الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: اعترافات هارب من سجون الوهابية

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 263

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

كاتب هذه الاعترافات رجل كتب له في فترة من حياته أن يتبنى الفكر الوهابي، ويدعو إليه، ويستميت في دعوته، ولكن الله بفضله ومنه وكرمه قيض له من يخرجه من كل تلك السجون التي وقع فيها، وقد تعرض لكثير من الأذى بسبب خروجه.

وهو – إذ يحمد الله على فضله- يسعى من خلال هذه السلسلة، كما يسعى من خلال غيرها من السلاسل أن ينبه إخوانه من الوهابيين إلى استعمال عقولهم والرجوع إلى الحقيقة، فلا شيء أجمل من الحقيقة.

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

هذه السلسلة

المقدمة

البداية

كلهم في النار

الدين.. والجهل والبداوة

فلكيون.. بدون مراصد

كنائس مستباحة

شيوخ من اليهود

الشعراوي  في قفص والبدعة والكفر

أهل السنة.. والشرك

رسول نجد

لا تذكروا (الله)

الذكر الجماعي:

الاسم المفرد:

الوقوف والتمايل في الذكر:

أبو الوهابية الأول: ذو الخويصرة التميمي

البربهاري.. والرعب الوهابي

معاوية.. والصحبة المزيفة

أعداء علي

ابن تيمية.. وأعداؤه

الصوفية:

الشيعة:

أهل الكتاب:

الأشاعرة:

القرضاوي.. وإسلام الفتنة

القحطاني.. وسنة الحقد

 

هذه السلسلة

تحاول هذه السلسلة المعنونة بـ [الدين .. والدجل] تحقيق هدف كبير تسعى إليه بكل الوسائل، وهو مواجهة التشويهات العظيمة التي تعرض لها الإسلام في عصرنا الحديث، والتي صارت عائقا وحجابا بين الأمة والتحقق بما يطلبه دينها الأقوم الذي أمرها الله أن تتمسك به، وأن تخرج به للناس، وأن تكون لها من خلال ذلك الريادة والشهادة على سائر الأمم.

فالإسلام صار – بسبب تلك التشويهات الخطيرة – رمزا للعنف والإرهاب والتطرف وإلغاء الآخر، بل صار كل من يتمسك بهذا الدين مرتعا للكثير من العقد النفسية، والأمراض التي لا تؤذيه فقط، بل تؤذي العالم أجمع .. العالم الذي يتطلع إلى الخلاص من خلال رسالة الله التي تفنن الشياطين في تشويهها.

وقد رأيت – من خلال أدلة كثيرة – أنه لا يمكن مواجهة هذه التشويهات بالصمت والحياد، والذي طالبنا به الكثير حرصا علينا وعلى أن يشوه علماء الأمة أو تراثها أو تاريخها أو جماعاتها وحركاتها.

لكن الصمت أو الحياد لا يجدي شيئا.. فهو قد يصلح مع الخطايا التي أسرها صاحبها، ولم يعلنها، ولا يصح لأحد من الناس أن يفضحه بسببها.. ولكن عندما تفوح روائح الخطايا، فتصيب العالم أجمع بالزكام.. حينها لا يصح لنا أن نسكت.. ولا يحق لنا أن نفر من الحقيقة.. ولا يحق لنا أن نتذرع بتلك الذرائع الواهية التي تجعل الأمر كله مؤامرة علينا من العالم.

نحن حينها بين أمرين:

إما أن نقول للعالم: إن ما تشاهدونه من تصرفات مجنونة هي تصرفاتنا نحن بسبب سوء فهمنا لرسالة ربنا.. فنحن المتخلفون، وديننا دين حضارة.. ونحن إرهابيون، وديننا دين سلام.. ونحن متعصبون، وديننا دين سماحة.

وبين أن نقول لهم – حفاظا على سمعتنا وسمعة مشايخنا الذين نقدسهم-: لا .. نحن الصواب.. وما نفعله هو دين الله .. اقبلوه أو اضربوا رؤوسكم عرض الحائط.

لقد رأيت من خلال الواقع الفكري أن الكثير من أصحاب السمعة الطيبة، الذين يطبل لهم الإعلام، وتصفق لهم الأيادي، قد اختار الخيار الثاني، لست أدري هل كان ذلك بقناعة، أم كان لحرصة على سمعته ومنصبه وثروته بل وحياته، لأن الخيار الثاني لن يجني منه إلا الهجر والتكفير والتضليل وربما القتل..

لكن بالعودة إلى القرآن الكريم رسالة الله إلى عباده، نجده يدعونا إلى الخيار الأول.. بل يحذرنا من الخيار الثاني أعظم تحذير.. وقد ضرب لنا المثل على ذلك بمن سبقنا من الأمم.

فالله تعالى يقول مبينا اختيار علماء بني إسرائيل للخيار الثاني: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)﴾ [المائدة: 78، 79]

لكن هذه الآية للأسف أولت تأويلا خطيرا حيث انصرف النهي عن المنكر فيها إلى المنكرات التي يقع فيها عوام الناس وبسطاؤهم.. أما المنكرات التي يقع فيها العلماء والمفتون والجماعات والحركات.. والتي بسببها يقع الخراب والتشويه.. فقد وضعنا لهم من الحصانة ما يحميهم من كل تجريح أو نقد، بل صرنا نقول لكل من خولت له نفسه بالإنكار عليهم: (لحوم العلماء مسمومة، من شمها مرض، ومن أكلها مات) ليصدق علينا بذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)([1]) 

وهكذا فعلنا، فقد رحنا بسب تلك الفتاوى الضالة نحول المعروف منكرا، والمنكر معروفا، فقتلنا روح الإنسان فينا، وخنقنا الفطرة التي فطرنا الله عليها.

لقد حولت تلك الفتاوى والكتب التي تناصرها، والخطباء الذين يدعون لها، والجماعات التي تتحرك في سبيل تحقيقها: القسوة والكبرياء والطغيان والاستبداد والتخلف دينا ندين الله به، ثم نقول للعالم أجمع: هذا هو الإسلام.

فهل يصح لأحد بعد هذا أن يسكت.. وهل يصح له أن يقف موقف الحياد.. وهل يصح له أن يضع الطلاء على هذه الصورة المشوهة ليكذب على نفسه وعلى الناس وعلى العالم أجمع.

أم أن الواجب هو أن يسمي الأشياء بأسمائها، وينتقد بقوة وصراحة وصدق وجرأة.. لأن ذلك هو الواجب الذي لا يحق له أن يفر منه.

نحن اخترنا هذا.. ولمن شاء أن يختار غيره فليفعل.

وبناء على هذا كانت هذه السلسلة التي تعرضنا بسببها للكثير من الأذى الذي نحتسب عند الله أجره.. ونحن نحمد الله تعالى على أن من علينا أن نتعرض لبعض ريح الأذى الذي تعرض له أنبياؤه وأولياؤه والقائمون بالقسط من الناس.

ونحن – كما أننا نزعم أننا ننهى عن المنكر بفعلنا هذا – ندعو كذلك كل صادق ومخلص أن ينكر علينا، وأن يصحح أخطاءنا.. لكن بصدق وإخلاص وعلم.. وله بعد ذلك أن يرمينا بما شاء.. ويحكم علينا بما شاء.. فلا تهمنا أحكام الناس، بل المهم الذي نتطلع إليه هو حكم الله، فهم أرحم الراحمين، وهو أعلم بنياتنا ومقاصدنا.

 

 

 

المقدمة

كاتب هذه الاعترافات رجل كتب له في فترة من حياته أن يتبنى الفكر الوهابي، ويدعو إليه، ويستميت في دعوته، ولكن الله بفضله ومنه وكرمه قيض له من يخرجه من كل تلك السجون التي وقع فيها، وقد تعرض لكثير من الأذى بسبب خروجه.

وهو – إذ يحمد الله على فضله- يسعى من خلال هذه السلسلة، كما يسعى من خلال غيرها من السلاسل أن ينبه إخوانه من الوهابيين إلى استعمال عقولهم والرجوع إلى الحقيقة، فلا شيء أجمل من الحقيقة.

وهو لذلك لا ينطلق من أي حقد أو ضغينة أو مرض من الأمراض النفسية، وإنما ينطلق من الحب والسلام.. فهو يعلم أن الكثير من أتباع الوهابية عوام مساكين لم يتح لهم أن يسمعوا أو يقرؤوا أو يطلعوا.. ولو أن الفرصة أتيحت لهم لحطموا الأغلال والقيود كما حطمتها، وكما حطمها الكثير ممن عرف الحقيقة، فأناب وتاب وتراجع.

وبناء على هذا، فأنا ومن وحي المناهل العذبة التي رزقني الله الشرب منها على يد أوليائه أعتذر لكل من تأذى من الوهابية بهذه الكلمات، فيعلم الله مدى محبتي لهم، ومدى حرصي عليهم.. وإني وإن شددت في بعض المحال لم يكن ذلك إلا كشدة الطبيب مع مريضه المقصر، أو مع الجراثيم التي تريد أن تفتك بمريضه المقصر.

وإني – مع هذا – مستعد للتراجع عن أي خطأ أنبه إليه، فالهدف هو الحق، وليس إلا الحق.

البداية

 كنت حينها في البيت.. وكانت ليلة من ليالي الشتاء المظلمة.. وكنت على أهبة الاستعداد للقائه.. فقد فارق النوم عيني، فصرت أردد مع امرئ القيس قوله:

ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَهُ
 

عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُوْمِ لِيَبْتَلِي
  

فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ
 

وأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَنَاءَ بِكَلْكَلِ
  

ألاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِي
 

بِصُبْحٍ، وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَلِ
  

عندما دق الباب أسرعت إليه، وفتحته، وكأني معه على ميعاد..

دخل - بجبته القصيرة، ولحيته الطويلة، وقامته الفارعة – وهو يلهث، وقد ألجمه العرق إلجاما، فلم أتبين من كلامه الكثير كلمة واحدة.

أسرعت إلى الكرسي، فقدمته إليه، فجلس، وهو ممتلئ رعبا.

قلت مستفسرا عن سر حاله: ما بك؟.. ما بال الرعب قد احتواك؟.. أأنت خائف من شيء؟

قال: أغلق الباب وأحكم غلقه، فإن هناك من يبحث عني.. ولو ظفر بي لحكم علي بشر الأحكام.. بل إنه سيحكم عليك معي بتهمة إيوائك إياي.

قلت: أنت مجرم إذن.. فار من العدالة!؟

قال: بل طيب مغفل.. فار من المجرمين.

قلت: من هم المجرمون الذين تفر منهم؟

قال: عصابة من الناس تطلق على نفسها لقب (الوهابية)، ويطلق عليها من يحسن الظن بها لقب (السلفية).. وهم يؤثرون أن يلقبوا أنفسهم (أهل التوحيد)، و(أهل الحديث)، و(أهل الأثر)؟ وهي كلها:

ألقاب مملكة في غير موضعها         كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

قلت: انظر ما تقول.. إن من تذكرهم قوم ممتلئون بالإيمان.. منشغلون بالسنة والحديث..  دأبهم العمل على تهذيب المجتمعات وتصفيتها.. شعارهم الذي لا يزالون يرفعونه: تحكيم كتاب الله وسنة رسول الله.

لقد قال شاعرهم محمد تقي الدين الهلالي في قصيدة بعنوان (أنا وهابي) يفخر بذلك:

نسبوا إلى الوهاب خير عباده
 

يا حبذا نسبي إلى الوهاب
  

الله أنطقهم بحقٍ واضح
 

وهم أهالي فرية وكذاب
  

أكرم بها من فرقة سلفية
 

سلكت محجة سنة وكتابِ
  

وهي التي قصد النبي بقوله
 

هي ما عليه أنا وكل صحاب
  

قد غاظ عباد القبور ورهطهم
 

توحيدنا لله دون تحاب
  

الله طهرهم وأعلى قدرهم
 

عن نبز كل معطل كذاب
  

الله سماهم بنصِ كتابه
 

حنفاء رغم الفاجر المرتاب
  

ما عابهم إلا المعطل والكفور
 

ومن غوى بعبادة الأرباب
  

ودعا لهم خير الورى بنضارة
 

ضمت لهم نصراً مدى الأحقاب
  

هم حزب رب العالمين وجنده
 

والله يرزقهم بغير حساب
  

وينيلهم نصراً على أعدائهم
 

فهو المهيمن هازم الأحزاب
  

إن عابهم نذل لئيم فاجر
 

فإليه يرجع كل ذاك العاب
  

ما عابهم عيب العدو وهل يضي
 

ر البدر في العلياء نبح كلاب
  

وقال آخر، وهو عمرو بن كلثومهم:

أنا السَّلفيُّ يامَنْ تسألينا
 

أسيرُ على طريق السابقينا
  

أحاربُ كلَّ مبتدع جهول
 

يرى في البدعة النُّور المبينا
  

وأحترمُ الأئمةَ دون طعن
 

فقد كانوا هداة مهتدينا
  

وإني لا أقلدهم بجهل
 

ولكن بالبصيرة قد رأينا
  

كمقبل وابن باز وابن نوح
 

وشيخ عنيزة بهم اقتفينا
  

ولاننسى ربيعَا بنَ عُمير
 

إمام الجرح والتَّعديل فينا
  

فهم علماؤنا في الدِّين دومًا
 

على درب الهدي هم سائرونا
  

وأدعو للولاة بكل خير
 

ولو كانوا عصاة مذنبينا
  

وأنصحهم بلطف دون عنف
 

وطاعتهم أرى مهما بقينا
  

وإني لستُ حزبيًّا ذميمًا
 

لأن الحزبَ نهجُ الخاطئينا
  

فلا الصوفي يغريني بجهل
 

وهرطقة الشيوخ الهالكينا
  

يقيم لمولد الهادي احتفالا
 

ويزعم أنه في الذاكرينا
  

ولا الإخوان تخدعني لأني
 

أراهم في الضلالة غارقينا
  

وقالوا في الرِّياسة عزَّ قومي
 

فحادوا عن طريق السالفينا
  

وقالوا حسبنا ما نحن فيه
 

وبالبنَّا وبالقُطب اقتدينا
  

وقال ربيعُنا فيهم كلامًا
 

فهم إخوانُ جهل مفلسينا
  

ولا نهج الروافض أقتفيه
 

فقد جعلوا إلههم الحسينا
  

أرى التبليغ نهجًا ذا انحراف
 

فقد ضلُّوا ومنهجهم أبينا
  

ولهذا فهم يطلقون على أنفسهم لقب (أهل الحديث) و(أهل السنة).. ويطلقون على غيرهم أهل الأهواء وأهل البدعة.

قال: بهذا بدأت قصتي معهم.. ولاشك أنك لا تزال سجينا لأول سجن من سجونهم.

قلت: سجن!.. ما تقول؟.. أنت تراني حرا.

قال: أنت حر في جسدك.. لكن روحك قد تكون مقيدة بقيودهم العنيفة.

قلت: فهل تحررت أنت من سجونهم؟

قال: أجل.. بحمد الله.. لقد هداني الله فتحررت من جميع سجونهم.. ولهذا تراهم يطلبونني.

قلت: يطلبونك!؟.. لا أراهم يفعلون ذلك.. فهم منشغلون بما هم فيه من علم وبحث.. ورواية ودراية.. وجرح وتعديل.. وتهذيب وتصفية.

قاطعني بقوة قائلا: وتبديع وتضليل.. وتقتيل وتذبيح..

قلت: ما تقول؟

قال: لا أقول إلا الحقيقة.

قلت: أراهم يحملون أقلاما لا سيوفا.. والأقلام لا تستطيع إلا أن تكتب.

قال: بل تستطيع أن تقتل.. بل تستطيع أن تبيد الأخضر واليابس..

قلت: تلك أقلام المجرمين.

قال: وهم يحملون مثل هذه الأقلام.

قلت: تلك دعوى.

قال: ولدي أدلتها..

قلت: فهلم بها.

قال: ألا ترى أن القاتل لا يقتل إلا بعد أن يقتنع باستحقاق المقتول للقتل.

قلت: أجل.. إلا إذا كان في القاتل نزعة لسفك الدماء.. فهو يقتل لمجرد إرضاء غريزته.

قال: فهم لهذا صنفان: صنف يحمل لسان الإقناع ليقنع القتلة، وصنف يحمل السيوف لينفذ ما اقتنع به.. وإن شئت قلت: هم صنفان: صنف يحكم، وصنف ينفذ.. صنف يستعمل القلم، وصنف يستعمل السيف.

قلت: الذي أعلمه أن الخصومة بينهما شديدة.

قال: هي في الظاهر شديدة.. ولكن الحقيقة بكل جوارحها تنطق بأنهما وجهان لعملة واحدة، أو فردان في محكمة واحدة أحدهما يحكم والآخر ينفذ.

سكت قليلا، ثم قال: عد إلى تلك الأبيات التي كنت تنشدها لي..

قلت: أيها؟ أبيات هلاليهم.. أم أبيات ابن كلثومهم؟

قال: كلاهما.. فهما مقدمتان لنتيجة واحدة.. تقول بلسان فصيح: لسنا إلا نحن.. أو تقول: من لم يكن معنا فهو ضدنا.

قلت: ذلك صحيح.. فهم يرددون هذا الكلام، وينقلونه عن سلفهم.

قال: إن هذا هو نفسه ما ردده هتلر ولينين وشارون، وما ردده كل من تصوروا أنهم شعب الله المختار.

قلت: ولكنهم لا يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار.

قال: أليسوا يعتبرون أنفسهم الفرقة الناجية.. المنصورة.. وكل من خالفهم ضال مضل؟

قلت: ذلك صحيح.. وقد قال بعضهم في خاتمة رسالة له في العقيدة بكل كبرياء: (فمن أقر بما في هذا الكتاب وآمن به واتخذه إماما ولم يشك في حرف منه، ولم يجحد حرفا منه فهو صاحب سنة وجماعة كامل قد كملت فيه الجماعة ومن جحد حرفا مما في هذا الكتاب أوشك في حرف منه أو شك فيه أو وقف فهو صاحب هوى)([2])

قال: ليس الأمر قاصرا على هذا الصعلوك الدعي.. بل كلهم يدعي هذا، ويلزم الآخرين بأن يقولوه، وإلا فإن جميع صكوك الغفران سنتنزع منهم.. ولا ينفعهم عند الله أي شفاعة.. فلا يشفع الرسول ولا الملائكة المقربون ولا أولياء الله الصالحون - في تصورهم - حتى يأذن الوادعي والمدخلي والحربي وغيرهم.

قلت: إن ما تقوله خطير جدا.

قال: ولهذا أنا أقوله، ولولا ما أخذ الله على العصاة من أنه لا تقبل توبتهم إلا إذا أصلحوا وبينوا ما أتيت إليك.

قلت: نعم أنا أقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) (البقرة).. ولكن لا أدري مدى انطباقها عليك.. ولا أدري بعد ذلك علاقتها بحديثك معي.

قال: لقد جئت إليك بعد أن سألت عنك، فقد قيل: إن لديك قلما لا يفارقك..

قلت: أجل.. فأنا منذ قرأت قوله تعالى عن القلم: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) (القلم).. وأنا لا أكاد أترك القلم، وهو من تعلقه بي لا يكاد يفارقني.. أتراك تريد أن تقترضه مني؟

قال: لا.. أريدك أن تكتب به ما سأمليه عليك من اعترافات..

قلت: أنا لست من المباحث..

قال: لا بد لكل من كان له قلم أن يكون من المباحث.. فالمجرمون المختفون في جلابيب العدالة أخطر من المجرمين المتزرين برداء الإجرام.

قلت: وعيت هذا.. بل قد نطق به القرآن الكريم، فقد قال تعالى يصف نفرا من الناس: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)(البقرة)، وقال يصف المنافقين:(وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) (المنافقون)

قال: فهذه الآيات تصف نفرا من هؤلاء.

قلت: لكن هؤلاء مسلمين.. والآيات تصف منافقين.

قال: أنا لا أكفر أحدا.. ولا أقول بأن أحدا من الناس منافق.. ولكن لهؤلاء من الأخلاق ما يشابه هذه الأخلاق.. ولا شأن لي بعد ذلك في أي صنف يوضعون.

قلت: لا بأس.. فلنفرض بأني سلمت لك بكل ما قلت.. ماذا تريد من قلمي أن يكتب؟

قال: اعترافاتي..

قلت: وعيت ذلك.. لكن أي اعترافات تريد أن تكتب.

قال: لقد لبست في عقود من الزمن ثياب من وصفتهم تلك الآيات الكريمة.. فكنت في أعين الناس حملا.. لكن قلبي كان مملوءا بالثعالب والذئاب.. ولولا أن قيض الله لي من نوره ما نبهني إلى حالي لعشت ذئبا ومت ذئبا دون أن يفطن لي أحد من الناس.

قلت: ولكن الله خلصك وعدت إلى طبيعتك وفطرتك السليمة، فما غايتك من الناس؟

قال: كيف لا تكون لي عندهم غاية.. وهم المحل الذي كنت أرتع فيه.. لقد كان الناس كلأ مباحا لي، وللذئاب التي كانت معي..

قلت: ولكنك كففت عنها.

قال: مجرم أنا إن تركت قطيع هذه الأمة للذئاب.. وأنا أعرف أنهم الذئاب.. ألم تكن قد قرأت لي الآيات الكريمة التي تنص على وجوب الببيان.

قلت: بلى..

قال: فتلك الآيات تأمرني، وتأمر من هو مثلي في حال توبته أن لا يكتفي بألفاظ يرددها، بل عليه أن يسعى ليصحح ما أوقع فيه غيره من أخطاء..

قلت: وعيت الآن ما تريد.. أنت تريد من قلمي أن يسجل شهادة لك بالتوبة عما كنت فيه.. ما أسهل هذا.. امل علي نص توبتك.. وسأوصي من يضعها معك في كفنك عند وفاتك.

قال: لا.. لم أرد هذا.. فالله يعلم بتوبتي وأنا أكتفي بعلم الله.. أتريدني يا رجل أن أرائي بالتوبة.

قلت: حيرتني في أمرك.. فأخبرني عن مرادك بالضبط.

قال: إن المبين الحقيقي هو الذي لا يكتفي بأن يذكر توبته جمله.. بل عليه أن يذكرها تفصيلا..

قلت: ما تعني بالتفصيل؟

قال: لقد سرى ما كنت أذكره مما تلقيته بين الناس كما يسري النار في الهشيم.. وعلي أن أسعى وراء كل أثر للنار لأعيد الحياة إلى ما أحرقته.. وإلا فإن الله سيسألني.

قلت: لم أفهم.

قال: سأبسط لك الأمر.. تصور أن رجلا سرق من عشرة محلات.. ثم تاب.. وقد أعطاه الله من المال والقوة والصحة ما يستطيع به إعادة ما سرق.. أتراه يكفيه أن يعيد ما سرقه إلى محل واحد، أم عليه أن يعيد ما سرقه لجميع المحلات؟

قلت: بل عليه أن يعيد لجميع المحلات ما سرق منها، وإلا فإنهم سيقفون خصوما بينه وبين ربه، لن ينفعه إلا ذلك..

قال: فهذا هو حالي.. فأنا السارق الذي كان يسرق من هذه الأمة فطرتها وجمالها وسماحتها ونبلها وسلامها.. وأنا السارق الذي كان يحمل راية الخيانة والغدر.. وأنا السارق الذي كان يشوه ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكارم الأخلاق.. ولا ينفعني عند الله إلا أن أرد جميع سرقاتي، وأعياد الحياة لجميع ما أصبته بسمومي.

قلت: ولكن ذلك يحتاج وقتا طويلا.. فقد ذكرت لي أن لك عقودا في هذه الصناعة.

قال: ولذلك جئت إليك.. فقد علمت أن لديك بيتا واسعا، وأنه لا يضيق بمن يزوره.. كما أن لك قلما سيالا لا يضيق بما يملى عليه.

قلت: لقد صدقت في هذا وهذا.. فمرحبا بك.. وهلم بما تريد أن تمليه علي.

قال: صبرا.. ألا ترى العرق قد ألجمني، والجهد قد كظني، والعناء قد احتواني.

قلت: فهمت مرادك.. تريد مني أن أؤجل الحديث.

قال: أجل.. فلنجعل لكل يوم حديثا وخبرا.. لأنبئك فيه بسر من أسرار السجون التي كنت أقبع فيها.

قلت: كم سجنا هي؟

قال: ما أكثرها.. اصبر علي.. وسأعدها لك واحدا واحدا.. لتنشرها بعد ذلك عساها تشفع لي عند ربي (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) (الشعراء)

***

هذا هو أول حديث لي مع هذا الرجل الغريب.. وقد تبعته أحاديث كثيرة سنقصها عليكم كما قصها علينا واحدا واحدا.. ويعلم الله مدى الأمانة التي يحملها قلمي.. ولذلك لن أزيد حرفا واحدا على ما يمليه علي إلا ما كان من باب التوضيح والتبسيط.. وكل من كان لديه رد على ما يقول، فليتوجه به إليه، فأنا واسطة بينكم وبينه.. أبلغه احتجاجاتكم، كما أبلغكم ردوده..

كلهم في النار

بعد أن أخذ صاحبي حظه من الراحة، دخلت إليه في أول اليوم الثاني غرفته، وأنا أحمل قلمي ودفتري لأكتب ما يمليه علي.. فعجبت لما رأيت منه.. بل أصابني نوع من الرعب الذي يصيبنا عند رؤية المجانين وغريبي الأطوار.

لقد رأيته يضع أمامه قصاصات كثيرة.. يصنفها ويخاطبها كما يخاطب الأستاذ تلاميذه.. لا.. بل كما يخاطب السجان مساجينه..

وكان مما سمعته منه مما أدخل في نفسي الرعب قوله، وهو يحمل بعض تلك القصاصات، ويخاطبها بغلظة: أما أنت يا إليزابيث فصوفية.. أعلم ذلك منك.. فإشاراتك توحي بذلك.. ولذلك ليس لك إلا أن تدخلي جهنم مع الداخلين.

أخذ قصاصة أخرى، وراح يخاطبها بقوله: أما أنت يا شافيز فجميع خطبك ومواقفك تشير إلى أنك رافضي أو إخواني.. لا يهم.. كلاهما سواء.. فلذلك اذهب إلى جهنم.

ثم أخذ قصاصة أخرى، وراح يخاطبها بقوله: وأنت يا هتلر.. أعرفك جيدا.. أنت تبليغي قح.. لقد رآك بعضهم تخرج مع جماعة التبليغ.. اذهب إلى السعير لتلتهمك لظى.

ثم أخذ قصاصة أخرى، وراح يقول لها بكل قوة: وأنت يا رامسفيلد.. أنت.. أنت.. نعم أنت (سروري).. اذهب إلى جهنم..

واذهب معه يا حافظ الأسد فأنت (رافضي)..

وهكذا يا مارادونا فأنت (مذبذب).. لا تزال منذ فترة مذبذبا.. لا.. بل ربما أنت رافضي تتقن التقية، فقد علمنا من مصادرنا أنك عازم على زيارة إيران.. ولا يزور إيران إلا الرافضة.. هيا.. أسرع، فجهنم تنتظرك!!

بعد أن رمى الكثير من القصاصات في قعر جهنم التفت إلي، فرآني مبهوتا محتارا، فابتسم، وقال: اقترب مني.

قلت: ماذا تريد أن تفعل بي؟.. أنا في عرضك.

قال: لا تخف.. فلن أفعل لك شيئا.

قلت: أخاف أن تقذفني في جهنم كما قذفت شافيز ورامسفيلد ومارادونا.

قال: لا تخف.. فأنت ترى أني لا أملك جنة ولا سعيرا.. بل لا يملك الجنة والسعير إلا بارئهما.

قلت: فما كنت تفعل بأوراقك هذه؟

ابتسم، وقال: هذه لعبة كنا نتسلى بها في سجون الوهابية.. لقد كنا نكتب قصاصات مثل هذه القصاصات.. ثم نصنفها أصنافا كثيرة.. ثم نشعل حطبا كثيرا ونرميها فيه لتشعر قلوبنا الباردة ببعض الحرارة.

قلت: أكنتم تكتبون فيها أسماء رامسفيلد وشافيز ومارادونا؟

قال: لا.. معاذ الله.. فلم نكتب فيها إلا أسماء مسلمين.. بل علماء وربانيين.. بل مصلحين ومجددين.

قلت: ولكن منزل هؤلاء الجنة.

قال: لقد كنا نستعمل كل وسائل الاستقصاء لنخرجهم من الجنة، ونرسل بهم إلى حظيظ جهنم.

قلت: وما يضركم أن يدخلوا الجنة.. وما يضركم أن تتركوا أمرهم لله ليفعل بهم ما يشاء.. فالله هو رب الجنة والنار، وهو يدخل من يشاء فيهما، ويخرج من يشاء.. لقد قال علي في ذلك - بعد أن ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ووصف ذلك أحسن صفة -:(ويفعل الله بعد ذلك في خلقه ما يشاء)، وقال عبدالله بن عباس:(لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارا)، وقال أبو سعيد الخدري:(انتهى القرآن كله الى هذه الآية: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)(هود: من الآية107)

قهقه بصوت عال، وقال: أنت ترجع إلى القرآن الكريم، وإلى آل البيت الطاهرين، وإلى الصحابة المنتجبين..

قلت: إذا لم أرجع لهؤلاء، فلمن أرجع؟

قال: لأئمة السلف.. فلا يمكن أن تفهم القرآن إلا على ضوء ما يقرره أئمة السلف.

قلت: فآل البيت والصحابة هم أئمة السلف.

قال: لا.. أول أئمة السلف وآخرهم وشيخهم هو محمد بن عبد الوهاب وشيخه (شيخ الإسلام ابن تيمية !!).. ألا ترى أنهم يطلقون عليه لقب (شيخ الإسلام).. وهو لقب لم يطلق حتى على علي ذلك الذي كان بابا لمدينة العلم والحكمة.

قلت: لكن هؤلاء من الخلف.. فكيف يكونون سلفا؟

قال: هم سلف السلف.. وهم الذين يقررون ما ينبغي أن يقول السلف، وما لا ينبغي أن يقولوه.

قلت: لا أزال محتارا.. كيف يكون المتأخر سلفا؟

قال: هكذا هو منطق الوهابيين.. إن لهم منطقا خاصا.. ألم تعلم أن شيخهم ابن تيمية قد نقض منطق أرسطو ليبني على أساسه هذا المنطق؟

قلت: ولكن هذا المنطق يتنافى مع الفطرة السوية والقلب السليم والعقل السليم..

قهقه بصوت عال، وقال: عن أي شيء تتحدث.. إن ما تتحدث عنه هو أول ما ينزع من صدور من يدخل سجون الوهابية.. فلا يمكن لصاحب الفطرة السوية والقلب السليم والعقل السليم أن يبقى محتفظا بسلامة فطرته، ولا سلامة قلبه وعقله.

قلت: لم؟

قال: لأنه لا يسمع في مجالسهم إلا الغيبة والنميمة والأحقاد والضغائن.. وأنت تعرف ما تفعله هذه في القلوب والعقول والفطر.

قلت: الغيبة والنميمة والأحقاد والضغائن حرام باتفاق الأمة.

ابتسم وقال: كل حرام يضع عليه محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه ومشايخه يده عليه يصير حلالا.. ألا تعلم أن الله أحل لهم الحرام، ووضع عنهم إصرارهم والأغلال التي كانت عليهم، بل وضع في يدهم الجنة والنار يدخلون من يشاءون ويخرجون من يشاءون.. فإياك أن تغضبهم فيرمونك في الدرك الأسفل من النار.

قلت: أنت تملؤني بالعجب.. لقد صرح القرآن الكريم بحرمة الغيبة والنميمة، وقد توعد أهلها وعيدا شديدا، وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن عقوبة من تصور نفسه موكلا بخزائن الرحمة والمغفرة يصرفها لمن يشاء، ويحرم منها من يشاء، فذكر أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فاني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك)([3]) 

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أحدثكم حديث رجلين من بني إسرائيل؟ كان أحدهما يسرف على نفسه، وكان الآخر يراه بنو إسرائيل أنه أفضلهم في الدين والعلم والخلق، فذكر عنده صاحبه، فقال: لن يغفر الله له، فقال الله لملائكته: (ألم يعلم أني أرحم الراحمين؟ ألم يعلم أن رحمتي سبقت غضبي؟ فاني أوجبت لهذا الرحمة، وأوجبت على هذا العذاب، فذا تتألوا على الله)([4]) 

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (قال رجل لا يغفر الله لفلان، فأوحى الله إلى نبي من الانبياء أنها خطيئة، فليستقبل العمل )([5]) 

وفي حديث آخر ورد ما هو أعظم من ذلك، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كان رجل يصلي، فلما سجد أتاه رجل فوطئ على رقبته، فقال الذي تحته: والله لا يغفر لك الله أبدا، فقال الله عزوجل: تألى عبدي أن لا أغفر لعبدي، فاني قد غفرت له)([6])

وقد سمى صلى الله عليه وآله وسلم هؤلاء الذين زعموا لأنفسهم امتلاك خزائن الجنان (المتألين)([7])، فقال: (ويل للمتألين من أمتي، الذين يقولون: فلان في الجنة، وفلان في النار)([8]) 

بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن هلاك هذا النوع من الناس، فقال: (إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكهم)([9])، وقال: (إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم)([10])

قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. لقد كان تأملي في هذه النصوص المقدسة نورا من أنوار الهداية، وبابا من أبواب الرحمة.. لقد قيض الله لي في ذلك الحين بعض الصالحين، وقد سألني حينها: (من أي فرقة أنت؟)، فأجبته بكل كبرياء: (أنا من الفرقة الناجية)، فابتسم، وقال: (وهل عندك صك بأنك منها)، فقلت: (لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن أوصافها، فذكر أنها ما عليه صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه)، فقال: (وهل تطيق أن تنسب لنفسك هذا... إن الذين كانوا معه صلى الله عليه وآله وسلم كانوا أعظم تواضعا من أن ينسبوا لأنفسهم ما تنسبونه لأنفسكم... بل كانوا يتخوفون على أنفسهم من النفاق... ألم تسمع ما ورد عن السلف الصالح y في ذلك؟.. لقد قال أحدهم: (أدركت ثلاثين ومائة - وفي رواية خمسين ومائة - من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم يخافون النفاق)

***

قال ذلك، ثم انفجر باكيا، فأردت أن أخفف عنه، فقلت: دعنا من هذا، فالله يقبل توبة عباده.. عد بنا إلى قصاصاتك.

ابتسم، وقال: هي أمامك.. خذ منها ما تشاء.. وسأذكر لك ما علمني أصحابي من وجوه استحقاقه لجهنم.

أخذت القصاصات.. فقرأت أسماء كثيرة.. تكاد تجمع جميع علماء المسلمين وصالحيهم.. وكان من عجبي أن رأيت اسما امتلأت له حبا وتقديرا هو اسم (مولانا محمد علاء الدين ماضى أبو العزائم) شيخ عموم الطريقة العزمية.

فقلت: ما لهذا الرجل قد وضع في هذه القصاصات.. أنا أحسب أنه من أولياء الله فهو يمتلئ محبة لله وحرصا على هذه الأمة.

قال: لقد أقمنا في سجوننا نفيرا بسبب تصريحات له أبدى استعجابه فيها ممن يطلقون على معاوية، و يزيد ابنه، وأبي سفيان، لقب سيدنا، قائلا: متى كانوا أسيادنا؟ فهل قتلة سيدنا الحسين هم أسياد لنا؟ مشيرا إلى أن بنى أمية موجودون إلى وقتنا هذا ويجب أن تفيق الأمة من غفوتها.

وهو فوق ذلك يرى أن الأمة الإسلامية مغيبة عن حاضرها، وأصبحت الآن في حالة من الفرقة التي تحتاج إلى تكاتف الجميع لكى تعود إلى مجدها، وأن ما حدث فى معركة كربلاء يدل على أن الأمة غابت عن منهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان يجب بعد مقتل سبط الرسول سيدنا الحسين، أن تقوم الأمة وتنتفض، ولكن للأسف بدل أن تقوم وتنتفض نامت في سبات عميق لم تفق منه حتى وقتنا الحالي.

قلت: هذا كلام طيب، وهو دليل على وعي الرجل وفقهه وحرصه على الأمة.

قال: أنت تقول ذلك.. لكننا في سجوننا لا نقوله.. لقد عقدنا في ذلك المساء اجتماعا عاما دعي له جميع المعتقلين في سجوننا، وقد حكمنا فيه عليه بأحكام يربأ لساني عن ذكرها.. ثم رمينا قصاصته في جهنم، وتلذذنا بنارها الموقدة أياما.

الدين.. والجهل والبداوة

في اليوم الثالث، دخلت على صاحبي الوهابي الهارب غرفته التي استضفته فيها، فتعجبت إذ رأيتها على غير الصورة التي كانت عليها، ولولا أن عقلي كان معي، وأن ذاكرتي كانت تحفظ جيدا بيتي لتوهمت أني دخلت بيتا غير بيتي.

لقد صار بيتي أقرب إلى خيام الوبر منه إلى بيوت المدر..

سألته مستغربا: ما الذي حصل لبيتي؟

ابتسم، وقال: اعذرني سيدي.. فلا تزال لوثة الوهابية تطيف بعقلي أحيانا، فأتصرف من غير وعي، وأتحرك على غير رشد.

قلت: لا بأس عليك.. ولكن لم فعلت ببيتي هذا.. وأي ذكريات مؤلمة جعلتك تنحرف به هذا الانحراف؟

قال: ذكريات مؤلمة بدأت مع أول علاقتي بهم..

قلت: فهل تقصها علي؟

قال: ما دام قلمك معك، فسأقصها عليك.. فلا ينفعني عند الله إلا أن أقصها عليك.

أخذ صاحبي الوهابي الهارب نفسا عميقا، ثم قال: في تلك الأيام كنت طالبا جامعيا.. في تخصص من التخصصات العلمية الحديثة.. وكنت فخورا حينها بالحضارة التي أنتمي إليها حضارة العلم والمعرفة.. وقد كنت أتصور نفسي أسير على ما سار عليه أجدادي الذين قدموا أروع حضارة للعالم..

في بعض تلك الأيام شعرت بشوق يشدني إلى مجالس العلم، لما ورد فيها من الفضل.. فأسرعت إلى مجلس من المجالس، وليتني ما فعلت..

لقد وجدت في ذلك المجلس الذئب الذي يلبس ثياب الحمل محتلا لذلك العرش الذي لا يجلس عليه إلا العلماء العاملون.

لقد كان ضبعا حقيرا، ولكنه كان يزأر كزئير الأسود.. يريد أن يجرد بزئيره المسلمين والحضارة الإسلامية من كل منقبة، ليلصق بها بعد ذلك أي دعي أي مثلبة.

قلت: أمستشرق هو أم مبشر؟.. أم مستغرب هو أم ملحد؟

قال: ليته كان كذلك.. لقد كان مسلما ملتزما في سلوكه غاية الالتزام.. وقد رأيت أهل مجلسه يصفونه بأنه (السنة تمشي).. ولكنه كان في حديثه كحامل معول يريد أن ينقض على البنيان الذي بنته أجيال من هذه الأمة.

قلت: فهلا حدثتني حديثه؟

قال: يؤلمني أن أحدثك حديثه.. لقد أثر في ذلك المجلس كما لم يؤثر في أي مجلس.. لقد جلست مع المستشرقين والمستغربين والمبشرين فلم أسمع أحدا منهم ينهش في الأعراض مثلما ينهش.. وللأسف فقد انحرف ذلك المجلس بي انحرافا تاما، وبدل أن أتوجه إلى العلم توجهت إلى الجدل، وإلى الأودية السحيقة والسجون المظلمة لأسكن فيها عقودا من عمري.

قلت: ما دمت قد ذكرته لي.. فلا مناص من أن تحدثني حديثه.. من هو أولا؟

قال: دعنا من اسمه.. فلو ذكرناه لم نأمن أن يحصل لك شر بسببه أو بسبب من يحيط به.. فقد كان لهم من الأنفة والعزة ما لم يكن لمروان القرظ، ولا لأم قرفة([11]).

قلت: فحدثني حديثه.

قال: لقد سمعته يقول([12]): إن الفتن في هذه الأزمان قد تتابعت كقطع الليل، وأحييت معالم الدَّهْمَاء، وأثير نقع الفتن، واستوري زناد الهَزَاهِز.. ولكن مستثار الفتنة وعرصة غيِّها؛ هو فيما حازه الكفار من زخارف الدنيا، فإنها قد بلبلت كثيراً من المسلمين، فمنهم من انسلخ عن دينه.. ومنهم من بقي حائراً.. ومنهم من ثبت على دينه على دَخَنٍ.. ومنهم من لم يرفع بهذه الفتنة رأساً، ولم يلق لها بالاً، بل ثبت على دينه ثبات الجبال الرواسي.

وفي هذا الجو الكئيب من غبار الفتن العصيب ظهر قوم منا ينطقون بألسنتنا، ولكن قلوبهم مملوءة بالشقاق والنفاق وسوء الأخلاق.. لقد ظهر هذا الفريق يحاول إبراز محاسن الإسلام للكافرين.. وأن المسلمين كانوا في حضارة وعلم من جنس حضارتهم وعلومهم..

وقد أخطأوا ـ ويلهم ـ خطأ شنيعا.. فالإسلام هو دين الحق والعلم والحضارة.. ولكنها حضارة غيرُ الحضارة وعلمٌ غير العلم.

سارت مشرقة وسرت مغرباً     شتان بين مشرقٍ ومغرب

حضارتهم دنيوية زائلة، وحضارتنا دينية نبوية باقية.. وعلومهم دنيوية دنيه، وعلومنا شرعية ربانية.. سلفية سنية نبوية.. ليست بذات شطحٍ ولا هذيانِ.

بعد أن أنهى محاضرته المملوءة بالسجع والجناس والطباق.. قام رجل من المحيطين به، وقال: حدثتنا عن حضارة السوء.. حضارة المزابل والقمامات.. فحدثنا عن حضارتنا.

رفع رأسه بأنفة وكبرياء، وقال: حضارتنا هي الحضارة الصحيحة.. وهي التي وجدت في القرون المفضلة.. في وقت الصحابة والتابعين، وأئمة الدين، فريق الهدى، وأشياع الحق، وكتائب الله في أرضه، الذين بلغوا من الدين والعلم والقوة غاية ليس وراءها مطلع لناظر، ولا زيادة لمستزيد، ففتحوا البلدان، وشيدوا الأركان، ودانت لهم الأمم، وتداعت لهم الشعوب.

وهم النجوم لكل عبدٍ سائرٍ
 

يبغي الإله وجنة الحيوانِ
  

وسواهم والله قطّاع الطريق
 

أئمةٌ تدعو إلى النيرانِ
  

أهل حضارتنا هم (أبر الأمة قلوباً، وأعمقها علوماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً)([13])

فَمن كان مفاخراً؛ فليفاخِرْ بهم، ومن كان مكاثراً؛ فليكاثرْ بهم، فدينهم هو الدين، وعلمهم هو العلم، مكّن الله لهم في الأرض ففتحوا الدنيا وحكموا العالم في مدةٍ لا يبلغ فيها الرضيع أن يفطم.

قال الذهبي: (واستولى المسلمون في ثلاثة أعوام على كرسي مملكة كسرى وعلى كرسي مملكة قيصر، وعلى أمَّي بلادهما، وغنم المسلمون غنائم لم يسمع بمثلها قط من الذهب والحرير والرقيق، فسبحان الله العظيم الفتاح)([14])

قام رجل من أصحابه، وقال: لقد ظهر في هذه الأزمنة التي أتت بكل عجيب قوم بهرتهم زخارف بني الأصفر وبلبلت أفكارهم وفهومهم، فشعروا - لبعدهم عن الحق - بنقص إزاء ما يرونه.. فهبوا إلى التاريخ يقلبون أوراقه لعلهم يجدون فيه ملجأً أو مغاراتٍ أو مدَّخلاً يسترون فيه هذا النقص، فطووا ذكر القرون المفضلة لأنهم يعلمون أنه ليس فيها لشفرتهم محزّا، ولا لبغيتهم طائلاً، وأمعنوا النظر في دويلات البدع والضلالة، فأخرجوا منها زبالات التاريخ وحثالات المسلمين ممن تفلسف وتزندق وألحد في دين الله، فلمَّعوا وجوههم الكاحلة، ونفضوا عنها الدَرَن والنتن.. فبارزوا بهم الكفار، فكانوا بحقٍ كعبدٍ صرعه أَمَةٌ، وكالمستجير من الرمضاء بالنار.

فهرفوا بما لم يعرفوا، فما كلامهم إلا خطل، وما حديثهم إلا هَذَر، وقديماً قيل: (مَنْ أكثرَ أهجَرَ)

فما سر هؤلاء فضيلة الشيخ.. وبقية السلف.. وسيد الخلف؟

رفع الشيخ رأسه بكبرياء، ثم قال: إن النكتة في ذلك ترجع إلى أن هؤلاء القوم إنما أرادوا مبارزة بني الأصفر بعلومٍ من جنس علومهم، وهذه العلوم لم يبرع فيها من المسلمين إلا الملاحدة، وغفلوا أو تغافلوا عن قوله تعالى :﴿ كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ (الإسراء: 20)، وهذا من عطائه تعالى، والدنيا يعطيها الله لمن يحب ويكره، ولكن الدين لا يعطيه إلا لمن يحب، وإلا فهذه العلوم لا تدل على حق ولا تمنع من باطل، بدليل أنك لو جمعت ما عند ملاحدة اليونان والمسلمين من هذه العلوم ثم قارنتها بما عند الكافرين اليوم لما بلغت عشر معشارها.. والنقص إنما يشعر به من ابتعد عن جادة الدين، وإلا فمن سلكَ الجَدَد؛ أَمِنَ العثار.

ولو أمعنوا في دراسة التاريخ؛ لاتضح لهم جلياً أن المسلمين لم يضعفوا ويتسلط عليهم الكفار والتتار والباطنية وغيرهم إلا بعد انتشار مثل هذه العلوم والعلماء بين المسلمين.

لقد كان العلم الشرعي في عهد السلف محصورا فيما دل عليه القرآن والسنة وكلام السلف.. لا علوم الفلاسفة والملاحدة.

كل العلوم سوى القرآن مشغلة
 

إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
  

العلم ما كان فيه قال؛ حدثنا
 

وما سوى ذاك وسواس الشياطين
  

قال ذلك، ثم صاح بزئير كزئير الأسود: الله الله في الإسلام.. فإن الحضارة الإسلامية لا تقاس بعمران الدنيا ولا بعلومها، فإن المسلمين لما اشتغلوا ببناء القصور الفارهات، وبتعلّم الفلسفة والمنطق والطبيعيات، وركنوا إلى الدنيا واستهانوا بالعلوم الشرعيات؛ رماهم الله بالدواهي والمصيبات، فالفهمَ الفهمَ، فإن الإسلام لم يأتِ لعمارة الدنيا إلا بالطاعات.

قام رجل من القوم، وقال: إن بيننا من التبست عليه الأمور.. فراح يصف المارقين بأوصاف المسلمين.. وراح يعدل من ذكره ثقاتنا في المجروحين.. ونحن نطلب منك أيها الشيخ الوقور أن تذكر لنا الحكم الصحيح فيهم.. وهل هم من أهل الجنة أم من أهل النار؟.. أو هم من الطائفة المنصورة أم من طوائف البوار.. الذين يملؤون أطباق النار؟

قال الشيخ: سل عما بدا لك.. فلن تجد عندي إلا العلم الصحيح.. وكل حرف عداه بدعة.. وكل بدعة ضلالة.. وكل ضلالة في النار.

قال الرجل: نسألك عن عبد الله بن المقفع.

قال الشيخ: لقد كان مجوسياً فأسلم.. وكان يتهم بالزندقة.. وقد قال فيه المهدي: (ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع)

قال الرجل: فأخبرنا عن جابر بن حيان.

قال الشيخ: لقد قال فيه شيخ الإسلام ـ عليه مني أفضل السلام، وأزكى الصلاة والإكرام ـ: (وأما جابر بن حيان صاحب المصنفات المشهورة عند الكيماوية؛ فمجهول لا يعرف، وليس له ذكر بين أهل العلم والدين)

ولو أثبتنا وجوده، فإنما نثبت ساحراً من كبار السحرة في هذه الملة، اشتغل بالكيمياء والسيمياء والسحر والطلسمات، وهو أول من نقل كتب السحر والطلسمات.

قال الرجل: فأخبرنا عن محمد بن موسى الخوارزمي.. ذلك الذي اشتهر باختراع (الجبر والمقابلة)، وكان داعيه لذلك المساعدة في حل مسائل الإرث.

قال الشيخ: لقد رد عليه شيخنا.. شيخ الإسلام.. الناطق باسم الإسلام.. عليه مني أزكى السلام.. بأن ذلك العلم وإن كان صحيحاً إلا أن العلوم الشرعية مستغنية عنه وعن غيره.

ثم هو فوق ذلك كان من كبار المنجّمين في عصر المأمون والمعتصم والواثق.. وكان من كبار مَنْ ترجم كتب اليونان وغيرهم إلى العربية.

قال الرجل: فأخبرنا عن عمرو بن بحر.. ذلك الذي لقب بالجاحظ.

قال الشيخ: ويل له.. ثم ويل له.. لقد كان من أئمة المعتزلة، تنسب إليه (فرقة الجاحظية).. وكان شنيع المنظر.. سيء المخبر.. رديء الاعتقاد.. تنسب إليه البدع والضلالات.. وربما جاز به بعضهم إلى الانحلال، حتى قيل: (يا ويح من كفّره الجاحط).

قال الرجل: فأخبرنا عن محمد بن موسى بن شاكر.

قال الشيخ: ويله.. ثم ويله.. لقد جمع جميع أنواع الضلالة.. فهو فيلسوف، موسيقي، منجّم، من الذين ترحموا كتب اليونان، وأبوه موسى بن شاكر، وأخواه أحمد والحسن؛ منجمون فلاسفة أيضاً.

قال الرجل: فأخبرنا عن الكندي.. يعقوب بن اسحاق.

قال الشيخ: ذلك المارق الفيلسوف.. لقد كان من أوائل الفلاسفة الإسلاميين.. وهو منجّم ضال، متهم في دينه كإخوانه الفلاسفة.

قال الرجل: فأخبرنا عن عباس بن فرناس.

قال الشيخ: ويله.. ثم ويله.. هو فيلسوف، موسيقي، مغنٍ، منجّم، نسب إليه السحر والكيمياء، وكثر عليه الطعن في دينه، واتهم في عقيدته، وكان إلى ذلك كله شاعراً بذيئاً في شعره مولعاً بالغناء والموسيقى.

قال الرجل: فأخبرنا عن ثابت بن قرة.

قال الشيخ: ويل للصابئ.. لقد كان كافرا، فيلسوفا، ملحدا، منجّما، وهو وابنه إبراهيم بن ثابت، وحفيده ثابت بن سنان.. كلهم ماتوا على ضلالهم..

قال الرجل: فأخبرنا عن اليعقوبي.. أحمد بن اسحاق.

قال الشيخ: ويل له.. لقد كان رافضيا، معتزليا، تفوح رائحة الرفض والاعتزال من تاريخه المشهور، ولذلك طبعته الرافضة بالنجف.

قال الرجل: فأخبرنا عن الرازي.. محمد بن زكريا الطبيب.

قال الشيخ: ويل له.. لقد كان من كبار الزنادقة الملاحدة.. يقول بالقدماء الخمسة الموافق لمذهب الحرانيين الصابئة.. وهو يفوق كفر الفلاسفة القائلين بقدم الأفلاك، وصنّف في مذهبه هذا ونصره، وزندقته مشهورة.

قال الرجل: فأخبرنا عن البثّاني.. محمد بن جابر الحراني.

قال الشيخ: ويله.. لقد كان صابئاً.. فيلسوفاً.. منجّماً.

قال الرجل: فأخبرنا عن الفارابي.. محمد بن محمد بن طرخان.

قال الشيخ: ويله.. فقد كان من أكبر الفلاسفة، وأشدهم إلحاداً وإعراضاً، وكان ابن سينا على إلحاده خير منه.

قال الرجل: فأخبرنا عن المسعودي.. علي بن الحسين.

قال الشيخ: ويله.. لقد كان معتزلياً، شيعياً.. قال فيه شيخنا.. شيخ الإسلام.. الجبل الهمام.. عليه مني أزكى السلام: (وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله تعالى، فكيف يوثق في كتاب قد عرف بكثرة الكذب؟)

قال الرجل: فأخبرنا عن المجريطي.. مسلمة بن أحمد.

قال الشيخ: ويله.. هو فيلسوف، كبير السحرة في الأندلس، بارع في السيمياء والكيمياء، وسائر علوم الفلاسفة، نقل كتب السحر والطلاسم إلى العربية.

قال الرجل: فأخبرنا عن مسكويه.. محمد بن أحمد.

قال الشيخ: ويله.. لقد كان مجوسياً، فأسلم، وتفلسف، وصحب ابن العميد الضال، وخدم بني بويه الرافضة، واشتغل بالكيمياء فافتتن بها.

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن سينا.. الحسين بن عبد الله.

قال الشيخ: ويله.. لقد كان إمام الملاحدة، فلسفي النحلة، ضال مضل، من القرامطة الباطنية، كان هو وأبوه من دعاة الإسماعيلية.. كافر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم بالآخر.

مساوئ لو قسمن على الغواني = لما أمهرن إلا بالطلاق

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن الهيثم.. محمد بن الحسن بن الهيثم.

قال الشيخ: ويله.. لقد كان من الملاحدة الخارجين عن دين الإسلام، من أقران ابن سينا علماً وسفهاً وإلحاداً وضلالاً.. وكان في دولة العبيديين الزنادقة..

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن النديم.. محمد بن اسحاق.

قال الشيخ: ويله.. لقد كان رافضيا، معتزليا، غير موثوق به.

قال الرجل: فأخبرنا عن المعرّي.. أبي العلاء أحمد بن عبد الله.

قال الشيخ: ويله.. ذلك المشهور بالزندقة على طريقة البراهمة الفلاسفة، وفي أشعاره ما يدل على زندقته وانحلاله من الدين..قال فيه شيخنا القحطاني ـ عليه مني السلام ـ في نونيته:

تعسَ العميُّ أبو العلاء فإنه = قد كان مجموعاً له العَمَيانِ

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن باجه..أبي بكر بن الصائغ.

قال الشيخ: ويله.. فيلسوف كأقرانه، له إلحاديات، يعتبر من أقران الفارابي وابن سينا في الأندلس، من تلاميذه ابن رشد، وبسبب عقيدته حاربه المسلمون هو وتلميذه ابن رشد.

قال الرجل: فأخبرنا عن الأدريسي.. محمد بن محمد.

قال الشيخ: ويله.. لقد كان خادماً لملك النصارى في صقليه بعد أن أخرجوا المسلمين منها، وكفى بذلك لؤماً وضلالاً.

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن طفيل.. محمد بن عبد الملك.

قال الشيخ: ويله.. كان من ملاحدة الفلاسفة والصوفية، له الرسالة المشهورة (حي بن يقظان)، يقول بقدم العالم وغير ذلك من أقوال الملاحدة.

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن رشد الحفيد.. محمد بن أحمد بن محمد.

قال الشيخ: ويله.. فيلسوف، ضال، ملحد، يقول بأن الأنبياء يخيلون للناس خلاف الواقع.. ويقول بقدم العالم وينكر البعث، وحاول التوفيق بين الشريعة وفلسفة أرسطو في كتابيه (فصل المقال) و(مناهج الملة)، وهو في موافقته لأرسطو وتعظيمه له ولشيعته؛ أعظم من موافقة ابن سينا وتعظيمه له، وقد انتصر للفلاسفة الملاحدة في (تهافت التهافت)، ويعتبر من باطنية الفلاسفة، والحادياته مشهورة..

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن جبير.. محمد بن أحمد.. صاحب الرحلة المعروفة بـ (رحلة ابن جبير)

قال الشيخ: ويله.. ألا ترى في رحلته تلك تقديسه للقبور والمشاهد الشركية، وتعظيمه للصخور والأحجار، واعتقاده بالبدع والخرافات وغيرها كثير؟

قال الرجل: فأخبرنا عن الطوسي.. نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن.

قال الشيخ: ويله.. نصير الكفر والشرك والإلحاد، فيلسوف، ملحد، ضال مضل، كان وزيراً لهولاكو وهو الذي أشار عليه بقتل الخليفة والمسلمين واستبقاء الفلاسفة والملحدين، حاول أن يجعل كتاب (الإشارات) لابن سينا بدلاً من القرآن، وفتح مدارس للتنجيم والفلسفة..

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن البناء.. أحمد بن محمد.

قال الشيخ: ويله.. لقد كان شيخ المغرب في الفلسفة والتنجيم والسحر والسيمياء.

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن بطوطة.. محمد بن عبد الله.

قال الشيخ: ويله.. ذلك الصوفي، القبوري، الخرافي، الكذّاب.. كان جل اهتماماته في رحلته المشهورة؛ زيارة القبور والمبيت في الأضرحة، وذكر الخرافات التي يسمونها (كرامات) وزيارة مشاهد الشرك والوثنية، ودعائه أصحاب القبور وحضور السماعات ومجالس اللهو، وذكر الأحاديث الموضوعة في فضائل بعض البقاع، وتقديسه للأشخاص، والافتراء على العلماء الأعلام.

***

بعد أن نفث ذلك الأسد الهصور سمومه في أذني سرت بكآبة لا تعدلها كآبة.. وصرت بين أمرين إما أن أستمر في دراسة العلوم الحديثة لتنزل علي بعدها ما نزل على أجدادي من اللعنات، أو أنقطع لأظفر بما يعده هؤلاء من الجنات.. وما أسرع ما ملت إلى الجنات، فقد كنت حينها عظيم الإخلاص، قليل البضاعة من العلم.

لقد سرت في اليوم الثاني، وسحبت انتمائي من الجامعة التي انتميت إليها لأدخل سجن الجهالة والبداوة مع من دخل إليه من الوهابيين وأذنابهم.

***

 بعد أن حدثني صاحبي الوهابي بهذا سألته: فكيف أنقذك الله من هذا السجن؟

قال: بعد أن رأيت من الجهل والبداوة في أصحابي ما رأيت.. وفي يوم من أيام الله.. سرت حزينا في بعض البوادي، أقلب النظر فيما كنت فيه، وفيما صرت إليه، وبينا أنا كذلك إذ ربت على كتفي رجل.. وقال لي: لا تحزن.. وواصل بحثك.. فالحقيقة أعز من أن تراها عند طرف واحد.

قلت: من أنت؟.. وكيف عرفت أمري؟

قال: لا يهمك اسمي.. ولكني من أحفاد رجل عظيم من بناة الحضارة الإسلامية كان اسمه (أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى النقاش الزُّرْقَالي)([15]).. وقد  عاش في القرن الرابع الهجري.. وولد في قرطبة.. وعمل في طليطلة بالأندلس.

قلت: استر نسبك.. قبل أن يصيبك من ويلاته ما يخرجك من الإسلام.

قال: تقصد ذلك الشيخ الجراح وأتباعه؟

قلت: أجل.. فلم أسمع منهم إلا تهم الإلحاد والزندقة.

قال: لا عليك منه.. إن لأولئك تصورا خاطئا عن دين الله.. إن حالهم لا يختلف عن حال ذلك الأعرابي الذي قال في دعائه: (اللهم اغفر لي ولمحمد، ولا تغفر لأحد معنا)([16])

قلت: ولكن ألا ترى في كلامه وجوها من الصحة؟

قال: إن ذلك الرجل لم يفهم سر حضارة الإسلام..

قلت: فما سرها؟

قال: لقد تعامل المسلمون مع الخلق بما أرشدهم إليه صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: (أنزلوا الناس منازلهم)([17])

قلت: ما تعني؟

قال: ألا ترى الحضارة الحديثة وكيف تزهو بنفسها؟

قلت: بلى.. أرى ذلك.

قال: فهل اختص ببنائها جنس دون جنس.. أو أهل دين دون أهل دين؟

قلت: لا.. هي تضم كل الأديان والمذاهب والأجناس.

قال: فهكذا الإسلام.. لقد وفر للحضارة قيمها والظروف المناسبة لها.. ثم ترك للمبدعين ليتحركوا في مجالات الإبداع الصحيحة.. ولذلك فإن الحضارة الإسلامية شملت ببركاتها كل الأديان والمذاهب والأعراق والطوائف..

قلت: ولكن الشيخ ذكر ملاحدة؟

قال: لقد رآهم بنظره القاصر ملاحدة.. لقد ذكرت لك أن هؤلاء رسموا للإسلام إطارا معينا.. فكل من جاوزه لم ينجو من سيوفهم أو من تصنيفهم.

قلت: ولكن منهم من قال كلمات ربما تؤدي به إلى الإلحاد..

قال: لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا ننظر إلى الأمور من هذه الزاوية.. لقد علمنا أن لا نمحو قناطير الحسنات بخطيئة واحدة قد لا تكون مقصودة.. وقد لا تكون خطيئة أصلا.

ألم تسمع أنه صلى الله عليه وآله وسلم ذكر (رجلا فيمن سلف أعطاه الله مالا، وولدا، فلما حضرت الوفاة، قال لبنيه، أي أب كنت لكم، قالوا: خير أب، قال: فإنه لم يبتئر، عند الله خيرا، وإن يقدر الله عليه، يعذبه، فانظروا إذا مت فأحرقوني، حتى إذا صرت فحما فاسحقوني، فإذا كان يوم ريح عاصف، فأذروني فيها ـ فأخذ مواثيقهم على ذلك، وربى ـ ففعلوا، ثم أذروه فى يوم عاصف، فقال الله عز وجل: كن، فإذا هو رجل قائم، قال الله: أى عبدى، ما حملك على أن فعلت ما فعلت؟ قال: مخافتك ـ أو فرق منك ـ فما تلافاه أن رحمه عندها)([18])؟

قلت: إن هذا حديث عظيم.. دعني أذهب وأبشره به.. عساه يكف عن إدخال الناس إلى النار.

ابتسم، وقال: دعك منه.. فهو يحفظ الحديث.. ويحفظ أسانيده.. ولكن المسكين انشغل بعد رواته عن البحث عن معناه أو عن إدراك معناه.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (نضر الله امرءا سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)([19])

فلكيون.. بدون مراصد

في اليوم الرابع، دخلت على صاحبي الوهابي الهارب غرفته التي استضفته فيها، وبقيت معه لحظات ألاطفه وأخفف عنه بعض ما يعانيه من أعباء الماضي، وقد عجبت إذ رأيته على غير عهدي به هادئا ممتلئا صفاء وسلاما..

وكان من قولي له - وأنا أجتهد في التخفيف عنه -: انظر إلى السماء وما حوت من مجرات ونجوم وكواكب وسدم وما نرى وما لا نرى..  لترى أن الواسع العليم الذي اتسعت قدرته لكل هذا لن تضيق مغفرته بما سبق لك من خطأ لم تكن تقصده.

بمجرد أن قلت هذا رأيت ملامحه تتبدل، وجبينه يتقطب، وسحنته يكسوها غضب شديد لم أدر سببه، ثم رأيته يقوم بقوة جهة الباب، وهو يقول: تكذبون.. تكذبون.. أنتم أجهل الناس.. أنتم أحقر الناس.. أنتم لا تتقنون إلا الدعاوى.. أنتم أصحاب الجهل المركب.. تجهلون، وتجهلون أنكم تجهلون..

اقتربت منه، وحاولت أن أخفف ما به، فرماني بيده، وهو يقول: دعني.. دعني.. فإن كوابيس أولئك المدعين لا تزال تطاردني كل حين.. ولو لم أقم لأرميهم بجمرات سبابي لانفجرت.

قلت: روديك.. ما الذي حصل؟.. ما الذي جعلك تفعل هذا؟

أخذ نفسا عميقا، ثم قال: ما أشد الظلمات التي كان عقلي يسكن فيها!!

قلت: العقل لا يسجن.. لا يسجن في هذه الدنيا إلا الجسد.. أما العقل، فلصاحبه مطلق الحرية فيه.. وكم رأينا من العلماء سجنوا، فلم يزدهم سجنهم إلا ذكاء ونشاطا ونبوغا.

قال: ولذلك قلت لك: إن سجون الوهابية لا تعادلها جميع سجون الدنيا.. ذلك لأن المسجون فيها ليس الجسد، وإنما العقل والروح والقلب.. وجميع اللطائف الكريمة.. المتحرر الوحيد في سجون الوهابية هو هذا الطين.. هذا الحمأ المسنون الذي لا يختلف عن كل حمأ تراه.

قلت: أنى لهم أن يسجنوا العقل.. العقل بيد صاحبه.. لا يستطيع أحد في الدنيا مهما كان أن يسلبه من صاحبه.

قال: إلا الوهابيون، ومن كان على شاكلتهم.. إن لهم القدرة على أن يقوموا بغسيل للعقل.. لا يعرف بعده معروفا ولا ينكر منكرا.. وهم يستغلون في ذلك أقدس كلام، وأعظم هدي.

قلت: ما تعني؟

قال: الوهابيون يستعملون النصوص المقدسة التي جبلت القلوب والبصائر على تعظيمها والتسليم لها ليقوموا بمهمتهم الخطرة.

قلت: للنصوص المقدسة من العصمة والقداسة ما يستحيل معه أن تمس طهارتها.. ألم تسمع قوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)(الواقعة)، وقوله: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)(فصلت)؟

قال: أجل.. هي كذلك.. ولكن ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان) ([20])

قلت: أجل.. وما في هذا مما نحن فيه؟

قال: إن هذا الحديث يتحدث عن عين ما نحن فيه.. إن هؤلاء لا يتقنون إلا هذا الفن من العلم.. إنهم يعمدون إلى أقدس كلام لينجسوه بأفهامهم المدنسة.

قلت: لم أفهم ما تقول.. أو لعلي لم أقتنع بما تقول.

قال: سأقص عليك قصة ربما تجعلك تعي ما أقول.

قلت: هلم بها.. فما أحلى قصصك.

نظر من نافذة البيت إلى الأفق البعيد، ثم قال: في تلك الأيام المظلمة زار بيتي صديق قديم لي، كان يسكن أمريكا، وكان عالما كبيرا من علماء الفلك.. وكان مسيحيا من المسيحيين العرب.. وقد جمعتني به صداقة قديمة، ولكنه أتاني في تلك الأيام لأمر خاص.. خاص جدا.. طلب مني أن أكتمه عن الكل..

لقد كان يبحث حينها عن الحقيقة.. وقد ذكر لي أنه ظهر له من جمال الإسلام وقوته وروحانيته ما لم يظهر له في المسيحية، ولا في أي دين آخر.

وكان من جملة ما قال لي: انظر.. الإسلام هو الدين الوحيد المنسجم مع العلم.. وهو الدين الوحيد الذي لم يقع فيما وقعت فيه سائر الديانات وخصوصا المسيحية من الصراع مع العلم([21]).

فلم يحدث في الإسلام ما حدث ل (ويكلف) الذي نبش قبره وأحرقت جثته.. ولا لــ (جون هيس) عميد جامعة براج الذي أحرق حيا.. ولا لــ (لوثر كنج) الذي عانى الكثير منهم.. ولا لـ (كلفن).. ولا لـ (نيكولاي كوبرنيكوس) الفلكي البولندي - رائد الانقلاب الذي حدث في علم الفلك، وحلت فيه الشمس في مركز النظام الشمسي  - الذي أحرقته الكنيسة.

لم يحدث في الإسلام أن أحضر رجل بعظمة (جاليليو جاليلي) الفلكي المشهور إلى قاعة للتحقيق للإجابة على أسئلة المحقق للرد على الاتهامات التي وجهت إليه حول قوله بدوران الأرض ــ وهو قول مخالف لاعتقاد الكنيسة التي كانت تعتبر الأرض ثابتة وهي مركز الكون ــ حيث حوكم أمام عشرة من الكرادلة، وهي المحاكمة التي دفعته إلى التراجع عن رأيه، فكتب بخط يده: (أنا جاليلو جاليلي قد اعترفت بأخطائي علانية كما في أعلاه ودونتها بيدي)

لم يحدث في الإسلام أن اعتبر علم الكون هرطقة.. ولا محاولة فهم كتابكم المقدس لرجل غير رجال الدين هرطقة، كما حصل لنا.

بعد أن ذكر لي - متأسفا - هذا وغيره.. طلب مني أن أسير به لعالم من علماء الدين، ليسأله عن الإسلام، وليزداد معرفة به، ووعدني بأنه سيعتنق الإسلام إن زالت بعض الشبهات التي لا تزال تلاحقه.

عندما قال لي هذا، لم أجد إلا أن أسير به إلى عالم من علمائنا المعتقلين معنا في سجوننا المظلمة التي لم نكن نرى فيها سماء ولا نجوما.. كان يدعي المعرفة بكل شيء.. وكان أجهل الناس بكل شيء.. كان اسمه الذي يحرص أن ينادى به دائما رغم طوله هو (يحيى بن علي بن أحمد بن علي بن يعقوب الحجوري)([22])، وقد كان من أعمدة الوهابية في اليمن، وقد خلف الوهابي الكبير (مقبل بن هادي الوادعي) في التدريس في دار الحديث.

عندما دخلنا عليه مجلسه المكتظ بالمعتقلين، بادرنا مرحبا بي، ومغضيا في نفس الوقت عن صديقي الذي حضر معي، حتى أنه لم يمد يده إليه مصافحا، وقد فطنت إلى ذلك، فقد كان صاحبي حليقا.. والشيخ (يحي بن علي) كان يرى حرمة مصافحة حليقي اللحية قياسا على حرمة مصافحة المرأة.

لم أهتم بذلك، بل رحت أقدم صاحبي، قائلا: هذا صديق يبحث عن الحقيقة.. ليعتنقها.

قال يحي: فقد ولج الأمر من بابه.. فليس للحقيقة باب إلا بابنا.. وليس للسماء معراج إلا معراجنا.

قلت: ولذلك أتيت به إليك عساه ينتفع بكلامك.. فقد ذكر أن لديه شبهات يريد طرحها عليك لتجيبه عنها.

قال يحي: أجبني أولا.. ما وظيفته.. فلا يمكن أن يعالج المرض قبل أن يعرف المريض.

قلت: هو يعمل في (ناسا).

قال يحي: وما ناسا؟

قلت: هي وكالة الفضاء الأمريكية..

قال يحي: وكالة الفضاء!!.. وما وكالة الفضاء؟

قلت: هي المركز الذي يبحث فيه الفلكيون عن الكون وأجرامه وظواهره.. وهي تقوم في الأساس على: (الأرصاد الفلكية) و (الملاحظات التي يلاحظها العلماء الفلكيون) إما بالعين المجردة، أو بمعاونة الأجهزة العلمية المعروفة.

قال يحي: الفلكيون!!.. إنهم كذابون مخادعون سحرة.. لقد قال فيهم شيخنا شيخ الإسلام الناطق باسم الإسلام كلاما عظيما.. الآن عرفت مرضه.. فلا حاجة لأن يذكره لي.. وعرفت شبهته فلا حاجة أن يسردها علي.. بل أنا الذي سأتولى سردها عليه، وسأتولى فوق ذلك بما آتاني الله من علم أن أجيبه عنها.

احتار صاحبي في هذه القدرات العجيبة للشيخ يحي.. ولم يجد المسكين أي فرصة للحديث.. فقد أخذ الشيخ يحي بأزمة الكلام جميعا سؤاله وجوابه.

جلسنا بعد أن طلب منا الشيخ يحي الجلوس.. ثم أخذ المكبر، وراح يخاطب الجمع قائلا: اسمعوا.. سنرد اليوم بمعاول الهدم على شبهات خطيرة تنتشر في واقعنا انتشار النار في الهشيم.. سأرد عليها جميعا كالصبح الشارق الماحق لكل ظلام.. فاكتبوا جميع ما أمليه عليكم من حديثي مع هذا الرجل المارق..

قال بعض الحاضرين: فبماذا نعنون درسنا هذا.. نرجو أن يكون عنوانا جميلا كسابقيه.

قال يحي: العنوان بسيط وجميل كسائر العناوين التي أمليها عليكم.. اكتبوا (الصبح الشارق في الرد على الفلكي المارق)

ابتلع صاحبي المسكين غصته بعد أن تحول من مستفت إلى مارق.. لكنه كان صبورا حليما، فلم يتصرف أي تصرف قد يجر عليه الويلات.

بعد أن اعتدل الشيخ يحي في جلسته، نظر إلى الجمع، ثم قال: أول شبهة ننسفها هي شبهة (صعود الإنسان إلى القمر)

ضحك الحاضرون جميعا، وقالوا: الإنسان صعد إلى القمر!!.. في أي قصة هذا.. أو في أي أساطير.. وبأي أجنحة؟

قال يحي: اسمعوا.. (إن الكفار يدعون كذبا وزورا أنهم صعدوا إلى القمر، وهذه كذبة عظيمة بلغت الآفاق يستحق صاحبها أن يشرشر شدقه على قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، ولا يزال يفعل به ذلك)([23])

التفت إلى صاحبي، فوجدته قد اصفر وجهه، وامتلأ رعبا.. واصل الشيخ يحي يقول: (وهذه الكذبة صنعها أعداء الإسلام لاحتقار من سواهم من المسلمين حيث لم يستطيعوا صعود القمر، ولغير ذلك من المقاصد الخبيثة، ونشرها الببغاوات.. وقد أنكرها ذلك السيف الصارم على البدع والمحدثات الشيخ حمود التويجري في كتابه (الصواعق الشديدة على أهل الهيئة الجديدة)، ومثله علامة اليمن شيخنا مقبل الوادعي حفظه الله برعايته، وجعله تحت بالغ لطفه وعنايته)

(وقد ظهرت هذه الكذبة منذ أكثر من أربعين سنة وإلى الآن فلم تتكرر ولم يأتوا لها بثانية، وحيث ظهر كذبُهم سكتوا إلا من لا يستحيي من هؤلاء.. ثم لماذا عِلْمهم هذا لم يتطور حتى يكون صعود القمر كصعود الطائرة الآن)

كبر الحضور معجبين بتلك الأدلة التي أوردها.. فانتفخ صاحبنا على كرسيه، ثم نظر إلي، وإلى من حوله، دون أن ينظر إلى صاحبي تورعا، ثم قال: أما الشبهة الثانية التي يريد هذا الرجل الحليق أن يطرحها علينا، والتي سننسفها بصبحنا الشارق، فهي قول الفلكيين السحرة الكذبة بوجوب أن يعتقد بأن (المجرة هي مجموعة كبيرة من النجوم)، وأن (الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة.. وأن هناك من النجوم ما هو أصغر من الشمس ومنها ما هو أعظم من حجم شمسنا)

وهذا كلام باطل من وجهين: أولهما أن هؤلاء الكذبة يريدون أن يوجبوا على الناس ما لم يوجبه الله ولا رسوله ومن المعلوم عند الفقهاء والأصوليين أن الواجب يثاب فاعله ويستحق العقاب تاركه، وعليه فإن من لم يعلم الواجب فهو آثم فبالله عليكم أي دليل من كتاب الله وسنة رسوله اعتمد هؤلاء على إيجاب أن يعلم الناس أن الشمس أكبر من الأرض، وأن بعض النجوم أكبر من الشمس حتى يصير من لم يعلم ذلك آثمًا؟ أليس هذا من التشدد في الباطل وفيما العلم به لا ينقذ من نار ولا يدخل جنة، والجهل به لا يضر في دنيا ولا أخرى؟

أما الوجه الثاني، وهو الطامة الكبرى، فهو قول الفلكيين السحرة الكذبة (إن من النجوم ما هو أكبر من الشمس)، وأنا أشهد بالله أن هذا كذب لا دليل عليه من كتاب ولا سنة.. لقد أمدنا الله عز وجل بأبصار ناظره، وبصائر مدركة مميزة واعية نفرق بِها بين الصغير والكبير من المشاهدات.. وهذا يعتبر علمًا اضطراريًا عند كل بشر من المبصرين.. فمن الذي صعد إلى الشمس الملتهبة والنجوم الغابرة في الأفق ووزنَها بِهذا الميزان الدقيق، ورجح له في الميزان أن بعض النجوم أكبر من الشمس؟

ثم إن هؤلاء الجهلة غفلوا عما قاله أبو الخطاب قتادة بن دعامة، فقد قال قولا فصلا في هذا الباب.. قال: (خلق الله النجوم لثلاث علامات يهتدى بِها وزينة للسماء ورجومًا للشياطين فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف مالا علم له به)

وغفلوا قبل ذلك عن القرآن.. كلام الله.. فقد رتب الله عز وجل المخلوقات على عظمها في كتابه فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) (الحج)، ولا يليق ببلاغة القرآن أن يأتي بالمفضول قبل ما هو أعظم منه.

كبر الحاضرون، فازداد انتفاخ الرجل، ثم نظر إلي، وإلى من حوله، دون أن ينظر إلى صاحبي، ثم قال: أما الشبهة الثالثة التي يريد هذا الرجل الحليق أن يطرحها علينا، والتي سننسفها بصبحنا الشارق، فهي قول الفلكيين السحرة الكذبة بوجوب أن يعتقد بأنه (يمكن تحديد المسافة بيننا وبين الشمس)، بل إنهم زادو طين كذبهم بلة، فزعموا أن المسافة بيننا وبين الشمس هي (93) مليون ميل يقطعها الضوء في ثمان دقائق..

وهذه المسألة كسابقتها مبنية على التهوكات والتهويلات.. وإلا فإنكم تلاحظون ما إن يخرج قرص الشمس من المشرق إلا وتمتلئ الدنيا بالضوء دون أقل من دقيقة واحدة، ولو أن الشمس كانت تحت السحاب ثم تجلى عنها لرأيت أن الدنيا سرعان ما تضيء بدون تحديد أقصر زمن، وكذلك القمر فمن التخرص الذي لا يصدقه ذو عقل وبصر وفطرة سليمة أن يقال (إن الشمس حين تطلع جلية من المشرق أو في السماء لا يصل الضوء إلى الأرض إلا بعد ثمان دقائق وتبقى السماء صافية والشمس مضيئة مدة سبع دقائق والناس يشاهدون ذلك بين ظلمة الأرض وفي الدقيقة الثامنة يصل إليهم الضوء فتشرق الأرض)

فانظروا إخواني أعزكم الله إلى هذا الكلام السامج الذي يقوله الملاحدة يحاولون به إدخال الشكوك في قلوب جهال المسلمين وإضاعة أعمارهم في دراسة مثل هذا الهذيان الفارغ، بل الطعن في عقائد المسلمين وعلومهم والحط من قدر علماء الشريعة الإسلامية حيث لم يعلموا المسافة بين الشمس والأرض، ومن حسن حظهم أن تحصلوا على مجموعة خاوية من الحمقى والمغفلين يثبتون لهم هذه  الأطروحات على أنَّها حقائق ويتعاونون معهم على الإثم والعدوان باسم الدين.. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وإن أرادوا أن الشمس لا تطلع والأرض مظلمة لكن عرفوا ذلك فيما يزعمون بسرعة الضوء ونحوه قلنا: كيف عرفوا ذلك وأنى لهم أن يعرفوا المسافة بسرعة الضوء في الأرض وأي ضوء وصل إلى الشمس وأضاء عليها على ذلك البعد الهائل من الأرض، فأفٍ لمن رضي بالكذب وأفٍ للكذابين.

عندما قال هذا كبر الحاضرون من فرط إعجابهم، فازداد انتفاخ الرجل، ثم نظر إلي، وإلى من حوله، دون أن ينظر إلى صاحبي، ثم قال: أما الشبهة الرابعة فهو زعمهم أن الكون في تمدد مستمر.. وهذا جهل عظيم..

قال بعض الحاضرين: ولكن الله تعالى يقول في القرآن: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) (الذاريات)

نظر إليه الشيخ يحي بشزر، ثم قال: هذا من التلاعب بالقرآن وليِّ أعناق النصوص لتبرير أفكار اليهود ونظرياتِهم.

ويدل على هذا أن جميع المفسرين الموجودة تفاسيرهم في مكتبة شيخنا العامرة يفسرون قوله تعالى: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)، أي قد أوسعناها، أو بنحو هذا التفسير الدال على أن الله عز وجل قد خلق السموات وفرضها وأوسعها وفرغ منها حتى جاء هؤلاء المارقين يذكرون يفسرها بتفسير محدث يقتضي أن الله عز وجل لا يزال يزيد في السماء قليلاً قليلاً كحال من يعجز عن إيجاد الشيء دفعة واحدة تعالى الله عن ذلك.

كبر الحاضرون، فازداد انتفاخ الرجل، ثم نظر إلي، وإلى من حوله، دون أن ينظر إلى صاحبي، ثم قال: أما الشبهة الرابعة التي يريد هذا الرجل الحليق أن يطرحها علينا، والتي سننسفها بصبحنا الشارق، فهي قول الفلكيين السحرة الكذبة بـأن (الليل يحيط بالأرض من كل مكان، وأن الجزء الذي تتكون فيه حالة النهار هو الهواء الذي يحيط بالأرض ويمثل قشرة رقيقة تشبه الجلد وإذا دارت الأرض سلخت حالة النهار الرقيقة)

وللجواب على هذه الشبهة نقول: كيف استطاع هؤلاء أن يعرفوا سمك النهار، وأنه قشرة رقيقة تشبه الجلد فإن المعلوم يقينا أن الليل والنهار ليست له سماكة محسوسة بحاسة اللمس.. ثم إن المفسرين من سلفنا الصالح لم يفهموا هذا الفهم الذي فهمه اليهود والنصارى ونشره عنهم تلاميذهم.

كبر الحاضرون، فازداد انتفاخ الرجل، ثم نظر إلي، وإلى من حوله، دون أن ينظر إلى صاحبي، ثم قال: أما الشبهة الخامسة التي يريد هذا الحليق أن يطرحها علينا، والتي سننسفها بصبحنا الشارق، فهي زعمه أن (السحاب ماء يطير في الهواء فإذا كان كثيرًا تكونت منه السيول العظيمة)

قال بعض الحاضرين: ألا يمكن أن يستدل لهذا بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (الزمر:21)

نظر الشيخ يحي بشزر إلى السائل، ثم قال: لا أزال أرى في عقلك لوثة لا يزيلها إلا فصل رأسك..

ثم التفت إلى الحضور، وقال: ليس في الآية دليل على هذا الباطل.. فالآية تدل على أن الله ينْزل من السماء ماءً، ثم إن هذا الماء ينتفع به أهل الأرض فيكون فيها ينابيع وتحصل منه الثمار ونحو ذلك ولا يعود إلى السماء، بل يبقى في الأرض كما هو ظاهر الآية.

ثم التفت إلى السائل، وقال: لم يذهب أحد من مفسري السلف الصالح إلى ما ذكرت، فهنيئًا لك تقليد المستشرقين الملاحدة الذين يطالبون بتجديد الدين فيما يزعمون فيريدون  توحيدًا جديدًا وتفسيرًا جديدًا وفقهًا جديدًا كل ذلك على غير نَهج الأنبياء والمرسلين والسلف الصالح رضوان الله عليهم.. وتالله إن هذا لم يقله كبار المنافقين في القرون المفضلة. فينبغي لكل مسلم عنده محبة لدين الإسلام أن يحذر هذا الخطر الداهم ويحذِّر غيره منه.

كبر الحاضرون، فازداد انتفاخ الرجل، ثم قال: أما الشبهة السادسة التي يريد هذا الحليق أن يطرحها علينا، والتي سننسفها بصبحنا الشارق، فهي زعمه أنه (يمكن حساب الأشعة الشمسية التي ننتفع بِها في أرضنا)

وهذا مروق من القول.. فمن قدر ذلك فهو من الكاذبين لأن الله يقول: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)(إبراهيم).. ومن الذي استطاع أن يزن ضوء الشمس المتفرق في جميع أرض الله الواسعة فيحصره بِهذا العدد المحدود! وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: (إِذَا لَم تَستَحِ فَاصنَع مَا شِئتَ)([24])

 كبر الحاضرون، فازداد انتفاخ الرجل، ثم قال: أما الشبهة السابعة التي يريد هذا الحليق أن يطرحها علينا، فهي زعمه أن (الأرض واحدة من الكواكب السيارة حول الشمس)، بل جاوز حده فاعتبر الأرض كوكبا، فقال – لا هداه الله- (الكوكب الأرضي)

انظروا ما يقول أصحاب العقول السخيفة.. ولكن حراس الحدود من أصحابنا وقفوا في وجه هؤلاء المدعين منذ زمان طويل:

فقد رد على هذا الادعاء أبلغ رد شيخنا الكبير محمد بن يوسف الكافي، فقد قال رادًا على بعض أشياع محمد عبده المصري: (قوله: (هي كوكب) كذب وافتراء على الله تعالى من سماها كوكبًا لأن الله تعالى الذي خلقها سماها أرضًا، والكوكب هو النجم ومحله العلو ومن صفاته الإضاءة والإشراق والأفول والطلوع والأرض بخلاف ذلك)([25])

ونقل عنه هذا الرد البليغ الشيخ الكبير (حمود التويجري) في كتابه (الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة)

بل رد على هؤلاء جميعا ابن كثير، فقد ذكر في تفسيره([26]) عدم الخلاف في أن الأرض خلقت قبل السماء بما في السماء من نجوم وغيرها، وذكر عند قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا في الأَرضِ جَمِيعًا ثُمَّ استَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبعَ سَمَوَاتٍ، وغيرها، ثم قال: ففي هذه دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولاً ثم خلق السموات سبعًا وهذا شأن البناء يبدأ بعمارة أسافله ثم عاليه.

كبر الحاضرون، فازداد انتفاخ الرجل، ثم قال: أما الشبهة الثامنة التي يريد هذا الحليق أن يطرحها علينا، فهي زعمه أن (المجموعة الشمسية هي الشمس وما يدور حولها من كواكب كعطارد والزهراء والأرض والمريخ وغيرها، وأن كلا منها يدور في فلك محدود وطريق مرسوم)

وهذا كذب وافتراء، فأين الدليل على تسمية الأرض والنجوم شمسًا، ثم إن هذا تناقض مفضوح كيف يقول هذا الرجل وشاكلته أن الأرض كوكب واحد من الكواكب، ثم يقول إن الأرض هي واحد من مجموعة الشمس، فهذا القول فيه أن الكون كله متحد بعضه ببعض فالنجوم عندهم يقال لها أرض، والأرض من النجوم، والشمس يقال لها أرض، والأرض من الشمس، والنجوم من الشمس، والشمس من النجوم.. وهلم جرًا، فما أقرب هذا القول من قول ابن عربي الحلولي الكافر الذي يقول إن الله حال ومتحد في مخلوقاته، فيقول في شعره:

أنا الله والله أنا        وإذا   أبصرته   أبصرتنا

فإذا  أبصرتني أبصرته كلانا روحان حللنا بدنا  

كبر الحاضرون، فازداد انتفاخ الرجل، ثم قال: أما الشبهة التاسعة التي يريد هذا الحليق أن يطرحها علينا، فهي زعمه أن (المجرة هي مجموعة كبيرة جدًا من النجوم.. وأن علماء الفلك يعتقدون أن في مجرتنا حوالي مائة مليون نجم في مدينتنا النجمية)

وقد رد الله على هذه السخافات، فقال: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11)(الذاريات).. فكل ما يقوله هؤلاء مبني على الهوس والوساوس الإبليسية والتقليد والثقة بأعداء رب البرية من ذوي الملل والنحل اليهودية والنصرانية ليزاحموا بِهذه التخرصات علوم الكتاب والسنة النبوية فيشغلوا بذلك السذج من أبناء المسلمين والذين لا يهمهم أمر هذا الدين فيبقون على هذه التراهات عاكفين وبِها معجبين ومفتخرين، فيقتلون فيها الأوقات ويضلون بِها العامة وأشباههم من ذوي الجهالات فيغضبون بذلك رب الأرض والسموات.. فتبًا لمن أعرض عن ذكر الله وسنة رسوله وأقبل على دعم كيد الماكرين من أهل الشرق والغرب واليونان.

***

عندما بلغ الحديث بالشيخ يحي إلى هذا الموضع أذن المؤذن.. فقطع حديثه.. ثم قمنا إلى الصلاة.. وبعد الخروج من المسجد اجتهدت في البحث عن صاحبي المسيحي العربي.. لكني لم أجده.. ومنذ ذلك الحين لم أجده..

لقد فر المسكين بجسده خشية أن يحصل له ما حصل لــ (ويكلف) أو (جون هيس) أو (لوثر كنج) أو (نيكولاي كوبرنيكوس) أو (جاليليو جاليلي) ممن أخبرني عن أحاديثهم متأسفا.

كنائس مستباحة

في اليوم الخامس، كنت جالسا في بيتي أصغي إلى بعض البرامج، وفجأة رأيت صاحبي الوهابي يدخل علي، ثم يجلس بجانبي من دون استئذان، ثم يقول بحماسة: لقد قررت أن أفعل اليوم كل ما تفعله.. فقد اقتنعت بأني لن أخرج من جلابيب أولئك المجرمين إلا بعد أن ألبس ما تلبسه من ملابس الأبرياء.

قلت: مرحبا بك.. ولو أني لست أهلا لذلك.. فأنا عبد ضعيف حقير ممتلئ بالتقصير.

قال: أعلم ذلك.. ولكن التقصير الذي تقع فيه لا يصل إلى حد الجريمة.. فذنوبك على الأقل بينك وبين ربك، وما أسرع مثلها للغفران.

ما قال هذا حتى انقطع البرنامج الذي كنت أصغي إليه باهتمام، ثم جاءت الأخبار العاجلة تعلن أن الأيادي الآثمة امتدت إلى كنيسة القديسين في الإسكندرية، كما امتدت قبلها إلى رهائن في كنيسة سيدة النجاة بحي الكرادة العراقي أثناء تجمع نحو 100 شخص في قداس مسائي([27]).

ثم جاءت التصريحات والتحاليل تؤكد أن الواقفين وراء الحادث لهم علاقة بالفكر الوهابي المتطرف.. فقد جاء في التصريحات([28]) أن تنظيم القاعدة أصدر من خلال ما يسمى (دولة العراق الإسلامية) أمراً باستهداف عدد من الكنائس القبطية في مصر وأوروبا خلال رأس السنة.

عندما سمعت هذا شعرت بألم كبير يعتصرني، فصحت من حيث لا أشعر: ويل للآثمين.. ما بالهم يمتدون إلى الذين عهد إلينا بحمايتهم.. ألم تكفهم تلك الدماء التي أسالوها من أجسادنا حتى راحوا إلى أجساد إخواننا وجيراننا يسيلونها ليؤلبونا عليهم، أو يؤلبوهم علينا؟

ألم يقرؤوا قوله تعالى:﴿  وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية40)؟

ألم يسمعوا قوله r: (لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما)([29])، وقوله: (يأتي القاتل متعلقا رأسه بأحدى يديه متلببا قاتله بيده الاخرى تشخب أوداجه دما حتى يأتي به تحت العرش فيقول المقتول لله: رب هذا قتلني! فيقول الله للقاتل: تعست! ويذهب به إلى النار)([30])؟

ما بال هؤلاء، وقد تحولت أرواح بني آدم عندهم كأرواح الثيران والدجاج لا يبالون بها، ولا يهتمون لها؟

ويلهم ليتهم – إن حن بهم الطبع إلى سفك الدماء المحرمة - سفكوا من دمائنا ما تعودوا أن يسفكوا، ولم يمدوا أيديهم الآثمة إلى هؤلاء.. إنهم بهذه الدماء يشوهون تلك التعاليم الجميلة التي جاء الإسلام للدعوة إليها وتربية الناس عليها..

ويلهم.. إنهم يزعمون أنهم يقرؤون القرآن.. ألم يقرؤوا فيه قوله تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾(الممتحنة)؟

ويلهم.. ألم يقرأوا وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأهل مصر، فقد ورد في الحديث عن أبى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنكم ستفتحون مصر وهى أرض يسمى فيها القيراط فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحما)([31])

ألم يقرؤوا ما كتبه الفقيه الأصولي المحقق شهاب الدين القرافي وهو يشرح معنى البر المذكور في القرآن، فذكر منه: (الرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم ـ على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة ـ واحتمال إذايتهم في الجوار ـ مع القدرة على إزالته ـ لطفًا منا بهم، لا خوفًا ولا طمعًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم، في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم، إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم إلى جميع حقوقهم..)([32])؟

لست أدري كيف تغير صاحبي بعد أن ذكرت قول القرافي، ثم صاح في منفعلا: اسكت يا رجل.. فمن منهم يسمع بالقرافي.. بل من منهم من يسمع من رسول الله.. بل من منهم من يسمع من الله نفسه؟

قلت: ويلهم.. فلمن يسمعوا إن لم يسمعوا من هؤلاء؟

قال: إن صنمهم الذي يسمعون إليه واحد..

قلت: من هو؟.. ألم يحرم الإسلام عبادة الأصنام؟

قال: ابن تيمية.. إنه الصنم الذي يشرع لهم.. فيخضعون له.. ويعبدونه من دون الله.

قلت: رويدك يا رجل.. ما دخل ابن تيمية المسكين في هذا.. ألم تعلم في أي عصر عاش؟.. كف عن هذا، فإن لحوم العلماء مسمومة؟

قال: دعني من حديثك.. فإني لا أذكر لك إلا ما رأيت، وما سمعت.. ولو أن الله لم يمن علي بالتوبة لكنت الآن من الساجدين شكرا له على ما حصل.

قلت: أكنت رجلا من القاعدة؟

قال: وهل القاعدة بجحافلها سوى تلاميذ بسطاء لابن تيمية وابن عبد الوهاب؟.. أليس هؤلاء هم المنظرون، وهم الأساتذة، وهم السند الفكري الذي يتغذى منه أولئك السفاحون؟

قلت: أنت تعلم أني لا أقبل تهمة من غير دليل يدل عليها.. إني أخاف أن ينطبق علي قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾ (المائدة)، أو قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)﴾ (الإسراء)

قال: وما كان لي بعد أن من الله علي بالتوبة أن أتقول على خلقه بغير علم.. سأقص عليك قصة من ماضي المؤلم لتعلم بأني لم أتهم أحدا.. فما أقوله هو ما يقولونه في مجالسهم وكتبهم وفضائياتهم..

***

اعتدل صاحبي في جلسته، وسرح بطرفه، ثم قال: كان لنا في تلك الأيام الغبراء شيخ نرجع إليه في كل شيء من ديننا ودنيانا.. لست أدري هل سحرنا ببيانه، وبما نتوهمه من علمه وحجته؟.. أم سحرنا بتلك السيوف التكفيرية والتضليلية التي يتوجه بها لمن يخالفه؟

لم نكن نعرف اسمه بالضبط، ولكنه من كثرة ما كان يردد اسم (ابن تيمية) صرنا نطلق عليه (ابن تيمية)

في ذلك اليوم المشؤوم كان معنا شباب ممتلئ بالقوة والنشاط، وكان مستعدا من فرط حماسته لكل شيء.. لست أدري ربما كان من أولئك الشباب الذين كانوا معنا من نسف نفسه في هذه الكنيسة.. ولست أدري كم من الشباب ممن لا يزال يعد نفسه لمثل تلك الفعلة.

في ذلك اليوم.. وبعد أن دخلنا عليه مجلسه رأيناه يضع أمامه خارطة تشمل بلادا كثيرة كالشام والعراق ومصر وغيرها.. ويضع على محال كثيرة من تلك الخارطة علامات حمراء..

بعد أن جلسنا بين يديه، وبعد أن قدم المقدمات الكثيرة التي شحن بها عواطفنا البريئة، قال: لقد جئتكم اليوم برسالة من شيخنا شيخ الإسلام العظيم ابن تيمية يمكن أن يطلق عليها (مسألة في الكنائس).. وهي رسالة تستحق منا الدراسة.. بل تستحق منا أن نسعى لتنفيذنا بكل ما أوتينا من وسائل.. إنها رسالة معطلة..

لقد طبقنا رسائل ابن تيمية في القبور.. فهدمناها.. وطبقنا رسائله في تكفير الصوفية والشيعة والخواص والعوام، فشننا حروبنا عليهم.. ولكنا للأسف لازلنا مقصرين مع هذه السورة من مصحف ابن تيمية.

أخرج لنا الرسالة، ثم قال: انظروا إنها مطبوعة في بلاد التوحيد.. وهي بتحقيق الحجة ناصر السنة (علي بن عبدالعزيز الشبل) اسمعوا إلى ما تحمله هذه الرسالة من العلم.. وما ينبغي علينا بعده من العمل.

تبدأ الرسالة كعادة رسائل ابن تيمية بسؤال يقول صاحبه: (ما تقول السادة العلماء أئمة الدين، وهداة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين، وأعانهم على إظهار الحق المبين، وإخمال الكفار والمنافقين، في الكنائس التي بالقاهرة وغيرها التي أغلقت بأمر ولاة الأمور، إذا ادعى أهل الذمة: أنها غلِّقت ظلماً، وأنهم يستحقون فتحها، وطلبوا ذلك من ولي الأمر أيده الله تعالى ونصره.. فهل تقبل دعواهم؟ وهل تجب إجابتهم أم لا؟!)([33])

قرأ السؤال بطوله، ثم التفت إلينا، وقال: أتدرون بما أجاب شيخنا، بل شيخ الإسلام ابن تيمية..

لقد قال في قوته التي واجه بها التتر والصوفية والشيعة والأشاعرة والمعتزلة وغيرهم: (الحمد لله رب العالمين، أما دعواهم أن المسلمين ظلموهم في إغلاقها فهذا كذبٌ مخالفٌ لأهل العلم.. فإنهم.. أي علماؤنا.. وسلفنا الصالح.. متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسةٍ بأرض العنوة كأرض مصر والسواد([34]) بالعراق، وبر الشام ونحو ذلك، مجتهدًا في ذلك، ومتبعًا في ذلك لمن يرى ذلك، لم يكن ذلك ظلماً منه؛ بل تجب طاعته في ذلك.. وإن امتنعوا عن حكم المسلمين لهم، كانوا ناقضين العهد، وحلت بذلك دماؤهم وأموالهم)([35])

قال شاب منا ممتلئ حيوية ونشاطا: أيحل لنا بهذه الفتوى هدم جميع ما نراه من كنائس في بلادنا.. أنا من سكان القاهرة.. وفيها كنائس كثيرة.. أيجيز لي شيخ الإسلام أن أسعى لهدمها؟

قال الشيخ: أجل.. ولك أجر عظيم على ذلك.. انظر ما يقول ابن تيمية في خصوص كنائس القاهرة تحت عنوان (تكذيب دعوى وجود الكنائس بالقاهرة منذ عهد الخلفاء الراشدين).. إنه يقول: (وأما قولهم إن هذه الكنائس من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأن الخلفاء الراشدين أقروهم عليها، فهذا أيضًا من الكذب. فإن من المعلوم المتواتر أن القاهرة بنيت بعد عمر بثلاثمائة سنة، بنيت بعد بغداد، وبعد البصرة والكوفة وواسط.. وقد اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة، مثل ما فتحه المسلمون صلحاً، وأبقوا لهم كنائسهم القديمة، بعد أن شرط عليهم فيه عمر بن الخطاب أن لا يحدثوا كنيسة في أرض الصلح، فكيف في بلاد المسلمين؟!)([36])

قال الشاب: ولكن كيف بقيت كنائس القاهرة كل هذه المدة لم تمتد إليها يد المسلمين؟.. أليس في هذا ما ينقض قول ابن تيمية من اتفاق السلف والخلف؟

قال الشيخ: اسمع.. لقد أجاب ابن تيمية عن هذه الشبهة.. إنه يقول في هذه الرسالة العظيمة: (فإن القاهرة بقي ولاة أمورها نحو مائتي سنةٍ، على غير شريعة الإسلام، فقد كانوا يظهرون أنهم رافضة.. واتفق طوائف المسلمين: علماؤهم، وملوكهم،  على أنهم كانوا خارجين عن شريعة الإسلام، وأن قتالهم كان جائزاً، بل نصّوا على أن نسبهم كان باطلاً.. وهؤلاء من أعظم الناس عداوة للمسلمين وملوكهم، ثم الرافضة بعدهم فالرافضة يوالون من يعادي أهلَ السنة والجماعة، يوالون التتار، ويوالون النصارى) ([37])

التفت إلى الشاب، وقال: أرأيت السر في انتشار الكنائس وبقائها.. إنهم أولئك الكفار الذين تسلطوا على مصر فحكموها قرونا من الزمان.. إنهم الشيعة الرافضة أعداء الصحابة.. إنهم وحدهم الملاذ الأمين الذي يأمن في ظله النصارى.

قال الشاب: فما قال شيخ الإسلام في الكنائس القديمة في بر مصر؟

قال الشيخ: انظر.. إن شيخنا، بل شيخ الإسلام كان يقرأ ما في باطنك.. فقد أجابك من ذلك الزمن البعيد..

لقد صدق ابن القيم حين وصف فراسته، فقال:(ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أمورا عجيبة وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة وأن جيوش المسلمين تكسر وأن دمشق لا يكون بها قتل عام ولا سبي عام وأن كلب الجيش وحدته في الأموال: وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة  ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام: أن الدائرة والهزيمة عليهم وأن الظفر والنصر للمسلمين وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا فيقال له: قل إن شاء الله فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا

 وسمعته يقول ذلك قال: فلما أكثروا علي قلت: لا تكثروا كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ: أنهم مهزومون في هذه الكرة وأن النصر لجيوش الإسلام)([38])

التفت بعضنا إلى بعض منبهرين، ثم لم نشعر إلا ونحن نكبر تعظيما لهذا الرجل الذي ما ترك كتابا إلا اطلع عليه حتى اللوح المحفوظ.

عندما رأى الشيخ منا هذا قال: اسمعوا ما أجاب به ابن تيمية هذا الشاب حول كنائس مصر القديمة: (وقد كان في بر مصر كنائس قديمة، لكن تلك الكنائس أقرهم المسلمون عليها حين فتحوا البلاد؛ لأن الفلاحين كلهم كانوا نصارى، ولم يكونوا مسلمين، وإنما كان المسلمون الجندَ خاصة، فأقرهم كما أقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليهود على خيبر لما فتحها؛ لأن اليهود كانوا فلاحين، وكان المسلمون مشتغلين بالجهاد. ثم إنه بعد هذا في خلافة عمر لما كثر المسلمون واستغنوا عن اليهود، أجلاهم عن خيبر، حتى لم يبق في خيبر يهودي. وهكذا القرية التي يكون أهلها نصارى وليس عندهم مسلمون، ولا مسجدٌ للمسلمين، فإذا أقرهم المسلمون على كنائسهم التي فيها، جاز ذلك، كما فعله المسلمون) ([39])

قال الشاب: فهل لنا أن نفعل ذلك؟

صاح الشيخ بشدة: لا.. لا ينبغي أن تبقى كنيسة في بلاد العرب.. إن كل أرض دخلها مسلم لا يجوز أن يبقى فيها غير الإسلام.

قال ذلك، ثم راح يقرأ لنا من الرسالة ما ملأنا قناعة بما يقول..

فلما رأى ذلك منا، أرانا الخارطة، ثم قال: انظروا.. ألا ترون هذه العلامات الحمراء؟

قلنا: أجل.. هل هي مدن أم مصانع؟

قال: لقد وضعت على هذه الخارطة كل الكنائس التي أفتى ابن تيمية بوجوب هدمها.. فرحم الله من بلغ ابن تيمية منيته.

قال رجل منا: لكن الوضع الآن يختلف.. فنحن نعيش في عالم غير الذي عاش فيه ابن تيمية.

قال الشيخ: اسكت ويلك.. لا يصح أن تقول هذا في شيخ الإسلام.. إن ما قاله من فتاوى يصلح لكل زمان ومكان.

قال الرجل: ولكن ذلك قد يثير الناس علينا.

قال الشيخ: إن من يعبد الله.. ومن يسير خلف ابن تيمية لا يبالي بالناس.. ألم تسمع ابن تيمية وهو يردد: (ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة)؟

ألم تعلم أن ابن تيمية قد أجمع الكل على سجنه، فلم يبال بهم..

وقد نصره الله أخيرا على يدي أهل التوحيد.. فرحم الله من أكمل مسير ابن عبد الوهاب الذي أحيا سنة الهدم والتدمير.

قال الرجل: ولكن ابن عبد الوهاب لم يهدم الكنائس.

قال الشيخ: لأنه لم تكن بين يديه كنائس.. ولو كانت بين يديه كنائس لهدمها.. فليست الكنائس أعظم حرمة من تلك المباني التي هدمها.

قال الرجل: فما تنصحنا؟

قال الشيخ: احملوا هذه الخارطة، وبشروا بها.. فكل من مات في هذه السبيل سار إلى الجنة دون أن يعترضه أحد.

***

التفت صاحبي إلي، ثم قال: أتراني تجنيت عليهم حين اتهمتهم بما اتهتمهم به؟.. اذهب إلى أي مكتبة في الإسكندرية أو في القاهرة.. وستجد هذه الرسالة.. وتجد معها من يقنعك بأن كل ما يقوله ابن تيمة منزل من اللوح المحفوظ..

قلت: أنت تدعو بهذا إلى منع كتب هذا الرجل الذي يتتلمذ عليه الملايين؟

قال: لا أدعو إلى منع كتبه فقط.. بل أدعو إلى منع كتب كل متأثر به أو متتلمذ عليه أو مصاب بعدواه.

قلت: إنك بذلك ستمنع كتب ذلك الرجل الصالح (ابن القيم) الذي تتلمذ على ابن تيمية وكتب كتابه في (مدارج السالكين)

قال: وكتب معه كتابه (أحكام أهل الذمة) الذي حشاه بشتى أنواع القذائف المسلطة على إخواننا المسيحيين، وأولها ذلك الكم من الروايات التي ينسبها زورا وبهتانا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها: (لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة)

ومنها ما نسبه لابن عباس من قوله: (أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه ولا يضربوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزير، وأيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوا فيه فإن للعجم ما في عهدهم وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم)

قلت: فهل ترى أن نمنع هذا الكتاب أيضا؟

قال: ألا تمنعون الكتب التي تحث على الإجرام والرذيلة؟

قلت: أجل..

قال: فهذه الكتب أخطر من تلك الكتب.. إن كتب الرذيلة تصنف في كتب الرذيلة.. وكتب الإجرام تصنف في كتب الإجرام.. بينما كتب هؤلاء تصنف ضمن كتب الدين.. وما أخطر أن يتحول الإجرام إلى دين.

قلت: ولكن ذلك قد يرمينا بقمع حرية الفكر.

قال: لا بأس.. انشروها كما تشاءون.. ولكن اكتبوا عليها كما تكتبون على علب السجائر.

قلت: أنكتب (كتب مضرة بالصحة)؟

قال: بل اكتبوا (كتب مدمرة للإنسانية والحضارة والقيم).. إنها كتب الدجال التي ينشرها ليملأ الأرض ظلما وجورا وصراعا.

شيوخ من اليهود

في اليوم السادس من زيارته لي دخلت عليه، وأنا أحمل عددا من أعداد مجلة (الإسلام وطن)، فقدمته إليه، عساه يستنير بما فيه من  هدي وعلم ونور، وليخفف عن نفسه بعض ما تعانيه من أعباء ماضيه الثقيل.

وقد قدر الله أن يفتح المجلة على مقال لمولانا محمد علاء الدين ماضي أبو العزائم عن المنظمات اليهودية وآثارها في العالم، وقد قدر الله أيضا أن يكون ذلك المقال هو المحرك لحديثنا هذا اليوم، والذي سأقصه عليكم.

رأيته يقرأ المقال لا يتجاوزه.. ولا يتعداه إلى غيره.. فاستفزني ذلك لأسأله عما شده فيه.

نظر إلي بحزن، وقال: هل تعرف كاتب هذه المقالات؟

قلت: أجل.. وهو رجل من العلماء الصالحين الهداة.. قل من يهتم لهمه، ومن يقدر كتقديره.

قال: صدقت.. إن هذه المقالة تدل على ذلك.. لا يمكن أن يحسن التقدير والتخطيط من لا يعرف مكر هؤلاء وكيدهم، وكيف يلبسون الحق بالباطل.

قلت: الحمد لله.. لقد أمنك الله من شرهم.. فقد كنت على الأقل من طائفة تعتبر البراءة من المشركين أصل أصولها، فهم كل حين يصيحون محذرين من الاقتداء باليهود، ومن هم على شاكلة اليهود، بل هم يدعون كل حين أن ييتم الله أطفال اليهود، ويرمل نساءهم، ويجمد الدماء في عروقهم.. !!

تنفس الصعداء، وقال: للأسف..

قلت: لم تتأسف.. هذا شيء ينبغي أن تحمد الله عليه.. فقد قال الله تعالى في اليهود: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا.. (82)﴾ (المائدة)، وهذه الآية دليل صريح على ما يكنه اليهود للمؤمنين من عداوة.

قال: أجل.. صدقت في هذا.. ولكن العبرة ليست فيه وحده.

قلت: فأين العبرة إذن؟

قال: هناك من يسب اليهود، ولكنه لا يشرب إلا من مياههم، ولا يرتوي إلا من منابعهم.. بل يجعلهم أئمته الذين يأتم بهم، فلا يرى جواز مخالفتهم، بل يرمي بالبدعة والضلالة من يفعل ذلك.

قلت: ويل له.. ثم ويل له.. كيف رضي لنفسه إمامة أمثال هؤلاء.. ألم يسمع ما ورد في القرآن الكريم من شأنهم.. ألم يعتبر بما ورد في النصوص المقدسة من التحذير من اتباعهم أو السير على خطاهم..؟؟

قال: بل سمع.. ولكنه لم يع.. لم تصل المعاني القرآنية النبيلة إلى قلبه.. لأنه اكتفى من قراءته بحروفه.. وزين له من اعتبر أئمة له الباطل.. فغفل عن تحذيرات القرآن.. وتوجيهات الرسول.

قلت: من هؤلاء الذين تتحدث عنهم؟

قال: هم من كنت عندهم معتقلا في سجونهم الرهيبة.

قلت: تقصد الوهابية.

قال: اسمهم لا يهم.. فهم في كل حين يختارون اسما جديدا.. والعبرة بالمسمى لا بالأسماء.

قلت: أراك تتجنى عليهم هذه المرة.. فما رأيت أحدا يبغض اليهود بغضهم.. ولا رأيت أحدا يحذر من أن يتشبه باليهود منهم.. ألا تراهم لا يأخذون من لحاهم نقيرا ولا قطميرا خشية أن يتشبهوا بهم!؟

قال: هذا الذي يسمونه الورع البارد.. إنه كذلك الذي قال عنه الحسن البصري عندما سأله بعض أهل العراق عن دم البرغوث: (أتقتلون ابن بنت رسول الله، وتسألون عن دم البرغوث!؟)

قلت: فهل لك أدلة تدل على هذا.. فالدعاوى إن لم تبرز البراهين الدالة عليها، أبناؤها أدعياء؟

قال: الأدلة على هذا أكثر من أن تحصر.. لكني سأكتفي اليوم بواحد منها([40]).. وهو يمس أساس أسس الدين.

قلت: تقصد الألوهية.. فالدين يقوم على الإيمان بالله وتوحيده.

قال: أجل..

قلت: فهل استطاع اليهود أن يدخلوا هذا الحصن الحصين.. إن القرآن حذر مهم.. واعتبرهم مخلطين في هذا الباب كما خلطوا في غيره.. قال تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ.. (64)﴾ (المائدة)

قال: سأذكر لك أدلة تثبت هذا([41]).. وقد دعاني إلى البحث فيها شيخ من مشائخنا في ذلك الحين يقال له الشيخ (حمود التويجري)، فقد كان حينها يملي علينا من كتابه الذي سماه (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن)، وهو كتاب من الكتب المهمة عند جميع أصحابنا من المعتقلين، ولذلك زكاه شيخ الطائفة في زمانه ابن باز، قال لنا في أثناء حديثه، وهو يحاول بكل قوة أن يرسم لنا صورة لربنا تضارع أي صورة نراها: (وأيضًا فهذا المعنى عند أهل الكتاب من الكتب المأثورة عن الأنبياء كالتوراة فإن في السفر الأول منها (سنخلق بشرًا على صورتنا يشبهها)([42])

انتفض بعض السائلين متعجبا: أتستدل بما ورد في كتب اليهود.. ألا ترى أننا بذلك نفتح بابا خطيرا من التحريف على أنفسنا؟

نظر إليه الشيخ بشزر، ثم استأنف إملاءه قائلا، وكأنه يجيبه عن سؤاله: (و أيضًا فمن المعلوم أن هذه النسخ الموجودة اليوم بالتوراة ونحوها قد كانت موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلو كان ما فيها من الصفات كذبًا وافتراء ووصفًا لله بما يجب تنـزيهه عنه كالشركاء والأولاد لكان إنكار ذلك عليهم موجودًا في كلام النبي أو الصحابة أو التابعين كما أنكروا عليهم ما دون ذلك، وقد عابهم الله في القرآن بما هو دون ذلك فلو كان هذا عيبا لكان عَيب الله لهم به أعظم وذمهم عليه أشد)([43])

قلت: إن هذا الكلام خطير جدا.. إنه يفتح الباب على مصراعيه على التلمذة على حاخامات اليهود.

قال: ولهذا، فقد دفعني هذا القول إلى البحث في كتب اليهود عن عقائدنا.. وقد وجدتها للأسف نسخة لا تكاد تختلف عنها..

قلت: هلا ضربت لي أمثلة على ما وصلت إليه عساها تكون أدلة على ما تقول؟

قال: سأذكر لك عشرة أمثلة كاملة.. تكفي العاقل ليستنتج النتائج التي ذكرتها لك.

قلت: فهلم بالمثال الأول.

قال: لعلك تعلم أن اليهود تنسب إلى الله تعالى الجلوس والقعود والاستقرار والثقل والوزن والحجم..

قلت: أجل.. ففي (سفر الملوك)(22: 19-20) : (وقال فاسمع إذاً كلام الرب قد رأيت الرب جالسًا على كرسيه وكل جند السماء وقوف لديه عن يمينه وعن يساره)

و في سفر مزامير (47/8) يقول اليهود: (الله جلس على كرسي قدسه)

قال: وهكذا يقول الوهابية.. ففي كتاب (مجموع الفتاوى) (4/374) الذي يعتبر الكتاب المقدس الأول والأخير للوهابيين، يقول ابن تيمية: (إن محمدًا رسول الله يجلسه ربه على العرش معه)، وفي نفس الكتاب (ج1/527)، وكتاب شرح حديث النـزول (ص 400) يقول ابن تيمية: (فما جاءت به الآثار عن النبى من لفظ القعود والجلوس فى حق الله تعالى كحديث جعفر بن أبي طالب وحديث عمر أولى أن لا يماثل صفات أجسام العباد)، وفي نفس الصحيفة يقول: (إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سُمِع له أطيط كأطيط الرَّحل الجديد)

وفي كتاب (شرح القصيدة النونية) لابن القيم الجوزية لمحمد خليل هراس (ص256) يقول: (قال مجاهد: إن الله يُجلس رسوله معه على العرش)

والمراجع في هذا أكثر من أن تحصر.. فهل يكفيك ما ذكرت من النصوص أم تراك تريد نصوصا أخرى؟

قلت: أجل.. يكفي ما ذكرت، وقد قرأت مثله الكثير، وهم يصرحون بهذا ولا يستحون منه.. فهات الثاني.

قال: لعلك تعلم أن اليهود تنسب الصورة والشكل لله تعالى، ولا تفهم من الصورة والشكل إلا ما نفهمه من صور الأجسام وأشكالها.

قلت: أجل.. فإننا نجد في سفر التكوين (الاصحاح الأول: 26-28): (وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا على شبهنا... فخلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه ذكرًا وأنثى خلقهم)، وفي سفر (التثنية الاصحاح 4: 15-16): (فإنكم إن لم تروا صورة ما في يوم كلَّمكم الرب في حوريب من وسط النار لئلا تفسدوا وتعملوا لأنفسكم تمثالا منحوتاً صورة مثال ما شبه ذكر أو أنثى)

قال: وهكذا يقول الوهابية.. ففي كتاب (التوحيد) لابن خزيمة (طبع دار الدعوة السلفية، تعليق محمد خليل هراس، ص156) يقول: (ثم يتبدّى الله لنا بصورة غير صورته التي رأيناه فيها أول مرة، وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم)، وفي (ص39) يقول محمد خليل هراس: (فالصورة لا تضاف إلى الله كإضافة خلقه إليه لأنها وصف قائم به)

وفي كتاب (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن) لحمود بن عبد الله التويجري، وفيه تقريظ كبير لابن باز، (طبعة دار اللواء في الرياض – الطبعة الثانية، ص16): (قال ابن قتيبة: فرأيت في التوراة: إن الله لما خلق السماء والأرض قال: نخلق بشرًا بصورتنا)، وفي (ص17): (وفي حديث ابن عباس: إن موسى لما ضرب الحجر لبني إسرائيل فتفجَّر وقال: اشربوا يا حمير فأوحى الله إليه: عمدت إلى خلق ٍ من خلقي خلقتهم على صورتي فتشبههم بالحمير، فما برح حتى عوتب)، وفي (ص40): (إن الله خلق الإنسان على صورة وجهه الذي هو صفة من صفات ذاته)

قلت: وعيت هذا.. فهات الثالث.

قال: لعلك تعلم أن اليهود يعتبرون الوجه عضوا لله تعالى كما هو وجه ابن آدم.

قلت: أجل.. فقد قرأت في سفر التكوين (الإصحاح32: 30): (فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل قائلاً لأني نظرت الله وجهًا لوجه)، وفي سفر التثنية (الإصحاح5:4): (وجهًا لوجه تكلم الرب معنا في الجبل من وسط النار)

قال: وهكذا يقول الوهابية.. ففي كتاب (رد الدارمي على بشر المريسي: ص159) يقول المؤلف: (كل شئ هالك إلا وجه نفسه الذي هو أحسن الوجوه وأجمل وأنور الوجوه وإن الوجه منه غير اليدين، واليدين منه غير الوجه)، وفي (ص161) يقول: (فصعد - أي جبريل - بهن - أي بكلمات الذكر - حتى يُحَيِّ بهن وجه الرحمن)، وفي (ص190) يقول الدارمي: (والنور لا يخلو من أن يكون له إضاءة واستناره ومنظر ورواء، وإنه يدرك يومئذ بحاسة النظر إذا كشف عنه الحجاب كما يدرك الشمس والقمر في الدنيا)

وفي كتاب (قرة عيون الموحدين) لعبد الرحمن بن حسين بن محمد بن عبد الوهاب (تحقيق بشير محمد عيون - طبع مكتبة المؤيد الطائف – سنة 1990، ص187): (روى ابن جرير عن وهب بن منبه: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه ثم يقولون فأذن لنا بالسجود قدامك)

قلت: وعيت هذا.. فهات الرابع.

قال: لعلك تعلم أن اليهود تنسب الصوت إلى الله تعالى، وتشبهه في ذلك بخلقه.

قلت: أجل.. ففي سفر التثنية (5/26): (من جميع البشر الذي سمع صوت الله)، وفي نفس السفر (5/24): (إن عدنا نسمع صوت الرب إلهنا)، وفي نفس السفر (4/12): (فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتاً)

قال: وهكذا يقول الوهابية.. ففي كتاب (مجموع الفتاوى: 5/556) يقول ابن تيمية: (وجمهور المسلمين يقولون إن القرآن العربي كلام الله، وقد تكلم به بحرف وصوت)، وفي كتاب (شرح حديث النـزول، طبعة دار العاصمة – الرياض - علّق عليه محمد الخميس، ص220) يقول ابن تيمية مفتريًا على موسى عليه السلام: (إن موسى لما نودي من الشجرة: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) (طه:12) أسرع الإجابة وتابع التلبية وما كان ذلك منه إلا استئناسًا منه بالصوت وسكوناً إليه وقال: إني أسمع صوتك وأحسّ حسّك)

وفي حاشية الكتاب المسمى (كتاب التوحيد، لابن خزيمة طبع دار الدعوة السلفية ص 137) يقول محمد خليل هراس المعلق على هذا الكتاب إن معنى :(مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) (الشورى: 51) (يعني تكليما بلا واسطة لكن من وراء حجاب فيسمع كلامه ولا يرى شخصه)، وفي (ص 138) يقول المعلق: (وإن كلامه حروف وأصوات يسمعها من يشاء من خلقه)، وفي (ص146) يقول المعلق أيضًا: (يسمعون صوته عز وجل بالوحي قويا له رنين وصلصلة ولكنهم لا يميزونه، فإذا سمعوه صعقوا من عظمة الصوت وشدته)

وفي كتاب (الأسماء والصفات) يقول ابن تيمية في معرض ردّه على الجهمية (ص73): (وحديث الزهري قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له صف لنا كلام ربك، قال: سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها؟ فكأنه مثله)

وفي كتاب (شرح نونية ابن القيم) لمحمد خليل هراس (ص 545) يقول المؤلف: (ولكنه – أي القرآن – قول الله الذي تكلم به بحروفه وألفاظه بصوت نفسه)، وفي نفس الكتاب (ص778) يقول: (بل قد ورد أنه سبحانه يقرأ القرآن لأهل الجنة بصوت نفسه يسمعهم لذيذ خطابه)

وفي كتاب (فتاوى العقيدة) لمحمد بن صالح العثيمين (ص72): (في هذا إثبات القول لله وأنه بحرف وصوت، لأن أصل القول لا بد أن يكون بصوت فإذا أطلق القول فلا بد أن يكون بصوت)

وفي كتاب (معارج القبول) لحافظ حكمي (2/191) يقول: (فيضع الله كرسيه حيث يشاء من أرضه ثم يهتف بصوته)

قلت: وعيت هذا.. فهات الخامس.

قال: لعلك تعلم أن اليهود تنسب الفم واللسان الى الله.

قلت: أجل.. ففي سفر أيوب (37/2-6): (اسمعوا سماعًا رعد صوته والرمذمة الخارجة من فيه تحت كل السموات)، وهم يريدون ب (من فيه): (من فمه)

قال: وهكذا يقول الوهابية.. ففي (الأسماء والصفات) لابن تيمية (1/73) يقول ابن تيمية في معرض الرد على الجهمية: (وحديث الزهري قال: لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان)

وفي كتاب (رد الدارمي على بشر المريسي) (ص112) عن الله تعالى: (إن الكلام لا يقوم بنفسه شيئا يرى ويحس إلا بلسان متكلم به)

وفي كتاب (الرد على الجهمية) لأبي سعيد الدارمي (ص81) يقول الدارمي: (قال كعب الأحبار: لما كلم الله موسى بالألسنة كلها قبل لسانه طفق موسى يقول: أي رب ما أفقه هذا حتى كلّمه آخر الألسنة بلسانه بمثل صوته يعني بمثل لسان موسى وبمثل صوت موسى)، ثم يقول: (فهذه الأحاديث قد رويت وأكثر منها ما يشبهها كلها موافقة لكتاب الله في الإيمان بكلام الله)

وفي كتاب (طبقات الحنابلة) لأبي يعلى (1/32) يقول: (وكلَّمَ الله موسى تكليمًا من فيه – يعني من فمه – وناوله التوراة من يده إلى يده)

وفي كتاب (رد الدارمي على المريسي) (ص123) يقول المؤلف: (وهو يعلم الألسنة كلها ويتكلم بما شاء منها، إن شاء تكلم بالعربية وإن شاء بالعبرية وإن شاء بالسريانية)

قلت: وعيت هذا.. فهات السادس.

قال: لعلك تعلم أن اليهود تنسب التغير والحدوث والحركة والارتفاع والنزول الحسي الى الله تعالى.

قلت: أجل.. ففي سفر التكوين (11/5): (فنـزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنوهما)، وفي نفس السفر (46/3-4): (فقال أنا الله إله أبيك... أنا أنزل معك إلى مصر)، وفي سفر الخروج (19/21): (لأنه في اليوم الثالث ينـزل الرب أمام عيون جميع الشعب على جبل سيناء)

 قال: وهكذا يقول الوهابية.. ففي كتاب (جهالات خطيرة في قضايا اعتقاديه كثيرة) (ص18) يقول مؤلفه، وهو عاصم ابن عبد الله القريوتي في تفسير الاستواء على العرش: (صعد أو علا: ارتفع أو استقر ولا يجوز المصير إلى غيره)

وفي كتاب (الأسماء والصفات) لابن تيمية (ص91): (فثبت بالسنة والإجماع أن الله يوصف بالسكوت، لكن السكوت تارة يكون عن التكلم وتارة عن إظهار الكلام وإعلامه)

و يقول محمد زينو في كتابه المسمى (مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع) (ص21): (إن الله فوق العرش بذاته منفصل من خلقه)

وفي كتاب (معارج القبول) لحافظ حكمي (1/235): (إن الله ينـزل إلى السماء الدنيا وله في كل سماء كرسي، فإذا نـزل إلى السماء الدنيا جلس على كرسيه ثم مد ساعديه، فإذا كان عند الصبح ارتفع فجلس على كرسيه)، ثم يقول: (يعلو ربنا إلى السماء إلى كرسيه)، وفي الصفحة التالية يقول: (قال النبي: إن الله يفتح أبواب السماء ثم يهبط إلى السماء الدنيا ثم يبسط يده)

وفي كتاب (شرح قصيدة النونية) لمحمد خليل هراس (ص774): (فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار قد أشرف عليهم من فوقهم)

وفي كتاب (رد الدارمي على بشر المريسي) (ص54): (معنى (لا يزول) لا يفنى ولا يبيد، لا أنه لا يتحرك ولا يزول من مكان إلى مكان)، ويقول في (ص54): (فإن أمارة ما بين الحي والميت التحرك وما لا يتحرك فهو ميت لا يوصف بحياة كما وصف الله الأصنام الميتة)، ويقول في (ص55): (فالله الحي القيوم الباسط يتحرك إذا شاء)

قلت: وعيت هذا.. فهات السابع.

قال: لعلك تعلم أن اليهود تنسب اليد والساعد والذراع والكف والاصابع جوارح حقيقية الى الله.

قلت: أجل.. ففي سفر الخروج (15/16): (بعظمة ذراعك يصمتون كالحجر)، وفي سفر المزامير (44/2-3):(أنت بيدك استأصلت الأمم وغرستهم لكن يمينك وذراعك)

قال: وهكذا يقول الوهابية.. ففي كتاب (رد الدارمي على بشر المريسي) (ص26) يقول الدارمي:(فأكد الله لآدم الفضيلة التي كرّمه وشرّفه بها وآثره على جميع عباده إذ كل عباده خلقهم بغير مسيس بيد وخلق آدم بمسيس)، وفي (ص 30):(فلما قال خلقت آدم بيدي علمنا أن ذلك تأكيد ليديه وأنه خلقه بهما)، وفي (ص 35):(عن ميسرة قال: إن الله لم يمس شيئاً من خلقه غير ثلاث: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده)

وفي حاشية (كتاب التوحيد) لابن خزيمة يقول محمد خليل هراس المعلق على هذا الكتاب (ص 63):(فإن القبض إنما يكون باليد الحقيقية لا بالنعمة، فإن قالوا إن الباء هنا للسببية أي بسبب إرادته الإنعام، قلنا لهم: بماذا قبض؟ فإن القبض محتاج إلى آلة، فلا مناص لهم لو أنصفوا من أنفسهم إلا أن يعترفوا بثبوت ما صرح به الكتاب والسنة)، وفي ص 64 يقول المعلق أيضًا:(هذه الآية صريحة في إثبات اليد، فإن الله يخبر فيها أن يده تكون فوق أيدي المبايعين لرسوله ولا شك أن المبايعة إنما تكون بالأيدي لا بالنعم والقدر)

وفي كتاب (السنة) المنسوب لأحمد والذي نشره الوهابية (ص 77) يقولون فيه: (وكلّم الله موسى تكليمًا من فيه – يعني فمه – وناوله التوراة من يده إلى يده)

وفي كتاب (العقيدة) لمحمد بن صالح العثيمين (ص 90):(وعلى كل فإن يديه سبحانه اثنتان بلا شك، وكل واحدة غير الأخرى، وإذا وصفنا اليد الأخرى بالشمال فليس المراد أنها أنقص من اليد اليمنى)

قلت: وعيت هذا.. فهات الثامن.

قال: لعلك تعلم أن اليهود تنسب الرجل الجارحة والعين على معنى الجارحة الى الله تعالى.

قلت: أجل.. ففي سفر الخروج (13/20): (وكان الرب يسير أمامهم)، وفي سفر المزامير (53/2): (الله من السماء أشرف على بني البشر لينظر)، وفي سفر التكوين (3/8-10):(وسمعا صوت الإله ماشيا في الجنة)

قال: وهكذا يقول الوهابية.. ففي كتاب (طبقات الحنابلة) (1/32) يقول أبو يعلى: (والسموات والأرض يوم القيامة في كفه ويضع قدمه في النار فـتـنـزوي ويخرج قومًا من النار بيده)

وفي كتاب (عقيدة أهل السنة والجماعة) (ص 14-15) يقول ابن عثيمين:(ونؤمن بأن لله عينين اثنتين حقيقيتين)

وفي كتاب (رد الدارمي على بشر المريسي) (ص 69):(يضع الجبار فيها – أي في النار – قدمه فإذا كانت جهنم لا تضر الخزنة الذين يدخلونها ويقومون عليها فكيف تضر الذي سخرّها لهم)

وفي كتاب (فتاوى العقيدة) لمحمد بن صالح العثيمين (ص 112):(إن الله يأتي إتياناً حقيقياً)، ويقول في (ص 114):(فإن ظاهره ثبوت إتيان الله هرولة وهذا الظاهر ليس ممتنعا على الله فيثبت لله حقيقة)

قلت: وعيت هذا.. فهات التاسع.

قال: لعلك تعلم أن اليهود تنسب الجهة والحيز والمكان والحد الى الله.

قلت: أجل.. ففي سفر المزامير (2/4):(الساكن في السموات يضحك الرب)، وفي سفر التكوين (28/16):(حقّاً إن الرب في هذا المكان وأنا لم أعلم)، وفي نفس السفر (18/1): (وظهر له الرب عند بلوطات)، وفي سفر زكريا (2/13):(اسكتوا يا كل البشر قدام الرب لأنه قد استيقظ من مسكن قدسه)

قال: وهكذا يقول الوهابية.. ففي كتاب (رد الدارمي على بشر المريسي) والذي يجلونه ويعتبرونه أحد مراجعهم (ص 82):(بل هو على عرشه فوق جميع الخلائق في أعلى مكان وأطهر مكان)، وفي (ص96): (لأنا قد أيـَّنـَّا له مكاناً واحداً، أعلى مكان وأطهر مكان وأشرف مكان، عرشه العظيم المقدس المجيد فوق السماء السابعة العليا حيث ليس معه هناك إنس ولا جان ولا بجنبه حشٌّ ولا مرحاض ولا شيطان)، وفي (ص 100):(رأس الجبل أقرب إلى الله من أسفله، ورأس المنارة أقرب إلى الله من أسفلها لأن كل ما كان إلى السماء أقرب كان إلى الله أقرب، فحملة العرش أقرب إليه من جميع الملائكة)، وفي (ص 79):(إنه فوق عرشه بفرجة بينة، والسموات السبع فيما بينه وبين خلقه في الأرض)، وفي (ص 79):(وإله السموات والأرض على عرش مخلوق عظيم فوق السماء السابعة دون ما سواها من الأماكن من لم يعرفه بذلك كان كافر به وبعرشه)، وفي (ص 80) يقول :(لأنه وصف نفسه بأنه في موضع دون موضع ومكان دون مكان)

وفي كتاب (شرح نونية ابن القيم) لمحمد خليل هرّاس (ص 249) :(وهو صريح في فوقية الذات لأنه ذكر أن العرش فوق السموات وهي فوقية حسيَّة بالمكان فتكون فوقية الله على العرش كذلك، ولا يصح أبداً حمل الفوقية هنا على فوقية القهر والغلبة)

وفي كتاب (قرة عيون الموحدين) لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (ص 263) ينقل ما نصه: (أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله مستو على عرشه بذاته)، ثم قال:(استوى على عرشه بالحقيقة لا بالمجاز)

قلت: وعيت هذا.. فهات العاشر.

قال: لعلك تعلم أن اليهود تنسب الأوصاف القبيحة والشنيعة إلى الله.

قلت: أجل.. وقد ذكر القرآن بعض أقوالهم في هذا.. فهل وقع الوهابية في هذا أيضا؟

قال: أجل.. وكيف لا يفعلون وهم يتتلمذون على اليهود.

قلت: فاذكر لي أدلة على هذا، فأنت تعلم أني لا أقبل الدعاوى من غير براهينها.

قال: من ذلك ما ورد في كتاب (فتاوى العقيدة) للعثيمين (ص 50) يقول: (لا يوصف الله بالمكر إلا مقيداً، فإن قيل كيف يوصف الله بالمكر مع أن ظاهره أنه مذموم قيل إن المكر في محله محمود)، وفي ص 51 يقول: (إن الله له مَلَلٌ وأما مَلَلُ الله فإنه ملل يليق به عز وجل)، وفي ص 52 يقول:(وأما الخداع فهو كالمكر يوصف الله به حين يكون مدحًا)

انتفضت من مكاني غاضبا، وأنا أردد: أوصلت بهم الجرأة إلى هذا الحد؟

قال: من عزل أولياء الله وآل بيت رسول الله الذين أمرنا أن نتمسك بهم لا يمكن أن يقع إلا في يد اليهود ليتلاعبوا به وبعقيدته ما شاءت لهم أهواؤهم أن يتلاعبوا.

قلت: ولكنك لم تذكر لي مشايخهم من اليهود، أنت ذكرت لي فقط ما تتلمذوا به على اليهود.. أنت ذكرت لي الدروس، ولم تذكر لي المدرس.

قال: يكفيك ما حدثتك به اليوم.. سأحدثك في يوم آخر كيف بدأت القصة.. كيف عزل آل البيت الكرام الذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نتمسك بهم.. ثم كيف صار كعب الأحبار ووهب بن منبه ومقاتل بن سليمان وغيرهم هم أساتذة المسلمين بدل على والحسن والحسين وآلهم الطاهرين..

الشعراوي  في قفص والبدعة والكفر

في اليوم السابع من زيارته لي دخلت عليه، وأنا أحمل أشرطة سمعية من تفسير الشيخ محمد متولى الشعراوي للقرآن الكريم، وقد قلت في نفسي حينها: إن صوت هذا الرجل الممتلئ بالإيمان سيقضي على كل تلك الآلام والوساوس التي لا تزال تلقي بسمومها في نفس صاحبي الذي لا أزال أجهل عنه الكثير.

عندما دخلت عليه، وسلمت الأشرطة، قال لي: لمن هذه الأشرطة؟

قلت: إنها لشيخ جليل، قضى عمره مع الإيمان والقرآن.. فلم يفارقهما طول حياته.. وها هي ثمار صحبته لهما تمتد إلى ما بعد وفاته، لتنشر في العالم جميعا عبير الإيمان، وحلاوة القرآن.

قال: شوقتني إليه.. فما اسمه الذي به ينادى.. أو لقبه الذي به يلقب؟

قلت: إنه رجل من أهل مصر يقال له الشيخ محمد متولى الشعراوي يعرفه فيها الصغير والكبير، والمسلم وغير المسلم.

قال: ونحن كذلك كنا نعرفه.. لقد أقمنا المجامع الكثيرة حوله.

قلت، وقد استفزني الطرب: وأخيرا التقى المسلمون جميعا على شخص واحد.. الحمد لله رب العالمين.. ما أجدر الشيخ الشعراوي أن يكون هو ذلك الشخص.

قال: ما تقول؟.. أنت لم تفهم قصدي.

قلت: كلامك واضح.. لقد ذكرت لي أنكم كنتم تقيمون المجامع الكثيرة حوله.. وهكذا يفعل الصوفية والفقهاء وغيرهم من أصناف المسلمين.. فكلهم يجتمعون حول مائدة الإيمان والقرآن التي كان يقيمها كل حين.. كلهم كان يأكل من لذائذها، وينتشي من عبيرها.

تنفس الصعداء، ثم قال: إلا نحن.. والمعتقلون في سجوننا الرهيبة.

قلت متعجبا: فلم إذن تجتمعون حوله؟

قال: بل كنا نجتمع عليه.. كنا نصيح في كل ناد محذرين منه.. لقد كنا نفعل نفس ما كنا يفعله أبو لهب وأبو جهل عندما كانوا يسيرون خلف محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الأسواق ليقولوا لهم: إن محمدا كاذب وساحر ومجنون.

قلت: ولكني لم أسمع أحدا ينعت الشعراوي بما تذكره.

قال: لم نكن نرميه بالسحر ولا بالجنون.. ولكنا كنا نرميه بما هو أخطر منهما.

قلت: أخطر منهما!.. ما تعني؟

قال: كنا نرميه بسلاحنا النافذ الذي يوجهه لكل مصلح وصالح.

قلت: ما هو هذا السلاح؟

قال: الشرك.. لقد كنا نرمي الشيخ بالشرك.. لقد كنا نعتبره داعية شرك.. لا فرق بينه وبين أبي لهب وأبي جهل وأبي سفيان.

قلت: أتقصد أن أصحابك من الوهابية كانوا يرمون الشيخ الشعراوي بالشرك؟.. رويدك يا رجل لعل الأمر اختلط عليك، فقد كان الشيخ محل احترام من الجميع.

قال: للأسف.. لم يختلط الأمر علي.. لقد كنت أحد أولئك الدعاة.. وقد كان لنا حينها كتاب نرتله على الناس كما نرتل القرآن.. فلا نقرأ صفحته الأخيرة حتى نعود إلى صفحته الأولى.. ولهذا تراني من كثرة ما ختمته أكاد أحفظه.

قلت: ما هذا الكتاب؟

قال: كان مشهورا بيننا ب (بيان الحقيقة في أن محمد متولي الشعراوي يدعو إلى الشرك بالله تعالى وإلى الكفر والبدع)([44])

قلت: فهلا ذكرت لي بعض ما فيه؟

قال: على الرحب والسعة.. فقد ذكرت لك أني من كثرة ترديدي لما فيه امتلأ به صدري، كما امتلأ بغيره.. الحقد عندنا أهم وسيلة من وسائل الحفظ..

لقد كنا في كل مجلس نحل فيه لننفث فيه سمومنا نصيح بقوله تعالى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) (الزمر: 64)

فإذا تساءل الناس عن هؤلاء الجهال الذي يأمروننا أن نعبد غير الله قلنا ببديهة حاضرة: إن أخطرهم في هذا العصر رجل تدعونه (محمد متولي الشعراوي)

فإذا تعجب الناس أو انقبضوا، قلنا لهم: إن الشيخ محمد متولى الشعراوي (عاش كل حياته ومنذ نعومة أظفاره وحتى هلاكه بين القبور والأوثان والأضرحة.. يصلي بين القبور والأوثان.. يلقي محاضراته بين القبور والأوثان لا يهنأ له بال إلا بين القبور والأوثان.. وعقيدة محمد متولي الشعراوي هي عقيدة الفرقة القبورية الصوفية الضالة، فالشعراوي يعتقد ويدعو للشرك بالله تعالى كدعاء غير الله تعالى.. أضف لذلك دعوته لبعض الكفريات والبدع... وكل ما يدعو إليه الشعراوي هو تكرار مقزز من التراث الصوفي القبوري عبر التاريخ؛ هذا الضلال وهذه الخرافات والبدع والشركيات والاعتقادات الكفرية التي أدت إلى ضعف المسلمين وتخلفهم وتسلط عدوهم عليهم.. فكيف ينصر الله من يدعو غيره ويتجه بقلبه لسؤال الموتى في القبور؟!

فالشعراوي هو صوفي أشعري قبوري عنيد جداً؛ حتى أنه أقام فترة في بلاد التوحيد في المملكة السعودية ودرَّس العلوم اللغوية في بلاد التوحيد لبعض الوقت؛ ورغم ذلك فإن قلبه القاسي لم يخشع لله تعالى ولذكر الله تعالى ولتوحيد الله تعالى، بل أبى الشعراوي إلا أن يستمر على مذهبه الضال الصوفي الأشعري القبوري الذي تلقاه في بلده مصر منذ نعومة أظفاره رغم بيان وجلاء الحق له خلال فترة إقامته في بلاد التوحيد)([45])

فإذا ظهر بين من نخاطبهم من يجادل في ذلك، أو من يزعم بأن هذا قد يكون مرتبطا بفتره من حياته، ولا علاقة له بالشيخ حال جلوسه على كرسي المشيخة، كنا نقول لهم بقوة: (إن ما يرد من أدلة على دعوة الشعراوي إلى الشرك بالله تعالى وإلى الكفر ليس خاصاً بفترة معينة من حياته، بل هي عقيدته منذ الطفولة وحتى هلاكه.. ولم يعلن الشعراوي إعلاناً صريحاً توبته وندمه عن تلك الشركيات والكفريات بل على العكس استمرار الشعراوي على تلك الشركيات والكفريات حتى النفس الأخير من حياته؛ فالقول بأن تلك الأدلة كانت في مرحلة معينة في حياته أو في شبابه هو قول يقصد به تضليل المسلمين، لأن الشعراوي عندما يحكي ما حدث في شبابه أو في أي فترة من حياته إنما يحكيه ليس على سبيل إعلان التوبة والندم، بل على سبيل تأكيد وتقرير دعوته للكفر والشرك بالله تعالى ولرغبته في نشر هذا الكفر والشرك بين المسلمين، ولكي يقتدي به المسلمون ويتعلموا منه هذا الشرك والكفر الذي وقع فيه..)

وكنا نقول لهم: (أما ما يزعمه البعض من أن الشعراوي قد تاب عن هذا الضلال ورجع في أواخر أيامه أو في أواسط أو أوائل أيامه فكل هذا لا قيمة له لأنه بلا دليل فلم نر الشعراوي يعلن على الملأ وفي وسائل الإعلام أو في أحد كتبه أنه قد تاب من تلكم الضلالات؛ وإن من شروط التوبة الإصلاح والبيان وخاصة في حق من ظهرت منه أقوال انجرّ من خلالها فساد عريض)

وكنا نقول لهم متبجحين، وكأننا على عرش الدينونة متربعين: (بعد أن نشر الشعراوي الشرك بالله تعالى والكفر بالله تعالى والبدع والضلالات في كتبه وفي وسائل الإعلام لمئات الملايين وحتى الآن هذا الشر ما يزال مستمراً ؛ ولم نر كتاباً واحداً أو تصريحاً واحداً من الشعراوي يعلن فيه توبته من تلك الضلالات وندمه على ما اقترفه من جرائم نشر الشرك والكفر والبدع بين المسلمين بل على العكس رأينا سوء خاتمة الشعراوي وقوله كلمة الشرك وهو على فراش الموت (نعوذ بالله من سوء الخاتمة)؛ فالقول بأن الشعراوي قد تاب عن تلكم الضلالات هو تضليل وخداع وغش للمسلمين، وإننا لنعجب ممن يغار على هؤلاء المبتدعة من أن تبين ضلالاتهم نصحاً للمسلمين في حين أن هؤلاء الغيارى لم تتمعر وجوههم من دعوة هؤلاء المبتدعة للشرك بالله تعالى والكفر والبدع، أ فتغارون على أهل الضلال ولا تغارون على دين رب العالمين؟!)

فإذا طالبنا بعضهم بالأدلة رحنا نذكر لهم ما قاله ابنه عبد الرحيم عندما سئل عن خاتمة والده، فقال: (جاءت الساعة الموعودة... وفجأة نظر إلى السقف ومحييا بالأسياد والأئمة ومدد يا أهل البيت ،ثم قال فجأة: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله.. ثم تمدد على فراشه عندها قمت وغطيته بعباءة بيضاء ثم أخذناه إلى البلد)

فإذا لم يقتنع الناس بهذا، رحنا نسوق لهم ما أورده الشيخ من مذكراته([46]) حول محبته لآل البيت الكرام عليهم الصلاة والسلام إلى درجة التعلق بكل أثر من آثارهم..

كنا نحكي لهم ما ذكره عن تعلقه بالحسين.. وبالأثر المبارك الموجود له في مصر.. وكنا نقص لهم قوله عن نفسه: (أما البشارة التي تلقيتها في الروضة الشريفة هي أن لنا باباً في مصر يسمى الحسين،  والتي فهمت منها أن مقامي سيكون إلى جوار سيدنا الحسين.. فقد تحققت هي الأخرى وسكنت فعلاً إلى جوار سيدنا الحسين)([47])

وقوله في محل آخر: (و رحت أزور سيدنا الحسين وهناك شكرت الله كثيراً.. وشكوت حالي أيضاً ويقسم الشيخ وهو يقول: والله العظيم لم يمر أسبوع إلا وجاء الفراش الذي كان يعمل معي وقال لي: مبروك يا عم ! فسألته على إيه؟ فقال: الشقة بقت بتسعة جنيه ! لأنهم عملوا تخفيض وطلعت بتسعة جنيه بس ! قال الشيخ: كانت هذه أول مسألة مع سيدنا الحسين ثم توالت المسائل بعد ذلك !)([48])  

فإذا رأينا الناس هزوا رؤوسهم متأثرين بشدة تعلق الشيخ بسيدنا الحسين، وهو أهل لأن يتعلق به صحنا فيهم: ويلكم انظروا جيدا ما يقول (إن كل تلك القصص التي يرويها الشعراوي هي تعلق قلبه القاسي بغير الله تعالى من المخلوقين، وهذا من الكفر بالله تعالى ومن الشرك به؛ فالتعلق والرجاء يكون لله تعالى وحده أولاً وأخيراً.. أما الشعراوي فيجعل مع الله أنداداً يتعلق بهم قلبه القاسي فتأمل كيف أن الشياطين يوحون إليه في المنامات وهو كالأبله بدلاً من أن يستعيذ بالله من وسوستهم يتعلق قلبه بتلك الوساوس الشيطانية؛ فهذا الشعراوي جاءه الشيطان في المنام وأوحى إليه أن الحسين رضي الله عنه هو بابه في مصر، فصدق الشعراوي ذلك وعندما تحدث له أي نعمة بدلاً من أن يحمد ويشكر الشعراوي الله ولي النعم عليها يعتقد قلب الشعراوي في الحسين وأنه بابه وأن تلك النعم من مسائل وفضائل الحسين المتتالية عليه.. إن هذا الذي يقوله الشعراوي يخالف أبجديات التوحيد والإيمان ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى)

وهكذا ينضم إلينا ناس من الناس.. وللأسف يضمون لبغضهم للشيخ بغضهم للحسين أيضا.. لأن حب الحسين هو الذي جر الشيخ إلى الكفر والشرك وقسوة القلب.. حتى أن اسم الحسين الممتلئ بالجلالة صار مرادفا عندهم للات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.

فإذا نفرت الناس من الحسين الذي كان سبب ضلال الشعراوي وشركه انتقلنا بهم إلى السيدة الجليلة خطيبة آل بيت النبوة والمنافحة عنهم السيدة زينت، وحكينا لهم ما ذكره الشيخ عن ذكرياته معها، ومن ذلك أنه عندما كان طالباً في الشهادة العليا كان يسكن بجوار ضريح ومقام السيدة زينب فحدث أن فاته امتحان الدور الأول لمرضه، ثم فاته امتحان الدور الثاني، فحزن الشعراوي لأنه كان مجتهداً وقال الشعراوي: (وقلت للسيدة زينب: إحنا ساكنين جنبك.. وبنصلي عندك.. وفاتنا الامتحان في الدور الأول والدور الثاني.. وضاعت السنة.. وخاصمتها ! ولم أعد أصلي في مسجدها)

ثم يروي بعد ذلك أن أحد أصدقائه دعاه لأن يصالح السيدة زينب بأن دعاه لحضور مولد السيدة زينب عند قبرها، ثم عندما نام في الليل ظهرت له السيدة زينب وقالت له: (إنت زعلان مننا؟ إن كانت راحت منك سنة.. حنعوضها لك بخمسة..) ثم يقول الشعراوي بأنه أدرك سر تلك الخمسة عندما اشتغل موظفاً بالأزهر بالدرجة السادسة، ففوجئ الشعراوي بترقيته من الدرجة السادسة للخامسة بالاختيار وليس بالأقدمية فتذكر قول السيدة زينب له في المنام([49]). 

فإذا نفرت الناس من السيدة زينب معتبرين إياها كأي صنم من الأصنام التي كانت تعبد في الجاهلية انتقلنا بهم إلى السيدة الجليلة عائشة بنت جعفر الصادق.. وحكمنا بالشرك عليه بسبب بيت من الشيخ كان الشيخ والزوار يذكرونه عندها، وهو:

بمقام عائشة المقاصد أرخت     سل بنت جعفر الوجيه الصادق

فإذن نفر الناس من عائشة، انتقلنا بهم إلى السيدة الجليلة نفيسة، وحكينا لهم ما ذكره الشيخ عنها من قصة رجل اسمه (عفان بن سليمان) تعرض للظلم من جانب حاكم مصر آنذاك ويسمى (تكين)، ثم يذكر الشعراوي أن الرجل فكر في الهروب من مصر فراراً من ظلم (تكين)، ولكن الرجل المظلوم توجه لرجل يسمى (الشريف علي بن عبد الله) الذي أخذ عفاناً وتوجه به للقبر المنسوب للسيدة نفيسة.

و يقول الشعراوي ما نصه (وقرأ الرجلان آيات من القرآن.. وسألا الله عز وجل أن يجعل ذلك واصلاً إلى السيدة نفيسة، وأن يفرج كرب عفان بن سليمان الذي تعرض لظلم الجبار تكين، وأخذتهما سنة من النوم.. ورأى الشريف السيدة نفيسة وهي تقول له: (خذ عفان معك واذهب إلى تكين)، فقد قضيت حاجته.. وتوجه الشريف ومعه عفان إلى تكين.. فاستقبلهما أحسن استقبال.. وقال إني رأيت السيدة نفيسة وهي تقول: أكرم الشريف علياً.. وارجع عن عفان.. واردد عليه ماله.. فإنه قد استجار بنا)([50]) 

وهكذا.. لا نزال نسير بمن يسمع لنا من ولي إلى ولي، ومن صالح إلى صالح.. فنضرب بذلك عصافير كثيرة.. العصفور الأول، والمقصود الأول هو الشيخ الشعراوي ذلك الذي أقض مضاجعنا، وملأ قلوب مشايخنا حقدا وحسدا إذ كيف تنصرف الأبصار إليه دونهم.

وأما العصافير الثانية، فهي تلك الأنوار التي شرف الله بها أرض مصر وحماها من الدجالين والبغاة والخارجين والناكثين والقاسطين.

بعد أن أنهى صاحبي حديثه، قلت: أبهذه الأدلة كان أصحابك يحكمون بالشرك على الشيخ الشعراوي؟

قال: كانوا ولا يزالون..

ثم ضحك، وقال: حتى أبناؤهم لم ينجو من هذه الأحكام، فقد ذكرنا في كتابنا ذلك ابنه عبد الرحيم، وزججناه في قفص الشرك مع أبيه.

قلت: لم؟

قال: لأنه ذكر والده، فقال: (وكان متعلقا بآل البيت لدرجة أنه أقام مطعماً فوق سطح العمارة لإطعام الفقراء والمحتاجين توددًاً وتقربا لأهل البيت.. وكان يقول بأن ضيوف الإمام الحسين ضيوفي، وعندما جئنا إلى قرب السيدة نفيسة خصصت له أرض هناك، وأنشأ مؤسسة مائدة الرحمن على مساحة ألفي متر)

وكنا نقول معلقين على هذا: انظروا إن (ابن الشعراوي لا يجد حرجاً في أن يتفاخر بوقوع أبيه في الكفر والشرك بالله تعالى.. إن عبد الرحيم الشعراوي يتفاخر بأن أباه محمد متولي الشعراوي يطعم الطعام للفقراء تودداً وتقرباً لآل البيت، ولم يقل هذا القاسي القلب ابن هذا القاسي القلب أن الواجب أن يتم إطعام الفقراء توددا وتقربا لله وحده لا شريك له)

بعد أن قص علي صاحبي قصته مع الشيخ الشعراوي أخذ الأشرطة، ثم قبلها، وقال: في ذلك الحين.. وفي قرارة نفسي كنت أعلم أن تلك الأحكام الجائرة لم يكن لها إلا سبب واحد.

قلت: ما هو؟

قال: لقد كان لمشايخنا من الكبرياء والغرور ودعوى الألوهية ما جعلهم يعتبرون كل من يزاحمهم صنما من الأصنام.. فهم في قرارة نفوسهم يعتبرون أنفسهم آلهة.. ويعتبرون كل من لا يسمع لهم ولا يخضع لهم مشركا.. وقد كان من سوء عاقبة الشيخ أنه لم يكن ليحني رأسه لأمثالهم.. فمستواه العلمي.. ومرتبته الروحية.. وطهارة نفسه أرفع من تتنجس بالاستماع لأمثالهم أو الخضوع لهم.

قلت: ولكن كيف عرفت مستوى الشيخ العلمي ومرتبتة الروحية، وأنت لما تسمع أشرطته.

قال: ومن قال لك أني لم أسمعها.. لقد كنت أسمعها بيني وبين نفسي كل حين.. ولعل ما من الله به علي من التوبة والهداية يرجع في جزء منه لما كنت أسمعه منها.

قلت: ولكن أصحابك كانوا يحذرونك منها.

قال: وكانوا من غير أن يقصدوا يدعونني إلى استماعها.. فقد كان لي نفس تأبى الخضوع، فتقبل على ما تمنع منه، وتسرع إلى ما تنفر عنه.

أهل السنة.. والشرك

في اليوم الثامن من زيارته لي جلست مع صاحبي الوهابي التائب نتفرج على شاشة التلفزيون، وكان من حكمة الله أن أُبدلت بعض القنوات التي كنا نتفرج عليها بقناة أخرى جديدة، ويظهر من حلتها، وممن يتحدث فيها أنها قناة وهابية بامتياز، وقد شد نظري فيها عبارة كتبت أعلى شاشتها تقول (الدم السني واحد)

فقلت لصاحبي متعجبا: ما معنى هذا؟ أنا أظن أن الدم واحد.. فكل دم محترم دم سني أم غير سني.. بل دم مسلم أو غير مسلم.. فالإنسان مهما كانت ديانته ومعتقده محترم إلا إذا جلب لنفسه العقوبة، وهو في ذلك لا يختلف عن السني أو غير السني، أو المسلم أو غير المسلم.. فالناس - كما قال الإمام علي- (إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)

ابتسم، وقال: أتعرف من هم أهل السنة؟

قلت: وكيف لا أعرف.. إنهم الأغلبية المسلمة المتواجدة في جميع بقاع الأرض، ولم يشذ عنهم إلا طوائف من المنحرفين.. وهم يكسبون بهذه الكثرة حرمة خاصة، بل إن من الفقهاء من يعتبر الكثرة دليل الصحة.

قال: بغض النظر عن صحة الاستدلال بالكثرة على الصحة.. فإن هؤلاء الذين علقوا هذا الشعار لا يعتقدون أن أهل السنة كثرة.. بل يعتقدون أنهم قلة، بل يعتقدون أنهم أقل من القليل.

قلت: ولكن هذا الشعار لم يرفعوه إلا ليبينوا أنهم الكثرة الكثيرة التي ينبغي أن تحترم ويخشى جنابها.

قال: في وجه من رفعوا هذا الشعار؟

قلت: لا أكتمك أنهم في هذه الأيام خصوصا يرفعونه في وجه الشيعة.. وفي وجه إيران وحزب الله خصوصا.. بل إنهم يبدلون اسم (الله) في الحزب باسم (اللات)، ولست أدري لم.

قال: فهم يتاجرون بهذا الشعار إذن؟

قلت: ما تعني؟

قال: إن هؤلاء تجار ماهرون.. بل دهاة محتالون.. يخاطبون الناس كل حين بما يتناسب مع مصالحهم.. فإن رأوا من المصلحة أن يعتبروهم سنة جميعا اعتبروهم سنة، وإن رأوا من المصلحة أن يعتبروهم مبتدعة اعتبروهم مبتدعة.. إنهم يحاربون الأمة بعضها ببعض، فهم إن وقفوا ضد الشيعة اعتبروا كل من وجد خارج البقاع التي يسكنها الشيعة سنيا حتى لو كانوا في قرارة نفوسهم يعتقدون كفره وضلاله، بل حتى لو اعتقدوا أنه أكفر من كل كافر، وأضل من كل ضال.

قلت: ما تقول.. إن هذا نفاق.. إن هذه هي نفسها السياسة الأمريكية التي قد تستعمل بعض أعدائها.. فإذا انتهت من استغلالهم رمتهم أو قامت بتصفيتهم.

قال: وهكذا هؤلاء.. إنهم الآن يصرخون في كل محل: استيقظوا أهل السنة قبل أن يكتسحكم تيار الروافض.. ولكنهم إن خلوا إلى أنفسهم ضحكوا ضحكة سخرية من كل أولئك الجموع.. لأن مرتبة أولئك الجموع لم ترق بعد إلى مرتبة أهل السنة، الذين هم - في تصورهم - شعب الله المختار.. بل لم ترق بعد إلى مرتبة الإسلام نفسه.

قلت: أهم يحكمون عليهم بالكفر إذن؟

قال: بل يحكمون عليهم بأبشع الكفر.. يحكمون عليهم بالشرك الأكبر.. بل يعتقدون أن اليهود أفضل منهم.. بل هم لا يكتفون بتكفيرهم لوحدهم، بل يكفرونهم ويكفرون معهم آباءهم وذرياتهم.. بل قد يكفرون من يتوقف في تكفيرهم.

قلت: ما تقوله عجيب.

قال: ولكنه - للأسف - صحيح.

قلت: ولكنه مع ذلك يظل دعوى.. وأبناء الدعاوى التي لا يبرهن عليها أدعياء.

قال: ولدي بحمد الله البراهين.. وأتحدى بها جميعهم.

قلت: من أين لك بها؟

قال: ألم أكن واحدا منهم؟ لقد جلست معهم مجالس سرية، وقد بث لي فيها ما أبثه لك الآن.

قلت: فهلا أخبرتني عنها؟

قال: إن ذلك يحتاج وقتا طويلا.. لقد ظللنا سنين طولا في سجون الوهابية لا نلقن إلا الحقد.

قلت: فحدثني من ذلك عما يبرهن لي على ما ذكرت.

قال: سأحدثك عن مجلس من مجالس كنا نعقدها مع شخص يظهر على القناة التي تراها يقوم ويقعد كل حين، ويغضب ويضحك لسبب ولغير سبب، ويوزع الجنة والنار على من يشاء وكيف يشاء.

ابتسمت، وقلت: أتقصد ذلك المهرج الذي يقال له (العرعور)؟

غضب، وقال: لا يحق لك أن تسميه بهذا الاسم.

طأطأت رأسي، وقلت معتذرا: أعتذر إليك.. لم أكن أقصد.. فقط كنت أحب السماع إليه لا لأستفيد منه، ولكن لأن حركاته تعجبني.

قال: أنا لم ألمك على إهانتك للعرعور، وإنما لمتك على إهانتك للمهرج.. فأين المهرج وأين العرعور.. المهرج يضحك الناس، ويملأ قلوبهم بالسرور، ويملأ حياتهم بالمرح.. بينما العرعور سفاح مجرم.. ليس له من دور إلا نشر الضغينة.. والتحريض على سفك الدماء، هو لا يملأ حياة الناس إلا ألما، وأرضهم إلا دماء.

قلت: صدقت.. والله نحن في زمن غريب صار المهرج فيه أفضل من العالم.. والممثل فيه أفضل من الإمام.. والمطرب فيه أفضل من الخطيب.

قال: إنه زمن الفتنة الذي تحدث عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: فهلا حدثتني عن المجلس الذي وعدتني به.

قال: في مجلس لنا مع (العرعور) طرح عليه بعضنا هذا السؤال: ما تقول يا شيخ في تلك الجماعات التي تسمى (الطرق الصوفية) إنهم يشكلون الكثرة الكاثرة من الأمة، فهل هم منا أهل السنة.. أو تراهم من أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله؟

غضب العرعور غضبا شديدا، ووبخ السائل توبيخا مرا، ثم وقف، وقال: ويل لك.. ثم ويل لك.. إن أولئك ضلال كفار مشركون..

كان السائل وقورا حليما، فلم يستفزه التوبيخ، بل راح يسأل - وكـأنه لم يسمع أي توبيخ- قائلا: ولكن أولئك يا شيخ طوائف وفرق.. فهلا سمحت لي بأن أسألك عنهم واحدا واحدا.. فلعل بعضهم أقرب إلى السنة من بعض.

تصور العرعور أن السائل يجهل قدره العلمي، فقال: سل عما بدا لك.. فأنا موسوعة في فقه الطوائف.. وأستطيع أن أناظرهم جميعا، وأنتصر عليهم جميعا.. بل أنا مستعد لأن أعطي من جيبي الخاص عشرين مليون دولار لمن ينتصر علي.

قال السائل: إن منهم طائفة يقال لهم القادرية، وهم ينتسبون لشيخ يقال له (عبد القادر الجيلاني)، ولهم فروع كثيرة في العالم.. إنهم ينتشرون في الجزائر واليمن والصومال ومصر والهند والمغرب والسودان الغربي([51]).. وغيرها كثير.. فهم بشر كثير.

قام العرعور غاضبا، وقال: ولو ملأوا الأرض جميعا.. فإن ذلك لا ينفي عنهم الضلالة.. إن شيخهم صاحب بدع كثيرة في الأوراد، والسماع، وصلوات الأيام والليالي.. أما أتباعه فشر منه، فقد ذهبوا إلى ما ذهب إليه الصوفية من الربط بين العقائد الكلامية والتصوف، كما نسبوا للشيخ كثيراً من الكرامات والأقوال التي فيها غلو كبير، والتي تصل إلى الشرك في توحيد الربوبية وفي توحيد العبادة، ونسبوا له قصائد شركية فيها دعوى الربوبية، ونسبوا إليه القول بالحقيقة المحمدية، ونسبوا إليه الورد المسمى (صلوات الكبريت الأحمر) وهو في الصلاة على النبي e، و(الباز الأشهب) و(القصيدة العينية)، وقد تضمنت عبارات تدل على وحدة الوجود.. ألا يكفي كل هذا ليخرجهم من الملة؟

جلس العرعور، فقال السائل: فما تقول في طائفة يقال لها (الشاذلية)، وهي تنتسب لشيخ يقال له أبو الحسن الشاذلي.. وهي من أكثر الطرق الصوفية انتشاراً، وأكثرها أتباعا([52])، وكثير من الأعلام المشهورين من المتأخرين ينسبون إليها([53]).

قام العرعور، وقال: ويل له، وويل لهم جميعا.. لقد أخرجه أهل تونس، وكتبوا إلى أهل مصر إنه يقدم عليكم مغربي زنديق، وقد أخرجناه من بلدنا فاحذروه.. ولكن أهل مصر استقبلوه ورفعوا من شأنه حتى عم ضلاله الآفاق.. أما أتباعه فقد وقعوا في الشرك الأكبر.. فللشاذلية قبر يعبدونه من دون الله تعالى، ولهم  أدعية يتوسلون فيها بغير الله تعالى، ومنهم ذلك الزنديق الذي يقال له عبد الوهاب الشعراني، وذلك الأفاك يوسف النبهاني اللذان صرحا بالشرك الأكبر في كتبهما.

ومنهم ذلك الذي يسمونه حكيما، ويحفظون حكمه كما يحفظ القرآن، ذلك الذي يقال له (ابن عطاء الله).. فقد جاء في الحكم ما يثبت قوله بوحدة الوجود، كما قال بالأنوار كثيرا، والتي ليست سوى الفلسفة الإشراقية.. فإياك ثم إياك أن تتوقف في كفرهم، وإلا ألحقتك بهم؟

جلس العرعور، فقال السائل: فما تقول في طائفة يقال لها (الرفاعية)، وهي تنسب لشيخ لها يقال له (أحمد الرفاعي)، وهم ينتشرون في العراق ومصر وسوريا وغرب آسيا.. وغيرها من بقاع العالم.

قام العرعور غاضبا، وقال: ويل له.. وويل لهم.. لقد انتشر الشرك الأكبر عند الرفاعية مثل غيرهم من الصوفية.. ألم تسمع أبيات الصيادي الرفاعي التي يقول فيها:

بيتان حج العارفون إليهما            بيت الرسول وشبله ببطاح

أعني به المولى الرفاعي الذي            خلقت أنامله من الأرباح

وللصيادي كتاب (بوارق الحقائق) كله استعانة واستغاثة وتوجه للقبور وشرك جلي.. وعقيدتهم الظاهرة يتابعون فيها الأشعرية الضالين في تعريف التوحيد، ونفي العلو، وأن القرآن قديم وغير ذلك.. كما يتابعون الصوفية في الحقيقة المحمدية والنور المحمدي.. بل ذكر الرفاعي ما يشير إلى الحلول أو الوحدة.. بل وافق متأخروهم أهل وحدة الوجود، ودافعوا عنهم.

جلس العرعور، فقال السائل: فما تقول في طائفة يقال لها (النقشبندية)، وهي تنسب لشيخ لها يقال له (محمد بن بهاء الدين النقشبندي).. فإن لهؤلاء وجودا كثيرا في الصين وتركيا، وبعض بلدان آسيا الوسطى، والهند، وجاوه، وغيرها([54]).  

قام العرعور غاضبا، وقال: ويل له.. وويل لهم.. إن سلسلة هؤلاء تعود لأئمة الرافضة، وحسبهم بذلك ضلالا.. وهم فوق ذلك يصرحون بالشرك الأكبر في توحيد الربوبية والألوهية، وهم ممن يقولون بوحدة الوجود، وقد كثرت شروحهم لكتب ابن عربي وغيره من القائلين بوحدة الوجود.. فإياك أن تتوقف في تكفيرهم وتضليلهم وإلا حكمت عليك بحكمهم.

جلس العرعور، فقال السائل: فما تقول في طائفة يقال لها (الختمية)، وهي تنسب لشيخ لها يقال له (محمد عثمان بن الميرغني المحجوب)، ويلقبونه ب (الختم)، وتنتشر في شرق إفريقيا وغربها ووسطها وشمالها.

قام العرعور غاضبا، وقال: ويل له.. وويل لهم.. فهؤلاء يتابعون ابن عربي ويعظمونه وأهل نحلته، ويقولون بوحدة الوجود، ويقولون بالشرك الأكبر، بل زعموا أن شيوخهم يغيثون من يلتجئ بهم، ويزيلون الكربات، وأنهم وسيلة النجاة.. وهم فوق ذلك كله يسبون الصحابة، ويتهمونهم بكتم ولاية علي، بل يعتبرون أنفسهم امتداداً لولاية أهل البيت، لذلك يدعون للتقارب مع الرافضة، ومناصرتهم والدعوة لهم.. فإياك ثم إياك أن تتوقف في شأنهم.

جلس العرعور، فقال السائل: فما تقول في طائفة يقال لها (البكتاشية)، وهي تنسب لشيخ لها يقال له (بكتاش ولي)، وهي تنتشر في تركيا، وكردستان وآسيا الصغرى، وفي ألبانيا، وقد كانت موجودة في مصر في عهد الخديو إسماعيل، بل حظيت بعناية أسرته، ولها ارتباط قوي بالحركة الوطنية في ألبانيا، ولها أوقاف شائعة في تركيا، ويذكر الباحثون أنها في تزايد مستمر في تركيا ومصر.

قام العرعور غاضبا، وقال: ويل له.. وويل لهم.. ففي عقائد هؤلاء رائحة الروافض المنتنة إنهم يغالون في آل البيت، خاصة جعفر الصادق، بل يضعون على  رؤوسهم قلنسوات أسطوانية ذات 12 طيَّة، إشارة إلى الأئمة الاثني عشر، أئمة الرافضة.. وهم فوق ذلك ومعه أصحاب شرك أكبر في دعاء الأولياء، وتأليه علي بن أبي طالب، ويقولون بوحدة الأديان، ويقيمون الرقصات والأذكار الخاصة بهم، ويطلقون على حركاتهم في الرقص (الحضرة).. فإياك ثم إياك أن تحتار في أمرهم.

جلس العرعور، فقال السائل: فما تقول في طائفة يقال لها (التجانية)، وهي تنسب لشيخ لها يقال له (أبو العباس أحمد التجاني)، وهي تنتشر بكثرة في شمال أفريقيا وغربها، بل إن بعضهم يعد أتباعها بمئات الملايين.

قام العرعور غاضبا، وقال: ويل له.. وويل لهم.. إن هؤلاء شر الطوائف.. لقد كان لهم شيخ يقال له (أحمد سيكرج)يدرس (الفتوحات المكية) لابن عربي، و(الإنسان الكامل) للجيلي.. وهم فوق ذلك يعتقدون الشرك الأكبر في شيوخهم، فيحجون إلى فاس حيث قبر شيخهم قبل توجههم للحج إلى مكة، وهم يقولون بوحدة الوجود، ويقولون بالحقيقة المحمدية، والنور المحمدي.. فإياك إياك أن تتوقف في الحكم عليهم بالشرك الأكبر.

جلس العرعور، فقام السائل، وقال: ما أقل المسلمين إذن يا شيخ؟

صمت العرعور لفترة، ثم أطبق شفتيه، ثم راح يبكي بكاء حارا جعلنا نتأثر له، لكن السائل لم يتأثر، بل راح يسأله قائلا: أتبكي يا شيخ على قلة المسلمين؟ أم تبكي على أن هؤلاء يتوهمون أنفسهم مسلمين بينما هم غارقون في ضلالهم وكفرهم؟ ألا ترى أن نصرح لهم بما هم فيه لعلهم ينزجرون عنه.

نظر العرعور إلى السائل، وقال: ويلك.. ثم ويلك.. إياكم أن يخرج هذا الكلام من بيننا، وخاصة  هذه الأيام..

قال السائل: ولم هذه الأيام بالضبط؟

قال العرعور: نحن هذه الأيام نحشد الملايين من الأغبياء لنضرب بهم الروافض.. فلذلك قولوا للجميع.. أنتم مسلمون.. بل أنتم أهل السنة.. بل أنتم من أهل الجنة.. مغفورة لكم ذنوبكم إن وقفتم ضد هذا التنين الذي يريد أن يكتسح الأمة..

قال السائل: ألا ترى أننا نكذب عليهم بذلك؟

قال العرعور: الحرب خدعة.. فلنضرب الظالمين بالظالمين.. ونخرج نحن وحدنا من بينهم سالمين..

***

التفت صاحبي إلي، وقال: هذا مجلس واحد من المجالس التي كنا نعبأ فيها بأطنان من الحقد والضغينة والصراع.

قلت: فما سر صاحبكم هذا الذي يسأل كثيرا؟

قال: لقد هداه الله فلم يكتف بما قال له العرعور.. بل ذهب إلى تلك الطوائف جميعا.. والحمد لله، فقد كان ذلك سببا من أسباب خروجه من معتقل الوهابية.. وقد لقيته في فترة من الفترات قبل اهتدائي، وكان نورا من أنوار هدايتي.

رسول نجد

في اليوم التاسع من زيارته لي، خرجت مع صاحبي الوهابي إلى قريتنا الهادئة نتجول، ولست أدري كيف قدر الله أن يزورنا في ذلك اليوم رجل يزعم الناس له الولاية والصلاح، ولذلك كانوا بمجرد أن يسمعوا بحضوره يلتفون حوله، ويقدمون له ما تعودوا عليه من قرابين الولاء والمحبة.. وقد كان منها ما يقبله الذوق السليم، ومنها ما لا يقبله.

وقد خشيت على صاحبي أن يحدث له ما رآه من تلك القرابين ردة تعيده إلى السجون التي خرج منها، خاصة وأنه كان في قوم يعتقدون أن أي تعظيم لغير الله شرك أعظم يخرج صاحبه من الملة، ويخلده في جهنم.

لكني لم ألحظ على أسارير وجهه أي تغير، بل على العكس من ذلك، وجدته ينظر إليهم بحنان ومحبه، فسألته متعجبا: كيف لم تغضب لله في هذا الموقف؟

قال: وهل ترى في هذا محلا للغضب؟

قلت: أجل.. ألا تراهم كيف يعظمون غير الله؟

قال: بل أراهم في موقفهم هذا لا يعظمون إلا الله.. ولذلك تراني أحسدهم على هذه الفطرة النقية التي حرمني الوهابيون منها.

قلت: ماذا تقول؟.. أراني أخالفك في هذا.. فأصحابك، وإن أخطأوا في أشياء كثيرة، فقد أحسنوا في هذه.. فلا ينبغي أن يعظم غير الله.

قال: ألم تسأل نفسك لم يحترم هؤلاء هذا الرجل؟

قلت: إنهم يعتقدون فيه الولاية.

قال: وما معنى الولاية؟

قلت: هي في تصورهم تعني القرب من الله.. فهؤلاء الجموع التي تراها تعتقد أن هذا الرجل أقرب منها إلى الله، فلذلك تراها تتزلف إليه عساها تظفر منه ببركة أو دعاء.

قال: ألا يدلك هذا على حب هؤلاء للقرب من الله؟

قلت: أجل.. ما داموا يحبون القريب من الله بحسب اعتقادهم، فهم يحبون القرب من الله.

قال: ألا ترى في هذا قمة الإيمان؟

قلت: ولكنهم يحبون القرب دون أن يسعوا لتحصيله بالطرق الصحيحة.

قال: وما يفعلونه هو طريق من هذه الطرق.. فمن ملأ قلبه بحب القريب من الله، فلا شك أن الله يقربه.. ألا تعلم أن أعظم شعائر الدين حب أولياء الله؟

قلت: بلى.. صدقت في هذا.. لكن ما أدراهم أن هذا ولي لله؟

قال: لا يهم ذلك.. فالعبرة بالحقيقة التي انطلقوا منها.. لا بالواقع.. ألا تعرف قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)([55])؟

قلت: بلى.. وقد فهمت قصدك.

بمجرد أن وصلنا إلى هذا الحديث أخذ الرجل يلقن الملتفين حوله بعض الصلوات على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطريقة إنشادية جميلة اهتزت لها الأرواح والأجساد، وقد حصل لصاحبي من الوجد ما لم أكن أتصوره فيه، وقد دعاني ذلك إلى سؤاله عن سره، فقال: لقد كنت طيلة فترة اعتقالي في سجون الوهابية لا أعرف (محمد بن عبد الله) بقدر ما كنت أعرف محمد بن عبد الوهاب.. لقد كان أول درس لقنوه لي هو (محمد بن عبد الوهاب)

في تلك الأيام ذهبت، وليس في قلبي إلا محمد رسول الله..  كنت أتحدث عنه كل حين.. فقد كانت حرارة أشواقي إليه لا تعدلها أي حرارة..

لكني بمجرد أن جلست إلى حلقة ذلك النجدي الذي قيل لي إن بيده مفاتيح الجنة، كما أن بيده مفاتيح النار بدأ (محمد بن عبد الله) ينزل من عرش قلبي ليحل بدله (محمد بن عبد الوهاب)

في بداية تلك الحلقة تذكرت في نفسي ذلك العصر المظلم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي بلغ فيه فساد العقائد والعادات والأخلاق مبلغاً عظيماً.. فالأصنام كانت تعبد من دون الله في المسجد الحرام عند الكعبة وغيرها..  وكانت العرب قد انحطت إلى أسفل الدركات من الوثنية والعادات السافلة الرذيلة.

بمجرد أن حدثت نفسي بهذا نظر إلي النجدي بسخرية، وقال: وهكذا كان عصر محمد بن عبد الوهاب إن لم يكن أشد جاهلية منه، فقد كانوا في جاهلية مطلقة، كما كانوا غارقين في أودية الجهالة والرذيلة والوثنية المسبوكة في قالب حب الصالحين.

قلت في نفسي: لقد بعث الله محمد بن عبد الله بعد فترة من الرسل، وكانت الإنسانية بما أصابها في مقاتلها تنتظر وتتعطش إلى هذه البعثة الكريمة، لعلها تهتدي بعد الضلال البعيد، وتنتقل من فوضى الأخلاق والطباع إلى نظام وطمأنينة وراحة.

قاطع النجدي حديثي لنفسي، وقال وهو ينظر إلي بسخرية: لقد جاء محمد بن عبد الوهاب في وقت كانت جزيرة العرب في أمس الحاجة إلى مصلح يعالجها من أمراضها القاتلة، وينقذها مما وقعت فيه ويأخذ بيدها من تلك الهوة السحيقة التي ارتطمت فيها، لكي تسير في سبيل مستقيم، حيث تصفو العقائد، وتشفى العقول.

قلت في نفسي: لقد وفق الله نبينا محمد بن عبد الله في الدعوة إلى الله وتوحيده ونبذ الشرك وتهجينه.

نظر إلي ساخرا، وقال: وقد وفق الله أيضا محمد بن عبد الوهاب في تجديد الدعوة التي بليت والسير على المنهاج الأقوم الذي اعوج وجعله نقياً خالصاً من كل شائبة وباطل.

قلت في نفسي: لم يطب المقام لمحمد بن عبد الله بمكة التي ولد فيها بإيذاء قريش له، وتسلطهم عليه بالسوء والأذى حتى أجمعوا أخيراً على قتله، فهاجر إلى المدينة، ووجد من الأنصار عوناً وحباً ثم تبعه صحابته فانتقلوا إليها مستخفين، خشية من الأذى والفتك..

نظر إلي ساخرا، وقال: وكذلك محمد بن عبد الوهاب، فقد تآمر عليه مماليك بلده الذي ولد فيه على قتله، وتسوروا عليه الجدار، ولقي من أهله الأذى والتنكيل، ما جعل الإقامة به أمراً مستحيلاً.. ففر بدينه وعقيدته إلى الدرعية، ولقي فيها محبين كانوا عوناً له، وهناك استطاع أن يهنأ بالعبادة والدين، وانتقل مريدوه وأتباعه إليها هرباً بمعتقداتهم وأرواحهم.

قلت في نفسي: لقد حدث لمحمد بن عبد الله في طريقه للمدينة وهو مهاجر، أن تبعه سراقة بن مالك ،طمعاً في جعل قريش ولما أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ساخت قوائم فرسه في الأرض، فإذا هو في وثاق، لا يستطيع منه فكاكا، حتى يستنجد بالرسول فينطلق.

نظر إلي ساخرا، وقال: كذلك قد جرى للشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقد وكل به أمير العيينة عثمان بن معمر عندما أمر بمغادرة الشيخ البلاد فارساً والشيخ كان راجلاً حافي القدم، حاسر الرأس، إلا من مروحة يتقي بها لظى القفر حتى إذا رام أن يقتله، واستل سيفه، إذا بيده القوية تتهالك ،فيسقط منها.

قلت في نفسي: كان محمد بن عبد الله يعرض نفسه على القبائل، ويستقبلها في المواسم والأسواق فينصره بعضها، ويخذله بعضها، ويهزأ به بعضها، ويناله بعضها بما يكره، ولكنه صابر يقول في ابتسامته الحلوة الرائعة: (اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون)

نظر إلي ساخرا، وقال: وكان ابن عبد الوهاب يعرض نفسه على القبائل والبطون فمن ناصرة ومجيرة، إلى خاذلة وصادفة عنه، إلى قبائل لا تتورع عن إيذائه والكيد له كما كان يكيد له الكبراء والزعماء، فلا تلين له قناة.

قلت في نفسي: لقد تعرض محمد بن عبد الله إلى كثير من المخاطر.

نظر إلي ساخرا، وقال: وهكذا محمد بن عبد الوهاب.. لقد تعرض لكثير من الويلات والكوارث.. فكان يستدبر كارثة ليستقبل أُخرى بنفس مطمئنة وقلب مفعم بالإيمان.

قلت في نفسي: كان محمد بن عبد الله يغزو بنفسه، ويزج بها في المعارك والميدان، وإذا احتدم القتال يقوي قلوب صحابته الكرام، ويعززهم ويذكرهم، ويدعو الله لهم.

نظر إلي ساخرا، وقال: وكان محمد بن عبد الوهاب، يغزو بنفسه مع محمد بن سعود، ولا يبخل بالرأي السديد وكان من أبرز رجال القيادة العليا حتى إذا اختلف في الرأي بينه وبين غيره، قدم رأيه لأنه يسير بهدي الله ونوره.

قلت في نفسي: لقد كان محمد بن عبد الله يرسل الرسل للملوك، يدعوهم إلى الهدى ودين التوحيد، ويرسل السرايا للغزو، إن أعلنوا الحرب على الدعوة.

نظر إلي ساخرا، وقال: وكان ابن عبد الوهاب يفعل ذلك.. بل أكثر من ذلك.

قلت في نفسي: ابتلى الرسول بأعداء أقوياء لدد في الخصومة، ينفسون عليه ويتهمونه بالسحر والكذب، حتى إن أقرب ذوي قرباه كانوا في حيرة من أمره وحتى إن عمه أبا لهب، كان لا يرضى عنه وخاصمه وسفه حلمه، ولم يألو جهداً في تأليب الناس عليه.

نظر إلي ساخرا، وقال: وقد ابتلى ابن عبد الوهاب أيضاً بخصوم أشداء، نصبوا له الحبائل. ورشقوه بالسهام، ولكنها كانت تطيش وكان ينجو، بفضل الله، حتى أخوه سليمان كان عدواً لدوداً، طعنه طعنات وانظم إلى صفوف المناوئين لا يتورع عن شتمه ونقد آرائه ودعوته وطريقة نقداً لاذعا.

قلت في نفسي: لقد انتصر محمد بن عبد الله على أعدائه وخضعوا له وأصبحوا من خيرة أنصاره.

نظر إلي ساخرا، وقال: وكذلك انتصر المخلص الأواه محمد بن عبد الوهاب على مناوئيه وأتوا إليه معتذرين. فإذا به يعفوا كرماً، ويرتاح إليهم، ويصفح عنهم وإذا بهم يعودون إخوة وأنصاراً مخلصين.

بعد أن انتهى من حديثه، وبعد أن سدت علي نفسي، فلم أجد ما أقول لها، ولم تجد ما تقوله لي، سأله بعضنا عن الاستشفاع برسول الله لقضاء الحوائج، فغضب غضبا شديدا، وقال: من هذا الذي يستطيع أن يشفع لك.. أترى عصاي هذه.. (عصاي هذه خير من محمد، لأنها ينتفع بها في قتل الحية ونحوها، ومحمد قد مات ولم يبق فيه نفع أصلاً!!)([56]) 

لا تذكروا (الله)

في اليوم العاشر من زيارته لي، كنا في البيت، وكان من عادة ابني في ليلة كل جمعة أن يحضر معه أصدقاءه وبعض زملائه في الدراسة إلى غرفة لنا في موضع هادئ من البيت اتخذناه قبلة ومسجدا..

وكان ابني ومن معه من الأصدقاء يعقدون هذا المجلس الأسبوعي لذكر الله، ويذكرون لي أن الله يفتح عليهم بهذا المجلس من العلوم والمعارف والأحوال ما لا يجدونه في جميع مدارس الدنيا، وأن الله يفتح عليهم فوق ذلك من الفهم في دراستهم ما لا تعوضه أي دروس أو برامج.

وكنت أقبل منهم ذلك، لأني أجد نتائجهم الدراسية جميعا طيبة، وأخلاقهم ممتلئة دماثة وسماحة وكرما ونبلا.. وفوق ذلك كنت أجدهم من أكثر الناس أدبا مع الله ومع رسوله، وأكثرهم تعظيما للشريعة واحتراما لها من غير تعصب ولا غلو ولا تطرف.

وكنت أنظر في المقابل إلى بعض زملائهم من المتدينين، فأجد قسوة وشدة وتعصبا تنفر منه النفس، ولا ينبئك إلا عن سطحية وجفاء لا يدلان على إيمان عميق، ولا أحوال راقية، ولا معارف سامية. 

وكان هؤلاء الأصدقاء الذاكرون الذين كنت أفخر بأن ينتمي ابني إلى كوكبتهم يبدؤون مجلسهم ذلك بتلاوة القرآن الكريم، ويثنون بأذكار كثيرة، وكان من بينها، وهو خاتمة المجلس ولبه ذكر الاسم المفرد (الله الله).. كانوا يكثرون منه إلى أن يغيب أحدهم عن كل شيء.

وكنت أحترم حالهم في ذلك الحين، فلا أشوش عليهم مجلسهم، ولا أنغص عليهم تلك الغيبة اللذيذة التي يغيبون فيها عن كل شيء ليحصلوا فيها على كل شيء.

لكني في ذلك اليوم خشيت أن يدب إلى سمع صاحبي الخارج من سجون الوهابية أصوات أذكارهم، فينزعج لذلك، وينكر عليهم ما يفعلونه.

لكن الأمر لم يكن كما يتوقع، فقد طلب مني صاحبي بمجرد أن سمع هجيرهم بالذكر أن يذهب إليهم، ويذكر معهم، فأذنت له، مع خشيتي أن يشوش عليهم مجلسهم بالإنكار والنقد.

ولكن الأمر لم يكن كما اعتقدت، فقد جلس معهم بأدب، وذكر معهم بحرارة، وحصل له ما حصل لهم من أحوال، وقد دعاني هذا بعد انتهاء المجلس إلى أن قلت له متعجبا: لم أكن أتصور أن الوهابية يقرون مثل هذه المجالس!؟

قال: ومن ذكر لك أنهم يقرونها؟

قلت: لقد رأيتك الآن تجلس إليهم، وتفعل كل ما يفعلونه، ولا أرى ذلك جديدا عليك.. وذلك لا يعني إلا أنك كنت تمارس مثله في عهدك السابق.

قال: صدقت في هذا.. ولكني لم أكن أفعله إلا بعد أن بدأت النفس تنفر منهم، وتعلم حقيقة حالهم، وحقيقة المصير الذي يريدون أن يوصلوني إليه.

لقد كانوا في مجالسهم الممتلئة بالحقد والضغينة ينفروننا من الذكر، ومجالس الذكر بكل السبل.. بل إنهم كانوا يصورون لنا بأن الذي يشرب الخمر، ويقع في الفاحشة، ويسرق ويختلس ويغتصب أكرم عند الله من ذلك الذي يجلس في الخلوة يعمر قلبه بذكر الله.. بل كانوا فوق ذلك يفتون بإباحة دماء الذاكرين، لا لشيء إلا لأنهم مرتدون..

هكذا كانوا يقولون لنا.. وهكذا كانوا يعبئون قلوبنا وعقولنا، فنمتلئ غلظة وقسوة وغرورا..

لكني في يوم من أيام الله العظيمة، مررت بمجلس من مجالس الذكر في بعض الزوايا، وكان كالمجلس الذي حضرته الآن في بيتك، وقد شعرت فيه بعد جلوسي إليهم بما يشعره الذاكر من الأحوال الإيمانية، ففرحت فرحا شديدة، ورحت من غير أن أعلم أبشر أصحابي بما رأيت، وما سمعت، وما حصل لي..

وكانت الطامة الكبرى.. فقد ذهب بي أصحابي إلى شيخ لنا طويل اللحية فارع القامة جهوري الصوت.. لا أحب أن أذكر لك اسمه.. فتبتلى بمن يؤذيك إن ذكرته، فإن له أصحابا قساة يديرهم كما يدير الخاتم في أصبعه.

دخلت عليه، وألقيت تحية الإسلام، فلم يرد علي بمثلها، ولا بخير منها، بل راح ينظر إلي بقسوة، ويقول: أنت الآن قد استحوذ عليك الشيطان، وأخرجك من الفرقة الناحية المعصومة إلى فرق الإلحاد والحلول والضلال.. ولا ينتظرك يوم القيامة إن سرت على هذا السبيل إلا نيران جهنم.

قلت: ما تقول يا شيخ؟.. أنا ابنكم البار، وتلميذكم المطيع.. ولست أرجو إلا أن أدخل معكم الجنة، وأنجو من النار.

قال بغضب: كيف تريد أن تدخل معنا الجنة، وأنت لم تعمل معنا عمل أهل الجنة؟.. أم كيف تريد أن تنجو من النار، وأنت تجلس إلى أهل النار؟

قلت: عذرا يا شيخ.. أنا لا أجلس إلا إليكم، ولا أأتمر إلا بأوامركم، ولا أنتهي إلا عما تنهوني عنه.

قال: وهل يجلس تلميذنا المطيع إلى المبتدعة الملاحدة الكفرة القبورية.. سكان جهنم ولظى وسعير وسقر؟

قلت: لا أذكر أني جلست مثل هذه المجالس.

قال: لقد جاءني الخبير بأنك مررت على بعض الزوايا من أصحاب الطرق الصوفية الضالة، وقعدت معهم تفعل ما يفعلونه، ولم تنكر عليهم ما هم فيه من ضلالة.

قلت: أجل.. ولكني لم أفعل معهم إلا ما رأيت مشروعيته.. ولم أر في سلوكهم ما يستدعي الإنكار.

رد علي بغضب: ليس هناك شيء مشروع يفعلونه.. كل أعمالهم أعمال ضلالة.. وكل أحوالهم أحوال مبتدعة.

قلت: لكنهم يذكرون الله؟

قال: وذكرهم لله بدعة.

قلت، وقد عادت إلي بعض الجرأة: عجبا.. كيف يصير ذكر الله بدعة؟

الذكر الجماعي:

قال: ألم تر أنهم يذكرون الله جماعة، وبصوت واحد؟

قلت: بلى.. ولعلهم في ذلك يستندون إلى ما ورد في الحديث الذي رواه البخاري من أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منه)، والذكر في الملاً لا يكون إلا عن جهر.

وإلى الحديث الذي رواه البزار، والحاكم في المستدرك وصححه عن جابر قال: خرج علينا النبـي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يا أيها الناس إن لله سراياً من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنة)، قالوا: وأين رياض الجنة؟ قال: (مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله)

وإلى الحديث الذي رواه مسلم والترمذي والنسائي من أنه صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال: (‏ما أجلسكم؟) قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به ‏علينا….إلى أن قال: (أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة)

وإلى الحديث الذي رواه أحمد من أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما اجتمع قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، ‏وتغشتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)

ففي هذه الأحاديث جميعا ‏ترغيب واضح منه صلى الله عليه وآله وسلم في الاجتماع على الذكر..‏

قال بغضب: أنت ذكرت الحديث.. ولكنك نسيت أن تذكر فهم السلف له.

قلت: الأحاديث واضحة.. ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب الأمة بأجيالها جميعا لا جيل السلف وحده،  بالإضافة إلى هذا فإن لغة الأحاديث واضحة، وليس فيها أي غريب يستدعي تفسيرا من السلف أو الخلف..

قال: أنسيت أن منهجنا هو الأخذ من الكتاب والسنة بفهم السلف..

قلت: بلى.. لم أنس.. ولكن ذلك في الأمور المشكلة التي يقع فيها الخلاف، أو لم ترد فيها النصوص القطعية التي تعين المراد منها.

قال: وهذا من المشكلة.. فالسلف الذين نستند إليهم في فهم الدين وتطبيقه لم يفعلوا هذا.. فقد ورد سؤال إلى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، يقول صاحبه: (لنا جماعة هم أصحاب الطريقة التجانية يجتمعون كل يوم جمعة ويوم الاثنين ويذكرون الله بهذا الذكر (لا إله إلا الله)، ويقولون في النهاية (الله الله...) بصوت عال. فما حكم فعلهم هذا؟)، وقد أجابت الهيئة السلفية الموقرة على هذا السؤال بعد أن بينت ضلال هذه الطريقة، والاجتماع على الذكر بصوت جماعي لا أصل له في الشرع، وهكذا الاجتماع بقول: (الله الله...) أو: (هو هو...) والاجتماع بصوت واحد هذا لا أصل له، بل هو من البدع المحدثة)([57])

قلت: هيئة كبار العلماء ولدت في القرن الرابع عشر الهجري.. فكيف تكون من السلف؟

قال: السلف عندنا منهج لا زمان.. فكل من استند إلى السلف فهو سلفي وقوله حجة كان في القرن الأول، أو في القرن الآخر.

لم أشأ أن أضيف كلمة واحدة إلى ما قاله.. فقد ذكرت لك أن له أصحابا شدادا غلاظا، وقد خشيت إن تحولت معه إلى الحديث عن هذه الهيئة وما جنته فتاواها على الأمة أن يتحول حديث اللسان إلى حديث السنان، ولذلك اصطنعت اللين، واستعملت التقية، ورحت أستفسره عن باقي ما رأيت في ذلك المجلس المبارك.

الاسم المفرد:

قلت له: جزاك الله خيرا على ما أنرتني به من علم.. فأكمل تنبيهك لي وتعليمك، فأنا تلميذك المطيع، وتابعك المخلص.

ظهر السرور على وجهه، وربت بيده الغليظة على كتفي، وقال: هذا عهدنا بك.. لقد ذكرت لك بدعية المجلس بوقته وطريقته.. وسأحدثك وأقنعك ببدعية الصيغ التي يذكرونها.. أجبني ما كانوا يقولون في أذكارهم؟

قلت: صيغ كثيرة منا الهيللة والحمدلة والحوقلة.. وغيرها.

قاطعني بسخرية قائلا: ومنها الاسم المفرد.. الله الله!؟

قلت: أجل.. ولعلهم يستندون في ذلك إلى ما ورد في القرآن الكريم من مثل قوله تعالى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً) (المزمل:8)، وقوله: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (الانسان:25)، وقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)(البقرة: من الآية114)، وقوله: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)(النور: من الآية36)، وقوله: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ)(الحج: من الآية28)

وإلى ما ورد في الحديث الذي رواه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: (الله الله)

قال: ألم يسمع هؤلاء الـأغبياء بقول ابن القيم في طريق الهجرتين (ص498) من أن الاسم المفرد (لا يفيد شيئا، ولا هو كلام أصلا، ولا يدل على مدح ولا تعظيم، ولا يتعلق به إيمان ولا ثواب، ولا يدخل به الذاكر في عقد الإسلام جملة، فلو قال الكافر (الله الله) من أول عمره إلى آخره لم يصر بذلك مسلما فضلا عن أن يكون من جملة الذكر أو يكون أفضل الأذكار)؟

قلت: ولكني قرأت أن الكثير من العلماء يجيز ذلك، بل يستحبه.. فقد قرأت عن ابن رجب الحنبلي، وهو كما تعلم من أصحابنا أنه قال في جامع العلوم والحكم (1/446): (المحب اسم محبوبه لا يغيب عن قلبه، فلو كلف أن ينسي ذكره لما قدر، ولو كلف أن يكف عن ذكره بلسانه لما صبر، كيف ينسي المحب ذكر حبيب اسمـه في فؤاده مكتـوب، كان بلال كلما عذبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول أحد أحد، فإذا قالوا له: قل واللات والعزى، قال، لا أحسنه

يراد من القلب نسيانكم    وتأبي الطبـاع على الناقل

وكلما قويت المعرفة صار الذكر يجري على لسان الذاكر من غير كلفة حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه: (الله الله) ، ولهذا يلهم أهل الجنة التسبيح كما يلهمون النفس وتصير لا إله إلا الله لهم كالماء البارد لأهل الدنيا)

قال بغضب: دعك من ابن رجب.. فقد كان به لوثة من الصوفية.. ولذلك فإن أصحابنا لا يأخذون منه في هذا الباب..

قلت: وقد قرأت عن الرازي أنه قال في تفسيره (1/155): (أما قوله: (الله) فاعلموا أيها الناس أني أقول طول حياتي (الله) ، فإذا مت أقول (الله)، وإذا سئلت في القبر أقول (الله)، وإذا جئت يوم القيامة أقول (الله)، وأذا أخذت الكتاب أقول (الله) ، وإذا وزنت أعمالي أقول الله، وإذا جزت الصراط أقول (الله)، وإذا دخلت الجنة أقول (الله)، وإذا رأيت الله قلت (الله)

قال بغضب: وهل يستشهد عاقل بالرازي ذلك الذي أكله الفلاسفة والصوفية وكل فرق الضلال.

كنت أود أن أذكر له ما قال ابن عجيبة في شرحه على متن الآجرومية (ص15)، فقد قال: (فالاسم المفرد (الله) هو سلطان الأسماء، وهو اسم الله الأعظم، ولا يزال المريد يذكره بلسانه ويهتز به حتى يمتزج بلحمه ودمه، وتسري أنواره في كلياته وجزئياته... فينتقل الذكر إلى القلب ثم إلى الروح ثم إلى السر، فحينئذ يخرس اللسان ويصل إلى الشهود)

لكني علمت أنه لا ابن عجيبة يعجبه، ولا ما قاله يمكن أن يفهمه.. فلذلك تركت الجدل معه في هذا الموضوع، ورحت أطرق موضوعا آخر.

الوقوف والتمايل في الذكر:

قلت: صدقت في هذا..

قال: بورك فيك.. فما أعظم أدبك.. عد بنا إلى ما رأيته منهم.

قلت: ذاك ما رأيت..

قال: ألم تر أنهم يقومون أحيانا في ذكرهم.. وأنهم قد يتمايلون، بل ويرقصون.

قلت: ذلك صحيح.. ولعلهم يفعلون ذلك طبعا لا شرعا.

قلت: ما تعني بذلك؟

قلت: لقد قرأت أن ابن القيم ذكر علاقة الحركة بالمحبة، فقال: (وكل حركة في العالم العلوي أو السفلي فأصلها المحبة..فلولا الحب ما دارت الأفلاك وتحركت الكواكب النيرات، ولا هبت الرياح المسخرات، ولا مرت السحب الحاملات، ولا تحركت الأجنة في بطون الأمهات، ولا انصدع عن الحب أنواع النبات، واضطربت أمواج البحار والزاخرات، ولا تحركت المدبرات والمقسمات ولا سبحت بحمد فاطرها الأرضون والسموات وما فيها من المخلوقات)([58])

ولعل هذا ما قصده أبو مدين عندما قال: 

وقل للذي ينهى عن الوجد أهله
 

إذالم تذق معنى شراب الهوى دعنا
  

إذا اهتزت الأرواح شوقاً إلى اللقا
 

نعم ترقص الأشباح يا جاهل دعنا
  

أما تنظر الطير المقفّص يا فتى
 

إذا ذكر الأوطان حنّ إلى المعنى
  

يفرج بالتغريد ما بفوائده
 

فتضطرب الأعضاء في الحس والمعنى
  

كذلك أرواح المحبين يا فتى
 

تهزها الأشواق للعالم الأسنى
  

أنلزمها بالصبر وهي مشوقة
 

وهل يستطيع الصبرمن شاهد المعنى
  

فيا حادي العشاق قم واشد قائماً
 

وزمزم لنا باسم الحبيب وروّحنا
  

نهض بغضب وقال: ما هذا الجنون؟.. أمجلسنا مجلس علم أم مجلس شعر؟ حدثني عن أقوال الفقهاء لا الشعراء، وإلا أمرت من يخرجك من بين يدي.

أصابتني رعدة من تهديده، لكني استجمعت أنفاسي، وقلت: لقد رأيتهم يستندون في هذا إلى إجازة الفقهاء المعروفين.. فقد سئل السيوطي عن (جماعة صوفية اجتمعوا في مجلس ذكر، ثم إن شخصاً من الجماعة قام في المجلس ذاكرا واستمر على ذلك الوارد الذي حصل له. فهل له ذلك سواء باختيار أم لا؟ وهل لأحد منعه وزجره من ذلك؟)

فأجاب على ذلك قائلا: (لا إنكار عليه في ذلك، وقد سُئل عن هذا السؤال بعينه شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، فأجاب بأنه لا إنكار عليه في ذلك، وليس لمانع التعدي يمنعه ويلزم المتعدي بذلك التعزير، وسُئل عنه العلامة برهان الدين الأنباسي فأجاب بمثل ذلك وزاد أن صاحب الحال مغلوب، والمنكر محروم، ما ذاق لذة التواجد ولا صفا له المشروب)، إلى أن قال في آخر جوابه: (وبالجملة فالسلامة في تسليم حال القوم، وأجاب أيضا بمثل ذلك بعض أئمة الحنفية والمـالكية، كلهم كتبوا على هذا السـؤال بالموافـقة من غير مخالفة: أقول: وكيف ينكر الذكر قائما والقيام ذاكراً وقد قال الله: (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم(آل عمران الآية191)

وذكر السنوسي في (نصرة الفقير) هذا فقال: (وقد تواتر النقل عن الصوفية قديماً وحديثاً، شرقاً وغرباً، أنهم كانوا يجتمعون لذكر الله عز و جل، ويقومون ويرقصون، ولم يبلغنا عن أحد من العلماء المعتبرين أنه أنكر عليهم. وقد رأيت بفاس بزاوية الصقليين جماعة يذكرون ويرقصون من صلاة العصر يوم الجمعة إلى المغرب، مع توفّر العلماء فلم ينكر أحد عليهم. وقد بلغني أن شيخنا شيخ الجماعة سيدي التاودي بن سودة كان يحضر معهم في بعض الأحيــان)([59])

قال: وأين شيخ الإسلام ابن تيمية من كل هذا.. أنت ذكرت السيوطي وفلان وفلان.. ولكنك لم تذكر شيخ الإسلام.

قلت: ربما يكون لابن تيمية رأي مخالف.

قال: ابن تيمية هو شيخ الإسلام، وهو كالنص القطعي، الذي لا تجوز مخالفته، ولا نص مع اجتهاد.. بل إن المحققين من أصحابنا يقدمون كلامه على كلام الله وكلام رسوله، لا تحقيرا لكلام الله وكلام رسوله، وإنما تحقيرا لفهومهم بجانب فهمه قدس سره وعلا شأنه ورفع ذكره وشرح صدره.

قلت: فما قال في هذا؟

قال: لقد ذكر أنه بدعة.. واستدل أصحابنا لهذا بأنه فعل اليهود، فقد روي في تفسير قوله تعالى: (وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)} [الأعراف]، أنه لما نشر موسى عليه وعلى نبينا الصلاه والسلام الألواح وفيها كتاب الله لم يبقى جل ولا شجر ولا حجر الا اهتز، فلذلك لا ترى يهودياً تُقرأ عليه التواره إلا اهتز وانفض لها رأسه، ثم سرت هذه العاده الى بعض المسلمين.

ففى تفسير البحر المحيط لما ذكر هذه الرواية قال: (وقد سارت هذه النزعه في بيوت أولاد المسلمين فيما رأيت بديار مصر تراهم في المكتب اذا قرءوا القرآن يهتزون ويحركون رؤسهم، وإما أولادنا بالأندلس والمغرب فلو تحرك صغيراً عند قراءة القرآن أدبه مؤدب المكتب وقال له: لا تتحرك فتتشبه باليهود في فعالهم... فتتشبه باليهود في الدراسه... فهذا تشبه باليهود)

لم أشأ أن أقول بأن هذا الدليل الذي أورده عليه لا له.. وأنه وأن شيخه ابن تيمية الذي يستند إليه يذكر جواز أخذ العقائد من كتب اليهود.. وأن الرواية ذكرت أن كل شيء تحرك لا بني إسرائيل وحدهم.. ولكني خشيت أن أفتح على نفسي أبوابا لا أستطيع سدها، فاكتفيت بأن سلمت للشيخ أمره، وداريته ببعض الكلمات، وخرجت من عنده راضيا من الغنيمة بالإياب.

قلت: فهل انقطعت عن مجالس الذكر؟

قال: كلا.. بل زادني كلامه فيها تشبثا بها.. لكني تحرزت.. فكنت أحتاط احتياطا شديدا عند ذهابي إليها، وقد أفادني ذلك كثيرا لأني كلما فعلت ذلك أتذكر رسول الله وما كان يحصل له ولأصحابه من العنت والألم إن هم جهروا بذكر الله.. وكنت أردد بيني وبين نفسي في طريقي إلى تلك المجالس قول الشاعر الصالح:

أخاطر في محبتكم بروحي
 

وأركب بحركم أما وأما
  

وأسلك كل فج في هواكم
 

وأشرب كأسكم لو كان سماً
  

ولا أصغى إلى من قد نهاني
 

ولي أذن عن العذال صما
  

أخاطر بالخواطر في هواكم
 

وأترك في رضاكم أبا وأما
  

 

أبو الوهابية الأول: ذو الخويصرة التميمي

في اليوم الحادي عشر من زيارته لي، حدثت لي أحداث عجيبة، لست أدري هل كانت من باب الكرامة، أم من باب الاستدراج، أم من أبواب أخرى.. المهم أني خرجت من عالم التاريخ والجغرافيا التي ولدت فيها إلى تاريخ جديد، وجغرافيا جديد، لا أعرف كيف انتقلت إليها، ولا كيف رجعت منها، المهم أنه كان في صحبتي في هذه الرحلة العجيبة صاحبي الوهابي، بل كان هو مرشدي فيها، وقائد العربة التي ركبناها لنصل إلى غابر الأزمان.

وقد كانت بداية هذه الرحلة أني دخلت على صاحبي الوهابي في ذلك اليوم، وأنا أريد أن أقول له: نعم أنت خرجت من سجون الوهابية، ولكنك دخلت في سجون أعدائهم.. أولئك الذين لا هم لهم إلا مواجهتهم ورد كل ما يقع من شرور إليهم.

وكنت أريد أن أقول له بكل قوة: أنت خرجت من الغلو الذي يقع فيه الوهابية لتقع في غلو أبشع وأنكى.. إنه ذلك الغلو الذي يقع فيه كل من ناصبهم العداء.. وما أكثر من ناصبهم العداء.

لكني بمجرد أن دخلت عليه، أصابني انبهار لما رأيت، فقد رأيت البيت غير البيت، والأثاث غير الأثاث، والحال غير الحال.. ووجدت فوق ذلك مع صاحبي الوهابي رجلا يكاد يشبه بعض من أرى من مشايخ الوهابية الكبار، وكأنه هو، ولولا أنه كان يرتدي ثيابا عتيقة كثياب الممثلين في الأفلام التاريخية، ويحمل فوق ذلك سيفا طويلا، ويربط في صحن بيتي فرسا، لقلت: إنه هو عينه.

بعد أن دخلت وأصابني من الانبهار ما أصابني، قام صاحبي الوهابي إلي، ومسح على صدري، فأحسست بطمأنينة عجيبة، بل أحسست بأن ما أراه هو عين ما ينبغي أن أراه، بل إني أحسست بأن الله يريد بفضله وكرمه أن ينقلني من (علم اليقين) إلى (عين اليقين) لأبصر الحقيقة بجذورها وبجميع أبعادها، فليس الخبر كالعيان.

بعد أن اطمأنت نفسي، وعلمت أن ما أراه هو الحقيقة التي حجبها التاريخ والجغرافيا عن سمعي وبصري عاد إلي وعيي، وصرت أرى وأسمع كما أرى في عالمي وأسمع.

وكان أول ما عرفته هو أن ذلك الرجل الجالس مع صاحبي الوهابي رجل ولد قبل ألف وأربعمائة سنة، وأن اسمه هو (ذو الخويصرة التميمي)، وقد قدم لي نفسه بعنجهية وغرور قائلا: أنا حرقوص بن زُهير.. ذلك الذي يلقبوه ب (ذي الخويصرة التميمي).. ذلك الرجل الذي استطاع أن يخرق تلك البلادة وذلك الذل الذي كان يعيشه من كانوا يسمون أنفسهم (أصحاب محمد).. لقد رأيتهم لا يكادون يرفعون أصواتهم مع محمد مع أنه بشر كالبشر يأكل ويمشي في الأسواق، ويعتريه ما يعتري البشر من العلل والأمراض.

لقد سمعت قبل أن أحضر إليه وأواجهه بكل قوة أن رجلا من الأصحاب يقال له أبو أيوب الأنصاري ذلك الرجل الذي أوى إلى بيته محمد بعد أن وصل إلى المدينة، لقد حدثني المحدث عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفل وكنت وأم أيوب في علو - يعني: في الشرفة العليا- قال: فما طابت نفسي فقلت: يا رسول الله! كن أنت في علو ونكون نحن في السفل، فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: إنه أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في السفل، فكان أبو أيوب يسير على حافة حجرته لا يسير في الوسط، يقول: حتى لا أطأ بقدمي فوق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: انكسر إناء ماء، فجئت بلحاف ليس لي ولا لـأم أيوب غيره، فجعلنا ننشف الماء حتى لا يقع شيء منه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([60])

وسمعت كذلك أنه لما كان يوم أحد حاص أهل المدينة حيصة، وقالوا: (قتل محمد)، حتى كثرت الصوارخ في ناحية المدينة، فخرجت امرأة من الأنصار متحزمة، فاستقبلت بابنها وأبيها وزوجها وأخيها، لا أدري أيهم استقبلت به أولا، فلما مرت على آخرهم، قالت: من هذا؟ قالوا: أبوك أخوك زوجك ابنك، فقالت:  ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: إنه أمامك، فلم ترض حتى دفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذت بناحية ثوبه، ثم قالت: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا أبالي إذ سلمت من عطب)([61])

وسمعت من بعضهم أن سافك دمي، ابن عم محمد، ذلك الذي لا أطيق أن أسميه سئل: كيف كان حبكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟  فقال: (كان والله أحب إلينا  من أموالنا وأولادنا و آبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ)

وحدثني آخر أن خبيبا لما وضع المشركون فيه السلاح وهو مصلوب نادوه وناشدوه: أتحب محمدا مكانك؟ فقال: (لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه) ([62])

وحدثني آخر عن أنس: (لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحلاق يحلقه، وقد أطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعره إلا في يد رجل)

وحدثني آخر عنه قال: دخل علينا النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال عندنا فعَرِق، وجاءتْ أمِّي بقارورة، فجعلتْ تسلت العرقَ فيها، فاستيقظ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يا أمَّ سليم، ما هذا الذي تصنعين؟!)، قالت: (هذا عرقك نجعله في طِيبنا، وهو مِن أطيب الطِّيب)([63])

وحدثني آخر عنه أنه ذكر حالَ أصحاب محمد عندَ القدوم إليه، وحرْصهم على عدمِ إيذائه، فقال: (كانت أبواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم تُقرَع بالأظافير)([64])

وحدثني آخر عنه قال: (لما كان اليومُ الذي دخَل فيه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة أضاء منها كلُّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظْلم منها كلُّ شيء، ولما نفضْنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأيدي، وإنا لفي دفْنه، حتى أنكرْنا قلوبنا)([65])

وحدثني آخر أن عروة بن مسعود حين وجهته قريش عام الحديبية إلى محمد، ورأى من تعظيم أصحابه له ما رأى، وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، وكادوا يقتتلون عليه، ولا يبصق بصاقاً إلا تلقوه بأكفهم فدلكوا به وجوههم وأجسادهم، ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له.. فلما رجع إلى قريش قال: (يا معشر قريش، إني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه)

ولذلك كانوا من بلادتهم لا يعلقون على ما يقول ولا يعقبون على ما يحكم به، وقد حدثني بعضهم عن ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم رأَى خاتمًا مِن ذهَب في يدِ رجُل فنَزَعه فطرَحه، وقال: (يَعْمَد أحدُكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يدِه)، فقيل للرجل بعدَما ذهب رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: (خذْ خاتمَك انتفع به)، قال: (لا واللهِ لا آخذه أبدًا وقد طرَحه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم)([66])

بل إن هذا التعظيم استمر إلى ما بعد وفاته، فقد حدثني بعضهم عن عدوي اللدود (عمار بن ياسر) قال: رأيت عمار بن ياسر دعا غلاماً له بشراب، فأتاه بقدح من لبن فشربه ثم قال: صدق الله ورسوله، اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن آخر شيء أزوده من الدنيا ضيحة لبن)([67])

بعد أن ذكر لي هذا نظر إلى حصانه الواقف بجانبه، وقال: لقد رأيت من هؤلاء وسمعت منهم ما ملأني احتقارا لهم.. لقد صاروا في ناظري أذل من هذا الحصان الذي تراه أمامك.. ولذلك واجهته بتلك الكلمة التي حفظها التاريخ.. والتي لا أزال أصر عليها.. بل أجد لذة كلما ذكرتها.. لعلها لا تقل عن لذة إبليس عندما رفض السجود لآدم..

نعم.. هكذا أنا.. لقد رفضت السجود لمحمد.. ولذلك واجهته.. أتدري ما قلت له؟

قلت: وماذا قلت له؟

ضحك ضحكة عالية، وقال: لقد قلت له: (يا محمد اعدل فإنك لم تعدل)

بمجرد أن قال هذه الكلمة شعرت كأن الأرض تزلزل من تحت قدمي، ثم أبصرته والأرض تخسف به وبسيفه وفرسه، ثم ثارت زوبعة عظيمة لم أفطن بعدها إلا وأنا في بيتي الذي عاد إلى سابق عهده، وبجانبي صاحبي الوهابي ينظر إلي، ويبتسم، فقلت: ما الذي حصل؟ من كان معنا؟

قال، وهو يبستم: لقد ذكر لك اسمه وأصله وفصله.. فلم تسألني؟

قلت: ما الذي حصل لي؟.. هل كنت في يقظة أم في حلم؟

قال: بل كنت في يقظة.. وما رأيته هو ما ينبغي أن يراه كل المسلمون الذين استحوذ عليهم الشيطان، فعادوا إلى ذي الخويصرة يتتلمذون عليه، ويتربون على يديه، متناسين تحذير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منه، ومن أبنائه وأحفاده؟

قلت: أتقصد أن الوهابية من أبنائه وأحفاده.. نعم لقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه (يخرج من ضئ ضئ هذ أقوام تحقرون صلاتكم عند صلاتهم وصيامكم عند صيامهم يمرقون من الإسلام كم يمرق السهم من المرية).. لكنهم ليسوا كلهم من بني تميم.. فقط شيخهم من بني تميم.. لكنه مع ذلك من بطن آخر فحرقوص بن زهير السعدي من بني سعد الذين يرجعون لبطن بني زيد بن مناة من تميم.. أما محمد بن عبد الوهاب فهو من آل مشرف ، وهم يرجعون لبني حنظلة الذين يتبعون بطن بني مالك من تميم.

قال: ذاك نسب الطين.. ونحن نتحدث عن نسب الروح.. نتحدث عن النسب الذي يختاره الإنسان لا النسب الذي يفرض عليه.. فلا يحاسب الإنسان على ما يفرض عليه.

قلت: فما الجامع بين ذي الخويصرة وهؤلاء الخلف الذين خلفوه؟

قال: سوء الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

قلت: ولكن خلف ذلك السلف يذكرون أنهم يتأدبون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

قال: هم يتأدبون معه بشرا لا رسولا.. ولذلك هم يقولون له من حيث لا يشعرون (اعدل يا محمد فإنك لم تعدل)

قلت: لم أسمعهم يقولون هذا.

قال: بل يقولون ما هو أبشع منه؟

قلت: ما تقول؟

قال: ألا تراهم يحرمون التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويقولون: إن المتوسل بغير الله مشرك، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علم الأعمى دعاءً ليتوسل فيه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

ألا تراهم يحرمون التبرك بآثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعتبرونه شركا مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علم أصحابه التبرك بآثاره..بشعره.. وأظفاره.. وثيابه، كما فعل في حجة الجعرانة حيث حلق شعره وقسمه بين الصحابة للتبرك([68]).. وكذلك لما قلم أظفاره ووزع قلامة أظفاره على الصحابة ([69]).

ألا تراهم يحرمون زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من زار قبري وجبت له شفاعتي)([70])؟

ألا تراهم يحرمون الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مع أن المسلمين بعلمائهم وعوامهم منذ زمن بعيد يقيمون الاحتفالات في كل العالم الإسلامي، ولم يحرم ذلك عالم واحد معتبر؟

ألا تراهم يحرمون الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الآذان جهراً، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من ذكرني فليصلِ علي)([71])؟

ألم تعلم أنهم يتصورون أن الغضب يستفزه، فينطق في حال استفزازه بما لا ينطق به إلا الجهال وأهل الفحش من الدهماء؟

نهضت غضبا، وقلت: يستحيل أن يقول هذا مسلم؟

قال: بل هم يرددونه كل حين، ويستدلون لذلك بما وضعه بنو أمية من أحاديث تشوه عظمة النبوة.. لقد رووا يروون أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلان فكلماه بشيء فأغضباه، فلعنهما وسبهما.. ثم لما رجع إلى وعيه بحسب تصورهم قال: (اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببتة فاجعله له زكاة وأجرا) ([72]) مع أن الله تعالى يقول عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما ينطق عن الهوى)

ثم إنهم لسوء طالعهم يطبقون هذا الحديث على أولئك الطلقاء المجرمين ليصوروا أن رسول الله عندما دعا عليهم أراد الخير لهم.. لقد قال ابن كثير في ترجمة معاوية بن أبي سفيان: (وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه.. أما في دنياه: فإنه لما صار إلى الشام أميراً، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً، ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك.. وأما في الآخرة: فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة.أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلاً فاجعل ذلك كفارةً وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة)

قلت: بلى.. أعلم ذلك..

قال: لولا أن تتهمني بالمسارعة في الأيمان لذكرت لك بأن تعظيمهم لمعاوية وإخوانهم من الطلقاء أعظم من تعظيمهم لرسول الله.. ولكن دعنا من ذلك الآن.. فله حديثه الخاص.

قلت: هلا ذكرت لي ما حصل بالضبط؟

قال: ألا تعرف أن لله من القدرة ما يقهر التاريخ والجغرافيا؟

قلت: بلى.

قال: هذا من ذاك.

قلت: ولكن سنة الله جرت باحترام التاريخ والجغرافيا.

قال: وهذا من سننه..

قلت: كيف؟

قال: لن تفقه هذا حتى تفقه سر قوله تعالى: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)(النمل: من الآية40).. فهل ترى أن في أصحاب العلوم من أهل عصرك من يطيق أن يفعل ما فعل هذا الرجل؟

قلت: لا.

قال: فهل ذكر الله أن ما حصل له كان خارقا؟

قلت: لا.. بل ذكر أنه ممن أوتي علم الكتاب.

قال: فاصحب أهل الله لتعلم سر هذا العلم.. وحينها سترى العجائب.

قلت: أخاف أن أصحبهم، فأحجب عن رسول الله.

قال: أعظم حجاب عن رسول الله أن لا تصحبهم.. لأنك إن لم تصحبهم، فستصحب نفسك الأمارة بالسوء، أو ستصحب أولئك الذين أدخلوني في سجونهم.. أو ستصحب أي شيطان من الشياطين.. ليس هناك في العالم إلا صاحبان: أهل الله وحزبه.. أو أهل الشيطان وحزبه.. وأنت بالخيار بينهما.. ولن تحاسب إلا على اختيارك.

 

البربهاري.. والرعب الوهابي

في اليوم الثاني عشر من زيارة صاحبي الوهابي، وقبل أن أمر عليه كما أمر كل صباح، شغلت حاسوبي لأطل على بريدي الإلكتروني، فوجدت رسالة من شخص لا أعرفه يسمي نفسه باسم غريب هو (البربهاري)([73]) يدعوني فيها إلى الانضمام إلى جماعته التي تريد أن تحيي من أمر الأمة ما أماتته الأيام.

ويشهد الله أني مع ما أملكه من القوة والأناة ضعفت أمام تلك الرسالة، فقد هددني فيها بما لا طاقة لي بمواجهته، بل لا طاقة لأحد بمواجهته، ثم ختمها بنفس ما بدأها به قائلا: (إن لعنة الله وغضبه وعقابه الشديد يحل على كل من قرأ هذه الرسالة، ولم يرسلها إلى كل من يعرفه من أصدقائه أو غيرهم، ومن قصر في ذلك أو تخاذل فيه أو سخر منه أو استهزأ به، فهو كالمستهزئ بالقرآن سواء بسواء.. ومن استهزأ بالقرآن فهو في نار جهنم خالدا مخلدا)

لم أجد ما أفعل أمام هذا الموقف المحرج المرعب، غير أن أسرع بالتخلص منها بإرسالها إلى كل من أعرف لأضمن أن لا يصيبني ذلك الوعيد الذي صبه على كل من فرط في رسالته، لكني ما إن كتبت أول عنوان أعرفه حتى لاحت لي صورة صاحبه، وهو يتألم ألمي ويحزن حزني، فكففت عنه، لأكتب عنوانا آخر، فتذكرت أنه مريض ضعيف قد يقضي عليه ما أرسله، فأكون سببا في قتله، فتركته إلى عنوان آخر، فتذكرت أنه صاحبه ضعيف الدين، وأن هذه الرسالة لن تقضي عليه هو وإنما تقضي على البقية الهزيلة التي يملكها من الدين.

بعد أن مررت على كل عنوان من العناوين التي أحتفظ بها لم أجد أحدا يصلح لهذه الرسالة، فطبعتها، ثم قلت في نفسي: إن أولى الناس بها هو صاحبي الوهابي، فلا شك أنها ستسعده، وأنه سيستبدل الوهابية بالبربهارية.

ذهبت إليه مسرعا، فوجدت بيتي قد عاد إلى التاريخ من جديد، وكل ما رأيته في اليوم السابق قد عاد، وعاد معه رجل كث اللحية، على وجهه ترتسم كل ألوان القسوة والشدة، وعلى رأسه قبعة حمراء كقبعة الأزهريين، ولكن الحمرة فيها أشبه بحمرة الدماء منها بحمرة الأزهار، وقد شبهته برجل لا يزال بيننا.. يظهر كثيرا في القنوات الفضائية.. قد زاد في الغباوة والحمق عن كل أقرانه ينطبق عليه تمام قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) (سورة القلم)

بمجرد أن دخلت أمسكني من تلابيبي، وقال: لا شك أنك الشيطان، أو من إخوان الشياطين يا نجس يا خبيث يا معتوه.. أقسم بالله لأوقفنك عند حدك، أو لأضعنك مع آبائك وأمهاتك وأهل بلدك تحت نعلي الطاهرة هذه..

كان الرجل ينطق كما تنطق المدافع، ويقلقل كل الحروف لا يستثني منها أحدا.. وكان مع كل قلقلة يزرع ألغاما في صدري تضيف إلى الرعب الذي أصابني من الرسالة رعبا جديدا..

لم أملك إلا أن أسلم الرسالة إليه، وأنا مشدوه لا أعرف ما أقول..

فتح الرسالة، وقرأها، ثم ربت على كاتفي، وقال: أحسنت.. أحسنت.. لم أكن أتصور أنك من جماعتي.. اغفرها لي.. وإلا فإني أقسم بالله أن الله سيصيبك بعذاب شديد دونه كل عذاب.

قلت مبادرا: غفرت لك.. غفرت لك..فلا تعذبني.

لكمني بشدة، وقال: أيها المشرك ماذا تقول؟ هل أنا إله حتى أغفر.. وهل أنا إله حتى أعذب.. لاشك أنك قبوري.. فالقبوريون وحدهم من يجعلون الله كخلقه.. أقسم بالله إن كنت منهم فإن دمك حلال.. وزوجتك طالق.. ولن تحلم أبدا بأن تدفن بعد قتلك في مقابر المسلمين.. بل سترمى كما ترمى الجيف في المزابل.. وفوق ذلك عذاب شديد يصب على كل جزء منك.

لم أدر ما أقول، فقد امتلأت رعبا من مفرق رأسي إلى أخمص قدمي.. لكني تمالكت نفسي، وقلت لها: ما دامت مقتولا لا محالة.. ومعذبا لا محالة.. فعلام الرعب، فلأمت رجلا خير من أن أموت كما تموت البهائم.

شجعتني هذه المقالة فدفعت الرجل بكل ما أوتيت من قوة، وقد تعجبت إذ أني بمجرد أن دفعته تلاشى وتلاشى معه كل ما كان في بيتي من تاريخ وجغرافيا، بل عاد بيتي إلى ما كان عليه، وعاد معه صاحبي الوهابي الذي نظر إلي مبتسما، وقال: هكذا ينبغي أن تدفع هؤلاء الحمقى والمغفلين.

قلت: لم أدفعه بقوة كبيرة.. فقد كنت ممتلئا بالضعف.

قال: لو أنك نفخت عليه لزال، ولو بصقت عليه لغرق.

قلت: أهو بهذا الضعف؟

قال: أجل.. هو كالشيطان.. نعم هو مرعب.. لكنه ضعيف جدا تكفي الإرادة والعزيمة لقهره والتغلب عليه.

قلت: لكنه هددني بجهنم.

قال: ولو أنك ركنت إليه لجرك إليها.. فلا تخلف من جهنم التي يهدد بها فليست ناره سوى الجنة، وليست جنته سوى النار.. ألا تعرف حديث الدجال؟

قلت: بلى.. فقد ورد في بعض الروايات إشارة إلى هذا.

قال: فهكذا جنة هؤلاء ونارهم.. ألا ترى أنهم يرسلون الشباب الغر لينسف نفسه ويدمر الحياة ويعدونه بالجنة مقابل ذلك؟

قلت: بلى.. وللأسف أرى شبابا في عز الشباب يستسلمون لهم.

قال: لا يستسلم لهم إلا جبان لا يعرف ربه.. فالله هو رب الجنة والنار.. هو رب الإسلام والكفر.. وهو رب كل شيء ومليكه، وأعظم شرك أن تخاف من الخلق إن هددوك بجهنم، فجهنم كالجنة لا يملكها إلا صاحبها سبحانه وتعالى.

قلت: لكأني بك تشير بهذا إلى شيء لم أفهمه.

قال: أشير إلى الوهابية.. وإلى البربهاري..

قاطعته قائلا: ذكرتني بالرسالة التي أرسلها إلي..

ابتسم، وقال: لقد تلاشت كما تلاشى.

قلت: من؟

قال: الرسالة ومرسلها.

قلت: لم أفهم.

قال: لقد وردت إلى بريدك الالكتروني رسالة تهديد من البربهاري، وجئت بها إلي، فلاقاك البربهاري نفسه، وملأك رعبا إلا أنك استطعت أن تتخلص منه.

قلت: إن ما تذكره عجيب.. فلم يطلع على تلك الرسالة غيري.. ثم هل كان البربهاري مرسل الرسالة هو من كنت أتحدث إليه؟

قال: أجل.. لقد كان خياله وروحه وحقيقته هي التي كنت تتحدث إليها، وكانت روحه التي تقمصها الوهابية هي من أرسلت لك الرسالة.. إن الرعب هو الوسيلة التي يستخدمها الوهابيون ليكثروا سوادهم.. إنهم بصكوك الغفران والحرمان التي يتصورون أنهم يملكونها يضمون كل يوم آلاف الأغرار المغفلين..

قلت: ومن هو البربهاري، ولم يتقمصه الوهابية؟

قال: البربهاري سلف من سلف الوهابية، ورمز من رموزهم، وشعار من شعاراتهم، واسم من أسمائهم، وسم من سمومهم.. إنه واحد في التاريخ لكنه آلاف في الجغرافيا.. إنه الآن في العراق يدمر وينسف الزوار والطيبين من المؤمنين.. وإنه الآن في مصر يتربع على المنصات يخطب ويتفاصح ويقلقل الحروف ليحول من سلام الإسلام رعبا ومن جماله دمامة، وإنه الآن في سورة يقوم بالعمليات ليقتل البراءة، ويقتل معها كل شيء..

قلت: أسألك عن تاريخ البربهاري لا عن جغرافيته.. فمن هو؟

أخذ كتابا كان بجانبه، ثم فتحه، وقال: سأقرأ لك نصين لتعرف من هو البربهاري، أما الأول، فقد ذكر ابن بطة أن بعض المحبين للبربهاري ممن يحضر مجلسه من العوام مر وهو سكران على بدعي، فقال البدعي: هؤلاء الحنبلية، فرجع إليه وقال: الحنبلية على ثلاثة أصناف: صنف زهاد يصومون ويصلون، وصنف يكتبون و يتفقهون، وصنف يصفعون كل مخالف مثلك وصفعه وأوجعه.

قلت: ما تعني بنقلك لهذا النص؟

قال: إن الوهابية تنقل هذا النص، وتفخر به، وتعتبره مكرمة من مكارم سلفها البربهاري.

قلت: وما فيه من الحرج؟

قال: ألا ترى من خلال النص كيف يعظم البربهاريون السكارى، وكيف يحترمون صفعاتهم، وكيف ينشرون الرعب الجسدي في المخالفين لهم؟

ثم انظر كيف لم يستطع هذا المحب للبربهاري أن يتخلص من خمره، بل فوق ذلك كيف يستعلي على المخالف، بل يصفعه.. وقد ذكر المؤرخون أنه كان للبربهاري مليشيات تنشر الرعب في المجتمع، وأن محمدا بن عبد الوهاب اقتدى به في صناعة مثل هذه المليشيات.

قلت: أجل.. النص واضح في الدلالة على ما ذكرت.. وما فعله معي في أول مقابلة لي به حصل لي منه بعض أثر تلك الصفعات.. فهات الثاني.

فتح كتيبا صغيرا كان يحمل عنوان (شرح السنة)، ثم راح يقرأ: (وجميع ما وصفت لك في هذا الكتاب فهو عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وعن التابعين وعن القرن الثالث إلى القرن الرابع فاتق الله يا عبد الله وعليك بالتصديق والتسليم والتفويض والرضى بما في هذا الكتاب ولا تكتم هذا الكتاب احدا من أهل القبلة فعسى الله أن يرد به حيرانا من حيرته أو صاحب بدعة من بدعته أو ضالا عن ضلالته فينجو به فاتق الله وعليك بالأمر الأول العتيق وهو ما وصفت لك في هذا الكتاب فرحم الله عبدا ورحم والديه قرأ هذا الكتاب وبثه وعمل به ودعا إليه واحتج به فإنه دين الله ودين رسوله وأنه من استحل شيئا خلافا لما في هذا الكتاب فإنه ليس يدين الله بدين وقد رده كله كما لو أن عبدا آمن بجميع ما قال الله عز وجل إلا أنه شك في حرف فقد جميع ما قال الله وهو كافر كما أن شهادة أن لا إله إلا الله لا تقبل من صاحبها إلا بصدق النية وخالص اليقين وكذلك لا يقبل الله شيئا من السنة في ترك بعض ومن خالف ورد من السنة شيئا فقد رد السنة كلها فعليك بالقبول ودع المحال واللجاجة فإنه ليس من دين الله في شيء وزمانك خاصة زمان سوء فاتق الله)([74])

التفت إلي، وقال: هذا هو دستور الوهابية وإنجيلهم وتلمودهم وقرآنهم.. وهو أول ما يملؤون به أتباعهم.

قلت: لقد ذكرني كلامه هذا بالرسالة التي وصلتني.

قال: إنه منهج واحد.. منهج يعتمد الرعب والتخويف والإرهاب، ويسلط جميع أسلحة الدنيا والآخرة في سبيل ذلك.

قلت: أيقنت بما تقول.. ومع ذلك فأصدقك أن في نفسي شيئا.

أعطاني الكتاب، وقال: أفهمك جيدا.. إنك تقول ربما يكون كلامه صحيحا، فلعله لم يضع في هذا الدستور الوهابي إلا المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة.

قلت: بوركت فراستك.

قال: افتح أي صفحة من الكتاب، واقرأها علي..

فتحت صفحة، وقرأت قوله: (واعلم أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب ولكن العالم من اتبع الكتاب والسنة وإن كان قليل العلم والكتب ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة وإن كان كثير الرواية والكتب)([75])

نظرت إليه، وقلت: كلام جميل.

قال: ولكن مقصده خبيث.. وبه اقتدت الوهابية في احتقار العلم وأهله.. إنهم يحتقرون العلم والبحث لأنه لا ينسفهم شيء مثلما ينسفهم البحث العلمي.. ولهذا تراهم يحذرون من العلم والعلماء خشية أن يطلع الناس على ما يكتمونه من الحقائق.

فتحت صفحة أخرى، فقرأت قوله: (وأقل من النظر في النجوم إلا بما تستعين به على مواقيت الصلاة واله عما سوى ذلك فإنه يدعو إلى الزندقة)([76])

قال: ألا ترى أن هذا النص مناقضا للنصوص القرآنية الكثيرة التي تأمر بالنظر في السموات والأرض؟

قلت: بلى.. فالله تعالى اعتبر الذين يتفكرون في السموات والأرض من أولي الألباب، قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)(آل عمران)، بل إن الله تعالى أمر بالنظر في السموات، فقال: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) (يونس)، بل إنه عاتب الذين لا ينظرون، فقال: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)(الغاشية)

فتحت صفحة أخرى، فوجدت فيها قوله: (واعلم أنه ما عبد الله بمثل الخوف من الله وطريق الخوف والحذر والشفقات والحياء من الله تبارك وتعالى واحذر أن تجلس مع من يدعو إلى الشوق والمحبة ويخلو مع النساء وطريق المذهب فإن هؤلاء كلهم في ضلالة)([77])

قال: ألا ترى كيف يغلبون الخوف على الرجاء.. والرعب على المحبة.. لأنه برجاء الله ومحبته ينسفون ويزولون ويذوبون.. فالله الرحمن الرحيم الحنان المنان أكبر عدو لهم، لأنه عدو جهنم التي يتوعدون بها الناس؟

***

بقيت مع صاحبي الوهابي عشيتنا تلك مع الكتاب نقرؤه ونناقشه، وقد فهمت من خلاله سر تركيز الوهابية على الرعب.. فالرعب - عندهم- هو الأسلوب والوسيلة والهدف.. فلا يمكن أن يستعبدوا من يريدون استعباده من غير هذا المنهج الشيطاني.

معاوية.. والصحبة المزيفة

في اليوم الثالث عشر من زيارة صاحبي الوهابي، ذهبت إلى المسجد الجامع لأداء صلاة الجمعة، معاهدا الله في طريقي إلى المسجد أن لا أنشغل عن الخطبة بأي شاغل، وأن أنفذ كل ما فيها حرفا حرفا وكلمة كلمة لأتحقق في ذلك بما وصف الله به المؤمنين حين قال: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر:18)

لكني بعد أن طبقت المعاهدة الأولى، فاستمعت إلى حروف الخطبة وكلماتها، ولم يفتني منها حرف واحد ولا كلمة واحدة، احترت في المعاهدة الثانية إذ أن تنفيذها يحتاج مني إلى جهد كبير، وإلى معاصي كثيرة، وإلى نفس ممتلئة حقدا، وقلب ممتلئ ضغينة، ويد يسهل عليها أن تبطش بما تشاء وكيف تشاء، وبطن يأكل ما هب ودب غير مراع حلا ولا حرمة، ولم يكن من السهل علي أن أحصل كل هذه الوسائل.

لقد بدأ الخطيب خطبته حول صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفضلهم وضرورة الاقتداء بهم.. وكنت أصغي إلى ذلك متأثرا، وفي خيالي بلال وعمار وأبو ذر والمقداد وسلمان وغيرهم من الصادقين السابقين الذين تضمخت الدنيا بعطر جمال سيرهم، وحسن أخلاقهم، وعظيم تدينهم، وعظم صحبتهم.

لكن الخطيب صاحب اللحية الطويلة والقميص القصير راح يفسد ما بدأه، ويطبق مواصفات الجمال على الدمامة، ومواصفات التدين على النفاق، ومواصفات الصحبة الراقية على الصحبة المزيفة..

فبعد أن ملأ عقول الناس وقلوبهم بمحبة الصحابة، راح ينتقل من الجملة إلى التفصيل ليضرب المثال بمعاوية بن أبي سفيان.. واصفا له بأوصاف تنهد لها الجبال، ضامنا له الجنة، وضامنا لمن تكلم فيه العذاب، بل طالبا من ولي الأمر أن يسلط سيف قهره على من تكلم في خال المؤمنين وكاتب الوحي وأول ملك في الإسلام، وأول من ركب بحر الروم للغزو، وأول من اتخذ السيف لتأديب الناس بدلا عن العصى، وأول من جلس في خطبة منبرية لترهل جسمه وعجزه عن القيام طويلا، وأول من أقام على رأسه حرسا، وأول من قيدت بين يديه الجنائب، وأول من اتخذ الخصيان، وأول من قتل مسلما صبراً، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة، وأول  من أخذ البيعة لابنه، وكان يقول أنا أول الملوك([78]).

وهذا ما جعلني محتارا في كيفية تقليد معاوية لأني أحتاج إلى محاربة رجل في طهر علي وصفائه وسلامه وإيمانه.. وأحتاج أن يكون لي ابن كيزيد أعلمه كيف يرتاد الحانات ويلاعب القردة.. وأحتاج إلى أن أقوم بانقلاب على دولة العدل مستغلا أي قميص من القمصان.. وأحتاج أن يكون لي بطن كبطنه لآكل فلا أشبع، وأجمع فلا أمل..

كانت هذه الأشياء جميعا متطلبات أساسية لتقليد هذا الصحابي العظيم الذي نسي الناس بسببه بلالا وعمار وأبا ذر والمقداد أولئك الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحبهم.

ذهبت بذلك الهم إلى بيتي، لعلي أجد عند صاحبي الوهابي التائب ما ينفس عن كربي، لكني ما إن طرقت الباب وفتح لي حتى فوجئت بأن الفاتح رجل بطين تنطبق عليه جميع أوصاف معاوية التي ملت أسماعنا من سماعها.

سألته مستغربا: من أنت؟ وكيف دخلت بيتي؟

قهقه بصوت عال، وقال: منذ متى صار بيتك.. إن أي محل أكون فيه يصبح ملكا لي.. ألم تعلم أني ملك الإسلام الأول؟ 

قلت: ملك الإسلام الأول – كما ذكر لنا خطيب الجمعة- هو معاوية بن أبي سفيان.

غضب الرجل، وقال: أتقولها هكذا حافية.. ترض عنه وعلى أبيه وإلا جمعت عليك أهل حارتك.. ألا تعلم أنه صحابي جليل.. ألا تعلم أن الغبار الذي أصابه مع محمد أفضل من جميع الغبار الذي أصاب أي مجاهد في أي زمن؟

قلت: اعذرني فأنا لا أعتبر الترضي سنة ولا مشروعا.. فنحن لم نؤمر به في كتاب ولا سنة.. وكل ما ورد فيه اعتباره شعارا لدولة من الدول، وجماعة من الجماعات، وأنا لا تعنيني الشعارات ولا الجماعات..

غضب، وقال: أنت من أتباع أبي تراب إذن؟

قلت: ومن أبو تراب؟

قال: ذلك الرجل الذي لم يهنأ لي بال حتى ووري في الثرى.. لقد كان كابوسا ثقيلا جثم على حياتي فترة من الزمن إلى أن قيض الله بعض الأغبياء لينوب عني في قتله.

قلت: من أنت؟ وما علاقتك بعلي؟

قال: أنا عدو علي الأول.. أنا أول ملك في الإسلام.. أنا معاوية.

قلت: ما أكذبك من رجل.. إن معاوية أكله تراب الأرض منذ زمن طويل.

قال: وقد أحياني قومك.. إنهم يصرخون في كل حين بمناقبي.. وقد جعلوني رمزا للإسلام، وناطقا باسمه.. فأنا الآن هو الإسلام.. فمن تعرض لي تعرض للإسلام نفسه.

نعم إن محمدا أوحى الله إليه بالإسلام.. ولكني بعد أن تدبرت فيما أوحي إليه وجدت أن الحياة لا يمكن أن تستقيم معه.. فلذلك وضعت إسلاما جديدا.. إسلاما يستطيع أن يجمع بين العقل والقلب والنفس وكل الطاقات.. يستطيع أن يجعلك ثريا في منتهى الثراء تكتنز لحما وشحما، ولو مات غيرك جوعا وفقرا.. ألا تعلم ما حصل بيني وبين أبي ذر؟

قلت: أعلم ذلك.. وقد نفي أبو ذر بسببك إلى صحراء الربذة ليموت شهيدا فيها.

ابتسم، وقال: لا يهمني أن يكون قد مات شهيدا أو مات جيفة.. المهم عندي أن قومك نسوا أبا ذر وذكروني، ومقتوا أبا ذر ومجدوني.. هل رأيت أحدا من الناس يعرف أبا ذر؟

لم أجد ما أقول، فأبو ذر ذلك الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ماأقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء.. أصدق لهجة من أبي ذر)([79])، وقال: (إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم، قيل: يا رسول الله سمهم لنا قال: علي منهم (يقول ذلك ثلاثا) وأبو ذر والمقداد وسلمان أمرني بحبهم وأخبرني أنه يحبهم)([80]) لا يكاد يعرفه أحد..

قهقه معاوية في وجهي، وهو يقول: لا يعرفونه فقط، بل إنهم يسبونه أيضا.. ألا ترى أنهم يعتبرونه تلميذا غبيا لذلك الذي يسمونه ابن السوداء؟

قلت: بلى.. أراهم يذكرون أن ابن السوداء أو من يطلقون عليه (عبد الله بن سبأ) لقي أبا ذر في الشام وأوحى إليه بمذهب القناعة والزهد، ومواساة الفقراء، ووجوب إنفاق المال الزائد عن الحاجة، وجعله يعيب معاوية، فأخذه عبادة بن الصامت إلى معاوية، وقال له: هذا والله الذي بعث إليك أبا ذر فأخرج معاوية أبا ذر من الشام([81]).

بل حاول أحمد أمين أن يوجد شبها بين رأي أبي ذر ورأي مزدك الفارسي، وقال بأن وجه الشبه جاء من أن ابن سبأ كان في اليمن، وطَوَّف في العراق، وكان الفرس في اليمن والعراق قبل الإسلام، فمن المحتمل القريب أن يكون قد تلقى هذه الفكرة من مزدكية العراق، واعتنقها أبو ذر حسن النية في اعتقادها([82]).

قهقه بصوت عال، وقال: حتى أحمد أمين استطاع أبنائي الوهابية أن يجروه إلى صفوفهم.. ألا ترى مبلغ قوتي؟

قلت: بلى.. لقد استطعت أن تنسي الناس كبار السابقين لتحل بدلهم.

قال: ليس ذلك فقط.. لقد استطعت فوق ذلك أن أضع بدلهم قوما آخرين ممتلئين قسوة وغلظة وجفاء، لأقول للعالم عبر أبنائي البررة من الوهابية إن هؤلاء هم تلاميذ محمد وأصحابه.. هل تعرف بسر بن أرطأة؟

قلت: أسمع باسمه كثيرا على المنابر.. وهم يترضون عليه صباح مساء، ويلعنون أعداءه صباح مساء مع أن المحدثين والمؤرخين يذكرون عنه ما تنهد له الجبال، فقد قال فيه الشوكاني: (ولا يرتاب منصف أن الرجل ليس بأهل للرواية، وقد فعل في الاسلام أفاعيل لا تصدر عمن في قلبه مثقال حبة من إيمان، كما تضمنت ذلك كتب التاريخ المعتبرة)([83])

وقال فيه الطبراني: (فلما ملك معاوية بعث رجلا من قريش يقال له بسر بن أرطأة وقال له لقد ضممت إليك الناحية فأخرج بجيشك فإذا خلفت أفواه الشام فضع سيفك فاقتل من أبى بيعتي حتى تصير إلى المدينة ثم ادخل المدينة فاقتل من أبى بيعتي ثم اخرج إلى حضرموت فاقتل من أبى بيعتي)([84]).

وقال فيه القرطبي: (يسر هذا ولد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه، وهو الذي ذبح طفلين لعبيد الله بن العباس ففقدت أمهما عقلها فهامت على وجهها، فدعا عليه علي رضي الله عنه أن يطيل الله عمره ويذهب عقله، فكان كذلك. قال يحيى ابن معين: كان بسر بن أرطأة رجل سوء) ([85])

ابتسم، وقال: لا يهمني ما يقوله هؤلاء.. يهمني فقط ما يقوله الوهابية المعاصرون لكم.. إنهم يعتبرونه صحابيا جليلا.. وهذا يكفي لأن يهيلوا عليه من القداسة ما يجعله قدوة لكل إرهابي سفاح ظالم..

لقد كان بسر من تلاميذي الأوفياء.. وقد استنسخت منه في عصركم الكثير.. كل الذي تراهم يمتلئون حقدا وإرهابا هم نسخ من ذلك الصحابي الجليل الوفي بسر بن أرطأة.. لقد كان شخصية دموية لم ترحم شيخا ولا امرأة ولا طفلا.

قلت: للأسف أسمع الكثير يذكره بخير.. ويعتبره من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلاميذه الأوفياء.

قال: وهكذا استطعت أن أحول محمد إلى أستاذ عريق للإرهاب.. فمن تخرج على يديه مثل بسر لا يمكن إلا أن يكون إرهابيا.

قلت: فقد كان قصدك إذن من كل هذا أن تشوه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: هذه هي غايتي الكبرى.. لقد أثمرت الأحقاد التي غرسها أبي وأمي في قلبي كل تلك المكايد التي حولت بها الإسلام من دين الله إلى دين البشر.. ومن دين السلام إلى دين الإرهاب.. ومن دين محمد إلى دين معاوية وابن تيمية وابن عبد الوهاب وابن باز والقرضاوي والعرعور..

قلت: وما أدراك بهؤلاء.. وقد ولدت في زمن غير زمنهم؟

قال: إنهم أبنائي البررة، وتلاميذي الأوفياء.. لقد استطعت بدهائي ومكري أن أتدخل في الفقه والتفسير والحديث وكل مصادر الإسلام لأوجهها بحسب ما أرى..

قلت: لم أفهم.. فأنا أراك ملكا، ولا أراك عالما.

قال: نعم أنا لست عالما.. ولكني حددت للعلماء المناهج التي يأخذون منها والرجال الذين يأخذون عنهم.. أنا الذي أذنت للتجسيم والتشبيه والإسرائيليات والخرافات والأساطير أن تقتحم السنة، ويفسر على أساسها القرآن..

أنا الذي أذنت لعقائد الجبر والتسلط والاستبداد أن تدخل في أذهان المسلمين لتصور لهم ربهم في صورة الجبار القهار الذي يتلذذ بتعذيب عباده.

أنا الذي صورت محمدا بتلك الصور المشوهة التي يتناقلها محدثوكم، وعنهم يأخذها المستشرقون والمستغربون والملحدون ليرسموا الرسوم الكاريكاتورية، ويخرجوا الأفلام المسيئة، ويكتبوا الآيات الشيطانية..

أنا خلف كل ذلك.. أنا معاوية.

لست أدري كيف امتلأت غضبا وحقدا وصحت: ويل لك.. ويل لك..

ثم مددت يدي بقوة لأبطش به.. فلم أجد شيئا، بل وجدتني في بيتي، وأمام صاحبي الوهابي التائب، وهو يبتسم، وهو يقول: هل أدركت السر الذي من أجله يحرص الوهابية على معاوية.. إنه أبوهم وأستاذهم.. ولا يمكن للأحقاد والضغائن والنفوس المريضة أن تجد راحتها إلا في صحبته.

قلت: لم غفلوا عن عمار وبلال وأبي أيوب وغيرهم.. ولم يظهر لهم إلا معاوية؟

قال: لأن أولئك الأصحاب الأتقياء الأنقياء الطاهرين تكلف صحبتهم الكثير.. بينما لا تكلف صحبة معاوية وبسر بن أرطأة والمغيرة بن شعبة شيئا، بل إنها تنسجم مع النفوس المريضة انسجاما تاما.

قلت: لم أفهم.

قال: ألا تعرف أن الطيور على أشكالها تقع؟

قلت: أجل..

قال: فقس ذلك على التاريخ والجغرافيا والواقع لتتضح لك الحقائق.. ففي كل عصر تعود صفين ويعود معها معاوية وأصحابه وعلي وأصحابه ليختار كل امرئ ما هو أميل إلى نفسه ليميز الله الخبيث من الطيب.

 

 

أعداء علي

في اليوم الرابع عشر من زيارته لي دخلت عليه، فوجدته جاثيا على قدميه، منهمكا يقرأ بشغف كتاب (نهج البلاغة) للإمام علي بن أبي طالب، وكانت نسخة قديمة مخطوطة كنت أحتفظ بها في مكتبتي، ولست أدري كيف جذبت انتباهه من بين الكتب جميعا مع كون أكثرها من الجديد الفاخر.

لم أشأ أن أقطع عليه خلوته مع الإمام علي.. فلذلك سرت منصرفا من غير أن أنبس ببنت شفة، لكنه التفت لي، وناداني، فقدمت إليه، فرأيت الدموع تنهمر من عينيه بشدة، ثم أخذ ينتحب، متوجها إلى الكتاب مخاطبا له، وكأنه يخاطب الإمام علي نفسه، وكان من قوله له: يا إمام.. اعذرني، فقد كنت من قوم يناصبوك العداء.. اعذرني، فقد نسيت في غمرة جهالتي ما توعد به صلى الله عليه وآله وسلم المعادين لك، فقد حدثت، وأنت الصادق المصدوق، فقلت: (عهد إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)([86])

اعذرني.. فقد سللت سيوف بغضي عليك.. ونفثت سموم حقدي عليك.. وصببت جام ضغائني عليك.

قال ذلك، ثم أخذ ينتحب بشدة، فأسرعت إليه، وقد أثر في حاله تأثيرا شديدا، وقلت مهونا عليه: رويدك يا أخي.. فلا أظنك إلا ترمي نفسك بالأباطيل.. ألم تكن من قوم يعتبرون عليا من المبشرين بالجنة؟.. ألم تكن من قوم يعتبرونه من الخلفاء الراشدين؟.. ألم تكن من قوم..

قاطعني، وقال: دعك من تلك الأراجيف التي كنا نكذب بها على أنفسنا.. لقد كنا في قرارة أنفسنا نجعله أهون الناس، وإن كنا نتقي من ينكر علينا بمثل ذلك الكلام المعسول.

قلت: إن لم يكن لذلك الكلام معنى، فلأي كلام في الدنيا معنى؟

قال: اسمعني جيدا.. وأخبرني صادقا.. أرأيت لو أن قوما من الناس كتبوا فيك القصائد الطويلة في الثناء عليك، وفي دعوى محبتك.. أتراك تصدقهم مباشرة.. أم تراك تحتاج إلى بعض أنواع الاختبار لتتأكد من صدق مودتهم لك؟

قلت: إن شئت الصدق، فإني أراني محتاجا إلى بعض أنواع الاختبار، ذلك أن أكثر ما كتب من قصائد المديح لم تصدر من قلوب محبة، بقدر ما صدرت من نفوس طامعة.

قال: أرأيت لو أن هذا الذي مدحك بتلك القصيدة الجميلة، وذكر لك فيها مودته راح إلى أبيك الشريف الصالح التقي النقي من قضى عمره في خدمة الحق وأهله يتهمه بالضلال، ويرميه بالفجور، ويتوعده بجهنم؟

قلت: هذا أول برهان من براهين كذبه..

قال: ثم ذهب إلى أعدائك ممن قضوا عمرهم في المكيدة لك وحربك وحرب ذريتك يترضى عليهم ويساويهم بك.

قلت: في هذه الحال ينقلب قائل القصيدة في مدحي عدوا من أعدائي.. فصديق عدوي عدوي.

قال: ولم يكتف بذلك.. بل ذهب يعزلك ويكذب ما ورد فيك من الثناء..

قلت: هذا حسود حقود.

قال: ولم يكتف بذلك.. بل راح يتهمك بالخرق.. ويرميك بالجرائم العظيمة..

قلت: هذا عدود لدود..

قال: ولكنه كتب قصيدة في مدحك، وبث لك فيه صنوف مودته.

قلت: إن حال هذا لا يختلف عن حال المنافقين الذين ذكرهم الله تعالى، فقال: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (المنافقون:1)، فقد كذب الله شهادتهم للرسالة لرسول الله، ذلك أنها لم تصدر من قلوب صادقة، بل صدرت من قلوب ممتلئة بالحقد.

قال: وهكذا الأمر معنا.. أو مع ثلة كثيرة من أمثالي مع الإمام علي.

قلت: هلا انتقلت من الدعاوى إلى أدلتها..

قال: أجل.. لك ذلك.. فلنطبق ما ذكرنا من تمثيل على ما نحن فيه.

قلت: لا بأس.. فهلم بالأول.. هل تراك وأصحابك أسأتم إلى والد الإمام علي.

قال: أعظم إساءة.. إننا في الوقت الذي نترضى فيه على من كادوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأرادوا قتله وأخرجوه من أرضه نعمد إلى السند العظيم الذي استند إليه، والذي كان السبب الأكبر في حفظ الدين والرسالة في مهدها فنكفره ونضلله وندخله بعد ذلك في جهنم ونحرمه من شفاعة حبيبه الذي قضى حياته كلها في نصرته.

قلت: ولكنهم يروون أحاديث في ذلك.

قال: هي أحاديث رواها وكتبها ونشرها أعداؤه.. ثم لماذا ينصرفون عن الأحاديث التي تبين إيمانه وصلاحه وتقواه؟

قلت: هم ينصرفون عنها لأن رواتها شيعة.

قال: ومن الشيعة؟

قلت: هم من يزعمون أنهم يحبون عليا.

قال: فلماذا قبلوا الأحاديث التي رواه أعداؤه من النواصب، ورفضوا الأحاديث التي رواه أحبابه، أو من يزعم محبته؟

قلت: هكذا جرى العرف.. لقد جرى عرف المحدثين على أن يقبلوا من أعداء علي.. وأن لا يقبلوا من محبيه ومواليه.

قال: ألا ترى في هذا كيلا بمكاييل مزدوجة؟

قلت: لست أدري ما أقول لك.. ولكن هذا يطرح وكأنه دين لا ينبغي التشكيك فيه.. فمن روى تلك الأحاديث أعطوه حصانة تمنعه من أن يسأل أو يناقش أو يرد عليه.. ومن تجرأ على ذلك رمي بالبدعة والزندقة.. حتى أن من تكلم عندهم في الصحابة ضال مبتدع.. بينما من كتب القصائد في مدح قاتل علي يعتبر متدينا صالحا ثقة.. وتروى عنه بعد ذلك الأحاديث والشرائع.

قال: فقد سقط بهذا أول دعامة من دعامات محبتهم لعلي.. بل هم فوق ذلك يترضون على أبي سفيان ذلك الذي رمى أبا طالب في الشعب.. ويترضون على هند تلك التي أكلت كبد حمزة.. في نفس الوقت الذي يكادون يلعنون ذلك الظهر الذي حماه والصدر الذي آواه.

قلت: صدقت في هذا.. فهلم بالثاني.

قال: وما الثاني؟

قلت: الثناء على الأعداء واحترامهم.

قال: أنت تعرف هذا جيدا.. أنت تعرف جيدا من سل سيفه على الإمام علي على الرغم من تلك الأحاديث الكثيرة التي تعتبر عداوته مناقضة للإيمان.

قلت: أجل.. وأعرف خصوصا منهم معاوية.. فهو مع كونه من الطلقاء إلا أن أصحابك رفعوه إلى درجة لا تقل عن علي نفسه.. بل تفوقه.. وأعرف أستاذا من الأساتذة في بلادنا([87]) كان يحاول كل جهده أن يتأول كل حديث يرى أنه يمس بعصمة معاوية والعصابة الإجرامية الخطيرة التي كانت تحيط به.. والتي لم يكن لها من هدف سوى القضاء على الدين نفسه.. لقد كان من ضمن ما كان ينعق به كل حين قوله: (روى البخاري ومسلم وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن عمارا تقتله الفئة الباغية) وكان عمار مع أهل العراق، وقد قتله أهل الشام في صفّين، فالحديث دلّ على أن الفئة الباغية هي التي تقتل عمارا، ومن المحتمل أن الحديث لا يشمل كل أهل الشام، وإنما أريد به تلك العصابة- الفئة- التي حملت على عمار حتى قتلته، ،و هي طائفة من العسكر([88])، وروي أن معاوية تأوّل الطائفة التي قتلت عمارا بأنها هي الطائفة التي جاءت به، فردّ عليه علي بقوله: (فالمسلمون إذن هم الذين قتلوا حمزة وليس المشركون)، وعند ابن تيمية أن ما ذهب غليه معاوية ضعيف، وأن ما قاله علي هو الصواب.. لكن لا يغيب عن البال أن في الطائفتين بغاة، فالذين قتلوا عمارا بغاة وهم من أهل الشام، والذين قتلوا الخليفة عثمان أعظم بغيا وجرما من هؤلاء، وهم مع جيش العراق، مما يجعل ما ذهب إليه معاوية بن أبي سفيان له وجه من الصحة، فقتلة عثمان هم السبب في مجيء عمار وغيره. وفي هذا الأمر يرى الباحث محب الدين الخطيب أن قتلة عثمان هم الفئة الباغية، فكل مقتول يوم الجمل وصفين فإثمه عليهم لأنهم هم الذين أججوا نار الفتنة بين المسلمين، ابتداء بعثمان وانتهاء بعلي ومرورا بطلحة والزبير وعمار)

قال: إن أحاديثهم في فضل معاوية وما سطروه من كتب يفوق ما سطروه عن علي نفسه.. إن حالهم لا يختلف عن حال أسلافهم من الذين قتلوا المحدث الكبير النسائي([89]) بسبب معاوية.

قلت: أجل.. فقد ذكروا أنه لما كتب كتابه في فضل الإمام علي بن أبي طالب الذي جمع فيه الاحاديث الواردة في فضل الامام أمير المؤمنين وأهل بيته.. فقد ذكر المؤرخون أنه بعد أن ترك مصر في أواخر عمره قصد دمشق ونزلها، فوجد الكثير من أهلها منحرفين عن الامام علي بن أبي طالب، فأخذ على نفسه وضع كتاب يضم مناقبه وفضائله رجاء أن يهتدي به من يطالعه أو يلقى إليه سمعه، فأتى به والقاه على مسامعهم بصورة دروس متواصلة.

وبعد أن فرغ منه سئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: (أما يرضى معاوية ان يخرج رأسا برأس حتى يفضل؟)، وفي رواية: (ما أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنك)، فهجموا عليه وداسوه حتى أخرجوه من المسجد، فقال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها، فتوفى بها.

قال: وفوق ذلك تراهم يتأولون كل حديث ورد في ذمه.. فيحولونه من الذم إلى المديح.

قلت: أجل.. وقد سمعت من ذلك الكثير، ومن ذلك أن بعضهم قال في دعائه صلى الله عليه وآله وسلم على معاوية بأن لا يشبع بطنه: (وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميراً، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك)

قال: بل إنهم لأجل تبرئة معاوية من هذه الدعوة يتهمون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عصمته، فيزعمون بأنه قد يدعو على من لا يستحق أن يدعى عليه، ويروون في ذلك حديثا يمزجونهما مزجا، وكأنهما حديث واحد، وهو (اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَىُّ المُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ، فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاَةً وَأَجْراً)

قلت: أجل.. وقد قرأت لمحب الدين بن الخطيب، قوله في تبرئه معاوية من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم عليه: (فالظاهر أن هذا الدعاء منه صلى الله عليه وآله وسلم غير مقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب فى وصل كلامها بلا نية كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: تربت يمينك.. ويمكن أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وآله وسلم بباعث البشرية التى أفصح عنها هو نفسه صلى الله عليه وآله وسلم فى أحاديث كثيرة متواترة منها حديث عائشة)([90]) 

قال: يكفيك هذا.. وربما أعود إليه لترى مدى تعلقهم بهذا الرجل.. وهم في الحقيقة لا يفضلونه لسواد عيونه، وإنما يفضلونه لأنهم يبررون به الاستبداد وخدمة المستبدين.

قلت: فلننتقل للثالث.

قال: وما الثالث؟

قال: العزل والتغطية..

قال: وقد كان لنا من هذا أوفر نصيب.. ففي الوقت الذي كنا نتأول فيه ما ورد من ذم معاوية وإخوانه من السامريين الذين أرادوا تحريف الدين رحنا نكذب كل ما صح في فضائل علي.. ونتأول ما لا نملك تضعيفه.

قلت: أعرف هذا جيدا.. وقد سمعت كثيرا من الخطباء ينعقون بمثل هذا.. إنهم يعمدون إلى أحاديث كنور الشمس قوة وبهاء ووضوحا فيحجبونها بما شاءت لهم أهواؤهم أن يحجبوها.

قال: لا شك أنك تعلم ما قالوا في حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)

قلت: أجل.. فقد ضعفه ابن تيمية، بل عده من الموضوعات([91]).

قال: وقد بحثت في هذا.. وتبين لي كذب ابن تيمية، وكذب أصحابنا من المتبعين له.. لقد روى هذا الحديث أحمد بن حنبل والترمذي والبزّار والطبراني وأبو الشيخ وابن بطّة والحاكم وابن مردويه و أبو نعيم.. وغيرهم.. وصححه الكثير منهم.

قلت: صدقت في هذا.

قال: ألا تعلم ما يقول أصحابنا في حديث: (علي مع الحق والحق مع علي)؟

قلت: بلى..  لقد ذكر أنه من أعظم الكلام كذباً وجهلاً، وقال: (إنّ هذا الحديث لم يروه أحد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، فكيف يقال: إنّهم جميعاً رووا هذا الحديث؟ وهل يكون أكذب ممّن يروي عن الصحابة والعلماء أنّهم رووا حديثاً، والحديث لا يعرف عن واحد منهم أصلاً، بل هذا من أظهر الكذب)([92])

قال: مع أني مع تتبعت هذا الحديث، فوجدته مرويا في أكثر دواوين الحديث، فقد رواه الترمذي في صحيحه، والحاكم في المستدرك، والطبراني، وأبو بشر الدولابي، والخطيب البغدادي، وابن عساكر، والبزّار، وأبو يعلى، وغيرهم.

قلت: صدقت في هذا.

قال: ألا تعلم ما يقول أصحابنا في حديث: (اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه)؟

قلت: إنهم ينقلون عن ابن تيمية قوله: إنه (كذب باتّفاق أهل المعرفة بالحديث)([93]) 

قال: وقد بحثت في الحديث، وتبين لي كذبه في هذا، فقد رواه أحمد بأسانيد صحيحة، ورواه ابن أبي شيبة، وابن راهويه، وابن جرير، وسعيد بن منصور، والطبراني، وأبو نعيم، والحاكم.. وغيرهم كثير.

قلت: صدقت في هذا ووعيته، وقد سمعت من جرأتهم على هذا.. فهلم للرابع.

قال: وما الرابع؟

قلت: الكلام في دينه وأخلاقه ومنجزاته.

قال: أليس في مكتبتك كتاب (منهاج السنة)؟

قلت: بلى.. هو موجود.. فقلما يخلو بيت منه.

قال: ائت به.. وافتح أي صفحة منه فستراه كيف يعلم النواصب بدهاء وحيلة ماذا يقولون للموالين لعلي ولأهل البيت.

أحضرت الكتاب، وفتحته، ورحت أقرأ هذه الفقرة: (لا ريب أن أهل السنة وإن كانوا يقولون إن النص على أن عليا من الخلفاء الراشدين لقوله (خلافة النبوة ثلاثون سنة) فهم يروون النصوص الكثيرة في صحة خلافة غيره، وهذا أمر معلوم عند أهل العلم بالحديث يروون في صحة خلافة الثلاثة نصوصا كثيرة بخلاف خلافة علي فإن نصوصها قليلة، فإن الثلاثة اجتمعت الأمة عليهم فحصل بهم مقصود الإمامة وقوتل بهم الكفار وفتحت بهم الأمصار وخلافة علي لم يقاتل فيها كفار ولا فتح مصر وإنما كان السيف بين أهل القبلة وأما النص الذي تدعيه الرافضة فهو كالنص الذي تدعيه الراوندية على العباس وكلاهما معلوم الفساد بالضرورة عند أهل العلم ولو لم يكن في إثبات خلافة علي إلا هذا لم تثبت له إمامة قط كما لم تثبت للعباس إمامة بنظيره)([94])

قال: انظر كيف يحتال اللئيم ليشوه صورة علي والخلافة الناصعة التي زينها.. ثم يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يكتف بأن يخبر بصحة خلافته، بل أمر الأمة بها واعتبر الخارج عنها باغيا.

فتحت صفحة أخرى، ورحت أقرأ: (لم يتمكن أحد منهم من الإمامة إلا علي بن أبي طالب مع أن الأمور استصعبت عليه، ونصف الأمة أو أقل أو أكثر لم يبايعوه، بل كثير منهم قاتلوه وقاتلهم، وكثير منهم لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه، وفي هؤلاء من هو أفضل من الذين قاتلوه وقاتلوا معه، وكان فيهم من فضلاء المسلمين من لم يكن مع علي مثلهم بل الذين تحلفوا عن القتال معه وله كانوا أفضل ممن قاتله وقاتل معه)([95])

قال: انظر كيف يقزم أولئك العمالقة الذين هم أشرف أهل الأرض ليفضل عليهم الناكثين والبغاة والقاعدين ضاربا بكل ما ورد في النصوص المقدسة عرض الحائط.

فتحت صفحة أخرى، ورحت أقرأ: (ومن المعلوم أن الخلفاء الثلاثة اتفقت عليهم المسلمون وكان السيف في زمانهم مسلولا على الكفار مكفوفا عن أهل الإسلام، وأما على فلم يتفق المسلمون على مبايعته بل وقعت الفتنة تلك المدة وكان السيف في تلك المدة مكفوفا عن الكفار مسلولا على أهل الإسلام)([96])

قال: انظر كيف يرمي المحتال عليا بن أبي طالب بالدماء التي سفكت في الوقت الذي يدافع فيه عن المجرمين الذين أسعروا نار الحروب.

فتحت صفحة أخرى، ورحت أقرأ: (إنّ الرافضة تعجز عن إثبات إيمان علي وعدالته... فإنْ احتجّوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده، فقد تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أُميّة وبني العباس، وصلاتهم وصيامهم وجهادهم)([97])

قال: انظر إلى اللئيم كيف يسوي بين أخي رسول الله ووصيه ومن هو كنفسه ومن اعتبره رسول الله كهارون مع موسى.. انظر كيف يسويه بالطلقاء والملوك الظالمين الذين شوهوا عدالة الإسلام.

فتحت صفحة أخرى، ورحت أقرأ: (فإنّ عليّاً قاتل على الولاية، وقُتل بسبب ذلك خلق كثير، ولم يحصل في ولايته لا قتال للكفّار ولا فتح لبلادهم، ولا كان المسلمون في زيادة خير)([98])

قال: انظر إلى الشقي كيف يطعن في نية الإمام علي، وكيف يسوي بينه وبين المستبدين، وكيف يحمله فوق ذلك وزر الدماء التي سالت بسبب الظالمين الذين أرادوا الانحراف بالدين عن سبيله الصحيح.

فتحت صفحة أخرى، ورحت أقرأ: (أنه ليس كل خطباء السنة يذكرون الخلفاء في الخطبة، بل كثير من خطباء السنة بالمغرب وغيره لا يذكرون أحدا من الخلفاء باسمه، وكان كثير من خطباء المغرب يذكرون أبا بكر وعمر وعثمان ويربعون بذكر معاوية لا يذكرون عليا)([99])

قال: انظر.. كيف هان علي في عينه.. وكيف هون من أمره.. وكيف اعتبر منكر خلافته ومثبت خلافة الطلقاء من المسلمين.. بل من أهل السنة.. بينما لو أن أحدا تكلم في أي خليفة آخر لسل عليه سيف تكفيره.

أردت أن أفتح صفحة أخرى لكن نفسي لم تطاوعني.. ولست أدري كيف رميت الكتاب من يدي من غير أن أشعر، فأخذه وقال: هذا الكتاب كنا نعتبره كتابا مقدسا.. هو كالتلمود نفسه عند اليهود.. كنا نرجع إليه كل حين لنطعن فيه عليا ودولته الكريمة المباركة.. ولنفرق به صف الأمة.. ولننشر به فكر الإرهاب وإرهاب الفكر.

قال ذلك، ثم راح يحتضن كتاب (نهج البلاغة)، وهو يقول: اسأل أي أحد من أصحابنا عن هذا الكتاب العظيم الذي حوى درر ولآلئ الإمام علي.. فلن تجده عالما بما فيه.. بل ستجده ينظر إليه شزرا.. وإن كان يحمل سلاحا فاحذر على رأسك منه فإنه سليل قوم يسلون صوارمهم المسلولة متى شاءوا وكيف شاءوا.

قلت: أخبرني.. ما الذي شدك في نهج البلاغة؟

قال: لا يمكن أن أصف المشاعر التي تنتابني أثناء قراءته.. ولكني أقول لك: إن الأمة لو أعطت هذا الكتاب حقه لما حصل فيها من الخلاف والضلال ما تراه اليوم..

قلت: لقد ذكرتني بما قال ظهير الدين علي بن زيد البيهقي، فقد قال فيه: (هذا الكتاب النفيس ( نهج البلاغة ) مملو من ألفاظ يتهذّب بها المتحدث، ويتدرّب بها المتكلّم، فيه من القول أحسنه، ومن المعاني أرصنه، كلام أحلى من نغم القيان، وأبهى من نعم الجنان، كلام مطلعه كسنة البدر، ومشرعه مورد أهل الفضل والقدر، وكلمات وشْيُها خبر، ومعانيها فقر، وخطب مقاطعها غرر، ومباديها درر، استعاراتها تحكي غمرات الألحاظ المراض، ومواعظها تعبّر عن زهرات الرياض، جمع قائل هذا الكلام بين ترصيع بديع، وتحنيس أنيس، وتطبيق أنيق.

فللّه درّ خاطر عن مخائل الرّشد ماطر، وعين الله على كلام إمام ورث الفضائل كابرا عن كابر، ولا غروللروض الناضر إذا انهلّت فيه عزالي الأنواء أن يخضرّ رُباه، ويفوح ريّاه، ولا للساري في مسالك نهج البلاغة أن يحمد عند الصباح سراه، ولا لمجيل قداح الطهارة اذا صدّقه رائد التوفيق والإلهام أن يفوز بقدحي المعلّى والرقيب، ويمتطي غوارب كل حظّ ونصيب.

ولا شك أن أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب كان باب مدينة العلوم، فما نقول في سقط انفضّ من زند خاطره الوادي، وغيض بدا من فيض نهره الجاري، لا بل في شعلة من سراجه الوهّاج، وغرفة من بحره الموّاج، وقطرة من سحاب علمه الغزير، ولا ينبّئك مثل خبير)

 وقال فيه الأستاذ محمد حسن نائل المرصفي.. فقد قال فيه: (نهج البلاغة) ذلك الكتاب الذي أقامه الله حجة واضحة على أن عليا كان أحسن مثال حيّ لنور القرآن وحكمته، وعلمه وهدايته، وإعجازه وفصاحته)، وقال: (اجتمع لعليّ في هذا الكتاب ما لم يجتمع لكبار الحكماء، وأفذاذ الفلاسفة، ونوابغ الربّانيّين، من آيات الحكمة السابغة، وقواعد السياسة المستقيمة، ومن كل موعظة باهرة، وحجة بالغة تشهد له بالفضل وحسن الأثر)، وقال: (خاض عليّ في هذا الكتاب لجّة العلم، والسياسة والدين، فكان في كل هذه المسائل نابغة مبرّزا، ولئن سألت عن مكان كتابه من الأدب بعد أن عرفت مكانه من العلم، فليس في وسع الكاتب المترسّل، والخطيب المصقع، والشاعر المفلق، أن يبلغ الغاية من وصفه، أوالنهاية من تقريظه، وحسبنا أن نقول: أنه الملتقى الفذّ الذي التقى فيه جمال الحضارة، وجزالة البداوة، والمنزل المفرد الذي اختارته الحقيقة لنفسها منزلا تطمئن فيه، وتأوي إليه بعد أن زلّت بها المنازل في كل لغة)

وقال فيه الشيخ محمد عبده: (قد أوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب ( نهج البلاغة ) مصادفة بلا تعمّل، فتصفّحت بعض صفحاته، وتأملت جملا من عباراته، فكان يخيّل لي في كل مقام أن حروبا شبّت، وغارات شنّت، وأن للبلاغة دولة، وللفصاحة صولة، وأن للأوهام عرامة، وللريب دعارة، وأن جحافل الخطابة، وكتائب الدرابة، في عقود النظام، وصفوف الانتظام، تنافح بالصفيح الأبلج، والقويم الأملج، وتمتلج المهج بروّاضع الحجج، فتقلّ من دعارة الوساوس. وتصيب مقاتل الخوانس. فما أنا إلاّ والحق منتصر، والباطل منكسر، ومرج الشكّ في خمود، وهرج الريب في ركود، وأن مدبر تلك الدولة، وباسل تلك الصّولة، هوحامل لوائها الغالب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

بل كنت كلّما انتقلت من موضع إلى موضع أحسّ بتغير المشاهد، وتحوّل المعاهد: فتارة كنت أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية، في حلل من العبارات الزاهية، تطوف على النفوس الزاكية، وتدنومن القلوب الصافية: توحي إليها رشادها، وتقوّم منها مرادها، وتنفّر بها عن مداحض المزالق، إلى جوادّ الفضل والكمال.

وطورا كانت تتكشف لي الجمل عن وجوه باسرة، وأنياب كاشرة، وأرواح النمور، ومخالب النسور، قد تحفّزت للوثاب، ثم انقضّت للاختلاب، فخلبت القلوب عن هواها وأخذت الخواطر دون مرماها، واختالت فاسد الأهواء، وباطل الآراء.

وأحيانا كنت أشهد أن عقلا نورانيا، لا يشبه خلقا جسدانيا، فصل عن الموكب الإلهي، واتّصل بالروح الإنساني، فخلع عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى، ونما به إلى مشهد النور الأجلى، وسكن به إلى عمار جانب التقديس، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس.

وآنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعياء الكلمة، وأولياء أمر الأمة، يعرّفهم مواقع الصواب، ويبصّرهم مواضع الارتياب، ويحذّرهم مزالق الأضراب، ويرشدهم إلى دقائق السياسة، ويهديهم طرق الكياسة، ويرتفع بهم إلى منصّات الرئاسة، ويصعّدهم شرف التدبير، ويشرف بهم على حسن المصير) ([100])

قال: كلهم قالوا فيه لما عرفوه منه إلا نحن فلم نكن نعرف إلا الهدم والجرح والتكذيب.. إننا نرى آيات الله الجلية فيه ولكنها نتركها جميعا ونذهب إلى الإرهابي مقبل الوادعي الذي قال في كتابه :(من طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنّه مكذوب على أمير المؤمنين عليّ، ففيه السبّ الصراح والحطّ على السيّدين: أبي بكر وعمر، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنفس القرشيّين الصحابة وبنفس غيرهم ممّن بعدهم من المتأخّرين، جزم بأنّ الكتاب أكثره باطل)([101])

قلت: أرى أن لك علاقة سابقة بهذا الكتاب، وبالإمام علي.. كنت أتصور أنك لم تعرفه إلا اليوم.

قال: كيف تقول ذلك، ولولا ما قيض الله لي من أحباب الإمام علي لكنت الآن أسدر في غيي، ولكانت الأغلال التي طوقتني دهرا طويلا لا تزال تطوقني.. إن نور الإمام علي هو أكبر نور يطفئ ظلمات البغاة.. ولذلك تراهم يحذرون منه ويحذّرون منه.

ابن تيمية.. وأعداؤه

في اليوم الخامس عشر وقبل أن أخرج إلى صاحبي الوهابي سمعت صياحا كثيرا في حارتنا، فخرجت لأستطلع ما يحدث، فوجدت الكثير من الشيوخ والشباب يقيمون تأبينا لرجل نفذ فيه الإعدام ذلك اليوم، وعندما سألت عنه عرفت أنه ينتمي لتنظيم القاعدة، وأنه سافر إلى محال كثيرة من الأرض قبل أن يمسك به، وأنه في كل محل سافر إليه ترك خلفه دمارا ودماء وآلاما.

لكن المؤبنين غفلوا عن كل ذلك، وراحوا يشيدون بشجاعته وهو يتقدم إلى المقصلة، ثم كيف يخاطب جلاديه بلغته القوية، وكيف أنه في ذلك الموقف الشديد تذكر كلمات ابن تيمية التي قال فيها: (ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة)

كان الخطباء يتداولون على المنصة، يذكرون أمجاد الرجل وآثاره، ولا يضمنون له الجنة فقط، بل يضمنون له معها الفردوس الأعلى في صحبه ابن تيمية وابن عبد الوهاب وأصحابهما.

لست أدري كيف سقطت دمعة من عيني في ذلك الموقف المؤثر الذي اختلطت فيه أصوات الخطباء بتكبيرات الحاضرين..

تركتهم، وانصرفت إلى البيت، وأنا محتار في سر الدمعة التي سقطت من عيني مع أني أعلم جيدا المآسي الكثيرة التي خلفها ذلك الرجل على الحياة والأحياء.

عندما دخلت على صاحبي الوهابي نظر إلى عيني، وقال: هل قام القوم بتأبين ابن تيمية؟

قلت: ما بالك يا رجل.. ابن تيمية أبن منذ مئات السنين..

قال: فمن أبن إذن هذا اليوم؟

قلت: رجل من حارتنا سار إلى بلاد كثيرة، وقد قبض عليه في بعضها، وأودع السجن فترة من الزمن، ثم حكم عليه بالإعدام، ثم أعدم هذا اليوم؟

قال: وقد قام أهل حارتكم بتأبينه والحزن عليه، وضمان الجنة له.

قلت: لعل هذا نابع من وفائهم.

قال: بل هو نابع من غبائهم وغفلتهم وحمقهم؟

قلت: ماذا اتقصد؟

قال: إنه نابع من الناحية التي يؤتى منها الطيبون المغفلون البلهاء الذين يغلبون عواطفهم على عقولهم.

قلت: لست أدري هل أراك تذمهم، أم أراك تمدحهم؟

قال: لا أنا أمدحهم، ولا أنا أذمهم.. ولكني أصف واقعا.. والواصف لا مادح ولا ذام؟

قلت: أي واقع.. وما علاقته بالرجل.. وما علاقة كل ذلك بابن تيمية؟

قال: الواقع هو نفسك.. ونفوس الآلاف والملايين.. بل نفسي قبل أن تتنزل عليها أنوار الهداية فتمسخ عنها ظلمات العاطفة الباردة، والحزن الكاذب.

قلت: سلمت لك، وإن كنت لم أفهم.. فما علاقة نفسي ونفوس الآلاف والملايين ونفسك قبل التوبة بهذا الرجل المسكين؟

قال: ألم تعلم لم سجن الرجل الذي سافر إلى بلاد كثيرة.. ولم حكم عليه بالإعدام؟

قلت: لقد قيل إنه من القاعدة.. وهي كما تعلم لا يعرف أعضاؤها قيمة للحدود الجغرافية.

قال: فما الذي خلف في كل بلاد نزل فيها؟

قلت: ما تخلفه القاعدة عادة.. دمار ودماء ليس غير؟

قال: فقد صدقت فراستي إذن عندما ذكرت لك أن المؤبن هو ابن تيمية.. فشيخ القاعدة وملهمها ومفتيها هو ابن تيمية.

قلت: إن شئت الصدق، فقد كان لهذا الشاب تعلق كبير بابن تيمية حتى أنه عندما سيق إلى منصة الإعدام نسي أن ينطق الشهادة، ونطق بدلها بكلمة ابن تيمية التي يحفظها الجميع (ما يصنع أعدائي بي)

قال: لقد سمعت هذه العبارة كثيرا عندما كنت في سجون الوهابية.. لقد كانوا يضعونها مع كل حزام ناسف، ومع كل قنبلة موقوتة، ومع كل هدم يمارسونه.. لقد كانوا يقتلون الحياة ويدمرون ما أمر الله به أن يبنى، فإذا ما قبض على أحدهم فسجن أو اعتقل تراهم جميعا يحزنون على سجنه، ويبكون على اعتقاله، فإذا ما أعدم خطبوا الخطب المطولة في وصف شجاعته وشهادته متناسين ما فعله بالحياة وبالإنسان.

قلت: لا أكتمك أن الخطباء عندنا يذكرون كثيرا المآسي والمحن التي تعرض لها ابن تيمية.. بل يعتبرونها أهم دلائل صدقه وإخلاصه ومواقفه البطولية.. بل إنهم يعتبرونه فوق ذلك شهيدا لأنه استطاع أن يواجه خصومه بتلك العبارة الشهيرة التي صارت شعارا للكثير.. ولهذا تجد أكثر الناس لا يعرفون من ابن تيمية إلا أنه سجن ومات في سجنه.. بل إن بعضهم يبالغ فيذكر أنه في سجنه صعق بالكهرباء وعذب بأشياء كثيرة لم يكن يعرفها أهل ذلك الزمان.

قال: قال: فهل كان صاحبك هذا يعرف مقالات ابن تيمية؟