الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: أكوان الله

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 266

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

هذه الرسالة تدعو إلى النظر إلى الكون نظرة جديدة تنطلق من قراءته باسم الله، وتنتهي بصحبته في الله.

وقد حاولت حصر أوصاف الكون ـ انطلاقا من النصوص المقدسة ـ في أربعة أوصاف كل واحد منها معراج من معارج السلام، ورقية من رقى السعادة.

وهذه الأوصاف الأربعة هي: الحياة، والعبادة، والتسخير، والمقروئية.

فمعرفتنا بالكون الحي تشعرنا بالأنس، وتملؤنا ينشوة الصداقة الحميمة، فلا يمكن أن نصادق جمادا.

ومعرفتنا بالكون العابد تعرفنا بوظيفتنا، وتجعلنا نلهج بالتسبيح في حلقة ذكر الكون الواسع.

ومعرفتنا بالكون المسخر تجعلنا نتناول الأشياء من يد الله، لا من يد الطبيعة، ونتناول الأشياء بالله، لا بأيدينا.

ومعرفتنا بالكون المقروء تعبر بنا من الكون إلى المكون، وتزج بنا في رحاب الحضرة المقدسة، فنبصر من خلال الأشياء مشيئ الأشياء، فنصادق مع قطرات الندى، وتفتح الزهر، وهبوب النسيم، رب الكون ومبدعه.

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

أولا ـ الكون الحي

1 ـ الإدراك:

2 ـ المشاعر:

الخشوع:

الغضب:

الشفقة:

الرحمة:

التعظيم:

3 ـ التعبير

4 ـ التحضر:

التنظيم:

العمران:

الأخلاق:

ثانيا ـ الكون العابد

1 ـ القنوت :

2 ـ السجود:

3 ـ التسبيح:

4 ـ الدعاء:

ثالثا ـ الكون المسخر

1 ـ الربانية:

الملكية:

التدبير:

2 ـ السلام:

3 ـ الحكمة:

الجمال:

التنوع:

تنوع الأحياء:

تنوع الألوان:

التوازن:

الانتفاع:

4 ـ الطهارة :

رابعا ـ الكون المقروء

1 ـ الفناء:

2 ـ البقاء:

3 ـ القراءة:

4 ـ اليقين:

 

المقدمة

من مظاهر الصراع التي أفرزتها غفلة الإنسان وكبرياؤه: الصراع مع الكون.. مع السماء والأرض.. والنبات والحيوان.. والرياح والأمطار.. وكل الأشياء.

وهذا الصراع يكتسي لبوسا مختلفة، ويتوزع على مظاهر متنوعة، ولكن الأساس في جميعها واحد، وهو أننا نتعامل مع أكوان ننسبها إلى الطبيعة، أو ننسبها إلى الآلهة الجاثمة على عروش قلوبنا وعقولنا، أو ننسبها إلى اللاشيء الذي تفرزه الغفلة، وننسى في هذا الخضم أن ننسبها إلى الله.

فالأكوان أكوان الله، والأشياء جميعا خلقت بيد الله، وصورت باسم الله، وهي تتوجه إلى الله قبل أن تتوجه إلينا.

وهذه النظرة هي مبدأ السلام مع الكون، ومنطلقه.

فكما أن بداية السلام مع المستعمرات، هو اعتراف المستعمر لها بحريتها، وبحقها في تقرير مصيرها، ليتعامل معها بعد ذلك تعامل المسالم لا المحارب، وتعامل الند لا المتعالي، وتعامل الصديق لا العدو، فكذلك يكون السلام مع الكون.

فأي سلام نحلم به مع الكون، ونحن لا نعترف به؟.. أو أن اعترافنا به مجرد معنى محصور في زاوية خاملة من زوايا العقل، لا نتأثر لها، ولا نهتم بها.

وهذا المنطلق الذي يحدد تعاملنا مع الكون هو الذي يشعرنا بالسعادة والأمان، وينزع عنا حجب الوحشة والضيق، ويزرع في قلوبنا الابتسامة، وينزع من صدورنا الحزن.

***

 وانطلاقا من هذا نحاول في هذه الرسالة أن ننظر نظرة جديدة للكون، تنطلق من قراءته باسم الله، وتنتهي بصحبته في الله.

ودليلنا في هذا أقدس كلام، وأشرف كلام، وأصدق كلام، كتاب الله تعالى، فهو الكتاب الذي يجعلنا نشعر بصداقة حميمة مع الكون، تجعلنا نراه كتابا تقلب صفحاته ليتجلى من خلالها أعظم محبوب، وأجمل محبوب، وأكمل محبوب، فنصادق من خلال الكون رب الكون، ونعبر من الكون إلى المكون.

وهذه الصحبة الشريفة للكون، والتي تتعامل معه كما تتعامل مع الإنسان، هي التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وقد صور لنا بعض الصحابة بعض هذه الصحبة فقال:( أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مطر قال فحسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه تعالى)([1])

وهذه الصحبة تستدعي نظرة شاملة للكون بجميع أنواعه، وبجميع خصائصه ووظائفه وصفاته، فبحسب سمو المعرفة يكون سمو التعامل.

وقد حاولنا حصر أوصاف الكون ـ انطلاقا من النصوص المقدسة ـ في أربعة أوصاف كل واحد منها معراج من معارج السلام، ورقية من رقى السعادة.

وهذه الأوصاف الأربعة هي: الحياة، والعبادة، والتسخير، والمقروئية.

فمعرفتنا بالكون الحي تشعرنا بالأنس، وتملؤنا ينشوة الصداقة الحميمة، فلا يمكن أن نصادق جمادا.

ومعرفتنا بالكون العابد تعرفنا بوظيفتنا، وتجعلنا نلهج بالتسبيح في حلقة ذكر الكون الواسع.

ومعرفتنا بالكون المسخر تجعلنا نتناول الأشياء من يد الله، لا من يد الطبيعة، ونتناول الأشياء بالله، لا بأيدينا.

ومعرفتنا بالكون المقروء تعبر بنا من الكون إلى المكون، وتزج بنا في رحاب الحضرة المقدسة، فنبصر من خلال الأشياء مشيئ الأشياء، فنصادق مع قطرات الندى، وتفتح الزهر، وهبوب النسيم، رب الكون ومبدعه.

وهذه الألقاب الأربعة لأكوان الله هي الوحيدة التي تملؤنا بالأنس، وتشعرنا بالسلام.

السلام الشامل الذي يستغرق جميع طاقاتنا، لا السلام الذي يتغنى به الغافلون عن الله، والذي يجعل أسمى غاياته أن يحفظ تماسك هذا التراب الذي تمتطيه أرواحنا.

وننبه في هذه الرسالة ـ كما نبهنا في سائر الرسائل ـ إلى أن ما في هذه الرسالة من حقائق نوعان:

أما النوع الأول، فهو حقائق مطلقة لا ينبغي لأحد أن يجحدها، لأن كل شيء يدل عليها ابتداء من النصوص المقدسة.. وهذه الحقائق لا نقبل مناقشة أحد فيها.. ولن نجيبه إن ناقشنا، لأنه لا يمكن أن يجادل أحد في البديهيات.

وأما النوع الثاني، فهو آراء وقع فيها الخلاف.. وقد اخترنا في الخلاف ما رأيناه راجحا.. ولا حرج علينا في ذلك.. ونحن في هذا النوع من الحقائق نتقبل كل مخالفة، ونخضع لكل توجيه، ونتراجع عن كل خطأ.. وندعو الله لكل من نبهنا لذلك، فلا عصمة إلا لمن عصمه الله.

 

أولا ـ الكون الحي

هل تدب الحياة فيما حولنا من أشياء؟

وهل تعقل هذه الكائنات الكثيرة التي تحيط بنا نفسها وحقيقتها ووظائفها؟

وهل تعقل غيرها، وعلاقتها به؟

وهل تحزن وتئن، وتفرح وتسر؟

وهل تبغض وتحب، وتحلم وتأمل؟

وهل في قدرتها التعبير عن مشاعرها وأفكارها؟

ثم ما علاقتها بنا، وما علاقتنا بها؟

وهل نحن وسط كون حي ينبض بالحياة، أم نحن في لجة كون جامد لا روح فيه ولا مشاعر له؟

وما تأثير هذه المعارف على أنفسنا وأنماط حياتنا؟

هل هي مجرد قضايا فلسفية وترف عقلي قد يعني الخاصة، ولا علاقة له بالعامة، أم أن له ارتباطا بنا نحن العوام والبسطاء والدهماء؟

إن هذه التساؤلات من القضايا الأساسية التي تشغل بال الإنسان ويهتم لها، ويرسل في سبيل معرفة جزء منها المركبات الفضائية، ليسبر أغوار الكون، ويبحث عن أحياء فيه، ويتساءل بحماقة وغرور: هل هناك حياة على غير الأرض؟

ولكن الحقائق الكبرى ـ التي تبينها الوثيقة الإلهية التي تنطوي على حقائق الوجود وأسراره ـ تخبر أن هذا الكون لا يحوي أحياء فقط، بل هو نفسه حي، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني.

أما ما نتصوره نحن من حياة فهو صورة فقط من صور الحياة، وهي صورة ارتباطات مادية حيوية بعضها ببعض.

وكما أن العلم الحديث يقر بوجود حياة في الخلية الواحدة، سواء كانت ضمن نسيج واحد أو كانت مستقلة منفردة، فكذلك تنبئنا النصوص المقدسة أن الكون كله حي جملة وتفصيلا، وكل ذرة فيه أو ما دونها كائن حي له حقيقته التي استدعت وجوده، كما أن له صورته التي نعرفه من خلالها.

قال بديع الزمان النورسي مبينا هذه الحقيقة وأثرها النفسي:( فالكونُ بجميع عوالمه حيّ ومشع مضئ بذلك التجلي، وِالاّ لأصبح كل من العوالم - كما تراه عين الضلالة - جنازة هائلة مخيفة تحت هذه الدنيا المؤقتة الظاهرة، وعالماً خرباً مظلماً)([2])

* * *

 ولكن الإيمان بهذه الحقائق إيمانا ذوقيا شهوديا يستدعي مرآة صافية، وقلبا محررا من أوثاق الهوى.

هذا في الدنيا، أما في النشأة الآخرة فإن الإنسان ـ مؤمنا كان أو كافرا ـ بعد انحسار حجاب الغفلة يدرك هذه الحقائق، كما قال تعالى:﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (قّ:22)

فمن معاني الغفلة في الآية تعطل الطاقات عن أداء وظيفتها بسبب إهمالها وعدم استعمالها.

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الإدراك في أحاديث كثيرة لعل أشهرها ما أخبر به عن معرفة أهل الجنة والنار للموت مع أنه جاءهم في صورة حسية، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟، فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت، ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى:﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ (مريم:39) وأشار بيده إلى الدنيا)([3])

فهذا الحديث يكاد يصرح بالقدرات الهائلة لأهل النشأة الآخرة في التعرف على هذه الحقائق، يستوي في ذلك مؤمنهم وكافرهم، وأهل الجنة وأهل النار.

بل إن القرآن الكريم صرح بذلك حين ذكر قدرتهم على سماع جوارحهم، وهي تخاطبهم، قال تعالى:﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النور:24)

***

 انطلاقا من هذه المعاني سنتحدث في هذا الفصل عن بعض الغيب الذي كشف لنا عن بعض دلائل الحياة ونوعها فيما نراه من كائنات سواء كانت جامدة لا حظ لها من الحياة والعقل، أو حية نعطيها صورة من صورة الحياة، وهي صورة الحركة والنمو، وننفي عنها أهم ما في الحياة من العقل والوعي والشعور والاختيار.

وسنكتفي بأربعة مظاهر للحياة تكفي أي عاقل ليحكم من خلالها بالحياة لمن اتصف بها، وهي: الإدراك، والمشاعر، والتعبير، والتحضر.

1 ـ الإدراك:

الإدارك هو أهم صفة من صفات الحياة، بل هو ركن الحياة الركين، حتى أن من القدامى من عرف الحي بأنه المدرك النامي، أو عرفه بأنه المدرك فقط، فمن اكتمل له الإدارك كان له من الحياة حظها الأوفر، ومن كان له بعض الإدراك كان له من الحياة ما كان له من الإدراك.

ويراد بالإدراك توفر الواسائل المتيحة للتعرف على العالم الخارجي.

وربما يكون هذا الحد هو الحجاب الذي جعلنا، أو جعل أوهامنا تعتقد موت ما نراه من أشياء.. ذلك أننا لا نرى لها عيونا ترى بها، أو آذانا تسمع بها، أو جلودا تلمس بها.. فنحكم من خلال غياب الوسيلة على غياب الغاية.

وهذا حكم خاطئ ابتداء.. ومن السهولة التعرف على خطئه.

فقبل قرنين من الزمان فقط كان اللسان شرطا من شروط القدرة على الكلام.. ولكنا الآن، وبفضل ما توفر لنا من تقنيات أزحنا هذا الشرط.. فأصبحت الشريحة الصغيرة التي لا تكاد ترى تتحدث بلسان فصيح، بل تترنم بألحان دونها كل الحناجر مع أنه ليس لها لسان ولا حنجرة ولا هواء يدخل أو يخرج.

وهكذا القول في شئون كثيرة كان الوهم المتلبس بلباس العقل يحكم فيها بأحكامه على العقل.. ولكن الحقائق التي أتاحها العلم مكنتنا من التعرف على محل الوهم.

وهكذا ينبغي أن نتعامل مع ما لم نعلم علمه بعد.. وإلا وقعنا فيما وقع فيه أهل القرون السالفة من الأوهام المتلبسة بلباس العلم.

بعد هذا الخطاب البديهي للعقل، والذي قد لا نستفيد منه شيئا غير كون كل ذلك ممكنا، نرجع إلى المصدر المعصوم للمعارف لنتعرف على ترجيحه لأحد وجهي الإمكان.

والنصوص المقدسة تخبرنا عن هذا الوعي والإدراك بأساليب مختلفة، ربما تكون هذه الرسالة جميعا، أدلة عليها.

ولكنا سنقتصر هنا على بعض ما ذكرت النصوص من نماذج على هذا الشرط من شروط الحياة.

فمن مظاهر الإدراك مثلا إدراك المدرك للعواقب، فلذلك يحترز منها بصنوف الاحترازات.. فنعرف من خلال احترازه على مدى إدراكه.

ومما يذكر هنا من باب التنكيت أن بعضهم زعم الصمم، ليتخلص من وظيفة كلف بها، فاحتال عليه المسؤول بأن صاح فجأة فيه:( احذر.. فإن عقربا تريد أن تلدغك).. فابتعد الرجل مسرعا.. وانطلت الحيلة عليه.. وعرف أن إدركه سليم بسبب احترازه.

وهذا الدليل نستطيع أن نفهم منه قوله تعالى:﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (الأحزاب:72)، فالحياة العاقلة المدركة للعواقب هي التي منعت هذا الكون من قبول أمانة التكليف.

ولولا ما في الكون من طاقة الإدراك والاختيار ما عرض عليه هذا العرض الخطير، ولولاها ما أجاب هذه الإجابة الواعية.

ومع صراحة النصوص الدالة على هذا المعنى نجد بعض المفسرين يجنح بها إلى التأويل الذي لا يحتاج إليه، فقد ذهب بعضهم ـ كما يذكر القرطبي وغيره ـ إلى أن العرض في هذه الآية ضرب مثل، (أي أن السموات والأرض على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب، أي أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السموات والأرض والجبال، وقد كلفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل)([4])

وقال قوم: إن الآية من المجاز، أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السموات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت.

وهذا التأويل البعيد للآية تغليب للعقل المحدود على الوحي المطلق، وهو نتيجة لصحبة العقل المسلم للفكر المادي، ولهذا كان السلف الذين لم يتلوثوا بمثل هذه الصحبة أشرف فهما، وأعظم إيمانا، وقد روي في هذا عن عبدالله بن مسعود قال: لما خلق الله الأمانة مثلها صخرة، ثم وضعها حيث شاء ثم دعا لها السموات والأرض والجبال ليحملنها، وقال لهن: إن هذه الأمانة، ولها ثواب وعليها عقاب؛ قالوا: يا رب، لا طاقة لنا بها؛ وأقبل الإنسان من قبل أن يدعي فقال للسموات والأرض والجبال: ما وقوفكم؟ قالوا: دعانا ربنا أن نحمل هذه فأشفقنا منها ولم نطقها؛ قال: فحركها بيده وقال: والله لو شئت أن أحملها لحملتها؛ فحملها حتى بلغ بها إلى ركبتيه، ثم وضعها وقال: والله لو شئت أن أزداد لازددت؛ قالوا: دونك! فحملها حتى بلغ بها حقويه، ثم وضعها وقال: والله لو شئت أن أزداد لازددت؛ قالوا: دونك، فحملها حتى وضعها على عاتقه، فلما أهوى ليضعها، قالوا: مكانك! إن هذه الأمانة، ولها ثواب وعليها عقاب وأمرنا ربنا أن نحملها فأشفقنا منها، وحملتها أنت من غير أن تدعي لها، فهي في عنقك وفي أعناق ذريتك إلى يوم القيامة، إنك كنت ظلوما جهولا([5]).

2 ـ المشاعر:

المشاعر الوجدانية هي روح الحياة.. ومن لا مشاعر له لا حياة له..وقديما قال الشاعر يسخر من الذي لم يذق قلبه طعم الحب:

إذا لم تذق في هذه الدار صبوة فموتك فيها والحياة سواء

وقال الآخر معبرا عن قصور حياة من لم يذق طعم هذه المشاعر:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فأنت وعير في الفلاة سواء

وقال الآخر يرميها بالجمود:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا

وقال الآخر يرميها بالبهيمية:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى  فقم فاعتلف تبنا فأنت حمار

وكل هؤلاء ـ ما عدا أولهم ـ عبروا حسب معارفهم، وحسبما دلتهم عليه مداركهم المحدودة.. أما الحقيقة التي تنص عليها النصوص المقدسة.. فتخالفهم في ذلك تمام المخالفة..

فالنصوص المقدسة تنطق بكل لسان على ما لهذه الموجودات ـ سواء كان منها ما ينتمي إلى العالم الذي نسميه جمادا، أو العالم الذي نعطيه بعض أوصاف الحياة، وننزع منه أهمها.

وسننطلق من النصوص المقدسة لنتعرف على بعض أسرار المشاعر التي تمتلئ بها قلوب الكائنات:

الخشوع:

فمنها الخشوع، وهو مجموعة مشاعر سامية يختلط فيها الحب بالهيبة وبالخشية وبالرجاء.. وهو لا يمكن أن يكون إلا لمن امتلأ بالحياة الحقيقية..

قال تعالى واصفا تأثير نزول القرآن على الجبل:﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (الحشر:21)

بل إنه من فرط الخشوع للتجلي يندك، قال تعالى:﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً ﴾ (لأعراف: 143)

بل ينهد لسماع شرك المشركين، قال تعالى:) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾ (مريم:90 ـ91)

وقد ذكر العلماء ـ انطلاقا من هذه الآية ـ الأثر الشديد الذي خلفه الشرك في الأشياء، فذكر عن بعضهم أنه قال:( إن الله تعالى لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم تك في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة وكان لهم منها منفعة فلم تزل الأرض والشجر كذلك حتى تكلم فجرة بني آدم تلك الكلمة العظيمة وهي قولهم:﴿ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً﴾ (مريم:88)، فلما قالوها اقشعرت الأرض وشاك الشجر)([6])

وكان ابن عباس يرجع ما في الأرض من الأذى بسب هذا قال: ( اقشعرت الجبال وما فيها من الأشجار والبحار وما فيها من الحيتان فصار من ذلك الشوك في الحيتان وفي الأشجار الشوك)([7])

ونحن وإن كنا لا نجزم بهذا، ولكنا مع ذلك ندرك أن الصور والخصائص التي نراها للأشياء لها علاقة كبيرة بانفعالاتها التي يسببها سلوكنا، ولذلك قد نستلذ طعوما أو مناظر في بعض الأيام، ثم نستقبحها أياما أخرى، وقد نعزو ذلك إلى نفوسنا فقط ونعزل الكون من هذا الأثر المتناقض للأشياء.

وقد ورد في الآثار ما يدل على سرور الأشياء، والذي قد يسري إلى الناظرين ليشعرهم بالأنس والسعادة، فقد روي أن الجبل يفخر إن مر عليه ذاكر لله تعالى، فعن ابن مسعود قال:( إن الجبل ليقول للجبل: هل مرَّ بك اليوم ذاكر لله؟ فإن قال: نعم، سُرَّ به) ثم قرأ عبد الله قوله تعالى:﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (البقرة:116) قال:( أفتراهن يسمعن الزور ولايسمعن الخير)([8])

وعن أنس بن مالك قال:( ما من صباح ولا رواح إلا تنادي بقاع الأرض بعضها بعضا، يا جاره هل مر بك اليوم عبد فصلى لله أو ذكر الله عليك، فمن قائلة لا، ومن قائلة نعم، فإذا قالت نعم رأت لها بذلك فضلا عليها)([9])

وقد أخبر القرآن الكريم عن مشاعر الخشية من الله التي تجعل الحجارة تهبط أو تتفجر أو تتشقق.. قال تعالى:﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه([10]))(البقرة: 74)

وقد زعم بعضهم أن إسناد الخشوع إلى الحجارة جاء من باب المجاز، كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله تعالى:﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ﴾ (الكهف: 77)

ولا حاجة إلى هذا كما ذكرنا، والنصوص الكثيرة التي أوردناها تدل على هذا.

الغضب:

ومن المشاعر التي ورد في النصوص الحديث عنها الغضب..

فقد أخبرنا القرآن الكريم أن جهنم ـ مثلا ـ ليست تنورا للعذاب لا عقل له، وإنما هي كائن ككينونة الإنسان لها عقل ووعي ومشاعر.

بل إن مصدر عذابها وشدته نابع من غضبها لله، فهي مغتاظة على الجاحدين، كما قال تعالى:﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ (الفرقان:12)

وقد صور بعض السلف شدة هذه الزفرة النابعة من الغيظ بقوله:( إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خرَّ لوجهه، ترتعد فرائضه، حتى إن إبراهيم u ليجثو على ركبتيه، ويقول: رب لا أسألك اليوم إلا نفسي)([11])

 ومثل زفير استقبالها لأهلها، يصورها القرآن الكريم بصورة الجلاد الحي الذي يتفنن في التعذيب، وهو مدرك ماذا يفعل ولماذا يفعل، قال تعالى:﴿ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى (المعارج:15 ـ 18)

فالقرآن الكريم عبر عما يحصل فيها من نزع للشوى([12])، بصيغة ( نزاعة) للدلالة على أن شخص جهنم الحي هو الذي يؤدي هذه المهمة، بل يخبر أنها تدعو من أدبر وتولى.

وهذا الغيظ الذي تبديه جهنم لأهلها ليس ناتجا من قسوة طبعية، بل هو كما توضح النصوص نابع من غيرة إيمانية، وقد قال ابن عباس:( إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض فيقول لها الرحمن: ما لك؟ قالت: إنه يستجير مني، فيقول أرسلوا عبدي؛ وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول: يا رب ما كان هذا الظن بك، فيقول: فما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي؛ وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهقة البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف)([13])

والقرآن الكريم يخبرنا بأن جهنم ـ لشوقها لأهلها ـ تدرك بما أعطاها الله من البصيرة أن هناك من لا يزال خارجها، فلذلك تطالب بالمزيد، قال تعالى:﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (قّ:30)

والجنة في القرآن الكريم، وكما توضح الأخبار والآثار المفسرة له ـ مثل جهنم وكل مكونات العالم الآخر ـ كائن حي مدرك متكلم، له مشاعره الوجدانية، جعله الله تعالى محلا لرحمته، ومجلى لصفات فضله وكرمه.

وقد ورد في الآثار ما يدل على شوق الجنة لأهلها شوقا لا يقل عن شوق أهلها إليها، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( قالت الجنة: يا رب قد أطردت انهاري وطابت ثماري فعجل على بأهلي)([14])

الشفقة:

ومنها شعور الشفقة هيبة من الله وإجلالا له، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر فيه خمس خلال خلق الله فيه آدم وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض وفيه توفى الله آدم وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئا إلا أعطاه ما لم يسأل حراما وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة)([15])

والذراع المسمومة تشفق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتخبره عن سميتها([16]).

والجبل يشفق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:( قال لي ثبير اهبط فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله. فناداه حراء: إلي يا رسول الله)([17])

والشجر يمشي حين يدعوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

والجذع يحن لفقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يسكن حتى يضمه صلى الله عليه وآله وسلم، عن أبي سعيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب إلى لزق جذع فأتاه رجل رومي فقال أصنع لك منبرا تخطب عليه فصنع له منبرا هذا الذي ترون، قال فلما قام عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب حن الجذع حنين الناقة إلى ولدها، فنزل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضمه إليه فسكن فأمر به أن يحفر له ويدفن)([18])

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يبادل هذه الأشياء مشاعرها، فكان يقول عن أحد: (هذا جبل يحبنا ونحبه)([19])

الرحمة:

ومن المشاعر التي ورد في النصوص المقدسة نسبتها للكائنات مشاعر الرحمة.. وهي من المشاعر العظيمة التي تستدعي منتهى الكمال والرقي.

ومن ذلك ما ورد في النصوص من الإخبار عن المشاعر الفائضة من قلوب الأشياء دموعا رحمة للمؤمن، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ (الدخان:29)

فهذا البكاء الذي أخبر عنه القرآن الكريم ليس من جنس ما كانت تعبر به العرب عن أحزانها، كما قال الشاعر:

فالريح تبكي شجوها  والبرق يلمع في الغمامة

وقال آخر:

والشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا

وقالت الأخرى:

أيا شجر الخابور مالك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف

لأن النصوص المقدسة لا يدخلها مثل هذا التأويل، ولو ورد في كلام العرب، فلا النقل ينفيه، ولا العقل يحيله.

بل قد ورد في النقل ما يدل عليه، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان، باب ينزل منه رزقه، وباب يدخل منه كلامه وعمله، فإذا مات فقداه فبكيا عليه، ثم تلا قوله تعالى:﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ﴾ (الدخان: 29)([20])

ولهذا أخبر القرآن الكريم بعدم بكاء السموات والأرض على الكفار، لأنهم لم يعملوا على الأرض عملا صالحا تبكي عليهم لأجله، ولا صعد لهم إلى السماء عمل صالح فتبكي فقده، قال علي:( إنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء)([21])

وكما تبكي الأرض والسماء على المؤمن، تستبشر به، وقد قال أنس:( لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة أضاء كل شيء، فلما كان اليوم الذي قبض فيه أظلم كل شيء، وإنا لفي دفنه ما نفضنا الأيدي منه حتى أنكرنا قلوبنا)([22])

ولهذا لا يصح اعتبار المسلم غريبا ما دام محاطا بكل هذه المشاعر الفياضة التي تتدفق من حوله، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء يوم القيامة قيل: من هم يا رسول الله؟ قال - هم الذين إذا فسد الناس صلحوا - ثم قال - ألا لا غربة على مؤمن، وما مات مؤمن في غربة غائبا عنه بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى:﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ﴾، ثم قال:( ألا إنهما لا يبكيان على الكافر)([23])

وكما أن المؤمن يعيش بصحبة هذه المشاعر الفياضة التي تفيض عليه من الكون، فإن الكافر والغافل بعكس ذلك، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن البلاد والشجر والدواب تستريح من أذى العبد الفاجر، فقد روي أن جنازة مرت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:( مستريح ومستراح منه) قالوا:( يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه) قال:( العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب)([24])

وقد ذكر العلماء وجوها من استراحة الكون من العبد الفاجر الكافر أو العاصي منها أن العباد يستريحون من ظلمه لهم، وما يأتي به من المنكر، فإن أنكروا آذاهم، وإن تركوه أثموا.

والبلاد تستريح مما يفعله فيها من المعاصي، فيحصل الجدب، ويهلك الحرث والنسل، أو لغصبها ومنعها من حقها.

والشجر يستريح منه لقلعه إياه غصبا أو غصب ثمره.

والدواب تستريح منه لاستعماله لها فوق طاقتها، وتقصيره في علفها وسقيها([25]).

وهي وجوه لا يراد بها الحصر، فالتأذي الذي يحصل لها من جنس التأذي الذي يحصل للمؤمن عندما يسمع كلمة الكفر، وقد ذكرنا سابقا قوله تعالى عن تأثير كلمة الكفرعلى الأشياء: ﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً﴾ (مريم:90)

بل ورد في النصوص والآثار أن العلاقة بين المؤمن والكون ليست علاقة مشاعر فقط، بل هي علاقة تعاون وتكافل، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه:( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر أو الشجرة فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود)([26])

وأخبر ابن عباس عن عابد كان يتعبد في غار فكان يأتيه غراب كل يوم برغيف حتى مات العابد.

التعظيم:

من المشاعر التي ورد في النصوص نسبتها لهذه الكائنات التعظيم.. وهو نابع من معارف كثيرة لا يمكن أن تكون إلا لحي عاقل قد اكتمل له الحياة والعقل.

فقد ورد في النصوص ما يدل على تعظم الكائنات لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسجود الاحترام والتقدير.

فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في نفر من المهاجرين والأنصار، فجاء بعير فسجد له، فقال أصحابه:( يا رسول الله تسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحق أن نسجد لك) فقال:( اعبدوا ربكم، وأكرموا أخاكم)([27])

وفي الحديث دليل على تكرر ذلك من البهائم المختلفة والشجر.

ومن هذا الباب طاعتها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشهادتها له، فقد روي أن أعرابيا دنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أين تريد؟ قال: إلى أهلي قال: هل لك في خير، قال: وما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، قال: ومن يشهد على ما تقول، قال: هذه السلمة، فدعاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض خدا، حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثا، فشهدت ثلاثا أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابي إلى قومه، وقال: إن اتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت فكنت معك([28]).

وقد تكرر ذلك مرات مختلفة، منها أنه جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:( بم أعرف أنك نبي) قال:( إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله) فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال:( ارجع) فعاد فأسلم الأعرابي([29]).

وقد كان احترام الكائنات لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمها له ومعرفتها بمنزلته عند الله داعية لها للاستجارة به واللجوء إلى بابه كما يلجأ الصادقون، وقد روي من ذلك أن جزارا فتح بابا على شاة ليذبحها، فانفلتت منه حتى جاءت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتبعها وأخذ يسحبها برجلها، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اصبري لأمر الله، وأنت يا جزار فسقها سوقا رفيقا)([30])

وروي مثل ذلك عن جمل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشكو صاحبه، فقد دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حائطا لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حن وذرفت عيناه فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمسح ذفراه فسكت فقال: من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( أفلا تتقى الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلى أنك تجيعه وتذيبه)([31])

وفي رواية أخرى أو في حادثة أخرى عن يعلى بن مرة قال:( كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالسا ذات يوم إذ جاء جمل يخبب حتى ضرب بجرانه بين يديه ثم ذرفت عيناه، فقال: ويحك انظر لمن هذا الجمل؟ إن له لشأنا، قال فخرجت ألتمس صاحبه فوجدته لرجل من الأنصار فدعوته إليه فقال: ما شأن جملك هذا؟ فقال: وما شأنه؟ لا أدرى والله ما شأنه، حملنا عليه ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية فأتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه، قال: لا تفعل هبه لي أو بعنيه، فقال: بل هو لك يا رسول الله، قال: فوسمه بميسم الصدقة ثم بعث به)([32])

وفي رواية أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لصاحب البعير:( ما لبعيرك يشكوك؟ زعم أنك سنأته حتى كبر تريد أن تنحره، قال: صدقت، والذي بعثك بالحق لا أفعل)

وفي رواية أخرى أو حادثة أخرى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لصاحب البعير:( بعنيه)، فقال:( لا بل أهبه لك يا رسول الله، وإنه لأهل بيت ما لهم معيشة غيره)، فقال:( أما إذا ذكرت هذا من أمره فإنه شكا كثرة العمل وقلة العلف، فأحسنوا إليه)

ومثل ذلك روي عن أنس قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قوم قد صادوا ظبية فشدوها إلى عمود فسطاط، فقالت: يا رسول الله إني وضعت ولدين خشفين، فاستأذن لي أن ارضعهما ثم أعود، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خلوا عنها حتى تأتى خشفيها فترضعهما وتأتى إليكما، قالوا: ومن لنا بذلك يا رسول الله؟قال أنا. فأطلقوها فذهبت فأرضعتهما ثم رجعت إليهما فاوثقوها، قال: أتبيعونها؟ قالوا: يا رسول الله هي لك، فخلوا عنها، فأطلقوها، فذهبت([33]).

3 ـ التعبير

من أهم مظاهر الحياة القدرة على التعبير.. وهي وإن كانت ليست شرطا في الحياة إلا أن كمال الحياة لا يتحقق إلا بها.

وقد أخبر القرآن الكريم عن هذه الطاقة التي تتمتع بها الأشياء، بل أخبر أن هذه الطاقة زودت بها الأشياء منذ ولادتها، فقد قال تعالى عن الكون المتشكل من السموات والأرض:﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ (فصلت:11)([34])

وأخبر عن الإنسان أنه تحدث، وهو لا يزال في عالم الذر، قال تعالى:﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (لأعراف:172)

بل أخبر أن الكافرين يكتشفون يوم القيامة هذه القدرة التي تتمتع بها الكائنات التي كانوا يحسبونها جامدة، قال تعالى حكاية عن كلام الجلود بعد تعجب الكفار من كلامها: ﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ (فصلت: 21)

بالإضافة إلى هذا، فقد ورد في النصوص أن الجنة تتكلم، وتعقل أهلها، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( لما خلق الله جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال لها تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون)([35])

وقد أخبرنا صلى الله عليه وآله وسلم عن حوار جرى بين الجنة والنار، فقال:( تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والتمجبرين؛ وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال اللّه عزَّ وجلَّ، للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها)([36])

وهذه النصوص وغيرها تدل على حياة العالم الآخر ووعيه وإدراكه وشعوره، وهو ما يهب ذوقا خاصا لمن تأمله وعاشه.

فإدراك المؤمن ـ مثلا ـ بأن هذه الأرض التي يعيش فيها، والتي لم يسمع حديثها، أو لم يخطر على باله أنها تتحدث، ستتحدث يوما ما لتخبره بكل حركة قام بها على ظهرها، يجعله محتاطا متأدبا متواضعا، فهو لا يركب جمادا لا يعقل، بل هو يمتطي كائنا حيا له وعيه ومشاعره.

قال تعالى مصورا ذلك اليوم:﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾(الزلزلة)

وقد فسر صلى الله عليه وآله وسلم حديث الأرض في ذلك اليوم العظيم بقوله بعد أن تلا قوله تعالى:﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (الزلزلة:4):( أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها)([37])

ولهذا ورد في الحديث الأمر بمراعاة الأرض والتحفظ منها، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة)([38])

بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن بعض هذا الكشف سيحصل في الدنيا عندما تقترب رحلتها من الدار الآخرة، أو في البرزخ الذي بين الدنيا والآخرة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنسان وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده)([39])

وليس ذلك خاصا بالآخرة.. ولا بالبرزخ الذي بين الدنيا والآخرة، بل ورد في النصوص ما يشمل الدنيا والآخرة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن)([40])

هذا في عالم الجماد، أما في عالم الحيوان، فقد ذكر القرآن الكريم منطق حيوانين هما الهدهد والنملة:

أما الهدهد، فقد وردت قصته في قوله تعالى إخبارا عن بعض ما وهب سليمان u من الملك أنه ذات يوم:﴿ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ﴾ (النمل: 20)

وبنبرة الحزم التي تقتضيها السلطة، قال:﴿ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ (النمل: 21)

وبعد مدة جاء الهدهد، ومعه الحجة التي يبرر بها غيابه، وهي حجة جعلته يدخل على سليمان u مزهوا فاخرا، ليقول له:﴿ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ (النمل: 22)

ثم ذكر النبأ اليقين الذي جاء به، فقال:﴿ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ (النمل: 23)

وبنبرة الغاضب لله قال:﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ (النمل: 24)

وبنبرة العارف بالله والناصح لخلق الله قال:﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)﴾ (النمل)

وقد عبر عن معرفته لله بحسب حاله، فذكر من صفات الله أنه ﴿ يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾

أما النملة، فقد وردت قصتها في قوله تعالى:﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ (النمل: 18)

وهي تمثل بقولها هذا عالما جليلا من عوالم الرحمة والتكافل والأدب مما يقصر الكثير من البشر المتطاولون عن البلوغ إليه.

فقد كانت في موضع تهديد بوطء جيش سليمان u لها، فلم تكتف في تلك اللحظة المملوءة بالرعب أن تفر بنفسها، بل التفتت إلى النمل من أصحابها أن يفروا بأنفسهم.

وهي في تلك اللحظة لم تتخل عن الأدب، فذكرت عذر سليمان u وجنوده، وهو أنهم قد يطؤونهم من غير شعور منهم، وهو خلق نبيل قل من يكون عليه من البشر.

وقد كانت هذه النملة ينبوعا من المنابع التي فاضت منها الروايات الكثيرة عن عالم النمل:

ومنها ما روي أن سليمان u خرج يستسقي بالناس، فمر بنملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول:( اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك، فاما أن تسقينا وإما أن تهلكنا)، فقال سليمان u للناس:( ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم)([41])

وقد كانت لذلك ـ أيضا ـ منبعا للرحمة والشفقة ـ كما وردت بذلك النصوص والآثار، ومنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى قرية نمل قد حرقت، فقال: من حرق هذه؟ قالوا: نحن، قال:( إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار)([42])

وورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:( نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد)([43])

ولعل أكثر الحيوانات قدرة على التعبير كما ورد في النصوص والآثار هي الطيور، فهي بنغماتها المختلفة الجاذبة للقلوب تعبر عن أسمى المعاني، وأشرف الحقائق.

وسنهتدي بنور قوله تعالى عن سليمان u:﴿ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ﴾ (النمل: 16) لنسمع بعض أغاني الطيور، دون اهتمام بأسانيد ما نذكره أو مدى صحته.

بل إنا نحاول أن نجعل من الطيور هداة نهتدي بها، ومواعظ عبرة نعتبر بها، ونأكل البقلة من ألسنتها دون أن نسأل عن البقال([44]):

وأول ما نتعلمه من الطيور الزهد والقناعة التي عبر عنها هذا البلبل الزاهد الذي مر به سليمان u وهو على فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال سليمان u لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: لا يا نبي الله. قال: إنه يقول: أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء.

ونتعلم الأدب من هذا الطائر المؤدب الذي عرف كيف يخاطب نبي الله، فقد كان سليمان u جالسا ذات يوم إذ مر به طائر يطوف، فقال لجلسائه: أتدرون ما يقول هذا الطائر؟ إنها قالت لي: السلام عليك أيها الملك المسلط والنبي لبني إسرائيل! أعطاك الله الكرامة، وأظهرك على عدوك، إني منطلق إلى أفراخي ثم أمر بك الثانية؛ وإنه سيرجع إلينا الثانية ثم رجع؛ فقال إنه يقول: السلام عليك أيها الملك المسلط، إن شئت أن تأذن لي كيما أكتسب على أفراخي حتى يشبوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت. فأخبرهم سليمان بما قال؛ وأذن له فانطلق.

ونتعلم الإيمان بالقضاء والقدر من الهدهد الذي مر به سليمان u، وهو فوق شجرة وقد نصب له صبي فخا فقال له سليمان: احذر يا هدهد! فقال: يا نبي الله! هذا صبي لا عقل له فأنا أسخر به، ثم رجع سليمان فوجده قد وقع في حبالة الصبي وهو في يده، فقال: هدهد ما هذا؟ قال: ما رأيتها حتى وقعت فيها يا نبي الله، قال: ويحك! فأنت ترى الماء تحت الأرض أما ترى الفخ! قال: يا نبي الله إذا نزل القضاء عمي البصر.

ونتعلم قصر الأمل من هذا الورشان الذي صاح عند سليمان u فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب. وصاحت فاختة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: ليت هذا الخلق لم يخلقوا وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا.

ونتعلم وجوها من الأخلاق من هذه الطيور التي صاحت عنده، وفسرها لنا:

فقد صاح عنده طاوس، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: كما تدين تدان.

وصاح عنده هدهد فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: فإنه يقول: من لا يرحم لا يرحم.

وصاح صرد عنده، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: استغفروا الله يا مذنبين.

وصاحت عنده طيطوى فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: كل حي ميت وكل جديد بال.

وصاحت خطافة عنده، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: قدموا خيرا تجدوه.

ونتعلم صنوف الذكر من هذه الطيور التي فسر لنا سليمان u منطقها:

فقد هدرت حمامة عنده، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: سبحان ربي الأعلى عدد ما في سماواته وأرضه.

وصاح قمري عنده، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال إنه يقول: سبحان ربي العظيم المهيمن.

وصاح دراج عنده، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول:﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طـه:5)

وحدثهم عن الغراب أنه يقول:( اللهم العن العشار)

وعن الحدأة أنها تقول:﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ﴾ (القصص: 88)

وعن القطاة أنها تقول:( من سكت سلم)

وعن الببغاء أنها تقول:( ويل لمن الدنيا همه)

وعن الضفدع أنها تقول:( سبحان ربي القدوس)

وعن البازي أنه يقول:( سبحان ربي وبحمده)

وعن السرطان أنه يقول:( سبحان المذكور بكل لسان في كل مكان)

وهذه النصوص التي أوردناها ـ مع القول باحتمال صحتها وعدمه ـ الغرض منها هو التنبيه إلى الحكم التي نطقت بها، والمعارف التي منحتها.

أما المبالغة في ذلك ـ مما ينتشر بين العامة ـ من التفاؤل بالطيور وأصواتها أو التشاؤم بها، فهو محرم شرعا، كتحريم التنجيم سواء بسواء.

فالأقدار بيد الله لا بيد الطيور أو النجوم أو الكهان، وقد روي أن طائرا مر على ابن عباس وهو يصيح؛ فقال رجل من القوم: خير، خير. فقال ابن عباس: ما عند هذا لا خير ولا شر.

وقد كانت العرب تتيمن بالسانح، وهو الذي يأتي من ناحية اليمين، وتتشاءم بالبارح، وهو الذي يأتي من ناحية الشمال، وكانوا يتطيرون بصوت الغراب؛ ويتأولونه البين([45]).

وكانوا يستدلون بمجاوبات الطيور بعضها بعضا على أمور، وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك، ومثلها الظباء إذا مضت سانحة أو بارحة، ويقولون إذا برحت:( من لي بالسانح بعد البارح)

ولهذا سمي التشاؤم تطيرا، وقد جاءت الشريعة بالنهي عن التطير والتشاؤم بما يسمع من صوت طائر ما كان، وعلى أي حال كان:

فنفى صلى الله عليه وآله وسلم نسبة المتطير عن الأمة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( لن يلج الدرجا ت العلى من تكهن أو استقسم أو رجع من سفره تطيرا)([46])

بل اعتبر التطير شركا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( الطيرة شرك - ثلاثا - وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل)([47])

وعلمنا صلى الله عليه وآله وسلم كيف نوحد الله، وننفي الشرك عند التطير بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( من رجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك) قيل: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: ( أن يقول أحدهم اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ثم يمضي لحاجته)([48])

وفي حديث آخر علمنا أن نقول:( إذا وجد ذلك أحدكم فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت لا حول ولا قوة إلا بك)([49])

ونهى صلى الله عليه وآله وسلم عن كل سبب يؤدي إلى التطير، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( أقروا الطير على مكناتها([50])) ([51])

وذلك أن كثيرا من أهل الجاهلية كان إذا أراد الحاجة أتى الطير في وكرها فنفرها؛ فإذا أخذت ذات اليمين مضى لحاجته، وهذا هو السانح عندهم، وإن أخذت ذات الشمال رجع، وهذا هو البارح عندهم، فنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا.

ولكن الخرافة مع ذلك لا تعني سد الباب مطلقا، ولذلك لا نرى أن العلم بمنطق الطير أو غيره من الأشياء خاص بسليمان u، فالنصوص الكثيرة تنفي ذلك، ويكفي ما أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عند ذكره لعلامات الساعة:( والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنسان، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده)([52])

وقد نفى الألوسي أن يكون ذلك خاصا بسليمان u بقوله:( وقيل كانت الطير تكلمه u معجزة له نحو ما وقع من الهدهد، وقيل علم u ماتقصده الطير في أصواتها في سائر أحوالها فيفهم تسبيحها ووعظها وما تخاطبه به u وما يخاطب به بعضها بعضا، وبالجملة علم من منطقها ما علم الانسان من منطق بني صنفه، ولايستبعد أن يكون للطير نفوس ناطقة ولغات مخصوصة تؤدي بها مقاصدها كما في نوع الانسان إلا أن النفوس الانسانية أقوى وأكمل، ولايبعد أن تكون متفاوتة تفاوت النفوس الانسانية الذي قال به من قال، ويجوز أن يعلم الله تعالى منطقها من شاء من عباده ولا يختص ذلك بالأنبياء عليهم السلام ويجري ما ذكرناه في سائر الحيوانات)([53])

وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني يتحدث عن نفسه:( وقد وقع لي في ابتداء أمري أني كنت أسمع كلام من في أقطار الأرض من الهند والصين وغيرهما، حتى أني كنت أسمع كلام السمك في البحار المحيطة، ثم إن الله تعالى حجب عني وأبقى معي العلم كي لا أنكر مثل ذلك على أحد)([54])

ولذلك نرى أنه يمكن للبشر أن يفهموا لغة الحيوانات سواء عن طريق الكرامة أو الاستدراج أو حتى بالدراسة والبحث، مع قصور البحث عن الوصول إلى كل ما يعبر به الحيوان عن نفسه، فالعلم في صورته الحديثة قاصر على معرفة الحاجات المادية للأشياء.

وفي هذا المجال أثبتت الدراسات العلمية([55]) أن لكل نوع من أنواع الحيوانات رائحة خاصة به، وداخل النوع الواحد هناك روائح إضافية تعمل بمثابة بطاقة شخصية أو جواز سفر للتعريف بشخصية كل حيوان أو العائلات المختلفة، أو أفراد المستعمرات المختلفة.

و الرائحة تعتبر لغة خفية أو رسالة صامتة تتكون مفرداتها من مواد كيماوية أطلق عليها العلماء اسم ( فرمونات)، وهي بمثابة الحروف.

وكمثال على لغات الحيوان، نعود إلى عالم النمل، فالعلم الحديث ينص على أن النمل يتميز برائحة خاصة تدل على العش الذي ينتمي إليه، والوظيفة التي تؤديها كل نملة في هذا العش، وحينما تلتقي نملتان فإنهما تستخدمان قرون الاستشعار، وهي الأعضاء الخاصة بالشم، لتعرف الواحدة الأخرى.

وقد وجد أنه إذا دخلت نملة غريبة مستعمرة لا تنتمي إليها، فإن النمل في هذه المستعمرة يتعرفها من طريق رائحتها ويعدها عدواً، ثم يبدأ في الهجوم عليها، ومن الطريف أنه في إحدى التجارب المعملية وجد أن إزالة الرائحة الخاصة ببعض النمل التابع لعشيرة معينة ثم إضافة رائحة رائحة خاصة بنوع آخر عدو له، أدى إلى مهاجمته بأفراد من عشيرته نفسها.

وفي تجربة أخرى تم غمس نملة برائحة نملة ميتة ثم أعيدت إلى عشها، فلوحظ أن أقرانها يخرجونها من العش لكونها ميتة، وفي كل مرة تحاول فيها العودة يتم إخراجها ثانية على الرغم من أنها حية تتحرك وتقاوم، وحينما تمت إزالة رائحة الموت فقط تم السماح لهذه النملة بالبقاء في العش.

وحينما تعثر النملة الكشافة على مصدر للطعام فإنها تقوم على الفور بإفراز ( الفرمون) اللازم من الغدد الموجودة في بطنها لتعليم المكان، ثم ترجع إلى العش، وفي طريق عودتها لا تنسى تعليم الطريق حتى يتعقبها زملاؤها، وفي الوقت نفسه يصيفون مزيداً من الإفراز لتسهيل الطريق أكثر فأكثر.

ومن العجيب أن النمل يقلل الإفراز عندما يتضاءل مصدر الطعام ويرسل عددا أقل من الأفراد إلى مصدر الطعام، وحينما ينضب هذا المصدر تماماً فإن آخر نملة، وهي عائدة إلى العش لا تترك أثراً على الإطلاق.

بالإضافة إلى هذا، فقد أثبت العلم الحديث([56]) أن لكل نوع من أنواع الحيوانات لغة خاصة به، يتفاهم بها، ويتعارف مع غيره على أحوال ما حوله.. فهذه هي الدجاجة التي تصدر أصواتاً مميزة، فنرى صغارها أقبلت في سرعة تلتقط معها الحب.. وتصدر أصواتاً مخافة، فإذا بالصغار تهرول إلى العش في لحظة.

يقول (ألن ديفو) ـ وهو أحد علماء الحيوان ـ أنه وقف يوماً يراقب ثلاثة من صغار الثعلب تلعب حول أمها، وإذا بصغير منها يدخل في الغابة، ويبتعد عنها بعدا بحيث غاب عن النظر، فاستوت الأم قائمة ومدت أنفها إلى الناحية التي ذهب منها، وبقيت على حالها هذه برهة عاد بعدها الصغير في اتجاه أمه لا يلتفت يمنة أو يسرة، كأنما كانت تجذبه بخيط لا تراه العين.

ومثل ذلك وجدوا أن النحلة إذا عثرت على حقل مزهر عادت إلى الخلية، وما إن تتوسطها حتى ترقص رقصاً خاصاً، فإذا بالنحل يندفع إليها، ويسير خلفها إلى حيث تهديه النحلة إلى الزهور.

ويتكلم نمل الشجر في المناطق الاستوائية بلغة عجيبة، إذ يصعد إلى الشجرة ويدق دقات غير منتظمة، تقارب إشارات مورس التلغرافية، ويبلغ من قوتها أن تسمع من بعيد.

وقد لوحظ أن أسراب الفيلة، لا تكف لحظة عن غمغمة، طالما هي تسير في رهط، فإذا تفرقت الجماعة، وسار كل فيل على حدة انقطع الصوت تماماً.. ومن أعجب ما يؤيد لغة الفيلة، تلك الأصوات المزعجة التي تلاحظ عندما تجتمع الفيلة على المحكوم عليه ليعيش وحيدا ويسير منفرداً..

وأصوات الغراب مميزة تميزاً واضحاً.. فنعيبه أكبر على الخطر، وهو يصدره ليحذر به أبناء جنسه، بينما يصدر في مرحه ولعبه أصواتاً أخرى تقرب من القهقهة.

ويفهم الحيوان لغة الإنسان ويستجيب لها، كما يدعو الإنسان الدجاج إلى الغذاء بصوت معروف، ويدعو الإوز والبط بصوت مغاير، ويدعو الدواب إلى الشراب بالصفير كما يستطيع الأولاد في الريف عند صيد السمك من جذبه قريباً منهم بأصوات خاصة، وكلنا نعلم أن الكلب في المنزل يعرف بل ينفذ أوامر سيده، وفي أمريكا رجل اسمه (جاك ماينز) تخصص في دراسة الإوز البري، وبلغ من علمه بلغتها، أنه يستطيع أن يدعو سربا طائراً إلى النزول، حيث يختفي وذل بأن يخاطب الإوز بلغتها ويخبرها بوجود بركة صالحة وطعام كثير.

وما ذكره العلم الحديث من هذا هو بداية فقط.. ويمكن للعلم في المستقبل أن يتعرف على الكثير من المعارف في هذا الجانب، بل يمكنه لو تخلى من منطق الصراع الذي يتعامل به مع الكون أن يعقد صداقة حميمة مع الكائنات جميعا، فيستفيد منها من غير أن يؤذيها ومن غير أن تؤذيه.

وهذه العلاقة النافعة لا تقتصر على منافع الدنيا مما قد يكون كرامة لبعض الصالحين، أو لحاجة من الحاجات، بل هي عامة شاملة، يمكن حصولها إن توفرت أسبابها:

فجميع الأشياء تشهد للمؤذن، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا حجر ولا مدر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)([57])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( يغفر للمؤذن منتهى أذانه ويستغفر له كل رطب ويابس سمعه)([58])

وسر هذا هو ما ذكرنا سابقا من أن جميع الأشياء تفرح لذكر الله، وهذا الفرح يبعثها على مجازاة من يسمعها هذا الذكر بالاستغفار والشهادة له، وصوت المؤذن الذي يجتهد في رفع صوته ليبلغها هذا، يكون جزاؤه بحسب منتهى آذانه.

4 ـ التحضر:

نقصد بالتحضر في هذا المبحث مرحلة من مراحل الحياة، أو صفة من صفات الأحياء.. وهي ترتبط بتعامل الحي مع العالم الخارجي.. ومحاولته الانسجام معه إما بصنوف التنظيم، وإما بالأخلاق والآداب، وإما بالقوانين والنظم، وإما بالبحث في سبل تيسير الحياة، وتوفير المرافق التي تتطلبها.

ويشير إلى هذا النوع من الحياة، أو من أوصاف الحياة قوله تعالى:﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنعام:38)

فالآية تقرر حقيقة جليلة تهذب علاقتنا بغيرنا في هذا الكون، وهي أنه ( ما من دابة تدب على الأرض - وهذا يشمل كل الأحياء من حشرات وهوام وزواحف وفقاريات - وما من طائر يطير بجناحية في الهواء - وهذا يشمل كل طائر من طير أو حشرة غير ذلك من الكائنات الطائرة.. ما من خلق حي في هذه الأرض كلها إلا وهو ينتظم في أمة، ذات خصائص واحدة، وذات طريقة في الحياة واحدة كذلك.. شأنها في هذا شأن أمة الناس)([59])

و لا تكون هذه المخلوقات أمما إلا إذا كان لها من الوعي والإدراك ما تقيم به الروابط الاجتماعية فيما بينها، وهذا بدوره يستدعي توفر وسائل خاصة للتفاهم فيما بينها، وهو ما كشف عنه العلم الحديث في حياة أنواع كثيرة من الطيور والحشرات والحيوان.

وسنحاول انطلاقا من النصوص المقدسة، ومن خلال ما اكتشفه العلم أن نبحث في دلائل أممية الكائنات الحية، وما وهبته من قدرات على التحضر.

التنظيم:

ويشير إليه من القرآن الكريم قوله تعالى:﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل:18)

ففي هذه الآية إشارة إلى أن عالم النمل عالم منظم محكوم بقوانين لا يخالفها، فهذه النملة لم تكتف بالهرب بنفسها، بل دعت سائر النمل، ولولا علمها بأنهن سيطعنها ما فعلت.

ولا بأس أن نقتبس هنا ـ مهتدين بنور الآية ـ بعض ما اكتشفه العلم الحديث([60]) من مجتمعات النمل الدالة على وعي هذه الحشرة الصغيرة بما تفعله.

ذكر أحد علماء التاريخ الطبيعي، وهو (رويال ديكنسون) في كتابه ( شخصية الحشرات) أنه ظل يدرس مدينة النمل حوالي عشرين عاماً في بقاع مختلفة من العالم فوجد نظاماً لا يمكن أن نراه في مدن البشر، وراقبه وهو يرعى أبقاره، وهي عبارة عن خنافس صغيرة رباها النمل في جوف الأرض زماناً طويلاً حتى فقدت في الظلام بصرها.

وذكر أن أمة النمل ـ شأنها شأن أمة الإنسان ـ قد سخرت مئات الأجناس من حيوانات أدنى منها جنساً في مصالحها، ومنها ( بق النبات)، وهو حشرة صغيرة تعيش على النبات ويصعب استئصالها، لأن أجناسها كثيرة من النمل ترعاها، ولأن داخل المستعمرة لا يمكن أن تعيش النباتات، فإن النمل يرسل الرسل لتجمع له بيض هذا البق حيث تعنى به وترعاه حتى يفقس وتخرج صغاره، ومتى كبرت تدر سائلاً حلوا كالعسل يقوم على حلبه جماعة من النمل لا عمل لها إلا حلب هذه الحشرات بمسها بقرونها، وتنتج هذه الحشرة 48 قطرة من العسل كل يوم، وهذا ما يزيد مائة ضعف عما تنتجه البقرة إذا قارنا حجم الحشرة بحجم البقرة.

ووجد أن النمل زرع مساحة بلغت خمسة عشر متراً مربعاً من الأرض حيث قامت جماعة من النمل بحرثها على أحسن ما يقضى به علم الزراعة، فبعضها زرع الأرز، وجماعة أزالت الأعشاب، وغيرها قامت لحراسة الزراعة من الديدان.

و لما بلغت عيدان الأرز نموها، وكان يرى صفاً من شغالة النمل لا ينقطع، يتجه إلى العيدان فيتسلقها إلى خب الأرز، فتنزع كل شغالة من النمل حبة، وتنزل بها سريعة إلى مخازن تحت الأرض الصورة.

و قد طلى العالم أفراد النمل بالألوان، فوجد أن الفريق الواحد من النمل يذهب دائما إلى العود الواحد حتى يفرغ ما عليه من الأرز. ولما فرغ الحصاد هطل المطر أياماً وما إن انقطع حتى أسرع العالم إلى مزرعة النمل ليتعرف أحواله فوجد البيوت تحت الأرض مزدحمة بالعمل، ووجد النملة تخرج من عشها تحمل حبة الأرز وتذهب إلى العراء في جانب مائل من الأرض معرض للشمس، وتضع حبتها لتجف من ماء المطر، وما إن انتصف النهار حتى كان الأرز قد جف وعاد الشغالة به إلى مخازنه تحت الأرض.

العمران:

ونقصد به ما زودت به الأحياء من قدرات على توفير ما تحتاجه في حياتها من مرافق، ويشير إلى هذا النوع من التحضر ما ذكره الله تعالى من وحيه للنحل بكيفية بناء بيوتها، فقال تعالى:﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل:68 ـ 69)

فالآيتان تشيران إلى أن للنحل نظاما في منتهى الدقة والإحكام، وهو ما سنراه من مكتشفات العلم الحديث، وتشير كذلك ـ وهو المهم ـ إلى أن لهذا المخلوق من الوعي ما يستطيع أن يتلقى به وحي الله الذي يوجه أفعاله([61]).

وقد كشف العلم الحديث عن بعض أسرار الوحي الذي تتلقاه أمة النحل، ولا بأس من استعراض الناحيتين اللتين أشارت إليهما الآيتين، واعتبرتهما ثمرة وحي الله تعالى، وهما: بيوت النحل، والطرق ـ أو سبل الله كما يسميها القرآن الكريم ـ التي يسلكها النحل مهتديا بالوحي الإلهي([62]):

فأول ما يشير إلى اعتماد النحل على الوحي الإلهي هو بناء أقراص الشمع على هيئة خلايا سداسية تستعمل كمستودعات لاختزان العسل، وقد أشار كثير من علماء المسلمين إلى الحكمة من اختيار ذلك الشكل، يقول ابن العربي:( ومن عجيب ما خلق الله في النحل أن ألهمها لاتخاذ بيوتها مسدسة، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة، وذلك أن الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل وجاءت بينهما فرج، إلا الشكل المسدس؛ فإنه إذا جمع إلى أمثاله اتصل كأنه كالقطعة الواحدة)([63])

ويؤيد العلم الحديث هذا، فقد نص على أنه يكفي أن نتعرف على عظمة هذا الإعجاز الهندسي من علماء الرياضيات الذين يقولون بأن النحل يصنع خلاياه بهذا الشكل لأنه يسمح لها باحتواء أكبر عدد ممكن من أعضاء المملكة، وبأقل قدرة ممكن من الشمع الغالي اللازم لبناء جدرانها، وهي عملية عبقرية تبلغ درجة من الكمال تفوق كل عبقريات البشر مجتمعين.

و ينص علماء الحشرات على أن شغالات النحل تبذل جهداً خارقاً للحفاظ على العسل، فهي تنظف الخلية بمهارة فائقة وتسدّ كل الشقوق وتلمع كل الحوائط بغراء النحل، وهي لا تقنع بتهوية الخلية بل تحافظ على ثبات درجة الحرارة فيها عند مستوى ثابت وتقوم بعملية تكييف للهواء داخل الخلية.

ففي أيام الصيف القائظ يمكن للمرء أن يرى طوابير الشغالات وقد وقفن بباب الخلية واتجهن جميعاً إلى ناحية واحدة ثم قمن بتحريك أجنحتهن بقوة. وهذه الشغالات يطلق عليها اسم (المروحة) لأن عملها يؤدي إلى إدخال تيارات قوية من الهواء البارد إلى الخلية.

ومن ناحية أخرى توجد في داخل الخلية مجموعة أخرى من الشغالات منهمكة في طرد الهواء الساخن إلى خارج الخلية. أما في الأجواء الباردة فإن النحل يتجمع فوق الأقراص لكي تقلل ما يتعرض من سطحها للجو، وتزيد حركة التمثيل الغذائي ببدنها، وتكون النتيجة رفع درجة الحرارة داخل الخلية بالقدرة اللازمة لحماية العسل من الفساد.

أما الناحية الثانية التي أشار إليها القرآن الكريم فهي الطرق التي يسلكها النحل ليجمع رحيق الأزهار، وقد نص علماؤنا القدامى على بعض وجوه الوحي الذي يتلقاه النحل لتحقيق ذلك، قال ابن كثير:( ثم أذن لها تعالى إذنا قدريا تسخيريا أن تأكل من كل الثمرات وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى مذللة لها أي مسهلة عليها حيث شاءت من هذا الجو العظيم والبراري الشاسعة والأودية والجبال الشاهقة ثم تعود كل واحدة منها إلى بيتها لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة بل إلى بيتها ومالها فيه من فراخ وعسل)([64])

والعلم الحديث يؤيد هذا بالشواهد الكثيرة التي تحيل أن يفعل النحل ذلك بعقله الفطري البسيط، بل يحتاج إلى الوحي الإلهي الذي نص عليه القرآن الكريم.

فالدراسات العلمية المستفيضة لمملكة النحل تنص على أن إلهام الله تعالى لها يجعلها تطير لارتشاف رحيق الأزهار، فتبتعد عن خليتها آلاف الأمتار، ثم ترجع إليها ثانية دون أن تخطئها وتدخل خلية أخرى غيرها، علما بأن الخلايا في المناحل تكون متشابهة ومرصوصة بعضها إلى جوار بعض، وذلك لأن الله تعالى قد ذلل الطريق وسهلها لها ومنحها من قدرات التكيف الوظيفي والسلوكي ما يعينها في رحلات استكشاف الغذاء وجنية ثم العودة بعد ذلك إلى البيت.

و قد نص العلم الحديث على أن العشيرة الواحدة من النحل تستطيع أن تجمع نحو 150 كيلوجراما من العسل في الموسم الواحد. والكيلوجرام الواحد من العسل يكلف النحلة ما بين 120000 و150 ألف حمل ٍ من الرحيق تجمعها بعد أن تطير مسافة تعادل محيط الأرض عدة مرات في المتوسط. وتستطيع النحلة أن تطير بسرعة 65كيلومترا في الساعة، وهو ما يعادل سرعة القطار. وحتى لو كان الحمل الذي تنوء به يعادل ثلاثة أرباع وزنها فإنها يمكن أن تطير بسرعة 30 كيلومترا في الساعة.

و في رحلة الاستكشاف لجمع الغذاء الطيب تستعين العاملة بحواسها التي منحها الله إياها. فهي مزودة بحاسة شم قوية عن طريق قرني الاستشعار في مقدم الأخص اللونين الأزرق والأصفر، وهي تمتاز على العين البشرية في إحساسها بالأشعة فوق البنفسجية، لذلك فهي ترى ما لا تراه عيوننا، مثل بعض المسالك والنقوش التي ترشد وتقود إلى مختزن الرحيق ولا يمكننا الكشف عنها إلا بتصويرها بالأشعة فوق البنفسجية. ثم إذا حطت على زهرة يانعة وبلغت ورحيقها استطاعت أن تتذوقه وتحدد بكم فطرتها مقدار حلاوته.

و في رحلة العودة تهتدي النحلة إلى مسكنها بحاستي النظر والشم معا. أما حاسة الشم فتتعرف على الرائحة الخاصة المميزة للخلية. وأما حاسة الإبصار فتساعد على تذكر معالم رحلة الاستكشاف، إذ يلاحظ أن النحل عندما تغادر البيت تستدير إليه وتقف أو تحلق أمامه فترة وكأنها تتفحصه وتتمعنه حتى ينطبع في  ذاكرتها، ثم هي بعد ذلك تطير من حوله في دوائر تأخذ في الاتساع شيئاً فشيئاً، وعندما تعود إلى البيت تخبر عشيرتها بتفاصيل رحلتها، وتدل زميلاتها على مكان الغذاء فينطلقن تباعاً لجني الرحيق من الزهور والإكثار منه لادخاره ما يفيض عن الحاجة لوقت الشتاء ببرده القارص وغذائه الشحيح.

وأغرب ما اكتشفه العلم الحديث في عالم الحشرات هو أن للنحل لغة خاصة يتفاهم بها عن طريق الرقص، وقد شرحها بالتفصيل عالم ألماني ضمنها كتابه المسمى ( حياة النحل الراقص)، فقد تبين لهذا العالم أن للنحلة الشغالة في جسمها من الأجهزة ما يجعلها تستطيع قياس المسافات والأبعاد والزوايا بين قرص الشمس والخلية، ثم إنها تستخدم لغة سرية في التخاطب عن طريق رقصات خاصة معبرة تنبئ بها أخواتها عن وجود الرحيق الحلو وتحدد لهن موضعه تحديدا دقيقاً من حيث زاوية الاتجاه إليه وبعده عن بيتها.

وليس الأمر في هذا قاصرا على عالم النحل.. بل ذكر العلماء في هذا الباب الكثير من الحقائق التي تعمق فهمنا للآيتين الكريمتين([65])، فقد ذكروا أن للحيوانات أساليب مختلفة في طريقة إنشاء بيوتها بتفاصيل تقنية باهرة، بل في أحيان كثيرة تتصرف الحيوانات مثل مهندس معماري بارع، وتعمل على شاكلة بنّاء ماهر في عمله، وتجد حلاّ لكل مشكلة قد تواجهها أثناء البناء تماما مثل المهندس، ومثل أخصائي في الديكور حيث تقوم بتوفير ما يلزم لداخل العش، وفي أحيان كثيرة أخرى تعمل هذه الحيوانات ليل نهار للإعداد لهذه الأعشاش، وإذا كان لهذه الحيوانات أزواج فتقوم بتوزيع الادوار و التعاون في صورة مثيرة للإعجاب.

ومن أكثر الأعشاش والمنازل التي يعتنى بها عناية خاصة من قبل البالغين هي التي تنشأ لاستقبال الصغار الجدد.

 والتقنية التي تستخدمها هذه الكائنات ـ التي تبدو لنا غير عاقلة ـ تثير الإعجاب والدهشة في آن واحد، فهذه الحيوانات تخطط وتخطو مراحل متعددة قبل الشروع في بناء أعشاشها أو منازلها لوضع بيضها أو ولادة صغارها، كذلك تختار المكان الأمثل والأكثر أمنا لإنشائها، فهي لا تنشئ منازلها عبثا و أينما اتفق.

وطريقة بناء العش أو المسكن يتم اختيارها من قبل الحيوان أو الطير وفقا للمواد الأولية المتوفرة وظروف البيئة الخارجية، فمثلا تستخدم الطيور البحرية الأعشاب البحرية التي تطفوا على سطح الماء وتقاوم الأمواج في بناء أعشاشها، أمّا الطيور التي تعيش في مناطق الأعشاب الطويلة فتنشئ أعشاشا عميقة وواسعة لتفادي السقوط عند هبوب الرياح، والطيور الصّحراوية تبني أعشاشها على قمم النباتات التي تمتاز بانخفاض درجة حرارتها أقل بعشر درجات عن درجة المحيط، وإلاّ فإنّ درجة حرارة اليابسة تربو على 45 درجة، وهي تؤدي حتما إلى موت الأجنة الموجودة داخل البيض.

ويتطلب اختيار المكان المناسب لبناء العش ذكاء ومعرفة واسعة، إلاّ أن هذه المخلوقات لا تستطيع أن تتوقع مدى الضرر الذي سيلحق بمنازلها بتأثير الأمواج العاتية أو درجة الحرارة العالية للبيئة الصحراوية.

ولا تكتفي هذه الحيوانات ببناء المنازل، وإنمّا تبني أعشاشا وهمية لمجرد التمويه بهدف لفت الانتباه إلى هذه الأعشاش الوهمية حفاظا على حياة الصغار من خطر الأعداء.

ومن الأساليب التي تستخدمها الحيوانات للتمويه بناء الأعشاش بين أغصان الأشجار الكثيفة الأوراق أو فوق النباتات الشوكية، وبعض أنواع الحيوانات تنشئ لها أوكارا خاصة تبيض فيها وترقد على بيضها وتقوم بإنشاء جدار خاص لمدخل هذا الوكر باستخدام الطين الموجود في البيئة الخارجية، وإذا لم يوجد تقوم بإفراز سائل خاص تخلطه مع كمية من التراب لإعداد الطين اللازم لإنشاء هذا الجدار الواقي.

وأغلب أنواع الطيور تبني أعشاشها غريبة الشكل باستخدام ألياف النباتات أو الأعشاب والحشائش البرية المتوفرة في البيئة، والجدير بالذكر أن الطير الّذي سيبيض لأول مرة في حياته يبني عشه بإتقان بالغ دون أن يكون له سابق معرفة أو خبرة ببناء الأعشاش.

والحيوان على علم تام بكيفية بناء العش أو المسكن، وبالكيفية الخاصة بنوعه والمتميز بها عن الأنواع الأخرى اعتبارا من أول لحظة له في هذه الحياة، وكل نوع من أنواع الحيوانات يبني منزله بالكيفية نفسها في أية منطقة من مناطق العالم.

واللافت للنظر عند دراسة كيفية بناء الحيوانات لمنازلها ليس فقط التخطيط البارع وإنما التضحية والتعاون اللّذين يبديهما كل من الذكر والأنثى في البناء.

ولو تمعّنا في عملية إنشاء الطيور لأعشاشها لأدركنا مدى الصعوبات التي تلاقيها والجهد الضخم الذي تبذله والتفاني الذي تبديه في سبيل إتمام بناء هذه الأعشاش، فالطير الواحد يقوم بعدة مئات من رحلات الطيران في سبيل إنشاء عش للتمويه فقط، فما بالك بالجهد اللازم لبناء العش الحقيقي، والطير لا يستطيع أن يحمل في منقاره سوى قطعة أو قطعتين من المواد اللازمة لبناء العش من أغصان أو غيرها، ولكن هذا الأمر لا يثير في الطير الشعور بالملل، و إنما بالعكس من ذلك يثابر على العمل بكل صبر، وإذا شعر بتعب أو إرهاق لا يترك العمل ولا يترك ما في منقاره ولا يهمل أي تفصيل من التفاصيل اللازمة لبناء العش.

ولا بأس أن نعود من جديد لعالم النمل ـ باعتباره نموذجا لهذه الأحياء ـ لنرى مدى تحضره في هذا الجانب، كما رأينا تحضره في الجانب التنظيمي.

فقد ذكر العلماء في هذا الباب أن للنمل ـ مثل الإنسان ـ مشاريعه العمرانية الضخمة، وقد ذكر أحد علماء الحشرات أنه رأى مدينة هائلة للنمل في بنسلفانيا بلغت مساحتها خمسين فداناً، وكانت مكونة من ألف وستمائة عش ارتفاع معظمها قرابة ثلاثة أقدام، ومحيطها اثنا عشر قدما عند القاعدة، وهذا يعني أن حجم الهرم الأكبر.

والنظام المعماري في أعشاش النمل متنوع طبقاً لتنوع أجسام وعاداته، ويحصى العلماء منها أربعة طرز أو خمسة طرز رئيسية، والسائد هو الطرز الأفقية ذو التعاريج الكثيرة والدهاليز التي لا تنتهي والغالبية العظمى في أعشاش النمل توجد تحت الأرض، ويحتوي العش عادة على عدة طوابق، وربما يصل إلى عشرين طابقاً في جزئه الأعلى الصورة، وعلى عدد مماثل من الطوابق تحت سطح الأرض، ولكن طابق غرضه الخاص الذي تحدده أساسا درجة الحرارة ن فالجزء الأكثر دفئاً في العش يحتفظ به خصيصاً لتربية الصغار.

ونصت الاكتشافات على أنه من مظاهر مجتمع النمل قيامه بمشروعات جماعية مثل إقامة الطرق الطويلة في مثابرة وأناة، فتحرص مجموعاته المختلفة على الالتقاء في صعيد واحد من آن لآخر، ولا تكتفي هذه المجموعات بالعمل نهاراً، بل تواصله ليلاً في الليالي القمرية، مع لزوم مستعمراتها في الليالي المظلمة.

و لأعضاء مجتمع النمل طرق مختلفة متميزة في جمع المواد الغذائية وتخزينها والمحافظة عليها، فإذا لم تستطيع النملة حمل ما جمعته في فمها كعادتها لكبر حجمه، حركته بأرجلها الخلفية ورفعه بذراعيها.

ومن عاداتها الناشئة من معارفها أن تقضم البذور قبل تخزينها حتى لا تعود إلى الإنبات مرة أخرى، وتجزيء البذور الكبيرة كي يسهل عليها إدخالها في مستودعاتها، وإذا ما ابتلت بفعل المطر أخرجتها إلى الهواء والشمس لتحف.

والنمل أنواع كثيرة([66]) كل منها قد يكون جنسا خاصا، مثل أجناس أمة البشر، ومنها نوع من النمل يسمى ( أتا) إذا حفرت في مستعمرته على عمق أكثر من متر وجدت في حجرة خاصة كتلا متبلورة بنية اللون من مادة شبيهة بالإسفنج هي في حقيقتها عبارة عن أوراق متحللة لنوع معين من النبات يسمى ( الكيريزويت) إذا دققت فيها النظر وجدت خيوطاً بيضاء رائعة من فطر ( عش الغراب) الذي يعتبر الطعام الوحيد لهذا النوع من النمل الذي يعيش غالبيته في المناطق المدارية.

و لضمان العناية الفائقة لهذا الغذاء الحيوي توجد بصفة مستمرة في حجرة الزراعة مجموعة من الشغالات تستقبل أوراق شجرة ( الكريزونت) وتنظفها باعتناء، ثم تمضغها فتحيلها إلى عجينة مبللة باللعاب وتكورها على شكل كريات صغيرة لتضيفها إلى الحافة الخارجية للمزرعة بحيث تزداد مساحتها مع تقد الزمن.

ويذكر العالم (جوزيف وودكراتش) أن شغال آخرين يقومون في نفس الوقت بالاحتفاظ بفطريات عش الغراب الناضجة. هذا بالإضافة إلى المجهود الخارق الذي تبذله فرقة ثالثة من الشغالة في تسلق شجرة ( الكريزويت) ذات الخمسة أمتار طولاً لتنزع أوراقها وتحملها إلى الأرض، ثم إلى العش حيث تسلمها إلى أفراد الفرقة الأولى.

فهذا التدبير العجيب لأمة النمل يخفف من زهو الإنسان بنفسه، وبمشاريعه التي يتصور أن عقله الجبار هو وحده الذي يستطيع أن يقوم بها.

الأخلاق:

وهي أصل أصول الحضارة، ولب لبابها، والحضارة التي تفتقد الأخلاق حضارة أشباح لا حضارة أرواح، وحضارة موت لا حضارة حياة.

وقد ورد في النصوص ما يشير إلى تنعم الكائنات المختلفة بهذا الأصل العظيم من أصول الحضارة.. وقد ذكرنا ـ سابقا ـ أن الحجر كان يسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الوقت الذي كان فيه القرشيون يرمونه صلى الله عليه وآله وسلم بكل ما امتلأت به نفوسهم من أحقاد.

وسنكتفي هنا بذكر أصل من أصول الأخلاق.. ومنه تتفرع أكثر الأخلاق.. وهو الرحمة، فهي منبع أكثر الأخلاق.

وقد ورد في النصوص ما يشير إلى اشتراك الأحياء جميعا بما فيهم الإنسان في الرحمة التي خص الله بها هذه الدنيا، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن لله تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والانس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة)([67])

وسنسوق ـ هنا، وباختصار ـ بعض ما ساقه العلم الحديث من هذه الرحمة، وسنقتبس حديث ذلك من عالم أحب الأحياء حبا شديدا، ودافع عن انتسابها لله دفاع المستميت، وهو العالم التركي هارون يحي، الذي يعتبر بحق من أكبر من رد على نظرية التظور المادية.

فقد ذكر هذا العالم الفاضل في كتابه (التضحية عند الكائنات الحية) الكثير من أدلة الرحمة التي تمتلئ بها هذه الكائنات، قال: إن جميع الكائنات الحيّة خطيرة وحسّاسة جدّا في حالة تعرّض صغارها لأيّ خطر، وردّ فعل هذه الكائنات الحية عند شعورها بالخطر هو الفرار إلى أماكن آمنة، وإذا تعذّر عليها النّأي بنفسها عن الخطر تُصبح هذه الكائنات متوحّشة وحادّة تجاه الخطر حفاظا على حياة الصّغار بشكل أساسيّ، فالطّيور والخفافيش (الوطاويط) مثلا لا تتوانـى في مهاجمة الباحثين يأخذون صغارها من الأعشاش لغرض البحث والدّراسة، وكذلك الحمير الوحشية أو الزيبرا التي تعيش على شكل مجاميع.

وعندما يتهدّد الخطر حيوانات مثل ابن آوى تقوم المجموعة بتوزيع الأدوار فيما بينها لحماية الصّغار والذّود عنهم بكل شجاعة وإقدام، وتحمي الزّرافة صغيرها تحت بطنها وتهاجم الخطر بساقيها الأماميّتين، أمّا الوعول والظباء فتتميّز بحساسيّة مفرطة وتهرب عند إحساسها بالخطر، وإذا كان هناك صغير ينبغي الذّود عنه، فلا تتردّد في الهجوم مستخدمة أظلافها الحادّة.

أمّا اللّبائن الأصغر حجما والأضعف جسمًا، فتقوم بإخفاء صغارها في مكان آمن، وعندما تحُاصر تصبح متوحشّةً ومتوثبّة في وجه العدو الذي يجابهها، فالأرنب مثلا مع فرط حساسيّتة وضعفه يتحمّل المشقّة والصّعاب من أجل حماية صغاره، فهو يسرع إلى عشّه أو وكره ويعمد إلى ركل عدوّه بأرجله الخلفيّة، ويكون هذا السّلوك أحيانا كافيا لإبعاد الحيوانات المفترسة.

وتتميّز الغزلان بكونها تعمد إلى الجري وراء صغارها عند اقتراب الخطر منها، فالحيوانات المفترسة غالبا ما تهاجم من الخلف لذلك، فإن الغزال الأمّ تكون بذلك أقرب ما يكون من صغارها وتبعدهم عن مواطن الخطر، وفي حالة اقتراب الخطر تجتهد في صرف نظر الحيوان المفترس بهدف حماية صغيرها.

وهناك بعض اللّبائن تستخدم ألوان أجسامها للتّمويه وسيلة لدرء الخطر إلاّ أنّ صغارها تحتاج إلى توجيه وتدريب على وسيلة الاختفاء هذه، وكمثال على ذلك حيوان اليحمور حيث تقوم الأنثى بالاستفادة من لون صغيرها في خطّة للتنكّر بهدف الإفلات من الأعداء، فهي تخفي صغيرها بين شجيرات وتجعله ساكنا لا يتحرك، ويكون جلد الصّغير بنّي اللّون مغطًّى ببقع بيضاء، وهذه التّركيبة اللّونية مع أشعّة الشّمس المنعكسة تكون خير وسيلة للانسجام مع لون الشّجيرات التي تحيط به، وهذه الطريقة في التخفّي تكون كافيةً لخداع الحيوانات المفترسة التي تمرّ بالقرب منه، أمّا الأمّ فتبقى على بعد مسافةٍ قصيرةٍ تراقب ما يحدث دون أن تثير انتباه الأعداء، غير أنّها تقترب أحيانًا من صغيرها لكي ترضعه.

وقبل ذهابها إلى الصيّد تجبر صغيرها على الجلوس بواسطة منخرها، ويكون الصّغير عادة متيقظا وحذرًا، وعندما يسمع صوتا غير عاديّ سرعان ما يعود إلى الجلوس والاختفاء خوفا من أن يكون مصدر خطرٍ بالنّسبة إليه. ويظلّ الوليد على هذا الشّكل حتّى يصبح قادرًا على الوقوف على قدميه والتّنقّل مع أمّه.

و ثمّة حيوانات تُظهر ردّ فعلٍ عنيف تجاه العدوّ المرتقب، بل وتوجيه ضرباتٍ بهدف تخويفه وإبعاده مثل البوم وبعض أنواع الطّيور التي تسلك سلوكا استعراضيّا يتمثّل في مدّ جناحيه فيبدو أكبر من حجمه الطّبيعي.

وهناك طيور تقلّد فحيح الأفاعي لإرهاب الأعداء مثل طائر ذو الرأس الأسود الذي يصدر أصواتا صاخبة ويرفرف بجناحيه داخل عشّه، ويبدوا الأمر مخيفا داخل العشّ المظلم وسرعان ما يلوذ العدوّ بالفرار أمام هذه الضّوضاء والحركة.

والظّاهرة الملحوظة لدى الطّيور التي تعيش على شكل تجمّعات هي العناية التي يوليها الكبار للصّغار وحرصهم على حمايتها وخصوصا من خطر طيور النّورس إذ ينطلق فرد أو اثنان بالغان ويحومان حول مكان تجمّع الأسراب لترهيب النّوارس وإبعادها عن الصّغار.

ومهمّة الحماية هذه يتمّ تنفيذها بالتّناوب بين الطّيور البالغة وكلّ من ينهي مهمّته يذهب إلى مكان آخر بعيد تتوفّر فيه المياه للصّيد والتّغذية وجمع الطّاقة للعودة مرّة أخرى.

وتتميّز الوُعول بروح التّضحية من أجل صغارها خصوصا عندما تشعر بخطر يداهم صغيرها، فهي تقوم بحركة غاية في الغرابة إذ تلقي بنفسها أمام هذا الحيوان المفترس لتلهيه عن افتراس ولدها الصغير.

وهذا الأسلوب يمكن ملاحظته في سلوك العديد من الحيوانات مثل أنثى النّمر التي تجتهد في القيام بما في وسعها حتّى تصرف انتباه الأعداء المتربّصين بصغارها.

أمّا الرّاكون فأوّل ما يفعله عند إحساسه بالخطر الدّاهم هو أن يأخذ صغاره إلى قمّة أقرب شجرة، ثمّ يسرع نازلا إلى الحيوانات المفترسة ويكون وجها لوجه معها، ومن ثمّ يبدأ بالفرار إلى ناحية بعيدة عن مكان الصّغار ويستمر في الابتعاد حتّى يطمئنّ إلى زوال الخطر وعندئذ يتسلل خلسةً عائداً إلى صغاره.

وهذه المحاولات لا يُكتب لها النّجاح دائماً، لأنّ الصّغار قد ينجون من خطر المفترسين إلاّ أنّ الأبوين قد يتعرّضان للموت والهلاك.

وهناك طيور تقوم بتمثيل دور الجريح لصرف نظر العدوّ المفترس عن الفراخ الصّغيرة، فعند إحساس الأنثى باقتراب الحيوان المفترس تتسلّل بهدوء من العشّ ولماّ تصل إلى مكان وجود العدوّ تبدأ في التخبّط وضرب أحد جناحيها على الأرض وإصدار أصوات مليئة بالاستغاثة وطلب النّجدة، بيد أنّ هذه الأنثى تأخذ حذرها اللاّزم فهي تمثّل هذا الدّور على بعد مسافة ما من الحيوان المفترس، ويتوهّم أنّ الأنثى المستغيثة تعتبر غنيمة سهلةً ولكنّه بذهابه في اتجاهها يكون قد ابتعد عن مكان وجود الفراخ الصّغار، ثمّ تنهي الأنثى تمثيلها وتهبّ طائرة مبتعدة عن الحيوان المفترس.

وهذا المشهد التّمثيلي يتمّ أداؤه بمهارة مقنعة للغاية، وكثيرًا ما تنطلي هذه الحيلة على القطط والكلاب والأفاعي وحتى على بعض أنواع الطّيور.

أمّا الطّيور التي تبني أعشاشها مع مستوى سطح الأرض، فيُعتبرُ التمثيل أداة فعّالةً وناجعةً في حمايةِ فراخها من الأعداء المفترسين، فالبطّ مثلايقوم بتمثيليّة العاجز عن الطّيران من على الماء عند إحساسه بقدوم الحيوانات الخطرة، ويظلّ هكذا يضرب بجناحيه على سطح الماء مع إحتفاضه بمسافة أمان بينه وبين الحيوان المتربّص به، وعندما يطمئنّ بأنّ الحيوان المفترس قد ابتعد عن عشّ الفراخ يقطع مشهده التّمثيليّ ويعود إلى عشّه.

وهذا السلوك ليس قاصرا على هذه الأنواع من الحيوانات، بل إن الحشرات أيضا تحمي صغارها من المهالك.

ويعتبر عالم الأحياء السّويدي (أدولف مودر) أوّل من اكتشف رعاية الأبوين للصّغار في عالم الحشرات وذلك سنة 1764 عندما كان يجري أبحاثه على حشرة (المدرع الأوروبي) فوجد أنّ الأنثى تجلس على بيضها دون أكل أو شرب، وتصبح هذه الأنثى مقاتلة شرسة عندما يقترب الخطر من بيضها.

وكان العلماء والباحثون في تلك الفترة أو ما قبلها لا يقبلون فكرة رعاية الحشرات لصغارها، وسببُ ذلك يورده لنا البروفسور دوغلاس.و.تللاني من جامعة ديلاور والذي يعمل أستاذا في علم الحشرات ويؤمن بنظرية التطور، فيقول:( تجابه الحشرات مخاطر عديدة أثناء دفاعها عن صغارها، ويتساءل العلماء في مجال الحشرات عن السرّ في عدم انقراض هذه الخصلة (خصلة الدفاع والحماية) أثناء عملية التّطور، لأنّ وضع البيض بأعداد كبيرة أفضل استراتيجياّ من اتباع وسيلة الدّفاع المحفوفة بالمخاطر والمهالك)

ويعلّق دوغلاسن.و.تللاني أحد دعاة التّطور على هذا التّساؤل المحيّر ويرى أنّه يجب أن تنقرض هذه الميزة حسب فرضيّات نظرية التّطور، ولكنّ الموجود والملاحظ في الطّبيعة أنّها لا تزال موجودة وبصور عديدة سواء في عالم الحشرات أو غيرها وليس دفاعا عن الصّغار فحسب بل عن الكبار أيضا.

بعد هذا.. قد نرى في سلوك بعض الحيوانات ما نتصوره ظلما لا ينسجم مع ما تتطلبه الأخلاق.. وذلك صحيح.. وقد أخبرت النصوص أن مثل هذه الحيوانات تعاقب على تصرفاتها هذه، فقد جاء في الحديث عن أبي ذر قال: بينما نحن عند رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا انتطحت عنزان، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:( أتدرون فيم انطحتا؟) قالوا: لا ندري، قال:( لكن الله يدري وسيقضي بينهما)([68])، وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة)([69])

ونرى انطلاقا من هذا الحديث أن الحيوانات محاسبة على سلوكها عموما.. وهي مثل الناس في ذلك، وإلى ذلك يشير قوله تعالى:﴿ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾ (التكوير:5)، بل هو ما ينص عليه قوله تعالى:﴿ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ (الأنعام: 38)، وهي تتناسب مع قوله تعالى عن الإنسان:﴿ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُم ﴾ (الأنعام: 108)

وبما أن التكليف يقتضي المجازاة، فإن هذه الحيوانات ستجازى على أعمالها..

وقد ذكر العلماء هذا، ولكنهم أطبقوا ـ للأسف ـ على اعتبار جزاء هذه الحيوانات هو صيرورتها ترابا.

وقد استدلوا لذلك بأدلة لا تنهض لتقرير مثل هذا الأمر الخطير.

ومما استدلوا به من ذلك ما ذكره المفسرون من الصحابة والتابعين لقوله تعالى:﴿ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ (النبأ:40) فالآثار الواردة في ذلك عن أبي هُرَيرة، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما قد يكون مصدرها الإسرائيليات التي كانت مشتهرة.. وكانت ـ للأسف ـ مرجعا للبعض في تفسير القرآن الكريم.

مع أن تفسير الآية واضح لا يحتاج إلى مثل هذا.. فالكافر ـ عندما بعابن جرائمه وما يترتب عليها من جزاء ـ يود لو أنه كان ترابا.. أو يود لو أنه بقي ترابا، ولم يصر إنسانا.. وهي في ذلك مثل قوله تعالى:﴿ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ (مريم:23)

ومما استدلوا به من الحديث ما يسمى بحديث الصور الطويل([70])، وهو حديث مملوء بالغرائب، وهو أشبه بأحاديث القصاص منه بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال فيه ابن كثير:( هذا حديث مشهور، وهو غريب جدا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة. تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، كأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفَلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك. وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء.

وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه، فغريب جدًا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقا واحدا، فأنكر عليه بسبب ذلك. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفا قد جمع فيه كل الشواهد لبعض مفردات هذا الحديث، فالله أعلم)([71])

وبناء على هذا نرى أن الجزاء المعد لهذه الكائنات ـ كما ذكرنا تفاصيله في رسالة (أسرار الأقدار) ـ يتناسب مع الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء، والرحمة تقتضي أن يعامل كل شيء بحسب حاجته وهواه.. وبما أنا لا ندري نوع الحاجات التي تمتلئ بها نفوس هذه الكائنات، فإن الأدب يقتضي التوقف في المسألة إلا أن يرد الدليل المعصوم، وحينها يسلم له مع اعتقاد انسجامه مع ما ورد في النصوص المحكمة من رحمة الله.

وقد نقلت لنا النصوص ما يشير إلى بعض التكاليف التي كلفت بها هذه الكائنات، والطاقات التي منحت لها لأجل ذلك، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( بينما رجل يسوق بقرة له، قد حمل عليها، التفتت إليه البقرة، فقالت:( إني لم أخلق لهذا، ولكني إنما خلقت للحرث)([72])

وهذا الحديث لا يعني فقط جانبه الإعجازي، ولعله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصده بادئ الرأي، وإنما فيه الإشارة إلى أن لكل مخلوق الحدود الضابطة لوظيفته وتسخيره، وأن هذا الحيوان الذي نتصوره أعجم له من الوعي ما يدرك به حقيقته ووظيفته.

ولعل الثور الهائج الذي يمتطيه مدعي الفروسية، والناس من حوله يضحكون ويصفقون يصيح بملء فيه بما صاحت هذه البقرة، ولكن صياحه لا تسمعه إلا آذان الروح.

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض طاقات هذه الحيوانات ووعيها، ومنها أنها ترى ما لا يراه الإنسان، فترى الملائكة والشياطين، وتنفعل لمرآهما، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكا وإذا سمعتم نهيق الحمار، فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانا)([73])

وقد يتصور البعض أن ما ذكره صلى الله عليه وآله وسلم عن الحمار من قدرته على رؤية الشيطان ذم له وعيب فيه، وهو فهم غير صحيح.

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن طاقة من طاقات الحمار التي ننتفع بها، وهي قدرته على رؤية عالم الشر، ورؤية الشر ليست شرا، بل إن العلم بالشر هو الواقي للإنسان من الوقوع فيه.

والحمار بهذه الطاقة، وما ينبه به داعية من دعاة ذكر الله، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا ينهق الحمار حتى يرى شيطانا أو يتمثل له شيطان ، فإذا كان ذلك فاذكروا الله وصلوا علي)([74])

ولعل ذلك الصوت المزعج للحمار سببه هذه الرؤية، وليكون تنبيها للنفوس حتى لا تستريح لصوته ـ في حال كونه جميلا ـ عن الاستعاذة والصلاة.

والحمار بذلك يمثل جنديا من جنود الله التي يتعرف المؤمن من خلالها على أعدائه، أو هو عين من العيون التي يتبصر بها المؤمن بعض عوالم الله.

وهو في كلا الدورين يشبه الديك، فالديك هو عيننا على عالم الملائكة، كما أن الحمار عيننا على عالم الشياطين.

هذا بعض ما ورد في النصوص، وقد ذكر أبو ذر اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحديث عن هذه العوالم، فقال:( ولقد تركنا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً)([75])

ثانيا ـ الكون العابد

الحياة لا تكفي وحدها لتعقد مواثيق الصداقة بيننا وبين الكون.. فكم من حي هو أشبه بميت، وكم من حي هو أعدى لنا من ميت..

ولذلك، فإن هناك مقاما آخر من مقامات الكون، وخاصة من خواصه ترفع الصداقة بيننا وبين الكون لتجعلها في مرتبة الأخوة في الله.. وتجعل المحبة بيننا وبينه محبة في الله.

هذه الخاصة.. وتلك الصفة الرفيعة هي العبودية لله..

وانطلاقا من النصوص المقدسة ـ التي هي مرجعنا الوحيد في هذا الباب ـ فإن الكون ليس حيا فقط، بل هو حي عابد، يعرف ربه، ويتوجه له بأنواع التسبيح والعبادة، تسبيحا يفقهه، ويدرك معانيه، قال تعالى:﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (الاسراء:44)

ومثلما ذكرنا في تسرب النظرة المادية للنصوص الدالة على حياة الكون، والتي تنطلق من النظرة الحسية أو العقلية المستعبدة للحس، فإن هذه النظرة، وما تستخدمه من فنون التأويل سرى إلى الكون العابد وذلك بقصر عبادته على عبودية الدلالة دون أن يكون له في ذاته عبودية يتوجه بها بوعيه إلى الله.

فقال هؤلاء:( إن تسبيح الجمادات أنها تدعو الناظر إليها إلى أن يقول: سبحان الله)، وذلك لعدم توفر الإدراك لها كما قال الشاعر:

تُلقى بتسبيحة من حيث ما انصرفت وتستقر حشا الرائي بترعاد

أي يقول من رآها: سبحان خالقها.

وهذه النظرة تخالف النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة التي تفيد بأن للكون تسبيحه وعباداته الخاصة.

بل إن النصوص لم تكتف بالحديث العام، الذي قد يحتمل التأويل، بل ذكرت أنواع العبادة التي يمارسها الكون.

وسنحاول التعرف على بعض هذه الشعائر التعبدية في هذا الفصل.

1 ـ القنوت :

أول هذه العبادات، وعلى رأسها، ويتربع ذروة سنامها: القنوت لله تعالى، كما قال تعالى:﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (البقرة:116)، وقال تعالى:﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (الروم:26)

والقنوت هو دوام الطاعة، ولذلك يقال للمصلي إذا طال قيامه أو ركوعه أو سجوده هو قانت في ذلك كله، كما قال تعالى:﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)(الزمر: 9) فاعتبره تعالى قانتا في حال السجود والقيام.

ومثله ما ورد في الحديث حين سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الصلاة أفضل فقال:( طول القنوت)([76])، ولم يرد به طول القيام فقط، بل طول القيام والركوع والسجود([77]).

وعلى هذا يدل ـ كذلك ـ قوله تعالى:﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل:120) فقد كان إبراهيم تعالى يمارس جميع أنواع الطاعات وفي جميع الأوقات.

فالقنوت إذن هو دوام الطاعة واستمرارها وشمولها.

انطلاقا من هذا، فإن القرآن الكريم يخبرنا أن هذا الكون لم يتخل عن قنوته لله تعالى منذ ولادته، بل يخبر أن ولادته تمثل أعلى درجات القنوت لله تعالى، فكل ما نراه من أشياء ناتج عن الخضوع لأمر الله الواحد ﴿ كُنْ ﴾:

قال تعالى:﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة:117)، وقال تعالى:﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (النحل:40)، وقال تعالى:﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يّـس:82)، وقال تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (غافر:68)

وقد أجاب العلماء على ما قد يسأله من يستعبده عقله، فيقول: في أي حال يقول له كن فيكون؟ أفي حال عدمه، أم في حال وجوده؟ فإن كان في حال عدمه استحال أن يأمر إلا مأمورا، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر، وإن كان في حال وجوده فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث، لأنه موجود حادث؟

ومن تلك الإجابات أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود، كما أمر في بني إسرائيل أن يكونوا قردة خاسئين، ولا يكون هذا واردا في إيجاد المعدومات.

أو أن الله عز وجل عالم بما هو كائن قبل كونه، فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة، فجاز أن يقول لها: كوني، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود، لتصور جميعها له ولعلمه بها في حال العدم.

أو أن ذلك خبر من الله تعالى عام عن جميع ما يحدثه ويكونه إذا أراد خلقه وإنشاءه كان، ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله، وإنما هو قضاء يريده، فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولا، واستدل هؤلاء على هذا التأويل بقولهم:( قد قالت الاتساع للبطن الحق) ولا قول هناك، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن.

أو قول الآخر:

فأصبحت مثل النسر طارت فراخه إذا رام تطيارا يقال له قع

أو ما قال الآخر:

قالت جناحاه لساقيه الحقا  ونجيا لحمكما أن يمزقا

وعن هذا المعنى عبر الغزالي بقوله:( ومن هذا القبـيل في كنايته عن الاقتدار قوله تعالى:﴿ إنَّما قَوْلُنَا لِشيءٍ إذَا أرَدْنَاهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فإن ظاهره ممتنع إذ قوله (كن) إن كان خطاباً للشيء قبل وجوده فهو محال إذ المعدوم لا يفهم الخطاب حتى يمتثل وإن كان بعد الوجود فهو مستغن عن التكوين، ولكن لما كانت هذه الكناية أوقع في النفوس في تفهيم غاية الاقتدار عدل إليها)([78])

ومن الإجابات في هذا ما يسمى (بالأعيان الثابتة في العدم).. وأن ثبوت الأشياء في حال عدمها هو الذي جعلها أهلا لأن تخاطب وتكلف بالخروج من العدم إلى الوجود([79]).

 وكل ذلك يمكن أن يكون صحيحا، ولكن الأصح هو التسليم لله في قوله، واعتبار ما قاله حقيقة قد لا تستوعب عقولنا صورتها.. وليس للعقل المحدود أن يتجرأ على تصور اللامحدود.

وهذا التفسير لطريقة وجود الكون وصدوره عن خالقه يقي المؤمن من التصورات المختلفة التي حاول البشر بعقولهم الضعيفة أن يصوروا بها هذا الصدور، ثم يؤسسوا علاقة الكون بربه على أساسه.

يقول سيد قطب موضحا التصور الإسلامي حول هذه المسألة الخطيرة:( لقد صدر الكون عن خالقه، عن طريق توجه الإرادة المطلقة القادرة: كن، فيكون.. فتوجه الإرادة إلى خلق كائن ما كفيل وحده بوجود هذا الكائن، على الصورة المقدرة له، بدون وسيط من قوة أو مادة.. أما كيف تتصل هذه الإرادة التي لا نعرف كنهها، بذلك الكائن المراد صدوره عنها، فذلك هو السر الذي لم يكشف للإدراك البشري عنه)([80])

أما سبب عدم هذا الكشف، فراجع إلى أن طاقات البشر من المحدودية بحيث لا تصل إلى مثل هذا الإدراك.

فكيف تدرك الطاقات البشرية تفسير الصلة بين الأمر الإلهي والكينونة، وهي لا تدرك أسرار الصلات الموجودة في العوالم التي تعمرها، والتي تدعي أنها تفهمها وتبالغ في فهمها؟

وهل يمكن أن نشرح لصبي صغير نظرية النسبية ـ مثلا ـ أو أن نجيبه على الأقل على التساؤلات الكثيرة التي يبعثها فضوله؟

أما السبب في محدودية الطاقة البشرية فهو بكل بساطة ـ كما يقول سيد ـ أن ذلك ( لا يلزمها في وظيفتها التي خلقت لها وهي خلافة الأرض وعمارتها.. وبقدر ما وهب الله للإنسان من القدرة على كشف قوانين الكون التي تفيده في مهمته، وسخر له الانتفاع بها، بقدر ما زوى عنه الأسرار الأخرى التي لا علاقة لها بخلافته الكبرى)([81])

أما الفلسفات التي هي عصارة الفكر البشري المعتمد على نفسه، والمغتر بقوته، فقد ضربت ( في تيه لا منارة فيه، وهي تحاول كشف هذه الأسرار ؛ وتفترض فروضا تنبع من الإدراك البشري الذي لم يهيأ لهذا المجال، ولم يزود أصلا بأدوات المعرفة فيه والارتياد، فتجيء هذه الفروض مضحكة في أرفع مستوياتها، مضحكة إلى حد يحير الإنسان:كيف يصدر هذا عن فيلسوف! وما ذلك إلا لأن أصحاب هذه الفلسفات حاولوا أن يخرجوا بالإدراك البشري عن طبيعة خلقته، وأن يتجاوزوا به نطاقه المقدور له! فلم ينتهوا إلى شيء يطمأن إليه ؛ بل لم يصلوا إلى شيء يمكن أن يحترمه من يرى التصور الإسلامي ويعيش في ظله)([82])

وقد عصم الله المسلمين المهتدين بنور القرآن الكريم من الوقوع في هذه المتاهات، أو ( أن يحاولوا هذه المحاولة الفاشلة، الخاطئة المنهج ابتداء، فلما أن أراد بعض متفلسفتهم متأثرين بأصداء الفلسفة الإغريقية - على وجه خاص - أن يتطاولوا إلى ذلك المرتقى، باءوا بالتعقيد والتخليط، كما باء أساتذتهم الإغريق، ودسوا في التفكير الإسلامي ما ليس من طبيعته، وفي التصور الإسلامي ما ليس من حقيقته.. وذلك هو المصير المحتوم لكل محاولة العقل البشري وراء مجاله، وفوق طبيعة خلقته وتكوينه)([83])

فالقرآن الكريم إذن يفسر سر ولادة الكون الذي تاه فيه الفلاسفة وغيرهم، ثم خبطوا بعقولهم خبط عشواء، بهذا التفسير البسيط المعقول الذي تؤيده كل الأدلة، وهو أن كل شيء قانت لله.. ولا يمكنه إلا أن يقنت لله.

***

وقنوت الأشياء لله، وخضوعها لأمره (كن) مستمر في كل الأحوال، فالكون الذي أطاع الله ابتداء، فخرج إلى الوجود بأمر (كن) لا زال يجيب الله.. وسيظل يجيبه.

وإلى هذه الاستمرارية في القنوت الإشارة بقوله تعالى:﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا)(هود: 56)، وقوله تعالى:﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يّـس:83)

وقد أقرت الكائنات بهذه الطاعة لله تعالى، كما قال تعالى:﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فصلت:11)

وهذا هو الجواب الإلهي عن كل التساؤلات المحيرة التي يتيه فيها الغافل، وينكرها الملحد.

فعندما تعجبت مريم ـ عليها السلام ـ أن تلد من غير زواج، أخبرها الله تعالى بأن أمره وحده كاف في ذلك، قال تعالى:﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران:47)

وعندما تعجب النصارى من صدور خارقة ميلاد المسيح من غير حصول ما تعارف عليه الناس من أسباب، ودعاهم ذلك إلى الخطأ في تصور طبيعة المسيح تعالى، رد عليهم الله تعالى بقوله:﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران:59)

 وعندما تعجب المشركون من أمر البعث أخبرهم الله تعالى أن ذلك ليس عجبا، فالله تعالى ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام:73)

وهذا القنوت الذي يتصف به الكون، فيجعله في منتهى الخضوع لله لا يستثنى منه شيء حتى الكفار والملحدين، فإنهم يقنتون لله من حيث لا يعلمون.

وقد أخبر القرآن الكريم أن من قنوت أجسادهم ما تشهد به عليهم يوم القيامة، كما قال تعالى:﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النور:24)

وقد صور صلى الله عليه وآله وسلم ذلك في مجلس من مجالسه مع الصحابة  نقله لنا أنس بقوله: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: أتدرون ممَّ أضحك؟ قلنا: اللّه ورسوله أعلم، قال: من مجادلة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز عليَّ شاهداً إلا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام عليك شهوداً، فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكنَّ وسحقاً، فعنكن كنت أناضل)([84])

وقد أحصى ابن القيم لقنوت الكفار غير ما ذكرنا من قنوت جوارحهم خمسة أنواع كلها مما ورد به التنزيل، وهي:( قنوتهم لخلقه وحكمه وأمره قدرا واعترافهم بربوبيته واضطراهم إلى مسألته والرغبة إليه ودخولهم فيما يأمر به وإن كانوا كارهين وجزاؤهم على أعماله ودخولهم فيما يأمر به مع الكراهة)([85])

فالقنوت شامل للجميع، والفرق الوحيد في ذلك هو أن المؤمن يقنت له طوعا وغيره يقنت له كرها، كما قال تعالى:﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (الرعد:15)

ومثل القنوت الإسلام، فإنه دين الكون جميعا طوعا أو كرها، قال تعالى:﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران:83)

فالكون جميعا يستسلم لرب واحد، يتلقى منه قوانينه وتوجيهاته، فلذلك حفظ من الفساد، ولم يدب إليه ما دب للبشر العاقل الذي اختار الكفر من فساد، كما قال تعالى:﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الانبياء:22)

2 ـ السجود:

ومن عبادات الكون التي نص عليها القرآن الكريم (السجود).. وهي عبودية تجعل من الكون كله مسجدا يقيم شعائره، كل بطريقته الخاصة، بحسب قابليته، ومدى نيله لتجليات الأسماء الحسنى.

قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (الحج:18)

والسجود كما يعبر القرآن الكريم سجود شامل يشمل الشخوص والظلال، أو الجواهر والأعراض، كما قال تعالى:﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (الرعد:15)

وقد صور القرآن الكريم شكلا من أشكال السجود بقوله تعالى:﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ (النحل:48)

وقد خاض بعض الناس بعقولهم المحدودة في هذا المجال، واستبعدوا أن تسجد الظلال، وهي أعراض تفتقر إلى الجوهر، وهو فهم محدود منشؤه تعميم المعارف البشرية على الكون جميعا، وما دروا أن للعرض عقله وكيانه وتميزه كما للجوهر عقله وكيانه وتميزه.

وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن للموت الذي هو عرض من الأعراض صورة تظهر يوم القيامة على هيئة كبش يذبح بين الجنة والنار([86]).

ولذلك فإن هذه الأمور تؤخذ تعقلا وتذوقا، لا تخيلا وتصورا، فحس الإنسان لا يدرك إلا ما هو في دائرته المحدودة، وهي من المحدودية بحيث لا يصح الاعتماد عليها في تصوير ما غاب عن الحس.

ومن ذلك ما عبر به صلى الله عليه وآله وسلم عن ظاهرة الكسوف التي نكتفي بتفسيرنا المادي لها، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم يخبر بأن لها تفسيرا روحيا نص عليه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الشمس والقمر خلقان من خلق الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله عز وجل إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له)([87])

فمعرفتنا بالمواقيت الدقيقة المحددة للكسوف، ومعرفتنا بالأسباب الظاهرة لحصوله لا تنفي هذا، فقد يكون للشيء الواحد الأسباب الكثيرة، فلا ينبغي أن ننكر ما نجهل من الأسباب، ولا ينبغي أن نكون من ضيق الأفق، وقصور الهمة بحيث نكتفي بما لدينا من معارف([88]).

وقد يرزق الله بعض خلقه ممن صفت مرآة قلوبهم رؤية سجود الكائنات لبارئها.

ومن ذلك ما روى ابن عباس قال: جاء رجل، فقال:( يا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها، وهي تقول: (اللهم اكتب لي بها عندك أجرا وضع عني بها وزرا واجعلها لي عندك ذخرا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود) قال ابن عباس:( فقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سجدة ثم سجد فسمعته، وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة)([89])

ولأجل هذه العبودية الخاشعة لله نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن إتخاذ ظهور الدواب منابر ( فرب مركوبة خيرا أو أكثر ذكرا لله تعالى من راكبها)([90])

وهذا ما يجعل المؤمن يخفف من غلواء كبرياه، وهو يمشي مطأطئ الراس بخطى وئيدة على الأرض الساجدة لله، ممتثلا قوله تعالى:﴿ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ (الاسراء:37)

أما هيئة السجود، والتي قد تستهوي الخيال، وقد تحجب العقل عن الحقائق إن وقف عندها، فإن لكل شيء سجوده الخاص الذي يعبر به عن منتهى خضوعه وذله لله تعالى.

قال ابن القيم:( والسجود من جنس القنوت، فإن السجود الشامل لجميع المخلوقات، وهو المتضمن لغاية الخضوع والذل، وكل مخلوق فقد تواضع لعظمته وذل لعزته واستسلم لقدرته، ولا يجب أن يكون سجود كل شيء مثل سجود الإنسان على سبعة أعضاء ووضع جبهة في رأس مدور على التراب، فإن هذا سجود مخصوص من الإنسان)([91])

بل إن الأديان تختلف شعائرها وطقوسها في سجودها، فلا يعني السجود بالضرورة ما يفعله المسلمون، قال ابن القيم:( من الأمم من يركع ولا يسجد وذلك سجودها.. ومنهم من يسجد على جنب كاليهود.. فالسجود اسم جنس، ولكن لما شاع سجود الآدميين المسلمين صار كثير من الناس يظن أن هذا هو سجود كل أحد)([92])

ومثل هذا سائر الألفاظ، فإنه ( لما كان المسلمون يصلون الصلاة المعروفة صار يظن من يظن أن كل من صلى فهكذا يصلي، حتى صار بعض أهل الكتاب ينفرون من قولنا: إن الله يصلي، وينزهونه عن ذلك، فإنهم لم يعرفوا من لفظ الصلاة إلا دعاء المصلي لغيره وخضوعه له، ولا ريب أن الله منزه عن ذلك لكن ليست هذه صلاته سبحانه)([93])

ومن هذا الباب ما روي في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(صوت الديك صلاته، وضربه بجناحيه سجوده وركوعه) ثم تلا هذه الآية:﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ (الاسراء: 44)([94])

وعن ابن عباس قال: ينادي مناد من السماء، اذكروا الله يذكركم، فلا يسمعها أول من الديك، فيصيح فذلك تسبيحه([95]).

ومنه ما روي عن سهل بن عبدالله أنه سئل:( أيسجد القلب) قال:( نعم سجدة لا يرفع رأسه منها أبدا)

ومنه ما روي أن أهل الجنة في الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس في الدنيا([96]).

وعلى هذا ينبغي أن تفسر الآيات والأحاديث لترفع كل وهم أو إشكال أو شبهة قد يزرعها المغرضون.

ومع ذلك حاول بعض الناس أن يدخل بعقله إلى هذا الميدان، فذكر بعضهم هيئة سجود النبات والشجر، فذكر أن سجودها هو تفيؤ ظلالها، وهو ما لا دليل عليه، فللنبات سجوده كما للظلال سجودها.

ومع ذلك، فإن هؤلاء الذين تكلفوا هذا مقرين بالسجود متكلفين لهيئته خير من الذين راحوا يؤولون السجود، فيحولونه إلى سجود مجازي لا حقيقة له.

ومن هؤلاء من ذهب إلى أن السجود هو مجرد الخضوع الخالي من أي مظهر، كما قال الشاعر:

بجيش تضل البلق في حجراته  ترى الأكم فيه سجدا للحوافر

ومن ذلك ما ذكره الرازي عن بعضهم، فقال:( إن السجود عبارة عن الانقياد والخضوع وعدم الامتناع وكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى، لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل وتحقيق القول فيه أن ما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته هو الذي تكون ماهيته قابلة للعدم والوجود على السوية وكل من كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه أو بالعكس، إلا بتأثير موجود ومؤثر فيكون وجود كل ما سوى الحق سبحانه بإيجاده وعدم كل ما سواه بإعدامه، فتأثيره نافذ في جميع الممكنات في طرفي الإيجاد والإعدام، وذلك هو السجود وهو التواضع والخضوع والانقياد)([97])

ومن ذلك ما ذكر أن المراد من سجودها شهادتها ودلالتها على الخالق، كما قال أبو الفرج:( الساجدون على ضربين: أحدهما من يعقل فسجوده عبادة، والثاني من لا يعقل فسجوده بيان أثر الصنعة فيه والخضوع الذي يدل على أنه مخلوق)([98])

وهذه الأقوال ـ وإن كانت معانيها صحيحة في ذاتها ـ إلا أنه لا علاقة لها بمعنى السجود الذي ورد في النصوص.. وأدل دليل على هذه المنافاة هو أن النصوص الكثيرة دالة على طواعية سجود الأشياء، ولو كان الأمر كما ذكروا لما كانت في ذلك أي طواعية.

بل هذا يتنافى مع ما يدل على تجدد ذلك منها، كما قال تعالى:﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ﴾ (صّ:18)، وقوله تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (النور:41)، فقد أخبر تعالى أنه يعلم ذلك، بينما دلالتها على الله تعالى يعلمها جميع الناس.

ومن ذلك ما أخبر الله تعالى به من كلام الهدهد والنمل، وأن سليمان علم منطق الطير بما يدل على الإختصاص.

ومن ذلك ( أنه قسم السجود إلى طوع وكره، وانفعالها لمشيئة الرب وقدرته لا ينقسم إلى طوع وكره، ولا يوصف ذلك بطوع منها ولا كره، فإن دليل فعل الرب فيها ليس هو فعل منها ألبتة، والقرآن يدل على أن السجود والتسبيح أفعال لهذه المخلوقات، وكون الرب خالقا لها إنما هو كونها مخلوقة للرب ليس فيه نسبة أمر إليها، ويبين ذلك أنه خص الظل بالسجود بالغدو والآصال والظل متى كان وحيث كان مخلوق مربوب والله تعالى جعل الظلمات والنور)([99])

أما البيت الذي استشهدوا به، فلا يعتبر دليلا شرعيا له حجيته من ناحية، ومن ناحية ثانية، ( فهذا خضوع جماد لجماد، ولا يلزم أن يكون سائر أنواع الخضوع مثل هذا، وإنما يشترك في نوع الخضوع، وليس خضوع المخلوقات للخالق مثل هذا)([100])

3 ـ التسبيح:

ومن عبادات الكون، وهي أكثرها ورودا في القرآن الكريم، عبادة التسبيح لله تعالى.

وقد افتتحت خمس سور من القرآن الكريم بذكر تسبيح ما في السموات وما في الأرض لله، وهي قوله تعالى:﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الحديد:1) ونفس الآية في سورة الحشر، وقوله تعالى:﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الصف:1)، وقوله تعالى:﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الجمعة:1)، وقوله تعالى:﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التغابن:1)

وتسبيح الأشياء دليل على معرفتها بالله معرفة تجعلها تنزهه عن كل ما لا يليق بجلاله.

والمعرفة التنزيهية هي الأصل للمعرفة الإثباتية.. بل إن المعرفة التنزيهية معرفة إثباتية.. فمن نزه الله عن الجهل أثبت له علما.. ومن نزل الله عن الجور أثبت له عدلا.. وهكذا.

وقد أخبرت النصوص أن الكائنات تنزه الله بحسب أحوالها، وأنواعها، فلكل مخلوق تسبيحه الخاص به، والذي قد لا يفقهه غيره ممن لم يذق ذوقه، أو يمر بتجربته.

ولذلك نفى الله تعالى عن أكثر الخلق إمكانية فقه هذه التسابيح التي يعج بها الكون، قال تعالى:﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (الاسراء:44)

وعدم الفقه والتصور لا يعني في المنهج العلمي السليم إنكار ما لم يتمكن من فقهه أو تصوره، كما قال تعالى:﴿ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (الاسراء:36)

فمن أنكر ما لم يقف على سره وحقيقته كان مقتفيا ما ليس له به علم.

ومن الأخطاء في هذا، والناشئة من اقتفاء سبيل العقل المجرد عن نور الوحي، الزعم بأن المراد بالتسبيح مجرد تسبيح الدلالة، وقد رددنا على ذلك من قبل، وقد أفاض العلماء والربانيون في الرد على ذلك، فهو يسلب الكون خاصية مهمة من خصائصه، ويرفع عنه جلبابا من جلابيب الجمال التي كساه الله به.

وحسبنا من الرد، ونفي الشبهة هنا أن الله أخبر عن التسبيح الخاص للأشياء بوقت دون وقت، كالعشى والاشراق، كما قال تعالى:﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ﴾ (صّ:18)، فهل المراد بذلك أن دلالتها على خالقها تخص هذين الوقتين فقط؟

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم مشيرا إلى توقيت تسبيح الكائنات:( ما تستقل الشمس فيبقي من خلق الله تعالى إلا سبح الله بحمده إلا ما كان من الشيطان وأغبياء بني آدم)([101])

ولعل في تحديد مواقيت العبادات ارتباطها بالعبادات التي يمارسها الكون، حتى يشكل المؤمنون مع الكون الواسع حلقة ذكر واحدة، فقد أمر المؤمنون مثلا بمراعاة هذين الوقتين، قال تعالى لزكريا u:﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾ (آل عمران: 41)، وقال لعموم المؤمنين:﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ﴾ (غافر:55)

وفي نفس الوقت الذي أخبر القرآن الكريم عن عبودية الكون في الغدو والآصال أمر وأخبر عن المؤمنين أنهم يراعون هذين الوقتين.

قال تعالى مخبرا عن عبودية الكون في هذين الوقتين:﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (الرعد:15)

وقال عن المؤمنين مخبرا:﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور:36 ـ 37)

وقال عنهم آمرا:﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (لأعراف:205)

ولكن مع ذلك ـ ولزوما للمنهج العلمي ـ سنسوق بعض أدلة وردود عمدة من عمد هذا المنهج وهو الفخر الرازي، فقد نص على رأيه هذا بقوله:( اعلم أن الحي المكلف يسبح لله بوجهين: الأول: بالقول كقوله باللسان سبحان الله، والثاني: بدلالة أحواله على توحيد الله تعالى وتقديسه وعزته، فأما الذي لا يكون مكلفاً مثل البهائم، ومن لا يكون حياً مثل الجمادات فهي إنما تسبح لله تعالى بالطريق الثاني)([102])

 وقد استدل لذلك باستدلال بعيد منشؤه ما ذكرناه من توهم عدم حياة الكون أو تصور أن النطق يحتاج إلى آلة كآلة نطق الإنسان، وهو تغليب للخيال على العقل، وانتصار للوهم على الحقائق، قال الرازي في بيان وجه هذا الاستدلال:( لأن التسبيح بالطريق الأول لا يحصل إلا مع الفهم والعلم والإدراك والنطق وكل ذلك في الجماد محال، فلم يبق حصول التسبيح في حقه إلا بالطريق الثاني)

والعجب هو اعتباره ذلك محالا، فأي استحالة عقلية في ذلك، وهل العقل من الإحاطة بحيث يدرك سر الحياة حتى يهيه لمن يشاء ويسلبه عمن يشاء؟ وأي استحالة نقلية، والنصوص تعج بأدلة حياة الكائنات.

بل ذهب الرازي إلى أبعد من ذلك حين استلزم مما اعتبره دليلا أن اعتبار تسبيحها يقوض الاستدلال على اتصاف بالله بالحياة، قال:( واعلم أنا لو جوزنا في الجماد أن يكون عالماً متكلماً لعجزنا عن الاستدلال بكونه تعالى عالماً قادراً على كونه حياً وحينئذ يفسد علينا باب العلم بكونه حياً وذلك كفر، فإنه يقال: إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله تعالى وصفاته وتسبحه مع أنها ليست بأحياء فحينئذ لا يلزم من كون الشيء عالماً قادراً متكلماً كونه حياً فلم يلزم من كونه تعالى عالماً قادراً كونه حياً وذلك جهل وكفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن من ليس بحي لم يكن عالماً قادراً متكلماً)

وهذا الاستدلال يبين الخطأ الذي وقع فيه المنهج الكلامي في استدلالاته على صفات الله تعالى، فهو هنا يبني صفة الحياة التي تدل عليها ملايين الأدلة على دليل واحد، تنهد صفة حياة الله بانهداده.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الرازي يستعمل هنا أسلوب الفقهاء في سد الذرائع، وهو منهج لا يصح استعماله في الاستدلالات العقلية، فالعقل لا ينبغي أن يسد في وجهه أي باب، مهما كانت الذريعة المؤدية إليه، إلا إذا كانت تؤديه إلى معارف لا يطيقها، أو ليست لديه أدوات تحصيلها.

وقد أجاب الرازي على ما أوردناه من أدلة على تسبيح الكائنات بوجوه يقتضي المنهج العلمي إيرادها، وإن كنا نتجنب الجدل ما أمكن في هذه الرسائل:

أما الوجه الأول، فقد عبر عنه بقوله:( إذا أخذت تفاحة واحدة فتلك التفاحة مركبة من عدد كثر من الأجزاء التي لا تتجزأ، وكل واحد من تلك الأجزاء دليل تام مستقل على وجود الإله، ولكل واحد من تلك الأجزاء التي لا تتجزأ حفاة مخصوصة من الطبع والطعم واللون والرائحة والحيز والجهة، واختصاص ذلك الجوهر الفرد بتلك الصفة المعينة من الجائزات فلا يحصل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر حكيم.

إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من أجزاء تلك التفاحة دليل تام على وجود الإله وكل صفة من الصفات القائمة بذلك الجزء الواحد فهو أيضاً دليل تام على وجود الإله تعالى، ثم عدد تلك الأجزاء غير معلوم، وأحوال تلك الصفات غير معلومة) ([103])

وكل هذا كلام صحيح لا حرج فيه، وهو من العبودية التي يمارسها الكون، والتي سميناها عبودية الدلالة، ولكن الخطأ هو اعتبار ذلك هو التفسير الوحيد لتسبيح الكون ولقوله تعالى:﴿ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ (الاسراء: 44)

أما الوجه الثاني، فهو قوله بأن الكفار وإن كانوا يقرون بألسنتهم بإثبات إله العالم إلا أنهم ما كانوا يتفكرون في أنواع الدلائل، ولهذا المعنى قال تعالى:﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (يوسف:105)

وهو وجه صحيح، ولكنه ليس دليلا على نفي تسبيح المقال، فلا تناقض بين المقالة والدلالة.

أما الوجه الثالث، وهو وجه يعتمد على السياق الذي وردت فيه الآية، فهو قوله بأن القوم وإن كانوا مقرين بألسنتهم بإثبات إله العالم إلا أنهم ما كانوا عالمين بكمال قدرته، ولذلك استبعدوا كونه تعالى قادراً على الحشر والنشر فكان المراد ذلك، ثم إنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:﴿ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ (الاسراء:42) فهم ما كانوا عالمين بهذا الدليل، فلما ذكر هذا الدليل قال:﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنّ)(الاسراء: 44)

وكأن الآية تقول ـ كما يفهمها الرازي ـ:( فتسبيح السموات والأرض ومن فيهن يشهد بصحة هذا الدليل وقوته وأنتم لا تفقهون هذا الدليل ولا تعرفونه)

وهذا الوجه لا يتنافى أيضا مع التسبيح المقالي للكائنات، بل هو فهم من الفهوم الصحيحة للآية، والفهوم لا يلغي بعضها بعضا، فكلام الله يحتمل الجميع.

ولعل أقوى دليل ذكره هو ما عبر عنه بقوله:( مما يدل على أن الأمر كما ذكرناه قوله:﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾ (الاسراء: 44) فذكر الحليم والغفور ههنا يدل على أن كونهم بحيث لا يفقهون ذلك التسبيح جرم عظيم صدر عنهم، وهذا إنما يكون جرماً إذا كان المراد من ذلك التسبيح كونها دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، ثم إنهم لغفلتهم وجهلهم ما عرفوا وجه دلالة تلك الدلائل.

أما لو حملنا هذا التسبيح على أن هذه الجمادات تسبح الله بأقوالها وألفاظها لم يكن عدم الفقه لتلك التسبيحات جرماً ولا ذنباً، وإذا لم يكن ذلك جرماً ولا ذنباً لم يكن قوله:﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾ (الاسراء: 44) لائقاً بهذا الموضع)

وهذا الاستدلال الأخير مع قوته إلا أن الفاصلة القرآنية لا تشمل آخر الآية فقط، بحيث يكون الحلم والمغفرة مرتبطان بعدم فقه التسبيح، بل هي مرتبطة بموضوع الآية جميعا([104])، وهو الإخبار عن تسبيح كل شيء في الوقت الذي يغفل فيه الإنسان.

والعتاب على الغفلة يتناسب مع الحلم والمغفرة.

وهذا يتناسب مع ما روي في الآثار من العتاب على الغفلة في الوقت الذي تسبح فيه الموجودات، كما ورد في الأثر:(الدابة والثوب يسبح، وأنت غافل)

وفي أثر آخر:( أما يستحي أحدكم أن تكون دابته أو ثوبه أكثر تسبيحا منه)

وفي أثر آخر:( ما ارتفعت الشمس قيد رمح إلى السماء فبقي لله شيء من خلقه إلا سبح لله إلا الشيطان وأعتى بني آدم)

ومن هذا الباب ما روي في الآثار عن داود u أنه قال:( يا رب اغفر لي فمن أكثر لذكرك مني) فقام على صخرة إلى جنب نهر حتى أصبح، فناداه ضفدع:( يا داود تمن على الله تعالى، وأنا ضفدع أسبح الله الليل مع النهار من خشيته، فنظر فإذا هي قائمة على الماء، فقال:( رب اغفر لي، فإن نعمك علي أفضل من ذكرك)

وذهب إلى نفس ما ذهب إليه الرازي المفسر الكبير ناصر مكارم الشيرازي، ولا بأس من إيراد ما ذكر من أدلة هنا، كما ذكرنا أدلة الرازي رغبة في تجلية الحقيقة.

قال الشيرازي في الأمثل:( هُناك كلام كثير بين العلماء والمفسّرين والفلاسفة حول تفسير حقيقة هَذا الحمد والتسبيح، فبعضهم اعتبر الحمد والتسبيح (حالا) والبعض الآخر (قولا))

ثم انتصر للقول الأول بقوله:( الكثير يعتقد أنَّ هَذا التسبيح والحمد هو على شاكلة ما نسميه بـ (لسان الحال) وَهو حقيقي غير مجازي إِلاَّ أنّهُ بلسان الحال وَليس بالقول. (تأمّل ذلك).

ولتوضيح ذلك تقول: قد يحدث أن نشاهد آثار عدم الإرتياح والألم، وَعدم النوم في وَجه أو عيني شخص ما وَنقول له: بالرغم مِن أنّك لم تتحدث عن شيء مِن هَذا القبيل، إِلاّ أن عينيك تقولان بأنّك لم تنم الليلة الماضية، وَوجهك يؤكّد بأنّك غير مرتاح ومتألم! وَقد يكون لسان الحال مِن الوضوح بدرجة بحيث أنَّهُ يُغطي على لسان القول لو حاول التستر عليها قولا، وهَذا هو المعنى الذي صرّح به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بقوله: (ما أضمر أحد شيئاً إِلاَّ ظهر في فلتات لسانُه وصفحات وَجهه)([105])

مِن جانب آخر هل يمكن التصديق بأنَّ لوحة فنية جميلة للغاية تدل على ذوق وَمهارة رسامها، لا تمدحُه أو تثني عليه؟ وهل يمكن انكار ثناء دواوين أشعار أساطين الشعر والادب وتمجيدها لقرائحهم واذواقهم الرفيعة؟.. أو يمكن انكار أن بناءً عظيماً أو مصنعاً كبيراً أو عقولا الكترونية معقدة أو أمثالها، أنّها تمدح صانعها وَمُبتكرها بلسان حالها غير الناطق؟

لذا يجب التصديق والتسليم بأنَّ عالم الوجود العجيب ذا الأسرار المتعدِّدة والعظمة الكبيرة، والجزئيات العديدة المُحيِّرة، يقوم بتسبيح وَحمد الخالق عزَّوجلّ، وإِلاَّ فهل (التسبيح) سوى التنزيه عن جميع العيوب؟ فنظام عالم الوجود ناطق بأنَّ خالقهُ ليسَ فيه أي نقص أو عيب:

ثمّ هل (الحمد) سوى بيان الصفات الكمالية؟ فنظام الخلق والوجود كلّه يتحدث عن الصفات الكمالية للخالق وعلمه وَقدرته اللامتناهية وَحكمته الوسيعة.

خاصّة وأنَّ تقدم العلوم البشرية وكشف بعض أسرار وَخفايا هَذا العالم الواسع، توضح هَذا الحمد والتسبيح العام بصورة أجلى. فاليوم مثلا ألّف علماء النبات المؤلفات العديدة عن أوراق الأشجار، وَخلايا هَذِهِ الأوراق، وَالطبقات السبع الداخلة في تكوينها، والجهاز التنفسي لها، وَطريقة التغذية وَسائر الأُمور الأُخرى التي تتصل بَهذا العالم.

لذلك، فإنَّ كل ورقة توحد الله ليلا وَنهاراً، وَينتشر صوت تسبيحها في البساتين والغابات، وَفوق الجبال وَفي الوديان، إِلاَّ أنَّ الجهلاء لا يفقهون ذلك، وَيعتبرونها جامدة لا تنطق.

إِنَّ هَذا المعنى للتسبيح والحمد الساري في جميع الكائنات يمكن دركه تماماً، وَليست هُناك حاجة لأن نعتقد بوجود إِدراك وَشعور لكل ذرات الوجود، لأَنَّه لا يوجد دليل قاطع على ذلك، والآيات السابقة يحتمل أن يكون مقصودها التسبيح والحمد بلسان الحال)

وقد رد على الاعتراض القائل:( إِذا كان الغرض مِن الحمد والتسبيح هو تعبير نظام الكون عن نزاهة وَعظمة وَقدرة الخالق عزَّوجلّ، وتبيان الصفات السلبية والثبوتية، فلماذا يقول القرآن: (لا تفقهون تسبيحهم) لأنّه إِذا كانَ البعض لا يفقه، فإنَّ العلماء يفقهون ويعلمون؟)

وقد أجاب على ذلك بجوابين:

الأوّل: إِنَّ الآية توجَّه خطابها إِلى الأكثرية الجاهلة مِن عموم الناس، خصوصاً إِلى المشركين، حيثُ أنَّ العلماء المؤمنين قِلَّة وَهم مستثنون مِن هَذا التعميم، وُفقاً لقاعدة ما مِن عام إِلاَّ وَفيه استثناء.

الثّاني: هو أنَّ ما نعلمهُ مِن أسرار وَخفايا العالم في مقابل ما لا نعلمُه كالقطرة في قبال البحر، وَكالذرة في قبال الجبل العظيم. وإِذا فكرنا بشكل صحيح فلا نستطيع أن نسمّي الذي نعرفه بأنَّه (علم). إِنّنا في الواقع لا نستطيع أن نسمع تسبيح وَحمد هَذِهِ الموجودات الكونية مهما أوتينا مِن العلم، لأنَّ ما نسمعهُ هو كلمة واحدة فقط مِن هَذا الكتاب العظيم!!

وَعَلى هذا الأساس تستطيع الآية أن تخاطب العالم بأجمعه وَتقول لهم: إنّكم لا تفقهون تسبيح وَحَمد الموجودات بلسان حالها، أمّا الشيء الذي تفقهوه فهو لا يساوي شيئاً بالنسبة إِلى ما تجهلون)([106])

وكل ما ذكره صحيح، ولكنه يدخل في نوع من أنواع التسبيح، أو يدخل بالأحرى في صفة من صفات الكون، سميناها (المقروئية) أو الدلالة.. وهو تسبيح سلبي، لا إيجابي لأن الذي يقوم به من يشاهد الموجودات لا عين الموجودات، والله تعالى في القرآن أثبت التسبيح لأعيان الموجودات.

والعجب أن يقول الشيرازي هذا مع أن الروايات الكثيرة الواردة عن أهل البيت ـ عليهم السلام ـ وسماعهم لتسبيح الموجودات تنفي هذا النوع من الفهم([107]).

ومن التفسير الذي يتنافى مع عموم النصوص ما ذهب إليه بعضهم حين قصر التسبيح على أحوال معينة للكائنات.

ومن ذلك قصره على كل حي ونام، فنفوا التسبيح عن الجمادات، ومن هذا قول عكرمة: (الشجرة تسبح، والاسطوان لا يسبح)، وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام وقد قدم الخوان:( أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟) فقال:( قد كان يسبح مرة)، يريد أن الشجرة في زمن ثمرها واعتدالها كانت تسبح، وأما الآن فقد صار خوانا مدهونا.

وقد ذكر النووي أن هذا مذهب الكثير من المفسرين، قال:( وهذا مذهب كثيرين أو الأكثرين من المفسرين في قوله تعالى:﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ (الاسراء: 44) قالوا معناه وإن من شيء حي، ثم قالوا حياة كل شيء بحسبه، فحياة الخشب ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع)([108])

واستدل القائلون لهذا من السنة بما ثبت عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر على قبرين فقال:( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرئ من البول) قال: فدعا بعسيب رطب فشقه اثنين، ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال: ( لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)([109])

ففهم هؤلاء من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ما لم ييبسا) أن ذلك إشارة إلى أنهما ما داما رطبين يسبحان، فإذا يبسا صارا جمادا.

ولسنا نرى في هذا النص أي دلالة، فالحديث لم يربط تسبيح العسيب بتخفيف العذاب، بل ربطه برطوبته، فلعل لتلك الرطوبة تأثيرا خاصا أدركه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمشكاة النبوة، وليس لمن لم يطلع من تلك المشكاة أن يتطفل على مثل هذه الأسرار([110]).

* * *

وقد ورد في النصوص ما يدل على أن تسبيح الخلائق مصدر من مصادر رزقها، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه، إن نوحا قال لابنه يا بني. آمرك أن تقول: سبحان الله، فإنها صلاة الخلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق)([111])

وورد ما يدل على أن ما يحصل لها من المصائب هو بسبب تضييعها التسبيح، وفي ذلك أكبر الدلالة على وعيها التام ـ مع كونها غير مكلفة ـ فقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ما صيد من صيد ولا وشج من وشج إلا بتضييعه التسبيح)([112])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( ما اصطيد طير في بر ولا بحر إلا بتضييعه التسبيح)([113])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ما صيد من طير في السماء ولا سمك في الماء حتى يدع ما افترض الله عليه من التسبيح)([114])، وهذا الحديث إن صح يدل على الوعي التام للكائنات، فالفرائض لا تتوجه لغير العاقل الواعي.

وقد ورد في حديث آخر بعض التفاصيل في ذلك، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( آجال البهائم كلها وخشاش الأرض والنمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب كلها وغير ذلك آجالها في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها، وليس إلى ملك الموت منها شيء)([115])

* * *

 واستشعار المؤمن لتسبيح الكائنات مع غفلته يشعره الحياء، ويدفعه إلى الأدب معها، ولذا أمرنا بالتأدب معها احتراما وتعظيما لتسبيحها، وقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تضربوا وجوه الدواب، فإن كل شيء يسبح بحمده)([116])

ونهى عن اتخاذ البهائم كراسي، فقد مر صلى الله عليه وآله وسلم على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل فقال لهم:( اركبوها سالمة، ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكرا لله منه)([117])

وقد قال بعضهم مصورا هذا:( ما أحد سب شيئا من الدنيا دابة ولا غيرها، ويقول: خزاك الله أو لعنك الله إلا قالت: بل أخزى الله تعالى أعصانا لله تعالى)

ولهذا نهي عن الذبح من غير ذكر لاسم الله، قال تعالى:﴿ وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام:121)

وكأننا بذكر اسم الله عند ذبح الحيوان نعتذر له، أو نخبره بأننا إنما نفعل ذلك لإذن الله لنا، وإلا فهو أكرم من أن نسلبه حياته للإبقاء على حياتنا.

ولعل الحيوان، وهو يسمع ذكر الله عند ذبحه يشعر بأنس عظيم، بل يشعر بما يشعر به الشهيد، وهو يقرب روحه لله.

ومن هذا الباب أيضا ما ورد في السنة من النهي عن قتل بعض الحيوانات، وتعليل ذلك بتسبيحها لله، فقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل الضفدع، وعلل ذلك بقوله:( نعيقها تسبيح)([118])

ولعل تخصيص الضفدع وبعض الحيوانات بكونها مسبحة مع ورود النصوص الكثيرة الدالة على تسبيح كل شيء هو مبالغة الضفدع ونحوها وإكثارها من ذكر الله.

وقد ورد في الدلالة على ذلك بعض الآثار منها ما روي عن أنس قال: ظن داود عليه السلام أن أحدا لم يمدح خالقه أفضل مما مدحه، وأن ملكا نزل وهو قاعد في المحراب والبركة إلى جانبه فقال: يا داود افهم إلى ما تصوت به الضفدع، فأنصت داود عليه السلام فإذا الضفدع يمدحه بمدحة لم يمدحه بها داود عليه السلام فقال له الملك: كيف تراه يا داود؟ قال: أفهمت ما قالت؟ قال: نعم. قال: ماذا قالت؟ قال: قالت: سبحانك وبحمدك منهتى علملك يا رب. قال داود عليه السلام: والذي جعلني نبيه، إني لم أمدحه بهذا([119]).

ومثل هذا ما حدث به شهر قال: كان داود u يسمى النواح في كتاب الله عز وجل، وأنه انطلق حتى أتى البحر، فقال: أيها البحر، إني هارب. قال: من الطالب الذي لا ينأى طلبه، قال: فاجعلني قطرة من مائك، أو دابة مما فيك، أو تربة من تربتك، أو صخرة من صخرك. قال: أيها العبد الهارب الفار من الطالب الذي لا ينأى طلبه، ارجع من حيث جئت، فإنه ليس مني شيء إلا بارز، ينظر الله عز وجل إليه قد أحصاه وعده عدا فلست أستطيع ذلك.

ثم انطلق حتى أتى الجبل، فقال: أيها الجبل، اجعلني حجرا من حجارتك أو تربة من تربتك أو صخرة من صخرك أو شيئا مما في جوفك، فقال: أيها العبد الهارب الفار من الطالب الذي لا ينأى طلبه، إنه ليس مني شيء إلا يراه الله وينظر إليه وقد أحصاه وعده عدا، فلست أستطيع ذلك.

ثم انطلق حتى أتى على الأرض يعني الرمل فقال: أيها الرمل، اجعلني تربة من تربك أو صخرة من صخرك أو شيئا مما في جوفك. فأوحى الله إليه أجبه. فقال: أيها العبد الفار من الطالب الذي لا ينأى طلبه، ارجع من حيث جئت فاجعل عملك لقسمين: لرغبة أو لرهبة، فعلى أيهما أخذك ربك لم تبال.

وخرج فأتى البحر في ساعة، فصلى فيه، فنادته ضفدعة فقالت: يا داود، إنك حدثت نفسك أنك قد سبحت في ساعة ليس يذكر الله فيها غيرك، وإني في سبعين ألف ضفدعة كلها قائمة على رجل تسبح الله تعالى وتقدسه([120]).

ومثل هذا ما روي عن ابن عباس قال: صلى داود u ليلة حتى أصبح، فلما أن أصبح نادته ضفدعة: يا داود، كنت أدأب منك قد أغفيت إغفاءة ([121]).

* * *

 أما الكيفية التي تسبح بها الكائنات، وما تقوله في تسبيحها، فهي من علم الله الذي قد يطلع بعض خلقه على أسراره:

ومن ذلك ما ذكره ابن عباس من قوله:( الزرع يسبح بحمده، وأجره لصاحبه، والثوب يسبح. ويقول الوسخ: إن كنت مؤمنا فاغسلني إذا)([122])

وعن أبي صالح قال:( ذكر لنا أن صرير الباب تسبيحه)([123])

وعن أبي غالب الشيباني، قال:( صوت البحر تسبيحه، وأمواجه صلاته)([124])

عن أبي جعفر قال:( تدرون ما تقول العصافير قبل طلوع الفجر تسبح ربها وتسأل قوت يومها)

وعن عبد الحميد بن يوسف قال:( تسبيح الضفادع:( سبحان المعبود بكل مكان، سبحان المحمود بكل مكان، سبحان المذكور بكل لسان)

***

 وهذا التسبيح والعبودية التي تمارسها الكائنات بحب وشغف يكشف الله بعض وجوهها وأسرارها لمن شفت سرائرهم، وتطهرت قلوبهم، لتكون أنيسا لهم في ذكرهم.

ولا غرابة عقلية في هذا، فإن كل من توجه وجهة فتح له في تلك الوجهة، كالمرآة ينعكس فيها ما يقابلها.

فالموجه للتجارة يفتح له فيها بحسب توجهه، والمتوجه للعلوم المادية يفتح له فيها بحسب جده وانشغاله بها، والمتوجه لعوالم الروح بالمكابدات والتأملات ينفتح له من نوافذ هذا العوالم ما يرى به العجائب.

ولا يحق لمن لم يرزق مثل هذا أن ينكر على من رزقه، وإلا كان ظالما، ولهذا يجيب الصالحون على من ينكر عليهم قائلين:( سر سيرنا ترى ما رأينا)

وقد سئل الغزالي أسئلة أجاب عن بعضها، وسكت عن أخرى، قائلا لسائله:( اعلم أن بعض مسائلك التي سألتني عنها لا يستقيم جوابها بالكتابة والقول، إن تبلغ تلك الحالة تعرف ما هي! وإلا فعلمها من المستحيلات؛ لأنها ذوقية، وكل ما يكون ذوقيا، لا يستقيم وصفه بالقول، كحلاوة الحلو، ومرارة المر، لا تعرف إلا بالذوق)([125])

والسر الذي تنفتح به كوة التعرف على تسبيح الكائنات وعبوديتها هو الطهارة، فالعين المكتحلة بإثمد الخطيئة لا تستطيع رؤية أنوار الإيمان الساطعة، والقلب المغلف بأوزار المعاصي لا يبصر حقائق نفسه، ولا حقائق الكون.

ولهذا يشترط الربانيون الطهارة ـ بمعناها الشامل ـ للتحقق بمثل هذه المنازل، قال المناوي:( وذلك لأن الأرواح ذات طهارة ونزاهة ولها سمع وبصر وبصرها متصل ببصر العين، ولها سطوع في الجو تجول وتحول، ثم تصعد إلى مقامها الذي منه بدأت فإذا تخلصت من شغل النفس أدركت من أمر الله ما يعجز عنه البشر فهماً، ولولا شغلها رأت العجائب. لكنها تدنست بما تلبست فتوسخت بما تقمصت من ثياب اللذات وتكدرت بما تشربت من كأس حب الخطيئات)

وهذا التحقق يكون بالسير إلى الله، وقد قال الغزالي لتلميذه المحب:( بالله إن تسر تر العجائب في كل منزل)

انطلاقا من هذا اتفق الربانيون من هذه الأمة على أن في طاقة الإنسان أن يسمع تسبيح الكائنات، بل في طاقته أن يرى سجودها وقنوتها إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع.

وأخطر الموانع هي الغفلة، فقد قال بعضهم:( لولا ما غمي عليكم من تسبيح ما معكم في البيوت ما تقاررتم)([126])

يقول سيد قطب عن تأثير الشفافية الروحية في هذا النوع من الإدراك:( وإن الكون ليبدو في هذا المشهد الخاشع متجها كله إلى خالقه، مسبحا بحمده، قائما بصلاته ؛ وإنه لكذلك في فطرته، وفي طاعته لمشيئة خالقه الممثلة في نواميسه. وإن الإنسان ليدرك - حين يشف - هذا المشهد ممثلا في حسه كأنه يراه ؛ وإنه ليسمع دقات هذا الكون وإيقاعاته تسابيح لله. وإنه ليشارك كل كائن في هذا الوجود صلاته ونجواه.. كذلك كان محمد بن عبد الله - صلاة الله وسلامه عليه - إذا مشى سمع تسبيح الحصى تحت قدميه. وكذلك كان داود u يرتل مزاميره فتؤوب الجبال معه والطير)([127])

وقد ورد في النصوص الكثيرة ما يؤيد هذا القول، وهو من أكبر الأدلة والشواهد على أن الكائنات تسبح الله تسبيحا حقيقيا يليق بطبيعتها.

وأول من نستشهد به في هذا الباب ما حدث به ابن مسعود من قوله:( كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا، بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس معنا ماء فقال لنا: (اطلبوا من معه فضل ماء)، فأتي بماء فوضعه في إناء ثم وضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه. ثم قال:( حي على الطهور المبارك والبركة من الله) فشربنا منه، قال عبد الله: كنا نسمع صوت الماء وتسبيحه وهو يشرب([128]).

وكانوا يسمعون تسبيح الطعام، عن ابن مسعود قال:( كنا نأكل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل)([129])

ويروي أنس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطعام ثريد، فقال:( إن هذا الطعام يسبح) قالوا:( يا رسول الله، وتفقه تسبيحه؟ قال: نعم، ثم قال لرجل:( ادن هذه القصعة من هذا الرجل)، فأدناها منه فقال: نعم يا رسول الله، هذا الطعام يسبح! فقال:( ادنها من آخر)، وأدناها منه، فقال: هذا الطعام يسبح. ثم قال: ردها فقال رجل: يا رسول الله، لو أمرت على القوم جميعا، فقال:( لا إنها لو سكتت عند رجل لقالوا من ذنب.. ردها فردها)([130])

بل كانوا يسمعون تسبيح الحصى، قال أبو ذر:( تناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع حصيات فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنينا)([131])

ومن هذا الباب ما روي عن سماع آل البيت المطهرين ـ عليهم السلام ـ فعن أبي حمزة الثمالي قال: قال محمد بن علي بن الحسين، وسمع عصافير يصحن قال: تدري ما يقلن؟ قلت: لا. قال: يسبحن ربهن تعالى ويسألن قوت يومهن([132]).

ويروي عن علي بن الحسين قال:( كنا معه فمر بنا عصافير يصحن فقال: أتدرون ما تقول هذه العصافير؟ فقلنا: لا. قال: أما أني ما أقول إنا نعلم الغيب، ولكني سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب أمير المؤمنين يقول: إن الطير إذا أصبحت سبحت ربها، وسألته قوت يومها، وإن هذه تسبح ربها، وتسأله قوت يومها ([133]).

ومثل هؤلاء من سار سيرهم من الصالحين، ومما يروى من ذلك أنه كان بيد بعضهم سبحة يسبح بها، فنام والسبحة في يده، فاستدارت السبحة، فالتفت على ذراعه، وجعلت تسبح فاستيقظ والسبحة تدور في يده، وإذا هي تقول:( سبحانك يا منبت البنان ويا دائم الشأن)

ويروى عن آخر أنه كان إذا دخل بيته فسبح سبحت معه آنية بيته ([134]).

ويذكر النورسي أن أربع قطط كانت تلازمه، وكانت تقول في هريرها:( يا رحيم يا رحيم يا رحيم..)([135])

ويحدث آخر عن أبيه قال:( كان أبي إذا جاء الليل دخل البحر يسبح، فتجتمع إليه حيتان البحر يسبحون معه)

وبمثل هذا روي عن يونس u أنه لما التقمه الحوت، فتصدى به إلى الأرض سمعها تسبح فقال:( أرى ربي يسبح بكل مكان) فقال:﴿ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)(الانبياء: 87)

***

 وقد يكون سماع تسبيح الكائنات وعبوديتها طريقا لجذبة ربانية، أو ليقظة روحية ترفع حجاب الغفلة كما يحدث هذا الصالح، فقد قال: بت ليلة في بعض أسواق القرى، فإذا فتى عليه سيما الصالحين، وكان كثيرا ما ينتبه من الليل، فيرفع صوته فيقول:( لا إله إلا الله) حتى أصبحنا، فلما أصبحنا أنست به وسألته عن فعله ذلك، فقال:( كنت أرعى غنما لأبوي فبت ذات ليلة في موضع، وهي معي، فانتبهت على أصواتها وهي رافعة رأسها إلى السماء وهي تقول:( لا إله إلا الله) فقلت معها:( لا إله إلا الله) فلما رجعت إلى القرية رددت الغنم على أصحابها، وأقبلت على الخير وحبب إلي)

ومثل ذلك، سئل بعضهم عن بدء زهده، فقال: كنت يوما مع إخواني في بستان لنا، وذلك حين حملت الثمار من ألوان الفواكه، فأكلنا وشربنا حتى الليل فنمنا، وكنت مولعا بضرب العود والطنبور، فقمت في بعض الليل، فضربت بصوت يقال له راشين السحر، وأراد سنان يغني، وطائر يصيح فوق رأسي على شجرة، والعود بيدي لا يجيبني إلى ما أريد، وإذا به ينطق كما ينطق الإنسان - يعني العود الذي بيده – ويقول:﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)(الحديد: 16) قلت: بلى والله! وكسرت العود، وصرفت من كان عندي، فكان هذا أول زهدي وتشميري.

ولهذا كانوا الصالحون يجمعون مع تسبيحهم لله تسبيح الكائنات ليتقربوا بالجميع إلى الله، قال أحدهم:( تباركت يا رب العالمين، يسبحك الليل والنهار، ويسبحك الثلج، ويسبحك الرعد، ويسبحك المطر، ويسبحك الندى، وتسبح لك السماء، وتسبح لك الأرض، وتسبحك النجوم، وتسبحك جنودك كلهم، تباركت أسماؤك المباركة المقدسة التي لك بهن نسبح ونقدس ونهلل، لا إله إلا أنت)

* * *

 أما عن لغة التسبيح ـ التي قد تستهوي المجادلين ـ وقد يستهزئون إن سمعوا الصالحين يرددون أبياتا عن تسبيح الكائنات، ويقولون:( ما علم هؤلاء بالعروض والقوافي)

فالجواب عليه بأن لغة الروح المدركة للتسبيح واحدة، لكن التعبير عن هذه اللغة يختلف باختلاف الألسن.

والله تعالى أخبر عن أقوال أنبيائه وغيرهم ـ مع عدم عربيتهم ـ بتلك البلاغة المعجزة، بل عبر عن القول الواحد بصيغ مختلفة، وكان الكل كلامهم من حيث الحقيقة، وإن لم يكن عين كلامهم من حيث اللفظ، فاللفظ مجرد مطية للمعاني.

وهكذا تسبيح الكائنات، أو كلامها، فلا نتصور أن النملة أو الطير ينطق ما ننطق به من حروف، فجهازه الصوتي مختلف عن أجهزتنا، ولكن الجهاز الروحي واحد، وهو ما يجعله يفهمنا، وما يجعلنا نفهمه.

أما تحقيق هذا الكلام، فلا يمكن إلا بمعرفة سر الروح، أو إدراك كنه جهاز الروح، والروح لا يمكن إدراكها بأجهزة الحس، وإلا كنا كبني إسرائيل الذين قالوا لموسى u:﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ (البقرة: 55)

ومن هذا المنطلق تتجاوب روح المؤمن مع نغمات الكون وتسبيحاته، فيسمعها وتسمعه، وينتشر من سماعهما من الفرح والسرور ما يقصر عنه فرح المتنزهين في البساتين الناظرين للقشور الغافلين عن الأرواح.

وقد كان الإمام النورسي ـ بفعل ما مر به من عزلة إجبارية ـ فقيها بأسرار تسبيحات الكائنات، وهو يدعونا إلى التجاوب معه في ذلك، يقول مقارنا بين النظرة الإيمانية للكون، ونظرة الإلحاد والغفلة:( ارفع رأسك يا أخي، وألق نظرة في الكائنات، وحاورها، أما كانت موحشة في طريقنا الاولى والآن تبتسم وتنشر البشر والسرور؟ ألا ترى أن عيوننا قد أصبحت كالنحلة تطير الى كل جهة في بستان هذا الكون، وقد تفتحت فيه الازهار في كل مكان، وتمنح الرحيق الطهور. ففي كل ناحية انس وسلوان، وفي كل زاوية محبة ووئام.. فهي ترتشف تلك الهدايا الطيبة، وتقطّر شهد الشهادة، عسلاًِ على عسل)([136])

حتى ما نراه مما قد نتوهم قبحه، ونخاف من أذاه ليس إلا ترنيمة من ترانيم تسابيح الكون، يقول النورسي:( فلا تخيفنكم نعرات الزلازل وصيحات الحوادث، فهي ترنمات الاذكار ونغمات التسبيحات، وتهاليل التضرعات)([137])

وفي تعبير آخر جميل يصف النورسي بعض الأصوات التي تتلقفها أذن الإيمان بقوله:( لندع عيوننا لتخلد الى شئ من الراحة، ونسلّم آذاننا للايمان بدلاً منها، ولنستمع من الدنيا الى نغمات لذيذة.. فالاصوات التي كانت تتعالى في طريقنا السابقة [طريق الإلحاد والغفلة ] وظنناها اصوات مآتم عامة ونعيات الموت.. هي أصوات أذكار في هذه الطريق وتسابيح وحمد وشكر)([138])

فكل ما نراه من حركات، وكل ما نسمعه من أصوات صدى من أصداء تسبيح الكون لله ( فترنمات الرياح ورعدات الرعود ونغمات الامواج.. تسبيحات سامية جليلة وهزجات الامطار وسجعات الاطيار.. تهاليل رحمة وعناية)([139])

والقلب الواعي المؤمن تكون له الأذن التي تتلقف مثل هذه المعاني الرقيقة، التي يعبر عنها اللسان بمختلف لهجاته ولغاته.

يقول النورسي:( وهكذا تنطق الكائنات كلها معاً وتقول: أيها الانسان الغافل لا تحسبنا جامدات! فالطيور تنطق، في تذوق نعمةٍ، أو نزول رحمةٍ فتزقزق باصوات عذبة، بافواه دقيقة ترحاباً بنزول الرحمة المهداة. حقاً النعمة تنزل عليها، والشكر يديمها، وهي تقول رمزاً: ايتها الكائنات! يا اخوتي! ما اطيب حالنا! ألا نُربّى بالشفقة والرأفة.. نحن راضون عما نحن عليه من احوال.. وهكذا تبث اناشيدها بمناقيرها الدقيقة، حتى تحول الكائنات كلها الى موسيقى رفيعة)

قد يقال ـ بعد هذا ـ فالتسبيح إذن ليس تسبيح مقال، وهو على ماذكر من تسبيح الدلالة.

وقائل هذا لا يعرف الفرق بين المقال والدلالة، فالدلالة لا تحتاج إلى الوعي، بينما المقال يحتاجه، بل هو ركنه الأساسي.

والمقال لا يستدعي نطقا بحروف وأصوات معينة، وقد أخبر تعالى عن علمه بما تقوله الأفواه، وما تقوله الألسن، قال تعالى:﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة:284)

بل عبر عن ما يجول في الخواطر بأنه قول يمكن أن يؤاخذ عليه، قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (المجادلة:8)

وقد يقال هنا، فكيف نسمع الصامت، وهل يمكن أن نستدل على معاني الخواطر من غير تعبيرات الألسن؟

والجواب ما ذكرناه من قدرة آذان الروح على استشفاف معاني الصمت الخاشع، وقد قال النورسي:( إن نور الايمان هو الذي يسمع أصداء الاذكار وانغام التسابيح، حيث لا مصادفة ولا اتفاقية عشواء)([140])

4 ـ الدعاء:

من عبادات الكون التي ورد النص عليها في النصوص المقدسة (الدعاء).. والدعاء هو مخ العبادة.. ولا يمكن صدوره إلا من ذات واعية تعي حاجتها، وتعرف من تتوجه إليه بطلب هذه الحاجة.

وقد ورد في النصوص ما يشير إلى أن الكائنات قد منحت من الوعي بالواقع وما يرتبط به من مرضاة الله وسخطه حتى صارت كالملائكة تدعو للصالحين وتلعن غيره.

ومما ورد من ذلك ما ورد في أحاديث كثيرة من استغفار الأشياء لطالب العلم، فعن قبيصة بن المخارق قال:( أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي:( يا قبيصة ما جاء بك) قلت:( كبرت سني ورق عظمي، فأتيتك لتعلمني ما ينفعني الله تعالى به) قال:( يا قبيصة، ما مررت بحجر ولا شجر ولا مدر إلا استغفر لك، يا قبيصة إذا صليت الفجر، فقل ثلاثا: سبحان الله العظيم وبحمده تعافى من العمى والجذام والفالج، يا قبيصة قل: اللهم إني أسألك مما عندك وأفض علي من فضلك وانشر علي رحمتك وأنزل علي من بركاتك)([141])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر يصلون على معلم الناس الخير)([142])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال إذا ركب دابة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء، سبحانه ليس له سميّ، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كما له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعليه وسلم، قالت الدابة: بارك الله عليك من مؤمن خففتَ عن ظهري، وأطعتَ ربك، وأحسنتَ إلى نفسك، بارك الله في سفرك، وأنجح مقصدك﴾ ([143]).

ومن هذا الباب ما روي أن سليمان u خرج يستسقي، فمر على نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول:( اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقياك ورزقك، فإن لم تسقنا وترزقنا تهلكنا) فقال سليمان:( ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم)

ومنه ما روي أن بعضهم مر على أبي ذر وهو قائم عند فرس له، فسأله: ما تعالج من فرسك هذا؟ فقال: إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته، قال: وما دعاء البهيمة من البهائم قال: والذي نفسي بيده ما من فرس إلا وهو يدعو كل سحر فيقو: اللهم أنت خولتني عبدا من عبادك وجعلت رزقي بيده فاجعلني أحب إليه من أهله وماله وولده.

ولهذا كله ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (مهلًا عن الله مهلًا، فإنه لولا شباب خُشَّع، وبهائم رُتَّع، وشيوخ رُكَّع، وأطفال رضَّع، لصب عليكم العذاب صبًّا)([144])

وعلى عكس هذا ما روي من دعاء هذه الكائنات على من أساء إليها، ومن هذا الباب ما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(كان فيمن كان قبلكم رجل يأتي وكْرَ طائر، إذا أفرخ يأخذ فرخيه، فشكا ذلك الطائر إلى الله عز وجل ما يصنع ذلك الرجل به، فأوحى الله عز وجل إليه: إن هو عاد فسأهلكه، فلما أفرخ خرج ذلك الرجل كما كان يخرج، وأخذ سُلمًا، فلما كان في طريق القرية لقيه سائل فأعطاه رغيفًا من زاده، ثم مضى حتى أتى ذلك الوكر، فوضع سلمه، ثم صعد فأخذ الفرخين وأبواهما ينظران، فقالا: يا رب إنك وعدتنا أن تهلكه إن عاد، وقد عاد فأخذها فلم تهلكه، قال: فأوحى الله إليهما، ولم تعلما أني لا أغلب أحدًا تصدَّق في يوم –بصدقة ذلك اليوم- بميتة سوء)([145])

ومن هذا الباب ما روى من التأثير الدنيوي للإساءة الحيوان، فقد روي أن رجلا ذبح عجلا له بين يدي أمه، فخبل، فبينما هو تحت شجرة فيها وكر فيه فرخ فوقع الفرخ إلى الأرض فرحمه، فأعاده في مكانه، فرد الله عليه قوته.

وهذا يتفق مع ما ورد عن نهيه صلى الله عليه وآله وسلم أن توله والدة عن ولدها وهو ـ كما ذكر العلماء ـ عام في بني آدم وغيرهم.

ومن هذا الباب ما رواه الدينوري في (المجالسة): أن قومًا كانوا في سفر، فكان فيهم رجل يمرُّ الطائرُ فيقول: تدرون ما تقول هذه؟ فيقولون: لا، قال: فأتينا على قوم فيهم ظعينة على جمل لها وهو يرغو ويحنو عنقه إليها، قال: أتدرون ما يقول هذا البعير؟ قلنا: لا. قال: فإنه يلعن راكبته ويزعم أنها رحلته على مِخْيَط فهو مؤثر في سنامه. قال: فانتهينا إليهم فقلنا: يا هؤلاء إن صاحبنا هذا يزعم أن هذا البعير يلعن راكبته، ويزعم أنها رحلته على مخيط وأنه في سنامه، قال: فأناخوا البعير، فحطوا عنه، فإذا هو كما قال)

ولهذا كان الصالحون يستشعرون خطر الإساءة للحيوان من هذا الجانب، وقد روي عن بعضهم أنه قال لبعير له عند الموت: (يا أيها البعير لا تخاصمني عند ربك، فإني لم أكن أحملك فوق طاقتك)

وعن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لى خلفه ذات يوم..فدخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حنّ وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمسح ذفراه فسكت، فقال: (من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟) فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: (أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكى إليّ أنك تجيعه وتدئبه)([146])

ثالثا ـ الكون المسخر

الكون ـ في النصوص المقدسة، وكما يفهمه المؤمن ـ كون مسخر في خدمة الإنسان، يستجيب لجميع مطالبه، ليحقق له الأمن بجميع أشكاله، ويوفر له القوت بجميع أنواعه، بل يضم إلى ذلك رعاية جوانبه النفسية، فيملأها بالحيوية والجمال.

وهذه الرؤية هي الرؤية الوحيدة التي يتفق فيها المؤمن مع غيره، وهي رؤية مشتركة من حيث الظاهر، فالكل يتمتع بخيرات الكون، ويستغلها، ويستسخرها في مصالحه، معتبرا مصالحه أعلى من مصالحها.

لكن النصوص المقدسة تميز نظرة المؤمن عن نظرات غيره تمييزا كليا، فتكسبها طابعا روحيا مؤدبا غير موغل في البهيمية([147]) ولا مفرط في الأنانية.

وسنذكر هنا بعض خصائص الكون المسخر، كما وردت في النصوص، وهي من السمو والرفعة ما تجعل المؤمن يتعامل مع الكون بإحساس مرهف، عميق المشاعر.

وهذا الحس النبيل هو الوحيد الذي نعيش فيه السلام مع الكون، ويعيش فيه الكون السلام معنا.

وسنكتفي بأربع خصائص كبرى تكاد كل الخصائص الأخرى تؤول إليها:

أما أولها، فالربانية، وهي خاصبة أساسية، فهذا الكون الذي سخر لنا لم يسخر لنا من ذاته، وإنما سخر لنا من الله، فلذلك هو ينتسب إلى الله قبل أن ينتسب إلينا، أو هو يطيع الله في طاعته لنا.

وهذه النظرة ترفع عنا الكبرياء التي تجعلنا نهين الكون من حيث لا نشعر، فنستكبر عليه، أو نطالبه بما نريد وكأننا أربابه.

وأما الثانية، فالسلام، فالكون خلقه الله مسالما لنا، لا مصارعا لنا، ومن الخطأ الذي يتسرب من غياب هذه النظرة التعامل مع الكون تعامل المحاربين لا تعامل الأصدقاء.

وأما الثالثة، فالحكمة، وهي أن هذا الكون بما فيه خلق لحكم جليلة، ومن الأدب مع الله أن نراعي ما خلق له، فنستعمله فيما خلق له.

وأما الرابعة، فالطهارة، فهذا الكون الذي سخر لنا خلق على الفطرة الأصلية، وهي فطرة طاهرة سليمة.. ومن العبث بخلق الله والاستهانة به احتقار فطرته، أو تحويلها.

1 ـ الربانية:

أول خاصية من خصائص الكون ربانيته، فالكون كون الله ملكا، وكون الله تدبيرا.

وهذان الجانبان هما اللذان وردت النصوص الكثيرة للدلالة عليهما، وملء القلوب والعقول بمعانيهما.

وهذان المعنيان هما اللذان ينشأ عنهما الأدب الرفيع مع الكون، فالذي يشعر بأن ما يتصور أنه يملكه ملك لله، وأنه مجرد عارية له، يستحيي من الله أن يسيئ إليه في ملكه.

والذي يرى أن ما يحدث في الكون من أحوال تدبير من تدبير الله يستحيي أن يعارض الله في تدبيره.

الملكية:

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (النساء: 170) هي اللازمة القرآنية التي تتردد كل حين، لتبين ملكية الله المطلقة لكل ما نراه وما لا نراه من الأشياء.

وليس الغرض من هذا التكرير تقرير هذه الحقيقة فقط، والتي تدل عليها كل الدلائل، بل الغرض منها التنبيه في كل مناسبة تدب فيها الغفلة إلى أن الله مالك السموات والأرض وما فيهن. قال تعالى:﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة:120)

أو في كل مناسبة تستدعي التعرف على عظمة الله، أو التصديق بوعده ووعيده، كما قال تعالى:﴿ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يونس:55)

أوفي كل مناسبة تستدعي التعرف على مصنوعات الله المستدرة للحمد، قال تعالى:﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام:1)

أو في كل مناسبة تستدعي تبيان قدرة الله المطلقة، قال تعالى:﴿ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7)﴾ (الدخان)

أو في كل مناسبة تستدعي تذكير النفس بالله وبأوصاف الله وبأفعال الله، قال تعالى:﴿ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام:12)

والقرآن الكريم يخبر في المناسبات المختلفة عن ملكية الله للأشياء، ويرتب عليها ما يقتضيه اعتقاد هذه الملكية:

فيرتب عليها تفرد الله تعالى بالولاية والنصرة، قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (البقرة:107)، وقال تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (التوبة:116)

ويرتب عليها تفرد الله بالثواب والعقاب، قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة:40)

ويرتب عليها استحقاقه وحده للحمد، قال تعالى:﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ (الاسراء:111)

ويرتب عليها أنه وحده الذي يجير ولا يجار عليها، قال تعالى:﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون:88) لأن الإجارة لا تكون إلا لمالك قادر.

ولهذا كان من أسماء الله تعالى الملك والمالك، وهذا الاسم لا يعني بأي وجه من الوجوه ما نفهمه من الملكية التي ندعي حصولها لنا في بعض الأشياء، فهي ملكية مجازية اعتبارية يحيط بها القصور من كل النواحي بخلاف ملكية الله تعالى.

فالملك ـ كما يقول الغزالي ـ هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود، بل لا يستغني عنه شيء في شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في وجوده ولا في بقائه، بل كل شيء فوجوده منه أو مما هو منه، فكل شيء سواه هو له مملوك في ذاته وصفاته وهو مستغن عن كل شيء([148]).

والملك بهذا الوصف لا يكون إلا لله، أما العبد فلا يتصور أن يكون ملكا مهما اتسعت أملاكه وقوي نفوذه.

فهو ( لا يستغني عن كل شيء، فإنه أبدا فقير إلى الله تعالى، وإن استغنى عمن سواه، ولا يتصور أن يحتاج إليه كل شيء بل يستغني عنه أكثر الموجودات، ولكن لما تصور أن يستغني عن بعض الأشياء ولا يستغني عنه بعض الأشياء كان له شوب من الملك)([149])

وقد أشار بعض العارفين لما قال له بعض الأمراء:( سلني حاجتك)، فأجابه العارف:( أوتقول لي هذا ولي عبدان هما سيداك) فقال:( ومن هما؟) قال:( الحرص والهوى، فقد غلبتهما وغلباك وملكتهما وملكاك) إلى أن الملك الذي يزعم لنفسه ملكية الخلق لا يملك حتى نفسه.

 وبذلك يكون شعور المؤمن بملكية الله لكل الأشياء هو المنطلق للتعرف عليه من خلالها، ثم لتسخيرها وفق إرادة الله.

ولهذا يتفق الأنبياء على تذكير أقوامهم بهذه الحقيقية، وقد أخبر القرآن الكريم أن فرعون لما سأل موسى عن حقيقة الله طالبا التعرف على الماهية قائلا:﴿ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ أجابه موسى u ببيان ملكية الله لجميع الأشياء، فقال:﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (الشعراء: 24)

وكأن موسى u يرد بهذه الإجابة على كل الأسس التي يقوم عليها تصور فرعون لألوهيته، وهو ما عبر عنه ذات يوم بقوله:﴿ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ (الزخرف: 51)

وبذلك يكون التعرف على ملكية الله للأشياء هو أساس الشعور بالعبودية التي تقتضي تناول الأشياء من يد الله، وهو ما يرفع الإنسان إلى آفاق عليا من الأدب مع الكون ومع الله.

* * *

 وفي ذلك الحين يتحول الكون المسخر هدايا ربانية مقدمة من الله للإنسان، ليفيض قلب الإنسان ومشاعره بجميع أنواع الحمد.

وبسر هذا المعنى يرتبط حمد الله ـ كما ورد في الآثار ـ بالأشياء، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثلا يعلمنا عندما نريد أن نلبس ثوبا أن نقول كما ورد في الحديث:( من لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه)([150])

فقد جاء التعبير النبوي معبرا على أن الله هو الكاسي وهو الرازق، وأنه ليس للعبد من حول ولا قوة ليحقق لنفسه هذه المصلحة.

ولهذا ورد اللباس في القرآن الكريم بصيغة الإلباس، كما قال تعالى:﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (الأعراف: 26)

والقرآن الكريم يعبر عن النعم المفاضة على العبادة مهما اختلف نوعها بصيغة الإنزال، ليشير إلى أن ملكيتها الحقيقية لله، وأنها وافدة على العباد لا ملكا مستقرا لهم.

قال تعالى في بيان عمومية نزول كل ما يتصور العباد ملكيته من الكون:﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر:21)

ويستوي في هذا الإنزال ما يكون حسا أو ما يكون معنى:

قال تعالى عن إنزال الكائنات الحسية:﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس:59)

وخص بعض الكائنات الحسية بالذكر بصفة الإنزال لأهميتها، ومنها الأنعام، قال تعالى:﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (الزمر:6)

ومنها إنزال الماء، وهو أكثرها ورودا في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (النحل:10)

 وليس المراد بالإنزال هنا ما يتوهم من كون المطر نازلا من السماء فقط، وإنما المراد ربطه بملكية الله، ولهذا سبق الإنزال ذكر الضمير المنفصل العائد على الله تعالى.

ومن النعم الحسية المنزلة الحديد، قال تعالى:﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد:25)

وفي المزج بين إنزال الحديد، وإنزال الكتاب والميزان، وتقديم الكتاب والميزان على الحديد إشارة إلى أن تسيير منافع الحديد مقيد بالضوابط التي يفرضها الكتاب والميزان.

ومثل إنزال ملكية الله للكائنات الحسية إنزال الله للكائنات المعنوية، ومنها السكينة والجند الرباني، قال تعالى:﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (التوبة:26)، وقال تعالى:﴿ إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:40)، وقال تعالى:﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (الفتح:26)

ومن هذا الباب إنزال الملائكة والروح، كما قال تعالى:﴿ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (النحل:2)

ومنه إنزال الشعور بالأمن الذي يملأ النفس بالراحة، ويتيح لها النوم، قال تعالى:﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ﴾ (آل عمران:154)

وبهذا يعيش المؤمن، وهو يرى كل شيء من الله حتى الطعام الذي يأكله، واللباس الذي يكسوه، وقد قال تعالى في الحديث القدسي:( يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم)([151])

وبهذا الشعور المعطر بالاعتراف بالنعمة لمسديها يخف غرور الإنسان، بل يتلاشى، وهو ما يجعله يتعامل مع الأشياء تعامل العبودية التي تفيض باللطف والرحمة.

وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صيغ الذكر ما يغرس هذه المعاني في نفوسنا، أو ما يحوله إلى واقع حي يرفع أرواحنا، ويهذب سلوكنا.

فقد كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا أصبح قال:( أصبحنا وأصبح الملك لله عز وجل، والحمد لله، والكبرياء والعظمة لله، والخلق والأمر والليل والنهار وما سكن فيهما لله تعالى، اللهم اجعل أول هذا النهار صلاحا، وأوسطه نجاحا وآخره فلاحا، يا أرحم الراحمين)([152])

وفي كون هذا الذكر في الصباح ـ الذي يعني بداية عمر اليوم ـ وهو الحين الذي يكون فيه عقل الإنسان فارغا مهيئا لأي فكرة، وتكون جوارحه نشطة مهيئة لأي عمل، إشارة إلى أن التعرف على ملكية الله للأشياء هو الأساس الذي يحفظ التعامل معها ويرقيه.

وفي المساء يعود التذكير بهذه المعاني متصدرا أعمال الإنسان في الشطر الثاني من يومه، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول إذا أمسى:( أمسينا وأمسى الملك لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها رب أعوذ بك من الكسل ومن سوء الكبر أو الكفر رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر)([153])

بل علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نطرد الغفلة عن هذه المعاني حتى في اللحظات القصيرة التي ننتبه فيها من الليل، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من تعار من الليل فقال حين يستيقظ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم دعا رب اغفر لي ـ قال الوليد أو قال دعا ـ استجيب له فإن قام فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته)([154])

وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام من الليل يتهجد يبدأ بهذه المعاني لتكون أساسا لهبات الله النازلة على الروح:( اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد صلى الله عليه وسلم حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت أو لا إله غيرك)([155])

وقد أمرنا أن ننطق بهذه الحقيقة ونجعلها شعارا في أكبر تجمع للمسلمين، وفي أكبر تظاهرة بشرية، فقد كانت تلبية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)

وفي تخصيص ذلك التجمع بهذا الذكر الجليل تعليم للأمة أن لا تقدم أي ملك على ملك الله، ولهذا ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه وأغيظه عليه رجل كان يسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله تعالى)([156])

وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالإضافة إلى هذه الأذكار الوقتية ـ أن ننبه أنفسنا دائما إلى ملكية الله للأشياء في كل حين، بل دعا إلى التنافس في ذلك، فقال:( من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك)([157])

* * *

هذا هو أساس تعامل المؤمن مع الأشياء، أما الجاحد فهو في تخرصاته وكبريائه وتيهه عن الحق لا يستشعر شيئا من اللذة التي يستشعرها المؤمن وهو يتناول الأشياء من يد الله، قال تعالى:﴿ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (يونس:66)

وقال عن الذين اتخذوا من دونه أولياء:﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الرعد:16)

وهؤلاء خبطوا وخلطوا، فـ ﴿ جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الأنعام:136)

ونتيجة خلطهم وخبطهم أنهم يعبدون السراب، ويدعون من لا يملك شيئا، قال تعالى:﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ (سـبأ:22)

بل لو كان بيد هؤلاء أي ملك، فإن ملكهم سيبقى قاصرا عليهم، قال تعالى:﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً﴾ (النساء:53)، وقال تعالى:﴿ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً﴾ (الاسراء:100)

وهؤلاء الجاحدون ـ الذين غفلوا عن ملكية الله للأشياء في الدنيا ـ سيدركونها يوم القيامة، ولذلك يجيئ التعبير القرآني مخبرا عن ملكية الله للأشياء في الآخرة، وهو لا يعني عدم ملكيته لها في الدنيا، وإنما هو إخبار عن تعرف الجاحدين والغافلين حينها على هذه الملكية، كما قال تعالى:﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة:4)

وهؤلاء الجاحدون ـ كما يخبر القرآن الكريم ـ يقرون بهذه الملكية:﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (غافر:16)

وقد صور ابن مسعود ذلك المشهد بقوله:( يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله جل وعز عليها، فيؤمر مناد ينادي:( لمن الملك اليوم)، فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: (لله الواحد القهار)، فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا.

ويصور سيد قطب هذا المشهد الذي تنكشف بها الحقيقة بقوله:( ويومئذ يتضاءل المتكبرون، وينزوي المتجبرون، ويقف الوجود كله خاشعاً، والعباد كلهم خضعاً. ويتفرد مالك الملك الواحد القهار بالسطان. وهو سبحانه متفرد به في كل آن. فأما في هذا اليوم فينكشف هذا للعيان، بعد انكشافه للجنان. ويعلم هذا كل منكر ويستشعره كل متكبر. وتصمت كل نأمة وتسكن كل حركة. وينطلق صوت جليل رهيب يسأل ويجيب ؛ فما في الوجود كله يومئذ من سائل غيره ولا مجيب: لمن الملك اليوم؟ .. لله الواحد القهار)([158])

وينفي الغزالي ما قد يتوهمه الغافلون من انحصار الملك لله في الآخرة بقوله:( ولا قادر الا الملك الجبار، واذا انكشفت الغطاء عن أعين الغافلين فشاهدوا الامر كذلك سمعوا عند ذلك نداء المنادي لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ولقد كان الملك لله الواحد القهار كل يوم لا ذلك على الخصوص، ولكن الغافلين لا يسمعون هذا النداء الا ذلك اليوم فهو نبأ عما يتجدد للغافلين من كشف الاحوال حيث لا ينفعهم الكشف)([159])

ومثل الكلام في تينك الآيتين الكلام في قوله تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام:73)، وقوله تعالى:﴿ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾ (الفرقان:26)

فالملكية المخصوصة باليوم الآخر، لا تنفي ملكية الدنيا، بل هي استمرار لها، والمراد بتخصيصها هو الإخبار عن اكتشاف الجاحدين والغافلين لها، وهو اكتشاف بعد فوات الأوان، ولات ساعة مندم.

ولهذا لا يصح ما يردده المسيحيون، وينسبونه للمسيح u:( دعوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله)، بل الصحيح أن قيصر وما لقيصر لله ملكا وتدبيرا، وحكما وتقديرا.

التدبير:

كما أن كل شيء من الكائنات ملك لله، لا يحق التصرف فيه إلا باسم الله، فإن كل شيء مما نراه من أنواع التدبير ملك لله كذلك، فالله تعالى هو المتصرف في كل شيء المحرك لكل شيء الفاعل لكل شيء([160])، قال تعالى:﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (يونس:3)

والقرآن الكريم مليء بذكر أنواع التدبير الإلهي للأشياء، وهو يعرضها بصيغ مختلفة ليقرأ المؤمن من خلال تدبير الله للأشياء صفات الكمال لله، قال تعالى:﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (يونس:31)

وهذا التدبير يشمل جميع الأشياء، حتى ما نتوهمه مظاهر طبيعية، ناتجة عن أسبابها الفلكية الحسية، قال تعالى:﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (فاطر:13)

فالله تعالى هو الذي يمدنا بضوء النهار وسكينة الليل، لا حركات الأرض، قال تعالى:﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ (الاسراء:12)

والله هو الذي يقلب الليل والنهار، لا ما نتوهمه من أسباب، قال تعالى:﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (النور:44)، وقال تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً﴾ (الفرقان:47)، وقال تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ (الفرقان:62)

وليس هناك من تناقض بين الأمرين، فلا علمنا بتدبير الله ينفي الأسباب التي وضعها الله، ولا الأسباب تنفي تدبير الله، فالأشياء وأسبابها جميعا خلق من خلق الله.

ولهذا ورد التعبير القرآني عن تعاقب الليل والنهار بصيغة التقليب، قال تعالى:﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (النور:44) وهذا التقليب لا يبصره إلا من رفع الغشاوة التي تقصر بصره على ما يتوهمه.

وبمثل ذلك يتحدث القرآن الكريم عن جميع المظاهر التي ينسبها الجاحدون والغافلون للطبيعة، فالرياح لا تهب، وإنما ترسل.

وقد كرر تعالى هذا المعنى في آيات كثيرة، قال تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (لأعراف:57)

فالآية ترجع الأمر لله في كل شيء، فنلاحظ هذه التعابير التي يتيه عنها الماديون: (يُرْسِلُ، سُقْنَاهُ، فَأَنْزَلْنَا، فَأَخْرَجْنَا..) وكلها تشير إلى تدبير الله للكليات والجزئيات.

وبمثل ذلك جاء تعبير ( فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ) بدل تعبير ( فشربتم) في قوله تعالى:﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ (الحجر:22)

وبمثل ذلك جاء تعبير ( فَأَحْيَيْنَا) بدل ( حيت) في قوله تعالى:﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (فاطر:9)

وفي مراعاة التعبير عند الحديث عما يسمى بمظاهر الطبيعة جاء قوله صلى الله عليه وآله وسلم حاكيا عن ربه تعالى:( قال الله تعالى ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين يقولون الكوكب وبالكوكب)([161])

والكوكب المراد هنا هو ما كان أهل الجاهلية ينسبون به الحوادث، إما باعتباره مؤثرا أو باعتباره علامة، وهو نفس ما تذهب إليه الجاهلية الحديثة حين تفسر الأشياء بعللها التي تتوهمها نافية تصريف الله تعالى وتدبيره.

ولذلك اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم هذه النسب الوهمية من الجاهلية، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( أربع من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس التعيير في الأحساب والنياحة على الميت والأنواء وأجرب بعير فأجرب مائة من أجرب البعير الأول)([162])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن عدم تماسك التفسير الطبيعي المتناسي لتصريف الله بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لو أمسك الله عز وجل المطر عن عباده خمس سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة من الناس كافرين يقولون سقينا بنوء المجدح)([163])

وقد بين لنا صلى الله عليه وآله وسلم الطريقة الصحيحة في التعبير عن الحوادث الكونية بحادثة وقعت، فقد صلى صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال:( هل تدرون ماذا قال ربكم؟)، قالوا:( الله ورسوله أعلم) قال:( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب)([164])

بل إن القرآن الكريم يرشدنا إلى نسبة ما نتوهمه من أفعالنا إلى الله، فالله تعالى ينسب إليه ما يتصور الإنسان تفرده بتصريفه، قال تعالى عن عملية الحرث والزرع التي ينسبها كل إنسان إلى نفسه:﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴾، ومثله قوله تعالى:﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (لأنفال: 17)، فالله تعالى هو المتفرد بالتدبير والتصريف.

وهكذا مما لا يمكن حصره في القرآن الكريم.

فالقرآن الكريم ينبهنا إلى الفاعل الحقيقي حتى لا ننحجب بعالم الحكمة عن قدرة الله، فعالم الحكمة يرينا الأسباب، وعالم القدرة يرينا رب الأسباب، وكلاهما يدل عليه العقل والذوق.

ولهذا كان أكبر القوادح في التوحيد نسبة أحداث الكون للكون، بل نص القرآن الكريم على كونه شركا، قال تعالى:﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (العنكبوت:65)

قال الغزالي يبين حقيقة العلم الذي يضع الأشياء موضعها:( ومن انكشف له أمر العلم كما هو عليه علم أنّ الريح هو الهواء، والهواء لا يتحرّك بنفسه ما لم يحرّكه محرّك، وكذلك محرّكه، وهكذا إلى أن ينتهي إلى المحرك الأوّل الذي لا محرّك له ولا هو متحرك في نفسه عز وجل)([165])

ولهذا بين لنا الله تعالى ما ينبغي أقواله عند ركوب الفلك:﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (هود:41) فمجرى السفينة ومرساها من الله تعالى .

وعلمنا أن نقول:﴿ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (الزخرف:13)

فالأنعام مسخرة ـ كما تنص الآية ـ وهي لذلك تسير بأمر الله، وتتحرك بتصريف الله، والعاقل هو الذي يلجأ إلى الآمر لا إلى المأمور.

* * *

وهذا الإدراك ليس سلبيا كما يتصور المجادلون في الله بغير علم، فيقولون، أو يقول الشيطان على ألسنتهم:( أنتم تهربون من الواقع بنسبة التدبير إلى الله)، بل يضحكون بسخرية واستهزاء إن نسب ما يتوهمونه مظاهر طبيعية للتصريف الإلهي.

ولا يمكن الحديث مع هؤلاء أو تبادل الجدال معهم، ولكنا نقول ـ بأسلوبهم ـ إن النتائج العملية النافعة من التحقق بهذا الإدراك والشعور به لا تكاد تحصى:

ومن هذه النتائج السامية: احترام تصريف الله، والشعور بالأنس حين يمتلئ القلب بنشوة النظر إلى الله وهو يجيب الحاجات المختلفة للكائنات، كما قال تعالى:﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (الرحمن:29)، ثم بعد هذا التطلع لما في يد الله والتضرع إليه في تحقيقه.

ومنها التأدب مع الكون، واحترامه فقد وردت بها النصوص الكثيرة تنهى عن سب الريح أو الناقة أو الدهر لأن كل ذلك من الله.

أما سب الزمان والدهر، الذي يعني تقلبات الحوادث، فقد ورد النهي عنه في أحاديث كثيرة قال صلى الله عليه وآله وسلم:( قال الله عز وجل يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)([166])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تسموا العنب الكرم ولا تقولوا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر)([167])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الله عز وجل قال استقرضت عبدي فلم يقرضني وسبني عبدي ولا يدري يقول وادهراه وادهراه وأنا الدهر)([168])

ونهى صلى الله عليه وآله وسلم عن سب الريح، وأخبر بأنها لا تتحرك حسب رغبتها، وإنما تتحرك بهدي الوحي الإلهي الذي يسير كل شيء، فقد روي أن رجلا لعن الريح عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:( لا تلعن الريح فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه)([169])

وعلمنا صلى الله عليه وآله وسلم الطريقة الصحيحة في التعامل معها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( الريح من روح الله، فروح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها وسلوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها)([170])

وقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم عقوبة من يسب بعض هذه الكائنات التي لا تملك من أمر نفسها شيئا، وهي عدم جواز الانتفاع بها، فعن عائشة أنها ركبت جملا فلعنته، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تركبيه)([171])

وفي ذلك أبلغ التحذير من التطاول على خلق الله.

بل إنه لا ينبغي احتقار حتى البعوض الذي قد يؤذينا بلسعه، قال تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ (البقرة: 26)

بل إن القرآن الكريم ينبه الذين يحتقرون بيت العنكبوت أن بيوتهم أوهن، قال تعالى:﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت:41)

وينبه الذين يحتقرون الذباب إلى ما يشير إليه من نواحي ضعفهم، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج:73)

ومن نتائج هذه النظرة السامية: الراحة من منازعة الأقدار اكتفاء ببتقدير الله:

وهي نتيجة مهمة، فإن العالم بتصريف الله للكائنات لا يحزن ما يحصل له منها، أو ما يفوته من منافعها، لأن سبب الحزن هو فوات المقدور عليه، أما ما يعتقد استحالته فإن نفس استحالته تعزيه عن عدم حصوله عليه.

فلذلك لا يخاف مالك على ملكه، ما دام الله هو مؤتي الملك ونازعه، فإن أتى فبفضل الله، وإن ذهب فبقدرة الله، ولن تستطيع قوة في العالم نزعه أو تثبيته، قال تعالى:﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران:26)

ولا يخاف على رزقه ما دام الله هو الرازق قال تعالى:﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (يونس:31)

ولا يخاف الضر، ولا يرجو النفع من غيره، قال تعالى:﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (يونس:49)

وهكذا في جميع شؤون حياته.. قال الغزالي مبينا التأثير النفسي لهذه المعارف:(.. أن ينكشف لك أن لا فاعل إلا الله تعالى، وأن كل موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع وحياة وموت وغنى وفقر إلى غير ذلك مما ينطلق عليه اسم فالمنفرد بإبداعه واختراعه هو الله عز وجل لا شريك له فيه، وإذا انكشف لك هذا لم تنظر إلى غيره، بل كان منه خوفك وإليه رجاؤك وبه ثقتك وعليه اتكالك، فإنه الفاعل على الانفراد دون غيره، وما سواه مسخرون لا استقلال لهم بتحريك ذرّة من ملكوت السموات والأرض، وإذا انفتحت لك أبواب المكاشفة اتضح لك هذا اتضاحاً أتم من المشاهدة بالبصر)([172])

وهذه المعارف إذا انصبغ بها كيان الإنسان وتوحد قلبه عند النظر للكون أو التعامل معه هو الكفيل الوحيد بتحقيق الراحة والسعادة والطمأنينة.

لأن مصدر القلق والاضطراب هو الشتات الذي يحصل في الإنسان نتيجة رؤية الأشياء قائمة بذاتها، فتتوزع في نفسه الرغبة منها أو الرهبة، وهي متناقضة مختلفة، فيحصل فيه من التناقض بحسبما في الأشياء من تناقض.

أما إذا رآها جميعا بيد الله، فإن قلبه يتوحد مع الله.

ومن نتائج هذه النظرة السامية: اللجوء إلى الله لا إلى الكون، وطلب الأشياء من الله لا من الأشياء، فالله هو المتصرف لا الأشياء.

ومن الحماقة أن نترك الآمر ونتوجه إلى المأمور، وقد ذكر الغزالي مثالا يبين تهافت الذين ينسبون الأشياء إلى ما يتوهمونه، ثم يلجؤون إليه بضراعة والرجاء بقوله:( فالتفات العبد في النجاة إلى الريح يضاهي التفات من أخذ لتحز رقبته فكتب الملك توقيعاً بالعفو عنه وتخليته، فأخذ يشتغل بذكر الحبر والكاغد والقلم الذي به كتب التوقيع يقول: لولا القلم لما تخلصت، فيرى نجاته من القلم لا من محرّك القلم وهو غاية الجهل)([173])

ولهذا وردت النصوص الكثيرة تدعونا إلى طلب منافع الكون من الله، ولو كانت هذه المنافع مما ننسبه إلى أنفسنا أو ننسبه إلى الطبيعة.

ففي الوقت الذي يستسقي فيها الجاهلون بالأنواء، أو يقولون ما يقول قوم هود حين رأوا سحاب العذاب، مما قصه علينا الله تعالى، قال تعالى:﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الاحقاف:24)

في ذلك الوقت يتوجه المؤمنون إلى الله رب المطر ومنزله بالدعاء والعبودية، وقد وردت صيغ رقيقة عميقة في الاستسقاء تبين الروح التي يتعامل بها المؤمن مع الأشياء والحوادث.

منها ما روي أن الناس شكوا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قحوطَ المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناسَ يوماً يخرجون فيه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبر وحمد الله عزوجل، ثم قال: (إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله سبحانه أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم)، ثم قال: (الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين)

ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره وقلب، أو حول رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين.

وكانت نتيجة هذا الدعاء، وما اشتمل عليه من مظاهر الذلة لله تعالى ما نصت عليه الرواية:( فأنشأ الله تعالى سحابة، فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه، فقال:( أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله)([174])

ومثلما طلب صلى الله عليه وآله وسلم السقيا من الله طلب الصحو من الله، فقد روي أنه لما كثر المطر سألوه الإستصحاء فاستصحى لهم وقال:( اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والجبال والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر)([175])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى مطرا قال:( اللهم صيبا نافعا)([176])، وكان يحسر ثوبه حتى يصيبه من المطر، فسئل عن ذلك، فقال:( لأنه حديث عهد بربه) ([177])

ويروى أنه كان إذا سال السيل قال:( اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورا فنتطهر منه، ونحمد الله عليه)([178])

ومثل اللجوء إلى الله في الاستسقاء وطلب المنافع التي أودعها الله المطر، اللجوء إلى الله في جميع المنافع، وحمد الله عند حصول كل خير.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا طلعت الشمس قال:( الحمد لله الذي جللنا اليوم عافيته، وجاء بالشمس، من مطلعها، اللهم أصبحت أشهد لك بما شهدت به لنفسك، وشهدت به ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك إنك أنت الله لا إله إلا أنت القائم بالقسط، لا إله إلا أنت العزيز الحكيم، اكتب شهادتي بعد شهادة ملائكتك وأولي العلم، اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك السلام، أسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تستجيب لنا دعوتنا، وأن تعطينا رغبتنا، وأن تغنينا عمن أغنيته عنا من خلقك، اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معيشتي، وأصلح لي آخرتي التي إليها منقلبي)([179])

2 ـ السلام:

تكاد كل النعم المسخرة في الكون تقول للإنسان:( أنا بين يديك.. أنا رهن إشارتك.. أنا مخلوق لخدمتك)

أو تقول ما قاله بديع الزمان، وهو يعبر عن خطاب الشمس لنا، وترحيبها بنا:( يا إخوتي لا تستوحشوا مني ولا تضجروا! فأهلاً وسهلاً بكم. فقد حللتم أهلاً ونزلتم سهلاً. أنتم أصحاب المنزل، وأنا المأمور المكلف بالإضاءة لكم، أنا مثلكم خادم مطيع سخرّني الأحد الصمد للاضاءة لكم، بمحض رحمته وفضله. فعليّ الاضاءة والحرارة وعليكم الدعاء والصلاة)([180])

وهكذا يخاطبنا كل شيء بلسان حاله، ( فيا هذا هلاّ نظرت إلى القمر.. إلى النجوم.. إلى البحار.. كل يرحب بلسانه الخاص ويقول: حياكم وبياكم. فأهلاً وسهلاً بكم)

وهكذا تخاطبنا كل الأشياء رافعة ألوية السلام، فتسخير الله للكون تسخير مصحوب بالسلام.

ولا ينبغي أن يحجبنا ما قد يمر بنا من المتاعب والمشاق عن رؤية سلام الكون، فهي متاعب يقتضيها البلاء، وهي متاعب بسيطة بجنب الثمرات والمصالح المتحققة.

والمؤمن ينظر إلى الكون، وما سخر له فيه بهذه النظرة، فهو يتعامل مع كون سخر له، لا كون معاند يحتاج فيه إلى الصراع معه من أجل تحقيق مصالحه.

وهذه النظرة تخالف نظرة الكافر الجاحد، الذي يمتلئ كبرا وغرورا، فيتصور أنه مصارع عنيف، فلذلك يفرض وجوده على هذه الأرض بجهده وحيلته وقوته، ويقول ـ كما عبر القرآن الكريم على لسان قارون ـ:﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ (القصص: 78) فلذلك رد عليه تعالى مكملا:﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ (القصص: 78) فهل علمه من القصور ما جعله لا يمتد إلى معرفة مصاير القرى الهالكة، ليرى أسباب هلاكها؟

ومثل قارون من أنعم الله عليه بنعمة العافية بعد البلاء، فينسى المبتلي والمعافي، لا يذكر إلا نفسه، قال تعالى:﴿ فَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر:49)

وهكذا الإنسان الثامل بخمرة العلم الحديث، والساجد أمام وثن العقل يتصور أنه يصارع الطبيعة، ويغلبها غلبة الأبطال.

وفي مقابل ذلك نجد القرآن الكريم يصور النعم المستسخرة بصورة الهدايا المقدمة على أطباق، ومعها ختم المهدي، فالله تعالى صور ـ مثلا ـ الأرض بصورة المركب الذلول، المحتوية على كل المنافع، فقال تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك:15)

فالآية تصف الأرض بكونها ذلولا، وهذا الوصف يطلق عادة على الدابة، ليصور في الأذهان ويغرس في العقول والقلوب ( أن هذه الأرض التي نراها ثابتة مستقرة ساكنة، هي دابة متحركة.. بل رامحة راكضة مهطعة([181])، وهي في الوقت ذاته ذلول لا تلقي براكبها على ظهرها، ولا تتعثر خطاها، ولا تخضه وتهزه وترهقه كالدابة غير الذلول، ثم هي دابة حلوب مثلما هي ذلول!)([182])

بينما يصورها الجاحدون في صورة الدابة الرامحة الراكضة التي تحتاج فارسا قويا مثل فرسان رعاة البقر ليقوم بترويض جماحها على نغمات تصفيق المعجبين.

ولهذا نجد في القرآن الكريم روعة التعبير عن الكون المسخر، بخلاف تعبير العلوم الحديثة، والتي كان تقهقرها في فلسفة ما اكتشفته من معارف مساويا لتقدمها في اكتشافاتها واختراعاتها.

وقد عقد النورسي هذه المقارنة بين التعبير القرآني في وصف الشمس في قوله تعالى:﴿ وَجَعَلَ الشمسَ سراجاً ﴾ (نوح:16)، وبين التعبير العلمي الحديث الجاف، فقال عن التعبير القرآني:( في تعبير السراج تصوير العالم بصورة قصر، وتصوير الأشياء الموجودة فيه في صورة لوازم ذلك القصر، ومزيّناته، ومطعوماته لسكان القصر ومسافريه، واحساسٌ أنه قد أحضَرتها لضيوفه وخدّامه يدُ كريمٍ رحيم، وما الشمسُ إلاّ مأمور مسخَّر وسراج منوَّر. ففي تعبير السراج تنبيه الى رحمة الخالق في عظمة ربوبيته، وافهامُ إحسانه في سعة رحمته، واحساسُ كرمه في عظمة سلطنته)([183])

أما العلم الحديث فيعرف الشمس بأنها ( كتلة عظيمة من المائع الناري تدور حول نفسها في مستقرها، تطايرت منها شرارات وهي أرضنا وسيارات أخرى فتدور هذه الاجرام العظيمة المختلفة في الجسامة.. ضخامتها كذا.. ماهيتها كذا..)

وعقب على هذه المقارنة بقوله:( فانظر ماذا أفادتك هذه المسألة غيرَ الحيرة المدهشة والدهشة الموحشة، فلم تُفِدْك كمالاً علمياً ولا ذوقاً روحياً ولا غاية إنسانية ولا فائدة دينية)

وعلى هذا تقاس جميع التعبيرات القرآنية المتعلقة بالكون المسخر، ولذلك من الجهل العظيم ما أنكره بعضهم من أن القرآن الكريم لا يتكلم عن الكائنات من الزاوية التي يسمونها علما، ويقصرون العلم عليها، قال النورسي:( فقس على هذا لتقدّر قيمة المسائل الفلسفية التي ظاهرُها مزخرفة وباطنُها جهالة فارغة، فلا يغرّنك تشعشع ظاهرها وتُعرِض عن بيان القرآن المعجز)

* * *

 والنظرة المسالمة للكون، أو شعورنا بأن الكون مسالم لنا يدعونا إلى احترام هذا السلام، فلا نبادله بالحرب، ولا نتعامل معه وفق ما يمليه الصراع.

ولهذا ورد في النصوص الحث على رحمة الكائنات، ومحبتها في الله، وأخذ ما نأخذ منها باسم الله.

وقد ورد فيها ما يرغب في الجزاء الذي أعد للتعامل المسالم مع الكائنات، وما يرهب في نفس الوقت من التعامل معها كما يتعامل معها المصارعون:

فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:( إني أنزع في حوضي حتى إذا ملأته لأهلي ورد علي البعير لغيري فسقيته، فهل لي في ذلك من أجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( في كل ذات كبد حرى أجر) ([184])

وجاء رجل آخر، فقال: يا رسول إن الضالة ترد على حوضي فهل لي فيها من أجر إن سقيتها؟ قال:( أسقها، فإن في كل ذات كبد حراء أجرا ً)([185])

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه الحر، فوجد بئرا ًفنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفرله، قالوا:يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرا ً؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر)([186])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الله تعالى غفر لمومس مرت بكلب يلهث كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء فغفر لها بذلك([187]).

وفي حديث آخر، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:( الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال في مرج أو روضة فما أصابت في طلبها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت أرواؤها وأثارها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له..)([188])

والجزاء على الإحسان للكائنات لا يقتصر على الجزاء الأخروي، بل هو جزاء يشمل الدنيا والآخرة، قال مطرف بن عبدالله:( إن الله ليرحم برحمة العصفور)

وقد ذكر الشعراني واقعة حدثت له تشير إلى هذا، قال:( مما وقع لي أن زوجتي فاطمة القصبية أم ولدي عبدالرحمن نزل عليها حادر وأشرفت على الموت وغابت عن إحساسها وصاحت أمها وأهل الدار عليها حين رأوا أمارات الموت فحصل عندي كرب شديد لأجلها من جهة موافقتها للمزاج ودينها وخيرها فإذا بقائل يقول لي:( ادخل مجاز الخلاء تجد ذبابة في شق سحبها ضبع الذباب وهي صائحة يريد أكلها فخلصها ونحن نخلص لك زوجتك)، فدخلت ونظرت إلى الشق، فسمعت صياح الذبابة فوجدت الشق ضيقا لا يسع الأصبع فأدخلت عودا برفق واستخرجتها وخلصتها من ضبع الذباب، فأفاقت أم عبدالرحمن في الحال، وزغردت أمها، هذا أمر وقع لي)([189])

وما ذكره الشعراني ليس مستغربا، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء)، وهو يشير إلى أن الرحمة بالخلق هي العين التي تتدفق منه رحمة الله بالعبد، وقد روي من ذلك أيضا عن بعضهم أنه رؤي في المنام فقيل له: ما فعل اللّه بك قال: غفر لي ورحمني، وسببه أني مررت بشارع بغداد في مطر شديد فرأيت هرة ترعد من البرد فرحمتها وجعلتها بين أثوابي)

***

 وبمثل ما رغبت النصوص في هذه الخدمات ذاكرة أنواع الجزاء المرتبطة بها، رهبت من عكسها ترهيبا شديدا يبين خطورة تعامل المصارعين مع هذه المخلوقات.

ففي الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( عذبت امرأة في هرة لم تطعمها ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض)([190])

وصور صلى الله عليه وآله وسلم ذلك تصويرا مخيفا، فقال:( دنت مني النار حتى قلت: أي رب وأنا معهم، فإذا امرأة حسبت أنه قال: تخدشها هرة _: قال ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعا)([191])

وربط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعذاب هذه المرأة بتعذيب الهرة يدل على أنه سبب تعذيبها، لا كونها كافرة، وهذا ما حمل النووي على قوله في شرح هذا الحديث:( إن المرأة كانت مسلمة وإنها دخلت النار بسببها، وهذه المعصية ليست صغيرة بل صارت بإصرارها كبيرة)([192])

ونحن لا نرى في الحديث ما يدل على كونها مسلمة أو غير مسلمة، ولكن الحديث يشير إلى ما هو أعمق من ذلك.. وهو أن هذا السلوك يستوجب العقوبة بغض النظر عن كون من سلك هذا السلوك مسلما أو غير مسلم([193])، بلغته الرسالة أو لم تبلغه، لأن الرحمة المرتبطة بهذا مندرجة في البرمجة الإلهية للفطرة الإنسانية، ولذلك يؤاخذ مخالفها سواء بلغته الرسالة أو لم تبلغه([194]).

بالإضافة إلى ما أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم من اقتصاص الحيوانات من بعضها بعضا يوم القيامة.. فإن كان ذلك كذلك، فالبشر ـ بما أعطوا من طاقات ـ أولى بأن يحاسبوا.

***

 والنصوص المقدسة لم تكتف بهذه التوجيهات التي قد لا تجد من غلاظ القلوب من لا يهتم لها، ولذلك شرعت التشريعات المختلفة التي تحفظ حرمة هذه الكائنات، والتي تخول لولي الأمر من خلالها أن يمارس ما يراه من عقوبات زاجرة.

وهذه ميزة هامة في الإسلام، من حيث عدم اكتفائه بالتوجيهات دون التشريعات.. وللأسف لا زال يتولى مهمة الرفق بالحيوان في عصرنا هذا جمعيات خيرية ليس لها أي سلطة ردعية.

ومن التشريعات التي شرعها الإسلام، والمرتبطة بعالم الحيوان تحريم تصبير البهائم، وهو أن تحبس لترمى حتى تموت، ففي الحديث: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل([195]).

ومثل ذلك تحريم المثلة، وهي قطع أطراف الحيوان، ففي الحديث: (لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مثّل بالحيوان)([196])

واللعن من أخطر صيغ التحريم، والتحريم يقتضي العقاب، والعقاب أثر من آثار الجريمة، وهذا يعني: أن الإساءة إلى الحيوان وتعذيبه وعدم الرفق به يعتبر جريمة في نظر الشريعة الإسلامية.

ومثل ذلك ورد النهي عن كي الحيوان لغير غرض صحي، والأحاديث في النهي عن الكي في الوجه كثيرة.

فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرّ على حمار قد وسم في وجهه فقال:( لعن الله الذي وسمه)([197])، وفي رواية له:( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه)

وفي حديث آخر ًعن جنادة بن جراد قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإبل قد وسمتها في أنفها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( يا جنادة فما وجدت عضوا تسمه إلا في الوجه أما إن أمامك القصاص) فقال: أمرك إليها يا رسول الله([198]).

وفي حديث آخر عن جابر بن عبد الله قال: مرّ حمار برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كوي وجهه يفور منخراه من دم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( لعن الله من فعل هذا)، ثم نهى عن الكي في الوجه والضرب في الوجه([199]).

ومثل ذلك ورد النهي عن خصاء البهائم، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يخصى الإبل والبقر والغنم والخيل..

ومما يلحق بهذا الباب تحريم كل لهو لا هدف له إلا العبث بهذه العوالم التي أمرنا برحمتها واحترامها، وقد روي في الحديث:( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن التحريش بين البهائم)([200])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من قتل عصفورا عبثا ًعجّ إلى الله يوم القيامة يقول: يا رب إن فلانا قتلني عبثا ًولم يقتلني منفعة)([201])

ويحكي في ذلك بعض الصحابة قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمّرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تعرش، فلما جاء رسول الله قال:( من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها) ([202])

ويدخل في هذا الباب تحريم جميع الممارسات التي تنظر لها الحضارة الحديثة على أنها تقاليد، وتحسب أن ذلك كاف لإعطاء بعد شرعي لها، ومنها تعذيب الحيوانات بإغراء بعضها على بعض وتهييجها، كمصارعة الثيران، ومصارعة الديكة، والكباش ونحو ذلك، أو نصبها غرضا ًللرماية والصيد، أو قتلها بدون فائدة ولا منفعة.

***

 ومما ورد النهي عنه إرهاق الحيوانات بالعمل الشاق، أو التعامل القاسي معها، ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كيفية وضع الحمل عليها، مما يكون عونًا لها على السير، وتخصيص كل دابة بما تطيقه، والمبادرة لحلِّ الرِّحال عن النزول عنها، وتقديم علفها على أكل صاحبها، وكذا المباردة إلى سقيها، كل ذلك شفقة عليها وإبقاء لها([203]).

ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( أخروا الأحمال، فإن اليد مغلقة، والرجل موثقة)([204])

وفي حديث آخر عن عائشة قالت:( خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع، وخرج معه نساؤه، وكان متاعي فيه خف، وهو على جمل ناج، وكان متاع صفية في ثِقل، وهو على جمل ثِفال بَطيء، يَتبطأ بالركب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( حوِّلوا متاع عائشة على جمل صفية، وحولوا متاع صفية على جمل عائشة، حتى يمضي الركب)([205])

وقد بنى الفقهاء على هذا وغيره حرمة الجمع بين الركوب وحمل المتاع إلا إن كانت الدابة المركوبة محتملة للحمل عليها ([206])

وفي حديث آخر عن أنس قال: كنا إذا نزلنا منزلًا لا نسبّح حتى نحُل الرِّحال([207]).. يريد بذلك: لا نصلي سُبحة حتى نحط الرحال، ونُجمَّ المطي.

وقد استنبط الفقهاء من هذا أنه يستحب لمن نزل منزلًا أن لا يَطعَم حتى يعلف الدابة، ولا يقصِّر في سقيها.

ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من النهي عن وقوف الدابة وراكبها جالس على ظهرها؛ ففي الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله عز وجل إنما سخَّرها لكم لتُبْلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجتكم)([208])، وفي رواية قال رسو ل الله صلى الله عليه وآله وسلم:( اركبوا هذه الدواب سالمة، وابتدعوها([209]) سالمة، ولا تتخذوها كراسي)([210])

وفي رواية أنه صلى الله عليه وآله وسلم مرَّ على دوابِّ لهم ورواحل، وهم وقوف، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(اركبوها سالمة، وانزلوا عنها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم ومجالسكم، فرُب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرًا لله عز وجل)([211])

ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من النهي عن ركوب ثلاثة في آن واحد، ففي الحديث عن جابر قال:( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يركب ثلاثة على دابة)([212])

وفي حديث آخر: أنه رأى ثلاثة على بغل، فقال: لينزل أحدكم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن الثالث([213]).

بل ورد ما هو أخطر من ذلك، ففي الحديث عن علي قال: إذا رأيتم ثلاثة على دابة فارجموهم حتى ينزل أحدهم)([214])

ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من الأمر بالنزول عنها عند المرور بالأرض المخصبة بالكلأ المباح لتَرعى فيها، وعد كفِّها عن المكان السهل، ففي الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا أخصبت الأرض فانزلوا عن ظهركم فأعطوه حقه من الكلأ، وإذا أجدبت الأرض فامضوا عليها بنقيها)([215])

وفي حديث آخر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا ركبتم هذه الدواب فأعطوها حظها من المنازل)([216])

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا سافرتم في الخصب لأمكنوا الركاب من أسنانها، ولا تجاوزوا المنازل) الحديث([217])، وفي لفظ: (إذا كانت الأرض مخصبة فأمكنوا الركاب وعليكم بالمنازل)

وفي حديث آخر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا ركبتم هذه البهائم العُجم، فإذا كانت سَنة فانجوا عليها)([218])

وفي حديث آخر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا كانت أرض مخصبة فتقصَّوا في السير واعطوا الركاب حقها، فإن الله رفيق يحب الرفق، وإذا كانت أرض مجدبة فانجوا عليها)([219])

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الله رفيق يحب الرفق ويرضاه ويعين عليه ما لا يعين على العُنف، فإذا ركبتم الدواب العجم فنزلوها منازلها، فإن أجدبت الأرض فانجوا عليها)([220])

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا ركب أحدكم الدابة فليحملها على ملاذها([221]) ـ أو قال: على ملاذة ـ فإن الله تعالى يحمل على القوي والضعيف)([222])

ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من النصوص دالا على إراحتها من الركوب لتستريح([223])، وقد ورد في الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم (كان إذا صلى الفجر في السفر مشى)([224])

وقد روي عن بعض الصالحين([225]) أنه كان في بعض أسفاره راكبًا ناقة، فسمعها وهي تقول له: أتعبتني يا صالح، فنزل عنها فمشى إلى أن سمعها وهي تقول: اركب فقد استرحت.

ولا استبعاد في هذا، وقد مر معنا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه فقالت: لم أخلق لهذا، خُلقْتُ للحراثة)([226])

ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من النصوص دالا على استحباب تنشيطها بالحُداء([227]) وإراحتها بذلك، وقد جرت عادة الإبل أنها تسرع السير إذا حدي بها، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في مسير له لعبد الله بن رواحة (يابن رواحة، انزل فحرك الركاب)، فقال:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزل السكينة علينا         وثبت الأقدام إن لاقينا ([228])

ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من الأمر بالرفق في السير بها إبقاء عليها وعلى نفسه؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (المنبَتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى([229])) ([230])

***

وعلى هذا الهدى المضمخ بعطر السلام، سار الصالحون متأدبين مع الكون مسالمين له، وقد عبر الشعراني عن الأساس الذي نبعت منه رحمة الصالحين على الكائنات بهذا التعبير الرمزي الجميل:( أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نشفق على جميع خلق الله تعالى من مؤمن وكافر بطريقه الشرعي، كل بما يناسبه من الرحمة، لكن لا نبالغ في الرحمة كل المبالغة بحيث نرحم الشاة فلا نذبحها مثلا، لأن للرحمة حدا لا تتعداه، وقد سمى الحق تعالى نفسه أرحم الراحمين وأمرنا بذبح الحيوانات فنذبحها مع رقة القلب، ونضرب من شرد عن طريق الاستقامة من رعية وعبد وولد وبهيمة رحمة به على وجه التأديب لا التشفي للنفس، ونكون أرحم به من نفسه)([231])

وقد ذكر الشعراني التزام الربانيين بهذا العهد الذي أخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمته، فذكر عن علي الخواص قوله:( من شروط من تخلق بالرحمة على العالم أن يعامل الجماد معاملة الحي، فيمسك كوز الماء مثلا ويضعه برفق وشفقة، خوفا أن يتألم من الوضع)

وقد بلغت به شفافية الروح المسالمة أن قال عن نفسه:( وقد وضعت الكوز مرة بعنف فقال: أه، فمن ذلك اليوم وأنا أضعه برفق)

ويتحدث عنه الشعراني أنه كان يملأ أواني الكلاب ويقول:( إنهم مساكين لا يقدرون أن يملؤوا من البئر إذا عطشوا ويمنعهم الناس من دخول دورهم، ومن الشرب من حيضان دوابهم خوف التنجيس)

ويروي عنه أنه كان يرسل بعض تلامذته إلى المذبح فيأتي بشعث اللحم وبالطحال ونحوهما للقطط كل يوم ويقول:( إن غالب الناس اليوم لا يطعم قطة الدار شيئا، وإنما تخطف كلما قدرت عليه إذا جاعت على رغم أنفه)

ويروي عنه أنه كان يتفقد النمل الذي في شقوق الدار ويضع له الدقيق ولباب الخبز على باب جحره ويقول:( يمنعهم من الانتشار لأجل القوت، فإن النملة إذا جاعت خرجت تطلب رزقها ضرورة، وعرضت نفسها لوقوع حافر أو قدم عليها فتموت أو تنكسر رجلها، فإذا وجدت ما تأكل على باب جحرها استغنت عن الخروج)

ويروي عن صالح آخر، قال:سمعت أخي أفضل الدين مرة يقول:( من الأدب إذا ركب العبد دابة أن يرحمها بالنزول عنها ولا يركب إلا عند الضرورة)

ويروي عنه أنه رآه مرة قلب حافر الحمارة لما نزل من عليها وقبله، فأخذ يخاطبها قائلا:( اجعليني في حل)، وصار يعتذر إليها كما يعتذر لمن اعتدى عليه من الناس.

ويروي عن الإمام الجليل السيد أحمد بن الرفاعي أنه وجد بأم عبيدة كلبا أجرب أبرص أجذم عافته نفوس الناس وأخرجوه من البلد، فمكث الشيخ يخدمه في صحراء أم عبيدة نحو أربعين يوما، وعمل عليه مظلة من الحر وصار يدهنه حتى برئ وغسله بالماء الحار، وقال: خفت أن يقول الله لي يوم القيامة:( أما كانت فيك رحمة تشمل كلبا من خلقي)

ويروي عنه أنه كان يقول:( لا ينبغي لفقير أن يجعل للنمل الطائف على رزقه مانعا يحول بينه وبينه من قطران ونحوه إلا بعد أن يخرج له نصيبا معلوما من ذلك ويضعه له على باب جحره)

ومما يروى في هذا أن عدي بن حاتم كان يفت الخبز للنمل ويقول: إنهن جارات ولهن حق.

وكان أبو إسحاق الشيرازي يمشي في طريق يرافقه فيه بعض أصحابه، فعرض لهما كلب فزجره رفيق الإمام أبي إسحاق، فنهاه الإمام، وقال: أما علمت أن الطريق بيني وبين