الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: رسول الله .. والقلوب المريضة

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1437 هـ

عدد الصفحات: 128

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

يحاول هذا الكتاب أن يكشف بعض المؤامرات التي حيكت للانحراف بالصورة المقدسة الجميلة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  والتي أمرنا بأن نقتدي بها ونجعلها مثلنا الأعلى.

   ذلك أنه تسلل إلى تراثنا، وخاصة كتب الحديث ما يجعل من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  شخصا مختلفا تماما عن الشخص الذي صوره القرآن الكريم، وصورته السنة النبوية الصحيحة.

    وقد قام بهذه الوظيفة التشويهية الخطيرة أصحاب القلوب المريضة، الذين ذكر القرآن الكريم وجودهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبين مواقفهم المختلفة من الحقائق والمعجزات الباهرات التي كانوا يرونها رأي العين.. لكنهم لسقمهم لا يبصرونها، لأن عيونهم الممتلئة بالعمش، وأنوفهم المزكومة تحول بينهم وبين إدراك الحقائق كما هي.

  والمشكلة التي حصلت بعد ذلك هي تصورنا أن هذا الصنف من الناس قد زال بمجرد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  .. ومن هذه الثغرة الأمنية الخطيرة تسلل هؤلاء ليشوهوا المعاني السامية للدين، فيحولوا سماحته عنفا، وسلامه حربا، وصفاءه كدورة، وسعيه لتحقيق كل القيم النبيلة إلى سعي لحربها والتنفير منها، وقد أعانهم على ذلك انقطاع الوحي الذي كان يكشف خططهم، ويحذر من مؤامراتهم.

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

دعاء

مقدمة

رسول الله .. والعصمة

رسول الله .. والوسيلة

اختصار المعية في الصحابة:

اعتبار التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شركا:

الحكم ببدعية جميع مظاهر الارتباط الشعوري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

قطع صلة الأمة بأهل بيت نبيها صلى الله عليه وآله وسلم

رسول الله .. والحياء

رسول الله .. والقوة

رسول الله .. والعلم

رسول الله .. والحكمة

رسول الله .. والشياطين

رسول الله .. والسحرة

هذا الكتاب

 

دعاء

إليك يا سيدي يا رسول الله .. يا منبع الأنوار القدسية، والحقائق العلوية .. يا مشرق الحكمة العلمية والعملية .. يا رحمة الله للعالمين.. نمد أيدينا خاضعين متذللين، نسألك ونتوسل بك إلى الله .. يا من جعلك الله بابا من أبواب لطفه، وعينا من عيون رحمته .. أن تأخذ بأيدينا لتخرجنا من أوهام السنة المذهبية، لتزج بنا في بحار أنوار السنة النبوية، فنعرفك حق معرفتك، ونقدرك حق قدرك، ونلتزم بسنتك التي تدعونا إلى المحبة والسلام والتسامح، ونبتعد عن السنة التي نسبت إليك زورا وبهتانا، والتي تدعو إلى البغض والعنف والإرهاب.. حتى نلقاك يا رسول الله وأنت راض عنا، لتسقينا بيدك الشريفة المقدسة شربة من كوثر الحقائق الأزلية لا نظمأ بعدها أبدا.

مقدمة

من أخطر أنواع القلوب التي حدثنا القرآن الكريم عنها (القلب المريض)، وهو قلب يستقبل الحقائق كسائر القلوب، لكنه لا يستقبلها كما هي في الواقع، بل يمزجها بأهوائه وأمراضه ونفسه، فلذلك يعبر عنها إذا ما أتيح له ذلك بلغة مريضة سقيمة ممتلئة بالكدورة.

وقد ذكر القرآن الكريم وجود هذا الصنف من القلوب في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبين مواقفهم المختلفة من الحقائق والمعجزات الباهرات التي كانوا يرونها رأي العين.. لكنهم لسقمهم لا يبصرونها، لأن عيونهم الممتلئة بالعمش، وأنوفهم المزكومة تحول بينهم وبين إدراك الحقائق كما هي، كما قال المتنبي:

ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ     يَجدْ مُرّاً بهِ المَاءَ الزُّلالا

ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره القرآن الكريم من موقف أصحاب هذه القلوب من تنزل السور القرآنية الممتلئة بالمعاني السامية، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)﴾ [التوبة: 124، 125]

فالسورة المنزلة واحدة.. ولكنها تختلف في استقبالها بحسب جهاز الاستقبال، فأما المؤمنون الطاهرون أصحاب القلوب السامية النقية فتزيدهم تلك السورة إيمانا، وتعرج بهم في آفاق الروح، ليصحبوا الملأ الأعلى.. بينما تنزل بأصحاب القلوب المريضة إلى الدركات السفلى، وتزيدهم رجسا إلى رجسهم.

وهي في ذلك مثل المطر النازل من السماء، فإنه إذا نزل على الزهور الطيبة زادها طيبا، وملأ الأجواء من حولها بعبقها الجميل، لكنه إذا ما نزل على المستنقعات ملأ الأجواء من حولها برائحتها الكريهة.

ومثل ذلك ما أخبر به القرآن الكريم عن المواقف المختلفة من عدد الملائكة الموكلين بجهنم، والذي وجد قبولا وطمأنينة من المؤمنين، ووجد شكا وريبة من الكافرين ومن أصحاب القلوب المريضة، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: 31]

والقرآن الكريم يرسم لنا صورا كثيرة عن معاناة رسول  الله صلى الله عليه وآله وسلم مع هذه الأنواع من القلوب، ومن ذلك مواقفهم في صد الهجومات التي كان يتعرض لها المسلمون كل حين من طرف أعدائهم، قال تعالى: ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ﴾ [المائدة: 52]

قد يكون ما ذكرناه هنا من المتفق عليه بين المسلمين جميعا، لكن المشكلة هي تصورنا أن هذا الصنف من الناس قد زال بمجرد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فبعد وفاته مباشرة ـ كما ينص أصحاب السنة المذهبية ـ تحول الناس بجميع أصنافهم إلى مؤمنين طيبين ممتلئين بالعدالة.. ولذلك يمكننا أن نأخذ الدين والقرآن والهدي الإلهي من أي كان من دون أن نعرضه على الحقائق السامية الناصعة التي جاء الدين للدعوة إليها عملا واعتقادا.

ومن هذه الثغرة الأمنية الخطيرة تسلل أصحاب القلوب المريضة ليشوهوا المعاني السامية للدين، فيحولوا سماحته عنفا، وسلامه حربا، وصفاءه كدورة، وسعيه لتحقيق كل القيم النبيلة إلى سعي لحربها والتنفير منها، وقد أعانهم على ذلك انقطاع الوحي الذي كان يكشف خططهم، ويحذر من مؤامراتهم.

وقد أشار القرآن الكريم إلى الدور الذي يقوم به أمثال هؤلاء في تحريف الدين انطلاقا من مصادره المقدسة، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55)﴾ [الحج: 52 - 55]

فهذه الآيات الكريمة ـ والتي طال معناها التحريف هي الأخرى ـ تبين أن الشياطين يستعينون بأصحاب القلوب المريضة لتحريف الوحي الإلهي عن مقاصده السامية، لكن الذين أوتوا العلم يقفون بالمرصاد في وجه هذه القلوب، والتحريفات التي جاءت بها.

انطلاقا من هذه المعاني نحاول ـ ببعض الجرأة ـ في هذا الكتاب أن نكشف بعض المؤامرات التي حيكت للانحراف بالصورة المقدسة الجميلة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي أمرنا بأن نقتدي بها ونجعلها مثلنا الأعلى.

فقد تسلل إلى تراثنا وخاصة كتب الحديث ما يجعل من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شخصا مختلفا تماما عن الشخص الذي صوره القرآن الكريم، وصورته السنة النبوية الصحيحة.

ولذلك نحن لا ننكر بعض ما ورد في السنة كما يدعي المرجفون، وإنما نقارن ما ورد في السنة بما ورد في القرآن الكريم.. فإن وافقته، فبها، وإلا ضربنا بها عرض الجدار.

بل إننا لا نكتفي بعرضها على القرآن الكريم فقط، بل نعرضها على السنن النبوية الأخرى.. والتي هي أكثر صحة، ومحل اتفاق من الأمة جميعا.

وما نفعله في هذه المجال هو نفس ما يفعله الفقهاء عند تعارض النصوص، فيرجحون ما دلت عليه الأدلة القطعية على ما دلت عليه الأدلة الظنية، حتى لو كان الدليل الذي يردونه حديثا في البخاري أو في مسلم أو في غيرهما من مصادر السنة.

وقد ضرب جمال الدين القاسمي ـ في تبريره لانتقاده الشديد لحديث سحر النبي  صلى الله عليه وآله وسلم ـ الأمثلة على ذلك من فعل السلف الذين يعتمدهم أصحاب السنة المذهبية، فنقل عن الإمام الغزالي قوله في (المستصفى): (ما من أحد من الصحابة إلا وقد ردّ خبر الواحد. كردّ عليّ خبر أبي سنان الأشجعي في قصة (بروع بنت واشق) وقد ظهر منه أنه كان يحلف على الحديث. وكردّ عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه. وظهر من عمر نهيه لأبي موسى وأبي هريرة عن الحديث)([1])

ونقل عن ابن تيمية في (المسوّدة) قوله: (الصواب أن من ردّ الخبر الصحيح كما كانت الصحابة ترده، لاعتقاده غلط الناقل أو كذبه، لاعتقاد الرادّ أن الدليل قد دل على أن الرسول لا يقول هذا، فإن هذا لا يكفر ولا يفسق، وإن لم يكن اعتقاده مطابقا، فقد ردّ غير واحد من الصحابة غير واحد من الأخبار التي هي صحيحة عند أهل الحديث)([2])

ونقل عن العلامة الفناري في (فصول البدائع) قوله: (ولا يضلل جاحد الآحاد)

ثم قال تعقيبا على ذلك كله: (والمسألة معروفة في الأصول، وإنما توسعت في نقولها لأني رأيت من متعصبة أهل الرأي من أكبر رد خبر رواه مثل البخاري، وضلل منكره، فعلمت أن هذا من الجهل بفن الأصول، لا بل بأصول مذهبه. كما رأيت عن الفناري. ثم قلت: العهد بأهل الرأي أن لا يقيموا للبخاري وزنا. وقد ردوا المئين من مروياته بالتأويل والنسخ، فمتى صادقوه حتى يضللوا من ردّ خبرا فيه؟)([3])

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك موقف الإمام مالك من الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)

والذي يدل بصيغة قطعية على أن لكل من المتبايعين حق إمضاء العقد أو إلغائه ماداما لم يتفرقا بالأبدان.

وقد ورد ما يؤكد هذا من السنن الأخرى، فقد روى البيهقي عن عبد الله بن عمر قال: (بعت من أمير المؤمنين عثمان مالاً بالوادي بمال له بخيبر، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يردني البيع، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا)

وقد ذهب إلى هذا جماهير العلماء من الصحابة والتابعين.. لكن الإمام مالك خالف ذلك، ورد الحديث حتى نقل عن ابن أبي ذئب –وهو من كبار علماء المدينة - أنه لما ذكر له أن مالكا لم يعمل به، قال: (يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه)([4])

بل أكد موقفه هذا الإمام أحمد نفسه حيث قال عن ابن أبي ذئب: (هو أورع وأقول بالحق من مالك) ([5])

لكن مع ذلك نجد العلماء جميعا يعتذرون لمالك، ويقفون منه موقفا طيبا، بل يبررون قوله.

والمالكية إلى الآن لا زالوا يأخذون بقوله في المسألة، ولا يأخذون بالحديث الوارد في صحيحي البخاري ومسلم.

بل إن الذهبي ـ مع تشدده مع أي ناقد أوصله الدليل إلى خلاف ما في كتب الحديث ـ يعتذر لمالك، ويرد على الناقدين له، ويقول في رده على الإمام أحمد، وموقفه من ابن أبي ذئب: (لو كان ورعا كما ينبغي، لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم، فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث، لأنه رآه منسوخا، وقيل:عمل به، وحمل قوله: حتى يتفرقا، على التلفظ بالإيجاب والقبول، فمالك في هذا الحديث، وفي كل حديث له أجر ولابد، فإن أصاب ازداد أجرا آخر، وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورية، وبكل حال فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولاضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما) ([6])

وهذا الذي قاله الذهبي طيب جدا، ودليل على روح التسامح مع الخلاف، لكن ليته عمم هذا مع كل منكر لحديث لا يرى انسجامه مع الدين، أو مع القيم النبيلة التي جاء بها.

ولذلك ندعو الحريصين على السنة المطهرة ألا يتشنجوا عندما نرد حديثا في البخاري أو في مسلم أو في غيرهما، لأن أصحابها ـ أولا ـ لم ينزلوها منزلة كتاب الله من حيث العصمة والقبول المطلق، وـ ثانيا ـ نحن لا نرفض بعض ما فيها لذاته، وإنما نرفضه لعدم انسجامه وتوافقه مع نصوص أكثر صحة، وأعلى مرتبة، وأولها القرآن الكريم.

ونحن نستغرب من الذي يعتذر لمالك ويجتهد في نصرته حتى لو كان ذلك على حساب ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وفي قضية فرعية جدا، ومع ذلك يتشنج، بل يرمي بالكفرة والزندقة من يرد بعض الأحاديث التي تشوه صورة رسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتنسخ تلك الصورة الجميلة التي صوره بها  القرآن الكريم، وصورته بها الكثير من الأحاديث النبوية المتفق على صحتها.

ونحب في هذا المحل أيضا أن ننكر نكيرا شديدا على من يتجرأ على كتب الحديث بمدارسها المختلفة .. كصحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرها من كتب الحديث في المدرسة السنية.. أو كتاب الكافي في الأصول والفروع للكليني، أو تهذيب الأحكام والاستبصار للطوسي، أو من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق..  وغيرها من كتب الحديث في المدرسة الشيعية.. أو مسند الربيع بن حبيب في المدرسة الإباضية.

فكتب الحديث هي المحال التي جمع فيها الحديث بصحيحه وضعيفه وموضوعه، ولذلك من الخطأ الكبير أن نسب مصدرا كاملا للحديث بسبب بعض الأحاديث المردودة فيه.. بل لو لم يصح من كتاب كامل إلا حديث واحد لكان من الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نحترم ذلك الكتاب.

لهذا فإني ـ مع ردي بعض الأحاديث الواردة في المصادر الحديثية المختلفة ـ لا أرد الأحاديث مع اعتقادي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالها أو فعلها .. فذلك عين الضلال، بل عين الكفر، فمن يتجرأ على تكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يبقى له من الإسلام شيء.

ومثل ذلك فإني لا أتهم الصحابي الذي روى الحديث، لأن الحديث لم نسمعه من الصحابة مباشرة، وإنما ورد إلينا عن طريق طويل قد يختلط فيه الحابل بالنابل، والمحق من المبطل.

ومثل ذلك لا أتهم صاحب الكتاب الذي ورد فيه الحديث، لأن أكثر المحدثين كانوا يجمعون الأحاديث، ويتركون المواقف منها ومن فهمها للفقهاء والمفسرين وغيرهم، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)([7])

ومثل ذلك لا أتهم أي راو من الرواة بأنه هو من وضع الحديث لأن ذلك غيب .. والله أعلم به.

كل الذي أفعله هو أني أقارن الحديث بالصورة التي وردت في القرآن الكريم حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وورد مثلها في الأحاديث الكثيرة، وفوق ذلك تؤيدها الفطرة الصافية والعقل السليم. فإن وجدت الحديث موافقا لها، قلت به، وصدقته حتى لو كان راويه متهما بالضعف.. وكل حديث مخالف لذلك أنكرته ونقدته حتى لو كان الراوي قد وثق من الجميع..

لأني أعتقد أنه من الصعوبة، بل من المحال التوثيق المطلق والتضعيف المطلق لأي راو، فقد قال تعالى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن المنافقين: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: 101]، فإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخفى عليه ـ بحسب الآية الكريمة ـ بعض المنافقين، فكيف لا يخفى على ابن معين أو ابن أبي حاتم أو البخاري بعض أصحاب القلوب المريضة الذين تسللوا لكتب الحديث ليجعلوها وسيلة لتشويه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتحريف الدين.

بعد هذا قد يقول قائل: لم الاصطياد في المياه العكرة؟ ولم الحديث في الأمور المتشابهة؟ ولم التصدي لما يثير الفتنة؟

والجواب لكل من يقدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حق قدره بسيط، ذلك أن قطرة واحدة من السم يمكنها أن تحول من الطعام اللذيذ سما قاتلا.. والسكوت على من وضع تلك القطرة بحجة صغر حجمها سكوت على من يسمم الناس ويقتلهم.

وهكذا الأمر بالنسبة للسنة المطهرة.. فقد دست بعض الأحاديث في جوانب مختلفة لتشوه صورة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وحديث واحد منها يمكنه أن يحطم تلك الصورة الجميلة ليحولها إلى الجهة المعاكسة تماما.

ونحن في حياتنا، وفي علاقاتنا المختلفة نمارس هذا، فنحن قد نصطدم مع بعض الناس، بل نهجرهم هجرا تاما لشيء فعلوه، أو موقف وقفوه حتى لو كان محدودا جدا وبسيطا جدا، لكننا نلغي به كل حسنات من فعل ذلك الفعل، أو وقف ذلك الموقف.

وهكذا فعل المتسللون من أصحاب القلوب المريضة عندما أرادوا أن يشوهوا صورته صلى الله عليه وآله وسلم، فقد وضعوا بعض الأحاديث في كل مجال من المجالات لينسخوا بها كل الكمالات والجمالات تماما مثلما فعلوا مع القرآن الكريم حين نسخوا بآية السيف كل آيات الرحمة والسماحة والسلام..

ومثلما رددنا على أولئك في كتابنا (القرآن .. والأيدي الآثمة)، نرد على هؤلاء في كتابنا هذا (رسول الله .. والقلوب المريضة)، ونرد عليهم في كتابنا الآخر (المدارس السلفية .. والوثنية المقدسة)

رسول الله .. والعصمة

من أهم ما يميز الذين يصطفيهم الله للوساطة بينه وبين خلقه عن غيرهم من الناس (العصمة)، لأنها تعني الصفاء التام للمعدن الذي يتلقى عن الله، ويكون واسطة بينه وبين خلقه.. ولذلك ورد في النصوص المقدسة الدعوة المطلقة للاهتداء بهديهم.. وفي كل أحوالهم، كما قال تعالى بعد ذكره لبعض أسماء الرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90]

وهكذا أمرنا الله تعالى بأن نلتزم كل شيء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التزاما مطلقا، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]

وورد في السنة النبوية المطهرة توضيح لهذه الحقيقة العظيمة، إلى الدرجة التعبير بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو نفسه القرآن الكريم.. وليس هناك من فرق بينهما إلا أن أحدهما صامت والآخر ناطق.

وكما أن القرآن الكريم محفوظ من التحريف، ومحفوظ من أن يأيته الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محفوظ ومعصوم عصمة مطلقة، فلا يصدر عنه إلا الكمال المحض..

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومثله سائر الأنبياء، والمصطفين يحلقون في عوالم من الكمال لا يمكن تقدير قدرها.. ولذلك نحن لا نرى منهم إلا ظلالا باهتة حقيرة بجنب حقيقتهم العظيمة..

ويكفي تصور وظيفتهم لتندك عروش عقولنا.. فهؤلاء ليسوا سفراء أمريكا ولا روسيا .. بل هم سفراء الله الذين خلق كل شيء.. والذين اختارهم من بين خلقه جميعا ليعرفوا الخلق به، وبمواضع رضاه.

ولذلك من الاحتقار لله أن نتهمه في اختياره.. وأن نعتبر اختياره اعتباطا، وأن نعتبر أنفسنا أكثر حكمة وصوابية حين نختار.

وهذا للأسف ما وقعت فيه السنة المذهبية ـ شعرت أو لم تشعر ـ حين احتقرت العصمة، وقزمتها، واختصرتها في مواضع قليلة محددة، تغليبا لبشرية الرسول على نبوته.. مع أن نبوة الرسول أي رسول هي المتغلبة على بشريته..

ولذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يحن للطعام والشراب كحنينا، فقد كان يواصل، ويقول: (أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني)([8])

وكان لا تعتريه الغفلة أبدا عن ذكر الله.. بل كان ـ كما ورد في الروايات الكثيرة ـ تنام عيناه ولا ينام قلبه، فقد روي أن جماعة من اليهود لمّا قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة سألوه، فقالوا: يا محمد كيف نومك، فقد أُخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في آخر الزمان؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (تنام عيني، وقلبي يقظان)([9]) .. ولذلك من الخطأ الكبير أن نتهم من هذا حاله بالسهو أو النسيان أو الغفلة.

 

 

 

أما طاعته لله، فهي سكن قلبه، وروح روحه، وسعادته المطلقة.. فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما ورد في السنة النبوية ـ يقول لبلال: (أرحنا بها يا بلال)([10])، وكان يعتبر الصلاة قرة عينه([11]) ..

وكان فوق ذلك أقرب الخلق إلى الله، وأعلم الخلق بالله، وبأمر الله، وبكون الله، فلذلك من الخطأ الكبير أن نتهمه بالجهل أو الغفلة أو الخطأ أو أي لون من هذا القبيل.

وهكذا، فإن العقل والنقل يدلان على الطهارة المطلقة للمصطفى من الله للوساطة بينه وبين خلقه، لأنه لو لم يكن كذلك لكان ذلك حائلا بينه وبين القدرة على التلقي من الملأ الأعلى، فتلك القدرة تحتاج إلى مرآة صافية ممتلئة بالطهارة والقدسية حتى لا تختلط الحقائق المقدسة بأهواء النفوس ودنسها، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]

وقد فسر صلى الله عليه وآله وسلم الآية بقوله: (إن العبد إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت)([12])

انطلاقا من هذه الحقائق نحب أن نرى هنا باختصار الصورة التي يحملها أهل القلوب المريضة عن النبوة، وكيف نزلوا بها إلى الدركات السفلى، حتى تصوروا أن النبي ليس سوى ساعي بريد لم يكن له من دور إلا تبليغ رسالة ربه.

وسنقتصر على علم من أعلام السنة المذهبية لنرى موقفه من النبوة، ثم كيف سرى ذلك إلى الموقف من النبي نفسه.

وهذا العلم هو شيخ الإسلام البشري، وحافظ السنة المذهبية (ابن تيمية)، والذي يعتبره التيار السلفي والحركي موجها وإماما ومرجعا عند الخلاف.

ومن أول ما يدل على هذا الموقف السلبي من النبوة هو ثناؤه على كل الكتب التي تمتلئ بالقصص والأساطير التي تشوه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وترميهم بالعظائم، بل هو فوق ذلك يعتبرها من كتب السنة، وأنها في هذا الموضوع بالذات أعرف بالأنبياء من كتب المنزهة.

ومن أقواله في هذا: (.. من أئمة أهل التفسير، الذين ينقلونها بالأسانيد المعروفة، كتفسير ابن جريج، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأحمد، وإسحاق وتفسير بقي بن مخلد وابن جرير الطبري، ومحمد بن أسلم الطوسي، وابن أبي حاتم، وأبي بكر بن المنذر، وغيرهم من العلماء الأكابر، الذين لهم في الإسلام لسان صدق، وتفاسيرهم متضمنة للمنقولات التي يعتمد عليها في التفسير)([13])

وقال ـ دفاعا عن الإسرائيليات الكثيرة الواردة في تلك الكتب، والتي شوهت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أيما تشويه ـ: (ولهذا كان السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وغيرهم من أئمة المسلمين متفقين على ما دل عليه الكتاب والسنة من أحوال الأنبياء، لا يعرف عن أحد منهم القول بما أحدثته المعتزلة والرافضة ومن تبعهم في هذا الباب، بل كتب التفسير والحديث والآثار والزهد وأخبار السلف مشحونة عن الصحابة والتابعين بمثل ما دل عليه القرآن، وليس فيهم من حرف الآيات كتحريف هؤلاء، ولا من كذب بما في الأحاديث كتكذيب هؤلاء، ولا من قال هذا يمنع الوثوق، أو يوجب التنفير ونحو ذلك كما قال هؤلاء، بل أقوال هؤلاء الذين غلوا بجهل من الأقوال المبتدعة في الإسلام)([14])

فهو في هذا النص يعتبر الروايات المشوهة لجمال وعصمة الأنبياء سنة، ويعتبر تنزيه الأنبياء والقول بطهارتهم تحريفا.. وله الحق في ذلك، فالسنة التي يقصدها هي السنة المذهبية، لا السنة النبوية.

بل إن ابن تيمية ـ نتيجة سوء فهمه للنبوة ـ لا يرى المعصية قادحا في كمال الأنبياء، وفي استحقاقهم للوظائف الخطيرة التي كلفوا بها، يقول في ذلك – أثناء رده على المنزهة -: (ونكتة أمرهم أنهم ظنوا وقوع ذلك من الأنبياء والأئمة نقصا، وأن ذلك يجب تنزيههم عنه، وهم مخطئون إما في هذه المقدمة، وإما في هذه المقدمة.. أما المقدمة الأولى فليس من تاب إلى الله تعالى وأناب إليه بحيث صار بعد التوبة أعلى درجة مما كان قبلها منقوصا ولا مغضوضا منه، بل هذا مفضل عظيم مكرم، وبهذا ينحل جميع ما يوردونه من الشبه، وإذا عرف أن أولياء الله يكون الرجل منهم قد أسلم بعد كفره وآمن بعد نفاقه وأطاع بعد معصيته، كما كان أفضل أولياء الله من هذه الأمة - وهم السابقون الأولون - يبين صحة هذا الأصل)([15])

ومن خلال هذا النص يتبين لنا الدافع الذي جعل ابن تيمية يحطم كل تلك المكانة الرفيعة التي نالها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قلوب الناس بسبب طهارتهم وعصمتهم، وهو مبالغته في شأن الصحابة.. فهو لا يريد أن يتهمهم الناس بالنقص لكونهم أسلموا بعد كفر، وأطاعوا بعد معصية، فلم يجد إلا أن يلحق الأنبياء بهم.

بل إن الأمر بلغ به إلى المماراة في القطعيات، فيحاول بكل الوسائل أن يقنع أتباعه بدور المعصية في تحقيق الكمال.

يقول في ذلك: (والإنسان ينتقل من نقص إلى كمال، فلا ينظر إلى نقص البداية، ولكن ينظر إلى كمال النهاية، فلا يعاب الإنسان بكونه كان نطفة ثم صار علقة ثم صار مضغة، إذا كان الله بعد ذلك خلقه في أحسن تقويم.. فمن يجعل التائب الذي اجتباه الله وهداه منقوصا بما كان من الذنب الذي تاب منه، وقد صار بعد التوبة خيرا مما كان قبل التوبة، فهو جاهل بدين الله تعالى وما بعث الله به رسوله، وإذا لم يكن في ذلك نقص مع وجود ما ذكر فجميع ما يذكرونه هو مبني على أن ذلك نقص، وهو نقص إذا لم يتب منه، أو هو نقص عمن ساواه إذا لم يصر بعد التوبة مثله، فأما إذا تاب توبة محت أثره بالكلية وبدلت سيئاته حسنات فلا نقص فيه بالنسبة إلى حاله، وإذا صار بعد التوبة أفضل ممن يساويه أو مثله لم يكن ناقصا عنه)([16])

بل إنه فوق ذلك كله يعتبر تنزيه الأنبياء عن المعاصي غضا من مرتبتهم، وسلبا للدرجة التي أعطاهم الله، يقول في ذلك: (وجوب كون النبي لا يتوب إلى الله فينال محبة الله وفرحه بتوبته وترتفع درجته بذلك ويكون بعد التوبة التي يحبه الله منه خيرا مما كان قبلها فهذا مع ما فيه من التكذيب للكتاب والسنة غض من مناصب الأنبياء وسلبهم هذه الدرجة ومنع إحسان الله إليهم وتفضله عليهم بالرحمة والمغفرة)([17])

وهو يعود ليستدل بالصحابة الذين من أجلهم شوه الأنبياء، بل شوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه ليحفظ مكانتهم التي يتصورها لهم، يقول في ذلك: (ومن اعتقد أن كل من لم يكفر ولم يذنب أفضل من كل من آمن بعد كفره وتاب بعد ذنبه، فهو مخالف ما علم بالإضطرار من دين الإسلام! فإنه من المعلوم أن الصحابة الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد كفرهم وهداهم الله به بعد ضلالهم، وتابوا إلى الله بعد ذنوبهم أفضل من أولادهم الذين ولدوا على الإسلام، وهل يشبه بني الأنصار بالأنصار، أو بني المهاجرين بالمهاجرين إلا من لا علم له)([18])

وقد بلغ من احتقار ابن تيمية للنبوة أنه جوز الكفر على الأنبياء، وقد قدم لذلك بمقدمة عقدية تصور أنها كافية، وهي أن الله يفعل ما يشاء، وبالتالي يمكنه أن يختار أي كافر، بل أي مجرم ليتولى هذا المنصب الخطير، يقول في ذلك: ( ومما يبين الكلام في مسألة العصمة أن تعرف النبوة ولوازمها وشروطها، فإن الناس تكلموا في ذلك بحسب أصولهم في أفعال الله تعالى إذا كان جعل الشخص نبياً رسولاً من أفعال الله تعالى فمن نفى الحِكَم والأسباب في أفعاله وجعلها معلقةً بمحض المشيئة، وجوَّز عليه فعل كل ممكن، ولم ينزهه عن فعل من الأفعال، كما هو قول الجهم بن صفوان وكثير من الناس كالأشعري ومن وافقه من أهل الكلام من أتباع مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من مثبتة القدر، فهؤلاء يجوزون بعثة كل مكلف! والنبوة عندهم مجرد إعلامه بما أوحاه إليه ! والرسالة مجرد أمره بتبليغ ما أوحاه إليه ! والنبوة عندهم صفة ثبوتية ولامستلزمة لصفة يختص بها، بل هي من الصفات الإضافية كما يقولون، مثل ذلك في الأحكام الشرعية)([19])

وكمثال عملي على ذلك ما ورد في (مجموع الفتاوى) من قوله بكفر نبي الله شعيب عليه السلام وغيره من الأنبياء قبل نبوتهم، وقد قدم لذلك بقوله: (هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ فيها، ومنها قوله: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: 88] الآية وما في معناها)([20])

ثم راح يبرز قدراته الاستنباطية في هذا الجانب، فقال: (التحقيق: أن الله سبحانه إنما يصطفي لرسالته من كان خيار قومه حتى في النسب كما في حديث هرقل. ومن نشأ بين قوم مشركين جهال لم يكن عليه نقص إذا كان على مثل دينهم إذا كان معروفا بالصدق والأمانة وفعل ما يعرفون وجوبه وترك ما يعرفون قبحه، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، فلم يكن هؤلاء مستوجبين العذاب، وليس في هذا ما ينفر عن القبول منهم؛ ولهذا لم يذكره أحد من المشركين قادحا. وقد اتفقوا على جواز بعثة رسول لا يعرف ما جاءت به الرسل قبله من النبوة والشرائع، وأن من لم يقر بذلك بعد الرسالة فهو كافر، والرسل قبل الوحي لا تعلمه فضلا عن أن تقر به.. قال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: 15]) ([21])

ومثلما دافع عن المعصية، وكونها كمالا في حق الأنبياء، راح يدافع عن كفرهم، مبينا أن ذلك أيضا كمال في حقهم، فقال: (والرسول الذي ينشأ بين أهل الكفر الذين لا نبوة لهم يكون أكمل من غيره من جهة تأييد الله له بالعلم والهدى وبالنصر والقهر كما كان نوح وإبراهيم)([22])

وهذا الموقف من ابن تيمية هو نفسه موقف تلاميذه من أهل السنة المذهبية، فقد قال مشهور صالح آل الشيخ في شرحه للطحاوية المسمى بـ (إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل): (القسم الثاني، من جهة الذنوب: الذنوب أقسام: فمنها الكفر وجائز في حق الأنبياء والرسل أنْ يكونوا على غير التوحيد قبل الرسالة والنبوة.. والثاني من جهة الذنوب، فالذنوب قسمان كبائر وصغائر: والكبائر جائزة فيما قبل النبوة، ممنوعة فيما بعد النبوة والرسالة؛ فليس في الرسل من اقترف كبيرة بعد النبوة والرسالة أو تَقَحَّمَها عليهم الصلاة والسلام بخلاف من أجاز ذلك من أهل البدع)([23])

وسئل هذا السؤال: (أشكل عليَّ قولك: النبي قد يكون على غير التوحيد قبل الرسالة؟)، فأجاب بقوله: (نعم النبي قد يكون على غير ذلك، فيصطفيه الله - عز وجل - وينبهه؛ يعني ما فيه مشكل في ذلك، قد يكون غافلا)([24])

بل إن ابن تيمية ومدرسته ينقلون من النصوص ما لا يستثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه.. خاصة وأنهم مهدوا لذلك بكون الكمال في الكفر والمعصية السابقين.

ومن الأمثلة على ذلك حديث يردده ابن تيمية كثيرا يدل بظاهره على أن زيدا بن عمرو بن نفيل عم عمر بن الخطاب كان أكثر ورعا عن الشرك وأسبابه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روى في (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) وغيره من كتبه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، وذلك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوحي، فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سفرة في لحم. فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: (إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه)([25])

بل يضيف إليها كل الروايات التي ورد بها الحديث ليؤكد المعنى، فيقول: (وفي رواية له: وإن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض الكلأ، ثم أنتم تذبحونها على غير اسم الله؟!) إنكارا لذلك وإعظاما له) ([26])

وبذلك أصبح زيد بن عمرو بن نفيل عم عمر بن الخطاب أكثر عقلا وحكمة وإيمانا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. وذلك ليس بمستغرب لأن أساس السنة المذهبية هو تعظيم الصحابة، ولو على حساب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولو أننا تأملنا ما يطلق عليه موافقات عمر بن الخطاب، ومبالغة أهل السنة المذهبية فيها([27])، لرأينا كيف يهان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل كيف يهان القرآن الكريم نفسه، والذي يتوقف نزوله ـ حسب تلك الروايات ـ على الشدة التي يبديها عمر في المطالبة بنزول الأحكام كما يطلبها هو.. فتأتي كما يطلبها هو.. بل أحيانا تأتي بنفس الصيغة التي نطق بها.. وذلك ما يثير من الشبه التي يتعلق بها المنكرون للنبوة ما لا يعلم به إلا الله.

ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في الرواية أنه قال  لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يارسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى)، فنزلت الآية بنفس الصيغة ([28]).

ومنها أنه لما اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساؤه مطالبين بالنفقة، قال لهن عمر: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن)، فنزلت كذلك([29]).

والأخطر من ذلك كله تلك الرواية التي تبين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أنه كان معرضا للعذاب بسببه اجتهاده الخاطئ في الأسرى.. وأنه لم يكن لينجو إلا عمر الذي نزل القرآن ـ بزعمهم ـ بموافقته([30]).

وهكذا يصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ بحسب السنة المذهبية ـ تلميذا لأصحابه، لا أستاذا لهم.. بل يصبح القرآن الكريم نفسه رهينا للآراء والتوجهات التي تملى عليه.. تعالى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن الكريم عن ذلك علوا عظيما.

ولذلك لا عجب أن ينتفض أهل السنة المذهبية إذا ما انتقد أي موقف من مواقف الصحابة، ويعتبرون المنتقد مبتدعا، بينما لا حرج على أي شخص، بل على أي صعلوك أن ينتقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويبين خطأ اجتهاده، لأن الرسول في أذهان هؤلاء هم الصحابة وليس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. بل إن الرسول الحقيقي عندهم هو ابن تيمية نفسه.

وقد حدث الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عبدالله السدحان في كتابه (الإمام ابن باز دروس وعبر) تحت عنوان (سرعة استحضاره للأدلة)، فقال ـ يذكر مجلسا من مجالس ابن باز ـ: (نقل أحدهم مقولة عن بعض أهل العلم مفادُها: (لو لم نُخبرَ بختام النبوة لقُلنا: إن ابن تيمية نبي)، فعُرِضت العبارة على بعض أهل العلم فبالغ في أنكارِها. وعرضتُها بنفسي على سماحته - رحمه الله تعالى - فتبسم ضاحكًا، وقال ما معناه: نعم، لذلك أصل .. ثم ذكرَ حديث (لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب)([31]) 

وهكذا يتصرف هؤلاء في النبوة كما يحلو لهم.. وكأن النبوة لعبة من لعب الصبيان .. لا مرتبة من المراتب التي لا يصل العقل إلى كنهها وحقيقتها.. ووظيفة تنوء السموات والأرض دون حملها.

رسول الله .. والوسيلة

من الوظائف الكبرى التي جعلها الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي هون من شأنها أصحاب القلوب المريضة من أهل السنة المذهبية وظيفة [الوسيلة]

وهي تعني ـ باختصار ـ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يأتنا فقط بدليل النجاة الذي تمثل في الشريعة السمحة، بل هو فوق ذلك حبل النجاة وسفيتنتها التي من لم يركبها لم ينل شيئا، ولم يصل إلى شيء.

أو هو ـ بعبارة أخرى ـ ليس مجرد طبيب يصف الأدوية لأمته فقط، بل هو نفسه صلى الله عليه وآله وسلم الدواء الذي من لم يستعمله لم يشف أبدا.

وهذه الحقيقة التي تدعمها كل الأدلة العقلية والنقلية حاولت السنة المذهبية، وخاصة ممثلوها الكبار من أصحاب المدارس السلفية أن ينزعوا صلاحياتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتقتصر علاقته بالأمة على الدور التبليغي والتشريعي دون ما سواه من الأدوار.

ولم يكتفوا بذلك التهميش والتهوين من هذا الدور العظيم الذي تدل عليه كل الأدلة، بل راحوا يتهمون من يقول بهذه الوظيفة بالشرك والبدعة والضلال.

وهذه التهمة الجاهزة ناتجة من سوء فهمهم للتوحيد.. فهم يتصورون الله ـ نتيجة للوثة الوثنية التي تسربت إلى السنة المذهبية ـ كما يتصورون الملوك والحكام الذين لا يحبون أن تنشغل الرعية عنهم بغيرهم، ولذلك يعتبرون كل تعظيم لغير الملك شركا .. وينسون أن رسل الله وجميع الذين اصطفاهم الله ليسوا سوى مظهر من مظاهر العناية الإلهية، ومنبع من منابع الرحمة الربانية.

وينسون أن الرحمة الكاملة، والعناية التامة لا تتمثل فقط في تبليغ الشرائع، وبيان الأحكام، وإنما تتمثل فوق ذلك في أن يكون الرسول المصطفى من لدن الله هو نفسه طوق النجاة، وسفينتها.

وفرق كبير بين أن تمد يدك لشخص يغرق، وتمسك بها، وتنقذه، وبين أن تكتفي ببعض المواعظ والإرشادات التي تبين له ما عليه أن يفعل.

ولهذا من العجب أن يؤمن هؤلاء بأن الله جعل من الماء كل شيء حيا.. ولا يعتبرون القول بهذا شركا .. بينما لو ذكرت لهم بأن الله جعل الحياة الحقيقية في التعلق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعلقا تاما، لا بشرعه فقط، بل بذاته أيضا، يعتبرون ذلك شركا وبدعة وضلالة.. وكأن الماء أشرف من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأعظم منزلة منه.

وبناء على هذا المعنى أولوا كل النصوص الدالة على هذه الوظيفة التي جعلها الله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وظيفة الوسيلة، حتى تنحصر وظيفته صلى الله عليه وآله وسلم في البلاغ والتبيين فقط.

وللدلاله على هذا، سنذكر هنا ـ باختصار ـ أربعة نماذج من مواقف أصحاب السنة المذهبية تدل على موقفهم من هذه الوظيفة:

اختصار المعية في الصحابة:

وهو من أخطر المواقف التي تعدم وظيفة [الوسيلة]، وتزيلها من الوجود تماما، ذلك أن الاعتقاد بأنه لم يظفر بصحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير صحابته المعدودين الذين عاصروه، وأن الأمة لم تظفر بعدهم إلا بسنته وشريعته يقطع الصلة بين الأمة ونبيها، لأن علاقتها به تصبح قاصرة على علاقة الاتباع والطاعة، وهي علاقة مرتبطة بالشريعة، لا بشخصة صلى الله عليه وآله وسلم.

وبذلك فإن أفراد الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبهذا المنطق لا يستطيعون ـ بسبب الزمن الذي حال بينهم وبين معاصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يتنعموا بتلك الصحبة الشريفة، وأن يظفروا بتلك المكانة الرفيعة، وأن تمتد إليهم يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولهذا نجد أصحاب السنة المذهبية يبالغون في مكانة الصحابة على حساب مكانة الأمة .. ويتصورون أن الصحابة حتى لو صدر منهم ما صدر أشرف وأكرم وأعظم من الأمة جميعا، حتى أنهم يذكرون أن أولئك العشاق الذين امتلأت قلوبهم شوقا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل مات الكثير منهم شوقا، وهو في طريق زيارة قبره الشريف لا يساوون شسع نعل حتى أولئك الذين لم يكونوا يبالون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم معه، حتى يضطر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يناديهم من خلفهم، كما قال تعالى: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 153]

بل منهم من ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب يوم الجمعة، وذهب ليلاقي القافلة، كما صور ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: 11]

ونحن لا نذكر هذا تحقيرا لمن فعل ذلك، ولكنا نتعجب أن يحتقر أولياء الأمة العظام الذين أفنوا حياتهم في حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واعتبارهم جميعا لا يساوون شيئا أمام أدنى الصحابة.

ومن الأمثلة على مواقف أصحاب السنة المذهبية في هذا ما جاء في (الصواعق المحرقة) لابن حجر الهيتمي من قوله: (وأما ما اختص به الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ وفازوا به من مشاهدة طلعته ورؤية ذاته المشرفة المكرمة فأمر من وراء العقل، إذ لا يسع أحدا أن يأتي من الأعمال وإن جلت بما يقارب ذلك فضلا عن أن يماثله، ومن ثم سئل عبد الله ابن المبارك ـ وناهيك به جلالة وعلما ـ أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال الغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله خير من عمر بن عبد العزيز كذا وكذا مرة، أشار بذلك إلى أن فضيلة صحبته ورؤيته لا يعدلها شيء)

ولست أدري ما دليله على هذا، ذلك أن الأحاديث الشريفة الكثيرة، والتي يؤيدها القرآن الكريم، ويؤيدها قبل ذلك العقل السليم تعتبر المعية الحقيقة هي معية المحبة والتعلق والشوق، لا معية الزمان والمكان والأجساد، فقد قال تعالى يبين المعية الكاذبة: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)﴾ [الحديد: 13، 14]

ولهذا فإن من القصور والغبن للأمة جميعا قصر المعية الواردة في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: 29] على صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. بل كل من اتصف بتلك الصفات التي وردت في الآية تشمله المعية.

وقد ورد في الأحاديث الكثيرة ما يدل على هذا المعنى.. ولكن السنة المذهبية تعظم ما تشاء من النصوص، وتلغي ما تشاء منها.

ومن تلك الأحاديث ما رواه المحدثون من أن رجلا جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله: إنك لأحبُّ إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتك وعرفتُ أنك إذا دخلتَ الجنة رُفعتَ مع النبيئين، وإني إذا دخلتُ الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يردَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]([32])

وعن أنس قال: (بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خارجان من المسجد فلقينا رجل عند سدة المسجد فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( ما أعددت لها ؟) قال: (ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله)، قال:(فأنت مع من أحببت)([33]) 

فهذا الحديث الشريف يربط المعية برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمحبته.. فكل من أحبه، فهو معه، كان في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم، أو لم يكن في زمانه.

ومن تلك الأحاديث الحديث العظيم المشهور الذي يظهر يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشريفة، وهي تمتد إلى قلوب أمته من بعده.. ففي الحديث الذي تهتز له قلوب الأولياء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (وددت أني لقيت إخواني)، فقال له أصحابه: أوليس نحن إخوانك؟ قال: (أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني)([34])

وفي رواية: (ومتى ألقى إخواني؟)، قالوا: يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ قال: (بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين آمنوا بي ولم يروني)([35])

بل ورد في أحاديث أخرى كثيرة ما يدل على المكانة الرفيعة التي يحظى بها من لم يتشرف برؤيته صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا، وأنها لا تقل عن مكانة صحابته، فقد ورد في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي، يودُّ أحدهم لو رآني بأهله وماله)([36])

وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن أشدَّ أمتي لي حبا قوم يكونون أو يجيئون، وفي رواية - يخرجون بعدي- يود ّأحدهم أنه أعطى أهله وماله وأنه رآني)([37])

وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحبُّ إليه من مثل أهله وماله)([38])

بل ذكر صلى الله عليه وآله وسلم المنهج الذي يمكن أن يصل به المؤمن إلى تلك المكانة الرفيعة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (إن أقربكم مني يوم القيامة في كل موطن أكثركم علي صلاة في الدنيا، من صلى علي مائة مرة في يوم الجمعة وليلة الجمعة قضى الله له مائة حاجة سبعين من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا، ثم يوكل الله بذلك ملكا يدخله في قبري كما يدخل عليكم الهدايا يخبرني من صلى علي باسمه ونسبه إلى عشيرته فأثبته عندي في صحيفة بيضاء)([39]) 

فهذا الحديث يرسم خطة واضحة للمعية لا علاقة لها بالزمان، ولا بالمكان، بل علاقتها فقط بمدى التواصل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي تمثل الصلاة عليه أحد أهم مقوماته.

وورد في حديث آخر مقوم آخر، لا يرتبط لا بالمكان، ولا بالزمان، فقال: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون)([40])

 فهذا الحديث يحدد حسن الخلق مقياسا لمكانة المؤمن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مما لا علاقة له لا بالمكان، ولا بالزمان.

ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (خياركم أحاسنكم أخلاقا)([41])  فقد ربط صلى الله عليه وآله وسلم الخيرية في هذه الأمة، وفي غيرها من الأمم بالأخلاق الحسنة.

وهذه الأحاديث وغيرها تتناسب مع ما يقتضيه العقل السليم، لأنه من الغريب أن تصنف الأمة في قربها من الله تعالى وقربها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أساس زماني أو مكاني، لأن أي شخص قد يحتج على الله، فيقول له: يا رب لو أنك جعلتني في الزمن الذي كان فيه صلى الله عليه وآله وسلم لرأيت ما أصنع.

ولكن عندما يقرن الأمر بالطاعة والمحبة والولاء حينها لا يبقى عذر لأحد.. لأن كل أحد يمكنه أن يحقق هذه المعاني من غير حاجة لزمان ولا لمكان.

وقد حصل هذا بالفعل.. وقد حظي الصوفية عموما([42]) بهذا الشرف من دون كثير من الناس، وبذلك يكونون أقرب الناس إلى التمثل بالسنة النبوية في هذا المجال.

ولهذا نراهم يستعملون كل الوسائل للتواصل الروحي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل يرون الرجوع إليه صلى الله عليه وآله وسلم في كل محل، وقد نقل النبهاني عن كتاب (العهود المحمدية) للشعراني قوله نصيحة لمن رغب في المجاورة في أحد الحرمين: (فإن كان من أهل الصفاء فليشاوره صلى الله عليه وآله وسلم في كل مسألة فيها رأي أو قياس ويفعل ما أشار به صلى الله عليه وآله وسلم بشرط أن يسمع لفظه صلى الله عليه وآله وسلم صريحا يقظة)([43])

ولهذا نراهم يعظمون رؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقظة أو مناما، ويلتمسون كل الوسائل لتحصيلها، ومن أهمها كثرة الصلاة والسلام عليه، والتي تؤدي بالقلب إلى الاشتغال به اشتغالا كليا يطغى على الروح والجسد، وحينها تحصل الرؤية بكل اللطائف..

وقد بين الشيخ علي جمعة حقيقة الرؤية، وعدم استحالتها عقلا ونقلا، فقال: (ورؤيته صلى الله عليه وآله وسلم لا تعدو إلا أن تكون انكشافًا للولي عن حاله الذي هو في قبره صلى الله عليه وآله وسلم يقظة، وهذا لا ينكره العقل، ويؤيده النقل .. وقد تكون الرؤية رؤية صورة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحقيقية بمعنى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكانه في روضته الشريف، والرائي رأى صورته الشريفة، وتسمى صورة من عالم المثال، وذلك ينتج من كثرة المحبة والتفكير في شخصه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم، فالإنسان قد تتعدد صورته بتعدد الأسطح العاكسة كالمرايا وغيرها)([44])

بل إن السيوطي يذهب إلى أبعد من ذلك، فيقول ـ بعد إيراده للنصوص الواردة في هذا المجال ـ: (فحصل من مجموع هذه النقول والأحاديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حي بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد الله رفع الحجاب عمن أراد كرامته رآه على هيئته التي هو عليها لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال)([45]) 

ومن الأحاديث التي يمكن الاستدلال بها على هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي)([46])

فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فسيراني في اليقظة) تدل على إمكان رؤيته في حياته، وتخصيص اليقظة بيوم القيامة بعيد، لأمرين:

الأول: أن أمته صلى الله عليه وآله وسلم ستراه يوم القيامة من رآه في المنام ومن لم يره.

الثاني: أن الحديث لم يقيد اليقظة بيوم القيامة، وهذا التخصيص بغير مخصص تحكم ومعاندة.

بناء على هذا، فقد اهتم الصوفية بهذه المسألة، وألفوا في تقريرها والبرهنة عليها كتبا منها كتاب السيوطي المعنون بـ (تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك)، والذي قال في مقدمته: (فقد كثر السؤال عن رؤية أرباب الأحوال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليقظة، وأن طائفة من أهل العصر ممن لا قدم لهم في العلم بالغوا في إنكار ذلك والتعجب منه، وادعوا أنه مستحيل، فألفت هذه الكراسة في ذلك وسميتها (تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك)

وقد ساق النفراوي المالكي أسماء من قال بهذا من العلماء، وأدلتهم عليها، فقال: ( يجوز رؤيته صلى الله عليه وآله وسلم في اليقظة والمنام باتفاق الحفاظ، وإنما اختلفوا هل يرى الرائي ذاته الشريفة حقيقة أو يرى مثالا يحكيها، فذهب إلى الأول جماعة وذهب إلى الثاني: الغزالي، والقرافي، واليافعي، وآخرون، واحتج الأولون بأنه سراج الهداية، ونور الهدى، وشمس المعارف كما يرى النور والسراج والشمس من بعد، والمرئي جرم الشمس بأعراضه فكذلك البدن الشريف، فلا تفارق ذاته القبر الشريف، بل يخرق الله الحجب للرائي ويزيل الموانع حتى يراه كل راء ولو من المشرق والمغرب، أو تجعل الحجب شفافة لا تحجب ما وراءها، والذي جزم به القرافي أن رؤياه منامًا إدراك بجزء لم تحله آفة النوم من القلب فهو بعين البصيرة لا بعين البصر بدليل أنه قد يراه الأعمى. وقد حكى ابن أبي جمرة وجماعة أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة. وروي: (من رآني مناما فسيراني يقظة)، ومنكر ذلك محروم؛ لأنه إن كان ممن يكذب بكرامات الأولياء، فالبحث معه ساقط لتكذيبه ما أثبتته السنة أشار إلى جميع ذلك شيخ مشايخنا اللقاني في شرح جوهرة التوحيد)([47])

وقال الساحلي في (بغية السالك) بعدما ذكر طبقات الناس في انطباع صورته الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم في نفوسهم: (ووراء هذا ما هو أعلى درجة منه، وهو أن يراه بعين رأسه عيانا في عالم الحس ولا تنكر هذا، فقد يكرم الله من يشاء من عباده بإقامة صورته الكريمة له حتى يشاهدها، وهذا من جائز الكرامات التي يتحف الله بها أولياءه)([48])

وقال مبينا دور الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حصول ذلك التواصل المقدس مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (حدثني أبي قال:حدثني شيخي أبو القاسم المريد قال: (كان من جملة أصحابي الذين أخذوا عني رجل يقال له أبو عبد الله بن الخطيب بلغ بكثرة الصلاة على النبيصلى الله عليه وآله وسلم   درجة القرب منه واتصال مواصلته، حتى  أن  الفقيهين المحدثين كانا إذا اختلفا في الحديث من أحاديث النبي   صلى الله عليه وآله وسلم، فقال  أحدهما: هو صحيح، وقال الآخر : هو ضعيف، أتيا ( إلى أبي ) عبد الله بن الخطيب، فيرغبان منه أن يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الحديث المختلف فيه، ثم إنه إذا نام رأى النبي، فيسأله عن ذلك الحديث، فيقول له: إما نعم أنا قلته، وإما لم أقله .. فيعرفهما بذلك، فيفيدهما ذلك قوة ظن لما علم من صدق أبي عبد الله بن الخطيب، واشتهر من حاله في العدالة.. وهذا وإن لم يفد قطعا، فلا يقصر عن تغليب الظن، وكان  بحيث لا يتصرف في أمر إلا عن إذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم)([49])

بل ذكر ـ فوق ذلك ـ ما كنا قد أشرنا إليه من أن هذا النوع من العلاقة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعظم من أن ينحصر في صحابته، فقال: (وحدثني أبي عن شيخه أبي القاسم عن شيخه أبي عمران أنه قال في حكاية  طويلة: (أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنهم اختصوا به من دوننا؟ والله لأزاحمنهم فيه حتى يعلموا أنهم قد خلفوا بعدهم رجالا)

ثم علق على ذلك بقوله: (وهذا إشارة لتمكن وصلته به، بكثرة ذكره، والعكوف على حبه)

وما ذكره الساحلي عن أبي عمران هو نفس ما ذكره الغزالي في الإحياء منسوبا إلى أبي مسلم الخولاني حيث يقول: (وكان أبو مسلم  الخولاني قد علق سوطا في مسجد بيته يخوف به نفسه، وكان يقول لنفسه: (قومي، فوالله لأزحفن بك زحفا، حتى يكون الكلل منك لا مني)، فإذا دخلت الفترة تناول سوطه وضرب به ساقه. ويقول: أنت  أولى بالضرب من دابتي، وكان يقول: أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يستأثروا به دوننا، كلا، والله لنزاحمنهم عليه زحاما حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالا)([50])

في مقابل هذا الانفتاح العظيم على التواصل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي تدل عليه الأدلة العقلية والنقلية نجد جمودا خطيرا من أصحاب السنة المذهبية، والذين يتعاملون بنظرة مادية مع هذه المسألة متجاهلين أن مبنى الإيمان على الغيبية والقدرة المطلقة لله.. ولذلك لا يسأل المؤمن عن الكيفية ما دام قد تقرر في العقل الإمكان.

ومن الأمثلة على جمود أصحاب السنة المذهبية في هذه المسألة ما قاله الشيخ عبدالعزيز بن باز عند حديثه عن (حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف): (بعضهم يظن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحضر المولد ؛ ولهذا يقومون له مُحَيِّين ومرحّبين، وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل، فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، ولا يتصل بأحد من الناس، ولا يحضر اجتماعاتهم، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة، كما قال الله تعالى في سورة المؤمنون:﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون:15- 16)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر.وأول شافع وأول مشفع)([51])  عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام. فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث، كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة)

وما ذكره ابن باز من الأدلة عجيب، فلا أحد يجادل في وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في كونه أول من ينشق عنه القبر.. ولكن ذلك لا يعني عدم تواصله صلى الله عليه وآله وسلم مع أمته، وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى الأنبياء، وصلى بهم، وأخبر عن حياتهم، وهم في قبورهم.

ولست أدري ما الذي يضر ابن باز أن يستشعر المؤمنون في مجالسهم حضور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويتنعمون بذلك الحضور، وتمتلئ قلوبهم لهفة وشوقا له صلى الله عليه وآله وسلم.

لكن أهل هذه السنة لا يفقهون هذه المعاني الجليلة، ولا يستشعرونها، لأن التدين الذي يؤمنون به تدين لا يتجاوز الظواهر والسطحيات، ولذلك يقصرون علاقتهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تلك الظواهر والسطحيات.

وليت الأمر اقتصر على هؤلاء المعاصرين، بل نجد ـ للأسف ـ من المتقدمين، ومن الذين تمتلئ بكتبهم رفوف مكتباتنا ـ من يردد أمثال هذه الكلمات، فقد قال القرطبي: (وهذا القول يدرك فساده بأوائل العقول، ويلزم عليه ألا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانين وأن يحيا الآن، ويخرج من قبره ويمشى في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى في قبره منه شيء فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب، لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل)([52])

وكل هذه الإلزامات لا مبرر لها، بل لو أننا طبقنا ما قاله على العوالم الغيبية لانتفى الإيمان بها، لأن أحكام عالم الغيب ليست كأحكام عالم الشهادة، بل إن الفيزياء الحديثة تنفى الكثير من التصورات التي نتوهمها عن عالم الشهادة نفسه.

فكون الشيء في مكانين في وقت واحد لم يعد مستحيلا كما كان يتصور في الفيزياء القديمة، والتي اعتمد عليها القرطبي في تلك الدعاوى التي ادعاها.

وبهذا يمكن تفسير ما ورد في النصوص المقدسة من أن ملك الموت يقوم بقبض أرواح خلق كثيرين وفي أماكن متعددة في نفس الوقت.. فذلك ليس مستغربا عقلا، وقد دل عليه النقل.

ومثل القرطبي نجد ابن تيمية الذي لم يكتف بدعوى الاستحالة التي ذكرها القرطبي، بل حاول أن يجد لها تفسيرا كعادته، والتفسير هو أن الذي تمثل هو الشيطان، مع أن الحديث الصحيح يذكر استحالة تمثل الشيطان برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

يقول ابن تيمية: (والضلال من أهل القبلة يرون من يعظمونه: إما النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإما غيره من الأنبياء يقظة، ويخاطبهم ويخاطبونه، وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم، ومنهم من يخيل إليه أن الحجرة قد انشقت وخرج منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعانقه وصاحباه، ومنهم من يخيل إليه أنه رفع صوته بالسلام حتى وصل مسيرة أيام وإلى مكان بعيد .. وهذا موجود عند خلق كثير، كما هو موجود عند النصارى والمشركين، لكن كثير من الناس يكذب بهذا، وكثير منهم إذا صدق به يظنه أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأى ذلك رآه لصلاحه ودينه، ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان، ومن كان أقل علما قال له ما يعلم أنه مخالف للشريعة خلافا ظاهرا، ومن عنده علم منها لا يقول له ما يعلم أنه مخالف للشريعة ولا مفيدا فائدة في دينه، بل يضله عن بعض ما كان يعرفه، فإن هذا فعل الشياطين، وهو إن ظن أنه قد استفاد شيئا فالذي خسره من دينه أكثر، ولهذا لم يقل قط أحد من الصحابة : إن الخضر أتاه، ولا موسى ولا عيسى، ولا أنه سمع رد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمر كان يسلم إذا قدم من سفر ولم يقل قط أنه يسمع الرد، وكذلك التابعون وتابعوهم، وإنما حدث هذا من بعض المتأخرين ممن قل علمه بالتوحيد والسنة، فأضله الشيطان كما أضل النصارى في أمور لقلة علمهم بما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء عليهم السلام)([53])

ولم يكتف أصحاب السنة المذهبية بقطع التواصل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الباب، بل نراهم يقطعون كل باب حتى باب الرؤية المنامية، فيقصرونها على صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون غيرهم من أفراد الأمة.

ومن الأمثلة على ذلك ما قاله الشيخ ابن جبرين عندما سئل: (هل يمكن رؤية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في المنام؟ وما علامة صحة ذلك؟)

فأجاب بقوله: (وردت أحاديث كثيرة كما في صحيح البخاري في كتاب التعبير باب: (من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام) .. وظاهره اختصاص الرؤيا الصحيحة بمن كان يعرف صورته وهم الصحابة الذين رأوه في حياته، أما التابعون ومن بعدهم فإن رؤيتهم له لا تدل على الرؤية الصحيحة، حيث أنهم ما رأوه في اليقظة، ولا عرفوا صورته مقابلة، فيمكن أن يكون المرئي شبيهاً به على غير صورته الحقيقية، ولا مانع من تشبه الشيطان بغيره وزعمه أنه محمد صلى الله عليه وآله وسلم)([54])

 بعد هذا، فإننا لا ننكر أنه قد يقع بعض الاستغلال الخاطئ لرؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه قد يوجد بعض المدعين الذين يشوهون هذا المعنى.. لكن ذلك لا يعني أن نسد هذا الباب من الفضل الإلهي عن أمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنقطع صلتها به، أو لنجعل صلتها به محصورة في دوائر محدودة ضيقة هي أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة.

اعتبار التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شركا:

مع أن التوسل في حقيقته ليس سوى استشعار بأن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكانة عند الله تجعله يستطيع أن يمد بالعون من مد يده إليه.. ويغيث من استغاثه.. ويشفع فيمن طلب منه أن يشفع له..

ومع أن هذا من الحقائق المقررة في القرآن الكريم إلا أن أصحاب السنة المذهبية شاغبوا فيها إلى درجة اعتبار القائلين بهذا مشركين شركا جليا تحل به دماؤهم وأموالهم وأعراضهم.

ومن الأمثلة على ذلك ما كتبه الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ تعليقا على بعض الأبيات في البردة، واعتبارها شركا: (بلغنا من نحو سنتين اشتغالكم ببردة البوصيري، وفيها من الشرك الأكبر ما لا يخفى، من ذلك قوله: (يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك) إلى آخر الأبيات، التي فيها طلب ثواب الدار الآخرة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده، وكونه صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الأنبياء لا يلزم أن يختص دونهم بأمر نهى الله عنه عباده عموماً، وخصوصاً، بل هو مأمور أن ينهى عنه، ويتبرأ منه، كما تبرأ منه المسيح بن مريم في الآيات في آخر سورة المائدة، وكما تبرأت منه الملائكة في الآيات التي في سورة سبأ.. وأما اللياذ: فهو كالعياذ، سواء، فالعياذ لدفع الشر، واللياذ لجلب الخير، وحكى الإمام أحمد وغيره الإجماع على أنه لا يجوز العياذ إلا بالله، وأسمائه، وصفاته، وأما العياذ بغيره: فشرك، ولا فرق)([55])

ولست أدري كيف ينكرون هذا، وهم يقرؤون في القرآن الكريم الأدلة الكثيرة المثبتة للشفاعة والمثبتة قبل ذلك للوسائط، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [التوبة: 74]، وقال عن سليمان عليه السلام: ﴿ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: 39]

بل ورد في كتب السنة التي يعتمدونها ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيكون ملاذا يوم القيامة للخلائق جميعا يطلبون منه أن يشفع لهم عند الله، ففي الحديث الوارد في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة: ( فيأتون، فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه ؟ ألا ترى ما قد بلغنا ؟ فأقوم فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي عز وجل، ثم يفتح الله عليّ، ويلهمني من محامده، وحسن الثناء ليه ما لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال ك أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب)

ولست أدري كيف يعتبرون الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة، واللجوء إليه إيمانا وتسليما، في نفس الوقت الذي يعتبرون اللجوء إليه في الدنيا شركا وكفرا.

وهل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له وجود يوم القيامة، وليس له وجود الآن؟

أو أن مكانته عند الله، والتي تؤهله للشفاعة، مؤجلة إلى يوم القيامة، أما في هذه الدنيا، فلا مكانة له؟

والأخطر من ذلك كله هو كيفية استحالة القضية الواحدة إلى إيمان من جهة، وإلى شرك من جهة أخرى.. وهذا من أعجب العجب الذي يقع فيه أصحاب السنة المذهبية.

إذ أنهم يعتبرون لجوء الخلق إلى  رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومد أيديهم إليه في الآخرة إيمانا وتسليما، في نفس الوقت الذي يعتبرون مد أيديهم إليه في الدنيا شركا.. مع أنه لو كان ذلك شركا، لكان في الآخرة أكبر لأن الخلق في ذلك الموقف عاينوا أهوال القيامة، وانكشفت الحقائق أمامهم رأي العين.

بالإضافة إلى هذا، فقد ورد في الأحاديث الكثيرة ما يدل على لجوء الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس لأجل أمر دينهم فقط، بل لأمور دنياهم أيضا، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجيب دعواتهم.. بل يحضهم على التوسل به لتحقيقها.

بل ورد في القرآن الكريم الأوامر الإلهية تدعو إلى استثمار هذه الناحية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستفادة منها، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 64]

وبناء على هذا كان التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نوعا من الحضور معه، والشعور بمعيته، وله تأثير كبير في ربط القلب بمحبته، وهو السبيل الصحيح لسلوك سنته.

لكن أصحاب السنة المذهبية حرموا الأمة من الاستفادة من هذه المعاني الجليلة حين اعتبروا كل ذلك شركا وضلالة، وأولوا كل ما ورد في ذلك من النصوص، أو كذبوها مع ورود الأدلة الكثيرة على صحتها.

ومن أمثلة تلك المواقف موقف ابن تيمية الذي راح في هذا المحل ـ كغيره من المحال التي لا تتناسب مع منهجه ـ يطلق أيقونته المعهودة في تكذيب النصوص التي لا تتناسب مع هواه الأموي، فقال في كتابه الذي خصصه لهذا الغرض (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة): (السؤال به، فهذا يجوّزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء كثير من الناس، لكنَّ ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك كله ضعيفٌ بل موضوع، وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة، إلا حديث الأعمى الذي علَّمه أن يقول: (أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة)، وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشفاعته، وهو طلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء، وقد أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول: (اللهم شَفِّعْه فيَّ) ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ذلك مما يعد من آيات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدْعُ لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله)([56])

وبما أننا رددنا على هذا بتفصيل في كتابنا [شيخ الإسلام في قفص الاتهام]، وذكرنا الكثير من الأدلة على تهافت ما ذكره ابن تيمية من عدم صحة ما ورد في هذه المسألة من نصوص، فسنكتفي هنا بالرد على ما ذكره من ارتباط التوسل بحياته صلى الله عليه وآله وسلم، وقصر ذلك على صحابته دون غيرهم من أفراد الأمة، وهو قول يفضي إلى قطع صلة الأمة بنبيها كما ذكرنا ذلك سابقا.

والرد على هذا ـ أولا ـ بأن موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يغاير حياته إلا في ناحية واحدة، وهي انقطاع الوحي، أما ما عداه فإن حياته صلى الله عليه وآله وسلم لاشك فيها، بل تدل عليها كل الأدلة.. فإن كان الشهداء، وهم أدنى بآلاف آلاف الدرجات من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد نفى الله موتهم، ونهى عن اعتقاد ذلك، فقال تعالى:﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران:169)، فكيف برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيد الشهداء والعارفين والنبيين؟

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بأن أعمال أمته تعرض عليه، وأنه يدعو لهم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم، تعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله تعالى وإن رأيت شرا استغفرت لكم) ([57])

فإن شك في هذا الحديث، فقد قال تعالى:﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:105)

فإن قيل: بأن هذه رؤية وليست دعاء أو شفاعة، فنقول: إن كان الله تعالى أخبر بدعوة الملائكة ـ عليهم السلام ـ للمؤمنين، كما قال تعالى:﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (غافر:7)، فإن كان هذا مع حملة العرش، فكيف برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع أمته التي كلف بها، وهو أحرص الخلق عليها؟

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيراً استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا) ([58])

فإن جاز هذا للعشائر والأقارب، وهم أفراد من الأمة، فكيف لا يجوز لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أحن على أمته من آبائهم، وأمهاتهم، وقد قال تعالى:﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (الأحزاب: 6)

هذا أولا .. وبالإضافة إليه فإن الشرك الحقيقي هو اعتقاد التأثير لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حال حياته، وعدم التأثير بعد موته.. لأن المؤمن يدرك أن الله هو الفاعل والمؤثر مطلقا .. وأن دور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الوساطة.. أي أنه وسيلة للفضل الإلهي.. ولذلك فإن هذه اللفظة وحدها [الوسيلة] تدل كل عاقل على التوحيد الحقيقي الذي تدل عليه السنة النبوية.. لا التوحيد الذي يدعو إليه أصحاب السنة المذهبية.

الحكم ببدعية جميع مظاهر الارتباط الشعوري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

مع أن النصوص الكثيرة تدل على أن العلاقة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تقتصر فقط على الجانب التشريعي، بل تتعداه إلى تلك المشاعر العاطفية العميقة، والتي قد تفرز من السلوكات ما لا يمكن الحكم عليه بالضلالة أو البدعة باعتباره إفرازا طبيعيا لتلك المحبة والأشواق العظيمة إلا أننا نجد أصحاب السنة المذهبية يغضون الطرف عن كل تلك النصوص، ويهملونها، ولا يهتمون بها، بل يعتبرون السنة في الجفاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والبدعة في كل السلوكات التي ترشح عن المحبة، وتنبع من الشوق.

ولهذا نجد علما كبيرا من أعلام السنة المذهبية، كابن تيمية، يقف مواقف سلبية من زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. بل يحاول بكل ما أوتي من أسلحة التبديع والتضليل أن يحول من زيارته صلى الله عليه وآله وسلم والتي تحن لها القلوب، إلى معصية من المعاصي، بل بدعة من البدع، مع أن ذلك مما تعارفت عليه الأمة الإسلامية سلفها وخلفها، بل ما تعارفت عليه الأمم من قبلها حتى لا تنقطع صلتها بمن ترجع إليهم في شؤون دينها ودنياها، وحتى لا تزول آثارهم التي تدل عليهم.

وقد ذكر ابن تيمية هذه المسألة في مواضع كثيرة من كتبه، ومنها فتواه لمن سأله عن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (مَن زار قبري وجبت له شفاعتي)، و(من زار البيت ولم يزرني فقد جفاني)، وهل زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على وجه الاستحباب أو لا؟

فأجاب: (أمّا قوله: (مَن زار قبري وجبت له شفاعتي) فهذا الحديث رواه الدارقطني ـ فيما قيل ـ بإسناد ضعيف، ولهذا ذكره غير واحد من الموضوعات، ولم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها من كتب الصحاح والسنن والمسانيد، وأمّا الحديث الآخر قوله: (مَن حج البيت ولم يزرني فقد جفاني)، فهذا لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث، بل هو موضوع على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعناه مخالف للإجماع، فإنّ جفاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الكبائر.. وأمّا زيارته فليست واجبة باتّفاق المسلمين، بل ليس فيها أمر في الكتاب ولا في السنّة، وإنّما الأمر الموجود في الكتاب والسنّة بالصلاة عليه والتسليم. وأكثر ما اعتمده العلماء في الزيارة قوله في الحديث الذي رواه أبو داود: (ما من مسلم يسلّم عليّ، إلاّ ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام)([59])

بل إن الأمر وصل به إلى هذا الجفاء الذي عبر عنه بقوله: ( أن إتيان مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقصد ذلك والسفر لذلك أولى من إتيان قبره لو كانت الحجرة مفتوحة والسفر إليه بإجماع المسلمين. فإن الصحابة كانوا يأتون مسجده في اليوم والليلة خمس مرات والحجرة إلى جانب المسجد لم يدخلها أحد منهم لأنهم قد علموا أنه نهاهم أن يتخذوا القبور مساجد وأن يتخذوا قبره عيدا أو وثنا.. وكذلك قد علموا أن صلاتهم وسلامهم عليه في المسجد أولى من عند قبره. وكل من يسافر للزيارة فسفره إنما يكون إلى المسجد سواء قصد ذلك أو لم يقصده والسفر إلى المسجد مستحب بالنص والإجماع)([60])

وقال: (لو كان قبر نبينا يزار كما تزار القبور لكان أهل مدينته أحق الناس بذلك كما أن أهل كل مدينة أحق بزيارة من عندهم من الصالحين فلما اتفق السلف وأئمة الدين على أن أهل مدينته لا يزورون قبره بل ولا يقفون عنده للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا وإن لم يسمى هذا زيارة، بل يكره لهم ذلك عند غير السفر!! كما ذكر ذلك مالك وبين أن ذلك من البدع التي لم يكن صدر هذه الأمة يفعلونه علم أن من جعل زيارة قبره مشروعة كزيارة قبر غيره فقد خالف إجماع المسلمين)([61])

وقال في (الرد على الأخنائي): (ولهذا كان الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين إذا دخلوا المسجد.. لم يكونوا يذهبون إلى ناحية القبر فيزورونه هناك ولا يقفون خارج الحجرة كما لم يكونوا يدخلون الحجرة أيضا لزيارة قبره .. ولا كانوا أيضا يأتون من بيوتهم لمجرد زيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم بل هذا من البدع التي أنكرها الأئمة والعلماء وإن كان الزائر ليس مقصوده إلا الصلاة والسلام عليه وبينوا أن السلف لم يفعلوها)([62])

وقال في نفس الكتاب: (ومعلوم أن أهل المدينة لا يكره لهم زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد وغيرهم ... ولكن قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم خص بالمنع شرعا وحسا كما دفن في الحجرة ومنع الناس من زيارة قبره من الحجرة كما تزار سائر القبور فيصل الزائر إلى عند القبر، وقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس كذلك فلا تستحب هذه الزيارة في حقه ولا تمكن) ([63])

بل إنه لم يكتف بهذا، بل راح يحرم السفر لزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويعتبره بدعة، ويحرم قصر الصلاة لمن فعل هذا، وكأن الذي يريد أن يزور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يفعل معصية.

وقد أفتى الفتاوى الكثيرة في ذلك، منها قوله: (وأما إذا كان قصده بالسفر زيارة قبر النبي دون الصلاة في مسجده، فهذه المسألة فيها خلاف، فالذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أن هذا غير مشروع ولا مأمور به، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)([64])

ومنها قوله في (مجموع الفتاوى): (السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر بها رسول الله، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة)([65])

ومنها قوله في تبديع أشواق المسلمين لزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الهم بالحج: (حتى أن أحدهم إذا أراد الحج لم يكن أكثر همه الفرض الذي فرضه الله عليه وهو حج بيت الله الحرام، وهو شعار الحنيفية ملة إبراهيم إمام أهل دين الله بل يقصد المدينة. ولا يقصد ما رغب فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة في مسجده .. بل يقصد من زيارة قبره أو قبر غيره ما لم يأمر الله به ورسوله ولا فعله أصحابه ولا استحسنه أئمة الدين. وربما كان مقصوده بالحج من زيارة قبره أكثر من مقصوده بالحج وربما سوى بين القصدين وكل هذا ضلال عن الدين باتفاق المسلمين بل نفس السفر لزيارة قبر من القبور - قبر نبي أو غيره - منهي عنه عند جمهور العلماء حتى أنهم لا يجوزون قصد الصلاة فيه بناء على أنه سفر معصية.. وكل حديث يروى في زيارة القبر فهو ضعيف بل موضوع)([66])

وقد حصل بسبب فتاواه في ذلك فتنة عظيمة في الأمة لا نزال نعيشها آثارها إلى الآن، قال الحافظ ابن حجر يشير إلى ذلك: (والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شدِّ الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية)([67])

وقال الحافظ أبو زرعة العراقي في بعض أجوبته المسماة ( الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية) عند الكلام على المسائل التي انفرد ابن تيمية بها: (وما أبشع مسألتي ابن تيمية في الطلاق والزيارة، وقد رد عليه فيهما معاً الشيخ تقي الدين السبكي، وأفرد ذلك بالتصنيف فأجاد وأحسن)([68])

وقال في (طرح التثريب): (وللشيخ تقي الدين ابن تيمية هنا كلام بشع عجيب يتضمن منع شد الرحل للزيارة، وأنه ليس من القرب، بل بضد ذلك، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في شفاء السِّقام فشفى صدور قوم مؤمنين)([69])

وذكر الحافظ العلائي المسائل التي انفرد بها ابن تيمية، ومنها هذه المسألة، فقال: (ومنها أنَّ إنشاء السفر لزيارة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم معصية لا تقصر فيها الصلاة، وبالغ في ذلك ولم يقل به أحد من المسلمين قبله)

هذا نموذج من النماذج وإلا فإن ابن تيمية ومدرسته وأعلام السنة المذهبية لم يتركوا حبلا يربط الأمة بنبيها إلا قطعوه، وليتهم اكتفوا بقطعه، بل راحوا يتهمون الذين يمدون أيديهم كل حين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبدعة والضلالة والشرك، وغيرها من التهم الجاهزة.

قطع صلة الأمة بأهل بيت نبيها صلى الله عليه وآله وسلم

من الحبال الممدودة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمته من بعده، والتي تواترت النصوص بالدلالة عليها حبل أهل بيته عليهم السلام، والذين وردت الوصية بهم بأساليب مختلفة.

لعل أبلغها ما ورد في القرآن الكريم عند حديثه عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.. فالله تعالى يعطي أهمية خاصة لذرية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويبين أن لهم مكانة كبيرة، لا من الجانب العاطفي فقط، وإنما من جانب العملي أيضا، باعتبار أن لهم اصطفاء خاصا، ودورا مهما في الرسالة وحفظها والوفاء بمقتضياتها.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى سنته في ذلك، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 33، 34]

ومن العجيب أن يطالب عشاق آل بيت النبوة بالدليل بعد هذه الآية الكريمة، وهي أوضح الواضحات.. فإن كان الله تعالى قد اصطفى آل إبراهيم وآل عمران.. وهما أدنى من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكثير.. فكيف لا يصطفى آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

ومثل تلك الآية الكريمة قوله تعالى عند تسميته للأنبياء عليهم الصلاة والسلام المذكورين في القرآن الكريم: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87)﴾ [الأنعام: 83 - 87]

فهذه الآيات الكريمة توضح الصلات النبسية بين الأنبياء جميعا، وتبين أن الاجتباء الإلهي شملهم بهذا الشكل، ولا راد لاجتباء الله.

ولم يكتف القرآن الكريم بهذا التعميم، بل ذكر تفاصيل كثيرة تدل عليه، حتى يترسخ في الأذهان أن اصطفاء الأنبياء فضل إلهي باعتباره استمرارا للنهج الرسالي وتوحيدا لمسيرته حتى لا تنحرف به الطرق والمناهج.

ومن تلك التفاصيل ما ذكره الله تعالى من اصطفائه لآل إبراهيم عليهم السلام في آيات متعددة، كقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [العنكبوت: 27]

بل إن القرآن الكريم يذكر أن إبراهيم عليه السلام نفسه دعا الله أن يكون الخط الرسالي ممتدا في ذريته، فقال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 124]

وقد صرح  القرآن الكريم بانقسام ذريته إلى محسن وظالم في قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: 112، 113]

بل إن الله تعالى صرح بأن الأمر باق في عقبه، فقال: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: 28]

بل إن الله تعالى ذكر أن إبراهيم عليه السلام – كما سأل ربه أن يجعل ذريته أئمة للناس - سأله أيضا أن يوفق الناس لمودتهم والاقتداء بهم، فقال – على لسان إبراهيم عليه السلام -: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37]

ومن تلك التفاصيل ما ذكره الله تعالى من اصطفائه لآل موسى وآل هارون عليهم السلام، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى في قصة طالوت: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 248]

بل إننا نجد أن الله تعالى اختار هارون أخا موسى عليه السلام ليكون معينا له ووزيرا بناء على طلب موسى، فقال:﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ﴾ [الفرقان: 35]

ومن تلك التفاصيل ما ذكره الله تعالى من اصطفائه لآل يعقوب عليهم السلام، وهم وإن كانوا جزءا من آل إبراهيم، لكن القرآن خصهم بالذكر عند الحديث عن يوسف بن يعقوب عليهما السلام في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: 6]

وذكرهم عند الحديث عن زكريا عليه السلام حينما دعا الله عز وجل وطلب الذرية الصالحة، فقال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ [مريم: 5، 6]

 ومن تلك التفاصيل ما ذكره الله تعالى من اصطفائه لآل داود عليهم السلام، والذين ورد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13]، وقد بين القرآن الكريم أن سليمان ورث داود، فقال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 16]

وهكذا نجد حديث الله عن اصطفائه لآل بيت أنبيائه، وإعطائهم مكانة خاصة، وهي سنته فيهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولى بذلك منهم، إن لم يكن نظيرا لهم فيه، وقد قال تعالى عنه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: 9]

لكن السنة المذهبية تعرض عن كل هذه النصوص الواضحة في دلالتها، والقطعية في ثبوتها لتعتبر أن تقديم آل الرسول على غيرهم أثر من آثار الجاهلية في تقديم أهل بيت الرؤساء، كما نص على ذلك ابن تيمية بقوله في (منهاج السنة) – على طريقته الخاصة في التحايل -: (وإنما قال من فيه أثر جاهلية عربية أو فارسية: إن بيت الرسول أحق بالولاية. لكون العرب كانت في جاهليتها تقدم أهل بيت الرؤساء، وكذلك الفرس يقدمون أهل بيت الملك، فنقل عمن نقل عنه كلام يشير به إلى هذا، كما نقل عن أبي سفيان، وصاحب هذا الرأي لم يكن له غرض في علي، بل كان العباس عنده بحكم رأيه أولى من علي، وإن قدر أنه رجح عليا، فلعلمه بأن الإسلام يقدم الإيمان والتقوى على النسب، فأراد أن يجمع بين حكم الجاهلية والإسلام)([70])

وابن تيمية بهذا القول وغيره من الأقوال الشنيعة يرمي كما كبير من النصوص التي يوصي فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بآل بيته، ويعتبرهم مراجع الأمة من بعده، بل يعتبرهم صمام أمنها، وسفينة نجاتها كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها غرق)([71])

ففي الحديث المتواتر في كتب السنة، قال : (إني تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، الثقلين وأحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي. ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)([72])

وفي رواية: (أيها الناس. إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول من ربي فأجيب. وإني تارك فيكم الثقلين. أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به. فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي)([73])

وللأسف فإن هذا الحديث مع وروده بلفظ (كتاب الله وعترتي) ومع كثرة الروايات الواردة فيه بهذا المعنى استبدل بحديث آخر، وصار هو المعروف عند الناس، وهو استبدال (عترتي) بلفظ (سنتي) مع أنه لم يرد في أي من الصحاح الست، وقد أخرج الحديث بهذا اللفظ مالك بن أنس في موطئه ونقله مرسلا غير مسند، وأخذ عنه بعد ذلك البعض كالطبري وابن هشام ونقلوه مرسلا كما ورد عن مالك.

مع العلم أنه في قانون المحدثين لا يروى الحديث إلا بأصح صيغه، هذا في حال كون الصيغة المروية عن مالك صحيحة باعتبار المحدثين لأنها مرسلة، ولكنه للأسف صار الحديث المرسل هو الأصل، وصار الحديث المتواتر في حكم المكتوم، بل لو أن شخصا حدث به لاتهم في دينه.

بالإضافة إلى هذا، فقد وردت الأدلة الكثيرة التي تدل على وجوب الرجوع إلى آل البيت لتلقي الدين، وهي لا تعد ولا تحصى، فقد ورد في الحديث الصحيح المعروف: (علي مني وأنا منه. ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي)([74])

وقال : (ومن أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة التي وعدني بها ربّي، وهي جنّة الخلد، فليتوّلَ عليّاً وذرّيته من بعدي؛ فإنّهم لن يخرجوكم من هدى، ولن يدخلوكم باب ضلالة)([75])

وقال : (إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. ولكنه خاصف النعل وكان علي يخصف نعل رسول الله في الحجرة عند فاطمة)([76])

وفي رواية أخرى: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لتنتهن معشر قريش، أو ليبعثن الله عليكم رجلا مني امتحن الله قلبه للإيمان، يضرب أعناقكم على الدين. قيل يا رسول الله أبو بكر؟ قال: لا. قيل: عمر. قال: لا. ولكن خاصف النعل في الحجرة)([77])

لكن السنة المذهبية ـ للأسف ـ أعرضت عنهم، بل قدمت عليهم الطلقاء واليهود، حتى أن مرويات كعب الأحبار في تفسير القرآن الكريم وفي كتب العقيدة أكبر بكثير من المرويات التي رووها عن أهل البيت عليهم السلام.

بل إننا نجد أهل هذه السنة يعظمون السنة التي حصل فيها المأساة الكبرى حين حصل الصلح بين الحسن بن علي مع معاوية، ويسمون تلك السنة سنة الجماعة.. ويعتبرون معاوية بموجبها خليفة للمسلمين مع تلك النصوص الكثيرة التي تعتبر الحسن بن علي سيد شباب أهل الجنة .. وأن له مكانة عظيمة في الدين..

ولكن مع ذلك  يعتبرون ذلك الموقف إقرارا منه بحقانية معاوية، وهم ينسون أن يقرؤوا قوله تعالى في وصف وضع قريب من الوضع الذي كان فيه الحسن بن علي: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ [طه: 92 - 94]

فهذه الآيات توضح سنة من سنن الغواية التي يتلاعب بها الشيطان بأتباع الأنبياء حين يسول لهم أن يأخذوا دينهم من السامري، ويتركوا النبي وآل بيت النبي.

ومثلما حصل للحسن بن علي حصل لأخيه الحسين بن علي الذي ورد في الأحاديث الكثيرة بيان فضله ومرتبته من الدين، وأنه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك نجد أصحاب السنة المذهبية حين يذكرون تلك التضحية العظيمة التي قام بها الحسين للحفاظ على الدين في وجه من يريد تحريفه، يحتقرون ما فعله، بل يعتبرونه من الأخطاء الكبرى التي لا منفعة فيها.. ويقدمون عليه مواقف ابن عمر وغيره من الصحابة..

يقول ابن تيمية: (ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا بل تمكن أولئــك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قتلوه مظلوماً شهيداً وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده. فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء، بل زاد الشر بخروجه وقتله ونقص الخير بذلك وصار ذلك سبباً لشر عظيم)([78])

وهكذا أصبح ابن تيمية وغيره من أعلام السنة المذهبية أساتذة وأئمة وناصحين لذلك الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سِبْطٌ من الأسباط)([79])

بل أعلن صلى الله عليه وآله وسلم، وهو في حياته الشريفة أنه سلم لمن سالم وحرب لمن حارب، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى ابنته فاطمة وإلى علي ومعهما الحسن والحسين وقال لهم: (أنا حرب لمن حاربكم، وسِلْمٌ لمن سالمكم) ([80]) ، وقال: (من أحب الحسن والحسين أحببته، ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله جنات النعيم، ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله جهنم وله عذاب مقيم)([81])

ولكن مع ذلك فإن أصحاب السنة المذهبية اعتبروا كل من سالم آل بيت النبوة ووقف معهم ضالا ومبتدعا، واعتبروا كل من حاربهم وناصبهم العداء سنيا ومهتديا.

رسول الله .. والحياء

ورد في النصوص المقدسة الكثيرة اعتبار الحياء من أمهات الأخلاق، وأركانها، وأنه يستحيل أن يكون الإنسان متخلقا، وهو خال من الحياء..

بل أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الحياء هو الخلق الممثل للإنسان المسلم، فقال: (إن لكلّ دين خلقا، وخلق الإسلام الحياء)([82])

بل أخبر أنه أثر من آثار الإيمان وعلامة من علاماته، فقال مخاطبا رجلا رآه يعاتب أخاه في الحياء: (دعه فإن الحياء من الإيمان)([83])

بل ذكر صلى الله عليه وآله وسلم أن الحياء منبع لكل خير، ولكل خلق طيب، فقال: (الحياء لا يأتي إلا بخير)([84]) 

وقد وضح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سر كون الحياء أصلا من الأصول التي تنبع منها جميع الأخلاق الطيبة، فقال ـ موضحا لمن قصر الحياء على مناح معينة ـ: (ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء)([85])

ووضح في حديث آخر أسرار تأثير فقدان الحياء في اعتلال الشخصية وانحرافها، فقال: (إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا، فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا، فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا، فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الإسلام)([86])

وهكذا نرى من خلال هذه الأحاديث وغيرها قيمة الحياء في الدين، وعلاقته بالإيمان، وعلاقته بكمال الشخصية..

لكنا عندما نعود للقلوب المريضة التي أتيح لها أن تسرب بعض سمومها إلى تراثنا الحديثي نجدها ترسم صورة مختلفة تماما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تتناقض مع هذا الخلق العظيم.. فهي تصوره بصورة الفاحش المتفحش الذي يمارس من السلوكات ما يستحيي منه أبسط الناس وأحقرهم وأبعدهم عن ذلك الكمال الذي آتاه الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن الأمثلة على ذلك الحديث المروي في مناقب عثمان بن عفان.. والذي أراد واضعه من خلاله أن يحبب الناس في عثمان باعتباره من الشخصيات التي وقع حولها التنازع بين مذاهب الأمة وطوائفها، لكنه نسي أن الذي سيضحي به ليثبت به تلك المنقبة هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو أستاذ الأساتذة ومربي الأمة جميعا، بل هو رسول الرسل، وأقرب المقربين إلى الله.

ونص الحديث هو ما رواه مسلم وغيره عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مضطجعا في بيتي، كاشفا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له، وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسوى ثيابه - قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد - فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال: (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة)([87])

وقد تلقف أصحاب السنة المذهبية هذا الحديث كما يتلقفون القرآن الكريم، يأبون من يتكلم فيه، ويبررون كل ذلك بأشياء لا قيمة لها أمام قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

ذلك أنهم إن قالوا: إن ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كشفه لفخذه لم يكن مما يستدعي الحياء، فذلك يجعلهم يتناقضون مع ما ورد في السنن الكثيرة من إثبات كون الفخذ عورة([88]).. وبذلك يكون كشفها حراما.. وبذلك يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تصورهم قد ارتكب حراما.

فإن جادلوا، وقالوا: ومع تلك الأحاديث .. فالأرجح أن الفخذ ليس عورة.. رد عليهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر في الحديث بأن كشفها ليس من الحياء.. لأن المستحيي لا يتورع عن الحرام فقط، بل يتورع عن الشبهات، بل حتى عن المباحات التي لا تنسجم مع ما يقتضيه الخلق الطيب.

فإن جادولوا ـ وهذه عادتهم ـ بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خص بذلك عثمان .. رد عليهم بأن الخلق واحد مع الجميع، فلا يمكن لشخص أن يعتبر صادقا، وهو يصدق مع قوم دون قوم.. أو في قضية دون قضية..

فإن جادلوا، وقالوا: ولكن الحديث في صحيح مسلم.. قلنا لهم: صحيح مسلم وصحيح البخاري وكل كتب الدنيا فداء لشعرة من شعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فأيهما أعظم لكم أن يرد حديث قد يتوهم راويه أو يخطئ كاتبه، أو تمس كرامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويمس أعظم ميزة فيه صلى الله عليه وآله وسلم وهو أخلاقه العالية التي لا يضاهيها أي كان صحابيا كان أو نبيا أو حتى ملاكا مقربا.. فكيف تتصورون بربكم أن صحابيا ـ لا ترون عصمته ـ يكون أعظم خلقا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

هذا مثال على ذلك.. وليت الأمر توقف على هذا.. بل ربما يكون واضع هذا الحديث وأمثاله يؤسسون نظريا لما هو أخطر وأعظم .. لأنهم إن أودعوا في النفوس بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتوفر له الحياء الذي يتوفر لعثمان.. فإنهم بعد ذلك يمكنهم أن يضعوا من الأحاديث العملية المثبتة لذلك ما يسهل قبوله، خاصة من الذين يقدمون السلف والسنة المذهبية التي جاءوا بها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه.

ومن الأمثلة العملية التي نزعوا بها ثوب الحياء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الحديث الخطير الذي يكفي تصور مشهده ليرتعش كل الجسم منه.

ففيه نرى السنة المذهبية، وهي بكامل أمراضها تضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في موقف حرج جدا مناف لكل قيام الحياء والعفاف والنبل، وكل ذلك لتظهر الصحابة في مظهر أكرم وأشرف وأنبل من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي كان يتتلمذ على أيديهم، لا هم الذين يتتلمذون على يديه.

ونص الحديث كما رواه الترمذي وصححه الألباني عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالسا فسمعنا لغطا وصوت صبيان، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا حبشية تزفن والصبيان حولها، فقال: (يا عائشة تعالي فانظري)، فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: (أما شبعت، أما شبعت؟). قالت: فجعلت أقول لا لأنظر منزلتي عنده إذ طلع عمر، قالت: فارفض الناس عنها: قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إني لأنظر إلى شياطين الإنس والجن قد فروا من عمر)، قالت: فرجعت([89]).:

ومع أن تصور هذا الحديث وحده كاف للدلالة على ما نقول.. ولكن مع ذلك نحتاج إلى بعض التوضيحات التي ترسم المشهد، وتقربه من القارئ المعاصر.

والصورة هي أنه كانت هناك جارية .. والظاهر أنها عاقلة بالغة .. بدا لها أن ترقص كما يرقص الحبشة في الشارع.. وأمام الناس.. وكان الصبية يلتفون حولها، وهي بتلك الحالة.. فلمحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ ونستغفر الله من هذا ـ فأسرع إلى عائشة، وطلب منها أن تحضر مجلس الرقص.. وعندما حضرت وضعت عائشة ـ بحسب الحديث ـ ذقنها على منكب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. وأمام الناس.

وبعد مدة طلع عمر فانفض الناس عن الجارية خوفا منه.. مع أنه كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم.. ومع ذلك لم يشعروا بشيء..

وليت الأمر توقف عند هذا، إذن لأمكن أن نحتال ببعض المبررات.. لكن المشكلة أن هؤلاء ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما رأى الناس يفرون لحضور عمر قال: (إني لأنظر إلى شياطين الانس والجن قد فروا من عمر)

وهذا عجب عجاب.. وتصور المشهد وحده كاف لضرب كل القيم التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

ولن أجادل هؤلاء كثيرا.. بل أكتفي بأن أطلب منهم فقط أن يحيوا السنة المرتبطة بهذا المشهد.. بأن يحضروا زوجاتهم.. ثم يطلبون منهم أن يشاهدوا عروض الرقص التي يقوم بها الحبشة أو غيرهم.

فإن عز عليهم ذلك، وخافوا على وقارهم، فليكتفوا بأن يحضروا زوجاتهم ـ وأمام الملأ من الناس ـ ويحيوا سنة وضع الزوجة ذقنها على منكب زوجها كما رووا في الحديث..

أم أنهم يرون ذلك خادشا لحيائهم ووقارهم ومروءتهم.. فإن كان كذلك فلم جوزوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما نزهوا عنه نفوسهم.

وقد قرأت في فتاواهم الكثيرة ما يدل على حرمة ما هو أقل درجة من الفعل الذي وصفوا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد وجه للشيخ محمد الصالح المنجد في موقعه [الإسلام سؤال وجواب] هذا السؤال: (هل يجوز للزوجين أن يقبض كل منهم على يد الأخر وهم يمشون في الشارع؟)

ومع أن هذا أدنى بكثير من المشهد الذي رسموه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكن مع ذلك كان جواب الشيخ: (يجب على الرجل وامرأته إذا سارا معا في الشارع أن يتحليا بالحشمة ويتصفا بالوقار، وخاصة إذا كانا ملتزمين بأحكام الدين وآداب الإسلام، فإن الناس في العادة يتخذونهما قدوة، وينظرون إليهما نظرة تبجيل واحترام، فلا بد من مراعاة ذلك.. )

هذه صورة من الصور التي تستعلي بها السنة المذهبية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه حين تجوز عليه من خوارم المروءة ما تنزه نفسها وسدنتها عنه.

وبمناسبة ذكر السدنة لو أنك قبل أن تورد الحديث ذكرت لهؤلاء أنه قد نشر على النت صورة لابن باز أو العثيمين أو غيرهما من المشايخ، وهو على الحالة التي صور بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاشتد غضبه، وذكر لك أن ذلك كذب، وأن ابن باز أو ابن العثيمين أكبر وأتقى من أن يفعلا هذا.

وبهذه المناسبة أذكر أني في بعض المجالس، حيث كنا نتحدث عن سورة عبس، فذكرت للجالسين، وأكثرهم من أهل السنة المذهبية، أن هناك رواية تنص على أن الذي عبس هو عثمان بن عفان، وليس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقامت قيامة أحدهم، وقال لي: أنت بقولك هذا تطعن في الصحابة.. ونسي أنه بقوله أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطعن في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. لكن السنة المذهبية تجوز الطعن في رسول الله، ولا تجوز انتقاد بعض مواقف أصحابه، مهما كان ذلك الانتقاد لطيفا ومؤدبا.

وليت السنة المذهبية اكتفت بأمثال هذه المشاهد.. بل إنها توغل في رفع الحياء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين تصوره بتلك الصورة التي نهى عنها نهيا شديدا، بل اعتبر فاعلها شيطانا، وهو ما نص عليه الحديث الذي ذكر فيه أن  رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل المسجد، وفيه نسوة من الأنصار، فوعظهن، وذكرهن، وأمرهن أن يتصدقن، ولو من حليهن، ثم قال: (ألا عست امرأة أن تخبر القوم بما يكون من زوجها إذا خلا بها، ألا هل عسى رجل أن يخبر القوم بما يكون منه إذا خلا بأهله)، فقامت امرأة سفعاء الخدين، فقالت: والله إنهم ليفعلون، وإنهن ليفعلن. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (فلا تفعلوا ذلك، أفلا أنبئكم ما مثل ذلك؟ مثل شيطان لقي شيطانة بالطريق، فوقع بها، والناس ينظرون)([90])

فمع أن أصحاب السنة المذهبية يروون هذا الحديث، ويطبقونه في حياتهم أحسن تطبيق، فلا نرى أحدهم يذكر علاقته بأهله.. لكنهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتجرؤون فيذكرون ما يستحيا من ذكره..

ومن الروايات الورادة في هذا المجال ـ والتي يرتجف الفؤاد من ذكرها وسماعها ـ ما رواه مسلم تحت عنوان (باب: ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه إلى أن يأتي امرأته أو جاريته فيواقعها)

ثم أورد رواية عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى امرأة، فأتى امرأته زينب، وهي تمعس منيئة لها، فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه، فقال: (إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة، فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه)([91])

وفي رواية أخرى، أو حادثة أخرى ـ كما يذكر أصحاب السنة المذهبية عند تعدد الروايات ـ عن عبد الله بن مسعود قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأة فأعجبته، فأتى سودة وهي تصنع طيبا وعندها نسوة، فأخلينه، فقضى حاجته، ثم قال: (أيما رجل رأى امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن معها مثل الذي معها)([92])

ولست أدري ما أقول تعليقا على هذه الروايات، وهل هي تتعلق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي نعرفه .. والممتلئ بالطهارة والعفة .. ذلك الذي وصف الله تهجده وزهده وعبادته وتقواه .. ذلك الذي أتته الدنيا راغمة، فقال: إليك عني.. ذلك الذي آثر في شبابته إلى كهولته أن يتزوج امرأة تكبره سنا، وكان مع ذلك في أكثر أوقاته متوجها إلى ربه مستغرقا في تلك العوالم الجميلة.. أم أنه شخص آخر مختلف تماما.

وهذا الشخص الذي ألصقوه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غريب جدا، فهو لا يكتفي بأن يستأذن أصحابه من أجل أن يعاشر زوجته .. بل يستأذن النساء أيضا بأن يتركنه مع زوجته لقضاء حاجته.. ثم يعود إليهم، وتعود هي إليهن.. وكأنه لم يحصل شيء.. وكأنه لم يفعل شيئا يجتهد أصحاب الطبع السليم في ستره، ويستحيون من مجرد الإشارة إليه.

وفوق ذلك يرمون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه رمى بصره للمرأة الغريبة الأجنبية، فأعجبته .. وهم يريدون بذلك: أثارت شهوته .. لأن الإعجاب المجرد لا يدعو إلى ما ذكروه..

ومن الأمثلة على هذا ما روي أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل)([93])

فهل يمكن لمن روى هذا، أو نقله، أو لأي مفت في الدنيا أن يذكر لمستفتيه كيف يعاشر أهله؟  وهل هناك ضرورة تدعو إلى ذلك؟

ولكن هؤلاء يجوزون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل ما يتنافى مع المروءة والشهامة والنبل في نفس الوقت الذي ينزهون أنفسهم عنه.

ومن الأمثلة الخطيرة على ذلك ما كرره ابن تيمية مرارا عند تحذيره من صحبة الأحداث والمردان من قوله: (وقد روى الشعبي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان فيهم غلام ظاهر الوضاءة أجلسه خلف ظهره؛ وقال: إنما كانت خطيئة داود - عليه السلام – النظر) ([94])

ثم علق عليه بقوله: (هذا وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مزوج بتسع نسوة؛ والوفد قوم صالحون، ولم تكن الفاحشة معروفة في العرب؟)([95])

وقد رواه ـ مع تشدده مع الأحاديث ـ وكأنه حديث صحيح لا مجال لرفضه مع أن الحديث مكذوب موضوع ..

وهو دليل على تلك الصورة البشعة التي يحملها دعاة السنة المذهبية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. فهل يمكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الطاهر المطاهر الممتلئ بالقداسة أن يخطر على باله مثل ذلك الشذوذ أصلا..

والأمثلة على ذلك غير ما ذكرت كثيرة، وهي مما يفرح به المبشرون والمستشرقون والمستغربون، وهي كلها مما يورده أصحاب السنة المذهبية من باب تبيين أحكام الشريعة.. فهل أحكام الشريعة تبين بتشويه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبنزع تلك الصورة القدسية عنه لتحل بدلها صورة المراهق الشهواني الذي لا علاقة له بالدين ولا برب العالمين؟

عندما نترك كل هذا الغثاء والدخن الذي جاءت به السنة المذهبية ونذهب إلى السنة النبوية نجد الأمر عكس ذلك تماما، فالقرآن الكريم الذي هو المصدر الأول للسنة النبوية وللتعريف برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته وسيرته يصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحياء الشديد، وفي موقف كان يمكن أن يكون حازما فيه، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الأحزاب: 53]

تصوروا هذا المشهد الذي يتولى فيه الله سبحانه وتعالى إخبار الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستحيي من إخراجهم بيته بعد سمرهم الطويل عنده.. وكان في إمكانه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرجهم بأي طريقة.. ولكنه كان حريصا على قلوبهم ومشاعرهم أن تتأذى ولو بما لا يتأذى منه.

ولذلك وصفت السنة النبوية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها([96]) .. وأنه صلى الله عليه وآله وسلم لحيائه الشديد، لم يكن يرد سائلا، فعن أنس بن مالك قال: ( وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يُسْأل شيئا إلا أعطاه )([97]) .

ومما وصف به هند بن أبي هالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء)([98])

وكلنا يعرف قصته صلى الله عليه وآله وسلم مع البردة، والتي رواها سهل بن سعد أنَّ امرأة جاءت بُبِرْدَةٍ منسوجة، فيها حاشيتُها، قال سهل: أتدرون ما البُردةُ؟ قالوا: الشَّمْلةُ؟ قال: نعم، قالت: نَسَجتُها بيدي، فجئتُ لأكْسُوكَها، فأخذها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم محتاجاً إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فحسَّنها رجل، فقال: اكسُنِيها يا رسولَ الله، ما أحسنَها! فقال القوم: ما أحسنتَ، لَبِسها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم محتاجاً إليها، ثم سألتَها، وعلمتَ أنه لا يردُّ سائلاً، قال: إني والله ما سألته لألْبَسها، إنما سأَلته لِتكون كَفني، قال سهل: فكانت كَفَنَهُ)([99])

وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي تصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحقيقي .. رسول الله الذي حاولت السنة المذهبية أن تصوره لنا بصورة أولئك الأجلاف الغلاظ المتوحشين ليتحول المتدين إلى جلف غليظ كمن نراهم من أصحاب السنة المذهبية الذين لم يكتفوا بتشويه أنفسهم، بل شوهوا دين الله، وشوهوا معه رسول الله.

رسول الله .. والقوة

يمكن اعتبار القوة صفة من صفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكبرى التي يتفق العقل والنقل في إثباتها له..

فالعقل الفطري الذي لم يتدنس بدنس الحقد والأهواء يقر بأنه لم يوجد في الدنيا جميعا رجل استطاع ـ مع انعدام كل الوسائل المادية ـ أن ينشر من الهداية والنور ما نشره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكأن العالم قبل وجوده يختلف تماما عن العالم بعد وجوده.. وكأن البشرية تحولت بعد بزوغ نوره بمرحلة متقدمة جدا في طور الإنسانية مقارنة بالمرحلة التي سبقت ظهوره.

وذلك كله لا يستطيع القيام به ـ من الناحية العقلية والمنطقية ـ إلا من أوتي من القوة بجميع أنواعها وحبالها.

بالإضافة إلى هذه البديهية العقلية، فإن التأمل في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والنظر إلى صورته في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة يثبت هذا، ويؤكده، بل يضيف إليه أبعادا لا يستطيع العقل المجرد أن يكتشفها.

فأول قوة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو تلك الطاقة العجيبة التي جعلته يتحمل وحي الله، ويصبح واسطة بين الله وعباده.. وهذه طاقة لا يستطيع العقل المجرد تصورها، وقد أشار الله تعالى إلى ثقلها وعظمها وشدتها، فقال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]، والقول الثقيل هنا ليس فقط بمعناه، وإنما باستقباله أيضا.

ولهذا ورد في السنة المطهرة ما يدل على تلك المعاناة الشديدة التي يتحملها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند تلقيه للوحي، فقد ورد في الحديث عن زيد بن ثابت قال: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفخذه على فخذي، فكادت ترض فخذي([100]).

وحدث عبد الله بن عمرو قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله، هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أسمع صلاصيل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تفيض)([101])

وحدثت عائشة قالت: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا هذا لفظه([102]).

وحدث غيرها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته، وضعت جرانها، فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه([103]).

وهكذا تواترت الروايات والشهادات عن قوة تحمله صلى الله عليه وآله وسلم أثناء تلقيه الوحي..

ولا يقف الأمر عند ذلك.. فالوحي يتطلب تنفيذا .. كما يتطلب تبليغا .. كما يتطلب مواجهة.. وفي كل ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثال القوة في التنفيذ، والقوة في التبليغ، والقوة في المواجهة.

وكمثال على قوته في التنفيذ ذلك الأمر الإلهي الشديد الذي نزل عليه في أول نبوته، والتزمه صلى الله عليه وآله وسلم إلى أخر لحظة من حياته .. قيام الليل.. فقد كان من أول ما نزل عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)﴾ [المزمل: 1 - 4]

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم حريصا على تطبيق هذا الأمر الإلهي مع شدته، ومع الظروف الخطيرة التي مر بها، والتي كانت تستدعي منه أن يأخذ حظه من النوم بالليل، ولكنه كان يأبى ذلك.. ويجعل أكثر  ليله قياما لله، بعد نهار ممتلئ بالمشاق والمتاعب..

وقد نقل حذيفة مشهدا من مشاهد قوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العبادة، فقال: صليّت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة. قال: ثُمّ مضى فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت: يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوّذ تعوَّذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه([104]).

وعن عبد الله بن مسعود، قال: صليّت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوءٍ. قلنا: ما هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه([105]).

وعن عائشة  قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى قام حتى تتفطّر رجلاه، قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: يا عائشة، أفلا أكون عبداً شكوراً([106])؟

وهكذا كان صلى الله عليه وآله وسلم في جميع الشعائر التعبدية، فقد كان ـ وفي تلك الصحراء شديدة الحر، ومع كل تلك الجهود العظيمة التي تنوء بها الجبال ـ يقضي معظم أيامه صائما، وفوق ذلك، وبعد أن يفطر الناس لا يسارع إلى الإفطار إذا حل وقته كما يسارع الناس، بل كان يواصل.. أي يصل في صومه ليله بنهاره.. فعن أنس  عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(لا تواصلوا)، قالوا: إنك تواصل، قال:(لست كأحد منكم، إني أطعم وأسقى، أو إني أبيت أطعم وأسقى)([107])

وهكذا كان صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغه رسالة ربه .. فقد كان لا يرتاح لحظة واحدة دون تبليغها حتى أنه سافر إلى الطائف التي تبعد عن مكةَ المكرَّمةِ أكثر من خمسة وثمانين كيلو مترًا .. وسار إليها على قدمَيْه الشريفتين.. وبمجرد أن وصل إليها، ردوا عليه ردًّا منكَرًا، وسَخِروا منه واستهزؤوا به؛ بل قال له أحدهم: هو يَمْرُط (أي: أُمَزِّق) ثيابَ الكعبة إنْ كان الله أرسلَك. وقال الآخَر: أمَا وجَدَ الله أحدًا يرسله غيرك؟ وقال الثَّالث: والله لا أكلِّمك أبدًا، لئن كنتَ رسولاً من الله كما تقول، لأنتَ أعظمُ خطرًا من أن أردَّ عليك الكلام، ولئن كنتَ تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلِّمك!.

وفوق ذلك كله أغروا به الصِّبيان والعبيد والسُّفهاء، ووقفوا صفَّيْن، وأخذوا يرمونه بالحجارة، ويسخرون منه، ويسبُّونه بأقبح السباب والشتائم، حتَّى إنَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يرفع قدَمًا، ولا يضعها إلاَّ على الحجارة، وسالت الدِّماء من قدَميْه الشريفتين.

ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك كله، لم يتأثر، ولم ينفعل، ولم يدعو عليهم، بل دعا لهم، وقد ورد في الحديث أن عائشة سألته صلى الله عليه وآله وسلم: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحُدٍ؟ قال: (لقَد لقيتُ من قومِك، وكان أشدَّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة، إذْ عرَضْتُ نفسي على ابن عبد ياليلَ بن عبد كلالٍ، فلم يُجِبْني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفق إلاَّ وأنا بقرن الثَّعالب، فرفعتُ رأسي، وإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتْني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل عليه السَّلام فناداني، فقال: إنَّ الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملكُ الجبال، فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال: يا محمَّد، إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملَكُ الجبال، وقد بعثني ربِّي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؛ إن شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبَيْن، فقال النبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: (بل أرجو أن يُخْرِج الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئًا)([108])

ولم يتوقف الأمر عند الطائف، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم لأجل أداء رسالة ربه مضطرا لمخالطة كل أصناف الناس بطباعهم المختلفة، وخاصة المستضعفين منهم، والذين أمره الله تعالى بالصبر على مخالطتهم، قال تعالى:  ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (الكهف:28)

وقد قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما اقتضته هذه الأوامر من واجبات خير قيام، فكان ينهض لكل مسكين، ويقوم لكل محتاج.. ونحن نعلم كثرة المساكين في ذلك الوقت، وكثرة الحاجات، وقد قال العباس  لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن رأى الجهد الذي يصيبه جراء ذلك: يا رسول الله إني أراهم قد آذوك، وآذاك غبارهم، فلو اتخذت عريشا تكلمهم فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا أزال بين أظهرهم يطئون عقبى وينازعوني ثوبي، ويؤذيني غبارهم، حتى يكون الله هو الذي يرحمني منهم)([109])

وكان فوق ذلك يتحمل ضنك الحياة، والبؤس الشديد حتى أنه كان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، وكان تمر الأشهر ولا يوقد في بيته نار.. ومع ذلك لا نسمع منه إلا حمد الله، ولا نرى منه إلا ما يرضي الله.

هذه قطرة من بحر قوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يدل عليها العقل.. وكما يدل عليها القرآن الكريم والسنة النبوية.. لكن السنة المذهبية تنفخ سمومها على هذه الخصلة العظيمة لتنحرف بها انحرافا خطيرا يشوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعظم تشويه.

وسأنقل هنا نماذج عن ذلك التشويه الخطير، والذي ينطلق من تفسير معنى قوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. والذي وردت به روايات متعددة منها ما روي عن أنس بن مالك قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل أو النهار، وهن إحدى عشرة. قال: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟! قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين)([110])

ومنها ما رواه عن محمد بن المنتشر قال: (ذكرته لعائشة، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرما ينضخ طيبا)([111])

ومنها ما رواه قتادة عن أنس: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يدور على نسائه في الساعة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة: قال - أي قتادة -: قلت لأنس بن مالك: فهل كان يطيق ذلك؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة أربعين)([112])

وقد لقيت هذه الأحاديث الممتلئة بالغرابة، والمتعارضة تماما مع العقل والنقل، قبولا حسنا من أصحاب القلوب المريضة.. فراحت تستخدمها وسيلة لتشويه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قصدت ذلك أم لم تقصد.

أما غرابة تلك الأحاديث من حيث العقل، فلا شك فيها.. فالرجل الذي يصيبه هذا الشغف وهذه الهستريا بحيث يقوم بجولة سريعة على إحدى عشرة امرأة وفي ساعة واحدة ليس إنسانا طبيعيا، فكيف يكون نبيا؟

بالإضافة إلى أن هذا من الناحية النفسية لا يحمل أي معنى من معاني الرجولة والشهامة والنبل، فالرجل الذي يأتي زوجته كالبهائم من دون مقدمات ليس رجلا أصلا، بل ورد في الأحاديث النهي عن المعاجلة في ذلك، وهذا الحديث يتناقض مع ذلك الهدي النبوي الذي حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمته من مخالفته..

أما مخالفتها للنقل، فأدلته أكثر من أن تحصر.. ويكفي فيها تلك النصوص التي حذر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حكاية الحياة الشخصية الخاصة بين الرجل وزوجته.. فكيف يتجرأ شخص على حكاية الحياة الشخصية لنبي كريم؟ وما عهدنا ذلك إلا في حكايات الفضائح التي يقوم بها الساسة بعضهم مع بعض.

لكن مع كل ذلك نجد اهتماما كبيرا من لدن من يسمون أنفسهم أوصياء على السنة بهذه الأحاديث..

يقول ابن حجر بعد إيراده لبعض تلك الأحاديث: (وفي هذا الحديث من الفوائد... ما أعطي النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القوة على الجماع، وهو دليل على كمال البنية وصحة الذكورية)([113])

بل قام ابن حجر بحساب قوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطريقة بديعة، فقال تعليقا على ما رواه زيد بن أرقم: (إن الرجل من أهل الجنة يعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والشهوة والجماع...)([114]): (فعلى هذا يكون حساب قوة نبينا أربعة آلاف)([115])

وقال الصنعاني: (وفي الحديث دلالة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان أكمل الرجال في الرجولية؛ حيث كان له هذه القوة)([116])

ومثلهما المناوي الذي راح يستنبط المعجزات من تلك الأحاديث، فقال: (فإن قلت: هل للتمدح بكثرة الجماع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من فائدة دينية أو عقلية لا يشاركه فيها غير الأنبياء من البرية؟ قلت: نعم - بل هي معجزة من معجزاته السنية، إذ قد تواتر تواترا معنويا، أنه كان قليل الأكل، وكان إذا تعشى لم يتغد، وعكسه، وربما طوى أياما، والعقل يقضي بأن كثرة الجماع إنما تنشأ عن كثرة الأكل، إذ الرحم يجذب قوة الرجل، ولا يجبر ذلك النقص إلا كثرة الغذاء، فكثرة الجماع لا تجتمع مع قلة الغذاء عقلا ولا طبا ولا عرفا، إلا أن يقع على وجه خرق العادة، فكان من قبيل الجمع بين الضدين، وذلك من أعظم المعجزات فتدبر)([117]) 

وحتى يؤكد أصحاب السنة المذهبية أمثال هذه التشويهات التي استنبطوا منها أصلا، وهو أن من خصائص النبي قوته الشهوانية، فقد رووا عن سليمان عليه السلام ما ينقضي دونه العجب.. ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله. فلم يقل، ولم تحمل شيئا إلا واحدا ساقطا أحد شقيه. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لو قالها لجاهدوا في سبيل الله)([118]) 

ومع أن الحديث مضطرب اضطرابا شديدا، وقد اختلفت الروايات في عدد النساء، لكن ما أسهل أن يلتمس الحل لذلك، فقد قال ابن حجر في الجمع بين الروايات: (فمحصل الروايات: ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، ومائة. والجمع بينها أن الستين كن حرائر، وما زاد عليهن كن سراري أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون والمائة فكن دون المائة وفوق التسعين، فمن قال تسعون ألغى الكسر، ومن قال مائة جبره- أي أكمل الكسر- .. وقد حكى وهب بن منبه في المبتدأ أنه كان لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة مهيرة، وسبعمائة سرية)([119])

بعد هذه التبريرات اللامنطقية راح المحدثون يستنطون معاني القوة في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين هم خلاصة البشر وصفوتهم، فقد قال النووي تعليقا على هذا الحديث: (وفي هذا بيان ما خص به الأنبياء - صلوات الله تعالى وسلامه عليهم - من القوة على إطاقة هذا في ليلة واحدة، وكان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يطوف على إحدى عشرة امرأة له في الساعة الواحدة، كما ثبت في الصحيحين، وهذا كله من زيادة القوة)([120])

ويقول ابن حجر: (وفيه ما خص به الأنبياء من القوة على الجماع الدال ذلك على صحة البنية، وقوة الفحولية، وكمال الرجولية، مع ما هم فيه من الاشتغال بالعبادة والعلوم)([121])

ويقول المناوي: (إن سليمان - عليه السلام - تمنى أن يكون له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطي الملك، وأعطي القوة في الجماع؛ ليتم له الملك على خرق العادة من كل الجهات؛ لأن الملوك يتخذون من الحرائر والسراري بقدر ما أحل لهم ويستطيعونه، فأعطي سليمان - عليه السلام - تلك الخصوصية ليتميز بها عنهم، فكان نساؤه من جنس ملكه الذي لا ينبغي لأحد من بعده)([122])

وهكذا استطاعت أمثال هذه النصوص أن تنحرف بالنبوة عن معناها السامي الذي قصده القرآن الكريم إلى معان باهتة محتقرة تتفق تماما مع المنهج الذي كان يفكر به فرعون وهامان ومعاوية ويزيد.

رسول الله .. والعلم

من أهم خصائص النبوة التي وردت بها الأدلة العقلية والنقلية خاصية [العلم الشامل]، أو [العلم الراسخ]، وهي خاصية حاولت السنة المذهبية بطرق مختلفة أن تتجاهلها.. بل حاولت في أحيان كثيرة أن تلغيها.. بل صورت القائلين بها بصورة الضالين والمشركين والمغالين.

وهي تتجاهل بذلك كل ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة من تعليم الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم من عجائب العلوم وغرائبها مما لا يطيقه عقل الإنسان.

وأول ما يشير إلى هذه الناحية المهمة في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [البقرة: 31 - 33]

فهذه الآيات الكريمة تشير إلى العلوم التي تقتضيها الخلافة عن الله، وهي علوم كثيرة جدا إلى الدرجة التي سماها الله تعالى [الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا]، بل إلى الدرجة التي عجزت الملائكة عليهم السلام أن يعرفوها.. وهم من هم.. فإذا كان هذا عظمة العلم الذي لقن لآدم عليه السلام، فكيف بالعلم الذي لقن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

ويشير إلى هذا أيضا قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: 40] فإذا كان هذا علم صاحب من أصحاب سليمان عليه السلام، وهو علم مرتبط ببعض الكتاب، فكيف بعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو علم بكل الكتاب؟

ويشير إلى هذا العلم الذي أوتيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لدن الله تعالى ـ أيضا ـ قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113]

ويشير إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم ـ مخبرا عن نفسه ـ (إنِّي أرى ما لا ترَون، وأسمع ما لا تسمعون، إنَّ السماء أطت، وحقَّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا، وما تلذَّذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)([123])

وهذا الحديث يذكرنا بقوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ [الأنعام: 75]

فعلوم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام علوم رؤية ومشاهدة، وليست علوم تلقين.. لذلك لا يعتريها الخطأ، ولا يصيبها الوهم، ولا يدركها القصور.

وقد أخبر أبو ذر عن بعض العلوم التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدثهم عنها، فقال: (ولقد تَرَكَنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما يُقَلِّب طائر بجناحيه في السماء إلا ذكرنا منه عِلمًا)([124])

وعن أبي زيد الأنصاري قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الصبح، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى العصر، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غابت الشمس، فحدثنا بما كان وما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا)([125])

وعن حذيفة قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائما، فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء وإنه ليكون الشيء فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه)([126])

وهكذا وردت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تخبر عن الحقائق العلمية في المجالات المختلفة النفسية والاجتماعية .. بل والطبية والفلكية والجيولوجية وغيرها .. وما غاب عنا أكثر بكثير.

ذلك أن علوم الإنسان الكامل علوم لا تحدها التخصصات، ولا تقيدها.. لأنها إن كانت كذلك كانت علامة جهل كبير.. فالمتخصص مقيد في سجن اختصاصه، ولذلك لا يفسر الأشياء إلا على ضوئها.

فالمسجون في سجن علم الاجتماع ـ مثلا ـ أو في سجن مدرسة من مدارسه يبني مواقفه على أساسها .. وهكذا المسجون في سجون علم النفس.. وهكذا المسجون في سجون التخصصات المختلفة.. حتى التخصصات الدقيقة منها..

ولهذا اختلفت علوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن كل أصحاب تلك العلوم اختلافا تاما.. فعلومه تستقي من محيط صبت فيه جميع بحار العلوم والمعارف، أو كانت هي مصدر جميع العلوم والمعارف.

ذلك أن علوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علوم ربانية تنبع من بحار علم الله الواسع، كما قال الله تعالى مخبرا أن القرآن الكريم نزل من مشكاة علم الله:﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ (النساء:166)

لهذا، فإننا نجد في القرآن الكريم، وفي تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم له كل حقائق العلوم ما تعلق منها بالوجود، أو بالحياة، أو بتنظيم الحياة.. كل ذلك نجده واضحا جليا في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة.

وقد أشار القرآن إلى هذا في قوله تعالى:﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89)

فكل الحاجات التي ترتبط بالإنسان توجد خلاصتها في هذا الكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. والذي قام محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حياته جميعا بتفسيره..

وقد يقول البعض هنا: ولكن العلوم كثيرة.. وقد وضعت في آلاف.. بل عشرات الآلاف من المراجع الضخمة؟

والجواب على ذلك بسيط، وهو أن عشرات الآلاف من الكتب قد يمكن تلخيص ما يفيد منها في كلمات معدودات.. بل قد يمكن تلخيص جهود بشرية طويلة في معادلة واحدة..

فالمعادلة التي تنص على العلاقة بين كتلة جسيم وطاقته، والتي تقول (ط = ك ث²).. أي: الطاقة = الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء.. قد كتب من أجل الوصول إليها آلاف الأوراق، وبذل من الجهود ـ طيلة تاريخ البشرية ـ ما بذل من أجل التحقق منها.. ولم يكن ذلك في علم واحد.. بل في علوم كثيرة.

وقد جاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم بآلاف المعادلات التي لا تقل عن هذه المعادلة..

فاعتبار الصلوات خمسا، وفي أوقات محددة معادلة تحتاج البشرية إلى آلاف السنين للتحقق من صدقها..

وهكذا اعتباره البنت ترث عند انفرادها النصف، وعند التعدد الثلثين.. والأم السدس عند تعدد الفرع الوارث أو تعدد الإخوة، والثلث عدا ذلك.. وهكذا في كل المسائل التي وردت في علوم الفرائض.. بل هكذا في كل العلوم التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم..

فالتناسق بينها جميعا في منتهى كماله.. مع أنه لتشريع قانون بسيط نحتاج إلى تخصصات كثيرة مختلفة.

فالتشريعات التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم تخدم الفرد والمجتمع.. وتخدم الجسد والنفس والعقل والقلب.. وتخدم الدنيا والآخرة.. ولا تضر فوق ذلك بشيء من الأشياء دق أو جل.

بعد هذا التقرير المختصر عن هذه البديهية التي دل عليها العقل والنقل، نرى السنة المذهبية تقف موقفا سلبيا ساخرا من هذه الناحية من نواحي العظمة في شخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وكمثال على ذلك تلك الانتقادات الشديدة التي ووجه بها البوصيري على قوله في البردة:

فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم

فقد قال بعضهم ردا عليه: ( مثل هذهِ الأوصاف لا تصح إلا لله – عز وجل – وأنا أعجب لمن يتكلم بهذا الكلام إن كان يعقل معناهُ كيف يسوّغ لنفسهِ أن يقول مُخاطباً النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فإن من جودك الدنيا وضرتها)، (ومن) للتبعيض، والدنيا هي الدنيا وضرتُها هي الآخرة، فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول عليه الصلاة والسلام – وليس كل جودهِ فما الذي بقي لله عز وجل ؟ ما بقي لهُ شيء من الممكن لا في الدنيا ولا في الآخرة وكذلك قولهُ: ومن علومك علم اللوح والقلم. (ومن) هذه للتبعيض ولا أدري ماذا يبقى لله تعالى من العلم إذا خاطبنا الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب؟)([127])

وهذا النص يرينا مدى محدودية القدرة الإلهية والعلم الإلهي لدى هؤلاء.. وكيف لا يكونون كذلك، وهم يعتقدون محدودية الذات الإلهية، والتي لا تساوي في عقائدهم التي يسمونها [عقائد السنة] بعض الأجرام السماوية التي يمتلئ بها الفضاء الفسيح.

ومن مظاهر تهوين السنة المذهبية لهذه الخاصية العظيمة من خواص النبوة ـ زيادة على هذا الموقف العام ـ قصر أصحاب السنة المذهبية علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الأمور الدينية، ويستندون في ذلك إلى ذلك الحديث الخطير الذي جعلوا منه معولا هدموا به كل ما ورد في النصوص المقدسة من شمولية علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

والحديث هو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة وهم يلقحون النخل، فقال: ( ما تصنعون ؟ ) قالوا: كنا نصنعه، قال: ( لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا)، فتركوه، فنفضت أو فنقصت، قال: فذكروا ذلك له فقال: ( إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر)([128])

وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم)

وفي رواية: (إذا كان شيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم به، فإذا كان من أمر دينكم فإلي)

بل في رواية أخرى  أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: (لو لم تفعلوا لصلح)([129])

ولكثرة الروايات الواردة في هذا الحديث ذكر بعضهم أن الحادثة متعددة، أي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر على ناس متعددين، وأخبرهم بأن التأبير لا منفعة فيه.. ثم تبين للجميع أن أخذهم بنصيحة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أضرت بهم.. وحينذاك بين لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن غرضه من ذلك أن يذكر لهم أنهم أعلم بأمور دنياهم.. وأنهم لا ينبغي أن يأخذوا منه كل شيء.

والعجيب بعد ذلك كله أن يكون ذلك في أول مقدمه صلى الله عليه وآله وسلم للمدينة المنورة، وبذلك تكون أول نصيحة قدمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للفلاحين فيها نصيحة أضرت بهم، وبمنتوجهم الذي يعتمدون عليه في حياتهم.

ولست أدري كيف لم تمرر هذه الرواية على عقول المحدثين الذين زجوا بها في كتبهم، وكأنها حقيقة مقررة..

ولست أدري لم لم يعرضوها على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3، 4]؟

ولست أدري لم لم يعرضوها على ما ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو قال:  كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء ؟ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: (اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق)([130])

ثم بعد هذا: هل يمكن لأي عاقل أن يتلاعب بأرزاق الذين يثقون فيه من أجل أن يقول لهم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) مع أنه كان يمكن أن يقولها لهم من غير أن يكلفهم شيئا؟

ولم تقف هذه الرواية عند المحدثين، بل انتقلت إلى كثير من الباحثين الذين صارت لهم جرأة بسببها على جميع أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. حتى صار أي صعلوك يقرأ حرفا من العلم يذهب إلى كتب الحديث، ثم يقرر بكل بساطة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخطأ في وصفه لتلك الوصفة، أو في ذكره لتلك القضية.

وكمثال على ذلك الموقف من الأحاديث التي وردت في بعض المسائل الطبية، وهو موقف كان يمكن قبوله لو بني على التشكيك في صحة الحديث من حيث الثبوت.. لكن المشكلة أن هؤلاء المشككين لم يتجرؤوا على ذلك مخافة أن يرميهم الناس بالبدعة.. فراحوا يشككون في صحة ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه.. وكأن وثاقة المحدثين والرواة عندهم أعظم من وثاقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن الأمثلة على ذلك هذا النص الذي كتبه بعض المعاصرين، وتلقاه الكثير من أبناء السنة المذهبية بترحيب كبير، يقول فيه: (لا يجب أن يكون اعتقاده صلى الله عليه وآله وسلم في أمور الدنيا مطابقا للواقع، بل قد يقع الخطأ في ذلك الاعتقاد قليلا أو كثيرا، بل قد يصيب غيره حيث يخطئ هو صلى الله عليه وآله وسلم.. وليس في ذلك حطّ من منصبه العظيم الذي أكرمه الله به؛ لأن منصب النبوة مُنصب على العلم بالأمور الدينية: من الاعتقاد في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومن الأمور الشرعية. أما إن اعتقد دواء معينا يشفي من مرض معين، فإذا هو لا يشفي منه، أو أن تدبيرا زراعيا أو تجاريا أو صناعيا يؤدي إلى هدف معين، فإذا هو لا يؤدي إليه، أو يؤدي إلى عكسه، أو أن تدبيرا عسكريا أو إداريا سينتج مصلحة معينة، أو يدفع ضررا معينا، فإذا هو لا يفعل، فإن ذلك الاعتقاد لا دخل له بالنبوة، بل هو يعتقده من حيث هو إنسان، له تجاربه الشخصية، وتأثراته بما سبق من الحوادث، وما سمع أو رأى من غيره؛ مما أدى إلى نتائج معينة. فكل ذلك يؤدي إلى أن يعتقد كما يعتقد غيره من البشر، ثم قد ينكشف الغطاء فإذا الأمر على خلاف ما ظن أو اعتقد)([131])

وليت الأمر اقتصر على هؤلاء المعاصرين، بل تعداه إلى بعض السابقين الذين خيل لهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد يقول ما لا حقيقة واقعية له.

ومن أمثلة هؤلاء ابن خلدون الذي تجرأ فقال: (الطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل، وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عادياً للعرب، ووقع في ذكر أحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يُبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات. وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع، فقال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم...)؛ فلا ينبغي أن يُحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه، اللهم إذا استعمل على جهة التبرك وصدق القصد الإيماني، فيكون له أثر عظيم النفع، وليس ذلك في الطب المزاجي)([132])

ومثله قال القاضي عياض: (أما أحواله صلى الله عليه وآله وسلم في أمور الدنيا؛ فنحن نسبرها على أسلوبها المتقدم بالعقد والقول والفعل؛ أما العقد منها، فقد يعتقد في أمور الدنيا الشيء على وجه ويظهر خلافه، أو يكون منه على شك أو ظن بخلاف أمور الشرع - ثم ذكر حديث تأبير النخل - ثم قال: وهذا على ما قررناه فيما قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من أحوالها لا ما قاله من قبل نفسه واجتهاده في شرع شرعه وسنة سنها.. فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة، ولا اعتقادها ولا تعليمها، يجوز عليه فيها ما ذكرناه، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همه وشغل نفسه بها، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم مشحون القلب بمعرفة الربوبية، ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية)([133])

ومن الأمثلة على تلك الجرأة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كتبه بعضهم حول النصوص الكثيرة التي يحث فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على استعمال السواك، فقد قال بعد إيراده لها، واعترافه بصحتها: (إن ظاهر الحديث هو الأمر بالسواك، أما مقصد الحديث فهو نظافة الفم، ولما كان السواك هو الوسيلة المستخدمة في نظافة الفم والأسنان في ذلك الزمان فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمر باستخدامه، ولكن السؤال المطروح الآن هو: إذا ما توفرت وسيلة عصرية لنظافة الفم والأسنان أفضل من السواك أليس من الأفضل الاستغناء بهذه الوسيلة عن السواك؟. ولقد حاول كثير من أدعياء الطب النبوي إثبات أن السواك أفضل من معاجين الأسنان والفرشاة، ولكن دون جدوى حيث انصرف أغلب الناس إلى المعجون والفرشاة، ولما يئس أدعياء الطب النبوي من إقناع الناس بالأخذ بظاهر الحديث استحدثوا معاجين أسنان من خلاصة السواك. وحتى هذه المعاجين لم يكتب لها النجاح أيضًا، وبقيت الفرشاة والمعاجين التقليدية أكثر فاعلية وأكثر انتشارًا في نظافة الفم والأسنان، بالإضافة إلى أن الفرشاة سهلة التنظيف والحفظ، كما أن المعاجين المطروحة للاستخدام تُصنع بطريقة علمية وصحية سليمة، وتضاف إليها مواد لمقاومة التسوس ونخر الأسنان. ولقد ثبت أن الاعتماد على السواك دون الفرشاة والمعجون هو واحد من الأسباب الرئيسية لتفشي ظاهرة تسوس الأسنان في بعض المجتمعات الإسلامية، كما أنه قد يكون وسيلة لنقل العدوى والأمراض حيث يصعب تنظيفه وحفظه. وإذا استحدثت مستقبلاً طريقة لنظافة الفم والأسنان أفضل من الفرشاة والمعجون فلا مانع من ترك الفرشاة والمعجون إلى هذه الطريقة)([134])

وهذا كلام خطير، وناتج عن جهل ودعوى أيضا.. لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في إمكانه أن يأمر بتنظيف الفم من دون ذكر الوسيلة المرتبطة بذلك.. وذكره للوسيلة، بل ربطها ببعض الشعائر التعبدية يدل على أن الوسيلة في ذاتها مطلوبة، وأن لها تأثيرها الذي لاشك فيه.

ونحن نوقن أن الأمة لو التزمت بهذه السنة في كل محل، وبعد كل أكل، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما احتاجت إلى طب أسنان.. ولذلك فإن تلك الدعوى بأن الذين التزموا بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السواك لم تنفعهم تلك السنة جرأة كبيرة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن الأمثلة الخطيرة على هذه الظاهرة أيضا ـ ظاهرة الجرأة على تكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذلك الحديث الذي يرويه أصحاب السنة المذهبية كثيرا، ويوردونه في محال مخصوصة للانتصار لبعض الصحابة أو الطلقاء على حساب مصداقية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وذلك الحديث هو ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة.أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة)

وهذا الحديث الخطير يشوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشويها عظيما، فهو يرسمه بصورة الظالم الذي يسارع إلى سب الناس وجلدهم والدعاء عليهم من غير استحقاق منهم لذلك، ثم يعتذر لذلك بأن يدعو لمن فعل بهم ذلك أن يتحول ما فعله بهم من أنواع الإهانات كفارة ورحمة.

 وهذا يتنافى تماما مع تلك الصورة الجميلة التي صور القرآن الكريم بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصورته بها الأحاديث الكثيرة.

والغرض من كل هذا التشويه هو تحويل تلك الدعوات التي دعي بها على معاوية ومن هو من صنوه إلى رحمة وكفارة وقربة.

يقول ابن كثير في (البداية والنهاية) عند ترجمته لمعاوية بن أبي سفيان: (وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه.. أما في دنياه: فإنه لما صار إلى الشام أميرا، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير، وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا، ويقول : والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك.. وأما في الآخرة: فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة.أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة)([135])

وقد أيده في قوله هذا النووي فقال: (وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيره من مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاء له)([136])

رسول الله .. والحكمة

من أبرز خصائص الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكل من يتولى الوساطة بين الله وعباده [الحكمة]، وهي تعني وضع الأمور في مواضعها الصحيحة: إما بإرشاد مباشر من الله تعالى ويسمى ذلك إلهاما ووحيا، وإما لذلك الصفاء والقدسية التي تتسم بها روح المصطفى وقلبه ونفسه وكل لطائفه.

فلذلك تكون قدرات الرسول الإدراكية أكبر بكثير من قدرات غيره من الذين لم يؤتوا مثلما أوتي من الصفاء والقدسية.

ذلك أن الذكاء والذاكرة وحدة الذهن ودقة الملاحظة واستبصار العواقب وغير ذلك مما تحتاج إليه الحكمة لا يكون لامرئ إلا بسبب ما في قابليته من الصفاء والطهارة والهمة.

وانطلاقا من هذا فإن كل ما يناقض هذه الصفات مستحيل على الرسل عليهم الصلاة والسلام.. فيستحيل على الرسول أن يكون أبله أو غبيا أو مغفلا أو غير ذلك من النقائص التي يتبين من خلالها نقص جوهره، وضعف إدراكه.

والاستدلال العقلي على هذا بسيط جدا .. ذلك أن الذي استطاع أن يعاين الملكوت لن يعجز عن معاينة الملك، ومن استطاع أن يتواصل مع عالم الغيب لن يعجز عن التواصل مع عالم شهاده.

أو بعبارة أخرى من استطاع أن تمتد عيناه للأفلاك العليا، فيرى من أسرارها ما لا يراه غيره لن يعجز أن يبصر ما هو أمامه.

أو بتقريب آخر للمعاصرين: من استطاع أن يحل أعقد المسائل الرياضية لن يعجز عن حل مسألة جمع أو طرح أو ضرب.

وما دل عليه العقل في حق هؤلاء الكمل، دل عليه النقل كذلك.

فقد أخبر الله تعالى عن الذكاء الذي آتاه لرسله عليهم الصلاة والسلام:

ومن الأمثلة على ذلك ما قصه علينا من قصة داود وسليمان وحكمهما في الحرث، كما قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 78، 79]

وهكذا أخبر الله تعالى عن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم أوتوا علما وحكمة.. لأنه لا يمكن للرسول أن يؤدي وظيفته الخطيرة وهو خال من العلم والحكمة.

بل أخبر الله تعالى أن الحكمة ليست خاصة بالرسل عليهم الصلاة والسلام، حيث ذكر عن لقمان عليه السلام أنه كان حكيما، وأنه بسبب حكمته عرف كيف يوجه ولده، وكيف يربيه، وكيف يعمق فيه المعاني الإيمانية.

وهكذا أخبر أنه ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

ويستحيل أن يؤتي الله الحكمة لأفراد خلقه ممن لم يكلفوا بمثل تلك الوظيفة العظيمة التي كلف بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يحرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها.

ذلك أن سيادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بني آدم ـ كما ورد في الحديث ـ تقتضي تقدمه عليهم في كل الفضائل.. وأهم تلك الفضائل العلم والحكمة.

وقد أشار إلى الحكمة التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ﴾ [الإسراء: 39]

وهذا يدل على أن حكمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليست ذكاء مجردا، ولا عبقرية بشرية محدودة، بل هي حكمة مسددة من الملأ الأعلى متواصلة تواصلا دائما معها.

ولذلك يستحيل على من هذا حاله أن يحتاج إلى غيره في مشورة قبل العمل، ولا في تعقيب عليه وتصحيح له بعد العمل.

وقد أشار إلى هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشورى: (أما إنَّ الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غيًّا)([137])

وهذا يصدق ما ورد في القرآن الكريم عندما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم باستشارة أصحابه، فقد جعلها من مقتضيات رحمته بهم، وتأليفه لقلوبهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]

ومثل ذلك مثل الأستاذ الذي يتيح لطلبته أن يدلوا بآراهم في مسألة من المسائل، ثم يظهر عجبه من عبقريتهم وذكائهم، وإن كان هو نفسه يعلم بذلك مسبقا.. ولكن رحمته بهم تجعله ينهج ذلك المنهج.

وقد ورد مثل هذا في شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد وصفه هند بن أبي هالة بقوله: (يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق)([138])

وقريب منه ما وصف به أنس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال: ( كان إذا لقيه أحد من أصحابه فتناول أذنه، ناوله إياها، ثم لم ينزعها حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها عنه)([139]) 

وقريب من ذلك أيضا ما ورد النصوص في القرآن الكريم من عتاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وهو عتاب المحب لمحبه، فعندما التأمل في مواردها نجدها جميعا تنبعث من رحمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمن يرى أنه أمر بأن يؤلف قلوبهم.

ولذلك فإن عتاب الله لنبيه في تلك المواضع ليس عتابا حقيقيا، وإنما هو من باب [إياك أعني واسمعي يا جارة]

وكمثال تقريبي له أن يقول الولد لمعلم ابنه: لم لم تعاقبه عندما أخطأ.. ولم لنت له مع أنه كان في إمكانك أن تعاقبه؟ وهو لا يقصد بذلك عتاب المعلم، وإنما يقصد توجيه اللوم لابنه وتربيته من خلال ذلك.

وعلى مثل هذا يفسر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: 1]، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يشعر أنه مأمور بأن يحسن لزوجاته، وأن يعطي المثل للمؤمنين في الرفق بهن مهما أسأن التصرف معه، ولذلك كان يسعى في مرضاتهن، لا لأجلهن، وإنما لأجل تحقيق عبودية الله في التعامل معهن، ولهذا نبهه الله، أو نبههن بطريق غير مباشر إلى أن يراعين حسن العشرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولهذا جاء بعد تلك الآيات ذلك التهديد الشديد لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن أسأن العشرة معه، قال تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5)﴾ [التحريم: 4، 5]

ومثل ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [التوبة: 43]، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لصفاء روحه، ورحمته ورأفته يقبل كل من اعتذر له حتى لو كان يعلم كذبه حرصا عليه ورحمة به، فنبهه الله أو نبههم إلى أن إذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينفع إلا الصادقين.

ومثل هذا أيضا تلك الرحمة التي كان يبديها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع المنافقين، والتي تصور البعض أنه كان مخطئا فيها حتى جاء من جاء ليصحح له خطأه.

ونفس الأمر يقال في كل كل ما ورد في الروايات من استشارته صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه، فلم تكن عن نقص حكمة، ولا عن حاجته لهم، وإنما كان تأليفا لقلوبهم وتربية لهم.

هذا ما يدل عليه العقل والنقل.. لكن السنة المذهبية نظرت إلى ذلك نظرة أخرى جردت فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كل معاني الحكمة والذكاء والبصيرة، وجعلته عاجزا ينتظر ما يقرره أصحابه.. بل أوقفته في بعض الأحيان مواقف ضعف شديد لتبرز من خلال تلك المواقف قدرة الصحابة وذكاءهم وحكمتهم وأن الله اصطفاهم لرسوله وأنه لولاهم لنزل به العذب، ولأخرج من ديوان النبوة.

والأمثلة على ذلك أكثر من أن نحصيها في هذا المحل.. لكنا سنتكفي ببعضها، ونحن نستغفر من تلك الجرأة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وأولها ما سبق أن ذكرناه مما يسمونه موافقات عمر، والتي ألفت فيها  الكتب التي حاول أصحابها ـ من أجل إعطاء المزيد من القدسية للصحابة ـ أن يعتبروا عمر هو صاحب الفضل في تلك الأحكام الإلهية.. وهو ما يعطي بعد ذلك ذريعة لكل مشكك في أن يعتبر عمر ممن أسسوا هذا الدين، وممن وضعوا بعض الأحكام المرتبطة به..

فمن تلك الموافقات: الصلاة عند مقام إبراهيم، والتي ورد بشأنها قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾( البقرة: 125 )

ومنها دعوته للحجاب، والذي نزل في شأنه قوله تعالى:﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ﴾ ( الأحزاب: 53 )

ومنها قوله لأمهات المؤمنين: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ ....﴾ ( التحريم: 5 )، فنزلت كما قال.

ومنها ما ورد في تحريم الخمر في عدة آيات، كقوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ ( اليقرة: 219 )، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ ( النساء: 43 )، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾( المائدة: 90 )

ومنها ما ورد في سورة المؤمنون من قوله تعالى: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾( المؤمنون: 14 )

ومنها الصلاة على المنافقين عند موتهم في واقعة موت عبد الله ابن أبي ابن سلول ونزول قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾( التوبة: 84 )

ومنها الإستغفار للمنافقين، قال تعالى: ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾( المنافقون: 6 )

ومنها واقعة الإفك في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾( النور: 16 )

ومنها مسألة معاشرة الصائم لزوجته، وقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ .... ﴾ ( البقرة: 187 )

ومنها واقعة اليهود وعداوة جبريل وقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾( البقرة: 97 )

ومنها واقعة قتل عمر لمن رفض حكم رسول الله حيث قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾( النساء: 65 )

ومنها واقعة الإستئذان في الدخول وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾( النور: 27 )،

ومنها حكمه في أسارى بدر، فنزلت كما ذكر:﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ... ﴾ ( الأنفال: 67 )

وفي هذا المقام يذكر الخطباء والوعاظ كثيرا، وببعض التباهي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين نزلت هذه الآية :﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ ( الأنفال: 67) قال: (لو نزلت نار من السماء لأحرقتنا إلا عمر)([140])

وكعادة الخطباء فإنهم يمططون هذه القصة، ويضيفون إليها بعض التوابل ليخرج الناس منبهرين بعبقرية عمر وذكائه وحكمته، وينسوا أنهم خرجوا أيضا وقد بنوا كل ذلك البنيان على حساب تقديرهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولكن أصحاب السنة المذهبية لا يهمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقدر ما يهمهم عمر.

ونحن لا يهمنا أن يقدروا عمر أو غيره من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم.. ولكن لا على حساب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فنحن مأمورون بالتأسي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه وتعزيرة وتوقيره.. ولسنا مأمورين بفعل ذلك مع غيره.

ومن الأمثلة على هذا، والمرتبطة كذلك بعمر ما وقع فيما اصطلح عليه المحدثون برزية الخميس، وهي حادثة خطيرة، جعلت ابن عباس ـ كما ورد في الحديث الصحيح ـ كلما ذكرها يشعر بالألم والحزن، ويقول: (يوم الخميس، وما يوم الخميس؟)، ثم يبكى حتى يبل دمعه الحصى([141]).

وسنورد الرواية هنا، ثم نبين مواقف أهل السنة المذهبية منها، والرواية هي ـ حسب ما ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس ـ قال: (لما حضر رسول الله، وفي البيت رجال منهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده)، فقال عمر: (إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله)، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو، والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قوموا)، قال عبيد الله: (راوي الحديث عن ابن عباس، وهو ابنه): فكان ابن عباس يقول: (إن الرزية كل الرزية، ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم، ولغطهم)([142])

بعد إيرادنا لهذ الحديث الخطير لا يعنينا هنا البحث عمن رمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالهجر الذي يعني الخرف والهذيان وعدم العقل..

ولا يعنينا كذلك البحث عن الوصية التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يود أن يبلغها أمته، لأن ذلك في كل الأحوال يبقى غيبا مخزونا نتأسف عليه ونحزن حزنا شديدا، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أنهم لو طبقوا ما في ذلك الكتاب لم يضلوا أبدا..

ولا يعنينا تلك المقولة الخطيرة (حسبنا كتاب الله)، والتي تعني الاكتفاء بالكتاب عن السنة، وهو ما أشار إليه صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: ( يوشك الرجل متكئا في أريكته، يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله)([143])

وإنما الذي يعنينا هنا هو ذلك الموقف المخجل من شراح الحديث، والذين راحوا من أجل تبرئة ساحة من حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين كتابة وصيته الأخيرة، يتهمون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لم يكن أهلا في ذلك الحين لإملاء الوصية.

ومن أمثلة ذلك ما قاله المازري عن هذه الحادثةـ فقد قال: (إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره لهم بذلك، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه أي من كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، و صمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك عن غير قصد جازم، و عزمه صلى الله عليه وآله وسلم كان إما بالوحي وإما بالاجتهاد، و كذلك تركه إن كان بالوحي فبالوحي وإلا فبالاجتهاد أيضاً ..)([144])

وما قاله عجيب جدا، فكيف يقال لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يكن على سبيل الحتم واللزوم، وقد ورد في القرآن الكريم التشديد على إجابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مطلقا، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]، بل حذر بعدها من الفتنة التي قد تنجر من عدم إجابته، فقال: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 25]

ثم كيف يقال بأن ذلك الأمر لم يكن على سبيل الحتم واللزوم، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم مبينا أهميته وخطره: (هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده)، فهل هناك شيء أهم من عدم الضلال.. بل عدم الضلال الأبدي.

لكن غلبة المعايير التي وضعها أهل السنة المذهبية تعمي وتصم، لأنها تجعل صاحبها يؤول كل شيء في سبيل تلك المعايير التي يقدسها أكثر مما يقدس رسوله.

وقريب مما ذكره المازري ما ذكره البيهقي في (دلائل النبوة) عندما قال: (إنما قصد عمر التخفيف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين غلبه الوجع، ولو كان مراده صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركه لاختلافهم ولا لغيره لقوله تعالى ﴿ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾  [المائدة: 67] كما لم يترك تبليغ غير ذلك لمخالفة من خالفه و معاداة من عاداه، و كما أمر في ذلك الحال بإخراج اليهود من جزيرة العرب و غير ذلك مما ذكره في الحديث)([145])

وما ذكره البيهقي لا يقل غرابة عما ذكره المازري، لأنه يتنافى مع ما ورد في الحديث من الاهتمام بالوصية، أما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للكتابة، فليس تقصيرا منه صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما يفسر الأمر فيها كما يفسر سكوته عن تحديد ليلة القدر بعدما حصل التنازع.

ففي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليخبرنا ليلة القدر فتلاحى ( أي تخاصم وتنازع ) رجلان من المسلمين، فقال: (خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرُفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)([146])

وهكذا كان التنازع سببا في الحرمان من تحديد ليلة القدر .. لأنها نعمة كبرى.. فلما لم يقدروها حق قدرها حرموا من ذلك.. وهكذا كان حرمانهم من تلك الوصية العظيمة بسبب التنازع.. لأنه حصل له علم صلى الله عليه وآله وسلم بأن هؤلاء الذين اجترأوا على التنازع بين يديه لن يصعب عليهم أن يمزقوا وصيته أو يؤولوها أو يفعلوا بها أي شيء.

ولا يقل عما ذكره المازري والبيهقي من التأويل ما ذكره القرطبي حين قال: (ائتوني أمر، و كان حق المأمور أن يبادر للامتثال، لكن ظهر لعمر رضي الله عنه مع طائفة أنه ليس على الوجوب، و أنه من باب الإرشاد للأصلح، فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم لقوله تعالى ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ و قوله تعالى ﴿ تبياناً لكل شيء ﴾ و لهذا قال عمر: حسبنا كتاب الله، و ظهر لطائفة أخرى أن الأولى أن يكتب لما فيه من زيادة الإيضاح، و دل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار، و لهذا عاش صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك أياماً و لم يعاود أمرهم بذلك، و لو كان واجباً لم يتركه لاختلافهم، لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف، و قد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر فإذا عزم امتثلوا)([147])

أما النووي فقد نقل إجماع الشراح على أن الحكمة كانت مع عمر وغيره من الصحابة الذين منعوا  النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الكتابة، فقال: (أما كلام عمر رضي الله عنه فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر و فضائله و دقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب صلى الله عليه وآله وسلم أموراً ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا محالة للاجتهاد فيها، فقال عمر: حسبنا كتاب الله لقوله تعالى ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ وقوله تعالى ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ فعلم أن الله تعالى أكمل دينه فأمن الضلالة على الأمة وأراد الترفيه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان عمر أفقه من ابن عباس و موافقيه)([148])

 أما شيخ الإسلام البشري، وإماما السنة المذهبية ابن تيمية، فقد استطاع بذكائه اللامحدود، وبحكمته اللانهائية أن يكتشف ما في ذلك الكتاب الذي لم يمله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال ـ بكل جرأة ـ: (الذي وقع في مرضه كان من أهون الأشياء وأبينها، وقد ثبت في الصحيح أنّه قال لعائشة في مرضه: (ادعي لي أباك وأخاك حتّى أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه الناس من بعدي)، ثم قال: يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر، فلمّا كان يوم الخميس همَّ أن يكتب كتاباً فقال عمر: ماله أهجر؟ فشّك عمر هل هذا القول من هجر الحمى؟ أو هو ممّا يقول على عادته؟ فخاف عمر أن يكون من هجر الحمى، فكان هذا ممّا خفى على عمر، كما خفى عليه موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل أنكره، ثمّ قال بعضهم: هاتوا كتاباً، وقال بعضهم: لا تأتوا بكتاب، فرأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّ الكتاب في هذا الوقت لم يبق فيه فائدة ؛ لأنّهم يشكون هل أملاه مع تغيره بالمرض أم مع سلامته من ذلك، فلا يرفع النزاع، فتركه، ولم تكن كتابة الكتاب ممّا أوجبه الله عليه أن يكتبه أو يبلغه في ذلك الوقت ؛ إذ لو كان كذلك لما ترك صلى الله عليه وآله وسلم ما أمره الله به، لكن ذلك ممّا رآه مصلحة لدفع النزاع في خلافة أبي بكر، ورأى أن الخلاف لا بدّ أن يقع، وقد سأل ربّه لأمّته ثلاثاً فأعطاه اثنتين، ومنعه واحدة، سأله أن لا يهلكهم بسنة عامة، فأعطاه إياها، وسأله أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم، فأعطاه إياها، وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعه إياها، وهذا ثبت في الصحيح) ([149])

ثم قال معقبا على قول ابن ابن عباس: (الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب الكتاب): (فإنّها رزية أي مصيبة في حقّ الذين شكوا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وطعنوا فيها، وابن عباس قال ذلك لمّا ظهر أهل الأهواء من الخوارج والروافض ونحوهم، وإلّا فابن عباس كان يفتي بما في كتاب الله، فإن فلم يجد في كتاب الله فبما في سنّة رسول الله، فإن لم يجد في سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبما أفتى أبو بكر وعمر، ثمّ إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترك كتابة الكتاب باختياره، فلم يكن في ذلك نزاع، ولو استّمر على إرادة الكتاب ما قدر أحد أن يمنعه)([150])

هذا هو موقف أهل السنة المذهبية من كتابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لوصيته في مرض موته، ولكن موقفهم يختلف تماما مع أصحابه الذين أحلوهم من المنزلة ما لم يحلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. بل أجازوا لهم ما لم يجيزوا له..

ولهذا نرى أهل هذه السنة يذكرون بإعجاب موقف أبي بكر في مرض موته عند وصيته لعمر، ويعتبرون ذلك من حرص أبي بكر على الأمة من بعده، ورحمته بها، مع أن الحالة التي أملى فيها أبو بكر وصيته أخطر من الحالة التي كان فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فقد روى الطبري في تاريخه، وابن عساكر في تاريخ دمشق، وابن سعد في الطبقات، وابن حبّان في الثقات: (دعا أبو بكر عثمان خالياً فقال له: أكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين: أمّا بعد.. قال: ثمّ أغمي عليه، فذهب عنه، فكتب عثمان: أمّا بعد: فإنّي قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، ولم آلكم خيراً منه. ثمّ أفاق أبو بكر فقال: أقرأ عليًَّ. فقرأ عليه، فكبّر أبو بكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن أفتتلت نفسي في غشيتي! قال: نعم! قال: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله. وأقرها أبو بكر رضي الله عنه من هذا الموضع)([151])

وهكذا نجدهم يروون عن أم المؤمنين عائشة قولها مخاطبه عبدالله بن عمر: (يا بني أبلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راع ، استخلف‌ عليهم ، ولا تدعهم بعدك هملاً ، فإني أخشى عليهم الفتنة)([152])

رسول الله .. والشياطين

مع أن في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تبين ضعف الشيطان أمام عباد الله المخلصين سواء كانوا أنبياء أو غير أنبياء، مع ذكر النماذج التطبيقية على ذلك إلا أننا نجد في تراثنا الحديثي، وما تبعه من الفهم السلفي صورة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يقف ضعيفا أمام الشيطان، حتى أنه يتسلط عليه في أخطر ما ندب إليه، وهو تبليغه للقرآن الكريم.

بل نجد الشيطان الرجيم يفر من أصحابه، ويخاف منهم، ويسلك خلاف مسالكهم، بينما لا يستشعر أي خوف منه صلى الله عليه وآله وسلم.. مع أن الشيطان لا يعظم خوفه إلا ممن قويت صلتهم بالله، وعظم قربهم منه، وكثر ذكرهم له.

بل إنهم يصورون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان من الضعف أمام الشيطان بحيث كان كل حين يحتاج إلى عملية جراحية خاصة لتخرج منه الشريحة التي يتصل الشيطان من خلالها بقلبه.

بل إنهم يصورون أن الشيطان يتسلط على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل حين، فيسب ويشتم ويلعن من لا يستحق السب ولا الشتم ولا اللعن.. ولذلك وجد مخرجا أو حيلة لذلك بتحويل كل سبابه ولعناته وشتائمه إلى رحمة إلهية.

هذا الكلام الخطير الذي نقوله ليس دعاوى.. ولا مجرد اتهامات لا أساس لها.. وإنما هو وللأسف الشديد ـ مما يمتلئ به تراثنا الحديثي، بل أصبح إنكاره أو نقده نوعا من البدعة .. بل يهدد منكره من الطرد من الفرقة الناجية، ومن السنة والجماعة..

ولإثبات ذلك نبدأ بعلاقة الشيطان برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أوائل حياته قبل النبوة.. والتي اتفق الجميع ـ حتى المشركون أنفسهم ـ أنها كانت ممتلئة بالصدق والطهارة وحسن الخلق.. ولكن الفرق بين تفسير قومه صلى الله عليه وآله وسلم لذلك وتفسير أهل السنة المذهبية لذلك مختلف تماما.

أما تفسير قومه لذلك، وهو تفسير بديهي عقلي منطقي، فهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم بطبعه وجبلته كان كذلك.. ولذلك آمن الصادقون  من قومه بمجرد إخباره صلى الله عليه وآله وسلم بنبوته، لأن كل ما فيه يدل عليه..

والعقل يؤيد هذا، لأن الله سبحانه وتعالى صاحب العدالة المطلقة لا يحابي أحدا، ولا يجامل أحدا، ولا يعطي أحدا ما لا يستحق، كما قال تعالى: الله ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]

لكن التفسير المذهبي لذلك يختلف تماما، فقد تصوروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن كذلك بطبعه، ولا بقدرته على مواجهة تلك البيئة الممتلئة بالانحرافات، وإنما واجهها لأن الله تعالى خصه من دون الناس بأن نزع حظ الشيطان منه، أو بتعبيرنا المعاصر: نزع الشريحة التي يقوم الشيطان من خلالها بالتواصل معه.

ولسنا ندري كيف نثبت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل تلك الكمالات، ونحن نقول بهذا، لأن القول بهذا وحده كاف لإخراج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مضمار السباق الذي جعله الله بين عباده ليرى أحسنهم عملا.. لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الاعتبار يشبه ذلك العداء الكسول المحتال الذي يتحدى غيره أن يلحقوا به وهو يستعمل المنشطات..

ثم بعد القول بهذا كيف يأمرنا الله تعالى باتخاذه أسوة، لأن أي شخص من الناس يمكنه أن يقول: يا رب.. كيف تأمرنا بالاقتداء برجل قد أجريب له عملية نزعت من الشيطان القدرة على التأثير فيه، بينما لم تجر لنا نفس العملية.. فكيف يمكننا أن نتأسى برجل أوتي ما لم نؤت؟

وقبل أن نناقش هذا نورد الروايات الواردة، وموقف أهل السنة المذهبية منها، ثم نبين مدى مطابقتها للقرآن الكريم وللسنة النبوية المطهرة.

فمن الروايات الواردة في هذا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يلعب مع الصبيان، فأتاه آت، فأخذه فشق بطنه، فاستخرج منه علقة، فرمى بها، وقال: هذه نصيب الشيطان منك، ثم غسله فى طست من ذهب، من ماء زمزم، ثم لأمه، فأقبل الصبيان إلى ظئره: قتل محمد، قتل محمد، فاستقبلت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد انتقع لونه. قال أنس: فلقد كنا نرى أثر المخيط في صدره)([153])

هذا هو المحل الأول للشق، أما المحل الثاني، فرواه قتادة عن أنس في حديث الإسراء والمعراج وفيه: (فأتيت بطست من ذهب ملآن حكمة  وإيمانا، فشق من النحر إلى مراق البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم مليء حكمة وإيمانا ... الحديث )([154])

وهناك محل ثالث رواه أبو نعيم الأصبهاني، وذكر أنه عند البعثة، وأيده ابن حجر حيث قال: (بل ثلاث مرات، فقد ثبت أيضا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولكل حكمة)([155])

ثم بين الحكم المرتبطة بكل حادثة، فذكر أن الأول كان في زمن الطفولة، لينشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم عند البعث زيادة في إكرامه ليتلقى ما يوحى اليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، ثم عند الاسراء ليتأهب للمناجاة.

ومن الروايات الواردة في هذا، والتي توضح حقيقة ما جرى ببعض التفصيل ـ بحسب ما يراه أصحاب السنة المذهبية ـ  ما رواه أبو نعيم في (دلائل النبوة) عن أبي هريرة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان حريصا أن يسأله عن الذي لا يسأله غيره، فقال: يا رسول الله ما أول ما ابتدئت به من أمر النبوة ؟ فقال: إذ سألتني إني لفي صحراء أمشي ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسي يقول أحدهما لصاحبه: أهو هو ؟ قال: نعم فأخذاني فلصقاني بحلاوة القفا ثم شقا بطني فكان جبريل يختلف بالماء في طست من ذهب وكان ميكائيل يغسل جوفي فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره فإذا صدري فيما أرى مفلوقا لا أجد له وجعا ثم قال: اشقق قلبه فشق قلبي فقال: أخرج الغل والحسد منه فأخرج شبه العلقة فنبذه ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة في قلبه فأدخل شيئا كهيئة الفضة، ثم أخرج ذرورا كان معه، فذر عليه، ثم نقر إبهامي، ثم قال: اغد فرجعت بما لم أغد به من رحمتي على الصغير ورقتي على الكبير.

وهذا الحديث عجيب، ومتناقض تماما مع سنة الله تعالى في اختبار عباده.. فإذا كان الغل والحسد والقسوة والغلظة مرتبطين بخلايا أو أنسجة موجودة في الجسم، فلم لا يريح الله عباده منها بإتاحة مثل هذه العمليات لهم؟

فإن قيل: إن التكليف والابتلاء يستلزمان وجود كل ذلك.. فكيف خص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك دون سائر الناس؟ وكيف اعتبره القرآن الكريم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاحب خلق عظيم مع أن الخلق العظيم الذي حصل له لم يبذل فيه أي جهد، ولم يعان في سبيل تحصيله أي عناء، بل الفضل للملائكة الذين طهروره من تلك الأدواء، ووضعوا بدلها الرأفة والرحمة كما ورد في الرواية.

وإذا كان الأمر كما قالوا، فلم ورد في القرآن الكريم التهديدات الشديدة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لم يلتزم بأوامر الله مثله مثل سائر الناس، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)﴾ [الحاقة: 44 - 47]

وإذا كان الأمر كما قالوا، فلم كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشد الناس خشية لله، ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما بال أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه؟ فوالله إني لأعلمهم بالله تعالى، وأشدهم له خشية)([156]) .. أم أن تلك الخشية أيضا قد غرست في صدره صلى الله عليه وآله وسلم مع ما غرس من الرأفة والرحمة؟

نطرح هذه الأسئلة وغيرها، ونحن نتألم ألما شديدا أن يتعرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمثل هذه الإهانات، وهذا التحقير، بحيث يصبح مغلوبا على أمره، لولا أن ينقذه الله بإخراج حظ الشيطان منه..

ومع تلك العمليات التي يصورها أرباب السنة المذهبية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغية استنقاذه من الشيطان إلا أن الشيطان كان يتسلط عليه ـ كما يروون ـ كل حين، فقد رووا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن جبريل أتاني، فقال: إن عفريتا من الجن يكيدك، فإذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي)([157])

ورووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لقد أتاني شيطان فنازعني، ثم نازعني، فأخذت بحلقه، فوالذي بعثني بالحق، ما أرسلته حتى وجدت برد لسانه على يدي، ولولا دعوة سليمان لأصبح طريحا في المسجد)([158])

ورووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (دخلتُ البيتَ فإذا شيطانٌ خلف البابِ فخنقته حتى وجدتُ برد لسانه على يدي، فلولا دعوةُ العبدِ الصالحِ لأصبحَ مربوطًا يراه الناسُ)([159])

وقد نسي من رووا هذه الأحاديث، وراحوا يشوهون بها شخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك الآيات الكثيرة التي يقرر فيها القرآن الكريم أنه لا سلطان للشيطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)﴾ [النحل: 98 - 100]

بل يذكر القرآن الكريم على لسان الشيطان نفسه أنه لا يستطيع أن يقترب مجرد الاقتراب من عباد الله المخلصين، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [إبراهيم: 22]

فإذا كان الشيطان لا يستطيع أن يفعل شيئا مع هؤلاء، فكيف يستطيع أن يتصارع مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل كيف يستطيع أن يقترب منه مجرد اقتراب مع أن الله تعالى ذكر أنه يخنس من الذين آمنوا بمجرد ذكرهم لله.. وهل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغفل عن ذكر الله طرفة عين؟

وهل كان أولئك المخلصين من الصديقين والأنبياء والصالحين أعظم مكانة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث استطاعوا الانفلات منه في نفس الوقت الذي سلط فيه الشيطان عليه؟

بل إن السنة المذهبية تذهب إلى أبعد من ذلك حين تصور أن الشيطان الرجيم يخاف من بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يخاف من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، ففي الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الألباني عن أبي بريدة عن أبيه، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا)، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها، ثم قعدت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا وهي تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف)([160])

وهنا يستبشر أصحاب السنة المذهبية، ويكبرون فرحين مبتهجين بأن الشيطان يخاف من عمر.. وينسون أن عمر والصحابة جميعا، بل كل الدنيا لا تساوي شيئا أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فكيف يخاف الشيطان في مجلس من عمر، ولا يخاف من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

وليتركوا الحديث ورواية الترمذي له وتصحيح الألباني، وليعودوا إلى عقولهم قليلا، وليسألوها عن حقيقة الشيطان، وعن دوره في الأرض، ثم عن أكثر الناس ترويعا له ومضادة لمشروعه.. أليس هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

 أليس رسول الله هو المنتدب من العناية الإلهية ليحطم المشروع الذي أقسم الشيطان على أن يفعله ببني آدم ليزج بهم معه في دركات جهنم؟ 

ولكن أصحاب السنة المذهبية لا يهتمون بالإجابة على هذه التساؤلات لأنها لا تخطر على بالهم أصلا.. وإن سألهم أحد من الناس، فما أسهل أن يجيبوه بما تعودوا أن يجيبوا به مخالفوهم من التبديع والتضليل والتكفير.

والسنة المذهبية لا تكتفي بهذا التشويه والاحتقار لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مواجهة الشيطان، بل هي تصور أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد أن عاين ملاك الوحي، ونزل عليه من القرآن الكريم ما نزل بقي في شك من أمره، وهل كان من نزل عليه ملاك أم شيطان، ولولا أن زوجته ـ كما تذكر الرواية ـ احتالت لذلك حيلة، لبقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شكه وريبته.

فقد روى أصحاب السنة المذهبية أن خديجة قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي ابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي نفسي بيده إذا جاءك؟ قال: نعم. قالت: فإذا جاءك فأخبرني به. فجاءه جبريل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا خديجة هذا جبريل قد جاءني فقالت: قم يا بن عمي فاجلس على فخذي اليسرى. فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى فتحول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فجلس على فخذها اليمنى فقالت: هل تراه؟ قال نعم. فحسرت فألقت خمارها ورسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم جالس في حجرها ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا. قالت يا بن عم اثبت وأبشر فواللَّه إنه لملك ما هذا شيطان([161]).

بل رووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع ما عاينه من أمر الله في غار حراء، بقي في شك من أمره، وخشي أن يكون ما حصل له مسا من الشيطان، لولا أن طمأنه ورقة بن نوفل..

وهكذا تحط السنة المذهبية من قدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتجعله فريسة للشكوك والشياطين لولا أن يخلصه منها بشر من الناس ما نالوا فضلهم إلا برؤيته وصحبته والتعلم على يديه ونيل بركته.

ولم تكتف السنة المذهبية بهذا، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حين صورت أن الشيطان استطاع بقدراته الخارقة أن يخترق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يقرأ كلام ربه، ليجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينطق بكلام الشيطان بدل كلام ربه.. ولست أدري كيف أطاق ذلك مع أن الله تعالى يذكر في القرآن الكريم أن سلطان الشيطان الوحيد على الإنسان قاصر على الوسوسة.

والرواية التي تذكر هذا هي التي تسمى قصة الغرانيق، وهي التي تلقفها المستشرقون والمبشرون وبنوا عليها جدرا من الأباطيل، والعيب ليس فيهم، ولكن العيب فيمن يدعي أنه ينتمي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يقبل مثل تلك الرواية أو يرويها أو يحاول كل جهده أن ينتصر لها.

ومن أعظم هؤلاء الذين انتصورا لها شيخ إسلام السنة المذهبية ابن تيمية الذي انتصر لها في مواضع كثيرة من كتبه، بطرق مختلفة..

 وقبل أن نذكر كلام ابن تيمية في المسألة، والذي تلقفه تلاميذه كالقرآن الموحى، نذكر الرواية، فعن أبي العالية، قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما جلساؤك عبد بني فلان ومولى بني فلان، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك، فإنه يأتيك أشراف العرب فإذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك، قال: فألقى الشيطان في أمنيته، فنزلت هذه الآية: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) قال: فأجرى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترجى، مثلهن لا ينسى؛ قال: فسجد النبي حين قرأها، وسجد معه المسلمون والمشركون؛ فلما علم الذي أجرى على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: 52]([162])

وكعادة ابن تيمية في مثل هذه المسائل فإنه يبدأها عادة بتهوينها، وذكر الخلاف فيها، ثم ببيان أن السلف الذين هم المتحدث الرسمي باسم الدين يرون رأيا معينا، ثم يجتهد في الانتصار لهم.. ثم يختم ذلك بتبديع وتضليل من خالفهم.. وقد يذكر ذلك التبديع والتضيل في المحل نفسه، وقد يؤجله لمحل آخر..

وسنورد بعض أقواله هنا تاركين للقارئ أن يكتشف المنطق الذي يفكر به أصحاب السنة المذهبية، والصورة التي يحملونها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال ابن تيمية: (النبي هو المنبئ عن الله، والرسول  هو الذي أرسله الله تعالى، وكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين.. ولكن هل يصدر ما يستدركه الله فينسخ ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته ؟ هذا فيه قولان: والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك.. والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فيما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)، وقالوا: إن هذا لم يثبت، ومن علم أنه ثبت: قال هذا ألقاه الشيطان في مسامعهم ولم يلفظ به الرسول، ولكن السؤال وارد على هذا التقدير أيضا، وقالوا في قوله: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: 52] هو حديث النفس، وأما الذين قرروا ما نقل عن السلف فقالوا هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن القدح فيه والقرآن يدل عليه .. فقالوا الآثار في تفسير هذه الآية معروفة ثابتة في كتب التفسير، والحديث، والقرآن يوافق ذلك فإن نسخ الله لما يلقي الشيطان وإحكامه آياته إنما يكون لرفع ما وقع في آياته، وتمييز الحق من الباطل حتى لا تختلط آياته بغيرها، وجعل ما ألقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم إنما يكون إذا كان ذلك ظاهرا يسمعه الناس لا باطنا في النفس والفتنة التي تحصل بهذا النوع من النسخ من جنس الفتنة التي تحصل بالنوع الآخر من النسخ)([163])

وقال في (منهاج السنة النبوية)، أو على الأصح (منهاج السنة المذهبية): (وما جرى في (سورة النجم). من قوله تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتها لترتجى على المشهور عند السلف والخلف من أن ذلك جرى على لسانه ثم نسخه الله وأبطله)([164])

وقد وافقه على هذا أكثر سلفية العصر، فقد قال سليمان آل شيخ في تيسير العزيز الحميد عن قصة الغرانيق: (وهي قصة مشهورة صحيحة رويت عن ابن عباس من طرق بعضها صحيح ورويت عن جماعة من التابعين بأسانيد صحيحة منهم عروة وسعيد بن جبير وأبو العالية وأبو بكر بن عبدالرحمن وعكرمة والضحاك وقتادة ومحمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس والسدي وغيرهم وذكرها أيضا أهل السير وغيرهم وأصلها في الصحيحين والمقصود منها قوله تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى فإن الغرانيق هي الملائكة على قول وعلى آخر هي الأصنام)([165])

 

رسول الله .. والسحرة

لم يكتف أصحاب السنة المذهبية ببيان ضعف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمام الشياطين، وتسلطهم عليه، بل أضافوا إلى ذلك أيضا ضعفه أمام السحرة، وتسلطهم عليه إلى درجة أنه قضى مدة ستة أشهر من عمر نبوته المباركة، وهو لا يعي ما يفعل.

ولسنا ندري كيف غاب على هؤلاء تلك الآيات الكريمة الكثيرة التي تبين عصمة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه لو كاده الإنس والجن، فلن يستطيعوا أن يفعلوا له شيئا، كما قال تعالى مقررا ذلك: ﴿أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 67]

ولهذا فإن كل ذلك الأسطول من المشركين والمنافقين واليهود ومرضى القلوب لم يستطيعوا ـ مع كيدهم المتواصل ـ أن يفعلوا شيئا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وليت الذين اتهموا السحرة بالقدرة على النفوذ إلى المحال المقدسة للإدراك عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اكتفوا بالصراع مع تلك الآيات الكريمة التي تعد بحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كل سوء.. لأنهم قد يجدون بعض المنافذ والتبريرات التي تجعلهم يعطلون معناها أو يؤولونه..

لكن المشكلة أنهم يعطلون نصوصا قرآنية صريحة تنفي أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساحرا، أو مسحورا، أو واقعا تحت تأثير أي سحر أو عين أو أي قوة غيبية غير القوة الإلهية.

بل إن الله تعالى يخبر أن ادعاء السحر، وربط أي أمر بالسحر من شأن الكفرة، لا من هذه الأمة فقط، بل من الأمم جميعا..

فالله تعالى يذكر عن موسى عليه السلام أنه لما جاء قومه بما جاءهم به من آيات الله البينات اتهموه بالسحر، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ [النمل: 13]

ومثله المسيح عليه السلام الذي جاء بالبينات لكن مرضى القلوب لم يروها آيات من الله، بل رأوها خوارق من السحرة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: 6]

وهكذا كان الأمر مع نبينا صلى الله عليه وآله وسلم الذي بادره قومه بالاتهام بالسحر، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ [الأنعام: 7]

وقال ـ يرسم مشهدا من مشاهد المواجهة بين دين الله ودين الشياطين ـ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ [سبأ: 43]

ولم يقتصر الأمر على دعوى السحر التي تجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعلا ومؤثرا، بل ورد في النصوص المقدسة بيان اتهام المحاربين للنبوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه كان خاضعا لتأثير السحرة والسحرة، قال تعالى مخبرا عن موقف المشركين من دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ﴾ [الإسراء: 47]

وقد أخبر القرآن الكريم أن ذلك لم يكن خاصا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل إن سائر الأنبياء اتهموا أيضا بأنهم كانوا خاضعين لتأثير السحرة، قال تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا ﴾ [الإسراء: 101]

ولكن مع كل هذه الآيات المقدسة التي تبرئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما تبرئ الأنبياء قبله من الارتباط بالسحر تأثيرا وتأثرا نجد تلك الروايات العجيبة التي تتدنس بها كتب الحديث، والتي تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقع في فترة مهمة من حياته تحت تأثير السحرة.. وبذلك تبرئ تلك الأحاديث ـ من حيث لا يشعر أصحابها ـ المشركين واليهود والمنافقين من تلك الادعاءات التي كانوا يرفضون القرآن والدين على أساسها.

وسنورد هنا نص الرواية، ونرى مبلغ إساءتها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ثم نناقشها بعد ذلك.

والرواية ـ للأسف الشديد ـ توجد في أمهات كتب الحديث المعتمدة كالبخاري ومسلم وأحمد وابن ماجة والنسائي والبيهقي وغيرها، وهذا يرينا كيف استطاع مرضى القلوب أن يتسللوا إلى هذه الدواوين العظيمة، ليبثوا فيها سمومهم، ويشوهوا من خلالها جمال الدين، وجمال رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

ونص الحديث كما ـ في صحيح البخاري في كتاب الطب عن عائشة ـ قالت: سحر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجل من بني زُريق يقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخيلُ إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال: (يا عائشة أشعرت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟)، قلت وما ذاك يا رسول الله ؟ فقال: (أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه: ما وجعُ الرجل، فقال: مطبوب (أي مسحور)، قال: ومن طَّبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي قال: في أي شيء ؟ قال: في مُشط ومُشاطَة [أي الشعر المتساقط من الرأس واللحية عند ترجيلهما)، وجُفَّ طلعة ذكر [أي على الغشاء الذي يكون على الطلع]، قال: أين هو؟ قال: في بئر ذي أروان، فذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها، وعليها نخل، ثم رجع إلى عائشة، فقال: (والله لكأن ماءها نُقاعةُ الجفَّاء ولكأن نخلها رؤوس الشياطين)، قلت: يا رسول الله أفأخرجته؟  قال: (لا، أما أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخشيت أن أثُوَر على الناس منه شراً)، وأُمر بها فدفنت البئر(1).

وفي رواية أخرى عن زيد بن أرقم قال: سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلٌ من اليهود، فاشتكى لذلك أياماً فأتاه جبريل فقال: إن رجلا من اليهود سحرك، عقد لك عُقداً في بئر كذا وكذا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستخرجها فَحلَّها، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأنما أُنْشِطَ من عِقَلٍ، فما ذكر ذلك لذلك اليهودي ولا رآه في وجهه قط )(2) .

بعد إيرادنا لهاتين الروايتين الغريبتين اللتين تشوهت بهما كتب السنة، نحب أن نناقش بعض ما فيها على ضوء العقل والنقل..

ونبدأ بالحالة نفسها، والتي صور بها الحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وأنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله .. وهي حالة خطيرة جدا بالنسبة لإنسان عادي، فكيف بنبي، فكيف بخاتم الأنبياء وسيدهم؟

لأن ذلك الشيء الذي يخيل إليه أنه فعله وهو لم يفعله قد يرتبط بتبليغ الدين.. وليس في الحديث ما ينفي ذلك .. وبذلك يكون جزء مهم من الدين لم يصل إلينا بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ تعالى عن ذلك علوا عظيما ـ كان قد توهم أنه بلَّغه مع أنه لم يبلغه..

وقد يجادلنا هنا مجادل، كما تعودوا، ويقول: لا .. ليس الأمر كما تظنون .. بل الأمر مرتبط بحياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العادية .. وهنا يأتي الجواب القرآني الواضح والدقيق والدال على أن حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلها دعوة وبلاغ عن الله، قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾ [النجم: 2 - 4]

فإن جادلوا في الآية، أو أولوها، فليقرؤوا ما ورد في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قلت: يا رسول الله اكتب كل ما أسمع منك؟ قال: نعم، قلت: في الرضا والغضب؟ قال: ( نعم فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقا) ([166])

فإن جادلوا، وذكروا بأن هذا النوع من السحر انحصر أثره في علاقة النبي ﷺ الجسدية مع أزواجه، فكان يخيل إليه أنه يأتي نساءه من غير أن يكون ذلك حقيقة، كما رووا عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: (مكث النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذا وكذا يخيل إليه أنه يأتي أهله، ولا يأتي) ([167])، فذلك لا يقل عجبا، لأنه يضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في موضع تهم خطيرة يكفي تخيلها لنفور النفس منها.. لكن هؤلاء للأسف إما أنهم لا يعرفون معنى ما يقولون، أو أن صورة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خيالهم لا تختلف عن صورة ذلك الذي أصيب بالهلوسة، فصار يتخيل ما لا يكون، ويفعل ما لا يعقل.

ولم يكتف هؤلاء بهذا، بل تصوروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي آتاه الله من القدرات الإدراكية ما ينقضي دونه العجب لم يعلم بالسحر طول تلك المدة، حتى جاءه ملكان، وأخبراه بعد أن تنصت صلى الله عليه وآله وسلم لقولهما..

ولست أدري ماذا يفعلون بقوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 3 - 5]، وغيرها من الآيات الكريمة التي وعد الله فيها نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بألا يتخلى عنه، وأن يعطيه كل ما يرضى، وأن يبعد عنه كل ما يؤذيه.

ولست أدري كيف غاب عنهم تلك الآيات الكريمة التي تذكر ما آتى الله أنبياءه عليهم الصلاة والسلام من معرفة المغيبات، كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: 37]

وقال على لسان المسيح عليه السلام: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ [آل عمران: 49]

وهكذا ورد في السنة النبوية الكثير من الأحاديث التي تنبئ عن قدرات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الخارقة في هذا المجال، وهي دليل على كمالاته الكثيرة، والتي هي نبع من فيض إيمانه وتقواه، والتي لأجلها حصلت له تلك العصمة والحفظ الإلهي من أن يتسلط عليه أي متسلط من الإنس أو الجن.

ومن الأمثلة على ذلك ما روي أن رجلا جاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: من أنت؟ قال:( أنا نبي )، قال: وما نبي؟ قال:( رسول الله )، قال: متى تقوم الساعة؟ قال:( غيب ولا يعلم الغيب الا الله )، قال: أرني سيفك، فأعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيفه، فهزه الرجل، ثم رده عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(أما انك لم تكن تستطيع ذلك الذي أردت)([168]) .. وفي رواية: ثم قال رسول الله r:( إن هذا أقبل، فقال: آتيه، فاسأله ثم آخذ السيف، فاقتله ثم أغمد السيف )([169]) 

ومن الأمثلة على ذلك إخباره صلى الله عليه وآله وسلم بعض أصحابه بما حدث به نفسه من قتله صلى الله عليه وآله وسلم، فعن شيبة بن عثمان قال: لما فتح رسول الله r مكة، قلت: أسير مع قريش إلى هوازن، بحنين فعسى أن اختلطوا أن أصيب غرة من محمد فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا أتبع محمدا ما أتبعه أبدا، فكنت مرصدا لما خرجت له لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة، فلما اختلط الناس، اقتحم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بغلته، فدنوت منه، ورفعت سيفي حتى كدت أسوره، فرفع لي شواط من نار كالبرق كاد يمحشني فوضعت يدي على بصري خوفا عليه فالتفت الي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال:(ادن مني)، فدنوت فمسح صدري، وقال:( اللهم اعذه من الشيطان ) فوالله لهو من حينئذ أحب الي من سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان بي، فقال:(يا شيبة، الذي أراد الله بك خيرا مما أردت بنفسك؟) ثم حدثني بما اضمرت في نفسي! فقلت: بأبي أشهد أن لا اله الا الله، وأنك رسول الله، استغفر لي يا رسول الله، قال:(غفر الله لك)([170])

ومن الأمثلة على ذلك ما روي في السيرة من حديث عمير بن وهب لما جاء يريد قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سأله‏‏:‏‏ ما جاء بك يا عمير‏‏؟‏‏ فقال ‏‏:‏‏ جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه ؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم‏‏:‏‏ فما بال السيف في عنقك‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئا ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ اصدقني، ما الذي جئت له ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ ما جئت إلا لذلك، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: (بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت ‏‏:‏‏ لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بدَيْنك وعيالك، على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك) ؛ قال عمير ‏‏:‏‏ أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏‏:‏‏ (فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره)([171])

وهكذا حمى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من حوادث كثيرة كان يمكن أن تودي به، ولكن الله تعالى أنبأه عنها قبل أن تقع.. وهذا ما يوقع أصحاب السنة المذهبية في حرج عظيم.. فكيف يخبر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم عن كل تلك الحوادث، ويخبره مباشرة عما يكاد له، من غير حاجة إلى ملاك أو غيره.. إلا في حديث السحر.. فهل كان للسحرة من الكيد والقدرة على التخفي ما لم يستطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يطلع عليه؟

والعجيب أن أصحاب السنة المذهبية ممن يبالغون في السحر، وفي تعلم الرقية منه، يذكرون في كتبهم أن لهم القدرة على اكتشاف السحر من غير حاجة إلى ملائكة معصومين يخبرونهم به.. فهل يجدون لأنفسهم من الطاقات للتواصل بعالم الغيب أكثر مما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

بل إنهم يذكرون فيها أن السحرة والشياطين يمتلئون رعبا منهم، ومن مشايخهم، وقصة حذاء الإمام أحمد ورعب الشياطين منها معروفة، وهي مما يحرص أصحاب السنة المذهبية على ترديده كل حين لبيان منزلة إمامهم أحمد..

فقد جاء في كتاب (طبقات الحنابلة) للقاضي أبي الحسين بن أبي يعلى الفراء: أن الإمام أحمد بن حنبل كان يجلس في مسجده، فأنفذ إليه الخليفة العباسي المتوكل صاحباً له يعلمه أن جارية بها صرع، وسأله أن يدعو الله لها بالعافية، فأخرج له أحمد نعلي خشب بشراك من خوص للوضوء فدفعه إلى صاحب له، وقال له: امض إلى دار أمير المؤمنين وتجلس عند رأس الجارية وتقول له، يعني الجن: قال لك أحمد: أيما أحب إليك تخرج من هذه الجارية أو تصفع بهذه النعل سبعين. فمضى إليه، وقال له مثل ما قال الإمام أحمد، فقال له المارد على لسان الجارية: (السمع والطاعة، لو أمرنا أحمد أن لا نقيم بالعراق ما أقمنا به، إنه أطاع الله، ومن أطاع الله أطاعه كل شيء)، وخرج من الجارية وهدأت ورزقت أولاداً، فلما مات أحمد عاودها المارد، فأنفذ المتوكل إلى صاحبه أبي بكر المروذي وعرفه الحال، فأخذ المروذي النعل ومضى إلى الجارية، فكلمه العفريت على لسانها: لا أخرج من هذه الجارية ولا أطيعك ولا أقبل منك، أحمد بن حنبل أطاع الله، فأمرنا بطاعته([172]).

وإنما ذكرنا هذه القصة هنا لأن أصحاب السنة المذهبية يتفقون على العلاقة بين السحرة والشياطين، فقد نصوا على أن (السحر بجميع أنواعه فيه استخدام للشياطين واستعانة بها، والشياطين لا تخدم إلا من تقرب إليها بالذبح، أو بالاستغاثة، أو بالاستعاذة، ونحو ذلك. يعني أن يصرف إليها شيئاً من أنواع العبادة)([173])

والعجيب أنهم ينصون في هذه القصة وفي غيرها على أن من أطاع الله لا يضره شيء، وأنه محفوظ بحفظ الله، وأن نعل الإمام أحمد كانت لها كل تلك السلطة والسطوة على عالم العفاريت.. لكنهم إن جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هونوا من شأنه، وسلطوا عليه كل شيء.. وليتهم فقط اكتفوا بالتعامل معه كما تعاملوا مع الإمام أحمد.

بعد هذا نسأل عن مدى تطبيق الأحكام الواردة في الحديث، والذي بالغ فيه أهل السنة المذهبية أي مبالغة.. وكان في الأصل ـ بدل تلك المبالغات في تبديع منكريه ـ أن يستفيدوا منه عمليا، كما هي عادتهم.. ولكنا نجدهم في هذه الحديث يخالفونه مخالفة تامة، بل لا يستفيدون منه إلا شيئا واحد يضعونه ضمن عقائد أهل السنة، وهي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمكن أن يسحر، وأنه سحر بالفعل، وبقي كذلك مدة طويلة.

وللدلالة على هذا نذكر حكمين ـ يمكن استنتاجهما من الحديث ـ وقد تخلفا تخلفا تاما في الواقع الفقهي لأصحاب السنة المذهبية:

أما الأول: فهو ما ورد في الحديث من عدم التعرض للسحرة، لا بقتلهم، ولا باستتابتهم، وهو أمر مخالف تماما لما يقول به أهل السنة المذهبية الذين يرون قتل الساحر، ويتشددون في ذلك..

وسأنقل لكم هنا نص خطبة حماسية لرجل دين يفتخر بتطبيق بلاده لحكم قتل الساحر، ويستند فيها لبعض الآثار الواردة عن الصحابة في ذلك([174]) ..

يقول الخطيب ـ بحماسته التي لا أستطيع تصويرها ـ: (عباد الله: وحكم الساحر القتل، وقد جاء قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم: عمر بن الخطاب، وحفصة أمُّ المؤمنين، وجندب الأزدي رضي الله عنهم أجمعين .. ففي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أن اقتلوا كل ساحر وساحرة)، قال: فقتلنا ثلاث سواحر.. وروى الإمام مالك في موطئه وعبد الرزاق: أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتلت جارية لها سحرتها وكانت قد دبرتها، فأمرت بها فقتلت.. وروى البخاري في تاريخه عن أبي عثمان النهدي قال: كان عند الوليد رجل يلعب فذبح إنساناً فعجبنا فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله، وفي رواية أنه قال: (إن كان صادقاً فليحيِ نفسه)

وهكذا راح يذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين وغيرهم.. ولسنا ندري كيف غاب ذلك الحديث الصحيح عنه؟.. وهل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتركه الساحر وعدم قتله له ـ في الحديث الذي يعتقد صحته ـ مقصرا؟

واستأنف الخطيب خطبته دون انتباه لسؤالي الذي لم يخطر على باله أصلا، فقال: (وقد اختلف أهل العلم في الساحر هل يستتاب أو يُقتل بدون استتابة؟ وظاهر عمل الصحابة في الآثار المتقدمة أنه يُقتل من غير استتابة. وذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلة كل قول تجدها مبسوطة في كتب أهل العلم، ومن أجمع الكتب وأوعبها في هذه المسألة وغيرها من مسائل التوحيد (كتاب التوحيد) للإمام المجدد والشيخ المصلح شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وشروحاته كثيرة ومن أحسنها وأجمعها كتاب (تيسير العزيز الحميد) لحفيده وتلميذه الشيخ سليمان بن عبد الله رحم الله الجميع وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء)

وبعد أن برر هذا الحكم من الناحية العقدية راح يبرره من الناحية الواقعية ـ التي غابت ـ حسب لازم قوله ـ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ: (عباد الله: إنَّ قتل الساحر وإزهاق روحه فيه تخليصٌ للمجتمع المسلم من أداة شر وتخريب وفتك بالمسلمين، فالساحر شروره كثيرة وأخطاره عديدة وجنايته على الإسلام والمسلمين كبيرة ؛ فهو يشتت رابطة المجتمع المسلم ويخلخل كيانه، ويفرِّق بين الأسر المسلمة، وينشر العداوة والبغضاء بين المسلمين، ويزعزع أمن المسلمين، ويخرب ديارهم، وينقلهم إلى الحضيض والهلكة)

بعد هذا يثني الثناء العطر على مملكته التي طبقت هذا الحكم الذي قصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ في تصورهم ـ عن تطبيقه، فقال: (ولهذا عباد الله فإنَّا من هذا المنبر لنحمد الله تعالى ونثني عليه الخير كله على ما قيَّضه لحكومة هذه البلاد - أيَّدها الله وزادها من توفيقه وحرسها - من تتبُّع لهؤلاء المفسدين وقطع لدابرهم واستئصال لشأفَتهم وشرورهم. ومن ذلكم ما تم إعلانه يوم الجمعة الماضي من قِبل وزارة الداخلية من تنفيذ لحكم القتل في رجل ساحر لممارسته أعمال السحر والشعوذة ووجد في حيازته مجموعة من الكتب الشركية والخرافية، وجاء في القرار أنه نظراً لما يحدثه السحر والشعوذة من أضرار جسيمة على الفرد والمجتمع في الدين والنفس والمال والعقل وأن ما فعله المدعى عليه فيه ضرر عظيم يستحق العقوبة الصارمة التي تقطع شره وتردع غيره، فقد تقرر الحكم بقتله وصُدِّق الحكم من هيئة التمييز ومن مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة وصدر الأمر السامي بإنفاذ ما تقرر شرعاً بحقه، ونُفِّذ الحكم يوم الجمعة الماضي. فلله الحمد أولاً وآخراً وله الشكر ظاهراً وباطنا على نعمه الجزيلة وآله العظيمة التي لا تعد ولا تحصى، ونسأله بمنِّه وكرمه أن يوفق ولاة الأمر في هذه البلاد لكل خير وأن يعينهم على تتبع هؤلاء المجرمين وقطع دابر هؤلاء المفسدين)

طبعا ليس لدينا الوسائل التي نتحقق بها من مدى عدالة هذا الحكم الذي طبق.. ولكنا مع ذلك نستغرب من هؤلاء القوم الذين يزعمون لأنفسهم السنة.. واحتكارها.. ومع ذلك يتركون مثل ذلك الحديث الذي لا يستفيدون منه سوى شيئا واحدا، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر في فترة من فترات حياته النبوية بهذه التجربة المريرة، ولم يخرج منها إلا بعد فترة طويلة.

والأمر الثاني الذي نستغرب ترك أهل السنة المذهبية لتطبيقه مع أن الحديث يدل عليه دلالة صريحة هو عدم تخريبهم للأماكن التي يوجد فيها السحر.. ولذلك يكتفون بإزالة ما يعتبرونه سحرا، أو يحرقونه، أو يتلفونه، دون إتلاف المحل الذي وضع فيه، كما قال الشيخ ابن باز: (ينظر فيما فعله الساحر، إذا عرف أنه مثلا جعل شيئا من الشَّعر في مكان، أو جعله في أمشاط، أو في غير ذلك، إذا عرف أنه وضعه في المكان الفلاني أزيل هذا الشيء وأحرق وأتلف فيبطل مفعوله ويزول ما أراده الساحر )([175])

مع أنه قد ورد في الحديث الوارد في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بدفن البئر نفسها([176]) مع أن الآبار في ذلك الحين كانت لها قيمتها.. ومع أن البئر ـ كما ورد في الحديث ـ كانت لرجل من الأنصار.. ومع ذلك يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بدفنها.

بعد هذه المناقشات نتعجب أن يرمى المنكرون لمثل هذه الأحاديث بالبدعة، مع أن الفقهاء وغيرهم ينكرون الكثير من الأحاديث، ولا يرون العمل بها، وقد رأينا في مقدمة الكتاب نموذجا عن موقف مالك وغيره من بعض الأحاديث.. ومع ذلك لم يرم مالك ولا غيره بالبدعة.. ولكن إذا تعلق الأمر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتنزيهه، فإن أهل السنة المذهبية تثور فيهم الحمية، ويشهرون سيوف الحرمان والتبديع والتضليل في وجه من يفعل ذلك حتى لو كانوا أعلاما كبارا لهم حرمتهم وجلالتهم.. ولكن لحومهم سرعان ما تصبح حلالا بمجرد أن يتجرؤوا فينكروا مثل تلك الروايات التي تسيء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

ولا يمكننا هنا نقل التصريحات التي صرح بها أصحاب السنة المذهبية بتبديع كل من تكلم في تلك الأحاديث ([177]) .. ولذلك نكتفي بذكر بعض أقوال العلماء الذين بُدّعوا وحُذر منهم بسبب مواقفهم من أمثال تلك النصوص.

وأولهم المفسر الكبير الفخر الرازي الذي قال في تفسيره [مفاتيح الغيب] عند تفسير المعوذات في ذكر سبب نزولها وحديث سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (قال القاضي هذه رواية باطلة ،وكيف يمكن القول بصحتها، والله تعالى يقول :﴿ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ [ المائدة: 67 ] وقال: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ [ طه: 69 ] ولأن تجويزه يفضي إلى القدح في النبوة ؛ ولأنه لو صح ذلك لكان من الواجب أن يصلوا إلى ضرر جميع الأنبياء والصالحين، ولقدروا على تحصيل الملك العظيم لأنفسهم، وكلُّ ذلك باطلٌ، ولكان الكفار يعيرونه بأنه مسحور. فلو وقعت هذه الواقعة لكان الكفار صادقين في تلك الدعوة، ولحصل فيه - عليه السلام - ذلك العيب، ومعلوم أن ذلك غير جائز)([178])

ومنهم الفقيه والمفسر الحنفي الكبير أبو بكر الجصاص الذي قال في كتابه [أحكام القرآن]: ( زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُحر، وأن السحر عمل فيه حتى أنه يتخيل أنه يفعل الشيء ولم يفعله .. وقد قال الله تعالى مكذباً للكفار فيما أدعوه من ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: 8] .. ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعباً بالحشوا الطغام  واستجرار لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء عليهم السلام، والقدح فيها)([179])

ومنهم المحدث الكبير جمال الدين القاسمي الذي لم يمنعه تخصصه في علم الحديث من إنكار هذا الحديث، فقد قال: (ولا غرابة في أن لا يقبل هذا الخبر لما برهن عليه، وإن كان مخرَّجاً في الصحاح ؛ وذلك لأنه ليس كل مخرج فيها سالماً من النقد، سنداً أو معنى، كما يعرفوه الراسخون. على أن المناقشة في خبر الآحاد معروفة من عهد الصحابة)([180])

ومنهم الأستاذ محمد عبده الذي قال في تفسيره لسورة الفلق:(وقد رووا هنا أحاديث في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سحره لبيد بن الأعصم، وأثّر سحره فيه حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله أو يأتي شيئًا وهو لا يأتيه، وأن الله أنبأه بذلك وأخرجت مواد السحر من بئر وعوفي صلى الله عليه وآله وسلم مما كان نزل به من ذلك ونزلت هذه السورة.ولا يخفى أن ثأثير السحر في نفسه عليه السلام حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أنه يفعل شيئًا وهو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان، ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية، بل هو ماس بالعقل، آخذ بالروح، وهو مما يصدّق قول المشركين فيه: ﴿إن تتّبعون إلاّ رجلاً مسحورًا﴾، وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله، وخيّل له أن شيئًا يقع وهو لا يقع، فيخيّل إليه أنه يوحى إليه ولا يوحى إليه. وقد كان كثير من المقلّدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة وما يجب لها أن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح، فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بدع المبتدعين، لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر. فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح، والحق الصريح في نظر المقلّد بدعة، نعوذ بالله، يحتج على ثبوت السحر، ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه صلى الله عليه وآله وسلم وعدّه من افتراء المشركين عليه، ويؤول في هذه ولا يؤول في تلك، مع أن الذي قصده المشركون ظاهر لأنّهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه عليه السلام، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم وضرب من ضروبه، وهو بعينه أثر السحر الذي نسب إلى لبيد، فإنه قد خالط عقله وإدراكه في زعمهم)([181])

ومن المحدثين الذين لم يستسيغوا حديث السحر محمد رشيد رضا، وقد كان موقفه ذلك سببا في تأليف الشيخ مقبل الوادعي ـ وهو علم كبير من أعلام السنة المذهبية ـ رسالة في الدفاع عن سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سماها (ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر)، ومما جاء في مقدمتها قوله: (إن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن الدعوة إلى الله بل ومن الجهاد في سبيل الله بيان عقيدة أهل السنة والجماعة والذّب عنها، وكشف عوار أهل البدع والملحدين والتحذير منهم.. وجزى الله أهل السنة خيرًا فهم من زمن قديم يتصدون لأهل البدع، حتى فضّل بعضهم الرّدّ على أهل البدع على الجهاد في سبيل الله.. وفي هذا الزمن شاع وذاع أن جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده المصري، ومحمد رشيد رضا، من المجددين وأنّهم علماء الفكر الحر، فقام غير واحد من المعاصرين ببيان ضلالهم وأنّهم مجدّدون للضلال وترهات الإعتزال فعلمت حقيقتهم.. فصارت معرفة ضلالهم كلمة إجماع بين أهل السنة، لكن محمد رشيد رضا لم يوفّ حقه واغترّ بعض الناس ببعض كلماته في الردود على بعض أهل البدع، وما يدري أن عنده من البدع والضلال ما يقاربهم.. لذا رأيت أن أكتب هذه الرسالة الموسومة بـ (ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر وبيان بعد محمد رشيد رضا عن السلفية)([182])



([1])   محاسن التأويل: 9/ 578.

([2])   محاسن التأويل : 9/ 578.

([3])   محاسن التأويل: 9/ 578.

([4])   سير أعلام النبلاء: 1/ 49.

([5])   سير أعلام النبلاء:1/ 49.

([6])   سير أعلام النبلاء: 1/ 49.

([7])   رواه أبو داود.

([8])   رواه البخاري ومسلم.

([9])   رواه البخاري ومسلم.

([10])   رواه أحمد وأبو داود.

([11])   أما تلك الزيادة الواردة: (حبب إلي من دنياكم النساء)، فأرى أنها موضوعة، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو سيد الزاهدين، وأعظم الزهد الزهد في هذا الجانب، وقد طبقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أحسن صوره كما شرحنا ذلك بتفصيل في كتاب [النبي المعصوم]

([12])   رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح.

([13])  منهاج السنة النبوية (7/ 179)

([14])  منهاج السنة النبوية (2/ 434)

([15])  منهاج السنة النبوية (2/ 430)

([16])  منهاج السنة النبوية (2/ 434)

([17])  منهاج السنة النبوية (2/ 397)

([18])  منهاج السنة النبوية (2/ 398)

([19])  منهاج السنة:2/413.

([20])  مجموع الفتاوى (15/ 30)

([21])  مجموع الفتاوى (15/ 30)

([22])  مجموع الفتاوى (15/ 31)

([23])  شرح الطحاوية لصالح آل الشيخ ، ص: 84.

([24])  شرح الطحاوية لصالح آل الشيخ ، ص: 86.

([25])  اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 63)

([26])  اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 63)

([27])   فقد ألفت فيها المؤلفات الكثيرة، ومنها: نفائس الدرر في موافقات عمر، لأبي بكر ابن زيد الدمشقي، وقطف الثمر في موافقات عمر: لجلال الدين السيوطي، ونظم الدرر في موافقات عمر: لمحمد بن إبراهيم البلبيسي، والموافقات العمرية للقرآن الشريف: لمحمد بن جمال الدين، والدر المستطاب لموافقات عمر بن الخطاب: لحامد بن على العمادي الدمشقي، وضم الدرر في موافقات عمر: لبدر الدين محمد بن محمد الغزي، واقتطاف الثمر في موافقات عمر: لابن البدر الخطيب البعلي الدمشقي، والموافقات التي وقعت في القرآن لعمر بن الخطاب: أحمد بن علي بن محمد المقدسي، وغيرها..

([28])   رواه البخاري.

([29])   رواه أحمد.

([30])   رواه أحمد.

([31])   الإمام ابن باز دروس وعبر، ص 33.

([32])  حديث حسن أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال رواه الطبراني في الأوسط والصغير وحسنه ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة. انظر أسباب النزول للإمام السيوطي ص 128..

([33])  رواه الطبراني في الكبير.

([34])  مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 66).

([35])    وهي لأحمد، وأبي يعلى.

([36])  رواه مسلم.

([37])  رواه أحمد.

([38])  رواه البخاري.

([39])   حياة الأنبياء في قبورهم للبيهقي (ص: 93).

([40])   سنن الترمذي.

([41])   رواه الترمذي.

([42])   لا أقصد كل الصوفية، لأن منهم من بالغ في التأثر بمنتجات السنة المذهبية حرصا على ألا يصنف خارجها.

([43])  النبهاني، سعادة الدارين، صـ 440.

([44])   انظر كتابه: البيان القويم لتصحيح بعض المفاهيم، دار السندس للتراث الإسلامي.

([45])   تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك.

([46])   رواه البخاري، وأبو داود.

([47])   الفواكه الدواني.

([48])   بغية السالك للساحلي: 1/248.

([49])   بغية السالك للساحلي: 1/249.

([50])   إحياء علوم الدين:4/436.

([51])   رواه مسلم.

([52])  نقلا عن فتح الباري ( 12 / 384 ) .

([53])   مجموع الفتاوى:  27 / 391 – 393.

([54])   فتاوى في الرؤى، لابن جبرين.

([55])   رسائل وفتاوى الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد عبد الوهاب: 1/82.

([56])  قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة 1/ 122)

([57])  رواه ابن سعد عن بكر بن عبد الله مرسلا.

([58])  رواه أحمد والطيالسي.

([59])  مجموع الفتاوى: 27/25.

([60])  مجموع الفتاوى (27/ 309).

([61])  مجموع الفتاوى 27/ 243.

([62])  الرد على الأخنائي ص 385.

([63])  الرد على الأخنائي ص 386.

([64])  الفتاوى الكبرى 5/ 146.

([65])  مجموع الفتاوى 27/ 220.

([66])  مجموع الفتاوى (4/ 519)

([67])  فتح الباري: (5/66).

([68])  الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية ص96–98.

([69])  طرح التثريب ( 6 / 43 )

([70])   منهاج السنة النبوية (6/ 455)

([71])   رواه البزار، والطبراني.

([72])   رواه أبو داود.

([73])  رواه مسلم.

([74])  رواه أحمد.

([75])  رواه الحاكم.

([76])  رواه الترمذي وأحمد.

([77])  رواه الترمذي وأحمد.

([78])   منهاج السنة ج4 ص530-531.

([79])   رواه أحمد وابن ماجة.

([80])   رواه أحمد.

([81])   رواه الطبراني في الكبير.

([82])   رواه ابن ماجه.

([83])   رواه البخاري.

([84])   رواه البخاري.

([85])   رواه الترمذي وصححه الحاكم.

([86])   ابن ماجة.

([87])   رواه مسلم.

([88])   ومنها ما روي عن محمد بن عبد الله بن جحش أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر على معمر بفناء المسجد محتبيا كاشفا عن طرف فخذه فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (خمر فخذك يا معمر فإن الفخذ عورة)، رواه أحمد ورواه الطبراني في الكبير، ورجال أحمد ثقات.

([89])   رواه الترمذي.

([90])   مساوئ الأخلاق للخرائطي (ص: 199).

([91])   رواه مسلم.

([92])   رواه الدارامي (2/196) و البيهقي في الشعب (4/367)

([93])   رواه مسلم.

([94])  الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 203)

([95])  الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 203)

([96])   رواه البخاري و مسلم.

([97])   رواه أبو داود.

([98])   رواه الترمذي في الشمائل.

([99])   رواه البخاري.

([100])   رواه البخاري.

([101])   رواه أحمد.

([102])   رواه البخاري.

([103])   رواه أحمد.

([104]) رواه مسلم.

([105]) رواه البخاري ومسلم.

([106]) رواه البخاري ومسلم.

([107]) رواه أحمد والبخاري.

([108])   رواه البخاري ومسلم.

([109]) رواه ابن إسحاق الزجاجي في تاريخه.

([110])   رواه البخاري.