الكتاب: النبي المعصوم

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 574

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

الكتاب موافق للمطبوع

التعريف بالكتاب

حاولت هذه الرواية أن تستعيد (دار الندوة) القرشية برمزيتها التاريخية التي تعني المواجهة والحرب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن تبين أن هذه الدار لم تهدم بعد.. وأنه كان لها وجود على مدار التاريخ.. ثم إن ثلة من الحاقدين أحيوا هذه الدار بمعونة الشيخ النجدي (الشيطان)، وجمعوا فيها ما ورثوه من أسلافهم من شبهات، وأضافوا إليها ما أفرزه حقدهم وبغضهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

ثم راحوا ينثرون هذه الشبهات في ساحة الحرية، في بلد من البلاد الأوروبية.. لكنهم ووجهوا برجل حكيم عاقل يعرف كيف يجيب على الشبهات بعلمه وأدبه وأخلاقه العالية، فلا يملك أحد الرد عليه أو مواجهته.. وهكذا يرجع كل مثير لأي شبهة من الشبهات خائبا كسيرا إلى أصحابه في دار الندوة.

وعندما يعجزون عن المواجهة العلمية يلجؤون إلى المواجهة بالخداع والمكر والحيلة..

هذه باختصار أحداث هذه الرواية الحوارية.. والتي تجيب على الشبهات الكثيرة التي أثيرت حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من منطلقات مختلفة، ابتداء بالمنطلقات التي يسلم بها الخصم، ويؤمن بها.

فهرس المحتويات

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

أولا ـ خطايا

الخطايا والنبوة

آدم:

نوح:

إبراهيم:

إسحق:

يعقوب:

لوط:

موسى:

هارون:

داود:

سليمان:

الحواريون:

المسيح:

الأدب والخطيئة

شفافية:

قدوة:

ثانيا ـ استبداد

احترامه للرعية

المخالطة:

المشاركة:

المواساة:

الخدمة:

استشارته للرعية

الناحية التوقيفية:

الناحية الاختيارية:

ثالثا ـ استكبار

موقفه من المستضعفين:

حياة المستضعفين:

رابعا ـ استغلال

العفاف:

العطاء:

خامسا ـ خداع

الكذب

الأعداء:

الأتباع:

الواقع:

الغش

الدين:

الواقع:

الاحتيال

شهادة الوحي:

تأخر الوحي:

آيات العتاب:

الشاهد الأول:

الشاهد الثاني:

الكسل

الشاهد الأول:

الشاهد الثاني:

الشاهد الثالث:

الشاهد الرابع:

سادسا ـ أمراض

أمراض عصبية

الصرع الأصغر:

الصرع الأكبر:

الصرع البؤري:

أمراض نفسية

أمراض روحانية

الشيطان:

السحر:

سابعا ـ انطواء

الانفتاح الديني:

الانفتاح الإنساني:

ثامنا ـ تطرف

العقيدة

السلوك

اليسر:

المقاصدية:

المواقف

الحياة

تاسعا ـ حروب

شرعية الحرب

الكتاب المقدس:

القرآن الكريم:

أسباب الحرب

سرية سيف البحر:

سرية رابغ:

غزة الأبواء:

غزوة سفوان:

سرية نخلة:

غزوة بدر:

غزوة بني سليم:

غزوة السويق:

غزوة ذي أمر:

غزوة بحران:

سرية القُردة:

غزوة بني قينقاع:

غزوة أحد:

سرية أبي سلمة:

بعث الرَّجِيع:

بئر مَعُونة:

غزوة بني النضير:

غزوة ذات الرّقاع:

غزوة بدر الثانية:

غزوة دُوَمة الجندل:

غزوة الأحزاب:

غزوة بني قريظة:

غزوة بني لحيان:

غزوة ذي قرد:

سرية كُرز بن جابر الفهري:

غزوة خيبر:

سرية مؤتة:

فتح مكة:

غزوة حنين:

غزوة الطائف:

غزوة تبوك:

أخلاق الحرب

دوافع:

وسائل:

عاشرا ـ زوجات

الخاتمة

المقدمة

تتناول هذه الرواية الرد العلمي المفصل على الكثير من الشبهات المطروحة على مدار التاريخ حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والوظيفة العظيمة التي كلفه الله بها، سواء كانت تلك الشبهات من رجال الدين أو من المستشرقين أو من غيرهم من أصناف الناس.

وقد حاولت فيها أن أستعيد (دار الندوة) القرشية برمزيتها التاريخية التي تعني المواجهة والحرب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وأبين أن هذه الدار لم تهدم بعد.. وأنه كان لها وجود على مدار التاريخ.. ثم إن ثلة من الحاقدين أحيوا هذه الدار بمعونة الشيخ النجدي (الشيطان)، وجمعوا فيها ما ورثوه من أسلافهم من شبهات، وأضافوا إليها ما أفرزه حقدهم وبغضهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

ثم راحوا ينثرون هذه الشبهات في ساحة الحرية، في بلد من البلاد الأوروبية.. لكنهم ووجهوا برجل حكيم عاقل يعرف كيف يجيب على الشبهات بعلمه وأدبه وأخلاقه العالية، فلا يملك أحد الرد عليه أو مواجهته.. وهكذا يرجع كل مثير لأي شبهة من الشبهات خائبا كسيرا إلى أصحابه في دار الندوة.

وعندما يعجزون عن المواجهة العلمية يلجؤون إلى المواجهة بالخداع والمكر والحيلة..

هذه باختصار أحداث هذه الرواية الحوارية.. والتي تجيب على الشبهات من المنطلقات المختلفة، ابتداء بالمنطلقات التي يسلم بها الخصم، ويؤمن بها.

وقد قسمناها كمثيلاتها من الروايات إلى عشرة فصول، تناولنا في كل فصل شبهة كبيرة من الشبه، وهي كما يلي:

الشبهة الأولى: شبهة الخطايا، وهي اتهام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكونه لم يكن معصوما.. وأن القرآن الكريم والسنة المطهرة تقران بكونه كان كذلك.

 النبي المعصوم ( 8/ صفحات الكتاب 574)

الشبهة الثانية: شبهة الاستبداد، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في الفترة التي حكم فيها المدينة المنورة مستبدا متحكما في الرعية لا يسمح لأحد مشاركته في الرأي، ولا في الحكم.

الشبهة الثالثة: شبهة الاستكبار، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان مترفعا على المسلمين، وعلى المستضعفين منهم خصوصا.

الشبهة الرابعة: شبهة استغلال المكانة التي مكنه الله منها في تحقيق حاجاته الشخصية.

الشبهة الخامسة: شبهة الخداع والكذب والغش والاحتيال وغيرها من الشبهات.

الشبهة السادسة: شبهة الأمراض النفسية والعصبية والروحانية.

الشبهة السابعة: شبهة الانطواء، وعدم الانفتاح على المجتمعات والأمم والأفكار والأديان.

الشبهة الثامنة: شبهة التطرف في العقيدة والمواقف والحياة بمختلف مجالاتها.

الشبهة التاسعة: شبهة العنف والإرهاب والحروب.

الشبهة العاشرة: شبهة الزواج من نساء كثيرات.

وقد رددنا – بحمد الله – على كل هذه الشبهات من خلال الحوار العلمي مع مثيري الشبهات، بل ذكرنا لهم أحيانا من الأدلة ما لم يذكروه إمعانا في بيان قوة الحجج الدالة على عصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد استفدنا في الردود على تلك الشبهات من الكثير من المراجع القديمة والحديثة التي اهتمت بذلك، مع صياغتها صياغة حوارية مبسطة، لأن هدف هذه السلسلة جميعا هو أن تكون مدرسة متكاملة في براهين النبوة ودلائلها، وفي رد الشبهات التي يبثها المبشرون والمستشرقون والمستغربون.. لتجعل من كل مسلم داعية إلى الله، وحاميا يحمي حمى رسوله، ومناظرا ينتصر به الحق، وينهزم به الباطل.

 النبي المعصوم ( 9/ صفحات الكتاب 574)

البداية

في ذلك الصباح كنت ممتلئا أشواقا للحديث الذي سيحدثني عنه ضيفي الغريب، فقد ذكر أنه سيروي لي رحلته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهي رحلة لا مثلها رحلة.. وهو حديث لا مثله حديث..

فخير ما شنف الأسماع.. وخير ما وعته القلوب.. وخير ما اطمأن إليه الضمير.. وخير ما انطوت عليه الجوانح.. حديث يكون فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ذلك الذي تزينت به الأرض.. واستبشرت به السماء.. وتعطرت به الأكوان.

كنت أسير في غرفتي أنتظر بشغف شديد تلك اللحظات التي أدخل فيها على الغريب، لندخل جميعا إلى حضرة الحبيب، ونقبل تلك العتبات المقدسة التي وطئتها قدماه.

لكني.. وفجأة من غير ميعاد.. أصابني اكتئاب شديد، دونه كل اكتئاب، وحطت علي آلام دونها كل الآلام..

لقد تذكرت تلك الحرب الشعواء التي اجتمع لها كل الشياطين ليشوهوا جمال الشمس التي تتفتح بإشراقتها الأزهار، وتغرد بإطلالتها الأطيار، وتتمسح بأشعتها الأنهار والمحيطات والبحار والأشجار..

تذكرت تلك الأوصاف الكثيرة التي خطط لها شياطين دار الندوة.. فراحوا ـ بكل ما امتلأت به قلوبهم من أحقاد ـ يصفون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالساحر والكاهن والمجنون.. ويصفون الأنوار التي أشرقت بإشراقته بالدجل والخرافة وأساطير الأولين.

ولم يكتفوا بذلك.. بل راحوا يشيعون هذا في كل زمان.. وفي كل مكان.

فتلقفه من أفواههم مبشرون ومستشرقون ومستغربون وملحدون ووجوديون ودهريون.. كلهم صار ينطق بلسان أبي جهل، ويلقي خطب أبي لهب، ويحاكي أساطير النضر بن الحرث..

وتلقفه من هؤلاء رسامون راحوا يسخرون من معلم السلام ليحولوه إلى قائد عصابة.

 النبي المعصوم ( 10/ صفحات الكتاب 574)

وتلقفه منهم روائيون راحوا يسخرون من معلم العفاف والزهد ليحولوه إلى زير نساء.

وتلقفه منهم سياسيون راحوا يحولون من معلم العدالة والشورى والحرية ليرسموا بدله صورة نيرون ولينين وأتاترك.

وتلقفه منهم رجال دين، طرحوا وقارهم، ورموا صلبانهم وكتبهم المقدسة، ليحولوا من المعراج الذي يعرج به إلى الله، ومن المرآة التي تتجلى فيها حقائق الأزل، ومن النور الذي يهتدى به.. إلى دجال ينصب الشراك، ويضع الأساطير، ويملأ الدنيا بالكفر والإلحاد والظلمات..

وتلقفه منهم رجال دنيا أصحاب بطون منتفخة.. راحوا يسقطون صور جشعهم وحرصهم واستغلالهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ليحولوا من الزاهد الكريم الراغب في الله إلى حريص بخيل راغب في جيوب الناس.

وتلقفه منهم جامدون راحوا يصفون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجمود..

وتلقفه منهم منغلقون راحوا يصفون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالانغلاق..

وتلقفه منهم مستكبرون راحوا يصفون رسو الله صلى الله عليه وآله وسلم بالاستكبار..

ولا زال المتلقفون يتلقفون.. ولا زالت الأقلام المملوءة بالحبر المدسوس في محبرة النفوس المدنسة يسيل.. ولا زالت الخطب.. ولا زالت الأفواه المنجسة بهجاء الشمس..

لا زال كل هؤلاء.. ولا زال هناك من يمدهم بكل شيء..

وضعت يدي على رأسي.. وقد ركبتني الهموم على هذه البشرية التي لا تتقن شيئا كما تتقن سب الشمس..

بينما أنا كذلك إذا بي أسمع ولدي في الغرفة المجاورة يردد قصيدة لأبي العتاهية، يقول فيها:

أرى الناسَ قد أُعْروا ببغْيٍ وريبةٍ... وغيٍ إِذا ما ميزَ الناسَ عاقلُ...

وقد لزموا معنى الخِلافِ فكلهمْ... إِلى نحوِ ما عابَ الخليفةَ مائلُ

 النبي المعصوم ( 11/ صفحات الكتاب 574)

إِذا ما رَأَوا خَيراً رَمَوهُ بظنةٍ... وإِن عاينوا شراً فكُلُّ مناضلُ...

وإِن عاينوا حَبْراً أديباً مهذباً... حَسيباً يقولوا إِنه لمُخاتِلُ...

وإِن كانَ ذا ذِهْنٍ رَمَوه ببدْعَةٍ... وسَمَّوهُ زنديقاً وفيه يُجادلُ...

وإِن كانَ ذا دينٍ يسموه نَعجةً... وليس له عَقْلٌ ولا فيه طائلُ...

وإن كانَ ذا صمتٍ يقولون صُورةٌ... ممثلة بالعَيِّ بل هو جاهلُ...

وإِن كانَ ذا شرٍ فويلٌ لأمهِ... لما عنهُ يَحْكي من تَضُمُّ المحافلُ...

وإِن كانَ ذا أصلٍ يقولون إِنما... يفاخرُ بالموتى وما هو زائلُ...

وإِن كانَ ذا مَجهولاً فذالك عندهم... كبيضِ رمالٍ ليس يُعرفُ عاملُ...

وإِن كان ذا مالٍ يقولون مالهُ... من السُّحْتِ قد رابني وبئسَ المآكلُ...

وإِن كانَ ذا فقرٍ فقد ذَلَّ بينهم... حقيراً مهيلاً تَزْدريهِ الأرذالُ...

وإِن قنعَ المسكينُ قالوا لقِلةٍ... وشحةِ نفسٍ قد حَوَتْها الأناملُ...

وإِن هو لمك يقنعْ يقولون: إِنما... يطالبُ من لم يُعْطهِ ويُقاتلُ...

وإِن يكسبْ مالاً يقولوا: بهيمةٌ... أتاها من المقدور حَظٌ ونائلُ

 النبي المعصوم ( 12/ صفحات الكتاب 574)

وإِن جادَ قالوا: مُسْرِفٌ ومبذرٌ... وإِن لم يَجُدْ قالوا: شَحيحٌ وباخلُ...

وإِن صاحبَ الغِلْمانَ قالوا: لريبةٍ... وإِن أجمعوا في اللفظِ قالوا: مباذلُ...

وإِن هَوِيَ النسوانَ سموه فاجراً... وإِن عَفَّ قالوا: ذاك خُنْثى وباطلُ...

وإِن تابَ قالوا: لم يَتُبْ، منه عادةٌ... ولكن لإِفلاسٍ وما تَمَّ حاصلُ...

وإِن حَجَّ قالوا: ليس للّهِ حَجَّهُ... وذاكَ رياءٌ أنتجتْه المحافلُ...

وإِن كان بالشطرنجِ والنردِ لاعباً... ولاعبَ ذا الآدابِ قالوا: مُداخلُ...

وإِن كانَ في كُلِّ المذاهبِ نابزاً... وكان خفيفَ الرُوحِ قالوا: مُثافلُ...

وإِن كان مِغراماً يقولون: أهوجٌ... وإِن كان ذا ثَبْتٍ يقولون: باطلُ...

وإِن يَعْتَلِلْ يوماً يقولون: عُقوبةٌ... لشَرَّ الذي يأتي وما هو فاعِلُ...

وإِن ماتَ قالوا: لم يَمُتْ حَتْفَ أنفهِ... لمات هو من شَرَّ المآكلِ آكلُ...

وما الناسُ إِلا جاحدٌ ومُعانِدٌ... وذو حَسَدٍ قد بانَ فيه التخاتلُ

كان لإنشاد ولدي لهذه القصيدة وقعا طيبا في نفسي.. وكأن الله ألهمه أن يقرأها في تلك الساعة ليسري عني ما أصابني من ألم.

نهضت نشيطا، وقلت: فليقولوا ما يشاءون.. ولينحجبوا بما يشاءون..

 النبي المعصوم ( 13/ صفحات الكتاب 574)

دعِ الناسَ لا ترجُ الرضى عنكَ منهم... فليس لإِرضاءِ العبيدِ سَبيلُ...

إِذا كنتَ مِقْداماً يقولونَ أَحْمقٌ... وإِن لم تكنْ فظاً يُقالُ ذليلُ...

وإِن كنتَ جواداً يقولون مُسْرِفٌ... وإِن أنتَ لم تُسْرِفْ يقالُ بخيلُ...

ولا تتهيبْ شرَّ ما أنتَ حاذٌق... ولا تترقبْ خيرَ ما أنت آملُ...

فخوفُكَ لا يقصي الذي هو قادمٌ... وشَوْقُكَ لا يُدْني الذي هو راحلُ

لكن الحزن عاد من جديد.. ولكن لا على هؤلاء.. ولا على الحبيب الذي أشرقت به الأكوان، وتعطرت به الأزمان.. فهو كالبحر لا تكدره الدلاء.. وإنما على أولئك البسطاء الذين لم يتح لهم أن يسمعوا إلا للأصوات المكدرة بسب الحبيب، ولم يتح لهم أن يقرأوا إلا ما يحجب عنهم الشمس التي لا حياة لهم إلا بها.

في غمرة تلك الأحزان التي ألمت بي، ولم أجد ما يرفعها عني سمعت صوت الغريب يناديني.. فأسرعت أحث خطاي إليه.. وفي وجهي من الكدورة ما لم أستطع أن أمسحه.

لما رآني، وتفرس في وجهي تلك الكدورة، قال: ما بالك.. لقد حسبتك مشتاقا إلى الأحاديث التي سنتحدث عنها في رحلتنا إلى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: أجل.. ومن لا يفرح بالحديث عن الحبيب.

قال: فما بال الحزن يكسو وجهك!؟

قلت: لقد تذكرت أبا جهل وأبا لهب..

قال: لقد دفنا في طي النسيان.. ولم يبق إلا الحبيب الذي اشتغلا بسبه.. فتحقق بذلك تأويل قوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} (الكوثر:3)

 النبي المعصوم ( 14/ صفحات الكتاب 574)

قلت: لكن الأمر لم يقتصر عليهما.. ولا على من عاصرهما.. لقد ولد في كل جيل من الأجيال من يخلفهما في الوظيفة القذرة التي تولوها.. ألم تسمع بسلمان رشدي.. أو برسامي الرسوم الكاريكاتورية.. أو أولئك الذين ملأوا مدرجات الجامعات بمحاضرات تلبست بلباس العلم لتصور الشمس بصورة المستنقعات والسموم والقمامات.. أو أولئك الذين تركوا سماحة المسيح ونور المسيح ومحبة المسيح ليشتغلوا بسب محمد!؟

قال: لقد سمعت بهم.. بل كنت في يوم من الأيام أمارس هذه الوظيفة القذرة.. وأنت تعلم قصتي..

شعرت بالحياء من ذكري لهذا، فقلت: أعتذر إليك.. لم أكن أقصدك، فأنت أرفع شأنا.. ولكني أقصد أولئك الذين لا يبالون بما يقولون، ولا يندمون على ما يقولون، ولا يرجعون عما يقولون.

قال: فهم لا يؤذون إلا أنفسهم..

قلت: بل يؤذون غيرهم.. فما ذنب أولئك البسطاء الذين لم يسمعوا إلا خطبهم، ولم يقرأوا إلا كتبهم، ولم يتفرجوا إلا على صورهم؟

قال: أصدقك القول.. من صدق وجد.. وقديما قال أولياء الله: جد صدقا، تجد مرشدا.

قلت: ما تقصد؟

قال: الحق عزيز.. فلذلك توضع في طريقه العقبات.

قلت: لم؟

قال: ليتميز الصادق من الكاذب، والمخلص من المنافق، والراغب من النافر.. ألم تسمع قوله تعالى، وهو يشير إلى هذه السنة من سنن العدالة الإلهية: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت:2 ـ 3)؟

 النبي المعصوم ( 15/ صفحات الكتاب 574)

قلت: أعلم أن الفتن هي نار الله الحارقة التي يتميز بها الخبيث من الطيب.. وأنها أسئلة الاختبار التي يفلح المكلف على أساسها أو يخسر.. وأنها المقياس الذي يحدد أنواع القلوب وطبائعها.

قال: فلذلك كان لابد لتمييز الطيب من الخبيث من الفتنة.. والذي ينكر الفتن كالذي ينكر الامتحان نفسه، لأنه لا امتحان بدون أسئلة.

ولهذا كانت الفتن هي المحددة لحقيقة الإنسان كما قال تعالى على لسان نبيه موسى: {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء} (لأعراف:155)، فالفتن حسب هذه الآية، وحسب ما ورد في النصوص المقدسة ليست شرا محضا، بل هي خير محض لمن عرف كيف يتعامل معها، كما أن أسئلة الامتحان خير محض لمن أتقن الإجابة عليها.

قلت: لقد ذكرتني بما روت أم سلمة قالت: (استيقظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة، فقال: (سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن؟.. وماذا فتح من الخزائن؟.. أيقظوا صواحب الحجر فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)

قال: أرأيت.. لقد جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث بين الفتن والخزائن، ولم يحدد الحديث نوع الخزائن المفتوحة لتشمل جميع ما يتصور من خزائن الثواب والعقاب، ولهذا دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى إيقاظ أصحاب الحجر اغتناما لفرصة هذه الفتن لنيل أكبر نصيب من الثواب.

ارتدت إلي نفسي، وتلك الظلمة التي كانت تملأ علي جوانحي، فصحت بلسان الاعتراض من غير شعور: ولكن لم!؟

قال: أرأيت تلك الإعلانات التي تعلنها جهات متعددة عن فتح مسابقات ترفع الناجح فيها إلى ما تهفو إليه نفسه من مناصب ودرجات؟

قلت: أجل.. وكم رأيت الأبصار تتطلع إليها؟

قال: ألا تحوي تلك المسابقات على ما تتيه العقول في فك ألغازه.. أم تراها تأتي وحلها معها؟

 النبي المعصوم ( 16/ صفحات الكتاب 574)

قلت: لو كان الأمر كذلك ما كانت المسابقة مسابقة.. ولما كان الامتحان امتحانا.

قال: فهكذا الفتن.. إنها نوع من تلك المسابقات.. ليتميز الصادق فيها من الكاذب.. ويتميز المحب المخلص من المنافق الدجال.. ويتميز بائع نفسه لله من بائعها للشياطين.

قلت: فهل لهذا صلة بذاك؟

قال: أجل.. فلو رأى الناس.. جميع الناس.. الحقائق بصورتها الكاملة التي يشتهونها ما بقي أحد في الدنيا إلا وتعلق بها.

ثم التفت إلي، وقال: هل تراهم يختلفون في التنافس على الحسناء التي تسفر عن كل جمالها؟

قلت: لا شك أنهم لا يختلفون.

قال: ولكنها إن حجبت بعض محاسنها.. أو ظهرت بصورة قد لا ترضي أهواءهم تراهم يرغبون عنها.. بل قد يرمونها بالحجارة.

قلت: أجل.. فلا يبقى عند الامتحان إلا الصادقون.. وقد سبق أن قال الشاعر يعبر عن هذا:

وفي الأحبابِ مختصٌ بوَجْدٍ... وآخرُ يدعي معها اشتراكا...

إِذا اشتبكَتْ دموعٌ في خدودٍ... تبَّينَ من بَكَى ممن تَباكا

قال: فطبق هذا المثال على الفتن التي فتن الله بها عباده ليمحص الصادقين من الكاذبين والطيبين من الخبيثين.

قلت: علمني كيف أطبق هذا المثال.. فلا زلت أرى الحقائق ولا أعيشها.

قال: أترى من العجب أن يتخذ الله بشرا رسولا يجعله واسطة بينه وبين عباده ليكون سفيرا يوصل لهم حقائق الأزل؟

قلت: لا أرى عجبا في ذلك.. فلا يمكن أن يصبح كل البشر رسلا.. ولو أصبحوا كلهم رسلا لما بقي هناك تكليف.

 النبي المعصوم ( 17/ صفحات الكتاب 574)

قال: ولكن هذا كان فتنة لكثير من الناس.. لقد عموا عن كمالات الرسل بشيء توهموه عيبا، وهو كون الرسول بشرا مثلهم.

قلت: لقد ذكر الله تعالى هذا عن أقوام من الناس منذ بدأ الناس، فقد حكى الله تعالى عن قوم نوح ذلك، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)} (هود)

قال: فبم أجابهم نوح؟

قلت: لقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال: {يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} (هود:28)

قال: فقد اعتبر أن ما حصل له من فضل الله رحمة من الله.. ولكنها عميت عليهم.. أو أنهم عموا عنها.. لأنهم احتجبوا بمظاهر البشرية عن خصائص الخصوصية.

إنهم يشبهون تلك الحسناء الجميلة التي قد تتنقب بنقاب لا يرضاه المغرورون، فيحجبون بالنقاب عن الجمال الذي تغير منه الشموس.

قلت: ولكن هناك من يقبل أن يكون البشر رسولا؟

قال: لله من الحجب ما لا يمكن لعقل أن يدرك منتهاه.. فمن لا يحجب بالبشرية قد يحجب بالعنصرية التي حجب بها اليهود وقومنا حين زعموا أن الله لا يحق له أن يتخذ رسولا من غير بني إسرائيل.

قلت: فمن لا يحجب بهذا؟

قال: قد يحجب بالبساطة التي كان يعيشها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. حين كان يأكل كما يأكل الناس، ويتسوق كما يتسوق الناس.

 النبي المعصوم ( 18/ صفحات الكتاب 574)

قلت: صحيح ذلك.. فقد حجب أقوام بهذا، كما قال الله تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8)} (الفرقان)

قال: فقد حجب هؤلاء بمسير رسولهم في الأسواق، أو بأكله للطعام.

قلت: هناك كثيرون لا يحجبون بهذا.. بل يعتبرونه من الكمالات.. فالبساطة تقرب المرء من الناس.. فيشعر بما يشعرون.. ويعيش ما يعيشون.. فإذا تكلم تكلم عن بينة.. وإذا دعا دعا عن بصيرة.

قال: ولكن هؤلاء أيضا قد يحجبون.

قلت: فما الذي يحجبهم؟

قال: ألم أذكر لك أن لله من الحجب ما له من الأبواب.. بل إن كل باب من الأبواب حجاب من الحجب.. فمن انفتح له الحجاب جاوز الأبواب.. ومن لم ينفتح له الحجاب أغلقت في وجهه الأبواب؟

قلت: صدقت.. وقد ذكرتني بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً} (الاسراء:60)

فمع أن هذا الإخبار لا يحوي أي غرابة بالنسبة للعقل الذي يعلم قدرة الله التي لا تحدها الحدود إلا أنه كان فتنة كبيرة للعقول البسيطة المحدودة، وقد روي أنه لما لما نزلت الآيات التي ذكرت شجرة الزقوم (1) قال كفار قريش: (ما نعرف هذه الشجرة، فقدم عليهم رجل من إفريقية فسألوه)،

__________

(1) كقوله تعالى: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68)} (الصافات)، وقوله تعالى: {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46)} (الدخان)

 النبي المعصوم ( 19/ صفحات الكتاب 574)

فقال: (هو عندنا الزُبد والتمر)، فقال ابن الزبعري: (أكثر الله في بيوتنا الزقوم)، فقال أبو جهل لجاريته: (زقمينا)؛ فأتته بزبد وتمر، ثم قال لأصحابه: (تزقموا؛ هذا الذي يخوفنا به محمد؛ يزعم أن النار تنبت الشجر، والنار تحرق الشجر)

قال: ومثل هذا الفتن الكثيرة التي تجعل من الحقائق شبهات عظيمة ينظر إليها الغافلون بأعينهم المحجوبة عن الحق، فلا يرون إلا الظلمات.

قلت: أبهذا تبرر وجود الفتن التي تقف العقول دون إدراك أسرارها؟

قال: أجل.. ولكن هذا ليس تفسيري.. بل هو تفسير الله.. فالله هو الذي يختبر عباده ليتميز الخبيث من الطيب.. لقد ذكر الله ما فتن به ثمودا، فقال: {إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ} (القمر:27)

فقد كانت الناقة التي عمقت إيمان المؤمنين فتنة للجاحدين.. فتميز الخبيث من الطيب.

قلت: فالاختبار واحد إذن.. لكن المؤمن يستقبله استقبال الطيبين، والكافر يستقبل استقبال الخبيثين!؟

قال: أجل.. وقد ذكر الله تعالى ذلك، منبها عباده إلى هذه الأنواع من الفتن، حتى يدخلوا كل شيء عن بينة، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (الحج:11)

قلت: لقد ذكرتني بقوله تعالى عن عدة الملائكة: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً

 النبي المعصوم ( 20/ صفحات الكتاب 574)

كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} (المدثر:31)

فقد أخبر الله تعالى أن في إخباره عن عدد الملائكة الموكلين بجهنم كان فتنة للخلق، وكان تأثير هذه الفتنة مختلفا على حسب قابلية كل شخص وتعامله مع إخبارات الله.

أما المؤمنون فزادتهم إيمانا إلى إيمانهم، وعرفوا أن قدرة الله التي لا يعجزها شيء لا تعجز عن مثل هذا، بل اعتبروا هذا من دلائل القدرة التي تزيدهم إيمانا إلى إيمانهم.

أما السطحيون البسطاء في تفكيرهم الغارقون في أوحال التشبيه، فاعتبروا ذلك سندا شرعيا لكفرهم.

وقد ورد في السيرة ذكر بعض آثار هذه الفتنة على الكافرين، قال ابن عباس: (لما نزل قوله تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} (المدثر:30) قال أبو جهل لقريش: (ثكلتكم أمهاتكم! أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدهم - أي العدد - والشجعان، فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم!)

وقال أبو الأسود بن كلدة الجمحي: (لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة، وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنة)؛ يقولها مستهزئا.

وقال آخر: (أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين)

وقال آخر: (أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟)

قال: فقس هذا على كل ما ذكره أحفاد أبي جهل وأبي لهب..

قلت: أمر هؤلاء أخطر بكثير..

قال: وما خطره؟

قلت: لم يكن لأبي جهل قناة فضائية، ولم يكن لأبي لهب موقعا إليكترونيا، ولم يكن لهما ولا لغيرهما ما لأهل عصرنا من الطاقات التي تحتار فيها الشياطين.

 النبي المعصوم ( 21/ صفحات الكتاب 574)

قال: ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا لمحبيه في ذلك الوقت شيء من ذلك..

قلت: ماذا تقصد؟

قال: إن عدل الله الذي وضع الحجب حتى لا يدخل دار الطيبيبن إلا الطيبون صحبته رحمة الله.. فلذلك لم يترك للشر المجال وحده.. بل وضع مع الشر خيرا كثيرا لينسخه ويمسخه.. فمن التفت إليه غلب خيره شره، ومن لم يلتفت إليه حجب بالشر عن الخير.

قلت: ولكن الحملة في عصرنا شعواء.. والحرب مريرة.. لقد وضعوا أطهر خلق الله في قفص الاتهام.

قال: هم لا يفعلون إلا ما فعله المشركون والكفار في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي كل زمان.. ألم يحك الله عن المشركين تلك الشبهات الكثيرة التي طرحوها ووضعوا الخطب الطويلة في إثباتها؟

قلت: بلى.. فقد قال تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (التوبة:61)

وقال تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} (يونس:2)

وقال تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (هود:12)

وقال تعالى: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي

 النبي المعصوم ( 22/ صفحات الكتاب 574)

قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} (الحجر:6 - 15)

قاطعني، والدموع تفيض من عينيه قائلا: أرأيت.. إن ربي يخاطبني، ويخاطب كل تلك الجموع التي راحت تشوه الحقائق التي نطقت بها كل دلائل الأكوان.. إن هؤلاء الجاحدين لو فتحت لهم أبواب السماء.. فعرجوا إليها.. ورأوا جمالها.. لارتدوا يكذبون أبصارهم.. ويكذبوا الحقائق التي رأوها رأي العين.

قلت: نعم.. فمع أن حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تمثل قمة الزهد وقمة العفاف نجد من قومنا من يرمونه بالجاري وراء شهواته.. وهو الذي لم تستقر به أرض.. وهو الذي تفطرت قدماه من السجود.. واغبرتا من السير في سبيل الله.. وأدميتا من الأذى في سبيل الله.

وهو الذي عصب الحجر على بطنه من الجوع.. ولم يعرف الفنادق التي يعرفونها، ولا الليالي الحمراء التي يعيشونها.. فليله قيام، ونهاره جهاد وصيام وطاعة تقصر عنها الجبال.

قال: إن الشياطين التي تملأ عليهم قلوبهم حجبتهم عن كل ذلك.. فلم يروا إلا زوجاته..

قلت: ولكن ألا ترى في ذلك فتنة؟

قال: قد أخبرتك بأن الله تعالى جعل من حكمته اختبار عباده بمثل هذه الفتن.. ألم تسمع قوله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمر زينب بنت جحش، فقد قال له معاتبا: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} (الأحزاب:37).. أتدري لم خشي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

قلت: لقد خشي على أن يفتن قومه، فيقولوا: تزوج ببنت متبناه.

 النبي المعصوم ( 23/ صفحات الكتاب 574)

قال: ولكن الله تعالى نهاه أن يخضع لتلك المخاوف.. لأن الله تعالى هو واضع الأسئلة.. وليس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا البلاغ.

قلت: لقد وعيت هذا.. فبورك فيك.. ولكن ألا يستطيع هؤلاء المحجوبون بهذه الفتن أن يحتجوا يوم القيامة في محكمة العدل التي لا تضيع مثاقيل الذر؟

قال: فما يقولون؟

قلت: يقولون: يا ربنا.. لو أن نبيك لم يتزوج تسعة نساء.. ولم يغز بضعا وعشرين غزوة.. لكنا اتبعناه.

قال: فهل ترى في هذا حجة؟

قلت: هم يتصورون بينهم وبين أنفسهم أن في ذلك حجة.

قال: ليس الشأن في تصوراتهم.. بل الشأن في الحقيقة.. فالمتهم قد يرى نفسه بريئا.. ولكن الحقائق والبينات التي لدى القاضي هي التي تحدد البريء من المجرم.

قلت: فهل على هؤلاء أن يسحبوا اتهاماتهم حتى يتبصروا الحقائق؟

قال: إنهم إن لم يسحبوها بنور الحقائق.. فسيقفون يوم القيامة في تلك المحكمة التي لا تسمع إلا الحقائق.. ليقال لهم: إن الله الذي بعث محمدا.. أيده بكل تلك المعجزات.. ونصره كل ذلك النصر.. وأنطق كل الحقائق لتدل عليه.. هو الذي أباح له.. بل هو الذي أمره أن يتزوج بأولئك النسوة.. وأن يغزو تلك الغزوات.. فهل ستراهم يخاصمون الله؟

قلت: لا يمكنهم ذلك فالله: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الانبياء:23)

قال: ومع ذلك.. فإن الله ـ بعدله ـ لو سألوه لأجابهم.. ولقال لهم: ألا ترون حكامكم يسلمون قصورا خاصة.. وتتاح لهم حصانة خاصة.. وتعطى لهم من الصلاحيات ما لا يعطى لغيرهم.. ثم ترون كل ذلك طبيبعيا لا شبهة فيه؟

 النبي المعصوم ( 24/ صفحات الكتاب 574)

قلت: لا شك أنهم يجيبون بالإيجاب.. فكل حكام العالم.. وكل ملوكه.. لهم ما وصفت.. بل لهم من الدنيا ما لم تر عين، أو تسمع أذن، أو يخطر على قلب بشر.

قال: فلم يحجرون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يزوجه الله من يشاء ومتى يشاء؟

سكت، فقال: إن العقول هي التي تحاسب.. ولذلك ستواجه بأنواع الحجج.

قلت: أترى المنطق الذي نعيش به في الدنيا هو نفسه الذي يحكم أحكام الآخرة؟

قال: أجل.. فالله هو الذي وضع برامج العقول.. وهي برامج لا تتخلف، فلا تبديل لكلمات الله.

قلت: فأنت ترى أن يخاطب هؤلاء بالعقل.. !؟

قال: بالعقل المؤيد بالنقل.. لتقام عليهم الحجة.. ثم هم بعد ذلك وما يشاءون.. إن شاءوا أن يحكموا عقولهم.. وإن شاءوا حكموا الشياطين التي تملي على عقولهم كيف تفكر.

***

ما وصل الغريب من حديثه إلى هذا الموضع حتى شعرت براحة تملأ أقطار نفسي.. ولكن سرعان ما شعرت بالألم يعتريني من جديد.. فقد كنت أبحث عن فك رموز الشبهات.. وكنت ـ كعهدي بنفسي دائما ـ لا يقنعني الإجمال.. فلا يرضي همتي إلا التفاصيل التي أتبصر بها الحقائق.

طالع الغريب ـ بما أعطاه الله من بصيرة ـ ما في نفسي، فقال: أعلم ذلك.. أنت تحب التفاصيل.. ولا يقنعك الإجمال.

قلت: لقد آتاك الله فراسة.. ولكني مع ذلك لن أشغلك عن حديثك عن رحلتك إلى الإسلام.. فلندع هذا الموضوع إلى نهاية رحلتك إلى شمس محمدصلى الله عليه وآله وسلم.

قال: بل هذه هي مقدمة هذه الرحلة.. فرحلتنا اليوم إلى (النبي المعصوم).. ولا يصلح مقدمة لهذا إلا هذا.. ولا يجيب عن شبهاتك إلا رحلتي هذه.. فقد كنت ممتلئا شبهات تضيق بها أركان نفسي.. وكنت في بيئة لا تنفخ في نفسي إلا شياطين الشبهات.

 النبي المعصوم ( 25/ صفحات الكتاب 574)

قلت: فهل وقاك الله شرها؟

قال: أجل.. ففضل الله واسع.. وقد كنت كلما محوت شبهة حل محلها نور وشعاع جديد من أشعة شمس محمدصلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: فكيف بدأت رحلتك؟.. وهل التقيت في بدايتها معلمي (معلم السلام) كما تعود أن يلتقي به من يحدثني؟

قال: أجل.. ولكن قبل ذلك حصلت أحداث.. سأحكي لك ما نحتاج إليه منها في رحلتنا هذه.

***

اعتدل الغريب في جلسته، وحمد الله، وصلى وسلم على نبيه، ممتلئا في كل ذلك خشوعا ووقارا ملأني منه هيبة، ثم قال: ذات يوم دخلت إلى غرفتي فإذا بي أجد أخي يطالع دفتري الذي وضعته عن القلوب التي تعلقت بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.. لكنه ما إن رآني حتى أسرع، فأغلقه، ثم قال لي: هذا دفتر مهم.. وقد أوحى لي نظري فيه مشروعا.. إن حققناه بنجاح، فسيتاح للمسيحية من الانتشار ما لم يتحقق لها في جميع تاريخها.

قلت: المسيحية تنتشر بقوة.. ولا تحتاج إلى أي مشاريع.

قال: ذلك صحيح.. ولكنها تنتشر ببذل المال (1).. وهي بذلك قد أصبحت عبئا ثقيلا على المحسنين.

__________

(1) بسبب ما يملكه المبشرون من إمكانات ضخمة أوصلتهم إلى جميع الأماكن التي يريدونها والعمل فيها بكل قوة، وفي المقابل الإمكانات الضعيفة والشحيحة لدى الدعاة المسلمين هذا كله جعل التنصير عامل إعاقة قوي لانتشار الإسلام بين غير المسلمين. فقد توقف انتشار الإسلام في إفريقيا جنوبي الصحراء، فقد كان المسلمون عشرة أضعاف المسيحيين واليوم أصبح المسيحيون أضعاف المسلمين.

وفيما يلي بعض الحقائق عن الجهود التنصيرية وما يتوفر من إمكانات للتنصير في جنوب إفريقيا، وهذا على سبيل المثال لا الحصر:

1600 مستشفى، 5112 مستوصف، 1050 صيدلية، 120 ملجأ للمرضى، 905 دار لإيداع الأيتام والعجزة والأرامل، 88610 كتاب تنصير مطبوعة بعناوين مختلفة ونشر منها مئات الملايين، 24900 مجلة كنسية أسبوعية يوزع منها ملايين النسخ، 700000 نشره يوزع منها عشرات الملايين، 2340 محطة إذاعية وتلفازية تنشر تعاليم الإنجيل وخدمة التنصير، 120000 معهد تنصير، 11000 روضة أطفال تلقنهم فيها التنصير، 112000000 نسخة توزع مجاناً من الإنجيل في العالم، 652 لغة ولهجة إفريقية ترجم لها الإنجيل على كاسيت للأميين.

ومع هذه الجهود الجبارة إلا أن التنصير بين المسلمين فيه صعوبة كبيرة جداً.

انظر:: التنصير طرقة وأساليبه ص (4)

 النبي المعصوم ( 26/ صفحات الكتاب 574)

قلت: هل تريد أن تنشرها بغير مال.. إن ذلك مستحيل؟

قال: وما وجه الاستحالة؟

قلت: أنت تعلم وجوه الاستحالة.. وقد جرب غيرنا من قبل ما ذكرته، فلم نحصل على شيء.

قال: ولكن الإسلام ينتشر من غير مال.. بل إنه ينتشر بقوة.. انظر ما كتبته هذه الجريدة من إحصائيات.. وما علقت عليها من تعاليق.

نظرت.. فوجدت فيها (في بريطانية يعتنق الإسلام أكثر من خمسة آلاف بريطاني كل عام.. وفي فرنسا بلغ الذين اعتنقوا الإسلام حتى الآن أكثر من 400 ألف فرنسي.. وفي الولايات المتحدة بلغ عدد المسلمين السود والبيض أكثر من مليونين.. وفي اليابان تجاوز الذين اعتنقوا الإسلام 15 ألف ياباني في عامين)

ثم رأيت تعقيبا على هذه الإحصائيات يقول: (وفق دراسات مركز (رصد العقائد) في مدينة (برن) بسويسرا فإن الإسلام أكثر الأديان انتشارا في العالم.. وهذه الحقيقة قد أكدها دارسو الأديان، فالباحثة الكهنوتية الأمريكية كارول أنوي تقول: (الإسلام هو أسرع الأديان انتشاراً في أمريكا الشمالية)(1)، والدكتور هستون سميث يقول: (إن الإسلام في هذا العصر كما في العصور السابقة

__________

(1) سر إسلام الأمريكيات، كارول أنوي، ص 180.

 النبي المعصوم ( 27/ صفحات الكتاب 574)

أسرع الأديان إلى كسب الأتباع المصدّقين)(1)، والمبشر جون تكل يقول: (الإسلام آخذ في الانتشار رغم أن الجهود التي تبذل في سبيله تكاد تكون في حكم العدم)(2)

فإذا علمنا أن الإسلام ينتشر بجهود فردية مبعثرة، وأنه لا يرصد في سبيله إلا نسبة ضئيلة جداً مما يرصد للتبشير بغيره من الأديان، إذا علمنا هذا علمنا يقيناً مدى الصدق الذي تحمله الصرخة البائسة التي أطلقها لورنس براون حين قال: (الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام، وفي قدرته على التوسع، وفي حيويته، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار)(3).. وأطلقها مثله المستشرق هاملتون جب حين قال: (إن أخطر ما في هذا الدين أنه ينبعث فجأة دون أسباب ظاهرة، ودون أن تستطيع أن تتنبأ بالمكان الذي يمكن أن ينبعث منه)(4)

أغلقت الجريدة، ثم نظرت إليه، وقلت: فأنت تريد أن تنتشر المسيحية بهذا الأسلوب.. !؟

قال: وما الذي يمنعنا من ذلك؟

قلت: كل شيء يمنعنا من ذلك.. وأنت تعلم كل ذلك.. فكتابنا المقدس يختلف كثيرا عن كتابهم.. وليس في عقيدتنا من اليسر والوضوح والقوة ما في عقيدتهم.. وليس في شريعتنا ما في شرائعهم.

قال: ولكن المسيح لنا ومعنا.. وهو يغنينا عن كل ذلك.

قلت: وهم يؤمنون بالمسيح كما نؤمن به.. بل ويقدرونه أعظم من تقدير عوامنا وخواصنا له.

قال: وتلك ميزة تيسر علينا الدخول عليهم.. فسندخل عليهم من المسيح الذي يحبونه لنمحو من أذهانهم اسم (محمد)

__________

(1) ديانات الإنسان، د. هستون سميث.

(2) الغارة على العالم الإسلامي، ل. شاتلييه.

(3) عن (التبشير والاستعمار) د. عمر فروخ ومصطفى الخالدي، ص 148.

(4) عن (أمريكا والإسلام) د. عبد القادر طاش، ص 133.

 النبي المعصوم ( 28/ صفحات الكتاب 574)

لست أدري كيف شعرت بألم شديد، وهو يذكر محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الأسلوب.. لقد اكتشفت في تلك اللحظة أن البذور التي نبتت منها محبة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد غرست في قلبي.. فلذلك آلمني ما قاله أخي.. لكني أمسكت لساني عن أن ينكر عنه ما قال.

قلت: فكيف نمحو اسم (محمد) الذي استقر في ضمائرهم، وامتلأت به جوانحهم؟

قال: بما يمحو به السياسيون بعضهم بعضا.

قلت: السياسيون يمحو بعضهم بعضا بالفضائح..

قال: فلنمارس هذا الأسلوب مع محمد.. إن محمدا ينال أكثر أصوات الناخبين، ليزاحم مسيحنا المقدس.. وإخلاصنا للمسيح يقتضي أن نمارس كل الأساليب حتى نحطم أخطر جبل يقف في وجه المسيحية.

قلت: ولكنا إن فعلنا ذلك وقعنا في كذب كثير.. ولم تعد لنا قداسة الأحبار.

قال: ومن ذكر لك بأن الذي يقوم بذلك نحن؟

قلت: ومن يقوم به؟