الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: مفاتيح المدائن

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 369

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

هذه الرواية عبارة عن رحلة يقوم بها الراوي بصحبة معلمه [معلم السلام] ليخرج من المتاهة التي وقع فيها، والتي ترمز للتخلف وكل القيم الناتجة عنه والمرتبطة به .. وقد أعانه معلمه على ذلك بسبب معرفته بالأبواب التي تنقذه من المتاهة، ومعرفته بالمفاتيح التي تفتحها، إلى أن يصل الراوي أخيرا بصحبة معلمه إلى مدائن السلام.

وهي تحاول أن تضع الحلول المختلفة لعلاج ظاهرة التخلف انطلاقا من استبصار سنن الله في الآفاق والأنفس، والتي تضمن تفاصيلها القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، ولهذا تحاول أن تستلهم منهما القيم المختلفة التي تخرج بالأمة من التخلف، وتعيدها إلى وعيها، وإلى بناء المدائن العادلة التي كلفت ببنائها.

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

معلم السلام

مفتاح الاحتساب

الأجور المضاعفة:

رفع الدرجات:

تكفير الخطايا:

زيادة البركات:

مفتاح العلم

الأصول النظرية:

التطبيقات العملية:

الإشاعة:

الشمولية:

التبسيط:

المجانية:

مفتاح الإتقان

التشبه:

القدوة:

الجزاء:

الرقابة:

مفتاح التطوير

مفتاح الحركة

مفتاح الهمة

مفتاح السنن

مفتاح الزمن

مفتاح الأخلاق

مفتاح الربانية

مفتاح النفس

حق الطاقة:

حق الراحة

حق الصحة

الحق الاجتماعي

مفتاح المجتمع

الطبقية:

التطفيف:

التسميم:

الإفساد:

مفتاح الكون

مفتاح الاستخلاف

الرأسمالية:

الشيوعية:

الإسلام:

مفتاح الاستثمار

مفتاح التداول

مفتاح الحفظ

الاختلاس:

السفه:

الترف:

الاستغلال:

مفتاح الورع

مفتاح الرفق

مفتاح الواقعية

مفتاح الاجتهاد

مفتاح الكفاية

مفتاح الفكر

التفريغ:

التيسير:

التحفيز:

التأثير:

مفتاح الخدمة

التنوع:

الاحترام:

العموم:

الرعاية:

مفتاح الحماية

الحماية الداخلية:

الحماية الخارجية:

مفتاح المصلحة

مفتاح الشهادة

القوة:

العدل:

الرخاء:

السماحة:

مدائن السلام

هذا الكتاب

 

المقدمة

تهدف هذه الرواية إلى البحث عن المفاتيح التي وضعها الله للبشر لتحقيق الاستخلاف المثالي وعمارة الأرض، ورعاية سنن الله في الكون والمجتمعات.

وقد حاولت أن تستلهم من قصة المعراج الواردة في الأحاديث النبوية الشريفة، والتي رحل فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السموات العلا، ورأى الكثير من المشاهد العجيبة التي تدل على حقائق الأشياء التي لا نراها في عالمنا.. وقد كان دليله فيها جبريل عليه السلام الذي كان يجيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل حين عن حقيقة ما يراه.

وهذه الرواية تنهج نفس المنهج، ولكن عبر رحلة أرضية يحاول فيها الراوي بصحبة معلمه [معلم السلام] أن يخرج من المتاهة التي وقع فيها.. وقد أعانه معلمه على ذلك بسبب معرفته بالأبواب التي تنقذه من المتاهة، ومعرفته بالمفاتيح التي تفتحها، إلى أن يصل الراوي أخيرا بصحبة معلمه إلى مدائن السلام.

وهي تناقش في المحاورات التي تجري بين التلميذ ومعلمه أسباب التخلف، وتحاول أن تضع الحلول المختلفة لعلاجها انطلاقا من استبصار سنن الله في الآفاق والأنفس، والتي تضمن تفاصيلها القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، ولهذا تحاول أن تستلهم منهما القيم المختلفة التي تخرج بالأمة من التخلف، وتعيدها إلى وعيها، وإلى بناء المدائن العادلة التي كلفت ببنائها.

وقد تضمنت الرواية 27 مفتاحا، كل مفتا منها يدل على باب من أبواب التمدن والرقي وتحقيق الاستخلاف المثالي للإنسان على الأرض، وهي تبدأ بباب الاحتساب الذي ينطلق من الإخلاص لله، والطمع في فضله، وتنتهي بباب الشهادة الذي يعني مسؤولية الأمة عن إعطاء نموذج مثالي لسائر الأمم لتسير خلفها وتنتهج نهجها، وبذلك تحقق رسالة ربها في ظهور الإسلام على الدين كله.

 

 

معلم السلام

كانت تغمرني سعادة عظيمة عندما جاءني معلم السلام هذا الصباح، فقال: أرى البسمة في عينيك، فهل استحدثت شيئا من العلم؟

قلت: إن الكنوز التي رأيتها في مدائن الفقراء الربانيين ملأت نفسي سكينة وسرورا، فقررت أن أعيش حياتهم، فما أجملها من حياة، وما أسعدهم من أناسي؟

قال: نعم هم سعداء بما قسم الله لهم، ولكنهم يعيشون في وضع مختلف عن وضعك.

قلت: لكني سأعيش في وضع كوضعهم، ألم يجعل الله الخيار لنا في اختيار الحياة التي نريدها؟

قال: بلى، ولكن وفق ما وضعك الله فيه من أنواع البلاء .. أرأيت لو أن جنديا أعجبته حياة مريض قعد به المرض عن الجهاد لما رأى من تفرغه لعبادة الله، فأراد أن يقتدي به في ذلك .. هل يصح منه ذلك؟

قلت: لا .. فلا ينبغي للمجاهد أن يغادر ثغره، وإلا أتي من قبله.

قال: فكذلك أنت .. وكذلك كثيرون غيرك .. أنتم على ثغور الحق، فلا تتركوها لهجمات الباطل..

قلت: ولكن السعادة والرضى والسكينة لا تتحقق إلا بذلك الجو الهادئ الجميل الذي اكتمل لهم.

قال: السعادة والرضى والسكينة في طاعة الله .. فإنك إن أطعت الله أسعدك ولو في أتون النيران، ألم تسمع قوله  تعالى: ﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (الانبياء: 69)؟

قلت: ولكن ذلك هو إبراهيم عليه السلام .. وهو خليل الله.

قال: فكن إبراهيم .. وارتفع لتصير خليلا لله .. فهل منع الله أحدا من عباده أن يصير خليلا له؟

قلت: كلا ..

قال: فارفع همتك عن نفسك لترى السلام في التوجه لله .. ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 115)

قلت: وماذا أصنع حتى أرتفع؟

قال: لقد عرفت سكينة الفقر، فاعرف ثورته، وعرفت علاج فقر الفرد، فأسرع لعلاج فقر المجتمع.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لنرحل إلى مدائن الحضارة لنتسلم مفاتيح أبوابها.

قلت: أي مدائن .. وأي حضارة .. الحضارات كثيرة والمدائن أكثر.

قال: الحضارات الراشدة .. والمدائن الربانية ..

قلت: تلك حضارات عضها الزمن بنابه .. فلا تراها في غير دفاتر الوراقين.

قال: نحن نبحث عن الحقائق، لا عن التواريخ.

قلت: فكيف نرحل؟.. وأين؟.. أهناك أعماق أخرى سنتجول فيها؟

قال: لا .. سنرحل إلى متاهة نمر فيها على أبواب كثيرة .. كل باب يسلمنا إلى باب إلى أن نصل إلى مدائن الحضارة .. وسنرى أشياء كثيرة .. فلا يشغلنك شيء عن طريقك.

قلت: متاهة .. أخاف أن أتيه فيها، فلا أرجع إلى أهلي.

قال: لا تخف، فمعنا خارطة لذلك، وبوصلة تدلنا على الطريق.

قلت: أي خارطة .. لا أرى معك أي خارطة، ولا أي بوصلة.

قال: هي كتاب ربك وهدي نبيك.. فما وصل من وصل إلا بهما.

***

فجأة وجدت نفسي في صحراء لا زرع فيها ولا ماء، ولا أثر فيها لحي أو لميت، فالتفت حولي، فلم أر إلا الموت يتربص بي، فالشمس بأشعتها المحرقة تكوي جلدي، والعطش يكوي حلقي، وأحشائي قد عضها ثعبان الجوع، وفوق كل هذا تعصف الرياح الشديدة حاملة معها ذرات الرمال لتعمي عيني، وتصم أذني.

صحت: أين أنت يا معلم؟ .. أجئت بي للموت؟

فجأة ظهر كشعاع النور يقول لي: هل تألمت لهذا المصير الذي صرت إليه؟

قلت: بل كدت أموت جزعا وحزنا .. كيف تخرجني من بيتي الهادئ لترميني في هذه الصحراء القاحلة؟

قال: لتبصر حقيقة ما أنتم فيه .. فلا يمكن أن تعالجوا أدواءكم قبل أن تعرفوها.

قلت: لا .. نحن في أحسن الأحوال، فالسماء تدر علينا بأمطارها، والأرض تدر علينا بنفطها، فنحن بين بحرين، بحر يروينا، وبحر يطعمنا ويكسونا.

قال: لا .. بل أنتم في صحراء عارية من الحياة .. لأنكم تلبسون حياة غيركم، بعد أن خلعتم لباس حياتكم.

قلت: فكيف نسترد لباسنا؟

قال: بالدخول إلى مدائنكم، ففيها تجدون الملابس على مقايسكم.

قلت: ومن أين ندخل مدائننا؟

قال: من أبوابها، ألم تسمع قوله تعالى:﴿  وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ (البقرة: 189)

قلت: فما في هذا من العلم؟

قال: إن أردتم أن تدخلوا مدائنكم .. مدائن الحضارة الراشدة .. فعليكم أن تفتحوا الأبواب المغلقة دون ذلك .. كل باب يسلمكم إلى باب إلى أن تصلوا إليها.

قلت: وأين هي هذه الأبواب؟

قال: افتح عيني بصيرتك لتراها.

فتحت عيني بصيرتي، وحدقت، فلم أر شيئا، قلت: يا معلم، فتحت عيني بصيرتي، فلم تر أبوابا ولا نوافذ .. لا أرى غير الصحراء القاتلة.

قال: لا يمكنك أن ترى الأبواب، وأنت ترى الصحراء.

قلت: ولكني في صحراء، فكيف لا أراها.

قال: الصحراء لا علاقة لها ببصيرتك ولا بروحك، إن علاقتها لا تعدو جسدك .. فإن رأيتها ببصيرتك فإن ذلك دليل على استيلائها عليك وتأثيرها فيك، واستعمارها لك.

قلت: أتقصد أن أعيش ببصيرتي في الجنان، مع أني في الحقيقة أعيش في الصحراء؟

قال: الحقيقة ما تعيشه روحك، لا ما يعيشه جسدك.

قلت: ولكن قومي يعتبرون هذا من الوهم الذي يبعدك عن الحقيقة.

قال: دعك من قومك، وامتلأ بالحكمة التي لا تعرف الزمان والمكان.

قلت: فهمت قولك .. فلا زالت قيود قومي تمسك بي.

قال: فافتح بصيرتك الآن .. فسترى أبواب المدائن.

فتحت بصيرتي، فرأيت الصحراء قد انزاحت رمالها من حولي وبين يدي، ثم رأيت بابا عظيما مفتوحا، وقد علقت عليه لافتة كتب عليها قوله تعالى:﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ) (الحجر:46)

قال: هلم بنا لندخل هذه المدينة من بابها .. وإياك أن تدخل إلا من الأبواب التي آذن لك في دخولها، فبعضها سراديب ومصايد.

قلت: يا معلم .. وأين مفاتيح أبوابها؟

قال: مفاتيح أبوابها هي الحقائق .. ليس لها مفاتيح غيرها.

قلت: فهي ككنوز الفقراء إذن.

قال: بل هي ككل أبواب الدنيا وكنوزها، فمفاتيح أبواب الكون هي الحقائق.

قلت: ولكن حقائق أبوابها عندك، فهلم لندخل المدائن من غير أن نضيع أوقاتنا في الأبواب.

قال: لن يؤذن لك بالدخول إلا بعد أن تحمل مفتاحك، فلا يصح التطفل في هذه البلاد، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ (الاسراء: 15)

قلت: بلى.

قال: فهلم نتبصر الحقائق، ونفتح الأبواب.

مفتاح الاحتساب

كان أول باب قابلنا بعد دخولنا من الباب الأكبر بابا يحمل صورا لناس خاملين كادوا يذوبون من فرط خمولهم .. وفجأة لاح نور عظيم سرى إلى عقولهم ومنها إلى أجسادهم، فهبوا بأعظم نشاط.

وقد سرى إلي من ذلك النور ما جعلني أشعر بنشاط وحيوية عجيبة، سألت المعلم عن سر هذا الباب، فقال: هذا باب الاحتساب.. ولن ندخل منه حتى ننال مفتاحه.

قلت: ومن أين لنا أن نحصل على مفتاحه؟

قال: عندما تعي ضرورة هذا الباب، وتدرك أهميته ستنال مفتاحه.

قلت: وكيف لي أن أعرف ذلك؟

قال: هل تحتاج إلى من يشرح لك وجه الحاجة إلى الماء والطعام؟

قلت: لا .. فالحس الضروري البداهي يجعلني أدرك ذلك.

قال: فإذا عرفت بذلك الحس البداهي حاجتك للاحتساب ستنال مفتاحه.

قلت: فما الحاجة إلى الاحتساب؟

قال: الاحتساب أول مراتب السعي، فإن النفس الخاملة، والهمة المنحطة، والعجز القاعد، لا ينهض بهم إلا ما ينفخ فيهم روح النشاط، ويحيي فيهم نشاط الروح.

ضحكت، وقلت: نحن نطلق على هذا لقب التشجيع.. ونحن نستعمله في العادة في مباريات في كرة القدم، فنشجع فريقا من فرقها؟

قال: دعنا من لغوكم وصراعكم، فما هذه الكرة التي تهتفون بها سوى لغو من لغو الشيطان ينفخه فيكم كما تنفخون جلدها.

قلت: ولكنها رياضة؟

قال: الرياضة لمن يمارسها .. لا لمن يتفرج عليها .. هي كالعلم تماما هو لمن يعمل به لا لمن يصفه ويتحدث عنه.

قلت: ولكنها تنشئ فينا نشاطا وحيوية وشبابا؟

قال: ولكنها تنشئ بينكم صراعا، وتفرغ لكم جيوبا، وتهدر لكم طاقات.

قلت: صدقت، فنحن نصرف عليها مصاريف ضخمة.

قال: لو أنكم وفرتموها لاستطعتم توفير أسباب الرياضة لشعوبكم جميعا لا لأفراد محدودين.

قلت: صدقت، فنحن في عصرنا لا نتعامل مع أفراد الشعوب، بل نتعامل مع ممثليهم والنخبة منهم، فننفخهم وندللهم ونسمنهم.

قال: وتتركون غيرهم يموت هزالا.

قلت: صدقت في ذلك.. فهذا هو الواقع المر الذي نعيشه.. عد بنا إلى ما كنا فيه.

قال: إلى من يتوجه قومك بالتشجيع؟ وكيف؟

قلت: رويدك يا معلم، فقد سألت سؤالين كل واحد منهما يحتاج موسوعة خاصة به.

قال: فقل لي أولا: من هم الأشخاص الذين يتوجه إليهم قومك بالتشجيع؟

قلت: أولهم الحكام، فما إن يخطب الحاكم خطبة، حتى ينهض الشعب من سباته العميق يحمل لافتات ضخمة، وصورا كثيرة تمجد الحاكم وتسبح بحمده.

قال: ويتركون أشغالهم لأجل ذلك؟

قال: بل إن المرأة لتذهل عن رضيعها لأجل ذلك، فتصيح مع الجموع لتسكت بصياحها صياح ابنها.

قال: ومن تشجعون أيضا؟

قلت: الفنانين.

قال: أتقصد الذين يتذوقون الجمال فينثرونه شعرا أو نثرا؟

قلت: لا .. أقصد الذين يتفننون في إضحاك الناس أو في إخراج الدموع من مآقيهم.

قال: بالوعظ والإرشاد، أو بالتعليم والتدريب؟

قلت: بل بالصياح والنفير، والرقص والصفير.

قال: أعادت جاهلية المكاء والصفير.

قلت: تلك جاهلية أولى، أما جاهليتنا فأكثر إبداعا وتفننا.

قال: فمن تشجعون أيضا؟

قلت: أصحاب الرياضات المختلفة كما ذكرت لك، وخاصة كرة القدم.

قال: أنتم لا تشجعون أصحاب الرياضات، وإنما تشجعون من يمثلهم.

قلت: نحن في كل الأشياء نفعل ذلك.

قال: فمن تشجعون أيضا؟

قلت: من يقدمون لنا خدمات إنسانية.

قال: هذا شيء جميل.

قلت: رويدك يا معلم، فنحن لا نشجع هذا الصنف إلا بعد أن يأوي إلى الثرى، أو يكاد يأوي إلى الثرى.

قال: فما فائدة التشجيع حينذاك؟

قلت: لنحذر من يسلك سبيلهم من الغرق في متاهة النسيان.

قال: فكيف تشجعون؟

قلت: أما الأثرياء، فنشجعهم بزيادة ثرائهم، وأما االفقراء والمحتاجون، فنشجعهم بشهادات تقديرية.

قال: فهل تشجعون العمال الذي يعتمد رزقكم على اجتهادهم؟

قلت: العمال هم طبقة المنبوذين في مجتمعنا.

قال: ولكن طبقة المنبوذين طبقة هندية لها علاقة بالديانات الهندية.

قلت: ألم تسمع قوله r:(لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي أخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، قيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا أولئك)([1])

قال: وكيف يعيش هؤلاء العمال بدون تشجيع؟

قلت: يلتهمهم وحش الروتين القاتل الذي يعيشونه، أو تشغلهم أنواع اللهو التي يستهلكونها.

قال: فلماذا لا يطالبون بالتشجيع؟

ضحكت، وقلت: هم يعرفون أن هذا الاسم لا يرتبط إلا بمن ذكرت، فإذا تجرأ أحدهم، وطالب بالتشجيع، قيل له: ارتق أولا من طبقة المنبوذين التي تعيش فيها إلى طبقات الفنانين والرياضيين والحكام لنشجعك.

قال: قد عرفنا رياح الجاهلية، فهيا لنعرف سلام الإسلام.

قلت: فهل يضع الإسلام لهؤلاء العمال جوائز؟

قال: جوائز أعظم من الجوائز التي ينالها حكامكم أو فنانوكم.

قلت: فما الغرض من وضع هذه الجوائز .. وما حاجة العمال لها؟

قال: ألم تقرأ في كتب الفقه ما ورد في النصوص من الترغيب في الوضوء والصلاة والصيام، وكل الأعمال الصالحة؟

قلت: بلى، بل لقد كتب المنذري في ذلك كتابا عظيما سماه (الترغيب والترهيب)، وكتب النووي كتابه المشهور (رياض الصالحين)، وكتب ..

قاطعني، وقال: فما غرضهم من ذلك؟

قلت: بعث الهمم إلى العمل الصالح.

قال: ودخولهم إلى العمل بالنية الصالحة.

قلت: لم أفهم؟

قال: من علم أن الله تعالى أعد أجرا معينا لعمل معين دخله مؤمنا محتسبا، ومن دخل العمل مؤمنا محتسبا أعطاه الله ما طلب من أجر.

قلت: لكأني بك تشير إلى النصوص الكثيرة التي تقيد بلوغ الأجور لأصحابها باحتسابهم، كقوله r:(من لقي الله لا يشرك به شيئا وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبا وسمع وأطاع فله الجنة)([2])

قال: وقوله r:( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)([3])، وقوله:( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)([4])

قلت: وأحاديث أخرى كثيرة .. ولكن ما فائدة هذا؟

قال: أن ينتقل العمل من العادة إلى العبادة، ومن قصره على أجر الدنيا إلى العروج به إلى سموات الآخرة، بالإضافة إلى ما يحدثه في النفس من سكينة وطمأنينة.

ثم التفت إلي، وقال: ما الفرق بين من يعمل العمل، ولا ينتظر عليه من الجزاء إلا ما يعطيه مستأجره..  إلى أي شيء يكون نظره؟

قلت: إلى الأجر، فإن عظم حصل الإتقان، وإن قصر قصر الإتقان.

قال: ولكن من عمل وهو لا ينتظر فقط أجر من استأجره، بل ينظر ـ كذلك، وقبله وبعده ـ إلى الأجر الذي أعد الله له.

قلت: سيكون إتقانه أعظم، وأجره أوفر، بالإضافة إلى ما يكسبه من راحة نفسية.

قال: بالإضافة إلى هذا .. ألا ترى أشياء كثيرة تطبع مدنكم وشوارعكم بصور لا تليق؟

قلت: كالقمامات مثلا، وكأبنية مهدمة لم تجد من يرممها، أو أنابيب طالها الصدأ لم تجد من يصلحها..

قال: وأشياء أخرى كثيرة ..

قلت: إن المكلف بذلك يزعم أن القيام بكل تلك الأعمال يحتاج ميزانية ضخمة ينوء بها ظهر الخزانة.

قال: هنا يبدو فضل الاحتساب، وفضل مفتاح التشجيع.

قلت: كيف؟

قال: إذا انتشر في الأمة وعي ـ بفضل هذا المفتاح المعتمد على الاحتساب ـ ستؤدى جميع هذه الأعمال، وبإتقان عظيم، ومن غير أن ترهق أحدا.

قلت: كيف؟

قال: إذا عرفوا فضل تنظيف شوارعهم، والأجور التي أعدها الله لذلك، والرضوان العظيم الذي ينتظر من فعل ذلك سيتنافسون بل يتزاحمون في رفع القمامات، وترميم الجدران، وإصلاح العيوب ..

قلت: لقد ذكرتني بقوله تعالى:﴿ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ (الكهف:77)

قال: هذه الآية الكريمة تشير إل هذا المعنى، فبالرغم من الأذى الذي حصل لموسى والخضر ـ عليهما السلام ـ من أهل القرية، إلا أن ذلك لم يمنع الخضر u من أن يقيم جدارا كان يهم بالسقوط من غير أن ينتظر على ذلك أجرا، بل إنه لم يرض عندما سأله موسى u أن يبتغي الأجر بذلك العمل.

قلت: ولكن ذلك سيشجع الدولة على حبس خزانتها على أهوائها وترك الشعب للاحتساب.

قال: هذه أوهام تتوهمونها لا مخاوف حقيقية، فمن المستفيد من الضياع الذي تعيشه مجتمعاتكم؟ أنتم تتهمون الفقر، ولكن الفقر لا يمنعكم من أن تنظفوا بيوتكم وأفنيتكم وثيابكم وتكونوا كالشامة بين الناس.

إن مثلكم كمثل من أصيب بعض ثوبه بوحل الطريق، وكان في إمكانه تنظيفه، فغضب على نفسه وخاض في الوحل بيديه ورجليه وصدره ورأسه، فما يغنيه ذلك؟ .. وكذلك مثلكم أنتم .. كان الفقر لباسا خفيفا لامس بعض جوارحكم، فأبيتم إلا أن تجعلوه لباسا لكيانكم كله.

قلت: فالاحتساب إذن علاج للفقر؟

قال: لا .. بل هو علاج لنهضة الأمة جميعا .. فلا يمكن أن يؤدى أي عمل بإتقان تام إذا لم يطلب فيه وجه الله، أو ما وظف الله من الأجور.

قلت: كيف؟

قال: المدرس الذي ينال أجره الدنيوي، ولكنه لعلو همته لا يكتفي به، بل يبتغي بعمله وجه الله والدار الآخرة، فيقول: سأربي من وكلت بتدريسهم، وأنقل لهم كل خبرتي ليساهموا في نهضة أمة محمد r، وسأنال على ذلك من الأجر بكل حرف أقوله، ففي كل ثانية تنهال علي الأجور والدرجات والرضوان ما يملؤني بالسعادة .. أهذا المدرس سينجح في ما وكل إليه من مهام؟

قلت: لا ينجح فقط، بل لو أن كل المدرسين سلكوا سلوكه لتحولت بلادنا إلى عالم غير الذي نراه.

قال: وهكذا التاجر والصانع والفلاح الذين لا يكتفون بما تدر عليهم أعمالهم من أرباح،  بل ينتظرون من أجور الله ما يجعلهم يشعرون بأنهم عمال عند الله لا عند الناس.

قلت: لو أن هذا سرى بين الناس لتبدلت الأرض غير الأرض .. ولكن هل ذلك ممكن؟

قال: كل شيء ممكن.

قلت: كيف؟

قال: بالتشجيع.

قلت: أللتشجيع كل هذه القيمة؟

قال: ولذلك كان أول باب من أبواب السعي .. فالنهضة لا تقوم إلا على الهمم العالية، والهمم لا تعلو إلا إذا وجدت من يرتقي بها.

قلت: ولكن من يقوم بالتشجيع؟ .. أئمة المساجد ..

قال: لا الأمة جميعا بكل طاقاتها .. ألستم تستخدمون وسائل الإعلام لإشهار السلع؟

قلت: بلى، فنحيي الميت، ونحول من المعدوم موجودا، ومن الدميم جميلا، ومن القذارة طهارة.

قال: ويقبل الناس على ذلك مصدقين.

قلت: بل ومتهافتين.

قال: فقد صدقوكم وأنتم تكذبون، فكيف لا يصدقوكم وأنت تصدقون؟

قلت: ولكن وسائل الإعلام لا تسمح بتلك الإعلانات الإشهارية إلا بعد أن تنال أجورها.

قال: فلتحتسب بعض أجورها، ألم نعرف بأن الاحتساب ركن أساسي من أركان نهضة الأمة؟

قلت: بلى ..

لاح لي أربعة أبواب داخل مدخل باب التشجيع، فسألت معلم السلام عنها، فقال: هذه الأبواب هي التي تحوي الجوائز التي ينالها العمال المحتسبون.

قلت: وما هي؟

قال: الأجور المضاعفة، وتكفير الخطايا، ورفع الدرجات، وزيادة البركات.

الأجور المضاعفة:

اقتربت من الباب الأول، فقال المعلم: هذا باب الأجور المضاعفة.

قلت: فما هي هذه الأجور؟

قال المعلم: لقد ورد في النصوص اقتران السعي في الأرض طلبا لفضل الله بأعمال لها من الأجور ما لا يمكن احتسابه.

قلت: لماذا؟

قال: أرأيت لو أن شخصا كلف بوظيفة، فسأل عن الأجر الذي يعطاه، فقيل له: سنعطيك أجر الوزير أو الحاكم، أو سنجعل أجرك وأنت وحدك كأجر جماعة تعمل أعمالا مرهقة.

قلت: إن هذا أجر عظيم، وأنا ضامن بأن هذا الشخص سينبعث إلى عمله بنشاط عظيم، بل لعله سيضيف من عنده أعمالا أخرى يشكر بها من قدم له هذا الأجر، ويستبقي وده.

قال: فلهذا ورد في النصوص المقدسة اقتران السعي بأعمال لا حدود لأجرها.

قلت: فما هي هذه الأعمال؟

قال: أولها الجهاد، ألا تعلم ما أعد الله للمجاهدين من الثواب؟

قلت: بلى، فقد اعتبر القرآن الكريم الجهاد في سبيل الله من أعظم أبواب الجنة، فقال تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:111)

وفضل الله المجاهدين على غيرهم من المؤمنين، فقال تعالى:﴿ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ (النساء:95)

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم بأن الحركة البسيطة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، فقال:(لغدوة في سبيل اللَّه أو روحة خير من الدنيا وما فيها)([5])

وأخبر عن الجزاء المعد للمرابط في سبيل الله، فاعتبره لا يقل عن جزاء الصائم القائم القانت الذي لا يقعد عن ذلك طيلة غياب المجاهد في سبيل الله، فقال: (مثل المجاهد في سبيل اللَّه كمثل الصائم القائم القانت بآيات اللَّه لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل اللَّه)([6])

قال: أليست هذه أجور عظيمة؟

قلت: كيف لا تكون عظيمة؟ .. بل إن هذه الأجور هي التي تحرك القلوب المؤمنة المحتسبة للنهوض في وجه كل ظالم، ونصرة كل مستضعف.

قال: وهذه النصوص نفسها هي التي أخبرت بأن للعامل إن احتسب من الأجر ما لا يقل عن أجر المجاهد، فقد رأى بعض الصحابة شاباً قوياً يسرع إلى عمله، فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله! فرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم بقوله: (لا تقولوا هذا ؛ فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان)([7])

قلت: يا معلم كيف هذا؟.. والمجاهد يذهب بنفسه وماله وقد لا يعود بواحد منهما، بينما العامل مطمئن في بيته يسعى على رزقه.

قال: لأن كليهما مجاهد في سبيل الله.

قلت: كيف!؟ .. فإن فهم هذا صعب.

قال: الجهاد الذي هو حمل السلاح لا يكون في الشريعة إلا لطارئ، وهو أشبه بالحراحة التي يقوم بها الطبيب لنزع علة معينة، أما الجهاد الذي هو حمل الفأس والضرب في الأرض، فإنه لعمارة الدنيا التي أمرنا بعمارتها، فلا يليق أن نملأ الدنيا التي هي دار الضيافة الإلهية بالجهاد المدمر، ولا نملؤها بالجهاد المعمر.

قلت: ولكن فضل الشهادة عظيم؟

قال: وفضل الحياة الممتدة في سبيل الله أعظم، بل إن الله تعالى قدم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضله على المجاهدين، فقال:﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (المزمل: 20)

قلت: أجل، لقد قرن الله تعالى في هذه الآية بين الجهاد والضرب في الأرض.

قال: بل قدم الضرب في الأرض على الجهاد، فلا يمكن للمجاهد أن يجاهد لولا وجود من يضرب في الأرض.

قلت: فإن كثيرا من أغرار قومي قرأوا ما ورد في فضل الجهاد والموت في سبيل الله، فراحوا يحملون السلاح على كل غاد ورائح.

قال: فأخبروهم عن فضل العمل، وفضل الحياة في سبيل الله، وأعطوهم بدل أسلحتهم ما يرفع هامتكم ويحصن ثغوركم.

قلت: حصوننا محمية بجيوش لا قبل لأحد بها، وبأسلحة هي في غاية التطور.

قال: ولكنكم تغزون علميا واقتصاديا وإعلاميا .. أنت تغزون في بيوتكم كل حين ولكنكم لا تشعرون.

قلت: وعيت هذا.. فما غيره؟

قال: لقد قرن الله تعالى السعي في عمارة الأرض بالعبادة، فقال:﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الجمعة:10)

قلت: وورد اقتران الكسب بالحج، فقال تعالى:﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (البقرة:198)، فمن الأقوال في تفسير قوله تعالى:﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم (الحج: 28) أن المنافع (الأجر في الآخرة والتجارة في الدنيا)

قال: أتدري ما أسرار هذا الاقتران؟

قلت: ماهي؟ فأنا لا ألحظ أي سر في ذلك.

قال: إن كلام الحكيم مرتب ترتيبا بديعا، فلا يقرن شيء بشيء إلا لأهميته، أرأيت لو قال لك شخص:(أعطيك مليار دينار ودينار)؟

قلت: أضحك على هذا، وأقول: ما يساوي الدينار أمام المليار، بل لعلي أقول له:(دع الدينار لك، فأنا يكفيني أن تعطيني المليار)

قال: فقد رأيت إذن أنه لا يقرن الأجر العظيم إلا بالأجر العظيم.

قلت: نعم، فهمت، فلولا ما في العمل من القيمة ما قرن بالصلاة والحج اللذين هما من أركان الإسلام.

قال: وبالإضافة إلى هذا، فقد ورد في النصوص ما يدل على أن كل منتفع بعمل العامل يصب في أجره، فقد قال قال صلى الله عليه وآله وسلم في إحياء الأرض:(ما من امرئ يحي أرضا فتشرب منها كبد حرى، أو تصيب منها عافية إلا كتب الله تعالى له به جرا)([8])، وقال في أجر من أحيا أرضا ميتة:( من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العافية منها فهو له صدقة)([9])، وقال في غرس الغرس:(ما من مسلم يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كانت له به صدقة)([10])، وقال:(ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه صدقة، وما أكل السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة)([11])

قلت: هذه أجور عظيمة.

قال: فما تأثيرها فيمن يفقهها؟

قلت: لن يترك دقيقة واحدة من عمره تمضي إلا وهو يحي الأرض وينميها لينال من الأجر ما يناله.

قال: فإذا لم يجازه الناس على جهده هذا؟

قلت: لقد وعده الله بالأجر، فما انتظاره لأجوره الناس؟

قال: ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها)([12])

رفع الدرجات:

اقتربت من الباب الثاني، فقال المعلم: هذا باب (رفع الدرجات)

قلت: فما باب الدرجات؟

قال: ما هو منتهى آمال العمال عندكم غير الأجور؟

قلت على البديهة من غير تفكير: الترقية.

قال: وما الترقية؟

قلت: أن ينتقل العامل البسيط إلى نائب لرئيس للعمال، وأن يرتقي النائب إلى درجة الرئيس، وهكذا ..

قال: ألأجل الأجر المرتفع للمنصب الأعلى؟

قلت: ليس ذلك فقط، بل أحيانا لا يكون هناك اختلاف كبير في الأجور، ومع ذلك يطمح كل عامل في منصب أرقى.

قال: لماذا إذن؟

قلت: هذا شيء نفسي، فكل إنسان يحب أن يكون له من المناصب أرفعها .. لقد عجن هذا في طبيعة الإنسان عجنا.

قال: فما تسمونه بالترقيات تسميه النصوص بالدرجات، وهي من أنواع الجزاء التي ينالها الساعي المحتسب .. وهي من الجزاء الذي وضعه الله لملء تلك الحاجة الإنسانية الطالبة للترقي.

قلت: فما هي هذه الدرجات؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ (التكوير:7)، وقوله:﴿  وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ (الفرقان:13)

قلت: أجل، لقد ورد في تفسير هذه أن المراد منه الجمع بين النظراء أو الأشكال منهم كل صنف إلى صنف. 

قال: أتجد تشبيها لهذا في واقع قومك؟

قلت: أجل، بل ما أسهل تشبيه هذا، فنحن مثلا في مؤتمراتنا ننزل كل نظير مع نظيره، فأصحاب المقامات العالية ننزلهم الفنادق الفخمة، ومن دونهم ننزلهم ما هو دونها، وهكذا، حتى لا يبقى إلا المتفرجون، فننزلهم الشوارع والساحات.

قال: فاجمع بين هذين المعنيين وابحث في سير الكمل من عباد الله، فسيتضح لك علو المقامات والدرجات التي ينزلها الساعي والعامل المحتسب.

قلت: فمن هم الكمل، وكيف كانوا؟

قال: أكمل الكمل هم الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وقد كانوا كلهم عمالا يأكلون من عمل أيديهم.

قلت:  صدقت.. فقد  ورد في الآثار أن نوحا كان نجارا يأكل من كسبه، وأن إدريس  كان خياطا، وأن إبراهيم كان بزارا .. وأن داود كان يأكل من كسبه.. وغيرهم عليهم السلام.. ولكن في النفس شبهة أريد أن تأذن لي في ذكرها، وتصبر علي في طرحها، وفي الإجابة عليها، فإن لها بين قومي نظيرات.

قال: تريد أن تقول بأن في السعي انحطاط عن الهمة العلية، كما قال ابن عطاء الله:(إرادتُكَ التجريدَ مع إقامةِ الله إِيَّاكَ في الأسباب من الشَّهوة الخفيةِ، وإرادتُكَ الأسبابَ مع إقامةِ الله إِيَّاكَ في التجريد انحطاطٌ عن الهِمَّةِ العَلَيَّةِ) .. أو تريد أن تقول ما روي عن يوسف بن الحسين:(إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص والكسب، فليس يجيء منه شيء) ؟

قلت: هو ذا ما أردت، فالله تعالى قال في كتابه:﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذريات:56)، وفي الاشتغال بالكسب ترك ما خلق المرء لأجله وأمر به من عبادة ربه.. وقال تعالى:﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (طـه:132)، والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالمراد أمته، فقد أمروا بالصبر والصلاة وترك الاشتغال بالكسب لطلب الرزق، فالله قد ضمن الرزق لعباده، ولا أظن ابن عطاء الله إلا استنبط قوله:(اجتهادُكَ فيما ضَمِنَ لكَ، وتقصيرُكَ فيما طَلَبَ منكَ، دليلٌ على انْطماسِ البصيرةِ منْكَ) إلا من هذه الآية.. وقال ..

قال المعلم: رويدك .. هذه شبهة تحتاج إلى تأن في طرحها، وهي شبهة قديمة، لذلك سنعرض ما تستند إليه واحدا واحدا، لنبين وجه الحق فيه ووجه الباطل.

قلت: نعم، فقد رسخت في بعض آثار هذه الشبهة من كتب قرأتها، ومن واقع عشته.

قال: أما الآيتين اللتين أوردتهما، فإن الذي قالهما هو الذي حث على السعي في الأرض ابتغاء لرزق الله، فقد قال تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك:15)، أي فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات.

قلت: ولكن الله تعالى ضمن الرزق لعباده، فقال:﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (هود:6)

قال: وهذا صحيح، وهل تتصور الإنسان بسعيه يسعى لأجل صنع رزقه؟

قلت: ولم يسعى إذن؟

قال: هو يسعى للحصول على رزقه وأكله، أما الرزاق فهو الله.

قلت: اشرح لي هذا، فإنه يصعب علي فهمه.

قال: لو تأملت جميع أسباب الرزق التي يرتزق منها الإنسان لوجدتها جميعا لا يمكن تحققها من دون الله، أما سعي الإنسان فهو مجرد تناول لذلك الرزق وأكل له، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (الواقعة:63 ـ 67)؟

قلت: بلى، فما فيها من العلم؟

قال: إن الله تعالى ينفي عنا في هذه الآيات الوهم الذي نحمله في نفوسنا من أننا نحن المتسببون في حصول الزرع والثمار اللذين هما الغذاء الأساسي للإنسان.

قلت: هذا ليس وهما، بل هذه حقيقة.

قال: لو كانت هذا حقيقة لمات الخلق جميعا من الجوع، لأن ذلك سيستدعي موظفين يرعون النبتة ويمدونها بالحياة وأسباب الحياة إلى أن تثمر، ولو اجتمع الخلق جميعا أن يفعلوا ذلك بنبتة واحدة لم يطيقوا، بل الله هو الذي يمد النبتة بالقوى التي تمكنها من استغلال ما حولها من المياه والتربة والهواء والضوء لتنتج لنا بعد ذلك ما شاء الله لنا من رزق.

قلت: فأنت تقول بتأثير الأسباب؟

قال: أي شيء تقوله في هذا صحيح، عزلت الأسباب أو أثبتها، فالله هو الخالق، خالق العلة وخالق المعلول.

قلت: فهمت هذا، وأنا لا أجادل فيه، ولكني أتحدث عن المقامات الرفيعة التي تهفوا إليها نفوس العارفين، ويخافون أن ينشغلوا عنها بأي مكسب أو رزق.

قال: سادة العارفين هم الأنبياء، وقد عرفت أحوالهم في طلب الرزق، ولم نطالب بالاقتداء الكامل إلا بهم، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ (الأنعام: 90)

قلت: ولكن الأنبياء لا يشغلهم شيء عن الله.

قال: تريد من دونهم.. فأولياء الأمة وصالحوها كانت لهم أشغالهم وحرفهم التي لم تلههم عن الرسالة التي وكلت لهم من حفظ هذا الدين وتبليغه.

قلت: أنا لا أنكر السعي، ولكن ..

قال: أنت تتحدث عن الهمة العالية .. أجبني أيهما أرفع همة المتكسب الذي يسعى لينال رزقه، وينال الناس رزقهم بسببه، أم القاعد الذي ينتظر رزقه أن يأتيه؟

قلت: إن اشتغل ..

قاطعني، وقال: قبل أن تجيبني اسمع لهذه القصة التي رويت عن عن شقيق البلخي، وقد كان من أهل العبادة والزهد، فقد ودَّع صديقه إبراهيم بن أدهم  لسفره في تجارة عزم عليها. ولم يلبث إلا مدة يسيرة، ثم عاد، ولقيه إبراهيم، فعجب لسرعة إيابه من رحلته، فسأله عما رجع به قبل أن يتم غرضه، فقصَّ عليه قصة شهدها، جعلته يغير وجهته ويلغي رحلته، ويعود قافلاً.

ذلك أنه نزل للراحة في الطريق، فدخل خربة يقضي فيها حاجته، فوجد فيها طائراً أعمى كسيحاً لا يقدر على حركة، فرَقَّ لحاله، وقال: من أين يأكل هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة؟ ولم يلبث أن جاء طائر آخر يحمل إليه الطعام ويمده به، حتى يأكل ويشبع، وظل يراقبه عدة أيام وهو يفعل ذلك، فقال شقيق: إن الذي رزق هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة لقادر على أن يرزقني! وقرر العودة.. أتدري ما قال له إبراهيم بن أدهم؟

قلت: ما قال؟

قال: قال له:(سبحان الله يا شقيق! ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى العاجز الذي ينتظر عون غيره، ولا تكون أنت الطائر الآخر الذي يسعى ويكدح ويعود بثمرة ذلك على من حوله من العمي والمقعدين؟! أما علمت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(اليد العليا خير من اليد السفلى)؟ 

فقام إليه شقيق وقبَّل يده وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق!

قال: فأيهما أرفع همة من تشبه بصفة الله (الرزاق) أم من تشبه بصفة العبد المرزوق؟

قلت: صحيح هذا .. ولكن ألا تشغل المكاسب عن السلوك إلى الله؟

قال: السلوك الصحيح لا يكون إلا في الواقع، فلا يمكن أن تأخذ الناس إلى الفلوات لتربيهم، وقد كان بعض المشايخ المربين يقول:(ما أجمل أن يجعل الفلاح فأسه مِسبحته، ويجعل النجار منشاره مِسبحته، ويجعل الحداد مطرقته مِسبحته، وهكذا)

وقد حكى ابن عطاء الله ـ الذي أسأت فهم حكمته ـ  عن بداية صلته بشيخه أبي العباس المرسي، فذكر أنه سمع من أصحابه من طلبة العلم أن الذي يصحب مشايخ الطريق يضمُر حظه في العلم الشرعي الظاهر، قال: فشقَّ عليَّ أن يفوتني العلم، وشقَّ عليَّ أن تفوتني صُحبة الشيخ.

فلما ذهب إلى الشيخ كان أول ما بادره به أن قال:(نحن إذا صحبنا تاجر، ما نقول له: اترك تجارتك وتعال، أو صاحب صنعة، ما نقول له: اترك صنعتك وتعال، أو طالب علم، ما نقول له: اترك طلبك وتعال، ولكن نقر كل أحد فيما أقامه الله فيه، وما قسم له على أيدينا فهو واصل إليه.

قال: وقد صحب الصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما قال لتاجر: اترك تجارتك، ولا لذي صنعة: اترك صنعتك، بل أقرَّهم على أسبابهم، وأمرهم بتقوى الله فيها.

تكفير الخطايا:

اقتربت من الباب الثالث، فقال المعلم: هذا باب تكفير الخطايا.

قلت: أهذه جائزة تشجيعية؟

قال: بل من أعظم الجوائز التشجيعية.

قلت: فاضرب لي مثالا على ذلك أعيه، ويعيه قومي.

قال: أتعلم أخطر ما يقف في وجه المجرم الذي تناهى في الإجرام، فيحول بينه وبين التوبة؟

قلت: نفسه الأمارة بالسوء، وشيطانه الرجيم الذي يزرع في نفسه ما ينبت تلك الجرائم.

قال: وتلك النظرات القاسية التي يجدها في المجتمع، إما نظرات الخوف أو نظرات الاستعلاء .. فلذلك لا يجد علاجا يمسح به جرائمه إلا المزيد من الجرائم.

قلت: هو إذن كالواقع في الإدمان يعالج الداء بالداء.

قال: نعم هو كذلك ..

قلت: أريد توضيحا أكثر لهذا، أعيه ويعيه قومي.

قال: أرأيت لو أعطيت ما شئت من الأموال على أن تتحمل جريمة من الجرائم الخطيرة، بأن تنسبها إليك، ولو لم تفعلها، على أن يضمن لك البراءة من الملاحقة، أترضى بذلك؟

قلت: لا .. ولا أظن أن هناك من يرضى، فالمال لا يمكنه أن يغسل الوسخ الذي ينشئه رميي بتلك الجريمة في المجتمع.

قال: فالبراءة إذن فوق الأجور؟

قلت: بل أحيانا فوق الدرجات، فالمسؤول الكبير ينهار من برجه العاجي الذي بناه طول حياته بسبب فضيحة واحدة تسببها شهوة من شهواته.

قال: فقد أقررت إذن بأن تكفير الخطايا جائزة.

قلت: نعم، فما أعظم أن يمسح السجل الإجرامي للمجرمين.

قال: فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم إذن بأن التعب الذي ينال الإنسان جراء سعيه على رزقه الحلال مكفر لخطاياه، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ما يصيب المؤمن من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن ولا أذى، ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)([13]) ؟

قلت: بلى .. وقد ورد في حديث آخر ما هو أصرح من ذلك، فقد روي انه صلى الله عليه وآله وسلم قال:(من بات كالا في طلب الحلال بات مغفورا له)([14]) ، فهذا أجر عظيم قد جعله الله لطالب الرزق الحلال.

قال: ويمكنكم أن تستثمروا هذا النوع من الأجر في الدنيا قبل الآخرة.

قلت: كيف، والمغفرة لها علاقة بالآخرة فقط.

قال: ألا تعلم أن الله يحب تشبه عباده بصفات كرمه، فهو كريم يحب الكرماء، رحيم يحب الرحماء، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)([15])؟

قلت: بلى، فهذه حقيقة تدل عليها النصوص الكثيرة.

قال: فيمكنكم استثمار هذا إذن، فتضعوا لمن تعاقبوهم من الفرص ما يستعيدون به طهارتهم.

قلت: كيف ذلك، ونحن نعاقبهم؟

قال: فلماذا لا تجعلوا نيتكم من عقوبتهم أن تطهروهم؟

قلت: ولكن الحق العام يأبى ذلك، فهو يريد أن يشفي غليله من المجرمين.

قال: وذلك لا يمنعه من تطهيرهم، بل الحق العام يستفيد من طهارتهم أكثر من استفادته من مجرد عقوبتهم.

قلت: ولكن كيف يحصل ذلك؟

قال: أنا لا طاقة لي بوضع اقتراحات لكم، فأنتم أعلم بأمور دنياكم، ولكن إن تصدقوا في البحث، فستجدون من فرص الطهارة التي تضعوها بين يدي المجرمين، ما يجعل منهم طاقات حية نافعة لا قاذورات مهملة مرمية في الزنازن والسجون تقتلها الكآبة، أو ترتع فيها وساوس الشياطين.

زيادة البركات:

اقتربت من الباب الرابع، فقال المعلم: هذا باب (زيادة البركات)  

قلت: فما الجائزة التي يختزنها هذا الباب؟

قال: هي من الجوائز التي ينالها صاحبها في الدنيا قبل الآخرة، ألم تعلم بأن الله تعالى يعجل لعباده الصالحين بعض جوائزهم في الدنيا قبل الآخرة؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى:﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:97)

قال: وأخبر تعالى عن تنزل البركات على المؤمنين المتقين، فقال:﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (لأعراف:96)

قلت: فما البركات؟

قال: هي أن يصبح القليل كثيرا، والصغير كبيرا، والضعيف قويا؟

قلت: كيف ذلك، ولا أرى أنه من الممكن تحول قنطار قمح إلى قنطارين، فكيف يصبح القليل كثيرا؟

قال: ألم تسمع حكمة ابن عطاء الله: (رب عمر اتسعت آماده، وقلت أمداده.ورب عمر قليلة آماده، كثيرة أمداده)؟ 

قلت: بلى، فهو يتحدث عن شيء واقعي ممكن، فقد يرزق الله من فضله صاحب العمر القصير من الأمداد والفوائد ما لا يظفر به المعمرون.

وقد أشار إلى هذا في الحكمة الأخرى التالية لهذه، بقوله:(من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تلحقه الإشارة)

قال: فقد فهمت ـ إذن ـ معنى البركة.

قلت: لقد فهمت معنى البركة في العمر، فهو لا بآماده، بل بأمداده، وعلى هذا وردت النصوص، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)([16])، وورد في الحديث أن صلة الرحم تزيد في العمر، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من سره أن يبسط له رزقه وينسأ له أثره فليصل رحمه)([17])  .. لكني لم أفهم بعد كيف يصبح القليل كثيرا ..

قال: ألم تقرأ الاحاديث التي ورد فيها تكثير الطعام لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

قلت: بلى، فقد حصل ذلك مرات كثيرة كما يذكر علماء السير.

قال: فقد رأيت فيها أن القليل الذي لا يشبع النهم تحول إلى الكثير، فيطعم أمة من الناس.

قلت: ولكن هذا يذكر على سبيل المعجزة، فهو معجزة لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم، لا يذكر كسنة عامة تشمل جميع الناس، وحديثنا هنا عن العموم لا عن الخصوص.

قال: ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (لأعراف:96)، أفهذه الآية خاصة بالأنبياء، أم بأمم الأنبياء؟

قلت: بل بأمم الأنبياء.

قال: فقد وعد الله بتنزل البركات عليهم، وهو يعني ما ذكرناه من تحول القليل كثيرا، والضعيف قويا، والهزيل سمينا ..

قلت: أنا لا أناقش في هذا، ولكن أناقش في تصوره، فلم أر في حياتي تحول الموازين ولا المقاييس.

قال: أرأيت إن خيرت بين أن ترزق مالا قليلا، ولكن يبارك لك فيه، فلا تستهلكه إلا فيما يفيدك، ويمتعك، وبين أن ترزق مالا كثيرا، ولكن ترزق معه من البلاء كالأمراض والأشغال ما يفنيه ويحوله قليلا لا يكاد ينفعك.

صحت: بل أرضى بالقليل، فما فائدة الكثير الذي يرهقني، ثم لا أستفيد منه.

قال: فهذا القليل تحول بسبب مباركة الله له إلى كثير، بل إلى ما هو أفضل من الكثير .. أجبني .. لو خيرت بين أن يكون لك عشرة من البنين، وكلهم عاق ومنحرف، وبين أن يكون لك ولد واحد، ولكنه بر تقي وصول، فأيهما تختار؟

قلت: بل الولد الواحد، فما فائدة العشرة التي لا تزيدني ولا تزيدهم إلا ضياعا وضلالا.

قال: فقد بورك إذن في الولد الواحد بسبب تقواه فصار أفضل من العشرة.

قلت: فقد فهمت إذن، فالشيء يبقى هو نفسه، ولكن الله تعالى يبارك فيه بحمايته من الآفات، فيصبح بتلك الحماية كافيا.

قال: ليس هذا فقط، بل إن الله برحمته وبركته يمده من الزيادة ما لا نستطيع أن نتعرف عليه .. فليس العالم شهادة فقط .. وكما للحكمة مظاهرها، فللقدرة مظاهرها.

قلت: لقد نبهتني إلى نوع مهم من الغنى لا يفطن له كثير من الفقراء.

قال: ما هو؟

قلت: إن الله يبارك في كثير من أولاد الفقراء، فينجحون في حياتهم، بل يكونون سببا في خروج آبائهم من ضائقة الفقر، بينما يتيه أولاد كثير من الأغنياء في أودية الغفلة .. فهذا من بركات الفقر على أهله.

قال: لا تفهمني خطأ، فالبركة تشمل الغني والفقير، ونحن لا نفضل أحدهما، بل للبركة أسبابها التي تحل بمن تحقق بها.

قلت: فما أسبابها، فقد شوقتني إليها؟

قال: أولها الالتزام الذي أشار إليه قوله تعالى:﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (لأعراف:96)

قلت: عرفت هذا .. فهل هناك أسباب أخرى؟

قال: القناعة، فهي من أعظم أسباب البركة.

قلت: أجل، وقد صرحت الأحاديث بذلك، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم :(إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع)([18])

قال: ومن أسبابها الصدق، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)([19]) .. ومن أسبابها النشاط ..

قلت: وما النشاط؟

قال: عدم الخلود إلى الكسل في أوقات البركة؟

قلت: أهناك أوقات للبركة؟

قال: نعم، والعاقل هو الذي يبحث عنها.

قلت: أين؟

قال: في الشريعة والواقع.

قلت: أي في النصوص الشرعية، وفي البحث في سنن الحياة.

قال: نعم، فكلاهما كتاب الله تعالى.

قلت: فاضرب لي مثالا على ذلك.

قال: ما ورد في النصوص من استحباب التبكير، فقد دعا صلى الله عليه وآله وسلم لذلك، فقال:(اللهم بارك لأمتي في بكررها)([20])

قلت: فهمت هذا، ولعله سبب مهم جدا من أسباب الفقر، فإني أرى في الواقع الرجل ينهض وقت الضحى يتثاءب كسلا، ليطلب رزقه، ثم يشكو من سد أبواب الرزق في وجهه.

قال: ليس هذا فعل رجل واحد فقط، بل كلكم يفعله.

قلت: كيف؟

قال: أنتم تبدؤون يومكم من نصفه لا من أوله.

قلت: كيف؟

قال: ألا تدعون الشمس حتى تطلع، لتنطلقوا في أعمالكم؟

قلت: هذه مواقيت عالمية للعمل.

قال: وما دخل العالم بهذا .. هي مصالحكم وأنتم أدرى الناس بها، ولو لم تناموا ليلا ولا نهارا من أجل الحفاظ عليها لم يناقشكم أحد فيها.

قلت: وعيت هذا.. فللبركة أسبابها إذن؟

قال: لكل شيء سببه، ألم تسمع قوله تعالى:عن ذي القرنين: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ (الكهف:84)، فهل نجح ذو القرنين في المهمة التي وكلت له من غير اتباع الأسباب؟

قلت: كلا، فقد قال الله تعالى:﴿ فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ (الكهف:85)

قال: ولكن قومك المشغوفين بتحريف المعاني حرفوا معنى البركة تحريفا عظيما.

قلت: أجل .. فهم يذهبون إلى من شهروه بينهم بالولاية يلتمسون بركاته.

قال: فما بركاته؟

قلت: كسر خبز، أو قطع مناديل، أو حبات تمر.

قال: فما يفعلون بها؟

قلت: يعالجون بها أسقامهم، ويقضون بها حاجاتهم.

قال: فمرهم بالتوبة إلى الله، فببركات الله لا تنال إلا من يد الله، ولا تمد اليد إلى الله إلا إذا يئست من غير الله.

مفتاح العلم

بمجرد أن قال هذا شعرت بقناعة عظيمة بضرورة التشجيع والتحفيز وأنه لولاه لما استطعنا أن ننهض من أي كبوة، ولا أن نقوم بأي عمل.. بعد هذا الشعور مباشرة فتح الباب..  لكنا ما إن سرنا قليلا حتى بدا لنا باب جديد، فقال المعلم: هذا باب العلم، ولا يصح دخول سائر الأبواب إلا بعد حمل مفتاحه.

قلت: لماذا تتشدد هكذا؟

قال: هذا ليس تشددا، هذه حقيقة، فالعلم هو الباب الأول لكل شيء، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31)؟

قلت: أجل، وقد قرأت اختلاف المفسرين في هذه الأسماء، وقرأت كذلك وجه التفضيل لآدم عليه السلام حين عرض الله تعالى تلك الأسماء على الملائكة، فلم تعلمها كما علمها آدم عليه السلام، قال تعالى:﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة:32)

قال: أفتستدلون بهذا على فضل آدم عليه السلام على الملائكة ـ عليهم السلام؟

قلت: أجل، بل لا أحد إلا ويستدل بذلك على هذ المعنى.

قال: أخطأتم، فالله تعالى لم يعرض الأسماء على الملائكة ـ عليهم السلام ـ ليتحداهم، بل عرضها لهم ليبين لهم أن آدم عليه السلام قد زود من العلوم ما يؤهله للخلافة في الأرض.

قلت: ولكنهم لم يعرفوا الأسماء التي عرضت عليهم.

قال: وما الحاجة إلى أن يعرفوها، ألم يقولوا:﴿  سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾؟ 

قلت: بلى، فما وجه الاستدلال في هذا؟

قال: إن الملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وهبوا من العلوم ما يناسب وظائفهم، كما وهب آدم عليه السلام من العلوم ما يناسب وظيفته، فلا تفاضل في هذا ولا تزاحم.

قلت: هذا واضح، ولكن ..

قال: تريد مثالا على هذا؟

قلت: أجل، فبالمثال يتضح المقال.

قال: أرأيت لو أن شخصا أراد أن يدرس الطب فهل يمتحن في العلوم المرتبطة به، أم يمتحن في الفلك والجغرافيا؟

قلت: بل يمتحن في المواد المرتبطة بتخصصه.

قال: فكذلك الأمر مع آدم عليه السلام والملائكة، فلها من العلم ما ليس لآدم، وله من العلم ما ليس لها، ألم تسمع حديثه صلى الله عليه وآله وسلم عن الملك الموكل بنفخ الروح؟

قلت: بلى، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(يدخُلُ الْمَلَكُ على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم بأَربعين أَو خمس وأَربعين ليلة فيقول: يا رب، أشقى أَم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: يا رب أَذكر أَم أُنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأَثره ورزقه، ثم تطوى الصحف ولا يزاد فيها ولا ينقص)([21])

قال: فهل يمكن لبشر أي كان أن يعلم العلوم التي علمها هذا الملك؟

قلت: لا، فقد قال تعالى:﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (الرعد:8)

قال: فالملك ـ إذن ـ أعلم من الإنسان؟

قلت: في هذا المقام فقط.

قال: بل في كل مقام له علاقة بوظيفته، فالله تعالى إذا خلق خلقا أعطاه من العلوم ما يوفر له أسباب الهداية، كما قال تعالى على لسان موسى عليه السلام:﴿ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طـه: 50)

قلت: هذا صحيح .. ولكنا يا معلم تهنا عن مقصدنا.

قال: بل لم نته عنه، نحن في لبابه.

قلت: كيف؟

قال: ألا نتحدث هنا عن العلم الذي هو باب من أبواب المدائن؟

قلت: بلى.

قال: أفتظن أنا نحتاج إلى تلقين جميع العلوم لمن نريد أن نعلمهم دخول المدائن؟

قلت: ذلك أحسن.

قال: ولكن العمر لا يساعد عليه، والهمم لا تستطيع الوفاء به.

قلت: فما هي العلوم التي نحتاج إليها؟

قال: ما يفي بخدمة ما تريدونه.

قلت: فاذكر لي تلك العلوم وأقسامها.

قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم.

قلت: فمجامعها وأصولها.

قال: علمان لا بد من كليهما، لولا معرفتي بتقصيركم في الجمع بينهما ما ذكرتهما.

قلت: ما هما؟

قال: الأصول النظرية لأي عمل، والتطبيقات العملية المرتبطة به.

قلت: فهل ترانا مقصرين في هذا؟

قال: لستم مقصرين في أفراد العلمين، ولكنكم مقصرون في الجمع بينهما، فأنتم إما أن تدرسوا علوما ترهقون فيها أنفسكم وأوقاتكم، ثم لا تجدون لها أي ثمرة واقعية، أو تتعاملون مع واقع وتطبيقات من غير أن تفهموا لها أصولا نظرية، والكمال في الجمع بينهما.

الأصول النظرية:

قلت: فماذا تريد بالأصول النظرية؟

قال: سنن الله في كونه، فهي أصل الأصول النظرية، وأنتم تقصرون فيها تقصيرا عظيما.

قلت: كيف؟

قال: إن استغلال أي سنة من سنن الله قد يوصلكم إلى مراكز من الرقي لم تكونوا لتصلوا إليها بدون تلك السنة.

قلت: اضرب لي مثالا على ذلك.

قال: قوة البخار، لقد رأيتموها ورآها أجدادكم، فاكتفيتم بالنظر إليها، أو بمد أيديكم إليها لتشعروا ببعض الدفء.

قلت: وهل لها غير الدفء؟ 

قال: نعم .. لها قوى كثيرة .. رأى بعضها رجل فتح له في فهم قوة هذا الخلق، فاستعان به على تلك المراكب الحديثة، ثم بقي التطور يتبع بعضه بعضا إلى أن وصلتم إلى ما وصلتم إليه.

قلت: وكل ذلك بنظرة ثاقبة إلى سنة من سنن الله.

قال: وكل ذلك جزء من تلك النظرة، ألم تسمع قوله تعالى عن ذي القرنين:﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ (الكهف:84)، أتعلم ما السبب الذي أوتيه ذو القرنين؟

قلت: نحن لا نبحث عن الأسباب التي أو تيها ذو القرنين، بل نبحث عمن هو ذو القرنين؟

قال: وما يجديكم أن تعرفوا من هو؟

قلت: بالمناسبة، هل كان نبيا، وهل كان له قرنان، وكيف كان اسمه .. وهل حقا كان أحد ملوك اليمن، والسد الذي بناه هو سد مأرب، أو هو كورش الكبير الملك الاخميني، أم هو الاسكندر المقدوني، ولكنه لم يشتهر عليه أنه بنى أي سد .. أم هو ..!؟

قال: وما يجديك أن تعلم كل هذا؟ ألا يغنيك ما في كتاب الله؟

قلت: لقد ذكر الله قصته، فشوقنا لمعرفته.

قال: شوقكم للحقائق التي تنطوي عليها قصته، أما هو فعبد من عباد الله، ويكفيكم ذلك.

قلت: ولكن البشر يحب الفضول.

قال: فليكن فضولكم فيما ينفعكم .. لقد سألتك عن الأسباب التي أوتيها ذو القرنين.

قلت: السبب في اللغة يعني الحبل المستخدم في تسلق النخيل، كما قال تعالى:﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (الحج:15)

قال: فهل كل ما أوتي ذو القرنين هو حبل؟

قلت: لعله حبل كعصا موسى عليه السلام.

قال: أنتم تبالغون في البحث عن المعجزات لتفروا بها من علاج واقعكم، بحجة أنه ليس لديكم عصا كعصا موسى عليه السلام، أو خاتم كخاتم سليمان عليه السلام أو حبل ..

قلت: فما الأسباب إذن؟

قال: هي استعمال كل الوسائل الممكنة المرتبطة بأي إنجاز ..

قلت: مثل ماذا؟

قال: لكل شيء أسبابه الخاصة به، وسننه التي يدخل إليه منها، وفي القرآن الكريم إشارة إلى بعض ذلك.

قلت: أين؟

قال: في قصة ذي القرنين نفسها .. ألم يقل الله تعالى:﴿ فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ (الكهف:85) ولم يكتف بذلك، بل كررها ثلاث مرات.

قلت: فما فائدة هذا التكرير؟

قال: ليس هذا تكريرا، فلكل شيء سببه الخاص به وسنته التي ينطلق منها، ولا يمكن الدخول إليه إلا من بابها.

قلت: فهمت هذا، فهل في قصة ذي القرنين حكمة أخرى؟

قال: كلها حكم .. ما اللفظ الرابط بين هذه الآيات الثلاث التي وردت في قصة ذي القرنين، بين قوله تعالى:﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ (الكهف:86)، وقوله تعالى:﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً﴾ (الكهف:90)، وقوله تعالى:﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ (الكهف:93)

قلت على البديهة: (وجد) .. إن هذه اللفظة هي اللفظة المتكررة في الآيات الثلاث.

قال: أتعلم ما الحكمة من تكريرها؟

قلت: لا.

قال: متى تقول عن شخص:(إنه وجد شيئا)؟

قلت: عندما يبحث عنه، أو يكون له اهتمام به.

قال: فذو القرنين لم يكن ـ كما تتصورون ـ رجل حرب يبحث عن توسيع امبراطوريته، بل كان رجلا بحاثة عالما يبحث في الأرض، ليكتشف قوانين الله وسننه فيها.

قلت: هذه دعوى تحتاج إلى دليل، فما ذكرته لا يكاد يكفي.

قال: لقد ذكر الله تعالى ما وجده ذو القرنين في الغرب والمشرق وبين السدين.

قلت: لقد قال تعالى في المغرب:﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً (الكهف:86)، وقال عن المشرق:﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً (الكهف:90)،وقال عن المكان الذي بين السدين:﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً   (الكهف:93) 

قال: فتأمل في جوامع الأشياء التي وجدها.

قلت: هناك التضاريس، وما يرتبط بها من مناخ، وهناك الشعوب وما يرتبط بها من طباع.

قال: والعلاقة الرابطة بين الشعوب والتضاريس والمناخ ..

قلت: نعم كل ذلك يظهر جليا في قصة ذي القرنين .. لكأني بها تتحدث عن اكتشافات جغرافية لا عن محارب يقود جيشا.

قال: بل كان أكثر من مجرد كشافة .. كان عالما مصلحا، ألم يلجأ إليه الأقوام الساكنين بين السدين؟

قلت: لا أزال أتعجب من علمه بلغتهم، فقد قال تعالى:﴿ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً

قال: وهذا يصب فيما ذكرنا من اجتهاده العقلي وبحثه عن سنن الله للتعرف على أسرارها واتباعها.. سألتك عن لجوء أولئك الذين لا يكادون يفقهون قولا إليه.

قلت: نعم لجأوا إليه ليحميهم من يأجوج ومأ جوج .. بالمناسبة من هم؟

قال: دعك من هذا، فإنه جدل، وقد اشترطت عليك ألا تجادلني.

قلت:﴿ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ (الكهف: 73) .. نعم لقد نص القرآن الكريم على قصة طلبهم من ذي القرنين الحماية، فقال تعالى:﴿ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ (الكهف:94 ـ 97)

قال: ألا يدلك هذا على أبعاد أخرى في شخصية ذي القرنين؟

قلت: نعم إنه مهندس عظيم، عرف كيف يخطط لبناء هذا السد، وكيف يحمي أولئك القوم من شر المعتدين.

قال: بماذا فعل ذلك؟

قلت: بما أوتيه من علم الأسباب.

قال: فذاك ما سميناه بالأصول النظرية، فلا يمكن لأي عمل أن يقام إلا بتلك الأصول، وهي في مجموعها تعود إلى سنن الله التي أمرنا بالنظر إليها والتعبد بتسخيرها.

التطبيقات العملية:

قلت: فماذا تريد بالتطبيقات العملية؟

قال: لو أن ذا القرنين اكتفى بما عرفه نظريا، ولم يستقد منه عمليا أكان في إمكانه أن يبني ذلك السد؟

قلت: لا .. بل يحتاج إلى المزج بين الأمرين، فالنظر يحتاج إلى التطبيق، كما أن التطبيق يحتاج إلى النظر.

قال: فلذلك لا يمكن للتدريب أن يؤتي أكله إلا إذا مزج بين الأمرين.

قلت: هذه حقيقة، ونحن بحمد الله نطبقها، فقد أسسنا مراكز كثيرة للتدريب على المهارات المختلفة.

قال: لا، بل تقصرون فيها تقصيرا عظيما.

قلت: كيف؟

قال: أنتم تقصرون التدريب على بعض الحرف، وعلى بعض ما تحتاجه الحرف، ثم تقصرون كل ذلك على فئات محدودة.

قلت: فهل تقترح حلولا؟

قال: أنا لا أقترح .. فأنتم أعلم بأمور دنياكم، ولكني أؤصل الحقائق التي عن طريقها تقترحون ما ترونه مناسبا.

قلت: فما هي أصول الحقائق في هذا؟

قال: إشاعة التعليم وشموليته وتبسيطه ومجانيته.

قلت: هي أربعة أصول إذن.

قال: وكلها مما ورد في النصوص المقدسة الأمر به.

قلت: فاشرح لي مرادك منها ، وعلاقتها بالتدريب.

الإشاعة:

قال: أما الإشاعة.. فالعلم لا ينبغي أن يحصر في فئة محدودة من الناس، بل يترك لكل راغب.

قلت: ونحن نفعل ذلك.

قال: لا .. أنتم تعقدون الأمور كثيرا.

قلت: بل نيسرها، ولكن قل الراغبون.

قال: فهل تأذنون للشيخ الكبير في دخول المدارس.

قلت: نحن نشترط سنا معينة للدراسة.

قال: وليس ذلك من الإشاعة .. فالعلم من المهد إلى اللحد، ألم تقرأ قول أحمد، وقد دخل إلى السوق ومعه المحبرة،  وقد كان شيخا، فقيل له:(لا تزال تحمل المحبرة؟) ن فقال:(مع المحبرة إلى المقبرة)، أي لا نزال نواصل العلم إلى الموت.

قلت: بلى فقد قرأت في ترجمة العالم الفلكي الرياضي، والمؤرخ اللغوي الأديب، والعالم بالشريعة ومقارنة الأديان أبى الريحان البيروني أنه مات وهو يتعلم مسألة في الفرائض.

قال: أفكان العلماء يتقاعدون عن طلب العلم أو تعليمه كما تفعلون اليوم؟

قلت: لا، بل إن نشاطهم يزداد في أواخر أعمارهم.

قال: وذلك لما اكتسبوه من خبرة بعد أن صقلتهم الأيام.

قلت: وأرى أن تباشير شمس الاستفادة من الشيوخ بدأت تطل علينا، فقد أثبتت المؤتمرات التي جرت في نقاط متعددة من العالم أن الأفراد في السنين الأولى المشرفة على الشيخوخة إذا كانوا مستعدين لمرحلة الشيخوخة يمكنهم أن يظلوا إلى سنين مديدة من المسنين الشباب، بل نشطين منتجين، وهذا ما أدركته الأقطار المتقدمة وخططت له مما منحها نتائج جيدة.

قاطعني، وقال: أنت تتحدث عن المؤتمرات بثقة عظيمة، وكأن بيدها الحل.

قلت: لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يحب التفاؤل.

قال: ولكنه لا يحب الأماني.

قلت: فإن لم يأت منها الخير، فمن أين يأتي؟

قال: من الشوارع والطرقات، وتلك المساكن الضيقة التي تفوح منها روائح الجوع.

قلت: متى، وكيف؟

قال: إذا عرفت كيف تستثمر الكنوز التي تختزنها.

قلت: فهل تقصد بإشاعة العلم إشاعته للشيوخ فقط؟

قال: لا .. العلم من المهد إلى اللحد .. للمرأة والرجل .. للفقير والغني في المدارس والمستشفيات والأسواق .. في وسائل الإعلام، وفي الملاعب والطرقات .. في كل مكان.

الشمولية:

قلت: وعيت هذا .. فما تريد بالشمولية؟

قال: أنتم تدربون على بعض الصناعات فقط؟

قلت: أجل .. لأن بعضها يكاد يكون من العلم المكتوم.

قال: تقصد من أسرار المهنة.

قلت: نعم، لأن في إشاعته إضرارا بالحرفيين.

قال: تخطئون عندما تتصورون ذلك، وتفعلون ذلك، فليس في العلم كما في الدين أسرار .. ولكنه الجشع والحرص والخوف الذي يمتلك قلوبكم.

قلت: فما الحل الذي تراه لتحقيق شمولية العلم؟

قال: نشر العلوم .. كل العلوم .. فالتجارة تحتاج إلى التدريب مثلها مثل الصناعة، والحكيم هو الذي ينقل خبرته لغيره، ولا يترك غيره يتخبط بحجة حرصه على مصالحه.

التبسيط:

قلت: وعيت هذا .. فما تريد بالتبسيط؟

قال: أنتم تعقدون العلوم.

قلت: ولكن العلوم تأبى إلا أن تعقد.

قال: وأين نور البصيرة الذي وهبه الله لكم؟

قلت: نور البصيرة نكتشف به العلوم، ونفهمها به.

قال: فمن فهمها منكم يمكنه أن يبسطها لمن لم يفهمها.

قلت: قد يتحقق ذلك بجهد.

قال: فذلك الجهد واجب، ألا ترى إلى علماء أمتك كيف نشروا العلم وبسطوه حتى علمه الخاصة والعامة؟

قلت: بلى، فإني أقرأ ما كتبوا فأجد له لذة، وأجدني أستوعبه بسهولة ويسر، ولكن العلوم في هذ العصر تعقدت كثيرا.

قال: ألا ترى الكتاب الذي شرفكم الله به، فمع أنه يحوي دقائق العلوم ومجامعها إلا أنه يعبر عنها جميعا بسهولة ويسر وجمال؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى في كتابه:﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر:17) .. ولكن هذا كلام الله.

قال: ألم يأمرنا الله برفع الهمة والترقي للتشبه بكمالات الله.

قلت: بلى، لقد عرفنا أدلة ذلك في مواضع مختلفة.

قال: فتشبهوا بالله في التيسير والتبسيط، أليست كل صناعاتكم التي تفخرون بها تقليدا لمخلوقات الله؟

قلت: بلى، والقرآن الكريم يدل على ذلك، فقد قال تعالى:﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (المائدة:31).. ولكن كيف نبسط العلم ونيسرها؟

قال: ألم أقل لك بأنكم أعلم بأمور دنياكم؟

قلت: بلى، ولكنك تعلم ما نحن فيه، فدلنا على ما تراه من وسائل التبسيط؟

قال: أنتم تسرفون في اللهو وتستعملون وسائل الإعلام لتغذية هذا اللهو، فاجعلوا من لهوكم علما؟

قلت: كيف؟

قال: انشروا العلم وبسطوه وأشيعوه عن طريق ما نتتج وسائل إعلامكم من برامج.

قلت: نحن نفعل بعض هذا.

قال: ألا تعلم أنك لن تتعلم العلم حتى تهبه كلك!؟

قلت: بلى .. ولكن الهمم كما تعلم .. 

قال: ابدأوا فقط، أما الهمم فلها رب يتولاها، ألم يأمرنا الله بالاستعداد على حسب ما في وسعنا، فقال تعالى:﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ (لأنفال: 60)؟

قلت: بلى ..

قال: اربطوا العلم بالله، وحينذاك سيرتبط العلم بالإيمان، وحينذاك يهب عليه من نسيم الإيمان ما ينشرح له الصدر، ويعيه العقل .. ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الروم:56).. فالعلم لا يفهمه على حقيقته إلا من أوتي الإيمان.

المجانية:

قلت: وعيت هذا .. فما تريد بالمجانية؟

قال: أنتم تتاجرون بالعلم وتبيعونه.

قلت: نحن نبيع كل شيء، فكيف لا نبيع العلم؟ .. ولكن ما الحرج في ذلك؟..

قال: العلم لا يباع، بل ينشر .. بل يرغب في التعلم، ولا يحتكر، ألم تر الرسل، وهم ينشرون العلم متبرئين من كل أجر، قال تعالى على لسان كثير من أنبيائه ـ عليهم الصلاة والسلام ـ:﴿ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء:109)،  وقال مخبرا عن رسوله الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم:﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ (الفرقان:57)

قلت: ولكن هؤلاء أنبياء؟

قال: وهل أمرنا بالاقتداء بغير الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ألم يجمع الله بين الأمر بالاقتداء بهم وتبرئهم من الأجور، فقال تعالى:﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:90)!؟

قلت: بلى، ولكن لو لم يبع العلماء علمهم لماتوا جوعا.

قال: ألم أخبرك أنه لم يمت أحد من الناس جوعا .. ولكن الحرص والشره والفراغ الذي يعانونه هو الذي يجعلهم يبيعون العلم ويغالون في بيعه، ولو فقهوا عن الله لباعوا علمهم لله.

قلت: كيف .. أالله العليم يشتري العلم؟

قال: كما يشتري الصدقات .. فهو يتقبلها ويجزل الثواب لأهلها.

قلت: فما تعني، أو ما تنصح؟

قال: أنصح هؤلاء العلماء ومن سواهم بأن يعلموا بأن جزاء العلم عند الله لا عند البشر، فليقنعوا بما عند الله من الأجور.

قلت: لقد رأيت ناسا من أهل العلم لا يتحركون إلا بمبالغ طائلة تغريهم، ولا ينشرون كتبهم إلا بحقوق عظيمة يطالبون بها.

قال: فهؤلاء لا يختلفون عن الذين يكتمون العلم، ألم يقل الله تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة:159)؟

قلت: ولكن هؤلاء لا يكتمونه، بل يطلبون عليه أثمانا.

قال: وما الفرق بينهما، إن علمهم سيبقى مكتوما عن الذين لا يملكون.. ثم .. ألم تسمع قوله تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة:174)؟

قلت: بلى.

قال: فاقرأ هذه الآية عليهم، فقد جمع الله بين كتمان العلم وبيعه ليبين العلاقة بينهما، والتي تعيشونها في واقعكم.

قلت: ولكنهم سيقولون ..

قاطعني، وقال: أعلم أنهم سيظلون يجادلون.

مفتاح الإتقان

بمجرد أن قال هذا شعرت بقناعة عظيمة بضرورة العلم بأصوله النظرية والعملية وأنه لولاه لما استطعنا أن ننهض من تخلفنا، ولا أن نقوم بأي دور حضاري.. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى بدا لنا باب جديد، وقد علقت عليه لافتة في منتهى الجمال مكتوب عليها:(إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه)([22])

فسألت المعلم عنه، فقال: هذا باب الإتقان.

قلت للمعلم: نعم، هذا باب مهم جدا، فنحن في عصرنا نشكو كثيرا من أضرار التفريط في الإتقان، فحسب أكثر العمال عندنا أن ينهوا أشغالهم دون اهتمام بمدى إتقانهم لأعمالهم.. وهذا هو الذي يجرهم في أحيان كثيرة إلى الفقر، فالعامل عندنا إذا اشتهر بعدم إتقانه لم يطلبه أحد، وذلك طريق لفقره .. فما سر عدم الإتقان يا معلم؟

قال: سره هو الخواء الذي تعيشونه في نفوسكم، فهو الذي جعلكم تنظرون إلى الكم، ولا تنظرون إلى الكيف، وتهتمون بالكثرة ولا تهتمون بالنوعية.

قلت: فما علاجه؟

قال: الإيمان.

ابتسمت، وقلت: حسبتك ستذكر الرقابة التي تهتم بالبحث عن مدى الجودة لتقر بعدها العمل أو ترفضه.

قال: ولكني لم أنكر الرقابة، وهي من مقتضيات الإيمان، بل هي جزء من آثار الإيمان.

قلت: رقابة الشرطة .. لا أظن أن لها علاقة بالإيمان؟

قال: وما علاقتنا بالشرطة، نحن الآن نتعلم السلام، والذي يتعلم السلام لا يعرف الشرطي ولا الجندي ولا أي قوة من القوى، ولا يحتاج لها.

قلت: فرقابة من إذن؟

قال: رقابة الله، فإنها إذا حلت في القلب لم يحتج الخلق إلى أي رقابة أخرى .. هل تتصور أن في الجنة شرطة؟

قلت: هذا مستحيل، فهي دار السلام.

قال: فكذلك المؤمنون الذين يعيشون في جنة الدنيا لا يحتاجون إلى هؤلاء الشرطة.

قلت: فالرقابة إذن هي السبيل الوحيد لتحقيق الإتقان؟

قال: لا، بل هي جزء من ذلك السبيل، أو هي المرتبة الأخيرة منه.

قلت: فهل هناك مراتب أخرى؟

قال: أجل، هناك التشبه، والقدوة، والجزاء، ثم تأتي بعدها الرقابة.

قلت: فهي إذن أربع.

قال: نعم أربعة معان إيمانية من تحقق بها رزقه الله الإتقان، وجعله خلقا من أخلاقه لا يتكلف فيه ولا يتصنع.

التشبه:

قلت: فبمن يكون التشبه، أبدول العالم المتطور التي تحرص على إتقان أعمالها؟

قال: لا .. المؤمن لا يرى إلا الواحد.

قلت: تقصد القطب الواحد، فنحن الآن محكومون بقطب واحد؟

قال: أقصد القطب الواحد الذي يتوجه له الكل .. السموات والأرض والعرش والفرش .. والذرة والمجرة ..

قلت: تقصد الله؟

قال: وهل هناك غيره، فالله هو خالق الخلق وأعمالهم، كما قال تعالى:﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات:96)

قلت: فكيف نتشبه به؟

قال: ألم يقل الله تعالى:﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ  ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (الملك:3 ـ 4)

قلت: بلى، فهذه الآية تخبر عن مدى الإتقان الذي صمم به خلق السموات والأرض، فلا ترى فيها أي فطور.

قال: بل إن الله تعالى يأمرنا بإعادة النظر والتحقق للتأكد من سلامة خلق الله من أي عيب.

قلت: وكأنه بذلك يدلنا على الطريقة التي نكتشف بها عيوب أعمالنا، فلا نكتفي بالنظرة البدائية البسيطة التي قد تكتفي بالانبهار، بل يدلنا على النظرة النقدية المحققة.

قال: وهو يدلنا كذلك على عرض أعمالنا على غيرنا، لأنا قد لا نرى من عيوب أعمالنا ما يراه غيرنا.

قلت: فالله يؤدينا ـ إذن ـ بهذه الآيات.

قال: نعم، هو يؤدينا كما يؤدب أحدنا ولده عندما يقف أمامه المواقف المختلفة ليبين له كيف يتصرف التصرف السليم.

قلت: ولهذا وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه (كان خلقه القرآن)([23])

قال: أجل، فالله تعالى يربينا بأوصافه كما يربينا بأوامره .. ولهذا، فإنه عندما يقول على لسان إلياس عليه السلام:﴿ أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ (الصافات:125)، فإنه في الحقيقة يقول لنا:(ربكم أحسن الخالقين، فكونوا أنتم أحسن العاملين)

قلت: فاضرب لي أمثلة من القرآن الكريم، وبين لي كيفية سماعها والاستجابة لها.

قال: سنذكر أربعة أمثلة قرآنية لها علاقة كبرى بحياتنا.

قلت: فما المثال الأول؟

قال: الإنسان.

قلت: كيف؟

قال: ألم يأمر الله الإنسان بالنظر إلى نفسه، والاعتبار به؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى:﴿ فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (الطارق:5)، وقال تعالى: ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (الذريات:21) 

قال: فقد ذكر الله تعالى إتقانه لخلق الإنسان فقال تعالى:﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين:4)

وذكر إتقانه صورة الإنسان، فقال:﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (التغابن:3)

قلت: لقد أثبت العلم الحديث كل هذه المعاني إثباتا دقيقا، فجسم الإنسان في غاية الحسن والقوة.

قال: ولذلك من الله على الإنسان بأنه صوره فعدله، كما قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار:7 ـ 8)

قلت: لماذا لم يمن عليه بالخلق وحده؟

قال: لأن الخلق وحده كالعمل قد يكون خيرا، وقد يكون شرا، ولكن إتقانه وتحسينه هو الذي ينقله إلى الخيرية.

قلت: فما المثال الثاني؟

قال: الحديث الحسن، فحديث الله تعالى لا يختلف عن خلقه في الحسن.

قلت: لقد قال الله تعالى يخبر بأنه نزل أحسن الحديث:﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ (الزمر:23)

قال: وهذا يدعونا إلى أن نلتمس كل الأساليب المؤثرة الحسنة التي تغير من نفوس من نخاطبهم.

قلت: كيف؟

قال: ألا تعلم أن الكلام قد يكون حقا، ولكن قولنا له وطريقة إلقائنا تحوله شرا، ولهذا ورد في القرآن الكريم ذكر الحسن مرتبطا بالقول في مجال الدعوة، فقال تعالى:﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33)، بل إن الله تعالى لم يأمر بالحسن فقط عند المجادلة، بل أمر بالأحسن، فقال:﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ (النحل: 125)

قلت: هذا صحيح، فنحن نعرض الإسلام بصورة مشوهة، ثم نتأسف على انصراف الناس عنه.

قال: وتحكمون عليهم بالضلال، ولا تحكمون على أنفسكم بالإضلال.

قلت: ولكن منا الشعراء والقصاصون ..

قال: تركتموها لغيركم يعبث فيها، ويملؤوها بالمجون، واكتفيتم بعرض الإسلام وحقائق الإسلام بجفاء وغلظة وجفاف يفسد أكثر مما يصلح، ويبعد أكثر مما يقرب.

قلت: فما الطريق؟

قال: هو ذا القرآن الكريم أمامكم، أليس هو الكتاب الهداية الأبدية الشاملة!؟

قلت: ولكن القرآن الكريم جاء ليهدينا، لا ليعلمنا كيف نتكلم.

قال: القرآن الكريم جاء لكل شيء، ولكن الشأن أن تفهموه، وترتقوا للاستفادة منه.

قلت: فاشرح لي ذلك.

قال: لذلك محله، فاصبر، فالعلم لا ينال بالعجلة.

قلت: ولكنك تظل تشوقني إلى المعاني الجميلة، ثم تتركني حائرا.

قال: الشوق هو بداية التعلم، ومن لم يشتق إلى العلم كما يشتاق الخليل إلى خليله لم يتعلم.

قلت: أجل، فقد ذكرتني بحديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه إشارة إلى هذا المعنى،  ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم خيبر:(لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه)([24]) فقد كان بإمكانه صلى الله عليه وآله وسلم أن يستدعي من يريد إعطاءه الراية من غير أن يشوقهم إليه.

قال: الأمثلة على ذلك كثيرة، والسنة طافحة بذلك، فيمكنكم استثمارها كاستثمار القرآن الكريم والاستفادة منها في تحسين كلامكم، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)([25])

قلت: فما المثال الثالث؟

قال: الرزق الحسن، ألم يأمر الله تعالى بالنظر في رزقه، فقال تعالى:﴿ فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ (عبس:24)، وقال:﴿ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام:99)

قلت: بلى، فقد وصف الله تعالى رزقه بالحسن، فقال:﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (الحج:58)

قال: لتعرف مدى ما يحمله رزق الله من الحسن قارن بين أرزاق الله التي تحملها سنابل القمح وحبات الثمر وأعشاب الأرض وبين السموم التي تصنعونها كل حين.

قلت: صدقت، فأرزاق الله غذاء ودواء، وأرزاقنا داء وسموم.

قال: ذلك لأنكم انشغلتم بالأكل، فعبدتموه من دون الله، فهم أحدكم من يومه جميعا ما يأكله وما يشربه، فلم تكتفوا بما خلق الله لكم من أصناف الموائد التي تتناسب مع أجهزتكم، بل رحتم تبدلون وتغيرون وتتفننون مما أوقعكم في الهلكة، وأوقع أجهزتكم في العطب.

قلت: فما المثال الرابع؟

قال: خلق الكون بهذا البناء الرائع الذي لا تملك القلوب المؤمنة إلا التسبيح عند رؤيته .. ألم يأمر الله بالنظر في السموات والأرض؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى:﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس:101)

قال: ففي كون الله من آيات الإتقان والحسن ما يحرك القلوب المؤمنة، لا لمجرد التسبيح فقط، بل للاقتداء، ألا تعلم من أحب شيئا ظهر عليه؟

قلت: بلى، فهذه حقيقة لا شك فيها، فمن يستطيع كتم أشواقه ومحبته.

وأفضحَ من عينِ المحبِّ لسرهِ           ولا سيما إِن أطلقتْ عبرة تجري

قال: ولهذا يذكر الله تعالى خلقه السموات والأرض، بل يذكر خلقه لها بهذه الصيغة التي لا يستطيع اللسان التعبير عنها، قال تعالى:﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذريات:47)

قلت: والله تعالى يصف نواحي الكمال في خلق الكون مما يحفز الهمم للبحث فيها ..

قال: لا البحث فقط، وإنما التشبه والاقتداء ..

القدوة:

قلت: عرفنا التشبيه، وهو طريق العارفين الذائقين في تحصيل الإتقان، فما القدوة، وبمن تكون؟

قال: القدوة هي انصهار المقتدي وذوبانه في المقتدى نتيجة إعجابه وحبه له.

قلت: فبمن تكون؟

قال: لقد ذكر الله مثالين للقدوة في العمل، أحدهما من جنسنا، والآخر من غير جنسنا.

قلت: فمن من جنسنا؟

قال: عباد الله الصالحين المحسنين، فقد قال تعالى في شأنهم:﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ (الأحزاب:21)، وقال:﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ (النساء:125)

قلت: فكيف نقتدي بهم؟

قال: بالبحث عن سيرهم وسلوكهم واتخاذ مواقفهم دستورا تنتهجونه وتمشون على خطاه، ألم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستعيد مواقف الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ويجدد الحياة فيها؟

قلت: بلى، فقد ورد في السيرة المطهرة أنه لما كان يوم فتح مكة، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة أرسل إلى من حاربه منهم، فقال:(مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته:﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: 92) ([26])

قال: لقد استعاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موقف يوسف عليه السلام مع إخوته، فعامل الذين آذوه أبلغ الإيذاء بنفس الأسلوب.

قلت: ومثل ذلك ما ورد في الحديث أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قسم قسماً، فقال رجل: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه اللّه، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(رحمة اللّه على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)([27])

قال: ومثل الأنبياء الصالحون الذين ذكرت أوصافهم في القرآن الكريم، والتي تمتلئ كتب السير والطبقات بنماذجها.

قلت: فهذا هو موضع القدوة الأول، والذي هو من جنسنا، فمن نقتدي به من غير جنسنا؟

قال: الحيوانات.

ثرت قائلا: ما هذا؟ .. ما عهدتك يا معلم هكذا .. كيف تقرن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بالحيوانات .. أليس هذا كفرا أو قريبا من الكفر!؟

قال: ولماذا تستهين بالحيوانات لهذه الدرجة، أليست من خلق الله؟ ألا تعلم أن احتقارك لها احتقار للذي خلقها؟ ألم تسمع قوله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ (البقرة: 26)؟  .. ألم يذكر الله الذباب والعنكبوت والنحل والحمار والبغال وغيرها في القرآن الكريم؟ 

قلت: بلى، ولكن قومي، أو من اشتهر بالأدب منهم يتحرجون من مثل هذا.

قال: فهم يتعاظمون ويتكبرون على خلق الله .. فمن ضمن لهم أنهم أشرف من هذه الحيوانات.

قلت: بلى، لقد تذكرت نهيه r عن إتخاذ ظهور الدواب منابر، معللا ذلك بقوله: (فرب مركوبة خيرا أو أكثر ذكرا لله تعالى من راكبها)([28])

قال: ستسألني عن كيفية اتخاذ الحيوانات قدوة في الإتقان، وعن تأصيل ذلك.

قلت: نعم، لم تعدو ما في قلبي.

قال: ألم تسمع قوله تعالى:﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (المائدة:31)؟

قلت: لقد سمعت هذه الآية في مواضع مختلفة.

قال: لكل قضية سماعها الخاص بها.

قال: فبماذا تحدثني هذه الآية في هذا الموقف؟

قال: تخبرك بأن الله تعالى ألهم الحيوانات من العلوم ما نستفيد منه في حياتنا وفي أعمالنا، ألم يقل الله في هذه الآية:﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ

قلت: بلى.

قال: فقصد هذا الغراب أن يري الإنسان كيف يتعامل مع جثة أخيه.

قلت: نعم، هكذا ينص القرآن الكريم.

قال: فهذا يدل على أن الله تعالى جعل في الحيوانات معلمين لنا.

قلت: لا أظن أن هناك حرجا في ذلك بناء على ما سبق ذكره من الحرمة التي استفادتها الحيوانات من خلق الله لها.

قال: فلذلك لا تتعجب إن ذكرنا الحيوانات كمحل من محال القدوة.

قلت: أجل، ولكن الحيوانات في نظرنا لا تختلف عن الجماد إلا في بعض الوعي الذي يهيئها لاكتساب رزقها.

قال: ذلك ما ترونه أنتم، أما الحقيقة فأعظم من ذلك.

قلت: بين لي بعض نواحي القدوة في الحيوانات.

قال: أولها نظام الحكم.

ضحكت وقلت: نظام الحكم، كيف يكون هذا؟ .. لم أر في عالم الحيوانات صناديق انتخاب.

قال: صناديق الانتخاب أنشأها جشعكم وحرصكم وطلب كل واحد منكم التسلط على عباد الله، أما الحيوانات، فتعرف الأمر لأهله، فتسلمه له من غير أن تزاحمه فيه.

قلت: صدقت في هذا.. وقد ذكر العلماء الكثير من الأدلة المثبتة لذلك.. فعالم الحيوان يدعو حقا للإعجاب، وكأنه مدارس نستفيد منها، فلماذا لا يحظى بالاحترام الكافي.

قال: الغافلون وحدهم هم الذين لا يحترمون هذا العالم لأنهم لا يحترمون إلا أنانيتهم، أما الأولياء فهم يحترمونه ويعظمونه ويتأدبون بين يديه ...

الجزاء:

قلت: عرفنا التشبيه والقدوة، وامتلأنا بالمعاني الواردة فيهما، فما الجزاء، وما أنواعه؟

قال:الجزاء هو الأجر الذي جعله الله تعالى بفضله وشكره لمن يتقن عمله.

قلت: فما أنواعه؟

قال: كثيرة نقتصر منها على هذه الأربع مما دلت عليه النصوص.

قلت: فما هي؟

قال: المحبة، والزيادة، والرحمة، والوقاية.

قلت: فما المحبة، وما دليلها؟

قال: المحبة هي السماء العالية التي هفت إليها قلوب الصديقين .. وهي الشعاع النير الذي ظلوا طول حياتهم يطلبونه.

قلت: تقصد محبتهم لله.

قال: أقصد محبة الله لهم، ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الأولياء:(ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه وإن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته)([29])

قلت: فهل ورد في النصوص ما يدل على محبة الله لعبادة المتقنين؟

قال: أجل، فقد قال تعالى مرغبا في الإحسان:﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة:195)

قلت: فما السر في محبة الله للمحسنين؟

قال: هو السر في محبته للراحمين وللتوابين وللطاهرين.

قلت: فما السر في هؤلاء جميعا؟

قال: إن الله يحب المتخلقين بأخلاقه المتصفين بصفاته، ألا تفهم الإشارة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وماتناكر منها اختلف)([30])

قلت: بلى، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يبين انجذاب كل جنس إلى جنسه، وكل شكل إلى شكله، فالطيور على أشكالها تقع.

قال: فافهم الإشارة، ممزوجة بترياق التنزيه، فالله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير (الشورى: 11)

قلت: وعيت هذا.. فما الزيادة؟ وما دليلها؟

قال: الزيادة هي شيء فوق النعمة، أو هي نعمة مخبأة مستورة .

قلت: أتعني ما نسميه نحن بالمفاجأة.

قال: وماذا تفعلون فيه؟

قلت: نخبئ ما نريد أن نجعله مفاجأة داخل قراطيس أو صناديق لتفتح في أوقات خاصة.

قال: هذا قريب من الزيادة، ولو أن الزيادة التي وعد الله بها عباده من العظمة بحيث لا تستطيع قراطيس الدنيا جميعا حملها.

قلت: فما دليها؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة:58) أي أن المحسنين سينالون المزيد من الأجر إضافة إلى غفران الخطايا.

فالله تعالى وعد المحسنين بالجزاء على أعمالهم، كما قال تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (الكهف:30)

ووعد فوق ذلك بأن يجزيهم على أحسن أعمالهم، فقال تعالى:﴿ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:121)، وقال تعالى:﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (النور:38)

ووعدهم فوق ذلك كله بالجمع بين الحسنى والزيادة، فقال تعالى:﴿)لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ (يونس: 26)

قلت: ولماذا لم يذكر الجزاء، وبقي مخبأ في سراديب الكتمان؟

قال: لا .. هو ليس مخبأ، ولكن طاقتنا العقلية أقل من أن تتحمل ذكره .. أرأيت لو وصف لك نوع من الفواكه لم تره في حياتك جميعا، أكنت تفهم ذلك الوصف؟ 

قلت: لا .. فالأذواق لا يصفها مثل اللسان، كما الألوان لا تصفها مثل العين.

قال: فكذلك هذ الزيادة .. وأضيفك سرا آخر.

قلت: ما هو؟

قال: هل المفاجآت التي تقدمونها لأصناف الناس متكافئة؟

قلت: لا .. هي مختلفة باختلاف طبقاتهم الاجتماعية، أو باختلاف مراتب نجاحهم، فالهدية المقدمة للأول ليست كالهدية المقدمة للثاني.

قال: فكذلك الله تعالى خبأ هذه الهدايا ليتنافس عباده على استلام أفضلها.

قلت: متى؟

قال: يوم الجزاء.

قلت: متى هو؟

قال: في الدنيا والآخرة، فالله ديان الدنيا والآخرة.

قلت: فما الرحمة وما دليلها؟

قال: يمكنك أن تفهمها، ولكن لا يمكنك التعبير عنها.

قلت: ولكن من قومي من يعبرون عنها بالإحسان.

قال: قد يحسن إليك في الظاهر من لا يرحمك.

قلت: فكيف أفهمها؟

قال: ليس عقلك هو الذي يفهمها، فعقلك معقول بعقال الحس، مكدر بمستنقعات التشبيه.

قال: فمن يفهمها إذن إذا لم يفهمها عقلي؟

قلت: يفهمها وجدانك ومشاعرك المنزهة عن دنس التشبيه.

قلت: أريد شرحا أكثر لهذا المعنى.

قال: عندما تجاوز المراحل العشر التي تبدأ بها مسيرتك للسلام، ستتمكن من القدرة على فهم هذه المعاني .. أتريد أن تنتقل إلى الجامعة، وأنت لم تكمل دراستك الابتدائية؟

قلت: فما دليل كون الرحمة جزاء من أجزية الإحسان؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (لأعراف:56)

قلت: فلماذا قال:﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، ولم يقل:(إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ للْمُحْسِنِينَ)

قال: لأن رحمة الله الشاملة وسعت كل شيء، لكن من الخلق من ابتعد عنها بسلوكه، ومنهم من اقترب منها، فكانت الرحمة قريبة منه، وفي الحقيقة كان هو القريب منها.

قلت: فسر لي هذا المعنى بما يحتمله عقلي من الحس.

قال: الهواء الذي تتنفسه موجود في كل مكان، فمن أغلق أنفه وفمه فلم يتنفس لا نقول:(إن الهواء انقطع عنه)، وإنما نقول:(إنه هو الذي قاطع الهواء)، فرحمة الله شاملة، ومن حجب عنها لم يحجب من قبل الرحيم، وإنما حجب من قبل هواه.

قلت: فما الوقاية وما دليلها؟

قال: الوقاية وقايتان: وقاية لروحك من التدنس بأوزار الذنوب، ووقاية لجسدك من التدنس بأدناس البلاء.

قلت: فبأي الوقايتين يجازى المحسن؟

قال: بكلا الوقايتين.

قلت: فما دليل ذلك؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى في تبشير عباده بتكفير خطاياهم وتطهيرهم منها:﴿ َالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (العنكبوت:7)

قلت: فهذه وقاية الروح، فما وقاية الجسد؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ  لا تَشْعُرُونَ﴾ (الزمر:55)، وقوله:﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (يونس:26)

قلت: فهل للإحسان جزاء في الدنيا، فإن كل ما ذكرته من أجزية الآخرة؟

قال: من أخطر الأوهام التي تقعون فيها تفريقكم بين الدنيا والآخرة، وأحكام الدنيا وأحكام الآخرة، أليس رب الدنيا والآخرة واحد؟

قلت: بلى.

قال: فالجزاء والعقوبة يعجل في الدنيا، قبل الآخرة، ففي الدنيا روح من روح الجنة، وفيح من عذاب جهنم.

قلت: فطبق لي هذا على ما ذكرت من أجزية.

قال: كل ما ذكرته يتناول الدنيا والآخرة، فالمحسن محبوب من الله والخلق، فكل من أحبه الله نشر محبته بين الخلق، ألم تقرأ حديث جبريل عليه السلام؟

قلت: بلى، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله تعالى يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض([31]).

قال: ومثل ذلك الزيادة، ألستم تكافئون المحسن بالجوائز؟

قلت: أحيانا.

قال: أقل شيء تكافئونه به هو اضطراركم إليه، وقرعكم لبابه،وهجرانكم باب المسيء.

قلت: والرحمة.

قال: من اضطررتم إليه، اضطررتم إلى رحمته، لأنكم لا ترحمونه هو بل ترحمون اضطراركم إليه.

قلت: والوقاية؟

قال: تغضون الطرف عن سيئاته طمعا في حسناته.

الرقابة:

قلت: وأخيرا وصلنا إلى باب الرقابة .. فما هي؟ ولم كانت سبيلا من سبل الإحسان، ومعراجا من معارجه؟

قال: أرأيت لو كلفت بعمل من الأعمال، وحضر الوزير لرؤية مدى إتقانك له، أو تقصيرك فيه، ماذا كنت ستفعل؟

قلت: سأحبره تحبيرا تحتار نفسي فيه، بل إني أعمل كل جهدي لأجعل منه آية من آيات الجمال.

قال: ولو علمت أنه لا يجازيك على ذلك؟

قلت: لا تهمني مجازاته لي، فحسبي من جزائي رؤيته لي.

قال: فإن حضر الرئيس؟

قلت: سيكون التحبير أعظم.

قال: فكيف إذا كان الرائي هو الله رب كل شيء ومليكه.

قلت: .. ..!؟

قال: فهكذا المؤمن الذي امتلأ قلبه محبة لله وتعظيما له، فإن قلبه يمتلئ فرحا وسرورا برؤية الله له، فيندفع إلى عمله بنشاط عظيم يجعله يتفنن في إتقانه.

قلت: ألهذا قال تعالى مرغبا المؤمنين:﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون﴾ (التوبة: 105)؟

قال: بلى .. ولهذا عرف صلى الله عليه وآله وسلم الإحسان بقوله:(أن تعبد الله كأنك تراه)

قلت: أجل، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يربي أصحابه على هذا المعنى، فلا يحتاجون للاندفاع إلى العمل وإتقانه إلا للشعور بالله.. وقد رويت أحاديث كثيرة في هذا الباب، فعن أبي ذر قال:(أوصاني خليلي صلى الله عليه وآله وسلم أن أخشى الله كأني أراه فإن لم أكن أراه فإنه يراني) .. ومثل ذلك ما روي عن عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله حدثني بحديث واجعله موجزا فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( صل صلاة مودع، فإنك إن كنت لا تراه فإنه يراك)([32]) ..

قال: لقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة العظيمة في آيات كثيرة، فالله تعالى يقول لنبيه  صلى الله عليه وآله وسلم:﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (الطور:48)، ويقول له:﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (الشعراء:218)

ويخبر أولياءه مبشرا لهم بقوله:﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (يونس:61)

قلت: يا معلم، لقد عهدت قومي يتحدثون عن رقابة الله مخوفين من نظر الله.

قال: ذلك مقام الغافلين، فإنهم يرون في رؤية الله لهم ما يحول بينهم وبين معاصيهم، أما العارفون المحققون فإنهم يرون في رؤية الله لهم ما يراه كل محب عندما يراه محبوبه، ألم تسمع ما قال بشر لذلك العاشق؟

قلت: بلى، فقد حكى عن نفسه، قال: مررت برجل وقد ضرب ألف سوط في شرقية بغداد ولم يتكلم ثم حمل إلى الحبس، فتبعته فقلت له: لم ضربت؟ فقال: لأني عاشق، فقلت له: ولم سكت؟ قال: لأنّ معشوقي كان بحذائي ينظر إليَّ، فقلت: فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر قال: فزعق زعقة خرّ ميتاً.

قال: أرأيت الطاقة الكبرى التي يمنحها الحب لأصحابه.

قلت: لو علم قومي ما في هذه الطاقة لعبأوها في قارورات، وزودوا بها المصانع والمعامل.

قال: ولكن قومك يتفننون في العوم في بحار الحب المدنس.

قلت: فكيف السبيل إلى بحار الحب المقدس؟

قال: عندما ترتفع الأنا من نفسك، لترى الوجود كما الوجود، حينها تخلع أثواب العدم لتلبس أنوار الوجود ..وحينها ستذوق طعم الحب المقدس .. وحينها ستشرب من أكواب الكون فلا ترتوي.

قلت: فدلني على شواطئه.

قال: ذلك علم آخر من علوم السلام، فاصبر، ولا تتخط رقاب الصديقين.

قلت: فمن أين أبدأ؟

قال: ابدأ من الابتدائي .. تخط حجب الغفلة أولا.

قلت: كيف أتخطاها؟

قال: ابدأ من مقامات الغافلين، فلا يمكن أن ترتقي درجات الصديقين، وأنت لم تقطع درجات الغافلين.

قلت: فحدثني عن مراقبة الغافلين.

قال: أرأيت لو أنك وظفت في معمل يحتاج العمل فيه إلى دقة عظيمة، فالأخطاء فيه خطيرة غير مغتفرة، بل قد يؤدي التقصير فيه إلى هلاكك وهلاك جميع المحيطين بك، وكان صاحب المعمل حازما شديدا، له من القوى والصلاحيات ما يسمح له بأن يعاقبك بكل أنواع العقوبات، فيمكنه أن يحبسك في زنزانة، ويمكن أن يذيقك من أنواع الآلام ما يجعلك عين العذاب .. ومع ذلك كله لا خيار لك إلا أن تعمل عنده.

قلت: يا معلم .. رويدك، فقد اقشعر جلدي مما قلت، لكأني بك تتعمد إخافتي .. فما وجه هذا المثال؟

قال: هذا ليس مثالا، بل هذه حقيقة ..

قلت: كيف؟

قال: الله هو صاحب هذه الأرض، وقد خلقنا أجراء فيها، ألم يقل تعالى للملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ:﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ (البقرة: 30)

قلت: بلى.

قال: أليس الخليفة هو الذي ينوب مناب صاحب العمل في عمله؟

قلت: أجل، فله من الحرية ما يكفل له أن يتصرف بما يراه مناسبا.

قال: ولكن تصرفاته محكومة بما يرتضيه صاحب العمل.

قلت: نعم، وإلا عد منقلبا على صاحب العمل.

قال: فقد قال صاحب العمل مبينا سر خلق الإنسان:﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الكهف:7)، وقال:﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك:2)

قلت: فهمت هذا، ولكن ما علاقة هذا بالمراقبة؟

قال: أليست المراقبة هي أن تظل منتظرا في كل لحظة حضور صاحب العمل ليرى مدى الدقة التي تقوم بها في عملك؟

قلت: أجل.

قال: فالله تعالى أخبر بأنه يراك في كل لحظة، بل أخبر أن كل ما تفعله مسجل عنده، ألم يقل الله تعالى للغافلين:﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (الزخرف:80)

قلت: بلى .. فالله تعالى ينبه الغافلين في القرآن الكريم في مواضع كثيرة إلى علم الله واطلاعه عليهم، كما قال تعالى:﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (التوبة:78)

قال: وهذا الاعتقاد وحده كفيل بأن يجعل العامل متقنا لعمله متفانيا فيه لا يحتاج إلى شرطي يقمعه، وقد يرشوه ليسكت عن أخطائه.

قلت: فالإيمان إذن علاج للجودة.

قال: الإيمان هو علاج الجودة الحقيقية لا الجودة التي تتصورونها، ويغش بعضكم بعضا على أساسها.

قلت: كيف، ونحن في عصر الجودة.

 قال: أنتم في عصر أقنعة الجودة لا الجودة.

قلت: كيف؟

قال: أنتم تتفنون في الأغلفة أكثر من تفننكم في اللباب.

قلت: نعم فللغلاف دوره الكبير في تيسير بيع السلع.

قال: إن المنطق التجاري الذي تتعاملون به مع الأشياء يحول بينكم وبين رؤية اللباب.

قلت: نعم، فنحن نبيع السموم مزينة بأنواع الزينة التي تجذب العين، ولا نكتفي بذلك، بل ننشر عليها من الروائح ما يجذب الأنوف، ومن الأصوات ما يجلب الآذان، فلا يكاد أي مار يمر بها إلا ويسقط صريعا لهواها، فلا يذوقها حتى يوارى في الثرى.

قال: أما الجودة الحقيقية، فهي التي يدل ظاهرها على باطنها، وباطنها على ظاهرها، فلا غش فيها ولا خداع.

 

مفتاح التطوير

بعد اقتناعي بما قاله المعلم عن الإتقان وضرورته لكل بناء حضاري فتح لنا بابه.. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى بدا لنا باب جديد في منتهى الجمال، فسألت المعلم عنه، فقال: هذا باب التطوير.

قلت للمعلم: باب التطوير!؟ عجبا .. ولكن أليس التطور منافيا للدين، فقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المحدثات، فقال:(إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)([33])؟

قال: ليس هذا هو المراد بالتطور .. المراد منه هنا أن لا يقنع العامل بما لديه من وسائل وطاقات، بل يحاول عبورها إلى ما ييسر عليه مرافق الحياة، ويجعل استفادته منها أعظم استفادة.

قلت: فاضرب لي على ذلك مثالا.

قال: سأذكر لك بدل المثال دليلا .. أسمعت قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ؟

قلت: هي في القرآن الكريم، فكيف لا أقرأها؟

قال: وهل سمعت ما فيها من طلب سليمان عليه السلام من ملئه أن يأتيه بعرشها.

قلت: نعم، فقد قال لهم:﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل: 38)

قال: فما الذي أجابه به العفريت؟

قلت: قال له ما نص عليه القرآن الكريم من قوله تعالى:﴿ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ (النمل:39)

قال: فهل كان ما طرحه العفريت مقبولا من جهة سرعة إحضاره؟

قلت: أجل، فلا أظن أن هناك وسيلة معاصرة تستطيع إحضارالعرش بهذه السرعة.

قال: وهل رضي سليمان عليه السلام بما طرحه العفريت؟

قلت: لا، بدليل أنه لم يكتف به، بل سمع للذي عنده علم من الكتاب، فقد ضمن له سرعة أكبر.

قال: فهذا هو التطوير: مثالا ودليلا .. فإن سليمان عليه السلام لم يرض بما اقترح العفريت، بل ظل يتطلع إلى سرعة أعظم، إلى أن حصل عليها.

قلت: أجل هذا واضح من القصة، ولكن ما علاقة التطور بالعمل، ثم ما علاقة ذلك كله بالفقر والتخلف؟

قال: من الخطأ أن تعالج الفقر بوضع مرهم بسيط على جرح من جروحه، ليندمل، أو لتجففه الشمس، ثم تتصور بعد ذلك أنك عالجت الفقير، وقتلت فقره.

قلت: فما علاقة التطوير به.

قال: التطوير يبحث عن استغلال سنن الله أتم استغلال، وهو ما يضمن للفقير وصول رزقه إليه على أتم الوجوه.

قلت: فاضرب لي على ذلك مثالا.

قال: من كان لديه سهل واسع، لا حد لاتساعه، ولديه من القوى، وفي أرضه من منابع الماء ما يكفي لاستغلال ذلك السهل جميعا، لكنه لم يستغل إلا جزءا من ألف ألف جزء منه، ثم راح يشكو الجوع والفاقة، أيعذر في شكواه؟

قلت: كلا، فشكواه لا ترجع إلا إليه، وأحرى به أن يشكو نفسه لا أن يشكو السهل والماء.

قال: فكذلك ما يحث عليه التطوير، فإنه يذكرك بالطاقات التي يختزنها الكون المسخر لتستغلها فتقضي على كل عجز، وتقتل كل فقر، وتسد كل فاقة، وحينذاك لن تطعم جوعك فقط، بل تطعم جوعك وجوع الآلاف من أمثالك، فتتخلق بصفة الرزاق، ويكون تخلقك مفتاحا من مفاتيح القرب.

قلت: إن من قومي من لا يكفيهم مثل هذا الكلام، بل يحتاجون من الأدلة ما ينير لهم الطريق، ويوضح لهم السبل.

قال: لن يعجزك البحث عن أدلة هذا، فالنصوص متظافرة عليه، ألم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب على جذع نخلة في المدينة، فلما كثر المسلمون واستقر لهم الأمر، استدعى نجارا روميا، فصنع له منبراً من ثلاث درجات، فكان يخطب عليه؟

قلت: بلى.

قال: فهذا تطوير في المرافق تطلبته الحاجة التي لا يكفي للوفاء بها المنبر القديم .. وفي استعمال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للنجار الرومي دليل على أن مثل هذه الخبرات ينبغي أن يستفاد فيها بكل من له طاقة ومعرفة بغض النظر عن جنسه ودينه.

قلت: أنت تذكرني بهذا بما حصل في غزوة الأحزاب عندما أشار سلمان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحفر خندق حول المدينة يحميها من الغزاة المشركين، فأعجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم برأيه ونفذه، ولم يقل: هذا من أساليب المجوس، لا نأخذ به.

قال: فقد فهمت إذن أن التطوير من سنن الدين، وليس من بدعه.

قلت: أجل.

قال: فأضف إلى ذلك أن السكون والقعود عن التطور هو البدعة، وإدخال الدين في ذلك تحريف له وحض للثورة عليه.

قلت: كيف؟

قال: ألا تعلم موقف الكنيسة الغربية في العصور الوسطى من موجات التطور العلمي الذي بدأ يهب على سمائها في ذلك الحين؟

قلت: بلى، فقد وقفت منه موقفا عنيفا.

قال: لم؟

قلت: لأن الكنيسة تبنت أفكاراً ونظريات في علوم الجغرافيا والفلك والطب والأحياء وغيرها، وطبعتها بطابع القداسة مما جعلها جزءاً من الدين، فاعتبرت كل مخالفة لها مخالفة للدين.

قال: فاضرب لي على ذلك أمثلة تقنع بها قومك بصدق دعواك.

قلت: لقد ذكر محمد عبده في كتابه (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) من مواقف الكنيسة ورجالها من التطور ما يثير العجب والدهشة.

فقد ذكر أن دي رومنيس جلب إلى روما وحبس حتى مات، ثم حوكمت جثته وكتبه فحكم عليها وألقيت في النار، ولك ذلك بسبب قوله:(إن قوس قزح ليست قوساً حربية بيد الله ينتقم بها من عباده إذا شاء، بل هي من انعكاس ضوء الشمس في نقط الماء)

ولما أظهر (بلاج) رأيه في أن الموت كان يوجد قبل آدم عليه السلام أي أن الحيوانات كان يدركها الموت قبل أن يخطئ آدم بالأكل من الشجرة، قامت لذلك ضوضاء، وارتفعت جلبة، وانتهى الجدال إلى صدور أمر إمبراطوري بقتل كل شخص يعتقد ذلك الاعتقاد.

ولما اكتشف بعض الأميركان تخدير المرأة عند الولادة، حتى لا تحس بألم الطلق، قامت قيامة القسس، لأنه يخلص المرأة من اللعنة أو العقوبة الأبدية التي سجلت عليها في التوراة في سفر التكوين.

قال: فما هي النتيجة التي تحملتها الكنيسة لهذا التشدد؟

قلت: لقد ثارت الجماهير الهائجة على الكنيسة التي وقفت مع الجهل ضد العلم، ومع الخرافة ضد الفكر، ومع الملوك والنبلاء ضد الشعب، وقالت الجماهير قولتها:(اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس)

قال: فهل ترى الدين بعد هذا معارضا للتطور، أم داعية له؟

قلت: بل داعية له، فلو لم يكن فيه إلا ما فيه من حماية من الفقر واستدرار لفضل الله لكفى .. ولكن ما السبيل إليه؟

قال: سر بنا.. وسنرى مفاتيحه.. فما وصل من لم يسر.

مفتاح الحركة

بعد اقتناعي بما قاله المعلم عن التطوير وضرورته فتح لنا بابه.. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى صادفنا باب يتحرك حركات كثيرة مختلفة، وإذا عليه لافتة جميلة تتحرك بحركاته مكتوب عليها:﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ(النمل:88)

فقلت للمعلم: لا شك في أن هذا باب الحركة، فإني أراه يتحرك حركات مختلفة .. لست أدري هل هي منتظمة، أم عشوائية؟

قال: ليس هناك حركة عشوائية في الكون، بل كل ما في الكون منتظم ودقيق، ألم تسمع ما علق باللافتة، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ (لأعراف: 54)).. ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (الانبياء:33)؟

قلت: بلى، قد قرأت كل هذه الآيات، وحاولت فهمها بحسب ما زودنا به العلم الحديث من المعارف ..

قال: فلنبدأ حديثنا إذن عن الحركة من هنا.

قلت: ماذا تقصد؟

قال: هل الأرض مستقرة ثابتة ساكنة أم متحركة متدفقة بالحركة؟

قلت: لكأني بك يا معلم تريد أن تخوض ببي في الجدل الذي غرق فيه البعض من التساؤل عن مدى صحة حركة الأرض.

قال: وهل خيض في هذا؟

قلت: أجل.

قال: ومن خاض فيه؟

قلت: بعض علماء المسلمين.

قال: عجبا، كيف يقال هذا وقد وردت النصوص القرآنية المخبرة عن شكل الأرض والمنبئة عن حركتها، ألم تقرأ ما كتب على لافتة هذا الباب؟

قلت: بلى، فقد كتب عليها قوله تعالى:﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (النمل: 88)

قال: أتدري الأسرار المودعة في هذه الآية.

قلت: نحن نعرف الآن بعضها([34])، فمرور الجبال مر السحاب كناية واضحة علي دوران الأرض حول محورها،‏ وعلي جريها حول الشمس ومع الشمس،‏ لأن الغلاف الهوائي للأرض الذي يتحرك فيه السحاب مرتبط بالأرض بواسطة الجاذبية وحركته منضبطة مع حركة الأرض،‏ وكذلك حركة السحاب فيه،‏ فإذا مرت الجبال مر السحاب كان في ذلك إشارة ضمنية إلي حركات الأرض المختلفة التي تمر كما يمر السحاب‏.‏

قال: وقد دل على هذا المعنى نصوص أخرى، فالله تعالى يقول:﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ﴾ (الزمر: 5)

قلت: نعم، فهذه من الآيات التي يستدل بها العلماء على كروية الأرض، فمعنى ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ أي يغشي كل واحد منهما الآخر كأنه يلفه عليه،‏ وهو وصف واضح الدلالة علي كروية الأرض،‏ وعلي دورانها حول محورها أمام الشمس‏.

قال: وهناك نصوص أخرى غير هذين النصين .. وليس مرادنا أن نتحدث عن هذا، فلهذا محله الخاص من دروس السلام .. ولكني أريد أن أبين لك ما لهذه المسألة من أهمية في السلوك والتربية.

قلت: يا معلم .. هذه النصوص لا علاقة لها بهذا المحل، فهي تذكر في مواضع تأمل خلق الله، أو البرهنة على صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدليل الإعجاز.

قال: ويمكن أن تذكر في آلاف المواضع .. ألم أقل لك إن القرآن الكريم هو كتاب الحقائق .. حقائق الهداية وحقائق السلوك؟

قلت: فما نستفيد من هذه الآيات في هذا الموضع؟

قال: ماذا ينتج عن حركة الأرض؟

قلت: حياة الأرض مرتبطة بحركتها، فلو جمدت لحظة واحدة لصارت من الضعف بحيث يلتهمها هذا الفضاء العظيم.

قال: وكذلك أنتم لما قعدتم عن التطوير، وسكنتم لموروثاتكم تنهلون منها من غير محاولة لفهمها أو لتطويرها تحركت جميع شموس الأرض لتلتهمكم.

قلت: وقد وقع بذلك ما أخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:(يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) قيل:(يا رسول الله فمن قلة يومئذ)، قال:(لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب من قلوب عدوكم لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت)([35])

قال: فماذا قال العلماء في قوله تعالى:﴿ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ (المعارج:40)

قلت: لقد قرأت تفاسير جميلة من علماء عصرنا، فقد أثبت علماء الفلك أن للأرض حركات كثيرة جدا، ولهذا كانت المشارق والمغارب بحسب حركتها ‏.‏

قال: فما الفائدة من هذه الحركات؟

قلت: ينتج عن ذلك تعاقب الليل والنهار،‏ وتبادل الفصول المناخية،‏ فلو ثبتت الأرض لم يحصل هذا التعاقب في الفصول والمناخ.

قال: وهذا ما نريده، فالحركة هي التي أعطت للأرض هذه النعم التي تزخر بها، والتي هي وليدة الليل والنهار وتعاقب الفصول.

قلت: فما الفائدة السلوكية من هذا، وما علاقتها بالحركة، ثم ما علاقة الحركة بالتمدن؟

قال: ألم نقل: إن المؤمن الذي يرى نفسه خليفة لله يتخلق بأخلاق الله في خلقه، فكما أن الأرض لم تنتظم حياتها إلا بحركتها، وانتقالها من حالة إلى حالة، وعدم ثباتها على حالة واحدة، فكذلك حياة الإنسان تموت إن لم ينتقل صاحبها من طور إلى طور، فالثبات موت، والحركة حياة.

قلت: نعم .. لقد ذكرني كلامك هذا بما قال علماء الجيولوجيا عن أصل الأرض، وأنها كانت منذ 200 مليون سنة عبارة عن كتلة واحدة تسمى بانجيا، وكانت تلك الكتلة في بداية تفتتها، أي في بداية الانجراف القاري.

ومنذ 135 مليون سنة تفتتت أجزاء البانجيا إلى كتلة أرضية شمالية تسمى لوراسيا، كونت الهند مساحة منفصلة، والكتلة الأرضية الجنوبية عُرفت باسم جوندوانالاند.

ومنذ 65 مليـون سـنة بـدأت الكتـل الأرضيـة تشـكـّل القـارات المعروفـة بأشـكالها الحالية. وكـانت تلـك القارات تتحرك في اتجاه مواقعها الحالية، ولم تكن الهند قد التصقت بعد بآسيا.

قال: فلو أن ما تسمونه بالبانجيا لم تتحرك لتتتشكل القارات، أكان يمكن للأرض أن تصير بهذه الصورة؟

قلت: لا.

قال: فقد جعل الله تعالى بحكمته ورحمته لطفه ورزقه في ضمن الحركة، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا)([36])

قلت: فما علاقة الحركة بالتمدن؟

قال: الحركة هي أصل التمدن ومنبعه، فالخامل لا يفكر في أن يتطور، بل يرضى بما هو عليه، بل يحسب التطور عبئا يثقل ظهره بالمسؤوليات.

قلت: نحن نتحدث عن السعي للخروج من التخلف والفقر يا معلم.

قال: ونحن نتحدث عن الباب الذي يعرف العاملين كيف يتعاملون مع قوى الكون لاستغلالها والاستفادة منها، والعامل الخامل الراضي بما هو فيه، الذي لا يحاول التغيير، ولا يفكر في التغيير عامل ميت مصيره إلى الفقر، ومصير جهده الفشل.

قلت: ولكن الثبات محمود ..؟!

 قال: الثبات على الحق والمبدأ، لا ثبات الماء الآسن ..

 

مفتاح الهمة

بعد أن فتح لنا باب الحركة سرنا مدة من الزمن إلى أن صادفنا باب آخر كتب عليه: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ (التحريم: 11)، فتعجبت من هذه الكتابة، فقلت للمعلم: ما محل هذه الآية هنا؟

فقال: هذه الآية آية الهمم العالية.

قلت: وما الهمم العالية؟

قال: هي الهمم التي لا تتوقف عندها المطالب، ولا تنقضي عندها الحاجات، ولا تسكن إلى شيء، ألم تقرأ ما قال ابن عطاء الله في حكمه؟

قلت: تقصد قوله:(لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى يسير، والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون)

قال: نعم، فهذه حكمة جليلة تبين غاية الحركات ومنهجها، وقد كانت تتمثل في صدر امرأة فرعون عندما رفعت يديها بهذا الدعاء.

قلت: لقد قال العلماء: إنها اختارت الجار قبل الدار، فلم تقل:(ابن لي بينا في الجنة)، بل قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ (التحريم: 11)

قال: وتلك هي الهمة العالية، فلا يكفي أن تتحرك، فكل شيء يتحرك، وإنما اجعل حركتك منتظمة كحركة الوجود، لتصل إلى حقائق الوجود، وتسخر ما تحتاجه من الوجود.

قلت: فالحركة ليست مقصودة لذاتها إذن.

قال: وحركة كل شيء ليس مقصودة لذاتها، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ (لنجم:42).. ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (يّـس:38)

قلت: فما المقصد إذن؟

قال: المقصد هو الترقي، فمن رضي بحالته وسكن لها، ولم يتحرك في سبيل تغييرها لا يحق له دخول هذه العوالم، ألم تسمع ما روي عن عمر بن عبد العزيز عندما تغير حاله بعد توليه الحكم، فقد كان قبلها تشترى له الحلة بألف دينار، فيقول:(ما أجودها لولا خشونة فيها!) فلما صار حاكما كان يشترى له الثوب بخمسة دراهم فيقول:(ما أجوده لولا لينه) فقيل له:(أين لباسك ومركبك وعطرك يا أمير المؤمنين؟)، فقال:(إن لي نفسا ذواقة، وإنها لم تذق من الدنيا طبقة إلا تاقت إلى الطبقة التي فوقها حتى إذا ذاقت الخلافة، وهي أرفع الطباق، تاقت إلى ما عند الله عز وجل)

قلت: رحمه الله، ليت من ولي أمرنا يرتقي إلى هذا، أو يتوق إليه.

قال: وبم يحلم من ولي أمركم، ولم يطمح؟

قلت: من ولته الأمة أمرها عاما يود لو أضاف أعواما، فإن استقر به المقام طمحت همته لأن يولي ولده، فإن استقر له كل ذلك قام بنزع كل شوكة قد تؤذي من يستخلفه من المعارضين والمخالفين.

قال: ثم تتساءلون عن أسباب فقركم .. فكيف يتفرغ الحاكم لإصلاح الرعية إن انشغل بنفسه!؟

قلت: فالطريق إذن هي الثورة .. لا حل غيرها.

قال: أنسيت أنك تتعلم السلام .. ثم قل لي ماذا تجدي الثورة، سيقتل بعضكم بعضا، وسترتد بلادكم والقهقرى، وسيتضاعف عدد الفقراء، وسينتقل الحاكم بعدها من حاكم له مجلس شورى إلى دكتاتور يقمعكم بقوانين الطوارئ.

قلت: فالحل البسيط إذن أن نسأل الحاكم في أول يوم يتولاه عن طموحاته جميعا، ونعاهده على السمع والطاعة لها، ونشترط عليه أن يتفرغ لنا.

قال: انصحهم بذلك، فذلك أصلح لكم، ولكن لا أراهم يستجيبون.

قلت: لم، وقد تحقق لهم كل ما يريدون من غير أي عناء.

قال: وأين لذة النصر التي يذوقونها يوم يقضون على أعدائهم واحدا واحدا، ويتم لهم الأمر؟

قلت: وما الحاجة إلى ذلك؟

قال: ألم أقل لك: إن الصراع لا يشتهي السلام، وإن النفس المريضة المظلمة لا ترضى لبصيص النور أن يشع في جوانبها.

قلت: فما الحل؟

قال: الهمة، فهي مبدأ السلام، كما أنها مبدأ الترقي.

قلت: وما الهمة، وكيف أتحقق بها؟

قال: الهمة هي أن تكون مطالبك من الله بقدر جوده، ومن الكون بقدر سعته، ومن الحقيقة بقدر جمالها .. فلا تقنع بما يقنع به الكسالى المخلدون إلى الأرض.

قلت: لكأني بك تشير إلى قوله تعالى:﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون (لأعراف:176)

قال: نعم، فهذا الأحمق المغفل باع رضوان الله، والرفعة التي أوتيها بالعلم ببعض الدنيا لا ينفعه وجوده ولا يضره فقده، فصار بعد أن كان في علياء العلماء يشبه بالكلب، بل يشبه بالكلب اللاهث وراء السراب.

قلت: يا معلم، لكأنك تذكرني بنفر من قومي صرفت عليهم أموال الشعب الطائلة، فلما ارتووا من علم بلدهم، أرسلهم الشعب إلى بلدان أخرى ينهلون من علمها، فلما ذهبوا وأنسوا بأجوائها سكنوا فيها وإليها، وعافوا أن يعودوا إلى بلادهم.

قال: فذكرهم بما فعل (تاكيو أو ساهيرا)

قلت: ما هذا الاسم الغريب، وفي أي أمة من الأمم .. وأخيرا سنسمع أخبار الأمم السوالف، وسنرتوي من تواريخهم .. هات ..  يا معلم .. حدثنا..

قال: ما أغربكم، وما أغرب ولعكم بالأساطير .. إن (تاكيو أو ساهيرا) رجل منكم معاصر لكم.

قلت: فكيف علمت به؟

قال: علمت به لهمته العالية، ولولا همته العالية ما شغلت نفسي به كما لم أشغلها بكثير من أبناء جلدتك.

قلت: فحدثني عن خبره.

قال: هذا رجل كتب له أن يغير تاريخ أمته، ويجعلها في مقدمة الأمم، إنه رجل ابتعثته اليابان إلى هامبورغ بألمانيا لدراسة أصول الميكانيك العلمية، وكانت كل أمنيته أن يتمكن من صناعة محرك صغير، ولكنه فوجئ بأن أساتذته في الجامعة يكتفون بتدريس الأمور النظرية فقط، وكان على وشك أن ينال شهادة الدكتوراه، ولكنه لهمته العالية لم يقتنع بتلك الدرجة العلمية..لقد كان طموحه أعظم من أن يحصره في ورقة مزخرفة يعلقها على جدار بيته، أو يتغير لقبه الاجتماعي بدلها.

قلت: مثل هذا قد ينعته قومي بالأحمق .. كيف يرضى أن يترك الانشغال بهذه الشهادة التي تقدم صاحبها في المحافل؟، بل تحول من نهيقه صوت عنادل، ومن زئيره سلام غزلان.

قال: لكنه كان في منتهى الذكاء والفطنة، لقد رأى زملاءه المستغرقين في ملء ما تتطلبه تلك الدرجة من صفحات كما يرى الكبير انشغال الأطفال بما تتطلبه ألعابهم من تصرفات.

قلت: فما الذي فعله، بدل انشغاله بالدكتوراه؟

قال: لقد ظل يبحث عن حل للغز المحرك .. وفي يوم من الأيام طالع خبراً في إحدى الصحف يتحدث عن معرض لمحركات إيطالية الصنع، وبسرعة توجه للمعرض، وهناك اشترى محركاً بكل راتبه.

قلت: وهذه هي التضحية، وهي عندنا قد تكون مرادفة للغباء.

قال: وعندما وضعه على المنضدة بحجرته أخذ يقول لنفسه:(هذا هو سر قوة أوروبا لو استطعت أن أصنع محركاً كهذا، لغيرت اتجاه تاريخ اليابان)

قلت: فهو لم يفكر في نفسه إذن، بل كان يفكر في قومه.

قال: وهذا من الهمة العالية أيضا، فصاحب الهمة العالية لا يرضى بأن ينجح هو ويرسب غيره، ولا أن يحيا هو ويموت غيره.

قلت: ثم ماذا؟

قال: بعد أن اشترى  (تاكيو أو ساهيرا) المحرك بدأ العمل الدؤوب، وكان عليه أن يفك كل أجزاء المحرك، ويرسمها، ثم يعيد تركيبه من جديد بحيث يعمل مرة ثانية ..

وبعد ثلاثة أيام من الجهد المضني كان له ما أراد، واشتغل المحرك، فكاد قلبه يقف من الفرح، وأبلغ رئيس بعثته بالنبأ السار، فطلب منه إصلاح محرك متعطل، وقد استطاع بعد عشرة أيام من العمل المتواصل أن يصلح المحرك، وكان عليه بعد ذلك أن يصنع أجزاء المحرك بنفسه، ولهذا التحق بمصانع لصهر الحديد والنحاس والألومنيوم.

قلت: أرضي لنفسه أن يلتحق بهذه المصانع بدل التدريس في مدرجات الجامعات.

قال:  لقد ارتدى البدلة الزرقاء، وراح يخدم عامل صهر المعادن الذي يعلمه رغم أنه من أسرة يابانية عريقة (أسرة ساموراي)، لقد ظل أو ساهيرا في عمله وتعلمه هذا لمدة ثماني سنوات، كان يعمل خلالها ما بين عشر وخمس عشرة ساعة في اليوم.

قلت: فهل كوفئ على هذا الجهد المتواصل العظيم.

قال: صاحب الهمة العالية لا ينتظر المكافآت، ولا تحركه المكافآت، ومع ذلك، فقد علم إمبراطور اليابان بأمره، فأرسل له من ماله الخاص خمسة آلاف جنيه إنجليزي ذهباً.

قلت: هذه مكافأة عظيمة تكفيه لشراء سيارة وبناء بيت.

قال: أهذه كل أحلامكم، وهذا منتهى همتكم، لقد اشترى (تاكيو أوساهيرا) بها أدوات مصنع محركات كاملة وآلات وشحنها لليابان من راتبه ومن كل ما ادخره، وعند وصوله إلى ناغازاكي أخبر بأن الإمبراطور يريد مقابلته، فاعتذر قائلاً:( لن أستحق مقابلته إلا بعد أن أنشئ مصنع محركات كامل)

قلت: لقد ذكرتني بقول يوسف عليه السلام عندما طلبه الملك:﴿ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 50)

قال: لقد كان يوسف عليه السلام يطمح لأن يولى خزانة مصر لينقذها وينقذ البلاد المحيطة بها من شر المجاعة المتوقعة، فلذلك طلب أن تبرأ ساحته، حتى لا يصير عرضة لانتقادات الخصوم، ولولا ذلك ما رضي أن تفضح المرأة، ولا أن تستدعى للمحاكمة.

قلت: ألهذا إذن قال صلى الله عليه وآله وسلم:(.. ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي)([37])، وفي رواية:(لو كنت أنا لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر)([38])

قال: أجل، فالضرورة التي استدعتها المصلحة العامة هي التي ألحت على يوسف عليه السلام في طلب العذر، ولولاها ما طلبه.

قلت: فواصل حديثك عن صاحب الهمة الياباني.

قال: كان لهذا الشاب ما أراد بعد تسع سنوات من العمل المتواصل والجهد الجبار، وعندما سمع الإمبراطور أصوات أول محركات من صنع اليابان فقط تبسم قائلاً:(هذه أعذب موسيقي سمعتها في حياتي، صوت محركات يابانية خالصة)

وهكذا استطاع تاكيو أو ساهيرا أن يحقق حلم حياته، وأن ينقل قوة الغرب إلى موطنه الغالي([39]).

قلت: فما السبيل إلى الهمة .. ألسنا نتعلم السلام العملي؟

قال: أربعة أركان لا تقوم الهمة ولا تتحقق إلا بها.

قلت: فما هي؟

قال: ستعرفها عندما نرحل إلى القوى العظمى، فإن لحديثها شؤونا.

قلت: ومتى نرحل إلى القوى العظمى .. فإني مشتاق لزيارة مدن أميركا وأوروبا.

قال: ماذا تقصد؟

قلت: القوى العظمى.

قال: أنت لا تفهم ما القوى العظمى.

قلت: فاشرحها لي.

قال: عندما يحين حينها.

قلت: ومتى يحين حينها؟

قال: عندما تقهر أسباب الضعف من نفسك.

قلت: لقد قهرت تنين الألم، وقهرت غول الفقر، وأنا الآن أحاول أن أقهر شبح التخلف.

قال: ولا زالت غيلان أخرى في انتظارك، ولا يمكنك أن تصل إلى القوى العظمى قبل قهرها.

مفتاح السنن

بعد أن فتح لنا باب الهمة سرنا مدة من الزمن إلى أن صادفنا باب آخر كتب عليه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 62)

فقلت للمعلم: لا شك أن هذا هو باب السنن، فالآية المكتوبة على لافتته تشير إليه.

قال: نعم، فالسنن مفتاح من مفاتيح التمدن، كما أنها مفتاح من مفاتيح الكمال.

قلت: فما السنن؟ وماذا نفتح بها؟ وكيف نتعرف عليها؟

قال: هذا بحث طويل، فلا تتخل عن السنن عندما تريد أن تبحث عن السنن.

قلت: فما سنن البحث عن السنن؟

قال: التأني، وعدم الاستعجال، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (القيامة:16)

قلت: بلى، فلنبدأ أولا من ربط السنن بما قبلها من أبواب.

قال: من أراد أن يتطور يبدأ أولا بنفسه، فيحركها من خمولها، ويوقظها من غفلتها، ويقطع عنها نوم الجمود الذي استحلته.

قلت: لقد عرفنا هذا في باب الحركة.

قال: وهو باب من أبواب السنن، فقد قال تعالى معبرا عن هذه السنة:﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ (الرعد: 11)، وقال معبرا عنها:﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران:165)

قلت: فإذا جاوز باب الحركة؟

قال: فإذا تم له ذلك، واستيقظت نفسه، وتحركت طالبها بالحركة المنظمة الهادفة الصحيحة.

قلت: وقد عرفنا ذلك في باب الهمة.

قال: وهي باب من أبواب السنن، فلا يمكن أن يتحقق أي نجاح بلا همة، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (لأعراف:169)

قلت: فالله ينعى عليهم تمسكهم بالأدنى، وانشغالهم به، وقعودهم عن طلب المعالي، ثم تصورهم أنهم سيصلوا إليها بقعودهم.

قال: ولكن سنن الله تأبى عليهم ذلك، ألم يقل الله تعالى:﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ (النساء:123)؟

قلت: فإذا ما جاوز باب الهمة؟

قال: فإذا تم له ذلك احتاج إلى أن يتعامل مع الأشياء ليطورها.

قلت: نعم، فالتطوير يحتاج إلى ذلك.

قال: وحينذاك يقع بين أمرين: إما أن يلجأ إلى السنن الإلهية يتعرف عليها ويستنبط منها ما يحتاجه فيتعامل وفقها، وإما أن يحاول خرقها، إرضاء لهمته العالية، فتطحنه سنن الله التي طحنت كل من يخالفها، ألم تقرأ ما كتب على لافتة الباب؟

قلت: بلى، قوله تعالى:﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 62)

قال: فكل من تجرأ على خرق قوانين الله حاق به ما حاق بكل من خرق القوانين.

قلت: أتقصد أن خرق قوانين الله يؤدي إلى نفس العقوبات التي تطبق على من يخرق قوانين البشر؟

قال: بفارق بسيط وعظيم، وهو أن عقوبات الله بعدل ورحمة، بخلاف عقوباتكم، فهي جور وقسوة.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أما علاقة عقوبات الله بالرحمة، فلها تفاصيل كثيرة، ستعرفها في (أسرار الأقدار)، أما علاقتها بالعدل، فقل لي: لو أنك وضعت يدك على تيار كهربائي، ماذا يحصل لك؟

قلت: لا شك أنه سيصعقني وسيؤذيني.

قال: فلو وضع أعظم أهل الأرض جاها،وأكثرهم جيوشا يده عليه، فهل يحل به ما حل بك؟

قلت: لا شك في ذلك، فلا علاقة لجيوشه ولا قواه بذلك؟

قال: فهذه سنة من سنن الله استوى فيها الوجيه والوضيع .. وذلك هو العدل.

قلت: لم أفهم.

قال: إن الله تعالى جعل بحكمته للتيار الكهربائي هذه الخاصية عند ملامسة الأجساد له، وهي بذلك قانون من قوانين الكون اللامتناهية، فهي تطبق على الجميع بلا استثناء.

قلت: إلا إذا شاء الله أن يخرقها لمن شاء كما خرق قانون الحرق لإبراهيم عليه السلام.

قال: حتى ذلك الخرق لم يجعله الله تعالى خرقا مطلقا، بل هو ضمن سنن الله.

قلت: كيف؟

قال: المعجزة هي تحقق شيء على خلاف العادة، بأسباب العادة، لأنها ليست أسبابا حقيقية.

قلت: كيف؟ لم أفهم.

قال: سنضرب مثال النار الذي ذكرته، وسنبين أنه مع كونه خارقة إلا أنه ينتظم سنة من سنن الله، وسنن الله لا تبدل.

قلت: أنت تريد أن تقلب الحقائق.

قال: بل ما أقوله هو الحقائق.

قلت: ففسر لي هذا.. فسر لي سر قوله تعالى:﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (الانبياء:69)

قال: هذه الآية تقول لهذه الأمة:(يا ملة ابراهيم! اقتدوا بابراهيم! كي يكون لباسكم لباس التقوى، وهو لباس ابراهيم، وليكون حصناً مانعاً ودرعاً واقياً في الدنيا والآخرة تجاه عدوكم الاكبر، النار، فلقد خبأ سبحانه لكم مواداً في الارض تحفظكم من شر النار، كما يقيكم لباس التقوى والايمان الذي ألبستموه أرواحكم، شر نار جهنم.. فهلموا واكتشفوا هذه المواد المانعة من الحرارة واستخرجوها من باطن الارض والبسوها)([40]) 

قلت: بالفعل لقد اكتشفت مواد كثيرة لها القدرة على التغلب على قوة النار الحارقة، ولا زال التطوير مستمرا، وهو بذلك يوفر فرصا كبيرة لرجال المطافئ.

قال: وهكذا وجد الإنسان حصيلة بحوثه واكتشافاته مادة لا تحرقها النار، بل تقاومها فيمكنه أن يصنع منها لباساً وثياباً.

قلت: هذا فتح جديد في فهم القرآن الكريم، ألا يمكن أن يعتبره إخواننا الحريصون على صفاء الشريعة والذابون عن سنة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بدعة، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)، وفي رواية:(من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)([41])

قال: لا لم يقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا، بل ذلك الرأي المجرد عن العلم، أما الإشارات القرآنية فهي من سماع كلام الله، والله أمرنا بسماع كلامه لا مجرد قراءته ..

قلت: فالقرآن الكريم إذن لا يقصد بذكر المعجزات كونها أدلة للنبوة فقط؟

قال: بل ذلك هو مقصده الأصلي، فالمقصد الأصلي هو ظاهر القرآن الكريم، ولكن لا يمنع ذلك الظاهر من فهم قد يطرق سمع امرئ يفتح الله عليه به آفاقا من المعرفة.. ألا تعرف الفرق بين العالم المحقق والعامي البسيط؟

قلت: العالم يبحث، والعامي يقلد.

قال: العالم يتساءل ويشك ويرى للأشياء وجوها مختلفة، والعامي لا يرى إلا شيئا واحدا.

قلت: ما فائدة هذا، لعلي بك تستطرد.

قال: لا .. عندما رأى نيوتن التفاحة استفاد من سقوطها علما أفاد به كثيرا، فهل كان أول من رأى تفاحة تسقط.

قلت: كلهم رأوا ذلك.

قال: ولكنه لم يستفد من سقوطها إلا من تساءل عن سر سقوطها.

قلت: ما معنى هذا؟

قال: إن سنن الله المبثوثة في الكون أو في القرآن الكريم لن تفقهها حتى تتخلص من حجب الاعتياد التي تجعلك تحتقرها بدون أن تشعر.

قلت: اشرح لي ذلك.

قال: فلنعد إلى القرآن الكريم، ولنستمع إلى قوله تعالى:﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ (سـبأ: 12)

قلت: إن أذنت لي يا معلمي فسأذكر لك فيها ما يمكن أن نستفيده منها بحسب ما تعلمت منك.

قال: يسرني ذلك.

قلت: يخبر الله تعالى عن النعم التي وهبها سليمان عليه السلام، ومنها تسخير الريح له تحمل بساطه غدوها شهر ورواحها شهر.. هذا منطوقها .. أما إشارتها فهي تشير الى أن الطريق مفتوح أمام البشر لقطع مثل هذه المسافة في الهواء.. وهي بذلك تحث على البحث عن القدرات المخزنة في الهواء لاستغلالها في قطع المسافات.

قال: صدقت في هذا ..  بل إن الله تعالى يقول في معنى هذه الآية الكريمة:(إن عبداً من عبادي ترك هوى نفسه، فحمّلتُه فوق متون الهواء، وأنت ايها الانسان! ان نبذت كسل النفس وتركته، واستفدت جيداً من قوانين سنتي الجارية في الكون، يمكنك أيضاً أن تمتطي صهوة الهواء) ([42]) 

قلت: فاذكر لي مثالا آخر.

قال: قوله تعالى:﴿ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّه﴾ (آل عمران: 49)

قلت: هذه الآية تذكر معجزة من معجزات عيسى عليه السلام وهي معجزة إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى .. فماذا تسمع منها ؟

قال: القرآن الكريم اذ يحث البشرية صراحة على اتباع الاخلاق النبوية السامية التي يتحلى بها سيدنا عيسى عليه السلام، فهو يرغّب فيها ويحض عليها رمزاً الى النظر الى ما بين يديه من مهنة مقدسة وطب رباني عظيم.

قلت: فما تقول لنا هذه الآية؟

قال: هذه الآية الكريمة تشير الى: أنه يمكن أن يُعثر على دواء يشفي أشد الأمراض المزمنة والعلل المستعصية، (فلا تيأس أيها الانسان، ولا تقنط أيها المبتلى المصاب، فكل داء مهما كان له دواء، وعلاجه ممكن، فابحث عنه، وجِدْه، واكتشفه، بل حتى يمكن معالجة الموت نفسه بلون من ألوان الحياة الموقتة)([43]) 

قلت: ماذا تقصد بالضبط؟ أو كيف تطبق هذه الإشارة؟

قال: الله تعالى يقول بالمعنى الاشاري لهذه الآية الكريمة:(لقد وهبتُ لعبد من عبادي تَركَ الدنيا لأجلي، وعافها في سبيلي، هديتين: احداهما دواء للاسقام المعنوية، والأخرى علاج للأمراض المادية.. فالقلوب الميتة تُبعث بنور الهداية، والمرضى الذين هم بحكم الاموات يجدون شفاءهم بنفث منه ونفخ، فيبرأون به، وأنت أيها الانسان بوسعك أن تجد في صيدلية حكمتي دواء لكل داء يصيبك، فاسعَ في هذه السبيل، واكشف ذلك الدواء فإنك لا محالة واجده وظافر به) ([44]) 

وهكذا ترى كيف ترسم هذه الآية الكريمة أقصى المدى وأبعد الأهداف التي يصبو اليها الطب البشري من تقدم.

قلت: فاضرب لي مثالا آخر.

قال: فلنستمع إلى قوله تعالى:﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (سـبأ: 10)

قلت: هذه الآية تذكر ما من الله تعالى به على داود عليه السلام من تليين الحديد، وقد اختلف العلماء، هل كان ذلك من المعجزات أم لا .. فما رأيك يا معلم في الأرجح من هذا الخلاف؟

قال: وما يفيدك أن تعلم أن هذا كان معجزة، أو لم يكن معجزة؟

قلت: علم أتعلمه.

قال: وخير منه علم تعمل به ..

ثم سكت هنينهة وتنفس الصعداء، ثم قال: ليت الجهود التي ضيعتموها في الصراع والبحث عن الراجح والمرجوح، ضيعتموها في العمل، وفي علم العمل.

قلت: ما تقصد؟

قال: إن الله تعالى ذكر الحديد في القرآن الكريم، وأكثر من ذكره، وقرنه بإرسال الرسل، وعبر عن خلقه بالإنزال، فقال تعالى:﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد:25)

وأخبر عن استغلال عبده الصالح ذي القرنين له، فقال تعالى على لسانه:﴿ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ (الكهف:96) .. أجبني لماذا أولاه القرآن الكريم هذه الأهمية؟

قلت: لا شك في أهمية الحديد، فهو أساس الصناعة.

قال: فالله تعالى ينبهنا إلى هذا .. إلى استغلال هذا الخلق للتقدم .. لا للجدل في نوع اللين الذي حصل لداود عليه السلام.

قلت: فكيف سمعت يا بديع الزمان آية قوله تعالى:﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (سـبأ: 10)؟

قال: إن تليين الحديد نعمة إلهية عظمى، اذ يبين الله به فضل نبيٍ عظيم. فتليين الحديد وجعله كالعجين، واذابة النحاس وايجاد المعادن وكشفها هو أصل جميع الصناعات البشرية، واساسها. وهو أم التقدم الحضاري من هذا الجانب ومعدنه.

فهذه الآية تشير الى النعمة الإلهية العظمى في تليين الحديد كالعجين وتحويله اسلاكاً رفيعة وإسالة النحاس، واللذان هما محور معظم الصناعات العامة، حيث وهبها الباري الجليل على صورة معجزة عظمى لرسول عظيم وخليفة للارض عظيم. فما دام سبحانه قد كرم مَن هو رسولٌ وخليفة معاً، فوهب للسانه الحكمة وفصل الخطاب، وسلّم الى يده الصنعة البارعة، وهو يحض البشرية على الاقتداء بما وهب للسانه حضاً صريحاً، فلابد أن هناك إشارة ترغّب وتحضّ على ما في يده من صنعة ومهارة([45]).

قلت للمعلم: فما الطريق للتعرف على سنن الله؟

قال: البصر والبصيرة.

قلت: ما البصر؟ وما البصيرة؟

قال: البصر الحس الظاهر، والبصيرة الحس الباطن.

قلت: تقصد العقل والحس.

قال: أقصد العقل والعقول، والحس والأحاسيس.

قلت: أراك تقترب، ثم تبتعد، وتبسط، ثم لا تفتأ حتى تعود للتعقيد.

قال: هذا علم آخر من علوم السلام ستعرفه في محله.

قلت: فلم ذكرته الآن؟

قال: لم أذكره .. وإنما بذرته.

قلت: ولم؟

قال: لتسقيه بدموع الشوق، وتدفئه بحرارة الحب، وعندما ينضج البذر، ويطل ببرعمه سيرى الحقيقة.

قلت: متى؟

قال: الزمان جزء من سنن الله، فلا تتخطاه، واسمع جيدا قوله تعالى:﴿  وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (طـه: 114)، فقد قرن الله بين النهي عن الاستعجال والزيادة في العلم، ليخبر أن عجلتك تحول بينك وبين التحقيق في العلم.

مفتاح الزمن

بعد أن فتح لنا باب السنن سرنا مدة من الزمن إلى أن صادفنا باب آخر كتب عليه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (قّ:38)

قلت للمعلم: هذا باب الزمن؟

قال: نعم، فالزمن جزء من العلاج .. ولا يمكن أن تسير قدما في لحظة واحدة ..

قلت: إن من قومي من يقتلهم العجز، وهم يسندون عجزهم إلى الزمن.

قال: كيف؟

قلت: يواصل أحدهم نوم الليل بالنهار، ثم لا يصرف من نهاره إلا جزءا ضئيلا جدا، ثم يتعلل بالزمن.

قال: وما يقولون؟ وكيف يستدلون؟

قلت: يقولون ما تقول من أن الزمن جزء من العلاج.

قال: الزمن جزء من العلاج لمن يعالج لا لمن يقعد .. أرأيت لو أن طبيبا أعطاك دواء لتتناوله شهرا، فقعدت دون أن تتناوله تنتظر مضي الشهر ليحصل لك الشفاء .. فهل سيحصل لك الشفاء بعد مضي الشهر؟

قلت: كلا .. بل لعل حالتي ستتردى، فبراعم الجراثيم التي غفلت عنها طيلة الشهر ستصبح أشواكا تقتلني بسمومها.

قال: فالزمن بهذا ليس جزءا من العلاج، وإنما هو جزء من المشكلة.

قلت: نعم.

قال: فهو سلاح ذو حدين كسائر الأسلحة.

قلت: نعم .. ولكن متى يكون سلاحا نافعا؟

قال: إذا استعان بالسنن، فالسنن هي الدواء، ومن لم يستعمل الدواء أكله الداء، أو قتلته الأدواء.

قلت: فكيف يكون الزمن سببا من أسباب الترقي والتطور؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ (الفرقان:62)؟

قلت: إن الله تعالى يمن في هذه الآية على عباده أنه جعل الليل والنهار يتعاقبان توقيتاً لعبادة عباده، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل، وقد قال ابن عباس  في الآية:(من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار، أو من النهار أدركه بالليل)

قال: فهذه الآية إذن تضع الفرص الزمانية أمام العباد ليترقوا، وكأنها تقول لهم:(لم يفتكم شيئ، فما فاتكم يمكن أن تستدركوه)، وقد نص صلى الله عليه وآله وسلم على هذا التبشير الذي تحمله الآية، فقال:(إن اللّه عزَّ وجلَّ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)([46]) 

قلت: لكأن الآية تدعونا إلى تجديد حياتنا في كل لحظة.

قال: بل تدعونا إلى ميلاد جديد في كل لحظة، فلا يمكن أن نبقى مزبلة تتكوم على أرواحنا أكوام النجاسات.

قلت: هذا كلام جميل، فكثيرا ما نعيش الماضي، ونتألم الماضي، فنصير ضحايا الماضي.

 قال: وهذا خلاف ما يدعوكم إليه القرآن الكريم، فقد قال تعالى:﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾ (الحديد: 23)

قلت: فما العلاج يا معلم؟

قال: التخطيط للزمن المستقبل، فتجعل حياتك كتابا موقوتا.

 قلت: كأني بك تسمع قوله تعالى:﴿ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ (النساء: 103)

قال: نعم، فالصلاة هي المؤمن، والمؤمن هو الصلاة، فما دامت الصلاة كتابا موقوتا، فالمؤمن كتاب موقوت، ألم تسمع ما قال تعالى في وصف عباده الصالحين وعلاقتهم بالليل.

قلت: بلى، فالله تعالى يثني على علاقتهم بالليل ثناء حسنا، فقد قال تعالى فيهم:﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ (الفرقان:64)، وقال:﴿ كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذريات:17 ـ 18)، وقال:﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (السجدة:16)

قال: فليلهم كنهارهم حي عامر يملتئ حياة.

قلت: وهل يمكن أن تمتلئ حياة امرئ موتا؟

قال: نعم، عندما يعيش في السراب، باحثا عن السراب، لاهثا وراء السراب.

قلت: لقد ذكرتني، يا معلم، بقول الشاعر:

يخبرني البواب أنك نائم       وأنت إذا استيقظت أيضا فنائم

قال: فكذلك الغافلون، نومهم كنهارهم لا ينتفعون بهما.

قلت: فكيف أعمر وقتي بالحياة؟

قال: بالهمة.

قلت: ولكن الهمة مضى الحديث عنها.

قال: لم يمض، الهمة ستجدها في كل باب، وفي كل معراج، وفي كل بحر، فلا يمكنك أن تسلك سبل السلام وتعرج إلى دار السلام إلا بالهمة العالية، فهي الجناح الذي تطير به، وهي السفينة التي تبحر بها، وهي المفتاح الذي تفتح به غوامض الحقائق، والشيفرة التي تحل بها أسرار الوجود.

قلت: فكيف السبيل إلى الهمة؟

قال: فلنعد إلى أولئك الخاشعين الذي تركوا الفراش الوثير والنوم الهادئ وراحوا يفترشون أقدامهم تزلفا إلى الله .. ما الذي حركهم؟

قلت: أروي في ذلك أبياتا، واحفظ في ذلك قصصا.

قال: فما الأبيات؟

قلت: قال ذو النون المصري:

منع القران بوعده ووعيده  مقل العيون بليلها أن تهجعا

فهموا عن الملك الجليل كلامه فرقابهم ذلت إليه تخضعا

وقال آخر يصف الصالحين:

إذا ما الليل أظلم كابدوه       فيسفر عنهم وهم ركوع

أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع

قال: فما الحكايات؟

قلت: حكى أن غلاما بالبصرة اسمه صهيب، كان يقوم الليل كله، فقالت له سيدته:(إن قيامك بالليل يضر بعملك بالنهار)، فقال:(إن صهيبا إذا ذكر النار لا يأتيه النوم)، وقيل لغلام آخر، وهو يقوم كل الليل فقال:(إذا ذكرت النار اشتد خوفي، وإذا ذكرت الجنة اشتد شوقي، فلا أقدر أن أنام)

قال: فقد أجبت إذن على سؤالك.

قلت: تعني أن الحقائق التي آمنوا بها فتغلغلت في كيانهم هي التي جعلتهم يستهينون بتلك المتاعب التي تكابدها أعينهم بالسهر وأرجلهم بالقيام.

قال: لا، بل إن الحقائق التي كانوا يعيشونها جعلتهم يستحلون افتراش أقدامهم لله، فهم لم يتكلفوا في تلك الحال، بل كانوا يتنعمون، ألم تقرأ أخبارهم مع الليل؟

قلت: بلى، فقد كانوا يحبون الليل ويحنون شوقا إليه، وقد قيل لبعضهم:(كيف أنت والليل؟)، فقال:(ما راعيته قط، يريني وجهه، ثم ينصرف وما تأملته بعد)، وقال آخر:(أنا والليل فرسا رهان، مرة يسبقني إلى الفجر، ومرة يقطعني عن الفكر)، وقيل لبعضهم:(كيف الليل عليك؟) فقال:(ساعة أنا فيها بين حالتين، أفرح بظلمته إذا جاء، وأغتم بفجره إذا طلع، ما تم فرحى به قط)، وقال آخر:(منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر)، وقال آخر:(ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة)

قال: وأقوال أخرى كثيرة تنبئ عن فرحهم به.

قلت: يا معلم لكأني بنا تهنا مع أهل الليل عن أهل النهار؟

قال: ما تقصد؟

قلت: ألم يجعل الله النهار للمعايش، فقال:﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً﴾ (النبأ:11)؟

قال: لم نته، بل نحن نسترشد بأهل الليل لنعرف ما نعمل بالنهار.

قلت: كيف؟

قال: أهل الليل كانت لهم همة هي الترقي إلى الله، والصعود في معارج العرفان، وقد تم لهم من ذلك الكثير، ومن نجح في الليل لن يعجز أن يدلنا على النجاح في النهار.

قلت: اشرح لي، فإني لا أكاد أفهم.

قال: أهل الليل كانت لهم همة عالية، وكان لهم ما يثير تلك الهمة من الأشواق، فتحقق لهم ما أرادوا من التنعم بالتعب، والتلذذ بوطأة الليل.

قلت: فكيف نسترشد بهذا في نهار المعايش؟

قال: عندما تكون لنا أشواق الترقي عن الحضيض، والسمو عن السفاسف، والتحليق في أجواء الكمال حينها سنمتطي صهوة الزمن للعروج في معارج التمدن.

قلت: أتعني أن الشوق هو بذر الطريق.

قال: الشوق هو البذر، والزمن هو الكفيل بإنبات ذلك البذر.

قلت: فإلى أي معارج نرتقي؟

قال: ألستم متخلفون؟

قلت: بلى، بل في أرذل درجات التخلف.

قال: هذا شيء جميل.

قلت: كيف يكون شيئا جميلا، أتحسب ما نحن فيه كمالا؟

قال: لا أقصد هذا، ولكني أقصد أن شعوركم بتخلفكم شيء جميل.

قلت: لم؟

قال: لأنه سينفخ فيكم الألم الذي يجعلكم تثورون على تخلفكم، فتمتطوا الزمن كما يمتطي العداء ما بقي له من دقائق ليسابق من سبقه.

قلت: ولكن المسافة بيننا وبين من سبقنا هائلة، فلو امتطينا مراكب فضائية، لن نسبقهم.

قال: لم؟

قلت: لأنهم حينها سيكونون قد اخترعوا مراكب ضوئية.

قال: وهل تتصور أنكم ستبدأون من حيث بدأوا؟

قلت: ومن أين نبدأ إذن؟

قال: من حيث انتهوا.

قلت: كيف؟

قال: ألم يصلوا إلى أشياء فاتكم الوصول إليها؟

قلت: بلى، وهي أشياء كثيرة.

قال: فابدأوا منها، وابدأوا سباقا جديدا كل يوم، واخلعوا ثياب ماضي التخلف أو التقدم، فلا يهمكم من تخلف من أجدادكم أو تقدم، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:134)؟

قلت: ولكنا لا نزال في أسفل درجات التخلف.

قال: ألم تعلم كيف بدأ إطلاق أول صاروخ في الفضاء؟

قلت: بلى، ففي شهر آب (أغسطس) من عام 1932م أطلقت الجمعية الأمريكية للسياحة بين الكواكب صاروخها الأول، ولم يكن طوله يزيد عن 15 سم، وقطر قاعدته 7.5 سم، وكانت منصة الإطلاق مكونة من قائمين مصنوعين من خشب الصنوبر، وقد غطيتا بكمية وافرة من الصابون لتسهيل انطلاق الصاروخ إلى الأعلى، وقد وقف رئيس الجمعية (ديفيد لير) والمهندس (لورانس ماننغ) يراقبان عملية الإطلاق من خلف أكياس الرمل.

وتفادياً لمشكلات الإشعال فقد كلف أحد المهندسين المساعدين بإشعال الصاروخ بعود من الثقاب، وبعد ثانيتين دار المحرك كما كان مقدراً له، ولكن لم يلبث أن انفجر وطار إلى حيث وقع على بعد 170 م من منصة الإطلاق.

قال: فهل كانت هذه مسرحية هزلية، أم ماذا؟

قلت: بل كانت تجربة أثبتت جدواها بعد عقود من السنين ظل الجهد فيها مستمرا.

قال: لا تهم العقود، بل يهم الوصول، فهل وصلوا؟

قلت: أجل، ولولا تلك التجارب البسيطة ما استطاعوا ملء الفضاء بالأقمار الصناعية وغيرها، ولسنا ندري ماذا سيحصل في المستقبل.

قال: فقد بدأو بعود ثقاب، وببضع سنين.

قلت: نعم.

قال: أتدري وجه الإشارة القرآنية لهذا المعنى.

قلت: ما هي؟ فإني لا أتصور أن في القرآن الكريم حديثا عن هذا.

قال: ألم تسمع قصة الذي مر على القرية الخراب؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى في شأنه:﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة:259)

قال: لقد تعجب أن يحيي الله تلك القرية بعد موتها، فأماته الله مائة عام ليبصر حياتها.

قلت: فهل نحتاج إلى الموت لنبصر حياة أمتنا؟

قال: لا .. بل تحتاجون إلى الحياة .. فإن استسلمتم للموت، فإن الله يحي هذه الأمة بخلف يدفنونكم في كهوف النسيان، ألم يقل الله تعالى:﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: 38)؟

قلت: فما الطريق؟

قال: امتطوا صهوة الزمن، واحملوا أشعة السنن لتملأوا الأرض خيرا وريا.

مفتاح الأخلاق

بعد أن فتح لنا باب الزمن سرنا مدة إلى أن صادفنا باب آخر كتب عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)([47])

قلت: لا شك أن هذا باب الأخلاق.

قال: أجل ..  ومن لم يدخل إليه تعذب بمدنيته في الدنيا قبل الآخرة .. ولم ينفعه تمدنه في الدنيا، ولا في الآخرة.

قلت: لماذا تخوفني هكذا.

قال: هذا ليس تخويفا، هذه حقيقة، فالأخلاق هي حامي هذه الأبواب، فمن لم يتخلق لم يفد الخلق بعلمه ولا بإتقانه ولا بتطويره.

قلت: صدقت يا معلم، بل الأخلاق هي الكنز الذي لو استثمره الفقراء لكسبوا به ما تعجز خزائن الأغنياء عن تحمله.

قال: بل لو استثمروه لعاشوا به في سعادة يعجز الأغنياء عن تحصيلها بأموالهم.

قلت: كيف ذلك.. وأنا أرى في الواقع كثيرا من قومي قد فتحت لهم أبواب الثروة، وأغدقت عليهم شآبيب الرزق من غير أن يكون لهم من الأخلاق كثير ولا قليل، فكيف يكون الخلق جزءا من التمدن؟

قال: وما فائدة أرزاق تكثر، وبركات تنقص؟ وما قيمة مصانع تؤسس، وقصور تهدم؟

قلت: أي قصور تهدم يا معلم؟ أنا لا أراها بل أرى الزلازل مع ما أوتيت من قوة تعجز عن قصور هؤلاء.

قال: تلك أكواخ، وليست قصورا؟

 قلت: فأين القصور إذن، أهي قصور الجنة؟

قال: هي القصور التي جعلها الله في أعماق الإنسان إن تأدب مع الله ومع نفسه ومع الإنسان ومع الكون .. الحق أقول لك: من لم يحز هذا القصور عاش في زنازن من الرعب، ولو سترها بطلاء الذهب والفضة، فالزنازن تظل زنازن ولو طليت بكل طلاء وزينت بكل زينة، ألم تسمع الله تعالى وهو يقول:﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طـه:124)

قلت: ولكن الآية الكريمة تتحدث عن الذكر، ولا تتحدث عن الخلق.

قال: وهل الذكر إلا خلق، أترى من نسي مولاه الذي خلقه، ورباه، ورزقه، وأنعم عليه، ولا خير إلا منه، يكون متخلقا .. إن مبدأ الخلق هو التخلق مع الله، فمن تخلق مع الله تخلق مع عباد الله، ومن أساء أدبه مع الله أساء أدبه مع الكون جميعا ابتداء من نفسه، ألم تسمع الحق تعالى وهو يقول:﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة:9)؟  فمن ظن أنه يخدع الله، فقد وقع في خديعة نفسه.

قلت: يا معلم، فما هي نواحي الخلق التي على المتمدن أن يربي نفسه عليها، أو يربيه المجتمع عليها؟

قال: لن تعرف النواحي حتى تعرف حقيقة الخلق.

قلت: وما حقيقة الخلق؟

قال: أداء الحقوق لأصحابها، وعدم الاعتداء عليها.

قلت: كيف؟

قال: إذا اعتديت على حقوق أصحاب الحقوق ظلمتهم، والظلم منبع الرذائل، وإذا سلمتها لهم كاملة غير منقوصة عدلت، والعدل أصل الفضائل.

قلت: ولكن الأخلاق كثيرة، وما العدل إلا واحد منها، بل إن الفضل والإيثار أعظم من العدل نفسه.

قال: ولكن العدل هو البذرة التي ينبت منها الفضل والإيثار، كما تنبت منها جميع الفضائل.

قلت: فسر لي ذلك.

قال: الإنسان محاط بمجموعة من العلاقات، وكل علاقة تتطلب سلوكا معينا، وحقوقا معينة، فمن قصر في حق طائفة من الطوائف وقع في الجور، ومن وقع في الجور لا يستقيم أمره إلا بالرجوع إلى العدل.

قلت: ولكني لم أر للعدل في النصوص هذه المكانة التي تتحدث عنها.

قال: ألم يجعل الله الاستقامة هي مبتغى آمال السالكين، فقال تعالى:﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:6)، وأخبر عن غيرهم، فقال:﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ (المؤمنون:74)

قلت: بلى.

قال: فالاستقامة هي العدل، فمن اعتدل فقد استقام.

قلت: لعلك تقصد ما ذكره علماء السلوك من المسلمين وغيرهم من أن الخلق الحسن يقع بين طرفين مذمومين والاستقامة والعدل هو تجنب الطرفين المذمومين.

قال: بل قد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم واضحا جليا، فقد ذكر في القرآن الكريم الأكل مقيدا بما يمنعه من الطغيان، قال تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (الأنعام:141)، ففي الآية الكرية دعوة للأكل تنافي ما يدعو إليه الرهبان من الجوع، ولكنها لا تنسجم كذلك مع ما يدعوا إليه أهل الشهوات من الاقتصار على الأكل المجرد.. وهي تدعو كذلك إلى البذل، وعدم نسيان المحتاجين، لأن الشهوة قد تولد الحرص المولد للبخل، فلذلك تعارض الشهوة بالبذل.

قلت: صدقت في هذا، وقد قال تعالى:﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (الاسراء:29)، فغل اليد إلى العنق يولد صفة البخل، وهي من شر الصفات، وبسط اليد كل البسط، قد يولد الفاقة والفقر، وهو كذلك منبع من منابع الانحراف، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( كاد الفقر أن يكون كفرا)([48])

قلت: قد عرفت الخلق، وأنه أداء الحقوق لأصحابها، فمن هم أصحاب هذه الحقوق، وكيف أؤديها لهم؟

قال: إن اقتنعت بهذا، فسيفتح لنا هذا الباب .. وسنمر بعده على الأبواب تجيبك على هذا.

مفتاح الربانية

بعد أن فتح لنا باب الأخلاق سرنا مدة إلى أن صادفنا باب في منتهى الجمال، بل لا يكاد البليغ مهما أوتي من قوة التعبير أن يصفه، ألوانه ليست كالألوان، وشكله ليس كالأشكال، ومادته ليست كالمواد، وكأنه قد صمم في عالم غير عالمنا، أو كأنه باب من أبواب الجنة هبط إلينا ليعرض صناعة الجنان.

لم تكن هناك لافتة معلقة عليه، ولكن حروفا كانت تموج في داخله كأمواج البحر، تردد بلا حرف ولا صوت قوله تعالى:﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (الشرح:7 ـ 8)

سألت عن سر هذا الباب الجميل، وعن المصنع الذي صنعه، فقال: هذا الباب لم يصنع.

فتعجبت، وقلت: وهل نبت كما تنبت الأشجار؟

قال: هذا باب التخلق مع الله، وهو من أجل الأبواب وأجملها، أما الجمال الذي تراه فيه، فإنه اكتسبه من قربه من الله، ألا تعلم أن المتخلق قريب من الله؟

قلت: بلى، فقد ورد في النصوص ما يدل على ذلك، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في السخاء، وهو من أعظم الأخلاق:(السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل)([49])

قال: وقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم ما يشير إلى هذا المعنى بنوع من القياس الصحيح، فقد قال:(إن أحبكم إلي وأقربكم مني في الآخرة مجالس محاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة مساويكم أخلاقا الثرثارون المتفيهقون المتشدقون)([50])

فمن كان قريبا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو قريب من الله، بل ليس هناك من هو أقرب إلى الله من حبيبه صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد ورد في حديث آخر ما يدل على هذا بمثل هذا النوع من القياس، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة)([51])

فلا يكمل إيمان المؤمن إلا بقربه من الله، فالقرب علامة كمال الإيمان كما قال ابن عطاء الله:(وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به، و إلا فجل ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء) 

قلت: ما سر هاتين الآيتين التي تموجان في داخله وتنطقان من غير حرف ولا صوت .. لله ما أحلى جمالهما!!

قال: هما آيتا التخلق مع الله في هذا الباب.

قلت: ألكل باب من أبواب التخلق مع الله آيته الخاصة به؟

قال: أجل، فكل آية من آيات القرآن الكريم باب من أبواب التخلق مع الله، فمن تخلق بأخلاقها فتح له من المعرفة بالله والقرب منه بحسب تخلقه .. ألا تعلم السر الأعلى لإنزال القرآن الكريم؟

قلت: وما هو؟

قال: هو الدلالة على الله، والتعريف به، والتعريف بالسلوك إليه، وكيفية التأدب معه.

قلت: ولكن القرآن الكريم يحوي المعاني الكثيرة.

قال: هي كالسيول المختلفة تفترق لتجتمع في مصب واحد.

قلت: فبين لي ذلك.

قال: الآية الكريمة التي تموج في بحر هذا الباب هي التي تقول لك ذلك.

قلت: هي لا تنطق.

قال: بل هي تنطق، ولكن أنت الذي لا تسمع.

قلت: هذا صحيح، فأذن الإنسان محدودة.

قال: تلك أذن الطين، أما أذن الروح فلها من قوة السمع ما تدرك به الأصوات وغير الأصوات، ألم تعلم سر سمع سليمان عليه السلام للنملة عندما قالت:﴿ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل: 18)، فتبسم ضاحكا من قولها.

قلت: تلك معجزة حصلت له.

قال: ألم تعلم بأن معجزات الله لا تخرق سنن الله، فسنن الله لا يعتريها التبديل والتحريف!؟

قلت: أجل لقد  علمتني هذا، ولكن كيف استطاع سليمان عليه السلام أن يسمع النمل، وكيف استطاع أن يعلم لغتها!؟

قال: ستعلمها في محلها، والآن قل لي ما تسمع من هذه الآية؟

قلت: لا تزل أذن قلبي مغلقة دون سماعها.

قال: فحدد سمع الإيمان، وقل لي.

شعرت بضعف عظيم ملأ جوانبي، وأنا أرى عجزي عن سماع كلام الله، فابتهلت إلى الله بدموع فاضت من قلبي كالأنهار، وبزفرات كادت تحرق ضلوعي، فإذا بسكينة تنزل في أعماقي تطفئ لهيب النار، وتأمر أنهار دموعي أن تجف وتغيض .. وإذا بي أسمع تراتيل الآية وهي تتردد في قلبي، فلاح لي من معانيها ما لم يكن يخطر لي على بال .. وشعرت بنشوة عظيمة غبت بها عما حولي لم يقطعها إلا صوت المعلم، وهو يقول: هل سمعت ما قالت؟

قلت: قد سمعت ما قالت، ولكن لا طاقة لي بترديده.

قال: ومن طلب منك أن تردد ما قالت، ومن له طاقة ذلك؟.. ولكن تحدث عما يمكن الاستفادة منه.

قلت: أعظم مطلوب هو الله، فمن ترك الله ورغب عن الله لأي شيء من الأشياء فقد خذل، وباع الله بأبخس الأثمان.

قال: فأخبر قومك الذين انشغلوا عن الله بتجارتهم واختراعاتهم ولهثهم وراء بريق الأموال ومنابع الثراء أنهم يلهثون وراء السراب، وأنهم بغفلتهم عن الله ونسيانهم له وقعوا في الغفلة عن أنفسهم ونسيانها، ألم يقل الله تعالى:﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (الحشر:19)؟

قلت: يا معلم، ألا ترى أن أكبر أدواء الحضارة هي الغفلة عن الله؟

قال: لا .. الحضارة لا تؤدي إلى الغفلة عن الله، فحضارة الجنة أعظم من حضارتكم التي تتيهون بها، وأهلها لا يغفلون لحظة عن الله، وسترى عندما ترحل إلى (دور السعادة) ما في الجنة من مظاهر الحضارة التي لا يوازيها إلا مظاهر التقرب والعبادة من الله.

قلت: ولكن تلك الجنة، ونحن في الدنيا.

قال: فحضارة سليمان عليه السلام أعظم من حضارتكم، فقد آتاه الله من القوى ومن تسخير الأشياء ما لم تؤتوه، وما لم يؤته أحد من قبل ومن بعد.

قلت: ذلك صحيح، فالله تعالى قال في شأنه:﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (صّ:35)، وقد حقق الله سؤله فأعطاه من الملك ما لم يعط أحدا من عباده.

قال: أتعلم سر طلب سليمان عليه السلام هذا الطلب؟

قلت: كدت أسألك يا معلم، فإن في نفسي شيئا من هذا الطلب أستحيي من ذكره.

قال: قل، فلا حرج على المتعلم أن يعرض شبهته على معلمه، ألم تعلم أن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الوسوسة التي يجدها أحدهم، لأن يسقط عن الثريا أحب إليه أن يتكلم بها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( ذاك صريح الإيمان، إن الشيطان يأتي العبد فيما دون ذلك فإن عصم منه وقع فيما هنالك)([52])

قلت: أقول في نفسي: لقد عهدنا الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ زاهدين في متاع الدنيا راغبين في الله مكتفين بالله، فكيف طلب سليمان عليه السلام هذا الطلب الغريب؟

قال: كيف ترى سليمان عليه السلام في القرآن الكريم؟

قلت: لا أراه إلا خيرا منيبا، بل لقد أثنى الله عليه بكونه منيبا رجاعا إلى الله، فقال:﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (صّ:30)، وقال تعالى:﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾ (صّ:34)

قال: فهل شغله تدبير ملكه العظيم الذي لا نظير له عن الله؟

قال: لا .. بل أراه يذكر الله كل حين، ويعرف الفضل لله كل حين، فعندما مر على النملة وسمع كلامها قال:﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (النمل: 19)

قال: وهل ظهرت هذه الإنابة في علاقته مع غيره؟

قلت: أجل، فقد كتب لملكة سبأ يقول لها:﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل:31)

وقال مخاطبا رعيته:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (النمل: 16)، فقد أرجع الفضل إلى الله في تعليمه منطق الطير، أو في إتيانه من كل شيء.

قال: فإن سليمان عليه السلام طلب ذلك الملك، وبتلك الصورة التي لا ينازعه فيها أحد ليكون حجة على من شغله ملكه عن الله، وكأن سليمان عليه السلام يقول لربه:(يارب هب لي من الملك ما تشاء .. بل هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يحصل عليه .. فإن هذا الملك مهما كان عظيما .. وذلك الفضل مهما كان وفيرا لن يحجباني عنك ولن يبعدا قلبي عن الرغبة فيك .. فإني لا أرى الأشياء مهما كثرت إلا منك .. ولا أرى نفسي إلا بك .. فكيف أحجب بهداياك الواصلة إلي .. أم كيف أنشغل بفضلك عنك)

قلت: فاستجاب الله ليبلوه.

قال: لا، بل استجاب له، ليبلوكم.

قلت: كيف؟

قال: لقد علم الله صدقه وصدق يقينه، فجعله حجة على كل من انشغل بفضل الله عن الله، أو انشغل بالرغبة في الأشياء عن الرغبة في مشيئ الأشياء .. وقد جعله الله تعالى بالإضافة إلى ذلك مقوما لمن أساءوا فهم الزهد، فتصوروا الأرزاق حجبا عن الله، والفضل الإلهي جنودا لله تبعد عن الله.

قلت: نعم، هذا صحيح، ولعله لأجل هذا ذكر الله تعالى ما أظهر سليمان عليه السلام لملكة سبأ من مظاهر الملك الذي أعطاه الله له، فلم يكن غرضه الفخر عليها، وإنما كان غرضه تعريفها بالله، لأنها انشغلت بالعرش العظيم الذي كان لها عن الله، فلذلك كان أول ما لاقاها به سليمان عليه السلام هو عرشها الذي حجبها عن الله، وعن التسليم له، قال تعالى:﴿ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ (النمل:42)

فلما قالت ذلك، وفي غمرة انبهارها بما رأت أخبرها سليمان عليه السلام بأنه مع هذا الملك كان مسلما لله، فلم يحجب به عن الله، فقال تعالى على لسانه:﴿ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ)

فلما رأى سليمان عليه السلام حاجتها إلى المزيد من الأدلة، أحضرها إلى الصرح الممرد من القوارير، وقد كان من الجمال بحيث لا يساوي عرشها الذي شغلها عن الله شيئا بجانبه، وحينذاك لم تملك إلا أن تسلم لله، قال تعالى:﴿ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل:44)

قال: بل في القرآن الكريم ما يدل على هذا المعنى، فقد أوتيت ملكة سبأ من الذكاء ما استطاعت أن تميز به الملوك من المؤمنين، فقد أرسلت بهدية قيمة لسليمان عليه السلام لتختبره موقفه من المال، قال تعالى على لسانها:﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (النمل:35)

لكن سليمان عليه السلام نظر إلى ما أعطاه الله من الإيمان والفضل فوجده أعظم بكثير من أن ينحجب بهديتهم، فقال:﴿ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ (النمل:36)

قلت: لقد فهمت يا معلم سر طلب سليمان عليه السلام، ولكن لماذا ورد في القرآن الكريم ذكر ملكة سبأ بالذات، وذكر هذا الموقف من سليمان عليه السلام معها؟

قال: لقد أراد الله من هذا النموذج أن يبين لنا كيفية دعوة من بهرتهم الدنيا وشغلتهم عن الله.

قلت: لم أفهم.

قال: إن ملكة سبأ بعرشها، وقومها بتعظيمهم لها انشغلوا عن الله، فجعل الله فيما أعطى المؤمنين من أسباب الفضل التي لم تشغلهم عن الله ما يرغبهم في الإيمان بالله.

قلت: ولكن القرآن الكريم ذكر إسلام ملكة سبأ وحدها.

قال: والقرآن الكريم ذكر التبعية المطلقة لقومها لها، كما قال تعالى على لسان مستشاريها:﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ (النمل: 33)، وهو ما يدل على أنهم اتبعوها على الإيمان.

قلت: وهل رجعت إليهم حتى يتبعوها؟ 

قال: ومن قال: إنها لم ترجع إليهم .. إن القرآن الكريم أخبر أن غاية سليمان عليه السلام من إرساله لها هو حثها على الإسلام لا سلب ملكها منها، كما قال تعالى على لسانه:﴿ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل:31)

قلت: ولكن المفسرين أخبروا أنه تزوجها.

قال: وهل حضروا حفل زواجها!؟ .. ما أولعكم بما لا يفيدكم.

قلت: ولكنهم رووا في ذلك أخبارا، فقد رووا أن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان عليه السلام وأن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها، وخشوا أن يتزوجها لأن أمها من الجان فتتسلط عليهم معه وذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة.

ثم إن سليمان عليه السلام لما أراد إزالته ـ حين عزم على تزوجها ـ سأل الإنس عن زواله فذكروا له الموسى، فامتنعت من ذلك، فسأل الجان فصنعوا له النورة ووضعوا له الحمام، فكان أول من دخل الحمام فلما وجد مسه قال:(أوه من عذاب أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه)

وقد ذكر الثعلبي وغيره أن سليمان لما تزوجها أقرها على مملكة اليمن وردها إليها، وكان يزورها في كل شهر مرة، فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط، وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور باليمن: غمدان وسالحين وبيتون.

قال: طهروا كتب تفسيركم من هذا الرفث، فالحقائق الجميلة الطاهرة للقرآن الكريم لا ينجسها إلا هذا اللغو الذي تملأون به أسفاركم، وتضيعون به أوقاتكم، وتنشغلون به عن ربكم.

قلت: ألا يمكن، يا معلم، أن نستفيد من موقف سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ فنجعله أسلوبا من أساليب الدعوة لله في عصرنا؟

قال: بل لم يذكره القرآن الكريم إلا لتستخدموه، فلو أن رجالا من هذه الأمة رفعوا هممهم وسخروا السنن التي وضعها الله لهم، وامتطوا صهوة الزمان، فأخرجوا الأمة من غياهب التخلف والمعاناة، وأوصلوها إلى التقدم والتطور الذي لا يحجب عن الله لتحقق بذلك نصر الله الذي يدخل الناس بسببه في دين الله أفواجا.

قلت: ولكن النصر ـ كما أتصوره ـ نصر جيوش.

قال: ذلك نصر المصارعين، أما المسالمون فهم الذين ينتصرن بأقلامهم ودفاترهم، وفؤوسهم ومعاولهم.

مفتاح النفس

بعد أن قال ذلك فتح لنا الباب .. فرأينا من الحدائق الغناء ما لا يمكن وصفه.. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى لمحت صورتي على باب اعترضنا، فقلت للمعلم: أهذا باب أم مرآة؟

قال: بل هو باب.

قلت: ولكني أرى صورتي تتجلى فيه.

قال: نعم، وهو باب تتجلى فيه صور النفوس، هذا الباب هو باب نفسك.

قلت: نفسي! .. إذن هو باب قبيح كقبحها.

قال المعلم: ومن قال لك بأن نفسك قبيحة؟

قلت: أليست النفوس هي مرتع الخبث، وهي مرعى الشيطان، وهي مصيدة الدنيا؟ .. أليست النفس هي التي نازعت الله ملكه، ونازعت الروح سلطانها، وسلمت كل الأكوان لكل أنواع الصراع؟

قال: ولكنه لولا النفس ما تحقق سير السائرين.

قلت: لكأني بك تذكرني بحكمة ابن عطاء الله:(لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين، إذ لا مسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك، ولا قطعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك)

قال: أجل، فلولا شهوات النفوس ومألوفاتها التي تخوض فيها وتتعشقها، كما تخوض الفرسان في الميادين الواسعة التي تجول فيها الخيل، ما تحقق سير السائرين، ولا تحققت بالمعارف التي تنتشر عليك من مجاهدتك لنفسك.

قلت: فالتخلق مع نفسي أن أجيعها وأذيقها ألوان الموت التي ذكرها العارفون، كما قال ناطقهم:

فأوردتها ما الموت ليس بعضه  وأتعبتها كي ما تكون مريحتي

ولم يبق هول دونها ما ركبته   وأسهد نفسي فيه غير زكيتي

قال: ذاك مقام المجاهدة، وسترى أغراضه وحقيقته عند:(مكابدات العارفين)، ولكن هذا مقام التخلق مع النفس، وهو يستدعي التأدب معها.

قلت: وأي أدب لي مع نفسي وهي مهينتي وحجابي عن ربي.

قال: أدبك معها أن تسلمها الذي لها، فلا يمكن أن تصل إليه بدونها.

قلت: وما أسلمها؟

قال: حقوقها .. تعامل معها كما تتعامل مع الأجانب، ألست تعطيهم حقوقهم؟

قلت: بلى، ولو أني قصرت لكنت ظالما.

قال: فتقصيرك في حق نفسك ظلم لها.

قلت: قد زهدني في نفسي ما رأيت من رغبة قومي في نفوسهم، وحرصهم عليها، وتضييعهم حقوق الناس بسببها.

قال: ولكنهم ضيعوا حقوق نفوسهم مع أول تضييع لحقوق غيرهم.

قلت: كيف؟

قال: ألم يعتبر الله تعالى الغافلين المخادعين المضلين الظالمين الخائنين الهالكين الخاسرين لم يجاوزا أنفسهم بذلك؟

قلت: بلى، ففي القرآن الكريم إخبار بذلك، فهو يقول في المخادعين:﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة:9).. ويقول في الظالمين:﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (البقرة:57).. ويقول في المضلين:﴿ وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (آل عمران:69).. ويقول في الخائنين:﴿ وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ (النساء:107) .. ويقول في الهالكين:﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأنعام:26)

قال: ولهذا، فإن أول حق يطلب من المؤمن أداؤه بعد حق الله حق النفس، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن لأهلك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، فصم وأفطر وصل ونم)([53])

قلت: فكيف أؤدي حق نفسي؟

قال: لكل باب من الأبواب حق من حقوق النفس.

قلت: فحقها في هذا الباب.

قال: أربعة: الطاقة، والراحة، والصحة، وحقها الاجتماعي.

قلت: ستجدنا في عصرنا ـ في عصر حقوق الإنسان ـ من أعظم الموفين بهذه الحقوق.

قال: بل من أعظم المقصرين فيها.

حق الطاقة:

قلت: فما حق الطاقة؟

قال: أن لا تجاوز بنفسك وسعها، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إياكم والوصال)، قيل: إنك تواصل؟ قال:(إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من العمل ما تطيقون)([54])

قلت: بلى، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(عليكم من العمل ما تطيقون فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا)([55]) .. ولكن هذا خاص بالتعبدات.

قال: ومن قال هذا؟ أليس العمل عبادة؟ أولم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:(أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم)([56]) .. وقال:(للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف إلا ما يطيق فإن كلفتموهم فأعينوهم ولا تعذبوا عباد الله خلقا أمثالكم)([57])، فقد ربط صلى الله عليه وآله وسلم بين تكليفهم ما يطيقون والعذاب.

قلت: ولكن ألسنا في حاجة إلى بذل جهود مضاعفة لكي نحقق النهضة التي نحلم بها، والتي تجعل غيرنا تبعا لنا.

قال: اكتفوا بجهودكم وطاقتكم، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى)

قلت: ولكن هذا في الدين.

قال: ألم أقل لك: إن أحكام الدين لا تختلف عن أحكام الدنيا، فرب الدنيا هو رب الدين .. قل لي: لو أن سيارتك لا تتحمل إلا ثقلا معينا، ثم حملت عليها أو حملتها ثقلا يفوق طاقتها.

قلت: ستهلك إن عاجلا أو آجلا.

قال: وحينذاك لن تستفيد منها شيئا.

قلت: لقد ذكرتني بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله أدومه، وإن قل)

قال: فقد ربط صلى الله عليه وآله وسلم بين عدم مجاوزة الطاقة في العمل، وبين الملل، فالملل سبيل كل من جاوز نفسه حدها من الطاقة.

قلت: لقد ذكرتني بكثير من الجهود التي تفرزها الحماسة، ثم يميتها الاستعجال.

قال: ويميتها قبل ذلك عدم فهم أسرار نفس الإنسان، فخالق النفس هو الذي قال لنا:﴿ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ (البقرة: 233)، وقال:﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ (البقرة: 286)

قلت: وكأنه يضع لنا بذلك ما يضعه صانعو الأجهزة الحديثة من مقاييس لمدى تحملها، وأنواع الطاقة التي تحتاجها.

قال: نعم، ذلك تشبيه صحيح، مع فارق بسيط هو أن الله تعالى زود الإنسان بطاقة تعجز جميع أجهزة الدنيا أن تضارعها.

قلت: كيف، لكأني بك ترتد على ما قلت.

قال: لا أرتد على ما قلت، ولكني أقول: إن في وسع الإنسان إذا ما توفرت الإرادة والعزيمة والتخطيط أن ينقل الجبال من مواضعها ..

قلت: إذن نحن لا نستخدم طاقتنا.

قال: لا .. أنتم تستخدمونها، ولكنكم تبعثرون جهودكم.

قلت: كيف؟

قال: لو طلب منكم حفر خندق كما طلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أصحابه، فحفروه في أقل مدة، وحموا به مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ماذا تتصور قومك يفعلون؟

قلت: سيبدأون أولا بتشكيل لجان تقسم المهام.

قال: ثم ماذا؟

قلت: سيختلفون فيمن يرأس اللجان.

قال: ثم ماذا؟

قلت: سيضطرون إلى إجراء انتخابات.

قال: ثم ماذا؟

قلت: سيضطر أصحاب تلك اللجان إلى الاتصال بالعمال لإقناع كل طرف العمال بانتخابه مقابل التخفيف عنهم من أعباء الحفر، أو استيراد وسائل جديدة للحفر، أو استحضار عمالة أجنبية لتقوم بالحفر.

قال: ثم ماذا؟

قلت: ستجرى الانتخابات .. وسيطعن فيها .. وستظهر المعارضة .. وقد تسفك الدماء .. وقد تحصل اعتقالات.

قال: والخندق الذي يحمي مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كيد الأحزاب وبني قريضة؟

قلت: سيطلبون من الأحزاب ومن بني قريضة حفره مقابل تسليمهم المدينة بدون حرب.

قال: وما فائدة الخندق إذن؟

قلت: سيؤمنون لأنفسهم بذلك مقابر محترمة قريبة من مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 

قال: أرأيت .. أنتم تبذلون جهودا كثيرة وتبعثرونها، فتتعبون وتنصبون ثم لا تنالون شيئا.

قلت: يا معلم لكأنك تقرأ علينا قوله تعالى:﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ (الغاشية:2 ـ 3)، أي أن هذه الوجوه قد عملت عملاً كثيراً ونصبت فيه، وصليت يوم القيامة ناراً حامية.

قال: بل أنتم كما قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (النور:39)

قلت: فبم توجهنا؟

قال: استجمعوا أنفاسكم أولا لتعرفوا ما تفعلوا .. فإذا استجمعتموها فانظروا إلى ما عندكم من الطاقات الفردية والجماعية، ثم خططوا لأنفسكم بحسب طاقاتكم، ألم يقل الله تعالى:﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ (الأنفال: 60)؟

حق الراحة

قلت: فما حق الراحة؟

قال: هو حق النفس في استرداد أنفاسها، ألم يجعل الله النوم سباتا؟

قلت: بلى، فالقرآن الكريم تحدث عن هذا كثيرا من باب تعداد نعم الله على عباده، فقال تعالى:﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾ (النبأ:9)، أي قطعاً للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد، والسعي في المعايش في عرض النهار.

قال: والراحة تستدعي توفير الجو الملائم لها.

قلت: ذلك صحيح، ولهذا خلق الله تعالى الليل، وجعله لباسا، كما قال تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً﴾ (الفرقان:47)

قال: بل إن الله تعالى في تعداده نعمه على خلقه يجعل الليل من النعم العظمى، وهو دليل على ما للراحة من أثر كبير في حفظ قوى الإنسان، قال تعالى:﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ ﴾ (القصص:71)

قلت: ولكن الأعمال في عصرنا تستدعي في أحيان كثيرة مواصلة الليل بالنهار.

قال: إن دعت الضرورة إلى ذلك، فلتنظموا ذلك تنظيما تراعى فيه الراحة وتحفظ فيه الصحة، فلا ينبغي أن تداووا داء بأدواء.

قلت: ولكن الضرورات تستدعي ذلك.

قال: والضرورات تستدعي أن تؤدى الأعمال متقنة، ولا يمكن أن يؤدي المرهق عمله بإتقان، ألم تعلم أن الله تعالى من رحمته بأهكل بدر أن رزقهم النعاس والنوم في وقت تنخلع فيه القلوب، واعتبر الله تعالى ذلك من أسباب ربط قلوبهم وتثبيتها وتقويتها، قال تعالى:﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطنَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ (لأنفال:11)

قلت: بلى، ولأجل هذا نهى صلى الله عليه وآله وسلم أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان.

 قال: ويلحق بهذا ما تعيشونه من ضجر من كلفوا بخدماتكم نتيجة الإرهاق الذي يعانونه.

قلت: فما الحل، والضرورات كثيرة؟

قال: أنتم الذين تفكرون في الحلول .. أم أنكم تتقنون فقط التفكير في تكثير الضرورات.

قلت: لقد أرشدنا صلى الله عليه وآله وسلم إلى القيلولة كحل من حلول الراحة، فقال:(قيلوا، فإن الشياطين لا تقيل)([58])، وقد أكد العلم الحديث دور القيلولة في زيادة إنتاج الفرد، وتحسين قدرته على متابعة نشاطه اليومي.

قال: فوفروا الفرصة لعمالكم بأن يطبقوا هذه السنة العظيمة.

قلت: كيف ذلك .. إن العامل بالكاد يجد موضعا لقدمه، فكيف يجده لنومه؟

قال: ابحثوا .. فستجدون من الحلول ما يجعل في عمله من الراحة ما يفوق راحة كسله.

قلت: لو اتبعنا هذا، فسنجد من يدعو العمال إلى التقاعد المبكر.. وقد حصل ذلك.

قال: لهم الحق في ذلك.. وذلك ما يجب أن يفعله كل عامل.

قلت: بعد أي مدة؟

قال: عند بدايته العمل .. وفي اليوم الأول منه.

قلت: أنت تدعوا إلى تفريغ المصانع من العمال.

قال: أنا أدعو إلى تفريغ العمل من التعب والإجهاد الذي يستهلك قواهم، ويضر صحتهم.

قلت: فإذا تقاعدوا من ينوبهم في المعامل والمصانع والمؤسسات.

قال: هم ينوبون أنفسهم.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألم نتحدث عن القيلولة؟

قلت: بلى .. وما علاقتها بهذا؟

قال: هي نوع من التقاعد.

قلت: كيف ذلك؟

قال: إن راحة العامل بعد عمله يجدد نشاطه ويملؤه بالحيوية التي يفقدها بتقاعده.

قلت: أتنصح بالقيلولة وحدها؟

قال: وأنصح بالاحتساب .. فمن احتسب عمله لله رزقه الله من القوة ما يزعزع الجبال.

قلت: هي أجورنا .. وليس لنا منها بد.

قال: الاحتساب لا يتنافى مع طلب الأجر.

قلت: فكيف يكون احتسابا؟

قال: إذا كان العمل لوجه الله لا يضره شيء.

قلت: فدلني على أمر آخر أنصح به قومي.

قال: سأدلك على وصفة نبوية تملأكم بالقوة.

قلت: فما هي؟

قال: قوله صلى الله عليه وآله وسلم  لبضعته الطاهرة فاطمة :(ألا أدلك على ما هو خير لك من خادم! تسبحين الله ثلاثا وثلاثين، وتحمدين ثلاثا وثلاثين، وتكبرين أربعا وثلاثين حين تأخذين مضجعك)([59])

قال: فكيف عرفت أن هذه الوصفة لما وصفت؟

قال: لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن هذه الوصفة خير لها من الخادم، وهو دليل على أنها تعطيها من القوة ما يغنيها عن الخادم.

حق الصحة

قلت: فما حق الصحة؟

قال: هو حق النفس في الاحتفاظ بقواها التي حباها الله إياها، ألم يأمر الشرع بحفظ الصحة، ونهى عما يجلب العلل؟ 

قلت: بلى، وقد عرفنا تفاصيل ذلك في (ابتسامة الأنين)

قال: ألم ينه الله تعالى المريض عن الصيام مرتين متتاليتين في الآيات القليلة التي جاء فيها الأمر بركن من أركان الإسلام؟

قلت: أجل، فمع أن الآيات المختصة بالصوم قليلة إلا أن الله تعالى ذكر رفع الحرج عن المريض مرتين في آيتين متتاليتين، فقال:﴿ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة:184 ـ 185)

قال: ومثل ذلك الحج .. ألم يذكر الله فيه أحكام المريض، ورفع الحرج عنه؟

قلت: بلى، فالله تعالى لم يذكر أركان الحج بأسمائها وتفاصيلها، ولكنه مع ذلك ذكر الحلول التي يلجأ إليها المريض للتمكن من أدائه، فقال تعالى:﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (البقرة:196)

قال: ومثل ذلك غير ذلك من المسائل.

قلت: نعم، النصوص واضحة في رفع الحرج عن المريض، وقد قال تعالى:﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً﴾ (الفتح:17) .. ولكن، يا معلم ما علاقة هذا بما نحن فيه، فنحن نتحدث عن أعمال الدنيا؟

قال: أعمال الدنيا هي أعمال الآخرة، وما فائدة عمل نجلب به قوتا، ونقتل به عضوا، وإذا كان الله تعالى مع خلقه لنا لعبادته رخص لنا في ترك صور من العبادة لأجل الحفاظ على صحتنا، أفلا يصح لنا نحن أن نستغني عن بعض الأعمال إذا ما رأينا خطرها على صحتنا؟

قلت: لكأني بك تريد أن تقعد الناس عن أعمالهم.

قال: لماذا .. الأعمال كثيرة ومباركة، فمن قال بأن الدعوة للحفاظ على صحة العمال أمر لهم بالقعود؟

قلت: إن الدراسات الحديثة كلها تقول هذا، فلا نستطيع أن نجمع بين الرقي الحضاري وبين الحفاظ على صحتنا .. الرقي الحضاري يا معلم يحتاج إلى تضحيات لا تقل عن تضحيات الشهداء.

قال: الحق أقول لك: إنكم تبتعدون كثيرا عن الإنسان بقدر اقترابكم من هذا الرقي الجشع الذي تحلمون به .. إنكم تحطمون أنفسكم من أجل لعب تافهة تحلمون بها، وعندما تصلون إليها تجدونها سرابا لا يختلف عن أي سراب.

قلت: فبم تنصحنا؟

قال: عندما يفكر أحدكم في أي مشروع لا ينس أن يضع في خطته حق العمال في الصحة والعافية، فلا ينبغي أن يستل صحتهم، ليملأ جيوبهم، فهذه مقايضة خاطئة.

قلت: وما المقايضة الصحيحة؟

قال: أن يشتري جهدهم بماله، لا صحتهم بماله.

قلت: لكأني بك تقول: إن الضمان عليه في حال حصول أي ضرر.. فنحن نفعل ذلك.

قال: أنتم تسخرون على عقول العمال بذلك، فما فائدة الضمان الذي تضمنونه أو العلاج الذي تقدمونه، وأنتم تخرجون أجسادا متهالكة ونفوسا محطمة لا يجدي فيها ضمان، ولا يشفيها علاج.

الحق الاجتماعي

قلت: فما الحق الاجتماعي؟

قال: هو حق النفس في الحفاظ على علاقتها الأسرية التي جعلها الله من الحقوق الطبيعية للإنسان المتناسبة مع فطرته.

قلت: لم أفهم يا معلم.

قال: إن الله تعالى جعل للإنسان سكنا يسكن إليه، فقال تعالى:﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم:21)

قلت: ما معنى هذا؟

قال: إن الإنسان يرجع إلى أهله دائما ليمسح ما تراكم على نفسه من هموم وآلام، وهو معنى السكن الذي عبر عنه القرآن الكريم.

قلت: ففائدة الأهل إذن هي السكن والراحة النفسية، وهي بذلك تخفف عن العامل ما يجده من ثقل العمل، وقد يساعد ذلك على وفرة الإنتاج.

قال: ليس ذلك فحسب، بل هناك ما هو أهم من ذلك، وهو رعاية العامل لشؤون أهله المادية والمعنوية، كما قال تعالى:﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (طـه:132)، وقال تعالى مثنيا على إسماعيل عليه السلام:﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ (مريم:55).. فكلا الأمرين: السكن والرعاية من حقوق النفس، والتقصير فيهما له آثاره النفسية والاجتماعية الخطيرة.

قلت: ولكنا نفعل ذلك، فلا نحرم الأب من أبنائه، ولا الأم عنهم.

قال: بل تفعلون ذلك، وتبالغون في ذلك، فترسلون العمال إلى أماكن بعيدة عن أهلهم يذوقون فيها آلام الغربة، ويذوق أهلهم آلام الحرمان.

قلت: فما نفعل؟

قال: ألم أقل لك: ينبغي التفكير في العمال قبل التفكير في العمل، فلا عمل بلا عمال؟

قلت: بلى، ولكن .. أنت تطلب أشياء قد تضر برأس المال نفسه، فكيف بفوائده؟

قال: ألا تفكرون إلا في رأس المال والفوائد؟

قلت: هكذا يفكر أرباب الاقتصاد.

قال: وأين علماء النفس؟

قلت: في عياداتهم ينتظرون وفود المرضى.

قال: لماذا لا يطالبون بحق العمال في السكن النفسي؟

قلت: لو طالبوا بذلك لأغلقوا عياداتهم .. ألم أقل لك يا معلم إن كل شيء أصبح تجارة في عصرنا؟

قال: فلنضرب صفحا عن هذا .. أنتم لم تكتفوا بإبعاد الأب عن أولاده حتى ألحقتم به الأم.

قلت: نعم، وعجلة الاقتصاد المتطور هي التي استدعت ذلك، ثم إن الشريعة لا تنفي ذلك، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(إن النساء شقائق الرجال)([60])

قال: نعم هذا حديث صحيح الثبوت والمعنى، فالمرأة شقيقة الرجل في الأصل والخلقة، وشقيقته في أصل التكليف، وشقيقته في جزاء الآخرة .. ولكن ما علاقة هذا الحديث بما نحن فيه؟

قلت: بما أن الرجل يحق له العمل، ويجب عليه العمل، فيحق للمرأة ويجب عليها.

قال: ما هذا القياس البديع؟ لكأني بك تقيس الأذن على العين.

قلت: كيف؟

قال: الأذن والعين كلاهما شقيقان، فكلاهما من حواس الإنسان التي يطلع بها على العالم الخارجي، وكلاهما يؤثر في علاقة الإنسان بمحيطه.

قلت: أجل، ولكن العين تبصر، والأذن تسمع.

قال: فكذلك المرأة والرجل، لكل منهما طاقته ووظيفته الخاصة به، فخروج أحدهما عن وظيفته كطلب الأذن أن تبصر، وطلب العين أن تسمع.

قلت: أنا أترك هذا القياس، فما رأيت في القياس خيرا قط، ولكني ألجأ إلى النص الذي لا كلام معه.

قال: ومن يتجرأ على معارضة الله أو معارضة رسوله؟!

 قلت: فقد قال تعالى:﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص:23)، فقد أخبر تعالى عن ممارسة هاتين المرأتين لمهنة الرعي.

قال: ألم تقرأ ما تعللتا به؟

قلت: بلى، فقد ذكرا أن أباهما شيخ كبير.

قال: وهو اعتذار عما دعاهما إلي الخروج وسقي أغنامهما، دون وليهما الذي يتولى ذلك عادة إذ كان عاجزا عن ذلك .. ثم ما ترى في ذكر القرآن الكريم، هل ذكره كنموذ ج يحتذى، أو ذكره كموقف من مواقف الاضطرار؟

قلت: لم أفهم.

قال: هل أثنى الله تعالى على هذا المجتمع الذي وجدت فيه المرأتان؟

قلت: لا أظن ذلك، فهذا مجتمع يظهر عليه الوقاحة وسوء الأدب، بدليل قوله تعالى على لسانهما:﴿ لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص:23)

قال: وهو مجتمع لا ينحني إلا للقوي، ولهذا لما جاء موسى عليه السلام سقى لهما بمجرد حضوره مع كونه غريبا.

قلت: أجل، ذلك صحيح.

قال: فلماذا تجعلون هذا المجتمع الغارق في هذه الوضاعة نموذجا تحتذون به، ألم تطالبوا بالاقتداء بالمجتمعات الكاملة الصحيحة؟

قلت: بلى، ولكن قد ورد في النصوص ما يدل على عمل المرأة في هذه المجتمعات، ألم يقل الله تعالى:﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ (البقرة: 233)، ففي الآية دليل على جواز استئجار المرأة للرضاعة، وأنه يجب على ولى الطفل أن يقدم لها أجرها.

قال: لا إشكال في هذا النص، ولا دليل فيه على ما ذكرت.

قلت: كيف؟

قال: هل رأيت رجلا يرضع صبيا؟

ضحكت، وقلت: في أي كوكب هذا؟ أو في أي فيلم خيالي شاهدته؟ لكأني بك تطلب من العين أن تسمع، ومن الأذن أن ترى.

قال: فهذا إذن من وظائف المرأة التي لا يطيقها الرجل، والتي لا يصلح لها إلا المرأة.

قلت: أجل، هذا صحيح،  ولكن قد ورد في النصوص ما يدل على عمل المرأة، بل عمل المرأة لتنفق على زوجها، فكيف تنكر هذا؟

قال: ومن قال لك: إني أنكر هذا!؟ .. أنا  أتكلم عن حق العمال الاجتماعي، فهل ترك هؤلاء أبناءهم للخوادم، أم لدور الحضانة؟

قلت: لا .. لم يفعلوا ذلك.

قال: ولو أنكم فعلتم ذلك ما أنكر عليكم أحد، ولكنكم تسلبون المرأة أولادها، وهي أغلى ما تملك، وهي أغلى ما يملكون، لتزجوا بها فيما تتصورونه من حضارة.

قلت: لكأني بك تريد حبس المرأة في بيتها.

قال: ومن قال بأن المرأة في بيتها محبوسة، أليست تؤدي أعظم وظيفة، وظيفة بناء الإنسان؟

قلت: صدقت، فإن العناء الذي تعانيه في هذه الوظيفة أعظم من العناء الذي تعانيه خارجها.

قال: لقد سمعت بعضكم يستشهد بحكمة تقول:(الأم التي تهز سرير الطفل بيد، تهز العالم باليد الأخرى)

ضحكت، وقلت: أي حكمة هذه يا معلم، إن هذا كلام نابليون بونابرت.

قال: وما يهمني من هو، المهم أن ما قاله حكمة، وقد قلتم:(خذوا الحكمة من أفواه المجانين)

قلت: نعم، كل هذا صحيح، ولكن مع ذلك، فإني لا أتصور المراكز الكثيرة، وقد خلت من النساء .. الحضارة يا معلم تستدعي هذا النوع من التضحية.

قال: أي حضارة هذه التي لا تكتفي بتدمير صحتكم والقضاء على راحتكم، بل تتعدى ذلك إلى القضاء على طبيعتكم الاجتماعية ..

مفتاح المجتمع

بعد أن قال ذلك فتح لنا الباب .. فرأينا ما لا يمكن وصفه.. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى رأيت بابا عجيبا قد صور عليه بالأبعاد جميعا خلق كثيرون، كلهم يظهر التشبث بي طالبا مني الرحمة، حتى أني كدت أمد يدي إليهم لنجدتهم.

سألت المعلم: ما هذا الباب العجيب؟ ومن هؤلاء الذين يتشبثون بي طالبين النجدة؟

قال: هذا المجتمع.

قلت: وما يطلب مني.

قال: حقوقه.

قلت: أنا إنسان بسيط، لا أكاد أملك من الدنيا إلا ما يسد رمقي ورمق أولادي، فكيف أغيثهم؟

قال: هؤلاء ليسوا شحاذين، وإنما هم يطلبون منكم الرحمة.

قلت: وهل الرحمة شيء غير الإحسان؟

قال: هناك رحمة الإحسان، وهناك رحمة عدم الإساءة.

قلت: فهل نحن في الواقع نسيئ لهؤلاء؟

قال: أجل تسيئون إليهم كثيرا.

قلت: كيف؟

قال: تسيئون إليهم بأربعة أنواع من الإساءات.

الطبقية:

قلت: ما هي الإساءة الأولى؟

قال: تقسمونهم إلى طبقات مختلفة منها العليا، ومنها الدنيا.

قلت: هذا صحيح، ولا أحسب مجتمعا من المجتمعات خلا من هذه النظرة.

قال: ولكن المجتمع المؤمن الذي يعلم وحدة خالقه لا ينظر هذه النظرة، ولا يتعامل مع الخلق بهذا الأسلوب، بل ينظر إلى أفراده كنظره إلى إخوانه لا يميز فقيرهم عن غنيهم، ولا قويهم عن ضعيفهم.

قلت: فنحن نسيء في واقعنا للطبقات الدنيا؟

قال: بل تسيئون لكل المجتمع بطبقاته الدنيا والعليا.

قلت: كيف؟ نحن لا نسيء للطبقات العليا ..

قال: بل إن إساءتكم لهم أعظم من إساءتكم للضعفاء.

قلت: كيف؟

قال: أنتم تغيرون أخلاقهم، وتبدلون طباعهم، قد يكون أحدهم محسنا، فتجرونه إلى الإساءة، وقد يكون مسيئا، فلا تصرفوه عن إساءته، وإنما تثبتوه عليها، وتطلبوا منه أن يزيد منها.

قلت: أشعر كأني فهمت .. ولكني لم أفهم.

قال: أنت تفهم .. ولكن لا تستطيع أن تعبر عن فهمك .. لأنك لا تستطيع أن تستحضر أمثلة لذلك .. أو تخاف أن تستحضر أمثلة لذلك.

قلت: أجل، فإن بعضها قد يكون من السياسة، وأنا استعذت بالله من السياسة.

قال: نعم، في السياسة وغيرها .. أنتم تدللون الكبار، وتقمعون الصغار، ويكفي هذا لطبقيتكم.

قلت: سأضرب مثالا بسيطا لا علاقة له بالسياسة.

قال: الحج؟

قلت: أجل .. نحن نرسل أصحاب البطون الضخمة بالمجان ليؤدوا المناسك .. ونطلب من المهزولين الذين ظلوا طول عمرهم يجمعون المال درهما درهما أن يدفعوا عن السمان حقوق حجهم.

قال: أهؤلاء يحجون إلى بيت الله، أم يحجون إلى بيوت النيران؟

قلت: بل يحجون إلى بيوت الله.

قال: ولم ترسلونهم؟

قلت: ليرجعوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، فإنا نخشى عليهم أن يصيبهم من عذاب الآخرة ما أخطأهم من عذاب الدنيا.

قال: فبشرهم بأنهم لن يرجعوا من ذنوبهم كما ولدتهم أمهاتهم، بل سيرجعون بأوزار تنوء بها ظهورهم، وحيات تمتلئ بها قبورهم.

التطفيف:

قلت: فما الإساءة الثانية؟

قال: أنتم تطففون، مع أنكم تقرأون قوله تعالى:﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (المطففين:1)

قلت: كيف هذا، وقد اخترع قومي موازين دقيقة، توضع الشعرة عليها فيهتز لسان الميزان مخبرا عن وزنها وثمنها، ولو شئت لأخبرك عن كيفة الدفع.

قال: ولكنه لا يتعامل مع كل الناس معاملة واحدة.

قلت: لا، بل هو جماد لا يفرق بين الناس.

قال: نعم، هو لا يفرق، ولكنكم تفرقون.

قلت: كيف؟

قال: إذا وضعت فيه رطلا كم من الثمن تدفع؟

قلت: سيطلب منك الميزان نفسه أن تسلمه ثمن رطل.

قال: ولو وضعت رطلين.

قلت: سيطلب ثمن رطلين.

قال: فلو طلب ثمن رطل.

قلت: يكون قد طفف، وحينذاك سنرسله إلى قطع الغيار القديمة ليطحن فيها، ويعاد تركيبه من جديد.

قال: فليتكم تعاقبون أنفسكم بهذا الأسلوب.

قلت: كيف، ولماذا؟

قال: لأنكم تطففون.

قلت: كيف؟

قال:أليس المطففين هم:﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (المطففين:2 ـ 3)

قلت: بلى، فهذا هو تعريف القرآن الكريم للمطففين.

قال: وهو ما يطبقه مجتمكم.

قلت: كيف نطبقه؟

قال: من بذل منكم جهد رطل تعطونه الملايين وتعتذون إليه عن قلتها، ومن حمل منكم القناطير المقنطرة على ظهره، تسلمون إليه دراهم معدودات، ثم تسلبونه نصفها تأمينا وضرائب، ثم تضيفون إلى حمله قنطارا خدمة لوطنه وتضحية في سبيله .. وأنتم لا تدرون أن ذلك القنطار يقصم ظهره كما قصمت الشعرة ظهر البعير.

قلت: كثير من كلامك صحيح، فالموظفون الكبار عندنا ينال أحدهم من الأجور ما يناله المئات من المستضعفين الذي ناء ظهرهم بالأحمال الثقال، ومع ذلك يكون تقاعدهم قبل تقاعد الصغار.

قال: حتى الموت تطففون فيه.

قلت: كيف ..

قال: إذا مات فيكم الضعيف واريتموه التراب لا يشهد جنازته إلا المستضعفون من أمثاله، فإذا مات السمين أقمتم المآتم، ونكستم الأعلام، وأغلقتم المدارس حزنا عليه.

قلت: هذا صحيح .. وهذه إساءة لا ننكرها؟

التسميم:

قلت: فما الإساءة الثالثة؟

قال: التسميم.

قلت: أنحن نسمم المجتمع؟

قال: نعم، بأحدث أنواع السموم وأخطر أنواع السموم.

قلت: كيف، ونحن الذين اخترعنا لأدوية، وبنينا المستشفيات.

قال: لولا سمومكم لأغلقتم أكثر مستشفياتكم.

قلت: ونرمي أدويتنا في البحر بعدها.

قال: ألم تكتفوا بقتل الحياة فيكم حتى تقتلوا أمم البحار.

قلت: فما السموم التي نقتل بها مجتمعنا؟

قال: أكثر مخترعاتكم التي تملؤون بها البطون والآذان والعيون سموم.

قلت: كيف ..  اشرح لي .. فإني لا أكاد أستوعب ما تقول.

قال: سأكتفي بسم واحد ابتدعتموه إبداعا .. حاولت أن أجد سرا له، فلم أستطع.

قلت: ما هو؟

قال: هذه اللفافات المحروقة التي تضعونها في أفواهكم لتستنشقوا دخانها.

ضحكت، وقلت: ذاك الدخان، إنه من أنواع السموم التي يحرص قومي على استعمالها مع علمهم بسميتها.

قال: وكيف يسمح بها؟

قلت: لأن الشركات الكبرى التي تنتجه لها من السطوة بحيث لا تستطيع القوانين قهرها ولا السيطرة عليها، ولكنهم مع ذلك استطاعوا أن يفرضوا عليهم أن يسجلوا في غلافها عبارة (التدخين مضر بالصحة)

قال: فهل أثرت هذه العبارة؟

قلت: لا .. لم تؤثر، إنها تذر الرماد في العيون من غير أن يكون لها أي تأثير في الواقع.

قال: بل هي تحد للمجتمع، تقول له:(مع أن هذا السم مضر بالصحة إلا أننا نفرض عليك استعماله أبيت أو كرهت، بل نوقعك في الإدمان عليه، لتصير عبدا لنا لا عبدا لله)

قلت: وما علاقة هذا بالعبودية لله؟

قال: ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:(تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)([61])

قلت: أتعلم([62]) يا معلم أن منظمة الصحة العالمية وجميع الهيئات الطبية في العالم قررت أن التدخين هو أكبر خطر على الصحة يواجه البشرية اليوم.. فالتدخين يقتل أربعة ملايين شخص كل العام، والعدد في ازدياد بسبب الزيادة السكانية وخاصة في العالم الثالث. وتقدر منظمة الصحة العالمية أن يصل العدد إلى 10 ملايين شخص يتوفون سنويا بحلول عام 2020 م.

قال: ولماذا يصبون جام غضبهم على القنابل النووية إذن، وعلى التسلح الننوي في العالم.

قلت: بالمقارنة، فإن القنبلتين الذريتين اللتين ألقيتا على هيروشيما وناجازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 قتلت مباشرة 140 ألفا، ثم مات بعد ذلك عدد آخر بسبب الأشعة القاتلة، ويقدر العدد الإجمالي لضحايا القنبلتين الذريتين بربع مليون شخص.

فكيف يمكن أن نقارن ضحايا التدخين، وهم أربعة ملايين شخص يتوفون سنويا بضحايا القنابل الذرية؟

قال: وهل تقوم وكالات الطاقة بتفتيش معامل التبغ لتشمعها بالشمع الأحمر؟

قلت: لا .. ولا علاقة لها بهذا، أتعلم أن هذه الشركات الضخمة، وأغلبها أمريكية تصنع ثلاث سجائر لكل إنسان على وجه الأرض يوميا، أي 18 ألف مليون سيجارة، وهي تكفي لإبادة الجنس البشري بأكمله لو أخذ ما فيها من النيكوتين بطريقة الحقن، بحيث لا تبقي على إنسان على وجه الأرض.

قال: فلماذا لا تطلبون من هذه الأمريكا أن تكف شرها على الناس؟

قلت: اسكت يا معلم، وإلا صودرنا وصودر ما نقوله.

قال: لماذا؟

قلت: فلنغير الموضوع .. هل هناك سموم أخرى؟

قال: كثيرة .. هذا الطعام الذي تعلبونه، وتلك الحلويات التي تتفنون في صنعها، وذلك اللهو الآثم الذي تنشرونه .. وتلك المسابقات العابثة التي تجرونها .. وتلك .. وتلك .. اسمح لي أن أقول لك: إنكم تعيشون في مستنقعات من السموم.

قلت: التجارة تتطلب هذا.

قال: لا .. التجارة المباركة لا تنظر إلى الأرباح فقط، بل تنظر إلى المصلحة فتحققها، وتنظر إلى المفسدة فتدرأها، وتجعل جزاءها هو جلبها للمصلحة ودرؤها اللمفسدة.

الإفساد:

قلت: فما الإساءة الرابعة؟

قال: الإفساد.

قلت: فما الفرق بينها وبين الإساءة الثالثة؟

قال: التسميم يقتل الجسد، والإفساد يقتل الروح.

قلت: فنحن إذن متفننون في قتل الجسد والروح.

قال: بل محترفون لذلك.

قلت: فكيف نقتل الروح؟

قال: تقتلون القيم الرفيعة التي أجمعت عليها الخلائق بما تنشرون من أنواع الشذوذ، وأنواع الانحراف، ثم تسمون كل ذلك حضارة ومثلا وحرية .. أنتم تشربون الخمور وتسمونها بغير اسمها.

قلت: ولكن ذلك باختيار الأفراد، لا بالقهر.

قال: مثلما تفعلون مع التدخين، أنتم تكتبون عنه بأنه مضر للصحة، ثم تنشرونه وتشهرونه أكثر مما تشهرون الأدوية.

قلت: لقد ذكرتني يا معلم بأن عدد الساعات التي يقضيها الطلاب عندنا أمام التلفزيون تفوق عدد ساعات الدراسة والبحث، فقد ورد في بعض الإحصائيات أن بعض الطلاب عندما يتخرج من المرحلة الثانوية يكون قد أمضى أمام جهاز التلفزيون قرابة (15) ألف ساعة، بينما لا يكون أمضى في حجرات الدراسة أكثر من (10800) ساعة على أقصى تقدير، أي في حالة كونه مواظبا على الدراسة محدود الغياب.

ومعدل حضور بعض الطلاب في الجامعة (600) ساعة سنويا، بينما متوسط جلوسه عند التلفزيون (1000) ساعة سنويا.

هذا بالإضافة إلى أن الحالة النفسية للمتلقي، فإنه يكون في حالة نفسية جيدة أما التلفزيون راغبا في المشاهدة مستعدا للتلقي، متلذذا بما يرى، بخلاف الطالب في المدرسة.

 قال: فهل تنشرون القيم الصالحة في هذا التلفزيون؟

قلت: لو قارنا عدد القنوات الخبيثة مع القنوات العادية لوجدنا النسبة تكاد تؤول إلى الصفر.

قال: ولو قارنتم القنوات العادية مع الطيبة التي لا تفرز إلا طيبا.

قلت: لا تكاد النسبة تصح.

قال: والناس إلى أين يميلون؟

قلت: بحسب الغرائز .

قال: فكيف يسلمون، وفي بيوتهم ما يغذي شياطين غرائزهم .. ثم تقول لي: نحن لا نعيش في مستنقعات السموم .. أنتم بأرواحكم وأجسادكم تعيشون في مستنقعات السموم.

قلت: رويدك يا معلم، فإن إلقاء الحقيقة المرة يحتاج إلى مسوغات لتقبلها.

قال: والمسوغات من السموم التي تفننتم فيها، فكذبتم على أنفسكم، وكذبتم على أجسادكم .. ألستم تضعون نكهات خاصة على سجائر التبغ التي تتناولونها؟

قلت: وبحسبها تكون الجودة.

قال: أرأيت ماذا تفعل المسوغات .. واجهوا أنفسكم بالحقيقة .. واصرخوا فيها .. فما أفلح من لم يصرخ.

مفتاح الكون

بعد أن قال ذلك فتح لنا الباب .. فرأينا ما لا يمكن وصفه.. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى رأيت بابا عجيبا قد صورت عليه صور شتى تختلط فيها الذرة بالمجرة، والخلية الحية بالأكوام من الجمادات، وكلها ترفع رايات بيضا، وتنطق بلا حرف ولا صوت تطلب السلام.

سألت االمعلم عن هذه اللوحة الرمزية، فقال: هذا باب حقوق الأكوان، وهي تطلب جميعا منكم الرحمة.

قلت: ما الرحمة التي تطلبها الأكوان؟

قال: هي الرحمة التي يطلبها الإنسان.

قلت: وما الرحمة التي يطلبها الإنسان؟

قال: الفطرة.

قلت: لقد خلق الله الإنسان على الفطرة.

قال: وكذلك خلق الأكوان على الفطرة.

قلت: أفهم خلق الإنسان على الفطرة، ولا أفهم خلق الأكوان على الفطرة.

قال: أليس المولود (يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)([63])

قلت: بلى، قد فهمت هذا في المولود، فهو في أصله فطرته قلبه كابتسامته العذبة، وروحه لطيفة كلطف محياه.

قال: فكذلك الكون ولد بريئا طاهرا يبتسم برياحه كما يبتسم بنسيمه، وهو يخاف على فطرته أن تنجس بقاذوراتكم، ألم تخف الملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ على الأرض من شركم معشر بني الإنسان؟

قلت: بلى، لقد قالت:﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴾ (البقرة: 30)

قال: وهل حصل ما خافت منه الملائكة؟

قلت: بلى، فقد قال أخبرتعالى عن كثير من المفسدين في الأرض، ومن جملتهم ذلك الذي نزل فيه قوله تعالى:﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (البقرة:205).. وقد ذكر المفسرون أنها نزلت في الأخنس.

قال: أهذه آية الأخنس؟

قلت: نعم .. هكذا قال المفسرون، وعلى هذا نصوا.

قال: وهل الأخنس واحد؟

قلت: نعم .. وهو الذي أبوه شريق، وينتمي إلى ثقيف.

قال: ما أخطر ما تفسرون به القرآن الكريم .. إن ابن شريق لا يستحق نظرة واحدة من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف يستحق أن ينزل قرآن ينشر ذكره إلى قيام الساعة .. إن هذه الآية تخاطبكم، فلا تنشغلوا بالأخنس وبأبي جهل.

قلت: فما تقول لنا؟

قال: تقول لكم لا تغتروا بالمفسدين الذي يزعمون أنهم يصلحون، ألم يقل الله في الآية السابقة لهذه الآية:﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (البقرة:204)

قلت: بلى .. وهكذا كان الأخنس.

قال: وهكذا هو حال كل أخنس يفسد ويزعم أنه يصلح .. يضر ويزعم أنه مفسد .. يسلبك ما في جيبك، ثم يطلب منك أن تدفع له ثمن تعبه في مد يده إلى جيبه.

قلت: لقد ذكرتني بما روي في بعض الكتب:(إن عباداً ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، قال اللّه تعالى: عليّ تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران)

قال: لقد ذكر القرآن الكريم الكثير من المفسدين الذين يزعمون أنهم مصلحون، فقال:﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (البقرة:11)

قلت: وقد صدق التاريخ ما قال الحق تعالى، فليس هناك مفسد إلا وهو يزعم الإصلاح، فأكبر الجرائم الإنسانية تغطى، بل تمجد، بل يعطى أصحابها الشهادات التقديريه لكونهم من المصلحين.

قال: ذلك في حسابكم، أما في حساب الحق، فإن المفسد هالك من أول خطوة يبدأ بها فساده، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:41)

قلت: بلى.

قال: فقد أخبر تعالى أنه سيذيق المفسدين ثمار فسادهم.

قلت: ولكن ثمار فسادهم طالت الأكوان من الأحياء والجمادات.

قال: ليس في أكوان الله جمادات .. كلهم أحياء .. وكلهم يستغيثون بالله من فسادكم .. وكلهم يرسل آلاف اللعنات على كل من غير ابتسامة الكون .. أو لعب ببراءته.

قلت: لعلك تقصد آثار الصناعة على جمال الأرض وطهارتها وتناسقها.

قال: وهل هناك خطر أعظم من هذا .. لم تزكم الأرض منذ خلقها الله، فلما جئتم وجاءت حضارتكم كان أول ما فعلته أن أحرقت رئة الأرض، فتنفست سلا .. ولعبت بأمواج البحر البريئة، فملأتها نفطا .. ولم يسلم جو الفضاء من فسادكم، فخرقتم ما رقعه الله، وقطعتم ما وصله.

قلت: صدقت، فقد قرأت في هذا من الأخبار ما ينقضي دونه العجب.

قال: فاذكره.

قلت: لقد قرأت أنه خلال نصف قرن مضى فقط خسر العالم خُمس  التربة الصالحة للزراعة، وخُمس غابات المطر، وانقرضت الآلاف من الأجناس النباتية  والحيوانية.. وقرأت عن انتشار مواد كيمائية خطرة تستخدم في أكثر دول العالم، وآثارها سيئة، وهي تصل إلى أكثر من 80 ألف مادة.. وقرأت عن ارتفاع حرارة  الأرض نتيجة أبخرة وغازات وعوادم السيارات وغيرها، والتي أدت إلى تغيرات مناخية زادت من خطر الأعاصير المدمرة أو الجفاف أو الفياضانات .

قال: فأنتم تخربون بيوتكم بأيديكم.

قلت: ما بالك يا معلم .. أنت تتكلم كل حين عن تلوث البيئة ..

قال: هل ترضى أن ترمى في الكعبة النجاسات، أو تدنس المساجد بالقاذورات؟

قلت: لقد قف شعري مما قلت .. والله لو حصل ذلك لملأنا عليهم الدنيا لهيبا .. كل شيء نقبله ما عدا تدنيس مقدساتنا.

قال: الحق أقول لك: من لم يشعر بالغيرة على أكوان الله كما يشعر بالغيرة على كعبة الله، ومساجد الله، فهو لا يعرف الله، ولا يقدر خلق الله.

قلت: كيف .. أنت تتكلم كلاما خطيرا قد نرجم بسببه .. أنت تجعل للجبال والحجارة والرياح والأمطار من القداسة ما للكعبة والمساجد.

قال: أنا لا أفعل ذلك، بل الله هو الذي يأمرنا بذلك.

قلت: بم يأمرنا؟

قال: باحترام مخلوقاته .. ألم تقرأ حديث القرآن الكريم عن مواقفها الخاشعة .. ألم تسمع قوله تعالى:﴿  إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (الأحزاب:72)، فلولا ما في الكون من طاقة الإدراك والاختيار ما عرض عليه هذا العرض الخطير، ولولاها ما أجاب هذه الإجابة الواعية.

والقرآن الكريم يخبر عن وعي الحجارة وعيا يجعلها تهبط من خشية الله، قال تعالى:﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه﴾ (البقرة: 74)

والجبل يخشع لنزول القرآن، قال تعالى:﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر:21)، بل ينهد لسماع شرك المشركين، قال تعالى:﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾ (مريم:90 ـ91)

قلت: لقد ذكرتني بما ورد في الآثار من أن الجبل يفخر إن مر عليه ذاكر لله، فقد ورد في الأثر:(إن الجبل ليقول للجبل: هل مرَّ بك اليوم ذاكر لله؟ فإن قال: نعم، سُرَّ به) ثم قرأ عبد الله قوله تعالى:﴿  وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (البقرة:116) قال:(أفتراهن يسمعن الزور ولايسمعن الخير)([64])

قال: فأنت ترى أن الكون حلقة ذكر واسعة .. أفليس لهؤلاء الذاكرين الخاشعين من الحرمة ما للكعبة والمساجد؟

قلت: بلى .. بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يحمل احتراما عظيما للكائنات، فعندما حن الجذع لفقد رسول الله r، ضمه حتى سكن ([65]) .. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يبادل هذه الأشياء مشاعرها، فكان يقول عن أحد:(هذا جبل يحبنا ونحبه)([66])

قال: أتدري ما أعظم حق يطلبه منكم الكون؟

قلت: ما هو .. لقد شوقتني.

قال: أن تعترفوا به.

ضحكت وقلت: وكيف نعترف به .. أنحن نستعمره؟

قال: أجل أنتم تستعمرونه في تصوراتكم، فتعتقدونه كونا هملا لا راعي له ولا حافظ، فتصارعونه وتوهمون أنفسكم أنكم تغلبونه.

قلت: فكيف نعترف به؟

قال: أن تعتقدوا أنه كون لله، لا كونكم، فتتعاملون معه معاملة الأخ لأخيه، وتتناولوا ما فيه من فضل باسم الله، لا باسمكم وباسم جهودكم.

قلت: ففسر لي ذلك، وأدبني به.

قال: علم ذلك في درس آخر من دروس السلام، عندما نشرب من عيون الحقائق مياها عذبة من أكواب (أكوان الله) 

 

مفتاح الاستخلاف

بعد أن قال ذلك فتح لنا الباب .. فرأينا ما لا يمكن وصفه.. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى رأيت بابا عجيبا، سألت المعلم عنه، فقال: هذا باب الاستخلاف، ولا يصح دخول سائر الأبواب إلا بعد حمل ترخيص منه.

قلت للمعلم: لماذا تتشدد هكذا؟

قال: هذا ليس تشددا .. هذه حقيقة، فالاستخلاف هو التصور الذي ينطلق منه المؤمن في تعامله مع كل شيء، والتصور أساس التصرف.

قلت: فما حقيقته؟

قال: أن يعلم المؤمن أن كل شيء عنده لله، وأنه مجرد خليفة عليه، لا مالك له.

قلت: أجل، فالقرآن الكريم يقرر ملكية الله لكل شيء في آيات كثيرة جدا، كقوله تعالى:﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (آل عمران:109)، وقوله:﴿ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يونس:55)

قال: والمال الذي تتصورون أنه لكم ، ويعادي بعضكم بعضا لأجله هو لله، فقد قال تعالى:﴿  وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ (النور: 33) ..

قلت: صدقت .. فقد صرح القرآن الكريم بأن الله تعالى جعل الإنسان خليفة على هذا المال، فقال:﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الحديد:7).. وأخبر أن المال الواصل لخلقه هو من الله، فقال:﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران:180)..  ولكن يا معلم لقد نسب الله تعالى الأموال للعباد في أكثر مواضع القرآن الكريم، كقوله تعالى عن المنفقين:﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (البقرة: 262)

قال: لا تعارض بين النسبتين.

قلت: كيف؟

قال: أرأيت لو وهبت لك هبة .. أليست الهبة هبتي.. وهي مع ذلك ملك لك تستطيع أن تنسبها لنفسك.

قلت: فإذن أستطيع أن أتصرف بها كما أشاء.

قال: لا .. لأن الواهب شرط عليك أن لا تتصرف في هبته إلا بما فيه المصلحة.

قلت: ولكن الله غني عنا.

قال: بما فيه مصلحتك ومصلحة المجموع لا مصلحتك وحدك.

قلت: اشرح لي هذا .. فإني لا أكاد أفهم.

قال: قبل أن أشرح لك أريد أن أسألك عن موقف قومك من ملكية المال .. فهي أصل مواقفهم من كسبه وصرفه وأصل أخطائهم في ذلك.

قلت: قومي يختلفون .. هناك من يرى الملكية الفردية، ولا يحد لها أي حدود، ويجعل صاحبها حرا في التعامل مع ماله يوجهه حيث يشاء، وهناك من يرى عكس ذلك، وهناك من يحاول التوسط.

الرأسمالية:

قال: فما تقول الطائفة الأولى؟

قلت: هذه الطائفة تعظم المال وتجعله عصب الحياة أو ركنا من أركان الحياة، وقد قال أحد مؤسسيها:(يوجد في العالم ثلاثة اختراعات عظيمة هي الكتابة والنقود والجدول الاقتصادي)

قال: هذا كلام صحيح، فالنقود من نعم الله على عباده، وهي قوام المعيشة، وعصب الحياة، ألم تقرأ قوله تعالى:﴿ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً ﴾ (النساء: 5) ؟

قلت: ولكنهم يبالغون في طلبه والإكثار منه.

قال: لا حجر في الإكثار وفي الطلب إن كان بالطرق الشرعية، ألم تسمع قول إخوة يوسف عليه السلام:﴿ مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ (يوسف: 65)؟

صحت، وقد اشتد علي ما أسمعه من المعلم: لقد أدى بهم الجشع والحرص على الاستكثار من المال إلى أمور خطيرة.

قال: وماهي؟

قلت: لقد جرهم لهثهم وراء المال إلى أنانية مفرطة، حيث يتحكم فرد أو أفراد قلائل بالأسواق تحقيقاً لمصالحهم الذاتية دون تقدير لحاجة المجتمع أو احترام للمصلحة العامة.. وهم في سبيل كسب المال لا يبالون بالطرق التي يحصلون بها عليه، فهم محتكرون خبيرون بالاحتكار، يقومون باحتكار البضائع وتخزينها حتى إذا ما فقدت من الأسواق نزلوا بها ليبيعوها بسعر مضاعف يبتزون به المستهلكين الضعفاء..

قال: ما هي تصوراتهم التي جعلتهم يتطرفون كل هذا التطرف؟

قلت: هم يتصورون بأن المال مالهم، كسبوه بعرقهم وجهدهم أو ورثوه عن أهلهم وأقاربهم .. ولا يحق لغيرهم أن يشاركهم فيه.

قال: أتقصد (القارونية) التي قال مؤسسها، أو المعبر عنها:﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (القصص: 78) جوابا لمن ذكره بأن المال مال الله، وينبغي أن يسير فيه بما أراد الله، فقال له:﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص:77)

أو تقصد ما قال قوم شعيب عليه السلام:﴿ يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (هود: 87)

قلت: بل أقصد طائفة عصرية هي أكبر الطوائف عددا وأكثرها أموالا تسمى (الرأسمالية)

قال: وما تقول هذه الطائفة .. لم أرها مذكورة في كتب (الملل والنحل)

قلت: هذه الطائفة لا علاقة لها بالدين، ولا تهتم له، ولا تهتم به، إنما تحصر اهتمامها في المال.

قال: إذن هي من طائفة (عبدة المال) التي نص عليها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(تعس عبد الدينار)

قلت: لقد ذكرتني بما روى سيد قطب عن نفسه أنه أثناء زيارته لأمريكا كان ذات مرة جالساً في حديقة فاقترب منه رجل أبيض، وسأله: من أين أنت؟ فأجاب سيد: من مصر، فرد عليه قائلاً: إذن أنت مسلم، قال: نعم، قال: إذن حدثني عن الإسلام، فأخذ سيد يحدثه عن الإسلام، والرجل منصت باهتمام حتى أنهى سيد حديثه، عندها قال الرجل: جميل ما قُلته، ولكن الدولار هو الإله الوحيد الذي أعرفه!!

قال: أمثل هؤلاء لا زالوا يحملون صفة (الإنسان) .. لقد محى الله هذه الصفة على من لا يعرفه، فقال:﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (الفرقان:44).. بل فضل الحجارة عليهم، فقال:﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:74)

قلت: نعم .. لقد تحولوا إلى مسخ لا علاقة له بالإنسان، فهم لم يتحرجوا من إبادة شعوب وأمم بأكملها، كما فعل الأمريكان بالهنود الحمر بحثاً عن الذهب ، وكما فعل مع سكان مستعمراته في إفريقيا حيث اقتاد منهم الألوف - بعد أن نهب خيرات أوطانهم - مكبلين بالأغلال في الأعناق والأيدي والأقدام استغلالاً لسواعدهم وقوة أجسامهم في استثمار اقتصادي لا يعود نفعه إلا إلى الرأسمالي ذاته.

قال: أتعلم أن كل ما ذكرته من هذه الطائفة نص عليه القرآن الكريم عند حديثه عن قارون.

قلت: إذن لقارون السبق في تأسيس هذه الطائفة .. فكيف ذلك؟

قال: لقد ذكر الله تعالى أربعة انحرافات لقارون، كل انحراف منها كاف لإدانته.

قلت: فما الانحراف الأول؟

قال: الظلم، وهو أول انحرفاته، ولعله نال ماله بسببه، فقد قال تعالى:﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ ﴾ (القصص: 76)

قلت: وهو يمثل ما فعلته الرأسمالية من ظلم وتسلط ونهب واستعمار واستعباد.

قال: لقد بدأ قارون بقومه.

قلت: وهم يبتز بعضهم بعضا وينهب بعضهم بعضا إن لم يجدوا من ينهبون.

قال: والانحراف الثاني هو الفرح، كما قال تعالى:﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (القصص: 76)، والفرح ـ هنا كما في أكثر مواضع القرآن الكريم ـ يعني البطر والكبر والتعاظم واحتقار المستضعفين.

قلت: وهم يفعلون ذلك معنا، فيسمون أنفسهم العالم الأول، ونحن العالم الثالث، وهم العالم المتقدم، ونحن العالم المتخلف .. ولأفرادهم من القيمة ما ليس للآلاف عندنا، فلا حرج عندهم أن يفتكوا بالآلاف منا في سبيل واحد منهم.

قال: والانحراف الثالث، هو الاستغراق في الدنيا، ونسيان الله والدار الآخرة، وهو ما يدل عليه قوله تعالى على لسان المصلحين من قومه:﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ (القصص: 77)

قلت: وهو ما وقعوا فيه من الغفلة عن الله، واعتبار الدين نوعا من القضايا التي لا ينبغي البحث فيها ولا الاهتمام بها إلا الاهتمام الشكلي الذي يعبر عن الاحتقار أكثر من تعبيره عن الإيمان.

قال: والانحراف الرابع، هو الإفساد في الأرض، كما قال تعالى على لسان المصلحين من قومه:﴿ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77)

قلت: وهو ما وقعوا فيه من إفساد للأفراد والمجتمعات والأكوان من أجل مكاسب بسيطة لا تتجاوز خزائنهم.

قال: أتدري مصير قارونيتكم؟

قلت: لعل مصيرها هو مصير قارونية قارون، كما قال تعالى:﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ (القصص:81)، أحادث ذلك يا معلم؟ أتحصل معجزة مثل هذه؟

قال: ولماذا تبحث عن هلاكهم؟

قلت: وعن ماذا أبحث؟

قال: عن توبتهم .. ألم ينصح أولو العلم قارون ويوجهوه؟

قلت: أجل .. لكنه لم يستجب.

قال: فوجهوهم .. وارحموهم بتوجيهكم .. فإن لم يستجيبوا .. فاسألوا لله لهم ..

قلت: بل نسأل الله عليهم.

قال: إن أردتم السنة فاسألوا الله لهم، فعسى الله أن يخرج من أصلابهم من يتوب من عبادة الدينار والدرهم .. ويسلم وجهه إلى الله، وما ذلك على الله بعزيز.

الشيوعية:

قال: فما الطائفة الثانية؟

قلت: الشيوعية .. وهي طائفة ذات مذاهب متعددة، وهم على عكس الطائفة الأولى، يحاربون الملكية الفردية، ويقولون بشيوعية الأموال.

قال: هناك أموال ينبغي أن تبقى مشاعة حتى لا يستأثر بها الأغنياء، فيستولوا على حقوق الفقراء، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم مشيرا إلى هذا النوع:(المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار، وثمنه حرام)([67]) 

قلت: هم لا يقولون هذا فقط .. بل ينطلقون من هذا إلى أفكار خطيرة تدور كلها حول الصراع.

قال: الصراع! .. ما أفلح من صارع! .. من يصارعون؟

قلت: أول من صارعوه الله، فهم ينكرون وجود الله تعالى وكل الغيبيات ويقولون بأن المادة هي أساس كل شيء.. وهم لذلك يحاربون الأديان، ويعتبرونها وسيلة لتخدير الشعوب .. وهم في أحسن الأحوال لا ينشغلون عن الدين نفيا أو إثباتا فمركز اهتماماتهم المادة وأساليب الإنتاج.

قال: فإذا حاربوا الله، وحاربوا دين الله فسيقعون في عبودية غيره.

قلت: أجل .. لقد حصل ذلك، فقد وقعوا في عبودية الحزب الشيوعي وقادته، فقد كان شعارهم: نؤمن بثلاثة: ماركس ولينين وستالين، ونكفر بثلاثة: الله، والدين، الملكية الخاصة.

قال: ومن وقع في عبودية غير الله، فسيقع في كل أنواع الصراع.

قلت: أجل .. لقد وقعوا في ذلك، فتميز كل تاريخهم بالصراع، بل إنهم فسروا تاريخ البشرية بالصراع بين الرأسماليين والفقراء.. وينتهي هذا الصراع حسب زعمهم بدكتاتورية الفقراء. . وقد فسروا كل أحداث التاريخ بأنها نتيجة حتمية لتغير وسائل الإنتاج، وفسروا الفكر والحضارة والثقافة بأنها وليدة التطور الاقتصادي. . حتى الأخلاق يقولون عنها بأنها نسبية وهي انعكاس لآلة الإنتاج.

قال: وعلاقتهم بالمستضعفين؟

قلت: هم يزعمون أنهم يعملون في مصلحتهم، ولكنهم في الحقيقة لم يحكموا الشعوب التي أتيح لهم حكمها إلا بالحديد والنار.

قال: أتحسبون أن هؤلاء بشرا؟

قلت: ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ﴾

قال: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (الفرقان: 44)

قلت: ولكن الله تعالى نجانا منهم، فقد انتهت دولتهم.. فانهارت في معاقلها بعد قرابة سبعين عاماً من قيام الحكم الشيوعي وبعد أربعين عاماً من تطبيق أفكارها في أوروبا الشرقية.

الإسلام:

قال: أهؤلاء قومك؟

قلت: هؤلاء من قومي، ومنهم من يقول غير هذا، أو يحاول أن يجمع بين هذا وهذا.

قال: فدعنا منهم، فإن للشياطين سبلا، وللشر ظلمات، ألم تر أن الله تعالى عبر عن النور بالإفراد وعن الظلام بالظلمات؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى:﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة:16)

قال: فلنرجع إلى النور نطفئ به جميع الظلمات.

قلت: فما هو مصدر النور؟

قال: الله..ألم تقرأ قوله تعالى:﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (النور: 35) .. فإن كان هؤلاء وأولئك اشنغلوا عن الله بالدينار والدرهم، فإن المؤمنين المستنيرين بنور الله يبدأون علاقتم بالدينار والدرهم من الله، فهم يشعرون بفقرهم التام وعجزهم المطلق وفنائهم المحض، ثم يشعرون بأن الله بجوده من عليهم بأرزاق كثيرة منها ما تناولوه، ومنها ما اختبروا به.

قلت: فما هي الأرزاق التي تناولوها؟

قال: هي ما يشترك فيه الناس جميعا من المآكل والمشارب والملابس والمساكن .. فهي أرزاق، الغرض منها حياة الإنسان، فلولاها ما صلح بقاؤه على هذه الأرض.

قلت: وما أرزاق الاختبار؟

قال: هي ما فاض على ذلك وزاد عن الحاجة، ألم تقرأ قوله تعالى:﴿ وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾ (البقرة: 219)

قلت: فما العفو؟

قال: هو ما زاد عن الحاجة، فليس للإنسان فيه من حق التملك إلا حق التسيير والإنفاق فيما أمر الله بالإنفاق فيه.

قلت: لكأني بك تعود بي إلى منطق الشيوعية.

قال: لا .. أنت تزعم أن الشيوعية تريد تساوي الناس في التملك، وتحد من حرية الأغنياء في التملك.

قلت: أجل.

قال: أما الإسلام شريعة السلام .. فيعتبر مثل هذا النوع من المصادرة سرقة .. فلذلك يترك للأغنياء حرية التملك كما شاء لهم جهدهم بشرطين: أن يكون من حله، وأن يوضع في محله.

قلت: كيف هذا؟

قال: يجوز لأي شخص أوتي ذكاء وأموالا أن يتاجر في أمواله ـ محفوفا بحماية الأمة ـ بشرط أن يكون ذلك في خدمتها، فهي أمواله من جهة تملكها، وهي أموال الأمة من جهة الانتفاع بها.

قلت: اذكر لي مثالا يوضح لي هذا.

قال: من أوتي مالا بحيث استطاع أن يجلب أنواعا من الرزق تحتاجها الأمة، سواء بالاتجار فيها، أو بصناعتها، فإنه يكون بذلك قد تخلق باسم الله:(الرزاق) ويكون له من الأجر إذا نوى ذلك ما لا يخطر له على بال.

قلت: ولكنه ينتفع بذلك، وهو يخدم مصالحه.

قال: وما يهمنا إذا كانت مصالحه لا تتعارض مع مصالح الأمة، بل تتوافق معها، أليس السلام هو توافق المصالح، والصراع هو تضادها؟

قلت: بلى.

قال: فلذلك ينظر المؤمن الفقير إلى الغني نظرة احترام لا نظرة حسد، لأنه يعتبره واسطة من وسائط الرزق لا تختلف عن الأمطار الهاطلة والأرض الطيبة .. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون)([68])

قلت: بل روي في رواية أخرى:(الجالب إلى سوقنا كالمجاهد في سبيل الله، والمحتكر في سوقنا كالملحد في كتاب الله)([69])

قال: ولهذا قرن الله تعالى الضاربين في الأرض بالمجاهدين في سبيل الله، فقال:﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (المزمل: 20)

قلت: لقد فهمت ما قلت، فلولا الغني ما بنيت المصانع التي تشغل العمال، ولا أحضرت السلع التي تحتاجها الأمة، ولا نشط السوق الذي تتم به معايش الناس .. ولكن كيف يكون الغني مجرد مالك.

قال: الشرع أذن له في أن يملك، ولكنه حجر عليه في الإنفاق، بحيث لا ينفق ولا يتصرف في ماله إلا ما فيه المصلحة العامة بالإضافة إلى مصلحته الشخصية، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (النساء:5)؟

قلت: بلى.

قال: فهذه الآية تضع نظام العلاقة مع المال، فالذي لا يعرف كيف يتصرف في ماله لا يمنع من الانتفاع به، بل يرزق منه ويكسى، ولكنه لا يباح له التصرف فيه بما يتناقض مع المصلحة العامة، وقد علل تعالى ذلك بأنه قوام المجتمع، أي أن المال في الحقيقة، وإن كان بيد الغني إلا أن مصلحته تنزل للمجتمع، فهو كالمطر تختزنه السحب، وتنتفع به الأرض.

قلت: فهذا هو الفارق إذن بين الشيوعية والإسلام، فالشيوعية تريد أن تجعل من كل فرد سحابة تهطل على نفسها.

قال: وهو الفارق بين الإسلام والرأسمالية القارونية، فهي تريد أن تجمع مياه الدنيا جميعا في يد ثلة من الناس ترفعهم إلى أعالي السماء، ولا ترضى أن تنزل قطرة عليهم إلا بعد أن تستعبدهم وتستذلهم.

قلت: والإسلام؟

قال: الإسلام يرضى ببقاء السحاب في الأعالي، ولكنه يشترط عليه إنزال غيثه على الأسافل .. شرطا لا تفضلا ..

قلت: لقد ذكرتني بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(مثل القائم في حدود اللَّه والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم؛ فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)([70])

قال: هذا مثال عظيم فيه دلالات عظيمة، فليس كل من امتلك شيئا جاز له التصرف فيه.

قلت: وكيف عبر الإسلام على هذا؟

قال: عبر عنه بالاستخلاف، ألسنا أمام باب الاستخلاف؟

قلت: ولم سمي كذلك؟

قال: لأنه التصور الذي يحمل حقيقة موقف الإسلام من المال وتملكه، وهذه الحقيقة هي التي تجر المالك إلى تصرفه في ماله وفق ما يطلبه المالك الأصلي للمال، ألا تعلم أن المالك الأصلي هو الله، وأن العبد مجرد وكيل لله؟

قلت: قد علمنا ذلك.

قال: وهل يجوز للوكيل أن يخالف تعليمات الموكل.

قلت: الوكيل الصالح لا يفعل ذلك.

قال: والإسلام يفرض هذا الصلاح على الوكيل، فإن أبى حجر عليه، ومنعه من التصرف إلا وفق ما يرتضيه صاحب المال.

مفتاح الاستثمار

بعد أن قال ذلك فتح لنا الباب .. فرأينا ما لا يمكن وصفه.. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى رأيت بابا عجيبا، قد علقت عليه لافتة في منتهى الجمال مكتوب عليها قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(التوبة: 34) ا

فسألت المعلم: ما محل هذه الآية الكريمة من هذا الباب؟

قال: هذه آية هذا الباب، فهذا باب الاستثمار، والكنز يناقض الاستثمار، ويحاربه ويمنع منه، فلذلك توجهت هذه الآية للتحذير من الكنز.

قلت: ولكن النصوص التفسيرية قد لا تسمح لك بهذا النوع من الاستدلال.

قال: فما قالوا؟

قلت: منهم من ذهب إلى أن هذه الآية الكريمة مختصة بأهل الكتاب، واستدلوا على ذلك بأن الله تعالى ذكر الكنز بعد قوله:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 34)

قال: أخطأ من ذهب إلى هذا .. القرآن الكريم منزل على هذه الأمة، ولهذه الأمة، .. حتى ما ذكرته من الحديث عن الأحبار والرهبان لا يعني الأحبار والرهبان فقط، بل يشمل من زعم لنفسه التصدر في شؤون الدين للناس من العلماء والعباد سواء كان من بني إسرائيل أو من هذه الأمة أو من غيرهما من الأمم، فسنة الله في خلقه واحدة.

قلت: صدقت في هذا.. ولكن مع ذلك هناك من يحمل الآية محملا آخر قد يكون صحيحا، وهو يخرجها أيضا عن صحة الاستدلال بها في هذا الموضع.

قال: وما يقولون؟

قلت: يقولون بأن الكنز هو المال الذي لم تؤد زكاته، فإذا أديت الزكاة خرج عن كونه كنزا حتى لو كان ما كان،  وقد رووا في ذلك عن النبي