الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: النبي المعصوم

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 574

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

حاولت هذه الرواية أن تستعيد (دار الندوة) القرشية برمزيتها التاريخية التي تعني المواجهة والحرب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن تبين أن هذه الدار لم تهدم بعد .. وأنه كان لها وجود على مدار التاريخ .. ثم إن ثلة من الحاقدين أحيوا هذه الدار بمعونة الشيخ النجدي (الشيطان)، وجمعوا فيها ما ورثوه من أسلافهم من شبهات، وأضافوا إليها ما أفرزه حقدهم وبغضهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..

ثم راحوا ينثرون هذه الشبهات في ساحة الحرية، في بلد من البلاد الأوروبية .. لكنهم ووجهوا برجل حكيم عاقل يعرف كيف يجيب على الشبهات بعلمه وأدبه وأخلاقه العالية، فلا يملك أحد الرد عليه أو مواجهته .. وهكذا يرجع كل مثير لأي شبهة من الشبهات خائبا كسيرا إلى أصحابه في دار الندوة.

وعندما يعجزون عن المواجهة العلمية يلجؤون إلى المواجهة بالخداع والمكر والحيلة ..

هذه باختصار أحداث هذه الرواية الحوارية .. والتي تجيب على الشبهات الكثيرة التي أثيرت حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من منطلقات مختلفة، ابتداء بالمنطلقات التي يسلم بها الخصم، ويؤمن بها.

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

أولا ـ خطايا

الخطايا والنبوة

آدم:

نوح:

إبراهيم:

إسحق:

يعقوب:

لوط:

موسى:

هارون:

داود:

سليمان:

الحواريون:

المسيح:

الأدب والخطيئة

شفافية:

قدوة:

ثانيا ـ استبداد

احترامه للرعية

المخالطة:

المشاركة:

المواساة:

الخدمة:

استشارته للرعية

الناحية التوقيفية:

الناحية الاختيارية:

ثالثا ـ استكبار

موقفه من المستضعفين:

حياة المستضعفين:

رابعا ـ استغلال

العفاف:

العطاء:

خامسا ـ خداع

الكذب

الأعداء:

الأتباع:

الواقع:

الغش

الدين:

الواقع:

الاحتيال

شهادة الوحي:

تأخر الوحي:

آيات العتاب:

الشاهد الأول:

الشاهد الثاني:

الكسل

الشاهد الأول:

الشاهد الثاني:

الشاهد الثالث:

الشاهد الرابع:

سادسا ـ أمراض

أمراض عصبية

الصرع الأصغر:

الصرع الأكبر:

الصرع البؤري:

أمراض نفسية

أمراض روحانية

الشيطان:

السحر:

سابعا ـ انطواء

الانفتاح الديني:

الانفتاح الإنساني:

ثامنا ـ تطرف

العقيدة

السلوك

اليسر:

المقاصدية:

المواقف

الحياة

تاسعا ـ حروب

شرعية الحرب

الكتاب المقدس:

القرآن الكريم:

أسباب الحرب

سرية سيف البحر:

سرية رابغ‏:‏

غزة الأبواء‏:‏

غزوة سفوان:

سرية نخلة‏:‏

غزوة بدر:

غزوة بني سليم:

غزوة السويق:

غزوة ذي أمر:

غزوة بحران:

سرية القُردة:

غزوة بني قينقاع:

غزوة أحد:

سرية أبي سلمة‏:

بعث الرَّجِيع‏:

بئر مَعُونة‏:

غزوة بني النضير:‏

غزوة ذات الرّقاع:

غزوة بدر الثانية‏‏:

غزوة دُوَمة الجندل‏:

غزوة الأحزاب:

غزوة بني قريظة:

غزوة بني لحيان:

غزوة ذي قرد:

سرية كُرز بن جابر الفهري:

غزوة خيبر:

سرية مؤتة:

فتح مكة:

غزوة حنين:

غزوة الطائف:

غزوة تبوك:

أخلاق الحرب

دوافع:

وسائل:

عاشرا ـ زوجات

الخاتمة

هذا الكتاب

 

المقدمة

تتناول هذه الرواية الرد العلمي المفصل على الكثير من الشبهات المطروحة على مدار التاريخ حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والوظيفة العظيمة التي كلفه الله بها، سواء كانت تلك الشبهات من رجال الدين أو من المستشرقين أو من غيرهم من أصناف الناس.

وقد  حاولت فيها أن أستعيد (دار الندوة) القرشية برمزيتها التاريخية التي تعني المواجهة والحرب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. وأبين أن هذه الدار لم تهدم بعد .. وأنه كان لها وجود على مدار التاريخ.. ثم إن ثلة من الحاقدين أحيوا هذه الدار بمعونة الشيخ النجدي (الشيطان)، وجمعوا فيها ما ورثوه من أسلافهم من شبهات، وأضافوا إليها ما أفرزه حقدهم وبغضهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

ثم راحوا ينثرون هذه الشبهات في ساحة الحرية، في بلد من البلاد الأوروبية.. لكنهم ووجهوا برجل حكيم عاقل يعرف كيف يجيب على الشبهات بعلمه وأدبه وأخلاقه العالية، فلا يملك أحد الرد عليه أو مواجهته.. وهكذا يرجع كل مثير لأي شبهة من الشبهات خائبا كسيرا إلى أصحابه في دار الندوة.

وعندما يعجزون عن المواجهة العلمية يلجؤون إلى المواجهة بالخداع والمكر والحيلة..

هذه باختصار أحداث هذه الرواية الحوارية .. والتي تجيب على الشبهات من المنطلقات المختلفة، ابتداء بالمنطلقات التي يسلم بها الخصم، ويؤمن بها.

وقد قسمناها كمثيلاتها من الروايات إلى عشرة فصول، تناولنا في كل فصل شبهة كبيرة من الشبه، وهي كما يلي:

الشبهة الأولى: شبهة الخطايا، وهي اتهام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكونه لم يكن معصوما.. وأن القرآن الكريم والسنة المطهرة تقران بكونه كان كذلك.

الشبهة الثانية: شبهة الاستبداد، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في الفترة التي حكم فيها  المدينة المنورة مستبدا متحكما في الرعية لا يسمح لأحد مشاركته في الرأي، ولا في الحكم.

الشبهة الثالثة: شبهة الاستكبار، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان مترفعا على المسلمين، وعلى المستضعفين منهم خصوصا.

الشبهة الرابعة: شبهة استغلال المكانة التي مكنه الله منها في تحقيق حاجاته الشخصية.

الشبهة الخامسة: شبهة الخداع والكذب والغش والاحتيال وغيرها من الشبهات.

الشبهة السادسة: شبهة الأمراض النفسية والعصبية والروحانية.

الشبهة السابعة: شبهة الانطواء، وعدم الانفتاح على المجتمعات والأمم والأفكار والأديان.

الشبهة الثامنة: شبهة التطرف في العقيدة والمواقف والحياة بمختلف مجالاتها.

الشبهة التاسعة: شبهة العنف والإرهاب والحروب.

الشبهة العاشرة: شبهة الزواج من نساء كثيرات.

وقد رددنا بحمد الله على كل هذه الشبهات من خلال الحوار العلمي مع مثيري الشبهات، بل ذكرنا لهم أحيانا من الأدلة ما لم يذكروه إمعانا في بيان قوة الحجج الدالة على عصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد استفدنا في الردود على تلك الشبهات من الكثير من المراجع القديمة والحديثة التي اهتمت بذلك، مع صياغتها صياغة حوارية مبسطة، لأن هدف هذه السلسلة جميعا هو أن تكون مدرسة متكاملة في براهين النبوة ودلائلها، وفي رد الشبهات التي يبثها المبشرون والمستشرقون والمستغربون.. لتجعل من كل مسلم داعية إلى الله، وحاميا يحمي حمى رسوله، ومناظرا ينتصر به الحق، وينهزم به الباطل.

.

البداية

في ذلك الصباح كنت ممتلئا أشواقا للحديث الذي سيحدثني عنه ضيفي الغريب، فقد ذكر أنه سيروي لي رحلته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهي رحلة لا مثلها رحلة.. وهو حديث لا مثله حديث..

فخير ما شنف الأسماع.. وخير ما وعته القلوب.. وخير ما اطمأن إليه الضمير.. وخير ما انطوت عليه الجوانح.. حديث يكون فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ذلك الذي تزينت به الأرض.. واستبشرت به السماء.. وتعطرت به الأكوان.

كنت أسير في غرفتي أنتظر بشغف شديد تلك اللحظات التي أدخل فيها على الغريب، لندخل جميعا إلى حضرة الحبيب، ونقبل تلك العتبات المقدسة التي وطئتها قدماه.

لكني.. وفجأة من غير ميعاد.. أصابني اكتئاب شديد، دونه كل اكتئاب، وحطت علي آلام دونها كل الآلام..

لقد تذكرت تلك الحرب الشعواء التي اجتمع لها كل الشياطين ليشوهوا جمال الشمس التي تتفتح بإشراقتها الأزهار، وتغرد بإطلالتها الأطيار، وتتمسح بأشعتها الأنهار والمحيطات والبحار والأشجار..

تذكرت تلك الأوصاف الكثيرة التي خطط لها شياطين دار الندوة.. فراحوا ـ بكل ما امتلأت به قلوبهم من أحقاد ـ يصفون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالساحر والكاهن والمجنون.. ويصفون الأنوار التي أشرقت بإشراقته بالدجل والخرافة وأساطير الأولين.

ولم يكتفوا بذلك.. بل راحوا يشيعون هذا في كل زمان.. وفي كل مكان.

فتلقفه من أفواههم مبشرون ومستشرقون ومستغربون وملحدون ووجوديون ودهريون.. كلهم صار ينطق بلسان أبي جهل، ويلقي خطب أبي لهب، ويحاكي أساطير النضر بن الحرث..

وتلقفه من هؤلاء رسامون راحوا يسخرون من معلم السلام ليحولوه إلى قائد عصابة.

وتلقفه منهم روائيون راحوا يسخرون من معلم العفاف والزهد ليحولوه إلى زير نساء.

وتلقفه منهم سياسيون راحوا يحولون من معلم العدالة والشورى والحرية ليرسموا بدله صورة نيرون ولينين وأتاترك.

وتلقفه منهم رجال دين، طرحوا وقارهم، ورموا صلبانهم وكتبهم المقدسة، ليحولوا من المعراج الذي يعرج به إلى الله، ومن المرآة التي تتجلى فيها حقائق الأزل، ومن النور الذي يهتدى به.. إلى دجال ينصب الشراك، ويضع الأساطير، ويملأ الدنيا بالكفر والإلحاد والظلمات..

وتلقفه منهم رجال دنيا أصحاب بطون منتفخة.. راحوا يسقطون صور جشعهم وحرصهم واستغلالهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ليحولوا من الزاهد الكريم الراغب في الله إلى حريص بخيل راغب في جيوب الناس.

وتلقفه منهم جامدون راحوا يصفون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجمود..

وتلقفه منهم منغلقون راحوا يصفون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالانغلاق..

وتلقفه منهم مستكبرون راحوا يصفون رسو الله صلى الله عليه وآله وسلم بالاستكبار..

ولا زال المتلقفون يتلقفون.. ولا زالت الأقلام المملوءة بالحبر المدسوس في محبرة النفوس المدنسة يسيل.. ولا زالت الخطب.. ولا زالت الأفواه المنجسة بهجاء الشمس..

لا زال كل هؤلاء.. ولا زال هناك من يمدهم بكل شيء..

وضعت يدي على رأسي.. وقد ركبتني الهموم على هذه البشرية التي لا تتقن شيئا كما تتقن سب الشمس..

بينما أنا كذلك إذا بي أسمع ولدي في الغرفة المجاورة يردد قصيدة لأبي العتاهية، يقول فيها:

أرى الناسَ قد أُعْروا ببغْيٍ وريبةٍ
 

وغيٍ إِذا ما ميزَ الناسَ عاقلُ
  

وقد لزموا معنى الخِلافِ فكلهمْ
 

إِلى نحوِ ما عابَ الخليفةَ مائلُ
  

إِذا ما رَأَوا خَيراً رَمَوهُ بظنةٍ
 

وإِن عاينوا شراً فكُلُّ مناضلُ
  

وإِن عاينوا حَبْراً أديباً مهذباً
 

حَسيباً يقولوا إِنه لمُخاتِلُ
  

وإِن كانَ ذا ذِهْنٍ رَمَوه ببدْعَةٍ
 

وسَمَّوهُ زنديقاً وفيه يُجادلُ
  

وإِن كانَ ذا دينٍ يسموه نَعجةً
 

وليس له عَقْلٌ ولا فيه طائلُ
  

وإن كانَ ذا صمتٍ يقولون صُورةٌ
 

ممثلة بالعَيِّ بل هو جاهلُ
  

وإِن كانَ ذا شرٍ فويلٌ لأمهِ
 

لما عنهُ يَحْكي من تَضُمُّ المحافلُ
  

وإِن كانَ ذا أصلٍ يقولون إِنما
 

يفاخرُ بالموتى وما هو زائلُ
  

وإِن كانَ ذا مَجهولاً فذالك عندهم
 

كبيضِ رمالٍ ليس يُعرفُ عاملُ
  

وإِن كان ذا مالٍ يقولون مالهُ
 

من السُّحْتِ قد رابني وبئسَ المآكلُ
  

وإِن كانَ ذا فقرٍ فقد ذَلَّ بينهم
 

حقيراً مهيلاً تَزْدريهِ الأرذالُ
  

وإِن قنعَ المسكينُ قالوا لقِلةٍ
 

وشحةِ نفسٍ قد حَوَتْها الأناملُ
  

وإِن هو لمك يقنعْ يقولون: إِنما
 

يطالبُ من لم يُعْطهِ ويُقاتلُ
  

وإِن يكسبْ مالاً يقولوا: بهيمةٌ
 

أتاها من المقدور حَظٌ ونائلُ
  

وإِن جادَ قالوا: مُسْرِفٌ ومبذرٌ
 

وإِن لم يَجُدْ قالوا: شَحيحٌ وباخلُ
  

وإِن صاحبَ الغِلْمانَ قالوا: لريبةٍ
 

وإِن أجمعوا في اللفظِ قالوا: مباذلُ
  

وإِن هَوِيَ النسوانَ سموه فاجراً
 

وإِن عَفَّ قالوا: ذاك خُنْثى وباطلُ
  

وإِن تابَ قالوا: لم يَتُبْ، منه عادةٌ
 

ولكن لإِفلاسٍ وما تَمَّ حاصلُ
  

وإِن حَجَّ قالوا: ليس للّهِ حَجَّهُ
 

وذاكَ رياءٌ أنتجتْه المحافلُ
  

وإِن كان بالشطرنجِ والنردِ لاعباً
 

ولاعبَ ذا الآدابِ قالوا: مُداخلُ
  

وإِن كانَ في كُلِّ المذاهبِ نابزاً
 

وكان خفيفَ الرُوحِ قالوا: مُثافلُ
  

وإِن كان مِغراماً يقولون: أهوجٌ
 

وإِن كان ذا ثَبْتٍ يقولون: باطلُ
  

وإِن يَعْتَلِلْ يوماً يقولون: عُقوبةٌ
 

لشَرَّ الذي يأتي وما هو فاعِلُ
  

وإِن ماتَ قالوا: لم يَمُتْ حَتْفَ أنفهِ
 

لمات هو من شَرَّ المآكلِ آكلُ
  

وما الناسُ إِلا جاحدٌ ومُعانِدٌ
 

وذو حَسَدٍ قد بانَ فيه التخاتلُ
  

كان لإنشاد ولدي لهذه القصيدة وقعا طيبا في نفسي.. وكأن الله ألهمه أن يقرأها في تلك الساعة ليسري عني ما أصابني من ألم.

نهضت نشيطا، وقلت: فليقولوا ما يشاءون.. ولينحجبوا بما يشاءون..

دعِ الناسَ لا ترجُ الرضى عنكَ منهم
 

فليس لإِرضاءِ العبيدِ سَبيلُ
  

إِذا كنتَ مِقْداماً يقولونَ أَحْمقٌ
 

وإِن لم تكنْ فظاً يُقالُ ذليلُ
  

وإِن كنتَ جواداً يقولون مُسْرِفٌ
 

وإِن أنتَ لم تُسْرِفْ يقالُ بخيلُ
  

ولا تتهيبْ شرَّ ما أنتَ حاذٌق
 

ولا تترقبْ خيرَ ما أنت آملُ
  

فخوفُكَ لا يقصي الذي هو قادمٌ
 

وشَوْقُكَ لا يُدْني الذي هو راحلُ
  

لكن الحزن عاد من جديد.. ولكن لا على هؤلاء.. ولا على الحبيب الذي أشرقت به الأكوان، وتعطرت به الأزمان.. فهو كالبحر لا تكدره الدلاء.. وإنما على أولئك البسطاء الذين لم يتح لهم أن يسمعوا إلا للأصوات المكدرة بسب الحبيب، ولم يتح لهم أن يقرأوا إلا ما يحجب عنهم الشمس التي لا حياة لهم إلا بها.

في غمرة تلك الأحزان التي ألمت بي، ولم أجد ما يرفعها عني سمعت صوت الغريب يناديني.. فأسرعت أحث خطاي إليه.. وفي وجهي من الكدورة ما لم أستطع أن أمسحه.

لما رآني، وتفرس في وجهي تلك الكدورة، قال: ما بالك.. لقد حسبتك مشتاقا إلى الأحاديث التي سنتحدث عنها في رحلتنا إلى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: أجل.. ومن لا يفرح بالحديث عن الحبيب.

قال: فما بال الحزن يكسو وجهك!؟

قلت: لقد تذكرت أبا جهل وأبا لهب..

قال: لقد دفنا في طي النسيان.. ولم يبق إلا الحبيب الذي اشتغلا بسبه.. فتحقق بذلك تأويل قوله تعالى:﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (الكوثر:3)

قلت: لكن الأمر لم يقتصر عليهما.. ولا على من عاصرهما.. لقد ولد في كل جيل من الأجيال من يخلفهما في الوظيفة القذرة التي تولوها.. ألم تسمع بسلمان رشدي.. أو برسامي الرسوم الكاريكاتورية.. أو أولئك الذين ملأوا مدرجات الجامعات بمحاضرات تلبست بلباس العلم لتصور الشمس بصورة المستنقعات والسموم والقمامات.. أو أولئك الذين تركوا سماحة المسيح ونور المسيح ومحبة المسيح ليشتغلوا بسب محمد!؟

قال: لقد سمعت بهم.. بل كنت في يوم من الأيام أمارس هذه الوظيفة القذرة.. وأنت تعلم قصتي..

شعرت بالحياء من ذكري لهذا، فقلت: أعتذر إليك.. لم أكن أقصدك، فأنت أرفع شأنا.. ولكني أقصد أولئك الذين لا يبالون بما يقولون، ولا يندمون على ما يقولون، ولا يرجعون عما يقولون.

قال: فهم لا يؤذون إلا أنفسهم..

قلت: بل يؤذون غيرهم.. فما ذنب أولئك البسطاء الذين لم يسمعوا إلا خطبهم، ولم يقرأوا إلا كتبهم، ولم يتفرجوا إلا على صورهم؟

قال: أصدقك القول.. من صدق وجد.. وقديما قال أولياء الله: جد صدقا، تجد مرشدا.

قلت: ما تقصد؟

قال: الحق عزيز.. فلذلك توضع في طريقه العقبات.

قلت: لم؟

قال: ليتميز الصادق من الكاذب، والمخلص من المنافق، والراغب من النافر.. ألم تسمع قوله تعالى، وهو يشير إلى هذه السنة من سنن العدالة الإلهية:﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (العنكبوت:2 ـ 3)؟

قلت: أعلم أن الفتن هي نار الله الحارقة التي يتميز بها الخبيث من الطيب.. وأنها أسئلة الاختبار التي يفلح المكلف على أساسها أو يخسر.. وأنها المقياس الذي يحدد أنواع القلوب وطبائعها.

قال: فلذلك كان لابد لتمييز الطيب من الخبيث من الفتنة.. والذي ينكر الفتن كالذي ينكر الامتحان نفسه، لأنه لا امتحان بدون أسئلة.

ولهذا كانت الفتن هي المحددة لحقيقة الإنسان كما قال تعالى على لسان نبيه موسى:﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء (لأعراف:155)، فالفتن حسب هذه الآية، وحسب ما ورد في النصوص المقدسة ليست شرا محضا، بل هي خير محض لمن عرف كيف يتعامل معها، كما أن أسئلة الامتحان خير محض لمن أتقن الإجابة عليها.

قلت: لقد ذكرتني بما روت أم سلمة قالت:(استيقظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة، فقال:(سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن؟.. وماذا فتح من الخزائن؟.. أيقظوا صواحب الحجر فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)

قال: أرأيت.. لقد جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث بين الفتن والخزائن، ولم يحدد الحديث نوع الخزائن المفتوحة لتشمل جميع ما يتصور من خزائن الثواب والعقاب، ولهذا دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى إيقاظ أصحاب الحجر اغتناما لفرصة هذه الفتن لنيل أكبر نصيب من الثواب.

ارتدت إلي نفسي، وتلك الظلمة التي كانت تملأ علي جوانحي، فصحت بلسان الاعتراض من غير شعور: ولكن لم!؟

قال: أرأيت تلك الإعلانات التي تعلنها جهات متعددة عن فتح مسابقات ترفع الناجح فيها إلى ما تهفو إليه نفسه من مناصب ودرجات؟

قلت: أجل.. وكم رأيت الأبصار تتطلع إليها؟

قال: ألا تحوي تلك المسابقات على ما تتيه العقول في فك ألغازه.. أم تراها تأتي وحلها معها؟

قلت: لو كان الأمر كذلك ما كانت المسابقة مسابقة.. ولما كان الامتحان امتحانا.

قال: فهكذا الفتن.. إنها نوع من تلك المسابقات.. ليتميز الصادق فيها من الكاذب.. ويتميز المحب المخلص من المنافق الدجال.. ويتميز بائع نفسه لله من بائعها للشياطين.

قلت: فهل لهذا صلة بذاك؟

قال: أجل.. فلو رأى الناس.. جميع الناس.. الحقائق بصورتها الكاملة التي يشتهونها ما بقي أحد في الدنيا إلا وتعلق بها.

ثم التفت إلي، وقال: هل تراهم يختلفون في التنافس على الحسناء التي تسفر عن كل جمالها؟

قلت: لا شك أنهم لا يختلفون.

قال: ولكنها إن حجبت بعض محاسنها.. أو ظهرت بصورة قد لا ترضي أهواءهم تراهم يرغبون عنها.. بل قد يرمونها بالحجارة.

قلت: أجل.. فلا يبقى عند الامتحان إلا الصادقون.. وقد سبق أن قال الشاعر يعبر عن هذا:

وفي الأحبابِ مختصٌ بوَجْدٍ
 

وآخرُ يدعي معها اشتراكا
  

إِذا اشتبكَتْ دموعٌ في خدودٍ
 

تبَّينَ من بَكَى ممن تَباكا
  

قال: فطبق هذا المثال على الفتن التي فتن الله بها عباده ليمحص الصادقين من الكاذبين والطيبين من الخبيثين.

قلت: علمني كيف أطبق هذا المثال.. فلا زلت أرى الحقائق ولا أعيشها.

قال: أترى من العجب أن يتخذ الله بشرا رسولا يجعله واسطة بينه وبين عباده ليكون سفيرا يوصل لهم حقائق الأزل؟

قلت: لا أرى عجبا في ذلك.. فلا يمكن أن يصبح كل البشر رسلا.. ولو أصبحوا كلهم رسلا لما بقي هناك تكليف.

قال: ولكن هذا كان فتنة لكثير من الناس.. لقد عموا عن كمالات الرسل بشيء توهموه عيبا، وهو كون الرسول بشرا مثلهم.

قلت: لقد ذكر الله تعالى هذا عن أقوام من الناس منذ بدأ الناس، فقد حكى الله تعالى عن قوم نوح ذلك، فقال:﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)(هود)

قال: فبم أجابهم نوح؟

قلت: لقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال:﴿ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (هود:28)

قال: فقد اعتبر أن ما حصل له من فضل الله رحمة من الله.. ولكنها عميت عليهم.. أو أنهم عموا عنها.. لأنهم احتجبوا بمظاهر البشرية عن خصائص الخصوصية.

إنهم يشبهون تلك الحسناء الجميلة التي قد تتنقب بنقاب لا يرضاه المغرورون، فيحجبون بالنقاب عن الجمال الذي تغير منه الشموس.

قلت: ولكن هناك من يقبل أن يكون البشر رسولا؟

قال: لله من الحجب ما لا يمكن لعقل أن يدرك منتهاه.. فمن لا يحجب بالبشرية قد يحجب بالعنصرية التي حجب بها اليهود وقومنا حين زعموا أن الله لا يحق له أن يتخذ رسولا من غير بني إسرائيل.

قلت: فمن لا يحجب بهذا؟

قال: قد يحجب بالبساطة التي كان يعيشها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. حين كان يأكل كما يأكل الناس، ويتسوق كما يتسوق الناس.

قلت: صحيح ذلك.. فقد حجب أقوام بهذا، كما قال الله تعالى:﴿ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) (الفرقان)

قال: فقد حجب هؤلاء بمسير رسولهم في الأسواق، أو بأكله للطعام.

قلت: هناك كثيرون لا يحجبون بهذا.. بل يعتبرونه من الكمالات.. فالبساطة تقرب المرء من الناس.. فيشعر بما يشعرون.. ويعيش ما يعيشون.. فإذا تكلم تكلم عن بينة.. وإذا دعا دعا عن بصيرة.

قال: ولكن هؤلاء أيضا قد يحجبون.

قلت: فما الذي يحجبهم؟

قال: ألم أذكر لك أن لله من الحجب ما له من الأبواب.. بل إن كل باب من الأبواب حجاب من الحجب.. فمن انفتح له الحجاب جاوز الأبواب.. ومن لم ينفتح له الحجاب أغلقت في وجهه الأبواب؟

قلت: صدقت.. وقد ذكرتني بقوله تعالى:﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً (الاسراء:60)

فمع أن هذا الإخبار لا يحوي أي غرابة بالنسبة للعقل الذي يعلم قدرة الله التي لا تحدها الحدود إلا أنه كان فتنة كبيرة للعقول البسيطة المحدودة، وقد روي أنه لما لما نزلت الآيات التي ذكرت شجرة الزقوم([1]) قال كفار قريش:(ما نعرف هذه الشجرة، فقدم عليهم رجل من إفريقية فسألوه)، فقال:(هو عندنا الزُبد والتمر)، فقال ابن الزبعري:(أكثر الله في بيوتنا الزقوم)، فقال أبو جهل لجاريته:(زقمينا) ؛ فأتته بزبد وتمر، ثم قال لأصحابه:(تزقموا؛ هذا الذي يخوفنا به محمد؛ يزعم أن النار تنبت الشجر، والنار تحرق الشجر)

قال: ومثل هذا الفتن الكثيرة التي تجعل من الحقائق شبهات عظيمة ينظر إليها الغافلون بأعينهم المحجوبة عن الحق، فلا يرون إلا الظلمات.

قلت: أبهذا تبرر وجود الفتن التي تقف العقول دون إدراك أسرارها؟

قال: أجل.. ولكن هذا ليس تفسيري.. بل هو تفسير الله.. فالله هو الذي يختبر عباده ليتميز الخبيث من الطيب.. لقد ذكر الله ما فتن به ثمودا، فقال:﴿ إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (القمر:27)

فقد كانت الناقة التي عمقت إيمان المؤمنين فتنة للجاحدين.. فتميز الخبيث من الطيب.

قلت: فالاختبار واحد إذن..لكن المؤمن يستقبله استقبال الطيبين، والكافر يستقبل استقبال الخبيثين!؟

قال: أجل.. وقد ذكر الله تعالى ذلك، منبها عباده إلى هذه الأنواع من الفتن، حتى يدخلوا كل شيء عن بينة، قال تعالى:﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (الحج:11)

قلت: لقد ذكرتني بقوله تعالى عن عدة الملائكة:﴿ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (المدثر:31)

فقد أخبر الله تعالى أن في إخباره عن عدد الملائكة الموكلين بجهنم كان فتنة للخلق، وكان تأثير هذه الفتنة مختلفا على حسب قابلية كل شخص وتعامله مع إخبارات الله.

أما المؤمنون فزادتهم إيمانا إلى إيمانهم، وعرفوا أن قدرة الله التي لا يعجزها شيء لا تعجز عن مثل هذا، بل اعتبروا هذا من دلائل القدرة التي تزيدهم إيمانا إلى إيمانهم.

أما السطحيون البسطاء في تفكيرهم الغارقون في أوحال التشبيه، فاعتبروا ذلك سندا شرعيا لكفرهم.

وقد ورد في السيرة ذكر بعض آثار هذه الفتنة على الكافرين، قال ابن عباس:(لما نزل قوله تعالى:﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (المدثر:30) قال أبو جهل لقريش:(ثكلتكم أمهاتكم! أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدهم - أي العدد - والشجعان، فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم!)

وقال أبو الأسود بن كلدة الجمحي:(لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة، وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنة) ؛ يقولها مستهزئا.

وقال آخر:(أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين)

وقال آخر:(أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟)

قال: فقس هذا على كل ما ذكره أحفاد أبي جهل وأبي لهب..

قلت: أمر هؤلاء أخطر بكثير..

قال: وما خطره؟

قلت: لم يكن لأبي جهل قناة فضائية، ولم يكن لأبي لهب موقعا إليكترونيا، ولم يكن لهما ولا لغيرهما ما لأهل عصرنا من الطاقات التي تحتار فيها الشياطين.

قال: ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا لمحبيه في ذلك الوقت شيء من ذلك..

قلت: ماذا تقصد؟

قال: إن عدل الله الذي وضع الحجب حتى لا يدخل دار الطيبيبن إلا الطيبون صحبته رحمة الله.. فلذلك لم يترك للشر المجال وحده.. بل وضع مع الشر خيرا كثيرا لينسخه ويمسخه.. فمن التفت إليه غلب خيره شره، ومن لم يلتفت إليه حجب بالشر عن الخير.

قلت: ولكن الحملة في عصرنا شعواء.. والحرب مريرة.. لقد وضعوا أطهر خلق الله في قفص الاتهام.

قال: هم لا يفعلون إلا ما فعله المشركون والكفار في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي كل زمان.. ألم يحك الله عن المشركين تلك الشبهات الكثيرة التي طرحوها ووضعوا الخطب الطويلة في إثباتها؟

قلت: بلى.. فقد قال تعالى:﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (التوبة:61)

وقال تعالى:﴿  أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (يونس:2)

وقال تعالى:﴿  فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ (هود:12)

وقال تعالى:﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (الحجر:6-15)

قاطعني، والدموع تفيض من عينيه قائلا: أرأيت.. إن ربي يخاطبني، ويخاطب كل تلك الجموع التي راحت تشوه الحقائق التي نطقت بها كل دلائل الأكوان.. إن هؤلاء الجاحدين لو فتحت لهم أبواب السماء.. فعرجوا إليها.. ورأوا جمالها.. لارتدوا يكذبون أبصارهم .. ويكذبوا الحقائق التي رأوها رأي العين.

قلت: نعم.. فمع أن حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تمثل قمة الزهد وقمة العفاف نجد من قومنا من يرمونه بالجاري وراء شهواته.. وهو الذي لم تستقر به أرض.. وهو الذي تفطرت قدماه من السجود.. واغبرتا من السير في سبيل الله.. وأدميتا من الأذى في سبيل الله.

وهو الذي عصب الحجر على بطنه من الجوع.. ولم يعرف الفنادق التي يعرفونها، ولا الليالي الحمراء التي يعيشونها.. فليله قيام، ونهاره جهاد وصيام وطاعة تقصر عنها الجبال.

قال: إن الشياطين التي تملأ عليهم قلوبهم حجبتهم عن كل ذلك.. فلم يروا إلا زوجاته..

قلت: ولكن ألا ترى في ذلك فتنة؟

قال: قد أخبرتك بأن الله تعالى جعل من حكمته اختبار عباده بمثل هذه الفتن.. ألم تسمع قوله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمر زينب بنت جحش، فقد قال له معاتبا:﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً   (الأحزاب:37).. أتدري لم خشي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

قلت: لقد خشي على أن يفتن قومه، فيقولوا: تزوج ببنت متبناه.

قال: ولكن الله تعالى نهاه أن يخضع لتلك المخاوف.. لأن الله تعالى هو واضع الأسئلة.. وليس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا البلاغ.

قلت: لقد وعيت هذا.. فبورك فيك.. ولكن ألا يستطيع هؤلاء المحجوبون بهذه الفتن أن يحتجوا يوم القيامة في محكمة العدل التي لا تضيع مثاقيل الذر؟

قال: فما يقولون؟

قلت: يقولون: يا ربنا.. لو أن نبيك لم يتزوج تسعة نساء.. ولم يغز بضعا وعشرين غزوة.. لكنا اتبعناه.

قال: فهل ترى في هذا حجة؟

قلت: هم يتصورون بينهم وبين أنفسهم أن في ذلك حجة.

قال: ليس الشأن في تصوراتهم.. بل الشأن في الحقيقة.. فالمتهم قد يرى نفسه بريئا.. ولكن الحقائق والبينات التي لدى القاضي هي التي تحدد البريء من المجرم.

قلت: فهل على هؤلاء أن يسحبوا اتهاماتهم حتى يتبصروا الحقائق؟

قال: إنهم إن لم يسحبوها بنور الحقائق.. فسيقفون يوم القيامة في تلك المحكمة التي لا تسمع إلا الحقائق.. ليقال لهم: إن الله الذي بعث محمدا.. أيده بكل تلك المعجزات.. ونصره كل ذلك النصر.. وأنطق كل الحقائق لتدل عليه.. هو الذي أباح له.. بل هو الذي أمره أن يتزوج بأولئك النسوة.. وأن يغزو تلك الغزوات.. فهل ستراهم يخاصمون الله؟

قلت: لا يمكنهم ذلك فالله:﴿ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (الانبياء:23)

قال: ومع ذلك.. فإن الله ـ بعدله ـ لو سألوه لأجابهم.. ولقال لهم: ألا ترون حكامكم يسلمون قصورا خاصة.. وتتاح لهم حصانة خاصة.. وتعطى لهم من الصلاحيات ما لا يعطى لغيرهم.. ثم ترون كل ذلك طبيبعيا لا شبهة فيه؟

قلت: لا شك أنهم يجيبون بالإيجاب.. فكل حكام العالم.. وكل ملوكه.. لهم ما وصفت.. بل لهم من الدنيا ما لم تر عين، أو تسمع أذن، أو يخطر على قلب بشر.

قال: فلم يحجرون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يزوجه الله من يشاء ومتى يشاء؟

سكت، فقال: إن العقول هي التي تحاسب.. ولذلك ستواجه بأنواع الحجج.

قلت: أترى المنطق الذي نعيش به في الدنيا هو نفسه الذي يحكم أحكام الآخرة؟

قال: أجل.. فالله هو الذي وضع برامج العقول.. وهي برامج لا تتخلف، فلا تبديل لكلمات الله.

قلت: فأنت ترى أن يخاطب هؤلاء بالعقل..!؟

قال: بالعقل المؤيد بالنقل.. لتقام عليهم الحجة.. ثم هم بعد ذلك وما يشاءون.. إن شاءوا أن يحكموا عقولهم.. وإن شاءوا حكموا الشياطين التي تملي على عقولهم كيف تفكر.

***

ما وصل الغريب من حديثه إلى هذا الموضع حتى شعرت براحة تملأ أقطار نفسي.. ولكن سرعان ما شعرت بالألم يعتريني من جديد.. فقد كنت أبحث عن فك رموز الشبهات.. وكنت ـ كعهدي بنفسي دائما ـ لا يقنعني الإجمال.. فلا يرضي همتي إلا التفاصيل التي أتبصر بها الحقائق.

طالع الغريب ـ بما أعطاه الله من بصيرة ـ ما في نفسي، فقال: أعلم ذلك.. أنت تحب التفاصيل.. ولا يقنعك الإجمال.

قلت: لقد آتاك الله فراسة.. ولكني مع ذلك لن أشغلك عن حديثك عن رحلتك إلى الإسلام.. فلندع هذا الموضوع إلى نهاية رحلتك إلى شمس محمدصلى الله عليه وآله وسلم .

قال: بل هذه هي مقدمة هذه الرحلة.. فرحلتنا اليوم إلى (النبي المعصوم).. ولا يصلح مقدمة لهذا إلا هذا.. ولا يجيب عن شبهاتك إلا رحلتي هذه.. فقد كنت ممتلئا شبهات تضيق بها أركان نفسي.. وكنت في بيئة لا تنفخ في نفسي إلا شياطين الشبهات.

قلت: فهل وقاك الله شرها؟

قال: أجل.. ففضل الله واسع.. وقد كنت كلما محوت شبهة حل محلها نور وشعاع جديد من أشعة شمس محمدصلى الله عليه وآله وسلم .

قلت: فكيف بدأت رحلتك؟.. وهل التقيت في بدايتها معلمي (معلم السلام) كما تعود أن يلتقي به من يحدثني؟

قال: أجل.. ولكن قبل ذلك حصلت أحداث.. سأحكي لك ما نحتاج إليه منها في رحلتنا هذه.

***

 اعتدل الغريب في جلسته، وحمد الله، وصلى وسلم على نبيه، ممتلئا في كل ذلك خشوعا ووقارا ملأني منه هيبة، ثم قال: ذات يوم دخلت إلى غرفتي فإذا بي أجد أخي يطالع دفتري الذي وضعته عن القلوب التي تعلقت بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.. لكنه ما إن رآني حتى أسرع، فأغلقه، ثم قال لي: هذا دفتر مهم.. وقد أوحى لي نظري فيه مشروعا.. إن حققناه بنجاح، فسيتاح للمسيحية من الانتشار ما لم يتحقق لها في جميع تاريخها.

قلت: المسيحية تنتشر بقوة.. ولا تحتاج إلى أي مشاريع.

قال: ذلك صحيح.. ولكنها تنتشر ببذل المال([2]) .. وهي بذلك قد أصبحت عبئا ثقيلا على المحسنين.

قلت: هل تريد أن تنشرها بغير مال.. إن ذلك مستحيل؟

قال: وما وجه الاستحالة؟

قلت: أنت تعلم وجوه الاستحالة.. وقد جرب غيرنا من قبل ما ذكرته، فلم نحصل على شيء.

قال: ولكن الإسلام ينتشر من غير مال.. بل إنه ينتشر بقوة.. انظر ما كتبته هذه الجريدة من إحصائيات.. وما علقت عليها من تعاليق.

نظرت.. فوجدت فيها (في بريطانية يعتنق الإسلام أكثر من خمسة آلاف بريطاني كل عام.. وفي فرنسا بلغ الذين اعتنقوا الإسلام حتى الآن أكثر من 400 ألف فرنسي.. وفي الولايات المتحدة بلغ عدد المسلمين السود والبيض أكثر من مليونين.. وفي اليابان تجاوز الذين اعتنقوا الإسلام 15 ألف ياباني في عامين)

ثم رأيت تعقيبا على هذه الإحصائيات يقول: (وفق دراسات مركز (رصد العقائد) في مدينة (برن) بسويسرا فإن الإسلام أكثر الأديان انتشارا في العالم.. وهذه الحقيقة قد أكدها دارسو الأديان، فالباحثة الكهنوتية الأمريكية كارول أنوي تقول: (الإسلام هو أسرع الأديان انتشاراً في أمريكا الشمالية)([3])، والدكتور هستون سميث يقول:(إن الإسلام في هذا العصر كما في العصور السابقة أسرع الأديان إلى كسب الأتباع المصدّقين)([4])، والمبشر جون تكل يقول:(الإسلام آخذ في الانتشار رغم أن الجهود التي تبذل في سبيله تكاد تكون في حكم العدم)([5])

فإذا علمنا أن الإسلام ينتشر بجهود فردية مبعثرة، وأنه لا يرصد في سبيله إلا نسبة ضئيلة جداً مما يرصد للتبشير بغيره من الأديان، إذا علمنا هذا علمنا يقيناً مدى الصدق الذي تحمله الصرخة البائسة التي أطلقها لورنس براون حين قال:(الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام، وفي قدرته على التوسع، وفي حيويته، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار)([6]).. وأطلقها مثله المستشرق هاملتون جب حين قال: (إن أخطر ما في هذا الدين أنه ينبعث فجأة دون أسباب ظاهرة، ودون أن تستطيع أن تتنبأ بالمكان الذي يمكن أن ينبعث منه)([7])

أغلقت الجريدة، ثم نظرت إليه، وقلت: فأنت تريد أن تنتشر المسيحية بهذا الأسلوب..!؟

قال: وما الذي يمنعنا من ذلك؟

قلت: كل شيء يمنعنا من ذلك.. وأنت تعلم كل ذلك.. فكتابنا المقدس يختلف كثيرا عن كتابهم.. وليس في عقيدتنا من اليسر والوضوح والقوة ما في عقيدتهم.. وليس في شريعتنا ما في شرائعهم.

قال: ولكن المسيح لنا ومعنا.. وهو يغنينا عن كل ذلك.

قلت: وهم يؤمنون بالمسيح كما نؤمن به.. بل ويقدرونه أعظم من تقدير عوامنا وخواصنا له.

قال: وتلك ميزة تيسر علينا الدخول عليهم.. فسندخل عليهم من المسيح الذي يحبونه لنمحو من أذهانهم اسم (محمد)

لست أدري كيف شعرت بألم شديد، وهو يذكر محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الأسلوب.. لقد اكتشفت في تلك اللحظة أن البذور التي نبتت منها محبة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد غرست في قلبي.. فلذلك آلمني ما قاله أخي.. لكني أمسكت لساني عن أن ينكر عنه ما قال.

قلت: فكيف نمحو اسم (محمد) الذي استقر في ضمائرهم، وامتلأت به جوانحهم؟

قال: بما يمحو به السياسيون بعضهم بعضا.

قلت: السياسيون يمحو بعضهم بعضا بالفضائح..

قال: فلنمارس هذا الأسلوب مع محمد.. إن محمدا ينال أكثر أصوات الناخبين، ليزاحم مسيحنا المقدس.. وإخلاصنا للمسيح يقتضي أن نمارس كل الأساليب حتى نحطم أخطر جبل يقف في وجه المسيحية.

قلت: ولكنا إن فعلنا ذلك وقعنا في كذب كثير.. ولم تعد لنا قداسة الأحبار.

قال: ومن ذكر لك بأن الذي يقوم بذلك نحن؟

قلت: ومن يقوم به؟

قال: هذا ما جئت لأحدثك عنه.. وهذا هو المشروع الذي لو قدر له أن ينجح، فسيكون فتحا عظيما في المسيحية لم يحصل مثله من قبل.

قلت: لم أفهم ما الذي ترمي إليه.

قال: ألا ترى الأحزاب الضعيفة كيف تتحالف، ثم كيف تتضخم مع ضعفها لتقضي على كل المنافسين؟

قلت: ذلك في السياسة ونحن في الدين.. وفي السياسة من التلاعب ما ليس في الدين.

قال: كل شيء سياسة..

قلت: فما السياسة التي تريد أن نمارسها لنوقف زحم الإسلام؟

قال: تشويه (محمد)..

لست أدري كيف نهضت من مكاني، وصحت في وجه أخي بقوة: لا.. لا.. ذلك ليس ممكنا.. لا ينبغي أن نفعل هذا.. إن كل شيء سيلعننا إن فعلنا ذلك.. إننا سنتحول إن فعلنا ذلك إلى شياطين أهل الندوة.

تعجب أخي من موقفي، وقال: ما بالك.. أراك تدافع عن محمد؟.. أرى سهام المسلمين المسمومة قد أثرت فيك؟

ارتدت إلي نفسي، فقلت: لا.. أنت لم تفهم موقفي.. لا يمكننا ـ ونحن في هذه المرتبة الرفيعة ـ أن نفعل هذا.

قال: صدقت في هذا.. وهذا ما خططت له.

قلت: أرحني بذكر مخططك.. ولا تكثر من المقدمات.

قال: لقد فكرت في إجراء تحالف قوي مع كل من يبغض محمدا صلى الله عليه وآله وسلم سواء كان مسيحيا أو ملحدا.. حتى لو كان يكره المسيحية، ويكره المسيح، فيمكننا أن نتحالف معه لنقضي على (أسطورة محمد)

قلت: فكيف يتم هذا التحالف؟

قال: بأن نتفق جميعا فيما نقول، وفيما نفعل.

قلت: لا زال الجميع يسبون محمدا.. فما ميزة المشروع الذي جئت به؟

قال: التحالف.. فبالتحالف يصير الضعيف قويا، والجبان شجاعا..

قلت: ومن ترى أنه سيتحالف معك؟

قال: الجميع.. كلهم سيمدون أيديهم سواء كانوا ساسة أو اقتصاديين أو فلاسفة.. كل أصناف المجتمع يمكنها أن تمد يدها إلينا.

قلت: فهل أخبرت المسؤولين عن عزمك هذا؟

قال: لا يمكنني أن أخبرهم عنه إلا بعد أن ينجح..

قلت: كيف تعرف أنه نجح أو لم ينجح؟

قال: لقد كنت منذ مدة طويلة ـ بل في جميع فترات غيابك ـ أخطط لهذا، وقد كسبت عشرة رجال من مختلف المشارب، وكلهم يلبس عباءة بغض محمد.. وسنستثمرهم لنبدأ هذا المشروع.

ابتسمت ساخرا، وقلت: عشرة!؟.. أتريد بعشرة رجال أن توقف زحمم الإسلام، وتشوه شخص محمد!؟.. إن لدينا أساطيل من الجيوش.. وكلها لم تطق، فكيف يطيق عشرة.. أم أنك ستزود كل واحد منهم بقوة (السوبرمان) ليتمكن من غسل جميع أدمغة المسلمين.

قال: أنت إلى الآن لم تفهمني..

قلت: فاشرح لي..

قال: هذا مشروع.. وكل مشروع في الدنيا يعتمد عينة.. ثم تعمم أحكام العينة على الجميع بعد ذلك.

قلت: فأنت تريد أن تختبر مدى صلاحية مشروعك بهؤلاء العشرة؟

قال: لقد فهمتني الآن.. فلا يمكنني أن أطرح هذا المشروع إلا موثقا بالبينات والإحصائيات.. ألا تعلم أنا لم نعد نعتمد الأساليب التي مارسها أسلافنا..

قلت: فكيف تسجل البينات؟

قال: بكل أنواع التسجيل.. التسجيل الإحصائي وبالصور.. بل بالكاميرا أسجل كل ما سيحصل.. وسنرى من تحليلنا لما نراه ما ينبغي أن نفعله.

قلت: إن هذا يحتاج أموالا..

قال: إن وظيفتي هنا ترتبط بهذا.. ولي ميزانية خاصة لا أسأل فيها عما أصرفه من أموال.. ولكني مع ذلك لن أصرف شيئا.. فقد ذكرت لك أني أريد أن أوقف زحف الإسلام من غير مال ولا سلاح.

قلت: فهل سنذهب إلى أدغال إفريقيا لنفعل ذلك؟

قال: أهل إفريقيا يروننا خبزا قبل أن يرونا كنيسة.. ولذلك لن نذهب إليهم.. ولا إلى جميع فقراء العالم.. بل لن نخرج من أوروبا..

قلت: أوروبا لن تحتاج إلينا.. فأهلها مسيحيون.

قال: سنذهب إلى أولئك الذين باعوا المسيحية بالإسلام.. وانتخبوا محمدا بدل المسيح.

قلت: فماذا نقول لهم؟

قال: لقد ذكرت لك أن مشروعي يهدف إلى استخدام كل الطاقات وجمعها لتتحول وجهة واحدة هي رمي محمد بالفضائح التي تحول القلوب عنه.. ولهذا سنذهب إلى هؤلاء.. أو ستذهب هذه الطاقات إلى هؤلاء لتريهم من صور محمد ما لم يروا.. وتسمعهم من أخبار محمد ما لم يسمعوا.

***

في ذلك المساء..

خرجت إلى الغابة.. وهناك استلقيت على عشبها، وفي قلبي آلام لست أدري سببها.

نظرت إلى السماء الزرقاء الجميلة.. ونظرت إلى أشعة الشمس الحنون وهي تسقي الحقول والأزهار والمياه.. وقلت لنفسي: يا ترى كيف تكون الدنيا لو وضعت الحجب على الشمس.. هل ستتفتح الأزهار.. وهل ستغرد الأطيار.. وهل ستبقى الألوان الجميلة التي يكتسي بها الكون!؟

بينما أنا كذلك إذا بي أسمع صوت صاحبك (معلم السلام)، وهو يقول: الشمس أقوى من أن تحجبها الأكف المشلولة.

قلت: أنت!؟.. ما الذي جاء بك إلى هنا؟

قال: الذي جاء بك إلى هنا.

قلت: الهم هو الذي جاء بي إلى هنا.. فقد قدر لي أن أعيش مع من لا شغل له غير سب الشمس، ووضع الحجب عليها.

قال: فقد أريد لك إذن أن ترى من الشمس ما لا يرى غيرك.. فأبشر.

قلت: كيف تبشر المتألم الحزين؟

قال: في كل شيء وضع الله الحزن والسرور.. فكل شيء يمكنه أن يملأك حزنا، وفي نفس الوقت يملؤك سرورا.

قلت: هذا تناقض.. فالحزن والسرور متناقضان لا يلتقيان إلا إذا التقى الخطان المتوازيان.

قال: هما لا يلتقيان.. ولكنهما يسيران في اتجاه واحد.. وهذا كاف لالتقائهما.

قلت: لم أفهم.

قال: أخبرني ما الذي يحزنك لأدلك على مواضع السرور فيه.. فيستحيل أن يكون هناك شيء محزن دون أن يضع الله فيه ما يملؤك سرورا.

قلت: فنلجرب ما تقول.. أنا حزين لأن أخي التوأم يريد أن يشوه الشمس.. وهو يطلب مني أن أشاركه في هذا.. وقد عقد لذلك حلفا شيطانيا أخاف على نفسي من لعناته.

قال: فأبشر..  فقد أراد الله أن يريك من جمال الشمس ما لم تكن ترى، ويعلمك من علومها ما لم تكن تعلم.

قلت: لم أفهم.

قال: إن أخطر ما يصاب به البشر هو الغفلة.. فالغفلة تعني احتقارك للأشياء وعدم شعورك بها.. فلذلك ينبهنا الله بالآلام والأحزان ليزيح عنا الغفلة..

نظر إلى عيني فوجدهما لا زالتا تبحثان عن تفسير، فقال: هل كان يمكن لك أن تعلم جمال الصحة لو لم تر آلام المرض؟

قلت: صحيح ما ذكرت.. فالصحة تاج على الأصحاء لا يراه إلا المرضى.

قال: وقد يراه الأصحاء إذا شفوا من أمراضهم.

قلت: صحيح ذلك.. فما علاقته بهذا؟

قال: إن ما ذكرت لي من هذا التحالف لا يختلف عن الفيروسات والجراثيم التي تغزو الأجسام لتنهك صحتها.. لكن الجسم القوي سرعان ما يقاومها.. فيكتسب بمقاومتها مناعة وصحة.

قلت: ولكنه قد يضعف.. فتقتله.

قال: لا خير في جسم ضعيف.. فلذلك لا تحزن عليه.. واطلب جسما أقوى.

قلت: فهمت.. لا ينبغي أن أفر إذن..

قال: إنك إن فررت تكون قد فررت من نفسك.. فليس في الخارج إلا صدى نفسك..

قلت: صدقت.. إني بيني وبين نفسي تعتريني شبه أجتهد اجتهادا مؤلما في صرفها.

قال: أنت تفر منها.. ولا يمكنك أن تفر من شيء يسكنك.. لأنها إن خرجت من قلبك ووعيك سكنت محلا من عقلك.. وما سكن محلا من عقلك يوشك أن تسقيه الأيام قوة ليسيطر على كل عقلك.

قلت: بدأت أفهم.. نعم.. صحيح ما تقول.. فما في الخارج صدى لما في نفسي.. إن نفسي تفر.. فلذلك ووجهت بما تفر منه.

نظر إلي نظرة حازمة ممتلئة عتابا كعتاب المحبين، ثم قال: لن ينجيك في هذه المفازة المملوءة بالأفاعي والسباع إلا حصن واحد.

قلت: ما هو؟

قال: العقل.. فلا يمكن لمن ألغى عقله أن ينجو في هذه المتاهة.

قلت: لا  يمكن لأحد أن يلغي عقله.

قال: كلهم يلغون عقولهم.. كلهم يلغون عقولهم..

قال ذلك، ثم انصرف وهو يردد ذلك.. طلبت منه أن يقف، فلم يقف.. بل سار حتى غيبه الأفق.

***

بعد أيام قليلة طلب مني أخي أن أصحبه ليريني مفاجأة سماها (مفاجأة العصر)، فسرت معه، وأنا ممتلئ مخافة من هذه المفاجأة التي يريد أن يريها لي.. فأنا أعلم أن ما في نفسه من أحقاد على محمد صلى الله عليه وآله وسلم لن يرشح منها أي خير.

وصلنا دارا واسعة محاطة بحديقة غريبة.. لقد كان ذوق أصحاب الدار عجيبا، حيث أنهم لم يرضوا لها إلا أن تزين بأفتك أنواع الأشجار الشوكية، حتى صارت تشبه دور السحرة كما تمثل في الأفلام الخيالية.

سألت أخي متعجبا عن تزيين الدار بمثل هذه الأشواك، فقال: هذه موضة جديدة.. والمصمم الذي صمم هذه الدار استوحى آخر التصاميم.

قلت: أتعرفه؟

قال: وكيف لا أعرفه.. وأنا الذي قصدته ليصممها؟

قلت: فهذه الدار ملكك إذن.. وهي المفاجأة التي تريد أن تريني إياها؟

قال: هذه الدار ملك لأجيال كثيرة من الناس.. وربما تصلح هذه الأيام أن تكون ملكا لنا.. أما المفاجأة التي أريد أن أريك إياها، فهي في داخل الدار.. فهلم معي إليها.

دخلنا الدار، وكان أول ما واجهنا لافتة مكتوب عليها (دار الندوة)، فدهشت، وقلت لأخي: ما هذا الاسم؟

قال أخي: هذا الاسم هو المفاجأة.

قلت: لم أفهم.

قال: لاشك أنك تعرف (دار الندوة) التاريخية.

قلت: أجل.. تلك الدار التي كان يجتمع فيها الملأ من قريش ليشوهوا محمدا ودين محمد.. ويحاربوا محمدا ودين محمد.

قال: فقد اجتمعت أنا والنفر الذين ذكرتهم لك.. وأحيينا تلك الدار من جديد، لتؤدي وظيفتها بأسلوب عصري يستخدم آخر تقنيات العصر.

قلت: ولكن تلك الدار التي كان يجتمع فيها الملأ من قريش كانت دارا مشؤومة، لم تنجز شيئا، ولم تستطع أن تصد زحف محمد ودين محمد.

قال: لأنهم اعتمدوا طرقا بدائية.. ثم إن خسارة معركة من المعارك لا تعني الهزيمة النهائية.

صحت في أخي: ولكن ألا تشعر بأنك تريد منا أن نمارس هرطقة لم تكن في أسلافنا؟

لست أدري كيف خرج رجل من منفذ من منافذ تلك الدار، وكأنه خرج من بطن من بطون الكتب المبعثرة فيها، وقال: لا.. بل نريد أن نحيي سنة مسيحية لم تزل ولن تزال.. وليس لنا من دور هنا فقط إلا التجديد.

قلت: من أنت؟

قال أخي: هذا أحد أفراد جماعتنا، بل هو أهم أفراد جماعتنا، وهو رجل حفظ التاريخ عن ظهر قلب، ويستطيع أن يعد لك الآلاف من رجال الكنيسة الذين ملأوا في يوم من الأيام رحاب مثل هذه الدار.

قلت: إن لهجته غريبة، وهي تدل على أنه ليس من أهل هذه البلاد.

قال: ذلك صحيح.. ولكنه يتقن جميع اللغات.. بل تستطيع أن تطلق عليه قاموس لغات.

قلت: ومن أين هو؟

قال: لقد ذكر لي بعض من سكن هذه الدار بأنه من نجد.. وقد كان بعض سلفنا يطلق عليه لقب (الشيخ النجدي)([8])

قاطعنا الرجل، وقال: تعال أريك شيئا..

سرت معه، ففتح خزانة مملوءة بالمخطوطات القديمة، وقال: انظر هذه المخطوطات..  إنها جميعا حروب ساخنة ضد محمد ودين محمد.

قلت: من كتبها؟

قال: كثيرون هم.. منهم يوحنا الدمشقي، وتلميذه أبو قره، ويوحنا النقيوسي، ويحى بن عدي.. ومنهم ثيوفانس المعترف، ونيقتاس البيزنطي، وجرمانوس.. ومنهم ايزدور الأشبيلي، وأولوخيو، وبول الفارو.. ومنهم بدرودي الفونسو، وسان بدرو باسكوال، وريكولدو دي مونت كروس، ورامون مارتي، وريموندلول، ووليم الطرابلسي، ووليم الصوري، ووليم آدم، وجاكيوس دي فتري، وهامبرت الروماني، وفيد ينزو أوف بافيا.. وغيرهم كثير.

قال ذلك، ثم أخرج كتابا ضخما، وقال: انظر على سبيل المثال هذا الكتاب.. إنه يسمى المشروع الكلوني، وهو أول وأكبر مشروع استشراقي هدف بالدرجة الأولى إلى تفنيذ الإسلام([9]).

إن هذا المشروع يصح أن يطلق عليه بأنه المشروع الغربي الأكبر لتشويه صورة الإسلام.

قلت: متى كان هذا، ومن تبناه؟

قال: لقد تأسس هذا المشروع سنة 1143 م، وهو يُنسب إلى دير كلوني في جنوب فرنسا ـ الذي تأسس سنة 910م ـ ومنه انبثقت حركة لإصلاح الحياة الرهبانية عُرفت في التاريخ الأوربي باسم (حركة الإصلاح الكلونية) التي لم تلبث أن أسهمت في تقوية الجهاز الكنسي في الغرب الأوربي.

لقد تم في سنة 1122 اختيار رئيس جديد لدير كلوني هو الراهب بيير موريس دي مونتبوسيير، الذي أطلق عليه معاصروه لقب بطرس المكّرم.

لقد علم هذا الراهب المحترم من بعض المترجمين بوجود رسالة لنصراني شرقي تدافع عن النصرانية وتهاجم الإسلام مكتوبة باللغة العربية، وعرف منهم مضمونها، فقرر القيام بمشروع ترجمتها وترجمة القرآن الكريم.

فتح المؤرخ الكتاب الضخم على جزء من أجزائه، وقال: هذا الجزء على سبيل المثال نتاج لذلك المشروع .. إنه ترجمة للقرآن إلى اللغة اللاتينية، وهي احدى الترجمات التي أصبحت تُعرف في أوربا باسم المجموعة الطليطلية، وقد قام بها مترجم انجليزي يسمى روبرت أوف كيتون.

لقد قام روبرت بترجمة ذكية لمعاني القرآن، كان لها تأثيرها الجيد في صياغة العقيدة الغربية الحاقدة تجاه محمد ودين محمد.

سأقرأ عليك بعض ما جاء في مقدمته.. لقد أطلق عليها بذكائه الحاد اسم (تمهيد عن الخرافة الإسلامية المسماة بالقرآن).. اسمع..

أخذ يقرأ من المخطوط بصوت عال، وكأنه تقمص شخصية كاتبها:(أنا كشفت عن شريعة محمد بيديّ، وجلبتها إلى خزينة اللغة الرومانية، الأمر الذي سوف يساعد رسالة المسيح المخلّص على الانتشار وتخليص الجنس البشري من هذا الإثم ـ الإسلام ـ.. ذلك أن دكاترة الكنيسة أهملوا تلك الهرطقه الكبرى ـ يقصد الإسلام ـ لتصل وتصعد إلى شئ ضخم جداً ومفرط لمدة خمسمائة وسبع وثلاثين سنة، لأنها مهلكة وضارة، بسبب أن الزهرة من تلك العقيدة المتعصبة الفاسدة، مجرد غطاء فوق عقرب، تحول دون أن تلفت الأنتباه إليه، وتُحطِّم بالخداع قانون الدين المسيحي)

التفت إلي، وقال: اسمع أنه يقول مخاطباً بطرس المكرَّم:(ولذلك قمت بالعمل معك لما علمت أن نفسك مجتهدة في سبيل كل شيء صالح، وأنك تتوق إلى ردم المستتنقع غير الخصب للعقيدة الإسلامية.. لذلك أنا كشفت عن السُّبل والوسائل ـ بكل جهدي ـ للوصول إلى ذلك.. وهكذا أنا أحضرت الخشب والحجارة اللازمة لعمارتك الجميلة التي يجب أن تنتصب فوق الجميع خالدة، أنا كشفت الغطاء عن دخّان محمد الذي يجب أن يُخمد بواسطة منفاخك)

التفت إلي، وقال: سأضرب لك أمثلة عما قام به هذا الرجل الداهية المخلص:

انظر هنا.. لقد أعطى معنىً غامضاً لخطاب (يا أهل الكتاب) وجعله يبدو في معظم الأحيان وكأنه موجه للمسلمين.. وهو بذلك ـ وبذكاء حاد ـ يحول كل انتقادات القرآن لليهود والمسيحين إلى المسلمين أنفسهم.

فتح صفحات من الكتاب، وقال: انظر هنا.. لقد أضفى على كل الآيات المتعلقة بأحكام الزواج والطلاق معاني جنسية داعرة بحيث تبدو للقارئ الغربي لاسيما الرهبان مثيرة للاشمئزاز والنفور .. انظر ما يقول في الآية 230 من سورة البقرة.. (فإن طلقها فلا تحل له حتى يطأها رجل غيره)([10])

وانظر ما يقول في الآية 220 من سورة البقرة.. (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم بأن تمارسوا معهم اللواط)([11])

وانظر ما يقول في الآية 223 من سورة البقرة.. (نساؤكم حرث لكم فأتوا نساءكم في أدبارهن)([12])

وانظر ما يقول في الآية 50 من سورة الأحزاب.. (يا أيها النبي نحن نجيز لك أزواجك اللائي أتيتهن مهورهن، وجميع إيمائك اللائي أعطاكهن الله، وبنات عمك، وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك، اللائي اتبعنك، وكل امرأة مؤمنة إذا هي ترغب أن تقدّم جسدها أو نفسها للرسول، وإذا الرسول يرغب أن يضطجع معها فليفعل، وهذا خاص لك وليس للمؤمنين الآخرين)([13])

أرسل ضحكة عالية، وقال: أرأيت هذا الذكاء الحاد الذي اتسم به هذا المترجم.. إن هذه الترجمة التي قام بها روبرت أوف كيتون لحساب بطرس المكرم سنة 1143 هي أول ترجمة عرفتها أوربا.. وقد كان لها تأثير خطير على الفهم الأوربي للإسلام حتى القرن الثامن عشر، فقد ظلت تنتشر مخطوطاتها حتى قام عالمان سويسريان بطباعتها في بازل سنة 1543 وعن هذه الترجمة اللاتينية قام أريفابيني الإيطالي بترجمتها إلى الإيطالية سنة 1547 وعن هذه الترجمة الإيطالية قام سالمون اشفجر بترجمتها إلى الألمانية سنة 1616 وعن هذه الترجمة الألمانية تُرجمت إلى الهولندية سنة 1641.

فتح الشيخ النجدي ذلك الكتاب الضخم على جزء آخر منه، وقال: هذه هنا (رسالة النصراني الشرقي)، وهي الأخيرة في المجموعة الطليطلية، وتُعرف باسم (الرسالة الإسلامية والجواب المسيحي).. وقد كانت هذه الرسالة هي سبب المشروع الكلوني جميعه.

إن هذه الرسالة عبارة عن رسالة وجواب على الرسالة.. الرسالة مرسلة من رجل مسلم يُدعى عبدالله بن إسماعيل الهاشمي إلى صديق له مسيحي يدعى عبد المسيح بن إسحاق الكندي.

وقد صيغت رسالة الهاشمي بحيث يبدو قريباً للخليفة المأمون، بينما صيغ الجواب وكأن الكندي يعمل في بلاط الخليفة نفسه.

ابتسم، وقال: من الواضح أن كلا الاسمين مستعاران، وأن كاتب النصين عالم عربي مسيحي عاش في العراق في القرن العاشر الميلادي.. لقد كان هذا الكاتب في منتهى الذكاء والإخلاص.

لقد كلّف بطرس المكرم اثنين من المترجمين بترجمة هذا النص هما بطرس الطليطلي، وبطرس أوف بواتييه.

قلب الشيخ النجدي نظره في المخطوطة، ثم قال: تبدأ رسالة الهاشمي المزعوم بالسلام والرحمة على صديقه المسيحي، ثم يبدي الهاشمي المزعوم تعبيرات مختلفة من الاحترام لصديقه والإشارة إلى النسب الأصيل للكندي، والإشاده بتقواه وثقافته ومعرفته، ويدعوه إلى اعتناق الإسلام الذي هو دين الحنيفية، دين أبيهما الأول ابراهيم، وهو التوحيد الخالص لله تعالى، ثم يعرض أركان الإسلام الخمسة، والجهاد، ويسهب في ذكر نعيم الجنة لاغراء صديقه النصراني باعتناق الإسلام، وأنه إذا اعتنق الإسلام يمكنه الزواج بأربع زوجات ويطلق متى يشاء ويملك من الجواري ما يشاء، ويحصل على ترقية في بلاط الخليفة، وفي النهاية يعرض على صديقه أن يجيبه بكل صراحة على عرضه وأن يقول ما يحلو له في الدفاع عن دينه ويحثه على التخلي عن عبادة الثالوث.

وقد أجاب الكندي في 140 صفحة، أي أكبر بسبع مرات من رسالة الهاشمي، بحيث يترك جوابه الانطباع لدى القارئ المسيحي أنه نال الغلبة والقهر بالحجة والبرهان.

قلب الشيخ النجدي نظره في الكتاب، ثم قال: يبدأ الكندي المزعوم رسالته بالعرفان بالجميل لصديقه الهاشمي والدعاء للخليفة المأمون، ثم يدافع عن عقيدة الثالوث، ويذكر أن عقيدة الحنيفية التي يدعو إليها الهاشمي التي كان عليها إبراهيم إنما هي عبادة الأصنام، حيث يذكر أن إبراهيم ظل يعبدها لمدة سبعين سنة في حرّان مع آبائه.

وقد رد بأسلوب فلسفي قوي على عقيدة التوحيد.. ثم وجه هجومه على محمد، واتهمه بأنه تطلّع إلى المُلك، ولما كان يعرف أن نفوس قريش تأبى أن يصبح ملكاً عليها ادّعى النبوة للوصول إلى هدفه.

لا يتحدث جواب الكندي عن دعوة محمد في مكة، وإنما ينتقل فجأة إلى المدينة، حيث يذكر أن محمدا اغتصب مربد غلاميين يتيمين، وبنى عليه مسجده، وأنه اصطحب قوماً فراغاً لاعمل لهم وبدأ في شن الغارات وممارسة النهب والسلب وقطع الطريق وإخافة السبيل.

وهو يتهم محمدا أنه أمر باغتيال بعض الآمنين في بيوتهم.. ثم يشير إلى جروح محمد يوم أحد، ويرى أنه لو كان رسولاً لمنعه الله من الضرر، ثم يذكر أن محمدا لم يكن له هم إلا امرأة جميلة يتزوجها.. ويتهمه بالاستخفاف بالله في محاباة زوجاته.

وبعد ذلك يثير جواب الكندي موضوع النبوة وعلاماتها.. وهذا من أهم أجزاء هذه الرسالة.. وهو يذكر بذكاء حاد أن شروط النبوة لا تتوافر في محمد.. ذلك أن أهم علامات النبوة هي المعجزات، ومحمد لم يأت بشيء منها، وأنه أنكر أنه يستطيع أن يأت بآية كما جاء في القرآن، وأنه لا دليل لدى محمد على رسالته الإلهية..

وهو يذكر أن الإسلام انتشر بحد السيف.. وهو يذكر أن المسيحية انتشرت بالتبشير واستشهاد الحواريين، بينما الإسلام انتشر بالقهر والسيف.

وهو يذكر أن لغة القرآن ليست معجزة، ويعتبر لغة الشاعر امرئ القيس أقوى من لغة القرآن.

ويذكر أن الإغراء المادي والوعد بالملذات الحسية في جنة شهوانية هو الذي أغرى العرب المحرومين أن ينضموا إلى الإسلام وجيوشه، وأن جيوش المسلمين كانت مليئة بالمنافقين الذين انضموا إليها طلباً للغنائم.

وهو يهاجم شعائر الإسلام، ويعتبر الحج عملاً من أعمال الوثنية، ويرى أن الجهاد ليس إلا عملا شيطانيا.

وهو يذكر أن محمدا لم يكن يهدف مثلما هدف المسيح إلى أن يخلّص ويهذب الإنسان، وإنما هدف إلى ما هدف إليه الفاتحون الآخرون وهو أن يوسع مملكته.

وهو يذكر أن المسيحية هي الصراط المستقيم المذكور في سورة الفاتحة.

وهو يذكر أن الشرائع ثلاث: شريعة الكمال الإلهي وهي التي جاء بها المسيح، وشريعة العدل وهي التي جاء بها موسى، وشريعة الشيطان وهي التي جاء بها محمد.

وهو يذكر أن محمدا كان يتلقى قرآنه من راهب طُرد من الكنيسة، وذهب إلى إلى تهامة واسمه سرجيوس، وتسمى عند محمد باسم نسطوريوس، وأنه هو الذي كان يسميه محمد جبريل أو الروح القدس.

التفت إلي، وقال: هذه الترجمة الرئيسة في المشروع الكلوني نالت بين قومنا شعبية هائلة، وأصبحت بمثابة انجيل المبشرين والمستشرقين منذ ترجمتها وإلى اليوم، حيث اعتبروها أفضل دفاع عن المسيحية وأقوى هجوم على الإسلام.

وضع الشيخ النجدي الكتاب في الخزانة بلطف، ثم قال ـ وقد أخرج كتابين آخرين ـ: بعد أن انتهى بطرس المكرم من ترجمة هذا المشروع الذكي قام بتأليف ردين على الإسلام هما هذان الردان.. أما الأول فهو (المجمل الكامل عن الهرطقة الإسلامية).. وأما الثاني، فهو (الدحض)، وقد قسمه إلى كتابين، كل كتاب مكون من فصلين وكلاهما كتبه باللاتينية.

التفت إلي، وقال: سأقرأ عليك بعض ما ورد في هذا الرد..

أخذ الشيخ النجدي يقرأ بصوت عال:(إلى هذا الحد الفعلي علّم (محمد) القذر الشرير أتباعه إنكار جميع أسرار الدين المسيحي، وحكم تقريباً على ثلث الجنس البشري بعدم معرفة يوم الدينونة للرب، بواسطة حكايات مجنونه يهذي بما لم يُسمع بمثلها استجابة لأبليس والهلاك السرمدي)

إلى أن يقول:(هكذا كان (محمد) ناشطاً جداً في الشؤون العالمية، وذكيا إلى أبعد حد، هو انبثق من الأصل الوضيع والفقر إلى الغنى والشهرة، ونهض بنفسه إلى أعلى شيئاً فشيئاً، وتكراراً هاجم كل أولئك الذين كانوا بجواره، وكان بشكل بارز يضم إليه الأقرباء بالخداع، والسلب، والغزوات، قاتلاً أي شخص غيلة إن استطاع، هو ازداد رعباً بواسطة اسمه، وفي الوقت المناسب وصل إلى القمة بالنزاعات، ثم بدأ يطمح إلى منصب الملك على شعبه، ولما كان يدرك أنه لا يستطيع أن يحقق هذه الرغبة بسبب أصله الوضيع قرَّر أن يصبح ملكاً عن طريق السيف، وتحت قناع الدين وبواسطة الإسم رسول الله)

قلب صفحات من أحد الكتابين، وأخذ يقرأ:(هكذا عُلِّم محمد من جانب أحسن علماء اللاهوت البارزين، والمتهرطقين، فانتجوا قرآنه، ونسجوا معاً، في ذلك الشكل غير الفصيح، له كتاباً مقدساً شيطانياً، صُنِّف على حد سواء من الخرافات اليهودية والأغاني العابثة للهراطقة، كاذباً أن هذه المجموعة جُلبت إليه سورة وراء سورة بواسطة جبريل، الذي اسمه هو عرفه من الكتاب المقدس في ذلك الوقت، هو أفسد بسم مهلك ذلك الشعب الذي لم يعرف الرب، وفي سلوك هذا المفُسد أن جعل في حواف القدح المملوء بالعسل السم المهلك الذي يتسرب معه، هو (محمد) حطَّم، واحسرتاه، الأرواح والأجساد لذلك الشعب البائس، ذلك الرجل، أثنى على الشريعة المسيحية واليهودية، والشرير مع ذلك يقتبس منها ويرفضها في الوقت نفسه)

قلب صفحات من أحد الكتابين، وقال: بعد ذلك يتناول بطرس المكرَّم، الجنة والنار، والتعاليم الأخلاقية ويهاجم التصوير القراني للجنة والنار فيقول:(محمد يصف عذاب جهنم كأنها تسرهُ حتى يصفها، وكأنه كان ملائماً لرسول زائف كبير أن يخترع تلك الأوصاف، وهو يصور جنة ليست من مجتمع ملائكي، ولا من تجلى الرب، ولا من ذلك الخير الأعلى، الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. بل في هذه الطريقة هو وصفها مثلما هو رغبها أن تكون معدَّة لنفسه، هو يعد أتباعه هناك بالأكل من اللحم، وكل أنواع الثمرات، هناك أنهار من اللبن والعسل والمياه المتدفقة. هناك العناق والإشباع الشهواني من النساء العذارى الأجمل، فيها أشياء كثيرة، جنته كلها حسية)

ثم يتناول بطرس المكرم تعدد الزوجات في الإسلام باعتباره عملاً من أعمال الفاحشة.

ثم يعود بطرس المبجل للهجوم البذئ على محمد، فيقول:(وبالإضافة إلى كل هذه الأشياء، استطاع أن يجتذب إليه الرغبات الشهوانية للرجال، حيث أطلق لهم الأعنة للنهم والتلوث هو نفسه كان له في ذات الوقت ستة عشر زوجة.. مقترفاً الزنى كأنه شرط بواسطة الأمر الإلهي، وبذلك أضاف إلى نفسه عدداً ضخماً من الناس المحكوم عليهم بالهلاك السرمدي)

التفت إلي، وقال ـ وهو يشير إلى الكتابين ـ: لقد ضم هذان الردان للمشروع الكلوني..

ثم قال معقبا: لقد كان هذا المشروع هو الإنجيل الذي الذي غدا في متناول الرهبان للاعتماد عليه في كتاباتهم العدائية ضد محمد ودين محمد.

فهذا وليم الصوري أسقف صور بدأ حديثه في تاريخه عن محمد فقال:(في زمن الامبراطور هرقل، وطبقاً للروايات والتواريخ الشرقية حققت معتقدات محمد الضارة موطئ قدم راسخ لها في الشرق، وهذا هو أول أبناء الشيطان المعُلِن بالكذب أنه رسول مرسل من الله، وبذلك أضل بلدان الشرق خصوصاً بلاد العرب، والبذرة السَّامة التي زرعها اخترقت إلى حد بعيد المناطق التي استخدم فيها خلفاؤه السيف والعنف بدلاً من التبشير والنصح، لاجبار الناس، مهما كانوا خاضعين، ليعتنقوا المعتقدات الخاطئة للرسول)

أما جاكيوس دي فتري اسقف عكا، فقال:(إن محمداً أخذ جيرانه الذين كان يحسدهم في الخفاء، وذبحهم بغدر)

أما سان بدرو باسكوال وهو راهب إسباني عاش في القرن 13 فقد كتب عدة كتب ضد المسلمين، ومنها كتاب أطلق عليه (الفرقة المحمدية)، قال فيه:(ما الذي جاء به محمد غير الفسوق والسلب، القرآن على حد سواء وبتناقض أمر بالسبب والحرب، والحديث أكدّ هذا، حيث وُعِدَ المسلمون بمكافأة ضخمة من أجل الموت في الحرب، وأن جروحهم سوف تكون جميلة يوم البعث، ذلك أن محمداً أمر بأن الناس من غير المسلمين يجب أن يُقتلوا بواسطة الجهاد، وتُغتصب نساؤهم ويؤخذن سبايا مع الأطفال، وخيراتهم تُنهب وبلادهم تُحتل)

وقد ذكر سان بدرو باسكوال هذا أن محمداً أثنى ذات مرة على آلهة الوثنيين في آيات زعم أن المسلمين يسمونها الآيات الشيطانية.

التفت إلي، وقال: لقد كان هذا القول هو الذي أوحى لأحد زملائنا في هذا المشروع الذي أسسنا من أجله هذه الدار بكتابة روايته (الآيات الشيطانية)، كما أن باسكوال وفندينزو وريكولدو وغيرهم من كتّاب العصور الوسطى كانوا المصدر الرئيس لهذه الرواية.

لقد اخترع سان بدور باسكوال قصصاً وأساطير عجيبة تناول فيها جوانب من سيرة محمد، ونزول الوحي عليه وموقف خديجة..

فمثلاً غزوة بدر يقدمها بهذا الشكل:(اصطحب محمد عصابة من اللصوص، وبعد ذلك سمع أن تجاراً كثيرين من مكة كانوا يقتربون من تلك المدينة من مناطق أخرى في طابور عظيم من البهائم المحملة بالأثقال، هو اختبأ في مكمن مع أصحابه وقتل سبعين من التجار وسائقي البغال من أهل مكة، وأخذ أكثر من سبعين أسيراً، ونهبوا القافلة بالكامل)

وعن قصة نزول الوحي يذكر أن محمدا تلبسَّه الشيطان، ويسب خديجة التي صدقته ويقول مخاطباً محمدا:(في الواقع أنا أقول لك يا محمد إن هذا الذي فعلته ليس نبوة، بل إنك قلت أشياء معينة مثلما تعوَّد العّرافون اليوم أن يقولونها عن طريق استحضار العفاريت بأي أسلوب، فهذا لن يكون مدهشاً لأنه سيوجد عرَّافون كثيرون في العالم يقولون حقائق قليلة وكذب كثير)

ويقول عن وفاة محمد:(إن محمداً عندما أوشك أن يموت حاول أن يعمِّد نفسه ـ أي يتنصَّر ـ لكن الشياطين منعته)

سرنا قليلا في القاعة، فرأينا صورة لرجل مشرقي يلبس ألبسة القرون الوسطى، وقد وضع على رأسه تاجا مزينا بالصلبان المذهبة، فقلت: أي ملك هذا؟

قال: هذا ملك من ملوك هذه الدار.. إنه يوحنا الدمشقي.. لاشك أنك تعرفه.. فيستحيل أن يدخل هذه الدار أحد لا يعرف يوحنا الدمشقي.. لقد كان من مسيحيي الشام، عاش في العصر الأموي، وتضلع في اللاهوت، وكتب كتباً كثيرة، ومن ضمنها كتاب كتبه باليونانية بعنوان الهرطقات.

لقد أفرد فيه فصلاً عن الإسلام أطلق عليه اسم (هرطقة الأسماعيليين) ويقصد بالإسماعيلين العرب من أبناء اسماعيل بن ابراهيم، وهذا الفصل شديد الطعن، اتهم فيه يوحنا العرب بالهرطقه والضلال والخرافة، واعتبرهم فرقة نصرانية متهرطقة، وزعم أن محمداً كان رسولاً زائفاً ادَّعى النبوة زمن الامبراطور هرقل، بعد أن قرأ العهد القديم والعهد الجديد وتعلّم من راهب أريوسي فتظاهر بالتقوى حتى استمال العرب إليه وأخبرهم أنه تلقى كتاباً من السماء، وقدّم فيه تلك الشرائع المضحكة التي تسمى بالإسلام.

ومما ذكره هذا الرجل ـ وهو دليل من أدلة ذكائه وإخلاصه ـ أن محمدا دخل إلى بيت زينب بنت جحش في غياب زوجها فافتتن، بها وخرج وهو يقول: سبحان مقلب القلوب..

لقد كتب كتابه هذا في بلاد الدولة البيزنطية (دولة الروم) واستخدمه الكتّاب البيزنطيون في هجماتهم الفكرية على الإسلام، ثم تُرجم إلى اللاتينية وأسهم في صياغة العقيدة الغربية تجاه الإسلام والمسلمين طوال العصور الوسطى وحتى العصر الحاضر.

سرنا قليلا، فرأينا صورة أخرى، فقال: هذه صورة الراهب الإيطالي (فيدينزو أوف بافيا) الذي جاء إلى بلاد الشام في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي..

لقد كتب هذا الرجل الفاضل وصفاً مختصراً لتشويه صورة محمد عند القراء الغربيين ومما قاله:(إن محمداً جمع حوله عبيداً آبقين، ورجالاً مؤذين مرتشين ومضطهدين للاخرين، من أصناف مختلفة، وعندما أطاعوه وأصبح أميرهم، أرسلهم إلى غابة ذات طرق فرعية وإلى قمم الجبال، وأخذوا يغيرون على الطرق التي يتردد عليها المسافرون، فيسلبون الناس، وينهبون بضائعهم ويقتلون كل من يُبدي مقاومة. وحل الخوف من محمد وأصحابه بجميع الناس الذين يقطنون بتلك البلاد)

وقد كان هذا الراهب أحد الكتّاب الغربيين الذين تلقّفوا القصة المختلقة على محمد مع زينب بنت جحش، والتي اخترعها يوحنا الدمشقي وصاغها بشكل داعر، ومما قاله فيدينزو:(كان هناك رجل معروف يُدعى سايدوس ـ زيد ـ وكان له زوجة تُدعى سيبيب ـ زينب ـ كانت من أجمل النساء الجميلات اللائي عشن على الأرض في أيامها، فسمع محمد بشهرة جمالها، واشتعل بالرغبة فيها، وأراد أن يراها، فجاء إلى منزل المرأة في غياب زوجها، وسأل عن زوجها. هي قالت: يارسول الله، ما ذا تريد، لماذا أنت هنا؟ زوجي ذهب إلى الخارج في العمل، هذا لم يكن مخفياً عن زوجها، هو عندما عاد إلى بيته، قال لزوجته: هل كان رسول الله هنا؟ هي أجابت: هو كان هنا، هو قال هل رأى وجهك؟ هي أجابت: نعم هو رآه، وهو أيضاً سهّرني وقتاً طويلاً، هو قال لها: أنا لا أستطيع أن أعيش معك وقتاً أطول من هذا..)

نظر إلي، وقال: أرأيت ما أذكاه..

سرنا قليلا، فرأينا صورة أخرى، فقال: هذه صورة الراهب (ريكولدو أوف مونت كروس) المتوفى سنة 1320، وقد جاء إلى عكا سنة 1289 وانتقل منها إلى آسيا الصغرى، ومنها إلى الشرق حيث وصل إلى مراغة في رحلة تبشيرية، ثم جاء إلى الموصل وإلى بغداد. ثم عاد إلى دير مونت كروس.

وقد صنّف هذا الرجل الفاضل عدة كتب يهاجم فيها الإسلام منها كتاب سماه (دحض القرآن).. ومما جاء فيه قوله:(إن الإسلام مجرد خدعة شيطانية ابتدعها الشيطان كي يمهد الطريق لمجئ المسيح الدجّال، وذلك حين شعر الشيطان بعدم قدرته على إيقاف انتشار المسيحية، وأن الوثنيات بدأت تتهاوى أمام المسيحية، وأنه ليس في مقدوره دحض شريعة موسى وانجيل عيسى، فابتدع الشيطان ذلك الدين ليكون وسطاً بين المسيحية واليهودية.. والقرآن ليس قانون الله، نظراً لأن أسلوبه لا يطابق الأسلوب الإلهي، الذي لا يوجد فيه سجع ولا عبارات موزونة كتلك التي جاءت في الكتب المقدسة)

***

ما وصل الشيخ النجدي من حديثه إلى هذا الموضع حتى سمعت الباب يدق بشدة.. فأصابني رعب شديد.. فقد كانت الدار بكل ما تحمله من تحف وصور ومخطوطات تشبه الديار التي لا تسكنها إلا الأشباح..

أسرع أخي، ففتح الباب، فدخل مجموعة رجال مختلفي المظاهر والمشارب، وكأن كل واحد منهم عالم قائم بذاته.

عرفني بهم أخي واحدا واحدا .. واتفقنا في ذلك المجلس على طريقة تنفيذ المشروع الذي أراد أخي أن يجربه في تلك المدينة..

وقد اتفقوا على اختيار ساحة في المدينة تسمى (ساحة الحرية)، فتحت خصيصا لكل من يريد أن يتكلم ما يشاء، وفيما يشاء.. فلا قمع فيها، ولا ردع.

وقد دعاهم إلى اختيارها ما رأوه من استغلال المسلمين لها لنشر إسلامهم.. وما رأوه كذلك من الإقبال المتزايد للناس على الإسلام فيها، وفي مثلها من المحال.

التفت الغريب إلي، وقال: هذه قصة هذه الدار.. أما قصة النفر، وما يرتبط بشبهاتهم من وجوه الردود، فهي موضوع رحلتنا هذه.

أولا ـ خطايا

كان أول من أراد أن يرسم منهج التشكيك لهذه الجماعة التي اجتمعت على محمد صلى الله عليه وآله وسلم  هو أخي.. وتوأمي.. ونفسي الثانية.

لقد أراد بخروجه للمسلمين، بعد أن جمع ما أطاق من أنواع السموم، أن يكون أسوة حسنة لكل الفريق الذي اجتمع على أخطر مهمة في التاريخ وأصعبها.. وهي مهمة تشويه الشمس التي لا تغيب.

وقد أراد في نفس الوقت أن يمهد الأرض التي تجعل كل المسلمين يتقبلون كل ما سيفرزه غيره من سموم التشكيك والتشويه.

وقد كان لأخي من الذكاء والفطنة ما جعله يستند إلى مصادر المسلمين وحدها، وخاصة المصادر الأصلية التي لا يشك فيها أحد منهم، ليمزج منها خلطات تحول وجه كل من شرب منها عن قبلة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وكان من الآيات التي جذبت انتباهه لهذا، الآيات التي أسند الله تعالى فيها الغفلة والضلال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كقوله تعالى:﴿  قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (سـبأ:50)،  وقوله تعالى:﴿ وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى (الضحى:7)، وقوله تعالى:﴿  نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (يوسف:3)، وقوله تعالى في الآية التي قصم أخي ظهرها:﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (الأنعام:56)([14])

وكان منها الآيات التي أخبرت عن مغفرة الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك كقوله تعالى:﴿  لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً (الفتح:2)، وقوله تعالى:﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (محمد:19)، وقوله تعالى:﴿  وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (الشرح:2)، وقوله تعالى:﴿  عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (التوبة:43)، وقوله تعالى:﴿ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (لأنفال:68).. وغيرها من الآيات.

ومن السنة جميعا لم يلفت انتباهه إلا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(والله إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله وأَتُوبُ إِلَيْه في اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً)([15])، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلى اللهِ واسْتَغْفِرُوهُ، فإنِّي أتُوبُ في اليَومِ مئةَ مَرَّةٍ)([16])

أخذ أخي في حقيبته هذه النصوص المقدسة، ثم مزجها بما شاء من فهوم، واستنتج منها ما شاء من استنتاجات.. ثم راح إلى ساحة الحرية ليبشر بما تصوره من خطايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

قلت: فهل ذهبت معه؟

قال: لست أدري.. ولكني ربما كنت معه.. فكل كلمة قالها، أشعر أني ـ مثله ـ نطقت بها.. وكل كلمة سمعها أشعر أني ـ مثله ـ سمعتها.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لا تسأل عن ذلك.. فلن ينفعك البحث في ذلك.

***

وقف أخي في تلك الساحة التي هيئت لمن يشاء أن يقول ما يشاء، ثم قال: أنا أخاطب بكلمتي هذه العقول.. ولا أخاطب غير العقول.. فمن كان ذا عقل، فليسمع لي، وليرد علي بما يشاء.. ومن لم يكن له عقل يميز به الحقائق من الأباطيل، وأهل الضلال من أهل الهداية.. فلا أرغب في سماعه لحديثي.. لسبب بسيط، وهو أنه لن يفهمه.. وإذا فهمه، فلن يتقبله.

اجتمعت جموع كثيرة حوله، وكان من بينها تلك الجماعة التي أسلمت حديثا، وفي ذلك المحل الذي أتيح لحرية التعبير.

بدأ أخي حديثه بما تعودته منه من طرق الاستفزاز، فهو يتصور أن هذا الأسلوب هو الأسلوب الوحيد الذي يمكن أن يبني به ما يشاء، ويهدم ما يشاء.

وقد كان أخي يستخدم هذا الأسلوب في علاقاته جميعا، وقد بنى به كل ما كان يحلم به من مجد ومن مناصب ابتداء من أول السلم إلى منتهاه.

بعد أن اجتمعت الجموع أخذ أخي يرسل أول قنابله، فقال: لقد سمعت أنه ـ وقبل أسبوع ـ وقف رجل في هذا الموقف.. وحدث الناس كثيرا عن محمد.. وكان من نتيجة حديثه أن ألغى البعض عقولهم، وراحوا يسيرون خلف رجل امتلأ ضلالة وخطيئة..

نادى رجل من الجمع بغضب قائلا: من ترميه بالضلال والخطيئة؟

نظر إليه أخي.. ثم قال ببساطة يستفزه: وهل هناك غير محمد!؟.. إن هذا الوصف لا ينطبق على أحد في الدنيا كما ينطبق على محمد.

غضب الرجل.. وغضب معه كثير من أفراد الجماعة الملتفة بأخي.. بل قام يعضهم لينزله من ذلك المحل الذي يخطب منه.. فقام رجل من القوم، هو أشبه الناس بصاحبك (معلم السلام).. بل لعله (معلم السلام) نفسه إلا أني سمعت القوم يسمونه حكيما.. ولا أزال إلى الآن لا أعرف هذا الرجل، ولا أعرف سر وجوده في كل محل يتعرض له مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإساءة.

ولم يكن هذا العجب عجبي فقط، بل كان عجب العصابة جميعا، والتي عبر بعض أفرادها عن سخطه بقوله:(ما بال هذا المحامي يظهر كل مرة ليحبط جميع مخططاتنا)

بل إن بعض أفراد عصابتنا هم به ذات مرة ليخنقه.. ولكن الله خلصه منه.

لن أستعجل في حكاية هذا.. ولهذا سأعود بك إلى موقفه.. وكيف استطاع أن يواجه ذلك الموقف الشديد بحكمة وعقل وسلام.

قال الحكيم، بنبرة ممتلئة حكمة ووقارا وهدوءا، متوجها للجمع الغاضب: رويدكم يا جماعة.. فما ينبغي لنا، ونحن تلاميذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن الذين شملتنا أشعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن نتصرف هذا التصرف.

إن هذا أخ من إخواننا وقع في شبه جرته إلى هذا التصرف.. والشبه تعالج بالعلم، لا بالأيدي.. هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهكذا ينبغي أن نمثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال ذلك، ثم التفت إلى أخي، وقال: هو ذا أنا أمامك.. أنا الذي تقصده.. فقد قمت قبل أسبوع بالوقوف في موقفك هذا.. لأحدث من أراد أن يستمع إلي عن رحلتي إلى محمد وشمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. وكان لحديثي أن يطول.. ولكن الجمع الذي التف حولي كان كالزيت الذي يكاد يضيئ ولو لم تمسسه نار.. فلذلك ما إن ذكرت أول شعاع من أشعة محمد حتى راحوا يعلنون حبهم له وإيمانهم به.

قال أخي: وقد أرسلتني الحقيقة لأنقذ هذا الجمع الذي استغفلته، فرحت ترميه في شباك الضلال.

قال الحكيم: وأنا ممتن لك.. لتنقذني ـ أنا أيضا ـ من هذه الشباك.. فاذكر لي، واذكر للجمع ما ينقذنا من هذا الضلال الذي جعلنا نتبع محمدا.

سكت أخي يستجمع أنفاسه، وقد ساءه هذا الموقف اللين الذي أبداه الحكيم، ثم قال: تخيلوا معي ـ أيها الجمع ـ أنكم في صحراء.. وليس لديكم أي بوصلة تهتدون بها.. ثم جاءكم أمي لا يعرف الطريق، ولا علم له بالجغرافية، فأخبركم أنه الهادي.. هل تقبلونه؟

ثم أجاب نفسه بنفسه: لا شك أنكم لن تقبلوه.. فالضال لن يكون هاديا..  والخطاء لن يكون مربيا.. والمخطئ لن يكون معلما.. هكذا علمنا الكتاب المقدس.. وهذا هو المقياس العلمي الذي ملأ به عقولنا، فرحنا لا نخضع إلا للحقيقة.

غضبت الجماعة المسلمة لهذا الاستفزاز.. لكنه قال بهدوئه المعتاد: لا تغضبوا.. فأنا لن أحدثكم إلا بالقرآن الذي جاء به محمد.. وبالأحاديث التي ينزلها المسلمون منزلة القرآن.

التفت الجمع إليه مستغرقين فيما يقول، متعجبين منه، فشجعه ذلك، فراح يقول: لقد ذكرت لكم أن محمدا خطاء.. والخطاء لا يكون مربيا.. ولا يكون هاديا.. ولا يكون رسولا.

لأن أول صفات المربي أن يكون قدوة لغيره.. ومن كان ذا خطيئة لم يرب غيره إلا على الخطيئة..

ومن أدوار الرسول أن يكون شافعا.. ومن كان ذا خطيئة يستحيل أن يكون شافعا للمذنبين.. لأنه يحتاج هو نفسه لمن يشفع له.

سكت قليلا، ثم قال: لا تغضبوا.. فليس هذا كلامي.. هذا ما قال القرآن.. لقد جاء في القرآن أمر محمد بالاستغفار، والاستغفار لا يكون إلا للمذنبين، ففي القرآن هذه الأوامر الشديدة لمحمد:﴿ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (النساء:106).. ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ (غافر:55).. ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (محمد:19)

وفي القرآن وعد لمحمد بأن يغفر له ذنبه.. والمغفرة لا تكون إلا للمذنبين:﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً (الفتح:1-2)

بل إن محمدا نفسه يصرح بوقوع الخطايا منه.. اسمعوا هذا الدعاء الذي لا ينطق به إلا من امتلأ بالخطايا.. (اللهم انت ربى لا اله الا انت خلقتني وانا عبدك وانا على عهدك ووعدك ما استطعت اعوذ بك من شر ما صنعت ابوء لك بنعمتك على وابوء لك بذنبى فاغفر لى فانه لا يغفر الذنوب إلا انت)([17])

واسمعوا هذا الدعاء الذي تفوح منه روائح الخطايا:(اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي خطأي وعمدي وهزلي وجدي وكل ذلك عندي أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شئ قدير)([18])

أرأيتم .. إن محمدا في هذا الدعاء يقر بأن له خطايا.. وأنه أسرف فيها.. وأنه ارتكب من الخطايا جميع أنواعها وفي جميع المحال.

ليس هذا فقط.. اسمعوا هذا الدعاء:(اللهم انى اعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل)([19])

ولكثرة خطاياه كان يقول لأصحابه:(والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرةً)([20]).. بل كان يقول: (يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرةٍ)([21])

وقد عد أحد أصحابه كثرة استغفاره، فقال: إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المجلس، يقول: رب اغفر لى، وتب علي، انك انت التواب الغفور مائة مرة([22]).

التفت إلى الجمع، وقال: أرأيتم.. هل يمكن الوثوق في نبي خطاء؟

ثم أضاف بسخرية قائلا: إن أي تصرف ستنقلونه عن هذا النبي يمكن أن يكون من الذنوب التي تاب منها.. فهل تجيزون لأنفسكم أن تكرروا أخطاء غيركم؟.. وهل تجيزون لأنفسكم أن تعبدوا الله بالأخطاء التي تيب منها؟

سكت الجمع، فقام الحكيم، وقال: إذا أذنت لي.. فسأجيبك عما طرحت من أسئلة؟

قال أخي: أجب بما تشاء.. لن تجد عندي إلا سعة الصدر.

الخطايا والنبوة

قال الحكيم: سأجيبك عن هذا بأمرين.. أما أحدهما فأعتمد فيه على الجدل، فلذلك سأقنعك بما لا يقبله عقلي وديني.. ولكن دينك وعقلك يقبله.. وهو أسلوب اعتمده القرآن حين قال يخاطب اليهود:﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (آل عمران:93)

ولذلك أقول لك: ائت بكتابك المقدس.. وأجبني عما أطرحه عليك من أسئلة.

قال أخي: كتابي المقدس دائما معي.. هو في عقلي وقلبي وروحي.. وحروفه تنتقش في ذاكرتي.

قال الحكيم: فأنت أقرب إلى الحق إذن من كل هذا الجمع.. فمن قرأ الكتاب المقدس بصدق لن يصل إلا إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

قال أخي: بل يصل المسيح..

قال الحكيم: المسيح ومحمد.. وغيرهما من الأنبياء كلهم قد خرجوا من عالم واحد، فمن وصل لأحدهم بصدق وصل للآخر لا محالة.

قال أخي: كيف تضع محمدا مع الأنبياء.. وقد ذكرت لك من ضلالاته وخطاياه ما يرفعه عن ذلك المقام الرفيع الذي تدعونه له!؟

قال الحكيم: اعذرني.. ربما أكون قد أخطأت في تعبيري.. ولكن المنهج العلمي يدعوني ويدعوك للتريث حتى نبحث في سير هؤلاء الأنبياء الذين رأيت أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أقل شأنا من أن يوضع معهم.

آدم:

أشار الجمع موافقين لما ذكره الحكيم، فقال: فلنبدأ بآدم.. أليس آدم أبا البشر، وأول الأنبياء.. أجبني ما مقامه فيكم([23])؟

قال أخي:  هو فينا ذو مقام.. فهو أبونا الأول الذي ولدنا منه الولادة الأولى.. وكل مسيحي يشعر أنه ابن آدم بحكم ولادته، ويولد ولادة جديدة في المسيح بإيمانه، لذلك يحتفظ المسيحي بعلاقة دائمة مع آدم الأول وآدم الآخر، وإن اختلفت طبيعة هذه العلاقة وأثرها في الحالتين.

قال الحكيم: ولكنكم تذكرون لنا ـ خلافا لنا ـ بأنه ظل على خطيئته.. لقد قال أحدكم في كتاب كتبه عن أولياء الكتاب المقدس سماه (طريق الأولياء): (يا أسفي على أنه لم تثبت توبته وعلى أنه ما استغفر اللّه لذنبه مرة واحدة أيضاً)

نوح:

قال ذلك، ثم التفت إلى أخي قائلا: وما تقولون في نوح؟

قال أخي: نوح ـ في معتقدنا نحن المسيحيين ـ هو الرجل البار الذي ينجو من العقاب وينعم بالخلاص.. ففي وسط الشر المدمّر للعالم، يبرز نوح كرأس للإنسانية الجديدة وصورة مسبقة للمسيح.

قال الحكيم: فافتح كتابك المقدس، واقرأ من سفر التكوين (9: 20)

أخذ أخي يقرأ: (واشتغل نوح بالفلاحة وغرس كرما، وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خيمته، فشاهد حام أبو الكنعانيين عري أبيه، فخرج وأخبر أخويه اللذين كانا خارجا. فأخذ سام ويافث رداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا القهقرى إلى داخل الخيمة، وسترا عري أبيهما من غير أن يستديرا بوجهيهما نحوه فيبصرا عريه. وعندما أفاق نوح من سكره وعلم ما فعله به ابنه الصغير قال: (ليكن كنعان ملعونا، وليكن عبد العبيد لإخوته)، ثم قال: تبارك الله إله سام. وليكن كنعان عبدا له. ليوسع الله ليافث فيسكن في خيام سام. وليكن كنعان عبدا لهم)

ابتسم الحكيم، وقال: ألا ترى الخطايا الكثيرة التي تفوح من هذا النص، والتي تنسب لهذا النبي الكريم.

ألا ترون أن الذي شاهد عري أبيه هو (حام)؟

قال الجمع: نعم..

قال الحكيم: ولكن نوحا ـ في هذا النص ـ لا يلعن ابنه الذي شاهده، وإنما يلعن نسل أحد أبنائه.. وهو كنعان.. وهذا الابن لم يولد حينذاك.. بل ولد بعد عشرين سنة..

ولو فرضنا أنه حمل إثم الأب على الابن، وهو خلاف العدل، فما وجه تخصيص كنعان.. فقد كان لحام أربعة أبناء: كوش ومصرايم وفوط وكنعان.

نظر الحكيم، وقال: من المؤسف أن يحمل الكتاب المقدس مثل هذه العنصرية.. إن هذه القصة ـ بلا شك ـ من افتراءات الكتاب المقدس على أنبياء الله واتهامهم بارتكاب الكبائر.. وهي تفضح عنصرية اليهود حيث قصدوا بهذه اللعنة الكنعانيين سكان فلسطين قبل اليهود، فنسبوا أنفسهم إلي سام، وادعوا اختصاصهم بذلك ليتسنى لهم ادعاء حق السيطرة على الكنعانيين.

إبراهيم:

ثم التفت إلى أخي، وقال: أنبئني عن مقام إبراهيم فيكم، وفي الكتاب المقدس؟

قال أخي: هو نبي من أنبياء الكتاب المقدس العظام.. بل إنه يحتل مركزا ممتازا في تاريخ الخلاص.. فدعوته ليست مجرد نقطة البداية في تدبير الله، لكنها أيضا تحدد الاتجاهات الأساسية لهذا التدبير.

قال الحكيم: ولكنكم تعتقدون أنه وقع في خطايا كثيرة.. سأذكر لك منها بعض ما وصلت إليه، ولا أرى إلا أنك ستقرني عليها.

منها ما ذكره صاحبكم في كتابه الذي كتبه عن (طريق الأولياء)، فقد قال في حال إبراهيم:(لا يعلم حاله إلى سبعين سنة من عمره، وهو تربى في الوثنيين، ومضى أكثر عمره فيهم، ويعلم أن أبويه ما كانا يعرفان الإله الحق. ويحتمل أن إبراهيم أيضا كان يعبد الأصنام ما لم يظهر الله عليه، ثم ظهر عليه وانتخبه من أبناء العالم، وجعله عبدا خاصا) ([24])

فظهر أن المظنون عندكم أن إبراهيم إلى سبعين سنة من عمره كان يعبد الأصنام.. بل إن كونه عابد الأصنام إلى أن بلغ سبعين سنة، قريب اليقين، نظرا لأصولكم، لأن أهل العالم في هذا الوقت عندكم كانوا وثنيين، وهو تربى فيهم، وأبواه أيضا كانا منهم. ولم يظهر عليه الرب إلى ذلك الوقت، والعصمة عن عبادة الأوثان ليست بشرط بعد النبوة، فضلا عن أن تكون شرطا قبل النبوة.

لنترك هذا.. فقد تتعلل بأن هذا قبل النبوة.. ولننتقل إلى ما تذكرونه عنه بعد النبوة.. اقرأ علي ما ورد في (سفر التكوين:12/10 13)

قرأ أخي: (وكان جوع في أرض كنعان، فنزل أبرام إلى مصر ليتغرب هناك، لأن الجوع كان شديدا. فلما وصل إلى أبواب مصر قال لساراي امرأته: (أعرف أنك امرأة جميلة المنظر، فإذا رآك المصريون سيقولون: هذه امرأته، فيقتلونني ويبقون عليك. قولي إنك أختي، فيحسنوا معاملتي بسببك ويبقوا على حياتي لأجلك)

قال الحكيم: ألا ترى الخطيئة العظيمة التي وقع فيها إبراهيم في هذا النص؟.. إن سبب الكذب ـ كما يدل هذا النص ـ ما كان مجرد الخوف، بل رجاء حصول الخير أيضا، بل الخير كان أقوى، ولذلك قدمه، وقال ليكون لي خير بسببك، وتحيي نفسي من أجلك.

على أن خوفه من القتل مجرد وهم، لا سيما إذا كان راضيا بتركها، فإنه لا وجه لخوفه بعد ذلك أصلا، وكيف يجوز العقل أن يرضى إبراهيم بترك حريمه وتسليمها ولا يدافع دونها، ولا يرضى بمثله من له غيرة ما، فكيف يرضى مثل إبراهيم الغيور.

سكت الحكيم قليلا، ثم قال: لم يكن هذا هو الذنب الوحيد.. بل إن إبراهيم ـ على حسب ما ذكر الكتاب المقدس ـ كرر نفس هذا الذنب.. ففي (سفر التكوين: 20/1-18):(وانتقل إبراهيم من هناك إلى أرض النقب، فأقام بين قادش وشور ونزل بمدينة جرار. وقال إبراهيم عن سارة امرأته: (هي أختي) فأرسل أبيمالك، ملك جرار، فأخذ سارة. فجاء الله إلى أبيمالك في حلم الليل وقال له: (ستموت بسبب المرأة التي أخذتها، فهي متزوجة برجل). ولم يكن أبيمالك اقترب إليها، فقال: (يا سيدي، أأمة بريئة تقتل؟ أما قال لي إبراهيم: هي أختي، وقالت لي امرأته أيضا: هو أخي؟ فبسلامة قلبي ونقاوة يدي فعلت هذا). قال له الله في الحلم: (أنا أعرف أنك بسلامة قلبك فعلت هذا، ولذلك منعتك من أن تمسها فتخطأ إلي. والآن رد امرأة الرجل، فهو نبي يصلي لأجلك فتحيا. وإن كنت لا تردها، فاعلم أنك لا بد هالك أنت وجميع شعبك)

فبكر أبيمالك في الغد واستدعى جميع رجاله وأخبرهم بكل ما جرى، فخافوا خوفا شديدا. ثم دعا أبيمالك إبراهيم وقال له: (ماذا فعلت بنا؟ وبماذا أذنبت إليك حتى جلبت علي وعلى مملكتي خطيئة عظيمة؟ ما فعلت بي لا يفعله أحد) وسأل أبيمالك إبراهيم: (ماذا خطر لك حتى فعلت هذا؟) فأجاب إبراهيم: ((ظننت أن لا وجود لخوف الله في هذا المكان، فيقتلني الناس بسبب امرأتي. وبالحقيقة هي أختي ابنة أبي لا ابنة أمي، فصارت امرأة لي. فلما شردني الله من بيت أبي قلت لها: تحسنين إلي إن قلت عني حيثما ذهبنا: هو أخي)

فأخذ أبيمالك غنما وبقرا وعبيدا وجواري وأعطى هذا كله لإبراهيم وأعاد إليه سارة امرأته. وقال أبيمالك: (هذه بلادي بين يديك، فأقم حيثما طاب لك)

وقال لسارة: (أعطيت أخاك ألفا من الفضة، وهو لك رد اعتبار أمام عيون كل من معك وسواهم بأنيلم أتزوجك)

فصلى إبراهيم إلى الله، فشفى الله أبيمالك وامرأته وجواريه فولدن، وكان الرب أغلق كل رحم في بيت أبيمالك بسبب سارة امرأة إبراهيم)

التفت الحكيم إلى أخي، ثم قال: ألا أن إبراهيم في هذا النص أيضا مارس نفس الأسلوب.. ولعل السبب هاهنا ما عدا الخوف أيضا، كان حصول المنفعة، وقد حصلت كما صرح بذلك هذا السفر المبارك..

لقد قال صاحبكم.. صاحب (طريق الأولياء) معلقا على هذا:(لعل إبراهيم لما أنكر كون سارة زوجة له في المرة الأولى، عزم في قلبه أنه لا يصدر عنه مثل هذا الذنب، لكنه وقع في شبكة الشيطان السابقة مرة أخرى بسبب الغفلة)([25]) 

وقال في موضع آخر: (لا يمكن أن يكون إبراهيم غير مذنب في نكاح هاجر، لأنه كان يعلم جيدا قول المسيح المكتوب في الإنجيل، أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرا وأنثى، وقال من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه، ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدا واحدا)([26]) 

بل أقول: إنه لا يمكن أن يكون غير مذنب في زواجه من سارة، لأنه كان يعلم جيدا قول موسى المكتوب في التوراة: (لا تكشف أختك من أبيك كانت أو من أمك التي ولدت في البيت أو خارجا من البيت)، وقوله: (أي رجل تزوج أخته ابنة أبيه أو أخته ابنة أمه، ورأى عورتها ورأت عورته، فهذا عار شديد، فيقتلان أمام شعبهما. وذلك لأنه كشف عورة أخته فيكون إثمهما في رأسهما)، وقوله:(يكون ملعونا من يضاجع أخته من أبيه أو أمه)

إن هذا الزواج مساو للزنا عندكم.. ويلزم من هذا أن يكون إبراهيم ـ عليه السلام ـ زانيا قبل  النبوة وبعدها، ويكون أولاده كلهم من سارة أولاد الزنا.

ولو جوزتم زواج الأخت في شريعته لزم تجويز تعدد الزواج أيضا في تلك الشريعة.

إسحق:

سكت قليلا، ثم قال: ليس إبراهيم وحده هو من وقع في هذا.. إن مثل هذا ورد عن ابنه الوارث لبركاته إسحق.. اقرأ ما ورد في (سفر التكوين:26/6-11)

قرأ أخي: (فأقام إسحق في جرار وسأله أهل جرار عن امرأته فقال: (هي أختي)، لأنه خاف أن يقول: (هي امرأتي)، لئلا يقتلوه بسببها وكانت جميلة المنظر. ولما مضى على إقامته هناك وقت طويل حدث أن أبيمالك، ملك الفلسطيين أطل من نافذة له ونظر فرأى إسحق يداعب رفقة امرأته. فدعاه وقال له: (إذا هي امرأتك، فلماذا قلت إنها أختك؟) فقال إسحق: (لأني ظننت أنني ربما أهلك بسببها) فقال أبيمالك: (ماذا فعلت بنا؟ لولا قليل لضاجع أحد أبناء شعبنا امرأتك فنذنب) وأوصى أبيمالك جميع الشعب قال: (من مس هذا الرجل أو امرأته فموتا يموت)

قال الحكيم: ألا ترى إسحق في هذا النص يقتفي أثر أبيه، فيعود إلى نفس الخطيئة؟.. لقد قال صاحب طريق الأولياء: (زل إيمان إسحاق لأنه قال لزوجته أنها أخته)([27]).. وفي موضع آخر قال: (يا أسفي إنه لا يوجد كمال في أحد من بني آدم غير الواحد العديم النظير، والعجب أن شبكة الشيطان التي وقع فيها إبراهيم، وقع فيها إسحاق أيضا، وقال عن زوجته أنها أخته، فيا أسفي أن أمثال هؤلاء المقربين عند الله محتاجون إلى الوعظ)([28]) 

يعقوب:

ثم التفت إلى أخي، وقال: ونفس الأمر حصل مع يعقوب.. فهو لم يكتف بالكذب، بل راح يخدع أباه.. بل يخدع الله.. اقرأ على الجمع من (سفر التكوين:27/1-45)

قرأ أخي: (ولما شاخ إسحق وكلت عيناه عن النظر دعا عيسو ابنه الأكبر وقال له: (يا ابني)، قال: (نعم. ها أنا). فقال: (صرت شيخا كما ترى ولا أعرف متى أموت. فخذ عدتك وجعبتك وقوسك واخرج إلى البرية وتصيد لي صيدا، 4وهيئ لي الأطعمة التي أحب، وجئني بها فآكل وأباركك قبل أن أموت).

وكانت رفقة سامعة حينما كلم إسحق عيسو ابنه. فلما خرج عيسو إلى البرية ليصطاد صيدا ويجيء به إلى أبيه، قالت رفقة ليعقوب ابنها: (سمعت أباك يقول لعيسو أخيك: جئني بصيد وهيئ لي أطعمة فآكل منها وأباركك أمام الرب قبل موتي. والآن يا ابني، اسمع لكلامي واعمل بما أوصيك به. اذهب إلى الماشية وخذ لي منها جديين من خيرة المعز، فأهيئهما أطعمة لأبيك كما يحب. فتحضرهما إلى أبيك، ويأكل ليباركك قبل موته). فقال يعقوب لرفقة أمه: (لكن عيسو أخي رجل أشعر وأنا رجل أملس. ماذا لو جسني أبي فوجدني مخادعا؟ ألا أجلب على نفسي لعنة لا بركة؟) فقالت له أمه: (علي لعنتك يا ابني. ما عليك إلا أن تسمع لكلامي وتذهب وتجيئني بالجديين. فذهب وجاء بهما إلى أمه، فهيأت أطعمة على ما يحب أبوه. وأخذت رفقة ثياب عيسو ابنها الأكبر الفاخرة التي عندها في البيت، فألبستها يعقوب ابنها الأصغر وكست يديه والجانب الأملس من عنقه بجلد المعز. وناولت رفقة يعقوب ما هيأته من الأطعمة والخبز، فدخل على أبيه وقال: (يا أبي)، قال: (نعم، من أنت يا ابني؟) فقال له يعقوب: (أنا عيسو بكرك. فعلت كما أمرتني. قم اجلس، وكل من صيدي، وامنحني بركتك). فقال له إسحق: (ما أسرع ما وجدت صيدا يا ابني!) قال: (الرب إلهك وفقني). فقال: (تعال لأجسك يا ابني، فأعرف هل أنت ابني عيسو أم لا). فتقدم يعقوب إلى إسحق أبيه، فجسه وقال: (الصوت صوت يعقوب، ولكن اليدين يدا عيسو). ولم يعرفه، لأن يديه كانتا مشعرتين كيدي عيسو أخيه. فقبل أن يباركه. قال: (هل أنت حقا ابني عيسو؟) قال: (أنا هو). فقال: (قدم لي من صيدك، يا ابني، حتى آكل وأباركك). فقدم له فأكل، وجاء بخمر فشرب. وقال له إسحق: (تقدم وقبلني يا ابني). فتقدم وقبله، فشم رائحة ثيابه وباركه وقال: (ها رائحة ابني كرائحة حقل باركه الرب يعطيك الله من ندى السماء ومن خصوبة الأرض فيضا من الحنطة والخمر! وتخدمك الشعوب وتسجد لك الأمم! سيدا تكون لإخوتك، وبنو أمك يسجدون لك. ملعون من يلعنك، ومبارك من يباركك!)

فما إن فرغ إسحق من بركته، وخرج يعقوب من عنده حتى رجع عيسو أخوه من الصيد فهيأ هو أيضا أطعمة وجاء بها إلى أبيه وقال له: (قم يا أبي، وكل من صيدي، وباركني). فقال له أبوه: (من أنت؟) قال: (أنا ابنك البكر عيسو). فارتعش إسحق ارتعاشا شديدا وقال: (فمن هو الذي صاد صيدا وجاءني به، فأكلت منه كله قبل أن تجيء وباركته؟ نعم، باركته ومباركا يكون). فلما سمع عيسو كلام أبيه صرخ عاليا بمرارة وقال له: (باركني أنا أيضا يا أبي). فأجابه: (جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك). فقال عيسو: (ألأن اسمه يعقوب تعقبني مرتين؟ أخذ بكوريتي، وها هو الآن يأخذ بركتي). وقال: (أما أبقيت لي بركة؟)

فأجابه إسحق: (هاأنا جعلته سيدا لك، وأعطيته جميع إخوته عبيدا، وزودته بالحنطة والخمر، فماذا أعمل لك يا ابني؟) فقال عيسو: (أما لك غير بركة واحدة يا أبي؟ باركني أنا أيضا يا أبي). ورفع عيسو صوته وبكى. فأجابه أبوه:(بعيدا عن خصوبة الأرض يكون مسكنك، وعن ندى السماء من فوق. بسيفك تعيش وأخاك تخدم فإذا قويت تكسر عن عنقك نيره)

وحقد عيسو على يعقوب بسبب البركة التي باركه بها أبوه. وقال عيسو في نفسه: (إقتربت أيام الحداد على أبي. فأقتل يعقوب أخي). وجاء من أخبر رفقة بكلام عيسو، فاستدعت يعقوب وقالت له: (أخوك ينوي أن يقتلك. والآن اسمع لكلامي يا ابني، فقم اهرب إلى لابان أخي في حاران، وأقم عنده أياما قليلة حتى يهدأ غضب أخيك فإذا هدأ غضب أخيك ونسي ما فعلت به أرسل وآخذك من هناك. لماذا أفقدكما في يوم واحد؟)

قال الحكيم: يكفيني ما قرأته.. هل ترى هذا سلوك نبي أبي أنبياء!؟.. نحن المسلمين لا نقول هذا .. بل ننزه الأنبياء عن كل خطيئة صغيرة كانت أو كبيرة..

لقد ذكر بعض علماء المسلمين.. وهو ابن حزم.. في نقد لاذع وتحليل رائع، ما في هذا النص من أكاذيب وخرافات ومتناقضات فقال: وفي هذا الفصل فضائح وأكذوبات وأشياء تشبه الخرافات، فأول ذلك اطلاقهم على نبي الله يعقوب ـ عليه السلام ـ أنه خدع أباه وغشه وهذا مبعد عمن فيه خير من أبناء الناس مع الكفار والأعداء، فكيف من نبي مع أبيه وهو نبي أيضا؟! هذه سوءات مضاعفات.

ثانيا: اخبارهم أن بركة يعقوب إنما كانت مسروقه بغش وخديعة وتخابث، وحاشا للأنبياء عليهم السلام من هذا. ولعمري انها لطريقة اليهود، فما تلقى منهم إلا الخبيث الخادع والشاذ.

ثالثا: اخبارهم أن الله أجرى حكمه وأعطى نعمته على طريق الغش والخديعة، وحاش لله من هذا.

رابعا: أنه لا يشك أحد في أن إسحق ـ عليه السلام ـ لما بارك يعقوب حينما خدعه، كما زعم النذل الذي كتب لهم هذا الهوس، إنما قصد بتلك البركة عيسو، وأنه دعا لعيسو لا ليعقوب. فأي منفعة للخديعة ها هنا؟ لو كان لهم عقل. 

وأما وجوه الكذب فكثيرة جدا. من ذلك نسبتهم الكذب إلى يعقوب ـ عليه السلام ـ وهو نبي الله ورسوله، في أربع مواضع:

أولها وثانيها قوله لأبيه اسحاق أنا ابنك عيسو وبكرك، فهاتان كذبتان في نسق، لأنه لم يكن ابنه عيسو، ولا كان بكره، وثالثها ورابعها قوله لأبيه: صنعت جميع ما قلت لي فاجلس وكل من صيدي.فهاتان كذبتان في نسق، لأنه لم يكن له شيئا ولا أطعمه من صيده، وكذبات أخرى هي: بطلان بركة اسحق إذ قال ليعقوب تخدمك الأمة وتخضع لك الشعوب وتكون مولى اخوتك، ويسجد لك بنو أمك، وبطلان قوله لعيسو تستعبد لأخيك. فهذه كذبات متواليات. فوالله ما خدعت الأمم يعقوب ولا بنيه بعده، ولا خضغت لهم الشعوب، ولا كانوا موالى اخوتهم، ولا سجد لهم ولا له بنو أمه. بل إن بني اسرائيل هم الذين خدموا الأمم في كل بلدة وخضعوا للشعوب قديما وحديثا في أيام دولتهم وبعدها. 

وأما قوله (تكون مولى اخوتك ويسجد لك بنو أمك)، فلعمري لقد صح ضد ذلك جهارا، إذ في توراتهم أن يعقوب كان راعيا لأنعام ابن عمه لابان بن ناحور بن لامك وخادمه عشرين سنة، وأنه بعد ذلك سجد هو وجميع ولده حاشا من لم يكن خلق منهم بعد لأخيه عيسو مرارا كثيرة.

وما سجد عيسو قط ليعقوب، ولا ملك قط أحد من بني يعقوب بني عيسو. وقد تعبد يعقوب لعيسو في جميع خطابه له، وما تعبد قط عيسو ليعقوب. وقد سأل عيسو يعقوب عن أولاده فقال له يعقوب: هم أصاغر من الله بهم على عبدك. وقد طلب يعقوب رضاء عيسو وقال له: اني نظرت الى وجهك كمن نظر إلى بهجة الله، فارض عني، واقبل ما اهديت اليك. فما نرى عيسو وبنيه إلا موالى يعقوب وبنيه.

فما نرى تلك البركة إلا انها معكوسة منكوسة! ونعوذ بالله من الخذلان.

قال ذلك، ثم ابتسم، وقال: لقد ذكرني هذا النص قصة حكاها رحمة الله الهندي، فذكر أن فاجرا من فرقة بانو طلب حشيشا من الحمار لأجل حصانه، وما أعطاه الحمار، فقال: إن لم تعطني أدع على حمارك، فيموت الليلة، وراح، فمات حصانه في تلك الليلة، فلما استيقظ ووجد حصانه ميتا، حرك رأسه متعجبا، فقال: يا عجبا يا عجبا أنه مضى مليونات من السنين على ألوهية إلهنا، ولا يميز الحصان من الحمار إلى هذا الحين، دعوت على الحمار وأهلك حصاني.

ثم علق على هذا بقوله: ولو كان حال ديانة أبي الأنبياء الإسرائيلية هكذا أو حال علم الله هكذا، فللمنكر أن يقول: يجوز أن يكون مبنى معاملات الأنبياء الإسرائيلية مع الله أيضا على الخداع كأبيهم الأعلى، ويجوز أن يكون عيسى ـ عليه السلام ـ وعد الله أن تعطيني قدرة الكرامات، أدع الخلق إلى توحيدك وربوبيتك، لكن الله ما ميز الصدق عن الكذب، فأعطاه القدرة فدعا إلى ربوبية نفسه وبغى على الله.. أعوذ بالله من هذه الأمور الواهية.

ليس هذا فقط ما ذكر عن يعقوب..

لقد ذكر الكتاب المقدس أن يعقوب اشترى النبوة من أخيه عيسو فى مقابل طبق عدس وقطعة لحم، ففي (تكوين 25/ 29-34):(وطبخ يعقوب طبيخا فأتى عيسو من الحقل وهو قد أعيا. فقال عيسو ليعقوب: أطعمني من هذا الأحمر لأني قد أعييت. (لذلك دعي اسمه أدوم). فقال يعقوب: بعني اليوم بكوريتك. فقال عيسو: ها أنا ماض إلى الموت فلماذا لي بكورية؟ فقال يعقوب: احلف لي اليوم. فحلف له. فباع بكوريته ليعقوب. فأعطى يعقوب عيسو خبزا وطبيخ عدس فأكل وشرب وقام ومضى. فاحتقر عيسو البكورية)

لوط:

التفت إلى أخي، وقال: أنبئني عن مقام لوط فيكم، وفي الكتاب المقدس؟

قال أخي: هو من الأنبياء البررة، وقد شهد له بطرس في رسالته الثانية (2: 7) بالبر والصلاح والاستقامة فهو يقول:(وإذ حكم الله على مدينتي سدوم وعمورة بالخراب، حولهما إلى رماد، جاعلا منهما عبرة للذين يعيشون حياة فاجرة. ولكنه أنقذ لوطا البار، الذي كان متضايقا جدا من سلوك أشرار زمانه في الدعارة. فإذ كان ساكنا بينهم، وهو رجل بار، كانت نفسه الزكية تتألم يوميا من جرائمهم التي كان يراها أو يسمع بها. وهكذا نرى أن الرب يعرف كيف ينقذ الأتقياء من المحنة)

قال الحكيم: فاقرأ ما ورد عنه في الكتاب المقدس من سفر التكوين: 19 / 30 38)

قرأ أخي: (وخاف لوط أن يسكن في صوغر، فصعد إلى الجبل وأقام بالمغارة هو وابنتاه. فقالت الكبرى للصغرى: ((شاخ أبونا وما في الأرض رجل يتزوجنا على عادة أهل الأرض كلهم. تعالي نسقي أبانا خمرا ونضاجعه ونقيم من أبينا نسلا)). فسقتا أباهما خمرا تلك الليلة، وجاءت الكبرى وضاجعت أباها وهو لا يعلم بنيامها ولا قيامها. وفي الغد قالت الكبرى للصغرى: ((ضاجعت البارحة أبي، فلنسقه خمرا الليلة أيضا، وضاجعيه أنت لنقيم من أبينا نسلا)). فسقتا أباهما خمرا تلك الليلة أيضا، وقامت الصغرى وضاجعته وهو لا يعلم بنيامها ولا قيامها. فحملت ابنتا لوط من أبيهما. فولدت الكبرى ابنا وسمته موأب، وهو أبو المؤابيين إلى اليوم. والصغرى أيضا ولدت ابنا وسمته بن عمي، وهو أبو بني عمون إلى اليوم)

قال الحكيم: أهذا هو الطهر والبراءة والتقى!؟.. لقد قال صاحب (طريق الأولياء)([29]) يتأسف عليه:(حاله حري أن يبكى عليه، ونحن بعد التأسف والخوف والخشية على أنفسنا نتعجب منه، أهو الذي بقي نقي الثوب عن جميع شرور سادوم، وكان قويا في السلوك على صراط الله، وبعيدا عن جميع نجاسات تلك البلدة وغلب عليه الفسق بعد ما خرج إلى البر، فأي شخص يكون مأمونا في بلد أو بر أو كهف)

فإذا كان القسيسيون قد بكوا عليه، فليكفنا بكاؤهم([30]).. ولنبحث في سجل خطايا نبي آخر.. أخبرني عن موسى.. ما مقامه فيكم؟

موسى:

قال أخي: هو فينا النبي منقطع النظير (تثنية 34: 10- 12) الذي على يده حرر الله شعبه، وعقد عهده معه (خروج 24: 8)، وأعلن له شريعته (خروج 34: 10، راجع 34: 27).. وموسى هو الوحيد ـ بالاشتراك مع يسوع ـ الذي يطلق عليهما العهد الجديد لقب الوسيط.

لكن بينما أعطى الله الشريعة بواسطة عبده الأمين موسى (عبرانيين 3: 5، غلاطية 3: 19) لشعبه إسرائيل وحده، فهو يخلص جميع البشر بوساطة ابنه (عبرانيين 3: 6) يسوع المسيح (1 تيموتاوس 2: 4- 6).. ولهذا، فإن الشريعة أتتنا عن يد موسى، وأما النعمة والحق فقد بلغا إلينا عن يد يسوع المسيح (يوحنا 1: 17)

قال الحكيم: لن أجادلك فيما ذكرته.. ولكني لن آخذ منه إلا شيئا واحدا أحتاجه الآن.. وهو أن موسى نبي من أنبياء الكتاب المقدس.. أليس كذلك؟

قال أخي: إن لم يكن موسى نبيا، فليس هناك نبي في الكتاب المقدس.

قال الحكيم: ما دمت قد ذكرت هذا.. فاقرأ لي ما ورد في (الخروج:2/11 -12)

قرأ أخي:(وحدث في تلك الأيام لما كبر موسى أنه خرج إلى إخوته لينظر في أثقالهم. فرأى رجلا مصريا يضرب رجلا عبرانيا من إخوته فالتفت الى هنا وهناك ورأى ان ليس احد فقتل المصري وطمره في الرمل)

قال الحكيم: ألا ترى كيف يصور الكتاب المقدس نبي الله موسى متعمدا للقتل.. بل تعتبره عنصريا، فهو لم يقتله إلا لأنه مصري.

التفت إلى أخي، ثم قال: اقرأ علي ما ورد في (سفر الخروج:4/10- 17)

قرأ أخي: (فقال موسى للرب: (يا رب! ما كنت يوما رجلا فصيحا. لا بالأمس ولا من يوم كلمتني أنا عبدك بل أنا بطيء النطق وثقيل اللسان) فقال له الرب: (من الذي خلق للإنسان فما؟ ومن الذي خلق الأخرس أو الأصم أو البصير أو الأعمى؟ أما هو أنا الرب؟ فاذهب وأنا أعينك على الكلام وأعلمك ما تقول) فقال موسى: (يا رب! أرسل أحدا غيري) فغضب الرب على موسى غضبا شديدا وقال له: (أعرف هرون اللاوي أخاك أنه فصيح اللسان وها هو الآن خارج للقائك وحين يراك يفرح في قلبه. فكلمه أنت بما تريد أن ينطق به، وأنا أعينكما على ما تقولانه وأعلمكما وأريكما ما تعملانه. هو يخاطب الشعب عنك وينطق باسمك، وأنت تكون له كأنك الله يوحي إليه. وخذ بيدك هذه العصا، فبها تصنع المعجزات)

قال الحكيم: ألا ترى كيف نص الكتاب المقدس على أن الله غضب على موسى غضبا شديدا؟

 سكت أخي، فقال له الحكيم: اقرأ علي ما ورد في (سفر الخروج:32/19)

قرأ أخي:(فلما دنا من المحلة وأبصر العجل وجوق المغنيين فاشتد غضب موسى ورمى باللوحين من يده فكسرهما في أسفل الجبل)

قال الحكيم: أليس هذان اللوحان كانا من عمل الله وخط الله؟

قال أخي: بلى.. وقد صرح بذلك في هذا الباب.

قال الحكيم: فكسرهما خطأ، ولم يحصل بعد ذلك مثلهما، لأن اللوحين اللذين حصلا بعدهما كانا من عمل موسى ومن خطه.

قال أخي: أجل.. وقد صرح بذلك في الباب الرابع والثلاثين من سفر الخروج.

قال الحكيم: ليس هذا فقط ما رمى به الكتاب المقدس هذا النبي الكريم.. اقرأ علي ما ورد في (سفر العدد:20/12)

قرأ أخي: (وقال الرب لموسى وهارون من أجل إنكما لم تصدقاني وتقدساني قدام بني إسرائيل، من أجل ذلك لا تدخلان أنتما بهذه الجماعة إلى الأرض التي وهبت لهم)

قال الحكيم: ليس هذا فقط.. اقرأ ما ورد في (سفر الاستثناء: 32/ 48-52)

قرأ اخي: (وكلم الرب موسى في ذلك اليوم وقال له ارق هذا الجبل عبريم وهو جبل المجازاة إلى جبل نابو  الذي في أرض مواب تلقاء أريحاء، ثم انظر إلى أرض كنعان التي أنا أعطيها لبني إسرائيل ليرثوها ثم مت في الجبل الذي تصعد إليه ويجتمع إلى شعوبك، كما مات أخوك هارون في هور الطور واجتمع إلى شعبه على أنكما عصيتماني في بني إسرائيل عند ماء الخصام في قادس برية صين ولم تطهراني في بني إسرائيل فإنك ستنظر إلى الأرض التي أنا أعطيها بني إسرائيل من تلقائها، وأما أنت فلا تدخلها)

قال الحكيم: ألا ترى في هاتين العبارتين تصريحا بصدور الخطأ عن موسى وهارون ـ عليهما السلام ـ بحيث صارا محرومين عن الدخول في الأرض المقدسة، بل قد قال الله لهما زاجرا: (إنكما لم تصدقاني وتقدساني وإنكما عصيتماني)!؟

سكت أخي، فقال الحكيم: فلنترك موسى.. ولنذهب إلى أخيه هارون.. شريكه في النبوة.. أخبرني ما مقامه فيكم؟

هارون:

قال أخي: هو عندنا ـ كان ولا يزال ـ مثال الكاهن الأعظم كما في (سيراخ 45: 6 - 22) ومثال الشفيع القدير الذي صرف عن الشعب الغضب الإلهي (حكمة 18: 20- 25).. وقد كان الأسينيون في عصر يسوع ينتظرون لا المسيا الملك ابن داود فقط،  بل المسيا الكاهن الأسمى ابن هارون.

قال الحكيم: وأنتم تنصون على نبوته.. فقد كتب القسيس (اسمت) في القسم الأول من كتابه المسمى بتحقيق الدين الحق المطبوع سنة 1842 في الصفحة 42: (كما أنه لم يكن بينهم ـ  أي بين بني إسرائيل ـ سلطان لم يكن بينهم نبي غير موسى وهارون وسبعين من المعينين)، ثم قال: (لم يكن غير موسى وهارون ومعينيهما نبيا لهم)([31])،  فدل هذا على أن هارون نبي عند المسيحيين.

ثم التفت إلى أخي، فوجده، وكأن هذا النقل لم يعجبه، فقال: لا بأس.. فلنترك هذا القسيس.. ولنرجع  إلى الكتاب المقدس.. فهو الذي ينص بصراحة لا فوقها صراحة على نبوته.. ولا يضره أن يكون متبعا لشريعة موسى، فهذا لا يتنافى مع النبوة كما لا ينافي هذا نبوة يوشع وداود وأشعيا وأرمياء وحزقيال وغيرهم من الأنبياء الإسرائيليين، الذين كانوا ما بين زمان موسى.

لقد جاء في (سفر الخروج: 4/27):(فقال الرب لهارون اذهب وتلق موسى إلى البرية فمضى وتلقى به إلى جبل الله وقبله).. وفي (سفر العدد:18/1):(وقال الرب لهارون).. وفي (سفر العدد:18/8):(ثم كلم الرب هارون وقال له).. وفي (سفر العدد:18/20):(ثم قال الرب لهارون).. وفي هذا الباب من الأول إلى الآخر هو المخاطب حقيقة.

وفي الباب الثاني والرابع والرابع عشر والسادس عشر والتاسع عشر توجد هذه العبارة: (وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما) في ستة مواضع.

وفي الآية الثالثة عشر من الباب السادس من سفر الخروج هكذا: (فكلم الرب موسى وهارون وأوصاهما وأرسلهما إلى بني إسرائيل وإلى فرعون ملك مصر ليخرجا بني إسرائيل من مصر)

أنت ترى من هذه العبارات أن الله أوحى إلى هارون منفردا وبشركة موسى، وأرسله إلى بني إسرائيل وفرعون كما أرسل موسى.. بل من طالع سفر الخروج يظهر له أن المعجزات التي صدرت في مقابلة فرعون، ظهر أكثرها على يد هارون.

قال أخي: لا حاجة لك لذكر كل هذه الأدلة.. فأنا لا أنكر نبوة هارون([32]).

قال الحكيم: ما دمت قد قلت ذلك، فاقرأ علي ما ورد في (سفر الخروج: 32 / 1-6)

قرأ أخي: (ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمعوا على هرون وقالوا له: (قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا. فهذا الرجل موسى الذي أخرجنا من أرض مصر لا نعرف ماذا أصابه) فقال لهم هرون: (انزعوا حلق الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وجيئوني بها) فنزع جميع الشعب حلق الذهب التي في آذان نسائهم وجاؤوا بها إلى هرون. فأخذها من أيديهم وأذابها وسكبها في صنم على صورة عجل. فقال الشعب: (هذه آلهتكم يا بني إسرائيل، آلهتكم التي أخرجتكم من أرض مصر) فلما رأى هرون ذلك بنى أمام الصنم مذبحا ونادى وقال: (غدا عيد للرب) فبكروا في الصباح وأصعدوا محرقات وقدموا ذبائح سلامة وجلسوا يأكلون ويشربون، ثم قاموا يمرحون)

قال الحكيم: ألا ترى في هذا النص ما يدلك على الخطيئة العظيمة التي وقع فيها هارون.. بل هي أعظم الخطايا على الإطلاق..

ألا ترى أن هارون صنع عجلا، وبنى مذبحا أمامه، ونادى وقال: غدا عيد للرب. فعبد العجل وأمر بني إسرائيل بعبادته فقربوا وقودا وذبائح؟

التفت إلى أخي، فلم يجبه بشيء، فقال: دعنا من هارون.. ولنبحث في سيرة نبي آخر.. اذكر لي.. ما مقام داود فيكم؟

داود:

قال أخي: لقد دعي داود من قبل الله، وكرس بدهن المسحة (1 صموئيل 16: 16/ 1- 13) فهو دائما مبارك من الله، وهو الشخص الذي يقصده الله بحضوره، ولأن الله كان معه فقد نجح في كل مساعيه (16: 18)، في محاربته لجليات (17: 45- 47)، وفي حروبه التي قام بها في خدمته لشاول (18: 14- 16)، وفي الحروب التي قام بها كملك ومحرر لإسرائيل.. (ووقى الرب داود حيثما توجه) (2 صموئيل 8: 14)

قال الحكيم: فاقرأ علي ما قصه الكتاب المقدس عنه في سفر صموئيل الثاني (11: 1-27)

قرأ أخي: (ولما جاء الربيع، وهو وقت خروج الملوك إلى الحرب، أرسل داود يوآب والقادة معه على رأس كل جيش بني إسرائيل، فسحقوا بني عمون وحاصروا مدينة ربة. وأما داود فبقي في أورشليم. وعند المساء قام داود عن سريره وتمشى على سطح القصر، فرأى على السطح امرأة تستحم وكانت جميلة جدا. فسأل عنها، فقيل له: (هذه بتشابع بنت أليعام، زوجة أوريا الحثي). فأرسل إليها رسلا عادوا بها وكانت اغتسلت وتطهرت، فدخل عليها ونام معها، ثم رجعت إلى بيتها. وحين أحست أنها حبلى أعلمته بذلك. فأرسل داود إلى يوآب يقول: (أرسل إلي أوريا الحثي) فأرسله. فلما جاء سأله داود عن سلامة يوآب والجيش وعن الحرب، ثم قال له: (إنزل إلى بيتك واغسل رجليك واسترح). فخرج أوريا من القصر وتبعته هدية من عند داود. فنام على باب القصر مع الحرس ولم ينزل إلى بيته. فلما قيل لداود: (أوريا لم ينزل إلى بيته)، دعاه وقال له: (أما جئت من السفر؟ فما بالك لا تنزل إلى بيتك؟) فأجابه أوريا: (تابوت العهد ورجال إسرائيل ويهوذا مقيمون في الخيام، ويوآب وقادة سيدي الملك في البرية، فكيف أدخل بيتي وآكل وأشرب وأنام مع زوجتي؟ لا وحياتك، لا أفعل هذا). فقال له داود: (أقم هنا اليوم، وغدا أصرفك). فبقي أوريا ذلك اليوم في أورشليم، وفي اليوم التالي دعاه داود، فأكل معه وشرب حتى سكر. ثم خرج مساء، فنام حيث ينام الحرس، ولم ينزل إلى بيته. فلما طلع الصباح كتب داود إلى يوآب مكتوبا وأرسله بيد أوريا، يقول فيه: (وجهوا أوريا إلى حيث يكون القتال شديدا، وارجعوا من ورائه فيضربه العدو ويموت). وكان يوآب يحاصر المدينة، فعين لأوريا موضعا علم أن للعدو فيه رجالا أشداء. فخرج رجال المدينة وحاربوا يوآب، فسقط لداود بعض القادة ومن بينهم أوريا الحثي. فأرسل يوآب وأخبر داود بكل ما جرى في الحرب. وقال يوآب للرسول: (بعدما تخبر الملك بكل ما جرى في الحرب، وإذا ثار غضبه وقال: لماذا دنوتم من سور المدينة لتحاربوا؟ أما تعلمون أن الذين فوق السور يرمونكم بالسهام؟ من قتل أبيمالك بن يروبشث؟ أما هي امرأة في تاباص رمته بحجر طاحونة من فوق السور فقتل؟ فلماذا دنوتم من السور؟) إذا قال لك هذا الكلام أجبه: (عبدك أوريا الحثي أيضا مات). فذهب الرسول إلى داود وأخبره بجميع ما أمره به يوآب، وقال لداود: (قوي علينا الأعداء وخرجوا لقتالنا في البرية، فطاردناهم إلى باب المدينة، فرمانا العدو بالسهام من فوق السور، فمات البعض من قادة الملك، وقتل أيضا عبدك أوريا الحثي). فقال له داود: (هذا ما تقول ليوآب: (لا يحزنك ذلك، لأن السيف لا يرحم أحدا. تابع هجومك على المدينة ودمرها. قل له ذلك حتى يتشجع). وسمعت زوجة أوريا أن زوجها مات، فناحت عليه. ولما انتهت أيام مناحتها، أرسل داود وضمها إلى بيته، فكانت زوجة له وولدت له ابنا. واستاء الرب مما فعله داود)

قال الحكيم: أهذا هو داود النبي الذي وصفته بما وصفته؟

قال أخي: هذا ما قاله الكتاب المقدس عنه.

قال الحكيم: ألا ترى داود كيف صار في الكتاب المقدس رمزا للرذيلة.. إن هذا الحدث الذي ورد في صمويل كان في الوقت الذي كان جيشه يحارب فيه؟

وفي الوقت الذي كان أوريا يضحي بنفسه كان عرضه ينتهك.. ثم يرمى أوريا في سلة مهملات الكتاب المقدس، بينما يمجد داود، ويتشرف بأن يكون أبا للمسيح.. أليس في هذا تمجيدا للرذيلة؟

سليمان:

سكت أخي، فقال: فلنتحدث عن ابنه وثمرة فؤاده سليمان.. أجبني: ما مقام سليمان فيكم؟

قال أخي: إن سليمان يرمز عندنا للحكمة.. فإذا ذكرت الحكمة ذكرنا معها سليمان.. وإذا ذكرنا سليمان ذكرنا معه الحكمة.. وقد قال عنه الكتاب المقدس في (سفر ملوك الأول: 30:4):(وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بنى المشرق)

قال الحكيم: هذا ما قاله سفر الملوك الأول في إصحاحه الرابع.. فاقرأ علي ما ذكره نفس السفر في الباب الحادي عشر.

أخذ أخي يقرأ:(وكان سليمان الملك قد أحب نساء كثيرة غريبة، وابنة فرعون، ونساء من بنات الموابيين، ومن بنات عمون، ومن بنات أدوم، ومن بنات الصيدانيين، ومن بنات الحيثانيين من الشعوب الذين قال الرب لبني إسرائيل لا تدخلوا إليهم، ولا يدخلوا إليكم لئلا يميلوا قلوبكم إلى آلهتكم، وهؤلاء التصق بهم سليمان بحب شديد وصار له سبعمائة امرأة حرة، وثلثمائة سرية، وأغوت نساءه قلبه فلما كان عند كبر سليمان أغوت نساءه إلى آلهة أخر، ولم يكن قلبه سليما لله ربه مثل قلب داود أبيه وتبع سليمان عستروت إله الصيدانيين وملكوم صنم بني عمون وارتكب سليمان القبح أمام الرب ولم يتم أن يتبع الرب مثل داود أبيه ثم نصب سليمان نصبة لكاموش صنم مواب في الجبل الذي قدام أورشليم، ولملكوم وثن بني عمون وكذلك صنع لجميع نسائه الغرباء، وهن يبخرن، ويذبحن لآلهتهن فغضب الرب على سليمان حيث مال قلبه عن الرب إله إسرائيل الذي ظهر له مرتين ونهاه عن هذا الكلام أن لا يتبع آلهة الغرباء، ولم يحفظ ما أمره به الرب فقال الرب لسليمان: إنك فعلت هذا الفعل، ولم تحفظ عهدي ووصاياي التي أمرتك بهن، أشق شقا ملكك، وأصيره إلى عبدك(الملوك الأول:11/ 1 ـ 11)

أشار الحكيم إلى أخي أن يسكت، ثم قال: ألا ترى هذه الخطايا الكثيرة التي لا يفعل مثلها أضعف المؤمنين إيمانا..

إن هذا السفر يذكر أن سليمان ارتد آخر عمره.. وهو الوقت الذي تتوجه فيه القلوب إلى الله.. مع أن جزاء المرتد في الشريعة الموسوية هو الرجم حتى لو كان المرتد نبيا ذا معجزات كما صرح بذلك الباب الثالث عشر، والسابع عشر من سفر الاستثناء، بل لا يعلم من موضع من مواضع التوراة، أنه يقبل توبة المرتد، ولو كان توبة المرتد مقبولة، لما أمر موسى بقتل عبدة العجل، حتى قتل ثلاثة وعشرين ألف رجل على خطأ عبادته.

ليس ذلك فقط.. بل أنتم تعتقدون أنه بنى المعابد العالية للأصنام في الجبل قدام أورشليم، وهذه المعابد كانت باقية مئتي سنة حتى نجسها، وكسر الأصنام يوسنا بن آمون ملك يهوذا في عهده، بعد موت سليمان بأزيد من ثلثمائة وثلاثين سنة.. لا يمكنك أن تخالفني في ذلك، فقد جاء ذلك صريحا في الباب الثالث والعشرين من سفر الملوك الثاني.

ليس ذلك فقط.. بل أنتم تعتقدو أنه تزوج نساء من سفر الشعوب، التي منع الله من الزواج منهن، كما في الباب السابع من الاستثناء:(ولا تجعل معهم زيجة فلا تعط ابنتك لابنه، ولا تتخذ ابنته لابنك)

ليس ذلك فقط.. بل انتم تعتقدون أنه تزوج ألف امرأة، وقد كانت كثرة الأزواج محرمة على من يكون سلطان بني إسرائيل في الآية السابعة عشر من الباب السابع عشر من سفر الاستثناء:(ولا تكثر نساؤه لئلا يخدعن نفسه)

ليس ذلك فقط.. بل أنتم تعتقدون أن نساءه كن يبخرن ويذبحن للأوثان، مع أنه ورد في الباب الثاني والعشرين من سفر الخروج:(من يذبح للأوثان فليقتل)، فكان قتلهن واجبا.

بل أنتم تعتقدون أن هؤلاء النسوة أغوين قلبه، فكان رجمهن واجبا على ما هو مصرح به في الباب الثالث عشر من سفر الاستثناء، وهو ما أجرى عليهم الحدود إلى آخر حياته.

التفت إلى أخي، ثم قال: هل تراني زدت على ما ذكرت الكتاب المقدس عن هذا النبي الكريم حرفا واحدا.

لم يملك أخي إلا أن يقول: صدقت في كل هذا.. ولكن الله تواب رحيم.

فقال الحكيم: كل هذه كبائر لابد لها من توبة.. فهل ثبتت توبة سليمان في كتبكم.

صمت أخي، فقال: لقد قرأت الكتاب المقدس مرات لا تحصى.. ولم أظفر بشيء.. بل لو تاب لهدم المعابد التي بناها، وكسر الأصنام التي وضعها في تلك المعابد، ورجم تلك النساء المغويات.. على أن توبته ما كانت نافعة لأن حكم المرتد في التوراة ليس إلا الرجم.

صمت أخي، فقال: فما دمت قد جوزت لهذا الحكيم أن يخطئ، ثم يتوب، لم ترفعت عن أن تضم محمدا إلى أولئك الأنبياء مع أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ثبتت توبته، ولم تثبت معصيته.. بينما سليمان وكل من ذكرنا ثبتت معاصيهم ولم تثبت توبتهم.

أفتعتبر التوبة جريمة ينبغي أن يطرد من يمارسها من حضرة أنبياء الله.. بينما تعتبر المعصية طاعة تجعل من المجرم الفاسق المنحرف حكيما من الحكماء ونبيا من الأنبياء.

الحواريون:

لم يجد أخي بما يجيبه، فقال الحكيم: فلنترك العهد القديم.. فربما كان فيه أثر من آثار اليهود.. ولنذهب إلى العهد الجديد.. ولنبحث في سيرة الحواريين.. حدثني ما مقامهم فيكم؟

قال أخي: الحواريون هم تلاميذ المسيح..

قال الحكيم: لا أقصد هذا.. بل أقصد علاقتهم بالنبوة.

قال أخي: نحن نؤمن بنبوتهم.. بل نرى أنهم لتشرفهم بصحبة المسيح أفضل من موسى وسائر الأنبياء الذين ورد ذكرهم في العهد القديم.

قال الحكيم: فلنبحث في سيرهم.. لقد ذكر الكتاب المقدس أنهم في الليلة التي أخذ اليهود فيها المسيح تركوه في أيدي الأعداء، أليس هذا ذنبا عظيما؟

قال أخي: بلى.. ولكنه صدر عن الجبن الذي طبعت عليه النفوس..

قال الحكيم: فلنسلم هذا.. ولكن هل ترى أنهم يعذرون في شيء هو أسهل الأشياء.. لقد كان المسيح في غاية الاضطراب في تلك الليلة، وقال لهم: إن نفسي حزينة جدا، امكثوا ههنا واسهروا معي، ثم تقدم قليلا للصلاة، ثم جاء إليهم فوجدهم نياما، فقال لبطرس: أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة، اسهروا وصلوا.

فمضى ثانية للصلاة، ثم جاء فوجدهم نياما، فتركهم ومضى، ثم جاء إلى تلاميذه، وقال لهم: ناموا واستريحوا.

قال أخي: ذلك صحيح.. وقد صرح به متى في إنجيله (متى: 26/36-46).. ففيه:(ثم جاء يسوع مع تلاميذه إلى موضع اسمه جتسماني، فقال لهم: (اقعدوا هنا، حتى أذهب وأصلي هناك)  وأخذ معه بطرس وابني زبدي، وبدأ يشعر بالحزن والكآبة.  فقال لهم: (نفسي حزينة حتى الموت. انتظروا هنا واسهروا معي) وابتعد عنهم قليلا وارتمى على وجهه وصلى فقال: (إن أمكن يا أبـي، فلتعبر عني هذه الكأس. ولكن لا كما أنا أريد، بل كما أنت تريد) ورجع إلى التلاميذ فوجدهم نـياما، فقال لبطرس: (أهكذا لا تقدرون أن تسهروا معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلوا لـئلا تقعوا في التجربة. الروح راغبة، ولكن الجسد ضعيف) وابتعد ثانية وصلى، فقال: (يا أبـي، إذا كان لا يمكن أن تعبر عني هذه الكأس، إلا أن أشربها، فلتكن مشيئتك) ثم رجع فوجدهم نـياما، لأن النعاس أثقل جفونهم فتركهم وعاد إلى الصلاة مرة ثالثة، فردد الكلام نفسه. ثم رجع إلى التلاميذ وقال لهم: (أنـيام بعد ومستريحون؟ جاءت الساعة التي فيها يسلم ابن الإنسان إلى أيدي الخاطئين. قوموا ننصرف! اقترب الذي يسلمني)

قال الحكيم: هل ترى هذا الموقف موقف أنبياء.. بل أشرف الأنبياء.. إن العصاة من أهل الدنيا لا يفعلون مثل هذا مع من هو مثلهم في معاصيهم.. فكيف يفعل أنبياء كرام مثل هذا.. وأي محبة لهم للمسيح الذي شرفوا به، وهم ينامون عنه وقد علموا أنه سيفقدونه في تلك اللحظات.

سكت قليلا: هؤلاء هم الحواريون في مجموعهم.. أما أفرادا.. فسأكتفي باثنين منهما.. كلاهما ورد فيه الثناء في الكتاب المقدس.

أما الأول.. فهو يهوذا الأسخريوطي، فقد كان أحد الحواريين، وكان مستفيضا بروح القدس، وممتلئا به، بل صاحب الكرامات..  فقد ورد في (إنجيل متى: 10/1-4):(ودعا يسوع تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم سلطانا يطردون به الأرواح النجسة ويشفون الناس من كل داء ومرض وهذه أسماء الرسل الاثني عشر: أولهم سمعان الملقب ببطرس وأخوه أندراوس، ويعقوب بن زبدي وأخوه يوحنا، وفيلبس وبرتولماوس، وتوما ومتى جابـي الضرائب، ويعقوب بن حلفى وتداوس، وسمعان الوطني الغيور، ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلم يسوع)

قال أخي: أجل.. ومن لا يعرف يهوذا؟

قال الحكيم: فهذا النبي باع دينه بدنياه، وسلم المسيح لليهود مقابل ثلاثين درهما، ثم خنق نفسه ومات.. أليس كذلك؟

قال أخي: بلى.. ففي إنجيل متى (26/14-16):(وفي ذلك الوقت ذهب أحد التلاميذ الاثني عشر، وهو يهوذا الملقب بالإسخريوطـي، إلى رؤساء الكهنة وقال لهم: (ماذا تعطوني لأسلم إليكم يسوع؟) فوعدوه بثلاثين من الفضة. وأخذ يهوذا من تلك الساعة يترقب الفرصة ليسلم يسوع)

وفيه (27/1-5) (ولما طلع الصبح، تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع ليقتلوه. ثم قيدوه وأخذوه وأسلموه إلى الحاكم بـيلاطس. فلما رأى يهوذا الذي أسلم يسوع أنهم حكموا عليه، ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ، وقال لهم: (خطئت حين أسلمت دما بريئا) فقالوا له: (ما علينا؟ دبر أنت أمرك) فرمى يهوذا الفضة في الهيكل وانصرف، ثم ذهب وشنق نفسه)

قال الحكيم: أيمكن لنبي أن يفعل كل هذه الجرائم؟

سكت أخي، فقال الحكيم: ليس ذلك فقط.. بل شهد يوحنا في حقه في الباب الثاني عشر من إنجيله  أنه كان سارقا، وكان الكيس عنده، وكان يحمل ما يلقى فيه. أيكون مثل هذا السارق البائع دينه بدنياه نبيا.. ثم لا ترضون أن يكون محمد الطاهر المطهر نبيا!؟

فلندع هذا.. ولنبحث في سيرة بطرس.. أليس هو رئيس الحواريين.. بل خليفة المسيح على حسب ادعائكم!؟

قال أخي: أجل.. هو كذلك.. بل كال له المسيح من الثناء ما لم يكل لأحد غيره، ففي (متى: 16/17-19):(فقال له يسوع: (هنيئا لك، يا سمعان بن يونا! ما كشف لك هذه الحقيقة أحد من البشر، بل أبـي الذي في السماوات. وأنا أقول لك: أنت صخر، وعلى هذا الصخر سأبني كنيستي، وقوات الموت لن تقوى عليها. وسأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فما تربطه في الأرض يكون مربوطا في السماء، وما تحله في الأرض يكون محلولا في السماء)

قال الحكيم: ومع هذا الفضل الذي تحسبونه له.. فقد أنكر المسيح خائفا على نفسه..

قال أخي: أجل.. فعندما أخذ اليهود المسيح تبعه من بعيد إلى دار رئيس الكهنة، فجلس خارج الدار، فجاءت جارية قائلة: وأنت كنت مع يسوع الجليلي. فأنكر قدام الجميع، ثم رأى أخرى، وقالت للذين هناك: هذا كان مع يسوع الناصري. فأنكر أيضا يقسم أني لست أعرف هذا الرجل، وبعد قليل جاء القيام، وقالوا لبطرس: حقا أنت أيضا منهم، فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف: إني لا أعرف هذا الرجل. وللوقت صاح الديك، فتذكر بطرس كلام المسيح: إنك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات([33]).

قال الحكيم: ليس ذلك فقط.. بل في نفس الإنجيل نرى المسيح يقول له: (ابتعد عني يا شيطان! أنت عقبة في طريقي، لأن أفكارك هذه أفكار البشر لا أفكار الله)(متى: 16/23)

بل إن بولس قال عنه في الباب الثاني من رسالته إلى أهل غلاطية:(ولكن لما أتى بطرس إلى أنطاكية، قاومته مواجهة لأنه كان ملوما لأنه قبل ما أتى قوم من عند يعقوب كان يأكل مع الأمم، ولكن لما أتوا كان يؤخر ويفرز نفسه خائفا من الذين هم من أهل الختان ورأى معه باقي اليهود أيضا حتى أن برنابا أيضا انقاد إلى ريائهم لكن لما رأيت أنهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الإنجيل، قلت لبطرس قدام الجميع إن كنت وأنت يهودي تعيش أمميا، فلماذا تلزم الأمم أن يتهودوا) (غلاطية:2/11-14)

المسيح:

التفت الحكيم إلى أخي، وقال: أنتم تزعمون بأن المسيح إله أو أقنوم من إله.. ومن كان كذلك فهو أرفع بكثير من درجة النبوة.. بل لا مقارنة بينهما.. أليس كذلك؟

قال أخي: بلى.. ما تقوله صحيح.. فلا يمكن المقارنة بين ابن الله الحقيقي وكل البشر..

قال الحكيم: ولكنكم مع ذلك تشوهون صورة المسيح.. وتملؤونه سيرته المختصرة التي وصلتكم بأصناف الخطايا.

انتفض أخي([34])، وقال: كيف تقول هذا؟.. إن المسيح هو مثال الرحمة والسلام والمحبة.. أليس هو الذي يقول:(أريد رحمة لا ذبيحة)(متى: 9: 13)؟

قال الحكيم: أنتم تنقلون عنه هذه الكلمات القليلة لتحسنوا صورته، ولكنها أضعف من أن تقاوم الصورة التي شوهتموها بما نسبتم إليه من أقوال وأفعال.

أنتم تجلعون لسانه الممتلئ بذكر الله، الغارق في التبشير به، لسانا ممتلئا سبابا وشتائم ولعنات مع أنكم تعلمون بـ (أن الشتامون لا يرثون ملكوت الله) كما صرح بذلك بولس في رسالته الأولى الي كورنثوس(6: 10)

ألستم الذين نسبتم إلى المسيح شتمه لتلك المرأة الكنعانية الطيبة، بل جعلتموه يعتبرها من زمرة الكلاب؟.. ألستم الذين تررون في متى (15: 26) أنه عندما جاءت المرأة الكنعانية تسترحمه بأن يشفى ابنتها رد عليها قائلا:(لا يجوز أن يأخذ خبز البنين، ويرمى للكلاب)؟

وبعدما أراقت هذه المرأة المسكينة آخر نقطة من ماء وجهها، وأقامت الحجة بقولها للمسيح:(والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها)، حقق لها أملها، وشفيت ابنتها (متى 15: 27)

أنتم تروون هذا، وتتباهون به، بل وتجعلونه من دلائل ألوهيته.. مع أنه لو وقف مثل هذا الموقف أي إنسان، فإنكم تتهمونه بالعنصرية، وبقساوة القلب، وبسوء الأدب.

ليس ذلك فقط.. فموسوعة الشتائم التي نسبتموها للمسيح لا تقف هنا:

فالمسيح ـ على حسب كتابكم المقدس ـ يمتد إلى الأنبياء الكرام ليصفهم باللصوص.. ألستم تقرأون في يوحنا (10: 7) أن المسيح قال:(أنا باب الخراف، وجميع الذين جاءوا قبلي سارقون ولصوص)

أنتم تجعلون المسيح رمزا للسلام، وتروون عن المسيح وصيته للتلاميذ بمحبة الاعداء والإحسان إليهم.. أليس كذلك؟

قلت: بلى..

قال: ولكنكم عندما تصورون حياة المسيح تصورونها بصورة المناقض لأقواله، فهو لا يبغض أعداءه فقط، وإنما يبغض أقرب الأقربين إليه، ويسبه، ويلقي الشتائم عليه.

ألستم تروون أنه أهان أمه وسط الحضور، فقال لها:(مالي ولك يا إمرأة)(يوحنا:2: 4)؟

ألستم الذين تروون إهانته لمعلمي الشريعة بقوله لهم:(يا أولاد الأفاعي)(متى:3: 7)؟.. وبقوله لهم:(أيها الجهال العميان)(متى:23: 17)؟

ألستم الذين تروون إهانته لتلاميذه، وشتمه لهم، إذ قال لبطرس كبير الحواريين:(يا شيطان) (متى:16: 23)، وشتم آخرين منهم بقوله:(أيها الغبيان، والبطيئا القلوب في الإيمان) (لوقا 24: 25).. مع أنه هو نفسه الذي قال لهم:(قد أعطى لكم أن تفهموا أسرار ملكوت الله)(لوقا: 8: 10)؟

ألستم الذين جعلتموه يشتم أحد الذين استضافوه ليتغدى عنده، وجعلتموه يشتمه في بيته.. أليس في الكتاب المقدس:(سأله فريسي أن يتغذى عنده، فدخل يسوع واتكأ، وأما الفريسي فلما رأى ذلك تعجب أنه لم يغتسل أولا قبل الغداء، فقال له الرب:(أنتم الآن أيها الفريسيون تنقون خارج الكأس، وأما باطنكم فمملوء اختطافا وخبثا يا أغبياء، ويل لكم أيها الفريسيون)، فأجاب واحد من الناموسيين، وقال له: يا معلم، حين تقول هذا تشتمنا نحن أيضا، فقال:(وويل لكم أنتم أيها الناموسيون) (إنجيل لوقا:11: 39)؟

ألستم الذين نسبتم إليه قوله لهيرودس:(قولوا لهذا الثعلب)(لوقا: 13: 32)؟

ألستم الذين جعلتموه يطلب من تلاميذه عدم إفشاء السلام في الطريق(لوقا: 10: 4)؟

ألستم الذين قولتموه:(لا تعطوا القدس للكلاب ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير)(متى:7: 6)؟

ألستم الذين جعلتموه يكذب على إخوته.. لقد رويتم في إنجيل يوحنا(7: 3) أن إخوة المسيح طلبوا منه أن يصعد إلي عيد المظال عند اليهود، فرد عليهم قائلا:(اصعدوا انتم إلي العيد، فأنا لا أصعد إلي هذا العيد.. ولما صعد إخوته إلي العيد، صعد بعدهم في الخفية لا في العلانية)؟

أنتم تروون وصيته لكم بأعدائكم، ولكنكم في نفس الوقت تجعلونه يقول بكل قسوة:(أما أعدائي الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي)(لوقا: 19: 27)

نعم.. أنتم تتقنون الفرار.. فتهربون من قسوة هذا القول بشتى محاولات التأويل والتحريف، فتارة تذكرون أن هذا سيكون يوم القيامة مع أن النص واضح، فالمسيح يقول:(فأتوا بهم إلى هنا)، وليس فيه أي إشارة إلى يوم القيامة.. وتارة تقولون: إن هذا مثل، مع أنكم تعلمون أن المثل انتهى عند الفقرة السادسة والعشرين من نفس الإصحاح..

أنتم لم تكتفوا بكل ذلك.. بل جعلتموه يتجرد من أبسط مظاهر الرحمة ليلعن شجرة مسكينة لا ذنب لها سوى أنها لم تثمر.. ولم تثمر من عندها، بل لأنه لم يكن وقت الثمر.. ألستم تروون في (مرقس:11: 12):(وفي الغد، بعدما غادروا بيت عنيا، جاع. وإذ رأى من بعيد شجرة تين مورقة، توجه إليها لعله يجد فيها بعض الثمر. فلما وصل إليها لم يجد فيها إلا الورق، لأنه ليس أوان التين. فتكلم وقال لها: (لا يأكلن أحد ثمرا منك بعد إلى الأبد)؟

ولم تكتفوا بالشجر، بل رحتم تنسبون إلحاق الأذى بالحيوانات البريئة.. بل تجلعونه يتسبب بمقتل ألفي حيوان في وقت واحد.. ألستم تروون في (مرقس: 5: 11):(وكان هناك قطيع كبير من الخنازير يرعى عند الجبل، فتوسلت الأرواح النجسة إلى يسوع قائلة: أرسلنا إلى الخنازير لندخل فيها، فأذن لها بذلك، فخرجت الأرواح النجسة ودخلت في الخنازير، فاندفع قطيع الخنازير من على حافة الجبل إلى البحيرة، فغرق فيها، وكان عدده نحو ألفين)؟

ألا تسألون أنفسكم: ما ذنب الخنازير وصاحب الخنازير، حين أراد إخراج الشياطين من المجنون؟.. ألم يكن من الأجدى إخراج الشياطين دون الإضرار بالخنازير؟!

أنتم تجلعونه رمزا للسلام، لكنكم تشوهون السلام الذي يدعو إليه بما تنسبون إليه من سلوك.. ألستم تروون أنه صنع سوطا من الحبال، ودخل به الهيكل، وطرد جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون فيه وبعثر دراهمهم وقلب موائدهم.. لا يمكنك أن تكذب ذلك.. فقد جاء في (يوحنا:2: 14):(وإذ اقترب عيد الفصح اليهودي، صعد يسوع إلى أورشليم، فوجد في الهيكل باعة البقر والغنم والحمام، والصيارفة جالسين إلى موائدهم، فجدل سوطا من حبال، وطردهم جميعا من الهيكل، مع الغنم والبقر، وبعثر نقود الصيارفة وقلب مناضدهم)

ألا يحمل هذا السلوك عنفا غير مبرر؟.. كان في إمكان يسوع المحبة أن يتصرف بما تمليه المحبة والسلام اللذان يدعو إليهما.

ألستم تروون في سفر الرؤيا [2: 21 _ 23 ] أن مسيح المحبة قال عن إمرأة اسمها إيزابل كانت تدعي انها نبية:(فإني سألقيها على فراش، وأبتلي الزانين معها بمحنة شديدة..وأولادها أقتلهم بالموت، فستعرف جميع الكنائس أني أنا هو الفاحص الكلى والقلوب، وأجازي كل واحد منكم بحسب أعماله)

فهل من المحبة والرحمة أن يقتل الأطفال بذنب أمهم؟

نعم أنتم تروون وصيته لكم بأعدائكم، ولكنكم في نفس الوقت تجعلونه يأمركم بكل قسوة ببغض أقرب الناس إليكم.. ألستم تروون قوله في (لوقا:14: 26):(إن جاء إلي أحد، ولم يبغض أباه وأمه وزوجته وأولاده وإخوته وأخواته، بل نفسه أيضا، فلا يمكنه أن يكون تلميذا لي)؟

بل أنتم تناقضون أنفسكم حين تجعلون من رسو ل السلام يقول:(لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض. ما جئت لألقي سلاما، بل سيفا.فإني جئت لأجعل الإنسان على خلاف مع أبيه، والبنت مع أمها، والكنة مع حماتها) (متى: 10: 34)

بل جعلتموه يقول:(جئت لألقي على الأرض نارا، فلكم أود أن تكون قد اشتعلت؟) (لوقا 12: 49)

بل جعلتم الله نفسه نارا.. ألم يقل صاحبكم في رسالة العبرانيين [ 12: 29 ]:(لأن إلهنا نار آكلة).. بل جعلتموه يتجرد من الرحمة ويترك ابنه يلاقي أبشع أنواع العذاب دون ذنب وهو يصرخ بصوت عظيم:(إلهي إلهي لماذا تركتني؟)(متى:27: 46)

التفت الحكيم إلى أخي، وقال: هل تراني زدت شيئا في كتابكم؟.. إن كل ما قرأته من كتبكم المقدسة.. إنها تحمل صورة مشوهة عن المسيح نرفضها ـ نحن المسلمين ـ رفضا شديدا.

       

الأدب والخطيئة

ما انتهى الحكيم من حديثه هذا حتى وقف رجل من الجمع، وقال: وعينا كل ما ذكرته.. ولا نحسب هذا الرجل إلا وقد بهت لما ذكرت، فلذلك لا نراه يحير جوابا.

قال الحكيم: لا ينبغي أن تقول هذا.. فنحن نبحث عن الحقيقة، ولا نتصارع تصارع الديكة.. لقد ذكر ما كان يختمر في ذهنه من شبهات.. وقد ذكرت له ما أراه من حقائق.. ولا حرج عليه أن يسأل ما يشاء، أو يعقب بما يشاء.. أليس هذا ميدان الحرية التي لا يشتاق لها إلا العقلاء؟

قال الرجل: فلدينا نحن ـ المسلمين ـ من الشبه ما نريد طرحها.. فما ذكره من الآيات وقع بين أيدي نفر من قومنا نسميهم (المخطئة) راحوا يبحثون عما يتوهمونه من خطايا الأنبياء.. يفسرون بذلك القرآن.. ويصححون بذلك الحديث.

ولذلك نلتمس منك أن تخرج من الحديث الذي أملاه الجدل إلى الأحاديث التي تمليها الحقيقة.. حقيقة النبوة.

قال الحكيم: أما إن قلت ذلك.. فإن لمقام النبوة في عين أهل الحقائق درجة من الطهارة لا نستطيع معها أن نتصور في حقهم معصية.

فالنبوة تعني القرب من الله.. ولا يقترب من الله إلا من امتلأ بالطهارة..

والنبوة تعني نصح الخلق.. ولا تقبل النصيحة من غير منتصح بها.

والنبوة تعني كمال الإنسانية.. ولا يصل كمال الإنسانية من تلطخ بأوزار المعاصي.

والنبوة تعني صفاء مرآة القلب حتى تنجلي فيها الحقائق كما هي.. والمعاصي هي السكين الذي يجرح الصفاء.. والدنس الذي يكدره.

قال الرجل: فما تقول فيما ذكرت من نصوص عن معاصي الأنبياء؟

قال الحكيم: ذلك من تحريف اليهود لكتبهم.. وتبعهم أحبار المسيحيين من غير تمحيص ولا تدقيق..

ولو أنهم أعملوا بعض عقولهم لعرفوا أن اليهود الذين لم يؤتمنوا على المسيح يستحيل أن يؤتمنوا على الكتاب المقدس.. وأن اليهود الذين شوهوا المسيح بكل ما أطاقت لهم عقولهم أن يشوهوه يستحيل أن يحفظوا نبيا.

قال الرجل: ولكن هناك أحاديث وصلتنا تنص على بعض ما نصت عليه هذه الكتب.

قال الحكيم: تلك أحاديث كعب الأحبار ووهب بن المنبه وغيرهم من  اليهود الذين أسلموا.. ولكنهم لم يطيقوا أن يتخلصوا من مراتبهم الدينية.. فراحوا يمارسونها مع المسلمين.. فدخل في الإسلام منهم تلك اللوثة اليهودية..

ولكن الله خلص المسلمين منها بالعدول من العلماء الذين يغيرون على مقام الأنبياء.

قلت: فهل ستحدثنا عن ذلك الآن؟

قال: لا.. حديث ذلك يطول.. ولكني سأقتصر منه على ما يتعلق بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. فسلوني عما أشكل عليكم من الآيات.. وسأجيبكم بفضل الله ومنته.

وقبل أن تسألوني.. فقد رأيت أن كل النصوص التي قد يساء فهمها ترجع إلى أمرين: أما أولهما، فهو تلك الشفافية الروحية التي كانت لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم.. والتي جعلته ـ وهو الكامل ـ يستشعر التقصير.. فلا يمتلئ لسانه وكيانه إلا عبودية وتواضعا واستغفارا.

وأما الثانية.. فهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو محل قدوة للمؤمنين، فلذلك يكون هو واسطة الخطاب الإلهي للمؤمنين، فيتوهم القاصرون أن ذلك الخطاب بما فيه من زجر وعتاب خاص به صلى الله عليه وآله وسلم.                        

شفافية:

قام رجل من القوم، فقال: فلنبدأ حديثنا بما ذكره هذا الحبر من الأحاديث الكثيرة التي نرى فيها محمدا يستغفر ربه.. ألا ترى فيها دلالة على المعصية؟

قال الحكيم: لا.. لا أرى فيها ذلك.. بل أرى فيها نفسا ممتلئة حياء من الله، فهي تستغفره كل حين من تقصيرها وتفريطها في حقه.. فمقام الله أعظم من أن يؤدى.

ألا ترى الرجل الكريم يهدي الهدية التي لا هدية تعدلها، ومع ذلك يقدمها بحياء، وكأنه يقدم ذنبا لا هدية.. بينما ترى الرجل الوقح يدل بالحقير، ويمن به!؟

قال الرجل: ذلك صحيح..

قال الحكيم: فهكذا الأمر مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. فقد كان له من الرقة والإيمان والأدب مع الله ما جعله يدمن على استغفاره.

التفت إلى أخي، ثم قال: ليس هذا خاصا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.. بل كل الصديقين والأنبياء يشعرون بهذه المشاعر النبيلة.. سأذكر لك نماذج من الكتاب المقدس لتدلك على هذا:

ففي إنجيل مرقس(10/17-18)، وإنجيل لوقا(18) نجد هذا النص الممتلئ بمثل هذه المشاعر: (وفيما هو خارج إلى الطريق، ركض واحد وجثا له وسأله أيها المعلم  الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية فقال له يسوع: لماذا تدعوني صالحا ليس أحد صالحا إلا واحد وهو الله).. ألا ترى أن المسيح أقر في هذا النص بأنه ليس صالحا، ولا صالح إلا الله وحده؟

وفي الزبور(22/1-2) نجد هذا النص:(إلهي إلهي انظر لماذا تركتني تباعد عني خلاصي بكلام جهلي إلهي بالنهار أدعوك فلم تستجب لي وبالليل فلم تحفل بي).. ولما كانت آيات هذا الزبور راجعة إلى المسيح على زعمكم، فكان القائل بها عندكم هو المسيح.

وفي (إنجيل متى:27/46) نجد هذا النص: (ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا: إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني)

وفي إنجيل مرقس (1/4-9) نجد هذا النص: (كان يوحنا يعمد في البرية ويكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا وخرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا جميعهم منه في نهر الأردن معترفين بخطاياهم.. وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في الأردن)

لقد كانت هذه المعمودية، معمودية التوبة، بمغفرة الخطايا، كما صرح مرقس في الآية الرابعة والخامسة والآية الثالثة من الباب الثالث من إنجيل لوقا هكذا: (فجاء إلى جميع الكورة المحيطة بالأردن يكرز بمعمودة التوبة لمغفرة الخطايا)، وفي الآية الحادية عشر من الباب الثالث من إنجيل متى هكذا: (أنا أعمدكم بماء للتوبة)، وفي الآية الرابعة والعشرين من الباب الثالث عشر من كتاب الأعمال هكذا: (إذ سبق يوحنا فكرز قبل مجيئه بمعمودية التوبة لجميع شعب إسرائيل)، والآية الرابعة من الباب التاسع عشر من كتاب الأعمال هكذا: (فقال بولس أن يوحنا عمد بمعمودية التوبة)

فهذه النصوص كلها، تدل على أن هذه المعمودية، كانت معمودية التوبة لمغفرة الخطايا، فمتى سلم اعتماد المسيح من يحيى، لزم تسليم اعترافه بالخطايا والتوبة منهما أيضا، لأن حقيقة هذا الاعتماد ليست غير ذلك.

وفي الباب السادس من إنجيل متى في الصلاة التي علمها المسيح تلاميذه هكذا:(اغفر لنا ذنوبنا كما نحن نغفر أيضا للمذنبين إلينا ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير)

والظاهر أن المسيح كان يصلي تلك الصلاة التي علمها تلاميذه، ولم يثبت من موضع من مواضع الإنجيل أنه ما كان يصلي هذه الصلاة.. بل إنه كان كثير الصلاة، فلزم أن يكون دعاؤه باغفر لنا ذنوبنا مرات كثيرة بلغت الآلاف.

قام رجل من القوم، وقال: قد يصح ما ذكرت إن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المبادر للاستغفار.. ولكنا نرى الله تعالى هو الذي يحثه عليه، ويأمره به، فالله تعالى يقول:﴿ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (النساء: 106)، ويقول:﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ (غافر:55)، ويقول:﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (محمد:19).. وغيرها من الآيات التي تأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاستغفار.. وقد ورد في الحديث: لزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هؤلاء الكلمات قبل موته بسنة: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)، قالت فقلت: يا رسول الله لقد لزمت هذه الكلمات، قال: (إن ربي عهد إلي عهدا أو أمرني بأمر، فأنا أتبعه)، ثم قرأ:﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (النصر:1) حتى ختم السورة([35]).

فكيف تجتمع العصمة مع الاأمر بطلب الغفران؟

قال الحكيم: إن التعرف على سر ذلك يقتضي الوقوف على أصل مسلَّم به بين العقلاء، وهو أنّ عظمة الشخصية وخطر المسؤولية متحالفان، فربَّ عمل يُعد صدوره من شخص جرماً وخلافاً، وفي الوقت نفسه لا يعد صدوره من إنسان آخر كذلك.

سأحاول أن أبسط لك ذلك..

أنت تعرف أنّ الاَحكام الشرعية تنقسم إلى واجب وحرام ومستحب ومكروه ومباح.. وتعلم أنه لا محيص عن الاِتيان بالواجب وترك الحرام.. نعم هناك رخصة في ترك المستحب والاِتيان بالمكروه، ولكن المترقب من العارف بمصالح الاَحكام ومفاسدها، تحلية الواجبات بالمستحبات، وترك المحرمات مع ترك المكروهات، ولا يقصر عنه المباح، فهو وإن أباحه الله سبحانه ولكن ربّما يترجح فعله على تركه أو العكس لعنوان ثانوي.

فالعارف بعظمة الرب يتحمّل من المسؤولية ما لا يتحمله غيره، فيكون المنتظر منه غير ما ينتظر من غيره، ولو صدر منه ما لا يليق، وتساهل في هذا الطريق، فإنه يتأكد منه الاستغفار وطلب المغفرة، لا لصدور الذنب منه، بل من باب قياس عمله إلى علو معرفته وعظمة مسؤوليته.

وإن شئت فاستوضح ذلك من ملاحظة حال المتحضر والبدوي، فالمرجوّ من الأَوّل القيام بالآداب والرسوم الرائجة في الحضارات الاِنسانية، ولكن المرجوّ من الثاني أبسط الرسوم والآداب، فما ذلك إلاّ لاختلافهما من ناحية التربية والمعرفة، كما أنّ الترقب من نفس المتحضرين مختلف جداً، فالمأمول من المثقف أشد وأكثر من غيره كما أنّ الانضباط المرجو من الجندي يغاير المترقب من غيره، والغفلة القصيرة من العاشق يعد جرماً وخلافاً في منطق العشق، وليست كذلك إذا صدرت من غيره.

وهذه الاَمثلة ونظائرها الوافرة تثبت أنّ عظمة الشخصية وكبر المسؤولية متحالفان، وأنّ الوظائف لا تنحصر في الاِتيان بالواجبات، والتحرّز عن المحظورات بل هناك وظائف أُخرى، وكلّما زاد العلم والعرفان توفرت الوظائف وكثرت المسؤوليات، ولاَجل ذلك تُعدّ بعض الغفلات أو اقتراف المكروهات من الأولياء ذنباً، مع أنها في الواقع ليست بالنسبة إليهم ذنباً مطلقاً، بل إنها ذنب إذا قيس إلى ما أُعطوا من الاِ يمان والمعرفة، ولو قاموا بطلب المغفرة والعفو، فإنّما هو لاَجل هذه الجهات.

ولهذا نرى شيخ الاَنبياء نوحاً ـ عليه السلام ـ يقول:﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً (نوح:28)

ويقتفيه إبراهيم ـ عليه السلام ـ ويقول:﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (ابراهيم:41)

وعلى أثرهم يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (البقرة:285)

والمنشأ الوحيد لهذا الطلب مرّة بعد أُخرى هو وقوفهم على أنّ ما قاموا به من الأَعمال والطاعات وإن كانت في حد نفسها بالغة حدّ الكمال لكن المطلوب والمترقّب منهم أكمل وأفضل منه.

قام رجل من القوم، وقال: لقد ورد في الحديث إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرض له ما يستدعي الاستغفار، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله، وفي لفظ: وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)([36]).. فقد ذكر أن علة استغفاره ما يحل على قلبه من الغين.

قال الحكيم: سر هذا الحديث لا يفهمه إلا أولياء الله الذين رزقوا من أذواق أهل الله ما يتيح لهم التعبير عن بعض حقائق الجمال التي وردت فيه.. وقد قال أبو الحسن الشاذلي في الحديث: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألته عن حديث: (إنه ليغان على قلبي)، فقال: (يا مبارك ذلك غين الأنوار).

وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي: لما كانت روح النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تزل في الترقي إلى مقامات القرب تستتبع القلب، والقلب يستتبع النفس، ولا ريب أن حركة الروح والقلب أسرع من نهضة النفس، وكانت خطى النفس تقصر عن مداهما في العروج، فمما نهضت به الحكمة إبطاء حركة القلب لئلا تتقطع علاقة النفس عنه، فيبقى العباد محرومين فكان صلى الله عليه وآله وسلم يفزع إلى الاستغفار، لقصور النفس عن ترقي القلب.

وقال: لا تعتقد أن الغين حالة نقص، بل هو حالة كمال.. فذلك مثل جفن العين حين يمسح الدمع القذى عن العين، فإنه يمنع العين عن الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة هو كمال.. فهكذا بصيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم متعرضة للأغبرة الثائرة من أنفاس الأخيار، فدعت الحاجة إلى ستر حدقة بصيرته، صيانة لها، ووقاية عن ذلك.

وقال أبو سعيد الخراز: الغين شئ لا يجده إلا الأنبياء وأكابر الأبرار والأولياء، لصفاء أسرارهم، وهو كالغيم الرقيق الذي لا يدوم.

وقال آخر: إن في الاستغفار والتوبة معنى لطيفا، وهو استدعاء لمحبة الله تعالى، فإحداثه الاستغفار والتوبة في كل حين استدعاء لمحبة الله تعالى.

وقال آخر: لقد رأى الاشتغال بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو نوم أو راحة ومخالطة الناس، والنظر في مصالحهم، ومحاربة عدوهم تارة، ومداراته أخرى، وتأليف المؤلفة، وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله تعالى، والتضرع إليه، ومشاهدته، ومراقبته، ذنبا بالنسبة إلى المقام العلي، وهو الحضور في حظيرة القدس.

وقال آخر: هو ما يستغشي القلب، ولا يغطية كل التغطية، كالغيم الرقيق لذي لا يمنع ضوء الشمس، ثم لا يفهم من الحديث أنه يغان على قلبه مائة مرة، وإنما هذا عدد الاستغفار لا الغين، فيكون المراد بهذا الغين الإشارة إلى غفلات قلبه، وفترات نفسه، وسهوها عن مداومة الذكر، ومشاهدة الحق، لما كان صلى الله عليه وآله وسلم من مقامات البشر، وسياسة الأمة، ومعاناة الأهل، ومقاومة الولي والعدو، ومصلحة النفس، وأعباء الرسالة، وحمل الأمانة، وهو في هذا كله في طاعة ربه، وعبادة خالقه، ولكن لما كان صلى الله عليه وآله وسلم أرفع الخلق عند الله تعالى مكانة، وأعلاهم درجة، وأتمهم به معرفة، وكانت حالة عند خلوص قلبه، وخلو همه، وتفرده بربه أرفع حاليه، رأى حاله فترته عنها، وشغله بسواها، غمضا من علي حاله، ورفيع مقامه، فاستغفر من ذلك.

وقال آخر: لم يزل صلى الله عليه وآله وسلم مترقيا من رتبة إلى رتبة، فكلما رقي درجة التفت إلى ما خلفها، وجد منها وحشة لقصورها بالإضافة إلى التي انتهى إليها، وذلك هو الغين، فيستغفر منه.

وقال آخر: هو حالة خشية، وإعظام، والاستغفار شكرها.

وقال آخر: هو السكينة التي تغشي قلبه، والاستغفار لإظهار العبودية والشكر لما أولاه.

وتأدب آخرون، فرأوا أنفسهم أقصر من أن يتحدثوا عن هذا المقام، فقد قال الجنيد: لولا أنه حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتكلمت فيه، ولا يتكلم على حال إلا من كان مشرفا عليها، وجملة حاله يشرف على نهايتها أحد من الخلق([37]).

قام رجل آخر، فقال: فما تقول في قوله تعالى:﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً (الفتح: 1-3).. فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم معصوماً من العصيان ومصوناً من الذنب، فكيف أخبر سبحانه عن غفران ذنبه، بل ما تقدم منه وما تأخر.

قال الحكيم: قبل أن أجيبك لا ينبغي أن أتخطى سيدا من سادات آل البيت.. وهو الإمام الرضا.. فقد سأله المأمون عن الآية فقال:(لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنباً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لاَنّهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنماً، فلمّـا جاءهم بالدعوة إلى كلمة الاِخلاص كبر ذلك عليهم وعظم، وقالوا:﴿ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلاَ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمَلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (ص: 5 ـ 7)، فلمّـا فتح اللهُ عزّ وجلّ على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة([38])، قال له: يا محمد: (إنّا فتحنا لك (مكة) فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله عزّ وجلّ فيما تقدّم، وما تأخّر، لأنّ مشركي مكة، أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفوراً بظهوره عليهم، فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن.

قال الرجل: ماذا يقصد مولانا الإمام الرضا بقوله هذا؟

قال الحكيم: ألا تلاحظ أن في اعتبار القرآن الغاية المتوخاة من الفتح هي مغفرة ذنب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما تقدّم منه وما تأخّر غرابة؟

قال الرجل: أجل.. أرى ذلك.. فطالما قلت لنفسي: كيف صار تمكينه سبحانه نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم من فتح القلاع والبلدان سبباً لمغفرة ذنوبه، مع أنّه يجب أن تكون بين الجملة الشرطية والجزائية رابطة عقلية أو عادية، بحيث تعدّ إحداهما علّة لتحقّق الاَُخرى أو ملازمة لها، وهذه الرابطة خفية في المقام جداً، فإنّ تمكين النبي من الاَعداء والسيطرة عليهم يكون سبباً لانتشار كلمة الحق ورفض الباطل واستطاعته التبليغ في المنطقة المفتوحة، فلو قال: إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً، لتتمكن من الجهر بالحق، ونشر التوحيد، ودحض الباطل، كان الترتب أمراً طبيعياً، وكانت الرابطة محفوظة بين الجملتين، وأمّا جعل مغفرة ذنوبه جزاء لفتحه صقعاً من الاَصقاع، فالرابطة غير واضحة.

قال الحكيم: وهذا ما وضحه الإمام الرضا.. فقد أراد أنه لما جاء النبي الأَكرم صلى الله عليه وآله وسلم داعياً إلى التوحيد في مجالى الخلق والاَمر، وإلى حصر التقديس والعبادة في الله، وأنّه لا معبود سواه ولا شفيع إلاّ بإذنه، فأخذ بتحطيم الوثنية ورفض عبادة الاَصنام، صارت دعوته ثقيلة على قريش وأذنابهم، حتى ثارت ثائرتهم على النبي الاَكرم، فقابلوا براهين النبي بالبذاءة والشغب والسب والنسب المفتعلة، فوصفوه بأنّه كاهن وساحر، ومفتر وكذّاب.. ثم صاروا إلى حربه كما علمتم.

فهذه الحوادث الدامية عند قريش، المرّة في أذواقهم بما أنّها جرّت إلى ذهاب كيانهم، وحدوث التفرقة في صفوفهم، والفتك بصناديدهم على يد النبي الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم، صوّرته في مخيلتهم صورة إنسان مجرم مذنب قام في وجه سادات قومه، فسب آلهتهم وعاب طريقتهم بالكهانة والسحر والكذب والافتراء، ولم يكتف بذلك حتى شن عليهم الغارة والعدوان فصارت أرض يثرب وما حولها، مجازر لقريش، ومذابح لاَسيادهم، فأىّ جرم أعظم من هذا، وأي ذنب أكبر منه عند هوَلاء الجهلة الغفلة، الذين لا يعرفون الخيّـر من الشرير، والصديق من العدو، والمنجي من المهلك؟

فإذن ما هو الاَمر الذي يمكن أن يبرئه من هذه الذنوب ويرسم له صورة ملكوتية فيها ملامح الصدق والصفاء، وعلائم العطف والحنان حتى تقف قريش على خطئها وجهلها.

إنّ الاَمر الذي يمكن أن ينزّه ساحته من هذه الاَوهام والاَباطيل، ليس إلاّ ذلك الفتح الذي فتح الله به عليه.. فعرفوا الحقيقة التي كانوا يحاربونها.

ثم إن ذلك العطف الذي أبداه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الواقعة مع كونه من القدرة بمكان، وقريش في حالة الانحلال والضعف، صوّر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند قومه وأتباعه بصورة إنسان مصلح يحب قومَه ويطلب صلاحهم ولا تروقه الحرب والدمار والجدال فوقفوا على حقيقة الحال، وعضّوا الاَنامل على ما افتعلوا عليه من النسب وندموا على ما فعلوا، فصاروا يميلون إلى الاِسلام زرافات ووحداناً.

فهذا الفتح العظيم وقبله وقعة الحديبية أثبتا بوضوح أن النبي الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم أكرم وأجل وأعظم من أن يكون كاهناً أو ساحراً، إذ الكاهن والساحر أقصر من أن يقوم بهذه الاَُمور الجليلة، كما أنّ لطفه العميم وخلقه العظيم آية واضحة على أنّه رجل مثالي صدوق، لا يفتري ولا يكذب، وإنّ ما جرى بينه وبين قومه من الحروب الدامية، كانت نتيجة شقاقهم وجدالهم وموَامراتهم عليه.

وبذلك، فإن الذنوب التي كانت تدّعيها قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وقعة الحديبية، أو فتح مكة، أُسطورة خيالية قضت عليها سيرته في كل من الواقعتين من غير فرق بين ما ألصقوا به قبل الهجرة أو بعدها، وعند ذلك يتضح مفاد الآيات كما يتضح ارتباط الجملتين: الجزائية والشرطية، ولولا هذا الفتح كان النبي محبوساً في قفص الاتهام، وقد كسرته هذه الواقعة، وعرّفته نزيهاً عن كل هذه التهم.

وعلى ذلك فالمقصود من الذنب ما كانت قريش تصفه به، كما أنّ المراد من المغفرة إذهاب آثار تلك النسب في المجتمع.

قال الرجل: هذا توجيه طيب.. ولكني أريد غيره.. فهل هناك غيره؟

قال الحكيم: أجل.. وهو ما سنعرفه في العلة الثانية من العلل التي يفسر بها هذا النوع من الخطاب.. وهي القدوة.

قال الرجل: فاشرح لنا ما يرتبط بهذا الآن.

قال الحكيم: القرآن الكريم ـ عند العارفين بالله الفاهمين عنه ـ هو خطاب الله للبشر جمعيا.. ولم يكن محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا واسطة لذلك الخطاب..

لهذا.. فكل عارف بالله يسمع القرآن من الله.. ويفهم أنه المخاطب بكل حرف من حروفه ما صيغ فيه بضمير المخاطب المفرد وما صيغ بغيره.. بل ما صيغ منه بكل الظمائر.

قال الرجل: فماذا يفهم هؤلاء الكمل من هذه الآيات؟

قال الحكيم: هذه الآيات تبين الجزاء الذي أعده الله لمن وصل به اجتهاده إلى الفتح المبين.. فقد ذكرت الآيات أنواعا من الجزاء.. ومهدت لها بالمغفرة الشاملة، فالمغفرة هي الأساس لغيرها من أنواع الجزاء.. كما أن تطهير التربة هو الأساس لغرس البذور الطيبة.

قدوة:

قال الرجل: وعينا هذا.. ولكنا نرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من الاستغفار إلى درجة أنه يلفت انتباه أصحابه.

قال الحكيم: ذلك صحيح.. وذلك من وظائف النبوة.. فالنبي قدوة لأمته.. ولهذا تجده يشعر أنه أول المخاطبين بكل تكليف..

ليس هذا خاصا بنبينا فقط.. بل هو عام لكل الأنبياء.. وقد قال تعالى فيهم:﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ (الأنعام:90)

وقد ورد في إنجيل متى أن المسيح صام أربعين نهاراً، أو أربعين ليلة، وفي (إنجيل مرقص:1/35 (وفي الصبح باكراً جداً قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء وكان يصلي هناك).. وفي (إنجيل لوقا:5/16): (وفي تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلي وقضى الليل كله في الصلاة للّه)

التفت إلى أخي، ثم قال: أنتم تقولون بأن المسيح متحد في ذات اللّه.. ولذلك فإن هذه التكاليف لا تحمل عندكم إلا على معنى واحد.. وهو ما ذكرته من قصد الاقتداء والتعليم.

قام رجل من القوم، وقال: نرى في القرآن الكريم آيات كثيرة وردت في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي تحمل نوعا من الخطاب الحاد صار ذريعة للمخطئة يرمون بها نبيهم.

قال الحكيم: فاذكرها لي أفسرها بما يفهمه أهل الحقائق المعظمين لمقام النبوة([39]).

قال الرجل: منها قوله تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ (الرعد:37)، وقوله تعالى:﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (البقرة:145)، وقوله تعالى:﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (البقرة:120)

فهذه الآيات تخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلحن حاد.. وقد تمسّكت المخطّئة بالقضية الشرطية على أرضية متوقعة في نفس النبي لاتّباع أهوائهم، وإلاّ فلا وجه للوعيد.

قال الحكيم: ومن أين لهم هذا النوع من الاستدلال.. ألا يعرف هؤلاء اللغة العربية، وأساليبها.. بل إن هذا مما تتفق عليه جميع اللغات.. فالقضية الشرطية لا تدل إلاّ على الملازمة بين الشرط والجزاء.. وهي لا تدل ـ بحال من الأحوال ـ على تحقّق الطرفين، ولا على إمكان تحقّقهما.

ألم يقرأ قوله تعالى:﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا (الانبياء:22)!؟

قال الرجل: بلى قرأوها.. وهم يستدلون بها على توحيد الله.

قال الحكيم: فلم لم يستدلوا بها على وجود آلهة مع الله؟

قال الرجل: لعدم تحقق الجزاء.

قال الحكيم: فهل رأوا ربهم تخلى عن نبيهم.. فلم ينصره.. ولم يكن له وليا ولا واقيا؟

قال الرجل: حاشاهم أن يقولوا ذلك.

قال الحكيم: فكيف لهم أن يجوزوا شيئا لا دليل لهم عليه؟

قام رجل آخر، وقال: فما تقول في قوله تعالى:﴿  وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً إِلاَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (الاسراء:86-87)؟

قال الحكيم: هذه الآيات لا يفهم منها الصادقون إلا صدق نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم.. فالله لم يستلب الوحي من نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مع قدرته عليه.. وذلك دليل كمال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا دليل قصور منه.

قال الرجل: لم أفهم .. كيف يكون ذلك دليل كمال؟

قال الحكيم: أرأيت لو أن رجلا اجتاز مسابقة يقوم عليها خبراء أشداء يلاحظون النقير والقطمير.. ونجا منها بنجاح.. هل يعتبر ذلك كمالا أم لا؟

قال الرجل: بل يعتبر ذلك عين الكمال.

قال الحكيم: فلو اجتاز هذا على خبراء لا يرون ولا يسمعون ولا يهتمون.. هل يصح لهذا أن يفخر بكماله بهذا الاجتياز؟

قال الرجل: لا يستطيع أن يفخر هذا بشيء.. وليس ما فعله كمالا.

قال الحكيم: فنزه الله عن لوثات التشبيه.. وارتق بهذا المثال لتعرف مقام نبيك صلى الله عليه وآله وسلم.

قام رجل آخر، فقال: صدقت.. إن المثال الذي ذكرته فهمت به سر قوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم:﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (الزمر:65)، وقوله تعالى:﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَقَاوِيلِ لاَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتينَ فَمَا مِنْكُمْ مِن أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزينَ (الحاقة: 44 ـ 47)

قال الحكيم: إن هذه الآيات ونظائرها التي تحكى عن القضية الشرطية يفهم منها الصادقون أمرين:

أما أولهما.. فمقدار الكمال الذي من الله به على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.. فراح يجتاز كل الامتحانات الصعبة التي وضع فيها بنجاح لا مثله نجاح.

وأما الثاني.. فما ذكرته لكم من أن القرآن الكريم يخطاب الأمة عبر نبيها.. فالكمل يسمعون الخطاب لهم، فيشعرون بأليم العتاب إن قصروا أو حدثتهم أنفسهم بالتقصير.. أما القاصرون، فيرون العتاب مخصوصا بنبيهم، فينحجبون عن الغرض القرآني، كما ينحجب التلميذ الأبله.

قام رجل من القوم، وقال: وكيف ينحجب هذا التلميذ؟

قال الحكيم: لقد تعود الكثير من الأساتذة ان يوجهوا تلاميذهم عبر النجباء منهم.. فيحذرون النجيب من التقصير.. ليفهم غيرهم من باب (إياك أعني واسمعي يا جارة)

أما الأذكياء.. فيفهمون من هذا شدة الأمر.. وأنه حتى النجابة لا يمكن ان تشفع للمقصر.

وأما البله.. فيفهمون الأمر قاصرا على من توجه الخطاب له، فينحجبون بالمخاطب عن الخطاب.

قام رجل من القوم، وقال: لقد فهمت بما ذكرته أسرار آيات من القرآن:

منها آيات وردت فاصلتها بنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أن يكون من الممترين، وهي قوله تعالى:﴿  الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) (البقرة)، وقوله تعالى:﴿  إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) (آل عمران)، وقوله تعالى:﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (الأنعام:114)، وقوله تعالى:﴿  فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (يونس:94)

ففي الموضع الأول يعلمنا الله تعالى أن لا نقيم وزناً لاِرجاف المرجفين في العدول بالصلاة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، كما يحكي سبحانه وتعالى عنهم بقوله:﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (البقرة:142)

وفي الموضع الثاني يبطل الله تعالى ألوهية المسيح ـ عليه السلام ـ بحجّة أنّه وليد مريم ـ عليها السلام ـ بأنّ تولده بلا أب يشبه تكوّن آدم من غير أب ولا أُم، ثم يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك بقوله:﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (آل عمران:60).. ولا شك ـ عند العقلاء ـ أنّ الخطاب جرى مجرى (إياك أعني واسمعي يا جارة)، فإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أعظم من أن يتسرب إليه الشك في مثل هذا.

وهكذا سائر المواضع.. فالنهي عن الشك نهي موجه للأمة عن طريق نبيها.. لا أنه موجه للنبي بسبب احتمال وقوع الشك منه.

قام رجل آخر، وقال: فما تقول في قوله تعالى:﴿ وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً (النساء:107)، فإن هذه الآية الكريمة تنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المجادلة عن الخائنين.. ومثلها قوله تعالى:﴿  إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً (النساء:105)

قال الحكيم: لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أي لحظة من لحظات حياته مدافعاً عن الخائنين، وانّما وردت الآية بهذا الأسلوب من باب تربية المجتمع وتوجيهه وتحذيره من هذا النوع من السلوك، وبما أنّ أكثر الناس لا يتحمّلون الخطاب الحاد، بل يكون مرّاً في أذواق أكثرهم، اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون المخاطب، غير من قصد له الخطاب.

قام رجل آخر، فقال: فما تقول في قوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم:﴿ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (الاسراء:22)، وقوله تعالى:﴿ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (الاسراء:29)، وقوله تعالى:﴿ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (الاسراء:39)، وقوله تعالى:﴿ وَمَا كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيراً للْكَافِرينَ وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (86 ـ 88)

قال الحكيم: هو ما ذكرته في غيرها.. فهذه الخطابات وما يشبهها وإن كانت موجهة في الظاهر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكن المقصد منها عامة الناس.. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أعظم من أن يشرك بالله تعالى.. فهو لم يحصل منه شرك قبل نبوته، فكيف يحصل منه بعد نبوته.

***

بعد أن انتهى الحكيم من حديثه لم يجد أخى ما يقوله.. ولذا سار مطأطئ الرأس، متغير الوجه، خارج ميدان الحرية ليترك الجماعة ملتفة حول الحكيم تسأله ويجيبها..

التفت إلى أصحابنا المستغرقين في مشاهدة ما حصل في ساحة الحرية.. فرأيت وجوههم كالحة عابسة عليها غبرة ترهقها قترة.

أما أنا.. فقد تنزلت علي حينها أنوار جديدة اهتديت بها بعد ذلك إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ثانيا ـ استبداد

في مساء اليوم الثاني.. وفي دار الندوة الجديدة.. دخل (نيكولاس إيلمنسكي)([40]).. الرجل الذي تقلب في السياسة، وقلبته السياسة.. بوجه متغير حاول بابتسامته الدبلوماسية العريضة أن يخفي تغيره، لكنه لم يطق.

ابتدرته الجماعة قائلة: ما الذي فعلت!؟.. ما نسبة نجاحك!؟.. هل هناك نتائج إيجابية!؟

نظر إليهم بابتسامته العريضة، وقال: طبعا.. هناك نتائج إيجابية.. ولا يمكن إلا أن تكون هناك نتائج إيجابية.. لقد فزت في جميع جولاتي الدبلوماسية، فكيف لا أفوز في هذه.

أطرق قليلا، ثم قال: نعم.. لقد كانت الحرب مستميتة بيني وبين من يدعونه حكيما.. لقد كان مجادلا بارعا، ومحاميا قويا.. ولكن الحق كان معي.. وسيظل معي.. ولا ينبغي أن يكون إلا معي.

ابتدر أخي ليأخذ القرص، ليضعه في القارئ، فقال نيكولاس: أرى أن تتركوا الفرصة لأحدثكم أنا بدل رؤية القرص.. فليس هناك رواية أحسن من رواية الشفاه..

ثم ابتسم لهم، وقال: نعم هذا أسلوب قديم.. ولكني أرى أنه الأفضل.

قال رجل من الجماعة: أرى أن السياسة قد أثرت فيك يا نيكولاس.. فدعنا نسير بالطريقة التي اجتمعنا لنسير عليها.

سكت نيكولاس على مضض.. فابتدر أخي.. ووضع القرص في القارئ.. وبدأ شريط الأحداث:

رأينا نيكولاس يحتمع إلى نفر من الناس في ميدان الحرية، ثم يخاطبهم قائلا: هل تعرفون محمدا؟

قال رجل من الجمع: منا من يعرفه.. ومنا من لا يعرفه.. ولكنا نتفق جميعا ـ من يعرفه ومن لا يعرفه ـ في أنا نحب أن نعرفه، أو نستزيد من معرفته.. فإن كان لديك شيء منها، فأنبئنا.. فكلنا آذان صاغية.

قال نيكولاس: هل تعرفون لينين؟

قالوا: أجل.. ولكنه مستبد آثم.

قال نيكولاس: وهل تعرفون فرعون وأتاترك وهتلر؟

قالوا: أجل.. وهم لا يختلفون عن لينين.

قال رجل من الجماعة: نحن نبحث عن محمد.. ونريد أن نعرف محمدا.. ولا حاجة لنا بمعرفة هؤلاء المستبدين الظالمين.

قال نيكولاس: من عرف هؤلاء فقد عرف محمدا.. بل إن محمدا أسوأ منهم.. فإن أحدا منهم لم يقل: إني مستبد يوحي إلي، ولكن محمدا قالها.

هنا ظهر الحكيم بطلعته البهية، ونوره الساطع، وصاح من بعيد: في أي سورة ورد ما ذكرته؟

ثم أضاف: لقد قرأت القرآن.. وربما قرأت الآية خطأ، فالآية تقول:﴿ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾ (الكهف:110).. وليس في القرآن آية تدعو للاستبداد، أو تحث عليه، أو تشرع له.. بل إنه ليس هناك كتاب في الدنيا يدعو إلى الثورة على الاستبداد كالقرآن.

سكت قليلا، ثم قال: ربما تتصور أن ذلك حديثا.. ليس هناك حديث في الدنيا يحث على الاستبداد أو يشرع له.

قال نيكولاس: ربما يكون ما ذكرته صحيحا.. ونحن لا نتحدث عنه هنا.. نحن نبحث في حياة محمد.. وحياة محمد عنوان للاستبداد بجميع أشكاله.. وإلا لما تسنى له أن يقيم أي دولة، أو ينشئ أي مجتمع.

قال الحكيم: لست أدري هل أنت صاحب شبهة تبحث عن التحقيق.. أم أنك صاحب هوى تبحث عن الجدل؟

قال رجل من الجمع: لا.. لا نظنه إلا صاحب شبهة، فإن كان لديك ما يرفعها عنه، فاذكره له.. ونحن هنا لنرى أنصع الحجج.. حجتك أو حجته.. لنتبعها.

قال الحكيم: يسرني ذلك.. ولست أدري هل يرضى صاحبنا بذلك أم لا؟

لم يجد نيكولاس إلا أن يجيب بالإيجاب..

حينذاك قال الحكيم: أليس المستبد هو الذي يحتقر الرعية، ويتكبر عليها، ويستولي على جميع أمورها، بحيث يفرض رأيه على كل أحد، ولا يسمع لأي أحد؟

قالوا: بلى.. هذا هو المستبد.. وكل مظاهر الاستبداد تنطلق من هذا.

قال الحكيم: فإذا أثبت لكم أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كان يحترم كل من يحيط به، بل كل من ولي أمره من المسلمين، وأنه فوق ذلك كان يستشيرهم في الصغير والكبير، والحقير والجليل.. هل أكون بذلك قد دفعت شبهته؟

قال الجمع: لا نرى الصواب إلا فيما ذكرت.

التفت الحكيم إلى نيكولاس، وقال: هل تقر بهذا الأصل أم أنك تخالف فيه؟

قال نيكولاس: ليس الشأن في التعرف على الأصول إنما الشأن في إثباتها.

قال الحكيم: فاسمع مني ما يثبتها لك.

 

احترامه للرعية

استجمع الحكيم أنفاسه، ثم قال: لو تأملتم حياة جميع الزعماء والقادة والمصلحين وعلاقتهم بمن يحيط بهم لن تجدوا رجلا في سماحة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا تواضعه ولا احترامه.

ضحك نيكولاس، وقال: وأستطيع أن أقول في المقابل: لو تأملتم جميع حياة المستبدين والمتكبرين والظالمين، فلن تجدوا رجلا مثل محمد.

قال الحكيم: ما دام كل منا له دعواه.. فليقدم كل واحد منا ما عنده من إثباتات.

قال نيكولاس: حسبي من الإثباتات أنه كان يفرض عليهم أي حكم، فلا يجدون مناصا من تنفيذه.

قال الحكيم: وكل الحكام يفعلون ذلك.. أم ترى أنه يستسلم لأهوائهم لتضع في الدين ما تشاء؟

سكت نيكولاس، فقال الحكيم: أما أنا.. فسأذكر لكم أربعة أدلة تعرفون من خلالها أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كان يحترم من ولي عليهم أعظم احترام، ولا يمكن لمن يكون له كل ذلك الاحترام أن تكون فيه ذرة من استبداد.

المخالطة:

قال رجل من الجمع: فما الدليل الأول؟

قال الحكيم: الدليل الأول هو مخالطة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ورعيته وعدم احتجابه عنهم بأي نوع من أنواع الحجاب.. بل إنه كان يعتبر الحجاب نوعا من الاستبداد، لقد قال صلى الله عليه وآله وسلم يحذر من الاحتجاب عن الرعية:(من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين، فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة)([41]) 

ومن هذا المنطلق كان أسهل شيء على أي أحد من الناس مقابلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والجلوس معه..

فقد قال الحسن  يصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(والله ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تغلق دونه الأبواب، ولا يقوم دونه الحجاب، ولا يغدى عليه بالجفان، ولا يراح بها عليه، ولكنه كان بارزا، من أراد أن يلقى نبى الله صلى الله عليه وآله وسلم لقيه، كان يجلس على الأرض، ويطعم ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف خلفه، ويلعق يده)([42])

ووصفه حمزة بن عبيد الله بن عتبة قال: كانت في رسول الله خصال ليست في الجبارين، كان لا يدعوه أحمر، ولا أسود، إلا أجابه، وكان ربما وجد تمرة ملقاة فيأخذها، فيرمي بها إلى فيه، وإنه ليخشى أن تكون من الصدقة، وكان يركب الحمار عريا، ليس عليه شئ)([43])

وذات مرة لقيه رجل تصور أنه مثل كل القادة والزعماء.. وقد حدثنا حديثه ابن مسعود  فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلم رجلا فأرعد، فقال: (هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديدة)([44])

وفي حديث آخر عن عبد الله بن بسر، قال: أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاة فجثا على ركبتيه، فأكل، فقال أعرابي: يا رسول الله ما هذه الجلسة؟ فقال:(إن الله عزوجل جعلني عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عنيدا)([45]) 

وقد أشفق الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما يصيبه من تلك المخالطة، فطلبوا منه أن يتخذوا له محلا خاصا، فأبى، ففي الحديث:  قال العباس: يا رسول الله إني أراهم قد آذوك، وآذاك غبارهم، فلو اتخذت عريشا تكلمهم فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا أزال بين أظهرهم يطئون عقبى وينازعوني ثوبي، ويؤذيني غبارهم، حتى يكون الله هو الذي يرحمني منهم)([46]) 

وكان من تواضعه صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يكن يتميز بشيء عن سائر الناس حتى أن من الناس من لا يعرفه كما روي عن أنس  قال: مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بامرأة تبكي عند قبرٍ فقال: اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي! ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلم تجد عنده بوابين([47])، فقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى([48]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يسلم على كل من لقيه صغيرا كان أو كبيرا، يعرفه أو لا يعرفه، فعن أنس  أنه مر على صبيان، فسلم عليهم وقال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لى الله عليه وسلم يفعله([49]).

وعن هند بن أبي هالة قال: كان رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم  يبدأ من لقيه بالسلام([50]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يسير مع أي أحد يعرفه أو لا يعرفه، عن أنس  قال: إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فتنطلق به حيث شاءت([51]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يركب الحمار كما يركبه سائر العوام، عن أنس  قال: كان رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم  يركب الحمار، ويعود المريض، ويشهد الجنازة، ويأتي دعوة المملوك، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف، على إكاف من ليف([52]).

بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يردف خلفه.. وقد ذكر العلماء أسماء من ردفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم نحو الخمسين أفرد أسماءهم الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب ابن الحافظ الكبير ابن عبد الله بن مندة في جزء لطيف وأضيف إليهم غيرهم.

وهم أكثر من أن يحصوا ـ كما روي عن أنس  قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سافر، وغزا أردف كل يوم رجلا من أصحابه ([53]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يلبس لباسا بسيطا كسائر الناس، ففي الحديث: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد عقد عباءة بين كتفيه فلقيه أعرابي، فقال: لم لبست هذا يا رسول الله؟ فقال: (ويحك، إنما لبست هذا لأقمع به الكبر)([54])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يأكل مع كل الناس حتى من عافهم الناس أو خافوا من عدواهم، فعن جابر بن عبد الله  أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد مجذوم، فأدخله معه في القصعة، ثم قال له: (كل باسم الله، وثقة بالله، وتوكلا عليه)([55])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يجيب كل من دعاه، ولأي شيء دعاه، حتى لو كان حقيرا، فعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك، ويقول: (لو دعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت)([56])

المشاركة:

قال رجل من الجمع: عرفنا الدليل الأول.. وعرفنا قوته.. فما الدليل الثاني؟

قال الحكيم: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكتفي بمخالطة الناس مجرد مخالطة ليقتنص ودهم كما يفعل بعض الزعماء والقادة.. وإنما كان يشاركهم في حياتهم وأعمالهم.. بل كان صلى الله عليه وآله وسلم لرحمته لهم يستأثر بأشقها.

فمن مشاركته لمن كان معه صلى الله عليه وآله وسلم مشاركتهم في الأعمال التي يقومون بها:

ومما روي في ذلك مشاركته صلى الله عليه وآله وسلم لهم في بناء المسجد بعد هجرته إلى المدينة المنورة بالرغم من العناء الكبير الذي لاقاه في هجرته، عن الحسن قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة قال: ابنوا لنا مسجدا، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: عرش كعرش موسى، ابنوا لنا بلبن، فجعلوا يبنون ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعاطيهم اللبن على ما دونه ثوب، وهو يقول: 

اللهم إن العيش عيش الآخرة    فاغفر للانصار والمهاجرة

فمر عمار بن ياسر فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينفض التراب عن رأسه، ويقول: ويحك يا ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية([57]).

وعن يعقوب بن يزيد قال: كان رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم  يتبع غبار المسجد بجريدة([58]).

وفي غزوة الخندق.. بعد أن أحاطت الأحزاب بالمدينة المنورة.. وفي ذلك الموقف الشديد الذي تزلزلت له القلوب.. والذي يكتفي فيه القادة بالجلوس في غرفهم المكيفة للتخطيط وإلقاء الأوامر.. كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابهم يشاركهم في كل صغيرة وكبيرة..

قالت أم سلمة: ما نسيت يوم الخندق، وهو يعاطيهم اللبن، وقد اغبر شعره، تعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم ([59]).

وعن البراء  قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحمل التراب على ظهره، حتى حال التراب بيني وبينه وإني لانظر إلى بياض بطنه([60]).

قال محمد بن عمر: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من شدة اجتهاده في العمل يضرب مرة بالمعول ومرة يغرف بالمسحاة التراب، ومرة يحمل التراب في المكتل، وبلغ منه التعب يوما مبلغا فجلس، ثم اتكأ على حجر على شقه الايسر فنام.

بل كان صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الموقف الشديد يتكفل بكل عمل شاق يتوقفون عنده، فعن جابر: أن المسلمين عرض لهم في بعض الخندق كدية عظيمة شديدة بيضاء مدورة، لا تأخذ فيها المعاول، فكسرت حديدهم، وشقت عليهم، فشكوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في قبة تركية فقال: أنا نازل، ثم قام، وبطنه معصوب بحجر من الجوع، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن دعو به، ثم نضح من ذلك الماء عليها، فيقول من حضرها: والذي بعثه بالحق إنها عادت كالكثيب المهيل ما ترد فأسا ولا مسحاة([61]).

ولم يكن صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك الموقف الشديد يكتفي بالعمل فقط.. بل كان يسليهم ويرتجز بما يرتجزون، ويضحك كما يضحكون:

قال ابن إسحاق وابن عمر: وارتجز المسلمون في الخندق برجل يقال له (جعيل) أو جعالة بن سراقة، وكان رجلا دميما صالحا، وكان يعمل في الخندق، فغير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اسمه يومئذ فسماه عمرا، فجعل المسلمون يرتجزون ويقولون:

سماه من بعد جعيل عمرا  وكان للبائس يوما ظهرا

وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقول شيئا من ذلك، إلا إذا قالوا: عمرا، وإذا قالوا: ظهرا، قال: ظهرا.

وعن البراء قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى وارى التراب بياض بطنه([62])، وكان كثيف الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات لابن رواحة:

والله لولا ما اهتدينا    ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا    وثبت الاقدام إن لاقينا

والمشركون قد بغوا علينا  إذا أرادوا فتنة أبينا

ورفع بها صوته: أبينا أبينا([63]).

وعن سلمان: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضرب في الخندق وقال:

باسم الاله وبه هدينا  ولو عبدنا غيره شقينا

يا حبذا ربا وحب دينا([64])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك الموقف الشديد يدعو الله لهم، ويشجعهم بكل ما أطاق أن يشجعهم به، عن سهل بن سعد قالا: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن نحفر في الخندق، وننقل التراب على أكتادنا([65]) في غداة باردة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك، فلما رأى ما هم فيه من النصب والجوع قال:(اللهم لا عيش إلا عيش الاخرة، فاغفر للانصار والمهاجرة)، فقالوا مجيبين له:

نحن الذين بايعوا محمدا  على الجهاد ما بقينا أبدا

ويؤتونه بملء كفي شعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة([66])، توضع بين يدي القوم، وهم جياع وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منتن.

ومما كان يشجعهم به ما روي في الحديث من ضربه على تلك الكدية وما كان فيها من معجزات، فقد ورد في الحديث: فأخذ المعول من سلمان، وقال:(بسم الله)، وضرب ضربة فكسر ثلثها، وبرقت برقة فخرج نور من قبل اليمن فأضاء ما بين لابتي المدينة حتى كأن مصباحا في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال:(أعطيت مفاتيح اليمن، إني لابصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة، كأنها أنياب الكلاب)، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر، وبرق منها برقة فخرج نور من قبل الروم فأضاء ما بين لابتي المدينة فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لابصر قصورها الحمر من مكاني الساعة.

ثم ضرب الثالثة، فقطع بقية الحجر وبرق برقة من جهة فارس أضاءت ما بين لابتي المدينة، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال:(أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لابصر قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب من مكاني هذا، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا بالنصر.

فاستسر المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعد صادق، بأن وعدنا النصر بعد الحصر، وجعل يصف لسلمان، فقال سلمان: صدقت يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هذه صفته، أشهد أنك رسول الله.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(هذه فتوح يفتحها الله تعالى بعدي يا سلمان، لتفتحن الشام، ويهرب هرقل إلى أقصى مملكته، وتظهرون على الشام فلا ينازعكم أحد، وليفتحن هذا المشرق، ويقتل كسرى فلا يكون كسرى بعده)، قال سلمان: فكل هذا قد رأيت([67]).

ومن مشاركته صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ـ التي هي رعيته ـ أنه كان يذوق من الجوع ما يذوقون، بل يذوق أعظم مما يذوقون([68])، ففي غزوة الخندق قال أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجوع، فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حجرين.

وكان صلى الله عليه وآله وسلم آخر من يأكل إذا ما دعوا إلى أي أكل، فعن أبن عباس: أن جابرا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق عاصبا بطنه بحجر من الجوع وأنهم لبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا.

قال جابر: فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المنزل فأذن لي، فذهبت فقلت لامرأتي: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمصا شديدا، ما في ذلك صبر، فعندك شئ؟ قالت: عندي صاع من شعير وعناق، فأخرجت إناء فيه صاع من شعير، وذبحت العناق، وطحنت الشعير، وجعلنا اللحم في البرمة، فلما انكسر العجين وكادت البرمة أن تنضج وأمسينا، وأراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الانصراف ـ قال: وكنا نعمل نهارا، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهلنا ـ قالت لي: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه.

فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فساررته فقلت: طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان.

فشبك أصابعه في أصابعي وقال: كم هو؟ فذكرت له، فقال: كثير طيب، لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجئ، وصاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع لكم سورا فحي، هلا بكم)، وصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقدم الناس، ولقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، وقلت: جاء الخلق، والله إنها للفضيحة على صاع من شعير وعناق، فدخلت على امرأتي فقلت: ويحك! جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمهاجرين والانصار ومن معهم، فقالت: أنت دعوتهم أو هو؟ قلت: بل هو دعاهم، قالت: دعهم، الله ورسوله أعلم، نحن قد أخبرناه بما عندنا، فكشفت عني.

فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال:(ادخلوا عشرة عشرة، ولا تضاغطوا)، فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك، فقال لنا:(اخبزوا واغرفوا وغطوا البرمة، ثم أخرجوا الخبز من التنور، وغطوا الخبز)، ففعلنا، فجعلنا نغرف ويغطي البرمة، ثم يفتحها فما نراها نقصت شيئا، ويخرج الخبز من التنور، ثم يغطيه فما نراه نقص شيئا، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويقرب إلى أصحابه ويقول لهم:(كلوا)

فإذا شبع قوم قاموا، ثم دعا غيرهم حتى أكلوا وهم ألف، وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو، فقال:(كلوا واهدوا، فإن الناس أصابتهم مجاعة شديدة)

فلم نزل نأكل ونهدي يومنا ذلك أجمع، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذهب ذلك([69]).

المواساة:

قال رجل من الجمع: عرفنا الدليل الثاني.. واقتنعنا به.. فما الدليل الثالث؟

قال الحكيم: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإضافة إلى ذلك كله يتعامل مع من ولي أمرهم تعامل الأصحاب لا تعامل السلطان.. بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يسمي من استظل بظل ولايته صاحبا، حتى لو كان له عدوا.

فإنه لما قال رأس المنافقين ابن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فبلغها زيد بن أرقم  رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجاء ابن أبي يعتذر ويحلف ما قال، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله تصديق زيد في سورة المنافقين، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأذنه فقال: أبشر فقد صدقك الله، ثم قال: هذا الذي وفى لله بأذنه فقال له: عمر يا رسول الله مر عباد بن بشر فليضرب عنقه فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)([70])

وهكذا كان صلى الله عليه وآله وسلممع سائر الناس.. فقد كان يسير مع كل أحد ليقضي حاجته، فعن أنس  قال: كانت امرأة في عقلها شئ قالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال:(يا أم فلان انظري أي الطرق شئت أقضي لك حاجتك)، فقام معها يناجيها، حتى قضت حاجتها([71]).

وفي حديث آخر عنه قال: إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجئ فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما ينزع يده من يدها، حتى تذهب به حيث شاءت من المدينة الحاجة([72]).

وعن عبد الله بن أبى أوفى  قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف، ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين يقضي لهما حاجتهما([73]).

وعنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يستنكف أن يمشي مع الضعيف، والأرملة، فيفرغ لهم من حاجاتهم([74]).

وقد استدل عدي بن حاتم بهذا السلوك على نبوته صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روي أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا عنده امرأة وصبيان، أو صبي، فذكر قربهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فعرفت أنه ليس ملك كسرى وقيصر([75]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يعود مرضى المسلمين، ويهتم بهم، فعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أخبره أن مسكينة مرضت، فأخبر رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم  بمرضها، وكان رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم  يعود المساكين، ويسأل عنهم([76]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يجيب أي دعوة لا يهمه ما كانت، ولا ممن كانت:

فعن ابن عباس  قال: إن كان الرجل من أهل العوالي ليدعو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصف الليل على خبز الشعير فيجيبه([77]).

وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: لو دعيت إلى ذراع أو كراع لاجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت([78]).

وعن أنس  قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجيب دعوه المملوك([79]).

بل كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يفرق في إجابة الدعوة بين مسلم وكافر، فعن أنس  أن يهوديا دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه([80]).

لقد وصف بعضهم سلوك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(وكان صلى الله عليه وآله وسلم يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره ويجيب دعوة الحر والعبد والامة والمسكين ويعود المرضى في أقصى المدينة ويقبل عذر المعتذر، قال أنس: ما التقم أحد أذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فينحى رأسه حتى يكون الرجل هو الذى ينحى رأسه، وما أخذه بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ.

ولم ير مقدما ركبتيه بين يدى جليس له، وكان يبدأ من لقيه بالسلام ويبدأ أصحابه بالمصافحة، لم ير قط مادا رجليه بين أصحابه حتى يضيق بهما على أحد يكرم من يدخل عليه وربما بسط له ثوبه ويؤثره بالوسادة التى تحته ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى ويكنى أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه، وروى أنه كان لا يجلس إليه أحد وهو يصلى إلا خفف صلاته وسأله عن حاجته فإذا فرغ عاد إلى صلاته([81])، وكان أكثر الناس تبسما وأطيبهم نفسا ما لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب، قال عبدالله بن الحارث: ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([82])

الخدمة:

قال رجل من الجمع: عرفنا الدليل الثالث.. واقتنعنا به.. فما الدليل الرابع؟

قال الحكيم: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكتفي بمجرد المشاركة والمواساة ولا الخلطة المجردة عن أي عمل إيجابي.. بل كان فوق ذلك كله، ومع ذلك كله، يبادر لأي خدمة سواء شورك فيها أو لم يشارك، وسواء كانت في بيته أو خارج بيته، لا يسأل على ذلك أجرا ولا شكرا.

عن أنس قال: ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم ولد، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في عباءة يهنأ بعيرا له([83]).

وقد وصفت عائشة  ما كان يصنع صلى الله عليه وآله وسلم في بيته، فقالت:(كان بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته ويخيط ثوبه، ويخدم نفسه، ويخصف نعله، ويعمل ما تعمل الرجال في بيوتهم، ويكون في مهنة أهله، يعني خدمة أهله، فإذا سمع المؤذن خرج إلى الصلاة)([84])

وعنها ـ أيضا ـ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعمل عمل أهل البيت وأكثر ما يعمل للخياطة([85]).

وكان خارج بيته في أي شغل أو خدمة يحتاجها المسلمون، لا يستكبر عن أي عمل:

وكان أخطر أعماله وأهمها تعليم الناس، يصبر في ذلك أيما صبر، عن أبي رفاعة تميم بن أسيدٍ  قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله، رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتي بكرسيٍ، فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها([86]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم لا يترك هذه الوظيفة حتى وهو منشغل بحاجاته الأساسية، عن أنسٍ  أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث قال: وقال: إذا سقطت لقمة أحدكم، فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان وأمر أن تسلت القصعة. قال: فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة([87]).

بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلمهم حتى ما يرتبط بحياتهم من معايش، فقد روي أنه مر مرة بغلام  يسلخ شاة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(تنح حتى أريك، فإني لا أراك تحسن تسلخ)، فأدخل رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم  يده بين الجلد واللحم، فدخس بها حتى ترادت إلى الإبط، ثم قال:(يا غلام هكذا فاسلخ)([88])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا نام الناس يشتغل حارسا لهم، فيهب عند كل فزعة،  عن محمد بن الحنفية  قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشجع الناس، وقال: فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راجعا، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري، في عنقه السيف، وهو يقول: لم تراعوا، لم تراعوا، ما وجدت من شئ، وقال للفرس: وجدناه بحرا، وإنه لبحر، قال: وكان فرسه بطيئا فيه قطاف فما سبق بعد([89]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم عند الغزو هو الترس الذي يتترسون به، عن علي  قال: كنا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه([90]).

وروى عنه أيضا قال: لما كنا يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان أشد الناس بأسا يومئذ، وما كان أحد أقرب من المشركين منه.

وعن البراء سأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين؟ فقال البراء: ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يفر، كانت هوازن ناسا رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، وأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، وهو يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)([91])

وعن عمران بن حصين  قال: ما لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتيبة إلا كان أول من يضرب([92]).

التفت الحكيم إلى دوج، وقال: هذه بعض الدلائل على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من احترام لرعيته الذين ولي أمرهم.. ولو قعدت أفصل لك ما يدل على هذه الأدلة ما خرجنا من هنا([93]).

ثم التفت إلى الجمع، وقال: هل يكفيكم ما ذكرنا من أدلة؟

قال رجل من الجمع: لقد كان يكفينا أقل مما ذكرت.. وقد صدقت، فلم نر زعيما في الدنيا مهما كان متواضعا، يبلغ به تواضعه لمن يتزعم عليهم إلى تلك الدرجة.

استشارته للرعية

لم يجد نيكولاس في ذلك الموقف إلا أن قال: لا ينفي ما ذكرته من احترام محمد لمن تولى عليهم كونه مستبدا.. ذلك أن المستبد قد يفعل ذلك من باب كسب القلوب، ثم هو بعد ذلك يمارس ما يمليه عليه استبداده من تصرفات.

قال الحكيم: فما الذي ينفي استبداده؟

قال نيكولاس: رجوعه للرعية واستشارته لها.. وأن لا يبت أمرا إلا بعد استئذانها.

قال الحكيم: كلامك صحيح.. وسأشرح لك وللجمع ما يثبت لك أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم هو الوحيد الذي استطاع أن يجمع ذلك كله في منتهى كماله.

قال نيكولاس: كيف تقول ذلك.. وهو يملي عليهم الأوامر.. ويزعم أنها تأتيه من السماء.. فلا يملكون إلا تنفيذها.

قال الحكيم: إن في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناحيتين، لكل منهما حكمه الخاص: أما الناحية الأولى.. فهي كونه نبيا يوحى إليه من الله.. وأما الناحية الثانية، فهي كونه بشرا وضع له من حرية الاختيار ما يمكنه من التصرف كما يشاء، أو كما تشاء الحكمة.

لقد أشار إلى هاتين الناحيتين أحد الصحابة، وهو الحباب بن المنذر في غزوة بدر عندما رأى مكانا آخر أهم من المكان الذي اختاره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذهب.. وهو الجندي البسيط.. إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال بأدب: يا رسول الله.. أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (بل هو الرأي والحرب والمكيدة)، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض يا رسول الله بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم ـ أي جيش المشركين ـ فننزله ونغور ـ نخرب ـ ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضًا، فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون.

فأعجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الاقتراح، ونهض بالجيش إلى أقرب ماء من العدو فنزل عليه، ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من الآبار.

أنت ترى أن هذا الرجل الممتلئ أدبا لم يقدم مشورته إلا بعد أن علم أن المسألة من الأمور التي يمكن أن تقدم فيها الآراء المختلفة.

الناحية التوقيفية:

قال نيكولاس: ففي الناحية الأولى لا مجال للشورى إذن؟

قال الحكيم: يمكنك أن تقول ذلك.. ففي هذه الناحية لا يتنازل محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء أمر به.. أو نهي عنه.. بل نهى المؤمنين أن يقفوا موقف الاختيار في هذا الجانب، قال تعالى:﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (الأحزاب:36)، وقال:﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (النساء:65)

بل إنه حذر من مخالفة أمره، فقال:﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(النور:63)

بل إنه نهى أن يتبع محمد صلى الله عليه وآله وسلم آراء أحد من الناس مقابل الهدي الذي جاء به، قال تعالى:﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ (المائدة:48)، وقال تعالى:﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (المائدة:49)

قال نيكولاس: فهل تركت هذه النصوص للاستبداد شيئا؟

قال الحكيم: أرأيت لو ذهبت إلى طبيب من الأطباء، هو خبير في ميدانه، فوصف لك شيئا من الأدوية أنت أحوج الناس إليه.. أتراك تجادله في ذلك؟

قال نيكولاس بقوة: نعم قد أجادله.. وقد حصل ذلك كثيرا.. فأنا لست إمعة تحركني الرياح حيث شاءت.

قال الحكيم: ولكنك بعد جدالك له لا تجد إلا أن تسلم له، ثم تتناول الأدوية التي وصفها لك.

سكت نيكولاس، فقال الحكيم: ما ذكرت صحيح.. ولذلك فإن الله برحمته يذكر لنا ـ عند ذكره لأصناف الأدوية الربانية ـ الحكم منها، لتقبل عليها العقول والقلوب عن بينة.. وفي ذلك منتهى الرحمة والحكمة والعدالة.. فالله برحمته لا يفرض علينا فرائضه كما يفرضها الملوك الذين يشتهون التسلط على غيرهم.. بل إن الله يأمرنا بما يرحمنا به، وبما ينفي وصول مضرة لنا.

لقد ذكر القرآن الكريم كثيرا هذا، فقد ذكر مثلا حكمة اعتزال النساء في المحيض وذكر أنها دفع الأذى قال تعالى:﴿ وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (البقرة:222)

وذكر حكمة تحريم الخمر، وأنه مع ما فيها من المنافع المتوهمة تحوي أضرارا أخطر من منافعها، قال تعالى:﴿ يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)(البقرة:219)، ثم فصل في ذكر المضار الكثيرة التي استدعت تحريمها، فقال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (المائدة:90-91)

وذكر حكمة تحريم الزنا، وأنها فحشه وسوء سبيله، ومفاسد مآله، فقال تعالى:﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (الاسراء:32)

وذكر حكمة تشريع الزواج وأنها السكن والمودة والرحمة وإعمار الكون، فقال تعالى:﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الروم:21)

قال نيكولاس: ولكن هذه التشريعات تجعل الإنسان في دائرة ضيقة لا تقل عن الدائرة التي يرسمها المستبدون.

ابتسم الحكيم، وقال: حتى ولو لم تتحكم فيه هذه الدائرة التي تتصور ضيقها، فستتحكم فيه دوائر أخرى شاء أم أبى.. حتى الخمر ـ التي تتصور أن تحريمها استبداد ـ لو تحرر أي شخص من استبداد تحريمها، فسيقع في استبداد شربها.. لعلك تعرف الإدمان، وتعرف المخاطر التي يجلبها لصاحبه.

ومع ذلك.. فإن الشريعة التي جاء بها الإسلام تقوم على التوسعة ورفع الحرج ليعيش الإنسان حياته الطبيعية على حسب ما تتطلبه الفطرة السليمة.

ولذلك ترى من قواعد الشريعة هذه القاعدة الذهبية (المشقة تجلب التيسير)، وقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)، و(والضرورة تقدر بقدرها)، و(العادة محكمة)

قال نيكولاس: أنا لي رأي في هذه القواعد التي ذكرتها.

قال الحكيم: يسرني سماعه.

قال نيكولاس: أرى أن الفقهاء الذين لاحظوا ضيق الشريعة وتشددها وعدم تناسبها مع الحاجات المختلفة للإنسان هم الذين راحوا ينسخون أحكامها بمثل هذه القواعد، كما فعل بولس عندنا في المسيحية.. أرى أن كلاهما مارس نفس السلوك.

ابتسم الحكيم، وقال: ما كان لفقهائنا أن يفعلوا هذا.. ولن يتركهم أحد لو فعلوه.. إن ما ذكرته لك هو ما دلت عليه النصوص المقدسة من الكتاب والسنة.

لقد قال تعالى يقرر تلك القواعد:﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (المائدة:6)، وقال تعالى:﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الحج:78)، وقال تعالى:﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (البقرة:173)، وقال تعالى:﴿ قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (الأنعام:145)

وبمثل ذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم يقرر تلك القواعد:((إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة)([94])

فهذا الحديث يقرر قواعد كثيرة توهمت أنت أنها من صنع الفقهاء، فهو يقرر التيسير (إن الدين يسر).. ويقرر منع التشدد والمبالغة من غير موجب:(ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه).. ويقرر ملازمة السداد والوسطية، أي الصواب من غير إفراط ولا تفريط: (فسددوا).. ويحث على بلوغ الكمال: (وقاربوا)، أي اعملوا بما يقرب من الأكمل.. ويحث على دوام العمل وزيادته: (واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم ـ الذي تصفه بالاستبداد لا يختار من الأمور إلا أيسرها ـ قالت عائشة: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده خادما قط ولا امرأة ولا شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا انتقم لنفسه من شئ يؤتى به إليه حتى تنتهك محارم الله فيكون هو ينتقم لله عزوجل، ولا خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما حتى يكون إثما فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الاثم)([95])، فهذا الحديث ينص على أن المختار في الشريعة هو التيسير والرفق والتخفيف في الأمور كلها ما لم يكن إثما.

سكت الحكيم قليلا، ثم قال: ومع ذلك كله، فإن الدين الذي أمر به محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر به كما أمر به لينين..

هنا لاحظت وجه نيكولاس، وقد تغير تغيرا شديدا، وكأنه كان يقصده.

قال الحكيم ذلك، ثم التفت إلى نيكولاس