الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: أدوية من السماء

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 416

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

أحداث هذه الرواية تدور حول رحلة يأخذ معلم السلام فيها تلميذه إلى بلاد السلام، وإلى محل يشبه المسجد الأقصى المبارك، وهناك يلتقي معلم البركة، وبالمتوسمين الذين يدلونه على كيفية الاستفادة من البركات، وكيفية التعامل معها.. وهو يمر في رحلته تلك بأربعة أقسام:

القسم الأول: مرصد البركة.. وهو المحل الذي يبحث فيه على مصادر البركة ووسائطها ومحالها ومواقيتها.

القسم الثاني: منازل البركة.. وهي اللطائف التي يتكون منها بنيان الإنسان، وفيها يعرف حقيقته وعلاقة البركات بها، لأن بركات الله تحتاج إلى محال تنزل فيها، ومنازل تحل بها.

القسم الثالث: مخزن البركة .. وهو المحل الذي يعاين فيه ما ورد في النصوص المقدسة من أغذية ورد التنصيص على ما أودع فيها من بركات.

القسم الرابع: مشافي البركة .. وهو المحل الذي يعاين فيه ما ورد في النصوص المقدسة من أدوية ورد التنصيص على ما أودع فيها من بركات.

وقد حاور تلميذ السلام في هذه الرواية كل ما مر به من أغذية وأدوية وغيرها، وتبين له من خلال الحوار أن أسباب بركتها هو تلك الأحوال الروحانية العالية التي تعيشها تلك الموجودات التي بارك الله فيها.. فقيمتها ليس في مكوناتها المادية، وإنما في أحوالها الروحية.

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

أولا ـ مرصد البركة

مصدر البركة

وسائط البركة

بركات الأولياء:

بركات البسطاء:

بركات الملائكة

محال البركة

مواقيت البركة

أيام البركة

شهور البركة

ساعات البركة

لحظات البركة

ثانيا ـ منازل البركة

الجسد

النفس

الطمأنينة:

الاعتدال:

التوازن:

السلام:

العقل

الروح

ثالثا ـ مخزن البركة

الماء

الماء والسماء:

الماء والأرض:

الماء والإنسان:

شراب العسل:

الماء العذب:

هيئة الشرب:

الماء والذكر:

المغتسل المبارك

الشراب المبارك

الهواء

شرح الصدر:

تكوين الغذاء:

تلطيف الهواء والتربة:

تزيين السماء:

الرياح والتلقيح:

حفظ السماء:

الحبوب

القمح:

الشعير:

اللبن

لبن الأم:

أسرار البركة:

بركات الزبادي:

التمر

بركات الغذاء:

بركات الشفاء:

الزيتون

الخضر

اليقطين:

الثوم:

البصل:

الكراث:

الفواكه

التين:

العنب:

الرمان:

الموز

الأترج:

البقول

اللحوم

التسمية:

الذبح:

الأدب:

الاعتدال:

رابعا ـ مشافي البركة

العسل

بركات التكوين:

بركات الشفاء:

بركات الألوان:

بركات الأنواع:

الحجامة

الحبة السوداء

بركات التكوين:

بركات الشفاء:

الأمران

الثفاء:

الصبر:

السنا والسنوت

السنا:

السنوت:

القسط البحري

الحناء

الحلبة

بركات التكوين:

بركات الشفاء:

أدوية خاصة

الكمأة:

الإثمـد:

المردقوش:

النار الشافية:

نباتات من الجنة

الزنجبيل:

الكافور:

الزعفران:

الخاتمة

 

المقدمة

كتبت هذه الرواية في فترة كانت جميع وسائل الإعلام منشغلة بالطب البديل، ونظام الماكروبيوتيك وغيره من الأنظمة الغذائية والعلاجية الوافدة من الصين أو اليابان أو الهند أو غيرها من البلاد.

وقد انتشر بين عامة الناس في ذلك الحين الاهتمام بالعناصر المكونة لكل غذاء فهم يسألون عن مكوناته من الفيتامينات والمعادن والبروتينات ونحوها..

وقد صادف أن أهدي إلي حينها ماء زمزم جاء به بعض الحجاج.. وقد كنت فرحا به، وبالبركات التي يحملها.. لكن بعض المتدينين المتأثرين بالموجة الجديدة راح يسخر مني، ويقول: إن المكونات الكيميائية لماء زمزم لا تختلف عن مكونات سائر المياه..

قلت: ولكنه يحوي فوق ذلك عنصرا خطيرا، وهو البركة، فهو ماء وردت النصوص في فضله وبركته، وأنه لما شرب له..

ضحك صاحبي، وهو يقول: ألا تزال تؤمن بالبركة .. إنها هي التي نشرت الشرك في الأمة .. وهي التي جعلتنا في ذيل قافلة الأمم.. وهي التي ..؟

كان هذا موقف فرد رأيته .. لكني رأيت بعد ذلك الكثير من أمثاله.. بل رأيت علماء كبار يزعمون أن ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بركات الأغذية والأدوية هو مجرد اجتهاد، وقد يكون مخطئا فيه..

بل إن بعضهم تجرأ على ما ورد في القرآن الكريم نفسه من اعتبار العسل شفاء، فراح يعتبر ذلك مجرد موافقة لما عرفه العرب من أنواع التداوي.

كل هذه الحوادث كانت السبب الأكبر لتأليفي لهذه الرواية، والتي من خلالها حاولت أن أبين قيمة البركة وأهميتها وأن أي مؤمن بالقرآن الكريم والسنة المطهرة.. بل أي مؤمن بأي دين من الأديان يقول بها، ويذعن لها.

وقد تعجبت من الذين يؤمنون بتأثير الين واليانغ.. وتأثير الفيتامينات والمعادن وغيرها .. كيف لا يؤمنون بتأثير البركة.. وهي فضل الله الواسع الذي يضعه حيث يشاء ومتى يشاء وكيف يشاء.

ولذلك حاولت في هذه الرواية أن أستنبط ما أمكن من قوانين تأثير البركة، بحيث تصبح علاجا يمكن استعماله والاستفادة منه، وقد سميت النظام المقيد بهذه القوانين من باب المشاكلة [المباركبيوتيك]

فالمباركبيوتيك هو نظام الحياة المستند إلى البحث عن بركات الله المودعة في الكون، لينهل منها المؤمن، وينال ما فيها من خير وفضل ونعمة لا باعتبار مكوناتها المادية، وإنما باعتبار صلتها بصاحب كل فضل وجود في هذا الكون.

وأحداث الرواية تدور حول رحلة يأخذ معلم السلام فيها تلميذه إلى بلاد السلام، وإلى محل يشبه المسجد الأقصى المبارك، وهناك يلتقي معلم البركة، وبالمتوسمين الذين يدلونه على كيفية الاستفادة من البركات، وكيفية التعامل معها.

وهو يمر في رحلته تلك بأربعة أقسام:

القسم الأول: مرصد البركة.. وهو المحل الذي يبحث فيه على مصادر البركة ووسائطها ومحالها ومواقيتها.

القسم الثاني: منازل البركة.. وهي اللطائف التي يتكون منها بنيان الإنسان، وفيها يعرف حقيقته وعلاقة البركات بها، لأن بركات الله تحتاج إلى محال تنزل فيها، ومنازل تحل بها.

القسم الثالث: مخزن البركة .. وهو المحل الذي يعاين فيه ما ورد في النصوص المقدسة من أغذية ورد التنصيص على ما أودع فيها من بركات.

القسم الرابع: مشافي البركة .. وهو المحل الذي يعاين فيه ما ورد في النصوص المقدسة من أدوية ورد التنصيص على ما أودع فيها من بركات.

وقد حاور تلميذ السلام في هذه الرواية كل ما مر به من أغذية وأدوية وغيرها، وتبين له من خلال الحوار أن أسباب بركتها هو تلك الأحوال الروحانية العالية التي تعيشها تلك الموجودات التي بارك الله فيها.. فقيمتها ليس في مكوناتها المادية، وإنما في أحوالها الروحية.

ولذلك فإن هذه الرواية لا تتعلق فقط بالنواحي الصحية، وإنما تتعلق قبل ذلك بالنواحي الروحية والعرفانية.. حتى نتناول الأشياء من الله لننال ما فيها من فضل وبركة.

البداية

عند عودتي من [حصون العافية] شعرت برحمة الله سبحانه وتعالى، وهي تشمل أجساد عباده وأرواحهم.. بل رأيتها وهي تمد يدها إليهم ترعاهم وتحوطهم بكنفها.. وقد تعجبت من ذلك الكم الكبير من النصوص المقدسة التي لا تخدم الروح فقط، بل تخدم الجسد أيضا، وتخدم معه كل حاجاته ومتطلباته التي يتصور الغارقون في أوحال الدنيا أن الدين ينفر منها، وأن الاتصال بالله يحجب عنها.

وفي غمرة تلك السعادة والسلام الذي استشعرته خطرت على بالي خاطرة، وهي أن تلك الرعاية الإلهية التي وضعت قوانين حفظ الطين، ألا يمكن أن تكون قد وضعت كذلك قوانين علاجه إذا ما طرأ عليه أي طارئ، أو حصل له أي مكروه.

وبمجرد أن خطرت هذه الخاطرة على بالي رحت أسأل نفسي: هل يمكن أن يكون في الطبيبعة التي خلقها ا لله لنا ما يغنينا عن كثير من تلك الأدوية المسمومة التي لا تداوي داء إلا بعد أن تضع بدله أدواء؟

وهل يمكن أن تأتي الإشارة إلى هذا النوع من الأدوية في النصوص المقدسة، مثلما وردت الإشارة إلى الطب الوقائي؟

وهل يمكن أن تستفيد البشرية ـ إن تخلصت من كبريائها من تلك النصوص ـ فتفعلها في حياتها، وتبني عليها منهجا جديدا في التداوي ينطلق من السماء قبل أن ينطلق من الأرض؟

بمجرد أن خطر على بالي هذه الأسئلة وغيرها، رأيت معلم السلام يأخذ بيدي، وهو يقول: هيا بنا إلى الأرض المباركة، حيث تتنزل أدوية السماء.

قلت: الأرض المباركة.. أدوية السماء.. ما تعني؟

قال: سر.. فبالله إن تسر ترى العجائب.

سرت معه فترة من الزمن في عوالم مجهولة إلى أن بدت لنا قبة تشبه قبة المسجد الأقصى في جمالها وسكينتها وروحانيتها، وقد كتب فوقها بحروف من نور قوله تعالى على لسان المسيح u:﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ﴾ (مريم:31)

قلت للمعلم: أترانا الآن سائران نحو المسيح u.. إني أرى المسجد الأقصى.. وأرى كلامه مجتمعان هنا.. أنزل المسيح u؟.. كيف؟.. ولم يخرج الدجال بعد؟

قال: ومن قال بأن الدجال لم يخرج.. إن آلاف الدجاجلة الصغار يظهرون كل يوم.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة، ولا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله)([1])

قلت: بلى.. الدجالون كثيرون.. ولكن المسيح واحد.

قال: المسيح u واحد.. ولكن أنصاره الذين يكونون معه أو يسبقونه كثيرون، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناواهم حتى يقاتل آخرهم الدجال)([2])

قلت: بلى.. ولكن هل سنزور أحد هؤلاء الأنصار المباركين.

قال: لا.. لن نزور أشخاصا، بل سنزور أدوية مباركة.. بورك فيها كما بورك في المسيح.. وهي الأدوية التي إذا رأتها الدجاجلة ذابت واندثرت.

قلت: أي دجاجلة؟

قال: الأدوية الكثيرة التي تفوح بالدجل.. والتي لا يقصد منها غير ملأ الجيوب، وتدمير الصحة.

قلت: أدوية قومي.

قال: أدوية الصراع.. وهي أدوية قومك وغير قومك.

قلت: ولم كانت دجلا؟

قال: لأنها تقوم على الصراع.. فتصارع الجسم، وتصارع الصحة، فلا تبني حتى تهدم.

قلت: وأدوية البركة.

قال: هي الإكسير الذي لا يعرف إلا العافية.. والنعمة التي لا تعرف وجه النقمة.. والمنحة التي لا تشم منها روائح المحنة.

قلت: فلم كانت مباركة؟

قال: الله تعالى برحمته بارك فيها.. ألا تعلم سر البركة؟

قلت: العجائز ـ عندنا في العادة ـ هم الذين يتعلقون بالبركة..

قال: ولكنهم يخطئون سبيلها.

قلت: فما البركة؟

قال: ما فضل الصلاة في الحرم على فضلها في سائر المساجد؟

قلت: ورد في النصوص أن الصلاة فيه تعدل مائة ألف فيما سواه، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع([3])فيه بخمس مائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدي هذا بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة)([4])

قال: فهذا من البركة.. فصلاة واحدة تعدل مائة ألف صلاة.

قلت: فكيف تطبق هذا على الإكسير المبارك الذي يستعمله أهل هذه الديار؟

قال: إن ما يستعمله أهل هذه الديار من الأدوية لا يمكن مقارنة ما فيه من البركات بأي دواء آخر.

قلت: كيف تقول هذا ـ يا معلم ـ ونحن في عصر الدواء؟

قال: أنتم في عصر الداء والدواء.. ولا يلد الداء مثل الدواء الممحوق البركة.

قلت: أفنستغني عن الدواء بالبركة؟

قال: البركة هي أم الأدوية، كما أن مكة هي أم القرى، فكيف تقارنها بالدواء؟

قلت: أنا لا أعرف البركة بعد.. فإني لا أزال على دين قومي.. ولكني أتعجب من هذه المبالغة في شأن البركة..

قال: لا.. بل أنا مقصر في التعبير عنها، أتعلم ما أمر الله تعالى نوحا u أن يقوله عندما نزل إلى الأرض بعد الطوفان؟

قلت: بلى.. فقد قص القرآن الكريم علينا ذلك، فقال تعالى:﴿ وقل رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾(المؤمنون:29)

قال: لو ترك الأمر لعقلك وعقول قومك: ما هي صفة الأرض التي كنت ستطلب النزول فيها؟

قلت: سأضع وصفة طويلة بمطالبي.

قال: مثل ماذا؟

قلت: ذلك يطول.. ولكني سأطلب أرضا جيدة المناخ، طيبة الثمار، حسنة التضاريس، ليس فيها الوحوش الكاسرة، ولا الأفاعي السامة.

قال: ولو ظللت طول اليوم تعد مواصفات الأرض التي تحب أن تنزل فيها، فلن يعدل كل ما تذكره كلمة:( مباركا)التي ورد ذكرها في طلب نوح u.

قلت: لم؟

قال: لأنها تحوي كل ما ذكرت، وغير ما ذكرت.. لأن البركة من الله.. والله يعلم ما لا نعلمه.

قلت: ولكني لم أقصر فيما ذكرت، بل قد يكفيني ما ذكرت.

قال: ولكن هناك أراض كثيرة بالوصف الذي ذكرته.. ولكنها أرض موبوءة بالزلازل أو البراكين أو الحروب أو قلة الرزق..

قلت: ولكن..

قال: سأضرب لك مثالا على البركة في الأرض.. أرأيت لو سرت إلى مكة المكرمة قبل أن تنزل فيها هاجر ـ عليها السلام ـ أتراك تطلب القرار بها؟

قلت: لا.. فقد كانت أرضا خاوية خالية.. هي أقرب للموت منها إلى الحياة.. ألم يقل الله تعالى فيها على لسان خليله u:﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ (ابراهيم:: 37)

قال: ولكن البركة لما نزلت عليها تحولت منبعا من منابع الرزق، ومسكنا من مساكن القلوب.. ولم يصب أهلها أي جوع أو ظمأ منذ تنزلت البركات، قال الخليل u:﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾(ابراهيم:37)

قلت: ولكن هناك فرق ـ يا معلم ـ بين الدواء والأرض.. الأرض للجميع.. أما الدواء فللأفراد.. فلذلك لا يمكن القياس في هذا الباب.

قال: أنا لا أقيس.. فأنت تعلم بغضي للقياس.. ولكني أستبصر.. وأطبق سنن الله.. ولست مبتدعا في ذلك، فقد كان من هدي الصالحين البحث في مواطن البركات واستثمارها في الشفاء وغيره، ألم تعرف وصفة الإمام علي ؟

قلت: لا أعرفها.. فهل روي عنه شيء من الطب؟

قال: أجل.. كما روي عن غيره من الأئمة.. وقد رويت عنه وصفة قد تكون أنجع من كثير من الصناديق التي تملؤونها بالسموم.

قلت: فما قال؟

قال: روي عنه أنه قال:( إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب اللّه في صحفة، وليغسلها بماء السماء، وليأخذ من امرأته درهماً عن طيب نفس منها، فليشتر به عسلاً فليشربه كذلك فإنه شفاء، من وجوه)

قلت: أي وجوه يقصدها؟

قال: يقصد الآيات التي ذكر فيها الشفاء والبركة، وهي قوله تعالى:﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾(الاسراء:82)، وقوله تعالى:﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً ﴾(قّ:9)، وقوله تعالى:﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ (النساء:4)، وقوله في العسل:﴿ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾(النحل:69)

قلت: أهذا اجتهاد اجتهده، أم تجربة جربها؟

قال: يمكن أن يكون كل ذلك، ويمكن أن يكون غيره..

قلت: ولكن قومي يسارعون إلى إنكار مثل هذا..

قال: فلينكروا.. فلا حرج عليهم أن ينكروا.. ولكنهم في إنكارهم مثل من غرق في بحر، فمد إليه منقذ خبير يده، فقال في نفسه: إن يده أضعف من أن تحملني أو تنقذني، فبقي كذلك إلى أن التهمه حوت البحر وأمواجه.

قلت: قد يكون ما تقول صحيحا.. ولكن الغريق الذي تتحدث عنه يمد يده إلى أدوية كثيرة اخترعها قومي..

قال: لا حرج عليه في ذلك.. ولكن الحرج على إنكاره على غيره إن شفاه الله بسبب من الأسباب عجز عقله المحدود عن فهمه.

قلت: ولكن هل نكتفي بما يهديه إليه تدبرنا واستبصارنا؟

قال: لا.. لا بد أن نراجع الخبراء.. فقد أمرنا الله بالرجوع إليهم.

قلت: فكيف يتم العلاج في هذه الديار؟

قال: العلاج في هذه الديار ينقسم إلى أربعة أقسام.

قلت: فما القسم الأول منهما؟

قال: مرصد البركة.

قلت: وهل يمكن رصد البركة حتى ينصب لها مرصدا؟

قال: أجل.. فهناك المتوسمون الذي علمهم الله أسرار البركات، فراحوا ينشرونها بين الناس.

قلت: فما القسم الثاني؟

قال: منازل البركة.

قلت: فما منازل البركة؟

قال: هي المحال التي تنزل فيها البركة، فليس الشأن في وجود البركة ولكن الشأن في وجود المستقبل لها.

قلت: فما القسم الثالث؟

قال: مخزن البركة.

قلت: وما مخزن البركة؟

قال: المخزن الذي تجبى إليه الثمرات المباركة ليأكلها المرضى، ويستشفوا بها.

قلت: فما القسم الرابع؟

قال: صيدلية البركة.. وهو قسم يشبه مخابركم إلا بفارق بسيط.

قلت: ما هو؟

قال: ليس فيه الفئران البيضاء.

قلت: أفيه الفئران السوداء؟

قال: ليس فيه أي فئران.

قلت: أيخافون عليها من القطط؟

قال: لا.. ولكن فئرانهم هي البشر أنفسهم.

قلت: لم.. فلا يجوز إجراء التجارب على البشر.. أم أن هؤلاء يضحون بأنفسهم.

قال: لا.. لا تخف.. فالدواء المبارك إن لم يصبك بشفائه أصابك ببركته.

قلت: فهل سنزور هذه الأقسام؟

قال: لا مناص لنا من زيارتها.

***

في هذا الجزء من هذه الرسالة نرحل ـ مع معلم السلام ـ إلى قسم العلاج بأدوية البركة، لنعلم صدق قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الله لم يُنزل داءً إلا أنزل له شفاء، علمه مَن علمه وجهله مَن جهله)

وهذه الأدوية التي نراها في هذا القسم لا نعرضها ليعالج بها المرضى فقط، أو لنعرف بها موقف أهل السلام منها، وإنما نعرضها ليمتلئ المرضى بالأمل الذي يملأ أنينهم بالابتسامة، فلا يقتل المريض مثل اليأس، ولا يشرح صدره مثل الأمل.

أولا ـ مرصد البركة

سرنا إلى القسم الأول من أقسام العلاج المبارك، قال لي المعلم ونحن سائران: سنذهب إلى مرصد البركة حيث نلتقي معلم البركة، فقد فتح الله عليه من الفتوح في هذا الباب ما يمكن أن يسد كل ثغرة، ويملأ كل عوز.

قلت: فهل استخلص معلم البركة من أدوية الله دواء جامعا يكتفي به الناس عن كل دواء؟

قال: لا.. هو لا يعرف الهندسة الوراثية، ولا فنون التغيير والتبديل.

قلت: فما يعرف إذن من علوم الدواء إذا لم يعرف هذا؟

قال: هيا بنا إليه.. وسيخبرك بما يعلم.

ما سرنا قليلا حتى رأينا مرصد البركة، وقد كتب على بابه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( هلم إلى الغذاء المبارك)([5])، فرأيت جمعا غفيرا من الناس من الأصحاء والمرضى، وقد عجبت لكثرتهم مع عدم تزاحمهم، فقلت للمعلم البركة: ما هذا؟ وأي ميزانية تكفي لتغذية كل هؤلاء؟

قال: هذا مرصد البركة، فكيف تسأل عن الميزانية؟

قلت: وهل يأكل أهل مركز البركة الهواء؟.. لا بد لهم من غذاء.. ولابد للغذاء من مال.

قال: ولكن البركة تحول القليل كثيرا.. والحقير عظيما.. ألم تسمع حديث جابر؟

قلت: حديث الخندق، وتكثير الطعام.

قال: أجل.. فاروه للغافلين ليعتبروا.

قلت: لقد حدث جابر قال: لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم خمصاً فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم خمصاً شديداً، فأخرجت إلي جراباً فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت ففرغت إلى فراغي وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: لا تفضحني برَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه، فجئته فساررته فقلت: يا رَسُول اللَّهِ ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعاً من شعير فتعال أنت ونفر معك، فصاح النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:( يا أهل الخندق، إن جابراً قد صنع سوراً فحيهلاً بكم)، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء)، فجئت وجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقدم الناس حتى جئت امرأتي، فقالت: بك وبك! فقلت: قد فعلت الذي قلت. فأخرجت عجيننا فبسق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيه وبارك ثم قال:( ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها)، وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو)

قال: فقد أطعم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جيشا من الناس بطعام جماعة معدودة.

قلت: ولكنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال: وقد كثر الطعام ببركته.. فالبركة هي سر التكثير.. وهي عامة لا تتعلق بزمان أو بأفراد.

قلت: تقصد أن هذا يمكن تعميمه.

قال: لا بصورته ولباسه.. ولكن بحقيقته وروحه.. ألم تسمع ما روي في الحديث أن أصحاب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: يا رَسُول اللَّهِ إنا نأكل ولا نشبع؟ قال:( فلعلكم تفترقون)، قالوا: نعم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم اللَّه يبارك لكم فيه)([6])

قلت: أهذا الحديث يدل على سبيل تحصيل البركة؟

قال: هذا يدل على سبيل من سبلها.

***

بينما نحن نسير في القاعة إذ رأينا رجلا قد امتلأ وقارا، يجمع بين الروح والجسد، والحس والمعنى، والنور والنار، والسكينة والثورة، والسلام والصراع، وقد جلس بين يديه رجل لا يكاد يختلف عني، ولولا أني تلمست بيدي أعضائي لخلتني ذلك الرجل، فسألت المعلم عنهما، فقال: أما الذي يجمع السكينة والثورة، فهو معلم البركة، وأما الذي بجانبه، فتلميذ من تلاميذ السلام امتلأ بالغيب، فأرد أن يمحو به الشهادة.

قلت: هو يشبهني كثيرا.

قال: قد يكون مظهرا من مظاهرك، أو صورة من صورك، أو تجل من تجلياتك.

قلت: ولكني بجانبك.

قال: أنت بجانبي، وهو يمثلك.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لن تعرف ذلك الآن.. فلا تعجل.

اقتربنا منهما فسمعت الذي يشبهني يقول: لا أكتمك ـ يا معلم البركة ـ أني بعد ما امتلأت قناعة بتأثير أدوية السماء في الشفاء، خطر على بالي تأسيس مستشفى روحي عظيم يبز كل المستشفيات، أو تغلق معه كل المستشفيات.. لقد قلت لنفسي: لماذا نعالج أدواء الجسد بالجسد، ولا نعالجها بالروح، فالروح أعظم من الجسد، وطاقة الروح أعظم من طاقة الجسد.. فكيف يستطيع الجسد، وهو ضعيف منهك أن يرمم بعضه بعضا؟ لا بد له من طاقة أكبر، وليس هناك من طاقة إلا طاقة الروح..

قال: ألم تسمع قوله تعالى:﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾ (الرعد:9)

قال الذي يشبهني: ماذا تقصد؟ وما الذي تريد؟

قال: الغيب لا يغني عن الشهادة، والشهادة لا تغني عن الغيب، ألا ترى اقترانهما في القرآن الكريم؟

قال الذي يشبهني: أجل فالغيب قرين الشهادة، والله يعلم بهما جميعا.

قال: وربهما جميعا.. فاعبد الله باحترامهما جميعا.

قال الذي يشبهني: وكيف؟

قال: أن تعطي لكل منهما حقه، للغيب حقه وللشهادة حقها.

قال الذي يشبهني: ولكن الشهادة أحقر من الغيب، وأين يجدي علاج الأطباء مع علاج طبيب الأطباء؟

قال: لا تحقر شيئا مما خلق الله، فإن الله ما احتقره حين خلقه، وقد كان طبيب الأطباء يغترف من بحار الغيب والشهادة، ويداوي بأدوية الغيب والشهادة.

وقد قال تعالى لأيوب u بعد أن طرق أبواب الغيب:﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (صّ:42)، فدعاه إلى اللجوء إلى صيدلية عالم الشهادة.

وقال تعالى عن يونس u:﴿ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ (الصافات:146)، ألا تعلم لم أنبت الله تعالى على يونس u بعد خروجه من بطن الحوت شجرة اليقطين؟

قال الذي يشبهني: أجل.. ففي كل ما ذكرته أدوية كثيرة من عالم الشهادة.

قال: فها قد أقررت إذن بتأثير عالم الشهادة.. ألا تعلم أي عبودية تمارس عندما تتناول الدواء من عالم الشهادة؟

قال الذي يشبهني: وهل في تناول الدواء عبودية؟

قال: المؤمن لا يعبد إلا الله، ولا يتحرك إلا بما تتطلبه عبودية الله، فهذا الدواء صنعة الحكيم، فإن تناولته من يد الله، وعرفت الله في تناوله وشكرته على توفيره، كما تشكر الطبيب الذي عالجك مارست بذلك عبودية الدواء.

قال الذي يشبهني: لست أدري، ما علاقة الشريعة بالدواء، فالدواء دنيا، والشريعة دين، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا كان شيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم به، وإذا كان شيء من أمر دينكم فإلي)([7])

قال: الدنيا لا تكون إلا بالدين، ولا يحفظ الدنيا إلا الدين.

قال الذي يشبهني: فكيف تجمع بين الدنيا والدين.

قال: بتطعيم الدنيا ببركات الدين.

ثم انصرف الرجل الذي يشبهني، وقد وعى ما قال له.

***

اقتربت منه، وقلت: إني أراك سكينة تحمل رياح ثورة، ونسيما يطوي إعصارا، فأيهما أنت، فإني لا أكاد أميز السلام فيك عن الصراع، والسكينة عن الثورة؟

قال: أنا النقطة التي تحت الباء.

قلت: ذاك معلمي.. معلم السلام.. ألا تعرفه؟

قال: وهو معلمي الذي تخرجت على يديه في مدرسة السلام.. وكل من تخرج على يديه ينال هذه الشهادة، ويوصف بهذا الوصف.

قلت: أكل من يتخرج من مدرسة السلام يصبح نقطة تحت باء؟

قال: وهل هناك ما هو أشرف منها.. أليست العبودية لله أعلى المراتب؟

قلت: بلى..

قال: فلن تتحقق بالعبودية حتى تتحقق بالسلام.

قلت: ولكني أرى امتزاج الصراع فيك بالسلام، والسكينة بالثورة، فأيهما أنت؟

قال: أنا السلام الذي يتحرك كتحرك النسيم العليل لتمتد الحياة بحركته.. أو يتحرك كتحرك الأمراج العاتية ليملأ الأرض بالبخار المبارك.

قلت: دعنا من كل هذا.. وخبرني.. لقد ذكر لي المعلم بأنك تصف دواء جامعا شافيا كافيا، فما اسم هذا الدواء؟

قال: هو ليس دواء فقط.. بل هو حياة يشكل الدواء أحد جوانبها.

قلت: وهل لهذا الدوء أو الحياة علاقة بالشفاء؟

قال: أجل.. شفاء كل العلل الحسية والمعنوية.. النفسية والجسدية.. الفردية والاجتماعية.

قلت: أهذا الدواء يحوي كل ذلك؟

قال: من تداوى به عوفيت نفسه، وعوفي جسده، وصار سلاما على الأرض.

قلت: فما اسمه؟

قال: نحن نسميه:( نظام الحياة المباركة)

قلت: تقصد:( مباركوبيوتيك)؟

قال: بعضهم يسميه بهذا الاسم ليشاكل به ما تعرفونه من الماكروبيوتيك.

قلت: لم؟ وما الفرق بينهما؟

قال: فرق عظيم.. فالماكروبيوتيك نظر إلى الغذاء.. وإلى يانه ويانغه أما نحن فننظر إلى بركته.. فالبركة هي سر الشفاء وسر العافية.. بل هي سر كل خير.

قلت: ولكن البركة شيء معنوي.

قال: ولكنه مؤثر.. أتريد تشبيها يشرح لك ذلك؟

قلت: ذلك ما يرضي بصيرتي، ويقنعني بما تقول.

قال: إن مثال البركة في الأشياء كمثال الروح في الجسد.. فهل يمكن للجسد أن يفعل شيئا بدون الروح؟

قلت: طبعا.. الجسد بلا روح كالتراب والحجارة لا يصلح له إلا الدفن.

قال: فأنتم كذلك تجعلون بطونكم مقابر للغذاء بما تسلبونه من بركته، فلذلك يدخل ميتا، ويخرج ميتا، وقد يصيبكم ببعض سموم الموتى.

قلت: وهل الطعام كائن حي حتى يوصف بالموت؟

قال: هو كائن حي بالبركة.. وهو جماد بنزع البركة.

قلت: فلنفرض أنه حي.. فالطعام طعام.. وهو يمر على جميع الأجهزة، ويصبح دما، وتتغذى منه الخلايا سواء قلنا بحياته أو بموته.. ببركته أو محق بركته.

قال: أرأيت لو أن قائدا من القواد رأى عدوا يريد أن يهاجم حصنه، فأرسل مجموعة من الجنود الموتى، ووضعهم رغما عنهم في مواجهة العدو، أيمكن أن يفعلوا شيئا؟

قلت: لا.. فهم موتى.. فلن يردعوا عدوا، ولن يقروا عين صديق.. ولكن لا أظن أن هناك من يفعل هذا.

قال: أنتم تفعلونه.. الغذاء المبارك هو الغذاء الذي نفخ فيه من روح البركة ما أمده بالحياة.. فلذلك إن دخل الجسم دخل حيا.. فإن اخترق الخلايا ملأها بالبركة التي تقضي على كل داء وتنزل كل عافية.

قلت: فأنت ترى أن سر التأثير لا يعود إلى المكونات، بل إلى البركة التي تكون فيها.

قال: أجل.. فلكل شيء خلقه الله تعالى من حيث أصله في منتهى الكمال، ولكن محق البركة فيه يجعله سليبا ميتا ليس له أي أثر.

قلت: هذه دعاوى، فما برهنانها؟

قال: ألم تقرأ ما ورد في قصة الخليل u عند زيارته لابنه إسماعيل.

قلت: هي قصة طويلة، فاذكر لي منها موضع الاستشهاد.

قال: لقد ورد فيها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللَّه ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسأل عنه، قالت خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على اللَّه تعالى، فقال: ما طعامكم؟ قالت اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:( ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم دعا لهم فيه)، قال:( فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه)

قلت: فما موضع الشاهد من هذه القصة؟

قال: لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن تأثير الدعاء بالبركة في هذا الغذاء، ولذلك صار كافيا موافقا نافعا.

قلت: ومن لنا بالخليل u حتى يدعو لنا بمثل هذا؟

قال: لقد جعل الله تعالى للبركة أسبابا وشروطا، ونحن في هذا المستشفى نستعملها علاجا لكل الأدواء.. فنطعمهم الغذاء والدواء مطعما بالبركة التي تملؤه بالحياة، فتجعله يسري في الجسم كما يسري الجندي النشيط يقتل كل داء، ويصارع كل بلاء.

قلت: أنا لم أسلم لك بعد ما تذكره من نفخ الحياة في الطعام بسبب البركة.. فالبركة شيء معنوي.

قال: سأذكر لك ما قد يصح الاستئناس به.. لقد روى ابن مسعود قال: كنا ـ أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ـ نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا! بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس معنا ماء، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( اطلبوا من معه فضل ماء)، فأتى بماء، فصبه في إناء ثم وضع كفه فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه، ثم قال:( حي على الطهور المبارك، والبركة من الله)، فشربنا، قال ابن مسعود:( لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل)([8])

قلت: فما موضع الشاهد من هذا النص؟

قال: فيه مواضع من الاستشهاد.. ولكن سماع الصحابة المنتجبين تسبيح الطعام، وهو يؤكل فيه من الدلاله ما فيه.. فالتسبيح سر الحياة وعلامتها وقوتها.

قلت: التسبيح عام لكل شيء، فكل شيء يسبح باسم الله.. ولكنا لا نفقه تسبيحه.

قال: من تسبيحه ما يكون شفاء.. وحينذاك يكون مباركا..

قلت: لن أجادلك في هذا.. فإني لم أر بعد تأثير هذا على المرضى، ولكني أريد أن أسألك عن سر هذا وعلاقته بما نرى من أنواع استعمال الغذاء في الشفاء.

قال: لقد رأيت الأطباء في تحليلهم لتأثير الغذاء يركزون على مكوناته من حرارة ووبرودة ورطوبة ويبوسة، أو من ين ويانغ، أو من بروتين وسكريات ودهون وفيتامين ومعادن.. ويغفلون عن شيء أكثر من هذه العناصر جميعا اسمه الحياة.. حياة الغذاء.. فالغذاء كائن حي.. أو هو أشبه بالطبيب الذي ينزل الجسم ليملأه بالعافية.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أرأيت لو أن قومك استطاعوا أن يخترعوا طبيبا مجهريا يسير عبر شبكة الدماء، ويخترق الخلايا، ويبحث بحربته عن العلل ليقلتها، ويداوي بخيوطه الجراح ويرممها..

قلت: لو فعلوا ذلك لقضوا على جميع الأمراض، ومسحوا جميع العلل.. ولكن من لهم بهذا.. وكم يحتاجون إلى طبيب بمثل هذا النوع ففي الإنسان ملايير الخلايا.

قال: فالغذاء المبارك يقوم بهذه المهمة.. وهو لا يكتفي بذلك.. بل إنه يتحول إلى خلايا ودماء مملوءة بالحياة والبركة.

قلت: تركيزك على البركة يكاد يلغي أهم شيء في الغذاء وهو عناصره ومركباته.. فلا يمكن أن نطعم من يحتاج سكريات طعاما مملوءا بالمعادن.

قال: ذلك صحيح.. ولكنك إن أطعمته سكريات وحدها قتلته.

قلت: لم أفهم قصدك.

قال: رأيت بعض قومك يبحثون عن سر الشفاء في العسل.

قلت: أعلم ذلك.. وهم يفعلون ذلك ليستخلصوه من العسل، ثم يعالجون به المرضى موضوعا في كبسولات أ وشرابا.

قال: أتدري ما مثلهم في ذلك؟

قلت: وما مثلهم؟

قال: إن مثلهم في ذلك كمثل قائد رأى جنديا قد اتشح بجميع أردية القوة، فكلف مستشاريه وخبراءه بأن يشرحوا جثة هذا الجندي، ثم يستخلصوا منه سر القوة، ليرموا بها أعداءهم.

قلت: سيقتلونه بذلك.. ولن يجدي ما استخلصوه شيئا.

قال: فكلذلك أنتم تفعلون.. أنتم تريدون أن تقتلوا العسل كما قتلتم كل غذاء وكل دواء.

قلت: لقد ذكرتني بنفر من قومي رأوا الـ ADN ورأوا سر تعلق حياة الخلية به، فراحوا يصنعونه، لكنهم فوجئوا بأن ما صنعوه ميت لا حراك له.

قال: وكذلك كل غذاء ودواء لا حياة فيه ولا بركة.

قلت: ولكنا نرى سر التأثير.

قال: لا تقل سر التأثير، بل قل: سراب التأثير.

قلت: فهمت قصدك من هذا، ولكني أريد أن أسألك سؤالا كنت سألت مثله..

قاطعني، وقال: تريد معرفة التأثير.. أو تريد معرفة الأمراض التي أمكن علاجها بهذا النظام.

قلت: لم تعد ما في نفسي.. فالبرهان على نجاعة الدواء حصول الشفاء.

قال: لم يدخل هذا المستشفى مريض إلا وخرج معافى.

قلت: أي أنواع الأمراض؟

قال: كل الأمراض النفسية والجسدية..

قلت: ولكن هناك أمراضا كثيرة عجز قومي عن علاجها.. فهل توصلتم إلى علاجها؟

قال: نعم.. ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:( تداووا فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله)

قلت: فماذا تستعملون في العلاج؟

قال: المرضى يمرون على جميع أقسام هذا المستشفى لينالوا في كل قسم ما يحقق لهم حظهم من الشفاء.. فالشفاء عملية شاملة.. ومن الخطأ العظيم تجزئتها.

قلت: كيف تجزأ؟

قال: أليس الإنسان روحا وجسدا، غيبا وشهادة؟

قلت: بلى.. وذلك مما لا يجادل فيه.

قال: ولكنكم تجزئون الإنسان فتنظرون إلى إليه ككائن حسي لا روح له.. أو لا علاقة له بالروح.. أنتم في عصر تقدم فيه الطب، ولكنه مع ذلك تأخر فيه الطب.. تأخر تأخرا عظيما.

قلت: كيف يتقدم ويتأخر، أليس هذا تناقضا؟

قال: تقدم فيه الطب باكتشافاته الكثيرة، واختراعاته التي لا يوازيها إلا اكتشافاته، فلا تظهر علة في الصباح، وإلا ويكر عليها جند الطب بالمساء.

قلت: هذا شيء جميل، وهذا تقدم محض، فكيف يكون التخلف في التقدم؟

قال: إن العلة التي ظهرت في المساء سببها الدواء الذي تناوله المريض في الصباح.

قلت: هذا شيء لا بد منه، فكل علاج يفيد ناحية قد يضر أخرى؟

قال: الخطر ليس في هذا؟

قلت: فيم إذن.

قال: في التجارة بأجساد الناس؟

قلت: لقد ذهب زمان الرقيق، فكيف يتاجر بالأجساد؟

قال: ألا ترى دعايات الأدوية وإشهاراتها، ما الفرق بينها وبين إشهارات الأغذية والملابس؟.. ثم كيف يتحول الدواء الذي تتوقف عليه حياة الإنسان إلى تجارة رائجة مربحة؟.. ثم لماذا تتنافس مراكز البحث، وتتصارع، من أجل الظفر بدواء يسد العلة، ويفرغ الجيوب؟.. ثم لماذا يحقر الطب بعضه بعضا، وغرضه واحد؟

قلت: فما الذي ينقص الطب ليتقدم؟

قال: البركة.. العلاج بالبركة، وهي تبدأ من معالجة الإنسان، لا أعضاء الإنسان؟

قلت: معالجة الإنسان، لا أعضاء الإنسان؟ ما هذا، وهل الإنسان إلا أعضاؤه؟

قال: ألم تسمع قول نبيك صلى الله عليه وآله وسلم:( المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)([9])، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى رأسه اشتكى كله، وإن اشتكى عينه اشتكى كله)([10])

قلت: وضح ما تريد، فما وجه الإشارة في هذا؟

قال: أنتم الآن في عصر التخصصات العلمية الدقيقة، فلذلك تنظرون إلى الإنسان كمجموعة أعضاء وأجهزة، فإن دخلت إلى طبيب الأمراض التنفسية لم يلحظ منك إلا رئتيك وهما تشهقان وتزفران، وكأنك رئة تتحرك، فلا يتعامل معك إلا على أساس ذلك، ولا يبالي بعد أن يمس ببلسم الشفاء رئتيك أن تذهب بعدها إلى أي طبيب آخر.

وإن دخلت إلى طبيب أمراض القلب لم يسمع لما تقول، ولا لما تشكو بل يكتفي بسماع خفقان قلبك، ورؤية حركات بطينك وأذينك.. وهكذا مع كل الأطباء.

قلت: فما المخرج؟

قال: أن يتعامل الطب مع الإنسان.

قلت: كيف؟

قال: مع الإنسان روحا وجسدا، ونفسا وعقلا وقلبا، فيراعي طاقاته ولطائفه، ويستخدمها جميعا في الاستشفاء.

قلت: تقصد الجمع بين الغيب والشهادة؟

قال: إن كان الإنسان غيبا وشهادة، فذلك ما أقصد.

قلت: فمن الطبيب الذي استطاع أن يجمع ذلك كله؟

قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان يداوي بأدوية الغيب والشهادة؟ وعلمنا أن نداوي بالغيب والشهادة.

قلت: ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن طبيبا؟

قال: فإن لم يكن طبيبا، فمن الطبيب([11])؟

قلت: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هاد ومعلم ورسول.

قال: والمعلم هو الذي علم الناس جميعا، والأطباء من الناس.

قلت: أهذا النظام الذي تعتمدونه ينطلق من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العلاج بالعسل والأعشاب ونحوها؟

قال: تخطئون حين تتصورون هذا.. رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن عشابا.. كان ربانيا، وقد دلنا بكل سلوكه على طرق الشفاء وطرق تناول الشفاء.. فالشفاء يستخلص من هديه كله، ومن حياته كلها.

قلت: لم أفهم هذا.. فإني لا أرى العلاج إلا ما يدخل إلى الجوف ليقوم بتدمير ما يجب تدميره، أو ترميم ما يستحق الترميم.

قال: ذلك علاج الشهادة.. وقد يدمر ما لا يستحق التدمير، أو يبني ما لا يحتاج إليه من البناء.

قال: ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي تستندون إليه في علاجكم.

قال: كان صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إلى الإنسان بعد أن نفخت فيه الروح.. لا قبل أن تنفخ فيه.. فلذلك كان يصف كل أنواع الأدوية..

قلت: أتقصد أن في هديه صلى الله عليه وآله وسلم كل تفاصيل الطب؟

قال: كل قوانين الطب.. لا تفاصيله.. وفي هذا المستشفى ينطلق الأطباء والخبراء من تعاليم أستاذهم الأكبر صلى الله عليه وآله وسلم ليكتشفوا دواء كل علة، ويرسموا البسمة على كل شفة.

قلت: ما الفرق بين القوانين والتفاصيل؟

قال: القوانين إلهية والتفاصيل بشرية.. ولا تفاصيل بلا قوانين.

قلت: فما الفرق بينهما؟

قال: لقد علم قومك أن أسباب كثير من العلل هي الجراثيم، وهو قانون من قوانين الصحة، فراحوا يتعرفون عليها، ويقاومونها..

قلت: أجل.. هذا صحيح.. فقد عرفت صناعة الأدوية كثيرا من المضادات الحيوية، وهي مواد اكتشفت أصلاً في العضويات الدقيقة، إلا أنها أصبحت اليوم تنتج تركيبياً على نطاق واسع لاستخدامها في عضويات دقيقة أخرى أو وقف نموها.

قال: ففيم تستعمل هذه المضادات؟

قلت: في معالجة الالتهابات الجرثومية أو الفطرية.

قال: فما أساس التعرف عليها؟

قلت: لقد كان باستور أول من لاحظ تأثير هذه المضادات، في حين أثبت ألكسندر فليمنغ لأول مرة في عام 1929 أن عفن Penicillium notatum ينتج مادة البنسلين القادرة على القضاء على بعض أنواع الجراثيم.. وفي عام 1940 تمكن العالمان فلوري وشاين من صنع كميات كافية من البنسلين للاستعمال السريري.. ويعتبر عزل الستربتوميسين من قبل واكسمان والغراميسيدين من قبل دوبوس ubos وعزل السيفالوسبورين، من أهم الاكتشافات المبكرة للمضادات الحيوية المفيدة في معالجة الالتهاب التي تصيب الإنسان.

قال: فما نتج عن هذه الاكتشافات؟

قلت: لقد نتج عنها الكثير من أنواع المضادات الحيوية، والبحث ما زال مستمرا لاكتشاف المزيد منها.

قال: فما اكتشفه باستور وغيره كان قانونا من قوانين الطب استتبع التفاصيل الكثيرة التي لا تزالون تبحثون فيها.

قلت: أجل.. وقد كرمت البشرية باستور أعظم تكريم على اكتشافه هذا.

قال: فلتكرم البشرية محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه حقيق بالتكريم.

قلت: هي تكرمه على أدوية السماء التي جاء بها.

قال: لا.. لا يكفي ذلك.. بل ينبغي أن تكرمه على أدوية الأرض، فإن ما ذكره صلى الله عليه وآله وسلم يفوق كل ما ذكره أطباء العالم جميعا.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ستكتشف ذلك عندما تدخل إلى أقسام هذا المستشفى لترى التفاصيل الكثيرة التي انبنت على القوانين الشفائية التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: وهل أطباء هذا المستشفى ينطلقون من هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العلاج؟

قال: أجل.. وهم يعالجون كل الأمراض حتى ما استعصى على قومك منها.

قلت: فهل يعالجونها بالمضادات الحيوية؟

قال: يعالجونها بما تعجز كل أدويتكم عن علاجها.

قلت: اضرب لي مثالا على ذلك يوضح لي هذا.

قال: هل يعالج قومك المرضى بالصدقة؟

ضحكت، وقلت: لو فعلوا ذلك لرجمهم الناس بالحجارة.

قال: فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يداوي الناس بالصدقة، بل قال:( داووا مرضاكم بالصدقة)، وفي حديث آخر:( ما عولج مريض بأفضل من الصدقة)([12])

قلت: فهل لذلك علاقة بالبركة التي تستعملونها علاجا؟

قال: أجل..

قلت: فما محلها منه؟

قال: تقوم البركة على استمداد الشفاء من الطبيب الأول، والصدقة سبيل من سبل نزول الدواء منه.

قلت: فهل تعالجون بهذا في هذا المستشفى؟

قال: نعالج به وبغيره.. نعالج بكل ما يرتبط بالبركة.. فنحن نبحث عنها كما تبحثون في مخابركم عن العناصر والمركبات.

قلت: ولكن البركة بين قومي صارت لعبة بين أيدي المشعوذين.. فلذلك أساء الناس الظن بها.

قال: الباطل لا يمحق الحق، والمنكر لا يبطل المعروف، والحقيقة لا تضرها دعاوى الجاهلين.

***

 قلت: حدثتني عن علاجك، فحدثني عنك.. فهل أنت من مدائن السلام.. أم من مدائن الصراع؟

قال: كل من تراه في مدائن السلام هرب من أرض الصراع.. ولست غريبا عنهم في ذلك.

قلت: لقد عرفت الكثير في هذا المستشفى.. فما اسمك في أرض الصراع.

قال: لا يهمك اسمي.. فالاسم قناع من الأقنعة التي تغفلون بها عن الحقائق.

قلت: أتخاف على نفسك من شركات الغذاء والأدوية وهيئات الرقاة أن تنصب لك كمينا أو تدس لك سما؟

قال: من تعلم السلام لا يعرف الخوف.. ولا يدب إلى قلبه ما يدب إلى قلوب الغافلين.

قلت: فلم لا تذكر اسمك إذن؟

قال: من عرفه نسي اسمه.. ألم تسمع قول أبي يزيد:( كنا بنا، ففنينا عنا، فصرنا بلا نحن)

قلت: بلى.. وقد سأله رجل لا يعرفه عن أبي يزيد، فقال: أنا منذ ثلاثين سنة أبحث عنه، ولم أجده.

قال: فأعلم قومك أنهم لن يفلحوا حتى ينزعوا هذه الألقاب التي يعبدونها من دون الله.. فالله لا يبارك إلا فيمن لبس لباس العبودية.

قلت: إن لم تنبئني باسمك، فأنبئني عنك.. هل كنت في أرض الصراع طبيبا؟.. وهل كان المرضى يأتونك ويزدحمون على بابك؟.. وبم كنت تعالجهم؟

قال: لم أكن طبيا.. ولم يكن الناس يعرفونني.. ولكن قلبي كان يمتلئ ألما حين أرى خلقا كثيرا من خلق الله لعبة بين أيدي الأطباء والمشعوذين.. يستغلون حاجتهم إلى الشفاء ليذيقوهم ألوان الألم.

قلت: أبين قومك مشعوذون؟

قال: وهل خلا شعب من الشعوب من المشعوذين؟.. أليس أولئك الدجالون الذي يلبسون عباءة القرآن الكريم من أخطر المشعوذين؟..

قلت: تقصد الرقاة..

قال: وهل هناك غيرهم من المحرفين لدين الله.. المتلاعبين بالمرضى.

قلت: علمت موقفكم منهم.. فقد تجولت في أنحاء المستشفى وأبصرت الحملة التشديدة التي يحملها هذا المستشفى على هؤلاء.

قال: ليسوا وحدهم.. بل هم مع أطباء قومك خليط واحد.. لا يتقون الله في المرضى.. ولا يتألمون لما يصيبهم.

قلت: علمت ما أصابك من هم وألم بسبب هؤلاء.. فما الذي حولك إلى هذا السبيل.. هل مرضت أو مرضت أمك وأختك بالسل كما مرض جورج اوشاوا وأمه وأخته؟

قال: أجل.. لقد ابتلاني الله بمرض خطير.. ذهبت لأجله إلى الأطباء، فلعبوا بي ما شاء لهم أن يلعبوا.. ثم ذهبت إلى الرقاة، فوصفوا لي من فنون الدجل ما وصفوا.. وبعد أن عضني اليأس بنابه.. وجلست في البرزخ الذي بين الموت والحياة.. لاح لي من سماء الأمل بصيصا من نور.. فلاحظته بعين بصريتي.. ثم وجدت يدي تمتد إليه لتشرب من كأسه العذبة شرابا لن أنسى مذاقه..

قلت: فما فعل هذا الشراب العجيب؟

قال: لقد سرى في أوصالي.. وتشربته عروقي.. ونشطت له خلاياي.. ونهضت من مرضي بقوة لم أدر سرها.. ونشاط لا أعرف سببه.. وبعد بحث عن العلة هداني الله إلى البركة..

قلت: وكيف عرفت أنها البركة.. ولم تكن آثار تلك الأدوية التي استعملتها.. ولا الرقى التي قرئت عليك؟

قال: لقد أيأسني الأطباء من حالتي.. أعلموني أن ما أتناوله ما هو إلا مجرد أدوية مهدئة سرعان ما يزول أثرها.. أماالمرض فهو قائم في مكانه.. بل نشط غاية النشاط.. وأنه لن يبرح حتى يجتث شجرتي من أصولها.

قلت: فعندما شفيت ماذا قالوا؟

قال: تعجبوا كثيرا.. أعادوا تحليلاتهم وجميع ما يستعملونه للكشف.. فرأوا جسمي ببراءة الطفولة وصفاء الجمال.

قلت: والرقاة؟

قال: هم أيضا ملأوا قلبي يأسا بعد أن استلوا كل ما في جيبي من أموال.

قلت: فلم لم تكتف بشفائك، وذهبت تبحث عن سر الشفاء الذي حصل لك؟

قال:لقد ملأ الله قلبي حنانا ورحمة.. فكانت مدامعي تنهمر للآلام وقلبي يتفطر للأنين.. فلذلك سرت بين المرضى أبشرهم، وبين المعلولين أمسح الكآبة عنهم.

قلت: فهل وجدت سر ابتسامة الأنين؟

قال: من بحث بنفسه لن يجد إلا السراب؟

قلت: فبمن بحثت إذن؟

قال: بحثت عن الطبيب الذي يملك كل ألوان الشفاء.. فمن وجد الطبيب وجد الشفاء.. ألم تسمع قول الحكيم:( سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه)

قلت: فمن وصل إلى الطبيب وصل إلى الشفاء؟

قال: أجل.. بل يصل إلى ما هو فوق الشفاء.. إلى المعرفة.. ومن عرف الله لم يعالج جسده فقط.. بل يعالج روحه وكيانه وواقعه.

 قلت: فقد وجدت العلاج في المعرفة؟

قال: المعرفة هي مبدأ العلاج.. ألم تسمع قول المسيح u للقعيد:( إيمانك شفاك)

قلت: بلى..

قال: فلذلك يبدأ المريض عندنا بقسم الغيبة.. فلا يحضر حتى يغيب.. ولا يعالج جسده حتى تعالج روحه.

قلت: فكيف اختاروك معلما للبركة في هذا المستشفى؟

قال: لقد هداني الله إلى هذا النظام.. فاختارني أهل الحل والعقد في مدائن السلام إلى تنفيذه.

قلت: وهل يحتاج تنفيذه إلى مستشفى؟

قال: لا.. ولا إلى دجالين يقومون بابتزاز الناس بالتجارة فيه.. فهو يقوم على الإخلاص.

قلت: فأين يعالج المريض به؟

قال: في بيته أو في السوق أو في المعمل أو في الشارع.. فهذا العلاج لا يحتاج إلا برمجة للحياة تتوافق مع أصول الشفاء.

قلت: لقد سمعت صاحب ( نظام الغذاء الميزان)يعتمد برنامج الست، فما برنامجكم؟

قال: لقد مررت في حصون العافية على قاعة التنظيم، وعرفت سر الأربعين.

قلت: أجل.. أذكر ذلك.

قال: لقد عرفنا من النصوص أن للأربعين أسرار في تحويل الإنسان جميعا لا خلاياه وحدها، فلذلك كل متدرب يبدأ بالأربعين.. وأكثر المرضى يخرجون بالبرء التام.. وفيهم من يحتاج إلى المزيد من الدورات العلاجية.

قلت: فماذا يفعل في الأربعين؟

قال: يتعلم الإخلاص والحكمة والسلام.. ويتعلم كيف يدخل الطعام المبارك والدواء المبارك إلى جوفه ليقوم بمهمة الشفاء.

قلت: ولكن حياة الإنسان طويلة.. فكيف تقنعون بالأربعين؟

قال: التزامه بالصدق في الأربعين يهيئه لأن يسير حياته جميعا وفق ما عاشه في هذه المدة.

***

قلت: فهل للبركة سبل يمكن تحصيلها بها؟

قال: أجل.. ونحن في هذا المركز نقوم بكل الوسائل للبحث عن مواطنها.

قلت: فهل اخترعتم أجهزة لذلك؟

قال: يمكن أن تسميها أجهزة، ويمكن أن لا تسميها.

قلت: كيف؟..

قال: نحن نعتمد هنا على المتوسمين الذين قال الله فيهم:﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾(الحجر:75)

قلت: فكيف تعتمدون عليهم؟

قال: لقد أعطاهم الله تعالى البصيرة التي يرون بها مواضع البركة كما يرى خبراءكم العناصر والمركبات.

قلت: ولكن قومي يملكون مجاهر تحول من الذرة جبلا.. ومن النملة فيلا.

قال: ولهؤلاء من البصيرة ما يخترقون به جميع الأسوار التي لا تحلم جميع مجاهركم برؤيتها.

قلت: فماذا وجد هؤلاء المتوسمون؟

قال: لقد وجدوا أربعة عناصر تكتمل البركة باكتمالها.

قلت: ما بالكم معشر مدائن السلام.. كل شيء تجعلونه أربعة؟

قال: ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:( خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف ولا تهزم اثنا عشر ألفا من قلة)([13])

قلت: بلى.. فما سر ذلك؟

قال: الأربعة تجمع الأركان والأصول.. فلذلك ترى أكثر الحقائق تنحصر في الأربع.

قلت: فما هذه الأربع التي يبحث عنها هذا المرصد؟

قال: المصدر، والوسائط، والمواقيت، والأحوال.

قلت: هذه أسماء.. فما مسمياتها؟ وما وجه الحصر فيها؟

قال: لا بد للبركة من مصدر تنطلق منه كالشعاع لا بد له من شمس تمد به.

قلت: هذا صحيح.

قال: ولا بد لشعاع الشمس من محل تنزل به.

قلت: وتلك هي الوسائط؟

قال: أجل.. وهي التي تتلقى نورها من المصدر، كما تتلقون النور من القمر.

قلت: فهمت هذا، فما المواقيت؟

قال: لكل بركة مواقيتها الخاصة بها.

قلت: فالمحال؟

قال: قد توجد جميع أنواع البركات التي ذكرنا.. ولكن المستقبل لا يكون صالحا لتقبلها، فلذلك لا ينال من خيرها.

قلت: فهمت هذا، فأين أتعلم هذه العلوم؟

قال: سر في هذا المركز، فستلقى المتوسمين الذي يعلمونك.

قلت: ألا تسير معي؟

قال: سأرجع إليك عندما تنتهي لنذهب إلى سائر المراكز.

قلت: فكيف أطلبك؟

قال: لن تحتاج إلى ذلك..

مصدر البركة

سرت في أرجاء القاعة المكتظة بالمتوسمين، فوجدت قوما يجلسون إلى رجل قد علق خلفه لوحة كتب عليها قوله تعالى:﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾(الرحمن:78)، فقلت: لا شك أن هذا هو متوسم المصدر.

قال ـ من غير أن يسمعني ـ: أجل.. فالبركة من الله.. والخير من الله.. ألم تسمع قوله تعالى:﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾(لأعراف:26)، وقال تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (لأعراف:57)، وقال تعالى:﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾(الزمر:6)

قلت: بلى.. فما في هذا من أسرار البركة؟

قال: لقد أخبر تعالى أن ما ينزل من السماء ينزل مباركا.. ألم تسمع قوله تعالى في القرآن الكريم:﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾(الأنعام:155)، وقال تعالى:﴿ وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾(الانبياء:50)، وقال تعالى:﴿ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾(المؤمنون:29)، وقال تعالى:﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(صّ:29)، وقال تعالى:﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾(الدخان:3)

وقال تعالى يذكر سر البركة في المطر:﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾(قّ:9)

بل إنه تعالى عندما ذكر الحديد، وذكر منافعه ـ التي هي بركاته ـ عبر عنها بالإنزال، فقال تعالى:﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾(الحديد:25)

وعندما ذكر اللباس ومنافعه عبر عنها بالإنزال، فقال تعالى:﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾(لأعراف:26)

قلت: فهمت هذا.. وهذا يعني أن البركة في كل هذه الأشياء، ولكن إشكالا عظيما يطرح هنا.

قال: تقصد أن هذه الأمور ينالها الكافر والمؤمن، والصديق والشقي..

قلت: أجل.. ولم تعدو ما في نفسي.. ولا عجب، فأنت من المتوسمين.

قال: هم ينالونها كما ينالها المؤمنون.. ولكنهم ينالونها مجردة من البركة.. أو هي كما قال معلمنا: تدخل أجوافهم ميتة لا حراك لها.. بل قد تدخلها حية تصارعهم وتسيمهم ألوان العذاب.

قلت: لا يزال فهمي كليلا دون إدارك سر هذا.

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً فتخرج له مسألته مني شيئاً وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته)([14])، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه يعطيه ولكنه عطاء ممحوق البركة.. وما كان كذلك كان ضرره أقرب من نفعه.

قلت: لقد ذكرتني بما روي في الحديث أن فتى من أسلم قال: يا رَسُول اللَّهِ إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز به؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( ائت فلاناً، فإنه قد كان تجهز فمرض)، فأتاه فقال:( إن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يقرئك السلام، ويقول:( أعطني الذي تجهزت به)، فقال الرجل مخاطبا أهله:( يا فلانة أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسي منه شيئاً، فوالله لا تحبسي منه شيئاً فيبارك لك فيه)([15])

قال: فقد أدرك هذا الصحابي الجليل سر البركة.. فلذلك راح ينفر من الأشياء الممحوقة.

قلت: وهذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علمهم من أسرار البركة ما جعلهم يلتمسون مواضعها.

قال: أجل.. ويدل لذلك ما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع؛ واليد العليا خير من اليد السفلى)([16])

قلت: عرفت هذا، واقتنعت به، وقد سمعت من معلم البركة ما جعلني أبحث عن عناصر البركة ومركباتها.. فأي بلسم رأيته أيتها المتوسم يملأ الأشياء بالبركة؟

قال: أليس الله هو مصدر البركة؟

قلت: بلى.. وقد رأينا من النصوص ما يدل على ذلك.

قال: ولكن قومك يبحثون عن البركة عند المشعوذين والدجالين.. حتى انحرف مفهوم البركة، وأصبح نوعا من الدجل.. أو نوعا من الصكوك كتلك الصكوك التي كان رجال الدين يبيعونها.

قلت: أجل.. هذا صحيح..فلماذا تركوا مصدر البركة؟

قال: لأمرين: أما أحدهما، فهم ينزهون الله في نفوسهم تنزيها يجعله بمنأى عن العالم أو معزولا عن العالم، وذلك يسلمهم إلى الثاني، وهو تصورهم استحالة الوصول إلى ما في يد الله من بركات.. أو أن ذلك لا يكون إلا بعد المرور على وسائط المشعوذين.

قلت: هذا صحيح.. فكيف نتقي الأمر الأول؟

قال: بفهم قوله تعالى:﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ (الفرقان:1)، وقوله:﴿ تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ (الفرقان:10)، وقوله:﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾(الفرقان:61)، وقوله:﴿ وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الزخرف:85)

قلت: هذه آيات كثيرة، ولكل منها تفسيره الخاص.

قال: ولكنها تتفق جميعا في تقرير معنى واحد.. معنى بركة الله.. فلذلك من اتصل بالله نال من بركاته ما لا يناله عند جميع أولياء الدنيا وصالحيها.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألا يبحث الناس عن الأولياء والصالحين لينالوا منهم بركاتهم؟

قلت: بلى..

قال: فلو علموا أن موزع البركات حاضر لا يغيب.. وكريم لا يبخل.. وعدل لا يظلم.. ورحيم لا يقسو.. أكانوا يتركونه، ويبحثون عن الوسائط؟

قلت: لا.. وغبي من يفعل هذا.. كيف يترك القريب، ويقصد البعيد.. وكيف ييمم وجهه للضعيف، وفي إمكانه الاتصال بالقوي.. ولكن الناس يرون الوسائط ولا يرون الله.. ألم يقل الله تعالى:﴿ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾(الأنعام:103)

قال: بلى.. ولكنه لا يشترط أن تراه ببصرك حتى تنال خيره.. فأنت تنال خيره دون أن تراه.

قلت: صحيح هذا.. فكيف أتصل به لأنال بركات فضله؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (لأعراف:96)

قلت: الإيمان والتقوى.

قال: أجل.. فالإيمان يعرفك به.. والتقوى تحجزك عن معصيته وتقربك إلى طاعته.

قلت: وهل البركة محصورة في هؤلاء؟

قال: أجل.. وهذا بنص القرآن الكريم.. فلا تنال البركة إلا المباركين.

قلت: فهل تطبق لي هذا المعنى على ما ذكره معلم البركة من حياة الأشياء؟

قال: ذلك سهل.. فالغذاء إن حل في جوف المؤمن حل سعيدا مسرورا، فيملأ جوفه وخلاياه بالبركات، ولكنه إن حل في جوف الشقي حل تصحبه اللعنات.. فلا يبارك له فيه.

قلت: ما هذا؟.. إن ادعاء مثل هذا يحتاج إلى مصادر معصومة.. فهل حدثت الأشياء أو حدثتك؟

قال: لقد ورد في النصوص ما يقرر هذه الحقيقة تقريرا يلبسها ثوبها اليقين.. ألم تشفق الذراع المسمومة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتخبره عن سميتها([17])..

قلت: بلى..

قال: ألم يحن الجذع لفقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يسكن حتى ضمه صلى الله عليه وآله وسلم ؟

قلت: بلى، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطب إلى لزق جذع فأتاه رجل رومي، فقال أصنع لك منبرا تخطب عليه، فصنع له منبرا، فلما قام عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب حن الجذع حنين الناقة إلى ولدها، فنزل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضمه إليه، فسكن فأمر به أن يحفر له ويدفن ([18]).

قال: ألم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يبادل هذه الأشياء مشاعرها، فكان يقول عن أحد: (هذا جبل يحبنا ونحبه)([19])

قلت: بلى.. وقد كان يخاطبه كما يخاطب الأحياء.

قال: إن قدرة الجبل على مبادلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمشاعره يرفعه إلى مستويات أعلى من مستوى الإنسان المستعلي الجاهل المستكبر.

قلت: فهمت كل هذا.. ولكني لم أفهم سر عداوة الغذاء الذي يتناوله الجاحد لمن تناوله.

قال: ألم تسمع قوله تعالى، وهو يبين أثر شرك المشركين، فقال تعالى:﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾(مريم:90 ـ91)

قلت: بلى.. وقد ذكر العلماء ـ انطلاقا من هذه الآية ـ الأثر الشديد الذي خلفه الشرك في الأشياء، فذكر عن بعضهم أنه قال:( إن الله تعالى لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم تك في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة وكان لهم منها منفعة فلم تزل الأرض والشجر كذلك حتى تكلم فجرة بني آدم تلك الكلمة العظيمة وهي قولهم:﴿ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً﴾ (مريم:88)، فلما قالوها اقشعرت الأرض وشاك الشجر)

قال: لقد كان ابن عباس يرجع ما في الأرض من الأذى بسب هذا قال: ( اقشعرت الجبال وما فيها من الأشجار والبحار وما فيها من الحيتان فصار من ذلك الشوك في الحيتان وفي الأشجار الشوك)([20])

قلت: ولكن هذا النص قد يكون منسوبا لابن عباس، فكيف تستدل به؟

قال: أنا لا أجزم بهذا النص.. ولكني أقول لك: إن الصور والخصائص التي نراها للأشياء لها علاقة كبيرة بانفعالاتها التي يسببها سلوكنا، ولذلك قد نستلذ طعوما أو مناظر في بعض الأيام، ثم نستقبحها أياما أخرى، وقد نعزو ذلك إلى نفوسنا فقط ونعزل الكون من هذا الأثر المتناقض للأشياء([21]).

قلت: أللأشياء تأثيرها في الفرح والكآبة التي تصيبنا؟

قال: أجل.. وقد ورد في الآثار ما يدل على سرور الأشياء، والذي قد يسري إلى الناظرين ليشعرهم بالأنس والسعادة، فقد روي أن الجبل يفخر إن مر عليه ذاكر لله تعالى، ففي الأثر عن ابن مسعود:( إن الجبل ليقول للجبل: هل مرَّ بك اليوم ذاكر لله؟ فإن قال: نعم، سُرَّ به)، ثم قرأ عبد الله قوله  تعالى:﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (البقرة:116)قال:( أفتراهن يسمعن الزور ولايسمعن الخير)([22])

وفي أثر آخر:( ما من صباح ولا رواح إلا تنادي بقاع الأرض بعضها بعضا، يا جاره هل مر بك اليوم عبد فصلى لله أو ذكر الله عليك، فمن قائلة لا، ومن قائلة نعم، فإذا قالت: نعم، رأت لها بذلك فضلا عليها)

قلت: أدركت هذا.. ولكن هذا مرتبط بالحياة عموما، وأنا أسأل عن أشياء ملموسة لها تأثيرها في البركة.

قال: اسم الله..

قلت: اسم الله!؟

قال: أجل.. فاسم الله الذي يتلفظه القلب المؤمن هو سر البركة.. ألم تسمع قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾(الرحمن:78)، فقد نسب البركة للاسم.. بل ورد في النصوص ما يصرح بهذا، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( اللهم إني أسألك باسمك الطاهر الطيب المبارك الأحب إليك الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سألت به أعطيت، وإذا استرحمت به رحمت، وإذا استفرجت به فرجت)([23])

قلت: ألهذا ورد في النصوص الحث على تسمية الله في كل شيء؟

قال: أجل.. وقد ورد في الحديث ما يقرر كل ما ذكرناه، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( كل طعام لا يذكر اسم الله تعالى عليه فإنما هو داء، ولا بركة فيه، وكفارة ذلك إن كانت المائدة موضوعة أن تسمى وتعيد يدك، وإن كانت قد رفعت أن تسمى الله وتلعق أصابعك)([24])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة، ولا تناموا عليه، فتقسو قلوبكم)([25])

قلت: إن هذا الحديث يربط بين ذكر الله في الطعام، وبين الداء.. أيمكن أن تحل بنا الأدواء بسبب الغفلة عن ذكر الله؟

قال: أجل.. ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم: (ما اجتمع قوم في مجلس فتفرقوا ولم يذكروا الله ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا كان مجلسهم ترة عليهم يوم القيامة)([26]).. ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:( ما اجتمع قوم فتفرقوا عن غير ذكر الله، إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة)([27])؟

قال: وهكذا.. إذا أكلوا طعاما لم يذكروا الله فيه كان عليهم حسرة ونقصا وظلمة.

قلت: فقد عرفت إذن من أسرار البركة سر بركة اسم الله.

قال: ليس اسم الله فقط.. بل اسم الله.. وكلام الله.. فلذلك أعلم المرضى والأصحاء كيف يسمون الله.

قلت: أللتسمية أصول؟

قال: نعم.. لها روح وجسد.

قلت: فما جسدها؟

قال: أنتم تتقنونه.. فأنتم لا تنسوها في أكلكم وشربكم، بل في لهوكم وعبثكم.

قلت: وروحها.

قال: استشعار حضور الله.. وتناول الأشياء من يد الله.. أتدري سر قوله تعالى:﴿ وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام:121)

قلت: هذه الآية تنهى عن أكل ما لم يسم عليه الله تعالى من الحيوانات.

قال: لأن ذلك هو أدب الذبح.. فمن ذبح لتصوره أنه يحق له أن يتمتع بلحمها كان قاتلا.. فلا فرق بين أن تقتل إنسانا أو حيوانا.. ولكن إن ذبحتها.. وقلت لها، وأنت تذبحها: اعذرني أيتها البهيمة.. فلولا أن الله تعالى أذن لي بذبحك ما ذبحتك، فإنما أذبحك باسم الله.

قلت: فما تقول البهيمة حينئذ؟

قال: تسلم وجهها لله.. كما سلمه إسماعيل u، وتقول:﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾(الكهف:69).. بل إنها ستمتلئ فرحا وسرورا، وتقول لك: هلم اذبحني باسم الله.. فإنه شرف عظيم لهذا الجسد أن يدفن في جسد من يعبد الله ويذكره.

قلت: فهل سمعت صوتها، وهي تخاطب الإنسان هذا الخطاب؟

قال: ألم يخبرك المعلم عن المتوسمين؟

قلت: فما سر سماعك؟

قال: لن تفهمه حتى تعرف سر (بنيان الله).. أنسيت أنك لا تزال في مدرسة السلام الابتدائية.

وسائط البركة

لم أبتعد قليلا عن المتوسم الأول، حتى ناداني أحد المتوسمين، وقال: تعال.. فإن لي أخبارا أريد أن أسر بها إليك.

قلت: أهناك أسرار في مدائن السلام؟

قال: من الحقائق ما لا يمكن للكل سماعه، فلذلك نحتاج إلى إسراره لمن يحتاج إليه.

قلت: لا أعلم إلا أن العلم ينبغي أن ينشر.. ولم أسمع إلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:( من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)([28])..

قال: سمعت هذا.. فاسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع)([29]).. واسمع قول علي، وقد أشار إلى صدره:( إن ههنا لعلوما جمة لو وجدت لها حملة).. واسمع قول عيسى u:( لا تعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير، فإن الحكمة خير من الجوهر، ومن كرهها فهو شر من الخنازير).. وقد سئل بعض العلماء عن شيء فلم يجب، فذكر له السائل الحديث الذي ذكرت لي، فقال له:( اترك اللجام، واذهب، فإن جاء من يفقه وكتمته، فليلجمني، فقد قال الله تعالى:﴿ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ (النساء:5) تنبيها على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى)

 ثم ولى مغضبا، وهو يقول: ماذا تريد مني:

أأنثرُ دراً بين سارحة ِ البهمَ

 

وأنظمُ منثوراً لراعية الغنمْ؟

لعمري لئن ضيعتُ في شرِّ بلدة ٍ

 

فَلَسْتُ مُضَيعاً فيهمُ غرر الكلَمِ

لَئِنْ سَهَّل اللَّه العَزِيزُ بِلطفِهِ

 

وصادفتُ أهلاً للعلوم وللحكم

بَثَثْتُ مُفيداً واستَفَدْتُ وَدَادَهُمْ

 

وإلاّض فمكنونٌ لديَ ومكنتمْ

وَمَنْ مَنَحَ الجهّالَ عِلْماً أضَاعَهُ

 

وَمَنْ مَنَعَ المستوجِبين فقَدْ ظَلَم

قلت: رويدك.. فقد أحسنت بي الظن.. وما أنا بتاركك حتى تخبرني بما أردت إخباري به على أن تذكر لي سر الإسرار.

قال: لقد رأيتك اقتنعت بما قال أخي المتوسم، فخشيت أن يسوء فهمك، فتنكر الواسطة.

قلت: لم تعدو ما في نفسي.. فقد أنكرت الواسطة إنكارا كليا.

قال: فلا تفعل.. فقد جات النصوص تأمر باتخاذ الوسائل والوسائط.. فلا ينبغي أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض.

قلت: ولكن لماذا تسر لي هذا.. وقد رأيت أخاك المتوسم ينشر علمه على الملأ؟

قال: أما أنا فلا أصطاد بعلمي إلا الأفراد ممن يمتلئون قناعة بما قال.

قلت: فلم لا تنشره عزيزا.. أم أنك من هواة الصيد؟

قال: لا.. بل إن وظيفتي تستدعي الصيد.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لأني لو بثثت علمي لمن لم يتحقق بالتوحيد خشيت عليه أن يغرق في الوسائط، ويغفل عن رب الوسائط.

قلت: لست أدري مدى صحة هذا التورع.

قال: هذا ليس تورعا.. بل هذه السنة.

قلت: كيف تكون سنة بلا دليل؟

قال: بل لها دليلها.. ألم تسمع حديث معاذ عندما قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حمار فقال: (يا معاذ، هل تدري ما حق اللَّه على عباده وما حق العباد على اللَّه؟)، قلت: اللَّه ورسوله أعلم، قال:( فإن حق اللَّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على اللَّه أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً)فقلت: يا رَسُول اللَّهِ، أفلا أبشر الناس؟ قال:( لا تبشرهم فيتكلوا)([30])

قلت: بارك الله فيك.. فقد فهمت هذا.. فلنعد الآن إلى السر الذي أردت إخباري به، واسرر بسرك ما أطقت، فإن للجدران آذانا.

بركات الأولياء:

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( يقول تعالى: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن دعاني لأجبيبنه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد منه)

قلت: هذا الحديث ينص على أن العبد إذا أخلص الطاعة لله صارت أفعاله كلها للّه تعالى، فلا يسمع إلا للّه، ولا يبصر إلا للّه أي ما شرعه اللّه له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة اللّه عزَّ وجلَّ مستعيناً باللّه في ذلك كله، ولهذا جاء في بعض رواية الحديث:( فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي)

قال: صدقت.. وقد فهمت هذا الحديث فهما صحيحا.

قلت: فهمته، ولكني لم أفهم سر ذكره هنا.

قال: هؤلاء العباد الربانيون الذين يسمعون بالله ويبصرون بالله يصيرون في ذواتهم مباركين، فلذلك يكونون من وسائط البركة.. فهم الأقمار التي تستقبل أنوار البركة الإلهية.. ألم تسمع قوله تعالى في حق المسيح u وعلى لسانه:﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ﴾(مريم:31)، وقوله في حق ذرية إبراهيم u:﴿ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (الصافات:113)

قلت: نعم.. وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم البركة عينها.. وقد ذكرت حليمة السعدية خبر البركة التي نزلت عليها وعلى قومها منذ أخذت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لترضعه، فقالت ضمن حديث طويل:( فلما أخذته، رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل، فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة.

وقال صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة ؛ قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك، قالت: ثم خرجنا وركبت أنا أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك! اربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي هي ؛ فيقلن: والله إن لها لشأنا.

قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعا لُبَّنَا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم سرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبنا.. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته)([31])

قال: وهكذا المقربون والصالحون يغيث الله بهم البلاد والعباد..، وقد روي عن بعض الصحابة قال: لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا: يا رَسُول اللَّهِ لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا؟ فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم:( افعلوا)، فقيل له: يا رَسُول اللَّهِ إن فعلت قل الظهر ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع اللَّه لهم عليها بالبركة لعل اللَّه أن يجعل في ذلك البركة، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم:( نعم)، فدعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، فدعا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بالبركة، ثم قال:( خذوا في أوعيتكم)، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه وأكلوا حتى شبعوا وفضل فضلة. فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم:( أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رَسُول اللَّهِ لا يلقى اللَّه بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة)([32])

قلت: ما شاء الله.. لقد حل صلى الله عليه وآله وسلم مشكلة تموين الجيش بالبركة.. فلماذا نخاف على أرزاقنا ما دام الأمر بهذه البساطة.

قال: أنتم تخافون على أرزاقكم لأنكم عزلتم الله عن التصريف في الكون.. ثم حاولتم أن تدبروا كل شيء بعقولكم العاجزة، فسقطتم في الشباك التي نصبتها لكم أنفسكم من حيث لم تشعروا.

قلت: إن كلامك هذا يدل على أن الباحث عن البركة يحتاج إلى البحث عن أهلها المباركين ليصيبه من بركتهم.

قال: أجل.. ألستم تبحثون عن الأطباء المهرة، وترحلون لأجلهم إلى بلاد الله الواسعة، وتنفقون الأموال العريضة؟

قلت: بلى.. ولعلنا نفعل أكثر مما ذكرت.

قال: فلا تغفلوا عن فعل ما هو دون ذلك بكثير.. وهو البحث عن أهل الله المباركين ليصيبكم من دعائهم وبركتهم ما يرفع بلاءكم، ويملأكم بالبركات.

قلت: ولكن الله تعالى أمرنا بتوحيد وجهة القلوب له، فقال تعالى:﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾(البقرة:186)، وقد روي أن رجلا قال له:( إنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك)، فسبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى رؤى ذلك في وجوه أصحابه، وقال:( ويحك أتدرى ما الله،إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك)([33])

وقد أخبر تعالى عن قول يعقوب u قوله:﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:86)

ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يحض أمته على إفراد الله بالمسألة، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم لابن عباس:( إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يخطب، ويقول:( أيها الناس، والله مهما يكون عندنا من خير فلن ندخره عنكم، وإنه من يستغن يغنه الله، ومن يستعف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر)

قال: أجل.. كل ما ذكرته صحيح.. ولذلك تراني لا أصطاد إلا من قال مثل ما قلت، أو اقتنع بمثل ما اقتنعت.. ولكني أضيف إلى ذلك التماس أهل الخير لينال من بركاتهم.. وليس في ذلك أي شرك أو انحراف.

بركات البسطاء:

قال: بلى.. ولكن النصوص مع ذلك وردت بالبحث عن التماس أهل البركات التماسا لما جعله الله فيهم ممن الخير، ألم تسمع حديث أويس؟

قلت: ومن أويس؟

قال: ألا تعرف أويس؟

قلت: فعلمني من علمه ما علمك الله.

قال: هذا رجل صالح، وهو من سادات التابعين، وقد أخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم، ودعا الصحابة إلى البحث عنه طلبا لاستغفاره.

قلت: أهذا في السنة؟

قال: أجل..فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها بر لو أقسم على اللَّه لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل)([34])

قلت: هذا حديث عظيم..

قال: وفيه فوائد عظيمة وأصول نافعة في هذا الباب.

قلت: فاذكر لي منها ما أنتفع به.

قال: هو يشير إلى نوعية هؤلاء المباركين الذين ينتفع بهم الناس.

قلت: تقصد أن أويسا يمثل هذه النوعية.

قال: أجل.. فأويس كان إنسانا بسيطا متواضعا مخلصا.

قلت: بل روي أنه لما قصده الناس فر على وجهه هاربا منهم.. ولم ينشر أي إعلان عن البشارة التي بشره بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولم يتخذ ما بشره به صلى الله عليه وآله وسلم شبكة يصطاد بها أموال المسلمين.

قال: ولم يفتح عيادة يبصق فيها في أفواه الناس.. أو يطعمهم من خبزه ليبتز ما في جيوبهم.

قلت: لكأني بك تعرض لشيء.

قال: أجل.. أعرض بقومك الذين اتخذوا بعض الناس وسائط بينهم وبين الله، فأجلسوهم على العروش، وراحوا يتقربون إليهم ناسين الله وغافلين عنه.

قلت: هم أحسنوا الظن بهم.. ولعلهم انتفعوا بهم.

قال: لا.. الولي هو الزاهد العفيف.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على اللَّه لأبره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل([35]) جواظ([36]) مستكبر)([37]).. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)([38])

قلت: بلى.. وقد ورد في روايات أخرى ما يؤكد هذا المعنى، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبره)([39])

قال: وفي حديث آخر يبين سر الإخلاص الذي تحلى به أويس، فقال:( أغبط الناس عندي مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاته وكان رزقه كفافا فصبر عليه حتى يلقى الله عز وجل، وأحسن عبادة ربه، وكان غامضا في الناس، عجلت منيته وقل تراثه، وقلت بواكيه)([40])

قلت: فهؤلاء الذين تلتمس بركاتهم؟

قال: أجل.. ألم يخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الله تعالى يبر قسمهم.. أي يستجيب لهم إذا أقسموا عليه.

قلت: بلى.. وقد صرحت بذلك النصوص.

قال: فالبركات تلتمس عند هؤلاء البسطاء.. لا عند منتفخي البطون والجيوب الذين يدعون لأنفسهم، ويغفلون عن الدعوة لله.

قلت: فكيف تلتمس عند هؤلاء؟.. وأين نجدهم؟

قال: في غمار الناس تجدونهم.. ألم تسمع حديث أبي عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء عندما قال: سمعت أبي يقول: كنت عند معروف في مجلسه فدخل عليه رجل، فقال: يا أبا محفوظ رأيت في هذه الليلة عجبا، قال: وما رأيت رحمك الله؟ قال: اشتهي علي أهلي سمكا فذهبت إلى السوق فاشتريت لهم سمكة وحملتها مع حمال، فمشي معي فلما سمعنا آذان الظهر، قال الحمال:( يا عم هل لك أن نصلي)، فكأنه أيقظني من غفلة فقلت له:( نعم نصلي)

 فوضع الطبق والسمكة عليه على مستراح، ودخل المسجد، فقلت في نفسي:( الغلام قد جاد بالطبق أجود أنا أيضا بالسمكة)، فلم يزل يركع حتى أقيمت الصلاة، فصلينا جماعة وركع بعد الصلاة وخرجنا، فإذا الطبق على حاله موضوع، فجئت إلى البيت، وحدثت أهلي بهذا، فقالوا لي: قل له يأكل معنا من هذا السمك، فقلت له: تأكل معنا من هذا السمك، فقال: أنا صائم فقلت له: فأفطر عندنا، قال: نعم أروني طريق المسجد فأريته، فدخل المسجد وجلس إلى أن صلينا المغرب.

 فجئت إليه وقلت له: تقوم رحمك الله، فقال: أو نصلي عشاء الآخرة فقلت في نفسي: هذه ثانية، يريد أن فيه خيرا، فلما صلينا عدت به إلى منزلي ولنا ثلاث أبيات: بيت فيه أنا وأهلي، وبيت فيه صبية مقعدة ولدت كذلك لها فوق العشرين سنة، وبيت كان فيه ضيفنا.

 فبينا أنا مع أهلي إذ دق داق الباب في آخر الليل، فقلت: من يدق الباب فقالت: أنا فلانة، فقلت: فلانة قطعة لحم مطروحة في البيت كيف يستوي لها أن تمشي، فقالت: أنا هي، افتحوا لي، ففتحنا لها، فإذا هي، فقلت: أي شيء الخبر، فقالت: سمعتكم تذكرون ضيفنا هذا بخير، فوقع في نفسي أن أتوسل إلى الله عز وجل به، فقلت:( اللهم بحق ضيفنا هذا وبجاهه عندك إلا أطلقت أسري، فاستويت وقمت وأنا في عافية كما تروني)

فقمت إليه أطلبه في البيت، فإذا البيت خال ليس فيه أحد، فجئت إلى الباب فوجدته مغلقا بحاله، فقال معروف:( نعم.. فيهم صغار وكبار)، يعني الأولياء.

قلت: أيمكن أن نعالج أنفسنا بمثل هذا السلوك؟

قال: إن كنتم مؤمنين، فعالجوا أنفسكم به، فهو أقل تكلفة من كثير من الأدوية التي تشترونها.

قلت: ولكن السنة أمرتنا بالتداوي.

قال: وقد أمرتنا بهذا الدواء.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( داووا مرضاكم بالصدقة)، وفي حديث آخر:( ما عولج مريض بأفضل من الصدقة)([41])

قلت: لقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم علاج المرضى بالصدقة.. فما علاقة ذلك بهذا.

قال: إن لم يدع لك لسان الفقير دعا لك قلبه، فإن جحد قلبه دعت لك الملائكة، فإن لم يدع لك أحد، فالله شاكر حليم، يعطيك ما عجز الكل عن إعطائه لك.

قلت: فهل تعالجون في هذا المستشفى بهذا العلاج.. فإني لم أر من يعالج به.

قال: نحن في هذا المستشفى نعالج بكل علاج.. فقد أخبرنا صلى الله عليه وآله وسلم بوجود الدواء، فنحن لا نقصر في البحث عنه.. أما ما ذكرت من عدم علمك بمن عالج به.. فذلك لغفلتك وغفلة قومك عن هذا الترياق العجيب، ولا يضر الدواء عدم تناول المريض له.. ولا يضر الشمس عدم اهتمام الكفيف بها.

قلت: فهل عالج الصالحون بمثل هذا؟

قال: الصالحون عالجوا بكل الأدوية.. وهذا منها .. وقد روي أن رجلا كان به قرحة خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فسأل بعض الصالحين عنها، فقال:( اذهب فاحفر بئراً في مكان الناس بحاجة إلى الماء فإني أرجوا أن ينبع هناك عينً ويمسك عنك الدم)، ففعل الرجل فبرأ.

فهكذا يفعل الصالحون والربانيون، فأنبئني لو أن هذا الرجل جاء لقومك من الرقاة، بماذا سيشيرون عليه؟

قلت: يخبرونه ـ بعد رقية التشخيص ـ بأن الشيطان ركضه ركضة يحتاج معها إلى التجول على الرقاة جميعا ليجد من يحرق له شيطانه، وقد يموت قبل ذلك.

قال: وسأزيدك أخرى لترى منهج الصالحين في التسليم للنصوص المقدسة، قال بعضهم: مرضت مرضا خطرا، فرآني جار لي صالح، فقال استعمل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( داووا مرضاكم بالصدقة)، وكان الوقت ضيقا، فاشتريت بطيخا كثيرا، واجتمع جماعة من الفقراء والصبيان، فأكلوا ورفعوا أيديهم إلى الله عز وجل، ودعوا لي بالشفاء، فوالله ما أصبحت إلا وأنا في كل عافية من الله تبارك وتعالى)

قلت: تلك أزمنة الصالحين.

فقال: كل الأزمة أزمنة الصالحين، ولا زمان للصالحين..

قلت: فهمت كل هذا ووعيته، وقد أدركت سر أمره تعالى بالدعاء للمتصدقين، كما قال تعالى:﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة:103)

قال: ولهذا كان من سنة السلف الصالح الدعاء للمتصدقين.

قلت: أيدخل في هذا الدعاء لمن أطعم الطعام؟

قال: أجل.. فإطعام الطعام من الإحسان، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أكل عند قوم لم يخرج حتى يدعو لهم، فدعا فى منزل بعضهم، فقال:( اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم)([42])

وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم دخل منزله ليلة، فالتمس طعاما فلم يجده، فقال:( اللهم أطعم من أطعمنى، واسق من سقانى)

وقد دعا لمن سقاه لبنا فقال:( اللهم أمتعه بشبابه)، فمرت عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء.

وكان يدعو لمن يضيف المساكين، ويثنى عليهم، فقال مرة:( ألا رجل يضيف هذا رحمه الله)

قلت: ودعا فى منزل سعد بن عبادة، فقال:( أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة)

قال: ولما دعاه بعض الناس هو وأصحابه فأكلوا، فلما فرغوا قال صلى الله عليه وآله وسلم:( أثيبوا أخاكم)، قالوا: يا رسول الله ؛ وما إثابته؟ قال:( إن الرجل إذا دخل بيته، فأكل طعامه، وشرب شرابه، فدعوا له، فذلك إثابته)

بركات الملائكة

قلت: عرفنا وسائط البشر، فهل من بركات الله ما يمكن أن نلتمسه من غيرهم؟

قال: ألا تعرف حديث الأبرص والأقرع والأعمى؟

قلت: بلى.. أولئك النفر الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم:( إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا. فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس. فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو قال البقر. (شك الراوي)، فأعطي ناقة عشراء فقال: بارك الله لك فيها.

فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس. فمسحه فذهب عنه وأعطي شعرا حسنا. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر فأعطي بقرة حاملا قال بارك الله لك فيها.

فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر الناس. فمسحه فرد الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والدا. فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم)([43])

قال: هذا الحديث يدل على آثار البركات ومصدر من مصادرها.

قلت: أتقصد الملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ؟

قال: أجل.. لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الله تعالى ابتلى هؤلاء بهذا الملاك.. ولم يخبر أن هذا خاص بهم.

قلت: أفي إمكان أي أحد منا أن يحصل له ما حصل لهؤلاء؟

قال: وأي حرج في ذلك.. ولكن لا بنفس الصورة.. فقد يظهر له الملاك في أي صورة من الصور.

 قلت: ولكن الملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ يظهرون للرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ

قال: ولكن الصحابة رأوهم.

قال: ذلك في عهده صلى الله عليه وآله وسلم.

قال: ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم لحنظلة:( والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر لصافحتكم الملائكة في فرشكم وفي طرقكم)([44])؟

قلت: أيمكن ـ إذن ـ أن نستفيد من دعوات الملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ؟

قال: أجل.. ألم يخبر الله تعالى عن دعاء الملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ للمؤمنين، فقال تعالى:﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (غافر:7)

قلت: بلى.. ولكن كيف نرى الملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ حتى نلتمس منهم هذه البركات؟

قال: لا حاجة لأن تراهم.. هم معك في كل حين لا بفارونك.. إنما الشأن أن تستشعر وجودهم وتحترمهم.. وستراهم يسعون في خيرك.

قلت: إن قومي ينكرون علي إن خاطبت الملائكة أو تحدثت عنهم بهذا الأسلوب.

قال: ولماذا يخاطبون الجن، ويخترقون أسوار عالمهم؟

قلت: لأنهم جن.

قال: الإيمان بالجن ليس من أركان الدين، والإيمان بالملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ من أركانه.. وكونه من أركان الدين يستدعي صحبة خاصة لهم لعلاقتهم بالسلوك والتوجه إلى الله.

قلت: هم يزعمون الانتساب للسلف الصالح في هذا.

قال: من سلفهم في هذا.. هل الحجاج، أم زياد بن أبيه؟

قلت: الصحابة والتابعون ومن بعدهم.

قال: فأخبرهم أن الربيع بن خثيم كان إذا أصبح قال:( مرحبا بملائكة الله، اكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)

وقد كان أبو بكر بن عياش لما كبر يأخذ إفطاره، ثم يغمسه في الماء في جر كان له في بيت مظلم، ثم يقول:( يا ملائكتي طالت صحبتي لكما، فإن كان لكما عندالله شفاعة فاشفعا لي)

محال البركة

ما ابتعدت قليلا عن المتسوم الثاني حتى ناداني المتوسم الثالث، وقال: لقد عرفت وسائط البركة، فتعال معي لنبحث عن محالها.

قلت: فما محالها؟

قال: كثيرة جدا.. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول مثلا:( تحول إلى الظل، فإنه مبارك)([45])، وقال:( ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وإخلاط البر بالشعير للبيت لا للبيع)([46])، وقال:( كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه)([47])

قلت: فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن هيئات معينة تكون فيها البركة.

قال: أجل.. بل أخبرنا صلى الله عليه وآله وسلم عن مواضع تنزل البركة من الطعام، فقد روي أنه كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال، فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة (يعني وقد ثرد فيها)، فالتفوا عليها، فلما كثروا جثا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم:( إن اللَّه جعلني عبداً كريماً ولم يجعلني جباراً عنيداً)، ثم قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم:( كلوا من حواليها ودعوا ذروتها يبارك فيها)([48])

قلت: فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن ذورة الطعام تتنزل عليه البركة، فلذلك أمر بالأكل من الجوانب.

قال: أجل.. وقد صرح صلى الله عليه وآله وسلم بذلك في حديث آخر، فقال:( البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه)([49])

قلت: وقد أمر صلى الله عليه وآله وسلم بلعق الأصابع والصحفة وقال:( إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)([50])

قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سقطت عنه اللقمة برفعها معللا ذلك بطلب البركة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذىً وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة)([51])

قلت: وقد أمر صلى الله عليه وآله وسلم بسلت القصعة، وقال:( إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)([52])

قال: وعلى عكس ذلك أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الأكل من أشياء معينة تسلب البركة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( من شرب في إناء من ذهب أو فضة، فإنما يجرجر في بطنه ناراً من جهنم)([53])

قلت: وهل يدخل في هذا النهي عن الأكل بالشمال؟

قال: أجل.. فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بالأكل باليمين، وينهى عن الأكل بالشمال، ويقول:( إن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله)

قلت: ألا نفهم من هذا تحريم الأكل بالشمال؟

قال: بلى.. فالنص واضح.. فالآكل بشماله إما شيطان، وإما مشبه به، بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم اشتد على رجل كان عنده يأكل بشماله، فقال له:( كل بيمينك)، فقال: لا أستطيع، فقال:( لا استطعت)، فما رفع يده إلى فيه بعدها، فلو كان ذلك جائزا، لما دعا عليه بفعله.

قلت: إن ما قلته يدعونا لتجريب الأطعمة المختلفة للبحث عن أسرار البركة فيها.

قال: أجل.. فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم يشير إلى هذا:( إذا سقطت لقمة أحدكم، فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان، وليسلت أحدكم الصحفة، فإنكم لا تدرون في أي طعامكم تكون البركة)([54]).. ولكن الأطعمة المباركة، لا الأطعمة الممحوقة.

قلت: أهناك أطعمة ممحوقة؟

قال: أجل.. إنها الأطعمة التي تتفننون في تخريبها في معاملكم لتبدلوا خلقتها.

قلت: لا.. نحن لا نبدل خلقتها، بل نسوغ نكهتها، ونحسن منظرها.

قال: وما أدراكم لعل سر بركتها في لونها أو طعمها، ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:( ماذا في الأمرين من الشفاء: الثفاء والصبر)([55])، فقد وصفهما صلى الله عليه وآله وسلم بالمرارة، وهو يشير إلى ما تختزنه مرارتهما من العلاج.

وقال في الكباث([56]):( عليكم بالأسود منه، فإنه أطيبه)([57])، فقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى لونه.

قلت: اضرب لي على هذا مثالا ـ يا معلم ـ فإني لا أكاد أفهم.

قال: سأضرب لك مثالا من العمران.. فإني أعلم شغفكم به.

قلت: نعم.. وسيكون مفهوما للعامة والخاصة.

قال: أرأيت لو أن خبيرا من الخبراء توصل إلى اختراع مادة توضع على مبانيكم، فتسحب كل ما فيها من إسمنت.

قلت: لم؟

قال: لعله يرى أن هذا الإسمنت مشوه للبنيان.. فلذلك رأى من الكمال نزعه منها.

قلت: ولكن هذا الخبير الغبي لا يدري ماذا يفعل.. إنه سيسقط كل عمران الدنيا على رؤوس أهلها.. فلا يمكن أن تقوم الخرسانة بلا إسمنت.

قال: وقومك يفعلون هذا مع الغذاء المبارك.. هم يستخصلون منه ما يشاءون من العناصر، فيهدمون أركانه، ثم يطلبون منه أن يحافظ على بركته.

قلت: اضرب لي على ذلك مثالا من الغذاء لا من البنيان.

قال: الأمثلة كثيرة.. وقد عرفت تشويههم للملح والسكر.. ولكني سأضرب لك مثالا مرتبطا بالبركة.. ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن اللبن؟

قلت: لقد وردت الأحاديث في فضل اللبن، ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول:( إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأبدلنا خيرا منه، وإذا شرب لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن)([58])

قال: فقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم اللبن غذاء يجزي عن الطعام والشراب.

قلت: هذا صحيح..

قال: ولكني أرى قومك يبيعون لبنا مشوها يكتبون عليه:( منزوع الزبدة)، ألم يسمعوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرب لبناً، ثم دعا بماء فتمضمض وقال:( إن له دسماً)([59])، بل أمر بذلك، فقال:( مضمضوا من اللبن فإن له دسماً)([60])؟

قلت: ليتهم ـ يا معلم ـ يقتصرون على ذلك.. إنهم لا يقدمونه إلى الأفواه إلا بعد أن يذيقوه ألوان العذاب.. فهم يحولونه إلى غبار.. ثم يضعونه في علب، ثم يقطعون به البحار والفيافي، ليصل بعدها إلى الأفواه وقد خارت قواه.

قال: وليس ذلك فقط.. ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:( عليكم بألبان البقر، فإنها ترم من كل الشجر)([61])

قلت: بلى..

قال: ولكنهم يحبسونها.. ثم يطعمونها ـ غصبا عنها ـ بفضلات الصناعة وسمومها.. ثم يقولون ـ إذا تضرروا ـ:إن الله سقانا([62]) سما لا لبنا([63]).

قلت: لقد ذكرتني ـ يا معلم ـ بما يفعلونه مع الدجاج والبيض.. فهم يحبسون الدجاج في أقفاص.. ثم يأمرونه بأن يوفر لهم من البيض ما يحتاجون إليه.. وعلى المزاج الذي يرضي جيوبهم.

قال: والأخطر من ذلك كله ما تسمونه بالهندسة الوراثية، فهي وإن استغلت في بعض الجوانب الإيجابية إلا أن شرهكم جعلكم لا تتوقفون عند حد.

قلت: أجل.. بل إن البشر اليوم يتوقون إلى هندسة وراثة الإنسان، ليحولوه إنسانا آخر.

قال: بل مسخا آخر.. وقد سمعت بعض مغروريكم يقول:( في غضون العشرين سنة المقبلة ستطرح في الأسواق مئات الأصناف المتطورة من (النواقل العصبية)التي تسمح بتنشيط الدماغ، وتحسين الأداء الفكري، وتعديل المشاعر والأحاسيس، بالكيفية التي تريد، وستظهر كذلك (أجهزة الراديوات الدماغية)القادرة على التقاط الموجات الكهربائية الصادرة عن الدماغ، وتعديل كيفيتها، بحيث يمكن تسريع عملية التفكير أو إبطائها، وهذه الأجهزة سوف تعيننا على التفكير بوضوح، وعلى التواصل فيما بيننا بصورة أفضل)([64])

قلت: ألا تعلم ـ يا معلم ـ أن البشر وضعوا خريطة جينة للبشر؟

قال: كان الله في عونكم..

قلت: إنها ستقلب تاريخ الطب رأسا على عقب، وسيعالج الإنسان انطلاقا من مورثاته.

قال: أنا أتشاءم كثيرا من اختراعاتكم واكتشافاتكم..

قلت: لم ـ يا معلم ـ ألم يأمرنا الله بالسير في الأرض للبحث فيها وتيسير حياتنا؟

قال: بلى.. ولكن السير المبارك يفتح البركات، والسير الممحوق يفتح اللعنات.

قلت: أهناك سير مبارك وسير ممحوق؟

قال: أجل..

قلت: كيف ذلك؟

قال: سمعت أن قومك يستغلون ما فتح الله عليهم من الهندسة الوراثية في وضع نسخ عن الإنسان.

قلت: نعم.. فنجاحهم في استنساخ الحيوان جعلهم يفكرون في استنساخ الإنسان.

قال: ألم أقل لك: إنكم في عصر الدجاجلة.. ولن تنجيكم منه إلا الفطرة.. الفطرة المباركة.

قلت: يا معلم.. فلنعد للبركة.. لقد عرفت أن الغذاء قد يحوي عناصر مباركة فيثمر في نفس آكله الصحة والعافية والقوة.

قال: نعم.. هذا صحيح.

قلت: والأصل في هذا أن هذا الطعام الذي يحوي هذه العناصر المباركة يستفيد منه الجميع.. لأنه لا يستحيل طعاما آخر في فم آخر.

قال: هذا صحيح.

قلت: ولكن النصوص تخبر أن هناك أشياء أخرى لها تأثيرها في البركة، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو في دعائه فيقول:( اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه)

قال: لأن البركة من الله، فهو الذي يجعل الطعام مباركا أو ممحوق البركة، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا وضع الطعام فخذوا من حافته وذروا وسطه، فإن البركة تنزل في وسطه)([65])، وفي حديث آخر يقرر هذا، فيقول:( إن البركة تنزل في وسط الطعام، فكلوا من حافته ولا تأكلوا من وسطه)([66])، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن البركة تتنزل.

قلت: أي أن دعاءنا قبل الطعام يجعل غذاءنا مباركا بتنزيل الله البركة.

قال: ليس بالدعاء فقط.. بل في حالتك النفسية أثناء تناول الطعام.. لأنك قد تأكله، وقلبك يمتلئ حقدا عليه وصراعا معه.. فلا يزيدك أكلك له إلا جوعا ومرضا.

قلت: وهل يمكن أن يحقد أحد على الطعام؟

قال: أجل.. إذا أكله، وهو يعيبه.. ألم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يثني على الطعام إذا حضر؟

قلت: بلى.. كان يثني عليه كل الثناء، وقد قال لما قدم له الخل:( نِعم الإدامُ الخلُّ)([67])، وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:( اللهم بارك في الخلِّ فإنَّه كان إدام الأنبياء قبلي)([68]).. وعندما قدم له الضب، ولم يكن يشتهيه لم يعبه، بل قال:( لا تفعلا، إنكم أهل نجد تأكلوها، وإنا أهل تهامة نعافها)([69])

قال: وكل ذلك لئلا يجرح شعور الطعام، فإن الطعام لا يرضى أن يدخل أجواف من يذمه.

ضحكت، وقلت: وهل له من العقل ما يرضى به أو يسخط.. ماذا تقول يا معلم؟

قال: إن الطعام لا ينيلك بركته إلا إذا كان راضيا، وهذا سر من أسرار البركة، ألم تسمع ما ورد في الحديث عن ابن أعبد قال قال علي: يا ابن أعبد! هل تدري ما حق الطعام؟ قلت: وما حقه؟ قال: تقول:( بسم الله، اللهم! بارك لنا فيما رزقتنا)؛ ثم قال: أتدري ما شكره إذا فرغت؟ قلت: وما شكره؟ قال: تقول:( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا)([70])، فقد ذكر أن للطعام حقا.. لا يكون له هذا الحق إلا إذا كان له من الوعي ما يطالب به بحقه.

قلت: يا معلم.. هذا جاء على أساليب العرب.. وليس المراد به ما فهمته من ظاهره.

قال: وما ورد من تسبح الطعام أجاء أيضا على أساليب العرب، فقد ورد في نصوص صريحة لا تحتمل أي لبس، ألم تسمع قول ابن مسعود:( كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا، بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس معنا ماء فقال لنا:( اطلبوا من معه فضل ماء)، فأتي بماء فوضعه في إناء ثم وضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه. ثم قال:( حي على الطهور المبارك والبركة من الله)، فشربنا منه، قال عبد الله: كنا نسمع صوت الماء وتسبيحه، وهو يشرب.

وكانوا يسمعون تسبيح الطعام، عن ابن مسعود قال:( كنا نأكل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل)([71])

قلت: صدقت.. وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي بطعام ثريد، فقال:( إن هذا الطعام يسبح)قالوا:( يا رسول الله، وتفقه تسبيحه؟ قال: نعم ثم قال لرجل: ادن هذه القصعة من هذا الرجل، فأدناها منه فقال: نعم يا رسول الله، هذا الطعام يسبح! فقال: ادنها من آخر، وأدناها منه فقال: هذا الطعام يسبح. ثم قال: ردها فقال رجل: يا رسول الله، لو أمرت على القوم جميعا، فقال: لا إنها لو سكتت عند رجل لقالوا من ذنب ردها فردها([72]).

قال: أترى من له القدرة على التسبح جمادا لا يعقل؟

قلت: لا.. بل عاقلا وسيد العقلاء.

قال: فهذا سر من أسرار البركة.

أمسك بيدي من لا أعرفه، ولكن يلوح عليه من الجهد ما يدل على كونه من الخبراء، فقال من غير أن أسأله: نعم.. أنا من الخبراء.. وقد سمعتك تسأل معلمك عن سر البركة في الدعاء.. وأنا سأجيبك على ضوء اختصاصي، فأنا مختص في الهندسة الوراثية([73])، فركز معي، فسأعلمك أسرارا مهمة في هذا العلم.

قلت: علمني مما علمك الله.

قال: يتركب كل جين من حوالي 70 ألف وحدة في المتوسط من وحدات المادة الوراثية D N A وهي النيكليودات، وكل جين يتركب من وحدات المادة الوراثية في تتابع معين، وأي تغيير في نوعية أو تتابع هذه الوحدات يغير في تحكم الجين، وبالتالي في إظهار صفات مختلفة له، وهذا التغيير يكون إما بالإضافة أو الحذف لواحد أو أكثر من هذه الوحدات، أو بتغيير نوعية واحد أو أكثر من هذه الوحدات، أو بتغيير التتابعات الخاصة بهذه الوحدات داخل الجين.

قلت: فما هي العوامل التي تجعل الجين يتغير عما هو عليه؟

قال: أسباب ذلك كثيرة، فذلك إما أن يكون عن طريق المطفرات الطبيعية مثل أشعة X وجاما والأشعة فوق البنفسجية وغيرها.. أو عن طريق المركبات الكيميائية من مبيدات وأحماض وأغذية وغيرها.. أو عن طريق أي شيء في البيئة أو الأماكن أو النباتات أو الإنسان أو الحيوان التي يعيش فيها أو معها الشخص المتأثر، حيث يصدر عن هذا كله إشعاعات تؤدي إلى حدوث مثل هذه التغييرات.

قلت: ولكن الدعاء مجرد كلام.. فهل له تأثير على وضعية هذه الجينات؟

قال: أجل.. حتى الكلمة التي تصدر من أي شخص لها ذبذبات سواء كانت طيبة أو خبيثة تؤدي إلى مثل هذه التغييرات.. ألم تسمع قوله تعالى:﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الحشر:21)

قلت: بلى.. فما وجه الإشارة فيها؟

قال: هذا يدل على أن القرآن الكريم له من التأثير على الأشياء ما يفوق القنبلة الذرية نفسها.

قلت: فهمت هذا.. ولكني لا أزال أتساءل، فقد ادعيت صعبا تحتاج إلى إثباته.

قال: ذلك يحتاج إلى بعض التفصيل، فاصبر علي.. إن نيكليوتيدات الجين تتكون من نوعين في مجموعات.. أما النوع الأول، فهو نوع يطلق عليه Extr ons، وهو خاص بالمواد الكيميائية المنتجة، أي الجزء الطبيعي الدنيوي.. وهو ما عرفته مع معلمك في أسرار البركة في العناصر.

أما النوع الثاني، فيطلق عليه Intr ons، وهو الجزء ذو التكرارات العالية والحساس، والذي يقوم بتشكيل الجزيء الطبيعي الناتج عن Extr ons.

وهذا النوع الأخير تزيد نسبته برقي الكائن، فتصل في أرقى الكائنات وهو الإنسان إلى 70 بالمائة من المادة الوراثية.

والغالب أنه هو المكون للتركيبة الروحية، وهي تتأثر تأثرا كبيرا بالأحاسيس والعبادات والأفعال الصالحة أو السيئة.

قلت: اضرب لي مثالا يوضح لي هذا.

قال: أتعرف الإنسولين.

قلت: نعم.. أعرفه، فله دوره الخطير في التمثيل الغذائي للسكر.

قال: فجزيء الإنسولين الناتج من الفرد التقي الصالح يختلف اختلافا كبيرا في شكل الجزيء عن إنسولين الفرد المنحرف، ولو أنهما معا يقومان بوظيفتهما في التمثيل الغذائي للسكر، ولكن يختلفان في الكفاءة ومدى استفادة الجسم من كل منهما.

قلت: بورك فيك.. فقد فهمت أسرار كثيرة من هذا.. كنت أعجب منها.. لقد أدركت سر قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( اللهم! إن إبراهيم كان عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة بالبركة، وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم مثلي ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين)([74])

وقد كنت أعجب من حديث جابر بن عبد الله في قوله: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة. فقيل: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليهم من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله)([75])

فقد كنت أعجب من بقاء قوتهم مع هذا الأكل القليل.

وقد كنت أعجب من تلك الأكلات القليلة التي يقتصر عليها الصالحون مع حفظ الله لقواهم الأمد الطويل، وقد فهمت من هذا سر قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( المؤمن يأكل في معي واحد والمنافق يأكل في سبعة أمعاء)([76])

قال: وافهم مع هذا سر قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ماء زمزم لما شرب له)([77]) فقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم لنية الشارب تأثيرا في الفوائد التي يجنيها من شربه من ماء زمزم.

قلت: وأصرح من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تستشفي شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، وهي هزمة جبرائيل وسقيا الله إسماعيل)([78])

قال: فللنية والصدق فيها واليقين في فضل الله تأثير عظيم في ذلك، ولهذا لا يستفيد من هذا النوع من العلاج إلا الصادقون أصحاب القلوب الطيبة([79]).

مواقيت البركة

لم أبتعد قليلا عن المتوسم الثالث، حتى ناداني أحد المتوسمين، فقلت: أتريد أن تسر لي شيئا أنت الآخر.. قل.. فكلي آذان صاغية.

قال: لا.. بل سأقول لك ما يمكن أن تعلنه على الملأ.

قلت: أهو سبيل من سبل الحصول على البركة؟

قال: أجل.. فليس لنا من دور ـ نحن المتوسمين ـ سوى البحث عن هذا.

قلت: فبأيها اختصصت أنت؟

قال: بالمواقيت.

قلت: أأنت ساعاتي إذن؟

قال: يمكنك أن تقول ذلك.. فأنا دائم الترقب للساعات والدقائق.. أنتظر بشغف كل مناسبة من مناسبات الخير.

قلت: لم؟

قال: لأنال من بركاتها ما لا يمكن تحصيله في سائر الأيام.

قلت: أليست كل الأزمان أزمان خير؟

قال: بلى.. ولكن الله  تعالى خص مواقيت مخصوصة بمزيد من الخير.. ألا ترى التجار في أرض قومك قد يبيعون في بعض المناسبات ما لا يبيعونه في جميع أوقات السنة؟

قلت: بلى.. ذلك صحيح.. وأنا أراهم في تلك المناسبات يزهون جذلين.

قال: لأن تلك الأيام هي أيام بركاتهم.

قلت: فهل جعل الله في أيام دهرنا مناسبات خاصة للبركات؟

قال: بلى.. ألم تسمع قوله  تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾(ابراهيم:5)

قلت: بلى.. ولكن هذه لأيام هي أيام نصره لهم..

قال: فقد كانت أياما مباركة لهم.. فلهذا أمره بتذكيرهم بها.

قلت: نحن نفعل ذلك.. ولكن ليس كما تقصده.

قلت: فما تفعلون؟

قلت: نحن ننشد الأشعار، ونملأ الدنيا ضجيجا فرحا بأيام نصرنا.

قال: أنتم تمحقون نصركم بذلك.. فبركة النصر التواضع وطأطأة الرأس ومراجعة النفس لتجديد المسيرة، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة:58)

قلت: وما فيها من العلم؟

قال: هذه الآية تبين سنن التعامل مع النصر.

قلت: عرفت هذا.. ولكني أبحث عن سر اهتمامك بالمواقيت.

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدا)([80])، وقوله في الحديث الآخر يعمق هذا المعنى:( اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يستر عوراتكم وأن يؤمن روعاتكم)([81])

قلت: قد سمعت ذلك منك، وبورك فيك..فهل لهذه المناسبات أيام مخصوصة في السنة لا تتعداها؟

قال: منها الأيام، ومنها الشهور، ومنها الساعات، ومنها اللحظات.

أيام البركة

قلت: فما أيام البركة؟

قال: هي أيام كثيرة منها ما يتكرر في السنة، ومنها ما يتكرر في الأسبوع.

قلت: فما أعظمها؟

قال: ليلة القدر.. ألم تسمع ما قال الله  تعالى فيها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾(الدخان:3)

قلت: بلى.. وقد أخبر الله  تعالى فيها عن تنزلات الملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فيها ومعهم الروح، فقال  تعالى: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾(القدر:4)

قال: ولذلك كانت مناسبة عظيمة لرفع الحاجات إلى الله..

قلت: فأنتم تعالجون بليلة القدر؟

قال: أجل.. وكيف لا نعالج بها.. بل إن المرضى عندنا يعدون الأيام والليالي ليظفروا بها.

قلت: فما تفعلون فيها؟

قال: ألم يبين لنا صلى الله عليه وآله وسلم ما نفعل، فقال:( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)([82])، فنحن نحييها بالقيام والتضرع.. ونحن نستن بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، فقد كان رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره([83]).

قلت: وما أثر ذلك في الشفاء؟

قال: إن أكثر المرضى يشفيهم الله  تعالى ببركات هذه الليلة.

قلت: وهل رأيت بعض ذلك؟

قال: وهل أحتاج إلى أن أرى؟

قلت: من باب الطمأنينة، لا من باب الشك.

قال: لا أحتاج إلى أن أرى غيري.. لأني ـ أنا ـ حصل لي من الخير بسبب هذه الليلة المباركة ما دعاني إلى البحث في مواقيت البركات.

قلت: أكنت مريضا؟

قال: بأخطر أمراض عصركم.. وقد أيأسني الأطباء.. وكان من رحمة الله أني اجتمعت بالطبيب الذي قرأ نتائج تحليلاتي في ليلة من ليالي العشر من رمضان.

قلت: فماذا فعلت؟

قال: حزنت حزنا شديدا.

قلت: فإلى أي شيء أسلمك حزنك؟

قال: إلى الله.. لقد قلت لنفسي: أليس هذا الطبيب سوى ذرة تائهة في ملكوت الله.. ثم بت قائما لله.. فأحسست بقشعريرة تسري في أوصالي.. وكأن ملائكة ربي وضعت مراهمها على أدوائي.. ومنذ ذلك الحين، قبل عشرين سنة، لم أحسس بأي ألم، فلم يهتز لي عرق، ولم يتصدع لي رأس.

قلت: فهل رجعت إلى طبيبك لتخبره عما حصل لك من بركات تلك الليلة.

قال: ذهبت صباحا إليه، فوجدت أهله يبكون، فسألتهم عنه، فأخبروني بوفاته.. فلم أعد بعدها إلى الأطباء.

قلت: ولكن انتظار ليلة القدر يطول.. إنها سنة كاملة.. ومع ذلك فقد يظفر بها، وقد لا يظفر.

قال: ولكنها ليلة مباركة، ومع ذلك.. فإن من استعجل عندنا نرسله للحراسة في سبيل الله.

قلت: وما علاقة ذلك بليلة القدر؟

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ألا أنبئكم بليلة أفضل من ليلة القدر؟ حارس حرس في أرض خوف لعله أن لا يرجع إلى أهله)([84]).

قلت: فهل هناك غير ليلة القدر؟

قال: الليالي العشر.

قلت: وما الليالي العشر؟

قال: تلك التي أقسم الله  تعالى بها، فقال: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾(الفجر:2)

قلت: وما هي؟

قال: هي الليالي العشر من ذي الحجة.. فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ما من أيام العمل الصالح أحب إلى اللّه فيهن من هذه الأيام)، يعني عشر ذي الحجة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل اللّه؟ قال:( ولا الجهاد في سبيل اللّه، إلا رجُلاً خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء)([85])

قلت: فهل هناك غيرها؟

قال: هناك ما هو أيسر من ذلك، وأقرب.

قلت: وما هو؟

قال: يوم الجمعة.

قلت: ذلك يوم يسير، فهو يوم يتكرر كل أسبوع.

قال: وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن بركة هذا اليوم، فقال:( إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت([86])؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء)([87])

قلت: فما فيه من البركات؟

قال: كثيرة هي بركاته، أولها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن الملائكة تشهده، فينال العبد من بركاتها ما يناله، فلذلك دعانا صلى الله عليه وآله وسلم إلى الاستعداد الصحيح لنيل بركات الملائكة في هذا اليوم، فقال:( أكثروا من الصلاة علي في يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لن يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها)([88]).. بل ورد في حديث آخر ما يصرح بذلك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن أقربكم مني يوم القيامة في كل موطن أكثركم علي صلاة في الدنيا، من صلى علي في يوم الجمعة وليلة الجمعة قضى الله له مائة حاجة سبعين من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا، ثم يوكل الله بذلك ملكا يدخله في قبري كما تدخل عليكم الهدايا يخبرني من صلى علي باسمه ونسبه إلى عشيرته فأثبته عندي في صحيفة بيضاء)([89])

قلت: ما شاء الله هذه بركات عظيمة.. ما أكثر غفلتنا عنها.

قال: بل هناك ما هو أعظم من ذلك كله.

قلت: وهل هناك ما هو أعظم من ذلك؟

قال: أجل.. فقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة فقال:( فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل اللَّه شيئاً إلا أعطاه إياه)، وأشار بيده يقللها([90]).

قلت: هذا خير عظيم، فأي ساعة هي؟

قال: لم تحدد النصوص ذلك بدقة.

قلت: لم؟

قال: ليشتد الناس في البحث عنها.. كما يشتدون في البحث عن ليلة القدر.

قلت: أأنتم تعالجون بها؟

قال: ألم يخبرك المعلم بأن مستشفى السلام يستعمل كل وسائل العلاج وأسبابه؟

شهور البركة

قلت: فحدثني عن شهور البركة.

قال: أعظمها شهر رمضان، فقد قال الله  تعالى يذكر فضله وبركاته: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ (البقرة:185)

قلت: لقد اكتسب شهر رمضان بركاته من القرآن الكريم.

قال: ولذلك كان أعظم مناسبة للبركات، فهو الشهر الذي تقترب فيه السماء من الأرض.

قلت: أهذه معلومة فلكية؟

قال: لا.. هذه معلومة ربانية.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين)([91])

قلت: فما نفعل في رمضان لننال بركاته؟

قال: ما كان يفعله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو أدرى بالبركات وأسرارها.

قلت: وما كان يفعل صلى الله عليه وآله وسلم ؟

قال: ألم تسمع قول ابن عباس، فقد قال: كان رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن؛ فلرَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة)([92])

قلت: عرفت فضل رمضان.. فهل هناك شهور أخرى يمكن تلمس البركات منها؟

قال: لقد ذكر الله  تعالى أربعة أشهر مباركة، فقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾(التوبة:36)

قلت: تقصد الأشهر الحرم؟

قال: أجل.. فهي أشهر مباركة.. ونحن في هذا المستشفى نكثف العلاج فيها.

قلت: فما هي هذه الأشهر.. فنحن اليوم نتعامل بأشهر تحن للشمس، وتتنكر للقمر.

قال: لقد أخبر عنها صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في حجة الوداع:( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض.. السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمرحم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)([93])

قلت: وسائر الأشهر.. أهي ممحوقة البركة؟

قال: في إمكانك أن تملأها بالبركات.

قلت: كيف ذلك.

قال: ألم تسمع ما روي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رأى الهلال قال:( اللهم بارك لنا في شهرنا هذا الداخل)([94])

قلت: أيمكن أن تسري بركة هذا الدعاء إلى الشهر كله، فتجعله مباركا؟

قال: أجل.. وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحرى هذا، فقد كان إذا رأى الهلال قال:( اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله)([95])

وفي حديث آخر قال الراوي: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى الهلال قال:( الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله)([96])

وفي حديث آخر أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رأى الهلال قال:( هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، آمنت بالله الذي خلقك، ثلاث مرات، ثم يقول:( الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا)([97])

ساعات البركة

قلت: فحدثني عن ساعات البركة.

قال: هي ساعات تتكرر يوميا.

قلت: وذلك ما يجعلها أيسر مواقيت البركات وأقربها.

قال: أولها البكور، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( اللهم بارك لأمتي في بكورها)، قال الراوي: وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم من أول النهار، وكان صخر تاجراً، وكان يبعث تجارته أول النهار فأثرى وكثر ماله([98]).

قلت: بلى.. وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم بحماية الله لمن صلي الصبح، فقال:( من صلى الصبح فهو في ذمة اللَّه، فانظر يا ابن آدم لا يطلبنك اللَّه من ذمته بشيء)([99])

قال: ولذلك ترانا في هذا المستشفى نتحصن بالصبح.. فاليوم عندنا يبدأ بالفجر، لا بالضحى كما رأيته في أرض الصراع.

قلت: والثاني؟

قال: السحر.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( تسحروا، فإن في السحور بركة)([100])

قلت: وقد سمى صلى الله عليه وآله وسلم السحور بالغذاء المبارك.

قال: وقد عرفت في حصون الصحة الأثر الصحي للسحور والفطور.

قلت: أجل.. فحدثني عن الثالث.

قال: هو ما عبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:( إذا مضى شطر الليل، أو ثلثاه، ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل يعطى، هل من داع يستجاب له، هل من مستغفر يغفر له، حتى ينفجر الصبح)([101]).

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا، كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر)([102]).

قلت: هذا حديث عظيم.. وفيه بركات عظيمة.

قال: ولكن قومك يحرفونه.

قلت: سمعتهم يروونه كثيرا.

قال: هم لا يروونه ليستفيدوا من بركاته.. بل يروونه ليجادلوا به.. فهم لا يسمعون قوله  تعالى:( أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟)

قلت: فما يسمعون؟

قال: لا يسمعون منه إلا النزول.

قلت: لم؟

قال: ليجادلوا.. ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أورثوا الجدل)، ثم تلا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قوله  تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾(الزخرف:58))([103])

قلت: أجل.. وقد خرج رسول اللّه على الناس وهم يتنازعون في القرآن، فغضب غضباً شديداً حتى كأنما صب على وجهه الخل، ثم قال:( لا تضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض، فإنه ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل)، ثم تلا الآية.

لحظات البركة

قلت: فحدثني عن لحظات البركة.

قال: قد يمتلئ قلبك في أي لحظة من اللحظات خشوعا ورقة.. فلا تفرط في تلك اللحظة، فهي من اللحظات المباركات التي قد تنقلب بها حياتك انقلابا كليا.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألم تسمع قوله  تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾(آل عمران:38)

قلت: بلى.. فما فيها من مواقيت البركة؟

قال: عندما دخل زكريا u على مريم ـ عليها السلام ـ فوجد عندها من رزق الله المبارك شعر بقدرة الله المطلقة، فامتلأ كيانه بالرغبة فيما في يد الله، فسأل الله.

قلت: أتعالجون في هذا المستشفى بهذه اللحظات؟

قال: أجل.. نحن نملأ قلوب المرضى بالإيمان إلى أن يصبحوا كالأرواح المجردة.. وحينذاك نطلب منهم أن يدعو من لا يرد من دعاه.

قلت: ومن أسوتكم في ذلك؟

قال: أيوب u.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألم يستعمل هذه اللحظة من لحظات الإيمان في شفاء العلة التي دامت سنين، فقال  تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾(صّ:41)، فما إن قال ذلك حتى نودي من سرادقات الغيب: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾(صّ:42)

قلت: فيمكن بهذا أن نحول من كل حياتنا ليلة قدر.

قال: أجل.. ألم تسمع قول أبي العباس المرسي:( أوقاتنا والحمد لله كلها ليلة القدر)

قلت: بلى.. وقد سمعت قول ابن عطاء الله:( من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تلحقه الإشارة)

قال: عرفت فالزم.

ثانيا ـ منازل البركة

سرت قليلا أبحث عن متوسم يدلني على منازل البركة، وكيفية تحصيلها، فبينما أنا كذلك إذ لاح لي رجل قد انتحى جانبا عن الناس، ووضع بساطا على الأرض، ثم استلقى على ظهره، فلم أجد نفسي إلا وأنا بين يديه أقول: يا أخي.. ليس هذا محل نوم.. ولا محل كسل.. هذه منازل السلام .. وهذه ديار البركات.. فلا تفسد علينا وعلى الناس ما في هذه الديار من البركات.

قال: بورك في نصيحتك.. ولكني لست كما ظننت.

قلت: أنا لم أظن.. بل أتيقن.. كيف تقف مواقف التهم، ثم تريد أن نحسن بك الظن.

قال: أخبرني عنك أولا من أنت حتى أعرف كيف أتعامل معك؟

قلت: وما شأنك بي.. أنا أطلب منك أن تحمل بساطك.. فإن شئت النوم، فاذهب إلى بيتك، فهو أهنأ لك.

قال: أنا لا أريد أن أنام.. ولكني بسطت بساطي، واستلقيت لأعبد الله على جنب.. ألا تعرف هذا النوع من العبادة؟

قلت: لم أسمع بهذا النوع من العبادة إلا في حق المرضى الذين لا يطيقون القيام ولا الجلوس، فقد رخص لهم الشرع بدله في الصلاة على جنب.

قال: لا.. ذلك خاص بالمرضى.. وهذا عام لجميع الناس.. ألم تسمع قوله تعالى:﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ (آل عمران:191)؟

قلت: بلى.. ولكني لم أسمع منها ما سمعت.

قال: وهل عرفت ما سمعت حتى تحكم علي؟

قلت: حالك يدل على ما في نفسك منها.. أنت تريد أن تبرر بها عملك هذا.

قال: قل لي: ما ذا تفهم من الآية؟

قلت: فسرت هذه الآية على أنها تبين كيفية أداء الصلاة بالنسبة للمرضى، أي أنهم إذا اسـتطاعوا فليؤدوا الصلاة قياما، فإن لم يقدروا على ذلك فقعودا، أو فعلى أحد جنبيهم، ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك)([104])

وفسرت بأنهم الذين لا يقطعون ذكر الله في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم.

قال: صدقت.. ويمكنك أن تفسرها بما فعلته الآن.. وبما أنكرت علي.

قلت: كيف أفسرها بذلك، وأنا لا ازال أنكر عليك.

قال: أنا أحد المتوسمين..

قلت: أتدعي التوسم أيضا.. كيف تدعيه.. وأنت لم تعرفني؟

قال: وما علاقة التعرف عليك بالتوسم، أأنت شمس من شموس البركة، أم قمر من أقمارها؟

قلت: ولكن المتوسمين الذين لاقيتهم عرفوني قبل أن أعرفهم بنفسي.

قال: ذلك مذهبهم، وهذا مذهبي.. وقد سألت الله تعالى أن يستر علي أسرار الخلائق حتى لا أرى منها ما يرى المتوسمون.

قلت: لم طلبت ذلك؟.. أليس في ذلك مزيد فضل؟

قال: لا.. خشيت أن يتسرب إلى نفسي من ذلك ما يحجبني عنه.. فلذلك سألت الله أن لا أرى من ذلك قليلا ولا كثيرا.

قلت: عرفت إخوانك من المتوسمين.. وأنا الآن أبحث عن متوسم يدلني على منازل البركة.. فقد عرفت جميع سبل البركة ما عدا منازلها.

قال: إذا لم تعرف منازلها لم تعرفها.

قلت: كيف؟

قال: لأن البركات فائضة في الكون.. ولكن الشأن في استقبالها.

قلت: فكيف تستقبل؟

قال: بالمنازل.

قلت: فدلني على المتوسم الذي يدلني عليها.

قال: أنت تجلس بين يديه.

انتفضت قائلا: معذرة.. أأنت هو متوسم المنازل؟.. ولكن ماذا تفعل هنا؟

قال: لقد جلست هذا المجلس لأستقبل البركات.

قلت: ألا تستقبلها إلا بهذه الصورة؟

قال: لا.. أنا أستقبلها بكل الصور، فقد أستقبلها قائما، أو قاعدا، أو مضطجعا، أو نائما.. وقد أستقبلها في السوق أو في المقبرة، أو في الفيافي، أو في الشوراع، أو في المساجد، أو في المدارس.. فكل هذه محال يمكن أن تملأني بالأحوال المباركة.

قلت: فلم اخترت الآن هذه الهيئة لاستقبال البركات؟

قال: أنا لم أخترها.. ولكني وجدت نفسي وأحوالي لا تنتظم إلا بهذه الضجعة، فاضطجعتها.

قلت: فلم لم تقهر نفسك؟

قال: أقهرها عن الحرام.. ولا أقهرها عن عبادة الله.

قلت: كيف ذلك؟

قال: إذا وجدت قلبي في هذه الحالة خاشعا لله مجتمعا به ممتلئا ذكرا وفكرا.. فلماذا أخرج من هذه الحال.. فأتكلف ما قد يضر بحالي.

قلت: ففي جلوسك أو اضطجاعك هذا ماذا تفعل؟

قال: أبرمج نفسي بالبرامج التي تهيئها لنزول البركات.

قلت: تبرمج نفسك!؟

قال: خاب من لم يبرمج نفسه كل يوم بالبرامج الصالحة.

قلت: كيف تبرمجها؟

قال: أنظم جسدي ونفسي وعقلي وروحي ليجتمع شتاتها وتتوحد وجهتها وتستعد لاستقبال بركات الله.

قلت: أأنت تبرمج هذه الأجهزة الأربع؟

قال: أجل.. كما تبرمجون أجهزتكم وتنظمونها لتستفيدوا من بركاتها.. أرأيت لو أن جهاز استقبالك الذي تتفرج به على أحوال الدنيا لم يتوجه الوجهة الصحيحة.. أكنت ترى شيئا؟

قلت: لا.. لن أرى شيئا.

قال: وهل ذلك لشح الأمواج التي تنقل لك أحوال العالم.

قلت: لا.. هي منتشرة في كل مكان، ولم يضق بها الفضاء.

قال: فما سبب عدم استقبالك لها؟

قلت: صحن استقبالي.

قال: فكذلك البركات يمتلئ بها الفضاء، ولكن الشأن ليس فيها، بل في عزوفكم عنها، وإدارة ظهوركم لها.

الجسد

قلت: فلنبدأ بالجسد.. كيف تبرمجه ليستقبل أمواج البركات؟

قال: أوصل إليه من أسرار البركة ما يملؤه حيوية ونشاطا ليؤدي الرسالة التي وكلت إليه.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألم تعلم ما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن ينام؟

قلت: كان يجمع كفَّيْهِ ثم ينفُث فيهما، ويقرأ فيهما بسورة الإخلاص، والفلق، والناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأُ بهما على رأسه، ووجهه، وما أقبلَ مِنْ جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.

قال: فهذا نوع من برمجة الجسد ليحيطه بأنواع البركات.

قلت: لم أفهم هذا.

قال: ألا تعرف أن كل خلية من خلاياك كائن حي كلف بأداء وظيفة معينة في جسدك؟

قلت: أتقصد أنه كائن مستقل عني؟

قال: هو فيك، ولكنه في ذاته مستقل عنك.

قلت: أأنا لست فردا واحدا؟

قال: لا.. بل أنت فرد واحد.. ولكنك مكون من كم هائل من الجنود الذين يحفظون كيانك إلى أن تتم الوظيفة التي جئت إلى الأرض بسببها.

قلت: أنت تريد أن تقنعني بأن كل خلية من خلاياي كائن حي.

قال: ليس في ذلك أي غرابة.. ألا ترى المدينة تظل مدينة واحدة، ولو أن ملايين البشر يسكنونها؟

قلت: هذه دعوى عريضة لو سمعها قومي لرموك بالحجارة، أو لوضعوك في مارستان المجانين.

قال: لا.. ليست هذه دعوى، هذه حقائق تدل عليها كل الأدلة.. وتشير إليها كل الشواهد، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾(فصلت:19 ـ 22)؟

قلت: بلى.. ولكن هذه الآية مثل قوله تعالى:﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾(يّـس:65)تشير إلى حال الكفار والمنافقين يوم القيامة حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم اللّه على أفواههم ويستنطق جوارحهم بما عملت.

قال: ومن قال بأن ذلك خاص بالآخرة؟

ضحكت، وقلت: وهل رأيت رجلا يتحدث مع عينه أو يسمع بصره أو يجادل جلده؟

قال: فأنت تعتمد الحس لتؤول القرآن الكريم؟

قلت: لا.. ولكن الشرع لم ينكر علينا الاستدلال بالحس.. فالحس أول المدارك، وقد رأيت في حصون العافية ما يبين فضله وقيمته.

قال: أجبني.. وأرجو ألا تجادلني.

قلت: لن أجادلك.. ولكني لن أقلدك.

قال: لا يجوز لأحد تقليد أحد.. فكلنا في العبودية سواء.

قلت: سل ما بدا لك.

قال: ما الغرض من استشهاد الشهود في الآخرة؟

قلت: هو إخبار الشهود بما يعلمون من حال المشهود عليه.

قال: ألا يقتضي العلم الحياة؟.. وهل رأيت علما بلا حياة؟.. أو عالما بلا حياة؟

قلت: لا.. العلم يقتضي الحياة.. بل يقتضي الحياة المستقلة.

قال: فقد عرفت إذن حياة أعضاء الإنسان المستقلة.

قلت: لم أفهم.

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصور بعض مشاهد عدالة الآخرة، واستشهاد الجوارح.

قلت: قد وردت في ذلك نصوص كثيرة، منها ما روي عن أنَس بن مالك قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم:( أتدرون مم أضحك؟) قلنا:( اللّه ورسوله أعلم)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز عليَّ إلا شاهداً من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل)([105])

وقد ورد في بعض الأحاديث إشارة إلى هذا الصنف الذي تستنطق جوارحه، وهم المنافقون الذين حاولوا أن يحتالوا على قلب الحقائق في الدنيا، وخداع الخلق بها، فلذلك تبقى هذه الأحبولة في أيديهم يوم القيامة، ويتصورون أنهم سيخادعون الله كما خادعوا الخلق،، قال صلى الله عليه وآله وسلم في حديث القيامة الطويل:( ثم يلقى الثالث فيقول: ما أنت؟ فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك وصمت وصلّيت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع - قال - فيقال له ألا نبعث عليك شاهدنا؟ - قال: فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليه، فيختم على فيه، ويقال: لفخذه انطقي - قال - فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، وذلك المنافق، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك الذي يسخط اللّه تعالى عليه)([106])

قال: فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن نطق الجوارح.. والجوارح لا تنطق إلا بما تعلم.. ولا يمكن أن يستشهد الله في الآخرة من لا يعلم.. وإلا كان الاستشهاد عبثا أو شهادة زور.

قلت: فأنت تقصد بأن هذه الجوارح التي هي كياننا الخارجي جواسيس علينا قد تفضحنا يوم القيامة.

قال: لا.. هي ليست جواسيس.. هي أنت.. ولكن كل جزء منها كائن مستقل ممتلئ عبودية لله، فهو يرضى عنك إن عدت الله، ويسخط عليك إن عصيته.

قلت: أجسدي يسخط علي؟

قال: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك المجادل وهو يتوجه إلى جوارحه، فيقول:( بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل)([107])

قلت: بلى.. فقد نص على ذلك الحديث.

قال: ولهذا تخاصم روحك جسدك يوم القيامة، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾(الزمر:31)

قلت: بلى.. ولكن هذه الآية في الخصومة بين المستضعفين والمستكبرين.

قال: لا.. الآية أعم من ذلك.. ألم تسمع الأحاديث السابقة؟

قلت: بلى.. فلمن النصرة؟

قال: قد ورد في ذلك أثر عن ابن عباس لا ندري مدى صحته، يقول:( لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلائق حتى تختصم الروح والجسد، فيقول الجسد للروح: أنت الذي حركتني وأمرتني وصرفتني وإلا فأنا لم أكن أتحرك ولا أفعل بدونك فتقول الروح له: وأنت الذي أكلت وشربت وباشرت وتنعمت فأنت الذي تستحق العقوبة فيرسل الله سبحانه إليهما ملكا يحكم بينهما، فيقول: مثلكما مثل مقعد بصير وأعمى يمشي دخلا بستانا فقال المقعد للأعمى أنا أرى ما فيه من الثمار ولكن لا أستطيع القيام وقال الأعمى أنا أستطيع القيام ولكن لا أبصر شيئا فقال له المقعد تعال فاحملني فأنت تمشي وأنا أتناول فعلى من تكون العقوبة فيقول: عليهما قال: فكذلك أنتما)([108])

قلت: فهمت هذا ووعيته، فكيف أحصل البركة لأعضائي.. أو كيف أجعل خلاياي تحبني، فلا تخاصمني في الدنيا، ولا تشهد علي في الآخرة؟

قال: ذلك شيء يسير.. أعطها ما تتمنى وما تحب.

قلت: ما بك.. كيف أعطيها ما تتمنى.. أتريد مني أن أهيم في أودية الأماني؟

قال: جوارحك تحب عبادة الله والسجود مع كل الأشياء لله، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران:83)، فقد أخبر تعالى عن إسلام كل شيء لله.

وأخبر عن سجود كل شيء لله، فقال:﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾(النحل:49)

بل إن في القرآن الكريم إشارة تكاد تكون صريحة لسجود جوراح الكفرة لله، فقد قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾(الحج:18)

قلت: فهي تسجد.. فلماذا تكون بركتها في إعطائها ما تتمنى من السجود؟

قال: هي تحب السجود الاختياري، وتباركه.

قلت: فكيف أسجد بها هذا السجود؟

قال: بسجودك تسجد.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تبسط ذراعيك وادعم على راحتيك، وتجاف عن ضبعيك، فإنك إذا فعلت ذلك سجد لك كل عضو منك معك)([109])

قلت: بلى.. وقد كان مما يدعو به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( سجد لك خيالي وسوادي وآمن بك فؤادي، فهذه يدي وما جنيت بها على نفسي يا عظيم يرجى لكل عظيم اغفر لي الذنب العظيم)([110])

قال: وكان علي يقول إذا ركع:( اللهم لك خشعت ولك ركعت ولك أسلمت وبك آمنت وأنت ربي وعليك توكلت، خشع لك سمعي وبصري ولحمي ودمي ومخي وعظامي وعصبي وشعري وبشري سبحان الله سبحان الله سبحان الله، فإذا قال: سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا لك الحمد، فإذا سجد قال: اللهم لك سجدت ولك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت، وأنت ربي سجد لك سمعي وبصري ولحمي ودمي وعظامي وعصبي وشعري وبشري سبحان الله سبحان الله سبحان الله)([111])

قلت: وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول في دعائه في سجود القرآن:( سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره)([112])

قلت: هذا غذاؤها، فما سمها؟

قال: الحرام.. أكل الحرام.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( أيما لحم نبت من حرام، فالنار أولى به)([113])؟

قلت: وعيت هذا.. فلم كان صلى الله عليه وآله وسلم يمرر كفه على جسده بعد القراءة؟

قال: ليوصل بركة ما قرأه إلى جسمه وجوارحه، وكأنه يطعمها ما تشتهي من الطعام، ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يمسح بهما ما استطاع مِن جسده، ويبدأ بهما على رأسه ووجهه ماَ أقبل من جسده، يفعلُ ذلك ثلاث مرات، فإذا اشتكى كلف من يقوم بذلك.

قلت: فهمت هذا.. ولكني لا أزال أتعجب من مسحه صلى الله عليه وآله وسلم بيده اليمنى على المريض ثم دعائه له، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يمسح بيده اليمنى على المريض، ويقول:( اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشفه أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما)([114])، وكان يقول:( امسح البأس رب الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت)، وكان أحيانا يضع يده على جبهة المريض، ثم يمسح صدره وبطنه ويقول:( اللهم اشفه)وكان يمسح وجهه أيضا.

قال: هذا من أسرار بركات الجسد، فاليد التي تمسح على الجسد مصحوبة بالدعاء تنزل ببركاتها وما يصحبها من جنود الدعاء على الألم فترفعه.

قلت: هي كالمرهم إذن.

قال: إن صحبتها البركة، فهي خير من المرهم.. وإن لم تصحبها، فلا خير فيها.

قلت: أتعالجون باليد المباركة إذن؟

قال: إن ظفرت بيد مباركة، فلا تفرط فيها.

قلت: أأطلب منها أن تداوي جسدي؟

قال: إن استطعت، فاطلب منها أن تداوي روحك([115]).

قلت: وفي إمكانها ذلك..

قال: ألم تسمع حديث شيبة بن عُثمان الحَجَبى؟

قلت: بلى.. فقد حدث نفسه بقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان عامُ الفتح، فقد قال يحدث نفسه: قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة، فأثار منه، فأكون أنا الذى قمت بثأر قريش كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا، ما تبعته أبدا، وكنت مرصدا لما خرجت له لا يزداد الأمر فى نفسى إلا قوة، فلما اختلط الناس، اقتحم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بغلته، فأصلت السيف، فدنوت أريد ما أريد منه، ورفعت سيفى حتى كدت أشعره إياه، فرفع لى شواظ من نار كالبرق كاد يمحشنى، فوضعت يدى على بصرى خوفا عليه، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنادانى:( يا شيب؛ ادن منى)، فدنوت منه، فمسح صدرى، ثم قال:( اللهم أعذه من الشيطان).. قال: فوالله لهو كان ساعتئذ أحب إلى من سمعى، وبصرى، ونفسى، وأذهب الله ما كان فى نفسى، ثم قال:( ادن فقاتل)، فتقدمت أمامه أضـرب بسيفى، الله يعلم أنى أحب أن أقيه بنفسى كل شئ، ولو لقيت تلك الساعة أبى لو كان حيا لأوقعت به السيف، فجعلت ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسـلمون، فكروا كرة رجل واحد، وقربت بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاستوى عليها، وخرج فى أثرهم حتى تفرقوا فى كل وجه، ورجع إلى معسكره، فدخـل خباءه، فدخلت عليه، ما دخل عليه أحد غيرى حبا لرؤية وجهه، وسرورا به، فقال:( يا شيب؛ الذى أراد الله بك خير مما أردت لنفسك)، ثم حدثنى بكل ما أضمرت فى نفسى ما لم أكن أذكره لأحد قط، قال: فقلت: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ثم قلت: استغفر لى. فقال:( غفر الله لك)([116])

قال: أرأيت أثر ذلك المسح المبارك؟

قلت: أليس ذلك خاصا به صلى الله عليه وآله وسلم ؟

قال: هو خاص به صلى الله عليه وآله وسلم، وينتقل لورثته ببركة اتباعهم له..

قلت: فهل تذكر لي مثالا يقرب لي هذا المعنى، فإني أجد بصيرتي تميل إليه، ولكني لا أجد لمصورتي ما يقنعها.

قال: مصورتك تريد الصور.

قلت: أنت عرف ذلك.

قال: أرأيت لو وضعت قطع حديد صغير متناثرة، ثم وضعت فوقها مغناطيسا جذابا؟

قلت: إن قربته منها انجذب إليها، فإن ضعف قربه حركها وحولها إلى الاتجاه الذي أريد.

قال: فكذلك الروح الممغنطة بنور الذكر والورع تمر على الخلايا بجاذبيتها الإيمانية، فتحولها صفوفا منتظمة، ليس لها من دور غير خدمة صاحبها.

النفس

قلت: فلنتحدث عن برمجة النفس.. لقد زعمت بأن جسدي مستقل عني.. أتراك تزعم بأن نفسي مستقلة هي الأخرى؟

قال: هي كذلك مستقلة عنك.. ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(يوسف:53)، فقد أخبر تعالى أن النفس تأمر صاحبها بالسوء.. وأمرها له يدل على مغايرتها له.

وقد أخبر تعالى في آية أخرى بأنها تلوم صاحبها، فقال تعالى:﴿ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾(القيامة:2)، ولومها له يدل على أنها تخالفه وتغايره.

قلت: فما النفس حتى أعرف مغايرتها لحقيقتي؟

قال: سرها ستعرفه في ( بنيان الله)

قلت: فعرفني الآن من أسرارها ما أفهم به مغايرتها لي.

قال: نفسك هي الجهاز الذي يخدم وجودك على هذه الأرض.

قلت: أليس الجهاز الذي يخدم وجودي على الأرض هو جسدي؟

قال: لا.. جسدك هو مركبك الذي تركبه.

قلت: ونفسي؟

قال: هي جهاز تزويده بما يحتاجه لينطلق.. فهل يمكن لسيارتك أن تسير بلا وقود؟

قلت: لا.. لا يمكن ذلك.

قال: فالنفس هي التي تخبرك عن حاجتك للوقود، وتدلك عليها.. وهي التي تملأ فمك منها.

قلت: لم أفهم هذا.

قال: لقد خلق الله لجسدك حاجات كثيرة، ولا يتولى هذه الحاجات إلا النفس.

قلت: فكيف تتولاها؟

قال: بأخلاق طبعت عليها تسمونها الغرائز.

قلت: تقصد الشهوة والغضب والشح والحرص والأنانية وغيرها.

قال: أجل.. فقد أخبر تعالى أنه طبع النفس يهذه الأخلاق، فقال:﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ (النساء:128)

قلت: فلم طبعت عليها.. ولم لم تطهر منها؟

قال: لن يستقيم وجود الإنسان على هذه الأرض من دونها.

قلت: فلم نسمع الأمر بقهر النفس وعدم تلبية طلباتها؟.. ألم يقل الله تعالى:﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾(النازعـات:40 ـ 41)؟

قال: بلى.. ولكن الله تعالى نهى عن إعطاء النفس هواها، ولم يأمر بقهرها.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لو أمر بقهرها، وقتل شهواتها، ودفن غرائزها ما قال:﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (الزخرف:71)، فقد أخبر تعالى أنه يعطي لأهل الجنة ما تشتهيه أنفسهم من الملذات، وهذا يعني أنهم لم يقتلوها.

قلت: فما معنى النهي عن إعطاء النفس هواها؟

قال: لقد خلق الله تعالى في النفس الحرص على بقاء الإنسان سليما معافي في الأرض، ليسقيم بقاؤه، فهي لذلك قد تغفل عن غير هذه الوظيفة، فلا ترى إلا صاحبها، فتجتهد ـ على حسب علمها البسيط ـ في حفظه، ولكنها قد تخطئ، فتتيه في أودية الأماني.

قلت: وما مثل ذلك حتى أفهمه؟

قال: مثل أم حنون حريصة على ولدها.. ولكنها لغفلتها وغبائها تظل تطعمه إلى أن يصاب بالتخمة خوفا عليه من الجوع، وقد تمنعه من مصالحه خوفا عليه من الألم.

قلت: فهذه الأم هي النفس.

قال: أجل.. فهي تبحث عن الأماني متصورة أن الكمال فيها، فتحجب صاحبها عن بركات الكون.

قلت: فهي حجاب من حجب البركة؟

قال: وهي محال من محالها.

قلت: كيف يستقيم ذلك؟

قال: كل محل من المحلات إذا وجه لغير وجهته أو انحرف به صاحبه عن غايته يصير حجابا من الحجب.

قلت: فكيف تصير النفس محلا لاستقبال البركات؟

قال: بأربعة.

قلت: أعلم أنها أربعة.. فليس هناك غير أربعة.. فما هي؟

قال: الطمأنينة، والاعتدال، والتوازن، والسلام.

الطمأنينة:

قلت: فحدثني عن الطمأنينة.

قال: هي التي قال الله تعالى فيها:﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر:27 ـ 30)

قلت: فما الطمأنينة؟

قال: هي السكون العظيم الذي يملأ أرض الجسد راحة، وجهاز النفس سلاما.

قلت: أريد لغة صريحة.. فلا أفهم مثل هذه الألغاز.

قال: عندما يكون البحر هائجا قد تغرق السفن التي يقلها، وعندما تزلزل الأرض تنحدر الأحياء في الأخاديد التي تحفرها الزلازل.

قلت: لم تزدني إلا غموضا.

قال: الأرض المطمئنة هي الأرض التي يصلح فيها كل نبات، ويخضر فيها كل زرع.

قلت: بدأت أفهم.

قال: أليس الإنسان ترابا كالتراب؟

قلت: بلى.. فقد نص القرآن الكريم على ذلك.

قال: فالتراب لا يكون صالح نافعا مباركا إلا إذا كان هادئا مطمئنا لترقد فيه البذور، ثم تنبت كل أنواع الزهور.

قلت: أهكذا النفس؟

قال: أجل.. النفس الهادئة المطمئنة نفس مستقرة لا تزعزعها رياح الغضب، ولا أعاصير الجشع، ولا عواصف الأنا الكاذبة.

قلت: فهذه النفس مستعدة للبركة.

قال: أجل.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس وحسن أكله بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس وسوء أكله لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول)([117])؟

قلت: لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث أن لسخاوة النفس وسماحتها تأثيرا في حصول البركة.

قال: وأخبر أن للحرص والشح تأثير في سلبها.

قلت: فما تأثير سلبها؟

قال: عدم انتفاع الإنسان بما يأكله، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع)، وقد ورد في حديث آخر:(إن هذا المال خضرة حلوة، ومن سأل الناس أعطوه، والسائل منه كالآكل ولا يشبع)

قلت: فما معنى ذلك؟

قال: معناه عدم انتفاع الإنسان به.. فهو يتصور النقص في الأشياء.. ولكن سلوكه ونفسه هي التي ملأت هذه الأشياء فسادا.

قلت: ولكنا نرى أمثال هؤلاء كالفيلة ضخامة، وكالأحصنة قوة.

قال: أولا ترى عقولهم كعقول العصافير، وأرواحهم كالمستنقعات والمزابل!؟

قلت: بلى..

قال: فما فائدة جسم يسمن لتلتهمه النار؟.. وما فائدة قوة تخفي أعظم ضعف؟

قلت: صدقت.. فما مثال هذه النفس المملوءة حرصا؟

قال: مثال الكلب.

قلت: الكلب!؟

قال: أجل.. فهي في اندافعها وهيجانها ولهثها لا تختلف عن الكلب.. فلذلك لا تجد البركة ـ إن أرادت النزول ـ محلا تنزل عليه، ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(لأعراف:176)

قلت: بلى.. فهذه الآية فيمن انسلخ من العلم.

قال: وهي فيمن اتبع هواه، فهو يلهث وراء السراب، وهو لا يعلم أنه ترك ما يبحث عنه خلف ظهره.. أتدري ما مثله في ذلك؟

قلت: مثل العير في البيداء يقتلها الظمأ  والماء فوق ظهورها محمول

الاعتدال:

قلت: فما الاعتدال؟

قال: هو أن لا تأخذ من الأشياء إلا ما تحتاجه منها.

قلت: ولكن الله تعالى سخر لنا كل شيء.. فكيف تأمرني بأن لا آخذ إلا ما أحتاجه؟

قال: إن أخذت ما لا تحتاجه منعت غيرك ما يحتاجه.. وإذا منعت غيرك ما يحتاجه أصبت بالمحق.. فتأكل، ولا تشبع.. وتلبس، ولكن تظل عاريا.. وتسكن.. ولكن الرياح السبعة تظل تعصف على جدرانك.

قلت: ولكن الله خلق كل شيء بكرم عظيم.. فنحن نحتاج إلى لقيمات، ولكن الله خلق لنا مخازن من الكرم لا حدود لها.. ونحن نحتاج إلى قطرات من الماء، ولكن الله خلق لنا بحارا وأنهارا ومحيطات.

قال: ولكنه أمرنا مع ذلك بالاعتدال.. ألم تسمع ما روي في الحديث: مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برجل يتوضأ يغرف الماء في وضوئه فقال: يا عبد الله لا تسرف فقال: يا نبي الله وفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم.

ألم تسمع قبل ذلك قوله تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾(الأنعام:141)، فقد عدد الله نعمه وفضله على خلقه، ثم ختم كل ذلك بالنهي عن الإسراف، وأخبر عن بغضه للمسرفين.

قلت: لقد سمعت عن مضار الإسراف كثيرا، ولكني أتساءل عن علاقته بالبركة.

قال: البركة لا تكون إلا بالاعتدال.. فالمسرف لا ينال إلا المحق.

قلت: لم؟

قال: لأنه برمج نفسه على أنه مهما أكل فلن يشبع.. فلذلك يظل يأكل، ولا ينتفع بأكله إلى أن يموت بالتخمة.

قلت: ولكن لم يحرم بركة أكله؟

قال: لأنه أسرف إسرافا منع جسده من الانتفاع بنعم الله.

قلت: اضرب لي على ذلك مثالا.

قال: أرأيت لو أن عمالا كلفوا من الأعمال ما لا يطيقون..؟

قلت: في أي نظام.. نظم السخرة.. أم نظم الحرية؟

قال: في نظم الحرية.

قلت: سيضرب العمال.. وسيتعطل الإنتاج.

قال: فهكذا عمال الجسد.. سيضربون وينددون بكل صنوف التنديد إن كلفهم صاحب العمل الذي هو النفس بما لا يطيقون.

قلت: فسر لي ذلك.

قال: أرأيت من طبق قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ما ملا آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فان كان لا محالة ثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)([118]).. فالتزم به.. أتراه يتعب جهازه الهضمي!؟

قلت: كلا.. فإن معدته ستجد الجو المناسب الذي ييسر لها هضم الطعام بكل حرية.

قال: وهل يمتص الجسم بركات الأغذية؟

قلت: أجل.. يمتصها بشغف وشوق.. ففرق كبير بين أن تأكل وأنت جائع وجسمك محتاج، وبين أن تأكل وأنت متخم لا تريد إلا إرهاق جسدك.

قلت: لقد ذكرتني بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( زر غبا تزدد حبا)([119])

ابتسم، وقال: أجل.. ونعم ما استشهدت به.

التوازن:

قلت: فما التوازن؟

قال: هو انسجام النفس مع نفسها ومع الكون ومع الله.

قلت: فكيف تنسجم؟

قال: بالتوازان.

قلت: أعرف الاسم.. ولكني لا أعرف المسمى، أو لا أعرف كيف أنال بركاته.

قال: أرأيت التاجر الذي يطفف في الميزان، فيأكل حق غيره.. هل ينال بركة تجارته؟

قلت: كلا.. فقد توعده الله تعالى بالويل، فقال:﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾(المطففين:1)

قال: فمن المطففون؟

قلت:﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (المطففين:2 ـ 3)

قال: وهل مع الويل بركة؟

قلت: لا.. فالويل فيروس يظل يلاحق صاحبه إلى أن يلقيه في هاوية المحق.

قال: فقد فهمت إذن.

قلت: لقد فهمت التطفيف في الميزان.. ولكني لم أفهم التطفيف في الحياة.

قال: ما حياتك إلا ميزان من الموازين.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألا يوزن الناس يوم القيامة في الموازين؟

قلت: بلى.. وقد قال تعالى:﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾(الانبياء:47).. وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن صاحب العمل يوزن، فقال:( يُؤتَى يوم القيامة بالرجل السَّمِين، فلا يَزِن عند الله جَنَاح بَعُوضَة)([120]) ثم قرأ:﴿ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾(الكهف:105)

وقد ورد في مناقب عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:( أتعجبون من دِقَّة ساقَيْهِ، فوالذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أُحُدٍ)([121])

قال: فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الرجل يوزن.

قلت: كما أخبر في نصوص أخرى أن الأعمال توزن، وأن الكتب توزن([122]).

قال: فهل الحكيم هو الذي نزن نفسه قبل أن يوزن.. أم الحكيم من يترك نفسه لهواها.. فلا يزنها بموازين الحكمة؟

قلت: بل الحكيم من يزن نفسه قبل أن يوزن.. ويكفي في ذلك أن يدمن على العمل الصالح.

قال: لا يكفي العمل الصالح.

قلت: ماذا تقول؟ إن لم يكف العمل الصالح.. فما يكفي؟

قال: وزن العمل الصالح.

قلت: العمل الصالح سيوزن عند الله، وسيلد حسنات كثيرة، فما الحاجة إلى وزنه في الدنيا؟

قال: العمل الصالح أنواع.. فلذلك تحتاج إلى الموازين التي تضبطه.. فيتوجه الوجهة الصحيحة المباركة.

قلت: لا يزال ذهني كليلا عن فهم هذا.

قال: أخبرني عن الملح.. هل هو طيب أم خبيث؟

قلت: بل طيب لا خبث فيه.. بل لا يصلح الطعام إلا به.

قال: أرأيت لو أتيت إلى قدر، فملأتها ملحا، أيمكنك أن تتناولها؟

قلت: حينذاك لا يصلح لها إلا القمامة.

قال: فقد كانت طيبة.

قلت: ولكن الملح أفسدها.

قال: ولكن الملح طيب.

قلت: هو طيب بمقدار محدد، فإن تجاوز المقدار أفسد.

قال: فكيف نعرف المقادير؟

قلت: النساء عندنا يعرفن ذلك بالفطرة.

قال: فمن لم تكن لها فطرة نقية؟

قلت: ننصحها بأن تتخذ ميزانا أو مكاييل تعرف بها مقادير الملح، وإلا فلن يأكل طعامها أحد.

قال: فقد فهمت ما أقصد إذن.

قلت: أتقصد أن يتخد كل واحد منا ميزانا يزن به أعماله؟

قال: أجل.. فالنفس قد تحن لبعض الأعمال الصالحة لهوى لها فيه.. فلا يبارك لها في العمل الصالح لتفريطها في غيره.

قلت: اضرب لي مثالا.

قال: أتعرف بشرا؟

قلت: هو فقيه من فقهاء السلوك إلى الله..

قال: أتعرف قصته مع الرجل الذي أرد الحج؟

قلت: أجل.. فقد روى أبو نصر التمار قال: إن رجلاً جاء يودع بشر بن الحارث وقال: قد عزمت على الحج فتأمرني بشيء؟ فقال له: كم أعددت للنفقة؟ فقال: ألفي درهم. قال بشر: فأي شيء تبتغي بحجك؟ تزهداً أو اشتياقاً إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله؟ قال: ابتغاء مرضاة الله، قال: فإن أصبت مرضاة الله تعالى وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم وتكون على يقين من مرضاة الله تعالى أتفعل ذلك؟ قال: نعم، قال: اذهب فأعطها عشرة أنفس: مديون يقضي دينه، وفقير يرم شعثه، ومعيل يغني عياله، ومربي يتيم يفرحه، وإن قوي قلبك تعطيها واحداً فافعل، فإن إدخالك السرور على قلب المسلم وإغاثة اللهفان وكشف الضر وإعانة الضعيف أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام، قم فأخرجها كما أمرناك وإلا فقل لنا ما في قلبك؟ فقال: يا أبا نصر سفري أقوى في قلبي، فتبسم بشر رحمه الله وأقبل عليه وقال له: المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات اقتضت النفس أن تقضي به وطراً فأظهرت الأعمال الصالحات وقد آلى الله على نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتقين.

قال: بورك فيك.. فقد رويت القصة بألفاظها.

قلت: وأروي أيضا عن عبد الله بن مسعود قوله:( في آخر الزمان يكثر الحاج بلا سبب، يهون عليهم السفر ويبسط لهم في الرزق ويرجعون محرومين مسلوبين، يهوى بأحدهم بعيره بين الرمال والقفار وجاره مأسور إلى جنبه لا يواسيه)

قال: وبورك فيما ذكرت من حديث ابن مسعود، فقد كان فقيها في دين الله عليما بأسرار البركات.

قلت: أنا أروي الحديث.. ولكني لم أفهم علاقته بالبركة.. ثم علاقة كل ذلك بالصحة.

قال: الصحة شيء متكامل.. فلا صحة لجسد يحمل قلبا مريضا، ونفس تتلاعب بها الأهواء، وعقل تحمل عليه جيوش الظنون.

قلت: لم؟

قال: لأن البركات لا تتنزل على أمثال هؤلاء.. والبركة هي سر ابتسامة الأنين.. ألست أراك تبحث عن ابتسامة الأنين؟

قلت: أجل..

قال: فهذا سبيل من سبلها.

قلت: فكيف نقيد أعمالنا بالموازين التي تحفظها من موبقات الهوى.

قال: بأن تستن بسنة أعظم الخلق بركة.

قلت: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال: من أراد العلم قصد العلماء.. ومن أراد البركة لا يقصد إلا المباركين.

السلام:

قلت: فما علاقة السلام بالبركة؟

قال: البركات لا تتنزل إلا على النفوس المسالمة.

قلت: لم؟

قال: لأن النفوس المحاربة تستقبل البركات بالرماح والأسنة، فتحول بينها وبين النزول إلى أراضي النفوس.

قلت: وهل هناك من يشبع من البركة، فيحول بين نفسه وبينها؟

قال: أجل.. النفوس المحاربة المصارعة.

قلت: ولكن النفوس لا تحارب إلا من يحاربها.

قال: لا.. النفوس المحاربة تلتذ بحربها.. ولا ترى اللذة إلا في انتصارها وفي إسقاطها لخصومها.. فلذلك لا ترضى أن تستقبل البركات بالسلام.. بل تريد أن تقتنصها بالصراع.

قلت: فإن لم تجد من تحاربه؟.

قال: تصطنع عدوا تحاربه.. الصراع عندها كالغذاء والماء.. لا يمكنها أن تتخلى عنه.

قلت: ولكنها قد تنال بصراعها أشياء كثيرة..

قال: نعم يحصل ذلك.. ولكنه ممحوق البركة.. ألم تسمع بخزائن قارون؟

قلت: بلى.. فقد آتاه الله ﴿مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ (القصص:76)

قال: ولكنه رفض أن ينسبها لله.. بل تصور أنه حصلها بجهده وعلمه وصراعه.

قلت: أجل.. وقد قال تعالى في ذلك على لسانه عندما نبهه قومه:﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾(القصص:78)

قال: فقد رفض أن ينسب الأمر إلى أهله.

قلت: أجل.. وذلك شأن المصارعين.

قال: فهل بورك له في ماله؟

قلت: لا.. بل خسف الله به وبداره وبماله الأرض.

قال: وهكذا مصير كل مصارع.. فلن ينال من البركات إلا ما ناله قارون منها.

قلت: ولكنا لم نسمع برجل خسف به غير قارون.

قال: فاذهب إلى المقابر واسألها..

العقل

قلت: فلنتحدث عن برمجة العقل.. لقد زعمت بأن جسدي ونفسي مستقلان عني.. أتراك تزعم بأن عقلي مستقل هو الآخر؟

قال: عقلك تجل من جليات حقيقتك ومظهر من مظاهرها وطاقة من طاقاتتها.

قلت: فهو أنا.. وليس غيري.

قال: هو أنت إذا لم تستعمره النفس، ولم تقيده الأعراف، ولم تستعبده الأهواء.

قلت: فإن استعمر.

قال: يصير أعدى أعدائك.. ولن تنال منه إلا المحق.

قلت: كيف ذلك؟

قال: عقلك هو النافذة التي تطل بها على حقائق الوجود.. وهو النور الذي تتعرف به على واهب النور.. وهو العقال الذي ينظم نفسك لتنسجم مع الكون وتتخلق بأخلاق حقيقتها.. فإن كان كذلك كان لبا.. وكان بركة محضة.. ألم تسمع الله تعالى، وهو يثني كل الثناء على أولي الألباب؟

قلت: بلى.. فقد ورد فيهم قرآن كثير، فالله تعالى يقول:﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران:7)

قال: هذه الآية هي التي تدلك على بركات العقل.. وتنبئك على أسرار المحق.

قلت: فهي مفتاح البركة والمحق المرتباطان بالعقل.

قال: أجل.. فقد ذكر الله العقول الممحوقة، وهي العقول التي لا تتغذى إلا على المتشباهات التي تملؤها بالفتنة، وتبشرها بالجهل.. وذكر بجانبها العقول المباركة.. عقول الراسخين في العلم الذين لا ينحبجبون بالمتشباهات عن المحكمات.. ويتعرفون بكليهما على الحقائق.

قلت: فبركة العقل هي التغذي بغذاء المحكمات.

قال: من تغذى بغذاء المحكمات رزقه الله القوة على هضم المتشباهات.. بل جعل له من القوة ما يحول من المتشابه محكما.

قلت: ومن تغذى بالمتشابهات؟

قال: جعل الله في عقله من الغشاوة ما يجادل به المحكمات.. فلا تهضم في عقله، كما لا ينهضم الطعام الطيب في بطنه لإدمانه على الخبث.

قلت: فكيف نغذي عقولنا بالمحكمات؟

قال: إذا أدركنا وظيفة عقولنا.. وفهمنا سرها.. وتعرفنا على طاقاتها.

قلت: فما علاقة هذه المعارف بالبركة؟

قال: الجسد مرآة من المرائي التي قد تتعرف بها على الحقائق.. فلذلك سنستعير الأمثلة عنه.

قلت: ذلك سيبسط المسألة.

قال: أرأيت لو أن شخصا جهل ما يمكن لجهازه أن يهضمه.. فراح يطعمه السموم.

قلت: سيقتل نفسه لا محالة.

قال: فكذلك جهاز العقل الذي هو أمير النفس.. إذا غذي بغذاء المحكم هضم وقوى عقله ليهضم غذاء الشبهة.. ولكنه إن لم يغذه بالحكمة، سيقتله تناوله لغذاء الشبهة.

قلت: فسر لي ذلك بما يعمق هذه الحقيقة في نفسي.

قال: ألم تسمع ما قال الله تعالى في مثال البعوضة؟

قلت: بلى.. فقد قال تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾(البقرة:26)

قال: فالمؤمنون نظروا إلى هذا المثال من زاوية المحكم، فتعرفو به على الله، والكافرون نظروا إليه من زاوية المتشابه، فحجبوا به عن الحق، ومحقت بركة عقولهم.. ألم تسمع ما قال الله تعالى في تأثير التسعة عشر؟

قلت: بلى.. فقد قال تعالى:﴿ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ  رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾(المدثر:31)

قال: لقد اعتبر الله تعالى عدتهم فتنة للذين كفروا، ويقينا للذين أوتوا الكتاب، وزيادة إيمان للذين آمنوا.

قلت: بلى.. ذلك واضح.. فالغذاء واحد.. ولكن التأثير مختلف.

قال: المؤمنون غذوا إيمانهم بمحكم الإيمان بالله، فنالوا بركات العلوم.. ولكن الغافلين منعوا من هذه المعارف ببحثهم عن المتشابه، فصار الدواء في عقولهم داء، وصار الحق في أفواههم باطلا.

قلت: وعيت هذا.. فبركة العقل هي المحكمات.. فبها تتشرب المتشابهات.

قال: وبها تتغذى من كل حقائق الوجود.. ألم يقل الله تعالى:﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(البقرة:269).. أتدري ما الحكمة؟

قلت: سمعت أن الحكمة هي الفهم عن الله.

قال: بأدوات أهل الله.

قلت: فما علاقة هذا بالصحة.. ألسنا في مستشفى السلام؟

قال: مستشفى السلام يعالج النفس بالعقل.. ويعالج الجسد بالنفس.

قلت: كيف ذلك؟

قال: يجعل للعقل الإمارة على النفس، ويجعل للنفس الإمارة على الجسد، كما يجعل للروح الأمارة على كل ذلك.

قلت: كيف يجعل الإمارة للعقل على النفس؟

قال: النفس قد تسترسل مع شهواتها، فتحتاج إلى أن تلجم بلجام العقل.. فالعقل هو العقال الذي تضبط به النفس..

قلت: اربط لي هذا بالصحة.

قال: لن يصعب عليك ربط كل ما ذكرناه بالصحة.. فالصحة كل متكامل.. وكل ما يؤثر في عقلك، يؤثر في جسدك ونفسك.. ولكني سأخاطبك بما يعي قومك.

قلت: أجل.. فهو أقرب لفهمي.

قال: أرأيت المدمن الذي خرب جسده بنيران شهوات الخمر والمخدرات لمن يسترسل في ذلك؟

قلت: لنفسه الأمارة بالسوء.

قال: ولماذا لا يحكم عقله.. فيتبصر خطر ما هو فيه.

قلت: عقله صار تحت زمام نفسه.. فهو يبحث ويخطط ليصل إلى ما تشتهيه نفسه.

قال: ولكن لماذا لا ينظر إلى الحقيقة؟

قلت: شبهات طغت على عقله.. فحالت بينه وبين فهم الحقائق المرتبطة بصحته.

قال: مثل ماذا؟

قلت: كثيرة هي.. ولعل أهمها انشغاله باللحظة.. فعقله وجودي لا يؤمن إلا بلذة الساعة.. ولسان حاله يقول ( النقد خير من النسيئة) أو ( درهم في الجيب خير من عشرة في الغيب)

قال: فقد منع عقله من غذاء المحكمات بتغذيته بغذاء المتشابهات..

قلت: فكيف يفلح هذا العقل؟

قال: بعودته إلى المحكمات.. فبالمحكمات يبارك في المتشابهات، وتصد الشبهات.

قلت: فهل نجلس كجلوسك هذا لنتغذى بالمحكمات؟

قال: ليس الشأن أن تجلس بجسدك.. ولكن الشأن أن يستقر عقلك في ميدان الفكرة.. فما نفع العقل شيء مثل رعيه في ميادين الحكمة. 

الروح

قلت: فلنتحدث عن برمجة الروح.. فما هي الروح؟

قال:﴿ وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ (الاسراء:85)

قلت: فكيف أبرمج ما لا أعلم؟

قال: ومن قال لك بأن الله تعالى لم يخبرنا عن الروح.. ألسنا سوى الروح؟ فكيف يتركنا الله أسارى جهلنا لذواتنا؟

قلت: ولكن الآية واضحة.. فالله يخبرنا بأن الروح من أمره.. وأنا لم نؤت من العلم إلا قليلا.

قال: ولم تعتقد أن الله تعالى لم يخبرنا عن الروح؟

قلت: لأنها من الأمور الغامضة التي لا يمكن للعقول الضعيفة معرفة شأنها.

قال: وهل الروح أعظم شأنا من الله؟

قلت: ما تقول؟.. لقد قف شعري مما قلت..

قال: لا تخف.. فأنا لم ألحد في قولي.. ولكني أتساءل.. فإن كان الله عرفنا بنفسه.. وهو أعظم شأنا.. واستطعنا أن ندرك من معرفة الله ما نعبده به.. فكيف لا يعرفنا بأرواحنا، أو كيف تزعم أن أرواحنا أعظم من أن نعرفها؟

قلت: ولكني لم أر في حياتي من وصف طول روحه أو عرضها أو لونها أو شكلها.

قال: من ابتغى أن يعرف الروح بهذه الأوصاف فقد غذى عقله بلبان المتشابهات.. ومن تغذى بلبان المتشابهات لم يدرك من الحقائق إلا ما يصرفه عن الحقائق.

قلت: فكيف أعرف الروح إن لم أعرفها بهذه الأوصاف؟

قال: كما تعرف الله تعرف روحك.. ألست تعرف الله بأسمائه وصفاته؟

قلت: بلى.. فلا يمكن إدراك الذات.

قال: فكذلك معرفتك لروحك.. تعرفها بأوصافها وطبائعها وخصائصها لتتعامل معها على أساس ذلك.. ولن تتنزل البركات إلا على من عرف سر روحه.

قلت: فأنبئني عن أسرراها.

قال: ستعرفه في بنيان الله..

قلت: ولكني أطلب البركات.. فهل أحرم من بركات روحي حتى أصل إلى ذلك المحل الرفيع؟

قال: لا.. يمكنك أن تعرف من أمور الروح ما يفيدك في تنزل البركات.

قلت: فما هو؟

قال: أن تعرف قبلة الروح.. فلبركات الروح قبلة واحدة، لن ينال البركات إلا من توجه لها.

قلت: فما هي قبلة الروح؟

قال: هي التي عبر عنها الله تعالى بقوله:﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة:115)

قلت: أراك تشير بها إلى شيء لا أفقهه.

قال: الآية واضحة في الدلالة عليه.. ومما يزيد في توضيحها قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (النور:39)

قلت: لم تفسر الغموض بالغموض؟

قال: لقد خلق الله عباده لمعرفته.

قلت: أفهم هذا.. فقد قال تعالى:﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذريات:56)

قال: فالأرواح في أصل خلقتها تتوجه إلى الله.. ولا تجد لذتها إلا في ذلك.

قلت: أجل.. ولكنها تحيد عنها بتلبسها بالشهوات والأهواء.

قال: فهي في تلبسها بذلك تطلب الماء في السراب..

قلت: ما تقصد بذلك؟

 قال: هي تطلب الله.. ولكنها تتيه عنه باللذات.. فلذلك تتوجه كل الوجهات تبحث عن الله.. فتتيه عنه بأخطاء النفس والعقل.

قلت: أيمكن أن تقع الروح أسيرة العقل والنفس؟

قال: أرواح الأولياء والأصفياء ملوك على العقول والنفوس.. أما أرواح غيرهم فأسيرة في أيدي النفوس والعقول.

قلت: فكيف تتنزل البركات على الروح؟

قال: بتوجهها إلى الله واستمدادها منه وتلذذها بمعرفته.

قلت: فما علاقة ذلك بالصحة.

قال: أصحة الإنسان، أم صحة أعضاء الإنسان؟

قلت: صحة الإنسان.

قال: لن تستقيم صحة الإنسان إلا بصحة الروح.

قلت: فمن تدنست روحه بأدناس الأغيار..!؟

قال: يظل مريضا، ولو عولج بعقاقير العالم.

قلت: ولكنا نراه بعافية يحسده عليها الصالحون.

قال: قلوب الصالحين لا تعرف الحسد.

قلت: أنا لا أريد حسدهم.. ولكني أريد المقارنة بين صحة الغافلين وصحة العارفين.

قال: أرأيت لو أن شخصا أصابه جرح في جسده، وبجانبه شخص أصابه جرح في قلبه.. فأيهما أكثر عافية، وأيهما أكثر ألما.

قلت: مريض القلب أكثر مرضا.. أما جرح اليد فسرعان ما يندمل.

قال: فلذلك ذكرت لك أن قلوب الصالحين لا تعرف الحسد.. لأنهم لا ينظرون إلى عافية الأجساد، بل ينظرون إلى عافية الأرواح.. ومن عافاه الله في روحه لا يضره أن يتضرر جسده.. بل إن من كملت روحه يداوي جسده بروحه.

قلت: أيمكن ذلك؟

قال: نعم.. فمراهم الروح لا تقف بجنبها المراهم.

قلت: أيمكن أن نعالج الأدواء الخطيرة بالروح؟

قال: بالروح المطعمة بلبان البركة يمكنك أن تفعل كل شيء ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( قال الله تعالى ما تقرب إلى عبدى بمثل اداء فرائضي وإنه ليتقرب إلى بالنوافل حتى احبه فإذا أحببته كنت رجله التى يمشى بها ويده التى يبطش بها ولسانه الذى ينطق به وقلبه الذى يعقل به إن سألني أعطيته وإن دعاني أجبته)([123])

ثالثا ـ مخزن البركة

قصدنا القسم الثالث من أقسام ( أدوية السماء)، فقرأت على بابه لافتة مكتوبا عليها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( اللهم بارك لنا في ثمرنا)([124])

وقد كان هذا القسم أشبه بمخزن كبير تجبى إليه ثمرات كل شيء، فسألت معلم البركة عنه، فقال: هذا قسم الغذاء المبارك.. وبما أن الله تعالى وزع البركة في رزقه، فإن أهل هذا القسم يلتمسون البركة في كل ما خلق الله من أرزاق.

قلت: لم؟

قال: ألا تعرف العناصر المؤثر في الأغذية والأدوية؟

قلت: أجل.. ففي الأدوية مثلا هناك العناصر الأساسية المقصودة بالأصالة، وهناك المسوغات.

قال: أرأيت لو أن الدواء لم يحتو إلا على مسوغات صرفة، ولم يحتو على أي عناصر فاعلة.. كيف تعتبره؟

قلت: هذا دواء مغشوش قد يصلح للمرضى بالأوهام، ولكنه لا يصلح علاجا للأسقام.

قال: فتلك العناصر المؤثرة في الدواء هي عناصر البركة التي يلتمسها أهل هذا القسم.

قلت: وكيف يعرفونها؟

قال: لديهم مخابرهم التي تبحث في هذا الباب.

قلت: لا أعرف من المخابر إلا المخابر الكيميائة التي تميز أنواع المكونات المختلفة.

قال: لديهم مثل هذا النوع من المخابر.. ولكنهم لا يكتفون بها.

قلت: فإلى ماذا يرجعون؟

قال: أهل هذا المستشفى يحترمون كل ما يأتيهم من العلم، ويتوثقون منه.. فلذلك تجدهم ينشرون الإعلانات، بل الحوافز لكل من وجد البركة في طعام أن يدل عليها، ويبشر بها.

قلت: أيملك الناس مخابر في بيوتهم؟

قال: وقبل أن توجد المخابر كيف كان يعيش الناس؟.. أم أن هذه المخابر التي تعبدونها هي التي حفظت البشر من الفناء.. أليس البشر يموتون في كل العصور؟

قلت: ولكن الله تعالى أمرنا بالرجوع إلى الخبراء.. ولا يمكن أن يكون هناك خبراء بلا مخابر.

قال: ولكن الخبير هو الذي يحترم كل من يأتيه.. وينتفع به.. ولا يلغيه لأن عقله لم يدرك ما أتاه به.

***

قال ذلك وانصرف، فبقيت أسير في القاعة وحدي، مدهوشا بما فيها من الخير والجمال، فجأة لاحظت دكانا لا يختلف عما نعرفه من دكاكين، وقد وقف عليه رجل مهيب، ولكنه يرتدي بذلة البقالين، فتعجبت من ذلك، ولم أدر إلا وأنا أقول له بلهجة شديدة: يا هذا.. أتراك أخطأت أم تعمدت الخطأ؟

قال بهدوء: أوضح، فمن الخطأ أن ترمي بالخطأ دون أن تحدده.. ألم تراجع دروس السلام؟

قلت: وهل للسلام علاقة بهذا؟

قال: في أي مرحلة أنت؟

قلت: في السنة أولى ابتدائي.

ضحك، وقال: أنت لا تزال تتعلم الحروف إذن.. فاسمع مني: أنت تبحث عن المتوسمين ليدلوك على وسائل البركة وأسبابها.

قلت: لم تعدو ما في نفسي، ولا أحسبك إلا واحدا منهم.. ولكن كيف تتاجر في مستشفى السلام؟

قال: وهل حرم الله التجارة.. ألم تسمع قوله تعالى:﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (المزمل:20)؟

قلت: بلى، فقد قرن الله تعالى في هذه الآية بين الجهاد والضرب في الأرض.

قال: بل قدم الضرب في الأرض على الجهاد، فلا يمكن للمجاهد أن يجاهد لولا وجود من يضرب في الأرض.

قلت: فهمت هذا.. ولكن ما سر البيع في هذا المستشفى؟

قال: أنا لا أبيع.. ولكني متوسم مختص بالبحث فيما بارك الله فيه من الأغذية.

قلت: أهناك أغذية مباركة بالأصالة؟

قال: أجل.. فمن رحمة الله أن جعل في بعض الأغذية بركة يستفيد منها الجميع.. ولولا هذه البركات لهلكت الأرض ومن عليها.

قلت: أهي في الأغذية؟

قال: هي في الأغذية والأشربة.

قلت: فكيف تعرفها؟.. ألديك تحاليل خاصة تتعرف بها على عناصر البركة؟

قال: البركة لا تعرف بالتحاليل.. بل تعرف بالتوسم من المصادر المعصومة.. فإن كانت لك القدرة على سماعها كانت لك القدرة على اكتشافها.

قلت: أرأيت لو أنك وجدت البركة في غذاء من الأغذية.. ثم أثبت العلم الحديث بوسائله الحديثة ضرره أكنت تتهم البركة، أم تتهم العلم؟

قال: لا يصطدم العقل الصحيح مع النص الصريح.. فإن رأيت افتراقهما بحثت عن أسباب الافتراق.

قلت: فما تجد في العادة؟

قال: أجد أغذية البركة قد حورت وبدلت.. أو أن من نتاولها تناولها مصارعا، ولم يتناولها مسالما.. أو أجد أسبابا أخرى قد عرفتها، وستعرفها.

قلت: فهل تقارن بين ما اكتشفته من أغذية البركة، وبين ما توصل إليه العقل والعلم من ذلك؟

قال: أجل.. فبرفقتي بعض الخبراء.. وهم ملازمون لي لا يفارقوني.

قلت: فهل تتعلم على أيديهم؟

قال: هم يزعمون أنهم يتعلمون على يدي.

قلت: فهل تطعمني من أغذية البركة؟

قال: بل سأعلمك من علومها.. فقد أرسل إلي معلم البركة يطلب ذلك.. ولا مناص لي من طاعته.. ألم يقل الله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء:59)

قلت: فما هي الأغذية التي ستذكر لي بركتها؟

قال: ما ورد في النصوص.. فقد اعتبرنا الأصل في البركة هو ما ورد في النصوص منها.

قلت: فما ورد في النصوص؟

قال: كثيرة، وقد تجتمع في عشرة، وكلها مما أشار إليه القرآن الكريم.

قلت: فما هي؟

قال: المياه، والهواء، والحبوب، والألبان، والتمر، والزيتون، والخضر، والفواكه، والبقول، واللحوم.

قلت: أراك تذكر الماء في الأغذية.. فهل هذا خطأ مطبعي، أم تراها زلة لسان؟

قال: لا هذا.. ولا ذاك.

قلت: فأنت تقصد ما تقول.

قال: أجل.. فالماء هو سيد الأغذية المباركة.. ألم ينص القرآن الكريم على بركته، فقال تعالى:﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً ﴾(قّ:9)؟

قلت: بلى.. فمن أين تبدأ تعليمي أسرار بركات المياه؟

قال: ومن قال لك بأني من يعلمك أسرار بركات المياه؟

قلت: ما هذا ـ معشر المتوسمين ـ لقد ذكرت لي الآن بأن معلم البركة دعاك إلى تعليمي أسرار بركات الأغذية.

قال: ذلك صحيح.. فقد طلب مني، ولا مناص لي من تنفيذ طلبه.

قلت: فقد قررت إذن تعليمي.

قال: لقد قلت لك بأني لن أقوم بتعليمك أنا..

قلت: سلمت لك مع تناقضك.. فمن يعلمني؟

قال: ما ذكرته لك من المعلمين.

قلت: لم أسمعك تذكر معلما عدا معلم البركة.

قال: ألم أذكر لك أسماء الأغذية المباركة؟