الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: السلفية .. والوثنية المقدسة

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1437 هـ

عدد الصفحات: 250

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

يتناول هذا الكتاب ـ عبر الوثائق والأدلة الكثيرة ـ  الصورة التي ترسمها المدارس السلفية لله سبحانه وتعالى، وهي صورة موغلة في التجسيم والتشبيه، ومتناقضة تماما مع الرؤية التنزيهيه التي نزل بها القرآن الكريم، ودل عليها قبل ذلك العقل والفطرة السليمة.

   ولا يكتفي الكتاب بوصف تلك الصورة من خلال الروايات التي يعتمد عليها السلفية أو أهل الحديث في كتبهم، بل يضم إليها محاولة البحث عن العلل والدوافع ونحوها، والتي يتضح من خلالها منهج التفكير السلفي في التصورات العقدية، والرؤية الكونية، والذي سرى تأثيره بعد ذلك في التصورات والمواقف المختلفة.

  بالإضافة إلى ذلك كله يحاول الكتاب أن يعرض التأثيرات اليهودية على العقيدة السلفية، والتي نبه القرآن الكريم إلى خطورتها، وحذر الأمة من أن تقع فيما وقع فيه سلفها من بني إسرائيل وغيرهم من التجسيم والتشبيه.

فهرس المحتويات

إهداء

المقدمة

التعقل .. والتصور

علماء الكلام:

الصوفية:

علماء الفلك:

الجهة.. والمكان

الجهة:

المكان:

الحدود .. والمقادير

المقادير الكبرى:

الحجم:

الكتلة:

المقادير الصغرى:

أعضاء .. ووظائف

الوجه:

الفم:

العين:

اليد:

الأصابع:

القدم:

الساق:

التنقل .. والحركة

الدنو والمماسة:

الإتيان والنزول:

الصورة .. والرؤية

الصورة:

الرؤية:

أقوال .. وأفعال

الضحك والعجب:

اللهو واللعب:

الحاجة والافتقار:

الجور والظلم:

المكر والخداع:

السخرية والاستهزاء:

الملل والسآمة:

 

إهداء

هذا الكتاب هدية إلى الذين لا يزالون يفكرون بعقولهم من أبناء المدرسة السلفية، بتوجهاتها المختلفة، وهو يدعوهم إلى إعمال عقولهم في هذه المسائل الخطيرة التي يرتبط بها مصيرهم الأبدي.

وأنا لا أقول لهم من خلاله: اتركوا عقائدكم المملوءة بالخرافة والتجسيم والتشبيه..

ولا أقول لهم: اتركوا كتبكم ومراجعكم التي تتلونها أكثر من تلاوتكم لكلام ربكم..

ولا أقول لهم: اتركوا أئمتكم الذين تقدسونهم أكثر مما تقدسون رسولكم صلى الله عليه وآله وسلم..

ولكني أقول لهم: راجعوا جيدا موقفكم من ربكم.. وتصوركم له .. وتعاملكم معه.. وانظروا إلى الحقائق العلمية التي تظهر كل يوم لتكشف زيف أئمتكم ودجلهم.

وهذا الكتاب لم يفعل سوى أن نقل لكم بضاعتكم كما هي في مصادركم التي تتعبدون بتلاوتها، والخضوع المطلق لها، ولم يفعل سوى أن وضع بجانبها ما يذكره القرآن الكريم، وما يقوله العقل السليم، وما تقوله الفطرة التي تعبد الله وحده، ولا تشرك معه سلفا ولا خلفا.. لتختاروا لأنفسكم أي المذهبين أقوم: مذهب التنزيه والتعظيم، أم مذهب التجسيم والوثنية؟

المقدمة

لا شك أن الاهتمام بالبحث عن معرفة الله، وبذل كل الوسائل والجهود لأجل تحصيلها وتصحيحها، بل إفناء العمر في ذلك قليل جدا أمام عظمتها وأهميتها.

ذلك أننا إذا اعتبرنا الجهد المبذول في ذلك بقدر قيمة المعرفة.. فليس هناك قيمة في الوجود أعظم أو أهم من الله.. فالله هو مصدر كل قيمة في الوجود.. بل هو مصدر كل حقيقة من حقائقه.. فالله هو مصدر الفيزياء والكيمياء والرياضيات.. وهو مصدر علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة .. وكل علم من علم من علوم الدنيا، وكل فن من فنونها.. ولذلك من الغريب أن نهتم بتلك العلوم والمعارف، ونعطيها كل جهودنا، ونستعمل كل الأدوات للتحقيق فيها، ثم لا نهتم بمعرفة مصدرها ومنبعها وبارئها.

وهكذا إذا اعتبرنا الجهد المبذول بقدر المصلحة.. فليس هناك مصلحة أعظم للإنسان من مصلحة تعرفه على ربه، وارتباطه به.. فمن عرف الله عرف مواضع رضاه.. ومن عرف مواضع رضاه نال مبتغاه.. بل إن معرفة الله نفسها إكسير أحمر يحول الإنسان إلى جوهر نفيس من جواهر الوجود.. وهو من دونها هباء وسراب لا قيمة له.

وقد أشار إلى هاتين الناحيتين في المعرفة الإلهية الإمام جعفر الصادق عندما رأى بعض الزهد في هذا النوع من المعرفة، فقال:  ( لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله عز وجل ما مدوا أعينهم إلى ما متع الله به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها، وكانت دنياهم أقلَّ عندهم مما يطوونه بأرجلهم، ولنَعِمُوا بمعرفة الله عز وجل وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله) ([1])

ثم فصل بعض آثار ذلك بقوله: (إن معرفة الله عز وجل أنْسٌ من كل وحشة، وصاحبٌ من كل وحدة، ونورٌ من كل ظلمة، وقوةُ من كل ضعف، وشفاءٌ من كل سقم) ([2])

وأشار إلى ذلك أيضا الإمام الحسين في بعض مواعظه، فقال: (أيها الناس إن الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه)([3])

وأشار إلى ذلك قبلهما الإمام علي، حين اعتبر أول الدين وأساسه معرفة الله، فقال: (أولُ الدين معرفته، وكمالُ معرفته التصديق به، وكمالُ التصديق به توحيدُه، وكمالُ توحيده الإخلاصُ له، وكمالُ الإخلاص له نفيُ الصفات عنه، لشهادة كلِّ صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة)([4])

وهكذا وردت الروايات الكثيرة عن أولياء هذه الأمة تدعو إلى الاهتمام بالبحث الجاد عن المعرفة الإلهية من سبلها الصحيحة المعصومة، حتى لا يحيق بهذه الأمة ما حاق بغيرها من الأمم.

ذلك أن من عادة الشيطان ـ كما يخبر القرآن الكريم ـ أن يبدأ بالسعي في تشويه هذه المعرفة، فإن تمكن من ذلك لا يبالي بعدها بشيء.

وقد أخبر القرآن الكريم عن نموذج من نماذج ذلك، وهو ما حصل لبني إسرائيل بمجرد خروجهم من مصر.. فقد كان أول ما طلبوه ـ بغواية من الشيطان ووسوته ـ أن يجعل لهم موسى عليه السلام إلها كالآلهة التي تعبدها الأمم من حولهم.. لأنه عز عليهم أن يعبدوا إلها لا يتمكنون من رؤيته.

قال تعالى مشيرا إلى ذلك: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: 55]

وهكذا ذكر القرآن الكريم حرصهم على الرؤية الجهرية الحسية لله، حتى عوقبوا على ذلك([5])، ومع ذلك لم تثنهم تلك العقوبة عن البحث عن إله حسي يمكنهم أن يروه ويلمسوه.

ولذلك بمجرد أن غاب موسى عليه السلام صنعوا إلها من ذهب .. وصاروا يعبدونه غير مراعين لتلك التوجيهات التي كان هارون عليه السلام يقوم بها مع الثلة القليلة الذين معه، قال تعالى يصور ذلك بدقة: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) ﴾ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91)﴾ [طه: 85 - 91]

وما حصل في بني إسرائيل حصل مثله ـ للأسف ـ في هذه الأمة، حين ضيعت وصية نبيها في البعد عن كل ما يمكن أن يحرف هذا الدين، ويشوه جمال عقائده، وقد ورد في الحديث الصحيح ـ الذي يمثل وصية من أعظم وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ : أن عمر أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فغضب، وقال: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى - صلى الله عليه وآله وسلم - كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني)([6])

لكن الأمة للأسف، وخصوصا السلفية منهم، عرفوا كيف يحتالون على هذا الحديث، ويضعوا بدله حديثا يقول: (لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن، فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه.. وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)([7])

ومن العجائب في هذا الحديث أنه ينهى عن كتابة حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في نفس الوقت الذي يجيز الحديث عن بني إسرائيل..

وقد صار ـ للأسف ـ العمل بالحديث الأخير، بدل الحديث الأول على الرغم من غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشديد من رؤية صحيفة التوراة بيد مسلم.

ولكن مع ذلك راحت الأمة تنهل عقائدها في الله تعالى وفي الرسل عليهم الصلاة والسلام وفي عوالم الغيب من أهل الكتاب بدل أن تأخذها من مصادرها المعصومة.. خاصة وأن أولئك اليهود الذين سلم لهم أمر الدين كانوا من أقرب المقربين للملوك والأمراء.. فكثر أتباعهم لذلك.. وكثرت طرق الأحاديث التي يروونها، واختلطت مع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. وأصبحت السنة هي الوعاء الذي يحمل أمثال تلك العقائد اليهودية التي تسربت للإسلام.

ومن هنا تسلل الشيطان لهذه الأمة ليصنع لها إلها يتوافق مع الرؤية المادية الحسية..

وقد تولى من يسمون أنفسهم [السلفيين]، و[أهل الحديث]، و[أهل السنة والجماعة] الدعوة إلى هذه المعرفة الحسية التجسيمية لله، فألفوا في ذلك الكتب ووضعوا الأحاديث وحرفوا معاني القرآن الكريم لتنسجم انسجاما تاما مع تلك الرؤية المادية الحسية.

وكان أول ما فعلوه هو رميهم بالبدعة والضلالة كل تلك الدعوات الصادقة التي كان ينادي بها أولياء الله من أهل بيت النبوة، محذرين من أن تقع هذه الأمة في التجسيم الذي وقع فيه بنو إسرائيل..

وقد روي أن الإمام جعفر الصادق ذكرت له بعض الروايات التجسيمية التي كانت تنتشر في عصره انتشار النار في الهشيم، وخاصة بين المحدثين، فقال: (سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] ،لا يحد ولا يحس ولا يجس ولا تدركه الأبصار ولا الحواس ولا يحيط به شئ ولا جسم ولا صورة ولا تخطيط ولا تحديد)([8])

وقال في محل آخر: (إن الله تعالى لا يشبهه شيء، أي فحشٍ أو خنى أعظمُ من قولٍ من يصف خالق الأشياء بجسم أو صورة أو بخلقة أو بتحديد وأعضاء، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً)([9])

وقال: (من زعم أن الله في شىء، أو من شىء، أو على شىء فقد أشرك. إذ لو كان على شىء لكان محمولا، ولو كان في شىء لكان محصورا، ولو كان من شىء لكان محدثا- أي مخلوقا)([10])

ومثله قال الإمام الكاظم لما ذكر له بعض المجسمة ممن يزعمون صحبته: (قاتله الله أما علم أن الجسم محدود والكلام غير المتكلم، معاذ الله وأبرأ إلى الله من هذا القول، لا جسم ولا صورة ولا تحديد وكل شيء سواه مخلوق، إنما تكون الأشياء بإرادته ومشيئته من غير كلام ولا تردد في نفس ولا نطق بلسان)([11])

وهكذا قال الإمام الرضا: (إنه ليس منا من زعم أن الله عزوجل جسم، ونحن منه برآء في الدنيا والآخرة، يا ابن أبي دلف إن الجسم محدث، والله محدثه ومجسمه)([12])

وهكذا وردت الروايات الكثيرة عن الإمام علي في المصادر السنية والشيعية تبين حقيقة المعرفة الإلهية، وأنها معرفة تنزيهية تعظيمية، لا حسية تجسيمية، ومنها قوله المشهور: (كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان)([13])

لكن الأمة للأسف، وأهل الحديث منهم خصوصا، ولأسباب كثيرة أعرضت عن هؤلاء، وعن تلك التحذيرات الخطيرة التي لم تكن تختلف عن تلك التحذيرات التي كان يصيح بها هارون عليه السلام في بني إسرائيل.

وكان أول الانحراف هو قبولها للتفسير اليهودي للقرآن الكريم..

وكان أول سامري تقربه الأمة، وتثق فيه، وتسلمه كتابها ليفسره لها ـ بعد إعراضها عن هارونها([14]) ـ هو كعب الأحبار.. ومن هنا بدأت صناعة الوثن المقدس، والذي لا يختلف كثيرا عن الوثن الإسرائيلي.

فقد كان لكعب الأحبار .. ولتلاميذه البارزين من الصحابة والتابعين .. تأثيره العظيم في تأسيس صرح الوثنية في هذه الأمة.

ومن الأمثلة على ذلك هذه الرواية التي تطفح بالتجسيم، والتي يقول فيها كعب الأحبار ـ متحدثا عن الله بكل جرأة ـ: (قال الله عز وجل: أنا الله فوق عبادي وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على العرش أدبر أمر عبادي، لا يخفى علي شيء من أمر عبادي في سمائي وأرضي، وإن حُجبوا عني فلا يغيب عنهم علمي، وإلي مرجع كل خلقي فأنبئهم بما خفي عليهم من علمي، أغفر لمن شئت منهم بمغفرتي، وأعذب من شئت منهم بعقابي)([15])

وللأسف فإن هذه الرواية، ومع كونها حديثا عن الله تعالى، أو ما يسمى حديثا قدسيا، والأصل فيه أن لا يؤخذ إلا عن معصوم، لكن أهل الحديث غضوا الطرف عن ذلك، بل تلقوها، وكأنها قرآن منزل([16])... لأن كعب الأحبار يهودي، وما دام كذلك، فكل ما يقوله إنما ينقله من الكتب السماوية التي أوحاها الله لأنبيائه.

ولهذا نرى محدثا كبيرا يعتبر من أئمة المدرسة السلفية يتلقى هذه الرواية باحترام عظيم، ويقول ـ بنبرة تجسيمية لا تختلف عن تجسيم اليهود ـ :(وإنما يعرف فضلُ الربوبية وعِظمُ القدرة بأن الله تعالى من فوق عرشه، وبعد مسافة السموات والأرض يعلم ما في الأرض وما تحت الثرى وهو مع كل ذي نجوى، ولذلك قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ [الأنعام: 73]، ولو كان في الأرض كما ادعيتم بجنب كل ذي نجوى ما كان بعجبٍ أن ينبئهم بما عملوا يوم القيامة فلو كنا نحن بتلك المنزلة منهم لنبأنا كل عامل منهم بما عمل)([17]) 

بل إن كعب الأحبار ـ ونتيجة للاحترام الكبير الذي لقيه من التجسيميين في هذه الأمة، وبرعاية من السلطة السياسية ـ يقول ـ جوابا لمن سأله: أين ربنا؟ ـ :(سألت أين ربنا، وهو على العرش العظيم متكئ، واضع إحدى رجليه على الأخرى، ومسافة هذه الأرض التي أنت عليها خمسمائة سنة ومن الأرض إلى الأرض مسيرة خمس مئة سنة، وكثافتها خمس مئة سنة، حتى تمّ سبع أرضين، ثم من الأرض إلى السماء مسيرة خمس مئة سنة، وكثافتها خمس مئة سنة، والله على العرم متكئ، ثم تفطر السموات.. ثم قال: إقرؤوا إن شئتم: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ﴾ [الشورى: 5])([18])

والخطورة في هذه الرواية ـ والتي تلقاها التيار السلفي بالقبول والإذعان التام ـ هو تحريفها للمعاني القرآنية، وتغييرها عن سياقها ومدلولاتها المقدسة لتتحول إلى معان تجسيمية وثنية.

ومن الأمثلة على ذلك هذه الرواية التي رواها السيوطي في (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) عن كثير من المحدثين، ومما ورد فيها: فقال عمر بن الخطاب عند ذلك: ألا تسمع يا كعب ما يحدثنا به ابن أم عبد عن أدنى أهل الجنة ما له فكيف بأعلاهم؟ قال: (يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، إن الله كان فوق العرش والماء، فخلق لنفسه دارا بيده، فزينها بما شاء وجعل فيها ما شاء من الثمرات والشراب، ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه منذ خلقها جبريل ولا غيره من الملائكة ثم قرأ كعب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]([19])

وهكذا نجد المدرسة السلفية تتلقى كل ما يذكره كعب الأحبار، وكأنه قرآن منزل، وقد دافع ابن تيمية كثيرا عن أمثال هذه الروايات، بل إنه ذكر ما يدل على أن مرجع كعب فيها فيما يذكره من إسرائيليات هي التوراة الصحيحة، فقد قال في دقائق التفسير: (وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى بيد كعب الأحبار نسخة من التوراة قال يا كعب إن كنت تعلم أن هذه هي التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها، فعلق الأمر على ما يمتنع العلم به، ولم يجزم عمر رضي الله عنه بأن ألفاظ تلك مبدلة لما لم يتأمل كل ما فيها، والقرآن والسنة المتواترة يدلان على أن التوراة والإنجيل الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهما ما أنزله الله عز وجل، والجزم بتبديل ذلك في جميع النسخ التي في العالم متعذر، ولا حاجة بنا إلى ذكره، ولا علم لنا بذلك، ولا يمكن أحدا من أهل الكتاب أن يدعي أن كل نسخة في العالم بجميع الألسنة من الكتب متفقة على لفظ واحد، فإن هذا مما لا يمكن أحدا من البشر أن يعرفه باختياره)([20]) 

ولم تكتف المدرسة السلفية بإمامة كعب الأحبار، بل بحثت عن أي يهودي ليعرفها بربها، وكأن القرآن الكريم لم يف لهم بالغرض، فراحوا يبحثون في الأمم الأخرى من يفسره.

ومن هؤلاء الذين نجد رواياتهم الكثيرة في كتب عقائد السنة وهب بن منبه .. ومن رواياته قوله: (إن السموات السبع والبحار لفي الهيكل([21]) وإن الهيكل لفي الكرسي، وإن قدميه لعلى الكرسي وهو يحمل الكرسي وقد عاد الكرسي كالنعل في قدميه) ([22])

وقد علقه عليه الذهبي بقوله: (كان وهب من أوعية العلوم، لكن جُلَّ علمه عن أخبار الأمم السالفة، كان عنده كتب كثيرة إسرائيليات، كان ينقل منها لعله أوسع دائرة من كعب الأخبار، وهذا الذي وصفه من الهيكل وأن الأرضين السبع يتخللها البحر وغير ذلك فيه نظر والله أعلم، فلا نرده ولا نتخذه دليلاً)([23])

والعجب من هذه المقولة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.. فهم يروون هذه الرواية وغيرها في كتب التفسير والحديث والعقيدة.. ويستخلصون ما فيها من فوائد عقدية.. ثم بعد ذلك ـ ومن باب التقية ـ يقولون: (لا نرده ولا نتخذه دليلاً)

وهكذا نجد إماما من أئمة اليهود مثل محمد بن كعب القرظي يعقد المجالس ليفسر القرآن على الطريقة اليهودية، كقوله:(كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك)([24]).

ومثله عبد الله بن سلام الذي رووا عنه قوله: (والذي نفسي بيده إن أقرب الناس يوم القيامة محمد صلى الله عليه وآله وسلم جالس عن يمينه على كرسي)([25])  

وهذه النصوص وغيرها كثير تدل على تفريط الأمة في تلك الوصايا الكثيرة التي حذر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أن ترغب الأمة عن كتاب الله إلى غيره من الكتب.

ومن هذه البوابة دخلت المعرفة التجسيمية اليهودية كتب المسلمين.. بل ألفت فيها المؤلفات الكثيرة بأسماء خطيرة.. كعقيدة السلف، وعقيدة أهل الأثر، وعقيدة أهل السنة والجماعة، مثل: (عقيدة أهل السنة أصحاب الحديث) للإمام إسماعيل الصابوني، و(شرح أصول اعتقاد أهل السنة) للالكائي ..

أو باسم التوحيد، مثل (كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب) للإمام ابن خزيمة، و(اعتقاد التوحيد) لأبي عبد الله محمد بن خفيف، و(كتاب التوحيد) لابن منده.

أو باسم السنة، وهذه ظاهرة خطيرة شملت كثيرا من المؤلفات في القرون الأولى، ككتاب (السنة) للإمام أحمد بن حنبل، وكذلك السنة لابنه عبد الله، و(السنة) للخلال، و(السنة) للعسال، (السنة) للأثرم، و(السنة) لـأبي داود.. وخطورة هذه التسمية هي ما توحيه بأن العقائد التجسيمية الواردة فيها عقائد سنية، أي ليست عقائد مبتدعة.. وهكذا تحول التنزيه بفعل تلك الكتب بدعة.. وتحول التجسيم سنة.

ولهذا نجد ابن تيمية - مع تحذيراته الكثيرة من كتب المنزهة في العقائد ككتب الأشاعرة والمعتزلة والإباضية والإمامية وتشنيعه عليها – يدعو إلى مطالعة الكتب المشحونة بالتجسيم والتشبيه، ويعتبرها وحدها كتب التوحيد والسنة.. وقد قال في (مجموع الفتاوى) عند حديثه عن مذهب السلف في الأسماء والصفات: (وكلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة لا يمكن أن نذكر هاهنا إلا قليلاً منه مثل كتاب (السنن) للالكائي، و(الإبانة) لابن بطة، و(السنة) لأبي ذر الهروي، و(الأصول) لأبي عمرو الطلمنكي، وكلام أبي عمر بن عبدالبر، و(الأسماء والصفات) للبيهقي، وقبل ذلك (السنة) للطبراني، ولأبي الشيخ الأصبهاني ولأبي عبدالله بن منده ولأبي أحمد العسّال الأصبهانيين، وقبل ذلك (السنة) للخلاّل، و(التوحيد) لابن خزيمة، وكلام أبي العباس بن سريج، و(الرد على الجهمية) لجماعة مثل: البخاري، وشيخه عبدالله بن محمد بن عبدالله الجعفي، وقبل ذلك (السنة) لعبدالله بن أحمد، و(السنة) لأبي بكر بن الأثرم، و(السنة) لحنبل، وللمروزي ولأبي داود السجستاني، ولابن أبي شيبة، و(السنة) لأبي بكر بن أبي عاصم، وكتاب (خلق أفعال العباد) للبخاري، وكتاب (الرد على الجهمية) لعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم)([26])

وما ذكرناه هنا عن التشابه بين العقائد السلفية والعقائد اليهودية ليس تهمة نتهمهم بها، بل هي الحقيقة التي تدل عليها المقارنات التي سنذكرها بتفصيل في هذا الكتاب.

بل تدل عليها تصريحات أئمتهم الذين لم يكتفوا بالنصيحة بالعودة إلى كتب السنة والسلف لينهل منها أتباعهم كل صنوف التجسيم والتشبيه، بل راحوا يرشدهم إلى كتب اليهود، ليتعرفوا أكثر على صورة إلههم، وأنواع تصرفاته.

وكمثال على ذلك ما ذكره ابن تيمية من أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقر اليهود على ما وصفوا به ربهم في كتبهم، فقال: (ومما يوضح الأمر في ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ظهر وانتشر ما أخبر به من تبديل أهل الكتاب وتحريفهم وما أظهر من عيوبهم وذنوبهم وتنزيهه لله عما وصفوه به من النقائص والعيوب كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181] وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ [المائدة: 64]، فلو كان ما في التوراة من الصفات التي تقول النفاة إنها تشبيه وتجسيم - فإن فيها من ذلك ما تنكره النفاة وتسميه تشبيهاً وتجسيماً بل فيها إثبات الجهة وتكلم الله بالصوت وخلق آدم على صورته وأمثال هذه الأمور-   فإن كان هذا مما كذبته اليهود وبدلته كان إنكار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذلك وبيان ذلك أولى من ذكر ما هو دون ذلك، فكيف والمنصوص عنه موافق للمنصوص في التوراة، فإنك تجد عامة ما جاء به الكتاب والأحاديث في الصفات موافقاً مطابقاً لما ذكر في التوراة.. والنصارى يشبهون المخلوق بالخالق في صفات الكمال واليهود تشبه الخالق بالمخلوق في صفات النقص ولهذا أنكر القرآن على كل من الطائفتين ما وقعت فيه من ذلك. فلو كان ما في التوراة من هذا الباب لكان إنكار ذلك للهدى من أعظم الأسباب، وكان فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابةِ والتابعين لذلك من أعظم الصواب، ولكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينكر ذلك من جنس إنكار النفاة، فيقول إثبات هذه الصفات يقتضي التجسيم والتجسيد والتشبيه والتكييف والله منزه عن ذلك. فإن عامة النفاة إنما يردون هذه الصفات بأنها تستلزم التجسيم - ومن المسلمين وأهل الكتاب من يقول بالتجسيد - فلو كان هذا تجسيماً وتجسيداً يجب إنكاره لكان الرسول إلى إنكار ذلك أسبق وهو به أحق. وإن كان الطريق إلى نفي العيوب والنقائص ومماثلة الخالق لخلقه هو ما في ذلك من التجسيد والتجسيم كان إنكار ذلك بهذا الطريق المستقيم كما فعله من أنكر ذلك بهذا الطريق هو الصراط المستقيم)([27])

ومن هنا نجد ذلك التشابه العجيب بين العقائد السلفية والعقائد اليهودية.. فكما أن اليهود يعتقدون أن لله صورة حسية جسمية، كما ورد في سفر التكوين (الاصحاح الأول: 26-28): (وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا على شبهنا... فخلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه ذكرًا وأنثى خلقهم)، وفي سفر (التثنية الاصحاح 4: 15-16): (فإنكم إن لم تروا صورة ما في يوم كلَّمكم الرب في حوريب من وسط النار لئلا تفسدوا وتعملوا لأنفسكم تمثالا منحوتاً صورة مثال ما شبه ذكر أو أنثى) نجد السلفية وأهل الحديث يذكرون ذلك، وبألفاظ قريبة من النص الموجود في التوراة.

ففي كتاب (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن) للتويجري، يقول: (قال ابن قتيبة: فرأيت في التوراة: إن الله لما خلق السماء والأرض قال: نخلق بشرًا بصورتنا .. وفي حديث ابن عباس: إن موسى لما ضرب الحجر لبني إسرائيل فتفجَّر وقال: اشربوا يا حمير فأوحى الله إليه: عمدت إلى خلق ٍ من خلقي خلقتهم على صورتي فتشبههم بالحمير، فما برح حتى عوتب)([28])

بل إنهم لم يأخذوا الصورة بشكلها العام فقط، بل ربطوا معها كل التفاصيل كما هي موجودة في كتب اليهود.

فكما أن اليهود يعتبرون الوجه عضوا لله تعالى كما هو وجه ابن آدم، كما جاء في سفر التكوين (الإصحاح32: 30): (فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل قائلاً لأني نظرت الله وجهًا لوجه)، نجد السلفية يقولون ـ بلسان الدارمي ـ: (كل شئ هالك إلا وجه نفسه الذي هو أحسن الوجوه وأجمل وأنور الوجوه وإن الوجه منه غير اليدين، واليدين منه غير الوجه)([29])،ويقول: (فصعد - أي جبريل - بهن - أي بكلمات الذكر - حتى يُحَيِّ بهن وجه الرحمن) ([30])، ويقول: (والنور لا يخلو من أن يكون له إضاءة واستناره ومنظر ورواء، وإنه يدرك يومئذ بحاسة النظر إذا كشف عنه الحجاب كما يدرك الشمس والقمر في الدنيا) ([31])

ويقولون ـ بلسان عبد الرحمن بن حسين بن محمد بن عبد الوهاب ـ: (روى ابن جرير عن وهب بن منبه: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه ثم يقولون فأذن لنا بالسجود قدامك)([32])

وكما أن اليهود تنسب الفم واللسان الى الله، كما في سفر أيوب (37/2-6): (اسمعوا سماعًا رعد صوته والرمذمة الخارجة من فيه تحت كل السموات)، وهم يريدون ب (من فيه): (من فمه)،نجد السلفية يقولون ـ بلسان ابن تيمية في معرض الرد على الجهمية ـ: (وحديث الزهري قال: لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان)([33])

ويقولون ـ بلسان الدارمي ـ: (قال كعب الأحبار: لما كلم الله موسى بالألسنة كلها قبل لسانه طفق موسى يقول: أي رب ما أفقه هذا حتى كلّمه آخر الألسنة بلسانه بمثل صوته يعني بمثل لسان موسى وبمثل صوت موسى)، ثم علق على هذا بقوله: (فهذه الأحاديث قد رويت وأكثر منها ما يشبهها كلها موافقة لكتاب الله في الإيمان بكلام الله)([34])

وكما أن اليهود ينسبون التغير والحدوث والحركة والارتفاع والنزول الحسي الى الله تعالى، كما في سفر التكوين (11/5): (فنـزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنوهما)، وفي نفس السفر (46/3-4): (فقال أنا الله إله أبيك... أنا أنزل معك إلى مصر)، وفي سفر الخروج (19/21): (لأنه في اليوم الثالث ينـزل الرب أمام عيون جميع الشعب على جبل سيناء) نجد السلفية ـ بلسان ابن تيمية ـ يقولون: (فثبت بالسنة والإجماع أن الله يوصف بالسكوت، لكن السكوت تارة يكون عن التكلم وتارة عن إظهار الكلام وإعلامه)([35])

ويقولون ـ بلسان حافظ حكمي ـ: (إن الله ينـزل إلى السماء الدنيا وله في كل سماء كرسي، فإذا نـزل إلى السماء الدنيا جلس على كرسيه ثم مد ساعديه، فإذا كان عند الصبح ارتفع فجلس على كرسيه)، ثم يقول: (يعلو ربنا إلى السماء إلى كرسيه)، وفي الصفحة التالية يقول: (قال النبي: إن الله يفتح أبواب السماء ثم يهبط إلى السماء الدنيا ثم يبسط يده)([36])

وكما أن اليهود تنسب اليد والساعد والذراع والكف والاصابع جوارح حقيقية الى الله، كما في سفر الخروج (15/16): (بعظمة ذراعك يصمتون كالحجر)، وفي سفر المزامير (44/2-3):(أنت بيدك استأصلت الأمم وغرستهم لكن يمينك وذراعك)، نجد السلفية ـ بلسان الدارمي ـ يقولون:(فأكد الله لآدم الفضيلة التي كرّمه وشرّفه بها وآثره على جميع عباده إذ كل عباده خلقهم بغير مسيس بيد وخلق آدم بمسيس)([37])

وكما أن اليهود تنسب الرجل الجارحة والعين على معنى الجارحة الى الله تعالى، كما في سفر الخروج (13/20): (وكان الرب يسير أمامهم)، وفي سفر المزامير (53/2): (الله من السماء أشرف على بني البشر لينظر)، وفي سفر التكوين (3/8-10):(وسمعا صوت الإله ماشيا في الجنة)، نجد السلفية ـ بلسان أبي يعلى ـ يقولون: (والسموات والأرض يوم القيامة في كفه ويضع قدمه في النار فـتـنـزوي ويخرج قومًا من النار بيده)([38])،ويقول ابن عثيمين:(ونؤمن بأن لله عينين اثنتين حقيقيتين)([39]) 

وكما أن اليهود تنسب الجهة والحيز والمكان والحد الى الله، كما في سفر المزامير (2/4):(الساكن في السموات يضحك الرب)، وفي سفر التكوين (28/16):(حقّاً إن الرب في هذا المكان وأنا لم أعلم)، وفي نفس السفر (18/1): (وظهر له الرب عند بلوطات)، وفي سفر زكريا (2/13):(اسكتوا يا كل البشر قدام الرب لأنه قد استيقظ من مسكن قدسه) نجد السلفية ـ بلسان الدارمي ـ يقولون:(بل هو على عرشه فوق جميع الخلائق في أعلى مكان وأطهر مكان)([40])

وهكذا لو تأملنا كل العقائد التي يسمونها عقائد السلف، أو عقائد أهل الحديث لوجدنا بسهولة مصدرها اليهودي.

وبما أن كتابنا هذا يحاول أن يرسم صورة للوثنية المقدسة كما يعتقدها [السلفيون وأهل الحديث]، وخوفا من اتهامنا بأننا نقولهم ما لم يقولوا، أو ندعي عليهم شيئا لا يعتقدونه، فإنا سنورد هنا مصادرنا الكبرى التي اعتمدنا عليها في فصول هذا الكتاب، وكلها مما أثنى عليه شيخهم الكبير، وعمدتهم العظيم، ومرجعهم المقدس (ابن تيمية)

ومن هذه الكتب كتابُ (السنة) المنسوب لعبد الله بن أحمد، والذي قال محققه مشيرا إلى مدى وثاقته عند المدرسة السلفية:(إن هذا الكتاب من أوائل المصادر التي كتبت في عقيدة السلف، فإخراجه للناس في هذا العصر من الأهمية بمكان) ([41]) 

وقال:(هذا الكتاب من أمهات مصادر العقيدة في كتب السلف …لذا فهو من المصادر الأولى إذ لم يتقدمه إلا بعض الكتب الصغيرة..فهو من هذا الجانب ذو مكانة كبيرة حيث اعتمدت عليه كثير من الكتب التي صنفت في عقيدة السلف …فهو بحق مصدر رائد برزت قيمته في من نقل عنه وعزا إليه …فهذا الكتاب صنو لهذه المصنفات التي هي اليوم تحتل مكان الصدارة بعد كتاب الله في المكتبة الإسلامية)([42])

ولهذا الكتاب أهمية كبرى عند ابن تيمية وتلاميذه حتى أنهم بذلوا كل جهودهم في نسبة الكتاب إلى مؤلفه، وفي الرد على من ينزه الإمام أحمد وولده عن أن يخوض في مثل هذه المسائل.

ومنها (كتاب السنة) لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي الخلال، والذي قرر فيه قعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش. وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك .. وفيه أن الله عز وجل ينادي: يا داود اُدن مني فلا يزال يدنيه حتى يمس بعضه ويقول: كن أمامي فيقول رب ذنبي ذنبي، فيقول الله له كن خلفي خذ بقدمي.

ومنها (كتاب التوحيد) لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابورى.. والذي روى فيه الروايات الكثيرة المثبتة بأن لله أصابع، وأن له قدما، وأن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته فينتفض تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك.

ومنها (كتاب العرش وماروي فيه) لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة .. وقد ذكر في هذا الكتاب أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام، وأن السماء منفطرة من ثقل الله، وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه في روضة خضراء وغير ذلك.

وهو من الكتب التي حظيت بعناية كبيرة من المدرسة السلفية قديمها وحديثها، وقد قال محققه المعاصر في مقدمته تعظيما لشأنه: (ولقد صنف كثير من السلف وبخاصة في القرنين الثالث والرابع الهجريين مؤلفات ورسائل كثيرة في مسائل أسماء الله وصفاته، فبينوا فيها ما يجب على المسلم تجاه هذا الأمر العظيم، وقد اعتمدوا في تصانيفهم تلك على نصوص القرآن والسنة، وقد كان من ضمن تلك المؤلفات كتاب (العرش) للحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وقد عالج المصنف- رحمه الله- في هذا الكتاب مسألة تعد من أهم مسائل الأسماء والصفات، بل ومن أهم مسائل العقيدة وأخطرها، ألا وهي: مسألة علو الله عز وجل على خلقه، واستوائه على عرشه)([43])

ومنها كتاب (الأربعين في دلائل التوحيد) لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي.. وفيه من أمثلة التجسيم أن محمداًصلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة.. وفيه باب ذكر فيه أن الله عز وجل وضع قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة..

ومنها كتاب (الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية) لأبي عبد الله بن بطة العكبري، وهو من أهم مراجع التجسيم لدى المدرسة السلفية، وقد قال محققه عنه: (كتاب الإبانة لابن بطة يعد أكبر موسوعة في العقيدة السلفية.. هذا الكتاب يمثل مذهب الإمام أحمد بن حنبل..)([44])

ومنها كتابا (الرد على الجهمية) وكتاب (نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد).. وقد قال ابن القيم يخبر عن اهتمام ابن تيمية بهما: (وكتاباه من أجل الكتب المصنفة في السنة وأنفعها، وينبغي لكل طالب سنة مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة أن يقرأ كتابيه. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يوصي بهذين الكتابين أشد الوصية ويعظمهما جداً. وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما)([45])  

ويعتبر هذان الكتابان من أهم كتب التجسيم.. فقد أورد فيهما الكثير من الروايات التجسيمية التي سنتحدث عنها في فصول الكتاب مثل كون العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن، وأنها مسكنه الذي يسكن فيه مع النبيين والصديقين والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه، ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، وفيهما إثباتَ الحركة لله عز وجل، وإثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها ..

ومنها كتاب (إبطال التأويلات) الذي ألفه أبو يعلى الفراء في أوائل القرن الخامس الهجري، لكن الكتاب بحكم ما فيه من تجسيمات وتشبيهات بقي مغمورا إلى أن ذاع خبره سنة ( 429هـ ) حينها ضج العلماء لظهور هذا الكتاب ولافتتان بعض العوام بما فيه .. وقد حصلت بسبب ذلك فتنة اقتضت تدخل الخليفة القائم بأمر الله العباسي لتسكينها بمساعدة أبي الحسن القزويني الزاهد الشافعي المقبول من جميع الطوائف، وقد أخرج القائم بأمر الله عقيدة والده الخليفة القادر بالله، ووَقَّعَ عليها العلماء وسكنت الفتنة ([46]) .

لكن مع ذلك نجد ابن تيمية يرجع إليه، ويدافع عن صاحبه([47])، بل نجد اهتمام المدرسة السلفية المعاصرة بتحقيقة وإخراجه وطبعه في أحسن حلة ونشرة على النت للتحميل مجانا وبكل الصيغ.

وقد قال محقق الكتاب في خطبته مشيدا به: (وبعد، فإن كتاب ( إبطال التأويلات لأخبار الصفات ) للقاضي أبي يعلى الفراء كان يعد إلى زمن قريب من الكتب المفقودة، وهو كتاب فريد في بابه، إذ تضمن الرد على تأويلات الأشاعرة والمعتزلة والجهمية لأخبار الصفات الإلهية، الواردة على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأعلم الخلق به، وبيان مذهب السلف فيها وهو إثباتها والإيمان بها، ونفي التكييف عنها والتمثيل لها، فهذا هو التوحيد الذي بينه الله تعالى..)([48])

ومن أمثلة ما ورد فيه([49]): (شاب، أمرد، أجعد، في حلة حمراء، عليه تاج، ونعلان من ذهب، وعلى وجهه فَرَاش من ذهب)

وقد شحنه بالروايات السلفية الكثيرة، وينص على أن من لم  يؤمن بهذه الصفات العظيمة فهو ( زنديق)، ( معتزلي)، ( جهمي)، ( لا تقبل شهادته)، ( لا يسلم عليه)، ( لا يعاد)، ثم يقول:( وليس في قوله: شاب وأمرد وجعد وقطط وموفور إثبات تشبيه، لأننا نثبت ذلك تسمية كما جاء الخبر لا نعقل معناها، كما أثبتنا ذاتا ونفسا، ولأنه ليس في إثبات الفَرَاش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم، وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع وصفه بالجلوس على العرش..)([50])

وهو ينطلق من قوله r:( إن الله خلق آدم على صورته)، يصف الله تعالى كما يصف أي بشر من البشر.

ويرجع إلى أهل الكتاب في ذلك، فينقل عن كعب الأحبار أنه قال:( إن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إني واط على بعضك، فانتسفت إليه الجبال فتضعضعت الصخرة فشكر الله لها ذلك فوضع عليها قدمه)([51])، ثم يعتبر هذا لإفك حقيقة عقدية، يدلل لها بالرواية الواهية التالية:( آخر وطأة وطئها رب العالمين بوَجّ)، ثم   يذكر قول كعب الأحبار:( وَجّ مقدس، منه عَرَجَ الرب إلى السماء يوم قضى خلق الأرض)

ويعلق على هذه الترهات بقوله:( اعلم أنه غير ممتنع على أصولنا حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن ذلك على معنى يليق بالذات دون الفعل)

وينقل عنه هذه أنه قال لمن سأله أين ربنا:( هو على العرش العظيم متكئ واضع إحدى رجليه على الأخرى)، ثم يعلق عليها بقوله:( اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء: منها جواز إطلاق الاستلقاء عليه، لا على وجه الاستراحة بل على صفة لا نعقل معناها، وأن له رجلين كما له يدان، وأنه   يضع إحداهما على الأخرى على صفة لا نعقلها)، ويدلل على هذا بهذه الرواية الموضوعة:( إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: إنها لا تصلح لبشر)

بالإضافة إلى هذه المصادر الكبرى رجعنا لكتب ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من العلماء الذين يعتبرون من كبار المنظرين للمدرسة السلفية.

وبالإضافة إليهم رجعنا للمدرسة السلفية الحديثة والتي أحيت كل التراث السلفي القديم حتى ما كان مستهجنا منه مثل [إبطال التأويلات]

ونحب أن نبين هنا أننا لم نكتب هذا الكتاب لمجرد التحذير من أمثال هذه العقائد الخطيرة فقط، ولكن مرادنا أيضا هو التحذير من أصحابها الذين لم يكتفوا بان يحملوا في عقولهم تلك الصورة المشوهة عن الله، بل راحوا يزعمون أنهم أصحاب الحقيقة المطلقة، وأن من عداهم مبتدعة وضالين وكفار.

ولم يكتفوا بذلك، بل راحوا يبيحون دماءهم، ويستحلون أعراضهم.. ولذلك كانت هذه المدرسة هي منبع كل إرهاب وعنف وتشويه للإسلام.

ولهذا نجد كتبهم العقدية مشحونة بالعنف والإرهاب..

ومن أمثلة ذلك ما فعله الدارمي حين عقد باباً في تكفير الجهمية، وباباً في قتلهم واستتابتهم من الكفر.. والجهمية مصطلح تشنيع لا يراد به الفرقة التي تنتسب إلى الجهم بن صفوان فقط لأن الجهم مات، وماتت معه أفكاره .. وإنا يقصد بها السلفيون من خالفهم في صفات الله عز وجل، فيدخل في هذا الوصف المعتزلة والأشاعرة والماتريدية والإمامية والزيدية والإباضية وغيرهم من فرق المسلمين.

يقول الدارمي ـ يحرض على قت المنزهة بكل صنوف القتل ـ: (ولو لم يكن عندنا حجة في قتلهم وإكفارهم إلا قول حماد بن زيد، وسلام بن أبي مطيع، وابن المبارك، ووكيع، ويزيد بن هارون، وأبي توبة، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، ونظرائهم، رحمة الله عليهم أجمعين، لجبنا عن قتلهم وإكفارهم بقول هؤلاء، حتى نستبرئ ذلك عمن هو أعلم منه وأقدم، ولكنا نكفرهم بما تأولنا فيهم من كتاب الله عز وجل، وروينا فيهم من السنة، وبما حكينا عنهم من الكفر الواضح المشهور، الذي يعقله أكثر العوام، وبما ضاهوا مشركي الأمم قبلهم بقولهم في القرآن، فضلا على ما ردوا على الله ورسوله من تعطيل صفاته، وإنكار وحدانيته، ومعرفة مكانه، واستوائه على عرشه بتأويل ضلال، به هتك الله سترهم، وأبد سوءتهم، وعبر عن ضمائرهم، كلما أرادوا به احتجاجا ازدادت مذاهبهم اعوجاجا، وازداد أهل السنة بمخالفتهم ابتهاجا، ولما يخفون من خفايا زندقتهم استخراجا)([52])

ونفس الشيء نجده في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد، ومن أمثلة ذلك أنه اشتمل على مجموعة كبيرة من الاتهامات والشتائم التي وجهها السلف لأبي حنيفة من أمثال: (كافر، زنديق، مات جهمياً، ينقض الإسلام عروة عروة، ما ولد في الإسلام أشأم ولا أضر على الأمة منه، وأنه أبو الخطايا، وأنه يكيد الدين، وأن الخمارين خير من أتباع أبي حنيفة، وأن الحنفية أشد على المسلمين من اللصوص، وأن أصحاب أبي حنيفة مثل الذين يكشفون عوراتهم في المساجد،  وأن أباحنيفة سيكبه الله في النار، وأنه أبو جيفة، وأن المسلم يؤجر على بغض أبي حنيفة وأصحابه، وأنه لا يسكن البلد الذي يذكر فيه أبو حنيفة، وأن استقضاء الحنفية على بلد أشد على الأمة من ظهور الدجال، وأنه من المرجئة)([53])

ومن أمثلة ذلك ما ورد في (كتاب السنة) لأبي بكر الخلال، الذي قال في آخر كتابه بعد إطنابه في التكفير والتبديع للمخالفين: (وبعد هذا أسعدكم الله فلو ذهبنا نكتب حكايات الشيوخ والأسانيد والروايات لطال الكتاب غير أنا نؤمل من الله عز وجل أن يكون في بعض ما كتبنا بلغةٌ لمن أراد الله به فثقوا بالله وبالنصر من عنده على مخالفيكم فإنكم بعين الله بقربه وتحت كنفه)([54])

أما المعاصرون .. فحدث عن تكفيرهم وتبديعهم وتضليلهم لمخالفيهم ولا حرج.

بناء على هذا كله فإننا في هذا الكتاب سنحاول أن نثبت ـ من خلال المصادر السلفية المعتمدة ـ مدى الوثنية التي تسربت لهذه العقائد، ونقارنها بما ورد في القرآن الكريم، وما دل عليه العقل من تنزيه الله تعالى.

والحمد لله فإن كل مذاهب الأمة وطوائفها ـ من أشاعرة وماتريدية ومعتزلة وإمامية وإباضية وزيدية وصوفية ـ على القول بتنزيه الله، والجهة الوحيدة التي رضيت لنفسها أن تنغمس في أوحال الوثنية هي السلفية.. فهي وحدها من يقول بالتجسيم والجهة والمكان والحدود والمقادير والأعضاء والصورة .. وكل ما سنراه في هذا الكتاب.. وهي وحدها كذلك التي تكفر الأمة جميعا بسبب ذلك..

وقد تمنيت لو أن العلماء الذين اهتموا بذكر طوائف الأمة وفرقها قسموا الأمة إلى هذين القسمين الكبيرين: المنزهة، والمجسمة.. لا التقسيم الذي اختاروه، والذي كانت له آثاره السلبية.

ذلك أن التقسيم عادة ينطلق من أهم القضايا، وهل هناك قضية أكبر من القضايا المرتبطة بمعرفة الله.. ولهذا نجد التقسيم في المسيحية مؤسسا على الموقف من طبيعة المسيح، لا الموقف من أصحاب المسيح.

التعقل .. والتصور

من أهم الإشكالات التي حالت بين العقل والتحقق بالمعرفة الإلهية ـ كما ينص القرآن الكريم، وكما يدل عليه الواقع ـ هو إدخال الخيال والوهم والتصور في هذا النوع من المعرفة المقدسة.

كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في مواضع كثيرة كذكره لمطالبة بني إسرائيل موسى عليه السلام بالرؤية الحسية لله حتى عوقبوا على ذلك، وكقول فرعون: ﴿ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: 38]، وغيرها من النصوص.

والواقع الإلحادي يدل على ذلك أيضا، فهو يريد أن يقيس الله بمثل المقاييس التي يستعملها في دراسة الظواهر الكونية المختلفة.. وعندما لا تخضع معرفة الله لمقاييسه يذهب للإلحاد.

ولهذا فإن القرآن الكريم ينطلق في التعريف بالله من وضع القواعد التي تؤسس العقيدة على الأسس الصحيحة المنبنية على المعرفة التنزيهية لله، كما قال تعالى - على لسان الملائكة عليهم السلام-: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30]

وقد أشار الغزالي إلى ذلك عندما قال في جواهر القرآن عند بيانه لعزة ما ورد في القرآن الكريم من الحديث عن الذات الإلهية في نفس الوقت الذي أفاض فيه في ذكر أسماء الله وآثارها في الوجود:  ( كما أن أنفس اليواقيت أجل وأعز وجودا، ولا تظفر منه الملوك لعزته إلا باليسير، وقد تظفر مما دونه بالكثير، فكذلك معرفة الذات أضيقها مجالا وأعسرها منالا وأعصاها على الفكر، وأبعدها عن قبول الذكر؛ ولذلك لا يشتمل القرآن منها إلا على تلويحات وإشارات، ويرجع ذكرها إلى ذكر التقديس المطلق كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: 11] وسورة الإخلاص، وإلى التعظيم المطلق كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأنعام: 100] وأما الصفات: فالمجال فيها أفسح، ونطاق النطق فيها أوسع، ولذلك كثرت الآيات المشتملة على ذكر العلم والقدرة والحياة، والكلام والحكمة، والسمع والبصر وغيرها.. وأما الأفعال: فبحر متسعة أكنافه، ولا تنال بالاستقصاء أطرافه، بل ليس في الوجود إلا الله وأفعاله، وكل ما سواه فعله، لكن القرآن يشتمل على الجلي منها الواقع في عالم الشهادة، كذكر السماوات والكواكب، والأرض والجبال، والشجر والحيوان، والبحار والنبات، وإنزال الماء الفرات، وسائر أسباب النبات والحياة، وهي التي ظهرت للحس. وأشرف أفعاله وأعجبها وأدلها على جلالة صانعها)([55])

هذه هي المعرفة القرآنية التي دلت عليها الآيات الكثيرة.. والتي لا يرى العقل فيها أي تناقض مع ما تقتضيه الفطرة السليمة..

لكن المعرفة السلفية لله تتناقض مع هذه المعرفة تماما، حيث أنها تستند في التعرف على الله على التصور بدل التعقل، ولذلك تتصور أن معرفة الله لا يمكن أن تتم بمعزل عن تجسيمه وتحديده وتقييده وتكييفه.. ولهذا فإن أكبر مجال عندها في المعرفة الإلهية ـ خلاف ما ورد في القرآن الكريم ـ مجال الذات.. فهي تقبل فيه كل شيء حتى الروايات الإسرائيلية.

وقد قال الشيخ ابن العثيمين، وهو من علمائهم المعاصرين الكبار - مبينا استحالة معرفة الله من دون كيفية -: (السلف لا ينفون الكيف مطلقاً، لأن نفي الكيف مطلقاً نفي للوجود، وما من موجود إلا وله كيفية لكنها قد تكون معلومة وقد تكون مجهولة، وكيفية ذات الله تعالى وصفاته مجهولة لنا.. وعلى هذا فنثبت له كيفية لا نعلمها.. ونفي الكيفية عن الاستواء مطلقاً هو تعطيل محض لهذه الصفة لأنا إذا أثبتنا الاستواء حقيقة لزم أن يكون له كيفية وهكذا في بقية الصفات)([56])

وما ذكره الشيخ من أن الكيفية غير معلومة لنا نوع من الاحتيال لأن كتب السنة والعقائد الكثيرة صورت ذلك تصويرا لا يحتاج الخيال إلى غيره ليرسم صورة الاستواء أو غيره مما يعتبرونه من صفات الله تعالى.

ومثل الشيخ ابن عثيمين أبو عمر ابن عبدالبر الذي اعتبر الأمة كلها – ما عدا أهل الحديث – نافين للمعبود، فقال: (وأمَّا أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلُّها والخوارج، فكلُّهم يُنكرها، ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة، ويزعمون أنَّ من أقرَّ بها مشبِّه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود)([57])

وقد علق عليه الذهبي بقوله: (صدق والله! فإنَّ من تأوَّل سائر الصفات وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أدَّاه ذلك السَّلب إلى تعطيل الربِّ، وأن يشابه المعدوم، كما نُقل عن حماد بن زيد أنَّه قال: مَثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة، قيل: لها سَعَف؟ قالوا: لا، قيل: فلها كَرَب؟ قالوا: لا، قيل: لها رُطَب وقِنو؟ قالوا: لا، قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا، قيل: فما في داركم نخلة!)([58])

وهكذا أصبح الله ـ بعظمته وقدسيته وجلاله ـ عند السلفيين مثل النخلة لا يمكن معرفتها إلا بعد معرفة سعفها وكربها ورطبها.. ولهذا فإن أعرف العارفين عندهم من جمع أكبر قدر من روايات التجسيم والتشبيه ليرسم صورة أكثر دقة عن ربه سبحانه وتعالى.

ولهذا فإن ما ينتصر به المعاصرون منهم لأنفسهم من نفي تهمة التجسيم عنهم نوع من الاحتيال والمصادرة على المطلوب، ذلك أنهم – من خلال النصوص التي يوردونها عن سلفهم ـ لا ينفون حقيقة التجسيم ومعناه، وإنما ينفون فقط إطلاق اسم الجسم على الله، أو اعتبار الجسم صفة من صفات الله، لكون التسمية والوصف توقيفية .. أما حقيقة التجسيم التي تعني الحيز والحدود والمكان والجهة والتركيب والوزن والحجم وغير ذلك.. فهم لا ينكرون اتصاف الله بذلك.

وكمثال على ذلك ما أورد ابن تيمية في كتبه العقدية المختلفة من النصوص الدالة على عدم الحرج في وصف الله بكونه جسما من الأجسام، بناء على المعنى، لا على اللفظ..

فعندما راح يبين سبب عدم إطلاق السلف لفظ الجسم لا نفياً ولا إثباتاً لله تعالى لم يذكر أن ذلك لتناقضه مع العقل أو مع القرآن، وإنما ذكر لذلك وجهين: (أحدهما: أنه ليس مأثوراً لا في كتاب ولا سنة، ولا أثر عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا غيرهم من أئمة المسلمين، فصار من البدع المذمومة.. الثاني: أن معناه يدخل فيه حق وباطل، فالذين أثبتوه أدخلوا فيه من النقص والتمثيل ما هو باطل، والذين نفوه أدخلوا فيه من التعطيل والتحريف ما هو باطل)([59])

ومراد ابن تيمية من التعطيل والتحريف –  في هذا النص – هو تنزيه الله عن لوازم الجسمية كالحيز والحدود ونحوها.. أو كما أشار إلى ذلك في قوله في كتابه (منهاج السنّة): (وقد يراد بالجسم ما يشار إليه، أو ما يرى، أو ما تقوم به الصفات، والله تعالى يُرى في الآخرة وتقوم به الصفات ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم.. فإن أراد بقوله: (ليس بجسم) هذا المعنى قيل له: هذا المعنى ـ الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ ـ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول وأنت لم تقم دليلاً على نفيه.. وأمّا اللفظ فبدعة نفياً وإثباتاً، فليس في الكتاب ولا السنّة، ولا قول أحد من سلف الأُمّة وأئمتها إطلاق لفظ (الجسم) في صفات الله تعالى، لا نفياً ولا إثباتاً)([60])

فقد عرّف الله في هذا النص بأنه يُشار إليه.. وأنّه يُرى كما ترى الأجسام.. وأنّه تقوم به الصفات فيكون مركّباً.. وأنّ له مكاناً وجهة، بدليل رفع الناس أيديهم عند الدعاء إلى الأعلى.. فالإله بهذا المعنى عنده ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول..

بل إن ابن تيمية يحاول بكل ما أوتي من قوة المنطق أن يبرهن على ضرورة أن يكون الله جسما حتى يكون موجودا.. فالوجود عنده يقتضي الجسمية، يقول في ذلك:( فالمثبتة يعلمون بصريح العقل امتناع أن يكون موجوداً معيناً مخصوصاً قائماً بنفسه ويكون مع ذلك لا داخل العالم ولا خارجه، وأنه في اصطلاحهم لا جسم ولا عرض ولا جسم ولا متحيز، كما يعلمون أنه يمتنع أن يقال إنه لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره.. فإنك إذا استفسرتهم عن معنى التحيز ومعنى الجسم فسروه بما يعلم أنه الموصوف بأنه القائم بنفسه. ولهذا لا يعقل أحد ما هو قائم بنفسه إلا ما يقولون هو متحيز وجسم .. فدعوى المدعين وجود موجود ليس بمتحيز ولا جسم ولا قائم بمتحيز أو جسم مثل دعواهم وجود موجود ليس قائما بنفسه ولا قائما بغيره.. ومن قيل له هل تعقل شيئاً قائماً بنفسه ليس في محل وهو مع هذا ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ومع هذا إنه لا يجوز أن يكون فوق غيره ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا أمامه ولا وراءه وأنه لا يكون مجامعا له ولا مفارقا له ولا قريبا منه ولا بعيدا عنه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مماسا له ولا محايثا له وأنه لا يشار إليه بأنه هنا أو هناك ولا يشار إلى شيء منه دون شيء ولا يرى منه شيء دون شيء ونحو ذلك من الأوصاف السلبية التي يجب أن يوصف بها ما يقال إنه ليس بجسم ولا متحيز لقال حاكماً بصريح عقله هذه صفة المعدوم لا الموجود)([61])

وهكذا يضعنا ابن تيمية وأصحابه من أعلام المدرسة السلفية بين أمرين: إما أن نجسم الله، أو نقول بعدمه.. فالوجود عندهم قاصر على الأجسام.. وهو نفس ما قاله فرعون والملاحدة واليهود.

بل إن ابن تيمية يطبق جميع أوصاف الأجسام على كل الموجودات، لا يفرق في ذلك بين الله سبحانه وتعالى واجب الوجوب، وبين الممكنات التي خلقها، فيقول: (الوجه السادس أن يقال ما عُلم به أن الموجود الممكن والمحدث لا يكون إلا جسما أو عرضا أو لا يكون إلا جوهرا أو جسما أو عرضا أو لا يكون إلا متحيزاً أو قائما بمتحيز أو لا يكون إلا موصوفا أو لا يكون إلا قائما بنفسه أو بغيره يُعلم به أن الموجود لا يكون إلا كذلك.. فإن الفطرة العقلية التي حكمت بذلك لم تفرق فيه بين موجود وموجود ولكن لما اعتقدت أن الموجود الواجب القديم يمتنع فيه هذا أخرجته من التقسيم لا لأن الفطرة السليمة والعقل الصريح مما يخرج ذلك ونحن لم نتكلم فيما دل على نفي ذلك عن الباري فإن هذا من باب المعارض وسنتكلم عليه وإنما المقصود هنا بيان أن ما به يعلم هذا التقسيم في الممكن والمحدث هو بعينه يعلم به التقسيم في الموجود مطلقا)([62])

وهو لا يكتفي بهذه التصريحات فقط، بل إنه في كتابه (بيان تلبيس الجهمية) يكاد يدافع عن لفظ (الجسم) بعينه، فيقول: (وليس في كتاب الله، ولا سنّة رسوله، ولا قول أحد من سلف الأُمّة وأئمتها أنّه ليس بجسم، وأنّ صفاته ليست أجساماً وأعراضاً)([63])

بل إن ابن تيمية وأعلام المدرسة السلفية عند حديثهم عن كمال الله تعالى ينطلقون من النظرة التجسيمية الحسية المادية .. فهم يرون أن الله سبحانه وتعالى ما دام قد أعطى لعباده بعض الكمالات الحسية، فهو أولى أن يتصف بها، قال ابن تيمية يوضح ذلك: (كل ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه لأنه أكمل منه ولأنه هو الذي أعطاه ذلك الكمال، فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه...وعلى هذا فجميع الأمور الوجودية المحضة يكون الرب أحق بها لأن وجوده أكمل ولأنه هو الواهب لها فهو أحق باتصافه بها)([64])

وإلى هنا فإن المعنى مقبول عند جميع المسلمين، فالله سبحانه وتعالى أولى بصفات الكمال من عباده، ولكن ابن تيمية لا يقصد ذلك فقط، بل يقصد التجسيم وما يقتضيه التجسيم، فقد قال بعد ذلك الكلام المقبول بانيا عليه: (وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن كون الموجود قائماً بنفسه أو موصوفاً أو أن له من الحقيقة والصفة والقدر ما استحق به إلا يكون بحيثِ غيره وأن لا يكون معدوماً بل ما أوجب أن يكون قائماً بنفسه مبايباً لغيره وأمثال ذلك هو من الأمور الوجودية باعتبار الغائب فيها بالشاهد صار على هذا الصراط المستقيم، فكل ما كان أقرب إلى الوجود كان إليه أقرب وكلما كان أقرب إلى المعدوم فهو عنه أبعد)([65])

وبذلك فإن ابن تيمية يقع في التشبيه المحض، لأنه يتصور أن الكمال في احتياج الذات إلى حيز ومقدار وأعضاء وغير ذلك مع أن الكمال الحقيقي لا يقتضي ذلك..

وبناء على هذه النظرة السطحية المادية المحدودة لله، والتي تدل على عدم قدرة العقل على التجريد والتنزيه نرى تعظيم المدرسة السلفية للعوام، واعتبار وقوعهم في التجسيم والتشبيه كمالا، وهذا خلاف ما ورد في القرآن الكريم من الدعوة للرجوع إلى الراسخين في العلم في التفريق بين المتشابه والمحكم إلا أن هؤلاء يرون العوام - أصحاب الفهوم السطحية والمحدودة - أقدر على فهم القرآن الكريم والعقيدة من غيرهم، وقد روى أبو داود عن يزيد بن هارون قوله: (من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي)([66])، وهو يقصد بذلك أن يفهم من الاستواء معنى القعود والجلوس.. فكمال المعرفة عندهم هو في هذا الاعتقاد.

وهكذا نجد تعظيمهم لمقولة فرعون التي سبق ذكرها، فقد قال أبو أحمد الكرجي: ( قوله إخبارًا عن فرعون ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، حجة على من يزعم أن الله بنفسه في الأرض؛ حال في كل مكان، وينكر كينونته بنفسه في السماء وعلمه في الأرض. إذ محال أن يقول فرعون هذا القول إلا وقد دلّـه موسى -صلى الله عليه- أن إلهه في السماء دون الأرض. فإن كان فرعون أنكر كينونته في السماء وثبته في الأرض فقد وافق القوم فرعون في قوله. وإن كان أنكره في السماء والأرض معًا فقد خالفوا موسى -صلى الله عليه - مع خلافهم لجميع الأنبياء والناس، وأهل الملل كافة سواهم. ولا أعلم في الأرض باطلا إلا وهذا أوحش منه، نعوذ بالله من الضلالة)([67])

وقال سعد بن علي الزنجاني في شرح قصيدته في السنة: (وأخبر عن فرعون أنه قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ وكان فرعون قد فهِم عن موسى أنه يُثبت إلهًا فوق السماء حتى رام بصرحه أن يطلع إليه، واتهم موسى بالكذب في ذلك، ومُخالفنا ليس يعلم أن الله فوقه بوجود ذاته فهو أعجز فهمًا من فرعون)([68])

وهذا يوضح لنا منهج الاستنباط الذي تعتمده المدرسة السلفية في التعرف على الله، فهي تعرض عن الآيات الكثيرة التي ذكر فيها تعريف موسى عليه السلام لربه سبحانه وتعالى، والممتلئة بالتنزيه، لتأخذ عقيدتها من مقولة فرعون التي حكاها الله عنه ليدل على سخافة عقله.

وهكذا نجد ابن القيم يذكر القصص والأساطير والخرافات التي تؤيد التجسيم ليرمى بها المنزهة، وقد سمى كتابه الذي شحن فيه كل ذلك [اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية]

ومن تلك الاستدلالات العجيبة قوله: (وفي هذا الباب قصة حمر الوحش المشهورة التي ذكرها غير واحد، إنها انتهت إلى الماء لترده فوجدت الناس حوله فتأخرت عنه فلما جهدها العطش رفعت رأسها إلى السماء وجأرت إلى الله سبحانه بصوت واحد، فأرسل الله سبحانه عليها السماء بالمطر حتى شربت وانصرفت)([69])

وهكذا نرى تعظيم أعلام المدرسة السلفية لعقيدة فرعون عندما طلب من هامان أن يبني له صرحا ليطلع إلى إله موسى، حيث نجد الاستدلال بها في أكثر كتبهم العقدية.

بل إننا نجد علما كبيرا كالشيخ حمود بن عبد الله التويجري يعتبر فرعون وغيره من الكفار الذي واجهوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل حالا من المؤمنين المنزهين لله، وقد قال في كتابه [الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة] في تفضيل فرعون وغيره على المؤمنين من الذين يؤمنون بما يقول به علم الفلك الحديث: (وقد اعترف فرعون بوجود السموات مع شدة كفره بالله، واعترف بذلك قوم شعيب ومشركو قريش فهم إذاً أخف كفراً من أهل الهيئة الجديدة)([70])

وبعد كل هذا التعظيم للعوام وغيرهم، نجد عداء السلفية للعلماء والفلاسفة والمتكلمين والصوفية ولكل طوائف المنزهة، في نفس الوقت الذي يقدسون فيه كل المشبهة والمجسمة.

وسنذكر هنا – باختصار – الشدة التي تعامل بها أعلام المدرسة السلفية مع المنزهة الذين يعتقدون بأن الله تعالى أعظم وأجل من أن يتصور، وذلك من خلال بيان مواقفهم من علماء الكلام والصوفية وعلماء الفلك:

علماء الكلام:

يعتبر علم الكلام من العلوم التي حاولت أن تمزج بين العقل والنقل، أو حاولت أن تفهم النقل على ما تقتضيه العقول السليمة.. وهو وإن جرى بين أهله بعض الاختلاف في بعض المسائل الفرعية إلا أن أصحابه جميعا سواء كانوا أشاعرة أو ماتريدية أو معتزلة أو إمامية أو زيدية متفقون على تنزيه الله عن التصور، وعن مقتضياته من الحدود والجسمية ونحوها.

وقد بذلوا جهودا كبيرة في ذلك، وخاصة بعد انتشار مذاهب المجسمة والمشبهة، ومن تلك الجهود تصحيحهم للفهوم الواردة حول النصوص المقدسة، وتبيين المراد منها وفق أساليب اللغة العربية من المجاز والكناية وغيرها، أو ما أطلق عليه [التأويل]، استنادا إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7]

وكل ذلك حرصا على عقائد الأمة وتنزيهها لربها، وعدم غرقها في أوحال التشبيه والتجسيم التي وقعت فيها الأمم من قبلها.

لكن كل تلك الجهود جعلتهم في مرمى سهام المجسمة الذين استعملوا كل وسائلهم المعتادة من التكفير والتضليل لكل منزه، أو داعية للتنزيه، بل وصل بهم الأمر في كثير من الأحيان إلى تحريض العوام على هؤلاء العلماء المتكلمين، وقد ثارت فتن كثيرة في التاريخ الإسلامي بسبب ذلك.

وقد ذكر الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ) المعاناة التي كانت تحصل للمنزهة من طرف المجسمة فقال: (ليتق الله امرؤ وليعتبر عن تقدم ممن كان القول باللفظ مذهبه ومقالته، كيف خرج من الدنيا مهجوراً مذموماً مطروداً من المجالس والبلدان لاعتقاده القبيح؟! وقوله الشنيع المخالف لدين الله مثل: الكرابيسي، والشواط، وابن كلاب، وابن الأشعري، وأمثالهم ممن كان الجدال والكلام طريقه في دين الله عز وجل)([71])

ومن تلك الحوادث ما حصل للمتكلم المعروف الفخر الرازي الذي كان له أثر كبير في مواجهة النزعة التجسيمية والانتصار للتنزيه.. وهذا ما جعل المجسمة يثورون عليه، ويحرضون عليه العوام..

ولا بأس أن نورد هنا باختصار بعض ما حدث، لنسقطه على واقع السلفية المعاصر، ولنعرف مدى الصلة بين المجسمة والعنف..

فقد ذكر المؤرخون أن الفخر الرازي دعي لمناظرة بعض الكرامية المجسمة الذين انتصر ابن تيمية لمقولاتهم التجسيمية، وبعد المناظرة، وفي اليوم التالي، قام أحدهم بالجامع، وصعد المنبر، وقال: (لا إله إلا الله، ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين، أيها الناس إنا لانقول إلا ما صح عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما علم أرسطاليس وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي فلانعلمها، فلأي شيء يُشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله وعن سنة رسول نبيه)، ثم بكى وضج الناس وبكى العوام واستغاثوا، وثار الناس من كل جانب، وامتلأ البلد فتنة، وكادوا يقتتلون ويجري ما يهلك فيه خلق كثير، فبلغ ذلك الحاكم، فأرسل جماعة من عنده إلى الناس وسكَّنهم ووعدهم بإخراج الفخر من عندهم وتقدم إليه بالعودة إلى هراة فعاد إليها([72]).

وقد حصلت أحداث كثيرة في التاريخ الإسلامي لا تقل عن هذه الحادثة.. ومنها تلك الحادثة التي حصلت بين القشيري وأصحابه وبين المجسمة الذين كانوا يحرضون العوام، ويستعملونهم في مواجهة علماء الأمة.

ولا بأس أن نورد هنا وثيقة مهمة كتبها أبو نصر القشيري، ووقع عليه جماعة من علماء الأشاعرة، وهي تصور لنا بعض تلك المشاغبات التي كان يقوم بها المجسمة كل حين للتحريض على العلماء، وإثارة الفتن في الأمة، لأجل حملها على التجسيم.

فمما جاء فيها: (يشهد من ثبت اسمه ونسبه وصح نهجه ومذهبه واختبر دينه وأمانته من الفقهاء وأهل القرآن والمعدلين من الأعيان، وكتبوا خطوطهم المعروفة .. أنّ جماعة من الحشوية والأوباش المتوسمين بالحنبلية أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي الشنيعة ما لم يتسمح به ملحد فضلاً عن موحد، ولا تجوز به، قادح في أصل الشريعة ولا معطل، ونسبوا كل ما ينزه الباري تعالى وجـل عن النقائص والآفات، وينفي عنه الحدوث والتشبيهات، ويقدسه عن الحلول والزوال .. وتناهوا في قذف الأئمة الماضين، وثلب أهل الحق وعصابة الدين، ولعنهم في الجوامع والمشاهد والمحافل والمساجد والأسواق والطرقات والخلوة والجماعات، ثم غرهم الطمع والإهمال ومدهم في طغيانهم الغي والضلال إلى الطعن فيمن يعتضد به أئمة الهدى وهو للشريعة العروة الوثقى، وجعلوا أفعاله الدينية معاصي دنية..وتمادت الحشوية في ضلالتها والإصرار على جهالتها وأبوا إلا التصريح بأنّ المعبود ذو قدم وأضراس ولهوات وأنامل، وأنه ينزل بذاته، ويتردد على حمار في صورة شاب أمرد بشعر قطط، وعليه تاج يلمع، وفي رجليه نعلان من ذهب، وحفظ ذلك عنهم، وعللوه ودونوه في كتبهم، وإلى العوام ألقوه، وأنّ هذه الأخبار لا تأويل لها، وأنها تجري على ظواهرها وتعتقد كما ورد لفظها، وأنه تعالى يتكلم بصـوت كالرعـد، وكصهيـل الخيل)([73])

فهذه الوثيقة تدل على المنهج التحريضي الذي كان يستعمله المجسمة، ولا زالوا يستعملونه.

وقد جعلت تلك الفتن بعض العلماء يتخوفون من أن يحصل لهم ما حصل للمنزهة من القتل والنفي والأذى، فلذلك كانوا يحرصون على إظهار التجسيم والإعلان به أمام الناس مخافة على أنفسهم أو سمعتهم، يقول الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي: (ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري، ويتبرؤن مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة، منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد بن على الساجي يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفرائيني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علمًا وأصحاباً إذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرج إلى جامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع، ويقبل على من حضر، ويقول: اشهدوا عليّ بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قاله الإمام ابن حنبل، لا كما يقوله الباقلاني، وتكرر ذلك منه جمعات. فقيل له في ذلك، فقال: حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلاح، ويشيع الخبر في أهل البلاد أني بريء مما هم عليه -يعني الأشعرية-، وبريء من مذهب أبي بكر بن الباقلاني، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرؤون عليه فيفتنون بمذهبه، فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة فيظن ظان أنهم منى تعلموه قبله وأنا ما قلته وأنا بريء من مذهب البلاقلاني وعقيدته)([74])

وكل تلك الفتن التي كانت تحصل بين الفينة والأخرى، والتي سجلتها كتب التاريخ، كان سببها تلك التحريضات المتشددة الذي يقوم بها أعلام المدرسة السلفية تجاه مخالفيهم.

ومن أمثلتها ما رواه ابن عبد البر عن ابن خواز منداد أنه قال في كتاب (الشهادات) في تأويل قول مالك: (لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء): (أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها) ([75])

ومنها ما ذكره أبو إسماعيل الهروي الأنصاري، قال: (رأيت يحي بن عمار ما لا أحصي من مرة على منبره يكفرهم –أي الأشعرية- ويلعنهم، ويشهد على أبي الحسن الأشعري بالزندقة، وكذلك رأيت عمر بن إبراهيم ومشائخنا)([76])

وروى عن عمر بن إبراهيم قوله: (لا تحل ذبائح الأشعرية، لأنهم ليسوا بمسلمين، ولا بأهل كتاب، ولا يثبتون في الأرض كتاب الله)([77])

وقال: (وينبغي أن يتأمل قول الكلابية والأشعرية في الصفات، ليعلم أنهم غير مثبتين إلهاً في الحقيقة، وأنهم يتخيرون من النصوص ما أرادوه، ويتركون سائرها ويخالفونه)([78])

وقال ابن قدامة المقدسي في (لمعة الاعتقاد): (ومن السنة: هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع: كالرافضة، والجهمية، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والكرامية، والكلابية، ونظائرهم، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها)([79])

ولم يكتف هؤلاء بالتشنيع على المتكلمين الذين راحوا يستعملوا كل الأدوات العقلية واللغوية لصيانة عقول المسلمين من أن يتسرب إليها وحل التجسيم والتشبيه، بل ذهبوا إلى أولئك المفوضة الورعين الذين دعوا إلى الكف عن البحث في أمثال هذه المسائل.

فهذا ابن تيمية يقول عنهم: (..فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد)([80])

بل إنه – كعادته في التنابز بالألقاب – يغير اسمهم من [أهل التفويض] إلى [أهل التجهيل]، فيقول: (..أما أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف يقولون إن الرسول لم يعرف معانيَ ما أنزل الله إليه من آيات الصفات..ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك...)([81])

وهذا قول عامة المدرسة السلفية من المعاصرين الذين نجدهم في كتبهم ومواقعهم يشنعون على المتوقفين في أمثال هذه المسائل، وقد قال ابن عثيمين عنهم: (التفويض من شر أقوال أهل البدع.. وإذا تأملته وجدته تكذيباً للقرآن وتجهيلاً للرسول)([82])

الصوفية:

يعتبر الصوفية من منزهة هذه الأمة الذين لم يتقبلوا تلك التشويهات التي تلقاها أهل الحديث من اليهود وغيرهم، وربما يعود ذلك لصلة مشايخهم الأوائل بالأئمة الكبار من أهل البيت عليهم السلام.. فقد كانوا تلاميذ نجباء لهم.. ولهذا نجد في التراث الصوفي الاستدلالات الكثيرة بكلمات الإمام علي أو غيره من الأئمة .. بالإضافة إلى ذلك فإنه لا تكاد تخلو سلسلة من سلاسل الصوفية من الرجوع في نهايتها للإمام علي.. بالإضافة إلى ذلك كله تلك المحبة العظيمة التي تمتلئ بها قلوب الصوفية نحو العترة الطاهرة.. ولعل ذلك ما حفظهم من الوقوع في براثن التشبيه التي وقع فيها الممتلئون بالنصب والعداوة لآل البيت الكرام، والذين آثروا أن يتولوا كعب الأحبار ووهب بن المنبه وغيرهم من أئمة التجسيم.

وهذا لا يعني أن الصوفية معصومون من الخطأ، أو أنه لم يتسرب لهم بعض التحريفات والتشويهات.. ولكن ذلك كله لا يساوي شيئا أمام ما وقع فيه المجسمة والمشبهة.

والمنهج الذي اعتمده الصوفية هو نفس ما ذكره قبلهم أئمة أهل البيت عليهم السلام من تطهير القلب ليصبح محلا للمعرفة التنزيهية.. لأن سبب التجسيم والتشبيه تلك الكدورة التي تملأ القلب بالكثافة، وذلك الران الذي يحول بين القلب وبين تجلي الحق فيه.

وبناء على هذا لم يهتم الصوفية كثيرا بالجدل للوصول إلى الحقائق كما فعل المتكلمون، ولم يهتموا بجمع الأحاديث كما فعل أهل الحديث.. بل اهتموا بتنقية القلب ليصبح أهلا لمعرفة الرب، لاعتقادهم أن الحجاب الحائل بين الروح والمعرفة أمر وهميّ عدميّ لا حقيقة له، وهو مرض القلب بأوصاف البشرية، فلو صحت لعرفت، كما عبر عن ذلك ابن عطاء الله بقوله: (اخرج من أوصاف بشريّتك عن كلّ وصف مناقض لعبوديّتك، لتكون لنداء الحقّ مجيبا، ومن حضرته قريبا)

وقد علق على هذه الحكمة الجليلة ابن عجيبة بقوله: (أوصاف البشرية: هي الأخلاق التي تناقض خلوص العبودية، ومرجعها إلى أمرين: الأول: تعلق القلب بأخلاق البهائم وهي شهوة البطن والفرج وما يتبعهما من حب الدنيا وشهواتها الفانية .. الثاني: تخلّقه بأخلاق الشياطين كالكبر والحسد والحقد والغضب والحدة وهي القلق، والبطر وهو خفة العقل، والأشر وهو التكبر، وحب الجاه والرياسة والمدح والقسوة والعطاء والفظاظة والغلظة، وتعظيم الأغنياء، واحتقار الفقراء، وكخوف الفقر وهم الرزق والبخل والشح والرياء والعجب، وغير ذلك مما لا يحصى حتى قال بعضهم: للنفس من النقائص ما للّه من الكمالات.. فإذا تخلّق العبد بهذه الأخلاق وتحقق بها ذوقا بعد أن تخلص من أضدادها، كان عبدا خالصا لمولاه حرّا مما سواه، وكان لندائه مجيبا، ومن حضرته قريبا فإذا قال له ربه: يا عبدي قال له: يا رب، فكان صادقا في إجابته لصدق عبوديته، بخلاف ما إذا كان منهمكا في شهواته الظاهرة والباطنة، كان عبدا لنفسه وشهواته، فإذا قال: يا رب كان كاذبا إذ من أحب شيئا، فهو عبد له وهو لا يحب أن تكون عبدا لغيره، وإذا تخلص من رق الشهوات والحظوظ، كان أيضا قريبا من حضرة الحق، بل عاكفا فيها، إذ ما أخرجنا عن الحضرة إلا حبّ هذه الخيالات الوهمية فإذا تحررنا منها وتحققنا بالعبودية وجدنا أنفسنا في الحضرة)([83])

وهذا الذي ذكره ابن عجيبة هو نفس ما يذكره القرآن الكريم عندما يربط الإيمان بالأخلاق والتقوى، كما يربط الجحود بمرض القلب وقساوته.

وبذلك فإن المنهج الصوفي من هذه الناحية منهج قرآني نبوي لا جدال فيه .. فبقدر صفاء القلب تزول أوهام الإلحاد والتشبيه والتجسيم ..

وبناء على هذا كان الصوفية يحذرون الأمة من بضاعة المحدثين الممتلئة بالحشو والتجسيم، لأنه لا يمكن أن يعرف الله حشوي مجسم.. وقد قال جعفر الخلدي: (لو تركني الصوفية لجئتكم بأسارير الدنيا وطلبت الحديث، لقد مضيت إلى عباس الدوري من علماء الحديث فكتبت عنه مجلسًا واحدًا، ثم خرجت من عنده فلقيني بعض الصوفية، فقالوا لي: إيش هذا معك؟ فأعطيته إياه، فقال: ويحك! تدع علم الخِرَق وتأخذ علم الوَرَق؟! ثم خرَق الأوراق ومنعني أن أتابع)

وقال أبو سعيد الكندي: (كنت أنزل رباط الصوفية وأطلب الحديث في خفية، وفي يوم سقطت مني محبرة من كمي، فرآها صوفي، فقال: ويحك! استر عورتك)

وكان أبو يزيد البسطامي يقولون للمحدثين الذين انشغلوا بالرواية: أنتم أين عِلمكم؟) فيقولون: مِن فلان عن فلان عن فلان عن النبي، فيقول: أين هم؟ ماتوا كلّهم، فيقول: ما هذا العلم الذي يؤخذ من أموات؟! نحن علمنا أخذناه من الحي الذي لا يموت.

وطبعا فإن مراد الصوفية من كل هذا ليس النهي عن الحديث المجرد، فقد كانوا من أكثر الناس رواية للحديث النبوي.. وكتبهم مشحونة به.. ولكن تحذيرهم كان عن ذلك الحشو الذي مال إليه المحدثون، وملأوا به ما يسمونه كتب التوحيد والسنة وأصول الدين.

ومثلما حذر الصوفية من علم الحديث الذي امتلأ بالحشو، حذروا من علم الكلام الذي امتلأ بالجدل، وقد ذكر الشيخ محمود أبو دقيقة كلاما طيبا في الفرق بين المنهج الكلامي والمنهج الصوفي في المعرفة، فقال: (مقصود الصوفية بمعرفة الله تعالى غير مقصود المتكلمين بمعرفته، والصوفية لا ينكرون معرفة  المتكلمين بل يزيدون عليها، ومعرفة الصوفية من مرتبة، ومعرفة المتكلمين من مرتبة أخرى، فمعرفة الصوفية إحسانية، ومعرفة المتكلمين إيمانية، فاخلتفا مرتبة.. ومعرفة الصوفية قلبية، ومعرفة المتكلمين عقلية فاختلفا وسيلة.. ومعرفة الصوفية عمل، ومعرفة المتكلمين علم.. ومعرفة الصوفية شهود، ومعرفة المتكلمين اعتقاد.. ومعرفة الصوفية تبدأ من القلب وتنتهى إلى الجوارح الظاهرة والباطنة فأثرها عملى، ومعرفة المتكلمين تبدأ من العقل وتنتهى إلى القلب فأثرها علمى.. ومعرفة الصوفية لله، غير معرفة المتكلمين بل وبعدها. فالصوفية بعد أن يقرون بمعرفة المتكلمين ليتحققوا بمرتبة الإيمان، يزيدون عليها بمعرفته من جهة الإحسان، فمعرفة الصوفية بعد معرفة المتكلمين، والمتكلمون يعرفونه واجب الوجود، خالقا،، صانعا، واحدا، حيا، سميعا، بصيرا، عليما، مريدا، قادرا، قديما، باقيا، مخالفا للحوادث .. والصوفية بعد أن يعرفونه كذلك يشهدون كذلك، فالفرق بينهما كالفرق بين معرفة الله بالنظر فى آثاره، ومعرفته (كأنك تراه)، وطريق معرفة الصوفية خاصة عند محققى أهل الحق)([84])

بناء على هذا، فإن المعرفة الصوفية معرفة تنزيهية متوافقة مع الرؤية الكونية القرآنية، وليس من فرق بينها وبين تنزيه المتكلمين إلا أن تنزيه المتكلمين تنزيه علمي معرفي، وتنزيه الصوفية تنزيه ذوقي عرفاني.

وقد اتفق الصوفية على هذا التنزيه الذي أشار إليه الشيخ أبو الحسن الشاذلي في قوله: (إنا لننظر إلى اللّه ببصر الإيمان و الإيقان فأغنانا عن الدليل و البرهان، و إنا لا نري أحدا من الخلق، فهل في الوجود أحد سوي الملك الحق؟ و إن كان و لا بد فكالهباء في الهواء إن فتشتهم لم تجدهم شيئا)

وأشار إليه ابن عطاء الله في (لطائف المنن)، فقال: (و من أعجب العجب أن تكون الكائنات موصلة إلى اللّه! فليت شعري، هل لها وجود معه حتى توصل إليه؟ أو هل لها من الوضوح ما ليس له حتى تكون هي المظهرة له؟ و إن كانت الكائنات موصلة له فليس ذلك لها من حيث ذاتها، لكن هو الذي ولاها رتبة التوصيل، فوصلت، فما وصل إليه غير إلهيته، و لكن الحكيم هو واضع الأسباب، و هي لمن وقف معها و لا ينفذ إلى قدرته عين الحجاب فظهور الحق أجلى من كل ما ظهر، إذ هو السبب في ظهور كل ما ظهر و ما اختفى إلا من شدة ما ظهر، و من شدة الظهور الخفاء)([85])

وأشار إليه ابن عطاء الله، فقال: (كيف يتصوّر أن يحجبه شي‏ء و هو أقرب إليك من كلّ شي‏ء؟)

وهم يروون في هذا عن الإمام علي قوله: (الحق تعالى ليس من شي‏ء و لا في شي‏ء و لا فوق شي‏ء و لا تحت شي‏ء، إذ لو كان من شي‏ء لكان مخلوقا، و لو كان فوق شي‏ء لكان محمولا، و لو كان في شي‏ء لكان محصورا، و لو كان تحت شي‏ء لكان مقهورا)([86])

 ويروون أنه قيل له: يا ابن عم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أين كان ربنا أو هل له مكان؟ فتغير وجهه و سكت ساعة ثم قال: (قولكم أين اللّه سؤال عن مكان، و كان اللّه و لا مكان، ثم خلق الزمان و المكان، و هو الآن كما كان دون مكان و لا زمان)

وهكذا نجد كتب الصوفية مملوءة بتنزيه الله وتعظيمه إلى الدرجة التي يعتبرون فيها الشعور بمثلية وجودهم لوجود الله شركا، وقد قال في ذلك الشيخ أبو مدين:

الله قل وذر الوجود وما حوى

 

 ان كنت مرتادا بلوغ كمال

فالكل دون الله ان حققته

 

 عدم على التفصيل والاجمال

واعلم بأنك والعوالم كلها

 

 لولاه في محو وفي اضمحلال

من لا وجود لذاته من ذاته

 

 فوجوده لولاه عين محال

فالعارفون فنوا بأن لم يشهدوا

 

 شيئا سوى المتكبر المتعال

ورأوا سواه على الحقيقة هالكا

 

 في الحال والماضي والاستقبال

فالمح بعقلك او بطرفك هل ترى

 

 شيئا سوى فعل من الافعال

وانظر الى علو الوجود وسفله

 

 نظرا تؤيده بالاستدلال

تجد الجميع يشير نحو جلاله

 

 بلسان حال او لسان مقال

هو ممسك الاشياء من علو الى

 

 سفل ومبدعها بغير مثال

وقال:

فإذا نظرت بعين عقلك لم تجد

 

شيئا سواه على الذوات مصورا

واذا طلبت حقيقة من غيره

 

 فبذيل جهلك لاتزال معثرا

بعد هذا التوضيح الذي اضطررنا إليه لبيان الدور الذي قام به الصوفية في حفظ عقيدة التنزيه القرآنية يتبين لنا السر الذي ألب عليهم التيار التجسيمي الذي لم يترك سبيلا لتضليلهم وتبديعهم وتكفيرهم والتحريض عليهم إلا فعله.

ومع أن ذلك واضح من خلال الكتب الكثيرة المؤلفة في تكفير الصوفية والتحذير منهم، إلا أنني سأذكر هنا نماذج من أقوال المحدثين التي لا تتعلق فقط بالشخصيات المثيرة للجدل كابن عربي والجيلي وغيرهما، بل تتعلق بشخصية معتدلة لا نجد في كتبها أي لون من ألوان الشطحات.

من تلك النصوص التي ينشرها التيار السلفي أثناء تحذيره من الصوفية قول الحافظ سعيد بن عمرو البردعى: (شهدت أبا زرعة - وقد سئل عن الحارث المحاسبى وكتبه - فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر (الحديث)، فإنك تجد فيه ما يغنيك، فقيل له: في هذه الكتب عبرة، فقال: (من لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن سفيان ومالكا والأوزاعي صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس، ما أسرع الناس إلى البدع!)

وقد علق عليه الذهبي بقوله: (وأين مثل الحارث ؟! فكيف لو رأى أبو زرعة تصانيف المتأخرين كالقوت لأبي طالب؟ وأين مثل القوت؟ .. كيف لو رأى بهجة الأسرار لابن جهضم، وحقائق التفسير للسلمى؟ لطار لبُّه .. كيف لو رأى تصانيف أبي حامد الطوسى في ذلك، على كثرة ما في الإحياء من الموضوعات؟ كيف لو رأى الغنية للشيخ عبد القادر؟)([87])

علماء الفلك:

وهم مع عدم كونهم من علماء التوحيد ولا العقيدة، ولا علاقة لهم بالجهمية ولا الأشاعرة ولا الصوفية.. بل لا علاقة لهم بالإسلام ولا بأي دين من الأديان.. ولكنهم مع ذلك لقوا حربا شعواء من المدرسة السلفية، لأن الصورة التي أعطاها هؤلاء ـ بحسب ما دلت عليها بحوثهم ـ تختلف تماما عن الصورة التي تقوم عليها المعرفة التجسيمية لله التي يعتقدها السلفية.

وكمثال على ذلك تلك الهجمة الشرسة التي ووجه بها من يقول بأن الأرض تدور حول الشمس، والذي وصل إلى حد التكفير، ذلك أن هذه المقولة ـ بالإضافة لمخالفتها لذلك الموروث الروائي الذي استلموه من المجسمة ومن أهل الكتاب ـ تخالف ما يسمونه بأهم مسألة عقدية في تصورهم، وهي [علو الله تعالى على خلقه]، والذي يقتضي أن تكون الأرض ثابتة، والسموات السبع فوقها كالقبة عليها، ثم يكون العرش، ثم يكون الله تعالى بحسب تصورهم.. ودروان الأرض يقضي على ذلك كله.

وللأسف فإن هذه الهجمة لم تكن من لدن أناس عاديين بسطاء، بل كانت من أعلى الهيئات الدينية، ففي  الفتوى رقم (15255) الموجهة لهيئة العلماء برئاسة الشيخ ابن باز ورده هذا السؤال: (أنا مدرس لمادة الجغرافيا، وحيث إنه قد ورد إلي موضوع يتعلق بدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، وحيث إنه قد سبق وأن قرأت كتابًا لسماحتكم بعنوان: (الأدلة النقلية والحسية على إمكان الصعود إلى الكواكب، وعلى جريان الشمس والقمر وسكون الأرض) حيث كان هنالك تعارض بين ما ذكرتموه سماحتكم وبين الكتاب المدرسي؛ لذا أرجو من سماحتكم إفادتي عن هذا الموضوع)

فأجابه بهذا الجواب الخطير: (يجب على مدرس الجغرافيا إذا عرض على الطلاب نظرية الجغرافيين حول ثبوت الشمس ودوران الأرض عليها - أن يبين أن هذه النظرية تتعارض مـع الآيـات القرآنية والأحاديث النبوية، وأن الواجب الأخذ بما دل عليه القرآن والسنة، ورفض ما خـالف ذلك، ولا بأس بعرض نظرية الجغرافيين من أجل معرفتها والرد عليها كسائر المذاهب المخالفة، لا من أجل تصديقها والأخذ بها)([88])

وهكذا نجد الكتب الكثيرة التي ألفت في هذا المجال، ومنها كتاب (دوران الأرض حقيقة أم خرافة) لعادل العشري، وكتاب (هداية الحيران في مسألة الدوران) لعبد الكريم بن صالح الحميد، وكتاب (الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة) للشيخ التويجري، وغيرها من الكتب.

والإشكال الأكبر هو وقوع هؤلاء في نفس ما وقع فيه رجال الدين المسيحي حينما تبنوا بعض النظريات العلمية، وربطوها بالدين، ثم حاربوا كل من يقول بخلافها واعتبار القول به هرطقة.

ونفس الشيء وقع فيه هؤلاء حين أخضعوا الحقائق العلمية القطعية للموازين الروائية الممتلئة بالأساطير والخرافات..

وكمثال على ذلك ما قاله التويجري في كتابه (الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة) عند رده لما يقوله الفلكيون من أن (الأرض سابحة في الجو معلقة بسلاسل الجاذبية وقائمة بها)، فقد قال ردا عليهم: (ونقول أما قولهم إن الأرض سابحة في الجو فهذا باطل ترده الآيات والأحاديث الدالة على سكون الأرض وثباتها. ويرده أيضاً إجماع المسلمين على ثبات الأرض وسكونها. وقد تقدم كل ذلك فليراجع وأما قولهم إنها معلقة بسلاسل الجاذبية فهذا باطل يرده قول الله تعالى (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) وقوله تعالى (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) فالسماء قائمة بأمر الله تعالى وإمساكه لها من غير عمد والأرض قائمة بأمر الله تعالى وإمساكه لها من غير سلاسل)([89])

ليس هذا فقط، بل إنهم ينكرون كل الحقائق العلمية الفلكية، وسنذكر نموذجا هنا لعلم من أعلام المدرسة السلفية المعاصرة، وهو يناقش بعض الحقائق العلمية الفلكية وفق الرؤية السلفية..

وهو العالم الذي زكاه كل رجال المدرسة السلفية الكبار، وزكوا كتابته هو يحي الحجوري الذي ألف كتابا سماه [الصبح الشارق على ضلالات عبد المجيد الزندني في كتابه توحيد الخالق]، وهو في الرد على كتاب في العقيدة الإسلامية يضم بعض الحقائق العلمية كأدلة على قدرة الله تعالى.

ومن تلك الردود رده على ما ذكره صاحب الكتاب من صعود البشر إلى القمر، وقد قال في رده باللهجة السلفية القاسية: (هذه كذبة بلغت الآفاق يستحق صاحبها أن يشرشر شدقه على قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ولا يزال يفعل به ذلك كما في حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عند البخاري رقم (7047،1386)، وهذه الكذبة صنعها أعداء الإسلام لاحتقار من سواهم من المسلمين حيث لم يستطيعوا صعود القمر ولغير ذلك من المقاصد الخبيثة، ونشرها الببغاوات كصاحبنا وأمثاله، وقد أنكرها ذلك السيف الصارم على البدع والمحدثات الشيخ حمود التويجري رحمه الله في كتابه [الصواعق الشديدة على أهل الهيئة الجديدة] وعلامة اليمن شيخنا مقبل الوادعي حفظه الله برعايته، وجعله تحت بالغ لطفه وعنايته)([90])

وقال في الرد على تسمية الأرض كوكبا: (وقد رد هذا الإدعاء ودحض هذا الافتراء الشيخ محمد بن يوسف الكافي فقال رادًا على بعض أشياع محمد عبده المصري: قوله: (هي كوكب) كذب وافتراء على الله تعالى من سماها كوكبًا لأن الله تعالى الذي خلقها سماها أرضًا، والكوكب هو النجم ومحله العلو ومن صفاته الإضاءة والإشراق والأفول والطلوع والأرض بخلاف ذلك. ونقله عنه الشيخ حمود التويجري رحمه الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنته في كتابه (الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة)، وقد نقل الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره (ج1 ص69): عدم الخلاف أن الأرض خلقت قبل السماء بما في السماء من نجوم وغيرها)([91])

وقال في الرد على ما يذكره الفلكيون من المجرات وكثرتها: (هذا كله مبني على الهوس والوساوس الإبليسية والتقليد والثقة بأعداء رب البرية من ذوي الملل والنحل اليهودية والنصرانية ليزاحموا بِهذه التخرصات علوم الكتاب والسنة النبوية فشغلوا بذلك السذج من أبناء المسلمين والذين لا يهمهم أمر هذا الدين فيبقون على هذه التراهات عاكفين وبِها معجبين ومفتخرين، فيقتلون فيها الأوقات ويضلون بِها العامة وأشباههم من ذوي الجهالات فيغضبون بذلك رب الأرض والسموات)([92])

وقال في الرد على ما يذكره الفلكيون من دوران الأرض: (ومسائل السماء والأرض والعرش والكرسي واللوح والقلم والميزان والصراط و... الكلام فيها يعتبر من باب الاعتقاد فالذي يعتقد أن الأرض تدور وتتحرك يجب عليه أن يلتمس لهذا القول دليلاً من القرآن والسنة وإلا كان صاحب معتقد فاسد لا يعتمد على دليل عن الله ورسوله وأنى لصاحب هذا القول الدليل فدون ذلك خرط القتاد وإنما هي الشُّبه)([93])

ولهذا فإن هذه المدرسة كانت من أكبر من وقف في وجه الحضارة الإسلامية، ووجه علمائها الكبار، حين حجروا العلم على ما كانوا يمارسونه مما يسمونه علما.

يقول ابن تيمية: (جماع الخير أن يستعين بالله سبحانه في تلقي العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علماً، وما سواه إما أن يكون علما فلا يكون نافعاً، وإما أن لا يكون علماً وإن سمي به، ولئن كان علماً نافعاً فلا بد أن يكون في ميراث محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه )([94])

وقال ابن رجب: ( فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث .. في ذلك غاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع اشتغل)([95]) 

وقال ابن القيم: (كما هي عادته سبحانه وسنته في عباده إذا أعرضوا عن الوحي، وتعوضوا عنه بكلام البشر، فالمغرب لما ظهرت فيهم الفلسفة والمنطق واشتغلوا بها استولت النصارى على أكثر بلادهم وأصاروهم رعية لهم، وكذلك لما ظهر ذلك ببلاد المشرق، سلط الله عليهم التتار فأبادوا أكثر البلاد الشرقية واستولوا عليها، وكذلك في أواخر المائة الثالثة وأول الرابعة لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد سلط الله عليهم القرامطة الباطنية، فكسروا عسكر الخليفة عدة مرات واستولوا على الحاج واستعرضوهم قتلاً وأسراً)([96])

 وهكذا نجد المعاصرين من هذه المدرسة يرددون نفس تلك الكلمات، ويتبرؤون من كل الأعلام الذين أنجبتهم الحضارة الإسلامية، بل يكفرونهم..

ومن الأمثلة على ذلك رسالة تنتشر بكثرة على مواقع النت كتبها الشيخ ناصر بن حمد الفهد، وسماها [حقيقة الحضارة الإسلامية]، وعرفها بقوله: (هذه المذكرة جواب عمَّن جعل حضارة الإسلام هي النبوغ في علوم الفلاسفة والملاحدة وجعلها هي تشييد المباني وزخرفة المساجد، وجعل علماء الإسلام هم الملاحدة كابن سينا والفارابي ونحوهم)

وقد جاء في مقدمتها قوله: (إن الحضارة الإٍسلامية الصحيحة هي التي وجدت في القرون المفضلة، في وقت الصحابة والتابعين، وأئمة الدين، فريق الهدى، وأشياع الحق، وكتائب الله في أرضه، الذين بلغوا من الدين والعلم والقوة غاية ليس وراءها مطلع لناظر، ولا زيادة لمستزيد، ففتحوا البلدان، وشيدوا الأركان، ودانت لهم الأمم، وتداعت لهم الشعوب .. فَمن كان مفاخراً فليفاخِرْ بهم، ومن كان مكاثراً فليكاثرْ بهم، فدينهم هو الدين، وعلمهم هو العلم . مكّن الله لهم في الأرض ففتحوا الدنيا وحكموا العالم في مدةٍ لا يبلغ فيها الرضيع أن يفطم، قال الذهبي رحمه الله تعالى: ( واستولى المسلمون في ثلاثة أعوام على كرسي مملكة كسرى وعلى كرسي مملكة قيصر، وعلى أمَّي بلادهما، وغنم المسلمون غنائم لم يسمع بمثلها قط من الذهب والحرير والرقيق فسبحان الله العظيم الفتاح )([97]).. لذلك فاعلم أن الدين ما انتهجه السلف، والعلم ما طلبوه، وما سوى ذلك فلا خير فيه)([98]) 

ثم راح بعدها يعد أسماء العلماء الكبار الذين أسسوا للحضارة الإسلامية، بل أمدوا البشرية بالمعارف الكثيرة التي ساهمت في الحضارة الحديثة، ويرميهم جميعا بالكفر والزندقة.

فينقل عن ابن تيمية عند ذكره لجابر بن حيان قوله: (وأما جابر بن حيان صاحب المصنفات المشهورة عند الكيماوية فمجهول لا يعرف وليس له ذكر بين أهل العلم والدين) ([99]) ، ويعقب عليه بقوله: (ولو أثبتنا وجوده، فإنما نثبت ساحراً من كبار السحرة في هذه الملة، اشتغل بالكيمياء والسيمياء والسحر والطلسمات، وهو أول من نقل كتب السحر والطلسمات)([100])

وينقل عن (محمد بن موسى الخوارزمي): (وهو المشهور باختراع ( الجبر والمقابلة )، وكان سبب ذلك كما قاله هو المساعدة في حل مسائل الإرث، وقد ردّ عليه شيخ الإسلام ذلك العلم بأنه وإن كان صحيحاً إلا أن العلوم الشرعية مستغنية عنه وعن غيره([101]).. والمقصود هنا: إن الخوارزمي هذا كان من كبار المنجّمين في عصر المأمون والمعتصم الواثق، وكان بالإضافة إلى ذلك من كبار مَنْ ترجم كتب اليونان وغيرهم إلى العربية)([102])

وهكذا لا يترك عالما من العلماء إلا وكفره أو بدعه وفسقه..

وللأسف فإن هذه الرسالة تنتشر بقوة على النت، وبالصيغ المختلفة، ولعلها ترجمت للغات أجنبية لتمحو كل ما بقي لهذه الأمة من أمجاد تباهي بها سائر الأمم.

الجهة.. والمكان

يرى أصحاب الرؤية التنزيهية لله ـ بتوجهاتهم المختلفة العقلية والذوقية ـ أن الله تعالى أعظم من أن يشار إليه، أو أن تكون له جهة تحصره، أو مكان يحده.. فالله أعظم وأجل وأقدس من ذلك كله.

ذلك أن مجرد اعتباره في جهة حد لعظمته، وتقييد لإطلاقه، وحبس له في عالم الحدود والقيود والجسمية.

ومجرد اعتباره في مكان حصر له، بل قول بإمكانية تعدده.. فمن حدد فقد عدد.

والعقل السليم يقول بهذا، كما تقول به النصوص المقدسة، وكما يقول به أرباب الأرواح الطاهرة الذين تجلت على صفحات قلوبهم الصافية حقائق العرفان في أبهى صورها.

وأولهم أهل بيت النبوة والطهارة الذين وردت عنهم النصوص الكثيرة في تنزيه الله عن الجهة والمكان، ومنها ما روي عن الإمام علي من قوله: (إنّ اللّه جلّ وعزّ أيّن الأين فلا أين له، وجلّ عن أن يحويه مكان...) ([103])، وقال: (كان الله ولا مكان) ([104])

وروي عن الإمام جعفر الصادق قوله: (ولا يوصف [ عزّ وجلّ ] بكيف ولا أين...، كيف أصفه بأين وهو الذي أيّن الأين حتّى صار أيناً، فعرفت الأين بما أيّنه لنا من الأين) ([105])

و سُئل: أين كان ربّنا قبل أن يخلق سماءً أو أرضاً؟ فقال: (أين سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان) ([106])

وسئل: فهو [ عزّ وجلّ ] في كلّ مكان؟ أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض؟! وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء؟! فأجاب: (إنّما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان، واشتغل به مكان، وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه. فأمّا الله العظيم الشأن المَلِك الديّان فلا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان) ([107])

وسئل الإمام الكاظم: لأيّ علّة عرج الله بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء، ومنها إلى سِدرَة المنتهى، ومنها إلى حجب النور، وخاطبه وناجاه هناك، والله لا يوصف بمكان؟ فقال: (إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان، ولا يجري عليه زمان، ولكنّه عزّ وجلّ أراد أن يشرّف به ملائكته وسكّان سماواته ويكرمهم بمشاهدته، ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه، وليس ذلك على ما يقول المشبّهون، سبحان الله وتعالى عما يشركون) ([108])

وهكذا قال كل منزهة الأمة.. وسنقتبس هنا للدلالة العقلية على هذا كلام رجل جمع بين علوم الحديث والكلام والتصوف، لنرى أن اعتقاد الجهة مطلب للخيال للعقل، وأن النصوص المقدسة تقدس الله من أن تحده الجهات، أو يحل في الأماكن.

وهذا العلم هو الشيخ يوسف النبهاني الذي كتب رسالة في الرد على المجسمة في هذا المجال سماها (رفع الاشتباه في استحالة الجهة على الله) يقول فيها: (فكما أنه تعالى ليس لذاته المقدسة جهات ليس هو في جهة أحد من المخلوقات، قد تنزه عن جميع السفليات والعلويات من الأمكنة والأزمنة والأرضين والسموات، كلها نسبتها إليه تعالى نسبة واحدة، وهي أنها مخلوقاته وهو خالقها أوجدها بعد أن لم تكن من العدم المحض، وهو تعالى كان موجوداً قديماً ولا سماء ولا أرض، وهو عز وجل قبل خلقها وبعد خلقها هو الله القديم العظيم المتصف بكل الكمالات المنزه عن جميع أوصاف الحادثات لم تتجدد له تعالى بعد خلقها أوصاف لم تكن له من قبل خلقها.. وإذا كان الأمر كذلك فكيف تختص به تعالى جهة دون جهة؟ ويقال إنه في جهة العلو والفوق، وهذه الجهات إنما حدثت بعد خلق المخلوقات؟)([109])

ثم ذكر أن حصر الله في الجهات مقولة تجسيمية لم يقل بها أحد من المنزهة من هذه الأمة، قال: (إذا علمت ذلك فقد تبين وظهر ظهوراً جلياً أن هذه العقيدة، وهي تنزيه الله تعالى عن أن تحصره جهة من الجهات العلويات والسفليات هي العقيدة الإسلامية الصحيحة التي تليق بكمال الله تعالى، وهي عقيدة معظم الأمة المحمدية من أهل المذاهب الثلاثة وبعض الحنابلة وسادتنا الصوفية وهي التي تقتضيها الكمالات الإلهية وتؤيدها الإدراكات العقلية والنقلية، ولمن خالفهم وإن قلوا مستند وهو تمسكهم بظواهر النصوص بدون تدقيق ولا تحقيق، ولا تفكر بما يليق بالكمالات الإلهية وما لا يليق، فحكموا عليه تعالى بأنه في جهة العلو وفي جهة الفوق، ولم يبالوا بأن الجهات إنما هي من أوصاف الحادثات وقبل أن يخلقها تعالى لم يكن هنالك جهات إذ لا علويات ولا سفليات ولا شيء وقتئذ من المخلوقات حتى تحيط به تعالى الجهات)([110])

ومن الأدلة العقلية المنطقية التي أوردها قوله: (وأيضاً الجهات هي أمور نسبيات، فقد تكون جهة العلو لمخلوق هي جهة السفل لمخلوق آخر، إذ من المعلوم أن الأرض كروية وفي سائر جهاتها يوجد مخلوقات، فجهة العلو لقوم منهم هي جهة السفل لقوم آخرين، وكذا أجرام السموات المحيطة بالأرض)([111])

هذا مثال عن الأدلة التي يعتمدها المنزهة في مواجهة المجسمة.. وإلا فإن القضية من البداهة بحيث لا تحتاج إلى دليل يدل عليها.

وكيف تحتاج إلى الدليل والقرآن الكريم واضح في الدلالة عليها، فالله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 115]

فهذه الآية الكريمة كافية في الدلالة على استحالة الجهة على الله، وهي تحصن الأمة من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم قبلها من التجسيم، وقد نقل الفخر الرازي عن بعضهم قوله في مناسبة نزولها لتغيير القبلة: (.. لأن اليهود والنصارى كل واحد منهم قال: إن الجنة له لا لغيره، فرد الله عليهم بهذه الآية لأن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى صعد السماء من الصخرة، والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى عليه السلام إنما ولد هناك على ما حكى الله ذلك.. فكل واحد من هذين الفريقين وصف معبوده بالحلول في الأماكن ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق، فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق)([112])

والله تعالى يذكر في آيات كثيرة أن له معية وحضورا مع كل شيء، وهو ما يكفي لنفي الجهة عن الله، ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 7]، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُم﴾ [النساء 108]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[الحديد 4]، وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة 40]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق 16]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف 84]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام3].

وقد كانت هذه الآيات وأمثالها من الآيات التي يستعملها المتكلمون المنزهة لإيقاع المجسمة في الحرج، لأنهم إما أن يقولوا بمقتضياتها، فينفوا الجهة عن الله، وينفوا معها الجسمية ومقتضياتها، وإما أن يصرفوها عن ظاهرها، وحينها يتخلون عن اعتبارهم التأويل تعطيلا.

يقول إمام الحرمين الجويني: (ومما يجب الاعتناء به معارضة الحشوية بآيات يوافقون على تأويلها حتى إذا سلكوا مسلك التأويل عورضوا بذلك السبيل فيما فيه التنازع. فمما يعارَضون به قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ [الحديد: 4] فإن راموا إجراء ذلك على الظاهر حلوا عقدة إصرارهم في حمل الاستواء على العرش على الكون عليه، والتزموا فضائح لا يبوء بها عاقل، وإن حملوا قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾على الإحاطة بالخفيات فقد تسوغوا التأويل)(