كان ما فيها من الصفات كذبًا وافتراء ووصفًا لله بما يجب تنـزيهه عنه كالشركاء والأولاد لكان إنكار ذلك عليهم موجودًا في كلام النبي أو الصحابة أو التابعين كما أنكروا عليهم ما دون ذلك، وقد عابهم الله في القرآن بما هو دون ذلك فلو كان هذا عيبا لكان عَيب الله لهم به أعظم وذمهم عليه أشد)([139])

قال شاب من الحاضرين: أهذا صحيح؟.. أعقيدتكم في الله، والتي هي أهم قضية في الدين كله تتفقون فيها مع اليهود؟

ابتسم الشيخ، وقال: لا نتفق معهم فيها فقط.. بل نحن نقبل منهم ما يذكرونه من صفات الله.. لأن الله لم ينكرهم عليها.

قال الشاب: ولكن تلك الكتب - بحسب ما أعلم – مشحونة بالحديث عن الله باعتباره جسما مركبا من أعضاء لا تختلف عنا.. إنها تذكر أن لله صورة، وأنها تشبه صورة الإنسان.. لقد ورد في الإصحاح الأول من سفر التكوين (عدد: 26، 27): (وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا. فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض.. فخلق الله الانسان على صورته.على صورة الله خلقه. ذكرا وانثى خلقهم)

قال الشيخ: وهذا نفس ما قاله سلفنا من أهل الحديث، لقد رووا في ذلك آثارا كثيرا في ذلك، وكثير منها من أهل الكتاب، وقد كتب الشيخ (حمود التويجري) – وهو من خيرة علمائنا- كتابا سماه (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن)، وهو كتاب من الكتب المهمة عند جميع أصحابنا، وقد زكاه شيخنا الجليل ابن باز.. بل إنه قال في أثناء حديثه عنه: (وأيضًا فهذا المعنى عند أهل الكتاب من الكتب المأثورة عن الأنبياء كالتوراة فإن في السفر الأول منها ( سنخلق بشرًا على صورتنا يشبهها)([140])

قال الشاب: يا شيخ انظر ما تقول.. إن اليهود تنسب إلى الله تعالى الجلوس والقعود والاستقرار والثقل والوزن والحجم.. ففي (سفر الملوك)( 22: 19-20)  : (وقال فاسمع إذاً كلام الرب قد رأيت الرب جالسًا على كرسيه وكل جند السماء وقوف لديه عن يمينه وعن يساره)

وفي سفر مزامير (47/8) يقول اليهود: (الله جلس على كرسي قدسه)

قال الشيخ: ونحن كذلك.. لقد استفدنا بانفتاحنا عليهم كل هذه الصفات.. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فما جاءت به الآثار عن النبى من لفظ القعود والجلوس فى حق الله تعالى كحديث جعفر بن أبي طالب وحديث عمر أولى أن لا يماثل صفات أجسام العباد)، وقال: (إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سُمِع له أطيط كأطيط الرَّحل الجديد)([141])

قال الشاب: ولكن الكتاب المقدس ينسب – أحيانا –بعض الأوصاف القبيحة والشنيعة إلى الله كالمكر والخداع والملل.

قال الشيخ: وما في ذلك.. نحن منفتحون عليهم في هذا أيضا.. لقد قال أحد أئمتنا المعاصرين: (لا يوصف الله بالمكر إلا مقيداً، فإن قيل كيف يوصف الله بالمكر مع أن ظاهره أنه مذموم قيل إن المكر في محله محمود)([142])، وقال: ( إن الله له مَلَلٌ وأما مَلَلُ الله فإنه ملل يليق به عز وجل)([143])، وقال:( وأما الخداع فهو كالمكر يوصف الله به حين يكون مدحًا)([144])

فغر المحيطون به بأفواههم، وقالوا: أهذا صحيح؟.. إنكم لا تختلفون أبدا عن اليهود.

قال الشيخ: أجل.. فالتوراة والقرآن.. كلاهما من الله.. سأزيدكم شيئا يزيل عنكم شبهة انغلاقنا على أنفسنا.. لاشك أنكم تعلمون أننا نعظم السنة.. بل نقدمها أحيانا كثيرة على القرآن نفسه.. لا من جهة المرتبة، بل من جهة الاستدلال.. فالحديث الواحد قد ينسخ عشرات الآيات.

قالوا: أجل.. سمعنا منك وممن معك هذا.

قال: فأضيفوا إلى معلوماتكم بأن الكثير من هذه الأحاديث التي نرويها عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قد يكون مصدرها يهوديا.. بل أكثر مشايخنا يتيقنون أن ذلك هو مصدرها، ومع ذلك يرفعونها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. باعتبار انفتاحنا الشديد على الآخر.. فنحن تهمنا المعلومة، ولا يهمنا مصدرها.

تعجبت الجماعة، فزاد ذلك في حماسته، وقال: لعلكم تعلمون أن السنة النبوية اختلطت بالأحاديث اليهودية، فهناك الكثير من الأحاديث منتشرة بين المسلمين على أنها أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أنها أحاديث كعب الأحبار أو غيره من اليهود.

قالوا: أهذا صحيح؟

ابتسم ابتسامة عريضة، وقال: أجل.. وسأضرب لكم أمثلة على ذلك تدلكم على مدى انفتاحنا على الآخر.. وخصوصا اليهود.

خذوا المثال الأول: لقد روى مسلم عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي فقال: (خلق الله، عز وجل، التربة يوم السبت. وخلق فيها الجبال يوم الأحد. وخلق الشجر يوم الاثنين. وخلق المكروه يوم الثلاثاء. وخلق النور يوم الأربعاء. وبث فيها الدواب يوم الخميس. وخلق آدم، عليه السلام، بعد العصر من يوم الجمعة. في آخر الخلق. في آخر ساعة من ساعات الجمعة. فيما بين العصر إلى الليل)([145]).. إن هذا الحديث الذي يعظمه العلماء والعوام ويتعبدون الله به باعتباره حديثا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس سوى حديث لكعب الأحبار، فقد ذكر ابن قيم الجوزية في (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) هذا، فقال: (ويشبه هذا ما وقع فيه الغلط من حديث أبي هريرة خلق الله التربة يوم السبت الحديث، وهو في صحيح مسلم، ولكن وقع الغلط في رفعه، وإنما هو من قول كعب الأحبار، كذلك قال إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير. وقاله غيره من علماء المسلمين أيضا وهو كما قالوا، لأن الله أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وهذا الحديث يقتضي أن مدة التخليق سبعة أيام) ([146])

قالوا: أهذا هو المثال الوحيد؟

قال: ما بكم.. لم تستعجلون.. الأمثلة أكثر من أن تحصى.. ومنها ما روي عن ابن عمر يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الملائكة قالت يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب قال إني ابتليتهم وعافيتكم قالوا لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال فاختاروا ملكين منكم. قال فلم يألوا جهدا أن يختاروا فاختاروا هاروت وماروت)([147])، وقد علق ابن كثير على هذا الحديث بقوله: (أقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار لا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم)([148])

ومثله ما حدث به سمرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسمته عبد الحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره)([149])، وقد قال ابن كثير معلقا عليه: (فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل كعب أو وهب بن منبه وغيرهما) ([150])

تعجب الجمع، فازداد سروره، وقال: هذه مجرد أمثلة.. وهي أكثر من أن تحصى.. هذا ما فطنوا له، وصرحوا به أما ما لم يفطنوا أو لم يصرحوا، فلا يعلمه إلا الله.

قال شاب من الحاضرين: انتظر يا شيخ.. لقد قرأت في بعض مصادركم أن أن عمر أتى نبيكم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فغضب، وقال: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى - صلى الله