الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: كنوز الفقراء

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 336

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

تدور أحداث هذه الرواية حول رحلة تقوم بها شخصية خيالية ممتلئة بالحكمة والعلم والعقلانية والسلام، ولها بالإضافة إلى ذلك قدرات فائقة اسمها (معلم السلام) مع تلميذه البسيط (الكاتب) الذي تألم لحال فقير من الفقراء، وثارت في نفسه اعتراضات شديدة على وضعه، فأدخله معلم السلام إلى أعماق وجدان الفقير الذي تألم له ليكتشف الكنوز العظيمة التي يمتلئ بها قلبه .. والتي تجعله يعيش سلاما داخليا عميقا وعظيما لا يحلم بمثله أثرياء المادة فقراء الروح.

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

معلم السلام

أولا ـ كنز الاستغناء

لست معزولا:

الشعاع الأول:

الشعاع الثاني:

الشعاع الثالث:

قد تكون مختارا:

الشعاع الأول:

الشعاع الثاني:

الشعاع الثالث:

الشعاع الرابع:

ماذا وجد من فقدك:

الشعاع الأول:

الشعاع الثاني:

الشعاع الثالث:

الشعاع الرابع:

ماذا فقد من وجدك:

الشعاع الأول:

الشعاع الثاني:

الشعاع الثالث:

الشعاع الرابع:

ثانيا ـ كنز القناعة

جوهرة التدبير:

جوهرة الاقتصاد:

المصالح الخاصة:

المصالح العامة:

المثال الأول:

المثال الثاني:

المثال الثالث:

المثال الرابع:

جوهرة الزهد:

الهمة:

الكمال:

العزة:

الراحة:

جوهرة الأمن:

الحقيقة الأولى:

الحقيقة الثانية:

الحقيقة الثالثة:

الحقيقة الرابعة:

ثالثا ـ كنز الاستعفاف

لا أمل فيك :

الجهل:

الغرور:

الهوى :

الخداع:

لا أمل فيهم:

الفقر:

البخل:

الظلم:

العجز:

الأمل فيه :

الغنى:

الكرم:

القرب:

الإجابة:

مد يدك إليه:

لسان الاضطرار:

لسان الافتقار:

لسان العجز:

لسان المسكنة:

رابعا ـ  كنز الفضل

جوهرة السعي:

جوهرة الإحسان:

جوهرة الالتزام:

جوهرة الدعاء:

الخاتمة

 

المقدمة

إن المعاناة النفسية التي يعيشها الفقراء والمعوزون وأصحاب الآلام المختلفة أكبر بكثير من الآلام الحسية والمادية التي تصيبهم، ذلك أن المعاناة المادية لا تمس إلا أجسادهم أو جيوبهم.. بينما المعاناة النفسية تصيب بسهامها المسمومة القاتلة أرواحهم وقلوبهم وجميع لطائفهم، فتملؤها بالصراع والألم..

ولذلك كانت هذه الرواية حوارا عقليا ووجدانيا مع اللطائف التي تتحكم في وعي الإنسان وشعوره، لتعيد له توازنه النفسي، وتقول له: لا تدع غيلان الفقر والألم والصراع تؤثر على روحك بعد أن أثرت على جسدك.. ولا تدعها تتحكم في حياتك الحقيقية بعد أن تحكمت في حياتك الوهمية..

وتقول له: يمكنك – إذا أردت- أن تظفر بكل كنوز الرضا والقناعة والاستغناء والأمل التي لا تقل عن جميع كنوز الدنيا.. بل تفوقها.. بل لا يمكن مقارنة أي كنز من الكنوز بها.

وهي – في أحداثها البسيطة - تدور حول رحلة تقوم بها شخصية خيالية ممتلئة بالحكمة والعلم والعقلانية، ولها بالإضافة إلى ذلك قدرات فائقة اسمها (معلم السلام) مع تلميذه البسيط (الراوي) الذي تألم لحال فقير من الفقراء، وثارت في نفسه اعتراضات شديدة على وضعه، فأدخله معلم السلام إلى أعماق وجدان الفقير الذي تألم له ليكتشف الكنوز العظيمة التي يمتلئ بها قلبه.. والتي تجعله يعيش سلاما داخليا عميقا وعظيما لا يحلم بمثله أثرياء المادة فقراء الروح.

والرواية من خلال تلك الحوارات المبسطة تحاول أن تبين شمولية الإسلام في معالجته للفقر، فهو لا يكتفي بالعلاج المادي، بل يضم إليه جميع أنواع العلاج الروحية والنفسية والاجتماعية وغيرها.

معلم السلام

كنت مهموما حين زارني هذا المرة ـ ككل مرة، من غير ميعاد ولا استئذان ـ قال لي: تبدو على سحنات وجهك هموم الحزن القاتل.

قلت: ومن لا يهتم في هذا الزمان؟

قال: ألا تعلم أن الهم عدو السلام؟

قلت: ومن لي بأن لا أهتم.. وهل أمري بيدي؟..  إنما أنا كعصفورة عصفت بها الرياح، فلما هدأت سقطت في شباك أطفال يسومونها سوء العذاب، فإن نجت منهم، هم بها نسر ليطعمها أصغر أولاده.

قال: نعم.. لك أن لا تهتم.

قلت: كيف؟

قال: بعلم السلام.. أنسيت أني معلم السلام.

قلت: وما علاقة ما أنا فيه بالسلام؟

قال: ما سبب همك؟

قلت: رأيت اليوم مشهدا فتت قلبي واعتصره، فذرفت من دمعي أنهره.

قال: وما رأيت؟

قلت: رأيت فقيرا مكسور الجناح.. هو تماما كالعصفورة التي حدثتك عنها، ولكني مع ذلك لم أحزن لهذا.. إنما حزنت على شللي بين يديه، فلم أستطع أن أقدم له أو أؤخر.. ومع ذلك لم أحزن لهذا.. إنما حزنت للنظرات القاسية التي كانت تتوجه إليه، وكأنه ممرور أو مجذوم، أو كأنه شيطان من الشياطين، لا يعبس إلا في وجهه.

قال: ولذلك قلت لك: لن تنجو من همك إلا بتعلم السلام.

قلت: كيف؟

قال: لأن الحزن الذي يعتلج في صدرك سهام تحارب بها رحمة ربك، ادخل في أعماق وجدانك، وقل لي ماذا ترى؟

دخلت أعماق وجداني، فرأيت ظلمات قاسية هبت منها، فناداني، التفت، فإذا هو أمامي، قال لي: اسألها: ما محلك من أعماقي، ومن أدخلك في سراديب وجداني؟ 

سألتها، فتكلمت بلا حرف ولا صوت، قالت: أنا الاعتراض على حكمة الحكيم، ورحمة الرحيم، وجود أكرم الأكرمين.

قلت: فأي محل تملئين، ولأي سر تسترين؟ 

قالت: أستر حقائق الجود، وخزائن اللطف، لأنشر أوهام الهم والحزن.

قلت: وما المخرج منك؟

قالت: أنا أضعف من أن أدلك على المخرج، هو ذا المعلم أمامك، فاسأله.

التفت إلى المعلم، فقال: اخرج من أعماقك، وهيا بنا إلى أعماق الفقير الذي اهتممت له، وحزنت عليه، واعترضت على حكمة الحكيم ورحمة الرحيم بسببه، لتستخرج من أعماقه ( كنوز الفقراء )

قلت: لا طاقة لي بالتجول في أعماق الناس.

قال: دعك من هذا، فالقدرة منه لا منك، والأمر بيده لا بيدك.

ثم التفت إلي، وقال: لا تنس قلمك، فسننطلق من أعماق ذلك الفقير الذي حزنت له لنسطر رسالة من رسائل السلام، تمسح الحزن عن آلام الفقراء، وتدلهم على الكنوز التي يدفنونها بأوهامهم وأحزانهم واعتراضهم.

***

لم يكن أمامي إلا الخضوع لأمره، لكني قلت له من غير أن أشعر: هل نستقل سيارة للوصول إليه، أو نبحث في دفاتر المعدمين عليه؟ فإني رأيته ولكني لا أعرفه.

قال: أغمض عينيك، وافتحهما لتراه أمامك، أو لترى نفسك أمامه، فقد قال الحق تعالى:{ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ }(النمل: 40)

ما إن فتحت عيني بعد إغماضها حتى رأيته، لست أدري، هل أتى به إلي، أم حملني إليه!؟ 

قال لي: انظر إليه جيدا.

قلت: نعم لقد نظرت إليه، فنشر من الحزن ما كان كامنا، ومن الهم ما كان مدفونا.

قال: انظر إليه، ولا تنظر إلى ثيابه، فالثياب كفن الإنسان، لا روح الإنسان.

نظرت إلى سحنة وجهه، فإذا بها شاحبة قد اعتصرتها الأيام، وكأنها أكلت لحمه وعظمه، ولم تبق له إلا جلدة شاحبة تستر جمجمته.

قلت: لقد نظرت، فما زادتني رؤيتي له إلا هما.

قال: انظر إليه إنسانا لا جمجمة، ألم تعلم أن الإنسان كل لا يتجزأ، وحقيقة لا تتعدد؟

نظرت إليه مجموعا، فلم أزدد إلا هما، لقد رأيت قواما شاحبا، ورجلين كعودين يقوم عليهما هيكل لو شاء النسيم العليل أن يهوي به لفعل.

ضحك، وقال: لم تزدد إلا هما.

قلت: كأني بك تمزح بي، طلبت منك أن تمسح همي، فزدتني هما على هم.

قال: لا بأس عليك سيمسح همك، اصبر، وإلا قلت لك ما قيل لموسى u:{ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}(الكهف: 67)

قلت، وقد أصابتني رعدة من أن يفارقني كما فارق الخضر موسى u:{  سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً}(الكهف: 69)

قال: انظر إلى ذلك الذي ملأت قلبك غما من أجله، لتنجلي أحزانك.

نظرت، فإذا بذلك الظل الذي لا قوام له، والشبح الذي لا ظل له، يبتسم ابتسامة دونها ابتسامة الملوك، ويصيح ملء فيه:( الحمد لله رب العالمين صاحب الفضل العظيم.. أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا.. ومن كل شيء أعطانا )

كانت كلماته كألحان عذبة.. تفوح بروائح عطرة.. تشرق مثل لآلئ البحر المكنون..

جلس إلى صبية له تبدو عليهم علائم السرور، ومخايل النجابة، فحدثهم وداعبهم وضحك إليهم وضحكوا له.

لم يكن في بيته شيء يستدعي افترار الثغر عن الابتسامة، إنما هو جدار بال، وفراش بسيط، وفي زاوية البيت فأس ورفش، لست أدري ما علاقتهما بالبيت، وما علاقة البيت بهما.

قال لي المعلم: اذهب إلى هذا الذي اهتممت له، واسأله ما يشكو، وما يطلب، وسأحقق له ـ بفضل الله ـ طلبته.

فرحت، فلعل في قدرات المعلم ما يرفع جداره، ويرفه فراشه، ويدسم طعامه، ولم أدر إلا وأنا أخاطب الفقير بقولي: ما الذي تفتقده؟ وما الذي تريده؟ فإن عجزت عن إعطائك في الصباح، فقد وجدت من يعطيك في المساء.

التفت إلي باهتا، وقال: وما الذي ينقصني حتى تكمله؟ وما الذي يعوزني حتى توجده؟

قلت: المال والثراء، والقصور والمراكب، واللباس الجميل.. والطعام اللذيذ.

ضحك، وقال: عن أي لعب تتحدث؟

قلت: أي لعب!؟.. أنا لا أتحدث عن لعب، بل أريد نقلك من الفقر الذي تعيشه إلى الغنى الذي لا تحلم به.

قال: ومن أخبرك بأني فقير؟

قلت: سحنة وجهك، وأسمال ثيابك، وجدار بيتك.. كل ما فيك ينم عنك.

ضحك، وقال: ألم يقل لك المعلم: انظر إلى الإنسان، لا إلى أشياء الإنسان؟

قلت: أتعرف المعلم؟

قال: كلهم يعرفونه، وكلهم ينكرونه؟

قلت: كيف؟

قال: يدعوهم، فلا يستجيبون.. ويمد يده إليهم، فيقبضون أيديهم.. يصيح فيهم، فيصخون آذانهم، ويملأون الأرض لغوا لكي لا يسمعوه، ويملأوها ضبابا لكي لا يروه.

قلت: إلام يدعوهم؟

قال: إلى مدائن الغنى التي خبئت فيها كنوز الفقراء.

قلت: وهل دخلت إليها؟

قال: لم أخرج منها، بل أنا ثري من أثريائها.

قلت باسما بسخرية مختلطة بهيبة: أنت ثري؟

قال بجرأة: نعم، وأرجوا من فقرائكم الذين يدفنون أنفسهم في ناطحات السحاب، ويكفنون أرواحهم في أكفان الحرير، أن يلتحقوا بمدائن الغنى لينهلوا من كنوزها ما يغنيهم عن مد اليد بالسؤال.

قلت مبتسما: أتتهم أغنياء العالم بالتسول؟

قال: وهل هناك متسول محترف أكثر منهم؟

قلت: بل هم الذين يمدون أيديهم للمتسولين بالعطاء.

قال: وهم الذين يمدون أيديهم لكل شيء بالفقر.

قلت: أهم يفتقرون إلى كل شيء!؟

قال: نعم، لأن من لم يستغن به يفتقر إلى كل شيء، ألم تسمع قول الحكيم:( ماذا وجد من فقدك )!؟

قلت: بلى، وهو القائل:( وماذا فقد من وجدك )

قال: ما أكثر ما تحفظون، وما أسرع ما تنسون.

هزني عتابه، وشعرت أني بين يديه كنملة بين يدي فيل، فقال لي: بل أنت كتلميذ بين يدي أستاذ، أو تائه بين يدي مرشد.

قلت: مرشد؟.. إلى أي طريق؟.. وفي أي متاهة؟

قال: أنا المرشد الذي يسير بالسالكين في مدائن الغنى، ليملأ خزائنهم بكنوز الفقراء.

فقلت:{ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}(الكهف: 66)

قال لي: لست معلم السلام، ذلك معلم السلام، الذي شرب من عيون السلام.

قلت: وهل يمكن أن أشرب منها؟

قال: تلك رحلة طويلة، فلا تسأل عن شيء حتى يأتي زمانه، ألم تسمع قول الخضر u:{ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً}(الكهف:70)؟

فجأة.. لم أجد أمامي شيئا، لست أدري هل انصرفا عني أم انصرفت عنهما.

***

 في الغد جاءني معلم السلام، وقال لي: خذ قلمك وقراطيسك، فسنرحل إلى مدائن الغنى لنجمع كنوز الفقراء.

سال لعابي، وحلمت بالثروة التي حرمت منها، وصحت من غير أن أشعر: أهي كنوز كثيرة؟

فقال: لقد { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}(التكاثر:1) حتى نسيتم الحقائق.

قلت: لقد خلق الله الأعداد، فنحن نشتاق إلى الأعداد.

قال: أربعة كنوز.

قلت: من الذهب أم من العقيق؟

قال: هي أغلى من الذهب والعقيق.

سال لعابي من جديد، وقلت: كلها من صنف واحد.

قال: لكل كنز منها جواهره الخاصة.

قلت: فما الكنز الأول؟

قال: كنز يغنيك عن الكل، إن تقلدته حسدتك اللآلئ، وذهب بريقه الذهب، وانفضت عن محاسنها الفضة.

قلت: فما اسمه؟

قال: كنز ( الاستغناء )، بريقه يمتد من العرش إلى الفرش.

قلت: وما الكنز الثاني؟

قال: كنز يملأ كل جوف، ويسد كل خلة، ويغطي كل حاجة، بريقه يمتد من الأحشاء إلى الأعين.

قلت: فما اسمه؟

قال: كنز ( القناعة ) ألم تسمع بأن القناعة كنز لا يفنى؟

قلت: بلى .. فما الكنز الثالث؟

قال: كنز يرفع هامتك بين الناس، فتدوس بقدميك سواري كسرى وقيصر، فلا تحن رقبتك إليها، وتتساقط أنواع اللآلئ والجواهر بين يديك، فلا تمد عينك إليها.

قلت: فما اسمه؟

قال: كنز ( الاستعفاف ).. ذاك الذي يغنيك عن الطواف.

قلت: عن الطواف بالبيت؟

قال: عن الطواف ببيوتهم.

قلت: فما الكنز الرابع؟

قال: كنز يحرك جوراحك، ويثير فضائلك، ويجعل من عرقك لآلئ دونها لآلئ الجيد الحسان.

قلت: ما اسمه؟

قال: كنز ( الفضل ) من حازه استغنى وأجر، يمتد بريقه ليشمل الآفاق، ويخترق أجره السبع الطباق.

قلت: فما سر كون هذه الكنوز أربعة، لم لم تكن خمسة أو ثلاثة؟

قال: لأن الفقير ينحصر فقره في هذه الأربع، فهو يبدأ من شعوره بفقره وحزنه عليه، فيسلمه ذلك للحرص والطمع، وهو ما يدفعه إلى السؤال والشحاذة، أو يدفعه إلى العمل والكسب.

قلت: وهذه الجواهر تسد منافذ الخلل التي حصلت للفقير؟

قال: كما يسد الطبيب منافذ العلة للمريض.. أرأيت لو كان جرحك بيدك، أيعالج الطبيب رجلك؟

قلت: بل يدي.

قال: فكذلك عالج الحكيم الأوحد علل الناس، فعالج الشعور بالفقر والحزن عليه بالاستغناء بالله، وعالج الطمع والحرص بالقناعة، وعالج السؤال والشحاذة والانحناء أمام الجيوب بالاستعفاف، وعالج القعود عن الثورة على الفقر بالحث على طلب فضل الله بما شرع الله.

قلت: ولكن البعض يذكر حلولا أيسر، وأبسط؟

قال: فما يذكرون؟

قلت: يذكرون العمل والكسب والزكاة..

قال: والذي لا يكسب ولا يعمل ويحرم من الزكاة.. ماذا يفعل؟.. هل يظل أسير أحزانه.. هل نقول له: أنت محروم من فضل الله، ومن بركات الفقر الذي ابتليت به؟

ثم ما الفرق بين هذه الحلول والحلول التي وضعها البشر للبشر، أنساوي طب البشر بطب رب البشر؟

قلت: وهل في هذه الكنوز جواهر كثيرة؟

قال: في كل كنز أربعة جواهر.. كل جوهرة منها بثروة العالم جميعا، بل بثروات العالم جميعا.

ثم انصرف عني أو انصرفت عنه، وفي فمي ابتسامة تشع من أعماق قلبي، وأمل يناطح الجوزاء، قلت لنفسي:( أنا الآن على عتبة الغنى، فوداعا أيها الفقر)

صاح من أعماقي:( هات قلمك، وتعال لندخل مدائن الغنى، ونستخرج كنوز الفقراء )

***

لست أدري، هل سرت معه، أم حلقت في الأجواء، أم غصت في أعماق مجهولة..  لم يطل الوقت..  مجرد طرفة عين، فإذا بي أمام مدينة عظيمة، كل ما فيها عقيق وجواهر.. تربتها كالمسك الأذفر، صحت: أفي الجنة أنا؟

قال: لا، أنت على الأرض.. وعلى جزء ضئيل من الأرض.

قلت: وهذا الجمال؟

قال: كنت لا تراه، فأزحنا الغشاوة عن عينيك؟

نظرت إلى الأجواء، فإذا منارات عالية، عليها رايات كتبت عليها أسماء الكنوز، كما تكتب على المحلات.

قلت لمعلم السلام: عهدي بالكنوز تخبأ، وتدفن، فلا يهتدى إليها إلا بضروب الحيل، ألم تقرأ جزيرة الكنز؟

قال: تلك كنوزهم، أما هذه فكنوزنا.

قلت: وما الفرق بين كنوزكم وكنوزهم؟

قال: كنوزهم كنوز الأغنياء من ملكها ملكته الأشياء، وكنوزنا كنوز الفقراء من ملكها استغنى برب الأشياء.

قلت: ولكني لا أرى للفقراء وجودا؟

قال: لأنهم أبوا إلا أن ينافسوا الأغنياء في كنوزهم، وقد صحت فيهم، فلم يسمعني أحد.

تذكرت صياحه الذي سمعت بعضه في رحلاتي السابقة، فقلت له: إن صياحك لا يكاد يسمع أحدا، وبالكاد أستطيع أن أسمعك لأكتب ما تقول.

قال: لأني أخاطب القلوب، والقلوب يؤذيها الصياح.

قلت: فلم لا تسمع الآذان؟

قال: لأن الآذان، تطرب للكلام، ولا تسمع الكلام، الحق أقول لك: من لم يسمع بقلبه فهو أصم، ألم تسمع قول الحق تعالى:{ َمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ}(البقرة:171) ؟

قلت: فمن هؤلاء؟

قال: { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(الأنعام:39)

قلت: ألا يمكن أن نخترع أجهزة نسمعهم بها، فنحن في عصر الاختراعات؟

ضحك، وقال:{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ}(يونس:42)

أولا ـ كنز الاستغناء

في صباح جميل في مدائن الغنى، قمت بصحبة معلم السلام لنبحث عن كنوز الفقراء.

كانت المدينة جميلة، كل ما فيها هادئ وقوي ومثير.. أرى الناس، وكأني لا أراهم، أحيانا يخيل إلي أنها خالية، وأحيانا أراها مكتظة لا يكاد المار يستطيع أن يسير في شوارعها.

لم تكن هناك أي رائحة للجوع، ولا أي رائحة للتخمة، ولم أر مع طول سيري في شوارعها متسولا واحدا، ولا فقيرا واحدا.

فتعجبت، وسألت معلم السلام: ألسنا نبحث عن كنوز الفقراء؟

قال: بلى، ذاك ما خرجنا من أجله.

قلت: فأين الفقراء، فإني لا أبصر إلا الأغنياء، أهم يزاحمون الفقراء كنوزهم في هذه الدار أيضا؟

قال: بل الفقراء هم الذين يزاحمون الأغنياء كنوزهم، فلذلك لا تراهم هنا.

قلت: لو أذنت لي لأحضرت معي عمي، فهو فقير جدا قد عضه الفقر بنابه.

قال: لقد صحت فيه وفي أمثاله منذ آلاف السنين، فأبى الدخول إلى هذه المدائن، أتدري ما يقول الناس عن هذي المدائن؟

قلت: وما يقولون، شأني معهم تشويه كل نعمة، وإفساد كل صالح.

قال: يضحكون منها، ويستهزئون بها، ويسخرون من أهلها.

قلت: فهل رأوها؟

قال: وكيف يرونها، وأعينهم مغمضة؟

قلت: نطلب منها فتحها.

قال: ألم تسمع قول الحق تعالى:{  أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ}(يونس: 43)

قلت: بلى، فهمت لقد قلت مثل هذا عن السمع، اصبر علي يا معلم، فإني أحيانا يبطئ فهمي.

قال: ذلك لخوفك على ما ملأك قومك به من أوهام؟

قلت: كيف، أنا لا أخاف قومي.

قال: ولكنك تخاف على معارفهم التي نشروها فيك.

قلت: لماذا أخاف عليها؟

قال: لأنك ـ مثلهم ـ تتصور العالم بصورة واحدة، فتخشى أن تكر معارف الحقيقة على صور العالم.

قلت: فما الضير في هذا؟

قال: يصبح علمك جهلا، وحقائقك دعاوى.

قلت: فما المخرج من ذلك؟

قال: السلام.

قلت: لماذ السلام؟

قال: لأنه يحيلك صفحة بيضاء، يمكن أن يكتب فيها كل شيء، أو يحيلك مرآة صافية تحمل الحقائق ولا تشوهها.

نظرت فجأة فإذا بي أمام باب قصر منيف، كل ما فيه لطيف وشريف، لست أدري هل كان مرفوعا في الفضاء بأعمدة لا ترى، أم كان موضوعا على زجاج صاف كالهواء كأنه:{ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِير}(النمل: 44)، فصحت: يا لله، ما أحلى هذا القصر، لمن هذا القصر؟

قال: لأغنياء الروح.. هنا يخبأ كنز الاستغناء.

قلت: فهل يمكن الدخول إليه؟

قال: أجل، ولكن بشرطه، فالبواب يمنع من لم يتحقق بشرطه.

قلت: وما شرطه؟

قال: أن تكون فقيرا.

قلت: أنا متوسط الحال، لست فقيرا، ولست غنيا.

قال: ليس هناك إلا الفقراء والأغنياء.

قلت: ولكنك قلت، بأنه قصر الأغنياء، فكيف لا يدخل فيه إلا الفقراء؟

فقال: من افتقر إلى الله أغناه، ومن نزل على الله آواه، ومن مد يده لله أعطاه، ومن مد يده إلى غيره قلاه.

مددت يدي، وقلت: فها أنذا أمد يدي إلى الله.

قال: إياك ودنس التشبيه، مد يد روحك، لا روح يدك.

مسح معلم السلام على صدري، فأحسست قلبي يردد قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}(فاطر:15)، وقوله:{ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ}(محمد: 38)

شعرت وكأني الفقر عينه، لا أملك شيئا.. لا متاعا ولا منافع.. حتى حلة الوجود شعرت بأنها تخلع مني، فإذا بي في العالم الذي لم أكن فيه شيئا مذكورا.

نظر إلي، وقال: ادخل الآن، فقد تحققت بشرطه.

***

 دخلت القصر المهيب، كل ما فيه في منتهى الجمال، ولكن آثار الحالة التي استشعرتها حال دخولي جعلت بصري صاحب همة واحدة، فلم يزغ ولم يطغى.

غير أن بصري تسمر في فتى مهيب الطلعة، جميل المحيا، خلته أول الأمر يوسف u، وقد أوتي شطر الحسن، لكني نظرت إلى ثيابه، فقلت: يوسف u أزهد من أن يلبس مثل هذه الحلل والحلي، لعله أمير من أمراء هذ القصر.

تقدمت إليه، أو تقدم إلي، هزني الفضول، فسألته: من أنت؟

قال: أنا المرشد.

قلت: ألهذا القصر مرشد؟ إذن هو يشبه فنادق قومي.

ثم تمتمت بيني وبين نفسي:( شيء جميل.. حضارة عريقة.. حتى المرشد السياحي يوجد في قصورهم)، ثم قلت له: منذ متى وأنت تشتغل مرشدا سياحيا في هذ القصر؟

قال:  مرشد سياحي!؟.. ما معنى هذ الكلمة.. ما بك؟ ألا تعرفني؟

قلت: هذه أول مرة أتشرف بلقائك فيها.

قال: كيف؟ ألم نلتق أمس؟

قلت ـ وكأني أريد تقليد أسلوب المعلم في الكلام ـ: بلى .. لقد التقينا في عالم الذر، يوم{  أَلَسْتُ بِرَبِّكُم}(لأعراف: 172)

قال: لا، بل الأمس القريب.

قلت: لا.. لا أذكر ذلك.

قال: ألم أخبرك أني مرشد في مدائن الغنى للباحثين عن كنوز الفقراء؟

تذكرت ذلك الفقير الذي حزنت له، فقلت: أنت أنت!؟ ولكن وجهك وقوامك وحديثك ولباسك..

قاطعني، وقال: ألا زلت تنظر إلى أكفان الإنسان، ذلك قناعي، ألا يلبس قومك أقنعة تنكرية؟

قلت: أجل، وهم يلهون بذلك ويلعبون.. ولكن أي قناع تنكري هو لك: أهذا الذي أراه امامي، أم ذلك الذي رأيته أمس؟

قال: كل ما تراه أقنعة.. أما الحقيقة، ففوق ذلك كله.

لم أفهم ما قال، ولكني طلبت منه أن نبدأ في جمع جواهر هذا القصر المهيب.

قال لي: أربعة جواهر، فاحمل حقائبك، وهات قلمك، وتعال.

قلت: لم القلم؟

قال: ألست مع المعلم؟

لست معزولا:

قال لي معلم السلام، وهو يشير إلى نور صرف رأيته أمامي: هذه جواهر قوله تعالى:{ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}(الضحى:3)

ثم قال: هذه أول جوهرة ينالها الفقير عندما يدخل قصر الاستغناء بالله..  ذلك أن أكبر حزن يعيشه الفقير هو شعوره بالعزلة، وأنه فرد شاذ في هذا الوجود، لا قيمة له إلا كقيمة الحجارة والتراب، بل أحيانا يشعر أن الحجارة والتراب أهم منه، فلذلك يحسد التراب الذي يعمر بساتين الأغنياء، والحجارة التي تبني قصورهم.

قلت: صدقت في ذلك.. فما اسم هذه الجوهرة.. أهي الكبريت الأحمر أم الأصفر أم الأكهب، أم هي العقيق، أم هي الزبرجد أم..؟

قال: هذه جوهرة ليس لها اسم من كل هذه الأسماء، وهي أجمل من كل هذه الأسماء، إن اسمها ( لست معزولا )

كتمت ضحكة في قلبي، وقلت في نفسي: ما هذا الاسم الغريب، لعله مثل الأسماء التي نتفنن بها في الأطعمة  كقولنا:( كل واسكت )

قال لي: ليست هذه ( كل واسكت ) إنها:( لست معزولا )

قلت: لا يهمنا اسمها، وإنما تهمنا قيمتها، وقد قال ذلك البخيل الذي ذكره الجاحظ:( أعطني المال، وسمني بأي اسم شئت )

قال: فأنت الآن في الطريق الصحيح، إن قيمتها عظيمة، فهي تحمل بشرى وعزاء من الله رب كل شيء ومليكه لقلوب الفقراء، فتمسح عن أعينهم الهوان الذي يرميهم الناس به.. إنها تبشر من تناولها بأن الناس وإن أبعدوه، فإنه ليس بعيدا عن الله، وإن كانوا قد رموه، فإن لطف الله يحتضنه.

قلت: ولكني لا أرى الناس يبعدون الفقير، ولا أراهم يطردونه.

قال: قد لا يطردونه، ولكنهم يحرمونه.

قلت: من فتات موائدهم.

فقال: لا من فتات موائدهم فحسب، بل من موائد الله.

قلت: أريد شواهد على ذلك، فأنت تعلم أني لا أقبل إلا بشاهد عدل من العقل أو النقل.

قال: إن شواهد هذه الجوهرة هي أشعتها، كما أن شاهد الشمس هو ضياؤها، فخذ هذه الأشعة، فكل شعاع منها يكشف ظلمة، وينير طريقا.

الشعاع الأول:

قلت: فما الشعاع الأول؟

قال: ألم تسمع الحق تعالى، وهو يقول:{ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}(الأنعام:52)

قلت: بلى قرأته.

قال: وفهمته؟

قلت: أجل، في هذه الآية ينهى الله تعالى عن التفكير الطبقي الذي كان يعمر أفئدة المشركين، وكأنهم أرادوا أن ينعم صلى الله عليه وآله وسلم ببعض الامتيازات لطبقة الاغنياء ويفضلهم على طبقة الفقراء، إذ كانوا يرون في جلوسهم مع الفقراء منقصة لهم.

ويبدو أن هذا تكرر منهم وكثر إلحاحهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن جاء هذا الأمر الإلهي الذي لا يخاطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقط، بل يخاطب كل الأمة.

قال لي: نعم ما قلت، ولكن نهي الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن متابعة المشركين، وأمرهم له بالحرص على هؤلاء الفقراء، ووصيته بهم وثنائه عليهم، ولو على حساب بعض المكتسبات الظرفية، ألا يدل على شيء؟

قلت: على ماذا غير ما ذكرت، وما ذكر المفسرون؟

قال: ما محل الشخص الذي تحرص عليه، وتغير أن يطرد أو يهان أو يرمى، ولو كان في ذلك حصول مضرة لك.

قلت: أنا لا أفعل هذا إلا مع أحب الناس إلي، فمن الصعب أن أفرط في مكاسبي إلا إذا قهرني الحب على ذلك.

قال: فالله تعالى الذي يوصي نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بهؤلاء، ويأمره بالحرص عليهم، ألا ينطبق عيه ما قلنا!؟

قلت: بلى، هي إشارة جميلة.

قال: بل سلوى عظيمة تطرب لها نفوس الفقراء، وأغنية جميلة تبشرهم بأنهم، وإن رموا وطردوا فإنهم عند الله بمكان..

قلت: فهل هم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطردهم حتى نهي عن ذلك؟

قال: لقد قف شعري مما قلت، كيف يكون هذا؟ إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعظم من أن يفعل ذلك، وكل سنته وحياته ترفض هذا.

قلت: فما تفسير توجيه الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: ومن قال: إن هذ الخطاب موجه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: لكونه جاء بصيغة المخاطب المفرد، وهو يعني من نزل عليه القرآن الكريم؟

قال: وهل القرآن الكريم أنزل لأجل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقط، ألم يقولوا:( اقرأ القرآن الكريم، وكأنه أنزل عليك )

قلت: فما سر الخطاب بصيغة المفرد؟

قال: في ذلك إشارة لمخاطبة نفوس الأفراد، وكأن الله تعالى ينهى كل فرد على حدة من أن يطرد هؤلاء.

قلت: ولكن أصل الخطاب موجه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال: وهل كل خطاب موجه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني أنه قد حصل منه ما يستوجب ذلك الخطاب؟

قلت: ذاك هو الأصل.

قال: فما تقول في قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}(الأحزاب:1).. فهل أطاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكافرين والمنافقين؟

الشعاع الثاني:

قلت: لقد ورد مثل هذا مع سائر الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ، بدءا من نوح u، فقد قال تعالى على لسانه:{ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ }(هود: 29)، وفي ذلك دلالة على سنة قديمة خاطئة تقيم المرء على أساس ثروته.

قال: لقد قال الله تعالى بعد تلك الآية:{ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}(هود:30)، أتعلم وجه الإشارة فيها؟

قلت: يخبر تعالى عن مقالة نبيه نوح u، وأنه قال:( من يصونني منه تعالى ويدفع عني حلول سخطه إن طردتهم  وأبعدتهم عني )، فالاستفهام هنا للإنكار، أي لا ينصرني أحد من ذلك، وفي الكلام ما لا يخفى من تهويل أمر طردهم.

قال: أتدري السلوى التي يحملها هذا الكلام لقلوب الفقراء؟

قلت: ما هي غير ما ذكرت؟

قال: تصور الدرجة التي يحتلها النبي في سلم الكمال.

قلت: هي درجة عظيمة لا يمكن تصورها.

قال: أيمكن تشبيهها بدرجة الوزراء!؟

قلت: وأين تقع الوزارة أمام النبوة؟

قال: فإذا أرسل الملك إلى وزيره يهدده بالعزل أو بالسقوط والانهيار أو بالهزيمة بسبب عامي من الناس، ألا يكون لذلك العامي محلا عظيما في نفس الملك!؟

قلت: أجل، لأن تفريط الملك في وزيره الذي هو ساعد من سواعده لا يكون إلا بسبب وجيه، وأمر خطير.

قال: فكذلك هذا، ولله المثل الأعلى.. واحذر رعونة التشبيه وأكداره، فقد أرسل الله ملك الملوك إلى الأنبياء الذين يعملون بأمره يحذرهم من المساس بهؤلاء البسطاء.

قلت: وذلك لا يكون إلا للمكانة العظيمة التي أقامها الله لهم.

قال: مقابل المكانة التي وضعها البشر لهم، فقد قال تعالى عن موضع الفقير في دنيا البشر على لسان نوح u:{ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ}(هود: 31)

قلت: نعم، فقد أخبر الله تعالى أن موقف البشر من هؤلاء المحرومين هو الازدراء، وهو الاحتقار.

قال: أتدري لم نسب الله تعالى الازدراء إلى الأعين، مع أن الحاسة لا يتصور منها أن تعييب أحد؟

قلت: لأنها سبب الازدراء، فلرؤيتهم لهم بتلك الحالة احتقروهم، فالإنسان مكرم لمظهره، ومنبوذ به.

قال: أجل .. وذلك يدل على أن المزدرين من هؤلاء الأغنياء لا ينظرون إلى الحقائق، بل يكتفون بالخيوط الواهية التي تكفن بها الحقائق.

قلت: أفي ذلك دعوة لشيء ما؟

قال: نعم.. في ذلك دعوتان.

قلت: لمن؟

قال: للفقير والغني.

قلت: ما حظ الفقير من الآية؟

قال: أن لا ينشغل بما هو فيه من الفقر الذي ازدراه الناس بسببه، بل يبحث عن مواطن الغنى التي لا يبصرونها.

قلت: وما حظ الغني؟

قال: ألا يجعل حكمه على الناس قاصرا على ما تمليه عينه، فقد تدله أذنه أو جوارحه الأخرى أو قلبه على كمالات في الفقير ينتفع بها في الدنيا والآخرة.

الشعاع الثالث:

قلت: فما الشعاع الثالث؟

قال: ما كفارة الظهار؟

قلت: لقد نص عليها قوله تعالى:{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(المجادلة:4)

قال: فما كفارة من حنث في اليمين المعقدة؟

قلت: لقد نص على ذلك قوله تعالى:{ لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(المائدة:89)

قال: فما كفارة صيد المحرم؟

قلت: لقد نص على ذلك قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}(المائدة:95)

قال: فما ترى في هذه النصوص جميعا؟

قلت: أراها أنواعا من العقوبات رتبها الله تعالى على بعض المخالفات.

قال:  هي تنبيهات، وليست عقوبات.. فالله تعالى ينبه عباده ويؤدبهم ولا يعاقبهم.

قلت: أجل.. يمكن أن تقول ذلك.. ولكن ما علاقة هذا بهذا الشعاع.. فنحن نبحث عن تخليص المساكين من العزلة.. ولا نبحث في العقوبات أو التنبيهات.

قال: هذه التنبيهات تحمل تنظيمات تشريعية تخلص الفقراء من العزلة التي قد يضربها عليهم الأغنياء.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد كان في إمكان الشارع أن يرتب غرامة مالية على كل ذنب من الذنوب تدفع لبيت المال الذي يتولى دفعها للفقراء.. أو كان في إمكانه أن يجعل نفس العقوبة، ولكن يجعلها في مسكين واحد.

قلت: يمكن أن يكون ذلك.. بل قد قيل به.

قال: فما قيل؟

قلت: يقولون بجواز إعطاء نصيب الستين لشخص واحد؟

قال: من قال ذلك فقد أخطأ، ولا ينبغي الخروج عن ظاهر النص.

قلت: أراك ـ يا معلمي ـ حريصا على هذه الجزئية البسيطة.. فما سر ذلك؟.. وما علاقته بما نحن فيه؟

قال: لقد جعل الله كفارة الظهار وغيره إطعام ستين مسكينا ليكون البحث عن المساكين المستحقين جزءا من الكفارة.

قلت: وما فائدة ذلك العناء الذي يجعل الشخص يبحث عن هؤلاء المساكين؟

قال: في بحثه عنهم تعرف منه عليهم.. وفي تعرفه عليهم وتكافله معهم تخليص لهم من العزلة التي قد تفرض عليهم.

قلت: وعيت هذا.. وهو حل تشريعي مثالي يقوي ما ورد من التوجيهات.

***

 ما قلت هذا حتى شعرت بجوهرة كريمة تنزل أعماق صدري، تنجلي من نورها بعض الظلمات.

قلت في نفسي حين نزولها: نعم.. إن الفقير في الحقيقة لا يؤلمه فقره، بقدر ما يؤلمه نظرات الناس وموقفه من نفسه.. لا يؤلمه جوعه وبرده فقد يصيب الغني من الجوع ما يصيب الفقير، وقد يصيب الفقير من الشبع ما يصيب الغني.

فلذلك إن رُفع هذا الوهم، وقيل للفقير: فقرك ليس علامة إبعاد.. كما أن غنى جارك ليس علامة ود، فكلاهما ابتلاء رباني لتمحيص القلوب، كما قال تعالى:{ فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}(الفجر:16) أي ليس كل من وسعت عليه وأعطيته أكون قد أكرمته ولا كل من ضيقت عليه وقترت  أكون قد أهنته، فالإكرام  أن يكرم الله العبد بطاعته والإيمان به ومحبته ومعرفته والإهانة أن يسلبه ذلك.

فإن هذه المعرفة تسد منافذ الهوان التي يشعر بها، فالهوان أخطر من الجوع، والكرامة أعز من الشبع، وقد قالت العرب في أمثالها:( تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها )،  وقال أوس بن حارثة لابنه مالك فيما يوصيه به:( يا مالك، المنية ولا الدنية، وشر الفقر الخضوع، وخير الغنى القنوع)

قد تكون مختارا:

صعد بي المرشد طابقا آخر في قصر الاستغناء، فإذا بي أشاهد لافتة مكتوبا عليها: هنا محل جوهرة عزيزة اسمها ( قد تكون مختارا )

سألت المرشد عنها، فقال: أنا المرشد، ولست المعلم، اسأل معلم السلام.

أجابني من غير أن أسأله: لا يكفي أن تشعر بأنك لست مطرودا لتمتلئ بالسلام والسعادة؟

قلت: فما الذي ينقص الفقير حتى يشعر بسكينة أعظم، وسلام أتم؟

قال: أن يشعر بأن في إمكانه أن يكون مختارا ومفضلا وعظيما.. أن يشعر أن بإمكانه أن يصير غنيا غنى أبديا، لا ظرفيا؟

قلت: اضرب لي مثالا على ذلك، فأنت تعرف عجزي عن التجريد.

قال: يزعم قومك أنهم حرروا العبيد؟

قلت: نعم.

قال: ويزعمون أنهم تساووا معهم في الإنسانية.

قلت: ذلك مما لا شك فيه.

قال: أيسمحون لهم بخوض الانتخابات الرئاسية؟

قلت: نعم.

قال: ولكن لا يسمحون لهم بتوليها.

قلت: نعم، يؤكد ذلك الكثير.. فما مضرب هذا المثل؟

قال: إن هؤلاء زعموا أنهم لا يطردونهم، ولكنهم في نفس الوقت لم يقربوهم، وفرق كبير بين أن لا أطردك، وبين أن أضع في إمكانياتك أن تقرب.

قلت: فهل في النصوص إشارة إلى هذا.

قال: إن هذ الجوهرة النفيسة تكتسب أشعتها من العقل والنقل، وسأذكر لك هنا أربعة أشعة كل شعاع منها يطفئ ظلمة ويحيي نورا.

الشعاع الأول:

قلت: فما الأول منها؟

قال: قوله تعالى:{ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}(هود:27)

قلت: فما محل الإشارة منها.

قال: لا تحل الإشارة إلا بعد العبارة، ولا يعرف الباطن إلا بعد إدراك الظاهر، فما الذي تفهمه منها؟

قلت: الله تعالى في هذه الآية يخبر عن الشبهات التي وقفت حجابا بين الملأ المتمالئين على الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ الذين ملأوا القلوب هيبة والمجالس أبهة ـ وبين الوصول إلى الحق.. وأول تلك الشبهات كون نوح u  بشرا مثلهم.. والثانية كونه ما أتبعه إلا أراذل القوم .. والثالة كونهم لا يرون لهم فضلا، لا في العقل ولا في رعاية المصالح العاجلة ولا في قوة الجدل ([1]).

قال: وبم رد نوح u على هذه الشبه؟

قلت: بما قصه علينا القرآن الكريم من أنه أخبرهم أنه رسول من اللّه يدعو إلى عبادة اللّه وحده، ولا يسألهم على ذلك أجراً، ثم هو يدعو الشريف والوضيع، فمن استجاب له فقد نجا.. وأخبرهم أنه لا قدرة له على التصرف في خزائن اللّه، ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه اللّه عليه، وليس هو بملك من الملائكة، بل هو بشرٌ مرسل مؤيد بالمعجزات.. وأخبرهم بأن ما في نفوس من تصوروهم أراذل من قومه فاحتقروهم وازدروهم لا يعلم حالهم عند الله فإن كانوا مؤمنين، فلهم جزاء الحسنى.

قال: وما موضع الإشارة من حكاية قول نوح u بتفاصيله مع قومه؟

قلت: علي العبارة، وعليك الإشارة، فبين لي كيف تكون هذه الآيات سلوى وعزاء للفقراء والمستضعفين؟

قال: إن أول من يستنشق الروائح العطرة لهذه الآيات هم الفقراء والمستضعفون والأراذل.

قلت: كيف؟ والرسل إنما جاءوا للتوحيد، لا لتسلية الفقراء والمحرومين.

قال: أجل، وهذا ما يعطي الإشارة حقها، فانشغال النبي بالدفاع عن المستضعفين، وبيان قيمتهم وحرمتهم ومكانتهم عند الله، ألا يدل ذلك على الموضع الذي يحتله هؤلاء!؟

قلت: وضح ما تريد.

قال: ألا تستشهدون باقتران العمل الصالح مع الإيمان في أكثر آي القرآن الكريم على فضل العمل الصالح لاقترانه بالإيمان الذي هو أشرف الأعمال؟

قلت: بلى.

قال: ألا تستشهدون بعظم حق الوالدين لاقترانهما بتوحيد الله وعبوديته؟

قلت: بلى،  كثيرا ما نفعل ذلك.

قال: فكذلك هنا.. أسألك سؤالا آخر؟

قلت: سل.

قال: كم لبث نوح u في قومه؟

قلت: هو ما نص عليه القرآن الكريم، قال تعالى:{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً }(العنكبوت: 14)

قال: فكم المدة التي كان يتكلم فيها مع قومه؟

قلت: وهذا أيضا وارد في القرآن الكريم، فقد قال تعالى حاكيا عنه:{ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً}(نوح:5)، وكأنه u لاجتهاده في الدعوة إلى الله لا يسكت ليلا أو نهارا.

قال: فكم ترى يكون قد تكلم من الكلمات؟

قلت: لو كتب كلامه كتبا لملأ بها سهول الأرض وجبالها.

قال: فاختيار الله تعالى لهذه الكلمات المدافعة عن المنبوذين ليذكرها في القرآن الكريم، ألا يدلك على المكانة التي لهم؟.. لا عند نوح u فحسب، بل عند الله، لأن القرآن الكريم لم ينزل ليؤرخ لقوم نوح u وإنما أنزل ليذكر الحقائق العظمى التي ينبني عليها الوجود.

قلت: ولكن ما سبب إقبال الفقراء على الحق وإعراض الملأ أغنياءهم وكبراءهم عنه؟ ولماذا يكون هؤلاء الأراذل المستضعفون أسرع الناس إلى الحق، فقد قال تعالى في الآيات السابقة:{ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْي}(هود: 27)؟

قال: أرأيت جواز دخولك إلى هذه القصور؟

قلت: نعم، إنه جواز الافتقار.. ولكن ما علاقته بهذا لأمر؟

قال: لأن الفضل صدقة الله ، والصدقات لا تكون إلا للفقراء والمساكين، ألم تسمع قوله تعالى:{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ }(التوبة: 60)

قلت: ولكن ما وجه الإشارة في هذه الآية، فإني لا أفهم منها إلا أنها تعدد أصناف المستحقين للزكاة؟

قال: هي كذلك، ولكن الذي قالها يتصدق أيضا.

قلت: ذلك صحيح.. وقد  ورد في النصوص ما يثبت ذلك، ففي الحديث: ( من نام عن حزبه وقد كان يريد أن يقوم به، فإن نومه صدقة تصدق الله بها عليه، وله أجر حزبه)([2]).. ولكن ما علاقة هذا بما نحن فيه؟

قال: علاقته عظيمة، فالأغيناء الذين سماهم القرآن الكريم ملأ امتلأوا بغناهم وما لديهم من أشياء، فلذلك لا يستطيعون تقبل صدقات الله التي تمتلئ بها خزائنه، والتي تفيض على كل الوجود، بينما الفقراء، يشعرون بفاقتهم الذاتية، وفراغهم العظيم، فلذلك كانوا مستعدين لصدقات الله، ولذلك بمجرد أن يشع نور من أنوار الله يكونون أسرع الناس إليه.

ثم التفت إلي، وقال: أتعلم سر اشتراط جواز الافتقار للدخول إلى قصور مدائن الغنى؟

قلت: لا..

قال: لأنك لو دخلت ممتلئا، فلن ترى ما ترى فيها من الجمال والكمال والسعادة والسلام.

عجبت، وقلت: أتعني أنه لو دخل الآن معنا ثري لن يرى شيئا مما أرى؟

قال: قد يرى ما ترى أو أكثر مما ترى.

قلت: كيف؟ لم أفهم.

قال: ليست العبرة بكونه ثريا، بل العبرة بشعوره بثرائه، فقد ترى الفقير مستعليا، وترى الغني متطامنا، ولهذا قد يتحقق الغني بالافتقار الذي يؤهله لدخول هذه القصور، وقد يحرم الفقير الذي ملأ عيني قلبه بما عجز عن تحقيقه لجيوبه.

قلت: فعينه بصيرة، ويده قصيرة.

قال: ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(  ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولاينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر )([3])

قلت: فالافتقار إذن هو السبب في مبادرة هؤلاء المستضعفين إلى الحق.. فالافتقار إذن نعمة أهلتهم لاختيار الله لهم.

الشعاع الثاني:

نبهني معلم السلام من شرودي، وأخذ يرتل بصوته الجميل الخاشع قوله تعالى:{ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ}(الأنعام:53)

قلت: هذا هو الشعاع الثاني.. فما وجه الإشارة فيه؟

قال: لا تحل الإشارة قبل العبارة، ولا يحل التأويل قبل التفسير.

قلت: أما التفسير، فعلي، فالله تعالى في هذه الآية يخبر عن القصد من بلائه واختباره لعباده، فهو يبتليهم بالفقر والغنى، ومن النتائج التي تنتج عن ذلك البلاء أن يقول المستكبرون المتعالون:{ أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا }، فرد الله تعالى عليهم بكونه أعلم بالشاكرين.

قال: أما وجه الإشارة، والعزاء للمستضعفين، فهو ما يحمله قوله تعالى:{ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ }، فإن الله تعالى يعلل مننه على عباده الذين قربهم بكونهم من الشاكرين.

قلت: لم يكون فضل الله وجميل اختياره مرتبطا بالشاكرين؟

قال: أرأيت لو أنعمت على بعض إخوانك بنعم، وقدمت لهم خدمات أرهقتك، فنظر بعضهم إليك شزرا، وانصرف.. وقال بعضهم: (ما هذه الخدمات الحقيرة، والعطايا الصغيرة ).. وجاء بعضهم فقبل يديك، ومسح على رجليك، وقال:( نحن في خدمتك، فجزيت عنا كل خير ).. أي هؤلاء تفضله بعد ذلك بالعطاء إذا سنحت لك السوانح، ودر عليك اللطف؟

قلت: الشاكرين.. لا شك في ذلك، فكيف يمتد عطائي للجاحدين، بل إني لو استطعت أن أسلبهم ما أعطيتهم، وأخرج طعامي من بطونهم أو أحوله سما لفعلت.

قال: وكذلك الحق تعالى مع كرمه العظيم، فإنه قد يسلب هؤلاء نعمهم، كما قال تعالى عن قرى سبأ لما أعرضوا عن شكر الله:{ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ}(سـبأ:16)

قلت: فما علاقة ذلك بالمستضعفين، أليس الشكر مطلوبا من الأغنياء، والصبر مطلوبا من الفقراء؟

قال: بل الشكر والصبر مطلوب منهما جميعا.

قلت: لم أفهم.

قال: لأن الشكر والصبر عبادتان لا تختلفان عن الصوم والصلاة، فهل قال أحد: إن الصلاة خاصة بالأغنياء، والصوم خاص بالفقراء.

قلت: لا لم يقل أحد بذلك.. ولكن على ماذا يصبر الأغنياء والنعم لديهم متوافرة؟

قال: على عدم استفزاز النعم لهم استفزازا يجعلهم يعبدون أنفسهم ولا يعبدون الله.

قلت: وماذا يشكر الفقراء؟

قال: أقل شيء يشكرونه أن الله لم يجعل لهم من الغنى ما يحول بينهم وبين تبصر الحق.

قلت: وهل يحول الغنى بين الإنسان وتبصر الحق؟

قال: أجل، ولذلك عقب الله تعالى الآية السابقة بقوله :{ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ }، فالغني قد ينشغل بالنعم وما تتطلبه عن شكرها.

قلت: ألا تأتيني بشواهد على هذا، فإنها مسألة خطيرة لا تقبل إلا بشاهد؟

قال: ألم تسمع إلى ربك، وهو يخبرك عن مواجهة المترفين لأنبيائهم؟

قلت: بلى، فالله تعالى ذكر ذلك في مواضع عدة من القرآن الكريم، كقوله مبينا سنة ذلك:{ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}(سـبأ:34)

قال: ألم تسمع إلى ربك، وهو يربط بين مصير القرى والمترفين، بل يبين أن المترفين هم سبب هلاك الأمم والحضارات؟

قلت: بلى، فالله تعالى يقول مبينا هذا القانون:{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}(الاسراء:16)

قال: ألا تعلم السبب الذي جعل الترف حائلا بين المترفين والحق؟

قلت: ما هو؟

قال: الترف.. فالمترف مستغرق في ترفه مستعبد له، وقد قال تعالى:{ فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} (هود:116)، فالمترفين استهواهم ترفهم، فاستعبدهم من دون الله.

قلت: لقد ذكرتني بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ) ([4])

قال: أكمل الحديث لتدرك نواحي الفضل التي يحتويها الفقر والضعف.

قلت مكملا الحديث السابق:( طوبي لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع )

قال: أتدري ما سر هذا الاقتران؟

قلت: ما هو؟

قال: أما الأول، فإنه لانشغاله بترفه، وما يتطلبه ترفه عمي عن الكون جميعا، وعمي عن رسالته في هذا الوجود، وأما الثاني الذي لا يملك شيئا، فقد كان فقره سببا في رؤيته الأشياء على حقيقتها.

قلت: فهمت، ولكن أريد مثالا موضحا.

قال: ارأيت إن وضع مترف من المترفين في قصر عظيم، له في كل لحظة زينة جديدة، وطعام جديد، فهو دائما في ظل الجديد، أكان يمكنه أن يجد الوقت لرؤية السماء، أو شعاب الوادي، أو فيافي الصحراء، أو تأمل النجوم في الليل.

قلت: لا يمكنه ذلك، فلن يخرج من قصره العامر ليصيبه غبار الفيافي.

قال: فكذلك هؤلاء المترفين الذين عصبوا عيونهم بخيوط الحرير، وكبلوا أقدامهم بقيود الذهب، ووضعوا على رقابهم أغلال اللآلئ.

قلت: والمستضعفين؟

قال: لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، فهو لا يبالي بشيء، ولا يخاف شيئا.

قلت: ولهذا السبب إذن كانت رؤية الفقير للحقائق أيسر.

قال: أجل.. ولهذا يقول تعالى لهؤلاء المترفين في الآخرة مستهزئا:{ لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ}(الانبياء:13)، ويقول معللا سر ما حصل لهم:{ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ}(الواقعة:45)

قلت: فالفقر إذن بما يرفعه من الحواجز نعمة تيسر الوصول للحق، وتوفر سبل السلوك إليه.

الشعاع الثالث:

غرقت متفكرا في الأثر الذي سيحدثه في نفسي الشعاع الثالث لهذه الجوهرة النفيسة، فإذ بصوت المعلم، وهو يرتل بخشوع:{ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}(لأعراف:75 ـ 76)

قلت: هاتان الآيتان الكريمتان تتحدثان عن مواقف قوم صالح u من رسالته، أما المستضعفون، فآمنوا به، وأما الملأ من المتكبرين فظلوا على كفرهم.

قال: أتدري ما سر إيمان المؤمنين؟

قلت: لقد عرفنا بأن سر ذلك هو الافتقار.

قال: ذلك ما أرشد إليه الشعاع السابق، أما هذا، فيدلنا على سر آخر.

قلت: ما هو؟

قال: إن مقابلة المستضعفين بالملأ المتكبرين يدل على أن المستضعفين قد تحققوا بالانكسار والتواضع الذي أهلهم ليظفروا بالاختيار الإلهي.

قلت: أللانكسار لله والتواضع كل هذه القيمة؟

قال: أجل كما أن المتكبر أعظم اليائسين من رحمة الله، فإن المتواضعين من أعظم الراجين لها.

قلت: ومن نطق بهذا الحكم الخطير؟

قال: ألم تسمع إلى قول الحق تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ}(لأعراف:40)

قلت: لقد شبه الحق استحالة دخول المتكبرين الجنة باستحالة دخول الجمل سم الخياط، ( فجسم الجمل أعظم الأجسام، وثقب الإبرة أضيق المنافذ، فكان ولوج الجمل في تلك الثقبة الضيقة محالا )

قال: فلما وقف الحق تعالى دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط، وكان هذا شرطا محالا، وثبت في العقول أن الموقوف على المحال محال، وجب أن يكون دخولهم الجنة مأيوسا منه قطعا([5]).

قلت: هذا هو حكم المتكبرين وشاهدهم، فمن قال: إن الانكسار مقرب إلى الله، وما أرى الانكسار إلا نوعا من الذلة والهوان والضعف.

قال: ذلك عندما يكون مع السوى، أما معه، فإنه القوة والكمال والعزة، ألم تسمع قوله تعالى وهو يذكر هؤلاء الذين انكسرت قلوبهم عندما لم يجدوا ما ينفقون.

قلت: تقصد قوله تعالى:{ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}(التوبة:92)

قال: نعم، فهل هناك أعز من هذا الموقف، لقد ذهبت أقوام كثيرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحملوا الحر والعناء، ولكنهم لم يفوزوا بمثل هذا الثناء.

قلت: ألهذا إذن يذكر الأولياء كثيرا قيمة الانكسار وأثره، ويحضون مريديهم عليه!؟

قال: أجل، فافتح أذني قلبك لتسمع ما يقولون.

التفت، فإذا بي أرى جمعا من الأنوار، عليهم سيما الأولياء.

قال الأول: انكسار العاصي خير من صولة المطيع.

وقال الثاني: معصية أورثت ذلاً وافتقاراً، خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.

قلت: عرفتك أنت ابن عطاء الله.. أنا أحفظ حكمك حرفا حرفا.. ولكن أليس في قولك هذا دعوة للمعصية!؟

ابتسم، وقال: الطاعة المضمخة بسم الكبرياء قاتلة، والمعصية المشبعة بترياق الشفاء دواء.. واسأل المعلم، فمنه تعلمنا.

قال المعلم: لو قدم لك أحدهم عسلا مصفى، أكان محسنا لك؟

قلت: وأي إحسان أعظم من هذا؟.. إن العسل في بلادنا لا يكاد يظفر به إلا ببذل الأموال الطائلة.

قال: ولكنه لو خلط معه سما.

قلت: يكون حينها قاتلا سواء مت من عسله، أو لم أمت.

قال: هل يعتبر بذلك مجرما أم محسنا؟

قلت: وأي إجرام أعظم من جرمه، بل إن في غشه لي بتقديم العسل كمن يريد أن أثني عليه وهو يسفك دمي، أو كمن يرشوني ليقبض روحي.

قال: والذي يقدم لك طعاما مرا، ولكن ترياق الشفاء فيه، أيكون محسنا أم مسيئا؟

قلت: بل يكون محسنا غاية الإحسان.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ماذا في الأمرين من الشفاء: الثفاء والصبر )([6])، فقد وصفهما صلى الله عليه وآله وسلم بالمرارة، وهو يشير إلى ما تختزنه مرارتهما من العلاج([7]).

قال: فإن العاصي الذي ينكسر لله خير من المطيع الذي يتألى على الله.

قلت: ولكن.. أليس في هذا حضا على المعصية؟

قال:  إنما يكون حضا لو كانت المعصية مجردة، أما اجتماعها مع الانكسار فيدخل في قوله تعالى:{ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}(هود:114)، ويدخل في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( يا معاذ أتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن )([8])

قلت: ما سر هذه القيمة التي أولتها النصوص المقدسة للانكسار؟

قال: الانكسار هو باب من أبواب العبودية لا يختلف عن الافتقار.

قلت: فما الفرق بينهما؟

قال: في الافتقار لا تملك شيئا، فأنت عين الحاجة.

قلت: وفي الانكسار.

قال: أنت عين المذلة.. فالإنسان قد لا يملك شيئا، ولكن تكون له عزة الملوك وكبرياء الملأ، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولاينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر )([9])

قلت: فطريق إخضاع العزة الآثمة هو الانكسار، كما أن طريق إخضاع الاستغناء الكاذب هو الافتقار.

قال: وفي كل ذلك مقابلة لصفات الربوبية بصفات العبودية.

قلت: لم أفهم.

قال: الأستاذ من يعلم؟

قلت: الجاهل.

قال: والطبيب من يداوي؟

قلت: المريض.

قال: فمن جاء لطبيب ليذكر صحته وعافيته وجماله وقوته، هل يضع الطبيب عليه ترياقه ليداويه!؟

قلت: كلا.. بل يطرده من عيادته.

قال: لماذا؟

قلت: لصلافته وعزته الآثمة.

قال: فكذلك طرد المتكبرون.

قلت: ولذلك عولج، ورحم المنكسرون.

غبت عما حولي متأملا النتيجة التي وصلنا إليها من حوارنا، وهي نتيجة تسحق كل السعادة، فقد وقى الله الفقراء ما يحدثه الغنى والترف في أصحابه من كبراء، تذكرت حينها قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يتضرع إلى الله لا ليعطيه الغنى، وإنما ليرزقه المسكنة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة )([10])

وتذكرت حينها قوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر عن بني إسرائيل:( وكانت امرأة ترضع ابنا لها في بني إسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت: اللهم اجعل ابني مثله! فترك ثديها وأقبل على الراكب وقال: اللهم! لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه، ثم مر بأمة فقالت أمه: اللهم! لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها وقال: اللهم اجعلني مثلها! فقالت: لم ذاك؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون: سرقت زنت، ولم تفعل )([11])

الشعاع الرابع:

فجأة صحوت من غيبتي، لأسمع المعلم، وهو يرتل بصوته الخاشع قوله تعالى:{ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا } (لأعراف: 137)

قلت: أهذا هو الشعاع الرابع؟

قال: أجل.. فما تفهم منه؟

قلت: في هذه الآية يخبر الله تعالى عن فضله على المستضعفين بتمكينهم من الأرض.

قال: وهي أعظم سلوى للفقراء.. فهي تنقلهم إلى الواقع لتخبرهم بأن حقائق إمكانية اختيارهم ليست فلسفة مثالية أو أحلاما جميلة، بل هي حقيقة يمكن تحقيقها في كل حين.

قلت: بم؟

قال: بالتحقق بحقائق الافتقار.

قلت: ولكن الافتقار قد يملؤهم بالهزيمة.. ويملأ نفوسهم بالعقد.

قال: افتقار العارفين، لا افتقار المحجوبين.

قلت: فما الفرق بينهما؟

قال: افتقار العارفين قوة، وافتقار المحجوبين ضعف.

قلت: لم؟

قال: افتقار العارفين لله.. فلذلك يعطون من القوة ما لا يمكن مواجهته.. وافتقار المحجوبين للأكوان.. فلذلك لن يجدوا من الأكوان غير الخذلان.. ألا تعلم ما قال الشيطان للكفار الذين افتقروا إليه واستندوا لقوته؟

قلت: بلى.. فقد قال تعالى:{ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(لأنفال:48)

قال: فقد خذلهم أحوج ما كانوا إليه.

قلت: أجل.. فقد استندوا إلى ركن غير ركين.

قال: كل من استند لغير الله، فقد استند لركن غير ركين.. ألم تسمع قوله تعالى:{ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}(آل عمران:160)؟

قلت: بلى.. وقد رأيت من نصر الله لأوليائه ما يدل على هذا.

قال: فالفقراء المتوجهون لله منصورون بنصر الله، مؤيدون بمدد الله.. فلذلك هم مختارون سواء عزلهم الخلق أو قربوهم.

قلت: فلا فقر إذن.

قال: لا فقر إلا الفقر الوهمي الذي يعيشه المحجوبون.

***

 شعرت عند سماعي هذا بجوهرة كريمة تنزل أعماق صدري، تنجلي من نورها بعض الظلمات.

قلت في نفسي بعدها: نعم إن الفقير في الحقيقة لا يؤلمه فقره، بقدر ما يؤلمه فوات الفرص والمكاسب التي يرى الأغنياء ينزلونها ويتهافتون عليها، بينما يبقى هو في المستنقعات يحلم بالجمال الذي لا يصل إليه، ولا يحلم بالوصول إليه، فلذلك إن رُفع هذا الوهم، وقيل للفقير: فقرك لا يحول بينك وبين أي شيء، فيمكنك أن تتربع على أي عرش، وتتناول أي حق، بل يمكنك أن تجعل الأغنياء الذين ترمقهم بعينين حسودتين يغبطونك على ما حل بك من النعم.. بل يمكنك أن تقف بينهم شامخا جبارا يتطاولون للوصول إلى ما وصل إليه عنقك، ويتوثبون للتحقق بما أدتك إليه همتك.

ثم قلت في نفسي: ليت الفقراء يسمعون لمعلم السلام وهو يخرجهم من الأوهام، فينتقلون من الشعور بالنقص إلى الشعور بالقدرة على الكمال، ومن الشعور بالعجز إلى الشعور بالقوة التي لا تقف دونها الحواجز.

قال لي معلم السلام، وكأنه يسمع ما يدور في نفسي: أسمعهم قوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}(النساء:97)

قلت: فما وجه الإشارة في هذا؟

قال: هذه أكبر صفعة ينالها المستضعف العاجز؟

قلت: كيف؟

قال: إن أوهامه تجعله يتصور أنه وإن صار ذنبا، فإنه لن يحرق مع الكبراء، لأنه كان مستضعفا، وكانوا متكبرين، فالآية تقول له:( لن تعذر باستضعافك لأن الله تعالى أعطاك القوة التي تخرج بها من ضعفك )

قلت: فبماذا ينتفع منها؟

قال: برفع الهمة، والثورة على الاستضعاف، فالحقيقة المرة قد تكون كالدواء المر، فإنه وإن لم يكن لذيذا، لكنه مفيد.. لكنه دواء.

قلت: ولكن ما الذي يحول بين الفقراء والمستضعفين وتملك هذه الجوهرة الثمينة؟

قال: إنه الاتباع الأعمى الناتج عن فراغ عظيم.

قلت: تقصد عقدة النقص التي تجعلهم يرون أنفسهم أصفارا، فينمحون أمام الكبار.

قال: سم ذلك ما شئت، ولكن من عظم غير الله، وسكن لغير الله ابتلاه الله بالاستعباد لكل شيء.

قلت: أتذكر لهذا السبب شاهدا، فأنت تعرف مدى غرامي بالشواهد؟

قال: القرآن الكريم كله شواهد على ذلك، ولكن اسمع لما يقول الله تعالى:{ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ}(سـبأ:32)

قلت: قرأت أمثال هذه الآية كثيرا.

قال: لا يكفي أن تقرأها.. لابد أن تسمعها.

قلت: فماذا تقول هذه الآيات، ومن تخاطب؟

قال: إنها تخاطب جذور أعماق الفقراء والمستضعفين، لتقول لهم:( إن الله لم يخلقكم أذنابا، بل خلقكم رؤوسا، فإن أبيتم إلا أن تكونوا أذنابا، فتحملوا ما يجركم إليه ذلك )

قلت: وما يجر إليه ذلك؟

قال: إن ربط شخص نفسه في ذيل خنزير نجس، أيمكن أن يبقى طاهرا؟

قلت: وكيف يبقى طاهرا، إن النجاسة لاحقة به لا محالة.

قال: فكذلك من رمى نفسه في أتون المجرمين، فإنه لا ينبغي أن يلوم أحدا إن احترق.

قلت: ألهذا يجمع الله تعالى في دار العدل الكبراء مع المستضعفين؟

قال: لأن المستضعفين أبوا إلا أن يبيعوا أنفسهم للكبراء.

قلت: إن هذه المعاني خطيرة، وهي تحض على الثورة.. ثورة الفقراء والمستضعفين.

قال: والثورة هي بداية السلام، فلا يمكن أن تتحقق بالسلام، وأنت تقنع بالعجز.

قلت: ولكن الثورة تحتاج سلاحا.

قال: فقد أعطى الله الفقراء القدرة على حمل السلاح.

قلت: ليواجهو به الكبراء والمستعلين؟

قال: ليواجهوا به قبل ذلك الظلام الذي يعمر أعماقهم، والخراب الذي يملأ نفوسهم، فمن الخطأ أن تلوم جارك على شيء تفعله في بيتك، ومن البهتان أن تنقلب على رؤسائك، ولا تنقلب على أهوائك.

ماذا وجد من فقدك:

صعد بي المرشد طابقا أعلى في قصر الاستغناء، فإذا بي أشاهد لافتة مكتوبا عليها:( هنا محل جوهرة عزيزة اسمها ( ماذا وجد من فقدك )

سألت المرشد عنها، فقال: أنا المرشد، ولست المعلم، اسأل معلم السلام.

أجابني من غير أن أسأله: لا يكفي أن تشعر بأنك لست مطرودا، ولا يكفي أن تشعر بأن في إمكانك أن تكون مختارا، لتمتلئ بالسلام والسعادة؟

قلت: فما الذي ينقص الفقير حتى يشعر بسكينة أعظم وسلام أتم؟

قال: أن يشعر بأن كل ما في يد غيره من الأغنياء والمستعلين هباء أو كالهباء، أو سراب أو كالسراب؟

قلت: وما فائدة هذا الشعور، وما علاقته بالاستغناء، وما علاقته قبل ذلك كله وبعده بالسلام؟

قال: لأن شعور الفقير بثروة الغني، يجعله عبدا لها، أو عبدا له.

قلت: كيف يكون ذلك، ولا بد من ذلك.

قال: فرق بين أن تراها، وبين أن تعتبرها.

قلت: لا أرى فرقا بينهما.

قال: إذا كنت في صحراء واسعة، ودب ثعبان الظمأ ليستل روحك، ورأيت سرابا بعيدا، هل تراه أو تعتبره؟

قلت: أراه، ولكني لا أعتبره.

قلت: وماذا لو اعتبرته؟

قلت: سأظل تائها في الصحراء، أبحث عنه، ثم لن أصل إليه أبدا.

قال: لم؟

قلت: لأنه غير موجود، والبحث عن غير الموجود عناء.

قال: فكذلك ثروات الأغنياء التي تراها.

قلت: ما الجامع بينهما؟

قال: إن نظرت إلى ما في أيديهم كما نظرت إلى السراب، ضحكت عليهم، وسخرت منهم، ولم يستعبدوك.

قلت: قرب لي المثال، فإني - كما تعلم - منغمس في أوحال الكثافة يشتد علي التجريد.

قال: أرأيت إن كان لك جار.. هو فقير.. ربما يكون أفقر منك..  ثم جاء بجوهرة مغشوشة، فعلقها في جيد امرأته، أو جاءك بكنز يلمع كالذهب، ولكنه ليس ذهبا، ثم ذهب يتعالى عليك، ماذا كنت تفعل؟

قلت: أرحمه، أو أضحك عليه.

قال: أكنت تتمنى أن يكون لك مثله؟

قلت: لا، لأنه لا يملك إلا السراب والهباء، ثم يغالط نفسه به.

قال: كيف يغالط نفسه به؟

قال: لأنه إذا جاء وقت الحاجة لن يغني عنه ذهبه شيئا.

قال: إذن هو كذلك السراب الذي { يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً }(النور: 39)

قلت: أجل.. هو كذلك.

قال: فأغنياء العالم الذين تمتلئ قلوب الفقراء حسدا أو نقصا عند رؤاهم، هل تغنيهم أموالهم وذراريهم وقصورهم شيئا وقت الحاجة.

قلت: أما في الدنيا، فنعم.

قال: ما الدنيا إلا أيام تروح وتنقضي، فبعد الدنيا.

قلت: لا تنفعهم، فلم أر أحدا تدفن كنوزه معه.

قال: أرأيت لو دفنت كنوزه معه، هل تغني عنه من أمره شيئا؟

قلت: كيف تغنيه، وهو لن يطول به المقام حتى يأكله الدود، فيصير هيكلا عظميا ينخره التراب.

قال: أرأيت لو حنطوه، وحفظوا جثته وزينوها بالحلي والحلل التي جمعها، أكان ذلك يغني عليه شيئا؟

قلت: كيف يغني عليه، وهو رمة بالية، والحمار يظل حمارا، ولو كسي وزين ما زين.

قال: فخبرني ما فائدة هذا المال الذي لا تجده أحوج ما تكون إليه؟

قلت: وما البديل؟

قال: أن تبحث عن المال الذي تجده في كل وقت.

قلت: ما الفرق بينهما؟

قال: الأول سراب، والثاني ماء، ومن أجهد نفسه مع السراب لن يصل إلى الماء.

قلت: وكيف أصل إلى الماء؟

قال: بالبحث عن رب الماء، ألم تقرأ قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}(النور:39)

قلت: فمن فقد الله؟

قال: لم يظفر إلا بالسراب، ولهذا كانت هذه الجوهرة جوهرة:( ماذا وجد من فقدك )

قلت: هذا جزء من حكمة ابن عطاء الله.

قال: هذه حكمة من حكم الوجود، وسنة من سنن الكون، و{ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}(الأحزاب: 62)

قلت: أريد الشواهد، فأنت تعرف أني لا أقبل إلا الشواهد.

قال: البصيرة خير الشواهد.

قلت: وكلام الله نور البصيرة.

قال: إليك هذه الأشعة الأربعة.

الشعاع الأول:

قلت: فما الشعاع الأول؟

قال: هو الشعاع الذي يضيء من سراج قوله تعالى:{ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً}(الكهف:42)

قلت: هذه قصة هلاك مال رجل غره ماله.

قال: لم يغره ماله فقط، بل استعبده من دون الله، ألم تسمع قوله بعد ندمه:{ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً}(الكهف:42)

قلت: فما في هذا من أشعة هذه الجوهرة؟

قال: هذا الشعاع يقول لك: كل ما امتلكته من غير الله فان أو سيفنى.

قلت: لا شك في هذا.. فهذه حقيقة من حقائق الأبد، فقد قال تعالى:{ وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(القصص:88)

قال: وقال تعالى:{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ}(الرحمن:26 ـ 27)

قلت: فما الأثر الذي يحدثه سماع هذه الآيات؟

قال: لا يتعلق بالهالك إلا هالك.. ولا يتعلق بالفاني إلا الفاني.

قلت: وكلنا هالكون، فلذلك ترانا نتعلق بالهالكين.. فهل علينا لوم في ذلك؟

قال: نحن هالكون، ولكن فطرنا مملوء ة بحب الحياة، ألم تسمع قوله تعالى:{ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} (طـه:120)

قلت: بلى.. فما في هذه الآية من فطرة الخلود؟

قال: لولا أن الله ملأ فطرة الإنسان بحب الخلود ما جاءه الشيطان من هذا الباب.

قلت: صدقت.. فالشيطان لا يرتع إلا فيما يحمله الإنسان من معاني.. فهو يبحث عنها ليقلب حقائقها.

قال: ولهذا.. فإن من أراد الحياة الخالدة يحتاج إلى التعلق بالخالد الذي لا يموت، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً}(الفرقان:58)، ففي الآية إشارة صريحة إلى هذا الشعاع الذي يخرجك من الأكوان ليربطك برب الأكوان.

قلت: ألهذا نرى النصوص الكثيرة تخبر عن هلاك الأموال، وذهاب العز عن أهله، كقوله تعالى عن أصحاب الجنة:{ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ}(القلم:19 ـ 20)

قال: لقد كان ما حل بتلك الجنة من من أكبر نعم الله عليهم.

قلت: كيف تقول هذا؟.. هذه عقوبة، وليست نعمة.

قال: كل نعمة تحجبك عنه عقوبة.. وكل عقوبة توصلك إليه نعمة.

قلت: صدقت.. فلولا أن الله تعالى ابتلاهم بهذا البلاء، لما قالوا:{ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}(القلم: 29)

قال: إن غلة هذه المقولة أعظم من كل غلة كان يمكن أن يظفروا بها.

الشعاع الثاني:

قلت: فما الشعاع الثاني؟

قال: هو الشعاع الذي يضيء من سراج قوله تعالى:{ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}(القصص:82)

قلت: فما في هذا الشعاع من حقائق هذه الجوهرة؟

قال: هذا الشعاع يقول لك: إن لم تشهد هلاك مالك، فستشهد هلاكك، وفي هلاكك هلاك مالك.

قلت: وضح لي ما تقصد.

قال: ما الغرض الذي تطلبه من الأموال؟

قلت: الانتفاع بها، والاستفادة منها.

قال: أرأيت إن منعت من هذه الاستفادة، وحرمت من هذا التمتع!؟

قلت: حينها سأعتبر نفسي خاليا من المال، حتى لو عمرت كنوز الدنيا خزائني.

قال: فهذا الشعاع يخاطبك من هذا الباب لينزع من قلبك عبودية الذهب والفضة، وينزع من الفقير شوقه الذي استعبده للذهب والفضة.

قلت: يخاطبه بمنطق الفناء الذي خاطبه به الشعاع السابق.

قال: أجل.. فما أكثر الخلق الذين لم يشهدوا هلاك أموالهم.. وكل الخلق شهدوا هلاكهم عن أموالهم.

قلت: فهل من فرق بينهما؟

قال: في التحقيق لا فرق بينهما.. فسواء ذهب مالك عنك، أو ذهبت أنت عن مالك.

قلت: أي عزاء يحمله هذا المعنى للفقراء.. ألسنا نبحث عن سلوى الفقراء؟

قال: هذا المعنى يخلص الفقراء من عبودية الشعور بالفقر للأشياء ليزج بهم في عبودية الافتقار لله.

قلت: فكيف نتحقق به؟

قال: بذكر الموت.. فما حل الموت في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلا كثره.

قلت: أسمع هذا اللفظ كثيرا فما معناه.

قال: هذا اللفظ يخاطب الفقراء ليقول لهم: إن ما عندكم كثير يكفيكم، فلا تحزنوا.. ويقول للأغنياء: إن ما عندكم قليل، فلا تغتروا به.

قلت: إن هذا يضاد الحقيقة.. فما عند الفقراء قليل، وبه صاروا فقراء.. وما عند الأغنياء كثير، وبه وجبت عليهم الزكاة.

قال: نحن نتكلم في الحقائق لا في الرسوم.. فمن نظر إلى مايسد الحاجة، فالقليل كثير.. ومن نظر إلى مايسد طمعه فالكثير قليل.

قلت: فذكر الموت إذن عزاء للفقراء.

قال: وتربية للأغنياء.

الشعاع الثالث:

قلت: فما الشعاع الثالث؟

قال: هو الشعاع الذي يضيء من سراج قوله تعالى:{ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ }(طـه: 97)

قلت: هذه الآية تتحدث عن عقوبة السامري.. ولا أرى فيها أي سلوى للفقراء، ولا أي تربية للأغنياء.

قال: اسمعها بعين الحقائق لتبصر الشعاع الذي ينطلق منها.

قلت: ليس في طاقة أذني أن تسمع غير الحروف والأصوات.

قال: أهذه هي عقوبة السامري؟

قلت: أجل.. لقد عاقبه الله بمرض يحرمه من المجتمع.. فهو لا يود أن يمس أحدا، أويلاقي أحدا.

قال: فعندما أراد الله أن يعاقب السامري بما تقتضيه فطرته من مخالطة المجتمع، هل أزال المجتمع وحرمه منه.

قلت: لا.. المجتمع كان موجودا على مرمى بصره.

قال: فهل قبض الله روحه ليحرمه من رؤية المجتمع؟

قلت: لا.. بل بقي موجودا.

قال: ولكن كيف حرم من المجتمع مع أنه كان في المجتمع؟

قلت: لقد ذكرت لك أنه ابتلي بمرض يحرمه من المجتمع مع أنه في وسطه وبين أفراده.

قال: فافهم سر هذا الشعاع من هذا المعنى.

قلت: كيف؟

قال: لقد عرفت في الشعاعين السابقين أن المال الذي استعبد الأغنياء والفقراء إما أن يذهب أو يذهب بصاحبه.

قلت: أجل.. وهذا الشعاع؟

قال: يقول لك:قد تبقى مع المال.. ولكنه لن ينفعك.. بل ستمتلئ حسرة وأنت تنظر إليه.

قلت: أأصير كالعيس في البيد يقتلها الظمأ؟

قال: أجل.. ولو كان الماء فوق ظهورها محمول.

قلت: نعم.. إني كثيرا ما ألاحظ هذا.. فالأشياء قد تكون موجودة، وبوفرة.. ولكنا لا نجد أي متعة، ونحن نتناولها.

قال: لأن التلذذ ليس بالأشياء.. وإنما بما يخلقه الله فيك من السكينة التي تستقبل التلذذ وتتمتع به.. اللذة من الله لا من الأشياء.. فقد تأكل كسرة يابسة، ويضع الله في لسانك من التلذذ بها ما لا تجده في أشهى المأكولات.

قلت: صحيح هذا..

قال: بل هوحقيقة يشير إليها، بل يصرح بها قوله تعالى:{ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ}(الانبياء:69).. فالله تعالى لم يطفئ النار، وإنما جعل في إبراهيم u من السكينة والإيمان ما تتحول به النار بردا وسلاما.

قلت: صحيح هذا.. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى:{ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}(لأنفال:43)،فالله تعالى جعل في هذه الرؤيا ما يطمئن القلوب ويملؤها بالثقة.

قال: ليس الأمر قاصرا على الرؤى، بل هو شامل للواقع.. لكل واقع.. ألم تسمع قوله تعالى:{ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}(لأنفال:44)

قلت: أجل.. لقد وعيت هذا..

قال: فاعبر منه إلى سائر الحواس.. فالله الذي يتصرف في الأعين يتصرف في اللسان والآذان وفي كل جوارح الإنسان ولطائفه.

قلت: أيمكن إذن أن يرزق الله الفقراء بمعيشتهم البسيطة من الراحة واللذة والسلوان ما لا يجده الأغنياء؟

قال: أجل.. فالخلق خلق الله.. واللذات نعم من نعمه، يوزعها لمن يشاء، وكيف يشاء.

قلت: ألا علاقة لها بالأشياء؟

قال: لا علاقة لها بالأشياء.. ألم تسمع قوله تعالى:{ وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}(الزخرف:33 ـ 35)؟

قلت: بلى.. سمعتها.. فما علاقتها بهذا؟

قال: إن الله يخبرنا بأن السعادة ليست في الأشياء..

قلت: أهي مثل قوله تعالى:{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}(طـه:124)؟

قال: أجل.. وقد عبر عن هذا الضيق بالضنك ليشير إلى أن حياة هؤلاء قد تكون واسعة من حيث الأشياء.. ولكنها ضيقة، بل ضيقة جدا من حيث بركات الأشياء، وما فيها من أصناف اللذات.

الشعاع الرابع:

قلت: فما الشعاع الرابع؟

قال: هو الشعاع المستمد من قوله تعالى على لسان الذي يكتشف حقيقة الأشياء التي كان يزهو بها في الدنيا:{ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} (الحاقة:28 ـ29)

قلت: فما يقصد هذا الشعاع؟

قال: هذا الشعاع يذهب الزهو الذي يملأ قلوب الأغنياء، وهم ينظرون إلى أموالهم، فيمتلئون استغناء بها عن الله.

قلت: فما يقول لهم؟

قال: يقول لهم: إن هذه الأموال التي شغلتكم عن الله لن تنفعكم أحوج ما تكونون إليها.

قلت: لقد ضرب الله لذلك مثلا في القرآن الكريم، فقال تعالى:{ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} (البقرة:266)

قال: أجل.. فهذا قد ذهب عنه ماله أحوج ما كان إليه.. أتدري ما مثله؟

قلت: ما مثله؟

قال: مثل رجل أفنى عمره في بناء سفينة ضخمة وضع فيها جميع جهده وجميع ما يحتاجه.. وضيع في سبيلها كل شيء.. لكنه ما إن توسط البحر اللجي حتى نبع من وسطها عيون أغرقتها وأغرقته معها.

قلت: ما أجدره لو ملأ نفسه بالراحة، وحفظ علاقاته.

قال: هو تمنى لو حصل منه ذلك، ولكن لات ساعة مندم.

قلت: لقد أخبر تعالى عن الحال التي يكون عليها هؤلاء في زحمة الأهوال، فقال:{ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ} (المعارج:11ـ14)

قال: وقد أخبر عن النتيجة التي يتقنع بها الأغنياء والفقراء الذين أفنوا أعمارهم بحثا عما لا يغنيهم، فقال:{ وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} (لأعراف:48)

قلت: فما في هذا الشعاع من السلوى للفقراء والتربية للأغنياء؟

قال: يقول لهما: لا تنشغلا بهذا الغنى الوهمي عن الغنى الحقيقي.. فما تجمعونه من أموال، أو ما تحزنون عليه من أموال لايساوي حسنة واحدة في ميزان رجل مؤمن.

قلت: إن هذا يجعل الأغنياء والفقراء يتسابقون إلى الحسنات..

قال: وحينذاك يذهب زهو الغني وكبرياؤه وغفلته.

قلت: والفقير..!؟

قال: لا يضر الفقير شيء مثل الغني الجاحد.. فإن آمن الغني اغتنى الفقير.

قلت: لم؟

قال: لأن ثروة الغني سينتفع بها الفقير.. وحق الفقير لا يتسلط عليه الغني.

قلت: نستطيع بهذا أن نمحو الفقر والغنى.

قال: أجل.. بالتنافس على الخير يزول الغنى والفقر.. فالفقير من خفت موازينه من حسنات الله.

قلت: لقد ذكرتني بحديث في الزمن الأول.. حين كان الناس ينظرون إلى ما تكتب الملائكة لا إلى ما تكتب الخزنة، فقد روي أن ناسا قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال:( أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة )، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال:( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر )([12])

***

 ما قلت هذا حتى شعرت بجوهرة كريمة تنزل أعماق صدري، تنجلي من نورها بعض الظلمات.

قلت في نفسي حين نزولها: نعم.. إن الفقير في الحقيقة لا يؤلمه فقره، وإنا يؤلمه شعوره بأن غيره يملك ما لا يملك، فهو ينطوي على حسد لا شعوري يجعله يمتلئ حزنا وأسفا.

فإذا علم هذا الفقير أن الكل فقير، وأن أبواب الغنى الحقيقي مفتوحة للجميع، وأن ذلك الغني الذي يتألم لغناه ما هو إلا فقير من الفقراء.. بل قد يكون أذل الفقراء وأحوجهم، فإنه سيعيش ممتلئا بغناه سعيدا بغناه.

لست أدري كيف خطر على بالي إبراهيم بن أدهم، وقد كان من أهل النعم بخراسان؟ فبـينما هو يشرف من قصر له ذات يوم إذ نظر إلى رجل في فناء القصر وفي يده رغيف يأكله، فلما أكل نام، فقال لبعض غلمانه: إذا قام فجئني به، فلما قام جاء به إليه، فقال إبراهيم: أيها الرجل أكلت الرغيف وأنت جائع؟ قال: نعم. قال: فشبعت؟ قال: نعم، قال: ثم نمت طيباً؟ قال: نعم. فقال إبراهيم في نفسه، فما أصنع أنا بالدنيا والنفس تقنع بهذا القدر.

وذكرت عامر بن عبد القيس حين مر عليه رجل، وهو يأكل ملحاً وبقلاً، فقال له: يا عبد الله أرضيت من الدنيا بهذا؟ فقال: ألا أدلك على من رضي بشر من هذا؟ قال: بلى. قال: من رضي بالدنيا عوضاً عن الآخرة.

وذكرت محمدا بن واسع حين كان يخرج خبزاً يابساً فيبله بالماء ويأكله بالملح ويقول: من رضي من الدنيا بهذا لم يحتج إلى أحد.

ماذا فقد من وجدك:

صعد بي المرشد طابقا أعلى في قصر الاستغناء، هو قمة طوابقها، فلاحت أنوار عظيمة جميلة لا يمكن وصفها كادت تخطف بصري، قلت للمعلم: ما هذا؟

قال: هذه منطقة:( قدس الأقداس )، فاحرص على الأدب، { فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً}(الكهف: 70)

قلت:{ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً}(الكهف:69)

ارتد إلي طرفي، فأبصرت جوهرة لا يمكن وصفها.. نورها يكاد يغمر كل شيء، بل كدت أحس أني شعاع من أشعة نورها، سألت المرشد عن هذه الجوهرة العزيزة، فقال: هذه جوهرة:( ماذا وجد من فقدك )

قلت: ما معنى ذلك؟

قال: أنا المرشد، ولست المعلم، اسأل معلم السلام.

أجابني من غير أن أسأله: لا يكفي أن تشعر بأنك لست مطرودا.. ولا يكفي أن تشعر بأن في إمكانك أن تكون مختارا.. ولا يكفي أن تشعر بأن كل ما يملك غيرك سراب وهباء، لتمتلئ بالسلام والسعادة؟

قلت: فما الذي ينقص الفقير حتى يشعر بسكينة أعظم وسلام أتم؟

قال: أن يشعر بأنه يملك كل شيء، وأنه لا ينقصه شيء.

قلت: وما فائدة هذا الشعور، وما علاقته بالاستغناء، وما علاقته قبل ذلك كله وبعده بالسلام؟

قال: لأن افتقاره إلى أي شيء يعني دوام حاجته وفاقته ونقصه، والاستغناء يقتضي الغنى المحض.

قلت: فما علاقة ذلك بالسلام.

قال: لأن الفقر نقص وضعف، والسلام لا يجاور الضعفاء، وأعظم الضعف الكفر، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( كاد الفقر أن يكون كفرا )([13]).. أتفهم وجه الإشارة في هذا الحديث؟

قلت: أفهم معناه الظاهر، وهو ما يستدل به قومي في حربهم للفقر.

قال: أما معناه الخفي الذي قد يغفلون عنه، فهو أن الفقر يعني عدم الشعور بنعم الله، وعدم الشعور بها يعني كفرانها وجحودها.

قلت: فالفقر إذن كفر؟

قال: الفقير الذي تملكه الأشياء، ولا يملك الأشياء.

قلت: فكيف يملك كل شيء؟ ومن لديه الطاقة لأن يملك كل شيء؟ ذلك الله فهو ملك كل شيء ومالك كل شيء.

قال: ومن عرف الله ملك كل شيء.

قلت: لم أفهم.

قال: من عرف الله والاه وناصره وأحبه وعبده.. أليس كذلك؟

قلت: بلى.

قال: ومن والى الله والاه، ومن أحبه أحبه، ومن نصره نصره.. أليس كذلك؟

قلت: بلى.

قال: فمن كان كذلك أيحتاج شيئا من الله، فيبخل عليه به؟

قلت: معاذ الله.

قال: فمن لم يعز عليه شيء، ولم تطلبه نفسه شيئا إلا وجده، ألا يعتبر واجدا لكل شي مالكا لكل شيء!؟

قلت: ربما، ولكن الملك شيء، والانتفاع شيء آخر.

قال: وما فائدة الملك غير الانتفاع؟

قلت: لم أفهم ما تقصده.

قال: أرأيت لو ملكت آلاف القصور، وكانت لك آلاف المطاعم، ثم انقبضت نفسك أو سدت شهيتها، أو حالت الحوائل بينك وبين التهام ذلك الطعام الذي أعد لك، أكنت تفرح بامتلاكك له؟

قلت: لا أظنني سأفرح، بل ربما أحسد آخر طباخ يأكل فضلات ذلك الطعام الذي حرمت منه.

قال: فقد فهمت إذن.

قلت: وماذا فهمت؟

قال: بأن العبرة في الانتفاع لا بالملك.

قلت: ولكن ما علاقة ذلك بهذه الجوهرة النفيسة.

قال: نور هذه الجوهرة يمتد في الصدور ليشعرها بأن مجرد وجود الله والتعرف عليه والوصول إليه والقرب منه كاف في الحصول على الغنى التام الذي لا يفتقر صاحبه إلى شيء.

قلت: فما أنوار أشعتها؟

قال: أشعتها كثيرة، ولكن يكفيك هنا هذه الأربع.

الشعاع الأول:

قلت: فما الشعاع الأول؟

قال: مريم ـ عليها السلام ـ

قلت: ما شأنها؟

قال: اسمع ما يقوله تعالى في حقها:{ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(آل عمران:37)

قلت: هذه الآية أعرفها، فما محل الشاهد منها؟

قال: أرأيت لو أن ملكا يملك كل مزراع الدنيا ومصانع أغذيتها طلب من فلاحيه وعلمائه أن يأتوه بفاكهة واحدة من الفواكه التي كانت تأكلها مريم ـ عليها السلام ـ وهي في محرابها، أكانوا يطيقون؟

قلت: كلا، فطعامهم من الشهادة، وذلك من الغيب، وما أبعد البون بين الغيب والشهادة.

قال: فمريم ـ عليها السلام ـ أغنى منهم؟

قلت: في هذه الحالة، يمكن أن نقول: نعم.

قال: وفي غيرها، يمكن أن تقول: نعم أيضا، لأن الذي أعطى الطعام يمكن أن يعطي غيره.

قلت: فما سر هذا؟

قال: سأضرب لك مثالا يوضح لك هذا: لو رأيت بستانا جميلا، فيه من الفواكه والثمار ما فيه، ونازعتك نفسك إلى ثماره، فما هو أقرب طريق إلى ذلك؟

قلت: أقرب طريق إلى ذلك أن أستأذن صاحبه في الأخذ منه.

قال: ولو أنك تقربت من صاحبه من غير أن تطلب منه شيئا، ثم وفرت من الأسباب ما يجعلك حبيبا في عينيه وقلبه.

قلت: سيغدق علي حينها ثمارا كثيرة وفواكه لذيذة.

قال: فلو كان تقربك أعظم، وكان هذا البستان الذي يملكه ذلك الغني جزءا من مائة ألف جزء من بساتينه؟

قلت: حينها سيعطيني البستان جميعا، بل ربما يعطيني بساتين أخرى أفضل وأعظم.

قال: فهكذت فعلت مريم ـ عليها السلام ـ 

 قلت: وماذا فعل أغنياء قومي الذين يتيهون بغناهم؟

قال: اغتنموا ظلام الليل، فسطوا على شجرة من أشجار ذلك البستان، فاقتطفوا ثمرة من ثمارها، ثم اقتتلوا فيما بينهم أيهم يملكها.

قلت: لقد كان في إمكانهم أن يأخذوها في ضوء النهار، وبدون أن يقتتلوا؟

قال: لأنهم لم يتعلموا السلام.. لقد تعلموا أن لا ينالوا شيئا إلا بالصراع.

الشعاع الثاني:

قلت: وعيت هذا .. فما الشعاع الثاني؟

قال: شعاع المعية.

قلت: فما شعاع المعية؟

قال: إنه شعاع ينبع نوره من قوله تعالى على لسان موسى u:{  كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}(الشعراء: 62)

قلت: هذه الآية تخبر عن موقف موسى u عندما خرج بصحبة بني إسرائيل، فاشتد حنق فرعون عليهم، فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له جنوده من أقاليمه، فركب وراءهم في أبهة عظيمة وجيوش { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}(الشعراء:61)

وحينها قال موسى u:{ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}(الشعراء: 62)

قال: وحينها ماذا حصل؟

قلت: بمجرد أن قالها أمره اللّه تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، فنجا موسى u ومن معه أجمعون.

قال: وماذا حصل لفرعون؟

قلت: ما قصه القرآن الكريم، قال تعالى:{ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} (لأنفال:54)

قال: فكيف انتصر موسى u على فرعون؟

قلت: بقوة الله وتأييده، فلم يكن لموسى u حينها أي قوة تمنعه من بطش فرعون.

قال: ولم يكن له كذلك أي مفر، فالبحر أمامه، والعدو وراءه.. ولكن لماذا خاف قوم موسى u فقالوا:{ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}(الشعراء: 61)، بينما لم يهتز لموسى u عصب، ولم يخفق له قلب؟

قلت: لإدراكه أن الله معه.

قال: ومن كان الله معه هل تقاومه جيوش الدنيا؟

قلت: كيف يكون ذلك، والله رب الدنيا ورب جيوشها، بل إن الله يرسل أضعف جنوده ليحفظ من يشاء، ويهلك من يشاء.

قال: فمن كان صاحب جيش عرمرم يحميه أينما حل، وأينما ارتحل من دون أن يكلفه شيئا لا طعامه ولا شرابه ولا أجرته، أيعتبر فقيرا؟

قلت: بل هو في درجة أعلى من الغنى.. إنه في درجة الملوك.

قال: بل هو في درجة أعلى من الملوك.

قلت: كيف؟

قال: جيوش الملوك يحركها الطمع في أجر الملوك، وقد يستفزها الطمع فتنقلب على الملوك، فيعيش الملك في حمايتها خائفا من جنايتها.

قلت: ومن كان في حماية الله وجنود الله.

قال: تكون نصرته بحسب كينونته معه، وأمنه بحسب حضوره مع الله.. ألم تسمع إليه صلى الله عليه وآله وسلم وهو في أحرج المواقف التي مر بها، وهو في غار ثور، ولو أن أحدا من الشركين رمى ببصره لرآه، ماذا قال حينها صلى الله عليه وآله وسلم؟

قلت: قال ما قصه علينا قوله تعالى:{ إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(التوبة:40)

قال: أتعلم قدر البشارات التي يحملها قوله تعالى:{ إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ }

قلت: إنها بشارة عظيمة ولا شك.

قال: ولكن لا يمكن تصورها.. إنها جواز حماية من الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن كان الله معه كانت جنود الدنيا جميعا معه، قال تعالى:{ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}(الفتح:7)

قلت: ما أكثر ما يملك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذن من جنود.

قال: بل ما أعظم ما يملك كل مستغن بالله فقير إلى الله من جنود، ألم تسمع قول الحق تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد:7)؟

قلت: بلى ..  ومن كان الله في نصرته لا يغلب.

قال: { إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}(آل عمران:160)

قلت: ومن تخلى الله عنه لا ينصر، ولو ملك جميع جيوش الأرض.

قال: { أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ}(الملك:20)

قلت: فمن وجد الله إذن لا يستغني بالرزق فقط، بل يستغني بالحماية والرعاية والحفظ.

***

 تأملت ما يحمله هذا الشعاع من بشارات، وتذكرت مواقف الأنبياء والأولياء الذين لم تتزعزع قلوبهم، وهم يرون المشانق منصوبة لهم.

تذكرت إبراهيم u، وهو يلقى في المنجنيق ليرمى به إلى ما أضْرَم له أعداء الله من النار، فلم يتحرك قلبه، ولم ترتعد فرائصه، بل بقي كالطود الأشم لا تزعزعه الرياح، بل سرت السكينة من باطنه إلى ظاهره إلى ما حوله، فأطفأت ببرودتها وسلامها نار النمروذ وزبانيته.

جمعوا الحطب شهرا ثم أوقدوها، واشتعلت واشتدت، حتى أن الطائر كان يمر بجنباتها فيحترق من شدة وهجها.

ثم قيدوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مغلولا، وغفلوا أن يقيدوا سكينته، أو عجزوا أن يقيدوها.

وحينذاك ضجت السموات والأرض ضجة واحدة: ربنا! إبراهيم ليس في الأرض أحد يعبدك غيره يحرق فيك فأذن لنا في نصرته.

وكان الله يعلم ما في قلب إبراهيم، فقال ـ كما يروي المفسرون ـ:( إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه ) 

فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خزان الماء - وهو في الهواء - فقالوا: يا إبراهيم إن أردت أخمدنا النار بالماء. فقال: لا حاجة لي إليكم.

وأتاه ملك الريح فقال: لو شئت طيرت النار. فقال: لا.

ثم رفع رأسه إلى السماء فقال:( حسبي الله ونعم الوكيل )

وحينها جعل الله من هذا الذي أرادوا حرقه به بردا وسلاما وبشارة.

الشعاع الثالث:

قلت: وعيت هذا.. فما الشعاع الثالث؟

قال: إنه شعاع ينبع نوره من قوله تعالى على لسان امرأة فرعون:{ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ}(التحريم: 11)

قلت: فما فيه من الاستغناء بالله؟

قال: ألا ترى أنها طلبت الجار قبل الدار؟

قلت: أجل.. وقد كان ذلك من أدبها.

قال: ليس ذلك من الأدب فقط.. بل قد عبرت عن حقيقة من الحقائق الكبرى.

قلت: فما هي؟

قال: لا لذة للجنة.. ولا لأي شيء من غير الله.. فلولا الله، وحضور الله لكانت الجنة خرابا على أهلها.

قلت: أجل.. فقد سمعت الله، وهو يتوعد الجاحدين بالحجاب، فيقول:{ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}(المطففين:15)..

قال: ولهذا قال العارفون:( ليس خوفنا من نار جهنم، ولا رجاؤنا للحور العين، وإنما مطالبنا اللقاء، ومهربنا من الحجاب )

قلت: أهم يستهينون بالجنة، أم تراهم يحتقرون النار؟

قال: لا.. ولكن معنى هذه الحقيقة شغلتهم عن كل شيء، فلم يتصوروا سعادة من دون الله.. ألا ترى المحبين كيف يغفلون عند رؤية محبيهم عن الآلام التي تحيط بهم!؟

قلت: أجل.. وقد عانيت بعض ذلك.

قال: فما وجدت؟

قلت: وجدت ما قال الشاعر:

وفي فؤاد المحب نار جوى        أحر نار الجحيم أبردها

قال: فهل تستنكر ذلك؟

قلت: كيف لي أن أستنكر ما أعلمه من نفسي.. إن نار الفراق إذا استولت على القلب غلبت النار المحرقة للأجسام، فإن نار الفراق نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، ونار جهنم لا شغل لها إلا مع الأجسام.. وألم الأجسام يستحقر مع ألم الفؤاد.

وليس هذا في الآخرة فحسب، بل في الدنيا شهادات كثيرة عليه، ( فقد رؤي من غلب عليه الوجد، فغدا على النار وعلى أصول القصب الجارحة القدم وهو لا يحس به لفرط غلبة ما في قلبه، وترى الغضبان يستولي عليه الغضب في القتال فتصيبه جراحات وهو لا يشعر بها في الحال لأن الغضب نار في القلب، واحتراق الفؤاد أشد من احتراق الأجساد، والأشد يبطل الإحساس بالأضعف كما تراه فليس الهلاك من النار والسيف إلا من حيث إنه يفرق بين جزأين يرتبط أحدهما بالآخر برابطة التأليف الممكن في الأجسام، فالذي يفرق بين القلب وبين محبوبه الذي يرتبط به برابطه تأليف أشد إحكاماً من تأليف الأجسام فهو أشد إيلاماً )([14])

قال: صدق الغزالي.. فقد عبر عن هذه الحقيقة خير تعبير.

قلت: كل الربانيين عبروا عنها.

قال: أتدري سر لهج أهل  الجنة بالتسبيح؟

قلت: لقد ورد النص على لهجهم بالتسبيح، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوطون، ولا يتمخطون، ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس)([15])..  فما سر ذلك؟

قال: سر ذلك أنه لا لذة لشيء يخلو من ذكر الله.. فلذلك يكون تسبيح أهل الجنة بمثابة النفس عندنا.. ولولا التنفس لم نتنعم بطعام ولا شراب ولا متاع.

قلت: ألا نستطيع أن نعمم هذا على ارتباط الكثير من التصرفات العادية بذكر الله؟

قال: أجل.. فالعارفون لا يفهمون من هذه الأوامر والسنن إلا ذلك.. أما الغافلون، فيعتبرونها من التكاليف التي تنوء بها ظهورهم.

قلت: أذكرنا لله نعمة إذن؟

قال: وهل يرتاح المحب إلا لذكر حبيبه؟

قلت: لقد ذكرتني باعتباره صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة قرة عينه.

قال: أجل.. فالصلاة هي الموعد الذي يلقى فيه الحبيب حبيبه.

قلت: أرأيت لو حيل بين أرواح الأولياء الطاهرة، وبين هذه العندية؟

قال: يعدم كل موجود، ويفنى كل حي، وييبس كل مخضر.. ألا تعلم ما قال حاديهم؟

لم أدر إلا وأنا أقول: أجل.. فقد قال أبو مدين:

فلولا معانيكم تراها قلوبنا
 

إذا نحن أيقاظ وفي النوم إن غبنا
  

لمتنا أسى من بعدكم وصبابة
 

ولكن في المعني معانيكم معنا
  

الشعاع الرابع:

قلت: وعيت هذا .. فما الشعاع الرابع؟

قال: هو شعاع ينبع من نور قوله تعالى:{ ِإذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}(التوبة: 40)

قلت: فما في هذا الشعاع من حقائق الاستغناء؟

قال: معية الوجود.

قلت: فما معية الوجود؟

قال: أرأيت لو أن رجلا له ولد هو أحب الناس إليه لا يستطيع فراقه مع أنه لا ينتظر أي نصرة منه.. ثم غاب ولده غيابا طويلا جعله يكاد ييأس منه، ثم ظفر به.. ما هو أعظم ما يسليه إن أصابته الأحزان؟

قلت: إن رؤيته لولده أو تذكيره به أكبر ما يملأ قلبه مسرة وفرحا.

قال: فكذلك الأمر في هذا.. ولله المثل الأعلى.

قلت: ولكن الله حاضر لم يغب.. فكيف تضرب هذا المثال؟

قال: هو حاضر لم يغب.. ولكن القلوب هي الغافلة الغائبة.. فلذلك إن ملأها الله بالإيمان والمحبة، فلن تتأسف على شيء تفقده:

لكل شيء إذا فارقته عوض     وليس لله أن فارقت من عوض

قلت: أجل.. لقد ذكرتني بصنوف من الحكمة ذكرها الأولياء، ونشر عطرها الصالحون.

قال: فما قالوا؟

قلت: لقد ذكروا في الإشارة عن الله تعالى:( لا تركنن إلى شئ دوني فإنه وبال عليك وقاتل لك، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك، وإن آويت إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن آنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت الخلق وكلناك إليهم، وإن اغتررت بالمعرفة نكرناها عليك..  فأي حيلة لك، وأي قوة معك..  فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبداً)

وسئل أبو سليمان الداراني t عن أفضل ما يتقرب به إلى الله، فقال:( أقرب ما يتقرب به إلى الله أن يطلع على قلبك، وهو لا يريد من الدنيا والآخرة سواه )

قال: فالغارقون في بحر هذا الحب لا يرون غير محبوبهم، وهو لا يغيب عنهم أبدا.. فلذلك لا يشعرون بالفاقة التي تملأ نفوس الخلائق.

قلت: أجل.. وقد قال قائلهم:

 

ومن عجب أني أحن إليهم
 

وأسأل عنهم من أرى وهم معي
  

وتطلبهم عيني وهم في سوادها
 

ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
  

قال: فبشر الفقراء بأن يجعلوا غناهم بالله.. وبشر الأغنياء بما فاتهم من الحظوظ بابتعادهم عن الله.

قلت: إذا بشرتهم جميعا تساوى الأغنياء والفقراء!؟

قال: من شعر بفقره للأشياء لن يصل إلى الله.. ومن شعر بغناه عن الله مات في أودية الفقر.

***

ما قال هذا حتى شعرت بجوهرة كريمة تنزل أعماق صدري، تنجلي من نورها بعض الظلمات.

قال: فقد أدركت سر النعم ولبابها.. ألا تعلم معنى النعم؟

قلت: بلى.. فالنعم هي الفضل العظيم الذي يمن الله به على عباده.

قال: فمن وصف الله به في القرآن الكريم؟

قلت: لقد وصف الله به أصنافا من الناس.

قال: فمن هم؟

قلت:هم أولا غير المغضوب عليهم ولا الضالين، كما قال تعالى:{ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}(الفاتحة:7)

قال: ألا ترى فيهم الأغنياء؟

قلت: ولكنهم بمنطق القرآن الكريم ليس لهم حظ من هذه النعم.. فهم فقراء من هذه الزاوية.

قال: فلماذا تودون أن تكونوا مثلهم؟

قلت: نحن ننظر إلى الزخارف لا إلى الحقائق.

قال: فعد بنا إلى المنعم عليهم لترى حقائق النعم وأصناف المنعم عليهم.

قلت: إن المنعم عليهم في القرآن الكريم ليسوا أثرياء العالم الكبار، وإنما هم حفنة من من عباد الله الصالحين الذين قد يحتقرهم الخلق لبذاذتهم، وقد يرمونهم بالتخلف لسوء حالهم، ولكن الله أنعم عليهم، وأطنب في في ذكرهم، فذكرهم إجمالا في قوله تعالى: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} (النساء:69)

ثانيا ـ كنز القناعة

خرجت من قصر الاستغناء، وقد جمعت ثروة طائلة من جواهره النفيسة..سرت مع المعلم في أرجاء مدائن الغنى بحثا عن قصر جديد، لجمع جواهر جديدة.

فجأة وقفنا أمام قصر مهيب، كل ما فيه جميل، مستغن بما فيه عن المدينة وأهل المدينة، وكأنه معزول عنها تماما، سألت المعلم عن سر هذا القصر، فقال: هذا قصر القناعة.. فالقنوع مكتف بما عنده، لا تمتد عيناه لغيره.

دخلت القصر، فقد كان معي جواز الافتقار، وإذا بي أرى مرشد القصر في حلة جميلة وطلعة بهية لا تقل عن حلة وطلعة مرشد قصر الاستغناء، فتقدمت إليه، وسألته، محاولا إظهار خبرتي بتلك القصور، قلت له: أنا لي علاقة طيبة بالمرشدين، وقد صحبت في الأيام السابقة مرشدا، ليتك رأيت ما يتمتع به من طاقات.

قال: بلى.. أعرفه.

قلت: أهو قريبك إذن أم صديقك، فالحرفة الواحدة تجعل أصحابها أصدقاء رغم أنوفهم؟

قال: أنا أعرفه لا لصداقة بيننا..

قلت: إذن هو قريبك..  ولكن الشبه بينكما بعيد.

قال: ليس هو قريبي، بل..

قاطعته قائلا: فكيف عرفته إذن؟

قال: أنا هو..

بهت متأملا صورته محاولا إيجاد شبه بينهما، ثم قلت: أهو أنت محبة ومودة، أم هو أنت شحما ولحما؟

قال: ما بك يا هذا، ألا ترى الإنسان إلا شحما ولحما!؟

قلت: اعذرني، فأنا من قوم يقولون مثل هذا الكلام، ولكن اصدقني ما المعنى المجازي في قولك:( هو أنا )

قال: ليس هناك معنى مجازيا، كل ما في الأمر أني هو، وهو أنا.

قلت: والصورة مختلفة!؟

قال: ألم تسمع عن سوق الصور؟

قلت: بلى، قرأت ما رواه المحدثون عنه صلى الله عليه وآله وسلم:( إن في الجنة لسوقا ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى  الرجل صورة دخل فيها )([16])

قال: فهذا من ذاك.

قلت: ولكن ذاك في الجنة، ونحن في الدنيا.

قال: ولكن.. ألم تسمع بأن الأولياء تعجل لهم جنانهم في الدنيا، ألم تسمع قول من قال:( في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة )؟ 

قلت: بلى.

قال: فهذا كذلك من ذاك.

ثم التفت إلي، وقال معاتبا: دعك من الأقنعة، واقنع بالحقيقة، وهلم لتجمع كنوز القناعة، ولا تنس قلمك.

***

 التفت إلى المعلم، وقلت: كم طوابق هذ القصر، وكم جواهره؟

قال: أربع: التدبير، والاقتصاد، والكفاية، والأمن.

قلت: فما سر كون هذه الجواهر أربع.. أهو مجرد غرام بالأربع؟

قال: لأن القناعة علاج الطمع والحرص.

قلت: وما في ذلك؟

قال: لأن الطمع والحرص ناتج عن أربع علل، كل علة منها تداوى بأشعة جوهرة من الجواهر.

قلت: فما هي، وما سر انحصارها؟

قال: الطمع والحرص ناتجان من فراغ عظيم يجده الطامع والحريص، ألا ترى أن حروف الطمع جميعها جوفاء.. هي تشبه تماما نفس الطامع..

قلت: لعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى ذلك بقوله:( لو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون له ثان، ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب)([17])

قال: صدق صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أشار إلى علة الحرص والطمع أتم إشارة.

قلت: وهذه الصفة.. ما علاقتها بالعلل الربع؟

قال: إن الفراغ الذي يعانيه الطامع يجعله حريصا على ملئه، كما أخبر صلى الله عليه وآله وسلم بأنه إن كان له واديان، وملأ بهما جوفه، يشعر بأن جوفه لا زال يحتمل المزيد، فيظل حبيس فقره وحاجته وطمعه.

قلت: وهذا إلى ما يؤدي.. لا زلت حريصا على سر الأربع.

قال: يؤديه ـ أولا ـ إلى اختلاط في تصرفاته ، وجشع في تناول الأشياء، مثله كمثل من أدخل سوقا مملوءا بالكنوز، ثم أعطي ساعة ليجمع منها ما يشاء.. فتراه في تلك الساعة، وقد اختلط عليه أمره.. لا يدري كيف يتصرف.. ولا ماذا يجمع؟.. ولا أين يضع؟

قلت: هذا صحيح، فبم يعالج هذا؟

قال: يعالج بالتدبير والتنظيم والتثبت.

قلت: فما العلة الثانية؟

قال: الفراغ الذي يعانيه يجعله يسرف في تناول الأشياء، لأنه يعتقد أن جوفه لا زال يحتمل المزيد، ألا ترى الشره كيف يأكل فوق حاجته إلى أن يصاب بالتخمة، لا لكونه جائعا، ولا لكونه مشتهيا، وإنما للمرض الذي يعانيه!؟

قلت: مرض فراغ الجوف.

قال: وهو مرض لا يقل خطورة عن كثير من الأمراض التي يحرص قومك على طلب علاجها.

قلت: فبم يعالج هذا؟

قال: بالاقتصاد، ألم تسمع أن الاقتصاد نصف المعيشة!؟

قلت: بلى .. فما العلة الثالثة؟

قال: الفراغ الذي يعانيه الطامع والحريص يجعله يطلب أشياء كثيرة لا حاجة له إليها حرصا على ملأ فراغه، هو كمن يريد أن يملأ حفرة عميقه، فوضع فيها التراب، فلم يكف، فوضع فيها الحجارة، فلم تكف، فراح يضع المزابل والقمامات.

قلت: فما وجه التشيه في هذا؟

قال: هذا الذي كان طمعه سبب فقره، فلم ينظم حياته، ولم يدبر معيشته، ولم يقتصد.. سيؤديه ذلك لا محالة لمزابل الناس وقماماتهم وأيديهم ليملأ جوفه.

قلت: فبم تعالج هذه العلة؟

قال: تعالج بالكفاية والزهد.

قلت: ولكني سمعت أن الزهد داء لا دواء.. ودخيل على الدين لا أصيل.

قال: ذلك ما أسمعك قومك.. أما الحقيقة فهي أن الزهد هو باب الكمال، ومفتاح الغنى.

قلت: ولكنه يدعوني إلى الجوع.

قال: بل يدعوك إلى أن تقتصر من حياتك على ما يكفيك ويغنيك، فلا تمتد عيناك لغير ما جعل الله لك من حاجات..  أريد أن أسألك سؤالا.

قلت: سل.

قال: لماذا يخيط نساجو قومك السراويل برجلين فقط، ولماذا يكتفون بصناعة قدمين للأحذية.

ضحكت وقلت: وهل رأيت رجلا بثلاثة أرجل أو بأربعة أقدام؟

قال: لو فقهوا سر هذا لما وجد في الدنيا فقير واحد؟

قلت: كيف؟

قال: لأن سبب الفقر هو استيلاء الغني على مائدة الفقير ليضيف إلى مائدته أصنافا جديدة، ولو أنه زهد واكتفى بما يحتاجه، ولم تمتد عيناه لمائدة أخيه لعاش الجميع بالكفاية.. فالله تعالى أنزل من الأرزاق ما يكفي الجميع.. ألم تسمع الحق وهو يقول:{ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ}(فصلت: 10) ؟

قلت: فالزهد والكفاية إذن علاج لمرض الفقر.

قال: بل سم لقتله، ورصاصة في نحره، وحربة في صدره.

قلت: ولكن هناك من يسيء فهمه.

قال: إساءة الفهم لا تقلب الحقائق.. أرأيت لو أن الناس أجمعوا على أن الشمس برتقالة كبيرة وضعت في الفضاء، لغرامهم بالبرتقال، أكان ذلك يغير من حقيقة الشمس؟

قلت: لو كان ذلك كذلك لأجمعوا على أن حجارة الجبال كلها عقيق وزبرجد وجواهر، وأن تربة الأرض كلها دراهم ودنانير.

قال: فلا تسمع لما يقال.. وابحث عن الحقيقة.. واكتف بها.

قلت: أين؟

قال: في نور البصيرة، وبصيرة النور.. في كتاب ربك.. وفي الفطرة التي نور الله بها بصيرتك.

قلت: فما العلة الرابعة؟

قال: الفراغ الذي يعانيه الطامع والحريص يجعله خائفا على المستقبل، وكأن الذي رزقه اليوم قد يحرمه غدا.. أو كأنه أمام رب مزاجي يتصرف بحسب ذوقه، لا بحسب ما تتطلبه حاجات عباده.

قلت: فإلام يؤدي هذا؟

قال: يؤدي إلى نسيان الحريص ليومه، وانشغاله بيده، فهو لا يقول:( أنا لدي اليوم ما يكفيني، فأنا غني بفضل الله )، بل يقول:( ليس لدي في غد ما يكفيني.. فأنا فقير )

قلت: لقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك بقوله:( ابن آدم عندك ما يكفيك، وأنت تطلب ما يطغيك، ابن آدم لا بقليل تقنع، ولا من كثير تشبع، ابن آدم إذا أصبحت معافى في جسدك آمنا في سربك([18]) عندك قوت يومك، فعلى الدنيا العفاء )([19])، وفي حديث آخر أو في لفظ آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(  من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا )([20])

قال: هذا حديث عظيم.. لو عملتم به لقهرتم الجوع، وقتلتم الفقر.

قلت: كيف؟

قال: لأن خزائن الأغنياء مملوءة بطعام الفقراء.

قلت: لماذا؟

قال: لأنهم يخافون أن تغور مياه الأرض، أو تجف عيون السماء، أو تقوم أعشاب الأرض وأشجارها بإضراب، فلا تنبت كلأ ولا تثمر ثمرا.

قلت: ولكن الحاجات ليست طعاما فقط، والفقير عندنا قد يجد ما يأكل، والغني لا يشح عليه بذلك.. ولكن هناك مشاكل أخرى.. هناك السكن، وهو أخطر المشاكل.

قال: والغني لا يكتفي من المسكن بما يؤويه كما لا يكتفي بالطعام بما يكفيه.

قلت: لقد ذكرتني بحديث لا أعلم مدى صحته، يقول فيه صلى الله عليه وآله وسلم:( يا أيها الناس! أما تستحيون! تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تعمرون، وتأملون ما لا تدركون، ألا تستحيون من ذلك )([21])

قال: أرأيت لو أن الأموال المبذولة في قصور الأغنياء بنيت بها مساكن بسيطة للفقراء، أكان ذلك يعالج ما تسميه بمشكلة السكن.

قلت: بل يكفي لبناء مساكن فارهة لا بسيطة.

قال: فحرصكم إذن هو الذي أوقعكم في الفقر، لا فضل الله.

قلت: فما علاج هذه العلة الرابعة.

قال: الأمن.

قلت: وما الأمن؟

قال: الثقة في فضل الله، والرضى بتقدير الله وتقسيمه وأن تعيش يومك وتسأل الله لغدك.

قلت: فكيف أتحقق بهذه الأدوية الأربع.

قال: بأن تملأ جوفك بهذه الأدوية الأربع.

قلت: وأين أجدها؟

قال: في هذا القصر، وبالتعرض لأشعة جواهره، وتفهم أسرار حقائقه.

***

تأملت ما قاله، فإذا بخاطر جميل يلوح لي يملؤني نشوة وينزع بعض الكدر، لقد قلت لنفسي: إن أكثر من تراهم من الفقراء الذين تحزن لهم ليسوا فقراء، وإنما هي أجوافهم التي جعلوها كهاوية عميقة لا يملؤها شيء.

وتذكرت حينها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس )([22])

وذكرت قوله صلى الله عليه وآله وسلم ناصحا:( إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع؛ واليد العليا خير من اليد السفلى)([23])

وتذكرت قوله صلى الله عليه وآله وسلم  وهو يبين منبع من منابع الفلاح:(  قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه اللَّه بما آتاه )([24])

وعلمت أن المراد بالفلاح هنا ليس ما نتوهمه من قصره على الآخرة، بل المراد به النجاح في كلا الحياتين: الحياة الدنيا والآخرة، فالله رب الدنيا والآخرة.

جوهرة التدبير:

وقفت مع المعلم أمام أول جوهرة من جواهر كنز القناعة، لأملأ جوفي بأشعتها، قال لي المعلم: هذه جوهرة نفيسة.. حقيقتها تخلق بأخلاق الله.

قلت: هذا كلام خطير، فما علاقة القناعة والفقر بصفات الله؟

قال: أليس الله هو المدبر؟

قلت: بلى، ولكن تدبير الله مختلف، فخزائن الله لا تنفذ.. وخزائننا محدودة مقدرة.

قال: وهذا ما يزيد في عمق الإشارة.

قلت: لم أفهم.

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم لسعد عندما رآه يتوضأ، ويسرف في الوضوء:( ما هذا السرف يا سعد؟)، فقال سعد:( أفي الوضوء سرف؟)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( نعم، وإن كنت على نهر جار )([25])

قلت: بلى، ولكن ما علاقة ذلك بالإشارة؟

قال: لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يبين لنا أن الإسراف لا يرتبط بكم الأشياء، وإنما هو خلق، فقد تجد الفقير يسرف، والغني يقتصد.

قلت: هذا صحيح وواقع، ولعله من أسباب الفقر، ولكن ما علاقته بالإشارة؟

قال: إن الله تعالى يملك كل شيء، ومع ذلك دبر الكون تدبيرا محكما بحيث لا نجد زيادة ولا نقصا في أي محل.

قلت: أهذا ما يشير إليه قوله تعالى:{ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ}(فصلت:10)؟

قال: ومن هذه الآية يتخلق المؤمن بخلق التدبير الذي يملأ جوفه بالحق لا بالباطل، وبالخير لا بالشر.

قلت: كيف، فلا أرى في الآية ما يشير إلى هذا، بل هي تتحدث عن عظمة الربوبية وتصرفها في الكون.

قال: إن الله قدر أقوات الأرض في أربعة أيام.

قلت: ولكن ما علاقة هذه بتدبير الله، ثم ما علاقة تدبير الله بتدبيرنا، وقبل ذلك ما حقيقة هذا التدبير؟

قال: اسأل خبراء قومك، وسيجيبونك.

قلت: بلى .. وقد درسنا في مراحل تعليمنا المختلفة الكثير من ذلك..

قال: وبالإضافة إلى ذلك، فإن الله تعالى دبر للأرض من الأقوات في جوفها ما تتنعمون به الآن مما لم يظفر به أسلافكم.

قلت: ولعل من يأتي بعدنا سيظفر بأقوات لم نظفر بها نحن.

قال: إن ذلك لكائن، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحدثنا عما يختزنه المستقبل من أحداث:(  ثم يرسل اللَّه عز وجل مطراً لا يكِنّ منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزَّلَقَةِ، ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك ودِرّي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقِحْفِها، ويبارَك في الرِّسل حتى إن اللِّقْحَةَ من الإبل لتكفي الفئام من الناس، و اللِّقْحَةَ من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللِّقْحَةَ من الغنم لتكفي الفخذ من الناس )([26])

ثم تمتم بينه وبين نفسه: ومن رحمة الله أن ستره عليكم كما ستر على من قبلكم.

قلت: لم؟ فالله هو الجواد الكريم.

قال: لأنه لو أظهره لما تركتم منه أخضر ولا يابس.

قلت: لم أفهم إلى الآن كيف يكون التدبير خلقا من أخلاق الله.

قال: كيف تدبر المرأة الحكيمة شؤون بيتها؟

قلت: تحاول أن تحول من القليل كثيرا، ومن الصغير كبيرا، وتنظم مصاريف البيت بحيث لا تصل إلى ضرورة، ولا تضطر إلى حاجة.

قال: أريد توضيحا أكثر لما تقول.

أحسست بانشراح لتحولي معلما، فاندفعت أقول: أرأيت لو أن عائل البيت لم يكن يتسوق ـ لفاقته أو لضرورة ـ إلا يوما واحدا في الأسبوع، فأتى بما يكفي ذلك الأسبوع، فما هي المدة التي ينبغي أن تتعامل معها المرأة المدبرة لذلك الرزق الذي سيق لها؟

قال: أسبوع.

قلت: هذا ما تفعله المرأة الحكيمة المدبرة، أما الخرقاء، والتي هي سبب فقر زوجها، فإنها قد تضعه جميعه في القدر في يوم واحد.

قال مندهشا: وسائر الأسبوع، ماذا تفعل فيه؟

قلت: تقترض من جيرانها، أو تضطر زوجها للسؤال والشحاذة.

قال: فسبب الفقر إذن قد يكون سوء التدبير.

قلت: هذا صحيح.

ثم التفت، وقلت: ولكني إلى الآن لا زلت مصرا على سؤالي.

قال: تقصد العلاقة بين تدبير الله وتدبير العبد.

قلت: أقصد سر كون التدبير تخلقا من أخلاق الله.

قال: لقد ذكرت لك بأن الله دبر أقوات الأرض في أربعة أيام، أي أن هذه الأقوات تنزل بقدر معين، بل إن القرآن الكريم سماها أقواتا، والقوت هو الرزق المحدود المعتدل.

قلت: فذلك يشبه إذن تدبير المرأة الحكيمة.

قال: بل إن تدبير المرأة الحكيمة هو الذي يشبه هذا التدبير، فهي متخلقة بأخلاق الله.

قلت: نعم لقد دبرالله رزق الرضيع تدبيرا حكيما، ولكنه وكل تدبير حياتنا نحن الكبار لنا، فليته دبرها كما يدبر الرضيع.

قال: لو كان الأمر كذلك لما احتجتم إلى شيء.. ولكن البلاء الذي اقتضته خلافتكم اقتضى أن يوكل بعض من رزقكم لبعض.

قلت: ليس بعض رزقنا فقط، بل كل رزقنا، فنحن تحت رحمة الأغنياء.

قال: لو كان كل رزقكم بيد الأغنياء لما عشتم لحظة واحدة.

قلت: كيف؟

مد يده إلي، فأغلق فمي وأنفي، فصحت بيدي، وقد كدت أختنق: لماذا تحاول قتلي، ألست تلميذك؟ وهل أخطأت في شيء؟

قال: لقد أجبتك عن سؤالك.

قلت: كيف تجيبني، وأنت تخنقني.

قال: تصور لو أن هؤلاء الأغنياء الذين تتوهمهم قد ملكوا رزقك، فمنعوك منه، ملكوا هذا الهواء الذي تتنفسه، أكنت تعيش بعده لحظة واحدة؟

قلت: كلا.. إلا إذا استعبدوني لمصالحهم.

قلت: صدقت.. فالله هو المدبر، ولولا تدبيره لهلك الخلق جميعا.

قال: فخذوا من تدبير الله، وتخلقوا به، لتحفظوا وجودكم، وتقتلوا الفقر الكافر الذي يتربص بكم ويستعبدكم.

قلت: أي فقر يتربص بنا، ونحن نختزن ثروة العالم، ألم تعلم ما أفاء الله على بلاد المسلمين من ثروات النفط.. الذهب الأسود؟

قال: إن الله لم يرزقكم ذلك الذهب لتعلقوه على أعناق الحسان، وتهدروه في المواخير، وإنما لتنصروا به المستضعف، وتملأوا به البطون الخاوية، وتطعموا به الأفواه الجائعة، وتحملوه معكم لتنصروا دين الله، وترفعوا راية الله.

 قلت: ولكن راية الله نرفعها على أجسادنا وجماجمنا.

قال: قبل أن ترفعوها على جماجمكم ارفعوها على أموالكم وأرزاقكم، فالله دعا إلى الجهاد بالمال والنفس، لا بالنفس فقط.

قلت: صدقت، فإنه ما يأتي الجهاد في القرآن الكريم بالنفس إلا ويقترن بالجهاد بالمال، قال تعالى:{ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}(التوبة:20)

قال: بل يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس.

قلت: وهل في ذلك سر؟

قال: لأن من قدم نفسه سوف لن يستطيع تقديم ماله.

قلت: كيف؟

قال: لأنه لا يستطيع أن يتكسب.

قلت: فماذا تريد هذه الآيات أن تقول إذن؟

قال: تريد أن تقول لكم: ابذلوا جميع جهودكم الخيرة، ثم اجعلوا خاتمتها موتكم في سبيل الله، أو هي تقول لكم:( قبل أن تموتوا في سبيل الله، حاولوا أن تحيوا في سبيل الله )

قلت: لأجل هذا إذن قال صلى الله عليه وآله وسلم:( خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله )([27])

قال: بل ورد في حديث آخر ما هو أعظم من هذا، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ليس أحد أفضل عند الله عز وجل من مؤمن يعمر في الإسلام، لتكبيره وتحميده وتسبيحه وتهليله )([28])

قلت: ولكن ما علاقة هذا كله بالتدبير.. ألم نخرج إلى الاستطراد، وأنت تعلم عيوبه؟

قال: لا.. ذاك تدبير الطعام، وهذا تدبير الحياة.. والحكيم هو الذي يدبر لمستقبله كما يدبر لبطنه، ويدبر لنشHji hGأته الآخرة كما يدبر لنشأته الدنيا.

 

 قلت: نعم، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن كيفية تدبير المؤمن لآخرته فقال:( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة )([29])

قال: وهذا يشبه تدبير الإنسان لأمر دنياه بحيث يحاول الموازنة بين حاجاته، فيسد بعضها ببعض.

قلت: ما أعظم ما تشير إليه النصوص من معان.. ولكن..

***

ما قلت هذا الكلام حتى شعرت بجوهرة كريمة تنزل أعماق صدري، تنجلي من نورها بعض الظلمات.

قلت في نفسي بعدها: لو أن أكثر الفقراء الذين ملأوا نفوسهم هما وحزنا، وملأوا العالم بكاء وعويلا، لو عرفوا كيف يتعايشون مع حالتهم، واطمأنوا بها، كما يتعايش المرضى مع أمراضهم، فيتناولون من الحمية ما يسد فاقتهم لانتفى فقرهم وعادت إليهم كرامتهم ولم يحجبهم اعتراضهم.

بل إن من الأغنياء من يبتليه الله بالمرض، فيعيش في حمية قاسية دونها حمية الفقراء، فما أهمية امتلاء جيوب الأغنياء، وخواء بطونهم؟

ثم لماذا لا يعتبر الفقير بما يحصل لهؤلاء، فيحمد الله لكون حميته بسبب خارجي، لا بسبب داخلي، ولكونها ممكنة الزوال لا مستقرة فيه، وبكونها لا تؤثر في سير حياته ولا سلامة عقله ولا طمأنينة ضميره؟

ثم تذكرت الأغنياء المترفين الذي دعاهم جزعهم وهلعهم وحرصهم إلى تدبير لا يكفيهم فقط، بل يكفي أمما من الناس، فمن الأغنياء في العالم من له ثروة توازي ميزانيات دول بحالها، ثم هو لا يقنع بكل ذلك، بل يفعل ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم:( لو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون له ثان ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ثم يتوب الله على من تاب)([30])

جوهرة الاقتصاد:

صعدت مع المعلم طابقا آخر في قصر القناعة، فوجدنا شعاعا عظيما متلألئا، سألت المرشد عنه، فقال: هذه جوهرة نفيسة من جواهرالقناعة، اسمها الاقتصاد.

قلت: نحن نعرف هذا الاسم، فهو الذي يسير سياسات العالم، ويحكم على شعوبها بالتقدم والتأخر.

قال: ذلك من تحريفكم للمعاني، لأن اقتصادكم يقوم على أهوائكم وتغليب مصالحكم، مبتوتا عن الأخلاق والمثل.

قلت: ذلك شأن كل شيء عندنا.. فما الاقتصاد عند أهل السلام؟

قال: اقتصاد أهل السلام يقوم على توزيع ثروات الله لخلق الله بما يتوافق مع مصالحهم جميعا، فلا نجيع بطنا لنشبع بطنا، ولا نفرغ جيبا لنملأ جيبا، ولا نبيد أمة لتعيش أمة أخرى على تراب جماجمها، وتملأ أنهارها من خالص دمائها.

قلت: كيف ذلك؟

قال: إن الله خلق رزق الخلق ليكفي الخلق، أليس هو الكافي والحسيب!؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى:{ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}(الزمر: 36)، وقال تعالى:{ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ}(آل عمران:124)

قال: ولكنكم ـ للفراغ الذي تشعرون به في أجوافكم ـ اعتديتم على الأرزاق التي جعلها الله لغيركم.

قلت: كيف ذلك، وهل يملك أحد أن يأخذ رزق أحد؟

قال: أجل.. ألا يعتبر السارق معتديا على رزق غيره، آخذا له بطريق الحرام؟

قلت: أجل، ولهذا عاقبه الشرع بتلك العقوبة الخطيرة، ليقول له: هذه اليد لم أخلقها لك لتأخذ رزق غيرك، بل لتأخذ رزقك، وتسعى لرزقك.. ولكن ما علاقة هذا بذاك، فأغنياؤنا لم يستولوا على أرزاق غيرهم، بل كسبوها بالطرق الصحيحة التي أقرها الشرع؟

قال: ولكنهم صرفوها في غير ما شرع الله، فأجاعوا بطونا كثيرة ليملأوا الفراغ الذي تشعر به أجوافهم.

قلت: أشيوعي أنت؟ إني أسمع في صوتك نبرة شيوعية.

قال: الشيوعي يهدم القصر، لينبي على أطلاله الكوخ، والذي يهدم مصارع، والمصارع لم يتعلم السلام.. وأنا معلم السلام.

قلت: فالرأسمالية في نظرك إذن أشرف؟

قال: الرأسمالية لاتهدم القصر ولا الكوخ، ولكنها تمارس كل الحيل لتجعل من حجارة الكوخ لبنات جديدة تزين بها القصر.

قلت: وأنت.. وأهل السلام؟

قال: أنا لا أهدم القصر ولا الكوخ، لأني صاحب سلام، ولكني أطلب من صاحب القصر أن يزين الكوخ لكي لا يشوه جمال قصره، وليحفظ التناسق في الكون.

قلت: أليس في طلبك صراع واعتداء على الحرية الشخصية لصاحب القصر؟

قال: لا.. لأنه لولا الكوخ ما بني القصر.

قلت: وهؤلاء الذين هدموا الكوخ أو القصر ما سر هدمهم له.. وهم يزعمون أنهم أعيان اقتصاد.

قال: لأنهم نظروا إلى أجوافهم الفارغة.. ولم ينظروا إلى الحقيقة.. فأحالهم ذلك إلى الإسراف.

قلت: وما الإسراف؟

قال: هو مجاوزة الاعتدال والتوازن الذي طبع الله بهما الأشياء جميعا، فلذلك لا ترى فيها أي فطور.

قلت: صدق الله العظيم:{ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ}(الملك:3)

قال: إن لم يكفك ذلك لتبصر هذه الحقيقة، فـ { ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ}(الملك:4)

قلت: لكأني بك تريد أن تقحمني في ما أقحمتني فيه في الطابق السابق، فتزعم لي بأن الاقتصاد خلق من أخلاق الله.

قال: ما قلت ذلك، فلا نسمي الله إلا بما سمى به نفسه.

قلت: فقد قال:{ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ }(السجدة: 5)، ولم يقل:( يقتصد)

قال: ومع ذلك فهو يحب المقتصدين، ويبغض المسرفين، فإن لم تقصد التشبه به، فتشبه بما يحبه.

قلت: كيف يحب المقتصدين؟

قال: ألم تسمع إلى الحق تعالى، وهو يقول:{ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(الأنعام: 141)، وهو يحض على تناول نعمه من غير إسراف، قال تعالى:{ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(لأعراف:31)

وقد يأخذ الإسراف أسماء أخرى، كلها لا يحبها الله، ولا يحب أهلها، قال تعالى:{ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}(البقرة:190)، فالمعتدي قد تجاوز حد الاعتدال إلى الظلم، فصار مسرفا، ولذلك تقوم الحروب بسبب الإسراف.

والإسراف نوع خطير من الفساد لا يحبه الله، قال تعالى:{ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}(البقرة:205)

قلت: وقد أخبر تعالى بأن المبذرين إخوان الشياطين، فقال:{ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً}(الاسراء:27)

قال: إن القرآن الكريم ـ هنا ـ يجعل التبذير والكفر في سلة واحدة، أتدري لم؟

قلت: لم؟

قال: لأن المسرف لا يعرف نعم الله، أو أن إسرافه يجعله يلتهم الأشياء التهاما يشغله عن معرفة مصدرها، فلذلك لا يبالي المسرف ما ملأ جوفه أمن حلال، أم من حرام، ولا يبالي أفيه منفعة، أم فيه مضرة، ولا يبالي ما عاقبة ما يتناوله أسجن أم زنزانة أم موت.. كل همه أن يملأ جوفه.

قلت: فالمسرف إذن يضر مصالحه.

قال: لا يضر مصالحه فقط، بل يضر مصالحه، ومصالح المجتمع، ومصالح الدنيا، ومصالح الآخرة.

قلت: فهلا تفصل لي مظاهر هذا الإضرار، فإن قومي لا يخافون من شيء كما يخافون على مصالحهم.

قال: سنتحدث عن مضار الإسراف وضرورة الاقتصاد في حفظ المصالح الخاصة والعامة، فالفقر فقر افراد وفقر مجتمعات، ومن الخطأ أن نعالج الفرد، ونترك المجموع للأويئة تلتهمها.

المصالح الخاصة:

قلت: فلنبدأ بأثر الإسراف في تهديم مصالح النفس؟

قال: إن الله تعالى خلق لنفس الإنسان التي هي جسم وروح طاقات معينة وحدودا محددة، فمن جاوزها وقع في الإسراف.. قل لي: لو أن جهازا من أجهزتكم الكهربائية يحتاج فقط إلى فرق كمون قدره 12 فولت، فأوصله شخص بتيار كهربائي قدره 380 فولط، ما يكون مصيره؟

قلت: التلف.

قال: فإن الله خلق لأجسامكم وأرواحكم التي هي حقيقتكم حدودا معينة، فمن جاوزها حصل له التلف، لا من الله، بل بما كسبت أيديكم، ألم تسمع قوله تعالى:{ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ}(الرحمن:33)

قلت: أجل.. ويستدل البعض بهذا على إمكانية غزو الإنسان للفضاء.

قال: ولكن الله تعالى قال بعدها:{ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ}(الرحمن:35)، أتدري لم؟

قلت: لعل في هذا تنبيها للمخاطر التي تعترض الإنسان إن فكر في سلوك هذا السبيل.

قال: لأن الله تعالى خلق الأرض للإنسان، ولم يخلق له أي كوكب آخر، فإن فكر في الخروج منها حصل له ما حصل للعبد الآبق، أو ما حصل للفراش المتهافت على النار، يحسبه لؤلؤا أو ياقوتا.

قلت: هذا قد يحصل في المستقبل، وقد يراد بالآية غير ما فهمنا، ولكن أريد معرفة أنواع الضرر التي يحملها الإسراف على مصالح الإنسان في جسمه وروحه.

قال: أما روحه، وهي حقيقته، فقد وضع الله لها قانونا تسير عليه، فإن جاوزته وقعت في الإسرف.

قلت: ألهذا يرد ذكر الإسراف في القرآن الكريم في غير المأكل والمشرب؟

قال: لكل ما يضر الجسد الظاهر قرين يضر الجسد الباطن، ولكل ما يضر الروح الظاهرة مثال يضر الروح الباطنة، فالروح كالجسد، لكليهما صانع واحد.

قلت: لقد كنت أحتار في هذا، فأقول: كيف اعتبر الله فعل قوم لوط إسرافا، فقال تعالى:{ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ}(لأعراف:81)

قال: لأن الله تعالى خلق حدودا للذة تتناسب مع حاجات الإنسان ومصالحه، فالخروج بها كما خرج قوم لوط، أو كما خرج قومك، إسراف عظيم.

قلت: قومي ليسوا سدوما ولا عمورية؟

قال: سدوم وعمورية مجرد ناديين صغيرين من نوادي حضارتكم.

تصبب عرقي حياء، وقلت: نعم، إن قومي أسرفوا كثيرا في هذه الأنواع من الانحراف حتى ابتدعوا ما عجزت عنه سدوم وعمورية.

قال: فكيف تزعم احترامهم للاقتصاد.

قلت: الاقتصاد عندهم لا علاقة له بهذا.. بل دوره الوحيد ملء خزائن الكبراء، وإفراغ جيوب الضعفاء.

قال: ومع ذلك فإنهم لو احترموا هذا النوع من الاقتصاد، لحقق لهم مصالح ما يعرفون من الاقتصاد؟

قلت: كيف؟

قال: إن أكثر ما يحزن له الفقير من بني قومك أنه لم يكن له من الشهوات ما يتمتع به الغني.

قلت: هذا هو مقياس الفقر عندنا.

قال: ولم لا ينظر الفقير إلى ما عنده من المتاع الذي قد لا يوجد مثله في قصر كسرى وقيصر!؟

قلت: كيف هذا؟

قال: أليس في بيت أكثر الناس مذياعا يسمع به أخبار العالم، ومصباحا يضيء عليه أرجاء بيته؟

قلت: بل أشياء كثيرة لا تنقل له الأصوات فقط، بل الأصوات والصور.. ولكن ما علاقة هذا بالمصالح الاقتصادية؟

قال: لأن أخطر ما يفرغ جيوب المستضعفين هو ذلك الاستهلاك العشوائي لكل الأشياء، فيعيشون في نهم لكل شيء، ولا يظفرون بأي شيء، ولو أنهم تماسكوا وقبضوا أيديهم قليلا، وقتروا نوعا من التقتير لوفروا لأنفسهم من السعادة والاستقرار ما يوفر لهم من السعادة ما تعجز عنه اللعب التي يتفانون في جمعها.

قلت: فلنفرض أنه حصل ذلك؟

قال: سيرتفع شبح الفقر، وسيسعد الناس جميعا لا بعض الناس.

قلت: ولكن ذلك قد يجعل خزائن الأغنياء متوقفة في حدود معينة لا تتجاوزها.

قال: ولكنها حدود تكفيهم وترضي نهمهم.

قلت: ولكن نهمهم لا حدود له، ألم تقرأ علي قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون له ثان ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ثم يتوب الله على من تاب )

قال: ولكنا لو أطعنا هذا النهم لجعلنا الأرض جميعا مزرعة في يد غني واحد، وجعلنا أهلها جميعا عبيدا بين يديه.

قلت: هذه حقيقة.

قال: وهذا مبدأ الصراع.

قلت: لهذا صارعت الشيوعية.

قال: ولهذا تصارع الرأسمالية، وكل من يصارع يهلك.

قلت: الشيوعية سقطت، ولكن الرأسمالية في أوج عنفوانها.

قال: والرأسمالية سقطت في أوج عنفوانها؟

قلت: كيف؟

قال: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا.

قلت: ويأتيك بالأخبار من لم تزود.. هذا شعر وأنا أريد نور البصيرة أو بصيرة النور؟

قال: إن الله تعالى توعد المجتمعات المسرفة بالخراب.

قلت: أين؟وكيف؟

قال: سنعرف ذلك عند الحديث عن مضار الاسراف العامة، أما لآن فنحن في مضار الإسراف الخاصة.

قلت: عرفت ضرر الإسراف على مصالح الروح، فما مضاره على مصالح الجسد؟ فقومي أحرص على أجسادهم من كل شيء.

قال: لقد ربط الحق تعالى بين تناول الشهوات وبين الاقتصاد في مواضع من القرآن الكريم، فقال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(الأنعام:141)

قلت: لقد ذكر تعالى في هذه الآية ما أنعم به على عباده من نعيم، فالله هو الذي خلق انواع البساتين والمزارع الحاوية على أنواع الأشـجـار والنباتات ، فمنها ما يعتمد في موقفه على الأعمدة والعروش حيث تحمل ما لذ وطاب من الـفـواكه والثمار، وتخلب بمنظرها الساحر العيون والألباب ، ومنها ما لا يحتاج الى عريش ، بل هو قـائم على سوقه يلقي بظلاله الوارفة على رؤوس الادميين ، ويسد بثماره المتنوعة حاجة الانسان الى الغذاء.

قال: وبعد أن أغرى الحق تعالى عباده بتناول هذه الشهوات بين لهم ضوابط تناولها، وهي ثلاثة: الأكل منها والإنفاق والاقتصاد.

قلت: كيف يكون الأكل ضابطا من ضوابطها، وهو ضرورة؟

قال: ليرد على الذين حرموا ما أحل الله، واعتقدوا الكمال في التعفف عما رزق الله من الطيبات، ألم تسمع قوله تعالى:{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}(لأعراف:32)

قلت: تقصد الزهاد.

قال: لا.. الزهاد من الأولياء، والأولياء يفهمون عن الله ويأتمرون بأمر الله، وإنما أقصد الرهبانية التي قال الحق تعالى فيها:{ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا } (الحديد: 27)

قلت: ولكن من زهاد هذه الأمة من وقع في مثل هذه الرهبانية.

قال: فلا نسميه زاهدا.

قلت: فماذا نسميه؟

قال: راهبا، كما سماه القرآن الكريم.

قلت: فما الضابط الثاني؟

قال: ترك الإسراف، لأن من أكل فوق حاجته كان كمن يريد أن يملأ خزان وقود سيارته بربطه بعين ماء مغدقة، أو ببئر متدفق.

قلت: لعل هذا ما يشير إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( المؤمن يأكل في معي واحد والمنافق يأكل في سبعة أمعاء)([31])

قال: أتدري سر ذلك؟

قلت: وما سر ذلك؟

قال: لأن المؤمن ـ حقيقة الإيمان ـ ممتلئ ثقة بفضل الله، فلا يشعر بالفراغ الذي يشعر به الكافر والجاحد والذي لم يكتب الإيمان في قلبه.

قلت: ألهذا إذن قال تعالى:{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ}(محمد: 12)، أي هم في دنياهم يتمتعون بها ويأكلون منها كأكل الأنعام، خضماً وقضماً ليس لهم همة إلا في ذلك.

قال: ولهذا ربط الله تعالى بين الإسراف والكفر كما مر معنا، فالكافر لا يرى في النعمة ما يراه المؤمن من فضل الله، فينشغل بتناولها كما تنشغل البهائم بالرعي.

قلت: ولكنا نرى السمنة في بلاد المسلمين فاشية، بل تكاد تبز غيرها من الأمم، فكيف يرتبط المفر بالإسراف؟

قال: نحن نتحدث عن الحقيقة، ولا يهمنا من تلبس بها أو عري عنها، وقد ورد في النصوص إنكار السمنة، فلا ينبغي غض الطرف عنها لكون الأمة مصابة بها، فالحق أحق أن يتبع.

قلت: تقصد قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يكون من بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن )([32])

قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. هذا هو الاقتصاد.

قلت: فالسمن إذن ظاهرة خطيرة.. ولكنا يمكن أن نتخلص منها بالرياضة، بل هناك أدوية كيمياوية يكفي دهن الجلد بها ليتخلص من الدهون الزائدة.

قال: ولماذا يدخلها أصلا حتى يبحث عن مخرجها؟ 

قلت: إنها شهوة المطعم، فهل حرم الله لذائذ الأطعمة؟

قال: أكلما اشتهى أحد شيئا أكله، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت)([33]) .. وتجشأ بعضهم عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له:( أقصر عنا من جشائك، إن أطول الناس جوعاً يوم القيامة أكثرهم شبعاً في الدنيا )([34])

قلت: فلنعد لما ورد في الآية([35])من ضوابط التعامل مع نعم الله، فقد ذكرنا الأكل والإسراف، فما محل الإنفاق في هذا المحل ،ولماذا ربط بالإسراف؟

قال: لأن المسرف في الأكل والشرب وتناول الشهوات لن يبقى له من المال ما ينفق منه، أو يبقى له ما يدخره لنفسه التي لا تشبع.. أو هو في انشغاله بملأ الفراغ الذي يعاني منه لا يفكر في الإخراج بل يفكر في الإدخال، ولا يفكر في الإطعام، بل يفكر في الاستطعام.

قلت: ألهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:( طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية )([36])

قال: ولكن هذا لا يكون إلا لمن مرن نفسه، فلم يدع الفراغ النفسي يؤثر فيه، ولا للشهوات أن تتحكم في سلوكه.. ارجع لقومك، وادعهم إلى الاشتغال بالله، وبأمر الله، فسيملؤون كل فراغ، فإن الشره يهرب إلى الطعام ليهرب من الحقيقة، ولو أنه امتلأ بها لكفته.

ألا ترى أنك في انشغالك بفرح أو حزن لا تكاد تستقر اللقمة في فمك حتى تنهض عن طعامك غير عابئ بلذته.

قلت: نعم، ذلك صحيح، وكل الناس يحصل منهم هذا.. لقد أرشدتني إلى دواء جديد للسمنة، فالسمنة عندنا ظاهرة خطيرة.

قال: ولكنكم تعالجونها ـ كشأنكم في كل شيء ـ بالاتجار فيها، فتنتجون العقارات والسموم، لتصوركم أن الإنسان مجموعة وظائف بيولوجية أو ظواهر فيزيائية لا حقيقة من الحقائق العليا.

قلت: فقد نهينا عن الإسراف، فما مضاره على أجسادنا؟

قال: ألم تعلم أن المعدة بيت الداء؟

قلت: كما أنها بيت الدواء.

قال: هي بيت الدواء إن احترمت ما يدخل إليها، أما إذا لم تحترمه، فستكون بيتا لا لداء واحد، بل لأدواء كثيرة.

قلت: أأنت تقول إذن ما قال ابن سينا؟

قال: وما قال ابن سينا؟

قلت: لقد قال:

جمعتُ الطبَّ في بيتين جمعاً
 

وحُسن القولِ في قِصَر الكلام
  

فقلّل إن اكلتَ وبعد أكل
 

تجنّب، والشفاءُ في الإنهضام
  

وليس على النفوس أشدُّ حالاً
 

من إدخال الطعامِ على الطعام
  

قال: بل أقول ما قال طبيب الأطباء وحكيم الحكماء صلى الله عليه وآله وسلم:( ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه)([37])

المصالح العامة:

قلت: لقد عرفنا مضار الإسراف، ومحاسن الاقتصاد على المصالح الخاصة، فما ضرره على المصالح العامة.

قال: المصالح العامة هي المصالح الخاصة، وضرر الأفراد ضرر المجتمع، ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:( المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسه اشتكى كله، وإن اشتكى عينه اشتكى كله )([38])

قلت: ذلك للمؤمن، ونحن نتحدث مع الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم، فالمصالح العامة مصالح البشر جميعا.

قال: ألم يقل الحق تعالى لليهود، وقد كانوا كفرة:{ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ }(البقرة: 85)، فقد عبر الحق تعالى عن قتلهم لبعضهم بعضا بقتلهم لأنفسهم.

قلت: نعم.. فما الأضرار المرتبطة بهذا الجانب.

قال: الهلاك الذي توعد الله به المسرفين، والهلاك إذا حل بقرية لم يميز صالحها من فاسدها، ولا طيبها من خبيثها.

قلت: تقصد ما ورد في القرآن الكريم من الإخبار بما حصل للمسرفين، كقوله تعالى:{ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} (الانبياء:9)، وقوله:{ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ}(الذريات:34)

قال: ولذلك قال تعالى:{ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ}(الشعراء:151)

قلت: وما سر النهي عن طاعتهم، وما علاقة ذلك بهلاك الأمم؟

قال: سر النهي عن طاعتهم هو ما عبر عنه الحق تعالى بقوله في الآية التالية لتلك الآية:{ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ}(الشعراء:152)، فهم لا يكتفون بالإفساد فقط، بل يضيفون إليه ترك الإصلاح.

قلت: كنت أتصور أن ذكر الإفساد وحده كاف، فلماذا ذكر معه ترك الإصلاح؟

قال: لأن الإفساد قد يقع، فيأتي الإصلاح فيسد مواقع الفساد، ويحمي الخلق من أضراره، لكنه إن اجتمع الإفساد مع ترك الإصلاح كان ذلك الفساد شديدا.

قلت: فذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}(هود:114)

قال: نعم.. ألم أقل لك إن السنن التي تحكم الأفراد هي التي تحكم المجتمعات، والسنن التي تحكم الدين هي التي تحكم الدنيا.. لأن ربها جميعا واحد؟

قلت: فهمت ما تعلق بهذا في الدين، لأنه أمر غيبي، ولكني لم أفهم ما يتعلق بذلك من الدنيا، ومن مصالح الناس.

قال: قد وضع الله في جميع مصالح الدنيا من الفرص ما يصلح به المخطئ ما أفسده، فإن فعله سد منافذ الفساد ووقي المجتمع شر انحرافه، وإن ترك الإصلاح استقر الفساد، واشتد عوده، حتى يصل إلى درجة لا يمكن أن يصلح أبدا.

قلت: فهلا ضربت  لي مثالا يوضح لي هذا المعنى.

قال: لو أن أحدهم رمى بعود ثقاب في غابة في حر شديد، أليس ذلك إفسادا؟

قلت: نعم، فللأشجار حرمة لا تقل عن حرمة البشر.

قال: فإن أسرع وأطفأها قبل أن تتمكن وتنتشر، ألا يكون بذلك قد واجه الفساد بالإصلاح؟

قلت: أجل، يكون قد عمل حسنة لتمحو أثر خطيئة.

قال: ولكنه إن تركها حتى انتشرت، وعمت الغابة، أكان يملك حينها القدرة على الإصلاح؟

قلت: لا.. بل يخرج الأمر من يده، بل قد يخرج الأمر من يد المطفئين أنفسهم.. فنحن نسمع الحرائق الهائلة التي تعجز الدول العظمى عن إطفائها.

قال: فلذلك أخبر الله تعالى عن المسرفين أنهم لا يفسدون فقط، بل يفسدون، ويتركون الإصلاح.

قلت: فليس ترك الإصلاح إذن مرادفا للفساد؟

قال: ليس في القرآن الكريم مرادفات ولا تكرارا، بل في كل كلمة معنى جديد، وحقائق جديدة، ألم تسمع قوله تعالى في وصف كتابه:{ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}(فصلت:42)، والتكرار لغو، واللغو باطل، والقرآن الكريم منزه عن اللغو.

قلت: فهمت هذا.. ولكن ما علاقة ذلك بالهلاك العام الذي يحيق بالمسرفين؟

قال: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يقول:( يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، قيل: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:( نعم، إذا كثر الخبث )([39])، فقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم كثرة الخبث سببا للهلاك العام.

بل أشار إلى هذا قوله تعالى:{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}(الاسراء:16)، فتأمير المترفين أو تكثيرهم مؤذن بهلاك القرى، وهل المترفون إلا المسرفون؟

قلت: اضرب لي أمثلة على هذا، لعلي أعي ما تقول.

قال: سأضرب لك على هذا أربعة أمثلة.

المثال الأول:

قلت: أعلم غرامك بالأربع، فهات المثال الأول.

قال: أنتم تسرفون في السيارات.

قلت: السيارات ضرورة، فهي من المراكب التي خلقها الله لنا، ألم يقل الحق تعالى:{ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} (النحل:8)

قال: وكذلك الطعام، فهو من الخلق الذي خلقه الله لنا، ومع ذلك كان متعرضا للإسراف.

قلت: فما الإسراف في السيارات؟

قال: هذا الكم الهائل من السيارت بأنواعها المختلفة، وأثمانها المرتفعة، والتي لا يحتاج إلى أكثرها ألا تؤذي ـ بالخراب الذي تنشره في الجو ـ ملايين الرئات التي لا تتنفس هواء، وإنما تتنفس سموما.

قلت: هذا صحيح، فالبيئة في خطر، ولكن كيف يصلحون ليدرؤوا منافذ الفساد؟

قال: بترك الإسراف، فما حل الإسراف في شيء إلا أفسده، ألم تسمع قول الحق تعالى:{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(الروم:41)

قلت: نعم، فالله تعالى يرجع الفساد الذي ظهر في البر والبحر إلى ما كسبت أيدي الناس.

قال: وهذه الاختراعات الكثيرة التي تفخرون بها وتتكاثرون بها من هذا النوع من الإفساد.

قلت: أفنحرم السيارات إذن على الناس؟

قال: لا:{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ}(لأعراف: 32)، ولكن نكف شرهم على الناس بالإصلاح الذي أمر الله به، فلا تملك هذه المخترعات التي تجتمع فيها المصالح مع المفاسد إلا بشروط أهمها أن يصلح المفسد ما أداه إليه فساده.

قلت: أتقصد أن تغرم شركات السيارات والأفراد غرامات تصلح من البيئة ما فسد؟

قال: هذا لا يكفي، فالفساد ليس متعلقا بالبيئة وحدها، بل إن هذا المثال، وهو واحد من آلاف الأمثلة له علاقة بعقد الحياة جميعا.

قلت: فنأمرهم إذن بشراء دراجات هوائية تغنيهم عن العوادم وعما تخلفه العوادم.

ابتسم، وقال: إن قبلوا منك ذلك، فانصحهم به.

المثال الثاني:

قلت: فما المثال الثاني؟

قال: هو ما عبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:( وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان )([40])

قلت: هذا حديث عن علامة من علامات الساعة، فما علاقته بهذا؟

قال: وهل علامات الساعة إلا علامات لهلاك الأرض والأمم؟

قلت: ولكن هذه العلامات أخبار، وهي لا تحمل أي معنى تشريعي، فلا يستطيع أحد أن يستدل بهذا على تحريم التطاول في البنيان.

قال: نحن لا نتحدث عن الحلال والحرام.. فذلك للفقهاء.. ولكنا نتحدث عن أثر هذا النوع من الإسراف في الخراب والفساد والهلاك.

قلت: فلا أرى في هذا أي فساد، بل هو العمران والحضارة والرقي، فلولا التقدم العلمي الذي وصلت إليه البشرية ما حققنا هذه المنجزات؟

قال: ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل:( يطيلون البنيان ) وإنما قال:( يتطاولون في البنيان ) وهو ما فعلتموه، فوقعتم في الإسراف.

قلت: أتقصد أن التفاخر في التطاول في البنيان هو الإسراف لا إطالة البنيان؟

قال: نعم، وهو ما نطق به صلى الله عليه وآله وسلم، فليس محرما أن يطيل الشخص بنيانه، وقد قال تعالى في بنيان الجنة:{ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ}(الزمر:20)، ولكن المحرم أن يتطاول في البنيان.

قلت: وما الفرق بينهما ما دامت النتيجة واحدة؟

قال: لا.. ليست النتيجة واحدة، فالمتطاول في البنيان قد يبني ما لا حاجة له إليه، لأن غرضه ليس ملأ جوفه الفارغ فقط، وإنما ليظهر انتفاخ جوفه أمام جيرانه.

قلت: ذكرتني بقول ابن رشيق القيرواني:

مما يزهدني في أرضِ أندلسٍ
 

أسماء مقتدرٍ فيها ومُعْتضِدِ
  

ألقابُ مملكةٍ في غيرِ موضعِها
 

كالهرَّ يحكي انتفاخاً صَوْلة الأسدِ
  

المثال الثالث:

قال: صدق شاعركم، وقد كانت تلك الألقاب المنتفخة التي أسرف فيها حكام الأندلس سببا في خراب الأندلس.

ابتسمت وقلت: وهل في الألقاب أيضا إذن إسراف؟

قال: نعم.. وأعظم إسراف.. أليست واجهات المحلات هي الألقاب التي تعرف بالمحلات؟

قلت: نعم.

قال: فكذلك الألقاب هي التي تعرف بأصحابها، وتدعو إليهم، ألستم توزعون الألقاب كما تشاءون، فتسمون الجاهل بالحكيم، والفاسق بالفنان، والمرابي برجل الأعمال؟

قلت: بلى.

قال: ولا تكتفون بألقاب الدنيا، فتضيفون إليهم ألقاب الآخرة وأجزيتها؟

قلت: كيف؟

قال: ألا تقولون عن الداعر الفاسد الذي يسب الله في ظلام الليل وضوء النهار إذا مات:( تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنانه ) فلم ترضوا أن تسكنوه الجنة حتى أسكنتموه فسيحها.

قلت: أجل، وما في ذلك؟

قال: ألم تسمع ما روي عن أم العلاء - وكانت بايعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قالت:( طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون، فاشتكى عثمان فمرَّضناه حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت:( رحمة اللّه عليك أبا السائب شهادتي عليك، لقد أكرمك اللّه تعالى، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:( وما يدريك أن اللّه تعالى أكرمه؟)، فقلت:( لا أدري بأبي أنت وأمي )، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:( أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وأني لأرجو له الخير، واللّه ما أدري وأنا رسول اللّه ما يفعل بي )، قالت، فقلت:( واللّه لا أزكي أحداً بعده أبداً )([41])

فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول عن نفسه هذا، وقد قال تعالى مشيرا إلى هذا المعنى:{ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} (الاحقاف:9)

قلت: أهذا أيضا من الإسراف؟

قال: بل من أخطر الإسراف، فمثل هذا القول الذي يحمل روائح التألي على الله يجعل من أولئك الأقزام الملطخين أولياء صالحين يتهافت الخلق على الاقتداء بهم.

قلت: لقد استطردنا، فهات المثال الثالث.

قال: لم نستطرد، بل هذا هو المثال الثالث.

قلت: أهو الإسراف في الألقاب، والإسراف في توزيع الجنان.

قال: ليس هذا فحسب، بل تسرفون في تعظيم عصركم وتبجيله، وتعتبرونه القمة التي وصل إليها التاريخ، وكأن ما قبلكم مقدمات لكم وأنتم النتيجة، أو كأن ما قبلكم همج بدائيون، وأنتم وحدكم أرباب الحضارة وصناعها، وهذا كله مؤذن بهلاككم.

قلت: كيف يكون سببا لهلاكنا؟

قال: ألم يقل من قبلكم مثل قولكم، فهلكوا؟

قلت: أتقصد قوله تعالى:{ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}(فصلت: 15)، فرد الله عليهم بقوله:{  أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ} (فصلت: 15)

قال: بل أقصد قول كل جبار عنيد.. ألم يقل فرعون ما يقوله أسيادكم.. ألم يقل:{ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ} (الزخرف: 51)، فما كان جزاؤه؟

قلت: فخر بالأنهار التي تجري من تحته، فأجراها الله من فوقه، وكانت سببا لهلاكه.

قال: فليعتبر قومك بفرعون وعاد، فلم يذكرهما الله في كتابه قصصا ولهوا، ولا أحداثا وتاريخا، وإنما هي سنته في عباده.

المثال الرابع:

قلت: فهات المثال الرابع.

قال: أنت تسرفون في اللهو واللعب وفرص الراحة.

قلت: وهذا مما لا شك في إباحته إن انضبط بالضوابط الشرعية.

قال: كل شيء ينضبط بالضوابط الشرعية مباح، ولكنا نتحدث عن الإسراف، فأنتم تملؤون الأرض بمئات القنوات الفضائية، وآلاف المسارح والملاعب، ومئات الآلاف من دور اللهو، وملايين اللعب من كل الأصناف.

قلت: وما الخطر في هذا؟

قال: أنتم تشغلون الناس عن حياتهم ورسالتهم وحقائقهم، فتقتلونهم لا بإهلاك أجسادهم، وإنما بقتل أرواحهم.

قلت: كيف ذلك، وهل اللهو ـ الذي هو فرح الروح ـ قتل لها؟

قال: ألم يقل الشيطان:{ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}(لأعراف:17)، فهذا تعبير عن محاصرة الشيطان للإنسان من كل الجهات وتوسله إلى إغوائه بكل وسيلة ممكنة ، وسعيه في إضلاله بكل طريق.

قال: نحن نعبر بهذا الأسلوب في حياتنا اليومية، فنقول: فلان حاصرته الديون أوالامراض من الجهات الاربع، ولكن ما علاقة هذا بحياة اللهو اللعب التي نعتبرها من علامات التحضر في هذا العصر؟

قال: لقد أجبت عن سؤالك، فالذي يحاصر من الجهات الأربع، هل يجد له وقتا يجلس فيه مع نفسه يفكر ويتأمل؟

قلت: كيف؟

قال: أنتم تملأون برامج يومكم ملأ تاما، فلا تتركون لحظة تتفرغون فيها لحقائقكم، بل قد تعتبرون كثيرا من القضايا التي يسأل عنها العقل السليم، أو تتطلبها الفطرة النقية، والتي جعلها الله سببا لطرق بابه، جدلا فارغا، أو ترهات لا معنى للبحث فيها.

قلت: أريد مثالا على هذا أكثر توضيحا.

قال: أتعلم معنى قوله تعالى:{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}(فصلت:26)

قلت: نعم، فالله تعالى يخبر عن المشركين أنهم تواصوا فيما بينهم أن لا يطيعوا القرآن ولا ينقادوا لأوامره، فإذا تلي لا يسمعوا له.

قال: وبماذا توسلوا إلى ذلك؟

قلت: باللغو، وهو ـ كما قال مجاهد ـ  المكاء والصفير والتخليط في المنطق على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ القرآن.. وكانوا يلغون بقصص اسفنديار ورستم كما فعل مالك بن النضر ليصرف الناس عن القرآن، ويلغون بالصياح والهرج. ويلغون بالسجع والرجز..

قال: كل ذلك أساليب قديمة، أما في عصركم، فقد تطورت أساليب الشيطان في المحاصرة كما تطورت أساليب سدنته في اللغو.

قلت: أتقصد أن كل هذه المحلات التي يوزع فيها اللهو بالمجان هي نوع من أنواع المحاصرة واللغو؟

قال: نعم.. هي زنازين تحاصر المدمنين عليها.. ليحيوا حياتهم جميعا فلا يعرفوا من أين ابتدأوا، ولا أين سينتهون.

قلت: أهذا هو خطر هذه الوسائل الحديثة؟

قال: هذا جزء من مخاطرها.. أما خطرها الأكبر، فهي أنها قوالب كتلك القوالب التي تضعون فيها الفخار لتكونوا منها أواني تأكلون فيها وتشربون.

قلت: فهل الإنسان آنية فخار، حتى يوضع في القوالب؟

قال: نعم لأن أرباب المصالح من المترفين يأبون إلا أن يشكلوا عقول الناس وقلوبهم وأهواءهم بحسب ما تتطلبه خزائنهم من أموال، وفراغهم من شغل.

قلت: كيف؟

قال: هم يمجدون الرذيلة، إن كانت سببا لكسب يدر عليهم الأرباح، وهم يحقرون الفضيلة، ويرمونها بأبشع التهم إن وقفت حائلا بينهم وبين مآربهم.

قلت: فلو سمعوا بك إذن لقتلوك؟

قال: هم لا يستطيعون قتلي، ولكن يستطيعون التشويش علي، ومن شوش عليك خنق صوتك، ومن خنق صوتك قتله.

قلت: ومن قتل صوتك قتلك.

قال: لا.. لن يستطيع..  يوشك أن يهلك الباطل ليرتفع صوت الحق، فالحق لا يموت، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}(الاسراء:81)

قلت: فكيف يكون هذا النوع من الإسراف سببا للهلاك؟

قال: لقد سمعت الآية، فالباطل الذي يصادم الحق لا بقاء له، ألم تسمع هذا المثل الذي ضربه الله تعالى:{ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ}(الرعد:17)؟

قلت: فكيف يكون هذا الهلاك، أبخسف أم بمسخ؟

قال: لا يكون بخسف ولا بمسخ، ولكن الباطل سيقتل نفسه بنفسه.. سينتحر انتحارا بطيئا..

ثم غاب نظره في الأفق البعيد، وقال بصوت لا يكاد يسمع: لكأني أراه الآن يمسك سكينا مسموما، وهو يقطع أجزاءه إربا إربا، وهو بين ذلك يرسل ضحكات مختلطة بأنات كالمجنون.

قلت: يا معلم، فهو الآن إذن ينتحر.

قال: إن أول خطوة يخطوها كل باطل خطوة يتقدم بها نحو الموت.

قلت: لقد ذكرتني، فقد أخبرتني عن هلاك هذا النظام الذي يستولي على دفة العالم، فكيف ذلك، ونحن نراه في أوج قوته؟

قال: هو الآخر ينتحر كانتحار كل باطل، ولا تزيده السنون التي يمهل فيها إلا سقوطا فوق سقوط وانحدارا فوق انحدار.

قلت: هم لا يقبلون هذا إلا بأرقام.

قال: وهم لا يؤمنون بالأرقام؟

قلت: بل هم لا يؤمنون إلا بها، ألسنا في عصر الأرقام؟

قال: لو كانوا يؤمنون بها لوصولوا إلى الحقيقة من أقرب أبوابها؟

قلت: كيف؟

قال: هي ذي الإحصائيات أمامهم.. الانتحار.. التلوث.. الإدمان.. الشذوذ.. العصابات.. الجرائم.. الإبادة..

وغرق المعلم في العد، فقلت: أظن أنني اقتنعت، فالإسراف سبب الهلاك.

قال: هلاك الفقير والغني.

قلت: صدق الله العظيم إذ قال:{ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ}(الشعراء:151 ـ 152)

جوهرة الزهد:

صعدت مع المعلم طابقا آخر في قصر القناعة، فوجدنا شعاعا عظيما متلألئا، سألت المرشد عنه، فقال: هذه جوهرة نفيسة من جواهر القناعة، اسمها الزهد.

قلت: نحن نعرف هذا الاسم، لكن قومي يمقتونه ويسبونه ويضحكون على أهله، ويكتبون الكتب الكثيرة في الرد عليهم، ويحاضرون المحاضرات الطويلة ليحاصروهم ويحبسوهم.

قال: عن أي زهد يتحدثون؟

قلت: هم يطلقون القول إطلاقا..

قال: أخطأ من أطلق، فالحكمة تطلب التقييد، ألم تسمع إلى الحق تعالى وهو يقول عن أهل الكتاب:{ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}(آل عمران:113)؟

ألم تسمع إلى القرآن الكريم في حديثه عن الأعراب؟

قلت: اشتد عليهم القرآن الكريم اشتدادا عظيما، لما صدر منهم من أنواع الانحراف، قال تعالى:{ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(التوبة:97)، وقال تعالى:{ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(التوبة:98)

قال: ولكن حكمة القرآن الكريم تأبى أخذ البرئ بذنب الجاني، فقد أثنى الله على الأعراب ثناء عظيما، فقال تعالى:{ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(التوبة:99)

قلت: فأنت تقول إذن بأن الزهاد كأهل الكتاب والأعراب منهم المحسن، ومنهم المسيء.

قال: نحن لا نتحدث عن هذا الآن، فذلك موضوع آخر.. نحن نريد هنا تبيين دور الزهد بمعناه الصحيح في تربية النفس على القناعة، وفي ملأ الفراغ الذي ينشئه الطمع، وفي قتل الفقر الذي يجر صاحبه إلى الكفر.

قلت: ولكن الحكماء من قومي يقصرون الزهد على الأغنياء، ففيم يزهد الفقير!؟ 

قال: الزهد مقام من مقامات الدين، وخلق من أخلاق المرسلين، ووصف من أوصاف الأولياء والصالحين، لا يحرم منه مؤمن لفقره، ولا يبعد عنه لغناه.

قلت: كيف ذلك، فالفقير ليس لديه ما يزهد فيه، وقد قيل لبعض الصالحين: يا زاهد، فقال:( الزاهد عمر بن عبد العزيز، إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها، وأما أنا ففيماذا زهدت )

قال: ما كان له أن يقول غير ذلك، وإلا لكان مدعيا.

قلت: إن قومي يفهمون من قوله هذا قصر الزهد على الكبراء.

قال: أصابوا وأخطأوا.

قلت: هذا تناقض.. أو بين لي فيم أصابوا، وفيم أخطأوا؟

قال: أصابوا في كون الزهد لا يظهر ولا يكمل معناه إلا في الأغنياء، وأخطأوا في حصره فيهم، ففرق بين أن يكمل فيك الشيء، وبين أن يكون فيك أصله.

قلت: اضرب لي على ذلك مثالا.

قال: أرأيت لو كان في بيتك مائة صرة من الذهب الخالص، ولم يسمع بها أحد، أكنت بها غنيا لا تحل لك الزكاة.

قلت: أجل، لأني أستطيع صرفها في أي لحظة.

قال: ولكن الناس بسبب عدم رؤيتهم لها قد يعتبرونك فقيرا.

قلت: ذلك أرحم لي، ولا يضرني ما اعتقدوا.

قال: فإن أظهرتها بما اشتريت من المتاع.

قلت: خرجت من وصف الفقر إلى وصف الغنى.

قال: في نظرهم، أم في حقيقة الحال؟

قلت: في نظرهم، لأني كنت غنيا قبل نظرهم، بدليل عدم حل الزكاة لي.

قال: فكذلك الزهد.

قلت: فما وجه المقارنة؟

قال: أي سلوك أو مقام من مقامات الدين لا ينفك عن ثلاثة أمور: العلم والحال والعمل، فالعلم دافعها، والحال حقيقتها، والعمل مظهرها وثمرتها.

قلت: اضرب لي مثالا على ذلك من الحس، فإني لا أكاد أفهم المعاني المجردة.

قال: أرأيت لو قربت إلى نار لتحرق بلظاها، ماذا كنت ستفعل؟

قلت: أصيح وأولول، وأدفع بجهدي كله من يريد أن يلقيني فيها.

قال: فهذا العمل، أتعلم أنه لم يكن ليحصل منك ما حصل لولا العلم والحال.

قلت: كيف؟

قال: علمك بأن النار محرقة ملأ نفسك رعبا منها، وذلك الرعب جر إلى ذلك الصياح الذي وقعت فيه.

قلت: فهمت الآن، ولكن ما علاقة ذلك بزهد الفقراء والأغنياء.

قال: أرأيت لو أن ذلك العدو الذي أراد إلقاءك في النار لم يفعل، أو لم يوجد، أتقول بأن حال الخوف من النار لا يوجد فيك؟

قلت: لا، بدليل أني لو تعرضت في أي لحظة لذلك لأبديت نفس السلوك.

قال: فكذلك الزهد، فهو في الفقير قوة كامنة، وفي الغني قوة ظاهرة.

قلت: ولذلك إذن نهاهم ذلك الصالح عن تلقيبه بالزاهد خشية أن يلقبوا به كل فقير.

قال: نعم.. فقد يكون الفقير أحرص على الدنيا من الغني، ولكنه يستر حرصه بإظهار الزهد.

قلت: فبين لي سر الزهد وحقيقته، فقد شوقتني إليه.

قال: لقد عرفنا عند الحديث عن القناعة أن الطامع همه من حياته أن يملأ جوفه.

قلت: نعم بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون له ثان ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب )([42])

قال: وذكرنا بأن الفراغ الذي يعانيه الطامع والحريص يجعله يطلب أشياء كثيرة لا حاجة له إليها حرصا على ملأ فراغه.

قلت: نعم، وقد شبهته حينها بمن يريد أن يملأ حفرة عميقه، فوضع فيها التراب، فلم يكف، فوضع فيها الحجارة، فلم تكف، فراح يضع المزابل والقمامات.

قال: فهذا هو الفرق بين الزاهد والحريص، فالزاهد لا يشعر بفراغ جوفه فلذلك يملؤه بالقوت من الحلال من غير أن تتشتت عليه نفسه، وأما الحريص، فيلجئه ذلك إلى كل باب، ولو إلى قمامات الناس ومزابلهم.

قلت: لكأني بالزهد هو عين الاقتصاد.

قال: لا.. الاقتصاد يتناول الكم، والزهد يتناول الأنواع.

قلت: كيف؟

قال: المقتصد لا يسرف، والزاهد لا يرغب.

قلت: كيف لا يرغب، والرغبة فطرة.

قال: هو يرغب، ولكن رغبة الزاهد تختلف عن رغبة الحريص.

قلت: كيف ذلك؟

قال: الحريص يرغب في المتاع، والزاهد يرغب في متاع أعظم منه، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ}(يوسف:20)

قلت: نعم، هذه الآية تتحدث عن إخوة يوسف u الذين باعوه بثمن قليل لزهدهم فيه.

قال: أرأيت لو أن أصحاب تلك القافلة لم يعطوا شيئا لإخوة يوسف u، أكانوا سيبيعونه لهم؟

قلت: نعم، لأن غرضهم التخلص منه.

قال: فسماهم الله زاهدين.

قلت: نعم، لقد زهدوا في أخيهم، وفضلوا تلك الدراهم القليلة عليه.

قال: فكذلك الزاهد الذي تحقق بهذا المقام من مقامات الدين، فإنه يقارن بين ما ادخر الله له في الآخرة إن أرضى الله، وبين المتاع الدنيوي، فيرى عظمة ما ادخر بجانب ما يرى من متاع، فتنصرف نفسه إلى متاع الآخرة، زاهدا في متاع الدنيا.

قلت: أيسعد بذلك؟

قال: كل السعادة.. ولهذا عالجت الشريعة آلام الفقير بحضه على الزهد، أي ترك الرغبة فيما لم يؤت، وتوجيهها إلى الرغبة في الله وفيما في يد الله.

قلت: فالذين يحرمون الفقير من الزهد يسيئون إليه.

قال: كل الإساءة.. لأنهم حرموه من التسلي بما ادخر له عما لم يؤته.

قلت: فاضرب لي على ذلك مثالا.

قال: أرأيت إن كنت في سفر مع قافلة من القوافل، وكان في القافلة أمير محسن، فوهب الكل هبات مختلفة، ولكنك كنت المحروم الوحيد في القافلة.. أكنت تحزن لذلك وتتأثر له؟

قلت: أجل.. خاصة إن فخروا علي بما أعطوا.

قال: وهل سيمتلئ قلبك حقدا على هذا الذي عمي بصره أن يراك، أو شحت خزائنه أن تصلك؟

قلت: أجل.. بل سأسأل نفسي كثيرا عن علة حرماني مع فيض خزائنه.

قال: أرأيت إن استدعاك إلى جنابه، ثم صرف الحجاب، وأسر لك قائلا:( لقد ادخرت لك هدية عظيمة تفوق كل الهدايا التي وهبتها لجميع القافلة، وهي من العظمة بحيث لا يمكن أن تأخذها هنا)، أتفرح لذلك؟

قلت: أجل، بل أقبل قدميه، ويمتلئ قلبي محبة له.

قال: فإن فخر عليك رجال القافلة بما أوتوا، وضحكوا على حرمانك.

قلت: أضحك عليهم في قلبي، لأني أعلم أني قد أعطيت أضعاف ما أعطوا بالإضافة إلى القرب العظيم الذي نلته من أمير القافلة.

قال: فطبق هذا المثال على ما نحن فيه، فالله قد أعطى كثيرا من الأغنياء من كل الأموال، فإن نظر الفقير إلى ما أعطوا حزن وتأسف، بل قد يؤديه ذلك إلى الكفر، لكنه إن نظر إلى ما ادخر الله له إن أطاعه، لا يلبث حتى ينال قسمته الموعودة.

قلت: لقد ذكرتني بحديث له علاقة بهذا، فقد روي في الحديث أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة([43])، وهم أصحاب الصفة حتى يقول الأعراب هؤلاء مجانين. فإذا صلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم انصرف إليهم فقال:( لو تعلمون ما لكم عند اللَّه تعالى لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة )([44])

ثم التفت إلى نفسي، فإذا بالاعتراض لا يزال مستقرا لم أستطع قلعه، فقلت: ولكن القافلة في سفر قصير.

قال: والدنيا سفر، وهي أقصر مما تصور، ألم تسمع قول الحق تعالى:{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}(يونس:45)

قلت: بل قد نص على هذا آيات من القرآن الكريم، قال تعالى:{ َاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ}(الاحقاف:35)، وقال تعالى:{ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}(النازعـات:46)

 قال: بل نطق بهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعن عبد اللَّه بن مسعود قال: نام رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم  على حصير فقام وقد أثر في جنبه. قلنا: يا رَسُول اللَّهِ لو اتخذنا لك وطاء. فقال:( ما لي وللدنيا! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها )([45])

قال: فهذه الحقيقة العظيمة التي نطقت بها هذه النصوص أعظم سلوى للفقير، وأعظم دافع له على ترك الرغبة فيما لم يؤت ليتحقق بالزهد، ولينال عن طريقه ما ادخر له من الفضل.

قلت: لقد ذكرتني بقول لأبي يزيد،  قاله لأبى موسى عبد الرحيم، قال له:( فى أى شىء تتكلم؟)، قال:( فى الزهد )، قال:( فى أى شىء؟)، قال:( فى الدنيا )، فنفض يده وقال:( ظننت أنه يتكلم فى شىء، والدنيا لا شىء، إيش يزهد فيها )

ثم التفت إلى المعلم، وقلت: فقد حببت لي الزهد وعظمته، فما السبيل إليه؟

قال: بأن تعلم الجوائز التي ينالها الزاهد في الدنيا قبل الآخرة.

قلت: أينال الزاهد جوائزه في الدنيا أيضا؟

قال: بالإضافة إلى ما ادخر له في الآخرة.

قلت: إن هذا سيجعل قومي يقبلون عليه، ويتنفاسون في تحصيله، فإني أعلم مدى رغبتهم في الجوائز وحرصهم عليها.. فما هذه الجوائز؟

قال: أربع: الهمة، والكمال، والعزة، والراحة، كل جائزة منها بالدنيا وما فيها.

الهمة:

قلت: فما الجائزة الأولى؟

قال: جائزة الهمة العالية التي يتحقق بها الزاهد.

قلت: لم أفهم.

قال: أرأيت من كان أمله في مستقبل حياته أن يكون حمالا أو حطابا، أيتساوى مع من همته أن يصير وزيرا أو ملكا أو استاذا كبيرا وعالما خطيرا.

قلت: بل همة الثاني أعلى.. ولكن أنى له أن يتحقق بما يحلم به.

قال: أرأيت إن وجدت من يوفر لك دواعي الهمة الثانية، وييسر لك سبيلها، ألا يكون بذلك قد قد كافأك؟

قلت: أعظم مكافأة، بل يكون قد قدم لي الخدمة التي تحولني إنسانا آخر، ففرق كبير بين أن أجمع الحطب للناس أو أحمل متاعهم، وبين أن أنال تلك المناصب الرفيعة.

قال: فإن الله تعالى وفر للفقير الذي يهزأ الناس من فقره، أو يرحموه لفقره من الفرص ما يلتحق به مع أصحاب الهمم العالية لينال ما نالوه.

قلت: كيف؟

قال: أليست الهمة العالية هي طلب المعالي والترفع عن السفاسف؟

قلت: بلى.

قال: فإن الزهد في الدنيا لا يتحقق به إلا أصحاب الهمم العالية.

قلت: كيف يكون ذلك، ولا أرى أحدهم يحلم بأن يصير وزيرا أو ملكا؟

قال: بلى، هو يحلم بذلك، بل يحلم بما هو أرفع من ذلك.

قلت: فهو راغب إذن لا فرق بينه وبين الحريص.

قال: هو راغب ولكن رغبته ليس في الأحمال والحطب، وليس في الوزارة أو الملك، وإنما في أمور أخطر وأعظم.

قلت: فيم يرغب، ما دام لم يرغب في هذه الأمور التي يرغب فيها الناس؟

قال: الزهاد نوعان: منهم من يرغب في الله ويكتفي به، ومن وجد الله لم يفقد شيئا.. ومنهم من يرغب في متاع لا يتحول، وزاد لا يتطرق إليه الفساد، نظر إلى الدنيا، فأنفها وطلب دارا أجمل منها وأكمل.

قلت: أتقصد الدار الآخرة، والجنة.

قال: نعم.. فإن الزهاد قارنوا بين هذه الدار وتلك الدار، وعلموا أن حرصهم على هذه الدار قد يبعدهم عن تلك الدار، فملأوا همتهم بتلك الدار، وزهدوا في هذه الدار.

قلت: لكأني بالقرآن الكريم يحث على الزهد.

قال: بل يحث على أصل أصول الزهد، وهو الاطلاع على حقيقة الدنيا، ومقارنتها بالدار التي لا تبيد، والملك الذي لا يفنى.

قلت، وكأني أتذكر شيئا كنت أعلمه، ولكني كنت أجهله: بلى يا معلم لكأني أول مرة أسمع الحق، وهو يقول:{ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(النحل:96)

قال: نعم، فقد كنت تقرأ هذه الآية، ولم تكن تسمعها، فالله تعالى يرغبك في الآخرة ببقائها، ويزهد في الدنيا بفنائها، ودينار دائم تملكه خير من عشرة آلاف ما تستقر في يدك حتى تخرج منها.

قلت: بل إن الله تعالى لا يصف متاع الدنيا بالنفاد فقط، بل يصفه بالقلة، فمتاع الدنيا أقل من متاع الآخرة، قال تعالى:{ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى}(النساء: 77)

قال: وفي هذه الآية أعظم الرد على من يصفون الزهد بالسلبية، ويصفون الزاهد بالكسل.

قلت: كيف؟

قال: ألم يقل الله تعالى في هذه الآية:{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}(النساء:77)

قلت: نعم، فالله تعالى يخبر عن علة كسل المتقاعدين وسلبيتهم.

قال: ولا سبب لذلك يذكره إلا حرصهم على الدنيا ورغبتهم في البقاء فيها، فلذلك أخبرهم أن متاع الدنيا قليل يستحق أن يرغب عنه، ومتاع الآخرة عظيم يستحق أن يرغب فيه.

قلت: ولهذا يعاتب الله تعالى من آثر الحياة الدنيا على الآخرة، ويبين له مبلغ الغبن الذي وقع فيه، قال تعالى:{ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (الأعلى:17)

قال: ذلك أن الإنسان يحب الخير ودوام الخير، ولذلك أخبره تعالى بأن هذين الوصفين لا يتحققان بكمالهما إلا في الدار الآخرة.

قلت: أجل، وقد ورد ذلك في مواضع من القرآن الكريم، قال تعالى:{ وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}(طـه:131)

قال: هذه الآية تحض الأمة عن طريق رسولها بالزهد حتى لا يغرهم المتاع الموجود عن المتاع المدخر.

قلت: وقال تعالى:{ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ}(القصص:60)

قال: وفيها ترغيب أعظم، فالله تعالى يصف ما في الدنيا من الزخارف بكونه مجرد متاع للحياة الدنيا، وهي الحياة البسيطة الحقيرة، ثم يختم ذلك بالدعوة للتأمل والتفكر، فمن الغبن أن يباع الغالي بالرخيص، والزهيد بالنفيس.

قلت: وقال تعالى:{ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}(الشورى:36)

قال: بين لهم تعالى في هذه الآية وصفا من أوصاف الزاهدين، وهو الإيمان والتوكل، فليس كل جائع زاهد، بل الزاهد من زهد بالله ولله.

قلت: ولهذا قال تعالى حاكيا عن سحرة فرعون بعد أن لاقوا لذة معرفة الله:{ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}(طـه:73)

قال: لقد أشاروا إلى أعظم الزهد، وهو الرغبة في الله، وهو زهد المقربين الذين انشغلوا بالنظر لله عن النظر لكل شيء.

قلت: فهلا تضرب لي أمثالا على هذه المعاني أنقلها لقومي، فالأمثال جند من جند الله يصل بالمعاني إلى خزانة الخيال ليضعها في العقول والقلوب.

قال: إن القرآن الكريم كفانا ضرب هذه الأمثلة، فهو يقرب صور هذه الحقائق بالأمثال العظيمة، قال تعالى:{ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(يونس:24)، وقال:{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً}(الكهف:45)

قلت: فهلا تقرب لي هذه الأمثلة وتصورها لي؟

قال: لا يوجد ما هو أعظم من تصوير القرآن الكريم للحقائق.

قلت: ولكن الحقائق تحتاج أحيانا لتفسيرها، فمن الناس من لا يطيق تفهم الحقائق لكثافته وغلاظة طبعه، ولا أنكر أني مبتلى ببعض هذا الطبع.

قال: أخرجت إلى الحقول في الربيع الجميل؟

قلت: وكيف لا أخرج، وهل الدنيا إلا جمال الربيع وزهر الربيع ونسائم الربيع.

قال: فهل رأيت الأزهار المتفتحة، والأعشاب النظرة..؟

قلت: والجمال المتدفق الحي الذي يشرق من الجبال والوهاد، وكأن الدنيا كلها تبتسم.. بل ترسل ضحكات عريضة.

قال: فهل مررت به في الصيف عندما ترسل الشمس لهيبها؟

قلت: عندها يتحول الحي ميتا، والجمال دمامة، وتنقلب الابتسامة الجميلة آهات وأحزانا.

قال: فهذه هي الدنيا.. أيام معدودة من الابتسامة.. ثم يعقبها صيف الألم وخريف الأحزان.

قلت: والآخرة؟

قال: الآخرة ربيع دائم، فهل تستبدل الربيع الذي لا يستمر إلا أياما معدودة بالربيع الذي لا تفنيه الأيام، ولا تبلي ثيابه السنون.

قلت: فهمت المثال.. لكأني بنا قد غرقنا في نسائم زهرة من زهرات هذا الربيع الفاني، واستبدلنا بها ربيع الأزل.

قال: بل أنتم فعلتم أخطر من ذلك.. بعتم الله بالعدم، وبعتم الجنة بالمستنقعات.. وبعتم السعادة بالأحزان..

قلت: فما المخرج؟

قال: الزهد..

قلت: تقصد رفع الهمة عن الدنيا..

قال: إن استطعتم أن ترفعوا الهمة عن الأكوان جميعا، وتكتفوا بالله.. فستنالون من يديه ما لا يخطر لكم على بال.. وما لا تستطيع أحلامكم أن تفكر فيه.

الكمال:

قال لي المعلم، وقد رآني مستغرقا فيما قال: هاك الجائزة الثانية التي أنعم الله بها على الزهاد.

مددت يدي، وقلت: هاتها.

ابتسم، وقال: امدد يد بصيرتك، فما تمتد إليه يد جارحتك ينفد.

قلت: تعودنا ألا نعرف المدد إلا في اليد.

قال: ولذلك تنكرون الزهد، وتنكرون فيوضات الله وأمداده على عباده الزاهدين الذين اصطفاهم بالكمال حين رفعوا هممهم إليه وإلى ما عنده.

قلت: فأنا في انتظار جائزة الكمال، فما هي؟

قال: إن قومك في مجالسهم يميزون بين الكبار والصغار، فيجعلون لكل منهم محله الخاص به.

قلت: نعم، فللكبار كراسيهم التي تتناسب مع طولهم وعرضهم، بينما الصغار لا تتناسب معهم إلا الكراسي الصغيرة لصغر أحجامهم.

قال: أنا لا اتحدث عن صغار السن، بل عن الصغار المحتقرين المستضعفين.

قلت: وأنا لا أتحدث إلا عنهم، فإنهم في منطق الكبراء، أو نتيجة للهزال الذي عرضهم له الكبراء صارت كراسيهم لا تختلف عن كراسي الصغار.

قال: ففي أي المجالس تحب أن تجلس أنت، أو يحب أن يجلس قومك؟

قلت: إن أردت الصراحة، فإنه لا أحد من الناس إلا ويحلم بالجلوس على تلك الكراسي الوثيرة، والركوب في تلك المراكب الفارهة، والنزول في تلك الفنادق الفخمة ذوات النجوم الكثيرة.

قال: فأنت إذن تحب مصاحبة الكبار..

قلت: لست وحدي في ذلك، بل كل قومي.. بل أحسب ذلك طبيعة إنسانية.

قال: نعم هي طبيعة إنسانية.. بل طبيعة كونية، فالكمال محبوب بالطبع.

قلت: فما علاقة هذا بهذه الجائزة؟

قال: الزهد هو الطريق الوحيد الذي يضعك مع الكبار، ويجلسك مجالسهم، وينزلك فنادقهم.

قلت: كيف؟ فالزهد يمنعني من مجرد الرغبة، والتفكير في ذلك.

قال: يمنعك من التلطخ، ولا يمنعك من التمتع.

قلت: اشرح لي.. أو بالأحرى مثل لي لما تقول.. فإني لا أطيق التجريد.

قال: سأضرب لك مثلا من القرآن الكريم، ضربه الله تعالى لمواقف الناس من الكبراء الذين كنت تحلم بالقعود معهم، بينما هم لا يساوون شيئا، لأن ضخامتهم مجرد انتفاخ سرعان ما تعبث به رياح الزمان.

قلت: أفي القرآن الكريم الحديث عن هذا؟.. لقد قرأته وحفظته وقلبت الطرف في تفاسيره، فلم أجد مثل هذا.

قال: لعلك قرأته ولم تسمعه، ففي القرآن الكريم كل العلوم وكل حقائق الكون، ولكن لمن سمعه لا لمن قرأه.

قلت: فما هو هذا المثال؟

قال: قارون، فقد جعله الله مثالا على هؤلاء الكبراء الذين صرفوا الناس عن الزهد، فملأوا قلوب الفقراء رغبة في الدنيا، فأراد الله أن يبين لهم ما ينتظر ذلك الحرص والرغبة من جزاء.

قلت: لقد قال الله تعالى في شأنه:{ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ } (القصص: 76)

قال: فماذا قال له الكمل من قومه من الذين آتاهم الله العلم والزهد؟

قلت: لقد قالوا له ـ كما نص القرآن الكريم ـ:{ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص:76 ـ77)

قال: فقد نصحوه بالزهد فيما آتاه الله.

قلت: ولكنهم لم يحرموا عليه التمتع بما أوتي من الكنوز، فقد قالوا له:{ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا }

قال: ولكنهم حرموا عليه التلطخ بتلك الكنوز، وقد قلنا:إن فرقا كبيرا بينهما.

قلت: كيف؟

قال: التلطخ أن تملأ الدنيا قلبك فتشغلك عن الله، وعن توظيف نعم الله فيما أمر الله.

قلت: وهو ما نصح به هؤلاء قارون فقد نصحوه بالإحسان بما تفضل الله عليه.

قال: عندما خرج قارون في زينته تجلى موقفان من مواقف الناس، هي في الحقيقة مواقف البشر جميعا من الرغبة والزهد.

قلت: نعم، موقف الذين يريدون الحياة الدنيا، وموقف الذين أوتوا العلم.

قال: فما حكى القرآن الكريم عنهما؟

قلت: أما موقف الفئة الأولى، فقد نص عليه قوله تعالى:{ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}(القصص:79)، فقد اعتبروا قارون صاحب حظ عظيم، فحسدوه على ما أوتي، وتمنوا أن يكون له مثل ما أوتي.

قال: وما هو موقف الذين أوتوا العلم؟

قلت: ما نصه علينا القرآن الكريم كذلك، وهو قوله تعالى:{ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ}(القصص:80)

قال: فما كانت نهاية الحرص والرغبة الممثلة في قارون؟

قلت: هو ما قصه القرآن الكريم علينا أيضا حين قال:{ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ}(القصص:81)

قال: فمن كسب الرهان من الحريصين أو من الزاهدين، ومن كان الحق معه؟ ومن تحقق بالكمال؟

 قلت: هو ما قصه علينا القرآن الكريم أيضا، قال تعالى:{ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} (القصص:82)

قال: فالمفلح من؟.. هل الزاهدون أم الحريصون؟

قلت: الزاهدون، بل إن الحريصين حمدوا الله على أنهم لم يؤتوا مثل ما أوتي قارون لئلا يحل بهم ما حل به.

قال: فلماذا يصر قومك على أن يلتحقوا بالعالم الأول، وهم يعلمون حقيقته التي لا تختلف عن حقيقة قارون، بل هم يرددون ما ردد قارون:{ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}(القصص: 78)

قلت: لأنهم يعتقدون أن الأولية والكمال في ذلك؟

قال: أو لم يعلموا:{ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً}(القصص: 78)؟

قلت: ولكن مطالبهم الدنيوية تتطلب منهم ذلك.

قال: لا، بل الحرص الكاذب الذي يمليه فراغ أجوافهم هو الذي يطلب منهم ذلك، فالكمال في الحقيقة لا في المظاهر، وفي الصدق لا في الزور.

قلت: فقد ذكرت لي مثالا من أمثلة الكمال في الزهد، ولكن قومي قد لا يفهمونه حق الفهم، أو قد يؤولونه، فما أسهل تأويل النصوص وإلباسها أي لباس يشاءون.

قال: ولكن النص واضح.

قلت: ولكنهم لن يقرؤوه ولن يفسروه، بل سيكتفون منه بعبارة يجعلونها هي المحكم الوحيد فيه، وما عداه متشابه.

قال: فما هذه العبارة التي نالت هذا الفضل عندهم دون من عداها؟

قلت: قوله تعالى:{ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا }(القصص: 77)

قال: ويفعلون ذلك؟

قلت: بل فعلوه، فإن هذه العبارة القرآنية أصبحت مثلا دارجا يردده العامة والخاصة، وكأن القرآن الكريم جميعا اختصر فيها.

قال: فقد وقعتم فيما وقع فيه أهل الكتاب من التحريف، فقد قال تعالى في شأنهم:{ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض}(البقرة: 85)،

قلت: ولهذا أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحكم المؤمنين بجميع ما أنزل عليه، قال تعالى:{ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ }(المائدة: 49)

قال: فهلا اطلعوا على سنن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ، وكيف كانت حياتهم مليئة بمواقف الزهد فيما في أيدي الناس، والرغبة فيما في يد الله.

قلت: هم يتخيرون من مواقفهم ما يخدمون به آراءهم، فلن يعجزهم ذلك، وقد قال تعالى في أهل الكتاب: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}(النساء:150)، فهم يؤمنون ببعض المواقف ويكفرون ببعض.

قال: أوصلت بهم الجرأة إلى الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ

قلت: لقد سمعت بعضهم يتحدث عن حب رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم للحم والحلواء وأنواع المآكل الفاخرة ما يجعلك تتصور أن السنة في ارتياد المطاعم الفاخرة لإحياء سنة أكل اللحم والحلواء.

قال: ألم يقرؤوا النصوص الواردة في مصادركم الصحيحة؟

قلت: فرق ـ يا معلمي ـ بين أن تقرأ وأن تسمع ألم تقل لي ذلك دائما.

العزة:

قال: أراك اقتنعت بما قلت.

قلت: أجل.. وبورك فيك.. فهات الجائزة الثالثة.. جائزة العزة.

قال: أرأيت إن قرب لك طعام لذيذ، ثم رأيت الذباب متساقطا عليه متهافتا على أكله، فهو لا يبالي في سبيله أن تذبه أو تقلته، أكانت نفسك تشتهيه؟

قلت: لكأني بك تريد ما قال الشاعر:

إذا لم أترك الماء اتقاء
 

تركت لكثرة الشركاء فيه
  

إذا وقع الذباب على طعام
 

رفعت يدي ونفسي تشتهيه
  

وتجتنب الأسود ورود ماء
 

إذا كان الكلاب يلغن فيه
  

قال: هو ما أريده بالضبط، فقد علمت غرامك بالشعر.

قلت: وكيف لي أن أشارك الذباب طعامهم، فإنه إن لم يكن ذلك مضرا بالصحة، فإن النفس تعافه بالضرورة.

قال: فكذلك الزهد، فالزاهد يأنف من مشاركة الذباب، وقد قيل لبعضهم: ما الذي زهدك في الدنيا؟، فقال:( قلة وفائها، وكثرة جفائها، وخسة شركائها )

قلت: ولكن الدنيا لا يملكها الذباب.

قال: ولكن يملكها اللاهثون وراء السراب.

قلت: فهناك فرق بينهما.

قال: لا فرق بينهما، ولهذا ساوى الله تعالى بين الذباب والبشر في الضعف، فقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}(الحج:73)

قلت: صدقت، فكلاهما ضعيف الطالب والمطلوب.

قال: وأزيدك مثالا يجعلك ترى عالم الذباب بين يديك وملء بصرك.

قلت: هات.

قال: ذلك الطعام اللذيذ الذي قدم لك.

قلت: أتقصد ذلك الذي تهافت عليه الذباب؟

قال: أجل.. لماذا تهافت عليه؟

قلت: لأنه طعام دسم غني بما يشتهيه الذباب من المطاعم.

قال: فكذلك هؤلاء الذين امتلأت نفوسهم رغبة في الدنيا يسلط الله عليهم الذباب ليمتص رحيقهم.

قلت: ولكن قومي اخترعوا أنواع المبيدات.

قال: تلك لا تبيد هذا النوع من الذباب، فإنه ذباب له من الحذق ما لا يستطيع أحد ذبه أو قتله.

قلت: فهمت قصدك.. تعني الأصدقاء المحيطين بهؤلاء الراغبين ينافقونهم ويخادعونهم ليمتصوا بعض ما يمتصه الذباب من مآكل.

قال: نعم، فقد صدق الشاعر في كل ما قال.

قلت: أول مرة أسمعك تصدق فيها شاعرا.

قال: ألم تسمع بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن من الشعر حكما )([46])

قلت: بلى، سمعت، وقد قال أبو تمام:

ولولا خِلالٌ سَنَّها الشِّعْرُما درى     بناةُ المعالي كيفَ تُبْنى المكارمُ

قال: ولكن.. لا كل الشعراء أقصد.

قلت: أجل، فـ:

الشعراءُ فاعلــمـنَّ أربـعةْ      فشاعرٌ يجري ولا يُجـرى معهْ

وشاعـرٌ ينشدُ وسـطَ المعمعهْ  وشاعرٌ مـن حَقِّه أن تَسْـمَعَهْ

وشاعرٌ من حَقِّهِ أن تَصْــفَعَهْ

قال: فاترك الشعر، وعد بنا إلى جائزة العزة.

قلت: فهمت.. فإن العزة تاج فوق رؤوس الزهاد لا يراه الراغبون.

قال: والقرآن الكريم يدل على ذلك.

قلت: أفي القرآن الكريم هذا؟

قال: أجل، فلنعد إلى قصة قارون، ما هو موقف الرغبين في الدنيا عندما رأوه؟

قلت: لقد سال لعابهم، وهم يرون مراكبه الفاخرة وزينته التي خرج بها، كما قال تعالى:{ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}(القصص:79)

قال: ولماذا خرج في زينته ما دام قومه سيحسدونه هذا الحسد؟

قلت: بل خرج لأجل أن يحسدوه، فهو يكاد يشمت بهم بخروجه.

قال: وفي ذلك الحين الذي يراهم فيه مشدوهين نحو طلعته ومراكبه وزينته، ماذا كان يتصورهم؟

قلت: يراهم كالذباب المتهافت حول الطعام.

قال: هم أذلاء إذن؟

قلت: بل أذل من الذباب، لأن الذباب إن تهافت حول الطعام نال منه، وهؤلاء لا ينالون إلا الحسرة والألم.

قال: ولو أن هؤلاء لم يلتفتوا إلى زينة قارون، ولم يأبهوا له، ولم يعيروهم نظراتهم، أكان يهتم بمثل هذه الزينة، ويخرج بهذا الكبر.

قلت: لا أظنه سيفعل، فما الفائدة التي يجنيها بخروجه بكل تلك الزخارف، بل سيخرج كما سيخرج سائر الناس؟

قال: أفلا ترى أنهم بذلك الموقف الذليل الذي وقفوه جذروا في نفسه كبرياءه، وجذروا في نفوسهم الذلة؟

قلت: أجل، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا حين قال تعالى:{ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ}(الزخرف:54)

قال: أفكان فرعون يجرؤ على أن يقول:{ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}(القصص: 38)، ويقول:{ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (النازعـات: 24) لولا قلة عقول قومه وتهافتهم بين يديه كتهافت الفراش؟

قلت: لا، فالذلة هي المحل الذي يمكن للكبراء، ولو أن الناس أروا من أنفسهم عزة لما تجرأ عليهم أحد..  فالزهد إذن هو ما يقي المؤمنين من مهاوي الذلة التي يوقعهم فيها الحكام.

قال: ليس الحكام فقط، فقد كان قارون غنيا، ولم يكن حاكما.

قلت: الحكام وأشباه الحكام.

قال: ألا تقولون بأن العبرة بالخاتمة؟

قلت: ونقول بأن الناجح من يضحك أخيرا.

قال: فمن كان أعز الناس في قصة قارون؟

قلت: كانت لقارون بعض العزة عندما خرج بتلك الزينة.

قال: فما خاتمتها؟

قلت: ما نص عليه القرآن الكريم بقوله:{ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ}(القصص:81)

قال: فنهايته إذن الذل المحض، بل الهلاك الذي هو فوق الذل.

قلت: نعم.

قال: فمن كان أعز الناس إذن؟

قلت: الذين أوتوا العلم، فقد قال تعالى في شأنهم:{ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} (القصص:80)

قال: وهل كانوا حينها أعز من قارون؟

قلت: أجل، لأن عزته بمراكبه، وعزتهم بما أتاهم الله من العلم.

قال: وهل جرهم علمهم إلى الدنيا أم زهدهم فيها؟

قلت: بل زهدهم فيها.

قال: ولو جرهم إلى الدنيا، وإلى أبواب قارون هل سيتحلون بالعزة التي تحلوا بها؟

قلت: لا.

قال: فعزتهم إذن ليس بعلومهم.

قلت: بم إذن؟

قال: بزهدهم، فالزهد باب العزة.

قلت: في النفس من كلامك شيء.

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(لأعراف:176)

قلت: بلى، فهذه قصة بلعم بن باعوراء، وقد ذكر المفسرون أنه ( كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة يقدمونه في الشدائد، بعثه نبي اللّه موسى u إلى ملك مدين يدعوه إلى اللّه فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى u )([47])

قال: دعك من القصص، واعتبر بالقصة كما وردت في القرآن الكريم، فهي ليست قصة بلعم وحده، بل قصة آلاف وعشرات آلاف البلاعم.

قلت: ماذا تريد أن تقول؟

قال: ما الذي جعل هذا الذي آتاه الله العلم ينسلخ عن علمه؟

قلت: هو ما ذكره القرآن الكريم من إخلاده إلى الأرض وسكونه إليها.

قال: فلو أنه لم يخلد إلى الأرض ولم يسكن إليها، ولم تشتد رغبته فيها، ما هي الجائزة التي كان سينالها؟

قلت: الرفعة والعزة، كما ذكر القرآن الكريم، قال تعالى:{  وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا (، ولكنه بسبب خلوده إلى الأرض صار ذليلا كالكلب { إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ (

قال:  أتدري لما شبهه الله بالكلب؟

قلت: نعم، فـهـو لـفرط اتباعه الهوى وتعلقه بعالم المادة انتابته حالة من التعطش الشديد غير المحدود وراء لـذائذ الـدنـيـا، وكل ذلك لم يكن لحاجة ، بل لحالة مرضية ، فهو كالكلب المسعور الذي يظهر بحالة عـطش كاذب لا يمكن إرواؤها، وهي حالة العبيد الذين لا يهمهم غير جمع المال واكتناز الثروة فلا يحسون معه بشبع ابدا.

قال: فأيهما أرفع شأنا العالم الزاهد، أم العالم الراغب؟

قلت: بل الزاهد.

قال: لماذا؟

قلت: لينال من العزة ما لا يظفر به الراغب.

قال: ليس هذا فحسب، بل إن الرغبة والحرص على الدنيا وترك الزهد فيها هي السبب فيما حاق بالأديان من أنواع التحريف.

قلت: هذه دعوى خطيرة، فهل لها من بينات تقوم عليها؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ}(لأعراف:169)

قلت: بلى، فما في الآية مما تدعيه؟

قال: لقد ذكر تعالى تمسكهم بالدنيا، وأخذهم بالمتاع الأدنى، فبماذا عاتبهم الله تعالى بعد ذلك؟

قلت: عاتبهم على أنهم لم يوفوا بالميثاق الذي أخذ عليهم.

قال: وما هو؟

قلت: ألا يقولوا على الله إلا الحق.

قال: فذلك يدل على أنهم لم يفعلوا ذلك.

قلت: نعم وإلا لما عاتبهم الله تعالى.

قال: فما الذي جرهم إلى ذلك؟

قلت: أول الآية وآخرها يشيران إلى أن علة ذلك هي الحرص على الدنيا، فقد قال تعالى في أول الآية:{  فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى }، وقال في آخرها:{ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ }

قال: فهذه الآية تدل على علة التحريف في دين الله.

قلت: نعم.

قال: أزيدك آية أخرى، ألم تسمع قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}(التوبة: 34)

قلت: أجل، فقد جمع الله في هذه الآية بين أكلهم أموال الناس بالباطل، وصدهم عن سبيل الله، وهو يشير إلى أن الحرص حول من هؤلاء الأحبار والرهبان إلى تجار بضاعتهم تحريف الكتاب بما يتناسب مع الأهواء.

قال: فانصح علماء قومك أن يحذورا من أبواب السلاطين، فإن العلم يذل عند أبوابهم.

قلت: ولكنهم ينصحونهم، وفي ذلك مصلحة الرعية.

قال: فانصحهم إذا ذهبوا أن يطهروا أرض قلوبهم من شوك الحرص، وحجارة الرغبة، لئلا ينبتوا الحصرم والعلقم.

قلت: ومن أنا حتى يسمعوا لي..!؟

قال: إن عليك إلا البلاغ..

قلت: ومن لي بأن يصلهم صوتي!؟

قال: ذلك لله، فلله الأمر من قبل ومن بعد.

الراحة:

قلت: جزاك الله خيرا .. لقد اقتنعت بما قلت.

قال: فهلم لأخذ الجائزة الرابعة من جوائز الزهد.

قلت: لقد كفاني ما نلت من الجوائز، فلذلك لا تهمني المشاق التي أتحملها من أجل السعي لتحصيله.. خاصة بعد علمي بعلاقته الخطيرة بما حاق بالأديان من تحريف.

قال: لن تتحمل أي مشقة في تحصيله، بل إن الزهاد أكثر الناس راحة.

قلت: كيف؟

قال: لأن الحرص هو الذي يجلب التعب لأصحابه، أما الزهد، فلا يجلب إلا الراحة.

قلت: لكأني بك تقصد قول الشاعر:

ليس بالزاهدِ في الدنيا امرؤٌ
 

يلبسُ الصوفَ ويهوى الرُقَعا
  

ظَنَّ دينَ اللّهِ في تَرْكِ الدُّنا
 

ورأى الإِعراضَ عنها أنْفعا
  

وهو لو جاءَتْهُ منها بَدْرَةٌ
 

طلقَ التقوى وعفافَ الوَرَعا
  

فهو لا زُهْداً بها عنها نأىْ
 

لكنِ الجدُّ يذيبُ الأَضْلُعا
  

خافَ أن يسعى فيدمي رجلَه
 

فرأى الراحةَ فيما صَنَعا
  

قال: صدق الغلاييني، وما أريد هذا، فقد ذكرنا إيجابية الزاهد، وسنذكر طرقه لأبواب فضل الله، ولكن التعب ليس في السعي، وإنما في الحرص.

قلت: كيف؟

قال: عندما لا تكون لك طاقة تحمل معينة، فتحمل عليها ولا تتجاوزها، أيصيبك التعب لذلك؟

قلت: لا، لأني لم أجاوز مقدار طاقتي.

قال: فالزاهد لا يجاوز مقدار طاقته التي وهبه الله إياها، أما الحريص، فلحاجته لملأ الفراغ النفسي الذي يشكوا منه تجده يحمل نفسه ما تطيق وما لا تطيق.

قلت: كيف؟

قال: هو يتصور الدنيا كمنجم ذهب محدود عليه يتهافت الراغبون، فلو قعد لحظة واحدة لسبقه غيره، ولا يبقى له منه شيئا.

قلت: والزاهدون كيف يرون الدنيا؟

قال: بنظرة مختلفة تماما، فهم يرون الدنيا دار ضيافة إلهية لا يعدم الساكن فيها من رزق يساق إليه، فلذلك يتناوله هنيئا مطمئنا مرتاحا يقول في نفسه: إن نفذ هذا، فسيرسل إلي صاحب المائدة رزقا آخر، قد أصل إليه بسعيي، وقد يجيئني بسعيه إن قعد سعيي.

قلت: ولكن الناس لا يكتفون بالرزق القليل؟

قال: ولكن تضحياتهم في سبيل الكثير الذين يملأون به فراغ نفوسهم لا يقاوم ما ينالونه.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أرأيت من ضحى بصحته وقوته وعرضه ودينه من أجل لقمة شهية كاسبا أم خاسرا؟

قلت: بل خاسرا أعظم خسارة، فما تجدي اللقمة أمام كل ما ضاع منه.. بل هو كمن باع قصرا فخما بحجارة لا تغني ولا تسمن من جوع.

قال: فهذا هو عناء الحريص، وراحة الزاهد.

قلت: ولكن مع ذلك.. لا ينبغي أن نستنكر ما لتلك اللقمة من لذة.

قال: لذة مكتنفة بالغصص، ولا يعدم الزاهد مثلها، أو أكثر منها مع ما استفاده من الراحة والأمن.

قلت: الراحة والأمن؟

قال: فإن الزاهد ينعم من الراحة والأمن ما لا ينعم به الحريص.

قلت: فاضرب لي على ذلك مثالا.

قال: بل سأحكي لك عن كل منهما حكاية، فالحكايات كالأمثال جند من جند الله.

قلت: فما حكاية الراحة؟

قال: كان إبراهيم بن أدهم من أهل النعم بخراسان، فبينما هو يشرف من قصر له ذات يوم إذ نظر إلى رجل فى فناء القصر، وفى يده رغيف يأكله، فلما أكل نام، فقال لبعض غلمانه:( إذا قام فجئنى به )، فلما قام جاء به إليه، فقال إبراهيم:( أيها الرجل أكلت الرغيف وأنت جائع ) قال:نعم، قال: فشبعت، قال: نعم قال: ثم نمت طيبا قال: نعم فقال إبراهيم فى نفسه: فما أصنع أنا بالدنيا والنفس تقنع بهذا القدر.

قلت: لقد ذكرتني بعامر بن عبد القيس، فقد مر برجل وهو يأكل ملحا وبقلا فقال له: يا عبد الله أرضيت من الدنيا بهذا؟ فقال: ألا أدلك على من رضى بشر من هذا؟ قال: بلى قال: من رضى بالدنيا عوضا عن الآخرة.

وذكرتني بمحمد بن واسع فقد كان  يخرج خبزا يابسا، فيبله بالماء، ويأكله بالملح ويقول: من رضى من الدنيا بهذا لم يحتج إلى أحد.

قال: أما حكاية أمن الزاهد أمام المخاطر التي يتعرض لها الحريص، فقد روي أنه صحب رجل عيسى بن مريم u فقال:( أكون معك وأصحابك) فانطلقا فانتهيا إلى شط نهر، فجلسا يتغديان، ومعهما ثلاثة أرغفة، فأكلا رغيفين وبقي رغيف ثالث، فقام عيسى u إلى النهر، فشرب، ثم رجع فلم يجد الرغيف، فقال للرجل: من أخذ الرغيف، فقال: لا أدري. فهذا أول آثار الحرص.

فانطق ومعه صاحبه فرأى ظبية ومعها خشفان لها، فدعا أحدهما فأتاه فذبحه فاشتوى منه، فأكل هو وذلك الرجل، ثم قال للخشف:( قم بإذن الله)، فقام فذهب، فقال للرجل:( أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف )، فقال: لا أدري، ثم انتهيا إلى وادي ماء، فأخذ عيسى بيد الرجل، فمشيا على الماء، فلما جاوزا قال له:( أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف )، فقال:لا أدري، فانتهيا إلى مفازة، فجلسا، فأخذ عيسى u يجمع ترابا وكثيبا، ثم قال:( كن ذهبا بإذن الله تعالى )، فصار ذهبا فقسمه ثلاثة أثلاث، ثم قال:( ثلث لي، وثلث لك، وثلث لمن أخذ الرغيف )، فقال:( أنا الذي أخذت الرغيف )، فقال:( كله لك )

وفارقه عيسى u فانتهى إليه رجلان في المفازة، ومعه المال، فأرادا أن يأخذاه منه ويقتلاه، فقال:( هو بيننا أثلاثا )، فابعثوا أحدكم إلى القرية حتى يشتري لنا طعاما نأكله )، فبعثوا أحدهم فقال الذي بعث:( لأي شيء أقاسم هؤلاء هذا المال، لكني أضع في هذا الطعام سما فأقتلهما، وآخذ المال وحدي )، ففعل وقال ذانك الرجلان:( لأي شيء نجعل لهذا ثلث المال ولكن إذا رجع قتلناه واقتسمنا المال بيننا )، فلما رجع إليهما قتلاه، وأكلا الطعام، فماتا، فبقي ذلك المال في المفازة وأولئك الثلاثة عنده قتلى، فمر بهم عيسى u على تلك الحالة فقال لأصحابه:( هذه الدنيا فاحذروها )

قلت: هذه قصة جميلة.. ولكن لست أدري هل هي صحيحة أم لا، فقد قرأت العهد الجديد حرفا حرفا، فم أرها؟

قال: وما يهمك أن تصح أو لا تصح، كل البقلة ولا تسأل عن البقال.

قلت: ولكن معناها صحيح، فأكثر الناس تعرضا للجرائم هم الأغنياء طمعا في مالهم وثرائهم، بل قد يقتلهم أقرب الناس إليهم.

قال: فإن حرصوا على ملء بطونهم من أصناف الشهوات.

قلت: ستقتلهم حينها شهواتهم، أما سمعت بأمراض الأثرياء.

فجأة خطر على بالي قوله تعالى:{ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ}(الشرح:7)، فقلت: يا معلم، فقد قال الله تعالى:{ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ}(الشرح:7)، فكيف تحمد الراحة، والله تعالى يأمرنا بالنصب؟

قال: فاقرأ ما بعدها.

قلت: { وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}(الشرح:8)

قال: كل نصب لا يرغبك فيه، ولا يضعك ببابه باطل، لأنك تلهث بذلك وراء السراب.

قلت: كيف؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}(النور:39)

قلت: بلى، ولكن ما الذي تعنيه؟

قال: السعي وراء السراب هدر.

قلت: ولكن الحريص لا يلهث وراء السراب، بل يلهث وراء ثروة حقيقية.

قال: ولماذا؟

قلت: ليرضي نهمه.

قال: وهل ينتهي نهمه؟ 

قلت: لا، فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.

قال: فهو يجري وراء السراب إذن، ومن جرى وراء السراب، كان كالكلب { إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث}(لأعراف: 176)

ثم التفت إلي، وقال: وأزيدك أمرا آخر، فيه كل الراحة للزهاد، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(  من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره، وفرق عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له همه، وحفظ عليه ضيعته، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة )([48])؟

قلت: هذه ناحية مهمة جدا، فالضياع عندنا شائع، والتشتت النفسي منتشر.

قال: أتدري ما علة ذلك؟

قلت: ما نص عليه الحديث.

قال: ومثل هؤلاء كمثل من وضع في مفازة ووضع له فيها من كل أصفر وأبيض وأخضر، فاحتار ما يأخذ وما يدع، فتشتت عليه أمره، ولم ينل في الأخير إلا التعب والنصب.

ثم التفت إلي، وقد رأى في بعض الوجوم: أزيدك أمرا آخر، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم عندما سئل:( أي الناس خير؟)

قلت: بلى، لقد قال:( كل مؤمن محموم القلب، صدوق اللسان )([49])

قال: فمن هو محموم القلب؟

قلت: لقد عرفه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:( التقي النقي الذي لا غل فيه ولا غش ولا بغى ولا حسد )

قال: فهذا هو قلب الزاهد بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذا لما سئل:( يا رسول الله فمن على أثره؟)، قال:( الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة )

قلت: لا أراني أعدم على هذا أمثلة، فأكثر الأمراض النفسية ناشئة من هذا، فكل واحد يريد أن ينفرد بجميع رزق الله، ولا يرضى لغيره أن ينافسه فيه.

قال: وما سبب ذلك؟

قلت: الحرص، بل قد ورد الحديث المؤكد لهذا، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(  إن النور إذا دخل في القلب انشرح له الصدر وانفسح ) قيل:( يا رسول الله وهل لذلك من علامة؟)، قال:( نعم التجافى عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله )([50])

قال: فما العلاج؟

قلت: الزهد.

قال: فالزهد إذن راحة وصحة.

جوهرة الأمن:

صعدت مع المعلم طابقا آخر في قصر القناعة، فوجدنا شعاعا عظيما متلألئا، سألت المرشد عنه، فقال: هذه جوهرة نفيسة من جواهر القناعة، اسمها الأمن.

التفت إلى المعلم، وقلت: ذاك الذي تكفل به مجلس الأمن؟

قال: أمنكم يبذر الشقاق، وينبت الحروب، وهذا أمن يمسح الدموع، ويسكن الآهات، ويشرح الصدور.

قلت: بماذا يمسح الدموع، أبالمساعدات الغذائية التي ترميها طائرات قومي من جو السماء.

قال: وترمي بعدها القنابل العنقودية والنووية والجرثومية والكيميائية..

قلت: لكأني بك تعلم مخترعاتنا من الأسلحة.

قال: ومن لا يعلم مخترعاتكم منها، حتى النمل في جحوره، والحيتان في أعماق المحيطات، والذرات في خلايا الفضاء يعرفون أسلحتكم، ويمسهم الرعب منها.

قلت: ولكن على العموم، فإن قومي يحسنون إذ يرسلون هذه الأمداد من الأغذية لهذه الشعوب المستضعفة.

قال: هم يسمنوهم ليأكلوهم سمانا لا عجافا، كما تسمنون الدجاج والأرانب.

قلت: ولكن لولا تلك المساعدات التي تنزل كل حين لضاعت تلك الشعوب، بل لضاعت شعوبنا أيضا.

قال: وما الثمن الذي تقدمونه لذلك؟

قلت: كل ما يطلبون.. كرامتنا.. مواقفنا..

قال: ودينكم وحياتكم ومصيركم وربكم؟

قلت: لعلهم لو طلبوهم منا لأعطيناهم لا نساومهم في ذلك.

قال: فسيطلبون ذلك.. إن لم يكونوا قد فعلوا..

قلت: بلى.. لقد بدأو يجرؤون.

قال: أتدري ما سبب ذلك؟

قلت: لا أدري.. ولا أدري لماذا نحن نتحدث عن هذا الموضوع الآن، أمام هذه الجوهرة النفيسة.

قال: هذا الحديث عنها.. فهي جوهرة الأمن.. وخوفكم على أرزاقكم، وعدم ظفركم بحقائق هذه الجوهرة هو الذي جعلكم تنحدرون كل ذلك الانحدار.

قلت: فحلل لي سبب ذلك خطوة خطوة حتى أفهم ما تقول.

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}(القصص:57)؟

قلت: بلى، وقد ذكرهم الله بما أنعم عليهم في الحرم من الأمن، فقال:{ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}(العنكبوت:67)

قال: فما هي العلة التي استند لها المشركون في تركهم اتباع الهدى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

قلت: ما نص عليه القرآن الكريم من خشيتهم على أنفسهم وأرزاقهم.

قال: على أي أرزاق خافوا، هل على أرزاق حاضرهم، أم أرزاق مستقبلهم؟

قلت: رزق حاضرهم يأكلونه، فلن يخرجه أحد من أفواههم، ورزق ماضيهم أكلوه، فلا يمكن أن يسلبه منهم أحد، فلم يبق إلا رزق مستقبلهم.

قال: وبماذا طمأنهم الله تعالى، ونزع من قلوبهم المخافة؟

قلت: بذكر ما وفر لهم من النعم، والتي تجعلهم في غنية عن مخافة التخطف أو ذهاب الرزق.

قال: فهذه الآية إذن تشير إلى ما يحمله الخوف على الرزق من أضرار على حقيقة الإنسان وحياة الإنسان.

قلت: بلى، وقد وجههم الله بعدها إلى توجيه المخافة لله وحده، فقال تعالى:{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ}(القصص:58)، أي لا ينبغي أن تخافوا إن اتبعتم الهدى أن يتخطفكم الناس، ولكن خافوا إن لم تتبعوه أن يتخطفكم الله.

قال: فتلك إشارة مؤكدة مكملة للإشارة السابقة.

قلت: لكني لا أزال لم أفهم وجه العلاقة بين الأمن وكنز القناعة؟

قال: لقد عرفت أن الحرص يجعل الحريص في هم دائم وبحث دؤوب على كل ما يملأ جوفه.

قلت: أجل بدليل الحديث الذي عبر يه صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسية الإنسان الطامع.

قال: وهذا الإنسان الطامع الذي يسرف ولا يدبر ولا يزهد كل ذلك حرصا على ملء الفراغ الذي يعانيه.

قلت: نعم، وقد اقتنعت بكل ما ذكرته من ذلك.. ولكن ما جذور الأمن، وما علاقتها بالقناعة، وكيف كان جوهرة نفيسة من جواهرها، بل من أعلى جواهرها وأغلاها.

قال: الحريص لا يفكر في لحظته فقط، بل يفكر في المستقبل الطويل.. لا يقول بملأ قلبه:( الحمد لله، لقد شبعت اليوم، وكفيت )، بل يقول:( لست أدي ما الذي سآكل السنة القادمة، أو السنة التي بعدها )

قلت: فإذن هو لا يعيش لحظته ويومه.

قال: بل لا يعيش غده وشهره، فهو يفكر، ويتألم لما ينتظره.

قلت: والقانع.

قال: القانع فرح بالرزق الذي سيق إليه، مطمئن بما وهب، ويأمل أن يوهب في مستقبله ما وهب في ماضيه.

قلت: فهو سعيد إذن.

قال: هو سعيد ومسالم.

قلت: وما علاقة ذلك بالسلام.

قال: ألم نكن نتحدث عن القنابل ومن أرسل القنابل، أليس ذلك وليد الحرص.

قلت: لم أفهم.

قال: أولئك الجناة المجرمون المصارعون لم يقتنعوا بما آتاهم الله من الرزق، فطلبوا أراضي جديدة لتضمن المستقبل الذي يخافون منه، فراحوا يرمونكم ويرمون المستضعفين، ثم يسكتوكم أو يسمموكم ببعض السموم.

قلت: فلم سميت هذه الجوهرة بالأمن؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً}(الاسراء:31)؟

قلت: بلى، فالله تعالى ينهى المشركين عن قتل أولادهم خشية الفقر، ووعدهم بأنه سيرزقهم في مستقبل الأيام.

قال: فقد كان الخوف إذن هو سبب قتل الأولاد.. ومثله قتل الشعوب.

قلت: هذا صحيح.

قال: فلذلك كانت هذه الجوهرة هي جوهرة الأمن الذي يمسح المخاوف، ويطمئن القلوب، ويشعرها بالاستقرار والسكينة.

قلت: نعم، فقد رغبتني في امتلاك هذه الجوهرة النفيسة، فبين لي طريق تملكها.

قال: بأربعة حقائق، إن تشربتها حلت فيك السكينة، ونزل بساحتك الأمن.

قلت: فما الحقيقة الأولى؟

قال: أن تعلم بأن المكلف برزقك خزائنه لا تنفد، وهو لا يغفل عنك لحظه، وهو مع ذلك رحيم بك لطيف ودود.

قلت: فيكف ينشئ هذا في نفسي الأمن على رزقي؟

قال: الصبي الصغير الذي يعيش في كفالة والدين رحيمين غنين، هل يفكر في مصدر رزقه، أو يحزن على غداء غده؟

قلت: كلا.. فلماذا يفكر، فهو في كفالتهما؟.. ولكنه مع ذلك صغير لا طاقة له بحمل هموم الكبار.

قال: فالطالب الكبير الذي ينتمي إلى معهد من المعاهد التي تتكفل برزقه، هل يحزن على رزق غده؟

قلت: كلا، فهو تحت كفالة معهد له ميزانيته الغنية، فلذلك لا يصيبه هم رزقه.

قال: فإذا علم العبد أن رزقه بيد الله، وأن الله غني حميد، وأنه كريم جواد، وأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا تصيبه غفلة ولا نسيان، أيخاف على رزقه؟

قلت: كلا، فهات الحقيقة الثانية.

قال: ألا تعلم أن مطالب الإنسان الحقيقة التي يتطلبها استقراره على هذه الأرض لتأدية ما كلف به من وظائف لا يستدعي كل ذلك الكم من الجهود ومن الحزن.

قلت: كيف؟ والضرورات كثيرة، وكل ضرورة تؤدي إلى ضرورات أخرى.. وهكذا تتعقد الحياة ومطالب الحياة.

قال: سبب ذلك ليس مطالب الحياة كما هي، وكما خلقها الله، وإنما هي مطالب الأجواف الفارغة التي تستدعي وديانا كثيرة لتملأها.

قلت: فالمطالب إذن وهمية، والضرورات ليست ضرورات.. كيف هذا؟

قال: سأبين لك هذا بتفاصيله، ولكن قل لي: من كانت له جهة غنية تكفله، ثم كان لا يحتاج إلا إلى حاجات بسيطة أكان ذلك يجعله خائفا؟

قلت: اضرب لي مثالا على ذلك.

قال: رأيت قومك يحبون تربية القطط.

قلت: ويتفنون في تربيتها وأنواع طعامها.

قال: أرأيت لو أن شخصا ترك قطه عند جزار، أو صاحب مطعم، أيخاف على قطه من الموت جوعا؟

قلت: كلا.. فإنه وإن لم يلتفت الجزار أو صاحب المطعم إلى حاجات القط، فإن غذاء القط بسيط، فيكيفيه أن يحمل أي عظم أو أي شيء في الأرض ليسد به رمقه.

قال: فكذلك الإنسان في ملك الله، فإن مطالبه أقل بكثير من خزائن الرزق التي جعلها الله له.

قلت: فهمت، فما الحقيقة الثالثة؟

قال: إذا علمت أن لكل زمان رزقه الخاص به، لا تحزن على المستقبل، لأنه لا يأتي إلا ومعه رزقه.

قلت: كيف؟

قال: سبب الخوف على المستقبل هو تصور خلو المستقبل من الرزق، فإذا علمت أن لكل زمان رزقه الخاص به لم تحزن، كالرضيع الذي يسوق الله له في كل لحظة من الرزق ما يتناسب مع حاجاته.

قلت: فما الحقيقة الرابعة؟

قال: إذا ركبت باخرة ضخمة، وكان في الباخرة كل وسائل الأمان، بما فيها الزوارق وقوارب النجاة، وكنت تتقن السباحة، وكان البر قريبا، أكنت تخاف؟

قلت: لا.. ولماذا أخاف، فأنا قريب أولا، وقوارب النجاة موجودة، ومع ذلك، فإن مهارتي في السباحة قد تكفي لنجاتي.

قال: فكذلك الله، فقد زودك بالإضافة إلى كل ما ذكرت قوى لتعمل بها، فإن لم تكن لك قوى وفر دواعي الإحسان في الخلق ليحسنوا إليك.

قلت: هذه الجملة، فهات التفصيل.

الحقيقة الأولى:

قلت: ففصل لي الحقيقة الأولى.

قال: الحقيقة الأولى وصفه، واسمه الذي به ينادى، وفعله الذي به يفيض الأرزاق على خلقه.

قلت: نعم، فالله {هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}(الذريات:58)، ففصل لي ما يشرح صدري لهذا الاسم، وما يملأ قلبي بحقيقته، فإني وإن علمت ذلك ولم أجحده إلا أن حقيقته لم تصل قلبي، فأجدني جزعا خائفا.

قال: الشأن في الحقيقة أن تلامس شغاف الروح لا أن تلامس خلايا العقل، فالعلم وحده لا يكفي ما لم يصحبه اليقين وطمأنينة القلب.

قلت: فما الطريق إلى ذلك؟

قال: طريق اليقين رسمه الله لإبراهيم u عندما سأله أن يبين له كيفية إحياء الموتى.

قلت: نعم، لقد قال الله تعالى حاكيا عن ذلك:{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(البقرة:260)

ولهذا قال تعالى عن إبراهيم u:{ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}(الأنعام:75)

قلت: ولكن هل نطلب من الله تعالى معجزة مثلما طلب إبراهيم u؟

قال: وهل نفتقر إلى طلب المعجزات؟

قلت: وكيف نراها؟

قال: في ملك الله وملكوته.. فهي من الكثرة بحيث لا تحد ولا تعد.

قلت: لم أفهم.. فأنا لم أر في حياتي معجزة.

قال: بل، لم تر في حياتك إلا المعجزات.

قلت: فسر لي، فإني لا أكاد أفهم.

قال: ألم تسمع تمهيد الله تعالى لقصة أهل الكهف؟

قلت: بلى، لقد قال فيهم:{ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً}(الكهف:9)

قال: فما المراد منها؟

قلت: يخبر الله أن له آيات أكثر عجبا من قصة أصحاب الكهف التي عجب لها الناس وخلدوها واهتموا بها.

قال: وفيم هذه الآيات، وما محالها؟

قلت: في السماء والأرض، وكل شيء.

قال: فقد أجبت عن سؤالك، فرزق الله آية اسمه الرزاق، أو هو فيض من فيوضات الرزاق، وهذه الفيوضات تستدعي الظهور حتى لا ينكرها أحد، ولهذا لم ينكر المشركون كون الله رزاقا.

قلت: نعم، فقد قال الله تعالى:{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ}(يونس:31)

ولكن.. فصل لي مظاهر رزقه حتى يطمئن قلبي، فلو لامست الطمأنينة لرزق الله شغاف قلوب المشركين ما كفروا بالله.

قال: سأكتفي بذكر آية من آيات رزق الله، وهي أنه وضع رزقه في محال لا يطيق أحد نزعها.

قلت: لماذا، وكيف؟

قال: أما لماذا، فقد دل عليه قوله تعالى:{ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً}(الكهف:82)

قلت: ما وجه الإشارة في هذا؟

قال: هذا الوالد المسن لأولاده، لماذا خبأ الكنز في مكان لا يراه فيه أحد، ما عدا أولاده؟

قلت: لئلا يطمع فيه أحد، فيسلبه منهم.

قال: فكذلك الله تعالى وضع رزقه في محال بحيث لا يستطيع أحد أن يسلبها من الخلق.

قلت: فهلا مثلت لما تقول، فإني أكاد أفهم، ولكني أريد أن أرى الحقيقة لا أن أسمعها؟

قال: سأضرب لك مثالا قريبا من مثال الكنز.

قلت: أخبأ الله كنوزا، وما الحاجة إلى ذلك.

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر عن علامات الساعة، فقال عند ذكره لموت يأجوج ومأجوج:( فيرغب نبي الله عيسى u وأصحابه إلى الله عز وجل، فيرسل عليهم طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله تعالى، ثم يرسل الله عز وجل مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها([51])، ويبارك الله في الرسل([52]) حتى أن اللقحة([53]) من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس )([54])

قلت: بلى، فما وجه الإشارة فيه؟

قال: الإشارة فيه عبارة، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن إخراج الأرض لبركاتها قبل قيام الساعة، بحيث يرى من بركاتها ما لا يخطر على بال.

قلت: وما في هذا؟

قال: لقد ادخر الله تلك البركات لذلك الزمان حتى لا يموت آخر إنسان على هذه الأرض جوعا.

قلت: تلك بركات ذلك الزمان؟

قال: ولكل زمان بركاته.

قلت: كيف؟

قال: ألم يكن النفط كنزا عظيما مخبأ في صناديق لا يصلها أحد لتتنعموا به في هذا الزمان، ولا تمدوا أيديكم لأحد من الناس؟

قلت: بلى، بل أصبحنا نحن الذين نمد أيدينا للناس بالمعونة من غير حساب.

قال: فذاك كنز خبأه الله لكم لينظر ماذا تعملون.

قلت: ولكن هذا الرزق محصور في بلاد محدودة.

قال: وهي البلاد التي تحتاج إليه لقلة موارد رزقها الظاهرة، ألا ترى أن الأب الرحيم قد يفضل ابنه الضعيف أو المريض أو المحتاج بالعطية ليسد حاجته، ويكل الأقوياء لقوتهم؟

قلت: بلى.

قال: فكذلك الله تعالى برحمته جعل في البلاد التي تشح أرضها، أو يحبس قطرها من أسباب الرزق ما يسد حاجاتها.

قلت: إن في القرآن الكريم إشارة جميلة إلى هذا، فقد قال تعالى على لسان إبراهيم u:{ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}(ابراهيم:37)، فمكة المكرمة بواد غير ذي زرع، فحنن الله القلوب إليها، فإذا برزقها يفاض عليها من كل مكان.

قلت: تلك مكة المكرمة..

قال: ومثلها كثير من بلاد الله، بل قد تجد أهل الأرض الشحيحة أكثر غنى من أهل الأرض السخية.

سكت، فقال: سأعطيك مثالا لن يخالفك فيه أحد.

قلت: ما هو؟

قال: هذا الهواء الذي تتنفسه، هل جعل الله في طاقة البشر تملكه ومنع العباد عنه؟

قلت: لو أطاقوا لحجزوه في قارورات، وباعوه للناس.

قال: وهذا الماء الذي تشربه، والذي تفيض به الأنهار، والوديان والسماء.

قلت: هم كذلك لا يطيقون حبسه ولا منعه عن الناس.

قال: فهذه أهم الأرزاق لا يمنعها أحد.

قلت: ولكن الطعام.

قال: الطعام موجود مبثوث في كل مكان.

قلت: ولكنه بأيديهم يرفعون فيه ويخفضون، فيمتلكون به رقاب الناس.

قال: لا.. الطعام لا يختلف عن الماء والهواء، ولكن الناس بما ابتدعوه فيه سلموا رقابهم لمن يسقيهم الويلات بسببه.

قلت: كيف؟

قال: أنتم لا تأكلون ما يسد حاجتهم، ويحفظ قوامكم، ولكنكم اتخذتم الأكل حرفة، تظل المرأة طول نهارها من أجل وجبة أو وجبات أكثر ما فيها لغو وعلل.

قلت: نعم.. إني حينما أرى تلك الجهود المبذولة في التقطيع والتصفيف والمزج والتخليط أشعر بالضيق يدب إلى نفسي، لأن كل ذلك التخليط سينزل إلى المعدة، ولا يهمها أن يأيتيها مصففا أو غير مصفف.

قال: فأنتم الذي ضيقتم على أنفسكم، أما الله فإن رحمته وسعت كل شيء، ورزقه لم يحرم منه أحدا، وسنرى تفاصيل هذا في الحقيقة الثانية.

قلت: فقد فهمت هذه الآية، فهل من آية أخرى؟

قال: لو ظللنا نعد آيات الله في رزقه لبقينا جميع دهرنا أمام هذه الجوهرة لا نبرحها، ولكن سأدلك على ملاك ذلك كله.

قلت: فهات، فما أحوجني إلى المجامع والأصول.

قال: أرأيت إن ضمنت لك جهة ما رزقك، بحيث يأتيك مياومة أو مشاهرة أو مسانهة، أكنت تخاف عليه؟

قلت: وكيف أخاف عليه، وهو يأتيني رغدا وبانتظام، ولكن قد أخاف إن لم تكن جهة موثوقة.

قال: فإن كانت جهة موثوقة.

قلت: قد لا أخاف على وعدها ووفائها وجميل صدقها، ولكني أخاف على التقلبات التي قد تحدث فتمنعها من الوفاء بما ضمنته.

قال: فإن كانت فوق التقلبات.

قلت: تقصد أن يأتيني رزقي من جهة لا دخل للوزارة فيها.. فالوزراء يتحولون كل حين، ويعزل كل جديد كل قديم.

قال: ولا دخل للملوك والأمراء والرؤساء.

قلت: إذن أنام قرير العين لا أختلف عن الملوك ولا عن الوزراء والرؤساء.

قال: فقد وعد الله إذن عباده برزقه، ووعده لا يتخلف، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}(هود:6)، فقد وعد الله بتنزل أرزاقه على كل ذي حياة على هذه الأرض، فهل ترى في هذا من تخلف؟

قلت: لا، بل أرى أرزاق الحيوانات تساق إليهم عفوا، لا يحتاجون إلا إلى تناولها.

قال: ومثل ذلك أرزاق الإنسان إلا أنه يأبى إلا أن يعقد ما بسط الله.. أتدري لم يحرم الموكل بأرزاق البشر بعض العباد رزقه؟

قلت: إن خالف الوزير أو الأمير.

قال: أما الله، فإن رزقه لا يفرق بين مؤمن متعبد، وكافر متعنت.

قلت: نعم، ولهذا قال تعالى مجيبا إبراهيم u عندما سأل الرزق لعباد الله المؤمنين([55]) دون غيرهم { وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ( (البقرة:126)، فأخبره الله تعالى أن رزقه يناله المؤمن والكافر.

قال: وسأضرب لك مثالا على ذلك.. ألا تعلم أنواع الجرائم والكفر التي وقع فيها بنو إسرائيل بعد أن أنجاهم الله؟

قلت: كثيرة، بل إنهم بمجرد خروجهم وهلاك عدوهم التفتوا فوجدوا قوما { يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}(لأعراف: 138)

قال: وهل استجابوا لقوله؟

قلت: كلا، فبمجرد غيبته عنهم أياما معدودات، عبدوا العجل، قال تعالى:{ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}(البقرة:51)

قال: وعندما أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة، بماذا أجابوا؟

قلت: ما قصه علينا القرآن الكريم من قوله:{ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}(المائدة:24)

قال: فما هي العقوبة التي حاقت بهم بعد هذا القول؟

قلت: ما نص عليه قوله تعالى:{ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}(المائدة:26)

قال: فكان دخولهم في التيه إذن عقوبة لهم؟

قلت: نعم.

قال: والأصل في العقوبة أن يشدد على صاحبها، ويضيق عليه.

قلت: لا شك في ذلك، ومن شك فعليه بزيارة السجون والمعتقلات.

قال: ولكن اسمع لما أنزل الرزاق الكريم على هؤلاء في فترة عقوبتهم، قال تعالى مخاطبا لهم:{ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(البقرة:57)

قلت: لقد ذكر الله تعالى ثلاث نعم عظمى: الغمام، والمن، والسلوى.

قال: فقد وقاهم الله حر الشمس، وصدى العطش، ولهيب الجوع.

قلت: لم يقهم فقط، بل متعهم، فقد قال قتادة في المن:( كان المن ينزل عليهم في محلّهم سقوط الثلج، أشدّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك )، وقال ابن عباس في السلوى:( السلوى طائر يشبه السماني كانوا يأكلون منه )

قال: وعندما عطشوا؟

قلت: لم يكلفهم بحفر آبار ليشربوا، بل خرق العوائد من أجل أن يسقيهم، قال تعالى:{ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}(البقرة:60)

قال: وليس هذا فقط، بل إن الله تعالى يأمر عباده بأن يأكلوا من رزقه ويعرض عليهم أصناف نعيمه كما يعرض الضيف الكريم طعامه على ضيفه.

قلت: أجل، فقد ورد ذلك في آيات كثيرة، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (البقرة:172)، وقال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(الأنعام:141)

قال: ومع ذلك كله، فالله لا يغفل ولا ينسى، فهل يخاف من عرف الله على رزقه؟

الحقيقة الثانية:

قلت: كلا.. وعيت هذا فهات الحقيقة الثانية.. وهي حقيقة ضعف مطالب الإنسان وقلتها بجانب الرزق المفاض عليه.

قال: أجل، وقد أشار إلى هذه الحقيقة قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( من أصبح منكم معافى في جسده، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنهما حيزت له الدنيا بحذافيرها )([56]) ، وقد ورد في لفظ من ألفاظ الحديث ما هو أكثر دلالة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(  ابن آدم عندك ما يكفيك، وأنت تطلب ما يطغيك، ابن آدم لا بقليل تقنع، ولا من كثير تشبع، ابن آدم إذا أصبحت معافى في جسدك آمنا في سربك عندك قوت يومك، فعلى الدنيا العفاء )

قلت: ويشير إليها قوله تعالى:{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ}(المائدة:20)، فقد أخبر الله تعالى أنه جعلهم ملوكا مع أن الملك لم يكن إلا في بعضهم.

قال: أراك لم تكتف بهذا.. ألم تؤمن؟

قلت: بلى، ولكن ليطمئن قلبي.

قال: فقارن بين حاجات الإنسان الغذائية البسيطة، وبين ما كنز في البحر من أصناف الأغذية.

قلت: نعم، فقد قال تعالى وهو يعدد نعمه التي جعلها في البحار:{ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(النحل:14)

الحقيقة الثالثة:

قال: أما الحقيقة الثالثة، فأن تعلم لكل زمان رزقه الخاص به.

قلت: وماذا تقول هذه الحقيقة؟

قال: تقول لك:( عش يومك، ولا تحزن على المستقبل، لأنه لا يأتي إلا ومعه رزقه )

قلت: كيف؟

قال: سبب الخوف على المستقبل هو تصور خلو المستقبل من الرزق، فإذا علمت أن لكل زمان رزقه الخاص به لم تحزن.

قلت: فاضرب لي على ذلك مثالا.

قال: ألا يرزق الجنين؟

قلت: بلى، ولو توقف الرزق عنه لحظة هلك.

قال: وماهو رزقه؟

قلت: كل ما يتطلبه جسده لبنائه من معادن وبروتين وفيتامين وغير ذلك من المكونات.

قال: ولو نقص أحد هذه المكونات؟

قلت: سيهلك الجنين، أو سيخرج مشوها، وأحسن أحواله أن يخرج سقيما يحتاج إلى علاج.

قال: ولكن الجنين يمر بمراحل مختلفة.

قلت: أجل، لقد نص على جميعها القرآن الكريم، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً }(الحج: 5)

قال: وهل يحتاج في كل المراحل إلى غذاء واحد؟

قلت: كلا، ففي كل مرحلة يحتاج غذاء خاصا.

قال: وهل يوفر له ذلك الغذاء الخاص؟

قلت: أجل، مثلما يوفر الطعام في المطاعم بحسب رغبة الطاعم.

قال: ولكن الطاعم هنا ضعيف ليس له أي قدرة.

قلت: ولكن مطعمه يعلم حاجته، ويوفرها له.

قال: تقصد أمه.

قلت: أمه، لا تدري أي شيء عنه، هو في رحمها، لكنه غيب بالنسبة لها.

قال: فمن إذن؟

قلت:  الله الرزاق ذو القوة المتين.

قال: فقد فهمت إذن بأن لكل زمان رزقه.

قلت: نحن لا نخاف على رزق الجنين، ولكن نخاف على رزق الوليد، ولهذا أخبر الله تعالى عن قتل المشركين لأولادهم، ولم يخبر عن إجهاضهم لنسائهم، قال تعالى:{ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} (الأنعام: 151)

قال: فالوليد عند نزوله، أيطيق أكل طعام الناس؟

قلت: كلا.

قال: فهل وفر الله له ما يقوم بغذائه؟

قلت: نعم، لقد أدر الله ثدي والدته لتسقيه من حليبها.

قال: فهل في لبن الأم ما يكفي حاجة رضيعها؟

قلت: بل ما يكفي ويشفي.

قال: فهل يتناسب ذلك مع حاجاته المختلفة.

قلت: أجل، فحلييب الأم ـ كما يقرر الخبراء  ـ يتطور تركيبه من يوم لآخر بما يلائم حاجة الرضيع الغذائية، وتحمل جسمه، و بما يلائم غريزته وأجهزته التي تتطور يوماً بعد يوم.

قال: ولكن الرضيع ليس بحاجة إلى الغذاء فقط، بل هو بحاجة إلى الدواء، أو بالأحرى تقوية جهاز مناعته، ليواجه الأعاصير التي تتربص به.

قلت: وذلك كله موجود في لبن الأم، فهو يحوي أجساما ضدية نوعية، تساعد الطفل على مقاومة الأمراض.

ثم التفت إلى المعلم، فرأيته، وكأنه يحضر لي سؤالا، فقلت: وأزيدك، فإنه زيادة على هذه الفوائد الصحية، هناك فوائد نفسية واجتماعية كثيرة، فقد أكد علماء النفس أن الرضاعة  ليست مجرد إشباع حاجة عضوية إنما هو موقف نفسي اجتماعي شامل، تشمل الرضيع والأم وهو أول فرصة للتفاعل الاجتماعي .. وفي الرضاعة يشعر الطفل بالحنان والحب والطمأنينة ويحدث اندماج في المشاعر بين الطفل وأمه.

قال: فأنت أقررت إذن بأن الله تعالى وفر للرضيع كل ما يحتاجه.

قلت: لا شك في ذلك، وذلك ليس كلامي، بل هو كلام الخبراء.

قال: أفتدرك الآن قيمة الرزق الذي ساقه الله لهذا الرضيع، أليس في هذا اللبن آية؟

قلت: نعم، بل آية كبرى، فالمصانع الضخمة عندنا، والخبراء الكثيرون لم يستطيعوا أن يكونوا قطرة واحدة من حليب الأم.

قال: فاسمع إذن لما يقول الحق تعالى عن هذه الآية، قال تعالى:{ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ} (النحل:66)

قلت: ولهذا أمر الله تعالى تحقيق شكر هذه النعمة باستخدامها لا بتعويضها بأي شيء آخر، فقال تعالى:{ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } (البقرة:233)

قال: فإذا كبر الرضيع وفطم من أن يأتيه رزقه؟

قلت: لقد جعل الله من الرحمة في قلوب والديه ما يحيل عليهما التفريط في تغذيته وصحته، بل إنهما يؤثرانه على نفسيهما، ويطعمانه ولا يأبهان بما يعاملهما به من القسوة.

قال: فالرحمة الفطرية إذن هي التي توفر الدواعي على رزق الصبي بعد فطامه؟

قلت: نعم، وهي في أحيان كثيرة لا تقتصر على الوالدين، بل إن كل من طلب منه صبي طعاما أو شيئا أعطاه عن طيب نفس.

قال: فرزق الصبي مساق إليه من غير تعب ولا كد.

قلت: نعم، بل يساق إليه أفضل الرزق، هو تماما مثل دود الفواكه نائم في وسط غذائه، بل في أفضل غذاء على الإطلاق.

قال: فإذا كبر الصبي وشب؟

قلت: أعطاه الله من القوة والجلد ما يتمكن به من جلب رزقه بلا عناء ولا تعب.

قال: فإذا أصيب بآفة تحيط بقواه، أو بكبر ينهش عظمه؟

قلت: يوفر له من الدواعي الفطرية في أقاربه أو في الأبعدين من يتكفل به.

قال: فإذا مات؟

قلت: لن يعدم من يغسله ويكفنه ويدفنه.

قال: فإذن هو لا يحتاج إلى شيء، ففي كل زمان له من الرزق ما يكفيه ويغنيه.

قلت: ولكن هناك مطالب أخرى أنتجتها الحضارة قد يعجز عنها، وبسببها يرمى في سلة الفقراء التي لا تختلف في نظر المجتمع عن سلة المهملات.

قال: ذاك شيء ساقه لنفسه، وعقوبة جلد بها ذاته.

الحقيقة الرابعة:

قلت له: فما الحقيقة الرابعة؟

قال: من ألقاك في متاهة، أيكون بذلك قد عاقبك؟

قلت: أعظم عقوبة، بل لعله لم يرد إلا قتلي، ولكنه خشي تلطيخ يديه فاكتفى برميي للموت يلتهمني.

قال: فإن أعطاك بوصلة تهتدي بها، وعلمك كيفية استخدامها؟

قلت: يكون قد أحسن لي بذلك، ولكنه مع ذلك فقد أساء، فما عساها تصنع البوصلة لي، أأركب عليها، أم أشرب ماءها، أم آكل طعامها؟

قال: فإن أعطاك كل ذلك: مركبا وزادا وماء؟

قلت: يكون إحسانه أعظم.

قال: وهل تأمن حينها.

قلت: نعم يزداد أمني، ولكني مع ذلك أخاف السباع أن تعتدي علي.

قال: فإن أمنك من السباع، أو أعطاك ما تقتل به السباع.

قلت: يكون قد أحسن إحسانا عظيما، وأنقذني من الموت، لكني سأظل أتساءل عن علة وضعي في تلك المتاهة؟

قال: فإن أرسل لك بأنه لم يرد لك إلا الخير، وأنك إذا رجعت إليه من تلك المتاهة سيعطيك قصرا فخما ويتوجك ملكا.

قلت: سينتفي حقدي عليه حينها، ولكني سأظل أتساءل عن علة ذلك.

قال: فإن أرسل لك يخبرك بأن غرضه أن يمرنك على مهمات الملك، ويختبر مدى قدراتك.

قلت: حينها سأعظمه وأجله.. وأحبه.

قال: وتلك الأدوات التي أعطاك، أتستخدمها؟

قلت: كيف لا أستخدمها، وهي وسيلتي إليه، فلولا البوصلة لتهت، ولولا السلاح لافترست، ولولا الطعام لهلكت جوعا.

قال: فهذه هي الحقيقة الرابعة.

قلت: أي حقيقة؟ فقد كنا نتحدث عن المتاهة.

قال: وهذ المتاهة هي الدنيا، والذي اختبرك هو ربها، وجزاؤك إن رجعت إليه سالما هو الجنة.

قلت: والبوصلة والأدوات..؟

قال: تلك هي القوى التي منحك الله إياها، فإن استخدمتها نجوت ، وإلا هلكت.

ثالثا ـ كنز الاستعفاف

سرت مع معلم السلام نبحث عن قصر الاستعفاف، لاح لنا قصر جميل، يشبه في شكله يدا ممتدة للسماء تتساقط عليها أنواع الجواهر، وتنتشر منها أصناف الروائح الطيبة.

قلت للمعلم: ما أروع هذا القصر، لكأن الذي صممه فنان لا مهندس.

قال: كل مصممي هذه القصور يجمعون بين الفن والهندسة.

قلت: إذن هم تخرجوا من جامعة واحدة.

قال: نعم.

قلت: فأي جامعة هي، فإن لي شوقا لأن أتعلم مثل هذه الفنون.

قال: هي جامعة موجودة في كل مكان.

قلت: في كل مكان.. أمتأكد  أنت؟

قال: نعم.. في السماء والأرض، والحقول والبراري، والبحار والصحارى.. في كل مكان، بل في كل خلية تنبض بالحياة، أو كل ذرة تمتلئ بالحركة.

قلت: فأنت تقصد شيئا لا أفهمه.

قال: أقصد الصنعة الإلهية، فإن من أحب الله تخلق بأخلاق الله.

قلت: ولكنها صنعة إلهية، فكيف تقلد؟

قال: كل صنعة إلهية يجتمع فيها كمال الهندسة مع كمال الفن، فلا تعجب لكون كل مؤمن مهندسا وفنانا.

قلت: ولكن..

قال: دعنا من هذا، فله محله الخاص في هذه الرسائل، ولندخل إلى هذا القصر لنغنم جواهره.

قلت: لا شك أن هذا هو قصر الاستعفاف، فاليد تدل على السؤال والشحاذة، والجواهر المتساقطة عليها تدل على العطايا الممنوحة لهذه اليد.

 قال: نعم، هذا هو قصر الاستعفاف، وفيه أربعة طوابق، كل طابق منها يرفع همتك، ويحمل يدك ليضعها في موضعها الصحيح.

قلت: يدي هي في يدي، فكيف يضعها في موضع صحيح.. أتقصد أني لن أخرج من هذا القصر بيدي؟

قال: افهم الحقائق، ولا تناقش الألفاظ.

قلت: فما تريد بيدي، أليست اليد غير الجارحة!؟

قال: يدك التي يمتد بها طمع عينيك إلى جيوب الناس، أو خزائن الناس.

ابتسمت، وقلت: تقصد يد الشحاذين لا يدي، فقد عافاني الله من الشخاذة.

قال: هي حرفة يتقنها الكل، ويتهرب منها الكل.

قلت: ما تقصد؟

قال: من هم الشحاذون بين قومك؟

قلت: الذين يقفون على عتبات المساجد والأسواق يبكون ويولولون ويبتكرون صنوف الحيل التي تستدر عطف الناس، فتستخرج ما في جيوبهم.. إنهم الشحاذون الماهرون في جلب المال بلا تعب.

قال: أهؤلاء هم الشحاذون في تصورك؟

قلت: وفي تصور جميع الناس، إنهم الذين حكى عنها الحريري والهمذاني في مقاماتهما.

قال: وسائر الناس؟

قلت: لقد عافاهم الله من الشحاذة.

قال: وما أدراك أن الله عافاهم منها؟

قلت: لأنهم لا يمدون أيديهم للناس.

قال: ولكنهم يمدون أعينهم وقلوبهم، ولو استطاعوا لخنقوا الناس ليستولوا على ثرواتهم.

قلت: كيف.. أنا لا أرى ما تقول.

قال: ما تقول في الاستعمار؟

قلت: هم يقولون: جئنا لنعمر أرضكم.

قال: ولكنهم أبادوا شعوبكم، ومرغوا كرامتكم، ونهبوا ثرواتكم، ثم لم يخرجوا إلا بعد أن عاهدتموهم على أن تضعوا أيديكم المجروحة في أيديهم الآثمة.

قلت: كل ذلك صحيح.. ولكن الأيام سرعان ما تطوي الأحقاد.

قال: أنا لا أتكلم عن الأحقاد، ومعلم السلام يملأ القلوب بالإيمان لا بالأحقاد.

قلت: فلماذا نتحدث عن الاستعمار إذن؟

قال: لنعرف نوعا خطيرا من أنواع الشحاذة التي يتهرب منها الكل، ويتقنها الكل.

قلت: ولكن الاستعمار ولى، ونحن الآن تحت رحمة حكومات منا، لا تستجدينا ولا تطمع في أموالنا.

قال: ولكني رأيت وزراء شحاذين.

خطر على بالي وزير المالية أو الاقتصاد وهو يقف على باب من أبواب المساجد يطلب الصدقات ليملأ البنوك، فضحكت، فقال: أنت تتعجب من تحول وزير المال إلى شحاذ.

قلت: أجل.. لقد عرفت ما يجول في خاطري.

قال: نعم.. ألم يمد يده للموظفين ليقبل رشاواهم، ألم يمد يده لعموم الناس ليقبل مصالحهم؟

قلت: ذلك من الرسوم.

قال: أنتم تعرفون كيف تحولون المعاني بتحويل الألفاظ، فتسمون قتل الشعوب للاستيلاء على ثرواتها استعمارا، وتسمون أكل أموال الناس بالباطل رسوما، وتسمون الرشاوى هدايا..

قلت: لقد ذكرتني بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها )([57])

قال: وقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: أجل، فنحن نسمي الخمور مشروبات روحية.

قال: ألم تكتفوا بتسميتها مشروبات حتى نسبتموها إلى الروح؟

قلت:.. فما الطريق لأتخلص من الشحاذة، وأعف عن أموال الناس؟

قال: بقطعك هذه الطوابق الأربع، وجمعك لجواهرها.

قلت: فماذا أقطع في الأول؟

قال: تقطع طمعك من نفسك، فتيأس منها، ولا تمد يدك إليها.

قلت: ففي الثاني؟

قال: تقطع طمعك من الخلق، فتيأس منهم، ولا تمد يدك إليهم.

قلت: ففي الثالث؟

قال: تمد أعناق طمعك كلها إلى الله، فلا ترى مستحقا للتفضل غيره.

قلت: ففي الرابع؟

قال: تمد يدك إلى الله الذي طمعت فيه، وحينذاك تضع يدك موضعها الصحيح، وحينذاك سينعم عليك بالفضل الذي تستغني به عن الكل، وتمتزج يدك مع اليد التي رأيتها في هذا القصر.

لا أمل فيك :

وقفت مع المعلم أمام الجوهرة الأولى من جواهر الاستعفاف، فسألت المرشد عنها، فقال: هذه جوهرة نفيسة، لا يحل صعود طوابق القصر إلا بعد المرور عليها.

قلت: فما اسمها؟

قال: هي جوهرة ( لا أمل فيك )

ابتسمت في نفسي من هذه الأسماء الغريبة، ثم التفت إلى المعلم ليشرح لي حقائقها، فلا يمكن أن أنالها بدون الوصول إلى حقيقتها والاقتناع بها.

نظر إلي المعلم، وقال: ألا تعلم أول بيت يقصده الشحاذ، وأول من يمد إليه يده؟

فكرت قليلا ، ثم قلت: ربما.. جاره.. لا، فقد لا يريد أن يظهر بمظهر الذلة أمام جاره.. لعله السوق أو المسجد.. أو لعله يخرج من بلده حفظا لكرامته ليمد يده للغادي والرائح.

قال: كل من ذكرتهم بعيدون، والشحاذ لا يمد يده إليهم إلا بعد أن يمد يده إلى غيرهم.

قلت: فمن؟ لقد عجزت عن معرفته.

قال: أول من يمد الشحاذ يده إليه بالسؤال والافتقار هو نفسه.

قلت: نفسه؟

قال: التي بين جنبيه، فافتقاره إلى الخلق يبدأ من افتقاره لنفسه، وافتقاره لنفسه هو الذي يجعله يدق أبواب الخلق.

قلت: فكيف يمد يده لنفسه.. لم أر في حياتي رجلا يقف في مكان خال أمام مرآة يضع يده ينتظر أن توضع فيها أي صدقة.. إلا إذا كان مجنونا.

قال: بل كل الشحادين يقفون هذا الموقف، بل كل من لم يمد يده إلى الله يمد يده إلى نفسه، ويقف هذا الموقف الذي استنكرته.

قلت: لكني لم أر أحدا يفعل ذلك.

قال: الفقراء والأغنياء يفعلون ذلك.

قلت: اشرح لي، فلا أطيق الإلغاز.

قال: عندما يقرر الملك أمرا من الأمور، ويحب أن ينفذه، ماذا يفعل؟

قلت: يستنجد بوزرائه وأعوانه.

قال: أيمد يده إليهم طالبا المعونة؟

قلت: نعم، مثلما قص القرآن الكريم على ملكة سبأ، حيث قالت لقومها:{ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ}(النمل: 32)

أو مثلما قال الملك في قصة يوسف u لأعوانه:{ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ}(يوسف:43)

قال: ولا حرج عليك أن تشبه ذلك بقول سليمان u لحاشيته:{ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}(النمل: 38)

قلت: نعم، ولكني خشيت أن تقول شيئا قد لا يتناسب مع مقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

قال: لا، بل هذا من كمالهم، فمن كمال الملك استنجاده بأعوانه واستشارته لهم.

قلت: فما في هذا؟

قال: قد نسمي الملك شحاذا في هذه الحالة.

قلت: نعم إن جعلنا الشحاذة هي كل مسألة أو كل طلب معونة.

قال: فإذا استقر رأي الملك وحاشيته على أمر.

قلت: يبدأون في تنفيذه.

قال: أين؟

قلت: حسبما خططوا.

قال: فإن ظهر ذلك الأمر في الواقع، فلمن ينسب؟

قلت: للملك والحاشية، وقد ينسب للقصر نفسه.

قال: فالقصر إذن هو الباني والهادم، وهو الذي يتخذ كل القرارات.

قلت: خاصة الصعبة منها، لأن ما عداها قد تتكفل به الأكواخ.

قال: ألم تسمع من الغزالي بأن الإنسان مع لطائفه، كالملك مع حاشيته؟

قلت: نعم، لقد مثل الغزالي نفس الإنسان وعلاقتها بقواها بالملك، فقال:( مثل نفس الإنسان في بدنه أعني بالنفس اللطيفة المذكورة، كمثل ملك في مدينته ومملكته، فإن البدن مملكة النفس وعالمها ومستقرها ومدينتها وجوارحها، وقواها بمنزلة الصناع والعملة، والقوة العقلية المفكرة له كالمشير الناصح والوزير العاقل، والشهوة له كالعبد السوء يجلب الطعام والميرة إلى المدينة، والغضب والحمية له كصاحب الشرطة )([58])

قال: فلو أن هذا الملك اختار بصواب رأيه وما أوتي من الحكمة بطانة صالحة.

قلت: ستكون رعيته في أحسن حال، ولن ينال منها، ولن تنال منه إلا الخير، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصمه الله )([59])

وقد قال الشاعر ناصحا:

واجعلْ بطانتكَ الكرامَ فإِنهمْ
 

أدرى بوجهِ الصالحاتِ وأخبرُ
  

إِن الكريمَ له الكرامُ بطانَةٌ
 

طابتْ شمائلُهم وطابَ العنصرُ
  

إِن لاحَ خيرٌ قَرَبوه ويَسْروا
 

أو لاحَ شرٌ باعدُوه وَعَّسروا
  

أما اللئيمُ فحولَه أمثالُهُ
 

قرناءُ سوءٍ ليس فيهم خيَّرُ
  

إِن لاحَ خيرٌ باعدوهُ وعَسَّروا
 

أو لاحَ شرٌ قَرَّبوه ويَسَّروا
  

ولكل كونٍ كائناتٌ مثلُهُ
 

فقبيلُهُ من جنسِه والمعشرُ
  

قال: فإذن ما يصدر من الملك وحاشيته هو الذي يظهر في البلاد وبين الرعية؟

قلت: نعم، على حسب المثال الذي ذكره الغزالي.

قال: فمد الشحاذ يده للناس، أليس موقفا من المواقف الخطيرة التي اتخذها في حياته؟

قلت: أجل، بل هو أخطر المواقف على الإطلاق، فيكفي ما فيه من الذلة.

قال: فهل أرغم على ذلك، أم اتخذ القرار بنفسه؟

قلت: قد يكون مرغما، فقرار مثل هذا لا يكون عن طواعية.

قال: وكذلك مثل قرارات كثير من الملوك الذين لا يرون إلا جهة واحدة، ثم يتصورون أنهم مضطرون.

قلت: فليسوا مضطرين إذن؟

قال: من رحمة الله بعباده أو من ابتلائه لهم أن يضع لهم الكثير من الحلول، ولكنهم يعمون أعينهم عنها، ويتصورون أنهم مضطرون لأبشع الحلول.

قلت: فهذا القرار الذي اتخذه في نفسه سواء كان مكرها عليه أو مختارا من لجأ إليه فيه.

قلت: إلى وزرائه وأعوانه وحاشيته.

قال: فقد وثق فيهم إذن عندما استشارهم.

قلت: لقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(  إن المستشار مؤتمن )([60])

قال: ولكن المستشار قد يكون أخرق؟

قلت: أجل، وحينذاك يكون من البطانة السيئة.

قال: فلماذا لم يمد يده إلى جهة عليا موثوقة يستشيرها.

قلت: لثقته بوزرائه.

قال: فقد رضي إذن عن نفسه حين مد يده إليها.

قلت: نعم.

قال: فمبدأ الشحاذة إذن الرضى عن النفس وعن قرارات النفس، ولذلك كان علاجها الحقيقي لا بنهي الشحاذ عن مد يده إلى الناس، وإنما نهيه عن مد يده إلى نفسه.

قلت: نعم، لقد اقتنعت بهذا الكلام، ولكن ما هو السبيل لإقناعه بعدم مد يده إلى نفسه؟

قال: هو نفس السبيل الذي نقنع به الملك بعدم الثقة في مستشاريه.. إن أول خطوة تخطوها لقطع مد يدك إلى نفسك هو عدم ثقتك بها، وعدم رضاك عنها.

قلت: لقد ذكرتني بقول ابن عطاء الله:( أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها. ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه، خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه، فأي علم لعالمٍ يرضى عن نفسه؟ وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه؟ )

قال: لم نصحه بأن لا يرضى عن نفسه؟

قلت: لتبديلها الحقائق، كما قال الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة
 

كما أن عين السخط تبدي المساويا
  

قال: فهل يمكن أن يصلح من يرضى عن تصرفات نفسه.

قلت: لا، فإن كل ما كسب من المحرمات ناتج عن الرضى عن النفس والسماع لأوامرها، كما قال تعالى عن إخوة يوسف u:{ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}(يوسف:18)

وكما قال عن السامري:{ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}(طـه:96)

قال: ما سبب قتل ابن آدم الأول لأخيه؟

قلت: لقد ذكر المفسرون في ذلك أقوالا، منها ما قال السدي عن ابن عباس وعن ابن مسعود: أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ومعه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل وقابيل، كان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه، وقال هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها، وأنهما قربا قرباناً إلى اللّه عزَّ وجلَّ أيهما أحق بالجارية، قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها، فنزلت النار فأكلت قربانا هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب، وقال لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل:{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}(المائدة: 27) )([61])

قال: ولكن القرآن الكريم ذكر قولا واحدا؟

قلت: القرآن الكريم ذكر ذلك.. أين، فأنا لا أراه؟

قال: ألم تسمع إلى قول الحق تعالى:{ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(المائدة:30)، فما سولت له نفسه من المعصية هو السبب، أما ما ذكر من الأسباب، فمجرد خيوط عنكبوت، لأنه إن لم يقتله بهذا السبب قتله بغيره.

قلت: فما علاقة هذا بمد اليد إلى النفس؟

قال: لأن النفس التي استطاعت أن تقهر صاحبها، فيمد يده لقتل أخيه، لن تعجز أن تسول له أن يمد يده للناس يستجديهم.

قلت: لقد اقتنعت بما قلت، لكن أنى لي أن أتخلص من مد يدي إلى نفسي.

قال: بعلمك بتحقق نفسك بعدم أهليتها للاستشارة.

قلت: وكيف أعلم ذلك؟

قال: أربعة صفات في النفس إذا علمتها ارتفعت ثقتك فيها، وكففت عن مد يدك إليها.

قلت: ما هي؟

قال: الجهل والظلم والهوى والخداع.

قلت: لماذا هذه الأربع؟

قال: جهلها يجعلها تكذب عليك في نقل الحقائق.

قلت: وظلمها؟

قال: يجعلها تضع الأشياء في غير مواضعها.

قلت: وهواها؟

قال: يجعلها تسترالروائح المنتنة ببعض العطور السامة.

قلت: وخداعها؟

قال: هو احتيال النفس على نفسها.

الجهل:

قلت: فكيف أعرف جهل نفسي؟ ولماذا أبحث عن جهلها؟ ألا يزيدني ذلك حزنا وأسفا وألما؟.. وكل ذلك ينافي السلام الذي تعلمني إياه.

قال: علمك بجهل نفسك هو الذي يدعوك إلى السلام وإلى السعادة وإلى الطمأنينة، ويكف شر نفسك عنك.

قلت: كيف؟

قال: علمك بعلمك يدلك عليك، وعلمك بجهلك يجعلك تبحث عنه.

قلت: زدني توضيحا.

قال: كلام الله سيزيدك توضيحا.. بماذا أجاب قارون الصالحين من قومه عندما قالوا له:{ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}(القصص: 76)

قلت: أجابهم بقوله:{ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}(القصص: 78)

قال: فقد كان يعزل الله إذن عن إعطائه ذلك المال.

قلت: أجل.

قال: فعلمه إذن كان ساترا لجهل عظيم له أثره الخطير في حياته.

قلت: نعم، ولذلك رد القرآن الكريم عليه قائلا:{ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ }(القصص: 78)

قال: أتدري ما يقول له بهذا؟

قلت: نعم، كأنه يقول له:( لماذا اكتفيت بذلك العلم، ولماذا لم تبحث عن علم آخر أهم، وهو العلم بمصاير الأقوام الذين أبيدوا، وعن سبب إبادتهم، ليكون لك ذلك موضع عبرة )

قال: صدقت، ولكن لماذا لم يتعلم قارون هذا النوع من العلم؟

قلت: لعله لم يجد معلما.

قال: لا.. ولكنه لم يجد استعدادا من نفسه لتعلمه.. ولو وجد الاستعداد لأرسل الله له من يعلمه.

قلت: كيف؟

قال: إن العلم الذي عنده، والذي هو في حقيقته جهل يستر علما، منعه من قبول غيره أيا كان ذلك الغير، ألم تسمع قوله تعالى:{ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} (غافر:83)

قلت: بلى، فالله تعالى في هذه الآية يخبر عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر، وماذا حل بهم من العذاب الشديد مع شدة قواهم، وما أثروه في الأرض وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئاً ولا رد عنهم ذرة من بأس اللّه، وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات لم يلتفتوا إليهم ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل.

قال: فقد أرسل الله إلى هؤلاء من يعلمهم، ولكنهم لتعالمهم الذي هو عين الجهل وأساس الجهل لم يقبلوا منه.

قلت: نعم، هذا صحيح، وقد وقع فيه أكثر المنحرفين عن الله المجادلين أولياء الله.

قال: بل قل: وقع فيه كل المنحرفين عن الله، فأول خطوة للانحراف هي الجهل، كما أن أول خطوة للتحقيق هي العلم.

قلت: ولهذا جعل الله تعالى علة ما حاق بالقرى من هلاك هو الجهل، كما قال تعالى:{ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} (الأنعام:111)

قال: ألا ترى القوة التي يتمتع بها الجهل في التأثير في صاحبه، وفي صده عن الحقائق؟

قلت: نعم.

قال: بل إن الله تعالى يخبر بأن كل المعجزات لن تستطيع التأثير في الإنسان الجاهل.

قلت: لماذا؟

قال: لأنه سيجد من الحلول ما يغير به الحقائق، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ}(الحجر:14 ـ 15)

قلت: نعم، فالله تعالى يخبر عن قوة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق بحيث أنه لو فتح لهم باباً من السماء فجعلوا يصعدون فيه لما صدقوا بذلك، بل بل أرجعوا ذلك إلى عماهم أو إلى السحر.

قال: فما سبب عمى أعينهم عن آيات الله؟

قلت: ما جعل فيها من الغشاوة، وما جعل في قلوبهم من الأكنة، كما قال تعالى:{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}(الأنعام:25)

قال: وتلك الأكنة التي منعتهم من معرفة الحقائق ماذا تضع بدلها؟

قلت: الأوهام، والجهل، بحيث تجعلهم يكابرون كل شيء حتى المحسوس، كما قال تعالى:{ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}(الأنعام:7)، فهؤلاء كابروا ما لمسوه بأيديهم.. وقال تعالى:{ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ}(الطور:44) وهؤلاء كابروا المرئي المشاهد.

قال: بل هم كابروا بحواسهم جميعا كل آيات الله، كما قال تعالى:{ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ}(القمر:2)

قلت: لقد اقتنعت بكل هذا، ولا أحسبني أخالفه.. ولكني لم أفهم علاقة هذا بالاستعفاف؟

قال: الاستعفاف هو بذل الجهد لتحصيل العفاف عن أيدي الناس، وقد عرفنا أن ذلك لا يكون إلا بعد الاستعفاف عن النفس، والنفس لا يستعف عنها إلا إذا علم جهلها.. أيمكن لملك عادل أن يسلم أي وزارة من وزاراته لغير المختصين؟

قلت: هذا محال.. لأنهم سيفسدون ولا يصلحون.

قال: فإذا وكل الإنسان لنفسه الجاهلة تدبير أمره، ألا تكله إلى الخراب؟

قلت: نعم، مثل النفوس التي خربت بنيان قارون وفرعون وجميع المشركين والملحدين.

قال: بل تخريب كل سلوك، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(  إن اللَّه عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني! قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني! قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه! أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي! )([62])، فقد أرجع الله جهل العبد بهذه المعاني هو الذي أوصله إلى ذلك التقصير.

قلت: بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن تأثير الجهل من الناحية الاجتماعية، فقال:( إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا )([63])، فقد أرجع صلى الله عليه وآله وسلم سبب الضلالة إلى اتخاذ الرؤساء الجهال.

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن الهلاك الذي حاق بالأمم نتيجة تعالمها على كتبها، فقال:( إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه بعضا، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا ولا يكذب بعضه بعضا، ما علمتم فيه فقولوا وما جهلتم فكلوه إلى عالمه )([64])

قال: فلذلك كانت أول حلقة تقطع من سلسلة الطمع في النفس هي يقينك بجهلها، فيقينك بجهلها يوصلك إلى التعلم منه، فلا يتعلم إلا الجاهل.

قلت: لقد ذكرتني بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(  لا يزال الرجل عالما حتى يقول علمت، فإذا قالها فقد جهل)

الغرور:

قال: ألم تعلم ما الذي جعل فرعون يدعي الألوهية؟

قلت: قومه، فقد قال تعالى:{ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ}(الزخرف:54)

قال: وقبل قومه.

قلت: أنا لم أقرأ تاريخ فرعون حتى أعلم مصادر ادعائه الربوبية بالضبط، فقد يكون تأثر في ذلك بالديانات الفارسية أو الهندية..

قال: لا.. فقد ذكر القرآن الكريم ذلك.

قلت: أين؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ}(القصص:38)

قلت: بلى، وقد ذكر القرآن الكريم ذلك في موضع آخر، قال تعالى:{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ}(غافر:36 ـ 37)

قال: فما هي العلة التي ذكرها القرآن الكريم، والتي كانت سبب ما ادعاه من دعاوى؟

قلت: أليس هو الغرور الذي جعله يعتقد أنه يعلم العلم الذي لا جهل فيه، أو لا جهل معه.

قال: نعم، فالجهل بالجهل يولد الغرور.

قلت: فالغرور إذن وليد الجهل.

قال: وقد يكون ولدا غير شرعي للعلم.

قلت: كيف؟

قال: إذا حبس في قفص علومه، أو سقط في مهاوي معارفه، أو تاه في ظلمات كتبه وأوراقه.

قلت: ما أرى العلم إلا نورا، فكيف ترميه بالظلام، وما أره إلا حرية، فكيف ترميه بالقفص، وما أراه إلا رقيا، فكيف ترميه بالهاوية.

قال: ذلك هو العلم الذي لا يقف صاحبه عنده، بل يظل دائما صفحة بيضاء تنتظر أقلام الأبد لتكتب عليها.

قلت: فسر لي هذا، وما الفربق بين الجهل والغرور؟

قال: الجاهل قد يسأل، فيتعلم، ولكن المغرور لا يسأل ولا يتعلم.

قلت: وإذا هداه الله، فسأل؟

قال: يسأل ليجادل، لا ليتعلم.

قلت: فإذا هداه الله، وتعلم؟

قال: يتعلم ليضم إلى غروره كبرياءه.

قلت: فما علاقة هذا بمد اليد إلى النفس؟

قال: المغرور لا يمد يده إلا إلى نفسه، لأنه يرى ما عداه أياد ممدودة إليه.

قلت: إذن المغرور لا يكون شحاذا على عتبات المساجد.

قال: قد يكون كذلك، ولكنه يتكبر على اليد التي تمده بالعطاء، وقد يحاول قطعها إن استغنى واكتفى، أترى استحالة ذلك؟

قلت: ربما، فما أكثر ما نسمع عنه من مقابلة الجميل بالكفران، والإحسان بالإساءة.

قال: ولهذا كان الغرور هو منبع جميع الأمراض النفسية.

قلت: كيف.. الأمراض النفسية كثيرة جدا، والمستشفيات تستقبل كل يوم أنواعا جديدة من هذه الأمراض.

قال: ليست المستشفيات وحدها هي التي تستقبل هذا النوع من الأمراض، بل إن الشوارع تعج بها والمدارس والبيوت..

قلت: فكيف يكون الغرور منبعها؟

قال: اسمع القرآن الكريم، وستجد كيف تدلى الخلق بحبال الغرور في مهاوي السخط.

قلت: نعم.. القرآن الكريم يذكر كثيرا الغرور باعتباره سببا من أسباب الكفر والضلالة، فقد قال تعالى عن بني إسرائيل الذين تصوروا أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة:{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}(آل عمران:24)

قال: وتحسب ذلك خاصا ببني إسرائيل؟

قلت: لا أظن أن في هذه الأمة المرحومة من ادعى أنه لن يمكث في النار إلا أياما معدودات بسبب ذنوبه.

قال: إن كلمة ( الأمة المرحومة ) التي ذكرتها منبع غرور للكثيرين.

قلت: كيف، فهذه الأمة مرحومة بلاشك.

قال: ولكن كل من ولد في هذه الأمة يتصور أنه من المرحومين، ولو بغير عمل يعمله، أو حسنة يقدمها، ولعله يتصور نفسه يحمل في صدره صكا من صكوك الغفران التي تقول له:( اعمل ما شئت فقد غفرت لك )

قلت: هذه حقيقة، وكل المبشرات تدل على هذا.

قال: وعلى ماذا يدل قوله تعالى:{ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} (النساء:123)

قلت: نعم.. إن الآية تقرر أن الجزاء الإلهي لا يخضع لأماني الناس، بل يخضع لقانون واحد يشمل الجميع.. ولكن مع ذلك فنحن..

قاطعني، وقال: الله رب الجميع، ألم تسمع قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات:13)، فهل قال الله تعالى أكرمكم فلان أو فلان؟

قلت: لقد ذكرتني بقول ابن عباس t:( ثلاث آيات جحد من الناس) وذكر منها قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات:13)، قال: (ويقولون: إن أكرمهم عند اللّه أعظمهم بيتاً )

قال: ثم تظن بعد هذا أن هذا الغرور خاص ببني إسرائيل.. إن كل ما في القرآن الكريم لهذه الأمة، ولكنكم هربتم من الحقائق التي تواجهكم لتحولوه قصصا تسرد، وحكايات تروى، وأمثالا يلغز بها.

قلت: يا معلم، النسب إذن سبب من أسباب الغرور، ولكنه خاص بفئات محدودة، وقومي ـ عموما ـ لا يكادون يعتبرونه.

قال: ولكنهم يعتبرون ما هو أخطر من النسب.

قلت: وماذا يعتبرون؟

قال: أم الخطايا.

قلت: لست أعرف للخطايا أما، ولا أبا.

قال: حب الدنيا هو رأس الخطايا وأمها وأصل أصولها، ألم تسمع قوله تعالى:{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}(آل عمران:185)

قلت: بلى، فقد وردت الآيات الكثيرة المحذرة من الاغترار بالدنيا، فالله تعالى يقول:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}(فاطر:5)

قال: أتعلم الحبال التي يتدلى منها الغررو بالدنيا؟

قلت: ما هي.. دلني عليها لأقطعها وأخلص الخلق منها؟

قال: هي حبال الشيطان، ألم تسمع قوله تعالى:{ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً}(النساء:120) .. ألم تسمع قوله تعالى:{ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً}(الاسراء:64)

قلت: يا معلم.. لقد جلنا جولة في رحاب القرآن الكريم عرفنا من خلالها خطر الغرور وثماره، فما علاقة ذلك بالاستعفاف، وما علاقة ذلك بالفقراء؟

قال: مد اليد بالسؤال علة خطيرة لا تكفي في معالجتها المراهم التي تداوون بها جراحكم، بل لا بد من عملية ضخمة تبدأ من تصحيح الذات، وتصحيح الذات لا يمكن إلا بالتعرف عليها وعلى مواضع الغرور منها.

قلت: فاذكر لي مثالا على تأثير الغرور في هذا؟

قال: اسمع قوله تعالى:{ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ}(آل عمران:196)، وقوله:{ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ}(غافر:4)

قلت: في هاتين الآيتين يحذر الله تعالى من الاغترار بما حصل للكفار من أنواع المتاع الدنيوي.. ولكن لماذا حذر من هذا الاغترار؟

قال: لأن الغرور هو نقطة الضعف التي يتسرب منها الشيطان ليملأ قلب الإنسان هما وحزنا على حاله الهزيل، ويقارنه بحال المنتفخين، فإذا ما حصل الاغترار طلب الهزيل أن ينتفخ بنفس الأسلوب الذي انتفخ به غيره، فيقع فيما وقعوا فيه.

قلت: أريد توضيحا أكثر.

قال: أرأيت لو أن سلطانا عادلا اتخذ وزيرا مغرورا، أيمكنه أن يدير دفة وزارته إدارة تتناسب مع عدل السلطان؟

قلت: لا، بل قد يشوه عدل السلطان، بل قد يرمى بالجور لغرور وزيره.

قال: أرأيت لو أن وزير الحرب كان جاهلا بقوة جيش السلطان، ولكنه مع ذلك مغرور، أيمكن أن يزف البلاد إلى حرب لا طاقة لها بها؟

قلت: نعم، ذلك ممكن جدا خاصة إذا تصور أنه لن يحقق ذاته إلا بخوض الحروب.