الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: حصون العافية

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 475

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

تتناول هذه الرسالة جانبا مهما من جوانب السلام وردت به النصوص المقدسة، وهو السلام مع الجسد والطين الذي خلقه الله للإنسان ليؤدي وظيفته التي كلف بها على هذه الأرض..

فالإنسان ـ كما ورد في النصوص المقدسة ـ تراب وطين وحمأ مسنون، كما أنه روح سامية نفخت فيه من الجناب المقدس..

وكما أن الإنسان مطالب بأن يسالم روحه، ويسالم كل الكون، فهو مطالب كذلك بأن يسالم جسده وطينه وحمأه المسنون، فلا يصارعه، ولا يذله، ولا يتعامل معه بما يخالف طبيعته.

وقد حاولت في هذه الرسالة أن أجمع أكبر قدر من النصوص المقدسة التي ترتبط بهذه الناحية، وأمزج بينها وبين ما يقوله العلم الحديث،  وقد خرجت بحمد الله بمنظومة شاملة تكفي لتحقيق العافية التي طولبنا بأن نحرص عليها، وأن نستعمل كل ما يمكننا من أدوات لتحصيلها والحفاظ عليها.

فهرس المحتويات

 

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

أولا  ـ حصن الاستقامة

اجتناب الإثم

باطن الإثم:

الحسد:

الغضب:

ظاهر الإثم:

التدخين:

الخمر:

المخدرات:

الانحراف الجنسي:

اجتناب العدوان

العدوان على النفس:

العدوان على الأسرة:

العدوان على المجتمع:

الحوادث:

العدوى:

الطرق:

العدوان على البيئة:

ثانيا ـ حصن الوقاية

الحمية

تحريم الخبائث:

تحريم الخنزير:

تحريم الميتة:

تحريم الدم:

تحريم الجوارح:

تشريع الصيام:

تحريم الإسراف:

تنظيم الحياة:

العطاس:

التثاؤب:

الاتكاء عند الأكل:

الشرب والأكل وافقاً:

الطهارة

طهارة الإنسان:

الطهارة الخاصة:

الفم:

الأنف:

اليدان:

الأعضاء الأخرى:

الطهارة العامة

خصال الفطرة

الاستحداد:

نتف الإبط:

قص الشارب:

إعفاء اللحية:

تقليم الأظافر:

الختان:

طهارة المحيط

طهارة المياه

أسباب التلوث:

أمراض التلوث:

طهارة الهواء

اختلال موازين الهواء:

كائنات غريبة بالهواء:

أمراض التلوث:

طهارة الإيواء

تطهير الساحات:

تطهير الأماكن العامة:

تطهير الثياب:

طهارة الغذاء

تحريم الجلالة:

اقتناء الكلاب:

تحريم الأسمدة النجسة:

تحريم الكيميائيات الضارة:

النظافة:

ثالثا ـ حصن القوة

التغذية

كفاية الأغذية:

الكفاية والزهد:

أركان الغذاء الصحي:

الطاقة:

بناء الجسم وصيانته:

طيبة الغذاء:

سلامة الغذاء:

سلامة التغذية:

مواقيت الغذاء:

هيئة التغذية:

ترتيب الأغذية:

الرياضة

الرياضة والصلاة:

رياضات مسنونة:

المسابقة:

الفروسية:

المصارعة:

الرمي:

السباحة:

حمل الأثقال:

الراحة

النوم

التدابير الوقائية

عبادة النوم

الطهارة:

الدعاء:

الهيئة:

النوم الحالم

مواقيت النوم

تعجيل النوم:

التبكير بالاستيقاظ:

القيلولة:

تعديل الساعة البيولوجية:

السكينة

الجمال

اللهو

الصدق

الاعتدال

فوائد الضحك:

فوائد البكاء:

موقف الاعتدال:

السلام

العدوان على الخلق:

العدوان على الصحة:

العدوان على النفس:

العدوان على المال:

العدوان على الحيوانات:

الأدب

اللهو بالدين:

اللهو بالأخلاق:

رابعا ـ حصن التواصل

النظر

الألوان الموجبة:

الألوان السالبة:

السمع

الكلام:

العلاج بالوهم:

العلاج بالحقيقة:

الصوت:

الشم

الذوق

علامة الصحة:

علامة الفساد:

فساد الذوق:

موازين الأذواق:

اللمس

وظائف الجلد:

الجلد والنفس:

الجلد والجمال:

الاستبصار

حقيقة الاستبصار:

وظيفة الاستبصار:

التحريك الخارق:

الإدراك الحسي الخارق:

حجب الاستبصار:

الخاتمة

 

المقدمة

تتناول هذه الرسالة جانبا مهما من جوانب السلام وردت به النصوص المقدسة، وهو السلام مع الجسد والطين الذي خلقه الله للإنسان ليؤدي وظيفته التي كلف بها على هذه الأرض..

فالإنسان ـ كما ورد في النصوص المقدسة ـ تراب وطين وحمأ مسنون، كما أنه روح سامية نفخت فيه من الجناب المقدس..

وكما أن الإنسان مطالب بأن يسالم روحه، ويسالم كل الكون، فهو مطالب كذلك بأن يسالم جسده وطينه وحمأه المسنون، فلا يصارعه، ولا يذله، ولا يتعامل معه بما يخالف طبيعته.

وقد حاولت في هذه الرسالة أن أجمع أكبر قدر من النصوص المقدسة التي ترتبط بهذه الناحية، وأمزج بينها وبين ما يقوله العلم الحديث،  وقد خرجت بحمد الله بمنظومة شاملة تكفي لتحقيق العافية التي طولبنا بأن نحرص عليها، وأن نستعمل كل ما يمكننا من أدوات لتحصيلها والحفاظ عليها.

وقد رأيت أن هذه المنظومة تتكون من أربعة أركان، خصصت كل ركن منها بحصن من الحصون:

الحصن الأول: وهو حصن الاستقامة، فالملتزم بأحكام الشريعة لا يحفظ روحه فقط، بل يحفظ جسده أيضا، فالخمر والمخدرات والفواحش وغيرها من المحرمات الظاهرة لا تؤذي الروح فقط، بل تؤذي الجسد أيضا.. وهكذا المحرمات الباطنة من الحسد والكبر وغيره من الأمراض كلها تنهك الروح والجسد.

الحصن الثاني: وهو حصن الوقاية، وقد تناولت فيه التشريعات المرتبطة بالوقاية كالصوم وتحريم الإسراف والطهارة وغيرها، فكلها لها دور مهم وفاعل في الحفاظ على الصحة، كما أن لها دورا فاعلا في الحفاظ على الروح.

الحصن الثالث: وهو حصن القوة، وقد تناولت فيه كل حاجات الجسد التي تساهم في قوته والحفاظ عليه كالتغذية والرياضة والراحة .. وقد حاولت أن أبين فيه مدى حاجة الجسم إليها جميعا، ومدى العبودية التي يتحقق بها الإنسان حين يلبي هذه الحاجات، وفق ما تقتضيه آداب الشريعة وقوانين الصحة.

الحصن الرابع: وهو حصن التواصل، وتناولت فيه المنافذ التي جعلها الله للجسد للتواصل مع العالم، من السمع والبصر والشم والذوق واللمس والاستبصار.. وكيفية الاستفادة منها في تحقيق العافية، وفي التواصل السلمي مع العالم.

وقد قاد هذه الرحلة ـ كما قاد الكثير من رسائل السلام ـ معلم السلام الذي رحل بالمؤلف إلى الحصون التي أنشأها أهل مدائن السلام للتدريب على العافية.

وقد لقي المؤلف في رحلته هذه الكثير من العلماء والخبراء .. ورأى الكثير من الأشياء العجيبة التي جعلته يحتقر ما رآه بين قومه مما كان يفخر به.

وهي تنتقد الكثير من الظواهر السلبية التي تتلاعب بالجسد والصحة في سبيل أغراض خسيسة.. وتنتقد سكوت الفقهاء على ذلك مع كونهم مطالبين بالإنكار على المنكر جملة وتفصيلا..

وهي تدعو الجميع ـ من الخبراء والفقهاء ـ إلى بذل كل الجهود لمقاومة تجار المدنية الحديثة الذين يتلاعبون بجسد الإنسان لإرضاء الشيطان الذي أخبر أنه سيبذل كل جهوده لتغيير خلق الله، كما قال تعالى: ﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ﴾ (النساء: 117 – 119)

البداية

بعد عودتي من مستشفى السلام، وامتلاء قلبي بتلك المعاني السامية التي استفدتها من معلمي ومن أطباء ذلك المستشفى الممتلئ بكل المعاني المقدسة، كما حكيت لكم قصة ذلك في (ابتسامة الأنين) صرت لا أفرق بين البلاء والعافية.. بل صار البلاء في ذهني لا يختلف عن أي نعمة من النعم التي ينعم الله بها على عباده..

وقد جعلني ذلك أقصر كثيرا في مداراة بدني بما يطلبه مني من حاجاته.. بل صرت أنظر إليه كما أنظر إلى الخرقة البالية التي أود التخلص منها لألبس بدلها لباسي الحقيقي الذي ينتظرني في دار الخلود..

ولم أكتف بذلك، بل رحت أشيع ذلك بين الناس، وأنا أصيح فيهم كل حين بقول الشاعر:

يا خادمَ الجسم كم تشقى بِخدمته

 

 أتطلب الربح فيما فيه خسران

أقبل على النفس واستكمل فضائلها

 

 فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

لكني .. وفي غمرة حماستي للمعاني التي تلقيتها في مستشفى السلام جاءني معلمي، وهو يقول: تعال معي إلى حصون العافية.. لتعيد لنفسك توازنها.. فلا يصح للروح أن تجور على الطين.. كما لا يصح للطين أن ينحرف بالروح.

قلت: لم أفهم..

قال: لقد تعلمت في مستشفى السلام كيف تداوي روحك التي جرحتها آلام جسدك.. وستتعلم في حصون العافية كيف تحفظ جسدك، لتستطيع روحك أن تؤدي رسالتها على هذه الأرض.

قلت: لم أفهم.

قال: سر معي.. وستفهم.. فلن يفهم إلا من سار.

سرت مع معلمي مسافات طويلة.. لست أدري هل كانت في قريتي التي نشأت فيها، أم في قرية أخرى.. بل لست أدري هل كنت حينها على الأرض، أم كنت خارجها.. فقد كنت أرى أشياء كثيرة لم أرها في حياتي قط، ولا أحسب أن مثلها موجود على الأرض.

فجأة لاحت لنا حصون بديعة.. فسألت المعلم عنها، فقال: هذه حصونك.. فادخلها ..

قلت: ما تعني؟

قال: كما جعل الله لروحك حصونا تحفظها من الغفلة والتشتت والضلال، فقد جعل لطينك حصونا تحفظها من الآلام والأمراض والأسقام.

قلت: تقصد حصون العافية؟

قال: أجل .. فللعافية أسبابها، كما للبلاء أسبابه.

قلت: ولكني تعلمت في رحلتي السابقة أن أسكن للبلاء.. لا أن أواجهه.

قال: وستتعلم في رحلتك هذه كيف تتقي البلاء، وتتحصن منه.

قلت: أتريد أن تنسخ ما كنت قد علمتني إياه.

قال: لا .. فرق بين أن ينزل بك البلاء، وبين أن تنزل بنفسك البلاء.. فالله كما يجازيك على صبرك على البلاء، يحاسبك على تعريض نفسك له.

قلت: لم أفهم .. ما  الذي تقصد؟

قال: إن الله خلق لك جسدك، وهو أمانة أعارك إياها لتؤدي وظيفتك، فلا يحق لك التقصير فيها.. فإن قصرت حوسبت.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه)([1]) 

قلت: بلى.. فما فيه من العلم؟

قال: لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الله يسأل عباده عن أجسامهم، وفيما أبلوها.. فمن فرط في جسده بأن قصر في حقه حوسب على ذلك بحسب تفريطه.

قلت: لكن الله أمرنا بأن نضحي بأجسامنا في سبيله.

قال: فرق بين أن تضحي بجسمك في سبيل الله، وبين أن تضحي به في سبيل شهوة من الشهوات..

قلت: لقد حسبت أن هذا مجال الطب، ولا علاقة له بالدين.

قال: الدين الذي لا يعلمك كيف تحفظ روحك وجسدك وكل شيء ليس دين الله، بل هو دينك ودين البشر..

قلت: فهل سأتعلم في هذه الحصون هذا العلم؟

قال: أجل.. فهذه حصون العافية.. وهي تعلمك من سنن الله ما يجعلك محفوفا بالعافية.

***

دخلت مع المعلم إلى باب حصون العافية.. وقد فوجئت بالحراسة المشددة فيه، وهوما لم ألحظه عند مدخل مستشفى السلام.. أما المعلم، فلم يتنبه له الحرس الواقفون أمام الباب، فلذلك لم يتعرض لأي تفتيش.

أما أنا، فأوقفوني طويلا، يفتشون، قلت لهم: يا قوم.. والله إني لا أحمل سلاحا.. ولا أعرفه.. فلماذا تفتشوني كل هذا التفتيش؟

قال أحد الحرس: افتح فمك.

قلت له: ما هذا؟.. أتظن أني يمكن أن أخبئ سلاحا في فمي؟

لم ينتبه لما أقول.. بل راح ينظر إلى فمي مستعملا الإنارة والمكبرات التي يستعملها الأطباء.

قال لي: انصرف.. لا بد أن تغسل فمك أو لا، وتأتي.

اضطررت أن أنفذ ما يقولون مع أني لم أكن لأغفل عن تنظيفه، ثم عاودت الدخول: فراح ينظر في أنفي.. وهكذا ظللت أكثر يومي مع هؤلاء الحرس المتشددين، أما معلم السلام، فلم يتدخل، بل تركهم يعملون ما شاءوا، ويدققون في تفتيشهم ما يحلو لهم.

بعد انتهاء التفتيش دخلت مع المعلم إلى هذا القسم، لم أتجاسر أن أسأله عن تلك الشدة التي لاقاني بها الحرس، فقد خشيت أن يسمعني أحدهم، فلهم من الأجهزة المتطورة ما أقنعني بأنني تحت حراسة مشددة.

قال لي المعلم: لابد أن تصبر على حرس هذا الحصن.

قلت: لماذا وضعوا فيه هؤلاء الحرس الأشداء؟

قال: لا.. ليسوا أشداء.. بل هم أنصح لك من أبيك وأمك.

قلت: ولكنهم قساة.

قال: هي قسوة مملوءة برحمة، وشدة مكتنفة بلطف.

قلت: أتقصد ما قال الشاعر:

قسا ليزدجروا ومن يك راحما      فليقسوأحيانا على من يرحم

قال: هو  ذاك..

قلت: فلا خير في رحمة تضرني.. ومرحبا بقسوة تنفعني.

التفت إليهم مبتسما، وأنا أقول: جزاكم الله خيرا.. لقد أسأت فهمكم.

لم يلتفتوا إلي، بل ظلوا منشغلين بمعاينة وتفتيش كل داخل، لا يفرقون في ذلك بين وجيه ووضيع.

قلت للمعلم: لم كان هذ القسم تاليا للقسم السابق؟

قال: أجبني: عندما عاينت القسم السابق، بماذا حدثتك نفسك؟

قلت: سأصدقك.. لم أمر بقسم من الأقسام إلا تمنيت المكث فيه.. بل تمنيت أن أدفن في ثراه.. فمع أن العلة لا تزال تنخر في جسمي إلا أن الراحة التي كنت أشم عطرها في تلك الأقسام جعلتني أنسى كل علة، وأشعر بكل قوة، وأستغني عن كل دواء.

قال: فهذا القسم يدعوك إلى الفرار..

قلت: إلى الفرار من تلك الأحوال الربانية التي عشتها.. بل لم أعش مثلها.

قال: لا.. الفرار من بلاء الله إلى عافية الله.

قلت: ولكن ما أجمل البلاء الذي يجر إلى مثل تلك العافية والسعادة التي عشتها.

قال: نعم.. إن رحمة الله تدرك المبتلى، وهي تدرك كذلك المعافى، ألم تسع رحمته كل شيء؟

قلت: بلى..

قال: فهي تشمل الجميع إذن.

قلت: فما دامت تشمل الجميع، لماذا نفر من البلاء؟

قال: لأن الأصل هو  العافية.. والبلاء عارض.

قلت: كيف هذا.. وأنا أرى في واقعي البلاء أصلا والعافية عارضا.

قال: ذلك لأنكم تنشغلون برؤية البلاء عن رؤية العافية.. فينسخ أحدكم القناطير المقنطرة من العافية بالدرهم الواحد من البلاء.

***

 بينما نحن كذلك إذ مر علينا رجل ينادي في الجموع:(سلوا الله العافية.. سلوا الله العافية)

قلت للمعلم: من هذا؟

قال: هذا الممرض مكلف بهذه المهمة.. فهو يحذر من التعرض للبلاء.. ويدعوإلى سؤال العافية.

قلت: ولم يشغل نفسه بهذا؟.. فلا أظن الناس محتاجين لمن يذكرهم بهذا.

قال: هو  يحيي سنة من سنة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بذلك.

ضحكت، وقلت: أقوله هذا سنة.. هو لا يأمرهم بإعفاء اللحية، ولا بتقصير القميص.

قال: أجل.. ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحض أمته على طلب العافية؟

قلت: بلى،  فقد كان يقول:(سلوا الله العافية، فما أعطى أحد أفضل من العافية إلا اليقين)([2])

قال: وقد عاد صلى الله عليه وآله وسلم رجلا من المسلمين قد صار مثل الفرخ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه)  قال:(نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(سبحان الله لا تطيقه، ولا تستطيعه، فهلا قلت: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ (البقرة:201)، قال: فدعا اللّه فشفاه([3]).

وقال على مرة أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(اللهم إنى أسألك الصبر)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( لقد سألت الله البلاء فسله العافية)([4])

قلت: ألهذا ـ إذن ـ كان صلى الله عليه وآله وسلم  يستعيذ فى دعائه من بلاء الدنيا وبلاء الآخرة، وكان من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم:( اللهم إنى أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة) ([5])

قال: نعم.. ولكن هذا بشرط تحقق الشكر، كما قال بعضهم: (الخير الذى لا شر فيه العافية مع الشكر، فكم من منعم عليه غير شاكر)، وقال آخر: (لأن أعافى فأشكر أحب إلى من أن أبتلى فأصبر)

قلت: لم ورد في النصوص الحث على طلب العافية.. ولم لم يترك الأمر لله ليختار لعبده ما يشاء؟

قال: إن سؤالنا العافية من الله أدب مع الله وتعظيم لله.

قلت: كيف هذا؟.. أليست  العبودية هي أن نسكن لمجريات الأقدار.. فلا نتدخل فيها؟

قال: أليس من رحمة الله بنا أن يبتلينا لنرجع إليه؟

قلت: بلى.

قال: فكيف نرجع إليه؟

قلت: نتوب.

قال: وهل تحدثنا نفوسنا، ونحن نرجع إلى الله بطلب عافية الله؟

قلت: لا أكتمك بأن ذلك طبع.

قال: فهل هو  طبع طيب أم طبع خبيث؟

قلت: هو  طبع وكفى.. وقد يكون طيبا وقد يكون خبيثا.

قال: لا.. هو  طبع طيب.. فالله تعالى لم يخلقنا إلا طيبين.. أجبني: هل من أسماء الله الحسنى التي أمرنا بإحصائها اسم المبتلي؟

قلت: لا.. فأنا أحفظها جميعا بحمد الله.

قال: فعدها.

قلت: هو  الله.. الرحمن الرحيم..

قال: حسبك.. فطلب العافية طلب من الرحمن الرحيم.. وتحقق بعبودية الرحمن الرحيم.

قلت: أطلب العافية عبودية؟

قال: أرأيت لوكنت في بحر عميق، وغرقت فيه.. وكان بجانبك منقذ ماهر في السباحة.. ألا تمد يداك إليه لينقذك؟

قلت: مجنون أنا إن لم أفعل؟

قال: أرأيت لوقلت: لا أمد يدي إليه، بل أترك البحر يلتهمني.

قلت: في ذلك الحين إما أن أكون مجنونا، وإما أن أكون متكبرا.

قال: المجنون لا يفعل هذا.. بل يفعله المتكبر.. فلذلك كان طلبك العافية من الله.. وتذلك بين يديه عبودية لله لا تختلف عن أي عبودية.

قلت: لكني قرأت في سير الصالحين من يمتلئون بالحب إلى درجة سؤال الله البلاء.

قال: كمال ديننا نستلهمه من الله، ومن رسول الله، وممن أوصى بهم رسول الله.. أما الصالحون ففيهم العارفون، وفيهم السالكون، وهم يمرون بمراحل في سلوكهم وبمواجيد قد توحي لهم بما يقولون.. ألا تعرف سمنون؟

قلت: إي والله.. سمنون المحب.. ومن لا يعرفه، لقد كان ورده في كل يوم وليلة خمسمائة ركعة، وهوالقائل:

كان لي قلب أعيش بـه

 

ضاع مني في تقلـبـه

رب فاردده علي فقـد
         

 

ضاق صدري في تطلبه

وأغث ما دام بي رمـق
          

 

يا غياث المستغيث بـه

وهوالقائل:

وكان فؤادي خالي قبـل حـبـكم

 

وكان بذكر الخلق يلهـو ويمـرح

 

فلما دعا قلبي هو  اك أجـابـه
     

 

فلست أراه عـن فـنـائك يبـرح

 

رميت ببين منك ان كنت كاذبا
     

 

وإن كنت في الدنيا بغـيرك افـرح

 

وإن كان شيء في البلاد بأسرها
     

 

إذا غبت عن عيني لعينـي يمـلـح

 

فان شئت واصلني وان شئت لا تصل
 

 

فلست ارى قلبي لغيرك يصـلـح

وهوالقائل:

تركت الفؤاد علـيلا يعـاد           

 

وشردت نومي فما لي رقاد

 

وهو..

قال: لم أقصد أن تروي أشعاره.

قلت: لم يكن شاعرا بل كان محبا.. ولم تكن أشعاره سوى زفرات من قلبه الذي امتلأ عشقا.

قال: فقد دعاه حاله ومواجيده لأن يقول:

وليس لي في سواك حظ      

 

فكيفما شئت فاختبرنى

 

قلت: الله !..  أي حب هذا؟!.. لقد دعته ثقته بحبه لله لأن يقول هذا.

قال: ولكن الله تعالى ابتلاه بعلة تدعوه إلى السنة.

قلت: كيف هذا؟

قال: لقد ابتلي بعلة الحصر.

قلت: إنها علة خطيرة، فماذا فعل؟

قال: كان بعد ذلك يدور على أبواب المكاتب، ويقول للصبيان:(ادعوا لعمكم الكذاب)

***

قلت: يا معلم.. لا يزال ذهني مضطربا، فكيف نجمع بين ما مر من نصوص تكاد ترغب في البلاء، وبين ما سقت من نصوص؟.. ألا تلاحظ أن هناك تناقضا صارخا؟

قال: معاذ الله.. كتاب الله ﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت:42).. التعارض في أذهانكم المشوشة التي تمتلئ بالصراع.

قلت: فكيف ننفي عنها الصراع، ونملؤها بالسلام؟

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم، وانصرنا عليهم)([6])

قلت: بلى.

قال: فقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن تمني لقاء العدو، وأمر في نفس الوقت بالصبر حين لقائهم، حتى لا يولي أحد دبره قائلا: لقد نهينا عن لقاء العدو.

قلت: فهذا الحديث فرق البلاء قبل نزوله وبعد نزوله.

قال: أجل.. فأمر بالصبر على البلاء إن نزل، ونهى عن طلبه إذا لم ينزل.

قلت: فهمت هذا.. فالموقف من البلاء إذن هو  نفس الموقف من لقاء العدو.

قال: وهل العدو إلا بلاء من البلاء؟

قلت: هذا مثال جيد نفى التعارض بإنزال كل حالة محلها الخاص بها.

قال: سأزيدك ما يزيدك طمأنينة.. ألم ينه صلى الله عليه وآله وسلم عن تمني الموت.

قلت: بلى، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنياً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)([7])

قال: فلهذا يحمل ما ورد من نصوص تدل على محبة الموت أو الرغبة فيه على هذا المعنى المحكم، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه:( اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون)([8])

قلت: لقد ذكرتني بحكمة لابن عطاء الله يقول فيها:(إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية)

قال: صدق الحكيم، فما أدخلك الله فيه تولى إعانتك عليه، وما دخلت فيه بنفسك وكلك إليها.. ألم يأمرنا الله تعالى بأن نقول:﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ (الاسراء:80)؟

قلت: بلى.

قال: فالمدخل الصدق أن تدخل فيه بالله، والمخرج الصدق أن تخرج فيه بالله.

***

قلت: يا معلم.. لا يزال ذهني مضطربا، فكيف يطلب منا أن نفر من البلاء، والله تعالى يقول:﴿ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أو الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ (الأحزاب:16)

وقد ذم الله قوما تعللوا بأسباب واهية ليفروا من البلاء، فقال تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً﴾ (الأحزاب:13)

وذم الفارين من الزحف، وهم إنما يفرون اتقاء لجراح تصيبهم أو قتل يفتك بهم، فقال تعالى:﴿ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أو مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (لأنفال:16)

قال: إن الله تعالى، مع مطالبته لنا بحفظ أجسادنا وقوانا، إلا أنه طلب منا كذلك أن نبيعها له، فقال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ (الصف:10 ـ 11)

قلت: ما معنى بيع أجسادنا لله؟

قال: بأن نبذلها لله في حال الحاجة إلى ذلك، فنضحي بهذه الأجساد من أجل غاية سامية، أو خدمة نبيلة.

قلت: اضرب لي مثلا على ذلك يقرب لي هذا المعنى.

قال: مثل ذلك مثل شخص يعتني بسيارته صيانة وتنظيفا، لا حرصا عليها، وبخلا بها، وإنما لتكون في خدمته أو خدمة نبله ومروءته متى احتاج إلى ذلك.

قلت: ألهذا طلب الله تعالى منا أن نعتني بقوانا لنبذلها في سبيله بأي صورة من صور البذل، فقال تعالى:﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُواللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (لأنفال:60)؟

قال: وبذلك يكون الفرار من البلاء وأسباب البلاء نوعا من أنواع الجهاد في سبيل الله، لأن مطيتنا لطاعة الله هي هذه الأجساد، فإن أهلكناها من غير حاجة تدعو إلى ذلك كان ذلك تلف لرأس مالنا.

قلت: ولهذا ـ إذن ـ فضل صلى الله عليه وآله وسلم المؤمن القوي على المؤمن الضعيف، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)([9])

قال: أجل.. بل هذا ما نطق به القرآن الكريم، فالله تعالى يقول على لساني إحدى ابنتي الشيخ الصالح: ﴿ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص:26)

وعندما قال سليمان عليه السلام للملأ حوله مختبرا قواهم:﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل:38)، وقال ﴿ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (النمل:40) حمد سليمان عليه السلام الله تعالى لأن القوة التي تكون للمؤمن والصالح فضل عظيم من فضل الله، وفضل الله يحافظ عليه، ولا يعبث به.

قلت: فكل هذه النصوص تدعونا لحفظ قوانا.

قال: لا بأن تحبسوها في قفص ذهبي، وتحرصوا عليها حرص البخلاء.

قلت: فماذا نفعل بها؟

قال: تبذلوها للحق، وللمروءة، والنبل.. وهل الجهاد في سبيل الله إلا قمة الفتوة والمروءة !؟

قلت: ألهذا إذن استثار الله تعالى الهمم بقوله:﴿ وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ (النساء:75)

قال: وبقوله:﴿ أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أولَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة:13)

***

رأيت في مدخل هذا القسم أربع قاعات جميلة بشكل قلاع متينة، سألت المعلم عنها، فقال: هذه حصون هذا القسم.. ألا تستدعي الوقاية التحصن؟

قلت: بلى.. ولكن أي أعداء يتربصون بهذا القسم حتى يحتاجون إلى هذه الحصون؟

قال: الأعداء يتربصون بالإنسان.. وهذه الحصون تعلم كيفية مواجهة هؤلاء الأعداء.

قلت: فهمت هذا.. ولكن لم كانت بشكل حصون؟

قال: لتذكر الداخل بضرورة التحصن.. وما كان لها أن تعلم التحصن، وهي غير محصنة.

قلت: فالحراسة فيها مشددة إذن؟

قال: أكثر مما تتصور.

قلت: فما الحصن الأول منها؟

قال:  حصن الاستقامة.

قلت: فمما يحمي هذا الحصن؟

قال: هذا حصن الاحتماء من الأمراض التي يفرزها السلوك المنحرف.

قلت: وما علاقة الانحراف السلوكي بانحراف الصحة؟

قال: لأن الانحراف هو  السبب الأكبر في كل بلاء يحدث، وأنة ترتفع.. ألم تسمع قوله تعالى:﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (الذريات:50)

قلت: فما الحصن الثاني؟

قال: حصن الوقاية.

قلت: فمما يحمي هذا الحصن؟

قال: هذا حصن الوقاية، والابتعاد عن أسباب العلل، والحفاظ على أمانة الجسد التي أو دعها الله الإنسان، وعلى أمانة الوسط الذي يعيشه، وإلى هذا الركن يشير قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(فر من المجذوم فرارك من الأسد)([10])

قلت: فما الحصن الثالث؟

قال: حصن القوة.

قلت: فما حصن القوة؟

قال: هو  الحصن الذي يتم فيه تدريب قوى الجسم ليخافها البلاء، أو لتقاوم البلاء.

قلت: فما الحصن الرابع؟

قال: هذا حصن التواصل.

قلت: فما حصن التواصل؟

قال: لقد عرف أهل مدائن السلام أهمية التواصل مع العالم الذي وجد فيه الإنسان، فلذلك اهتمت بحفظ هذا التواصل وتقويته.. فأنشأت له قسما خاصا.

قلت: أتقسيم هذه الحصون اجتهاد اجتهده أهل مدائن السلام؟

قال: هو  اجتهاد باركته النصوص.

قلت: كيف تباركه النصوص؟

قال: كل اجتهاد أشارت إليه النصوص امتلأ بركة وخيرا.

قلت: فما النصوص التي أشارت إلى هذا؟

قال: لقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذه الحصون الأربعة عند ذكره لأدب من آداب النوم، باعتبار النوم محلا للغفلة التي يتحينها الأعداء.

قلت: آداب النوم كثيرة.. فما هو  الأدب الذي جمع هذه الحصون؟

قال: قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه فلينفضه بصنفة إزاره ثلاث مرات، فإنه لا يدري ما خلفه عليه بعده، وإذا اضطجع فليقل:(باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما يحفظ به عبادك الصالحين)، فإذا استيقظ فليقل:(الحمد لله الذي عافاني في جسدي، ورد علي روحي، وأذن لي بذكره)([11])

قلت: أهذا الحديث يشمل الحصون الأربعة؟

قال: أجل.. أما لحصن الأول، فيدل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم في دعاء النوم: (وإن أرسلتها فاحفظها بما يحفظ به عبادك الصالحين) ففي ذكره للصالحين دليل على أن الله يحفظ عباده باستقامتهم وسلوكهم سبيله.

ويشير إليه أيضا قوله صلى الله عليه وآله وسلم في دعاء الاستيقاظ:(الحمد لله الذي عافاني في جسدي، ورد علي روحي، وأذن لي بذكره)، وهودليل على شعور قائله بنعمة الله عليه، بل التفاته إلى هذه النعم وانشغاله بذكر الله، وهوما يقيه كل الأمراض السلوكية الناتجة عن الغفلة، وعن عدم رؤية نعم الله.

قلت: والثاني؟

قال: يدل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه فلينفضه بصنفة إزاره ثلاث مرات، فإنه لا يدري ما خلفه عليه بعده)، فهواحتماء حسي ظاهر، واحتياط شرعي له تأثيره في الحفظ والحماية.

قلت: والثالث؟

قال: هو  النوم نفسه.. أليس النوم سببا من أسباب القوة، وركنا من أركانها.

قلت: كيف هذا؟

قال: ألم ينزل الله النوم على أهل بدر ليستعدوا للمعركة بأجساد قوية؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى:﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾(لأنفال:11)

قال: فقد جعل الله تعالى النوم سببا من أسباب ربط القلوب.

قلت: والرابع؟

قال: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (وأذن لي بذكره) فذكر الله اتصال بالله، واستخدام لأدوات الاتصال.

قلت: فهمت هذا.. ولكني أرى أعداء كثيرين يتربصون بالإنسان؟

قال: ويمكنك أن تتحصن منهم بهذه الحصون الأربع.

قلت: كيف هذا؟

قال: لأن العدوإما أن يكون داخليا أو خارجيا، فإن كان خارجيا، فإما أن يكون ظاهرا أو خفيا.

أما العدوالداخلي، فهوالأمراض النفسية الناتجة عن السلوك المنحرف، وأما العدوالخارجي الظاهر فهومسببات الأمراض من الجراثيم والفيروسات والحوادث وغيرها.

أما العدوالخارجي الخفي، فمنه ما نعرفه كالشياطين، ومنه ما نجهله وأمرنا بالاستعاذة منه.

قلت: فهل ندخل هذه الحصون الأربعة.. أم نكتفي بما عرفنا عنها؟

قال: لا مناص لنا من الدخول.. فكل من دخل هذا القسم تلزمه إدارة مدائن السلام بالتحصن بهذه الحصون.

قلت: لم أعلم أن حفظ الصحة إجباري.

قال: مدائن السلام تحرص على حفظ صحة رعيتها أكثر من حرصكم على جمع الضرائب.

قلت: مدنيتنا تستفيد من الضرائب في حفظ العمران.

قال: ومدائن السلام تستفيد من صحة الرعية في حفظ الإنسان.

 

أولا  ـ حصن الاستقامة

قصدنا الحصن الأول، وقد كتب على بابه بحروف من نور قوله تعالى:﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (الذريات:50)

قلت للمعلم: ما علاقة هذه الآية بهذا الحصن؟

قال: الله تعالى يأمر عباده باللجوء إليه والاعتماد عليه في أمورهم.

قلت: وقد قرن ذلك بالتحذير والإنذار ليدل على خطورة عدم الفرار إلى الله، وعدم اللجوء إليه.. ولكن ما علاقة ذلك بهذا القسم؟

قال: أليست الصحة والعافية نعمة؟

قلت: بلى، وقد عرفنا ذلك.. وهي نعمة لا تقدر بثمن.

قال: بل قرنها صلى الله عليه وآله وسلم بنعمة اليقين والإيمان، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(سلوا الله العفووالعافية، فإن أحد لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية)([12])

قلت: وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن كون الصحة نعمة عظيمة لا يلتفت إلى قيمتها كثير من الناس، فقال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)([13])

قال: فقد عرفت إذن؟

قلت: وما عرفت؟ لم أعرف إلا أن الصحة نعمة.. وتلك معلومة قديمة سبق أن تحدثنا عنها.

قال: ألم يجعل الله تعالى للنعم حصونا تحميها، ومعاقل تحفظها؟

قلت: أجل..

قال: ومن هدم تلك المعاقل، أو كسر تلك الأبواب كان ذلك إيذانا بارتفاع العافية وحلول البلاء.

قلت: ولهذا ـ إذن ـ يقرن الله تعالى بين تبديل نعمة الله، وبين حلول البوار، كما قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (ابراهيم:28)

قال: وقد ضرب الله تعالى مثلا على هذا، فقال:﴿  وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (النحل:112 ـ 113)

قلت: فقد كان هذا اللباس الجديد من البلاء بسبب الموقف الذي وقفوه من نعم الله؟

قال: أجل.. ولهذا قالوا:(ومن حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره، وضعف قوته، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله)

قلت: لقد ذكر بعضهم أنه رأى رجلا جاوز مائة سنة وهوممتع بقوته وعقله، فوثب يوماً وثبة شديدة، فعوتب في ذلك فقال:(هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر)([14])

قال: وعكس هذا ما وري أن بعضهم رأى شيخاً يسأل الناس، فقال:(هذا الشيخ لم يحفظ الله في صغره، فلم يحفظه الله في كبره)([15])

***

بينما نحن كذلك إذ سمعنا صوتا في مدخل الباب يردد بصوت عذب هذا الأثر الإلهي:(وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب، ثم ينتقل عنه إلى ما أكره إلا إنتقلت له مما يحب عبيدي الى ما يكره ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره فينتقل عنه الى ما أحب الا إنتقلت له مما يكره الى ما يحب)

ثم تتلوه أنشودة بلحن عذب تقول:

إذا كنت في نعمة فارعها

 

فإن الذنوب تزيل النعم

وحطها بطاعة رب العباد

 

فرب العباد سريع النقم

وإياك والظلم مهما إستطعت

 

فظلم العباد شديد الوحم

وسافر بقلبك بين الورى

 

لتبصرى آثار من قد ظلم

فتلك مساكنهم بعدهم

 

شهود عليهم ولاتتهم

وما كان شىء عليهم اضر

 

من الظلم وهوالذي قد تصم

فكم تركوا من جنان ومن

 

قصور وأخرى عليهم اطم

قلت للمعلم: من أين تصدر هذه الأصوات الجميلة؟

قال: من إذاعة هذا القسم.

قلت: ألهذا القسم إذاعة.. ما أغنى مدائن السلام؟

قال: هي ليست كإذاعاتكم.. أنتم متخلفون كثيرا بالنسبة للحضارة التي وصلوا إليها هنا.

قلت: فكيف وصلوا إليها؟

قال: ببركات الله..

قلت: ماذا تقول؟

قال: لقد سمعوا قوله تعالى:﴿ وَلَوأَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأعراف:96)، فآمنوا واتقوا، فلما رأى الله صدقهم أنزل عليهم بركات من السماء والأرض.

قلت: ولكن قومي، ومن غير أن يسمعوا إلى هذه الآية، وصلوا إلى أشياء كثيرة.

قال: ليست العبرة بالكثرة، وإنما العبرة بالبركة، فقد يعطيك الله الكثير فيكون سببا لهلاكك، ويعطيك القليل المبارك فيفتح عليك به مفاتيح جنانه.

قلت: هذا صحيح.. فنحن نجمع في حياتنا صنوفا من النعم، ولكن لا نكاد نحس بها.

قال: ويوشك لو استمر بكم الأمر على ما أنتم عليه من الغفلة أن تسلبوا ما أعطيتم من النعم.

قلت: كيف؟

قال: ألا تعرف حضارة سبأ؟

قلت: أجل.. فهي حضارة راقية، فقد كانت لها من الجنات ما تنبهر له الأبصار، كما قال تعالى يصفها:﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (سـبأ:15)

قال: ولكنهم بإعراضهم عن الله وانحراهم عن سبيله أدركتهم سنة الله فيمن حاد عن الله، قال تعالى يبين الحال التي انتقلوا إليها، وسببها:﴿ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ (سـبأ:16)، فهذا الذي صار إليه أمر تينك الجنتين إليه بعد كفرهم وشركهم باللّه وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل، فبعد الثمار النضيجة والمناظر الحسنة والظلال العميقة والأنهار الجارية تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير والثمر القليل.

قلت: ولكن مع ذلك فحضارة السبأيين بدائية بالنسبة لحضارتنا.

قال: القرآن الكريم يعمم هذا النموذج على كثير من القرى التي انحرفت عن سبيل الله، قال تعالى يبين سنته في ذلك:﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص:58)، وقال تعالى:﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ (طـه:128)، وقال تعالى:﴿ وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (العنكبوت:38)، وقال تعالى:﴿ أو لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ (السجدة:26)

***

قلت للمعلم: تلك عقوبات قدرية، قدرها الله على من لم يحترموا نعمه.

قال: والله بحكمته يشرع للعاصين من التشريعات ما يعاقبهم به جزاء وفاقا على معاصيهم.

قلت: لقد حرم الله تعالى بعض الطيبات على اليهود بسبب بغيهم، فقال تعالى:﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أو الْحَوَايَا أو مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (الأنعام:146)، أي إنما حرمنا عليهم ذلك لأنهم يستحقون ذلك بسبب بغيهم وطغيانهم، ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه.

وقد صرح القرآن الكريم بالغرض من تحريم هذه الطيبات وغيرها، فقال تعالى:﴿  فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ (النساء:160 ـ 161)

ومثل ذلك ما أمر به بنوإسرائيل من قتل أنفسهم مع أن الشريعة في الأصل تحرم قتل النفس مطلقا، قال تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هو  التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:54)

قال: وليس ذلك خاصا ببني إسرائيل، فالعقوبات التشريعية مستمرة في هذه الأمة، ولوأنها لم تتخذ الطابع الجماعي، باعتبار عموم الرسالة وخلودها، فلذلك وضع الشرع الحدود والزواجر عقوبة وردعا للمنحرفين.

قلت: أجل.. فمن ظاهر من زوجته مثلا، أمر عقابا له بهذا التكفير الشديد، قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المجادلة:3 ـ 4))

وسبب ذلك أن هؤلاء المظاهرين يقولون منكرا من القول وزورا، قال تعالى:﴿ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوغَفُورٌ﴾ (المجادلة:2)

قال: وهكذا كانت العقوبات قدرية وتشريعية قانونا إلهيا وسنة من سنن الكون لا تكاد تتخلف.

قلت: ولهذا ورد في الآثار بيان أثير المعصية في العافية، ومن ذلك قوله عبد الله بن عباس: (إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادا في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهنا في البدن، ونقصا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق)

وقد ذكروا تأثير المعاصي في الراحة النفسية، فهذا رجل يشكو لبعض الصالحين وحشة يجدها في نفسه فقال له:

إذا كنت قد أو حشتك الذنوب     فدعها إذا شئت واستأنس

***

رأيت بابين داخل هذا القسم، والمرضى يدخلون منهما بعد أن يتعرضوا لتفتيش شديد، سألت المعلم عنهما، فقال: هذان البابان يحويان العلاج مما ينبغي الفرار منه من الذنوب المؤثر على العافية.

قلت: أوراء تلك الأبواب أطباء يعالجون الذنوب؟

قال: أجل.

قلت: هل يسقى المريض فيها ما يجعله بريئا من الذنوب كيوم ولدته أمه؟

قال: لا.. بل يعطى من الحقائق والعلم، ممزوجا بالتربية والتمرين ما يقلع منه أصول المعاصي وفروعها.. ألستم تجعلون في مستشفياتكم محال لتمرين المرضى وتأهيلهم للحياة الصحية؟

قلت: بلى.. فبعض الأمراض تستدعي ذلك؟

قال: فكذلك رأت إدارة هذا القسم أن أكثر الأمراض ناشئة عن الانحرافات الخلقية، فلذلك جعلت هذا القسم الخاص بالوقاية منها.

قلت: وبذلك يتقون كل العلل التي تنبع من هذه الانحرافات.

قال: أجل.. فالوقاية خير من العلاج.

قلت: ولكن الذنوب كثيرة جدا لا تكاد تحصى، فلم وضع لها قسمان فقط؟

قال: هذان القسمان يحويان أصول الذنوب.

قلت: فما هما؟

قال: اجتناب الإثم، واجتناب العدوان، فكلاهما مما وردت النصوص بوجوب اجتنابه، قال تعالى منكرا على من اتصف بالإثم والعدوان:﴿ وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:62)، وقال تعالى:﴿ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ (البقرة:85)، وقال تعالى:﴿ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَان﴾ (المجادلة:8)

قلت: فما الفرق بينهما؟

قال: مع أن كلا المصطلحين قد يطلق على الذنوب جميعا إلا أن اقترانهما في هذا الموضع يدل على أن لكل منهما معنى خاصا يشير إلى نوع من أنواع الانحراف.

وقد اختارت إدارة هذه الحصون مما قيل في التفريق بينهما أن الإثم يعني الذنوب التي تضر صاحبها فقط، على عكس العدوان الذي يتعدى طوره صاحبه الى الآخرين.

اجتناب الإثم

اقتربنا من الباب الأول، فرأينا لافتة كتب عليها قوله تعالى:﴿ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ (الأنعام:151)، ورأيت على المدخل جهازا لم أر مثله في حياتي، لا يسمح للدخول إلى القسم إلا بعد المرور عليه.

قال لي المعلم: ادخل في هذا الجهاز، فإنه لن يسمح لك بالدخول إلا بعد المرور عليه.

قلت: وما هذا الجهاز؟

قال: هذا جهاز يبين أنواع الإثم التي تمتلئ بها نفسك.

قلت: يا ويلتي.. هذا جهاز الفضائح إذن.

قال: لا.. هذا جهاز ناصح لا فاضح.. فإنه لا يسلم المعلومات لغيرك.

قلت: فما الحاجة إليه إذن.. فلا أحد يجهل فضائحه؟

قال: لا.. هناك من لا يفرق بين الطاعة والمعصية.. ألا تعلم ثمرات الغفلة؟

قلت: بلى.. وقد قال تعالى:﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾(الكهف:104)

قال: وقال تعالى:﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران:188)

قلت: فهمت هذا.. ولكن ما فائدة أن يعطيك جريدة فضائحك؟

قال: لتعالجها.. ألا تعلم أن التشخيص هو  نصف العلاج؟

قلت: أهذا جهاز أشعة إذن؟

قال: أجل.. وما يعطيك من نتائج هي التي تذهب بها إلى الأطباء ليعرفوا مبلغ العلة فيك، فيعالجوك بحسب ما تحتاجه من أدوية.

قلت: الله ! لقد بلغت مدائن السلام مبلغا عظيما في التطور.

قال: أنت لم تر شيئا..

قلت: هل سندخل جميعا لهذا الجهاز؟

قال: لا.. ادخل أنت فقط.. أما أنا فلا علاقة لي بهذا.. أنسيت أني معلم السلام؟

قلت: ولكن هؤلاء الحرس الأشداء لن يتركوك إلا بعد أن تمر.

ضحك، وقال: لا بأس إن طلبوا مني الدخول، فسأدخل.

دخل معلم السلام من الباب، فلم أر أحدا  من الحراس انتبه له، ولا اهتم به مع أن الذبابة تمر، فلا يسمح لها بالدخول حتى تمر على ذلك الجهاز..

أردت أن أدخل كما دخل معلم السلام، فواجهني أحد الحرس بشدة، وقال: مر على الجهاز أو لا.

قلت: ولكن معلم السلام مر عليكم دون أن يمر على الجهاز.

ضحكوا فيما بينهم، وقالوا: لا تمر علينا الذبابة إلا بعد أن تمر عليه، فكيف يمر علينا معلمك هذا؟

لم أجد بدا من الدخول، ولكني لم أجد في نفس الوقت بدا من سؤال المعلم عن سر عدم أمره بالمرور على الجهاز، فقال لي: إذا صرت مثلي، فلن يأمرك أحد، ولن يحاسبك أحد، ألم تعلم أن سبعين ألفا من هذه الأمة يدخلون الجنة من غير أن يعرفوا حسابا ولا ميزانا؟

قلت: فأنت منهم إذن.

قال: دعك من هذا، ودعك مني.. هل جئت بالوثيقة معك؟

قلت: أجل..

قال: فاحتفظ بها لنفسك.. ولا ترها أحدا من خلق الله إلا لمن وكل الله إليهم علاجك.

قلت: لم؟

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه فيصبح يكشف ستر الله عز وجل عنه)([16])

***

بينما نحن كذلك مر علينا رجل، وهويصيح بصوت فيه قوة وحزم، وهويردد قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(يا معشر المهاجرين! خصال خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم من غيرهم فأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل ويتخيروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)([17])

قلت للمعلم: ما يقول هذا؟

قال: هذا يذكر المرضى بالعقوبات القدرية التي ينزلها الله تعالى على الآثمين.

 قلت: أهي عقوبات كعقوبات عاد وثمود؟

قال: لا.. لا يشترط أن تأتي عن طريق الخوارق، فالله يعاقب بسننه التي نظم بها الكون.

قلت: اشرح لي هذا.

أمسك بيدي شخص وقور أظنه يعمل طبيبا في مدائن السلام، وقال لي برقة: أنا معاصر لك، وأعلم كثيرا مما يدور في خلدك.. إن دلائل هذا في الواقع منتشرة، تدل عليها البحوث العلمية، وتزيد في توثيقها الإحصاءت الدقيقة، وتزيد في تأكيدها التجربة والمعايشة.

قلت: فاضرب لي مثالا على ذلك.

قال: سأضرب لك مثالا بسيطا قد يعتبره نفر من قومي وقومك بأنه من القشور التي لا يصح الحديث عنها.

قلت: كثير من الأشياء يعتبرها قومي كذلك.. ولو أني طبعت على حب أكل القشور، كما أحب أكل اللباب.

قال: لقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن النفخ في الشراب والطعام.

قلت: أجل.. لقد وردت أحاديث كثيرة في هذا تدل على أهمية المسألة.

قال: أتدري ما عاقبة التفريط في تطبيق هذا النهي الشرعي مع بساطته مقارنة بالأحكام الأخرى.

قلت: لا.. ولا أظن الأمر له عواقب خطيرة.

قال: لقد تسبب التفريط في هذا إلى في حدوث أو بئة خطيرة، فقد أجرى بعض الباحثين دراسة على درن([18]) الأمعاء في السودان، فوجدوا أن السبب الرئيسي لدرن الأمعاء في السودان هو جرثومة الدرن الإنسانية، بعكس ما هو  معروف عالميا من أن السبب هو  الجرثومة الدرنية البقرية.

قلت: فما سر هذا؟

قال: أرجع هؤلاء الباحثون علة ذلك إلى العادة المتبعة في خض اللبن وصنع الزبدة منه حيث يتم ملء القربة إلى نصفها باللبن، ثم تنفخ المرأة ـ والتي قد تكون مصابة بدرن الصدر ـ بفمها في القربة لتملأ النصف الآخر بالهواء، ثم يبدأ خض اللبن وتفصل الزبدة ويشرب اللبن بدون غلي أو تسخين، وبالتالي ينتقل المرض من صدر المرأة إلى أمعاء الآخرين، وتنتشر  هذه العادة في كثير من بلاد المسلمين مع أنه منهي عنها شرعا.

قلت: سبحان الله.. إننا نحتقر مثل هذا.. فيعاقبنا الله بما كنا في غنى عنه.

***

 رأيت بابين داخل هذا الحصن، فسألت المعلم عنهما، فقال: ألم تقرأ قوله تعالى:﴿ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ (الأنعام:151)؟

قلت: بلى.. فما علاقة هذه الآية بالبابين؟

قال: الآثام تنقسم إلى قسمين: آثام ظاهرة، وآثام باطنة، وكلا القسمين له أثره الخطير على الصحة، وقد رأت إدارة هذه الحصون تخصيص قاعتين لعلاج ذلك.

باطن الإثم:

دخلنا القاعة الأولى.. وقد كانت أشبه بحصن منيع، فشعرت بانقباض نفسي نتيجة لذكريات مرت على خاطري، لست أدري ما الذي جلبها إلى خاطري تلك اللحظة، وقد كانت من القوة بحيث شغلتني عن النظر في جدر تلك الحصن وأبوابه مع أنها كانت في منتهى الروعة والجمال.

ثم ازدادت الخواطر شدة حتى ذهلت عن معلم السلام، وأصبحت أهذي بالحديث عن أولئك الأعداء الذين لم يكتفوا بتكدير حياتي، بل راحوا بأشخاصهم المخيفة في زوايا صدري يكدرون تلك اللحظات السعيدة التي أعيشها في مدائن السلام.

قلت للمعلم: أنجدني من هؤلاء الأعداء الذين يملأون صدري بالوساوس وخواطر السوء.

قال: فمن تركهم يسكنون صدرك؟

قلت: ظلمهم وحقدهم وطغيانهم.

قال: فلماذا جعلت صدرك فندقا لهم؟

قلت: هم نزلوه غصبا عني.

قال: صدرك هو حصنك، ولا يقتحمه إلا من فتحت له.. فأبواب حصونك لم يجعلها الله لغيرك.

قلت: أترى أن المفاتيح ضاعت مني، فأخذوها وولجوا حصون صدري، أو تراهم حطموا الحصون ودخلوا، أو تراهم..

قال: ليس الشأن أن تعرف كيف دخلوا، ولكن الشأن أن تعرف كيف تخرجهم.

قلت: فكيف أخرجهم.. فإني لن أشعر بالسعادة ما داموا ينزلون فنادق صدري.

قال: بالسلوك.. ألسنا في حصن الاستقامة؟

قلت: فما حصن الاستقامة؟

قال: هو  الحصن الذي يطهر أرض النفس من الأعشاب السامة، والأشواك الجارحة، والظلمة القاتمة، لأن امتداد هذه الظلمات يسري من النفس إلى الروح، ومن الروح إلى الجسد، فينهك قواه، ويقطع أو صاله، ويهدم بنيانه.

قلت: أحصون العافية تبحث في هذا؟

قال: من الحماقة أن تهتم الحصون بدفع الآفات عن الأجسام الظاهرة، ثم تترك البواطن مأوى للخفافيش والعقارب والحيات.

قلت: لقد ذكرتني بقول الغزالي:(ما أشد حماقة من دخلت الأفاعي والعقارب تحت ثيابه وهمت بقتله، وهويطلب مذبة يدفع بها الذباب عن غيره، ممن لا يغنيه ولا ينجيه مما يلاقيه من تلك الحيات والعقارب إذا همت به)([19])

قال: ولهذا اعتبر القرآن الكريم ما يحدث في القلب من ظنون سيئة وأفكار رديئة مرضا، بل مرضا خطيرا، فقال تعالى:﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة:10)

وهذا المرض أخطر بكثير من مرض الأجساد، لأن مرض القلب مرض للروح، ومرض الروح يمتد ليشمل كل وسائل الإدراك، قال تعالى:﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة:7)، وقال تعالى:﴿ أو لَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (النحل:108)

فإذا شغل وسائل الإدراك وملأها ظلمة لم يجد معه أي علاج، فلهذا لا تنفعهم رقى القرآن الكريم التي ينتفع بها جميع الناس، قال تعالى:﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (التوبة:125)

قلت: ألهذا تبتلى القلوب المريضة بالهم والغم والكآبة؟

قال: أجل.. ولكنهم يسترونه بالزهو الكاذب، والفرح الذي لا يعدو أن يكون كبرا وبطرا، قال تعالى:﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران:120)

قلت: والهم والغم هما منبعا العلل ومصدرا الأمراض جسديها ونفسيها.

رأيت داخل القاعة رجلا بزي عصري يتكلم بلغة عربية مختلطة بعجمة، سألت المعلم عنه، فقال: هذا رجل من قومك جاء أستاذا زائرا لهذه الحصون، ليبين للمرضى العلاقة بين الأمراض الحسية والأمراض السلوكية.

قلت: لم؟

قال: لا تكتمل العافية إلا بتحصين الجسم من جميع ثغراته.. أرأيت لوأن حصنا منيعا التف الأعدء به من كل ناحية، وكانت أبوابه موصدة جميعا، لكن بابا من أبوابه فتح لدخول الأعداء، ولم يلق أي مقاومة، هل سيبقى الحصن منيعا؟

قلت: لا.. سيستعمر هذا الحصن لا محالة، وسيسبى أهله، أو يقتلون.

قال: فكذلك حصن الجسم.. لا يكفي أن تحصنه من جهة، وتترك الرياح والأعاصير تعبث به من جهات أخرى.

اقتربنا من الرجل، فسمعناه سائلا يقول له: الأمراض العصبية والنفسية تنتشر في عصرنا انتشارا شديدا متفاقما، فما أسباب ذلك؟

قال: إن من الأسباب الرئيسية لهذه الأمراض الشعور بالإثم والخطيئة والحقد والقلق والكبت والتردد والشك والغيرة والأثرة والسأم.. ومما يؤسف له أن كثيراً ممن يشتغلون بالعلاج النفسي قد ينجحون في تقصي أسباب الاضطراب النفسي الذي يسبب المرض، ولكنهم يفشلون في معالجة هذه الاضطرابات لأنهم لا يلجأون في علاجها إلى بث الإيمان بالله في نفوس هؤلاء المرضى.

ونحب فوق ذلك أن نتساءل عن هذه الاضطرابات الانفعالية والعوامل التي تسبب تلك الأمراض، إنها هي ذاتها الاضطرابات التي جاءت الأديان لكي تعمل على تحريرنا منها.

فقد علم الله بقدرته وحكمته حاجاتنا النفسية ودبر لها العلاج الكامل، وقد وصف الأخصائيون النفسيون القفل الذي يغلق باب الصحة، وآتانا الله المفتاح الذي يفتح هذا الباب، ولا يمكن أن يقودنا التخبط الأعمى إلى فتح هذا القفل المعقد، بل إنه لا يستطيع أن يمدنا بالمفتاح الذي يفتح باب الروح الإنسانية، فالله وحده هو  الذي يستطيع أن يهدينا طريق الصواب.

فماذا يخبرنا الله ـ  المستعان على فهم الأمورـ عن هذه المفاتيح؟ إن ذلك يتلخص في أننا نركب الإثم والذنوب ونحتاج إلى عفوالله ومغفرته، حتى نعود إلى رحابه ونعفو عن غيرنا إن المذنبين الذين ينالهم هذا الصفح تتجلى في نفوسهم روح الله فيذهب عنهم الخوف القلق، ولا يكون هنالك سبيل إلى إصابتهم بالكبت والغيرة والأثرة.

فعتدما تحل محبته في القلب، تفارقها الشرور والآثام، ولا ينتابها السأم وتفيض بالآمال الحية التي تنبعث منها الحياة.

سأله سائل آخر: اذكر لنا من واقع تجربتك ما يبرهن على هذا؟

قال: لقد وجدت في أثناء ممارستي للطب أن تسلحي بالنواحي الروحية إلى جانب إلمامي بالمادة العلمية يمكناني من معالجة جميع الأمراض علاجاً يتسم بالبركة الحقيقة، أما إذا أبعد الإنسان ربه عن هذا المحيط، فإن محاولاته لا تكون إلا نصف العلاج، بل قد لا تبلغ هذا القدر.

فمعظم القرح المعدية لا ترجع إلى ما يأكله الناس كما يقال، وإنما إلى ما تأكل قلوبهم، ولابد لعلاج المريض بها من علاج قلبه وأحقاده أو لاً، وليكن لنا أسوة بالأنبياء الذين كانوا يصلون من أجل أعدائهم ويدعون لهم بالخير، فإذا تطهرت قلوبنا وصرنا مخلصين، فإننا نشق طريقنا نحوالشفاء، وبخاصة إذا كان العلاج الروحي مصحوباً بتناول المواد ضد الحامضية وغيرها من العقاقير التي تساعد على الشفاء من هذه القرح.

وهنالك كثير من الحالات النفسية التي يلعب الخوف والقلق دوراً هاماً فيها، فإذا عولج الخوف والقلق على أساس تدعيم إيمان الإنسان بالله، فإن الصحة والشفاء يعودان إلى الإنسان بصورة كأنها السحر في كثير من الحالات.

التفت إلي المعلم، وقال: هذا الكلام لم يقله الربانيون من هذه الأمة، وإنما قاله طبيب درس الطب كما يدرس المعادلات الرياضية، ولكن خبرته أرشدته إلى حقيقة الأدواء التي تعاني منها الحضارة الحالية، الحضارة التي تهتم بإحلال السلام على الأرض، وتغفل عن النفوس، مع أن السلام لا ينطلق إلا من النفوس.

***

رأيت داخل الحصن أبوابا كثيرة جدا، كل باب يدخل منه مرضى كثيرون، سأت المعلم عنه، فقال: هذه الأبواب تؤدي إلى القاعات المكلفة بعلاج العلل السلوكية المؤدية إلى العلل الجسدية.

قلت: فمن يرسل المرضى إلى هذه الأبواب؟

قال: جميع أقسام هذه الحصون.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ربما يأتي المريض لعلاج علة من العلل، فيجري الطبيب فحوصاته، فيرى باطنه مملوءا بالكدورات، فلا يرى له من علاج غير غسل تلك الكدورات ليستقيم له علاجه، وكثير من المرضى المرسلين إلى هذا الحصن يعودون إلى بيوتهم من غير أن يعودوا للاستشفاء.

قلت: لم؟

قال: لأن العلل التي كانت تكدر صفو حياتهم لم تكن علل أجساد، بل كانت علل قلوب تفرز سمومها على أجسادهم.

قلت: فهل سندخل من هذه الأبواب جميعا؟

قال: إذن لن نخرج من هنا أبدا..

قلت: ولكن أنترك الشياطين تعشش في قلوبنا؟

قال: لنا رحلات أخرى خاصة بعلاج هذه العلل.. أما الآن، فسنكتفي بزيارة قاعتين من هذه القاعات لنتبين من خلالهما أثر الأمراض النفسية في الحالة الصحية.

الحسد:

دخلنا القاعة الأولى، وقد كتب على بابها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( دب فيكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضة هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين، والذي نفس محمد بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا)([20])

قلت للمعلم: أهذه القاعة مخصصة لعلاج الحسد.

قال: أجل.. ألم تر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعتبر الحسد داء من الأدواء الخطيرة؟

قلت: وقد اعتبره حالقا للدين.

قال: هو حالق للدين وللدنيا، فلا راحة لحاسد في دنياه، ولا استقرار له في دينه.

قلت: وقد ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)([21])

قال: وهويأكل الصحة والعافية كما تأكل النار الحطب.

 رأيت مرضى كثيرين في هذه القاعة، ورأيت أطباء كثيرين مجتمعين.. كل طبيب يحاول أن يقنع مرضاه بخطورة الحسد.

قلت للمعلم: لماذا اجتمع كل هؤلاء الأطباء لبيان خطورة الحسد؟

قال: هذا هو  الركن الأول من علاج الحسد، كما أنه الركن الأول لعلاج كل علة.. ألا ترى أنك لا تسارع للطبيب إلى إذا خشيت على صحتك من داء له خطر أو بعض الخطر.

قلت: أجل.. فلو جرحت أصبعي مثلا.. وسال الدم منها، لا أسارع للطبيب..

قال: فدور هؤلاء الأطباء هو  توعية المرضى بخطورة هذا الداء ليشعلوا في قلوبهم النيران التي تحثهم على طلب العلاج.

اقتربنا من بعض الأطباء، فسمعناه يقول:.. ولعظم ضرر الحسد على الإنسان وعلى المجتمع، فقد نفر القرآن الكريم منه، وأمر بالاستعاذة من شر الحاسد كما أمر بالاستعاذة من نفث الشيطان، فالحسد مفسد للطاعات، باعث على الخطايا.. وهو نار تضطرم في صدر الحسود، فما تراه إلا كاسف الوجه، قلق الخواطر، غضبان على القدر قد عادى حكمة الله، قال تعالى:﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾(النساء:54)..

اقتربنا من طبيب آخر([22])، فسمعناه يقول:.. الحسد يضر بالنفس لأنه يشغلها عن التصرف المفيد لها وللبدن، وذلك يسبب طول الحزن والتفكر، ثم إنه يضر بالجسد لما يعرض للمحسود من طول السهر وسوء الاغتذاء، وينشأ عن ذلك رداءة من اللون وسوء السحنة وفساد المزاج.

اقتربنا من طبيب آخر([23])، فسمعناه يقول:.. والحسد يؤدي إلى ظهور انفعالات نفسية عصبية كما تضطرب عنده الغدد الصماء، فيعتل جسمه ويذوب.

فالحاسد دوماً في ضيق وقلق، وهذا يصحبه الأرق، ومع استمرار الأرق يحس بالإعياء والتعب ويفقد شهيته للطعام ويتناقص وزنه ثم تظهر عنده أعراض عصبية مزعجة، كالصداع والطنين في الأذنين تمنع عنه الراحة والهدوء، وقد تظهر آلام خناقية في صدره، وكلما احتدمت نزوات حسده زاد الألم وتكررت نوباته مما يعرضه للإصابة بالذبحة الصدرية.

والحسد يهيء للإصابة بقرحة المعدة التي ثبت أنها تنشأ من الانفعالات أكثر مما تنشأ عن خطأ في التغذية، وقد يؤدي لارتفاع الضغط الدموي، والذي يتناسب ارتفاعه مع زيادة الانفعالات ويعظم خطره. ونحن نعلم أن أطباء القلب يوصون المرضى بالهدوء والراحة وترك الهواجس، ونبذ انشغال الفكر بالغير والبعد ما أمكن عن الانفعالات النفسية.

وقد يسبب الحسد مرض السوداء [ المانخوليا ] عند الحاسد وحبه للوحدة والعزلة غير ما يؤدي إليه من ارتباك العقل وعدم القدرة على التركيز، وكم سبب الحسد عند صاحبه من عقد نفسية وتركت عنده أمراضاً لا يمحى أثرها.

وأخيراً فإنك لن ترى حاسداً حقوداً إلا وقد رسم في وجهه تجاعيد الشيخوخة ولفحة الشيب ـ المبكران ـ وإن كان في عنفوان شبابه.

اقتربنا من طبيب آخر، وقد كانت تلوح عليه سيما الغزالي، وهويقول: اعلم أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين، وأنه لا ضرر فيه على المحسود بل ينتفع به فيهما.

أما كونه ضرر عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى وعدله الذي أقامه في ملكه وهذه جناية لى التوحيد … وأما كونه ضرر عليك في الدنيا فهوأنك تتألم بحسدك أو تتعذب به، ولا تزال في كمد وغم بكل نعمة تراها على غيرك.. وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فلأن النعمة لا تزول بحسدك، بل قدر الله تعالى من نعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل قدره الله فلا حيلة في دفعه، ولكل أجل كتاب.. وأما أن المحسود ينتفع به في الدين فهوأنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى الغيبة والقدح فيه، فهذه هدايا تهديها إليه من حسناتك حيث تأتي مفلساً يوم القيامة([24]).

الغضب:

دخلنا القاعة الثانية، وقد كتب على بابها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)([25])

قلت للمعلم: لا شك أن هذه القاعة مخصصة لعلاج الغضب.

قال: أجل.. وهل هناك داء أدوى من الغضب؟.. وهل هناك مصارع لدود أشد فتكا من الغضب؟

قلت: لقد نبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن القوي الحقيقي هو من استطاع التغلب على نزعة الغضب التي تستفزه، فقد مر بقوم يصطرعون فقال:(ما هذا؟)، قالوا: فلان لا يصارع أحداً إلا صرعه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(أفلا أدلكم على من هو  أشد منه؟ رجل كلمه رجل فكظم غيظه، فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه)([26])

قال: ولهذا جعل الله تعالى كظم الغيظ من صفات المؤمنين في آيات كثيرة، فقال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾(الشورى:37)، وقال تعالى:﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾(آل عمران:134)، ووصف عباد الرحمن فقال:﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هو  ناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾(الفرقان:63)

قلت: وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكتفي بوصية من يستفزه الغضب بترك الغضب، ويكتفي بذلك، فقد روي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أو صني فقال: لا تغضب فردد مراراً فقال:(لا تغضب)([27])

 قال: وقد قال له رجل: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تغضب)([28])، بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم بما هو  فوق ذلك، فقال:(من كظم غيظاً وهوقادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين فيزوجه منها ما شاء)([29])

قلت: واعتبر صلى الله عليه وآله وسلم الغضب مفسدا للإيمان، فقال:(إن الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل)([30])

قال: وهومفسد للخلق، فلا يمكن لمن يستفزه الغضب أن يحسن خلقه، وقد قيل لبعضهم:أجمل لنا حسن الخلق، فقال:(ترك الغضب)

رأيت داخل هذه القاعة كثيرا من المرضى، ومعهم كثير من الأطباء، فسألت المعلم عنهم، فقال: هذا النوع من الأمراض يحتاج أطباء كثيرين بتخصصات مختلفة، فلا يمكن أن تقتلع جذور هذه العلل، أو توجه التوجيه الصحيح إلا بجهد عظيم.

اقتربنا من أحدهم، فسمعناه يقول: إن الانفعالات الشديدة والضغوط التي يتعرض لها الإنسان كالخوف والغضب يحرض الغدة النخامية على إفراز هرمونها المحرض لإفراز كل من الإدرينالين والنور أدرينالين من قبل الغدة الكظرية، كما تقوم الأعصاب الودية على إفراز النور أدرينالين.

قلت: فما في ارتفاع هرمون الإدرينالين والنور أدرينالين في الدم؟

قال: ارتفاعهما يؤدي إلى تسارع دقات القلب، وهذا ما يشعر به الإنسان حين الانفعال، والذي يجهد القلب وينذر باختلاطات سيئة، فهو يعمل على رفع الضغط الدموي بتقبيضه للشرايين والأوردة الصغيرة.. كما أن الارتفاع المفاجيء للضغط قد يسبب لصاحبه نزفاً دماغياً صاعقاً يؤدي إلى إصابة الغضبان بالفالج، وقد يصاب بالجلطة القلبية أو الموت المفاجئ، وقد يؤثر على أوعية العين الدموية فيسبب له العمى المفاجيء، وكلنا يسمع بتلك الحوادث المؤلمة التي تنتج عن لحظات غضب([31]).

اقتربنا من طبيب آخر، فسمعناه يقول:.. هذا وإن ارتفاع النور أدرينالين في الدم يحرر الغليكوجين من مخازنه في الكبد ويطلق سكر العنب مما يرفع السكر الدموي، إذ من المعلوم أن معظم حادثات الداء السكري تبدأ بعد أنفعال شديد أو غضب.

أما ارتفاع الأدرينالين فيزيد من عمليات الإستقلاب الأساسي ويعمل على صرف كثير من الطاقة المدخرة مما يؤدي إلى شعور المنفعل أو الغضبان بارتفاع حرارته وسخونة جلده([32]).

اقتربنا من طبيب آخر، فسمعناه يقول:.. كما ترتفع شحوم الدم مما يؤهب لحدوث التصلب الشرياني، ومن ثم إلى حدوث الجلطة القلبية أو الدماغية كما يؤدي زيادة الهرمون إلى تثبيط حركة الأمعاء ومن ثم إلى حدوث الإمساك الشديد، وهذا سبب إصابة ذوي المزاج العصبي بالإمساك المزمن.

اقتربنا من طبيب آخر، فسمعناه يقول: ويزداد أثناء ثورات الغضب إفراز الكورتيزون من قشرة الكظر مما يؤدي إلى زيادة الدهون في الدم على حساب البروتين، ويحل الكورتيزون النسيج اللمفاوي مؤدياً إلى نقص المناعة وإمكانية حدوث التهابات جرثومية متعددة، وهذا ما يعلل ظهور التهاب اللوزات الحاد عقب الانفعال الشديد، كما يزيد الكورتيزون من حموضة المعدة وكمية الببسين فيها مما يهيء للإصابة بقرحة المعدة أو حدوث هجمة حادة عند المصابين بها بعد حدوث غضب عارم.

اقتربنا من طبيب آخر، فسمعناه يقول:.. وأثبتت البحوث الطبية الحديثة وجود علاقة وثيقة بين الانفعالات النفسية ومنها الغضب وبين الإصابة بالسرطان.. وتمكن العلم أن يبين مدى خطورة الإصابة السرطانية على إنسان القرن العشرين، قرن القلق النفسي، وأكدت الدراسات أن الأشخاص الذين يعانون من انفعالات نفسية مريرة بصورة مستمرة يموتون بالسرطان باحتمال نسبي أكبر.

قلت: فما علاقة الانفعالات النفسية بالسرطان؟

قال: تولد الانفعالات النفسية اضطراباً هرمونياً خطيراً في الغدد الصماوية يؤدي إلى تأرجح في التوازن الهرموني بصورة دائمة، وهذا التأرجح يساعد على ظهور البؤرة السرطانية في أحد أجهزة البدن([33]).

اقتربنا من طبيب آخر، فسمعناه يقول: إن التأثيرات التي تحصل في البدن نتيجة الغضب الشديد والذي يسبب فيضاً هرمونياً يؤدي إلى ما يشبه التماس الكهربائي داخل المنزل بسبب اضطرابات الدارة الكهربائية، وما ينتج عن ذلك من تعطل في كافة أجزاء الدارة الكهربائية.

***

 قلت: لقد ذكر هؤلاء مخاطر الداء، ولم يذكروا علاجه.

قال: تفاصيل العلاج تحتاج أدوية كثيرة وتمارين خاصة، منها ما يؤدى هنا، ومنها ما له أقسام خاصة به.

قلت: فلنمر على بعضها.

قال: سنكتفي بالمرور ـ هنا  ـ على بعض أطباء يطبقون ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من علاج الغضب حال حدوثه.

سرنا إلى طائفة من الأطباء ترتسم في وجوههم علامات الإيمان، وهم يقلبون دفاتر الهدي النبوي، ويقارنونه بما توصلوا إليه من أبحاث.

قال أحدهم: لا شك أن سرعة الغضب من الأمراض المهلكة للبدن والمستنفذة لقواه.. ولهذا جاءت التعاليم النبوية بطرق ناجعة لمكافحته والحد من تأثيره السيء على البدن.

وأول ذلك أن يروض المسلم نفسه على الحلم، فبه تستأصل جذور العداوات من النفس وتستل الخصومات من القلوب.

قال آخر([34]): ومن ذلك أن يستعيذ الغضبان بالله من الشيطان الرجيم، كما روي في الحديث أن رجلين استبا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحدهما يسب صاحبه مغضباً قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(إني لأعلم كلمة لوقالها لذهب عنه ما يجد، لوقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)([35])

ولهذا ينصح علماء الطب النفسي الأشخاص الذين يتعرضون إلى نوبات الغضب إلى تمارين خاصة.. فهي تؤدي إلى نتائج مذهلة، فهي تسبب استرخاء في الذهن يؤدي إلى انطفاء نار الغضب وإخماد الثورة العصبية.

ومنها أن يعدّ الشخص من 1ـ 2ـ 3.. وحتى 30 قبل أن ينطق بأي حرف.. وهذه الحقيقة في مجال الطب النفسي اكتشفها نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم حين أمر الغاضب أن يتعوذ بالله عدة مرات، وهذا واضح من مفهوم قوله تعالى:﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف:200)

قال آخر: ومن هذا الباب دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغاضب إلى السكوت وعدم النطق بأي جواب، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا غضب أحدكم فليسكت)([36])

قال آخر([37]): ويوصي صلى الله عليه وآله وسلم الغضبان بتغيير الوضعية، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا غضب أحدكم وهوقائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع)([38]).. وهذا هدي نبوي كريم له فائدة عظيمة في تهدئة ثورة الغضب، فالطب الحديث يحث كل من يتعرض للغضب الشديد والانفعالات النفسية بالاسترخاء قبل إطلاق العنان للجوارح واللسان.

وهذه الحقيقة الطبية كان لها بالغ الأثر في الوقاية من أخطر الأزمات عندما يوفق المرء في تمالك نفسه عند الغضب، والتي اكتشفها نبي الرحمة في أعماق النفس البشرية حين أمر الغاضب الواقف أن يجلس.

قال آخر([39]): جاء في كتاب هاريسون الطبي أنه من الثابت علمياً أن هرمون النور أدرينالين يزداد بنسبة 2_ 3 أضعاف لدى الوقوف بهدوء لمدة خمس دقائق، أما هرمون الأدرينالين فيرتفع ارتفاعاً بسيطاً في الوقوف لكن الضغوط النفسية تزيد من نسبته في الدم … ولا شك أن ارتفاع العاملين معاً، الغضب والوقوف يرفع نسبة هذين الهرمونين بشك كبير.

قال آخر([40]): ومن هذا القبيل ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أو داجه، فمن وجد من ذلك شيئاً فليلصق خده بالأرض)([41])، ففي هذا إشارة إلى الأمر بالسجود وتمكين أعز الأعضاء من أذل المواضع لتستشعر به النفس الذل وتزيل به العزة والزهو الذي هو  سبب الغضب.

قال آخر: وقد ارشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغضبان إلى الاغتسال بالماء البارد،  كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا غضب أحدكم فليتوضأ، فإنما الغضب من النار)([42]) وفي رواية:(إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) وهو ما يتوافق مع أحدث التوصيات الطبية.. فللغسل أثره البالغ في تهدئة الجهاز العصبي.

فالغضب يتولد من الحرارة العامة والتعرق والإحساس بالضيق، ويأتي الماء البارد ليخفف من هذا الأعراض.. والوضوء الذي وصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم  يضفي، فوق ذلك، شعوراً بالعبودية لله عند قيام الغاضب بهذا الفعل التعبدي، يزيد من إحساسه بالأمن والرضى.

ظاهر الإثم:

دخلنا القاعة الثانية.. وقد كانت هي الأخرى أشبه بحصن منيع، فشعرت، وكأن قاذورات الدنيا جميعا تلطخ جسدي وثيابي، فقلت للمعلم: هل هناك حمامات في هذه الحصون، فإني أشعر بانقباض شديد نتيجة أو ساخ لا أعلم سببها.

قال: كل هذه الحصون حمامات.. أما ما شعرت به من شعور، فهو من آثار هذه القاعة، فكل من دخلها يشعر بتقزز من الذنوب الظاهرة، كما أن من دخل القاعة السابقة يشعر بتقزز من الذنوب الباطنة.

قلت: أرى أبوابا كثيرة في هذه القاعة.

قال: كل باب منها يؤدي إلى قاعة لعلاج إثم من الآثام.

قلت: فهل سنذهب إليها جميعا؟

قال: لا.. سأنقلك إلى أربعة منها فقط تعالج هذا النوع من الانحرافات لترى مدى الأضرار الصحية النابتة من غرس الإثم.

قلت: ما هي؟

قال: التدخين، والخمر، والمخدرات، والانحراف الجنسي.

قلت: فلم هذه الأربعة بالضبط؟

قال: لأنها من أنواع الانحراف المنتشرة، بل أحالتها أعراف بعض مجتمعاتكم إلى سلوكيات شخصية لا حرج فيها.

التدخين:

دخلنا القاعة الأولى، وهي القاعة المكلفة بعلاج المدخنين، فرأيت فقيها، ومجموعة أطباء يحاضرون، والمرضى ينصتون بخشوع منقطع النظير.

قال الفقيه: التدخين من الآفات الخطيرة التي لا شك في حرمتها، وإجماع العلماء قد انعقد على ذلك، بل إن كل نصوص الشريعة تدل على ذلك.. وهو من المعاصي التي رتب الله تعالى عقوباتها التي لا شك في حصولها، وهي عقوبات قدرية، أكدها الواقع وأثبتتها الإحصائيات الدقيقة.

قال الأول: جاء في تقرير لجنة خبراء منظمة الصحة العالمية تحت عنوان (التدخين والصحة):(إن تدخين السجائر يلعب دورا رئيسيا في حدوث كثير من الأمراض، أكثرها أهمية أمراض قصور الدورة التاجية للقلب، وسرطان الرئة، والالتهابات القصبية (الشعبية) المزمنة، وانتفاخ الرئتين.

قال الثاني: إن تدخين السجائر يتسبب في العديد من الأمراض التى تؤدي إلى عجز مؤلم وواسع النطاق، ناتج عن أمراض الصدر والقلب،كما  أن هناك علاقة ببن انتشار قرحة المعدة والاثنى عشري وبين التدخين،كما أن التدخين له علاقة بسرطان الفم والحنحرة والبلعوم)([43])

قال الثالث: يؤكد تقرير منظمة الصحة العالمية: أن الوفيات الناتجة عن التدخين هي أكثر بكثير من جميع الوفيات الناتجة عن الأمراض الوبائية مجتمعة، وأن تدخين السجائر فى العصر الحديث يسبب من الوفيات ما كانت  تسببه أشد الأوبئة خطرا في العصور السالفة.

قال الرابع: أثبتت الإحصائيات الدقيقة في أوربا وأمريكا أن كثيرا من المدخنين  يعيشون حياة تعتريها الأمراض والأسقام، ولهذا تتجه الحكومات، وخاصة في البلاد المتقدمة، إلى بذل المجهودات لمحاربة التدخين والتقليل من آثاره الضارة.

***

 قال المشرف على تلك الجلسة العلاجية مخاطبا المرضى: إن لم يكفكم هذا، فاسمعوا  ماذا يقول الخبراء، ألم يقل الحق تعالى:﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ (الفرقان:59)

دخل جمع عليهم حلل الأطباء والقضاة، يحملون أدوات الأطباء، ومطرقة القضاة.

قال الأول: أنا متخصص في الجهاز التنفسي، وقد ثبت لدي ثبوتا لا شك فيه بضلوع الدخان في الجرائم التالية: سرطان الرئة، وسرطان الحنجرة، والالتهاب الشعبي (القصبي) المزمن، والامفيزيما (انتفاخ الرئة)..

قاطعه الثاني، وقال: أما أنا فتخصصي في القلب والجهاز الدورى، وقد ثبت لدي ثبوتا لا شك فيه بضلوع الدخان في الجرائم التالية: جلطات القلب وموت الفجاءة، وجلطات الأوعية الدموية وما ينتج عنها من شلل، واضطراب الدورة الدموية في الأطراف وجلطاتها.

 قاطعه الثالث، وقال: أما أنا فتخصصي في الجهاز الهضمي، وقد ثبت لدي ثبوتا لا شك فيه بضلوع الدخان في الجرائم التالية:  سرطان الشفة، سرطان الفم والبلعوم، سرطان المرىء، قرحة المعدة والاثنى عشر، سرطان البنكرياس.

قال الرابع: أما أنا فتخصصي في الجهاز البولي، وقد ثبت لدي ثبوتا لا شك فيه بضلوع الدخان في الجرائم التالية:  الجهاز البولي: أورام المثانة الحميدة، وسرطان المثانة، وسرطان الكلى.

قال الخامس:.. كثرة الاجهاض، وقلة وزن الوليد، وزيادة وفيات المواليد، وزيادة الأجنة الميتة، وزيادة الالتهابات الرئوية لدى الأطفال الرضع.

قال السادس:.. التهاب عصب الأبصار والعمى، وزيادة أمراض الحساسية مثل: الربووالارتكاريا (الشرى)، والتهابات الجلد وأمراض الأنف والأذن والحنجرة، ومضاعفة أخطار ضغط الدم، والبول السكري، وارتفاع الكوليسترول، والسمنة المفرطة.

قال السابع:.. وجد أن المدخنين يواجهون خطر سرطان الفم والمريء والبلعوم والحنجرة بعشرة أضعاف ما يحتمل حدوثه بين غير المدخنين. وأن الوفيات الناتجة عن التدخين هي أكثر بكثير من الوفيات بالأمراض الوبائية مجتمعة. وأنه من بين كل ثلاثة مدخنين يلاقي واحد منهم حتفه نتيجة التدخين.

أصابني الدوار من هول ما سمعت، وصرخ بعض المدخنين:(انتهينا ربنا انتهينا)، وصاح آخرون:(دلونا على الطريق دلكم الله)

أمسك المعلم بيدي، وقال: هيا بنا.. فقد عافاك الله من هذا البلاء.

قلت: وهؤلاء المرضى.. ماذا سيفعل بهم؟

قال: سيمرنهم الأطباء على الكف عن هذا الاثم بمعونة الفقهاء والأولياء.

قلت: وما علاقة الفقهاء والأولياء بهذا؟

قال: أما الفقهاء فيبينون لهم حكم الله وشرع الله، وأما الأولياء فيرفعون هممهم إلى الله.. فيترفعون عن كل دنس.

الخمر:

دخلنا القاعة الثانية، وهي القاعة المكلفة بعلاج آفة الخمر، فرأيناها مثل القاعة الأولى غاصة بالمرضى، وبالأطباء والفقهاء والصالحين.

قال أحدهم، وأظنه فقيههم: إن إيراد تحريم الخمر في القرآن الكريم وفي آيات منه يدل على مدى الآثار الخطيرة الناتجة عن معاقرتها، فالله تعالى يصفها بأنها رجس من عمل الشيطان، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة:90)

ويبين علة صنع الشيطان لها بقوله تعالى:﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة:91)

قال آخر: وهي لذلك داء لا دواء، ومضرة لا منفعة، واهتمام القرآن الكريم بتحريمها دليل على أن الخمر ستلقى رواجها، وسيبقى تأثيرها مستمرا في مجتمعات البداوة والحضارة.

قال آخر: ولذلك اشتد العلماء والصالحون في التحذير منها حتى في الحالات التي يتوهم أنها للعلاج، وقد قال أحدهم للإمام جعفر الصادق : إن بي وجعا وأنا أشرب النبيذ ووصفه لي الطبيب فقال له: ما يمنعك س الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي؟ قال: لا يوافقني. قال: فما يمنعك من العسل الذي قال الله فيه شفاء للناس؟ قال: لا أجده، قال فما يمنعك من اللبن الذي نبت منه لحمك واشتد عظمك؟ قال: لا يوافقني. قال: تريد أن آمرك بشرب الخمر لا والله لا آمرك.

وسئل  عن الدواء يعجن بالخمر. فقال:(ما أحببت أن أنظر إليه ولا أشمه فكيف أتداوى به؟)

قال آخر، ويظهر من حركاته أنه صحفي: في عصرنا الذي يسمونه عصر العلم وتطبيقات العلم لا زالت البشرية مع إدراكها الخمر تدمن عليها بل تعشقها، فهذا السيناتور الأمريكي وليم فولبرايت  يقول عن مشكلة الخمر:(لقد وصلنا إلى القمر ولكن أقدامنا مازالت منغمسة في الوحل، إنها مشكلة حقيقية عندما نعلم أن الولايات المتحدة فيها أكثر من 11 مليون مدمن خمر وأكثر من 44 مليون شارب خمر)

وقد نقلت مجلة لانست البريطانية مقالاً بعنوان (الشوق إلى الخمر) جاء فيه:(إن أكثر من 200 ألف شخص يموتون سنويا في بريطانيا بسبب الخمر)

وينقل البروفسور شاكيت أن 93 بالمائة من سكان الولايات المتحدة يشربون الخمر، وأن 40 بالمائة من الرجال يعانون من أمراض عابرة بسببه و5 بالمائة من النساء و10 بالمائة من الرجال يعانون من أمراض مزمنة معندة.

وهذه النسب الهائلة من ضحايا الخمر، هي في الحقيقة ضحايا الإثم، لأن الله تعالى ما حرم الخمر لنشوتها، بل حرمها لأضرارها.

قال آخر: شارب الخمر لا يشرب خمرا، وإنما يشرب سما، يقول الدكتور أو بري لويس:(إن الكحول هو  السم الوحيد المرخص بتداوله على نطاق واسع في العالم كله، ويجده تحت يده كل من يريد أن يهرب من مشاكله.. ولهذا يتناوله بكثرة كل مضطربي الشخصية ويؤدي هو  إلى اضطراب الشخصية ومرضها .. إن جرعة واحدة من الكحول قد تسبب التسمم وتؤدي إما إلى الهيجان أو الخمود وقد تؤدي إلى الغيبوبة. أما شاربو الخمر المزمنون فيتعرضون للتحلل الأخلاقي الكامل مع الجنون)([44])

قاطعه آخر، وقال: بل إن مجرد استنشاق أبخرتها يؤدي إلى الإصابة بالتهاب القصبات والرئة، وإلى إصابة بطانة الأنف مما يؤدي إلى ضعف حاسة الشم، ولهذا قال تعالى:﴿ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (المائدة:90)، فهذا اللفظ يعني النهي عن الاقتراب منه مطلقاً وهوأعم من النهي عن شربه.

قال آخر([45]): وهذا السم يختلف تأثيره كلمـا تغير مسـتواه في الدم فعندما يبلغ مســتواه  من 20ـ 99ملغ  بالمائة يسبب تغير المزاج وإلى عدم توازن العضلات واضطراب الحس، وفي مستوى من 100ـ 299 ملغ  بالمائة يظهر الغثيان وازدواج الرؤية واضطراب شديد في التوازن. وفي مستوى من 300 ـ 399 ملغ  بالمائة تهبط حرارة البدن ويضطرب الكلام ويفقد الذاكرة. وفي مستوى 400 ـ 700 ملغ  بالمائة يدخل الشاب في سبات عميق يصحبه قصور في التنفس وقد ينتهي بالموت.

قال آخر: رغم أن كل أعضاء الجسم تتأثر من الخمر، فإن الجملة العصبية هي أكثرها تأثراً حيث يثبط المناطق الدماغية التي تقوم بالأعمال الأكثر تعقيداً ويفقد قشر الدماغ قدرته على تحليل الأمور، كما يؤثر على مراكز التنفس الدماغية حيث أن الإكثار منه يمكن أن يثبط التنفس تماماً إلى الموت.

قال آخر: وتأثيره لا يتوقف على الجهاز العصبي بل إنه يمتد حتى إلى الأجنة في بطون أمهاتهم، فالغول بعد أن يمتص من الأمعاء ليصل الدم يمكن أن يعبر الحاجز الدماغي ويدخل إلى الجنين عبر المشيمة، وأن يصل إلى كافة الأنسجة. لكنه يتوضع بشكل خاص في الأنسجة الشحمية.

وكلما كانت الأعضاء أكثر تعقيداً وتخصصاً في وظائفها كانت أكثر عرضة لتأثيرات الغول السمية، فلا عجب حين نرى أن الدماغ والكبد والغدد الصماء من أو ائل الأعضاء تأثراً بالخمر حيث يحدث الغول فيها اضطرابات خطيرة.

قال آخر: في الجهاز الهضمي يؤدي مرور الخمر في الفم إلى التهاب وتشقق اللسان كما يضطرب الذوق نتيجة ضمور الحليمات الذوقية، ويجف اللسان وقد يظهر سيلان لعابي مقرف، ومع الإدمان تشكل طلاوة بيضاء على اللسان تعتبر مرحلة سابقة لتطور سرطان اللسان.

والخمر يوسع الأوعية الدموية الوريدية للغشاء المخاطي للمري مما يؤهب لتقرحه ولحدوث نزوف خطيرة تؤدي لآن يقيء المدمن دماً غزيراً. كما تبين أن 90 بالمائة من المصابين بسرطان المريء هم مدمنوا خمر.

وفي المعدة يحتقن الغشاء المخاطي فيها ويزيد افراز حمض كلور الماء والببسين مما يؤهب لإصابتها بتقرحات ثم النزوف وعند المدمن تصاب المعدة بالتهاب ضموري مزمن يؤهب لإصابة صاحبها بسرطان المعدة الذي يندر جداً أن يصيب شخصاً لا يشرب الخمر.

وتضطرب الحركة الحيوية للأمعاء عند شاربي الخمر المتعدين وتحدث التهابات معوية مزمنة وإسهالات متكررة عند المدمنين، وتتولد عندهم غازات كريهة، ويحدث عسر في الامتصاص المعوي.

قال آخر: والغول سم شديد للخلية الكبدية، وتنشغل الكبد من أجل التخلص من الغول عن وظائفها الحيوية، ويحصل فيها تطورات خطيرة نتيجة الإدمان. ففي فرنسا وحدها يموت سنوياً أكثر من 22 ألف شخص بسبب تشمع الكبد الغولي، وفي ألمانيا يموت حوالي 16 ألف. كما أن الغول يحترق ضمن الكبد ليطلق كل 1غ منه 7 حريرات تؤدي بالمدمن إلى عزوفه عن الطعام دون أن تعطيه هي أي فائدة مما يعرضه لنقص الوارد الغذائي.

ويشكو المصاب من ألم في منطقة الكبد ونقص في الشهية وتراجع في الوزن مع غثيان وإقياء، ثم يصاب بالجبن أو باليرقان.. وقد يختلط بالتهاب الدماغ الغولي ويصاب بالسبات أو  النزف في المريء، وكلاهما يمكن أن يكون مميتاً.

قال آخر: وللخمر تأثيراتها الخطيرة على القلب، حيث يصاب مدمن الخمر بعدد من الاضطابات الخطيرة والمميتة التي تصيب القلب.

قال آخر: وللخمر تأثيراتها الخطيرة على الجهاز العصبي، حيث تعتبر الخلايا العصبية أكثر عرضة لتأثيرات الغول السمية، وللغول تأثيرات فورية على الدماغ، بعضها عابر، وبعضها غير قابل للتراجع.. حيث يؤكد د. براتر وزملاؤه أن تناول كأس واحد أو كأسين من الخمر قد تسبب تموتاً في بعض خلايا الدماغ، والسحايا قد تصاب عند المدمن عندها يشكوالمصاب من الصداع والتهيج العصبي، وقد تنتهي بالغيبوبة الكاملة، كما أن الأعصاب كلها معرضة للإصابة بما يسمى (باعتلال الأعصاب الغولي العديد أو المفرد)

أما الأذيات الدماغية فيمكن أن تتجلى بداء الصرع المتأخر الذي يتظاهر عند بعض المدمنين بنوبات من الإغماء والتشنج والتقلص الشديد.

التفت إلى المعلم، وقلت: ما هذا؟ إن الخمر ليست أم البخائث فقط، بل هي أم الأمراض أيضا.

قال: وهي وحدها كافية لتصحيح ما ورد في النصوص من أن البلاء موكل بالمعصية، والعافية موكلة بالاستقامة.

قلت: فكيف يعالج هؤلاء المرضى؟

قال: بما يعالج به غيرهم.

قلت: والمدمنون؟

قال: تلك أحوال خاصة، وقد استطاع الأطباء الناصحون بهذا المستشفى أن يضعوا الحلول لمشكلتهم بحيث تنسجم حياتهم في أقصر مدة.

قلت: بمعونة الفقهاء والأولياء.

قال: لا بد من ذلك.. فالطبيب وحده أعجز من أن يفعل شيئا.. ولكن لا تسئ فهمي، فالفقهاء هنا يدرسون كثيرا من المعلومات الطبية، وبالتفاصيل الكافية لإعانة الأطباء في مهمتهم.

نظرت إلى عيون المرضى، وهم يستمعون كانت أعين الكثير منهم تبكي من غير دموع.. ورأيت بعضهم يمسك بقوة بيديه، وكأنه يصمم على شيء.. عند مخرج القاعة صاح أحدهم:(انتهينا ربنا انتهينا) فردد صوته الجميع: (انتهينا ربنا انتهينا) 

المخدرات:

دخلنا القاعة الثالثة، وهي القاعة المكلفة بعلاج آفة المخدرات، فرأيناها مثل القاعتين السابقتين غاصة بالمرضى، وبالأطباء والفقهاء والصالحين.

قال أحدهم، وأظنه فقيههم: إن المخدرات مثل الخمر في الحرمة، ومثلها في الأضرار، ولوأن الواقع المنحرف يشتد على المخدارت، ويتساهل مع الخمر.

قال آخر: أضرار المخدرات كثيرة تختلف باختلاف أنواعها، وسنكتفي مما ذكره العلم بثلاثة أضرار: وهي إضراراها بالوعي، والسلوك، وجهاز المناعة.

أما الوعي، فإن المخدرات تسبب تأثيراً واضحاً على الوعي بأكثر من شكل، فمنها ما يقلل الوعي أو يغييبه (الأفيون- الهيروين)، ومنها ما ينبه الوعي وينشطه (الكوكايين – الأمفيتامينات)، ومنها ما يسبب اضطرابا فى إدراك الواقع وهلوسة (البانجو– الحشيش)

أما تأثيرها على السلوك، فإن المدمن يصبح مشغولا بتعاطي المخدر، وينسى مشاغل الحياة الأخرى ويتعرض إلى حالة سيئة ويتألم إذا لم يجد المادة المخدرة التى يتعاطاها، ويزداد أمر المدمن سوءا إذا اعتاد جسمه على المخدر، فيقل تأثيره عليه، وبالتالي تزداد الجرعة التى يتعاطاها، فيسوء الأمر أكثر.

أما تأثيرها على جهاز المناعة، فإن المواد المخدرة تضعف جهاز المناعة، ويصبح المدمن عرضة للمرض، وأكثر معاناة منه.

قال آخر: بالنسبة لفئة الأفيونات (الأفيون- الهيروين- الكودايين- المورفين) فإن أهم المشكلات الصحية ـ بعد توقف المدمن خلال مرحلة تخلص الجسم من السموم ـ هى معاناة المدمن من التوتر والقلق والاضطراب الشديد والآلام الجسمية المبرحة، وخاصة بالعظام والعضلات، مع الرشح وزيادة إفراز الدموع والعرق، كما يعاني المدمن من الأرق والتثاؤب معا ومن اتساع حدقتي العينين، مع بثور واحمرار الوجه فضلاً عن إسهال وقيئ وارتفاع فى درجة الحرارة وتقلصات للبطن وجفاف بالحلق وفقدان الشهية وانخفاض الوزن واضطراب ضغط الدم.

قال آخر: أما العقاقير النفسية (المهدئات- والمنومات) فإن المدمن يعاني خلال مرحلة الانسحاب من قلق شديد، وعدم القدرة على الاستقرار فى موضع واحد، واضطراب الإدراك الحسي للزمان والمكان، كما يعاني من الأرق المستمر والهذيان والرعشة والدوار وقد تحدث له هلاوس بصرية فى بعض الأحيان.

لاحظت على المرضى في هذه القاعة ما لاحظت على القاعات السابقة، إلا أن الشيء الجديد الذي استرعى انتباهي هو لافتة معلقة تجعل من المتاجرة بالمخدرات جريمة من الجرائم الكبرى التي يعاقب عليها بالإعدام.

قلت للمعلم: ما هذا القانون الخطير؟

قال: لقد أفتى فقهاء هذه القاعة بهذا، فقد رأوا أن السبب الأكبر في انتشار المخدرات هو  المتاجرون بها.. ورأوا أنهم لن يردعوا إلا بمثل هذا القانون، فآثروا التضحية بالبعض من أجل حماية الكل.

قلت: ولكنه قانون خطير.

قال: وجريمتهم أخطر.. ما تقول فيمن قتل نفسا متعمدا؟

قلت: وهل أقول شيئا مع قول الله تعالى، فقد قال:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾(البقرة:178)

قال: فهل في قتل القاتل مضرة؟

قلت: هي مضرة بسيطة، ولكن غايتها أعظم، فغايتها حفظ حياة الجميع ابتداء من حياة القاتل الذي يرتدع بالخوف من القتل عن جريمته، وقد جمع ذلك كله قوله تعالى:﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(البقرة:179)

قال: فالمتاجر في المخدرات لا يقتل شخصا واحدا، بل يقتل أمة من الناس، فإنه ـ من أجل مال زهيد ـ يقضي عليهم نفسا نفسا.. فلذلك كان الأحزم هو قانون شديد يحفظ البلاد والعباد.

قلت: فكيف وافق السلاطين على هذا؟.. أو كيف وافقت المجالس التشريعية على هذا، وهي مجالس تحوي أجناسا مختلفة قد يكون لبعضها علاقة بهؤلاء المتاجرين؟

قال: وما علاقة السلاطين، أو هذه المجالس بهذا؟

قلت: فمن يسن القوانين إذن؟

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أنزلوا الناس منازلهم)([46])

قلت: بلى.. فما علاقته بهذا؟

قال: في مدائن السلام ليس الحكم للحاكم، ولا لمن ينتخبهم العامة والغوغاء.

قلت: فلمن إذن؟

قال: هناك حاكم، وهناك مجالس استشارة.. ولكن المصالح المختلفة للرعية ترتبط بالخبراء.. فإذا أجمع الأطباء على مضرة غذاء معين لم يحتاجوا لرفع الأمر للسلطة، بل اكتفوا بإرسال التحذر من ذلك الغذاء لوزارة الحزم لتقوم بالإجراءت المناسبة.

قلت: وزارة الحزم.. لم أسمع بهذه الوزارة.

قال: هذه وزارة لا يمكن لأي حاكم أن يحلها.. دورها الحفاظ على المصالح العامة عن طريق الحزم والشدة، فهي تقوم بدورها بعجلة منقطعة النظير.. فما إن يأتيها مثل ذلك الطلب حتى تقوم جميع أجهزتها بتنفيذه، فتصادر تلك الأغذية من الأسواق.. وتمنع دخولها.. وترسل إلى كل المؤسسات بذلك التحذير.. فلا يمر يوم وليلة حتى تخلو مدائن السلام من ذلك الغذاء الضار.

قلت: لا شك أن هؤلاء الحرس الواقفين في مداخل هذا المستشفى يتبعون هذه الوزارة..

قال: أجل.. وهم أرحم مما تتصور.

الانحراف الجنسي:

دخلنا القاعة الرابعة، وهي القاعة المكلفة بعلاج الانحراف الجنسي، فلم نر فيها أي مرضى، بل رأينا الأطباء والفقهاء والصالحين فقط.

سألت المعلم عن سر ذلك، فقال: هناك مرضى، ولكن إدارة هذه الحصون رأت في ظهورهم أضرارا كبيرة على نفوسهم وعلى المجتمع، بل رأت في ذلك نوعا من إشاعة الفاحشة، فكلفت المهندسين، فوضعوا لها تصميمات تحفظ سرية الداخل، بحيث لا يراه أحد حتى الأطباء والإدارة نفسها.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أنا معلم السلام ولست معلم هندسة.

سمعت أحدهم يتحدث، وأظنه فقيههم، قال: الانحراف الجنسي([47])من أخطر المحرمات([48])، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يزني الزاني حين يزني وهومؤمن)([49])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا تحل له)([50]) 

ولذلك علق الشارع عليه أشد العقوبات التشريعية، ورتب عليه كذلك أشد العقوبات القدرية.

قال آخر: ولم يكتف الشرع بتحريمه، بل حرم كل السبل المؤدية إليه، والتي يشير إليها قوله تعالى:﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ (الاسراء:32)، فلم تقل الاية الكريمة:لا تزنوا، بل قالت: لا تقربوا، ليحرم كل المقدمات المؤدية إليه.

قال آخر: وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه العقوبات القدرية، فقال:(لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا)

وهذه العقوبة جزاء موافق تماما لنوع المعصية، فالمعصية التي تطلب اللذة المحرمة، تجازى بالألم.

وقد عبر صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الألم المرتبط بفشو المعصية بالطاعون، وهويطلق في اللغة العربية وغيرها من اللغات على كل وباء.

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن أن هذه الأوبئة المنتشرة بسبب الفواحش (لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا)، وذلك جزاء موافق للتفنن في الفواحش الذي يختلف باختلاف البيئات والعصور.

قال آخر: وبما أن هذا العصر هو  عصر فشو الفواحش والتفنن فيها، فقد ظهرت الأوبئة الكثيرة التي لم تكن معهودة من قبل، وكانت الفاحشة هي السبب الأول لظهورها وانتشارها.

فأول ظهور لمرض الزهري (السفليس) الخطير كان في عام 1494 م أثناء الحرب الإيطالية الفرنسية عندما انتشر في الجنود خاصة الزنا، وسماه الإيطاليون (الداء الفرنسي)، وكذلك فعل الإنجليز والألمان والنمساويون لأنه انتشر بينهم بواسطة الجنود الفرنسيين، أما الفرنسيون فقد أسموه الداء الإيطالي.

ولما وصل الاستعمار الغربي إلا البلاد العربية ظهر ذلك الداء معهم فسماه العرب الداء الفرنجي، ولا يزال هذا الاسم مستعملا حتى اليوم.

وفي العصور الحديثة ظهر مرض الهربس كوباء وهو مرض جنسي واسع الانتشار، ويبلغ معدل الإصابة به السنوية في الولايات المتحدة نصف مليون حالة.

وفي عام 1979 م ولأول مرة ظهر داء خطير جديد هو مرض فقدان المناعة المكتسب في الولايات المتحدة والمعروف باسم الإيدز، وانتشر بسرعة رهيبة في الشاذين جنسيا.

قال آخر: تتحدث المراجع الطبية عن الأمراض الجنسية باعتبارها أكثر الأمراض المعدية انتشارا في العالم.. ولقد تم التغلب على كثير من الأمراض المعدية، ورغم ذلك ظهرت الأمراض الجنسية بصورة وبائية مفزعة وخطيرة.

يقول مرجع مرك الطبي:(إن الأمراض الجنسية هي أكثر الأمراض المعدية انتشارا في العالم، ويزداد في كل عام عدد المصابين بها، وذلك منذ عقدين من الزمن تقريبا، وتقدر منظمة الصحة العالمية عدد الذين يصابون بالسيلان بأكثر من 250 مليون شخص سنويا.. كما تقدر عدد المصابين بالزهري بـ 50 مليون شخص سنويا.. ويقدر مركز أتلانتا لمكافحة الأمراض المعدية في ولاية جورجيا بالولايات المتحدة عدد المصابين بالسيلان في الولايات المتحدة بـ 3 ملايين شخص سنويا وعدد المصابين بالزهر بـ 400 ألف شخص سنويا)

وقد انتشرت أمراض مختلفة ومتنوعة بسبب انتشار الفاحشة وشيوعها وانتشار الشذوذ الجنسي وخاصة في الغرب.

قال آخر: وتنقل مجلة Medicine Digest تقريرا من فلوريدا بالولايات المتحدة قام به فريق من أخصائي أمراض النساء والولادة جاء فيه:(أن هناك زيادة بنسبة 800 بالمائة في الحالات المشتبهة لسرطان عنق الرحم للفتيات البالغ أعمارهن من 15 سنة إلى 22 سنة وذلك في خلال أربع سنوات، ويرجع الباحثون هذه الزيادة الرهيبة إلى الزيادة المضطرة في الممارسات الجنسية دون تمييز)

قلت للمعلم: فكيف يعالج هؤلاء المرضى، وأطباؤهم لا يعرفونهم؟

قال: يعالجون بالتعليم والتربية والإقناع.. وهم يتخذون لذلك كل الأساليب.. ألم تسمع بالكيفية التي عالج بها صلى الله عليه وآله وسلم من استأذنه في الزنا؟

قلت: بلى، فعندما جاءه ذلك الشاب يستأذنه في الزنا بكل جرأة وصراحة، حتى همَّ الصحابة أن يوقعوا به؛ فنهاهم وأدناه وقال له:(أترضاه لأمك؟!)، قال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( فإن الناس لا يرضونه لأمهاتهم)، قال:(أترضاه لأختك؟!)، قال: لا، قال:(فإن الناس لا يرضونه لأخواتهم)([51])، وهكذا صار الزنى أبغض شيء إلى ذلك الشاب فيما بعد، بسبب هذا الإقناع العقلي.

قال: فهذا هو  أسلوب السلام.

قلت: ولكن من الناس من لا ينفع معه هذا الأسلوب؟

قال: إن لم تنفعه وزارة العقل أرسل إلى وزارة الحزم.

قلت: أهناك وزارة للعقل؟

قال: إن لم تكن للعقل وزارة.. فلمن تكون الوزارة؟

قلت: للنفط والمال..

قال: أنتم عظمتم الأشياء فخصصتموها بالوزارات.. واحتقرتم الإنسان، فلذلك لم تروه أهلا لوزارة واحدة.

اجتناب العدوان

اقتربنا من الباب الثاني، فرأينا لافتة كتب عليها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من ضار أضر الله به)([52])، ورأيت على المدخل جهازا مثل الجهاز السابق، لا يسمح للدخول إلى القسم إلا بعد المرور عليه.

مررت على الجهاز، وأخذت النتيجة الدقيقة التي قام بها، وكانت مملوءة بالتفاصيل والإرشادات التي تعينني على ما في نفسي من آثار العدوان.

قلت للمعلم: عرفت سر كون الإثم من أبواب العلل التي ينبغي سدها، فما سر كون العدوان من هذه الأبواب؟

قال: العدوان هو الذنوب المؤثرة على سلامة الفرد والأسرة والمجتمع والكون، فهذه الذنوب لها آثارها الخطيرة في إحلال البلاء، ورفع العافية.

ولهذا لعن صلى الله عليه وآله وسلم من ضار مؤمنا أو مكر به، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ملعون من ضار مؤمناً  أو مكر به)([53]).. بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن من عامل غيره بالضرر عامله الله بجنس معاملته لغيره، فقال:(من ضار أضر الله به)([54])

قلت: فما هذه الذنوب.. وكيف تعالج؟

قال: حصرت إدارة هذه الحصون هذه الذنوب في أربعة أصناف خصت كل صنف منها بقاعة خاصة، وسنحاول زيارتها للتعرف على بعض ما فيها من أنواع الأمراض والعلاج.

العدوان على النفس:

دخلنا القاعة الأولى، وقد كتب على بابها قوله تعالى:﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (النساء:29)

قال لي المعلم: أول عدوان على النفس هو  قتلها، وهو من كبائر المحرمات.

قلت: لا أظن أن هناك حاجة لوضع قاعة تختص بهذا الجانب، فالانتحار ظاهرة مرضية محدودة..

فجأة ظهر لي مجموعة خبراء([55]) يناقشون هذه الظاهرة بشدة، قال أحدهم، وكأنه يعلق على قولي:.. هذا غير صحيح، ظاهرة الانتحار ظاهرة متفشية، وهذا ما تدل عليه أكثر الدراسات المرتبطة بهذه الظاهرة في العصر الحديث، فقد أظهر أول استطلاع عن الانتحار في الصين أن معدل ‏حالات الانتحار يصل إلى 287 ألفاً كل عام.‏

فقد ذكرت وكالة الأنباء الصينية، أن حالات الانتحار تشكل 6ر3 في المائة ‏من مجموع الوفيات في الصين سنوياً، وهوما يشكل خامس أكبر مسبب للموت بعد أمراض الأوعية القلبية والقصبة الهوائية وسرطان الكبد والتهاب الرئة.

قال آخر: وفقاً للاستطلاع، فإن الانتحار هو العامل القاتل لمن أعمارهم بين 15 و34 سنة وأن معدل انتحار الإناث يزيد 25 في المائة عن معدل الذكور، ‏والمعدل للريفيات أعلى بكثير، وأشارت إلى أن الاستطلاع يوضح أن هذا المعدل دليل على تباين كبير عما هو موجود ‏ ‏في معظم الدول المتقدمة حيث يصل معدل انتحار الذكور غالبا إلى ما يزيد ثلاثة ‏ أضعاف معدل الإناث.

قال آخر: ليست الصين وحدها من تعاني من ارتفاع نسبة حالات الانتحار حيث تسعى الحكومة البريطانية إلى تنفيذ خطة للحد من ظاهرة عمليات الانتحار المنتشرة بكثرة بين الشباب البريطاني أيضاً.

فقد أشار تقرير للجنة الوطنية للحد من عمليات الانتحار بأن الحكومة تهدف إلى خفض نسبة عمليات الانتحار إلى 20 بالمائة في حلول عام 2010.

ويؤكد التقرير إن الحكومة تخطط للوصول إلى50 بالمائة من الأشخاص الذين يفكرون في الانتحار ولا يراجعون أطباء نفسيين، مشيراً إلى أن نسبة الانتحار تنتشر بكثرة بين الأوساط تقل أعمارهم عن 35 عاماً.

قال لي المعلم: أتدري ما سر هذا الارتفاع في نسبة الانتحار؟

قلت: لعله اليأس..

قاطعني أحد الحاضرين، وقال: إن القاسم المشترك لمعظم حالات الانتحار هو الشعور باليأس وفقدان الأمل بالتقدم في الحياة وليس بالضرورة بسبب أمراض عقلية، لذلك فإن الباحثين يقولون بأن هناك حاجة لتقييم أوضاع الأشخاص الذين يمكن أن يقدموا على الانتحار.

قلت: ألهذا ختمت الآية التي تنهى عن قتل النفس بذكر رحمة الله، وكأنها تشير بذلك إلى أن أعظم أسباب الانتحار هو  اليأس من رحمة الله.

قال: أجل، وهي تشير بذلك إلى العلاج الذي ينبغي إعطاؤه لمن وقع في هذا اليأس.. وهوالعلاج الذي يعتمدونه هنا.. فإنهم يرسلون كل من يرون فيه أمارات اليأس إلى قسم الأمل.

قلت: الحمد لله.. فشعوبنا المحافظة تخلومن هذا النوع من العدوان.

قال: لا.. أنتم تتقنون فنا آخر من فنون الانتحار.

قلت: أللاتنحار فنون؟

قال: أجل.. أبشعها ما تقعون فيه.

قلت: كيف؟

قال: المنتحر ينتحر بإرادته، وفي الوقت الذي يريد.. أما أنتم فتنتحرون رغم إرادتكم.. وفي الوقت الذي لا ترغبون فيه.

قلت: ما هذا ـ يا معلم ـ.. إن هذه دعوى خطيرة لن يقبلها قومي إلا ببينة.

قال: أخطر الانتحار وأعظمها انتشار تعريض النفس لأخطار الأمراض دون الاهتمام بصحتها.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه)  قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: (يتعرض من البلاء لما لا يطيقه)([56])؟

قلت: بلى..

قال: فهذا أعظم أنواع الانتحار.

قلت: فكيف يعالج هذا؟

قال: سنعرف الوقاية منه في محلها من هذا القسم.

العدوان على الأسرة:

دخلنا القاعة الثانية، وقد كتب على بابها قوله تعالى:﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أولادِكُمْ ﴾ (النساء:11)

قلت: هذه قاعة علاج العدوان على الأسرة.. لا شك في ذلك.

قال: أجل.. فهي المحيط الصغير الذي يعيش فيه الإنسان، ولهذا تشدد الشرع في بيان حرمة هذا الوسط، واعتبار الاعتداء عليه أخطر من أي اعتداء.

قلت: لا شك في هذا، فقد وصى الله تعالى بالوالدين، قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ (النساء:36)

ووصى الأمهات بإرضاع الأولاد حفاظا على صحتهم، فقال تعالى:﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أو لادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾(البقرة:233)

ووصى الآباء بأولادهم، فقال تعالى:﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أو لادِكُمْ ﴾ (النساء:11)

وأوصى كلاً من الزوجين بالآخر وعلى الأخص الزوج بزوجته، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (استوصوا بالنساء خيراً)([57])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة)([58])

واعتبر كلا الزوجين مسؤولا عن البيت، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( والرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم)([59])

قال: ولهذا، فإن أي تقصير فيها يعتبر من العدوان المحرم، فأعظم العدوان التقصير في الواجبات.

قلت: ولهذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن من أعظم الذنوب التقصير في هذه المسؤولية، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(كفى بالمرء إثماً أن يضيع من بقوت)([60])

قال: ولهذا شرعت الشريعة الكثير من الأحكام التي تحفظ للأسرة مالها سواء في حال حياة المسؤول عنها أو بعد وفاته.

قلت: يا معلم إن الكثير من العلل التي سبق ذكرها في الآثام لها علاقة بهذا الجانب.

قال: كيف ذلك؟

قلت: الخمر مثلا، فهي ـ وإن سميت إثما ـ إلا أن لها من الآثار المتعدية ما يحولها عدوانا، فمن مضار الخمر على الأسرة مثلا..

قاطعني بعض الخبراء([61])، وقال: إن زواج الغوليين قضية خطيرة لأن الزوج المولع بالشرب زوج غير صالح، ويرث نسله منه بنية مرضية خاصة تعرف بالتراث الغولي، ويقصد به ما يحمله نسل المخمورين من ضعف جسدي ونفساني، وقد ثبت أن الأم الحامل تنقل الغول عبر مشيمتها إلى الجنين فتبليه وأنه ينساب بالرضاعة إلى الوليد.

قال آخر: وقد اتضح أن أو لاد مدمن الخمر يكونون في الغالب مدمنين وتكثر فيهم نزعة الإجرام كما يكثر فيهم الخلل العقلي والعتة والجنون.

قال آخر: ومن مضار التدخين مثلا تسببه في زيادة خطر حوادث الإجهاض أو موت الجنين، وقد لوحظ أن السيدات اللاتي يدخِّن يضعن عادة مواليد أوزانها أقل من المعتاد؛ مما يعرِّض صحة المولود للخطر، بالإضافة إلي أن نسبة المواليد المُشوهين من السيدات المدخنات تكون كبيرة بالمقارنة بغيرهم.

قال آخر: ومن مضار الإدمان أداؤه إلي عيوب وراثية في الجنين، ينشأ عنها طفل يعاني من خلل في جزء أو أكثر من أجزاء جسمه، وقد يؤدي إلي الإعاقة العقلية والبدنية.

التفت للمعلم ليجيبني، فقال: لقد أجابوك.

قلت: فلماذا اعتبر ذلك إثما.. ولم يعتبر عدوانا؟

قال: كل إثم عدوان.. وكل عدوان إثم.. فلا حدود لما تنتجه المعاصي من مضار.

قلت: فكيف يعالج المرضى بهذه العلل؟

قال: يرسل كل مريض إلى المحل المناسب له..

قلت: فإن لم ينفع ذلك في ردعه عن العدوان؟

قال: يرسل إلى وزارة الحزم.. وهي وزارة يخافها الجميع ويحترمها الجميع.

 قلت: نعم يخافونها.. ولكن كيف يحترمونها؟

قال: لسعيها في مصالحهم، ولعدلها بين الناس.

العدوان على المجتمع:

دخلنا القاعة الثالثة، وقد كتب على بابها قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (الأحزاب:58)

قلت: هذه قاعة علاج العدوان على المجتمع.. لا شك في ذلك.

قال: أجل.. فهي المحيط الكبير الذي يعيش فيه الإنسان، ولهذا تشدد الشرع في بيان حرمة هذا الوسط، وكون الاعتداء عليه أخطر من أي اعتداء.

قلت: ولكني أرى أن محل علاج الاعتداء على المجتمع هو  المحاكم والسجون.. لا هذه المحال؟

قال: هذا صحيح.. فوزارة الحزم متشددة في هذا الباب.

قلت: ولكنها ليست متشددة كتشددنا.. فالقضاة عندنا أقسى من الحجارة.

قال: لا.. أنتم متساهلون جدا.. الأرواح عندكم لا تساوي شيئا.

قلت: بل تساوي.

الحوادث:

قال: أخبرني عن المجرمين المتسببين في قتلى الحوادث.. كيف تعاملونهم؟

قلت: لا نعتبرهم مجرمين.. فهذا من القتل الخطأ.. بل إنهم معفون حتى من الدية، فالتأمين حماهم منها.

قال: ولذلك تمتلئ طرقكم بالقتلى..

قلت: فما تفعل وزارة الحزم غير هذا؟

قال: تعتبرهم مجرمين.. ولا تعفيهم من الدية.. وتنزل بهم أقسى العقوبات.. ليس هذا فقط.. بل تتشدد مع كل حادث مهما كان بسيطا.

قلت: فطرق مدائن السلام خالية إذن من السيارات.

قال: لا.. هي تعج بالضروري منها.. ولكنها تختلف عن سياراتكم كثيرا.. لأن مصمميها نظروا إلى الإنسان قبل أن ينظروا إلى ما في جيب الإنسان.

قلت: ولكن الزمن المتسارع..

قال: تسارعكم بسبب صراعكم.. أنتم لم تكتفوا بصراع الله وأكوان الله، بل رحتم تصارعون أزمان الله.

قلت: هذا صحيح، فالسيارات عندنا تسير بسرعة جنونية..

قال: ثم إذا ما حصل شيء اعتبرتموه قتلا خطأ.. ثم سعيتم إلى الأئمة المساكين ليقموا الصلح بين المجرمين وبين أهل القتلى.

قلت: لكن ﴿ الصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾(النساء:128)

قال: هو  خير إذا جلب الخير.. أما إذا جلب الشر، فلا خير فيه.

قلت: لا أعلم أن الصلح يجلب شرا.

قال: رأيت مجالس صلحكم التي تقيمونها في المساجد.. وهي شر محض.

قلت: كيف هذا؟

قال: رأيت الإمام يجلس مستغلا الحرمة التي أعطاه إياها المجتمع.. ويجلس على يمينه بعض الأعيان ممن كسبوا احترام المجتمع بطرق شرعية وغير شرعية.. وهناك في الساقة يجلس اليتيم الذي فقد والده.. وبجانبه المجرم.

قلت: هذا شيء جميل، فقد سعى كل هؤلاء لتطهير القلوب.

قال: القلوب تطهر بالشرع لا بالدجل.

قلت: وما في هذا من الدجل.. وما في هذا من مخالفة الشرع؟

قال: ذلك اليتيم المسكين الذي أعطاه الشرع دية تغنيه مدى الحياة تكتفون بإعطائه بعض الدراهم التي يجهز بها والده للقبر.. وتستخدمون لذلك تلك الوجاهة التي كسبها الإمام، وكسبها بجنبه الأعيان.

قلت: نحن نرحم السائق المسكين.

قال: أنتم ترحمون المجرم.. وتقتلون البريء.

قلت: فما ينبغي أن يفعل الإمام؟

قال: يحكم بالحق.. فيطالب المجرم بحق اليتيم كاملا غير منقوص.

قلت: فإن لم يستطع؟

قال: يعطيه كل شهر ما يكفيه من رزق مدى الحياة.. إلى أن يكمل ما وجب عليه من دية.

قلت: ولكن هذا صعب..

قال: ولكن هذا هو  الحل الوحيد للتكفير عن جنايته، ولردع المجرمين عن هذا.. أتعلم أن هذا الذي جلس هذا المجلس اليوم، سيجلس مثله غدا وبعد غد؟

قلت: يمكن هذا.

قال: أتدري من يقتسم معه جريمته؟

قلت:﴿ لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(الأنعام:164)

قال: بل يتحمل الإمام والأعيان وكل من سكت وزره.. إنهم كانوا أعوانه في جريمته.

قلت: فما ترى ـ يا معلم ـ في هذا الواقع الذي نعيشه.

قال: أنصحكم بأن تعودوا للحمير والأحصنة.. فلستم أهلا بعد لامتطاء السيارات.

العدوى:

بينما كنت مع المعلم في تلك القاعة إذ سمعت صائحا يصيح: (لا يورد ممرض على مصح)([62])

قلت للمعلم: ما هذا؟

قال: هذا من العدوان العظيم.. فقد لا يقتل شخص الناس بسيارته.. ولكنه يقتلهم بمرضه.

قلت: هو  مريض لا يملك من أمره شيئا.

قال: فليمنع إذيته عن الناس.. فلا يجوز للمسلم أن يعدي أخاه، أو يتهاون في ذلك، أو يجلب أسباب العدوى إلى المجتمع.

قلت: الحمد لله.. نحن في عصر قد قلت فيه الأوبئة.

قال: لا.. لم يقصد صلى الله عليه وآله وسلم الأوبئة فقط.. بل كل الأدواء التي يحتمل حصول العدوى بسببها.

قلت: الزكام يسبب العدوى.

قال: فهو يدخل في هذا.

قلت: أنلزم المزكوم أن يلزم بيته.. إن المصالح تتعطل بذلك.

قال: لا.. نلزمه بأن يتخذ من الأسباب ما يمنع من انتقال عدوى مرضه إلى غيره.

سمعنا رجلا يرتقي منصة، وقد التف حوله الناس، وهويقول: لقد أمر الشرع بمكافحة الأوبئة، فلذلك نهى صلى الله عليه وآله وسلم المريض أن يرد الأماكن العامة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا عدوى ولا هامة ولا صفر ولا يحل الممرض على المصح، وليحل المصح حيث شاء قيل: ولم ذاك؟ قال: لأنه أذى)([63])

وفي مقابل ذلك أمر الصحيح أن يفر من كل أسباب العدوى، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(فر من المجذوم فرارك من الأسد)([64])

وفوق ذلك وضع ما يسمى بالحجر الصحي، وهو من أهم وسائل مقاومة انتشار الأمراض الوبائية، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(الطاعون بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها)([65])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم مرغبا في عدم الفرار بهذا الجزاء العظيم:(الطاعون كان عذابا يبعثه الله على من يشاء، وإن الله جعله رحمة للمؤمنين، فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد)([66])

فهذه النصوص وغيرها تمنع من الدخول إلى البلد المصاب بالطاعون، كما تمنع أهل تلك البلدة من الخروج منها.

صاح صائح من الناس: إن منع السليم من الدخول إلى أرض الوباء مفهوم وواضح، ولكن منع سكان البلدة المصابة بالوباء من الخروج، وخاصة منع الأصحاء منهم يبدوا عسيراً على الفهم، فما سر ذلك؟

قال: لقد بين الطب الحديث بعض النواحي الصحية في هذا([67])، والتي لم يتعرف عليها إلا بالوسائل الحديثة، فالمنطق والعقل يفرض على السليم الذي يعيش في بلدة الوباء أن يفر منها إلى بلدة سليمة حتى لا يصاب هو  بالوباء !!

ولكن الطب الحديث يقول: إن الشخص السليم في منطقة الوباء قد يكون حاملاً للميكروب، وكثير من الأوبئة تصيب العديد من الناس، ولكن ليس كل من دخل جسمه الميكروب يصبح مريضاً.. فكم من شخص يحمل جراثيم المرض دون أن يبدو عليه أثر من آثار المرض.

وهناك أيضاً فترة حضانة، وهي الفترة الزمنية التي تسبق ظهور الأمراض منذ دخول الميكروب إلى الجسم، وفي هذه الفترة يكون انقسام الميكروب وتكاثره على أشده ومع ذلك فلا يبدوعلى الشخص في فترة الحضانة هذه أنه يعاني من أي مرض.. ولكنه بعد فترة قد تطول أو قد تقصر على حسب نوع المرض والمكروب الذي يحمله تظهر عليه أعراض المرض الكامنة في جسمه.

ومن المعلوم أن فترة حضانة التهاب الكبد الوبائي الفيروسي قد تطول لمدة ستة أشهر.. كما أن السل قد يبقى كامناً في الجسم لعدة سنوات.

والشخص السليم الحامل للميكروب أو الشخص المريض الذي لا يزال في فترة الحضانة يعرض الآخرين للخطر دون أن يشعر هو  أويشعر الآخرين..  لذا جاء المنع الشديد.. بل اعتبر الفار كالهارب من الزحف.

الطرق:

صاح آخر:(من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم)([68])

قلت: هذا يذكر حديثا في النهي عن إذية المسلمين في طرقهم.

قال: أجل، فالطرق محال عامة ينبغي التأدب معها نظافة واحتراما.

قلت: أهي كذلك مصدر للأمراض؟

قال: أجل.. للأمراض والحوادث.. لقد رأيت بعضكم يضعون سلعهم في الطرقات يضيقون بها على الناس.

قلت: أجل.. هذا كثير.. حتى أن الناس في بعض الطرق يضطرون للسير في طرق السيارات.

قال: ألم يسمعوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه سبع أرضين)([69])

صاح آخر:(من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل، فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء)([70])

قلت: هذا لحديث ينهى عن التسبب في تعريض أي فرد لأي أذى.

قال: أجل.. ويدخل في هذا الباب الآثار الخطيرة التي تحدثها حوادث السيارات.. والتدخين في المواضع العامة.. وكل ما يسبب الأذى للناس.

قلت: لقد حصل خلاف في مجتمعاتنا في اعتبار حمل السلاح حقا من الحقوق لا يختلف عن رخصة السيارة.. فماذا يرى المسؤولون في مدائن السلام؟

قال: مدائن السلام لا تعرف السلاح.. ولم يقم فيها السلام إلا بعد أن شنقت آخر رصاصة بأمعاء آخر بندقية.

قلت: فكيف سمح تجار الأسلحة بهذا؟

قال: وزارة الحزم قامت بالإجراءات التي فرضت هذا النظام.

العدوان على البيئة:

دخلنا القاعة الثالثة، وقد كتب على بابها قوله تعالى:﴿ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة:60)

قلت: هذه قاعة علاج العدوان على البيئة.. لا شك في ذلك.. فقد ورد في النصوص النهي عن الإفساد في الأرض، واعتبار الفساد في الأرض ناتجا عن سلوك منحرف، قال تعالى:﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:41)

قال: ولهذا نهى جميع الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ أقوامهم عن الإفساد في الأرض بمعناه الشامل، فقال تعالى في قصة موسى عليه السلام:﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة:60)

وقال على لسان صالح عليه السلام:﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف:74)

وقال على لسان شعيب عليه السلام:﴿ وَيَا قَوْمِ أو فُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (هود:85):﴿ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الشعراء:183)

بل إن من المخاوف التي جعلت الملائكة تبدي عجبها من خلق خليفة في الأرض هو  خشيتها من الفساد في الأرض، قال تعالى مخبرا عن مخاوفهم:﴿  أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (البقرة:30)

قلت: ظاهر هذه النصوص يدل على الفساد السلوكي..

قال: لا.. بل يشمل كل فساد بما فيها إفساد البيئة التي هي الوسط الصحي للإنسان،  ولهذا ورد في النصوص النهي عن قطع الأشجار من دون سبب معقول، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار)([71])

قلت: أتعلم يا معلم أن الغابات التي هي رئة الأرض التي تتنفس بها تعرضت في عصرنا لمجازر دونها كل المجازر.

قال: أولئك المجرمون الذين نزع الله من قلوبهم الرحمة لم يلتفتوا إلى أناتها فراحوا يسيمونها كل أنواع البلاء.

قلت: بل يسيمون أنفسهم، فإن الأرض بذلك ستصبح كوكبا غير ملائم لهم.

بينما نحن كذلك صاح صائح من من الممرضين أو من الأطباء:(احذروا التلويث.. احذروا التلويث)

قلت: ما يقصد هذا؟

قال: يقصد كل ما يلوث البيئة.. ألم تسمع إلى نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تلويث الغذاء والماء بمفرغات البدن التي تحمل الجراثيم وتنقل العدوى.

قلت: بلى، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يبولن أحدكم في الماء الراكد)([72])، وفي الحديث:(نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  أن يبول الرجل في مستحمه)([73])

واعتبر صلى الله عليه وآله وسلم كل ما يسبب تلويث البيئة من الأمور التي تجلب اللعنة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(اتقوا اللاعنين)، قالوا: وما اللاعنان؟ قال:(الذي بتخلي في طريق الناس وفي ظلهم)([74])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:(اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل)([75])

قاطعني أحد المتواجدين بتلك القاعة، فقال: أتدري ما سر الاهتمام بهذه الناحية؟

ودون أن أجيبه بادر يقول: إن تلويث موارد المياه بالفضلات، وما تشتمل عليه من جراثيم، عامل أساسي في نقل الأمراض، بصورة مباشرة من خلال الماء الملوث، أو غير مباشرة من خلال تلوث الخضراوات والثمرات التي تسقى بهذا الماء.

قلت: فلم خصص صلى الله عليه وآله وسلم الظل بالذكر؟

قال: في ذلك فائدة جليلة.. فما في الظل لا تطهره الشمس، فيبقى مرتعاً خصباً للجراثيم، ويعمل على تكثيرها.

صاح صائح آخر:(أحيوا الأرض.. أحيوا الأرض)

قلت: أيقصد هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من أحيا أرضاً ميتة فهي له)([76])

قال: نعم.. فحياة الأرض بزراعتها.. وهي عبادة لا تختلف عن سائر العبادات.

قلت: أجل.. فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا يغرس المسلم غرساً ولا يزرع زرعاً، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة)([77])

قال: بل أقام صلى الله عليه وآله وسلم المحميات الطبيعية التي تحفظ للجو جماله وصحته، ففي الحديث:(حمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل ناحية من المدينة بريداً بريداً لا يخبط شجره، ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل)([78])

قلت: لقد أقام صلى الله عليه وآله وسلم المحميات النباتية بجانب إقامته المحميات الحيوانية، ولهذا نهي أن ينفر صيد الحرم، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك:(إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ولم تحل لي قط إلا ساعة من الدهر، لا ينفر صيدها ولا يعضد شوكها ولا يختلى خلاها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد)([79])

قال: وذلك ليرشد الأمة إلى وجوب حفظ الحياة في الأرض.. حياة النبات.. وحياة الحيوان.

قلت: وزارة الحزم هي التي تتولى ذلك في مدائن السلام؟

قال: كل الوزارات تتولى هذا.. وهي تقوم بهذا تحت إشراف وزارة الحياة.

ضحكت، وقلت: أللحياة وزراة.. ما دورها؟ أتقسم الحياة بين الناس بالعدل.

قال: ذلك جزء من وظيفتها.. أما وظيفتها الكبرى، فهي الحفاظ على الحياة وإمدادها بالحياة.

قلت: كيف تمد الحياة بالحياة؟

قال: كما تمدونها أنتم بالموت هناك من يمدها بالحياة.

قلت: كيف هذا؟

قال: أليس قلع الأشجار أو حرقها إمداد للأرض بالموت؟

قلت: بلى.

قال: فغرس الأشجار وتيسير الحياة على الأرض إمداد بالحياة.

صاح صائح آخر:(إماطة الأذى عن الطريق صدقة)([80])

قلت: ما هذا يا معلم.. وما علاقته بالبيئة؟

قال: لقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم تطهير الطريق وتنظيفها من أعمال الخير العظيمة، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(كانت شجرة في طريق الناس تؤذي الناس فأتاها رجل فعزلها عن طريق الناس، فلقد رأيته يتقلب في ظلها في الجنة)([81])

قلت: واعتبر صلى الله عليه وآله وسلم تنظيف الطريق من علامات الإيمان وشعبه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(الإيمان بضع وسبعون شعبه فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان)([82]).. فهمت هذا.. ولكن ما سره؟

قال: هذا من إمداد الطريق بالحياة.

قلت: الطريق جماد، فكيف نمدها بالحياة.

قال: عندما نملؤها بمظاهر الحياة وبطهارة الحياة نكون قد أمددناها بالحياة.

ثانيا ـ حصن الوقاية

دخلنا الحصن الثاني من حصون الجسد.. فرأيت الجو نقيا صافيا، والهواء نسيما عليلا، تنتعش له الروح، وينشط له الجسم، ورأيت لافتة مكتوبا عليها قوله تعالى:﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل:81)

قلت للمعلم: أهذا هو  حصن الوقاية؟

قال: أجل.

قلت: فمم يحمي هذا الحصن؟

قال: يحمي الإنسان من أعدائه الخارجيين المتسببين في وقوعه في الأمراض والآفات.

قلت: أي أعداء؟

قال: كل ما يتسبب في وقوعه في الأمراض عدوله يحب عليه ـ شرعا ـ أن يجاهده.

قلت: الوجوب الشرعي يفتقر إلى فتوى الفقهاء.

قال: حفظ الصحة، وجلب العافية واجب، لا يتسنى للإنسان أداء وظائفه التي كلف بها إلا بذلك.. فكان ما يؤدي إلى هذا الحفظ واجبا.

قلت: هذا دليل عقلي.

قال: إن شئت النقل، فاسمع قوله تعالى:﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (النساء:29)، فقد حرم الله تعالى في هذه الآية كل ما يتسبب في قتل النفس أو إصابتها بالآفات.

قلت: ما علاقة الآية المعلقة على الباب بهذا المعنى؟

قال: هي من المنارات التي نهتدي بها في هذا الباب، فمن نعم الله على عباده أن خلق لهم ما يحتمون به من وهج الشمس، ومن قر البرد، ومن أسنة الرماح.. وما هذه النعم إلا لحفظ هذا الجسد من طوارق البلاء، فتنعمه بالعافية هو  الوسط الصحيح لأدائه التكاليف، ونهوضه بما تستوجبه الخلافة.

***

رأيت لافتة مكتوبا عليها بحروف من نور قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)([83])  

قلت للمعلم: ينبهنا صلى الله عليه وآله وسلم بهذا إلى أخذ احتياطاتنا التي نتقي بها مضار العدوى من الجذام.

قال: ليس ذلك فقط.. بل هو  في مفهومه الشامل ينبهنا إلى أخذ احتياطاتنا الوقائية من كل العلل([84])، فلا فرق في العلل بين الجذام وغيره.

قلت: نحن نعبر عن هذا في عصرنا بالوقاية.

قال: وكذلك في هذا المستشفى، وقد استنبطوا ذلك من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه)([85])، ففي قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ومن يتق الشر يوقه) في معرض الحديث عن دور المجاهدة والسعي في تحصيل العلم والحلم دليل على أن مفاتيح الصحة والعافية بيد الإنسان، فيمكنه أن يتقي العلل أو مضار العلل بالسعي والاجتهاد.

قلت: أهذا الباب يدخله الأصحاء فقط؟

قال: لا.. يدخله المرضى أيضا.. بل إن المريض أو لى بالدخول في هذا الباب، فحرصه على الحمية، وعلى التعايش مع المرض وإعطائه ما يستحقه من سلوك يجعله ينعم بالعافية التي قد لا يشعر بها الأصحاء.

***

قلت: إن من قومي من يفصل بين الصحة والدين، بل يعتبر أن المبالغة في الوقاية من الحرص على الدنيا.

قال: أخطأ من اعتقد هذا.. بل هذا الجسد أمانة.. والله تعالى يسأل عبده عنه كما يسأله عن أي أمانة.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن عمله فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه،،وعن جسمه فيم أبلاه)([86])، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن الأمور العظمى التي هي محل الحساب، وذكر الصحة من بينها.

قلت: ولكني أعلم أن الصحة نعمة تشكر لا أمانة يسأل عنها، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم أصح لك جسمك، وأروك من الماء البارد؟)([87])

قال: وكل نعمة أمانة.. وكل أمانة مسؤولية.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم لبعض أصحابه معاتبا له على كثرة عبادته التي جعلته يفرط في بعض الحقوق:( ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فلا تفعل، فإنك إذا فعلت ذلك هجمت([88])عينيك ونفهت([89]) نفسك، فصم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، وإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشرة أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله)([90])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن إعطاء الجسد ما يتطلبه من غذاء صدقة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما أطعمت زوجتك فهولك صدقة، وما أطعمت ولدك فهولك صدقة، وما أطعمت خادمك فهولك صدقة، وما أطعمت نفسك فهولك صدقة)([91])

***

رأيت لافتة مكتوبا عليها بحروف تشبه رماحا مشرعة قوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (النساء:102)

قلت للمعلم: أهناك مخاطر في هذا القسم تستدعي أخذ الحذر؟

قال: لا.. هذا تنبيه للمرضى والأصحاء بأخذ الحذر والحيطة خشية هجوم العلل والبلايا، فإنها لا تهجم هجوما مباشرا، بل تتحين الفرص التي تنزل فيها، وتستغل نقاط الضعف التي توفر لها الجو الملائم للنزول.. ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوتَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ﴾ (النساء:102)

قلت: بلى..

قال: فالغفلة عن حفظ السلاح ـ الذي هو  وسيلة المقاومة ـ يؤدي إلى إغارة الأعداء، بل سعيهم لاستصال عدوهم، بل إن الله تعالى مع إيجابه حمل الأسلحة أو جب الحذر، فقال تعالى:﴿ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (النساء:102) في موضعين من الآية، وفي آية أخرى قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أو انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ (النساء:71)

قلت: ولكن.. أليس هذا تحريفا للقرآن الكريم، فإن الآية تتحدث عن صلاة الخوف.. ولذلك علاقة بالحرب.. لا بالمرض؟

قال: ما غرض عدوك منك.. أو ماذا يفعل بك لووجد فيك غفلة؟

قلت: يقتلني أو يأسرني.

قال: فكذلك هناك أعداء أخفياء يتربصون بك.. فإن ظفروا بك قتلوك وإلا جعلوك حبيس الفراش.

قلت: فتشرع مجاهدتهم كما يجاهد الأعداء؟

قال: أجل.. بل تجب مجاهدتهم.. ويعبد الله بمجاهدتهم.

قلت: إن ما ذكرته جميل.. ولكنه قريب من القياس.. وأنت تعلم بغضي للقياس.

قال: تريد نصوصا صريحة.

قلت: لا شكا فيما ذكرت.. ولكن ليطمئن قلبي.

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير، وإذا عرستم بالليل فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب، ومأوى الهوام بالليل)([92])

قلت: لقد نبه صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث إلى أخذ الحذر في الطريق.

قال: ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن الوحدة، وهي (أن يبيت الرجل وحده، أو يسافر وحده)([93])

قلت: وما الخطر في هذا؟

قال: قد يتعرض الإنسان أثناء نومه أو سفره لأي علة، فيحتاج لمن يقف معه فيها.

قلت: أجل.. فكثير من الأمراض تستدعي حضور المريض في وسط يكون فيه الناس ليمدونه بالإسعافات اللازمة.

قال: في هذه الحصون قسم خاص بتعليم هذه الإسعافات.. وهي لا تشمل إسعاف المرضى فقط، بل إسعاف الأصحاء أيضا.

قلت: الأصحاء؟! لماذا؟

قال: لئلا يمرضوا.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ينبه إلى الإسعافات التي يلزم اتخاذها لتجنب أسباب الهلكة عند النوم؟

قلت: أتقصد قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أغلقوا أبوابكم، وخمروا آنيتكم، وأطفئوا سرجكم وأوكئوا أسقيتكم؛ فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، ولا يكشف غطاء، ولا يحل وكاء، وإن الفويسقة تضرم البيت على أهله)([94])

قال: أجل، فإن النوم من المواطن التي قد يغار فيها على الإنسان من غير أن يشعر، ولهذا نبه صلى الله عليه وآله وسلم من أراد النوم إلى أخذ احتياطاته كاملة توقيا لأسباب الهلكة، وقد جمع هذا الحديث الكثير منها.

ربت على كتفي من غير شعور مني شخص، وقال لي بهمس، وكأنه يسر لي شيئا: في هذا الحديث الكثير من الأوامر المرتبطة بالوقاية:

ففي الأمر بإغلاق البيوت حماية لها من كل لص أو حيوان مفترس أو حيوان مؤذ أو كلب أو مصاب.

وفي الأمر بتخمير الآنية حماية لها من الغبار ونحوه.

وفي الأمر بإطفاء السرج حماية للبيت من خطر الحرائق، فقد يتطاير شرر في النار يؤدي إلى حريق البيت وإذية من فيهن، وقد ينتشر من النار غاز أوكسيد الفحم بكمية تؤدي إلى تسمم من في البيت([95]).

ولهذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه ربما جرت الفأرة فتيل السراج الزيتي، فيحرق الطرف المشتعل من الفتيل البيت.

ثم انصرف عني من غير أن ينتظر جزاء ولا شكورا.

قال المعلم: ومن هذا الباب نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن تعريض النفس للخطر، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من بات على ظهر بيت ليس عليه حجاب، فقد برئت منه الذمة)([96])

قلت: لقد ذكرتني، فإني أعرف بعض أقاربي نام على سطح البيت هربا من الحر، فنهض ليقضي حاجته، فسقط سقوطا مريعا لا يزال إلى الآن يعاني ويلاته.

قال: لقد رأيت شرفات عماراتكم العالية، وما تحوي من مخاطر، ثم لا تفكرون في طريقة تدرؤون بها الخطر.

قلت: يا معلم.. لقد ترك قومي تلك الشرفات بدون حماية عمدا.

قال: ما منافع ذلك؟

قلت: لييسروا لمن يريد الانتحار أيسر السبل للانتحار.. فليس عليه سوى أن يرمي نفسه من نافذته أو شرفته ليجد نفسه مع أهل القبور.

قال: فكيف تبحثون عن علاج الانتحار، وأنتم توفرون أسبابه؟

***

داخل الحصن رأيت مرشدا يرشد الناس إلى الدخول إلى قاعتين تتم فيهما توعية المرضى والأصحاء بما يجب فعله لحماية أجسادهم من العلل.

قلت للمعلم: ما بال هذا المرشد يحاول أن يقهر الناس على الدخول إلى هاتين القاعتين؟

قال: لأنه لا يمكن للجسم أن يحمى من العلل إلا بالدخول إليهما واستيعاب ما فيهما من إرشادات.

قلت: فما هما؟

قال: أما القاعة الأولى، فتعلم فيها الحمية، وأما القاعة الثانية، فيتدرب فيها على الطهارة.

قلت: الحمية والطهارة إذن هما ركنا الحماية.

قال: أجل، وكلاهما في حقيقتهما طهارة، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾(البقرة:222)

قلت: بلى.. ولكني أعرف أن الطهارة طهارة، فكيف تكون الحماية طهارة؟

قال: الحمية أن تطهر باطنك، فلا تمكن أسباب العلل من الدخول إليه، كما أنك بالطهارة تطهر ظاهرك.

قلت: فالحمية تطهير الباطن، والطهارة تطهير الظاهر.

قال: أجل.. هيا ندخل لنرى قواعد ذلك وضوابطه.

الحمية

دخلنا قاعة الحمية، فوجدنا لافتة مكتوبا عليها قوله تعالى:﴿ وَهُوالَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأنعام:141)

قلت للمعلم: ما الحمية؟

قال: هي الابتعاد عن كل متعة قد تتسبب في حصول العلة.

قلت: فما علاقة الآية المعلقة بباب هذه القاعة بها؟

قال: هذه الآية هي آية الحمية، فالله تعالى بعد أن ذكر النعم العظيمة ـ التي تفتح الشهية لتناولها ـ عقب ذلك بالنهي عن الإسراف، باعتباره الداء القاتل الذي يحول النعم نقما، والعافية بلاء.

قلت: لقد نهى الله تعالى عن الإسراف في مواضع من القرآن الكريم، فقد أخبر تعالى أنه لا يحب المسرفين المسايرين لما تقتضيه شهواتهم من غير نظر للعواقب، فقال:﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف:31)

ولكن الإسراف في القرآن الكريم لم يقتصر ذكره على الأكل والشرب، فالله تعالى ينعت بالإسراف أقواما مختلفين، لم يكن إسرافهم قاصرا على الأكل والشرب:

فالله تعالى يعتبر قوم هود عليه السلام من المسرفين، فيقول على لسان نبيه صالح عليه السلام:﴿ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الشعراء:151)، ثم يفسر هذا الإسراف بقوله تعالى:﴿ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (الشعراء:152)

وقال تعالى عن فرعون:﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (يونس:83)

قال: وكذلك الحمية، فإنها بمفهومها الحقيقي الشامل لا تقتصر على الأكل والشرب.

قلت: فما تعني؟

قال: تعني أن يضع المؤمن لنفسه ميزانا صحيا يتناسب مع متطلبات جسده.. وهذا الميزان الشامل([97]) هو  ما نص عليه قوله تعالى:﴿ وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن:7)، ثم نهى عن تجاوز هذا الميزان، فقال:﴿ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ (الرحمن:8)

قلت: فتجاوزه هو  الإسراف المؤدي إلى كل العلل.

قال: أجل.. وبذلك لا تكون الشهوات هي المتحكمة في سلوكيات الحياة وأنماطها، وإنما ما تتطلبه الصحة والعافية هو  المتحكم في ذلك.

قلت: فما التشريعات التي وضعها الشرع لتحقيق الحمية؟

قال: الأصل في هذه التشريعات أن يضعها الأطباء، فهي ميدانهم، ولكن النصوص الشرعية ـ مع ذلك، ولخطورة الأمر ـ تنبه إلى القواعد التي يعتمد عليها هذا الباب.

قلت: فاذكر لي بعضها.

قال: سنذكر أربعة تشريعات هي أصول أصول هذا الباب.

تحريم الخبائث:

قلت: فما أو لها؟

قال: أو لها تحريم الشرع لبعض الشهوات.. لئلا ينساق الإنسان انسياقا مطلقا وراءها.. وليكون في ذلك بعض التدريب على ما يربي في النفس وازع الحمية.

قلت: لقد ذكر القرآن الكريم إباحة الله للطيبات، وتحريمه للخبائث، فقال تعالى:﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أو لَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف:157)

قال: أتدري ما الخبائث التي نهوا عن أكلها؟

قلت: للفقهاء تفاصيل واختلافات كثيرة فيها، ولكنهم يتفقون على تحريم  لحم الخنزير، وتحريم الميتة، والدم، وهناك خلاف طفيف في الجوارح..

قال: أتدري لم حرمت هذه الأنواع؟

قلت: لكونها من الخبائث.. والخبائث ترادف النجاسات.

قال: فهذه المأكولات محلات ملائمة للعلل، فلذلك اقتضت الحمية تحريمها.

رأيت كثيرا من الناس يجتمعون حول بعض الأطباء، فسألت المعلم عنهم فقال: هؤلاء أطباء ينبهون إلى المخاطر التي تحوي عليها الخبائث، وهم بذلك ينصرون ما وردت به الشريعة من تحريم هذه الخبائث.

قلت: أفلا يكتفي الناس بما ورد في النصوص من تحريمها؟

قال: العبودية تقتضي التسليم لله، ولكن الطمأنينة تقتضي مثل هذه التفاصيل، ألم تر كيف أن إبراهيم عليه السلام سأل الله أن يريه كيف يحيي الموتى مع أنه مؤمن بإحياء الله للموتى.

قلت: وعندما قال الله له:﴿ أو لَمْ تُؤْمِن﴾(البقرة:260) قال:﴿ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾(البقرة:260)

قال: فكذلك هؤلاء الأطباء يملأون القلوب طمأنينة بما فتح الله عليهم من الكشوف، ألم يعد الله بهذه الكشوف؟

قلت:  أين؟

قال: في قوله تعالى:﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقّ﴾ (الأعراف:53)

قلت: تأويله المراد هنا هو  القيامة.

قال: هذا صحيح، ولكن فيها إشارة إلى أن حقائق القرآن الكريم ستتجلى بكل تفاصيلها، وسيكون الزمن مرآة لتجليها، ألم تسمع ما قال ابن مسعود  في قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾(المائدة:105)

قلت: بلى، فقد كان عبد اللّه بن مسعود  جالسا، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه فقال رجل من جلساء عبد اللّه: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر، فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإن اللّه يقول:﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، فسمعها ابن مسعود ، فقال: مه لم يجيء تأويل هذه بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه أي تأويلهن عند الساعة وما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب ما ذكر من الحساب والجنة والنار فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعاً، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، وإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعاً، وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه، وعند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية)([98]) 

تحريم الخنزير:

رأيت رجلا، وقد علق صورة خنزير، وعليها إشارة تحذير، وهويقول: لقد أكد القرآن الكريم تحريم الخنزير في أربعة مواضع([99]) من باب التأكيد على تشديد تحريمه، أتدرون لماذا؟

أردت أن أجيب، فقاطعني قائلا: كيف تجيب؟.. هذا اختصاصي([100]).. إن لحم الخنزير يحتوي على كمية كبيرة من الدهون، ويمتاز باندحال الدهن ضمن الخلايا العضلية للحمه علاوة على تواجدها خارج الخلايا في الأنسجة الضامة بكثافة عالية، في حين أن لحوم الأنعام تكون الدهون فيها مفصولة عن النسيج العضلي، ولا تتوضع خلاياه، وإنما تتوضع خارج الخلايا وفي الأنسجة الضامة.

قاطعه آخر، وقال: لقد أثبتت الدراسات العلمية أن الإنسان عندما يتناول دهون الحيوانات آكلة العشب فإن دهونها تستحلب في أمعائه وتمتص، وتتحول في جسمه فإن استحلابها عسير في أمعائه، وإن جزيئات الغليسرين الثلاثية لدهن الخنزير تمتص هي دون أي تحول وتترسب في أنسجة الإنسان كدهون حيوانية أو خنزيرية.

والكلوسترول الناجم عن تحلل لحم الخنزير في البدن يظهر في الدم على شكل كولسترول جزئي كبير الذرة يؤدي بالكثير إلى ارتفاع الضغط الدموي وإلى تصلب الشرايين، وهما من عوامل الخطورة التي تمهد لاحتشاء العضلة القلبية..

قاطعه ثالث، وقال: ولحم الخنزير غني بالمركبات الحاوية على نسب عالية من الكبريت، وكلها تؤثر على قابلية امتصاص الأنسجة الضامة للماء كالإسفنج، مكتسبة شكلاً كيسياً واسعاً، وهذا يؤدي إلى تراكم المواد المخاطية في الأوتار والأربطة والغضاريف بين الفقرات، وإلى تنكس في العظام.

والأنسجة الحاوية على الكبريت تتخرب بالتعفن منتجة روائح كريهة فواحة لانطلاق غاز كبريت الهدروجين.. وقد لوحظ أن الآنية الحاوية على لحم الخنزير، على الرغم من أنها محكمة السد إلا أنه يتعين إخراجها من الغرفة بعد عدة أيام نظراً للروائح الكريهة النتنة وغير المحتملة الناجمة عنهاً.

وبالمقارنة فإن لحوماً أخرى مختلفة خضعت لنفس التجربة، فإن لحم البقر كان أبطأ تعفنا من لحم الخنزير ولم تنطلق منه تلك الروائح النتنة.

قاطعه رابع، وقال: ويحتوي لحم الخنزير على نسبة عالية من هرمونات النمو التي لها تأثير أكيد للتأهب للإصابة بخامة النهايات علاوة على تأثيره في زيادة نموالبطن (الكرش) وزيادة معدل النمو وخاصة نمو الأنسجة المهيئة للنمو والتطور السرطاني..

قال خامس: يحتوي لحم الخنزير على أكبر كمية من الدهن من بين جميع أنواع اللحوم المختلفة مما يجعل لحمه عسير الهضم.. فمن المعروف علميا أن اللحوم التي يأكلها الإنسان تتوقف سهولة هضمها في المعدة على كميات الدهنيات التي تحويها وعلى نوع هذه الدهون، فكلما زادت كمية الدهنيات كان اللحم أصعب في الهضم.

قال سادس: ليس هذا فقط.. بل الخنزير مرتع خصب لأكثر من 450 مرضاً وبائياً، وهو يقوم بدور الوسيط لنقل 57 منها إلى الإنسان، عدا عن الأمراض التي يسببها أكل لحمه من عسرة هضم وتصلب للشرايين وسواها.

تحريم الميتة:

رأينا صورة حيوان ميت، وعليه إشارة تحذير، ورأينا أمامه مجموعة خبراء، قال أحدهم: لقد نص الله تعالى على تحريم الميتة، فقال:﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (البقرة:173)

وقد بين الله تعالى أن الميتة محرمة مهما كان نوعها سواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة، أو ما أكل السبع، قال تعالى:﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ (المائدة:3)

قال الثاني: وقد أثبت العلماء مدى الخبث الذي تحمله الميتة، وهو ما يبين الحكمة من تحريمها، فالجراثيم تنفذ إلى الميتة من الأمعاء والجلد والفتحات الطبيعية، لكن الأمعاء هي المنفذ الأكثر نفوذا، فهي مفعمة بالجراثيم، لكنها أثناء الحياة تكون عرضة للبلعمة ولفعل الخمائر التي تحلها.. أما بعد موت الحيوان فإنها تنمو وتحل خمائرها الأنسجة وتدخل جدر المعي ومنها تنفذ إلى الأوعية الدموية واللمفاوية.

أما الفم والأنف والعينين والشرج فتصل إليها الجراثيم  عن طريق الهواء أو الحشرات والتي تضع بويضاتها  عليها.

أما الجلد فلا تدخل الجراثيم عبره إلا إذا كان متهتكاً كما في المتردية والنطيحة وما شابهها.

قال الثالث:.. إن احتباس دم الميتة، كما ينقص من طيب اللحم ويفسد مذاقه فإنه يساعد على انتشار الجراثيم وتكاثرها فيه.

وكلما طالت المدة بعد هلاك الحيوان كان التعرض للضرر أشد، لأن تبدل لحمها وفسادها وتفسخه يكون أعظم، إذ أنه بعد 3ـ4 ساعات من الموت يحدث ما يسمى بالمصل الجيفي.. أو التيبس الرمي.. حيث تتصلب العضلات لتتكون أحماض فيها كحمض الفسفور واللبن والفورميك، ثم تعود القلوية للعضلات، فيزول التيبس وذلك بتأثير التعفنات الناتجة عن التكاثر الجرثومي العفني التي تغزو الجثة بكاملها.

قال الرابع: وينشأ عن تفسخ وتحلل جثمان الميتة مركبات سامة ذات روائح كريهة، كما أن الغازات الناتجة عن التفسخ تؤدي إلى انتفاخ الجثة خلال بضع ساعات، وهي أسرع في الحيوانات آكلة العشب من إبل وضأن وبقر وغيرها، كما تعطي بعض الجراثيم أثناء تكاثرها مواد ملونة تعطي اللحم منظراً غير طبيعي ولوناً إلى الأخضر أو السواد  وقوامه ألين من اللحم العادي.

قال خامس: ويدخل في هذا الباب ما قد تصاب به البهائم من أمراض جرثومية تمنع تناول لحمها ولوكانت مذكاة.. ويكون الضرر في هذه الحالة شديدا، فيما لومات الحيوان بذلك المرض نتيجة لانتشار الجراثيم في جثته عن طريق الدم المحتبس وتكاثرها بشدة وزيادة مفرزاتها السمية.

ومن هذه الأمراض السل، ولهذا توصي كتب الطب بإحراق جثة الحيوان المصاب بالسل الرئوي وسل الباريتوان وكذا إذ وجدت الجراثيم في عشلات الحيوان أو عقده اللمفاوية.

ومنها الجمرة الخبيثة، والحيوان الذي أصيب بها يحذر من مسه، بل يؤمر بحرقه ودفنه حتى لا تنتشر جراثيمه وتنتقل العدوى إلى الحيوان وإلى البشر.

تحريم الدم:

قال لي المعلم: إن شئت أن تدري لم حرم الله تعالى الدم، فتعال بنا لهؤلاء الخبراء؟

اقتربنا من مجموعة من الأطباء، وقد وضعوا أمامهم صورة دم وأمامها رمز التحذير، وسمعنا أحدهم يقول: اتفق العلماء على أن الدم حرام لا يؤكل ولا ينتفع به، وسر ذلك هو  ما يحمله من سموم وفضلات كثيرة ومركبات ضارة، وذلك لأن إحدى وظائفه الهامة هي نقل نواتج استقلاب الغذاء في الخلايا من فضلات وسموم ليصار إلى الخارج طرحاً، وأهم هذه المواد هي البولة وحمض البول والكرياتنين وغاز  الفحم، كما يحمل الدم بعض السموم التي ينقلها من الأمعاء إلى الكبد ليصار إلى تعديلها.

وعند تناول كمية كبيرة من الدم، فإن هذه المركبات تمتص ويرتفع مقدارها في الجسم، إضافة إلى المركبات التي يمكن أن تنتج عن هضم الدم نفسه مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة البولة في الدم، والتي يمكن أن تؤدي إلى اعتلال دماغي ينتهي بالسبات.

قاطعه آخر، وقال: إن هذه الحالة تشبه مرضياً ما يحدث في حالة النزف الهضمي العلوي ويلجأ عادة ـ هنا ـ إلى امتصاص الدم المتراكم في المعدة والأمعاء لتخليص البدن منه ووقايته من حدوث الإصابة الدماغية.

وهكذا فإن الدم يحتوي على فضلات سامة مستقذرة، ولو أخذ  من حيوان سليم، علاوة على احتوائه على عوامل مرضية وجرثومية فيما لوأخذ من حيوان مريض بالأصل.

قال آخر: والدم وسط صالح لنمو الجراثيم وتكاثرها، إذ أنه من المتفق عليه طبياً أن الدم أصلح الأوساط لنمو شتى أنواع الجراثيم وتكاثرها، فهو أطيب غذاء لهذه الكائنات وأفضل تربة لنموها ولهذا تستعمله المخابر لتحضير المزرعة الجرثومية.

قال آخر: وزيادة على هذا، فالدم لا يصلح غذاء للإنسان.. فإن ما يحتويه من بروتينات قابلة للهضم كالألبومين والغلوبولين والفبرينوجين هو  مقدار ضئيل (8غ / 100 مل)، ومثل ذلك الدسم، في حين يحتوي الدم على نسبة كبيرة من خضاب الدم (الهيموغلوبين) وهي بروتينات معقدة عسرة الهضم جداً، لا تحتملها المعدة غالبا.

ثم إن الدم إذا تخثر فإن هضمه يصبح أشد عسرة، وذلك لتحول الفيبرينوجين إلى مادة الليفين الذي يؤلف شبكة تحضر ضمنها الكريات الحمر والفيبرين من أسوأ البروتينات وأعسرها هضماً.

وهكذا فإن علماء الصحة لم يعتبروا الدم بشكل من الأشكال في تعداد الأغذية الصالحة للبشر.

تحريم الجوارح:

انتقلنا إلى مجموعة أخرى([101])، قد وضعت صورة ناب ومخلب، وعليها صورة تحذير، وقد كتب على اللوحة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (حرم على أمتي كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع([102]))([103])

قال أحد أطباء هذه المجموعة: لقد أثبت علم التغذية الحديثة أن الشعوب تكتسب بعض صفات الحيوانات التي تأكلها لاحتواء لحومها على سميات ومفرزات داخلية تسري في الدماء وتنتقل إلى معدة البشر، فتؤثر في أخلاقياتهم..

فقد تبين أن الحيوان المفترس عندما يهم باقتناص فريسته تفرز في جسمه هرمونات ومواد تساعده على القتال واقتناص الفريسة..

قاطعه آخر، تظهر عليه العجمة([104])، بقوله: إن هذه الإفرازات تخرج في جسم الحيوان حتى وهو حبيس في قفص عندما تقدم له قطعة لحم لكي يأكلها.

ثم ركز انتابهه في أحد المستمعين، وقد لاحظ عليه علامات الشك فيما قال، وقال: ما عليك إلا أن تزور حديقة الحيوانات مرة، وتلقى نظرة على النمر في حركاته العصبية الهائجة أثناء تقطيعة قطعة اللحم ومضغها، فترى صورة الغضب والاكفهرار المرسومة على وجهه، ثم ارجع ببصرك إلى الفيل وراقب حالته الوديعة عندما يأكل وهو يلعب مع الأطفال والزائرين، وانظر إلى الأسد وقارن بطشه وشراسته بالجمل ووداعته.

قال آخر: لقد لوحظ على الشعوب آكلات لحوم الجوارح أو غيرها من اللحوم التي حرم الإسلام أكلها أنها تصاب بنوع من الشراسة والميل إلى العنف ولو بدون سبب إلا الرغبة في سفك الدماء..

وقد تأكدت الدراسات والبحوث من هذه الظاهرة على القبائل المتخلفة التي تستمرئ أكل مثل تلك اللحوم إلى حد أن بعضها يصاب بالضراوة فيأكل لحوم البشر، كما انتهت تلك الدراسات والبحوث أيضا إلى ظاهرة أخرى في هذه القبائل وهي إصابتها بنوع من الفوضى الجنسية وانعدام الغيرة على الجنس الآخر فضلا عن عدم احترام نظام الأسرة ومسألة العرض والشرف.. وهي حالة أقرب إلى حياة تلك الحيوانات المفترسة حيث إن الذكر يهجم على الذكر الآخر من القطيع ويقتله لكي يحظى بإناثه إلى أن يأتي ذكر آخر أكثر شبابا وحيوية وقوة فيقتل الذكر المغتصب السابق وهكذا.. ولعل أكل الخنزير أحد أسباب انعدام الغيرة الجنسية بين الأوربيين وظهور الكثير من حالات ظواهر الشذوذ الجنسي مثل تبادل الزوجات والزواج الجماعي.

قال آخر:.. وما وباء السارس الذي أجتاح الصين وجنوب شرق آسيا إلا نتيجة لأكل لحم الجوارح والكلاب. 

وقد ذكر علماء من الصين أن الفيروس المسبب للالتهاب الرئوي اللانمطي (سارس) قد يكون انتقل إلى البشر من حيوانات كسنور (قطط) الزباد وكلاب الراكون.

وقد ألجأ الخوف من انتشار السارس عن طريق الحيوانات الأليفة السلطات في بكين والمدن الأخرى إلى أن تأمر بجمع القطط والكلاب الضالة والحيوانات الأخرى وتقتلها.. كما دفع ذلك أصحاب الحيوانات الأليفة إلى التخلي عن حيواناتهم.

تشريع الصيام:

قلت: فما التشريع الثاني؟

قال: الصوم..

قلت: ما علاقة الصوم بالحمية؟

قال: الصوم هو  التشريع الذي شرعه الله ليدرب على الحمية.

قلت: الحمية عن المعاصي.. وهي حمية للروح.. لا حمية للجسد.

قال: الله رب الجسد والروح.. وقد شرع لنا ما يحفظهما جميعا، وفي وقت واحد.

قلت: قد عرفت دور الصوم في تربية الإرادة، وغرس نبات الصبر، ولهذا جعله صلى الله عليه وآله وسلم سببا من أسباب العفة ودربا من دروبها، فقال:(يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)([105]).. ولكني لم أعرف الصوم حمية للجسد عن العلل.

قال: أليست العفة نوعا من الحمية؟.. فالحمية هي عدم الانسياق وراء الشهوات، وهي نفس ما تعنيه العفة.. ومع ذلك فقد جعل الله الصوم مدرسة من مدارس الصحة لا يفقهه إلا أولو الألباب.

أشار لي المعلم إلى باب داخل قاعة الحمية، ثم قال: أترى ذلك الباب؟

قلت: أجل.

قال: ذلك الباب يؤدي إلى قاعة عظمى، هي وحدها مستشفى قائم بذاته، فيه الأطباء من كل التخصصات، يعالجون المرضى بدواء واحد.

قلت: بدواء واحد.. ما هذا الترياق العجيب؟

قال: إنه الصوم..

قلت: فهيا ندخل إليها لنرى عجائب العلاج بالصوم.

قال: سندخل.. ولكنا سنكتفي بإلقاء نظرة عامة.. أما التخصص، فنتركه للمتخصصين.

دخلنا القاعة التي كتب على بابها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(صوموا تصحوا)([106])، فوجدناها بحد ذاتها مستشفى كبير في سعته وكثرة أبوابه([107])، فسألت المعلم عن هذه الأبواب الكثيرة، فقال: كل باب تعالج فيه علة من العلل.

قلت: بالصوم وحده؟!

قال: بالصوم وحده.

قلت: فهلم ندخل إليها.

قال: إذن لن نخرج.

قلت: فماذا نفعل هنا؟

قال: هناك أطباء في هذه الباحة يرشدون المرضى إلى مزايا الصوم ودور الاحتماء به في الوقاية العلاج، وسنستمع إليهم لترى سببا من أسباب كون الصوم ركنا من أركان الصحة.

استدركت على المعلم قائلا: أخطأت ـ يا معلم ـ الصوم ركن من أكان الإسلام، لا ركن من أركان الصحة.

قال: أركان الإسلام هي أركان الصحة.. ألم يأت الإسلام لحفظ الروح والجسد؟

اقتربنا من بعض الأطباء، فسمعناه يقول: خلاصة ما توصل إليه الباحثون في هذا هي أن الصوم ضروري لحياة الإنسان وصحته، وأي مخلوق إذا امتنع عن الصوم فإنه لا بد من أن يصاب ببعض الأمراض.

سأل بعض المرضى: ما سر هذا؟

قال: الصوم يساعد الجسم على تنشيط وظائفه، فعند الصيام تقل كمية الطعام وعدد الوجبات الغذائية، مما يؤدي إلى المساعدة في تنظيم التنفس، لأن الأمعاء بما فيها من طعام قليل لن يضغط على الصدر والقلب، ومن ثم يحدث التنفس بصورة مريحة.

وبالإضافة إلى هذا فإنه تقل عدد ضربات القلب ومرات التنفس، لأن الجسم في أثناء الصوم يكون في غير حاجة لبذل مجهود كبير، أو دفع كمية كبيرة من الدم إلى الجهاز الهضمي، وذلك للمساعدة في هضم الكميات الهائلة من الطعام كما هو  الحال في الأيام الإفطار العادية.

وبالإضافة إلى هذا، فإن الجسم أثناء الصوم يستهلك كمية أقل من الغذاء لتزويده بالطاقة الحرارية اللازمة، وهذا يعني حصول الجهاز الهضمي، وغدده على فترة من الراحة تسمح له بتجديد خلاياه وأنسجته التالفة.

وهذا كله بالإضافة إلى تقليل العبء الواقع على الجهاز القلبي والدوراني والدم، بحيث تقل كمية الطعام المهضوم الممتص الذي يحمله الدم عبر الأوعية الدموية إلى جميع أجزاء الجسم ـ كلٌّ حسب نوعه ـ وبالطبع ينجم عن هذا قلة الفضلات الناجمة عن عمليات التمثيل الغذائي التي يسبب وجودها إرهاقاً للكليتين.

انتقلنا على طبيب آخر، فسمعناه يقول: من الحقائق التي توصل إليها العلماء أن الإنسان عندما يفرط في تناول الأغذية والأدوية، فإنه قد يُصاب بالتسمم بالعناصر الداخلة في تركيبها، فلذلك يحتاج إلى الصوم أياماً متتالية، بل أسابيع لطرد هذه المواد الدخيلة على الجسم.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن أول الأعضاء التي يتغذى عليها جسم الإنسان في أثناء الصوم الأعضاء المصابة بالأمراض والشيخوخة، وخاصة المحتقنة، والمتقيحة، والملتهبة، إذ تكون أول الخلايا المستهلكة، وأول ما يتأكسد من أنسجة الجسم ويحترق لذلك، فإنه في الصوم يصغر حجم الخلايا التالفة، والأورام، والزوائد اللحمية، والأكياس الدهنية، والأورام الليفية.

قاطعه بعض المرضى قائلا: ولكن سمعنا بأن الصوم يعطل التئام الجروح والكسور.

رد عليه الطبيب بقوة: أخطأ من قال هذا.. لقد أثبتت الدراسات عكس ما قلت تماماً، فإن الجسم يستنفد أنسجته الأقل أهمية في إصلاح الأنسجة الأكثر أهمية.

انتقلنا إلى طبيب آخر، فسمعناه يقول: لقد أكدت الدراسات الطبية أن المخ أثناء الصيام يفرز مادة الفيلادين ومادة الأندوفرين اللتين تعملان على ضبط الأعصاب واستعادة توازنها، وتهدئة الإنسان دون الاستعانة بالمهدئات.

وبالإضافة إلى هذا، فإن الصوم يضبط الساعة البيولوجية للجسم، ويُعود المعدة على مواعيد الطعام المنتظمة في الإفطار والسحور، مما يريح الجهاز الهضمي، ويعين المعدة على تجديد إفرازاتها الهاضمة، أما نسبتا السكر والكوليسترول فإن الصوم خير وسيلة لضبطهما.

انتقلنا إلى طبيب آخر([108])، فسمعناه يقول: تنقسم أمراض المخ والأعصاب إلى قسمين: أمراض عصبية مثل الجلطة والأورام؟ وأمراض نفسية مثل القلق والاكتئاب وأنواع الجنون، والصوم ليس له تأثير مباشر على أمراض المخ والأعصاب بشقيها، ولكن هناك تأثيرات غير مباشرة، فالمريض بجلطة المخ قد تتحسن حالته الصحية إذا صام لأن الصوم يقلل نسبة الدهون في الدم، ومن ثم تنخفض نسبة تصلب الشرايين المسببة للجلطة.

سأله أحد المرضى: وما دور الصوم في علاج الأمراض النفسية؟

فأجاب: هي تنقسم إلى قسمين: أمراض عقلية كأنواع الجنون المختلفة، وهنا يسقط التكليف بالصوم عن المصاب بها، وأمراض عصبية مثل القلق النفسى والاكتئاب، ويستحب الصوم لهؤلاء لأن الصوم يحسن الحالة النفسية، ويجعلهم أكثر تجاوباً مع العلاج.

انتقلنا إلى طبيب آخر([109])، فسمعناه يقول:.. والمريض بقرحة المعدة يستحب له الصوم، لأن كمية الطعام الزائدة تؤدي بدورها إلى زيادة إفراز الحمض الذي يؤدي بدوره إلى زيادة تآكل الطبقة المخاطية المبطنة لجدار المعدة إذا لم يأخذ المريض العلاج المناسب المضاد لهذا الحمض، وامتناع الصائم عن الأكل والشرب طوال اليوم يقلل من إفراز هذا الحمض([110]).

والصوم يوفر للفم الصحة والنظافة، إذ ينشط معه إنزيم الليوزيم الموجود ضمن الإفرازات اللعابية، ويمنحه الفرصة للقضاء على الجراثيم المؤثرة على اللثة، كما يريح الصوم اللثة لساعات طويلة من الجروح والخدوش التى تحدث بفعل الأطعمة الصلبة والأحماض الغذائية.

انتقلنا إلى طبيب آخر([111])، فسمعناه يقول: إن الصوم يخلص الجسم من الدهون التى تسبب السمنة المفرطة، ويساعد على تخفيض ضغط الدم المرتفع وإعطاء المعدة فترة من الراحة، وإراحة الأجهزة.

سمعنا آخر([112]) يقول: وللصوم تأثير إيجابي على المرضى المصابين بالمياه الزرقاء، فهدوء الأعصاب المصاحب للصوم يقلل من الضغط الواقع على العين فتتحسن الحالة المرضية نسبياً في الصيام.. كما تقل نسبة حدوث المضاعفات التى تحدث في عين المرضى المصابين بالسكر وارتفاع ضغط الدم، كحدوث جلطة في العين أو انسداد في أحد الشرايين الموجودة في العين.

سمعنا آخر([113]) بلهجة تختلط فيها العربية بالعجمة يقول: إن الأديان كافة تدعوالناس إلى وجوب الصوم، إذ يحدث أول الأمر شعور بالجوع، ويحدث أحياناً التهيج العصبي، ثم يعقب ذلك شعور بالضعف، بيد أنه يحدث إلى جانب ذلك ظواهر خفية، أهم بكثير منه، فإن سكر الكبد سيتحرك، ويتحرك معه الدهن المخزون تحت الجلد، وبروتينات العضل والغدد، وخلايا الكبد، وتضحّي جميع الأعضاء بمادتها الخاصة، للإبقاء على كمال الوسط الداخلي، وسلامة القلب، ولهذا فإن الصوم لينظف أنسجتنا.

قال آخر: جميع الأطباء يؤكدون اليوم أن الصوم ضرورة حيوية لكل إنسان حتى ولو كان يبدو صحيح الجسم، فالسموم التي تتراكم خلال حياة الإنسان لا يمكن إزالتها إلا بالصيام والامتناع عن الطعام والشراب.. حيث يدخل إلى جسم كل واحد منا في فترة حياته من الماء الذي يشربه فقط أكثر من مئتي كيلوغرام من المعادن والمواد السامة!! وكل واحد منا يستهلك في الهواء الذي يستنشقه عدة كيلوغرامات من المواد السامة والملوثة مثل أكاسيد الكربون والرصاص والكبريت.. فتأمل كم يستهلك الإنسان من معادن لا يستطيع الجسم أن يمتصها أو يستفيد منها، بل هي عبء ثقيل تجعل الإنسان يحسّ بالوهن والضعف وحتى الاضطراب في التفكير، فهذه السموم تنعكس سلباً على جسده ونفسه، وقد تكون هي السبب الخفي الذي لا يراه الطبيب لكثير من الأمراض المزمنة.

قال آخر: والصوم هو أقوى سلاح للاضطرابات النفسية.. حيث يقدم الصوم للدماغ وخلايا المخ استراحة جيدة، وبنفس الوقت يقوم بتطهير خلابا الجسم من السموم، وهذا ينعكس إيجابياً على استقرار الوضع النفسي لدى الصائم.

حتى إن الدكتور يوري نيكولايف مدير وحدة الصوم في معهد موسكو النفسي عالج أكثر من سبعة آلاف مريض نفسي باستخدام الصوم، حيث استجاب هؤلاء المرضى لدواء الصوم فيما فشلت وسائل العلاج الأخرى، وكانت معظم النتائج مبهرة وناجحة! واعتبر أن الصوم هو الدواء الناجع لكثير من الأمراض النفسية المزمنة مثل مرض الفصام والاكتئاب والقلق والاحباط.

فلدى البدء بالصوم يبدأ الدم بطرح الفضلات السامة منه أي يصبح أكثر نقاء، وعندما يذهب هذا الدم للدماغ يقوم بتنظيفه أيضاً فيكون لدينا دماغ أكثر قدرة على التفكير والتحمل.

قال آخر: والصوم يطيل العمر.. فقد أظهرت التجارب أن ممارسة الصيام على الحيوانات يضاعف من فترة بقائها أو حياتها.. وسر ذلك أن التنظيف المستمر للخلايا باستخدام الصيام يؤدي إلى إطالة عمر الخلايا، وبالتالي تأخر الشيخوخة لدى من ينتظم في الصيام.. حتى إن حاجة الجسم من البروتين تخف خلال الصيام إلى الخمس! وهذا ما يعطي قدراً من الراحة للخلايا، حتى إن الصيام هو  وسيلة لتجديد خلايا الجسم بشكل آمن وصحيح.

قال آخر: من الأشياء الغريبة في الصوم أنه يساعد على شفاء آلام الظهر والعمود الفقري والرقبة. وقد أو ضحت دراسة نرويجية أن الصوم علاج ناجع لالتهاب المفاصل بشرط أن يستمر الصوم لمدة أربعة أسابيع.

تحريم الإسراف:

خرجنا من القاعة أو المستشفى المختص بالعلاج بالصوم، فصادفنا مباشرة باب كتب عليه قوله تعالى:﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف:31)

قلت للمعلم: أهذه القاعة التي يدرب فيها على التشريع الثالث من التشريعات التي وضعها الله للحمية؟

قال: أجل.. فهي القاعة التي يمرن فيها على الاقتصاد والقناعة..

قلت: الإنسان شره بغريزته، يسرف في الأكل والشرب، وفي كل الشهوات، بل يقدر ما يأكله الإنسان العادي عادة من طعام وشراب ثلاثة أضعاف ما يحتاجه إليه.

قال: ولهذا فإن أكثر الراحلين من عالم الدنيا إلى عالم القبور مشنوقون بأفواههم، مصلوبون بشهواتهم.

قلت: ولهذا حرم الله تعالى الإسراف، وربطه بكل المواضع التي أمر فيها بالأكل والشرب.

قال: بل أخبر القرآن الكريم أن الوقوف عند التلذذ بالطعام والشراب والتمتع بهما إنما هو  من صفات الكافرين الجاحدين، فقال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾(الأحقاف:20)

قلت:  ألهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:(المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء)([114])؟

قلت: أجل.. ولهذا اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم السمنة انحرافا يقع في الأمة، فقال:(إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يكون من بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن)

قال: ولهذا اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم من الإسراف أن يأكل الإنسان كلما اشتهى، فقال:(إن من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت)([115])

وتجشأ بعضهم عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له:(أقصر عنا من جشائك، إن أطول الناس جوعاً يوم القيامة أكثرهم شبعاً في الدنيا)([116])

***

دخلنا القاعة، فرأينا فيها مجموعة أطباء يلتف حولهم جماعة مرضى، وخلفهم لوحة كتب عليها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه)([117])

قلت للمعلم: لقد علق بعضهم على هذا الحديث تعليقا جميلا، فقال:(مراتب الغذاء ثلاثة: أحدها مرتبة الحاجة، والثانية مرتبة الكفاية، الثالث مرتبة الفضيلة، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه فلا تسقط قوته ولا تضعف، فإن تجاوزها فليأكل بثلث بطنه وهذا من أنفع ما للبدن وما للقلب فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب فإذا أو رد عليه الشراب ضاق عن النفس وعرض عليه الكرب والتعب)([118])

قال: فهذا الطبيب يؤكد هذا، فاسمع إليه.

قال الطبيب، وهويشرح الحديث السابق: يشكل الجزء العلوي من المعدة جيبا ممتلئا بالهواء يقع تحت الحجاب الحاجز، وكلما كان ممتلئاً بالهواء كانت حركة الحجاب الحاجز فوقه سهلة، وكان التنفس ميسوراً، فإذا امتلأ هذا الجيب بالطعام والشراب تعرقلت حركة الحجاب الحاجز وكان التنفس صعباً كما أن الصلب  لا يستقيم تماماً إلا إذا كانت حركة المعدة مستريحة، ولا يتم ذلك إذا اتخمت بالطعام.

ثم التفت، فرأيت خبيرا آخر([119]) يقول: الإسراف في الغذاء مضر بالصحة، لما يؤدي إليه بصورة مباشرة من اضطراب الهضم والتخمة، ولما يؤدي إليه بصورة غير مباشرة من أمراض فرط التغذية التي يقال لها اليوم (أمراض الرخاء) أو (أمراض التخمة)، ومن  أهمها (السكري)، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض شرايين القلب المحدثة للذبحة والجلطة، وأمراض شرايين الدماغ المؤدية إلى السكتة والفالج، وما إلى ذلك. وبذلك تكون المعدة بيت الداء حقاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتكون مسؤولة عن طائفة من أخطر الأمراض.

***

 انتقلنا إلى مجموعة أخرى من الأطباء، فسمعنا أحدهم يقول: إن احتياجات الإنسان الطبيعي من العناصر الغذائية الأساسية تشمل السكاكر، والدسم، والبروتينات، ومن الفيتامينات والعناصر المعدنية.

وتختلف مقاديرها بحسب سنه وجنسه وعمله وحالته الغريزية.. والإسراف فيها إما أن يكون بالتهام كمية كبيرة من الطعام فوق حاجة الإنسان، أو بازدراد الطعام دون مضغة جيداً، ويسمى ذلك بالشره، وينتج عنه الكثير من الأمراض([120]).

قال آخر: من الأمراض الناتجة عن ذلك هجمة خناق الصدر وخاصة إذا كانت الوجبة دسمة، وهي حالة من الألم الشديد خلف القص يمتد للكتف والذراع الأيسر والفك السفلي بسبب نقص التروية القلبية، تظهر هذه الحالة عادةً عند المصابين بأمراض الأوعية القلبية إثر الجهد، فالوجبة الغذائية الكبيرة تشكل على القلب عبئا يماثل العبء الناتج عن الجهد العنيف.

قال آخر: ومنها تعرض الإنسان للإصابة ببعض الجراثيم، كضمات الكوليرا وعصيات الحمى التيفية، والأطوار الاغتذائية للاميبا، وذلك لعدم تعرض كامل الطعام لحموضة المعدة وللهضم المبدئي في المعدة حيث أن حموضة المعدة هي المسؤولة عادة عن القضاء على مثل هذه الجراثيم.

قال آخر: ومنها بعض الأمراض المتعلقة بالمعدة، كتوسعها الحاد، وهي حالة خطيرة قد تؤدي للوفاة إذا لم تعالج.

أوكانفتال المعدة، وهي إصابة خطيرة ونادرة تحدث بسبب حركة حويّة معاكسة للأمعاء بعد امتلاء المعدة الزائد بالطعام.

زيادة على هذا، فإن المعدة الممتلئة بالطعام أكثر عرضةً للتمزق إذا تعرضت لرض خارجي من المعدة الفارغة، وقد يتعرض المرء للموت بالنهي القلبي إذا تعرض لضرب على الشرسوف (فوق المعدة)

قال آخر: ومن الأمراض الناتجة عن التخمة همود في النفس، وبلادة في التفكير، وميلٍ إلى النوم، كما أن الشره يزيد الشهوة الجنسية، ويغير من نفسية الإنسان فيجعلها أقرب إلى نفسية الحيوان.

قال آخر: وأخطر ذلك كله السُمنة، وهي المرض الخطير الذي نجده غالباً في أبناء الطبقات الغنية، وعند أصحاب الوظائف الكسولة، ويحصل نتيجة الإكثار من الطعام، وخاصة السكاكر والدهون، وبشكل خاص عند الأفراد الذين لديهم استعداد إرثي، وهي تحد من إمكانات الفرد ونشاطاته بشكل كبير، كما تشارك بعض الأمراض الخطيرة، كاحتشاء العضلة القلبية، وخناق الصدر، والداء السكري، وفرط توتر الدم وتصلب الشرايين.

قال آخر: ومنها نخر الأسنان، وهومن الأمراض الشائعة بسبب الإكثار من تناول السكاكر الاصطناعية خاصة التي تسمح بتخميرها للعصيات اللبنية بالنمو في جوف الفم.

قال آخر: ومنها الحصيات الكلوية، وهي أكثر حدوثاً عن الذين يعتمدون بشكل رئيسي على تناول اللحوم والحليب والجبن.

قال آخر: ومنها تصلب الشرايين، وهو داء خطير يشاهد بشكل ملحوظ عند الذين يتناولون كميات كبيرة من الدسم، حيث يصابون بفرط تدسم الدم.

قال آخر: ومنها النقرس (داء الملوك)، وهوألم مفصلي، يأتي بشكل هجمات عنيفة، وخاصة في مفاصل القدم والإبهام، ويشاهد أكثر عند اللذين يتناولون كمياتٍ كبيرة من اللحوم.

تنظيم الحياة:

خرجنا من القاعة التي يدرب فيها على الاقتصاد، فصادفنا باب في منتهى الجمال.. وجماله لم يكن بكثرة ألوانه ولا إشعاعات أضوائه، وإنما في تلك الخطوط المنتظمة الدقيقة المتداخلة التي أكسبته بهاء فوق بهائه، وجمالا فوق جماله.

قلت للمعلم: ما هذا الباب الجميل، ولأي قاعة يؤدي؟

قال: هذا باب يؤدي إلى القاعة أو المستشفى أو الميدان الذي تنظم فيه الحياة.

قلت: فما علاقة ذلك بالحمية؟

قال: النظام هو  أساس مهم من أسس الحمية، وقاعدة كبرى من قواعدها.. بل ما الحمية إلا نظام من أنظمة الحياة.

قلت: فما النظام؟.. وما الحاجة إليه؟

قال: أليس جسد الإنسان مدينة من المدائن.

قلت: بل قل عنه: إنه مدائن لا مدينة، فكل جهاز من أجهزة الجسم مدينة بحد ذاتها.

قال: فهل يمكن للمدائن أن تسير بدون نظام ينظم حياتها؟

قلت: إذن تخرب المدينة.. لابد للمدينة من نظام وقوانين ومبادئ..

قال: فلذلك احتاج الجسم إلى هذا النظام.

قلت: فمن يضع هذا النظام؟

قال: لقد وكل الله أمر وضع هذا النظام للبشر، وللمختصين والخبراء منهم.. ولكن هناك أمور تمس إليها الحاجة وتشتد، فلذلك كان من رحمة الله أن بينها لنا، ونبهنا إليها.. لا باعتبارها التفاصيل النهائية، وإنما باعتبارها القواعد التي ننطلق منها في تنظيم حياتنا.

قلت: إن الحياة ـ يا معلم ـ شيء معقد.. والناس يختلفون في تصاريف حياتهم، فكيف يحكمون بنظام واحد؟!

قال: هناك أشياء كثيرة يتفقون عليها، فالناس يأكلون ويشربون وينامون، ويقومون بجميع وظائفهم الحياتية.

قلت: ولكن الأعراف هي المتحكمة في هذه الجوانب.. ففي كل ذلك طرائق تختلف باختلاف الشعوب والبيئات.

قال: نعم.. للبيئة والظروف التي يمر بها الإنسان دور كبير في ذلك، ولكن مع ذلك، فإن هناك أشياء كثيرة مشتركة.

قلت: ما هي، وكيف نتدرب عليها؟

قال: هذه القاعة مختصة بالتمرين على هذا.

قلت: التمرين؟!.. ماذا تعني؟!

قال: من يدخل هذه القاعة يمكث أربعين يوما ليعود نفسه على نظام معين في الحياة يسير عليه بقية عمره.

قلت: ولم الأربعون؟

قال: هذا مجرد اجتهاد اجتهده أهل هذا المستشفى.. وقد أثبت فاعليته.

قلت: فلم الأربعون بالضبط؟

قال: ورد في النصوص ما يشير إلى بعض الخواص المتعلقة بالأربعين، فالله تعالى يقول:﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ (البقرة:51)

قلت: هذه الآية الكريمة تتحدث عن مواعدة الله لموسى عليه السلام ليكلمه في جبل الطور.

قال: فماذا فعل موسى عليه السلام في هذه الفترة؟

قلت: لقد صام، وترك قومه، وقد يكون أكثر في هذه المدة من العبادة ما لم يكثر في غيرها.

قال: فهذا سلوك خاص سلكه هذه الفترة ليهيئ نفسه للمناجاة، وقد كانت هذه الفترة كافية لتهيئته.

قلت: ألا يمكن أن نترك ذلك من غير تعليل؟

قال: ذلك في أفعالنا، لا في أفعال الأنبياء، أو فيما يوحى به للأنبياء.. فهم محكومون بقوانين تعزب عنا تفاصيلها.

قلت: ولكن هذا الدليل وحده لا يكفي لمثل هذا.

قال: ورد في النصوص ما يقوي هذا الدليل.

قلت: تقصد ما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه)([121])

قال: لا أقصد هذا، فقد تحدث فيه العلماء جارحين، ولكن أقصد نصوصا أخرى قد تجعل من هذا الأمر مقبولا، ومن ذلك ما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوماً، وأيّما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أو لى به)([122])

قلت: فما في هذا الحديث من الدلالة على هذا؟

قال: عدم قبول الله تعالى منه هذه المدة دليل على أن أثر هذه اللقمة بقي في جوفه أربعين يوما.

قلت: وقريب من هذا الحديث ما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من شرب الخمر لم يرض اللّه عنه أربعين ليلة إن مات؛ مات كافراً، وإن تاب تاب اللّه عليه، وإن عاد كان حقاً على اللّه أن يسقيه من طينة الخبال)([123])

قال: ليس هذا فقط، بل كل الأحاديث تحدثت عن الأربعين يوما تشير إلى هذا، حتى أنه روي أن الدجال عندما يخرج يمكث في الأرض أربعين.

قلت: أجل، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( يخرج الدجال في أُمتي فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يوماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين عاماً..) ([124])، لكن ما سر مكوثه هذه المدة؟

قال: في هذه المدة يزداد الثابت رسوخا في ثباته، ويزداد المنحرف مع الدجال إمعانا في دجله.

قلت: وما النظام الذي يتعامل به الأطباء مع هؤلاء المرضى في هذه المدة؟ وهل هو  قاس؟

قال: قد يبدو لهم قاسيا، ولكنه ممتلئ رحمة.

قلت: فدعني أمكث هنا أربعين يوما، لعلي أتطهر من أوزار جسدي.

قال: لا يمكن أن تطهر جسدك قبل أن تطهر روحك، فالروح والجسد صنوان.

قلت: فمتى أدخل هذه الأربعينية؟

قال: عندما تنتهي دراستك الابتدائية، وتصير لك القوة الكافية، قد يؤذن لك في هذه الأربعينية.

قلت: وقبل ذلك.

قال: تدرب على آدابها.

قلت: فما آدابها؟

قال: هي آداب النبوة.

قلت: فهيا لنتعلمها.

قال: كل رحلتنا في مدائن السلام اقتباس من مشكاة النبوة.

قلت: فماذا نتعلم هنا، وفي هذه المرحلة.

قال: هنا نستثير الهمم.. ونشعل الشوق.

قلت: لم؟

قال: لأنه لا سير بدون شوق.. ولا حركة بدون همة.

***

دخلنا القاعة، فرأينا الناس فيها مثنى مثنى، على غير عهدنا في سائر القاعات، فسألت المعلم عن ذلك، فقال: هؤلاء الذين تراهم أصحاء ومرضى جلسوا في هذه القاعة، وهي القاعة الظاهرة من هذا القسم، ليتدربوا على بعض مبادئ الآداب التي وردت بها النبوة.

قلت: الآداب تدرس في المساجد لا في المستشفيات.

قال: آداب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تدرس ويتدرب عليها في كل المحلات، وهنا في هذا المستشفى يتدرب على الآداب التي لها علاقة بالصحة.

العطاس:

اقتربنا من أحدهم، فرأيته يعطس، فقال له مرشده: قل: الحمد لله.

قال: الحمد لله.. ولكن لم؟

أغضبني هذا الموقف، وصحت فيه: كيف تجرؤ على هذا السؤال.. هذا هدي من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك اللَّه؛ فإذا قال له يرحمك اللَّه فليقل: يهديكم اللَّه ويصلح بالكم)([125])

بل اشتد في ذلك، فقال:(إذا عطس أحدكم فحمد اللَّه فشمتوه، فإن لم يحمد اللَّه فلا تشمتوه)([126])

وقد روي أن رجلين عطسا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشمت أحدهما، ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته وعطست فلم تشمتني؟ فقال:(هذا حمد اللَّه، وإنك لم تحمد اللَّه)([127])

عجب ذلك الرجل من موقفي، فالتفت إلى المرشد، فقال له: تريد أن تعرف سر حمد الله عند العطاس؟

قال: أجل.. لا إنكارا له.. ولكن ليطمئن قلبي.. أليس البحث عن طمأنية القلب سنة من سنن المرسلين، وهدي من هديهم؟

استحييت منه، فقلت: اعذرني، كنت أتصورك تنكر ذلك.

قال: لا تثريب عليك.. فما أجمل أن نغير على سنة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

قال المرشد: الحمد لا يكون إلا على نعمة، والعطاس نعمة من نعم الله، فهو([128]) وسيلة دفاعية دماغية هامة لتخليص المسالك التنفسية من الشوائب، ومن أي جسم غريب يدخل إليها عن طريق الأنف، فهو بذلك الحارس الأمين الذي يمنع ذلك الجسم الغريب من الاستمرار في الولوج داخل القصبة الهوائية.

قلت: كيف ذلك؟

قال: إن مجرد ملامسة الجسم الغريب لبطانة الأنف، سواء كان حشرة ضارة أو ذات مهيجة وغيرها، فإن بطانة الأنف تتنبه بسرعة عجيبة آمرة الحجاب الحاجز بصنع شهيق عميق لا إرادي يتبعه زفير عنيف.. والذي هو  العطاس.. عن طريق الأنف لطرد الداخل الخطير ومنعه من متابعة سيره عبر المسالك التنفسية إلى الرئتين.

قلت: أرأيت لو دخل ذلك عن طريق الفم؟

قال: إذا دخل الجسم الغريب عن طريق الفم، ووصل إلى القصبة الهوئية، فإن ذلك ينبه الجهاز التنفسي محدثاً السعال لصد الخطر وطرد الجسم الغريب الداخل إلى المجرى التنفسي، ولا يحدث العطاس إلا حين دخول المواد المؤذية عن طريق الأنف.

قلت: ولكن لماذا لم لم يشرع الحمد عند السعال، وشرع فقط عند العطاس؟

قال: هناك فرق كبير بينهما، فالسعال لا يؤثر على الدماغ، ولا يحدث العطاس.. ولا يزال العلماء حتى اليوم يقفون حائرين أمام هذا السر المبهم، ولا يزالون عاجزين عن إيجاد أي تعليل علمي عن آلية توليد العطاس لذلك الشعور بالارتياح في الدماغ وخفة الرأس وانشراح النفس.

قلت: فلم أمرنا بتشميت العاطس؟ ولم خص ذلك بطلب الرحمة له؟

قال: هذا يذكرنا بأهمية العطاس للبدن، فأمره صلى الله عليه وآله وسلم بتشميت العاطس يوحي بأن هناك خطراً متوقعاً، فجاء العطاس، فطرد العدو المهاجم وانتصر عليه وأبقى صاحبه معافى.

قلت: ولكن العاطس قد ينقل العدوى لغيره بعطاسه، فكيف يكون رحمة؟

قال: لقد نبهت السنة المطهرة إلى الآداب التي تحفظ هذه الناحية، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فمه، وخفض، أو غض من صوته.

قلت: من السنة ـ إذن ـ أن يضع العاطس يده على فمه؟

قال: نعم، وذلك ليمنع من وصول الرذاذ إلى غيره، وهو من الآداب الرفيعة التي تتفق مع مبادئ الصحة، ذلك أنه يندفع رذاذ العطاس إلى مسافة بعيدة يمكن أن يصل معها إلى الجالسين مع العاطس، أو أن يصل إلى طعام أو إلى شراب قريب منه، وهذا يمكن أن ينقل العدوى بمرض ما، كالزكام، إن كان العاطس مصاباً به، وليس من خلق المسلم أن يتسبب بشيء من ذلك، لذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأدب في أن نضع يدنا أو منديلاً على فمنا عند العطاس لمنع وصول رذاذه إلى الغير، وفي ذلك غاية الأدب ومنتهى الحكمة.

التثاؤب:

اقتربنا من آخر، فرأيته يتثاءب، فيسارع المرشد، ليضع يده على فمه، ويقول له: لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن التثاؤب من الشيطان، فقال:(.. وأما التثاؤب فإنما هو  من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان)([129])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(العطاس من الله، والتثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه، وإذا قال: آه آه، فإن الشيطان يضحك من جوفه وإن الله عز وجل يحب العطاس ويكره التثاؤب)([130])

قلت: ما سر كراهية التثاؤب؟

قال: ما التثاؤب؟

قلت: ألا تعرفه؟.. قد كنت الآن تذكره..

قال: فما هو؟

قلت: إنه شهيق عميق يجري عن طريق الفم، فيدخل الهواء إلى الرئتين.

قال: لقد أجبت نفسك.

قلت: أجبت نفسي؟! ماذا قلت؟

قال: الأصل في الهواء أن يدخل إلى الرئتين عن طريق الأنف، ليتعرض للتصفية، فإذا دخل من غير ذلك الطريق كان فيه أذى، وكان في نفس الوقت دليلا على حاجة الدماغ إلى الأوكسجين والغذاء، وعلى تقصير الجهاز التنفسي في تقديم ذلك إلى الدماغ خاصة وإلى الجسم عامة، وهذا ما يحدث عند النعاس وعند الإغماء.

زيادة على ذلك، فإن التثاؤب قد يضر بالبدن، لأن الهواء غير المصفى قد يحمل معه إلى البدن الجراثيم والهوام، لذا أمر صلى الله عليه وآله وسلم برد التثاؤب قدر المستطاع، أو سد الفم براحة اليد اليمنى، أو بظهر اليد اليسرى هو  التدبير الصحي الأمثل([131]).

قلت: أليس في ارتباط التثاؤب بالكسل علة أخرى للكراهية؟

قال: هذا صحيح، حتى أن التثاؤب عند أهل اللغة من تثاءب وتثأب، أي أصابه كسل وفترة كفترة النعاس... ولهذا يفسر علماء النفس التثاؤب على أنه دليل على الصراع بين النفس وفعالياتها من جهة، وبين الجسد وحاجته إلى النوم من جهة أخرى.. وهو من الناحية الطبية فعل منعكس من أفعال التنفس، وهو دليل على الكسل والخمول([132]).

قلت: وزيادة على ما ذكرت، فإن مظهر المتثائب، وهو يكشف عن فمه مفتوحا مما يثير الاشمئزاز في نفس الناظر.

قال: صدقت، ولهذا كان في هذا الهدي النبوي صحة جسدية، ومناعة نفسية، ومصلحة اجتماعية.. وكذلك الحال في كل هدي نبوي.

الاتكاء عند الأكل:

اقتربنا من آخر، فرأيته يمد يده إلى الأكل، وهو متكئ، فيسارع المرشد، ليمنعه من ذلك، ويقول له: لقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الاتكاء([133]) عند الأكل، وقال:(آكل كما يأكل العبد)، ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يأكل، وهومقع([134]).

قلت: لم؟ ما سر ذلك؟

قال: هذه الهيئة أنفع هيئات الأكل، لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعي، فالجهاز الهضمي يحتاج إلى كمية كبيرة من الدم ليستطيع القيام بما يلزمها لاستقبال الطعام الوارد والتهيؤ لهضمه، لذا كان الإجراء الطبي الصحيح لذلك وجوب الجلوس وثني الساقين تحت الجسم لحصر الدم في منطقة الجهاز الهضمي، مع جعل الساق اليسرى منثنية واليمنى مرتكزة على القدم لجعل المعدة حرة طليقة بعيدة عن أي ضغط مسلط باتجاهها من الخارج.. وهذه أصح حالة لعمل الجهاز الهضمي.

قلت: والاتكاء؟!

قال: الاتكاء يسبب التشنج والاضطرابات والتقلص في عضلات البطن، فلا تستطيع المعدة استقبال الطعام بشكل صحيح.. ولأن المعدة تكون بوضعها الصحيح في حالة انتصاب الجذع وارتكازه على الأرض دون لجوئه إلى الارتكاز الجانبي في حالة الاتكاء.

بالإضافة على هذا، فإن الاتكاء يؤدي إلى انبساط المعدة، فتزيد قابليتها لأخذ الطعام والمزيد منه، أما الإقعاء بنصب الساقين أو أحدهما فمما يضيق حيز المعدة ويقلل اتساعها مما يؤدي بها إلى الامتلاء بمقدار أقل من الطعام حيث يشعر المرء بالشبع بآلية انعكاسية، فيقل مطعمه ولا يصاب بالتخمة.

الشرب والأكل وافقاً:

اقتربنا من آخر، فرأيته يمد يده إلى الماء ليشرب، وهو واقف، فيسارع المرشد، ليمنعه من ذلك، ويقول له: لقد زجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الشرب قائماً([135])، بل تشدد في ذلك، فقال:(لا يشربن أحدكم قائماً فمن نسي فليستقئ)([136])

قلت: والأكل؟!

قال: والأكل كذلك، ففي الحديث  أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الشرب قائماً وعن الأكل قائماً وعن المجثمة([137]) والجلالة والشرب من فيّ السقاء)([138])

قلت: فما سر ذلك([139])؟

قال: لأن الشرب وتناول الطعام جالساً أصح وأسلم حيث يجري ما يتناول الآكل والشارب على جدران المعدة بلطف.

قلت: كيف ذلك؟

قال: الشرب واقفاً يؤدي إلى تساقط السائل بعنف إلى قعر المعدة ويصدمها، وتكرار هذه العملية يؤدي ـ مع طول الزمن ـ إلى استرخاء المعدة وهبوطها، وما يلي ذلك من عسر هضم.

زيادة على أن الإنسان في حالة الوقوف يكون متوتراً، ويكون جهاز التوازن في مراكزه العصبية في حالة فعالة حتى يتمكن من السيطرة على جميع عضلات الجسم لتقوم بعملية التوازن والوقوف منتصباً.

زيادة على أن الوقوف عملية دقيقة يشترك فيها الجهاز العصبي العضلي في آن واحد، مما يجعل الإنسان غير قادر على الحصول على الطمأنينة العضوية التي تعتبر من أهم الشروط الموجودة عند الطعام والشراب.

وهذه الطمأنينة يحصل عليها الإنسان في حالة الجلوس حيث تكون الجملة العصبية والعضلية في حالة من الهدوء والاسترخاء، حيث تنشط الأحاسيس وتزداد قابلية الجهاز الهضمي لتقبل الطعام والشراب وتمثله بشكل صحيح.

أردت أن أنصرف، فاستوقفني، وقال: وزيادة على ذلك كله، فإن الطعام والشراب قد يؤدي تناوله في حالة الوقوف إلى إحداث انعكاسات عصبية شديدة تقوم بها نهايات  العصب المبهم المنتشرة في بطانة المعدة.

وهذه الانعكاسات إذا حصلت ـ بشكل شديد ومفاجىء ـ قد تؤدي إلى انطلاق شرارة النهي العصبي الخطيرة لتوجيه ضربتها القاضية للقلب، فيتوقف محدثاً الإغماء أو الموت المفاجىء.

أردت أن أنصرف، فعاد واستوقفني، وقال: زيادة على ذلك، فإن الاستمرار على عادة الأكل والشرب واقفاً خطيرة على سلامة جدران المعدة وإمكانية حدوث تقرحات فيها  حيث يلاحظ الأطباء أن قرحات المعدة تكثر في المناطق التي تكون عرضة لصدمات اللقم الطعامية وجرعات الأشربة بنسبة تبلغ 95 بالمائة من حالات الإصابة بالقرحة.

زيادة على هذا، فإن عملية التوازن أثناء الوقوف ترافقها تشنجات عضلية في المريء  تعيق مرور الطعام بسهولة إلى المعدة محدثة في بعض الأحيان آلاماً شديدة تضطرب معها وظيفة الجهاز الهضمي، وتفقد صاحبها البهجة عند تناوله الطعام وشرابه.

بقيت متوقفا بعد انتهائه خشية أن يردني، فقال: انصرف الآن.. فقد أخذت بعض ما يكفي لتفهم سر هذا النهي النبوي.

قلت: لا.. لقد أخذت كثيرا، فجزاك الله عني خيرا.

قال: لا.. لم نتوصل إلا للقليل.. فلا يمكن أن تحصر عقولنا الضعيفة، ومخابرنا الضيقة أسرار الهدي النبوي.

الطهارة

دخلنا القاعة الثانية من قاعات الوقاية، فرأينا لافتة مكتوبا عليها قوله تعالى:﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة:108)

قلت للمعلم: أهذه القاعة التي يتدرب فيها الأصحاء والمرضى على الطهارة؟

قال: أجل.. على الطهارة، وحب الطهارة.

قلت: حب الطهارة.. ما علاقة الحب بهذا؟

قال: لا إخلاص إلا في الحب.. فلذلك من أحب الطهارة أخلص في التعامل معها.

قلت: لا أفهم سر وجود النجاسة في الكون، ألم يخلق الله تعالى كل شيء في الكون طاهرا لم يتدنس بأي أذى يجعل من منفعته مضرة، ومن مصلحته مفسدة.

قال: أجل.. ولكن التغير والتحلل الذي يحدث في الأشياء يجعلها عرضة للفساد الذي تنتج عنه الأمراض والأوبئة، لذلك وردت النصوص الكثيرة مطالبة بالحفاظ على الطهارة، طهارة كل شيء: الإنسان، والهواء، والماء، والفضاء..

قلت: لم؟

قال: لأن أي تنجس للإنسان أو الوسط الذي يعيش فيه يجعله مرتعا خصبا للأمراض والعلل النفسية والجسدية، الفردية والاجتماعية.

ولهذا أمر الله نبيه إبراهيم عليه السلام أن يطهر بيته، لأن البيت المتنجس لا يصلح لعبادة الله، فقال تعالى:﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (الحج:26)

وأخبر عن الآثار النفسية التي تحدثها الطهارة، فقال:﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ (لأنفال:11)

***

رأيت بابين داخل باحة الطهارة، فسألت المعلم عنهما، فقال: للطهارة ركنان أساسيان، هذان الباب يمثلان حقائقهما ومعانيهما، وفيهما يتدرب الأصحاء والمرضى.

قلت: فما هما؟

قال: طهارة الإنسان، وطهارة الوسط الذي يعيش فيه الإنسان.

قلت: فما وجه هذا التقسيم؟

قال: فهم وجه كونهما ركنان يسير، فباستقراء التشريعات المختلفة في هذا الجانب نجد أنها تتعلق بالإنسان، أو بالوسط الذي يعيشه الإنسان.

قلت: كيف ذلك؟

قال: عندما ندخل إلى هاتين القاعتين ستعرف سر ذلك.

طهارة الإنسان:

دخلنا القاعة الأولى، وهي القاعة المختصة بطهارة الإنسان، قال لي المعلم: لم تكتف الشريعة بمصادرها المختلفة بالحض على النظافة، وأنواع التطهر، وإنما شرعت لذلك الشرائع المختلفة، بل ربطتها بالنواحي التعبدية، بل جعلتها مفاتيح لأنواع التعبدات.

قلت: ولهذا نجد فقه الطهارة أول ما يتعلمه طالب الشريعة، فهو أول الأبواب الفقهية.

قال: بل نجد الحض على التطهر وتشريعاته منصوصا عليه في القرآن الكريم، مع أن عادة القرآن الكريم في كثير من القضايا الإجمال لا التفصيل:

فالله تعالى ينهى عن معاشرة الحائض، ويعلل ذلك بالأذى الذي يتنافى مع الطهارة، قال تعالى:﴿ وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هو أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة:222)

قلت: ومن هذا الباب نهيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يبيت النائم، وفي يده شيء، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من بات وفي يده غمر، فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه)([140])

***

 رأيت ثلاثة أركان، وفي كل ركن مجموعة من الأطباء، سألت المعلم عنهم، فقال: هؤلاء أطباء يتوزعون على أنواع الطهارة الحسية المتعلقة بالإنسان، والتي جاءت التشريعات المختلفة تحث عليها.

قلت: فما هي؟

قال: الطهارة الخاصة، وهي التي يمثلها الوضوء، والطهارة العامة.. ويمثلها الغسل، وخصال الفطرة.

قلت: كل هذه الأنواع منصوص عليها في كتب الفقه.

قال: وهي منصوص عليها كذلك في كتب الطب.

قلت: آلله شرعها لنا لحفظ أجسادنا؟

قال: ولحفط أرواحنا، فالروح الطيبة لا بد لها من الجسد الطيب.

قلت: ولكن الله ربطها بالشعائر التعبدية.. فالطهارة شرط للعبادة.. ولهذا اشترطت الشريعة النية في الطهارة.. ولا يصح أن ننوي حفظ أجسادنا.

قال: لا يصح أن تفرد جسدك وحده بالنية، فتصبح عبدا لجسدك..

قلت: بل لا يصح اعتباره في النية مطلقا.

قال: ومن قال ذلك؟

قلت: ألا يضر ذلك في سلامة التعبد لله؟

قال: لا يضر ذلك ما دام الله هو الذي أمر بذلك.. وما دمت تعتبر جسدك أمانة الله عندك تعبد الله بحفظها.

الطهارة الخاصة:

اقتربنا من الركن المخصص للطهارة الخاصة، فسمعنا قارئا يرتل بصوت جميل قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ (المائدة:6)

بعد أن انتهى من قراءته نهض فقيه، وهو يقول: الطهارة مفتاح للصلاة، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (مفتاح الصلاة الطهور)([141])، فلا تحل الصلاة بلا طهارة.

وبما أن للصلاة فريضة كانت أو تطوعا أوقاتا مختلفة، فإن للطهارة تلك الأوقات جميعا، بل إن الطهارة تزيد على الصلاة، فقد شرعت في مواطن أخرى لم تشرع فيها الصلاة، فيستحب الوضوء قبل النوم، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة)([142])

ويستحب المحافظة الدائمة على الطهارة.. بل يربط النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بالإيمان، فيقول:(لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)([143])، بل يجعلها شطر الإيمان، فيقول:(الوضوء شطر الإيمان)([144])

عقب عليه آخر، فقال: بل يجعل الوضوء من الكفارات، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(أما الوضوء فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وأناملك، وإذا مضمضت واستنشقت منخريك، وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين، ومسحت رأسك ورجليك اغتسلت من عامة خطاياك، فإذا أنت وضعت وجهك لله عز وجل خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك)([145])

نهض طبيب، وكأنه وجد شيئا يفكر فيه، وهويقول: ما شاء الله.. أتدرون الإشارات التي يحملها هذا الحديث من لفظة الخطايا؟

قالوا جميعا، وقد اختلطت أصواتهم: لا نعلم من الخطايا إلا الذنوب.

قال: نعم.. هذا صحيح.. ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعبر تعبيرا بليغا وجميلا عن أثر الوضوء في تنقية الجسد.

قالوا: كيف ذلك؟

قال: لو أبدلنا لفظة الخطايا الواردة في الحديث بلفظة:(الميكروبات والجراثيم) لوجدنا المعنى صحيحا.

قالوا: أتريد أن تبدل حديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم؟.. ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:( من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار)([146])؟

قال: لا تعجلوا علي.. فأنا أضعف شأنا من أن أستدرك على معلم الإنسانية وطبيبها، ولكني أقول: إن الخطايا التي تنخر الروح لا تختلف عن الميكروبات التي تنخر الجسد.. وكما أن الطهارة تنقي الروح، فهي كذلك تنقي الجسد.. فكأنه صلى الله عليه وآله وسلم يربط بين الطهارة من القاذورات المسببة لعلل الأجساد، والطهارة من الذنوب المسببة لعلل القلوب، وهو ربط بين الطهارة الحسية والمعنوية، فلا يصح الإنسان إلا بصحة جسده وروحه.

قالوا: كيف ذلك؟

قال: ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:( السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب)([147])؟

قالوا: بلى.

قال: فقد ربط صلى الله عليه وآله وسلم في هذا النوع من الطهارة بين الطهارة الحسية للفم، والطهارة المعنوية بدلالة رضى الرب.. وهكذا، فالجسد الطيب أرض طيبة للروح الطيبة.. ولهذا أمر إبراهيم عليه السلام بتطهير البيت ليصلح للعبادة، فقال تعالى:﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾(البقرة:125)

قالوا: فهمنا ذلك، فكيف يساهم الوضوء في تنقية الأعضاء من العلل الحسية؟

الفم:

قال: لنبدأ بالفم.. فالفم هو  المدخل الرئيسي لأعضاء الجسم الداخلية، ويمكن إدراك المخاطر التي يمكن أن تصيب هذه الأجهزة، سواء الجهاز التنفسي العلوي أو الرئتان أو الجهاز الهضمي إذا ما أصيب الفم.

بل إن الجهاز العصبي المتصل بالأسنان وبمنطقة الوجه يمثل خطورة كبيرة على الإنسان إذا هو  أقرب المناطق إلى الجهاز العصبي  المركزي الرئيسي (المخ) لذا كانت آلامه لا تحتمل.

قال الفقيه: لقد سن النبي صلى الله عليه وآله وسلم للفم سنتين، أو لهما المضمضة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا توضأت فمضمض)([148])، وقال:(مضمضوا من اللبن، فإن له دسماً)([149])

والسنة الثانية..

قاطعه الطبيب قائلا: رويدك يا شيخ.. لنتحدث أو لا عن هذه السنة.. فقد ثبت أن المضمضة تحفظ الفم والبلعوم من الالتهابات ومن تقيح اللثة،  وتقى الأسنان من النخر بإزالة الفضلات الطعامية التي قد تبقى فيها.

بل قد ثبت علميا أن تسعين في المئة من الذين يفقدون أسنانهم لواهتموا بنظافة الفم لما فقدوا أسنانهم قبل الأوان، وأن المادة الصديدية والعفونة مع اللعاب والطعام تمتصها المعدة وتسرى إلى الدم.. ومنه إلى جميع الأعضاء وتسبب أمراضا كثيرة، وأن المضمضة تنمى بعض العضلات في الوجه وتجعله مستديرا.. وهذا التمرين لم يذكره من أساتذة الرياضة إلا القليل لانصرافهم إلى العضلات الكبيرة في الجسم.

قال الفقيه: أما السنة الثانية، فهي السواك، فهو من السنن التي وردت بها النصوص الكثيرة، بل ربطه صلى الله عليه وآله وسلم بالعبادات، فقال:(لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة)([150])، وفي رواية:(عند كل وضوء)

بل كان صلى الله عليه وآله وسلم (لا يرقد من  ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ)([151])، وكان صلى الله عليه وآله وسلم (إذا دخل  بيته بدأ بالسواك)([152])، و(كان إذا قام من الليل يشوص فمه بالسواك)([153])

وهذه المشروعية تشمل الصائم والمفطر، فكلاهما يحتاج إلى تحصين فمه من أساب العلل، فعن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل: أتسوك وأنا صائم؟ قال: نعم! قلت: أي النهار؟ قال: غدوة أو عشية! قلت: إن الناس يكرهونه ويقولون إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؟ قال: سبحان الله! لقد أمرهم بالسواك، وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا  أفواههم عمداً !  ما في ذلك من الخير شيء، بل فيه شر)([154])

قال الطبيب: لقد ورد في الطب أحاديث جميلة عنه([155])،  ولوأنكم تمسكتم بهذه السنة لأغلقتم العيادات الكثيرة التي تفتحونها لطب الأسنان، بل.. ولو تمسكتم بحرفية النصوص وظواهرها لما اضطررتم إلى اشتراء تلك الأنواع التجارية المختلفة من من معجونات الأسنان، وما يقوم بخدمتها من أنواع الفرشاة.

صحت: أأنت طبيب، وتقول هذا؟

قال: وما لي لا أقوله؟ إن المخاطر التي تنجر من تلك الأنواع المختلفة من المعجونات لا تقل عن مخاطر التسوس نفسها.

قلت: كيف هذا؟

قال: دعك من كيف وأخواتها.. واعلم أن كل مركب صناعي لا يحوي من المنافع إلا بقدر ما يحوي من المضار.

قلت: بين لي هذا.. وما تقول الدراسات في ذلك؟

قال: لا شأن لك بما تقول الدراسات.. ولكني سأسألك سؤالا: لوخيرت بين لحم ضأن يعيش في المروج، ويشرب المياه العذبة، وبين لحم صنعته المعامل، وأضافت إليه من النكهات ما أضافت، فأي اللحمين تختار؟

قلت: لا شك في أني سأختار لحم الضأن.

قال: فكذلك الأمر مع السواك والفرشاة.. فالسواك فرشاته ومادته تنبتان في البرية تتنسمان الهواء العليل، ولا تنضجهما المصانع الممتلئة بالدخان القاتل.

قلت: مالك يا فلان؟.. كيف تقارن بين المعجون الذي أشرف على مقاديره أطباء مختصون، والفرشاة التي صنعتها الأنامل الرقيقة لتداعب الأسنان بلطف وحنان، بالسواك الذي هو  وليد البراري.

قال: فاسمع لما يقول العلم في سواك الأراك([156]