الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: أسرار الأقدار

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 601

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

خلاصة الحقائق التي تبحث فيها هذه الرسالة هي أن نظام القدر الذي هو برنامج الكون ونظامه يتأسس على التعرف على أربعة أسرار كبرى، كل سر منها يشكل حقيقة عظيمة من حقائقه، ويقع الخطأ بقدر الاقتصار على بعض أسراره والغفلة عن بعضها.

وهذه الأسرار الأربعة، هي: التوحيد والعدل والحكمة والرحمة.

فكشف سر التوحيد يبصرنا بالمهندس الأول للكون، والمنظم الأوحد لشؤونه، والمدبر الخبير بتفاصيله، فلا نرى في مرآة هذا السر غير الله، فنغيب بالله عن الكون الذي يسيره.

وكشف سر العدل يعيدنا إلى ذواتنا لنبصر إرادتنا، وهي تتحرك في أطر كثيرة واسعة من الاختيارات، لنتحمل حينها مسؤوليتنا على تصرفاتنا.

وكشف سر الحكمة يجعل من الكون مرآة لتجليات أسماء الله الحسنى وصفاته العليا.

وكشف سر الرحمة يعيدنا إلى بدء الخلق وغاية الخلق، فالله خلق الخلق ليرحمهم، وأكرمهم بالوجود ليكرمهم بعدها بكل ما يقتضيه وجودهم من أنواع الإكرام.

وكشف كل سر من هذه الأسرار يشعرنا بالسلام الشامل مع الله، ومع الكون، ومع ذواتنا، لأن أول خطيئة هي الصراع، الصراع مع الله، ومع تخطيط الله، ومع مراد الله..

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

الفصل الأول

سر التوحيد

أولا ـ العلم

1 ـ سعة العليم:

2 ـ خبرة العليم:

3 ـ غنى العليم:

ثانيا ـ الإرادة

1 ـ إرادة الله:

إرادة الخالق البارئ المصور:

إرادة النافع الضار:

إرادة الخافض الرافع:

إرادة المعطي المانع:

إرادة الهادي المضل:

2 ـ إرادة البشر:

مدافعة الأقدار:

التسليم للأقدار:

الجانب سلوكي:

الجانب المعرفي:

ثالثا ـ الكتابة

1 ـ المقادير الأبدية:

الشمولية:

الحفظ:

الستر:

2 ـ المقادير المؤقتة:

مقادير محتملة:

مقادير مؤجلة:

التقدير العمري:

التقدير السنوي

التقدير اليومي:

3 ـ سنن المقادير:

صيغ السنن:

حقا:

علينا:

كلمتنا:

القسم:

الوعد:

التحريم:

ثبات السنن:

تبصر السنن :

رابعا ـ التنفيذ

1 ـ قدرة الله:

2 ـ قدرة العبد:

الفصل الثاني

سر العدل

أولا ـ عدالة التكليف

1 ـ الفطرة الأصلية:

2 ـ مؤهلات التكليف:

طاقات التكليف:

جو التكليف:

3 ـ اختبارات التكليف:

ثانيا ـ عدالة الهداية

1 ـ حجب الغفلة:

2 ـ أنوار الهداية:

الله جل جلاله:

أكوان الله:

كلمات الله:

أهل الله:

ثالثا ـ عدالة الجزاء

1 ـ المساواة:

المكلفون:

غير المكلفين:

القول الأول:

القول الثاني:

القول الثالث:

القول الرابع:

القول الخامس:

القول السادس:

2 ـ الميزان:

وزن العمل:

وزن أثر العمل:

وزن العامل:

وزن أجور العمل:

3 ـ المحاكمة

الكتابة:

الشهادة:

الدفاع:

الشفاعة:

4 ـ التوافق

في الدنيا:

في الآخرة:

الفصل الثالث

سر الحكمة

أولا ـ الوحدانية

1 ـ وسائط القدرة:

الصمد:

القريب:

الرحيم:

القيوم:

الغني

2 ـ وسائط الحكمة

الجواب التوحيدي:

الجواب الجزائي:

الجواب المقاصدي:

3 ـ الوسائط التقديرية:

نفي الأسباب:

إثبات الأسباب:

ثانيا ـ الملك

1 ـ الله المالك:

2 ـ الله الملك:

ملكية التدبير:

ملكية التشريع:

ثالثا ـ الحمد

1 ـ عالم الخلق:

2 ـ عالم الأمر:

رابعا ـ القدرة

1 ـ العزيمة:

2 ـ العلم:

3 ـ العقل:

4 ـ الأمل:

الفصل الرابع

سر الرحمة

أولا ـ رحمة النشأة الأولى

1 ـ الرحمة الخالصة:

2 ـ الرحمة الممزوجة:

مزيج الظالمين:

مزيج الصالحين:

الجواب الأول:

الجواب الثاني:

الجواب الثالث:

الجواب الرابع:

مزيج الأبرياء

الجواب الأول:

الجواب الثاني:

ثانيا ـ رحمة النشأة الآخرة

1 ـ رحمة المقربين :

2 ـ رحمة الأبرار:

3 ـ رحمة الظالمين :

4 ـ رحمة الجاحدين:

خلود العذاب:

انتهاء العذاب:

رؤية ابن القيم:

الدليل الأول:

الدليل الثاني:

الدليل الثالث:

رؤية صدر المتألهين:

منافاة العذاب الأبدي مع الإيجاد والعلية:

منافاة العذاب الأبدي مع الرحمة الالهية الشاملة للكل:

ثبات وبقاء الفطرة وعرضية الهيئات الردية الموجبة للعذاب:

الخلاصة:

هذا الكتاب

 

 

المقدمة

حقائق القضاء والقدر من أعظم حقائق الوجود وأهمها وأولاها بالمعرفة بعد معرفة الله، لأنها معرفة نظام علاقة الله بخلقه، والقوانين التي تحكم ذلك، فكل شيء ـ كما أخبر الله تعالى ـ مخلوق بقدر، قال تعالى:﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ (القمر:49)

ولكن.. لماذا ـ مع هذا ـ تعتبر معانيها أسرارا، وحقائقها ألغازا، ومكشوفاتها غوامض؟

وهل السر إلا ذلك الذي يخزن في الصدر، فلا يكشف، ويخبأ في سراديب الوجدان، فلا يرى، ومن يكشفه يتعرض للمقت، فقلوب الأحرار قبور الأسرار!؟

ثم كيف لنا نحن البسطاء الذين نشكل صفرا عريضا في بنيان هذا الكون أن نكشف أو نكتشف أسرار الأقدار، وقد تهنا في التعرف على بعض أسرار هذا الكون المادي البسيط الذي نعيشه أو نعيش فيه، وأسرار الأقدار هي أسرار الكون جميعا، بل هي أسرار الأزل والأبد؟

وتتفرع عن هذه التساؤلات تساؤلات أخرى كثيرة تمتلئ بها جوانح قلوبنا ومدرجات جامعاتنا وأزقة شوارعنا، يسألها العامة والدهماء، كما يسألها الخاصة والكبراء، وتطرح كل إجابة سؤالا، ويلقي كل كشف سرابيل جديدة من الغموض.

فهل نستطيع الإجابة على هذه التساؤلات؟

وهل يمكن أن نصل في هذا الباب ـ الذي أراد البعض إغلاقه درءا للفتنة ـ إلى مرحلة اللاغموض، أو المرحلة التي يستسلم فيها الوجدان لله، محبة له ورضا بالقوانين التي تحكمه، وقناعة بأن الله أحكم الحاكمين، وأعدل القاضين، وخير المهندسين؟

في هذا البحث نحاول الوصول إلى هذه النتيجة العظيمة بثقة عظيمة، لأننا نحمل سراجا تنكشف به الحقائق، وتحل به الألغاز، وتفك به الطلاسم، وتقرأ به جميع الأبجديات الغريبة التي سطرت بها شيفرة الكون.

وهذا السراج ـ الذي هو نور على نور ـ هو كلام الله تعالى، فهو وحده الهادي في مثل هذه الظلمات، فالله مخطط الكون وواضع برنامجه هو المتكلم بالقرآن، وهو المعرف بحقائق الكون ونواميسه.

وسبب الخلط العظيم الذي وقع في هذا الباب الخطير، فوقع فيه الناس مشردين محجوبين غافلين، أو أصبحوا فرقا وطوائف تتنابز بالألقاب، أو يرمي بعضهم بعضا بالكفر والفسوق والبدعة والضلال هو إعمال بعض النصوص وهجر بعضها، أو تحميل النصوص ما لا تحتمل، أو تقديم العقل المدنس([1]) على النص المقدس، أو تقديم فهم امرئ من الناس على صريح كلام الله، أو على ما يقتضيه العقل من معان، أو التعصب للمذاهب والآراء على حساب الحقائق والمعارف..

وأسباب أخرى كثيرة لا يهمنا معرفتها، ولا يضرنا الجهل بها..

ونحن ـ بفضل الله ـ في هذه الرسالة لن نغفل بالرد على هذه الطوائف على ما أردناه من كشف حقائق القدر لعقولنا وقلوبنا وأرواحنا، ولن نغفل بالجدل الذي انحرفت به المعارف عن مساراتها.. وإنما ستكون وجهتنا وقبلتنا واحدة، ولا يهمنا بعد ذلك من توجه معنا إليها، أو خالفنا فيها.

بل نحسب أنا قد لا نخالف أحدا فيما ذهبنا إليه، فكل قد رام الحق، وكل وصل إلى بعض الحق..

* * *

وخلاصة الحقائق التي وصلنا إليها في هذه المسألة الخطيرة هي ـ ببساطة ـ أن نظام القدر الذي هو برنامج الكون ونظامه يتأسس على التعرف على أربعة أسرار كبرى، كل سر منها يشكل حقيقة عظيمة من حقائقه، ويقع الخطأ بقدر الاقتصار على بعض أسراره والغفلة عن بعضها.

وما وقع في التاريخ الإسلامي من تنازع المذاهب والطوائف([2]) وقع بسبب نصرة بعض أسراره على بعض، فكل ينصر حقا على حساب حق، ويرد بحق على حق، ويقف في زمرة حق ضد زمرة حق.

ولو تخلوا عن التعصب، واهتدوا بهدي القرآن الكريم وأعملوا النصوص جميعا لرأوا أن الحق في النصوص جميعا، بل في الظواهر البسيطة للنصوص، والتي لا تحتاج إلى تعسف تأويل أو تكلف شرح.

وهذه الأسرار الأربعة، والتي أسسنا عليها هذه الرسالة، هي: التوحيد والعدل والحكمة والرحمة.

فكشف سر التوحيد يبصرنا بالمهندس الأول للكون، والمنظم الأوحد لشؤونه، والمدبر الخبير بتفاصيله، فلا نرى في مرآة هذا السر غير الله، فنغيب بالله عن الكون الذي يسيره، وقد نرى الأمر حينها جبرا، لولا أن يمدنا الله بحقائق صفاته، ومقتضيات أسمائه لتعود لنا عقولنا، فنستكنه سائر الأسرار، ونعيش سائر الحقائق.

وكشف سر العدل يعيدنا إلى ذواتنا لنبصر إرادتنا، وهي تتحرك في أطر كثيرة واسعة من الاختيارات، لنتحمل حينها مسؤوليتنا على تصرفاتنا، وقد تصيبنا الغفلة عند هذا السر عن السر الأول، فتنصور أن لنا كونا قائما بذاته يضاهي الألوهية، لولا أن يردنا السر الأول إلى حقيقتنا، فينسجم التوحيد مع العدل، ونترتب في بنيان هذا الكون بحسب الترتيب الذي وضع لنا.

وكشف سر الحكمة يجعل من الكون مرآة لتجليات أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، فنرى من خلال حركات الكون صفات الله، أو تجليات أسماء الله، فنعيش مع الله، وتصبح أقدار الله حينها رسائل جميلة يهديها الله لنا كل حين لنتعرف عليه، لا جبالا قاسية نصطدم بها كل حين، أو نظل نسبها كل حين.

وكشف سر الرحمة يعيدنا إلى بدء الخلق وغاية الخلق، فالله خلق الخلق ليرحمهم، وأكرمهم بالوجود ليكرمهم بعدها بكل ما يقتضيه وجودهم من أنواع الإكرام، وقد يمرون بالفتن التي تختبر جواهرهم، أو تهيئ جواهرهرهم لرحمة الله، وهذا السر يرينا تجليات الرحمة الإلهية في تلك الفتن كما يرينا تجلياتها في الرحمة المحضة.

وكشف كل سر من هذه الأسرار يشعرنا بالسلام، السلام الشامل مع الله، ومع الكون، ومع نظام الكون، ومع ذواتنا، لأن أول خطيئة من خطايا سوء الفهم للأقدار هي الصراع، الصراع مع الله، ومع تخطيط الله، ومع مراد الله.

* * *

بعد هذا، قد نرى من يعتبر هذا الأمر لغوا، أو ترهات، أو جدلا فارغا، ونحن ـ لحبنا السلام وبغضنا للصراع والجدال ـ نوافقهم في كثير من ذلك، لأن اسم القدر أصبح عنوانا للشغب والجدال، فلا ترى كتابا يبحث في هذه المسألة إلا وترى فيه من الجدل والتشنيع على المخالفين ما يملأ نفسك مرارة، فلا تخرج منه بحلاوة الإيمان، وإنما تخرج منه ببغض القدرية والجبرية وغيرهم ممن تكلم في القدر أو حاول أن يكشف أسراره.

ولكنا مع ذلك لا نوافقهم على عدم الخوض في هذه المسألة، فهي مسألة من مسائل الإيمان، بل ركن من أركانه، بل هي من مسائل الوجود التي يقتضي العقل البحث فيها، ومن العبث عدم تلبية متطلبات العقل، لأن وساوسه ستظل تلح على الإنسان شاء أم أبى.

ثم لماذا ننظر إلى هذه المسألة بهذه السوداوية، مع أن أريج الروائح الطيبة لها ـ كما يصورها القرآن الكريم ـ تجعل الإنسان مسوقا من حيث لا يشعر إلى التلذذ بروائحها العطرة!؟

وفي الأخير..

قد يعاتبنا البعض على التعبير عن حقائق القدر بكونها ( أسرارا)، فهل في الدين أسرار؟

وهذا التعبير في الحقيقة لم نبتدعه ابتداعا، وإنما هو تعبير سلفنا الأول من العلماء، بل قد كان هذا التعبير ملاصقا للقدر من القرون الأولى، وسبب ذلك ليس ما نفهمه من معنى السر الذي لا يجوز كشفه، وإنما هو من معنى السر الذي يحرص على كشفه، فبعض الناس لا يلقي باله إلا إذا عرف أن الأمر سر، فاستجلاء الأسرار طبع لا ينفك عنه طبع الإنسان.

ثم إن القدر سر من نواح أخرى كثيرة..

فهو لغموضه سر، لا يفهمه ـ بدقائقه ـ إلا الخاصة من الناس، فهو ـ كسائر النظريات التي تفسر الكون جميعا ـ يحتاح إلى عقل واع بصير.

وهو لارتباطه بالنواحي الوجدانية سر لا يفهمه إلا من ذاق رحيق الإيمان من رياض الحقائق الأزلية، فالقدر أعظم تجليات الإيمان، كما أن الحقائق الكبرى للوجود من أعظم تجليات العلوم.

وهو ـ لتشعب نواحيه ـ سر لا يفهمه إلا من أوتي بصيرة توفق بين ما يراه الناس متعارضات يستحيل الجمع بينها، فيوفق بين البرودة والحرارة، ويحول من الألوان المشوشة عند بعض العيون سجادة جميلة تمتلئ بها الأبصار، وتشرق بها البصائر.

وهو سر من نواح أخرى كثيرة سنكتشفها في هذه الرسالة التي نستغفر الله من الزلل فيما أودعناه فيها من آراء، ونحمده على ما هدانا فيها من صواب، ونحن شاكرون لكل باحث عن حق هدانا إلى حق، أو صدنا عن باطل.

الفصل الأول

سر التوحيد

أول سر من أسرار القدر وأكمله وألذه، وما تعلقت به قلوب العارفين، وهامت فيه أرواح المشتاقين هو سر التوحيد.

وهو سر باعتباره حقيقة لا يفهمها إلا من تخلص من كثافة الطبع وأدران التشبيه، فميز بين الرب والمربوب، والعبد والخالق.

وهو سر ـ كذلك ـ باعتبار تأثيره الوجداني الرقيق في روح المؤمن به، فهو يجد له من اللذة ما لا يستطيع التعبير عنه.

وهو سر في الأخير، لأن إلقاء مفاهيمه على غلاظ الطباع ومن رانت على قلوبهم الغفلة قد يحجبهم عن رؤية سائر أسرار القدر، فينحجبوا بتوحيد الله عن حكمة الله وعدله ورحمته.

ولهذا، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتبر الإيمان بالقدر آخر ركن من أركان الإيمان، وهو في الحقيقة نتيجة حتمية للإيمان بالله، فيستحيل على من عرف كمالات الله المبثوثة في كتابه الصامت والناطق أن يغفل قلبه عن هذه الحقيقة التي ينطق بها كل شيء.

والمتأمل في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجد حضور هذا السر في كل محل، بل يشعر باستشعار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهذا السر، وتذوقه له، ففي الحديث: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا تزال نفسك فى كل عام وجعة من تلك الشاة المسمومة التى أكلتها؟، قال:( ما أصابنى من شيء منها إلا وهو مكتوب على وآدم فى طينته)([3])

وكأن أم سلمة في هذا الحديث تدعوه صلى الله عليه وآله وسلم ـ من غير أن تقصد ـ إلى التأسف على أكله من تك الشاة، أو إلى أشياء أخرى يتنزه عنها صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبرها صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن تنظر من كوة سر التوحيد لتصرف عنها كل أسف أو حقد أو انتقام.

وكان صلى الله عليه وآله وسلم في حياته كلها ينظر بهذا المنظار.. في أعقد الأمور وفي أبسطها..

قال أنس بن مالك :( خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين، لا والله ما سبني قط، ولا قال لي: أف قط، ولا قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته)([4])، وفي رواية:( خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين، فلا والله ما قال لي لشيء صنعته لم صنعته؟ ولا لشيء لم أصنعه ألا صنعته؟ ولا لامني، فإن لامني بعض أهله قال: دعه، وما قدر فهو كائن أو ما قضي فهو كائن)

ولهذا كان من اهم آثار هذا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه في شيء قط إلا ان تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها)([5])

ولكن هذه المعاني الذوقية الرفيعة والعلمية المتينة عرض لها من كبر عليه الجمع بين حقائق الإيمان بالقدر وأسراره، فصار إما منكرا للتوحيد معطلا لما دل عليه من النصوص ابتغاء تحقق العدالة والحكمة، أو مثبتا للتوحيد معطلا لعدل الله وحكمته ورحمته.

 بناء على هذا، وبناء على اعتبار القدر نظام التوحيد، والنتيجة الحتمية له، نحاول ـ بعيدا عن مصطلحات المتكلمين وجدل الفرق ـ تبصر الحقائق التي ينطوي عليها القدر من معاني التوحيد، والتي ورد النص عليها في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

وهي أربع حقائق كبرى، كل واحدة منها تشكل مرتبة من مراتب تقديرات الله.

وهذه المراتب الأربعة هي: علمه تعالى السابق بالأشياء قبل وجودها،، ثم مشيئته المتناولة لكل موجود، ثم كتابة ذلك فى الكتب المختلفة، ثم خلقه للموجودات وفق علمه ومشيئته وكتابته.

وسنخص كل مرتبة من هذه المراتب بمبحث خاص.


 

أولا ـ العلم

أول معرفة بالله تقود المؤمن إلى سر التوحيد في القدر هو التعرف على الله العليم اللطيف الخبير الشهيد([6]).

ثم التمييز بين حقائق هذه الأسماء بالنسبة لله تعالى، وبالنسبة لخلقه، فالله لا يشبه خلقه بأي حال من الأحوال:﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11)

لأن كل الشبه التي يزرعها الشيطان في قلب الإنسان، فينكر القدر، أو ينكر الاختيار منشؤها تشبيه علم الله بعلم الخلق، وقياس معلومات الله بمعلومات الخلق.

والتأمل في القرآن الكريم وحده كاف للدلالة على هذا النوع من المعرفة، فالله تعالى يرد كل الأشياء إلى علمه، ويفسرها بعلمه، ولذلك لا تخلو أكثر الآيات من الإشارة إلى علمه وما يرتبط به، وقد قال تعالى عن القرآن الكريم:﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ (النساء:166)، وقال تعالى:﴿ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (الفرقان:6)

وعلم الله ـ كما يتجلى في القرآن الكريم ـ علم شامل تام محيط، فهو تعالى يعلم ما بدا وما خفى، أحاط علما بجميع الأشياء من الكليات والجزيئات، علم في الأزل جميع ما هو خالق، وعلم جميع أحوال خلقه وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وشقاوتهم وسعادتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار، وعلم عدد أنفاسهم ولحظاتهم وجميع حركاتهم وسكناتهم أين تقع ومتى تقع وكيف تقع.

كل ذلك بعلمه وبمرأى منه ومسمع لا تخفى عليه منهم خافية سواء في علمه الغيب والشهادة والسر والجهر والجليل والحقير، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا في الدنيا ولا في الآخرة.

وهذه المعارف الإيمانية من اليقينيات التي يؤسس عليها المؤمن فهمه للقدر الإلهي، ويبني عليها تذوقه له.. ولكن الشبهة التي تعرض لمن لم يفقه معنى العلم الإلهي هو عدم تمييزه بين علم البشر وعلم خالق البشر، فوقوعه في براثن التشبيه هو الذي يوقعه في مستنقعات نفي القدر أو القول بالجبر.

ويمكن ـ من خلال القرآن الكريم ـ استنباط ثلاث نواح يتميز بها علم الله عن علم الخلق، وبإدراكها والتعمق في فهمها تزول كل الشبه المرتبطة بهذا الجانب من مفهوم القدر، وهذه النواحي هي: السعة، والخبرة، والغنى.

أما السعة فننفي من خلالها ما تصوره لنا أوهامنا من تشبيه علم الله اللامحدود بعلمنا المحدود، وبناء على ذلك تنتفي غرابة علم الله بالتفاصيل والجزئيات ما دق منها وما جل.

وأما الخبرة، فننفي من خلالها ما تصوره الأوهام من استغراب علم الله بالأشياء قبل حصولها.

وأما الغنى فنرى فيه مدى القصور الذي تضعنا فيه أوهامنا حين تصور لنا حاجة الله الغني العليم إلى حصول الأشياء ليحصل له العلم بها.

وإدراكنا لهذه الحقائق وتسليمنا لها لا يجعلنا متوافقين فقط مع ما تنص عليه النصوص المقدسة، ولكنه يجعلنا ـ أيضا ـ متوافقين مع ما تقتضيه عقولنا في أرقى درجات تقدسها.

ذلك أن العقل المتخلى عن زهوه وخيلائه وكبره يدرك أن جميع معارفه إذا ما قيست بالمجاهيل، فإنها تؤول إلى الصفر.. وهو ما عبر عنه في النصوص بأنه بمنزلة القطرة من البحر.

1 ـ سعة العليم:

الله تعالى هو المحيط بكل شيء علما، دقيقه وجليله، وأوله وآخره، وعاقبته وفاتحته، لا نهاية لمعلوماته ولا حصر لها، قال تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام:﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ (لأعراف: 89)

وهذا كسائر صفات الله تعالى، فهي كلها من السعة ما يجعلها محيطة بكل شيء، مهيمنة عليه، لا يغيب عنها شيء، تامة كاملة، ولذلك كان من أسماء الله تعالى التي نص عليها في القرآن الكريم اسم الله ( الواسع)، وقد ورد في ثمانية مواضع في القرآن الكريم.

وهو اسم نرى اقترانه الدائم في القرآن الكريم بالعلم ليدل على أن سعة علم الله مزدوجة مع سعة فضله وتصريفه وقيوميته، قال تعالى:﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:115)

وقال عن هبة الملك:﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 247)

وقال عن مضاعفة الأجور:﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:261)

وقال عن هبة المغفرة والفضل:﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:268)

وهكذا في كل آي القرآن الكريم، حتى في الآية التي ورد فيها اسم الواسع مضافا قرن بالعلم، قال تعالى:﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (لنجم:32)

فقد قرن تعالى في هذه الآية بين سعة مغفرته وبين علمه بخلقه.

فلذلك لا نهاية لمعرفة الله ولا حد لها، لأن (كل سعة وإن عظمت فتنتهي إلى طرف، والذي لا ينتهي إلى طرف، فهو أحق باسم السعة، والله سبحانه وتعالى هو الواسع المطلق، لأن كل واسع بالإضافة إلى ما هو أوسع منه ضيق وكل سعة تنتهي إلى طرف، فالزيادة عليه متصورة وما لا نهاية له ولا طرف فلا يتصور عليه زيادة)([7])

وانطلاقا من هذا يبث القرآن الكريم في روع المؤمنين الأوصاف الكثيرة الدالة على هذه السعة التي لا حدود تنتهي إليها، ويجعل ذلك في كثير من الفواصل القرآنية لتكون برهانا على ما اشتملت عليه الآية من أمر أو تدبير، ومن ذلك قوله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (لأنفال: 75) الذي ورد في فاصلة عشرين موضعا في القرآن الكريم.

والقرآن الكريم يذكر بعض تفاصيل هذه المعلومات، كشأنه من ذكر الحقائق مجملة ومفصلة، لأن الاقتصار على التفصيل قد يفهم منه البليد الحصر والضيق والمحدودية، والاقتصار على المجمل لا يكون له من التأثير النفسي ما يكون للتفصيل.

ولذلك انتقل الخليل عليه السلام من بعض تفاصيل معلومات الله إلى مجامعها كما حكى ذلك عنه الله تعالى في قوله:﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ (ابراهيم:38)

ولا بأس أن نستعرض على طريقة القرآن الكريم بعض التفاصيل التي قد تعمق مفهوم السعة المجمل، ونسوقها باعتبارين:

الاعتبار الأول: هو البرهنة على هذا بالنسبة لمن ينكرون علم الله بالتفاصيل أو يستبعدون ذلك.

والاعتبار الثاني: هو تعميق هذه الحقيقة في النفس المؤمنة، لأن حقائق الإيمان، كسائر الحق لا تغرس بذورها في النفس إلا بمثل هذه التفاصيل.

وانطلاقا من هذا، فإن القرآن الكريم يخبرنا، ويبث في روعنا أن الله تعالى يعلم جميع التفاصيل التي بنيت على أساسها السموات والأرض، فلا يخفى عليه شيء منها، قال تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ (آل عمران:5)، فكلمة شيء في الآية تشمل الصغير والكبير، والحقير والجليل.

وقال تعالى:﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحج:70)، و(ما) الموصولية تفيد العموم، فيدخل في معناها كل شيء بكل تفاصيله.

وقال تعالى:﴿ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الانبياء:4)، وقد وردت هذه الآية مطلقة كذلك لتفيد سعة علم الله بكل قول مهما كان نوعه.

والله تعالى يعلم الصغير والكبير، والكليات والجزئيات من السموات والأرض، ولذلك يستدل بهذا العلم على الساعة، قال تعالى:﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (سـبأ:3)

وهو يذكر بعض هذه التفاصيل الدقيقة ليمتلئ قلب المؤمن إحساسا بهذه السعة، قال تعالى:﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام:59)، وقال تعالى:﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ (فصلت:47)، وقال تعالى:﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ (سـبأ:2)

ويخطئ البعض حين يفسر مفاتح الغيب بأمور محدودة، ويتصور أنها هي وحدها التي استأثر الله بعلمها، ويستدل على ذلك بفهم خاطئ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا اللّه، ثم قرأ:﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:34)([8])

أو بحديث جبريل عليه السلام حين تبدي له صلى الله عليه وآله وسلم فسأل عن الإيمان الإسلام الإحسان، قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما قال له:( خمس لا يعلمهن إلا اللّه)، ثم قرأ الآية السابقة.

وهذه الأحاديث لا تعني التحديد أو الحصر، لأن سعة علم الله لا تحصر، وإنما المراد منها ذكر بعض التفاصيل، وهو مما ورد مثله كثيرا في السن المطهرة، ولهذا قال العلماء:( العدد لا مفهوم له)

ويخطئ آخرون خطأ أشنع حين يعتبرون قوله تعالى في الآية: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ﴾ مقصورا حول جنس الجنين، أهو ذكر أم أنثى، ويتصور بعضهم ـ انطلاقا من ذلك ـ أن الآية تتناقض مع ما تعرف عليه العلم الحديث من هذا الباب.. مع أن هذا النص لا يدل على جنس الجنين فقط، بل يدل على أن اللّه تعالى يعلم عدد الأجنة الموجودة في الارحام ووضـعـيتها واستعداداتها وأذواقها ومواهبها وقدراتها وضعفها وجميع خصوصياتها في كل لحظة.. بل في كل ثانية.. بل في كل ما لا يمكن التعبير عنه من الظروف.

وهكذا عن الغيث، فقد أحاط علمه بكمية الغيث ونوعيته وعدد قطراته ووزنها ومحل سقوطها ولا أحد يمكنه أن يحيط علما بهذه الأمور وبأي وسيلة كانت.

وهكذا كل ما يعلمه الله من سقوط الورق.. أو الحب المختبئ في الظلمات.. أو الرطب أو اليابس.. أو كل ما لا يمكن حصره من أكوان الله.

* * *

 وبما أن المخاطب الأول في القرآن الكريم هو الإنسان، فإن الله تعالى يحدثنا عن بعض هذه التفاصيل المتعلقة بعلمه بالإنسان، ويجعل من بيان علمه بتفاصيل السموات والأرض دليلا على علمه بالإنسان، قال تعالى:﴿ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الحجرات:16)

فالله تعالى:﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (الرعد:8)

وفي أي حالة كان الإنسان، فإن الله يعلمه:﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (يونس:61)، وقال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المجادلة:7)

ولذلك، فإنه تعالى يعلم ما تكنه ضمائرنا من خير أو شر، قال تعالى:﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (البقرة:235)

ويعلم ما نفعله ظاهرا من كل ذلك:﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ (البقرة: 197)

وهو يعلم طبائعنا وما نتحدث به لأنفسنا:﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (البقرة: 187)

وهو يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا:﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة: 255)

ويعلم تفاصيل أجسادنا وحياتنا وأعمارنا، قال تعالى:﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (فاطر:11)

ويعلم أعمالنا، قال تعالى:﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد:30)

ويعلم من ضل منا ومن اهتدى، قال تعالى:﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (الأنعام:117)

* * *

بعد هذا البيان القرآني الذي يبث في روع المؤمن سعة علم الله المحيط بكل شيء، والذي يعمر قلبه بلذة لا نهاية لها، لا يلتفت المؤمن إلى ذلك الجدل العقيم الذي أفرزته مقولة ( إن العلم الإلهي لا يتعلق بالجزئيات)([9]) أو إلى أولئك المحجوبين بعقال العقل الذين نفوا إحاطة علمه تعالى بكل شئ، رافضين شهادة الموجودات الصادقة على علمه المحيط بكل شئ.

لأن عقل المؤمن عقل مؤيد بوحي الله، فلذلك لا يقيس الواسع على الضيق، ولا المطلق على المحدود، ولا العليم على الجهول.

بل هو يدرك ما قاله الخضر عليه السلام لموسى عليه السلام عندما جاء عصفور، فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، فقال له الخضر عليه السلام:( ما علمي وعلمك في علم اللّه إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر)([10])

وهو تشبيه تقريبي.. أما الحقيقة فأعظم من ذلك، فلا يمكن مقارنة علم الله بعلم عباده، فعلم العباد هبة من الله وفضل منه، فهو علم تبعي لا ذاتي، وظل لا حقيقة.

ولذلك استعمل القرآن الكريم هذه التشبيهات ليصور سعة علم الله، فقال تعالى:﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ (الكهف:109)، وقال تعالى:﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (لقمان:27)

فهذه الآية تنص على أنه لو كانت تلك البحار ـ بجميع مياهها ـ مداداً لكلمات اللّه، والشجر كله أقلاما، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات اللّه قائمة لا يفنيها شيء، لأن أحداً لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا أن يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه.

* * *

 أما السؤال الذي يجره الوهم بعد هذا، والذي منشؤه التشبيه، وحصاده الجهل والجحود، وهو: كيف يكون الله عالما بكل شيء؟.. أو كيف لا يعزب عن الله شيء؟

والجواب عن هذا لا يحوج المؤمن إلى أي تكلف، بل يكفيه أن يقرأ سورة الإخلاص ليعلم أن صفات الله تابعة لذات الله ([11])، وذات الله لا تحد ولا تقيد، ولا يقال عنها كيف، ومثلها صفاته.

وهذا الجواب يرضي العقل السليم ويغنيه، لأنه إذا قيل له:( إن فلانا الراعي يدرك خفايا النظريات العلمية ودقائقها، بل يستطيع أن يحول منها واقعا ملموسا) تجده يستغرب، ويسأل محتارا:( كيف يكون هذا؟)

لكن إن قيل له:( إن الدكتور الفلاني يعلم كل ذلك) لا يستغرب ولا ينكر ولا يسأل عن كيف ولا أخواتها.

فهو يدرك أن حقيقة الدكتور العلمية تختلف عن حقيقة الراعي.

وذلك نفس ما يقوله العقل السليم عن الله، فلا يستغرب صفاته تعالى ولا يتعجب منها إلا الجاهل بذات الله أو بقدر الله.

ولذلك قال تعالى في الإخبار عن قصة أصحاب الكهف:﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ (الكهف:9)، أي ليس أمرهم عجيباً في قدرتنا وسلطاننا، فإن خلق السماوات والأرض وتسخير الشمس والقمر وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة اللّه تعالى؛ وأنه على ما يشاء قادر، ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف.

فلذلك أمرنا بتسبيح الله عند رؤية آياته حتى ننزهه من أن نحصر قدرته أو صفاته في حدود معينة، كما قال تعالى عن العارفين:﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران:191)

فالتسبيح هو تنبيه العقل إلى عدم حد الله بأي حدود، فالله هو الواسع المحيط بكل شيء.

* * *

 بعد هذا نتساءل عن علاقة هذا بالقدر.. أو ما الذي يؤسسه هذا النوع من الإيمان في النفس والعقل والقلب من حقائق القدر؟

والجواب عن ذلك هو أنه من الشبه الكبيرة التي قد تسيطر على النفس ـ وربما لا يستطيع اللسان أن يعبر عنها حياء أو أدبا أو خوفا من الكفر والضلال والبدعة ـ هو تصور المحدودية في علم الله، باعتبار أن المعلومات التي ينتظمها هذا الكون من السعة بحيث لا يتصور لها نهاية.. والعقل الإنساني يتيه لا محالة عند الوصول إلى هذه الغاية.. ولذلك يحكم عليها ـ شعر أو لم يشعر ـ بالاستحالة.

وانطلاقا من دنس هذا التشبيه يقع في أنواع أخرى من الدنس تحول بينه وبين فهم القدر الإلهي وتذوقه.

ولهذا كان هذا النوع من العلم هو اللبنة الأولى التي يتأسس عليها الإيمان بالقدر.

2 ـ خبرة العليم:

الفرق الثاني بين علم الله وعلم خلقه، والذي نحتاجه لإدراك سر التوحيد في القدر، هو أن علم الله محيط بالمعلوم، يعلم ظاهره وباطنه، ومكشوفه وغامضه، وسره وعلانيته، فينكشف له انكشافا تاما بخلاف علم الخلق المحدود، والذي يعلم من الأشياء ما تقتضيه مصلحته منها، فلا يعدوا أن يعرف الأعراض والظلال دون الحقائق والجواهر، ولذلك عبر القرآن الكريم عن العلوم التي وهبها لآدم عليه السلام بكونها أسماء، قال تعالى:﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة:31)

فكل ما يعرفه البشر الآن من معارف، والتي قد يتصورون أنهم قد بلغوا بها الذروة لا تعدو أن تكون معرفة لبعض الخصائص والصفات، وهي أقل من أن تدرك حقائق الأشياء على ما هي عليه.

أما علم الله فهو علم شامل محيط بالمعلوم من كل نواحيه، ولذلك كان من أسماء الله تعالى الخبير والشهيد واللطيف:

أما الخبير، فهو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة فلا يجري في الملك والملكوت شيء ولا تتحرك ذرة ولا تسكن ولا تضطرب نفس ولا تطمئن إلا ويكون عنده خبرها([12]).

أما الشهيد فهو العالم بما ظهر، فالشهادة تعني الحضور، كما قال تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾(البقرة: 185)، ولهذا أخبر تعالى أنه شهيد على كل شيء، فقال على: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج: 17)، وقال: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المجادلة:6)، وقال: ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (البروج:9)

ومثل هذا الاسم اسمه تعلى (الرقيب) فهو يدل على حضور الله التام لكل شيء، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (النساء:1)، فقد جعل الله تعالى في هذه الآية أمره بالتقوى مستندا إلى رقابة الله التي تعني حضوره الشامل الكامل لكل شيء، وهو ما يفسره قوله تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الحديد:4)، فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أصنافا كثيرة من معلوماته، ثم ربطها بحضوره التام.

وقد جمع الله تعالى بين الرقابة والعلم في قوله على لسان نبيه يوسف: ﴿ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة: 117)

أما اللطيف فهو الذي يعلم ما لطف من الأشياء، وما دق منها، وما بني عليها، وما تفرع منها.

وبهذه الأسماء الثلاثة يكون علم الله محيطا بالمعلوم من كل جوانبه.. فهو يعلم باطنه بكونه خبيرا.. ويعلم ظاهره بكونه شهيدا.. ويعلم أساسه وما دق منه بكونه لطيفا.

ولهذا، فإن القرآن الكريم يحدثنا ويملأ قلوبنا بمعاني هذه الأسماء، ويربينا على أساسها، ولذلك يكثر التنبيه إلى علم الله بالسر والجهر والخفي والمعلن والغيب والشهادة، ولكل ذلك تأثيره العلمي والذوقي لفهم سر التوحيد في القدر.

بل إن لذلك دوره في كشف غوامض القدر، والرد على الشبهات التي تفرزها الغفلة، وتبثها الشياطين.

ولتقريب الصورة نرى في واقعنا الاهتمام في كل مجال بما يقوله الخبراء، فيرجع إليهم في التحاليل السياسية والعسكرية والطبية وغيرها، حتى أن أقوالهم التي تحاول استشراف المستقبل بناء على الواقع تصبح هي الواقع الذي يؤثر في كل المجالات.

فلذلك يكفي أن يقول الخبراء الاقتصاديون باحتمال ارتفاع عملة معينة ليحول السوق من قبلة إلى قبلة.

ويكفي أن يوجه الخبراء السياسيون حادثة معينة توجيها خاصا ليتحول العالم إلى عالم آخر.

بل إنا في حياتنا العادية نرجع إلى الخبراء في كل المجالات، لأن علم الخبير مبني على الواقع لا على الخيال، ومؤيد بالخبرة والتجربة والمعايشة التي تحول من تنبؤاته علما محققا.

وانطلاقا من هذه الخبرة الهزيلة التي منحها الإنسان، والتي من خلالها استطاع أن يستشرف كثيرا من خبايا المستقبل، نتساءل عن التعجب من خبرة الله، وعن سؤال: كيف؟ عن خبرة الله.

فالله تعالى الذي خلق الإنسان، ويعلم خصائصه الظاهرة والباطنة،كيف لا يعلم مستقبل الإنسان، قال تعالى:﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:14)

وذلك، كما أن صانع الآلة ومخترعها هو خبير بإمكانيتها، وبما يحصل لها من عطب، وبما يؤول إليه أمرها، فيتعامل معها، وكأنها جزء منه، بخلاف من يتعامل معها تعامل المستهلك الذي لا يرى منها إلا جانبها المنفعي المحدود.

وللفرق بين علم الخبير وعلم غيره أمر الله تعالى طالب معرفة الله بالرجوع إلى الخبير، وهو العالم بالله العارف به المصاحب له، قال تعالى:﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ (الفرقان:59)

ولذلك يخبرنا الله تعالى في معرض الحديث عن أحكامه عن خبرته بأعمال خلقه، لأن العالم بذوات الخلق أعلم بأعمالهم:

ففي معرض ذكر الله تعالى لجواز تزين النساء بعد انتهاء إحدادهنا، قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (البقرة:234)

وهي تحمل عتابا مبطنا لمن ينكر عليهن، لأن في إنكاره تعديا على الله، فالله هو الخالق الخبير بخلقه، وهو أعلم بما في نفوسهم وبواطنهم، وله وحده الحق في الإنكار أو عدمه.

وفي معرض ذكره للصدقات قال تعالى:﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (البقرة:271)، فالله تعالى عقب على هذا السلوك الذي هو إظهار الصدقات أو إخفائها بكونه خبيرا، وكأنه يخبر من أظهر الصدقات بأن الله خبير يعلم نيته في إخراجه لها علانية.. فالعلانية لا تدل بحد ذاتها على الإخلاص أو على الرياء، ولهذا فهي تحتاج إلى خبير يميز بينهما.

ومثل هذا يقال في قوله تعالى:﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران:153)، وقوله تعالى:﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران:180) وغيرها من آيات القرآن الكريم.

ولهذه الفاصلة المترددة في هذه الآيات وغيرها تأثير سلوكي تربوي عظيم.. فهي تربي المؤمن على مراعاة خبرة الله ببواطن الأشياء.. وذلك ما يجعله يتقن العمل ظاهرا وباطنا، فلا تشغله حروفه عن مقاصده، ولا ظاهره عن باطنه.

وترد خبرة الله تعالى في القرآن الكريم مقرونة بلطفه وعلمه في مواضع كثيرة للتنبيه إلى أن هذه الخبرة مستندة إلى العلم الواسع من جهة، ولا يصدر منها إلا اللطف من جهة أخرى، فهي خبرة علمية عملية:

وقد جمع الله تعالى بينها جميعا في قوله:﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:14) والتي جاءت عقب قوله تعالى:﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (الملك:13)

وكأنها بذلك تعلل سر علم الله بسر العباد وجهرهم وبذات صدورهم، فالله هو الخالق، وهو اللطيف الذي لطف في خلقهم بتلك الصورة، وهو الخبير بمصالحهم وأحوالهم وتصرفاتهم عند فعلها أو قبل فعلها.

وقال تعالى قارنا للطف بالخبرة في حكايته عن موعظة لقمان عليه السلام لابنه:﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:16)

فالله تعالى خبير بموضعها لطيف بوضعها الموضع المناسب لها.

وقال تعالى في تعليل إدراكه للأبصار، وعدم إدراكها له:﴿ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام:103)

فعدم إدراك العباد لله معلل بلطف الله وخبرته، فالله لطيف بعباده رفيق بهم خبر ضعفهم عن إدراكه فحرمهم منه في الدنيا لطفا ورفقا لا شحا وبخلا، فهو الكريم الجواد.

وقال تعالى عن لطفه المقترن بخبرته في النظام والإبداع الذي زين به السماء والأرض:﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (الحج:63)

وقال تعالى قارنا بين العلم والخبرة:﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:34) فقد علل تعالى علمه بمستقبل الأشياء بعلمه بها وخبرته.

وقال تعالى مرجعا سر خلق البشر على هذه الصور المختلفة إلى علم الله وخبرته:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13)

كما يرد في القرآن الكريم الاقتران بين خبرة الله وبصره ليدل على علم الله المطلق بالأشياء وبصره بها، قال تعالى:﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ (الاسراء:17)، وقال تعالى:﴿ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (فاطر:31)

* * *

 والقرآن الكريم ينقلنا من العلم المجمل إلى العلم المفصل، ومن العلم النظري إلى العلم العملي حين يخبرنا عن علم الله بكل ما نخفيه وما نبديه، قال تعالى:﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (طـه:7)، وقال تعالى:﴿ لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (النحل: 23)، وقال تعالى:﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ (الانبياء:110)، وقال تعالى:﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (النمل:74)، وقال تعالى:﴿ إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (الأحزاب:54)

وهو تعالى عليم بذات الصدور، قال تعالى:﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر:19)، وقال تعالى:﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (الملك:13)

فلذلك يعلم ما يكنه اليهود من أحقاد على المؤمنين، قال تعالى:﴿ هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران:119)

وهو عليم بما تكنه صدور المنافقين من الأحقاد، قال تعالى:﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران:154) أي هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين.

وهكذا يرتاح المؤمن، وهو يرى أن الله مطلع على القلوب التي تحمل عليه الأضغان والأحقاد، فيكتفي بعلم الله عن أن يشغل نفسه بذلك.

* * *

وانطلاقا من هذه الأوصاف الدالة على خبرة الله بكل شيء، وهي التي يتأسس عليها سر التوحيد في القدر، يخبرنا القرآن الكريم عن علم الله بالمستقبل، وهو العلم الذي يجادل فيه المنكرون للقدر شعروا أو لم يشعروا.

فالله تعالى أخبرنا بما سيكون من الممكنات لو كان على غير الصورة التي كان عليها:

فأخبر عن مقولة الكفار الذين لم يرضهم أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بشرا مثلهم، قال تعالى حاكيا قولهم:﴿ وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ (الأنعام:8)، ثم قال بعدها مبينا الحال لو كان الرسول ملكا:﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ (الأنعام:9)

وعلى عكس هذا أخبر القرآن الكريم عن مقولة الكفار المجادلين فيما لو كان الأمر على خلاف ما بعث لهم، فقال تعالى عن قولهم لو كان القرآن الكريم أعجميا:﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (فصلت:44)

وهكذا لو كان رسولهم أعجميا لاعتلوا بعلة عجمته:﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء:198 ـ199)

وقال تعالى فيما لو نزل عليهم في كتاب فعاينوه ورأوا نزوله وباشروا ذلك:﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (الأنعام:7)

ومثل هذا أخبر عن قولهم في مكابرتهم للمحسوسات:﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (الحجر:14 ـ 15)

وهكذا قولهم في سائر آيات الله التي يزعمون أنها لو جاءت لآمنوا بها، قال تعالى:﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام:109)

بل أخبر الله تعالى عن المستحيلات التي لم تقع ولن تقع، بل يمنع العقل وقوعها لو وقعت كيف يكون تأثير وقوعها:

فقال تعالى فيما لو كان الكون تحت سيطرة مجموعة آلهة كما يعتقد الوثنيون:﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الانبياء:22)

وقال فيما لو كانت الألوهية شركة بين الله وغيره:﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون:91)

وقال تعالى رادا على المشركين في دعواهم التزلف إلى الله بآلهتهم:﴿ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ (الاسراء:42)، أي لو كان الأمر كما تقولون وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه، لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه، فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه بل.

وهكذا يمتد علم الله وخبرته إلى كل الأمور ما كان منها في حيز الوجود، أو ما كان مخبأ في سراديب العدم، أوما لن يكون أبدا.

* * *

 وانطلاقا من هذا نحب أن نستشرف بعقولنا الضعيفة السر في علم الله بأفعال الإنسان وأجزيته قبل صدور ذلك منه، وهو ما لم تتقبله بعض العقول الضعيفة فراحت تلحد في آيات الله.

فالله تعالى يرجع ذلك العلم إلى كونه الخالق الذي يعلم حال المخلوق، ولهذا يرد في القرآن الكريم الربط والاقتران بين العلم والخلق، كما قال تعالى:﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:14)

وقد قال قبلها:﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ (الملك:13)، فقد أرجع سر علمه بذات الصدور إلى كونه الخالق لها.

وهكذا في قوله تعالى:﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ (قّ:16)، فقد أرجعه علمه تعالى بالإنسان إلى كونه الخالق له، وهو أقرب إلي من حبل الوريد.

ولهذا يعلل تعالى مغفرته لذنوب العباد، وخاصة ما كان منها من اللمم بعلمه بنشأتهم، وما جبلوا عليه، قال تعالى:﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ (لنجم:32)

فاللمم المستثنى هو صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال التي قد يغلب فيه الطبع، ولهذا قال ابن عباس :( ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:( إن اللّه تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنَّفْس تمنّى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)([13])

فاعتبر صلى الله عليه وآله وسلم هذا الطبع الذي يغلب على الإنسان ولوكان صالحا من الجبلة التي جبل عليها، والتي يجتهد في توجيهها، ولكنها مع ذلك قد تغلبه، والله تعالى وعد بالمغفرة عليها إذا ما لم يستسلم الإنسان لها، فتوقعه في الكبائر.

ولهذا يرد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة الحديث عن جوانب خلق الإنسان لما لها من التأثير في سلوكه وطبعه، قال تعالى مفصلا نعمه في خلق الإنسان وخلق جميع احتياجاته:﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ (الزمر:6)

ثم رتب على هذا الخلق أوامره وتشريعاته، قال تعالى بعد الآية السابقة:﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ (الزمر:7)

* * *

 ونرى في القرآن الكريم أن الله تعالى ـ لعلمه بخلقه وطبائعهم وما فطروا عليه من خير وشر ـ يرجع سر اختيار الإنسان أو المصطفين من بني الإنسان إلى علمه بهم:

فلهذا قال تعالى للملائكة ـ عليهم السلام ـ حينما بدا من منهم الاستغراب من خلق من يفسد فيها ويسفك الدماء رد عليهم بأنه يعلم منهم ما لا يعلمون، قال تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:30)

فالملائكة ـ عليهم السلام ـ نظروا إلى تسبيحم وتقديسهم وغفلوا عن مراد الله من الخليفة، وهو كما يقتضي الفساد يقتضي الصلاح، ومراد الله الصالحون من خلقه.

وهؤلاء الصفوة من خلقه هم الذين اختارهم الله على علمه بهم، ولهذا رد الله تعالى على المشركين الذين أنفوا من اتباع الحق لما رأوا غالب من اتبعه في أول بعثته صلى الله عليه وآله وسلم ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال تعالى حاكيا عن قولهم:﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْه﴾ (الاحقاف: 11)، وقال تعالى:﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ﴾ (مريم:73)

فرد الله تعالى هذه المقولات كما رد مقولة الملائكة إلى أن علمه بخلقه وبما جبلوا عليه هو الذي أهلهم لذلك التخصيص، فقال تعالى ردا على قولهم:﴿ أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ﴾ (الأنعام: 53) بقوله تعالى:﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (الأنعام: 53) أي أن الله أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (العنكبوت:69)

وبمثل هذا رد الله تعالى على استهزاء المشركين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناشئ عن احتقارهم له والمتولد من عدم معرفتهم به، كما قال تعالى:﴿ وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ (الانبياء:36)، وقال تعالى:﴿ وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً﴾ (الفرقان:41)

وقال تعالى عن المماثلة في ذلك بين قوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقوم غيره من الأنبياء ـ عليهم السلام ـ:﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ  (الأنعام:10)

فالله تعالى رد على هذا الاحتقار الممزوج بالحسد والكبر بقوله تعالى:﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: 124)، أي أن الله أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، فليس كل محل أهلا لتحمل الرسالة عنه وأدائها إلى الخلق، كما أنه ليس كل محل أهلا لقبولها والتصديق بها.

ولهذا يقرن القرآن الكريم بين التخصيص والعلم كما قال تعالى:﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾، ثم عقب على ذلك بقوله تعالى:﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾

ومثل ذلك قوله تعالى:﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً ﴾ (الاسراء:55)

* * *

 

 قد يقال بعد هذا: لماذا كان الأمر هكذا؟

وكما قلنا في ( كيف) نقول في ( لماذا)، فالله تعالى هو المنفرد بالخلق والاختيار، وليس له في ذلك منازع ولا معقب، قال تعالى:﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (القصص: 68) فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده ومرجعها إليه.

ولهذا نفى أن يكون لغيره اختيارا مع اختياره، بل اعتبر اعتقاد ذلك شركا، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (القصص: 68)

وإن أراد العقل أن يتصور ذلك ويقتنع به فلينظر إلى جميع اختياراته ما دق منها وما جل، ليرى أنه لا يختار إلا ما يراه طيبا، ولا يطرح إلا ما يراه خبيثا.

وكذلك الأمر ـ ولله المثل الأعلى ـ بالنسبة للمختارين من خلق الله، كما قال تعالى:﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ (لأنفال:37)

وهذا التمييز هو المراد من التكليف والابتلاء ليقسم الناس يوم القيامة على أساس علاقتهم بالله، كما قال تعالى:﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ (يونس: 28)، وقال تعالى:﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ  (الروم:14)، وقال تعالى:﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ (الروم: 43)، وقال تعالى:﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾ (يّـس:59)

* * *

 وكما أن الله تعالى يرجع أسرار اصطفائه للمخلصين من عباده إلى علمه بهم وبما تكن طبائعه من جواهر الطيبة يرجع أسرار تشريعاته وخاصة ما غمض على العقل إدراكه أو صعب على الجوارح تنفيذه إلى علم الله وخبرته.

ولذلك قال تعالى في تشريع القتال:﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ  (البقرة:216)

فالله تعالى ينهى عن الاستسلام لأذواقنا ورغباتنا فنحن نجهل بأنفسنا من أن نشرع لأنفسنا:

رب أمر تتقيه

 

جر أمرا ترتضيه

خفي المحبوب منه

 

وبدا المكروه فيه

 ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم لرجل:( أسلم)، فقال:( أجدني كارهاً)، قال:( أسلم وإن كنت كارهاً)([14])

ومن هذا الباب قوله تعالى في النهي عن العضل:﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ (البقرة:232)

فالله تعالى نهى عن اتباع ما تأمره به الأحقاد والضغائن وأعاد الأمر للزوجين، فهو أعلم بهما وبرغبتهما.

* * *

 ومثل خبرة الله بتشريعاته وعلاقتها بمصالح الخلق، فإن القرآن الكريم يخبرنا عن علم الله المطلق وخبرته بعواقب حياتنا وما يحصل لنا من مقادير، ولذلك كان تعالى أدرى بمصالحنا من أنفسنا.

ومن أمثلة ذلك ما حصل للصحابة عند انصرافهم من غير عمرة في صلح الحديبية، وتصوروا أن ما حصل لهم كان هزيمة شديدة، ولكن الله تعالى الخبير بعواقب الأمور يبشرهم معتبرا ما حصل فتحا من الله، قال تعالى:﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ (الفتح:27)

فقد بين تعالى حكمة ما كرهوه عام الحديبية من صد المشركين لهم حتى رجعوا ولم يعتمروا، وبين لهم أن مطلوبهم يحصل بعد هذا، فحصل في العام التالي، وكان ذلك الفتح هو صلح الحديبية فبسببه حصل من مصالح الدين والدنيا ما لم يكن يخطر على بال الصحابة([15]) ولهذا سماه فتحا، وسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم:( أفتح هو) قال:( نعم)([16]) 

ومثل هذا قول يوسف عليه السلام:﴿ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (يوسف: 100)، فأخبر أن الله تعالى بلطفه نقله من تلك الأحوال جميعا إلى ذلك الحال المرتضى بطرق خفية لا يعلمها الناس.

ولهذا كان لاسم اللطيف دلالة أخرى غير دلالته على العلم، وهي دلالته على نوع من أنواع القدرة.. فتقديرات الله تقديرات لطف.. لا تقديرات عنف، وهو لهذا يرتب الأمور بعضها على بعض إلى أن تصل إلى النتيجة المطلوبة، وهو معنى قوله يوسف ـ عليه السلام ـ: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾

ولنفهم هذا المعنى الذي قاله يوسف عليه السلام نرجع إلى قصة يوسف في القرآن … فالله تعالى بدأ هذه السورة بالغاية التي سينتهي إليها يوسف عليه السلام، وهو ما رآه في حلمه من المكانة التي أعدها الله.

ثم جاءت جميع أحداث السورة لتبين كيف كان اللطيف الخبير يسير حياة يوسف عليه السلام لتتحقق له تلك المكانة التي أعدت له ابتداء.

وقد كان يعقوب عليه السلام مدركا لعجيب لطف الله، فلهذا لم يستغرب لما جاءه البشير، بل لام من استغرب ذلك، قال تعالى:﴿ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ (يوسف:96)

وهكذا ما ورد في سورة القصص، فقد بدأت هذه السورة بقوله تعالى: ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾ (القصص)

ثم بينت من أين بدأ لطف الله يحضر لهذا المن والتمكين الذي ينتظر المستضعفين، فقال: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ (القصص:7)

فقد بدأ المن والتمكين بتحضير أم صالحة ترضع رضيعا … ليقع هذا الرضيع بعد ذلك في يد أعدائه … ثم يتربى في حجرهم … ثم يفر منهم … ثم يعود إليهم بعد أن يئسوا من عودته ليحقق الله به البشارة التي وعد بها من تمكين المستضعفين.

* * *

 وهذا الأساس المعرفي يلقي للمؤمن أول ثمرة من ثمرات التوحيد في القدر، فيستشعر المؤمن أنه بين يدي خبير رحيم لطيف قد يوقعه ظاهرا في بعض المحن التي تطهر خبثه وتنقي سريرته، ولكنه يوقن أنه سيخرجه منها نقيا طاهرا سعيدا، مثلما يخرج الطبيب الخبير مريضه الذي قطع أوصاله وآلمه بأنواع المرارات صحيحا معافى.

ولذلك كان إدراك المؤمنين لهذه الحقيقة هو الذي جعلهم يستسلمون لأوامر الله، وهم يدركون أن اختيار الله لهم خير لهم من اختيارهم لأنفسهم، وقد روي في سبب نزول قوله تعالى:﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:232) أن بعض الصحابة زوج أخته رجلاً من المسلمين على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت عدتها، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطاب، فقال له:( يا لكع ابن لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها، واللّه لا ترجع إليك أبداً آخر ما عليك)

قال الراوي:( فعم اللّه حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل اللّه تعالى:﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ (البقرة: 231) إلى نهاية الآية، فلما سمعها قال:( سمعا لربي وطاعة)، ثم دعاه فقال:( أزوجك وأكرمك)([17])

وهذا التسليم لخبرة الله وعلمه في شؤون التشريع والحياة هو الذي يجعل المؤمن يلتجئ إلى الله العالم بعواقب الأمور يستخيره فيما يعرض له من أمور، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من سعادة ابن آدم كثرة استخارته لله تعالى ورضاه بما قضى الله تعالى، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله تعالى وسخطه بما قضى الله تعالى له)([18])

ودعاء الاستخارة الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل كان حريصا على تعليمه يحمل كثيرا من معاني الالتجاء لله والتسليم له باعتباره العليم الخبير، عن جابر بن عبدالله قال:( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن فيقول:( إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، وقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به، قال: ويسمي حاجته)([19])

ففي هذا الدعاء الرقيق يلجأ العبد الضعيف إلى ربه معترفا بجهله وعجزه مستسلما لعلم الله وقوته.

وهكذا يتلقى المؤمن العارف بالله هذه المعارف الجليلة، حيث يحولها إلى علاقات ذوقية وجدانية ومنهج حياة يعيش بمقتضاه في صحبة ربه هائما في مواجيده، بينما يتلقاها العقل المتكبر المستبد الجاهل بكبريائه وجهله، مقارنا نفسه بربه، يجادل في الله بغير علم ولا برهان ولا كتاب منير.

وهو في ذلك كالمياه العذبة تتلقاها التربة الطيبة، فتخرج منها ثمارا يانعة تؤتي أكلها كل حين، وتتلقاها المستنقعات الأسنة، فتنتشر روائحها المنتنة في أرجاء الفضاء.

3 ـ غنى العليم:

 الفرق الثالث بين علم الله وعلم خلقه، وهو حقيقة من الحقائق الكبرى التي ندرك بها سر التوحيد في القدر هو أن أن الله غني عليم.

والغنى المطلق يعني تنزه الغني عن أي علاقة له بغيره سواء في ذاته أو في صفاته([20]).

وكما أن الله غني بذاته غنى مطلقا، فهو كذلك غني بصفاته عنهم، فلذلك لا يكون علم الله تعالى مستفادا من المعلومات، بل تكون المعلومات مستفادة منه.

وهذا بخلاف علم العبد الذي يتبع الأشياء ويحصل بها، فلا يعلم الشيء إلا بعد وجوده.

ولا يستغرب هذا الوصف لله، فالله هو مبدع الخلق من العدم، ولا يستحيل على المبدع أن يدرك من أسرار اختراعه ما لا يدركه غيره، ولهذا يختلف علم متعلم الشطرنج عن علم واضعه، ( فإن علم الواضع هو سبب وجود الشطرنج، ووجود الشطرنج هو سبب علم المتعلم، وعلم الواضع سابق على الشطرنج، وعلم المتعلم مسبوق ومتأخر، فكذلك علم الله عز وجل بالأشياء سابق عليها، وسبب لها وعلمنا بخلاف ذلك)([21])

ويضرب النورسي على استقلالية علم الله، واستناد الأشياء جميعا إلى علمه مثلا بما لو أمررنا مادة كيمياوية معينة على كتاب كـُتب بـحبر كيمياوي لا يُرى، فإن ذلك الكتاب الضخم يظهر عياناً حتى يستقرىء كل ناظر اليه.

ومثل هذا يتعين مقدار كل شيء وصورته الـخاصة به في العلم الـمحيط للقدير الازلي، فيمرر القدير الـمطلق قوته - التي هي تـجلٍ من قدرته - بكل سهولة ويسر، كإمرار تلك الـمادة في الـمثال، على تلك الـماهية العلمية، يـمرره بأمر (كن فيكون)، وبقدرته الـمطلقة تلك، وبارادته النافذة.. فيعطي سبحانه ذلك الشيء وجوداً خارجياً، مـُظهراً إياه أمام الأشهاد، مـما يـجعلهم يقرأون ما فيه من نقوش حكمته.

وهكذا يكون علم الله أساسا لمشيئته وتقديره ـ كما سنرى ـ

ويضرب مثلا آخر على ذلك بما لو أن شخصا مـحـبوسا في غرفة صغيرة لايوجد فيها سوى ثقب صغير يطل على الخارج، فعندما تمر قافلة من الإبـل مـن أمـام هذا الثقب، فان هذا السجين سوف يشاهد رأس بعير أولا، ثم رقبته، ثم سنامه، ثم أرجـلـه، ثـم ذنـبه، وهكذا الحال بالنسبة لسائر الإبل الأخرى.

وبذلك يصير ذلك الثقب هو السبب في إيجاد حالات من الماضي والحاضر والمستقبل لدى الناظر السجين، لكن المسألة تختلف تماما بالنسبة لـلواقف على سطح الغرفة، وينظر الى الصحرا نظرة شاملة، فهو يشاهد جميع إبل القافلة في وقت واحد.

ومـن هنا يتضح ان ايجاد مفاهيم الماضي والحال والمستقبل ناجمة عن محدودية نظرة الإنسان، فما هـو مـاض بـالنسبة لنا كان مستقبلا لأقوام قد سبقونا، وماهو مستقبل بالنسبة لنا هو الآن ماض بالنسبة لأقوام سيأتون.

ويضرب مثلا آخر على ذلك، فيقول:( إذا وجدت في يدك مرآة، وفرضتَ المسافة التي في يمينها الماضي، والمسافة التي في يسارها المستقبل، فتلك المرآة لا تعكس الاّ ما يقابلها، وتضم الطرفين بترتيب معين، حيث لا تستوعب أغلبهما، لأن المرآة كلما كانت واطئة عكست القليل، بينما اذا رفعت إلى الأعلى فإن الدائرة التي تقابلها تتوسع، وهكذا بالصعود تدريجياً تستوعب المرآة المسافة في الطرفين معاً في نفسها في آن واحد.

وهكذا يرتسم في المرآة في وضعها هذا كل ما يجري من حالات في كلتا المسافتين. فلا يقال إن الحالات الجارية في إحداها مقدمة على الأخرى، أو مؤخرة عنها، أو توافقها، أو تخالفها) ([22])

وانظلاقا من هذا الأمثلة، فإن الذات التي لا يحصرها مكان، بل لا علاقة لها بالمكان.. بل ولا علاقة لها بالزمان([23]).. قد أحاطت بالأزل والأبد.. فإن الماضي والحاضر والمستقبل بالنسبة لها لا معنى له، فجميع حوادث الدهر ماثلة بين يديها (ولكن كل واحدة في موقعها الخاص)، وهـي محيطة علمابجميع الـحوادث وموجودات العالم، سوا بالماضي، أوبالحاضر، وبالمستقبل بصورة متساوية.

نعم.. إن تصور هذا بالنسبة للعقل المحبوس في مضيق الحس صعب.. ولكن كل الحقائق لا تدل إلا على هذا.. ولا نملك أن نقول في هذا غير هذا.

ولهذا، فإن القرآن الكريم ينص في نصوص كثيرة على أن علم الله لا يرتبط بالمكان والزمان، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:34)

ويخبر عن مقالة أهل الجنة وأهل النار قبل أن يقولوا ذلك، بل إن القرآن الكريم يعبر عن ذلك بصيغة الماضي الذي حصل وانقضى، فيقول:﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام:128)

ويصور القرآن الكريم مشهدا من مشاهد الآخرة، فيعبر عنه بصيغة لا تفيد إلا شيئا واحدا، وهو أن هذا المشهد مضى وانقضى، قال تعالى:﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37) وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)﴾ (الأعراف)

بل إن الله تعالى يذكر الساعة، فيخبر بأنها أتت، قال تعالى:﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ (النحل:1)

وهكذا يمتلئ القرآن الكريم بمثل هذه النصوص التي تصف علم الله بكونه علما مستغنيا عن انتظار ما سيحصل ليعلم به ([24]).

* * *

قد يقال بعد هذا: ولكن ظواهر النصوص التي تزعم اعتبارها أصلا تخبر بغير ذلك، فالله تعالى يقول:﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران:140)، فهو يخبر أن مراده من ذلك الابتلاء هو أن يعلم المؤمنين من غيرهم.

ومثله، وفي نفس الموقف قوله تعالى:﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:166)

ومثله قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة:94)

ومثله قوله تعالى:﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت:3).. وقوله تعالى:﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ (العنكبوت:11).. وقوله تعالى:﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد:25)

بل إن من الآيات ما يقيد ذلك بصيغة الظرف، كما قال تعالى:﴿ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (لأنفال:66)، فظاهر الآية يدل على أن علم الله حصل بعد أن لم يكن.

بل القرآن الكريم يخبر بأن مراد الله من تصريفات مقاديره هو حصول العلم له بالأشياء، كما قال تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة:143).. وقال تعالى:﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾ (الكهف:12).. وقال تعالى:﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (سـبأ:21)

بل في آيات أخرى ما قد يدل دلالة أصرح، كما قال تعالى:﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران:142).. وقال تعالى:﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:16)، فالآيتان تكادان تصرحان بأن البلاء من وسائل حصول العلم بالمؤمنين، وتمييزهم عن غيرهم.

والجواب عن كل هذا ـ ابتداء ـ هو أن القرآن الكريم الذي نطق بهذه النصوص هو الذي نطق معها وقبلها بالحقائق الغيبية قبل حصولها، فكانت كما أخبر، وقد مر معنا من أمثلة ذلك ما يغني عن إعادته، ولا ينبغي ضرب محكم القرآن الكريم بمحكمه.

فالحقيقة إذن لا جدال فيها، وإنما الجدال الذي قد يحصل هو في التعبير عن الحقيقة، ولا محذور من مخالفة ظاهر التعبير إلى تعبيرات أخرى تؤدي المعنى وتحققه، فاللغة حمالة وجوه.

ومثل هذا ما عبر به الحديث القدسي الذي يقول الله تعالى فيه على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم:( يا ابن آدم مرضت فلم تعدني)([25]) فهذا الحديث أصل في هذا الباب، يفتح المجال لفهم النصوص المتشابهة على ضوء النصوص المحكمة.

فنحن لا نشك في كونه تعالى لا تعتريه الأعراض والحوادث، ولكن النص جاء لغرض معين، فلا ينبغي أن يجادل أحد ويحمل الظاهر على ظاهره، ولو خالف الحقائق القطعية.

وما دام الأمر مجرد تعبير لفظي قد يحمل وجوها مختلفة، فقد اتفق العلماء على أن المراد ليس ما يوهمه ظاهر اللفظ، وإنما المراد معان أخرى:

فمنهم من قال: إن المراد ( علم المعاينة)، فهو وحده العلم الذي يوجب الجزاء.

ومنهم من قال: معناه (إلا ليعلم حزبنا من النبيين والمؤمنين)، وذلك مثل ما يقول الملك: فتحنا البلدة الفلانية، أي: فتحها أولياؤنا.

ويدل لهذا الفهم من النصوص قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يحكيه عن ربه: (استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني ولم يكن ينبغي له أن يشتمني يقول وادهراه وأنا الدهر)([26]).. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يحكيه عن ربه: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب)([27])

ومثله الحديث السابق الذي اعتبرناه أصلا في هذا الباب.

ومنهم من عبر عن معناه بقوله: (ليحصل المعدوم فيصير موجوداً).. ويصبح معنى قوله تعالى:﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ ﴾ (البقرة: 143) في هذا المحل وغيره هو:( إلا لنعلمه موجوداً)

ومنهم من فسر العلم بالتمييز، فقال في الآية السابقة (إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون، فسمي التمييز علماً، لأنه أحد فواائد العلم وثمراته)

ومنهم من فسر العلم بالرؤية، وهذا مما تستعمله العرب في كلامها، ومثله قوله تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ (البقرة:243)، وقوله تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة:246)، وقوله تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة:258).. وغيرها.

ومنهم من ذهب إلى ما ذهب إليه الفراء في تشبيهه هذا بمثال هو أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا، فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار، ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه، فيكون معنى ذلك (لنعلم أينا الجاهل)

وقد اعتبر هذا من جنس قوله تعالى في الاستمالة والرفق في الخطاب ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (سـبأ:24)، فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقاً للخطاب ورفقاً بالمخاطب.

ومنهم من أرحع ذلك إلى معنى (نعاملكم معاملة المختبر الذي كأنه ليعلم)، وهو قول قوي، فالعدل يوجب ذلك.

ومنهم من اعتبر العلم في مثل هذه الآيات صلة زائدة([28])، فيكون معنى قوله تعالى:﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (البقرة: 143):) إلا ليحصل اتباع المتبعين، وانقلاب المنقلبين).. ومثل هذا من يقول في الشيء الذي ينفيه الشخص عن نفسه: (ما علم الله هذا مني) أي ما كان هذا مني والمعنى: أنه لو كان لعلمه الله.

وأكثر هذه المعاني مقبول وصحيح، ولكن أجملها وأليقها بطريقة تفكير أهل عصرنا ما عبر عنه الشيرازي بقوله:( عبارة ﴿ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾(البقرة: 143)، وأمثالها من التعبيرات القرآنية، لا تعني ان اللّه لم يكن يعلم شيئا، ثم علم به بعد ذلك، بل تعني تحقق هذه الواقعيات)

وهذا معنى ذكرناه في سياق تعداد الأقوال، ولكن الجميل في تفسيره قوله:( بـعبارة أوضح، اللّه سبحانه يعلم منذ الأزل بكل الحوادث والموجودات، وإن ظهرت بالتدريج على مسرح الوجود، فحدوث الموجودات والأحداث لا يزيد اللّه علما، بل إن هذا الحدوث تحقق لما كان في علم اللّه.. وهذا يشبه علم المهندس بكل تفاصيل البناء عند وضعه التصميم، ثم يتحول التصميم الى بـنـاء عـملي، والمهندس يقول حين ينفذ تصميمه على الأرض: أريد أن أرى عمليا ما كان في علمي نظريا)

وقال:( إن تعبير (لنعلم) أو (ليعلم) وأمثالها لا يقصد بها أن اللّه لـم يكن يعلم شيئا، وأنه يريد أن يعلمه عن طريق اختبار الناس، بل المقصود هو إلباس الحقيقة المعلومة لدى اللّه لباس العمل والتحقق الخارجي، وذلك لأن الاعتماد على نوايا الاشخاص الداخلية واستعدادهم غير كاف للتكامل وللمعاقبة والإثابة، بل يجب أن ينكشف كل ذلك خلال أعمال خارجية لكي يكون لها تلك الآثار)([29])


 

ثانيا ـ الإرادة

السر الثاني من أسرار التوحيد في القدر هو أن يعلم المؤمن أن لله تعالى حضورا دائما في الكون، فهو الذي يسيره بلطفه ورحمته ومقتضيات أسمائه الحسنى، فالكون كونه، والإرادة إرادته، والتصريف تصريفه، فهو المهيمن على كل شيء، الملك الذي يخضع الكل لمشيئته.

وهذا هو التوحيد الذي يحرر المؤمن من ربقة التبعية لغير الله، فهو يعلم أن مشيئة الله هي النافذة، وأن مشيئة غيره إن شاء له شيئا وهم وسراب لا حقيقة له، ولذلك ربط صلى الله عليه وآله وسلم بين حقائق القدر، وهذا المعنى في قوله صلى الله عليه وآله وسلم مخاطبا ابن عباس: (يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ اللّه يحفظك، احفظ اللّه تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل اللّه، وإذا استعنت فاستعن باللّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللّه عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)([30])

وقد انشغل البعض عن هذه المعاني العملية الذوقية بالجدل، فتصوروا أن إثبات المشيئة لله يلغي مشيئة عبده، وبذلك يقع العبد في أسر الجبر، وترفع عنه عهدة التكليف، وذهب آخرون إلى إلغاء مشيئة الله حفاظا على مشيئة العبد، فحجروا على الله، وجعلوه مهانا في ملكه، يحدث ما لا يريده، وتقع الأشياء من غير مشيئته.

وهذا الجدل هو نتيجة طبيعية للاكتفاء بالبحث العقلي المجرد بعيدا عن نور الوحي، والعقل لا يمكنه أن يستكنه من الحقائق إلا بعض جوانبها، بل قد يتصور أن اجتماع جوانبها في نسق واحد تناقض تأباه الطبيعة، وتنفر منه.

ولكن الحقائق الشرعية التي امتلأت النصوص بأنوارها تبين هذا الاجتماع، بل تصوره بصورة بديعة الجمال، مكتملة الأركان، لا يشذ فيها طرف عن غيره، ولا ينحرف عن مساره.

بل تجمع بين هذا التناسق العجيب وأثره السلوكي والوجداني، فهي حقائق علمية عملية، بينما أوهام الجدل لا تفرز إلا الحيرة والاضطراب الذي قد يفسد السلوك أو يغرق الوجدان في الظلمات.

وسنحاول في هذا المبحث تجلية هذه الحقائق بذكر الإرادتين جميعا: إرادة الله، وإرادة البشر.

1 ـ إرادة الله:

يرد القرآن الكريم على اليهود الذين قالوا:﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (المائدة: 64) أي بخيلة بقوله تعالى:﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة: 64)، أي بل هو الواسع، الجزيل العطاء الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن يمين اللّه ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه)([31])

ومن هذ المنطلق نرى الفرق بين رؤية المؤمنين ورؤية الغافلين سواء كانوا فرقا أو طوائف أو عامة أو خاصة.

فالمؤمن يرى يد الله مبسوطة، تتصرف في الكون تصرفا لا تحده الحدود، بل لا يرى في الكون إلا ما شاء الله له أن يكون، فهو يتعرف على الله من خلال مشيئته وتصريفه وتسييره لدفة الكون.

بينما يرى الغافل يد الله مغلولة، وكأنه خلق الكون، ثم اعتزل وتركه، أو أنه خلق الكون ـ كما يعتقد بعض العامة ـ وكتب مقاديره، ثم ترك الملائكة أو غيرهم تتصرف فيه، فلا حضور لله ولا مشيئة له.

والنظرة العرفانية الأولى، والتي توحد الله في المشيئة والإرادة لا ترى أي تناقض في الكون، لسبب بسيط، وهو أن الله هكذا أراد الكون.

ومثال ذلك مثال الرسام الذي يرى أن كل لون من ألوان لوحته في مكانه المناسب، فقد يكون اللون في بعض المواضع حيا مونقا مليئا بالسعادة، ويكون في مواضع أخرى أسود مظلما، تنبعث منه الكآبة، والرسام مريد للجميع، لأن الصورة لا تكتمل إلا بوجود الجميع.

أو مثال ذلك مثال المخرج البارع الذي يصور في فيلمه كل المشاهد الفرحة والحزينة، وهو يريد ذلك كله ويقدم عليه، لأن حقيقة الفيلم لا تقوم إلا به، بل هو يعلم أنه لو وضع فيلما خاليا من تلك المشاهد المتناقضة قد لا يكون فعل شيئا مذكورا.

وهكذا، ولله المثل الأعلى إرادة الله تعالى، فقد توجهت إرادته لوجود هذا الكون بهذه الصورة البديعة، المتكاملة المتناسقة، والقرآن الكريم يصرح بأن مشيئة الله هي التي اقتضت وجود الكون وأحداثة بهذه الصورة.

بل إن النصوص الشرعية تحثنا على مراعاة رد المشيئة لله في كل أمر، وتخبر عن مراعاة الأنبياء والصالحين في تعابيرهم للاستثناء بمشيئة الله:

قال تعالى عن يوسف عليه السلام لما التقى بأهله، وطلب منهم الدخول إلى مصر:﴿ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ (يوسف:99)

وقال عن موسى عليه السلام في استجابته للخضر عليه السلام:﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً  (الكهف:69)

وقال عنه في رده على الشيخ الصالح:﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (القصص: 27)

وقال عن إسماعيل عليه السلام في استجابته لوالده:﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: 102)

وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الاستثناء في كل الأمور، فقال للأمة عبر خطابه لأصحابه:( ألا هل من مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية)، قالوا:( نعم يا رسول اللّه نحن المشمرون لها)، قال:( قولوا:( إن شاء اللّه)، قال القوم:( إن شاء اللّه)([32])

ودخل مرة على بعض الأعراب يعوده، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم:( لا بأس طهور إن شاء اللّه)، وكان الأعرابي جلفا غليظا، فقال:( طهور، بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور)، قال:( فنعم إذن)([33])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يراعي الاستثناء بمشيئة الله في كل أحواله، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إني واللّه إن شاء اللّه لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها)([34])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء) ([35])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(  لكل نبي دعوة مستجابة دعا بها في أمته فاستجيب له، وإني أريد إن شاء الله تعالى أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ([36])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم لما حاصر الطائف:( إنا قافلون غدا إن شاء الله) وقال لما قدم مكة:( منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة) وقال يوم بدر:( هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان إن شاء الله)، وقال في بعض أسفاره:( إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم ثم إنكم تأتون الماء غدا إن شاء الله)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم في زيارة المقابر:( وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)([37])

وجاء رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله! لدغت الليلة فلم أنم حتى أصبحت، قال:( ماذا؟)، قال:( عقرب)، قال:( أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك شيء إن شاء الله تعالى)([38])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم في قصة نومهم في الوادي:( إن الله تعالى قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء، يا بلال قم فأذن الناس بالصلاة)([39])

بل قد ورد في النصوص ما يفيد أثر التقصير في رد المشيئة إلى الله تعالى من عدم تحقق المطالب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى عن أصحاب الجنة الذين أقسموا ليجذن ثمرها ليلاً، لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ولا يتصدقوا منه بشيء:﴿ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴾ (القلم:18)، أي فيما حلفوا به، بأن يقولوا: إن شاء الله، ثم قال بعدها مباشرة:﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (القلم:19)، أي أصابتها آفة أهلكتها.

وإلى ذلك الإشارة أيضا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لولا أن بني إسرائيل قالوا:﴿ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة:70) لما أعطوا، ولكن استثنوا)([40])

وقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن إشراك مشيئة أي كان مع مشيئة الله، فقال :( قد كنت أكره لكم أن تقولوا ( ما شاء الله وشاء محمد)، ولكن قولوا ( ما شاء الله ثم شاء محمد)([41])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان)([42])

وجاء رجل الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكلمه في بعض الأمر، فقال الرجل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( ما شاء الله، وشئت) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( أجعلتني لله عدلا، بل ما شاء الله وحده)([43])

* * *

انطلاقا من هذه الآداب الإيمانية سنرحل ـ بصحبة القرآن الكريم ـ لنرى بعض تفاصيل مشيئته تعالى، فالكلام المجمل قد يكفي العقل، ولكنه يقصر عن ملء الوجدان أو تحريك السلوك.

ولذلك يكثر في القرآن الكريم رد الأمر إلى مشيئة الله بصيغ مختلفة، فتارة يخبر أن كل ما في الكون بمشيئته، وتارة يخبر أنه إن ما لم يشأ لم يكن، وتارة يخبر أنه لو شاء لكان خلاف الواقع، أو لو أنه شاء لكان خلاف القدر الذي قدره وكتبه، فدل كل ذلك على أن كل شيء واقع فبمشيئته، وأن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته.

وهذه النصوص التي سنذكرها، وهي نماذج عن غيرها من النصوص ترجع جميعا إلى مقتضيات أسماء الله الحسنى، لأن مشيئة الله الفعلية تابعة لصفات الله، وصفات الله هي ما دلت عليه أسماء الله الحسنى، فلذلك سنذكر المشيئة الإلهية تابعة لبعض الأسماء المقتضية لها، وفيما نذكر من الأسماء إشارة إلى غيرها من الأسماء التي لا بد أن تكون لها مقتضياتها([44]).

إرادة الخالق البارئ المصور:

من أسماء الله تعالى الخالق البارئ المصور، وهي أسماء تدل على طلاقة القدرة في الإبداع والاختراع بمستوياته الثلاثة: التقدير وهو ما يدل عليه اسم الخالق، والإيجاد على وفق التقدير وهو ما يدل عليه اسم البارئ، والتصوير بعد الإيجاد، وهو ما يدل عليه اسم المصور.

فكل بناء يحتاج إلى هذه المستويات الثلاثة، فأي بناء يحتاج إلى ( مقدر يقدر ما لا بد له منه من الخشب واللبن ومساحة الأرض وعدد الأبنية وطولها وعرضها، وهذا يتولاه المهندس فيرسمه ويصوره، ثم يحتاج إلى بناء يتولى الأعمال التي عندها يحدث أصول الأبنية، ثم يحتاج إلى مزين ينقش ظاهره ويزين صورته)([45])

 وهذا في بناء الخلق أما بناء الله، فهو يرجع إلى الله الواحد الأحد، فهو الخالق البارئ المصور، ولذلك تظهر في جميع مخترعاته ومخلوقاته صفة الوحدة.

والقرآن الكريم يخبرنا، بل يربي نفوسنا على أن لله تعالى الإرادة المطلقة في هذه المستويات الثلاثة:

أما مستوى الإرادة المطلقة في الخلق، فالله تعالى يخبرنا بأنه يخلق من شاء ومتى شاء، قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ (ابراهيم:19)، وقال تعالى:﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ (فاطر:16)، وقال تعالى:﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً ﴾ (النساء:133)

وعندما تعجب زكريا عليه السلام من أن يكون له ولد بعد أن كبرت سنه، وكانت امرأته عاقرا رده الله إلى مشيئته، قال تعالى:﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ (آل عمران:40)

وعندما تعجبت مريم ـ عليها السلام ـ ردها الله إلى المشيئة، قال تعالى:﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران:47)

فخلق الله من خلال هذه النصوص يرجع إلى مشيئة الله المتفردة، فليس هناك من يفرض على الله ـ تعالى الله وتقدس ـ أن يخلق شيئا أو أن لا يخلق.

ولذلك من الأخطاء التي وقعت فيها بعض الطوائف زعمهم بأن من مقتضيات كون الله خالقا أن يخلق في الأزل، وهو قول مناف لمشيئة الله المطلقة، فمشيئة الله لا يقال لها: افعلي أو لا تفعلي.

وقد غاب عن هؤلاء أن ( السيف يسمى قاطعا وهو في الغمد، ويسمى قاطعا حالة حز الرقبة، فهو في الغمد قاطع بالقوة وعند الحز قاطع بالفعل، والماء في الكوز مرو، ولكن بالقوة وفي المعدة مرو بالفعل، ومعنى كون الماء في الكوز مرويا أنه بالصفة التي بها يحصل الإرواء عند مصادفة المعدة، وهي صفة المائية، والسيف في الغمد قاطع أي هو بالصفة التي بها يحصل القطع إذا لاقى المحل، وهي الحدة إذ لا يحتاج إلى أن يستجد وصفا آخر في نفسه)([46])

وكذلك، ولله المثل الأعلى، صفة الخالق لله تعالى، فهو خالق في الأزل بالمعنى الذي به يقال الماء الذي في الكوز عذب، وفي السيف أنه قاطع.

ومن الخطأ الكبير أن يقال له ـ تعالى وتقدس ـ:( ما دمت خالقا، فلا بد أن تخلق)

وهذا الحجر للمشيئة أصاب مثله كثيرا من صفات الله تعالى، فصفات الله تعالى أزلية لم تحدث بعد أن لم تكن وإنما مقتضياتها قد تحدث، فيتصرف الله معها وفق مشيئته.

أما المستوى الثاني، وهو مستوى الإيجاد بعد التقدير، وهو ما يدل عليه اسم ( البارئ)، فقد ورد في النصوص ما يدل على مشيئة الله المطلقة في ذلك، ومنه قوله تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ﴾ (الفرقان:45)

ومن هذا الباب ما من الله تعالى على عباده من جعل الكون على الصفة التي تصلح لعباده مع أن مشيئته وقدرته مطلقة يمكنها أن تفعل غير ذلك:

ومن ذلك قوله تعالى في نعم الحواس:﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ (الأنعام:46)

ومن ذلك قوله تعالى فيما لو شاء، فجعل الليل سرمدا:﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ (القصص:71)

أو لو شاء فجعل النهار سرمدا:﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (القصص:72)

أو لو شاء فجعل الماء غورا:﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ (الملك:30)

أو لو شاء جعل الرياح ساكنة:﴿ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (الشورى:33)

وهكذا يعيش المؤمن في ظلال القرآن الكريم، وهو يرى الاحتمالات المختلفة للأشياء تطوف به ليعيش في كدرها وضيقها إلى أن يرى يد الله تعالى مبسوطة له بالخير من كل جهة، فيعيش في رحاب المنة، ولذة الشكر، والفرح بالله، أما الجاهل المجادل، فيظل يسأل كيف، ولماذا، ويظل يفرض أحكامه على الله إلى أن تفرض أحكام الله عليه.

أما المستوى الثالث وهو مستوى التصوير بعد الإيجاد، وهو مايعبر عن اسم ( المصور)، فقد ورد في النصوص ما يدل على مشيئة الله المطلقة في ذلك:

فالله تعالى يمن على عباده أن عدل صورهم في نفس الوقت الذي كان قادرا على تشويهها، قال تعالى:﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار:7 ـ 8)

وقال عن مشيئته المرتبطة بتصوير الجنين:﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران:6)

وقال تعالى يمن على عباده بقوة أجسامهم وسلامتها:﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ (الانسان:28)، وقد ورد عن ابن عباس في تفسيرها:( لغيرنا محاسنهم إلى أسمج الصور وأقبحها)

ويذكر الله تنوع الكائنات في طريقة مشيها، ويستدل بذلك على طلاقة مشيئته، قال تعالى:﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (النور:45)

وينبه تعالى إلى النظر في أطوار الخلق التي يمر بها الإنسان ليعاين طلاقة المشيئة الإلهية في التصوير، قال تعالى:﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (الروم:54)

ويذكر الله تعالى الصور المختلفة والطاقات المختلفة الموهوبة للملائكة ـ عليهم السلام ـ وينبه بذلك إلى طلاقة مشيئته، قال تعالى:﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فاطر:1)

وإدراك المؤمن ـ الذي قد تضايقه صورته الدنيوية ـ لهذه المشيئة الإلهية المطلقة في التصوير تجعله يعيش في راحة تامة، بل في سرور عظيم، فالله ـ أولا ـ هو الذي صوره بهذه الصورة، وهو يرضى ما اختار الله له من صور.

وهو ـ ثانيا ـ يعيش آملا في فضل الله أن يبدله بتلك الصورة التي رضيها في الدنيا صورا أجمل في الآخرة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم مخبرا عن نعيم الجنة:( إن في الجنة لسوقا ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها)([47])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فيها كثبان المسك فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادوا حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا)([48])

أما الغافل، فيظل مكتئبا حزينا يعارض مشيئة ربه، غافلا عن حكمته ورحمته.

إرادة النافع الضار:

من أسماء الله الحسنى ( النافع الضار) وهما الاسمان المتعلقان بجميع ما يصدر في الكون مما يسمى نفعا أو ضرا، سواء نسب ذلك إلى الله مباشرة أو نسب للملائكة أوالإنس أو الجمادات، فمشيئة الله تعالى وراء كل ذلك، يقول الغزالي:( فلا تظنن أن السم يقتل ويضر بنفسه، وأن الطعام يشبع وينفع بنفسه، وأن الملك والإنسان والشيطان أو شيئا من المخلوقات من فلك أو كوكب أو غيرهما يقدر على خير أو شر أو نفع أو ضر بنفسه، بل كل ذلك أسباب مسخرة لا يصدر منها إلا ما سخرت له)([49])

وما نراه من نفع أو ضار صادر من الأشياء، فنتوهمه منها وبها، فننحني شكرا لها، أو نتنحى هيبة منها وهم كبير أفرزته الغفلة عن مشيئة الله، فكل ما نراه ( بالإضافة إلى القدرة الأزلية كالقلم بالإضافة إلى الكاتب في اعتقاد العامي، وكما أن السلطان إذا وقع بكرامة أو عقوبة لم ير ضرر ذلك ولا نفعه من القلم، بل من الذي القلم مسخر له، فكذلك سائر الوسائط والأسباب)

بل إن الغافل هو الذي يرى القلم مسخرا للكاتب، أما العارف فيعلم أن الكل مسخر بيد الله ومشيئته الكاتب والقلم وسائر الأسباب والوسائط.

وقد عبرت النصوص عن هذه المعاني مخبرة أن النفع والضر بيد الله ورهن مشيئته، يقول تعالى آمرا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (لأعراف:188)، وقال تعالى:﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ (يونس:49)

ويخبر الله تعالى أن هذه المشيئة المطلقة في الضر والنفع هي من مقتضيات الألوهية، قال تعالى:﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (المائدة:76) أي لا يقدر على دفع ضر عنكم، ولا إيصال نفع إليكم.

ولهذا يخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن مشيئة الله قادرة على أن ترزقه من الخير في الدنيا ما يحولها إلى جنة في ناظريه، قال تعالى:﴿ تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ﴾ (الفرقان:10)

وفي نفس الوقت يملؤنا بمعاني التوحيد حين لا نرى الضر والنفع إلا من الله، قال تعالى:﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ (يونس:107)

واعتقاد المؤمن في مشيئة الله المطلقة في الضر والنفع، يجعله في حصن منيع، وهو يرى ما دون الله كالهباء، لا يملك له نفعا ولا ضرا، فيتحرر من رق الرغبة والرهبة، وكيف يرغب أو يرهب، وهو يردد قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللّه عليك)([50])

وتحرر المؤمن من الرغبة والرهبة هو الذي يجعله مطمئنا سعيدا من جهة، وهو الذي يحرره من العقبات النفسية التي تحول بينه وبين الدعوة إلى الله، كما قال عبد اللّه بن مسعود :( إن الرجل ليغدوا بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء يلقى الرجل ليس يملك له ضرا ولا نفعا فيقول له إنك والله كيت وكيت فلعله أن يرجع ولم يحظ من حاجته بشيء)

وعلى عكس ذلك أخبر الله تعالى عن مقالة إبراهيم عليه السلام لقومه في عزة المؤمن عندما خوفوه بكل ألوان التخويف، قال تعالى:﴿ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ (الأنعام: 80)

ثم عقب بعدها بسر الأمن النفسي العظيم الذي واجه به كل تلك المخاوف بقوله:﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام:81)، وهذا دليل على أن التوحيد هو الدرع الوحيد الذي يقي من كل المخاوف.

ومثله مقالة نبي اللّه هود عليه السلام لقومه عندما قالوا له:﴿ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء ﴾ (هود: 53 ـ 54)، فرد عليهم:﴿ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ (هود:من الآية:54 ـ 56)

إرادة الخافض الرافع:

و( الخافض والرافع) من أسماء الله الحسنى المركبة، ويعني أو يعنيان جميعا أن الله تعالى هو المتفرد بالخفض والرفع، فيرفع من يشاء ويضع من يشاء، ومثله في الدلالة الاسم الكريم ( المعز المذل) أي أن الله هو الذي يعز من يشاء، وهو الذي يذل من شاء، قال تعالى:﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران:26)

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية:( اسم اللّه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران) وقرأ الآية([51])، وفي ذلك إشارة إلى أن من أدرك مالكية الله للملك وما يترتب على ذلك من طلاقة المشيئة في الرفع والخفض والإعزاز والإذلال، وانفراده تعالى بذلك سيحرره من كل توجه إلى غير الله، وهذا التحرر هو نفسه اليقين الذي تستجاب به الدعوة.

ومن نتائج طلاقة المشيئة في هذه الأسماء ما عليه البشر من الدرجات المختلفة المتفاوتة، كما قال تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (الأنعام:165)

ورد الله تعالى على المعترضين الذين قالوا:﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم﴾ (الزخرف: 31) بأن مشيئة الله تعالى هي التي تقسم بين الناس معايشهم كما تقسم بينهم درجاتهم، قال تعالى:﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف:32)

وقد كان لانتشار هذا المعنى في المجتمع الإسلامي تأثيره الكبير في تلك العلاقة الأخوية التي ربطت بين طبقات المجتمع المختلفة، فلم يحصل فيها الصراع الذي حصل في سائر المجتمعات.

وسر ذلك أن الفقير ـ بعد أن يبذل جهده في الخروج من فقره ـ يرضى بما قسم الله، فلا يحسد غنيا، بل يستغني بفقره لله عن افتقاره لغيره([52])، وهو ـ فوق ذلك ـ يعلم أن الرفعة الحقيقية هي رفعة القرب من الله لا رفعة المال والجاه، ولهذا، فإن أكثر ما يرد في القرآن الكريم من الرفعة هي رفعة درجات المؤمنين، قال تعالى عن خليله عليه السلام:﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام:83)،

ومثل ذلك الغني، فإنه يحمد الله على غناه، ولا يستكبر به على غيره، ويعلم بعد ذلك أن هذه الرفعة التي أتيحت له رفعة من الله، ولذلك يتصرف فيها وفق ما أمر الله.

وقد يراد بها ـ بالإضافة إلى هذا ـ طلاقة مشيئة الله في إيتاء الملك من يشاء، ونزعه ممن يشاء، كما قال تعالى عن لوط عليه السلام:﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:247)

وقال تعالى عن يوسف عليه السلام:﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف:76)، وقال تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف:56)

وقد يقال هنا: فمادام الأمر بيد الله وبمشيئته لا بيد صناديق الاقتراع أو الانتخابات أو الأحزاب، فلماذا لا يجعل الله تعالى الملك في يد الفئة المؤمنة الطاهرة لينتظم البشر في سلك العبودية لله كانتظام الكون جميعا؟

وهذا السؤال لا يطرحه إلا غافل عن حكمة الله تعالى في التولية والعزل، فإن حكمة الله تعالى اقتضت أن لا يولى على كل قوم إلا ما هو من جنسهم، كما ورد في الحديث الشريف:( كما تكونوا يولى عليكم)([53])

ومن نتائج إدراك المؤمن لهذه المشيئة استسلامه ليد الله، وهي تخفضه أو ترفعه في منازل الدنيا، عالما أن كل ما يفعله الله به من مقتضيات لطفه ورحمته، فقد يجعل الله تعالى بلطفه عاقبة خفض الجب وظلمة السجن رفعة ملك، قال تعالى عن يوسف عليه السلام معبرا عن هذه الحقيقة:﴿ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (يوسف: 100)

بل مثل ذلك حصل للثلة المؤمنة التي كانت تصهر في صحراء مكة، قال تعالى:﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ (النور: 55)

فإن لم يحصل بعض ذلك في الدنيا، فإن درجات الآخرة التي يعيش لها المؤمن أعظم بكثير من درجات الدنيا، قال تعالى:﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ (الاسراء:21)

وإدراك المؤمن لكل هذا يجعله صاحب همة عالية لا تنزل به إلى السفاسف، وكيف ينزل إلى السفاسف من ينتسب إلى إله منه يبدأ كل شيء، وإليه يعود كل شيء، ولا يعجزه شيء.

إرادة المعطي المانع:

من أسماء الله تعالى الدالة على طلاقة المشيئة اسمه المركب ( المعطي المانع)([54])، وهو يفيد أن كل ما يحصل في الكون من عطاء وأرزاق وهبات هي فضل من الله تعالى، وكل ما فيه من منع فهو من مقتضيات حكمته تعالى.

ومن أسمائه تعالى الدالة على هذا المعنى كذلك اسمه المركب ( القابض الباسط)، وهو يعني أن كل ما في الكون من قبض أو بسط هو من نتائج مشيئة الله وإرادته وحكمته.

ومن موارد قبض الله وبسطه ما ذكره الغزالي بقوله:( الله هو الذي يقبض الأرواح عن الأشباح عند الممات، ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة، ويقبض الصدقات من الأغنياء ويبسط الأرزاق للضعفاء، يبسط الرزق على الأغنياء حتى لا يبقي فاقة ويقبضه عن الفقراء حتى لا يبقي طاقة، ويقبض القلوب فيضيقها بما يكشف لها من قلة مبالاته وتعاليه وجلاله، ويبسطها بما يتقرب إليها من بره ولطفه وجماله)([55])

وقد ورد في القرآن الكريم الآيات الكثيرة المخبرة عن مقتضيات هذين الأسماء الحسنى، ومنها الإخبار بأن الأرزاق المفاضة على الناس بقدر أو بغير قدر هي من نتائج طلاقة المشيئة الإلهية، وقد ورد التعبير عن هذه الحقيقة الضخمة بصيغ مختلفة:

منها الإخبار بأن ذلك من مقتضيات خبرته بعباده، فهو أعلم أين يضع الغنى وأين يضع الفقر، قال تعالى:﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾ (الاسراء:30)، وقال تعالى:﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (العنكبوت:62)

ومنها الإخبار بأن الناس بجهلم لا يدركون هذه الحقيقة، وهذا يعني لو أنهم علموا وتأملوا لتحققوا بهذا المعنى، قال تعالى:﴿ قلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ (سـبأ:36)

ومنها الإخبار بأن في هذه الحقيقة آيات للمؤمنين يتعرفون من خلالها على الله القابض الباسط، قال تعالى:﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الروم:37)، وقال تعالى:﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (الزمر:52)

 ومنها الإخبار بأن هذا التوزيع للأرزاق هو لطف من الله بعباده، والذي يقتضي أن يتعامل مع كل طرف بما يصلح له، قال تعالى:﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾ (الشورى:19)

ومن أسباب هذا اللطف في التقدير بغي العباد لو بسطت عليهم الأرزاق، قال تعالى:﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (الشورى:27)

وأول الآثار التي يتركها هذا الإدراك لمشيئة الله المطلقة هو أن لا يحصل للمؤمن ما حصل للغافلين من ندب حظهم المتعثر الذي أوقعهم في الفقر بينما يتنعم الجاحدون في ضيافة الله بما شاءوا من النعم، فالمؤمن يعتقد أن كل ذلك متاع أدنى لا يستحق زفرة حزن واحدة، قال تعالى:﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ (الرعد:26)

ويقص علينا القرآن الكريم مقالة الذين تمنوا مكانة قارون بعد أن رأوا مصيره، قال تعالى:﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾ (القصص:82)

ولذلك، فإن المؤمن يترفع عن نظرة الغافل، ويطلب من يد الله المبسوطة نحوه الأرزاق الشريفة التي لا تنقطع، قال تعالى:﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة:261)، وقال تعالى:﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ (النور:38)

ومن الأرزاق التي يطلبها المؤمن الحكمة التي هي هبة من الله يمن بها على من شاء من عباده، قال تعالى:﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة:269)

ومن نتائج هذه النظرة أن يعلم المؤمن أن كل فضل مبسوط فهو ببسط الله ولا يستطيع أي مخلوق تقديره أو قبضه، قال تعالى:﴿ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ (الحديد:29)، أي ليتحققوا أنهم لا يقدرون على رد ما أعطاه اللّه ولا إعطاء ما منع اللّه.

ومن نتائجها ألا يحول الخوف على رزقه من تنفيذ أوامر الله، ولهذا ينهى الله تعالى المؤمنين أن يجعلوا من خوف العيلة علة لترك المشركين يزورون المسجد الحرام، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:28) وقد روي في سبب نزول الآية أن المشركين كانوا يجيئون إلى البيت بالطعام يتجرون فيه، فلما نهوا عن إتيان البيت، قال المسلمون: أين لنا الطعام؟ فأنزل اللّه الآية.

ومن نتائجها أن يلجأ إلى الله في طلب رزقه معتقدا أن الله يرزق بغير حساب، قال تعالى عن مريم ـ عليها السلام ـ:﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران:37)

ومن نتائجها أن يفيض يده بالنفقة في وجوه الخير عالما بأن الخلق من الله، قال تعالى:﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سـبأ:39)

ومن نتائجها ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يتأدب مع أسماء الله الحسنى ـ بعد أن غلا السعر على عهده فقالوا يا رسول الله لو سعرت ـ فقال:(إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال)([56])

فقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم التدخل في حرية السوق نوعا من التدخل في مشيئة الله القابض الباسط([57]).

ومن نتائجها ما عبر عنه (ف. س. بودلي) عندما عايش بعض المجتمعات الإسلامية، وأرى تأثير هذه الحقائق فيها، فكتب تحت عنوان (عشت في جنة الله) يقول:( في عام 1918أوليت ظهري للعالم الذي عرفته طيلة حياتي، ويممت شطر إفريقية الشمالية الغربية، حيث عشت بين الأعراب في الصحراء، وقضيت هناك سبعة أعوام، أتقنت خلالها لغة البدو، وكنت أرتدي زيهم، وآكل من طعامهم، وأتخذ مظاهرهم في الحياة، وغدوت مثلهم أمتلك أغناماً، وأنام كما ينامون في الخيام، وقد تعمقت في دراسة الإسلام حتى أنني ألفت كتاباً عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنوانه (الرسول)، وقد كانت تلك الأعوام التي قضيتها مع هؤلاء البدو الرحل من أمتع سني حياتي وأحفلها بالسلام والاطمئنان والرضى بالحياة.

وقد تعلمت من عرب الصحراء التغلب على القلق، فهم ـ بوصفهم مسلمين ـ يؤمنون بالقضاء والقدر، وقد ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان، وأخذ الحياة مأخذا سهلاً هيناً.

فهم لا يلقون أنفسهم بين براثن الهم والقلق على أمر، إنهم يؤمنون بأن ما قدر يكون، وأنه لا يصيب الفرد منهم إلا ما كتب الله له، وليس معنى ذلك أنهم يتواكلون، أو يقفون في وجه الكارثة مكتوفي الأيدي، كلا، ودعني أضرب مثلاً لما أعنيه:

هبت ذات يوم عاصفة عاتية، حملت رمال الصحراء، وعبرت بها البحر الأبيض المتوسط، ورمت بها وادي الرون في فرنسا، وكانت العاصفة حارة شديدة الحرارة، حتى أحسست كأن شعر رأسي ينتزع من منابته، لفرط وطأة الحر، وأحسست من فرط القيظ كأنني مدفوع إلى الجنون، ولكن العرب لم يشكوا إطلاقا، فقد هزوا أكتافهم، وقالوا كلمتهم المأثورة: (قضاء مكتوب)، ولكنهم ما إن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير، فذبحوا صغار الخراف قبل أن يودي القيظ بحياتها، ثم ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء، فعلوا هذا كله في صمت وهدوء دون أن تبدو من أحدهم شكوى.. بل قال رئيس القبيلة:لم نفقد الشيء الكثير، فقد كنا خلقاء بأن نفقد كل شيء، ولكن حمداً لله وشكراً، فإن لدينا نحو أربعين في المائة من ماشيتنا، وفي استطاعتنا أن نبدأ بها عملنا من جديد)

إرادة الهادي المضل:

من أسماء الله تعالى ( الهادي المضل)، ومن مقتضيات هذين الاسمين أن كل ما يقع في الكون من ألوان الهداية أو الإضلال فبمشيئة الله، فالله تعالى ( هو الذي هدى خواص عباده أولا إلى معرفة ذاته حتى استشهدوا بها على الأشياء، وهدى عوام عباده إلى مخلوقاته حتى استشهدوا بها على ذاته، وهدى كل مخلوق إلى ما لا بد له منه في قضاء حاجاته)([58])

والله تعالى كذلك هو المضل الذي وضع جميع الأسباب التي يهتدي بها الموقنون ويضل بها الغافلون، قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام:39)

ولذلك يخبرنا الله تعالى بأن ما نراه من مشاهد الضلال ليس خارجا عن مشيئته، بل هو من مقتضياتها، قال تعالى:﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (السجدة:13)

ويعلل الله تعالى ذلك بغناه المطلق عن خلقه، قال تعالى:﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ (الأنعام:133)

فلذلك يرى المؤمن في الضلال الموجود على الأرض غنى الله المطلق عن خلقه، قال تعالى:﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (الزمر: 7)، وقال تعالى مخبرا عن مقالة موسى عليه السلام:﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (ابراهيم: 8)

وقد ورد في الحديث القدسي الجليل:( يقول اللّه تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)([59])

ويرى أن جهده النابع من إيمانه لهداية الناس ليس إلا سببا هزيلا، أما النتيجة فهي بإذن الله، قال تعالى:﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ (البقرة: 272)، وقال تعالى:﴿ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ (القصص:56)، وقال تعالى:﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ (الغاشية:22)

وسر ذلك أن كتابة الإيمان في القلب فضل من الله، وهذا الفضل لا يكون إلا بإذنه، كما قال تعالى:﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ (يونس:100)

ولهذا نهي عن الإكراه على الإيمان، فقد عقب تعالى قوله:﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ (يونس: 99) بقوله تعالى:﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين﴾ (يونس: 99)

ولهذا كذلك يتكرر في القرآن الكريم النهي عن الحزن لضلال الضالين، لأن ذلك لا يخرج عن إرادة الله في خلقه، قال تعالى:﴿ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (فاطر: 8)، وقال تعالى:﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ﴾ (الكهف:6)، وقال تعالى:﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ (الشعراء:3)

ولذلك يأمر تعالى بالتسليم لله في أمر هداية الخلق وإضلالهم بعد القيام بالأسباب المشروعة، قال تعالى:﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ (الرعد:31) أي: ألم ييأس الذين آمنوا من إيمان جميع الخلق ويتبينوا أن لو يشاء اللّه لهدى الناس جميعا.

ومن النتائج الكبرى لهذه المعرفة أن يتوجه المؤمن بالشكر على هدايته الإيمان كما قال تعالى مخبرا عن مقالة المؤمنين لأقوامهم:﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ (الأنعام: 71)، وقال تعالى:﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (ابراهيم:12)، وقال تعالى مخبرا عن مقالة أهل الجنة بعد دخولها:﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ (لأعراف: 43)

أما الغافلون عن هذه الحقائق، فهم الذين يمنون على الله بإيمانهم، وبالتالي يطالبون بالجزاء على هذا الإيمان، وقد قال تعالى مخبرا عنهم ورادا عليهم:﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (الحجرات:17)

وهذه المعارف تجعل المؤمن يعيش في استقرار وطمأنية عظيمة، وهو يعلم أن الله الرحمن الرحيم وحده الهادي، فيستهديه في كل أحواله، كما كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول:( اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)([60])

وكان يقول:( اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها، اللهم أنعشني واجبرني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق، فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت)([61])

وأوصى عليا بأنه يقول :( اللهم اهدني، وسددني)، وعلمه ما يستشعره أثناء هذا الدعاء، فقال:( واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم)([62])

بل كما يقول المؤمن في كل صلاة:﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ (الفاتحة:6)

هذه بعض آثار إدراك المؤمن لمشيئة الله المطلقة في الهداية والإضلال، أما علاقة ذلك بالعدل الإلهي والحكمة الإلهية، فسنعرض لها في محالها من الفصلين التاليين.

* * *

وننبه هنا إلى أن هناك فرقا كبيرا بين إرادة الله الشيء ومحبته له أو رضاه عنه، فإن الله أراد كل ما في الكون، لكن محبته ورضاه متعلقان بأمور معينة منه، فقد ذكر الله تعالى أن له الخلق والأمر، كما قال تعالى:﴿ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (لأعراف: 54)

وأمره تعالى نوعان: أمر قدري يتعلق بإرادته خلق الكون على ما هو عليه.

وأمر شرعي، وهو الأمر المتعلق بمحبته ورضاه وبغضه وسخطه.

فالله تعالى بناء على هذا أراد المعاصي، ولكنه سخطها وأبغضها، وأراد الطاعات ورضيها وأحبها.

وبناء على هذا، فإن الأمر يستلزم الإرادة الدينية، ولا يستلزم الإرادة الكونية، فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعا ودينا.

بل قد يأمر بما لا يريده قدرا وتكوينا، كأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه، فلم يرده تعالى كونا وقدرا، وإن كان أراده أمرا.. ولهذا حال بينه وبين تنفيذه، قال تعالى:﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) ﴾ (الصافات)

والعقل لا يحيل هذا المعنى، بل إن الكثير من تصرفاتنا تقوم بموجبه، فالأستاذ يمتحن تلاميذه، وهو يريد منهم بامتحانهم أي إجابة، صحيحة كانت أو خاطئة، ليرى مدى استيعابهم لدروسهم.

وهو مع هذه الإرادة يرضى عن الإجابات الصحيحة، ويحب المجيبين بها، ويكره الإجابات الخاطئة، ويعاقب مسجليها بالعلامة التي تتناسب مع كسلهم وعدم اهتمامهم.

وهكذا ـ ولله المثل الأعلى ـ أمر الله مع خلقه، فهو يمتحنهم مريدا منهم كل الإجابات، ولكنه لا يرضى إلا السليم منها.

والقرآن الكريم يعبر عن الإرادة التشريعية بالألفاظ الدالة على محبته ورضاه، كما قال تعالى:﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُم﴾ (الزمر: 7)، وقال تعالى:﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (البقرة:205)، وهي كثيرة سنذكرها في محالها.

ولكنه مع ذلك قد يعبر بنفس التعابير الدالة على الإرادة القدرية.. وهنا قد يحصل الاشتباه، ولذل سنذكر بعض الأمثلة على ذلك هنا:

فلفظ الإرادة ـ مثلا ـ قد يعبر به عن الإرادة القدرية كقوله تعالى:﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾ (الأنعام: 125)، وقوله تعالى عن نوح عليه السلام:﴿ وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (هود:34)، وقوله تعالى:﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (البقرة: 253)

وقد يعبر به عن الإرادة التشريعية الأمرية كقوله تعالى:﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185)، وقوله تعالى:﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (النساء:26)، وقوله تعالى:﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ (النساء:28)، وقوله تعالى:﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة: 6)

ومثل ذلك لفظ ( الكتابة) فقد يراد به الإرادة الكونية، كقوله تعالى:﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة:51)، وقوله تعالى:﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة:21)، وقوله تعالى:﴿ وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ (الحشر:3)

وقد يراد به الإرادة التشريعية، كقوله تعالى:﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (البقرة: 178)، وقوله تعالى:﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:180)، وقوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:183)، وقوله تعالى:﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ (البقرة: 216)

ومثل ذلك لفظ ( الإذن)، فقد يعبر به عن الإرادة القدرية، كقوله تعالى:﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: 102)، وقوله تعالى:﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 249)، وقوله تعالى عن المسيح عليه السلام:﴿ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ (آل عمران: 49)

وقد يعبر به عن الإرادة التشريعية، كقوله تعالى:﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (الحشر:5)، وقوله تعالى:﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس:59)

ومثل ذلك لفظ ( الجعل) فقد يعبر به عن الإرادة القدرية، كقوله تعالى:﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ (يّـس:8)، وقوله تعالى:﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (الأنعام: 125)

وقد يعبر به عن الإرادة التشريعية كقوله تعالى:﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (المائدة:103)

ومثل ذلك لفظ ( التحريم)، فقد يعبر به عن الإرادة القدرية كقوله تعالى:﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ﴾ (القصص: 12)، وقوله تعالى:﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (المائدة:26)

وقد يعبر به عن الإرادة التشريعية كقوله تعالى:﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة:173)، وقوله تعالى:﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (الأنعام:119)

 ومثل ذلك لفظ ( الأمر)، فقد يعبر به عن الإرادة التشريعية كقوله تعالى:﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ (البقرة: 27)، وقوله تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (البقرة: 67)، وقوله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء: 58)، وقوله تعالى:﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ (المائدة: 117)

وقد يعبر به عن الإرادة القدرية، كقوله تعالى:﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ (الاسراء:16)

وقد كانت هذه الآية محل خلاف كبير بين المفسرين، بل استغلها بعض المبشرين للتشنيع على المسلمين بأن ربهم يأمر بالفساد، وهذا كله من سوء الفهم للآية.

ومثل ذلك ما ورد في السنة من بيان ما وضع الله من أسباب لإرادة الخير بالعبد، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من يرد الله به خيرا يفقه في الدين) ([63])،

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( من يرد الله به خيرا يصب منه) ([64])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ألا اعلمك كلمات؟ من يرد الله به خيرا يعلمهن اياه ثم لا ينسيه إياهن أبدا قل: اللهم انى ضعيف فقو في رضاك ضعفي وخذ إلى الخير بناصيتى، واجعل الاسلام منتهى رضاى، اللهم انى ضعيف فقونى، وانى ذليل فأعزني، وانى فقير فارزقني)(