الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: قلوب مع محمد

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 565

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

في هذا الكتاب مجموعة كبيرة من شهادات المحبة والإعجاب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والرسالة العظيمة التي جاء بها .. وهي من جميع أصناف الناس من عامتهم وخاصتهم .. وأدبائهم وفنانيهم .. وعلمائهم وأوليائهم .. وأحبارهم ومفكريهم .. بل حتى أولئك المستشرقين من غير أتباعه الذين أتيحت لهم الفرصة للبحث عنه والتعرف عليه، والذين لم يملكوا إلا أن يشهدوا الشهادات الصادقة إعجابا به وتعظيما له .. بل حتى أعداءه لم يملكوا في بعض لحظات الصدق التي عاشوها إلا أن يقروا بفضله وكماله.

وبطل هذه الرواية رجل الدين المسيحي راح يبحث عن القلوب التي حنت إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأحبته وتأثرت به .. فجمع لذلك الكثير من الشهادات التي سقناها في هذه الرواية، كنماذج وأمثلة فقط، لأن الاستيعاب في هذا مستحيل.

وقد جعلنا هذه الرواية مقدمة لروايات تالية تتعلق بالتعريف بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهي [النبي المعصوم]، و [النبي الإنسان]، و [النبي الهادي] لتكمل الهدف الذي ترمي إليه هذه الرواية .. وهو أن هذا الذي أحبته تلك القلوب الكثيرة، وأعجبت به تلك العقول العظيمة ليس إنسانا بسيطان .. بل هو إنسان حاز كل ألوان الكمال، وظفر بكل معاني الجمال التي جعلته محبوبا لكل صاحب فطرة سليمة.

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

أولا ـ العامة

الفتى عماد:

إيفا ماريا:

ايريس صفوت:

عبدالرحمن محمود داود:

ثانيا ـ الخاصة

اللورد جلال الدين برانتون:

الدكتور روبرت كرين:

ديفد كيربا:

مستر وليم:

د.مراد هوفمان:

مالكولم إكس:

اللورد هدلي:

اللادي ايفلين كوبولد:

ثالثا ـ الأدباء

شعراء من الصحابة

عبد الله بن رواحة:

حسان بن ثابت:

كعب بن زهير:

شعراء البردة

البوصيري:

ابن جابر الأندلسي:

صفي الدين الحلي:

محمود سامي البارودي:

أحمد شوقي:

السيد عبدالله الهدار الحضرمي:

شعراء مسيحيون

وصفي قرنفلي:

جورج صيدح:

جورج سلستي:

محبوب الخوري الشرتوني:

الشاعر القروي:

خليل مطران:

مارون عبود:

إلياس فرحات:

عبد الله يوركي حلاق:

جاك صبري شماس:

إلياس قنصل:

شبلي الملاط:

أدباء أسلموا

ويليام بيكارد:

فانسان مونتييه:

رابعا ـ الفنانون

الفونس إيتان دينيه:

كات ستيفنس:

ويل سميث:

جينو لو كابوتو:

جيرمان جاكسون:

براين هوايت:

كريستيان باكر:

خامسا ـ العلماء

موريس بوكاي:

كيث مور:

تيجاتات تاجسن:

ألفريد كرونير:

علي سليمان:

مارشال جونسون:

يوشيودي كوزان:

جولي سمسون:

البروفيسور هاي:

البروفيسور فان برسود:

البروفيسور بالمار:

البروفيسور سياويدا:

البروفيسور آرمسترونج:

البروفيسور ج. س. جورنجر:

البروفيسور درجا برساد راو:

البروفيسور شرويدر:

آرثر أليسون:

جفري لانج:

محمد أكويا:

آلا أولينيكوفا:

صوفي بوافير:

اسبر ابراهيم شاهين:

موري ديفيد كيل:

أحمد نسيم سوسه:

سادسا ـ الأولياء

المحبة:

التعظيم:

الالتجاء:

الألم:

سابعا ـ الأحبار

سلمان الفارسي:

عبد الله بن سلام:

القس إسحق هلال مسيحه:

إبراهيم خليل فلوبوس:

الدكتور وديع أحمد:

أبو بكر موايبيو:

الراهب ماركو كوربس:

الدكتور جاري ميلر:

فوزي صبحي سمعان:

رحمة بورنومو:

عزت اسحاق معوض:

القس عيسي بياجو:

كرست راجا:

آرثر ميلاستنوس:

عبدالأحد داود:

محمد فؤاد الهاشمي:

فردريك دولامارك:

أشوك كولن يانج:

ثاني أكبر قسيس في غانا:

ثامنا ـ المفكرون

عبدالكريم جرمانيوس:

مارتن لنجز:

الدكتورحامد ماركوس:

روجيه دوباكييه:

الكولونيل دونالدس روكويل:

رينيه جينو:

جان مونرو:

ميجيل بيرو:

فيلي بوتولو:

عبد الله كويليام:

مارك شليفر:

ليوبولد فايس:

روجيه جارودي:

روبرت بيرجوزيف:

تاسعا ـ الأصدقاء

أصدقاء من العرب

د. فيليب حتي:

د. جورج حنا:

نصري سلهب:

نظمي لوقا:

أصدقاء من فرنسا

كوستاف لوبون:

مارسيل بوازار:

إميل درمنغم:

الكونت هنري دي كاستري:

جاك.  س. ريسلر:

لويس سيديو:

هنري سيرويا:

كلود كاهن:

هنري ماسيه:

جورج مارسيه:

فولتير:

لامارتين:

أصدقاء من الإنجليز

سير توماس أرنولد:

سير هاملتون جب:

روم لاندو:

آرنولد توينبي:

توماس كارلايل:

لايتنر:

هربرت جورج ولز:

برنارد شو:

أصدقاء من أمريكا

ول ديورانت:

واشنجتون ايرفنج:

لوثروب ستودارد:

سدني فيشر:

مايكل هارث:

د. ميلر بروز:

فرانز روزنثال:

أصدقاء من ألمانيا

زيغريد هونكه:

إلس ليختنستادتر:

آدم متز:

د. ج. كامبفماير:

رودي بارت:

ج. ك. بيرغ:

كويلر يونغ:

بارتولد شبولر:

ارنست بانرث:

أصدقاء من دول شتى

إسبانيا:

جون براند ترند:

جوان فيرنيه:

إيطاليا:

لورا فيشيا فاغليري:

دافيد دي سانتيلانا:

بلجيكا:

النمسا:

بولونيا

كندا:

الهند:

سويسرا:

عاشرا ـ الأعداء

الخاتمة

 

المقدمة

يتناول هذا الكتاب برهانا من البراهين التي يمكن للصادقين أن ينطلقوا منها في البحث عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرسالة التي جاء بها.. مثله مثل [أنبياء يبشرون بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم]، و[ثمار من شجرة النبوة]

ويمكن صياغة هذا البرهان بطرق مختلفة منها أن الله سبحانه وتعالى ـ لعنايته التامة بخلقة، والمتجلية في كل شيء ([1]) ـ  يستحيل أن يترك خلقه هملا من دون أن يرسل إليهم من يدلهم على حقيقتهم وحقيقة الكون الذي يعيشون فيه، والمصير الذي يصيرون إليه، والتكاليف التي كلفوا بها..

وهذا الذي يرسله يحتاج ليؤدي وظيفته التبليغية عن الله - أن يكون معلوما للخلق معروفا لخاصتهم وعامتهم.. لأنه لا يمكن أن يؤدي وظيفته التبليغية من دون أن يعرف.

ثم إن للمعرفة آثارا كثيرة قد تكون حجابا بين الخلق، وبين هذا الرسول الذي أرسله الله عناية بخلقه.. ففرعون معروف لكثير من الخلق، ولكنه معروف باستبداد وظلمه..

ولهذا كانت المعرفة الأكمل والأجمل والأكثر تأثيرا هي المعرفة التي ينشأ عنها الحب والإعجاب والتأثر..

ولمعرفة هذا نحتاج إلى القيام بمسح شامل للبشرية لنرى أكثر أسماء مدعي الرسالة ترديدا، وأكثرها تأثيرا .. وهذا لن يقودنا إلا إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. فلا يوجد في تاريخ البشرية من ولهت القلوب بمحبته، أو الإعجاب به على الأقل مثلما حصل لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم .

ونحن لا نقول بأن هذا الإعجاب أو تلك المحبة دليل قائم بذاته يمكن الاكتفاء به.. ولكنا نقول بأن هذا مقدمة للبحث والنظر والتأمل في حال هذا الشخص الذي هفت قلوب ملايير البشر على مدار التاريخ محبة له وشوقا إليه مع كونه كان يعيش في بيئة بدوية أمية بعيدة عن كل آثار الحضارة..

والأعجب من ذلك كله أن تلك المحبة وذلك الإعجاب لم يكن يخص بصنف من الناس دون صنف كما تعودنا في مثل هذه الأمور.. فالفيلسوف يحب الفلاسفة.. والسياسي يحب السياسيين .. والأديب يحب الأدباء وهكذا.

بل نجد محمدا صلى الله عليه وآله وسلم قد نال محبة وإعجاب جميع أصناف الناس من عامتهم وخاصتهم.. وأدبائهم وفنانيهم.. وعلمائهم وأوليائهم.. وأحبارهم ومفكريهم.. بل حتى أولئك المستشرقين من غير أتباعه الذين أتيحت لهم الفرصة للبحث عنه والتعرف عليه، لم يملكوا إلا أن يشهدوا الشهادات الصادقة إعجابا به وتعظيما له.. بل حتى أعداءه لم يملكوا في بعض لحظات الصدق التي عاشوها إلا أن يقروا بفضله وكماله.

بناء على هذا كانت هذه الرواية التي انطلق فيها بطلها ـ رجل الدين المسيحي ـ من البحث عن القلوب التي حنت إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأحبته وتأثرت به.. فجمع لذلك الكثير من الشهادات التي سقناها في هذه الرواية، كنماذج وأمثلة فقط، لأن الاستيعاب في هذا مستحيل.

وقد جعلنا هذه الرواية مقدمة لروايات تالية تتعلق بالتعريف بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهي [النبي المعصوم]، و[النبي الإنسان]، و[النبي الهادي] لتكمل الهدف الذي ترمي إليه هذه الرواية.. وهو أن هذا الذي أحبته تلك القلوب الكثيرة، وأعجبت به تلك العقول العظيمة ليس إنسانا بسيطان .. بل هو إنسان حاز كل ألوان الكمال، وظفر بكل معاني الجمال التي جعلته محبوبا لكل صاحب فطرة سليمة.

 

البداية

في تلك الليلة، أصابني أرق شديد حال بيني وبين النوم، فخرجت خارج غرفتي ـ كعادتي في مثل هذه المواقف ـ لأنشغل بعد النجوم والنظر في أشكال تجمعاتها.. فلم يكن يجلب النوم لعيني مثل النجوم.

بينما أنا كذلك، إذا بي أسمع صوتا عذبا يصدر من غرفة الرجل الغريب الذي زارني.. وكأنه لحن من ألحان السماء.. فاقتربت أسترق السمع، فإذا بي أسمعه، وهو ينشد بصوت خاشع، ممتلئ بحشرجة الدموع، قول الشاعر الصالح، وهو يبث أشواقه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

كيف لا تسكب الدموعَ عيوني
 

وهي من قبل أن تراك سجام
  

كيف لا تذهل العقول وتفنى
 

أنفسُ العاشقين وهي كرامُ
  

يا رسول الإله إني محبّ
 

لك والله شائق مستهامُ
  

يا رسول الإله في كل حينٍ
 

لك مني تحية وسلام
  

يا رسول الإله شوقي عظيم
 

زائد والغرام فيك غرام
  

يا رسول الإله إني نزيل
 

ونزيل الكرام ليس يُضام
  

سقطت دموع حارة من عيني.. وأنا أكاد أرى ذلك الشاعر الصالح، وهو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يخبره بما امتلأ قلبه به من محبته والشوق إليه.

في تلك اللحظات خطر على قلبي أجيال من المؤمنين من الذين ملأ حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم كيانهم، فلم يرضوا لعروش قلوبهم المقدسة شمسا غير شمسه:

منهم ذلك الرجل الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممتلئا حزنا، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يا فلان مالي أراك محزوناً ؟) فقال: (يا نبي اللّه شيء فكرت فيه)، فقال: (ما هو؟) قال: (نحن نغدوا ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغداً ترفع مع النبيين، فلا نصل إليك)([2]) 

ومنهم ذلك الرجل العظيم الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (يا رسول اللّه! إنك لأحب إليَّ من نفسي، وأحب إليَّ من أهلي، وأحب إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت، فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلتّ الجنة رفعتَ مع النبييّن، وإن دخلتُ الجنة خشيت أن لا أراك)([3]) 

ومنهم ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فقد كان ـ كما يذكر الرواة ـ شديد الحب له صلى الله عليه وآله وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه، يعرف في وجهه الحزن؛ فقال له: (يا ثوبان ما غير لونك ؟) فقال: (يا رسول الله ما بي ضر ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف ألا أراك هناك؛ لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبدا)

وقد رسم الشاعر هذه المشاعر الصادقة، فقال:

شهود طلعة طه نعمة عظمت
 

قدراً وشاناً وكانت أفضل النعم
  

وكان ثوبان ذا وجه له شغف
 

بحبه دمعه يجري بمنسجم
  

قال الرسول له: مالي أراك كذا
 

فقال: شوقا لوجه منك مبتسم
  

إني ذكرتك في سري وفي علني
 

ففاض دمعي وحبي غير مكتتم
  

فهل أراك بجنات الخلود أجب
 

نعم يكون بفضل الله ذي الكرم
  

 وعلى هؤلاء جميعا، وعلى جميع أجيال الأمة التي أحزنها ما أحزنهم نزلت هذه الآية:﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) (النساء:69).. فلم يفرح الصحابة ولا الأجيال الكثيرة من الأمة بشيء فرحهم بهذه البشرى([4]).

ساد صمت لذيذ على ذلك الجو الذي عبقت فيه أنفاس محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمعت خلاله الغريب، وهو ينشد بنغم خاشع قول الشاعر:

يحن الجذع من شوق إليك
 

و يذرف دمعه حزناً عليك
  

و يجهش بالبكاءوبالنحيب
 

لفقد حديثكموكذا يديك
  

فمالي لا يحن إليك قلبي
 

و حلمي أن أقبل مقلتيك
  

و أن ألقاك في يوم المعاد
 

و ينعم ناظري من وجنتيك
  

فداك قرابتيوجميع مالي
 

و أبذل مهجتي دوماً فداك
  

تدوم سعادتيونعيم روحي
 

إذا بذلت حياتي في رضاك
  

حبيب القلب عذر لا تلمني
 

فحبي لا يحق في سماك
  

ذنوبي أقعدتني عن علو
 

و أطمح أن أُقرب من علاك
  

لعل محبتي تسمو بروحي
 

فتجبر ما تصدع من هواك
  

فتذكرت الجذع كيف حن شوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فرددت بيني وبين نفسي قول بعضهم يذكر ذلك: (يا معشر المسلمين الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شوقاً إلى لقائه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه)

قاطعتني ألحان الغريب العذبة، وهي تردد قول الشاعر:

جاءت إليك حمامة مشتاقة
 

تشكو إليك بقلب صب واجف
  

من أخبر الورقاء أن مقامكم
 

حرموأنك منزل للخائف
  

 فتذكرت تلك الحمامة العاقلة العاشقة التي حدث حديثها عبد الله بن مسعود، فقال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر ومررنا بشجرة فيها فرخا حمرة، فأخذناهما، قال فجاءت الحمرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي تصيح فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من فجع هذه بفرخيها؟) قال: فقلنا: نحن قال: (فردوهما)([5])

قاطعتني ألحان الغريب مرددة:

لا تلوموا أُحداً لاضطراب
 

إذ علاه فالوجد داءُ
  

أُحد لا يلام فهو محبٌ
 

ولكم أطرب المحب لقاءُ
  

فتذكرت تلك المحبة المتبادلة بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجبل أحد، والتي عبر عنها صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: (هذا جبل يحبنا ونحبه)([6])   

ردد الغريب بشوق قصيدة أحمد شوقي المشهورة التي استهلها بفرح الأكوان بمحمد: 

ولد الهدى فالكائنات ضياء
 

وفم الزمان تبسم وثناء
  

الروح والملأ الملائك حوله
 

للدين والدنيا به بشراء
  

يوم يتيه على الزمان صباحه
 

و مساءه بمحمد وضاء
  

بك بشر الله السماء فزينت
 

و تضوعت مسكاً بك الغبراء
  

يا من له الأخلاق ما تهو العلا
 

منهاوما يتعشق الكبراء
  

زانتك في الخلق العظيم شمائل
 

يغرى بهنويولع الكرماء
  

 

فشعرت بذلك الفرح العظيم الذي سرى في قلوب الأمة عندما جاءها الحبيب، فراحت تحتضنه بكل مشاعرها حتى نسيت في حبه النفس والأهل والمال.

في ذلك الحين تذكرت زيد بن الدثنة.. وما أدراك ما زيد بن الدثنة !؟

لقد أخرجه أعداؤه من أهل مكة من الحرم ليقتلوه، فقال له أبو سفيان: (أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك لضرب عنقه وإنّك في أهلك؟) فقال زيد: (والله ما أحبّ أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة، وإنّي جالس في أهلي)، فقال أبو سفيان: (ما رأيت الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمدا)([7]) 

وذكرت تلك الأنصارية التي قتل أبوها وأخوها وزوجها، فأخبروها بذلك، فقالت: (ما فعل الله برسول الله؟) قالوا: (بحمد الله كما تحبين)، قالت: (أرونيه حتى أنظره)، فلما رأته قالت: (كل مصيبة بعدك جلل)([8]) 

وذكرت ذلك الرجل الصالح الذي ادخر لآخرته أعظم زاد يمكن أن يدخره مؤمن.. فعن أنس قال: بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خارجان من المسجد فلقينا رجل عند سدة المسجد فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( ما أعددت لها ؟) قال: (ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله)، قال: (فأنت مع من أحببت)([9]) 

وذكرت تلك الأمنية العزيزة التي كانت تتردد في نفس ربيعة بن كعب الأسلمي.. فلما واتته الفرصة راحة يطلبها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. قال يحدث عن نفسه: كنت أبيت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: (سل) فقلت: (يا رسول اللّه أسألك مرافقتك في الجنة)، فقال: (أو غير ذلك؟) قلت: (هو ذاك)، قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود)([10])

وذكرت قول أنس، وهو يبين الأثر العظيم الذي أحدثه غياب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. لقد قال: (لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء ولما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا)([11]) 

***

 لم يخطر على بالي أولئك المحبين في تلك اللحظات اللذيذة فقط.. فقد كانوا بعضا من آلاف.. بل من عشرات الآلاف.. بل من ملايين المسلمين عبر أجيال المسلمين الطويلة..

كلهم كانوا على قلب رجل واحد يمتلئون محبة وتعظيما لرسول الله.. يجتمعون به وبحبه وبالشوق إليه، ويفترقون على ذلك.

وكانت المعاني النبيلة التي أشرقت عليهم من شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم تملؤهم بالسعادة والسكينة.. وتحول قلوبهم إلى قلب رجل واحد، فهم إخوة في الله، لهم شمس واحدة يستنيرون بنورها، ويستدفئون بدفئها.

 لكن مرارة الحسرة عادت، فكدرت ذلك الشوق اللذيذ..

لقد اختلط ذلك الشوق اللذيذ لتلك الأجيال السامية بحسرة وألم على أجيالنا التي امتلأت قلوبها بالأهواء، فراحت تبحث في القمامات والمزابل والمستنقعات عن حب تملأ به قلوبها، فلم تجد في المزابل إلا الجرذان والخنافس.

***

التفت الغريب، فرآني، فقام من مجلسه، ودعاني أن أدخل عليه.

دخلت، وحييته معتذرا عن تنصتي عليه، فقال: لا بأس عليك.. ربما لا يصلح لحديثنا إلا هذا المجلس.. وفي هذا الوقت من الليل الذي يفترش فيه المحبون أقدامهم ليتنعموا بحرارة الأشواق الرفيعة.

قلت: لقد سمعتك تنشد أبياتا ممتلئة حبا ساميا، وأشواقا طاهرة.

قال: تلك بعض نفثات قلوب المحبين التي امتلأت بحرارة الإيمان والمحبة والشوق.

قلت: أيام جميلة هي تلك الأيام التي عاصرها أولئك الشعراء.

قال: وتلك الأيام لن تنقضي.. إن القلوب التي عبرت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن محبتها وأشواقها لا تزال حية تنبض بالحياة.

قلت: أين ذلك.. وقد ملأ الإعلام المنحرف قلوب الناس بالأشواق المدنسة، والهمم المنحطة.. لقد صار الحب بين الناس ـ في ظل هذه الحضارة المتعفنة ـ مرادفا للانحراف والفساد والرذيلة.. وصارت أشواق المحبين الرفيعة سلعة رخيصة تباع في سوق النخاسة.. وصار الأبطال في هذا الزمان هم كل راقص ومطبل ومزمر وناعق.

قال: ذلك سراب سرعان ما يفطن له الناس.. وذلك ضباب سرعان ما تشرق عليه الشمس لينقشع عن الحقيقة.

قلت: إلى متى !؟

قال: ذلك ليس بعيدا.. بل كل شيء يقرب إليه.

نظر من كوة النافذة إلى السماء المزينة بزينة النجوم، ثم قال: لقد عرفت في حياتي الطويلة كثيرا من الناس لاحظت في عيونهم ووجوههم وقلوبهم حرارة الشوق العظيم إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. لقد تشرفت بلقائهم والحديث إليهم..

قاطعته قائلا: فهل ستحدثني عنهم؟

قال: أجل..سأحدثك اليوم عن القلوب التي امتلأت بحب محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. أو شعرت في لحظة من لحظات الصدق بتعظيمها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولما جاء به.

قلت: في أي بقعة من بقع العالم ظفرت بهذه القلوب؟

قال: في كل بقاع العالم التي زرتها.. ليس هناك محل في الأرض إلا وفيه من يلهج لسانه بذكر محمد، ويلهج قلبه بالشوق إلى محمد.

قال ذلك، ثم قام إلى محفظته، وأخرج دفترا هو أشبه بالسفر، وقد كتب عليه هذا العنوان (قلوب مع محمد)، ثم سلمنيه، قلت: ما هذا؟

قال: في هذا الدفتر الذي صحبني طيلة فترات حياتي لم أسجل إلا نفحات الصدق التي فاهت بها الألسن في لحظات تقدسها.

فتحت الدفتر، فرأيت فيه أسماء كثيرة.. فسألت: ما هذه الأسماء؟

قال: هذه أسماء من قدر الله لي أن ألقاهم، وأتنعم بالحديث معهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان كل فرد منهم شعاعا من الأشعة التي اهتديت بها إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

رحت أقلب الكتاب فهالتني كثرة الأسماء.. فرحت أسأل: أكل هؤلاء التقيتهم؟

قال: أجل.. كلهم قيض الله أن يكونوا سببا من أسباب هدايتي.

قلت: فهلا أذنت لي، فوضعت فهرسا ييسر عليك الاطلاع عليهم؟

قال: لقد فعلت.. لقد صنفت من رأيتهم إلى عشرة أصناف، يشملون أكثر أنواع الناس.. ففيهم: العامة والخاصة.. وفيهم الأدباء والفنانون.. وفيهم العلماء والأولياء.. وفيهم الأحبار والمفكرون.. وفيهم الأصدقاء والأعداء.

قلت:.. والأعداء !؟

قال: أجل.. حتى الأعداء لم يملكوا ـ في لحظة من لحظات الصدق، أو لحظة من لحظات عودة الوعي ـ إلا أن يعبروا عن تقديرهم الشديد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: فستقص علي قصة كل اسم من هذه الأسماء.

قال: لا يفي العمر جميعا ببعض ذلك.. فلي مع كل اسم قصة من القصص.

قلت: فستحدثني عن بعضها..

قال: سأحدثك عن أفراد من كل صنف.. وأنت تستدل بمن ذكرت على من لم أذكر..

قلت: ألم تلق معلمي (معلم السلام) في بداية هذا النوع من الأشعة!؟

قال: بلى.. لقد لقيته.. وقد كان سببا في أن أتخذ هذا الدفتر..

قلت: فحدثني عنه، فما أعظم شوقي إليه.

قال: كان يوما من أيام الشتاء الباردة.. وكان الثلج يتساقط.. ونحن في مقبرة نشيع جثمان بطل من أبطال ألمانيا..

قلت: من هو؟

قال: أعفني من هذا السؤال.. فلو عرف أهل عصرنا هذا من هو لاتهموني أو اتهموا أخي بما لا طاقة لنا به.

قلت: فكيف التقيت معلم السلام في ذلك الموقف.. هل كان أحد المشيعين؟

قال: لست أدري.. فجأة استدرت، فرأيته خلفي، وهو ينظر باستغراق لأفواه المتحدثين، وهم يرسلون مراثيهم تصحبها دموعهم.

كنت أحسبه متأثرا كالجمع الحاضر.. ولكن وجهه الواجم لم يبد لي أي أثر أو أي تأثر.

بعد انتهاء حفل التأبين، اقتربت منه، وقلت: لا شك أنك حزين لفقد هذا البطل العظيم الذي امتلأت قلوب الدنيا حزنا عليه.

قال: ويوشك أن تمتلئ بغضا له.

قلت: أخفض من صوتك.. ما الذي تقول؟

قال: أقول الحقيقة.. لقد كنت أطالع وجوه المتحدثين.. فلم أر فيها أي نسمة من نسمات الصدق.. وكنت أحلل تلك الدموع، فلم أرها غير دموع التماسيح.. وكنت أحلل تلك الكلمات، فلم أرها غير أكاذيب المنافقين..

قلت: فكيف عرفت بارتداد القلوب عنه؟

قال: لأن القلوب لا يمكن أن تظل على النفاق.. والأعين لا يمكن أن تظل ترسل دموع التماسيح.

قلت: كل الناس يحصل لهم هذا.. يمدحون، ثم يهجون.. ويشكرون ثم يكفرون.

قاطعني، وقال: إلا الصادقون.. فالقلوب لا تزداد لهم إلا محبة.. والأعين لا تزداد لهم إلا شوقا.. والأفواه لا تزداد لهم إلا مدحا.

قلت: فمن هؤلاء !؟

قال: أنا أبحث عنهم.. لقد اتخذت دفترا أسجل فيه منحنيات الحب والبغض..

قلت: هذه أول مرة أسمع بهذا النوع من المنحنيات.

قال: لأن البشر انشغلوا بمنحنيات العمران عن منحنيات الإنسان.

قلت: عرفت قيمة منحنيات العمران.. فما قيمة منحنيات الإنسان؟

قال: لقد جعل الله في قلوب البشر جواذب نحو الحقيقة.. قد يشردون عنها، ولكنهم سرعان ما يعودون إليها.. هي كإبرة البوصلة.. تحركها ذات اليمين، وذات الشمال، ولكنها تأبى إلا أن تعود إلى المحل الذي تنجذب إليه.

قلت: عرفت قيمة إبرة البوصلة.. فبها نميز الشمال من الجنوب.. وبها نهتدي في طريق البر والبحر.

قال: وببوصلة القلوب نعرف الصادقين من الكاذبين.. ونهتدي إلى أهل الحقائق، وأهل الدجل.

قلت: لقد ذكرتني بما قالت لي العذراء في ذلك الحلم الجميل.. لقد قالت في وصف تلك الشمس المقدسة: (وامتلأت القلوب حبا لها، وشوقا إليها)([12])

قال: لقد ذكرت لك العذراء مقياسا من مقاييس الحقيقة.. فابحث عنه.. فكل من بحث وصل.

قلت: أين !؟

قال: سر في أرض الله.. واتخذ لنفسك دفترا.. وابحث عن نبرات الصدق الحقيقي التي تنطلق من القلوب.. ففي تلك النبرات ما يدلك على تلك الشمس المقدسة.

قلت: لكل شخص وجهة هو موليها.

قال: ولكن الناس يفترقون في كل شيء إلا عند الشمس، فإنهم يجتمعون.. يجتمع الجميع.

قلت: لم أفهم.

قال: لقد كنا نشيع ذلك البطل الهمام في نظرنا.. وفي نظر أهل بلدنا!؟

قلت: أجل..

قال: ولكن قلوب الآلاف.. بل عشرات الآلاف.. بل الملايين.. تلعن هذا النعش الذي كنا نسمع تأبينه.

قلت: أجل.. وهم أحرار فيما يحبون، وفيما يبغضون.

قال: بل هم مجبرون على ذلك.. فلولا ما فعل بهم ما أبغضوه.

قلت: ولكن هؤلاء الذين أحبوه فعل لهم.. فلذلك أحبوه.

قال: وهذا مقياس آخر.

قلت: لم أفهم.

قال: هذا البطل الهمام أرضى هؤلاء على حساب أولئك.. فلذلك أبغضوه.. وسيبغضه هؤلاء أيضا.. لأن القلوب لا بد أن تعود إلى لحظات الصدق لترى الإجرام إجراما والعدل عدلا.

قلت: فأين الذي تجتمع عليه كل القلوب؟

قال: ذاك ما أبحث عنه.. فمن ظفر به ظفر بالإكسير الذي يجعله إنسانا.

قلت: فسلمني دفتر قلوبك لأنطلق مما وصلت إليه في بحثي.

قال: لا تسلم لك الحقائق إلا بالمعاناة.. فسر، وسل القلوب، وابحث.. فما وصل إلا من سار.

قال ذلك، ثم انصرف.

في ذلك المساء اشتريت دفترا.. وصرت أبحث عن كل نفحة صدق تفوح بها الألسن في لحظة تقدسها.

وهذا هو الدفتر.. وهذه قصته.

أولا ـ العامة

فتحت دفتر الغريب على فصله الأول، فوجدت عنوانه (العامة)، فقلت: من تقصد بالعامة؟

قال: أقصد بهم أولئك البسطاء الذين لم تسجل أسماؤهم في دفاتير المؤرخين مع أنهم هم الذين صنعوا التاريخ.

قلت: لقد كان هذا الصنف من الناس أكثر من اتبع الرسل.

قال: لأنه لم يكن لديهم من السلطان ما يخافون عليه، فلذلك لم ينحجبوا بما انحجب به غيرهم.

كان أول اسم سجله الغريب في هذا الفصل اسم (الراعي)، فسألته عنه، فقال: هذا (الراعي).. وهو أول من رأيت حرارة الصدق في كلماتهم.. فلذلك كان أول من سجلت اسمه في هذا الدفتر.. والذي كان في ذلك الحين خاليا من أي عنوان.

قلت: فحدثني حديثه.

قال: في ذلك اليوم من أيام الربيع.. وفي بلدي الذي ولدت فيه.. وبعد لقياي لمعلم السلام وإقناعه لي بتخصيص دفتر للكلمات الصادقة الصادرة عن القلوب المخلصة، خرجت إلى الحقول المجاورة لأتنسم عطر الهواء الذي لم يدنس بالمداخن، ولألتقي بالبشر الذين لم تخرجهم الحضارة عن فطرتهم.

وفي ذلك الحقل، التقيت ذلك الراعي الصادق الذي كان يمتلئ شوقا لمحمد.

لقد وجدته جالسا بجنب نعجاته من غير أن يراه أحد، أو يسمعه أحد، وهو ينشدها بصوت عذب قول الشاعر:

يا حبيباً علم الوجد هواه
 

ياتراني بعد صبر هل أراه؟
  

يا جميلا ليس خلق في البرايا
 

قط مثل أو قريب من بهاهُ
  

بان في الأفلاك بدر أو هلال
 

يسلب الألباب بعض من سناه
  

ليس حسن في البرايا أو جمال
 

أو بديع من جمال ما عداه
  

يا حبيبا لست أدري كيف أوفي
 

قدره العالي وفيضا من عطاه
  

ذاك قلبي هام وجداً يا حبيبي
 

والهوى في وجدكم حقا سباه
  

يا دموعا ذارفات في الليالي
 

هل لقاءُ في تعيم منتهاه
  

يا لسعدي ساعة اللقيا بحبي
 

يا حبيبا حق سعدي في حماه!
  

كيف أسلو يا حبيبا في فؤادي
 

جاوز الأحباب عشقا فاكتواه
  

كيف أسلو والحنايا لم تزل
 

ترقب الوصل ووصلي لا أراه ُ!
  

يا ليال ذبت فيها من هواكم
 

والتياعي يا حبيبي من شِفاه؟
  

طال بعدي بت ليلي من هواكم
 

ضج قلبي هائما دمعي ذراه
  

مال قلبي نحو حب ليس فيه
 

غضة للقلب رقراق نقاهُ!
  

كلما همت وزاد الحب فيكم
 

زاد سعدي بالغاً بي منتهاهُ
  

كيف لا والوعد منكم يا حبيبي
 

أن ينال محبكم حقا مناه
  

اقتربت منه، وقد هزني إنشاده، فقلت: أنت عربي.. لاشك في ذلك.

قال: لا.. بل أنا ألماني.. نبتت شجرتي في هذه البلاد.

قلت: ولكن أشجار هذه البلاد لا تتقن العربية.

قال: لقد شوقني في العربية حبيبي الذي همت به.. فضبطت لساني على موجات لسانه، كما ضبطت قلبي على ترددات محبته.

قلت: عهدي بالمحبين في بلادنا يتلاقون بمحبوبيهم كما يشتهون.. ولا يقتنعون بما تقتنع به من ترديد الأشعار.

قال: ومن قال لك بأن حبي قد غاب عني.. إنه معي.

قلت: ولكني لا أراه.

قال: فأنت إذن لا تبصر.

قلت: بل أبصر.. وأنا لا أرى أمامك إلا نعجاتك.

قال: لو نظرت إلى إنسان عيني لرأيته، ولو حدقت في سويداء قلبي لوجدته مستويا على عرشه.

قلت: لا طاقة لي بفك ألغازك، فحدثني عن حقيقة أمرك.. أخبرني عن حبيبك الذي ملكته قلبك وعقلك وروحك.

قال: محمد هو حبيبي الذي ملك علي عقلي وقلبي وروحي وجميع كياني.

قلت متعجبا: محمد !؟

قال: أجل.. محمد..

ثم راح ينشد بصوت عذب قصيدة البوصيري:

محمد أشرف الأعراب والعجم
 

محمد خير من يمشي على قدم
  

محمد باسط المعروف جامعه
 

محمد صاحب الإحسان والكرم
  

محمد تاج رسل الله قاطبة
 

محمد صادق الأقوال والكلم
  

محمد ثابت الميثاق حافظه
 

محمد طيب الأخلاق والشيم
  

محمد رويت بالنور طينته
 

محمد لم يزل نورا من القدم
  

محمد حاكم بالعدل ذو شرف
 

محمد معدن الإنعام والحكم
  

محمد خير خلق الله من مضر
 

محمد خير رسل الله كلهم
  

محمد دينه حق ندين به
 

محمد مجملا حقا على علم
  

محمد ذكره روح لأنفسنا
 

محمد شكره فرض على الأمم
  

محمد زينة الدنيا وبهجتها
 

محمد كاشف الغمات والظلم
  

محمد سيد طابت مناقبه
 

محمد صاغه الرحمن بالنعم
  

محمد صفوة الباري وخيرته
 

محمد طاهر من سائر التهم
  

محمد ضاحك للضيف مكرمه
 

محمد جاره والله لم يضم
  

محمد طابت الدنيا ببعثته
 

محمد جاء بالآيات والحكم
  

محمد يوم بعث الناس شافعنا
 

محمد نوره الهادي من الظلم
  

محمد قائم لله ذوهمم
 

محمد خاتم للرسل كلهم
  

قلت: فكيف اهتديت إلى محمد، وأنت من هذه البلاد التي لا تعرف محمدا.

غضب، وقال: كل البلاد تعرف محمدا.. بل كل الأشجار والحجارة والتربة تعرف محمدا.

قلت: أحدثك عن البشر.. لا عن الأشجار والحجارة.. فأخبرني خبرك.

قال: قصتي طويلة..

قلت: فقصها علي.

قال: سأقص عليك منها ما تحتاجه.. وأرغب بك عما لا تحتاجه.

قلت: كلي آذان صاغية لك.

قال: لقد وقعت في عز شبابي ضحية لشباك الحب المدنس..

قلت: ما الحب المدنس؟

قال: ذلك الحب الذي يتغنى به قومنا.. فيملؤون عروش قلوبهم بالمستنقعات الأسنة.

قلت: فكيف نجوت منه.. عهدي بمن يقع فيه يلم به ما ألم بالمجنون من الجنون، أو ما ألم بعروة ةإخوانه من الموت.

قال: تلك قصتي مع حبيبي محمد.

قلت: لم أفهم.

قال: لقد أذاقتني محبوبتي التي أسلمتها روحي من ألوان الهوان ما امتلأت به مرارة، فبعت لأجلها كل ما أملك، وأرضيتها بكل ما أطقت أن أرضيها به، فلما نفذ ما عندي من مال ومتاع هجرتني.. بل باعتني لمن يملك ما لا أملك، ويقدر على ما لا أقدر.

قلت: فكيف نجوت من خنادق الهوى الوعرة؟

قال: بمحمد.

قلت: كيف ذلك؟

قال: في تلك الأيام ظهر لي أن أسافر إلى اليمن.. ولست أدري كيف لاح لي ذلك الخاطر.. وقد كانت تلك الأيام تزدهي بميلاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. فكانت الأفراح في كل جانب، وكانت القصائد العذبة تمتلئ بها الحناجر والأسماع.. وكنت أرى الفرحة تمتلئ بها القلوب غير شاعرة بتلك الفاقة التي تصيح بها الأجساد.

لقد أثرت في تلك المشاهد مع كوني لم أكن أعرف من العربية إلا ما أحتاجه في معاملاتي الضرورية.

قلت: فكيف فهمت ما يقولون؟

قال: حرارة الصدق والإخلاص جعلتني أستوعب كل ما يذكرونه، بل أعيه وعيا تاما.

قلت: أكان ذلك وحده هو الذي أنقذك من شباك الحب المدنس؟

قال: كان ذلك هو الباب.. وكانت تلك هي البداية.. لقد كان الإخلاص والصدق هو الذي جعلني أنضم إلى تلك المجالس، وأجلس معها، وأحاول أن أستشعر المشاعر المقدسة التي تستشعرها..

لقد كان كل كل هدفي أن أنسى من جرعتني السموم.. ولم أكن أعلم أن الله الرحيم الرحمن يدخر لي كل ذلك الفضل.

قلت: لم أفهم.

قال: في مجلس من تلك المجالس لاحت أنوار عظيمة غسلت جميع أدران قلبي، ومحت جميع ظلماته.. لقد كانت أنوارا لذيذة وجميلة لا يمكن وصفها.

قلت: أنوار من تلك؟

قال: أنوار الشمس التي لا تغيب..

قلت: لم أفهم..

قال: لم يكن دليلي إلى محمد إلا محمد.

قلت: لا زلت لا أفهم.

قال: أنا لست فيلسوفا، ولا لي قدرة على الجدل، ولا على البحث المضني.. ولكن مع ذلك لي قدرة على تلمس الصدق والإخلاص.. وقد رأيت في محمد منهما كل ما يملأ القلب بالمحبة السامية.

قلت: والمسيح !؟.. ألم تكن مسيحيا؟

قال: بلى.. ولا أرى أن حبي للمسيح يغني عن حبي لمحمد.. ذلك أني لم أصل للمسيح إلا بعد أن وصلت لمحمد.

قلت: كيف تقول ذلك، ومحمد جاء بعد المسيح.

قال: لقد عرض للمسيح قطاع طرق كثيرون شوهوه.. ولم يعد للمسيح جماله ولا كماله غير محمد.

قلت: فكيف تعلمت العربية.. وعلى من تعلمتها؟

قال: علمتني المحبة.. لقد جعلتني تلك العيون الصادقة أتعلم من غير معلم.

قلت: لقد رأيتك تردد أشعارا بليغة.

قال: تلك الأشعار من تلك المجالس.. لقد كنت جالسا في أحد تلك المجالس الآن.

قلت: أنت هنا الآن.

قال: أنا لم أخرج من هناك.. ويستحيل على قلبي أن يفارق مواطن الأحبة.

قلت: ونعجاتك؟

قال: هي لا تشغلني.. بل لو اجتمع الخلق جميعا على أن يشغلوني فلن يشغلوني.

قال ذلك، ثم انصرف إلى نعحاته، وهو يشدو بقول الشاعر:

دارُ الحبيبِ أحقُّ أن تهواها
 

وتَحِنُّ من طربٍ إلى ذِكراها
  

وعلى الجفونِ إذا هممتَ بزورَةٍ
 

يا ابن الكرامِ عليك أن تغشاها
  

فلأنتَ أنتَ إذا حللت بطيبةٍ
 

وظللتَ ترتعُ في ظِلال رُباها
  

مغنى الجمال من الخواطرِ والتي
 

سلبت ْ قلوبَ العاشقين حلاها
  

لا تحسبِ المِسكَ الذَكيّ كتُربها
 

هيهاتَ أين المسكُ من رياها
  

طابت فان تبغي لطيبٍ يا فتى
 

فأدم على الساعات لثم ثراهها
  

وابشر ففي الخبر الصحيح تقررا
 

إن الإله بطيبة سماها
  

وبهذه ظهرت مزيةٌُ طيبةٍ
 

فغدت وكل الفضل في معناها
  

حتى لقد خُصت بهجرة حِبِّهِ
 

الله شرفها بِهِ وحَباها
  

ما بين قبرٍ للنبي ومنبرٍ
 

حيا الإلهُ رسولَه وسقاها
  

هذي محاسِنها فهلل من عاشقٍ
 

كَلِفٍ شَجِيٍّ ناحلٍ بنواها
  

إني لأرهبُ من توقع بينها
 

فيظل قلبي مُجعاً أواها
  

بجوارِ أوفى العالمين بذمةٍ
 

وأعز من بالقرب منه يُباهى
  

من جاء بالآيات والنورِ الذي
 

داوى القلوب من العَمى فَشفاها
  

أولى الأنامِ بخطة الشرفِ التي
 

تدعى الوسيلة خير من يُعطاها
  

إنسانُ عين الكونِ شرفِ التي
 

تدعى الوسيلة خير من يُعطاها
  

حسبي فلستُ أفي ببعضِ صِفاته
 

لو أن لي عدد الورى أفواها
  

كثرت محاسنه فأعجز حصرها
 

فغدت وما تلقى لها أشباها
  

 سالت دموع حارة من عيني الغريب، وهو يحدثني عن قصة هذا الراعي، فقلت: أرى أن هذا الراعي قد أثر فيك أيما تأثير؟

قال: أجل.. في ذلك المساء سطرت في هذا الكراس أول اسم من أسماء الصدق.. وفي ذلك اليوم عنونت هذا الدفتر بهذا العنوان، وقد كنت أحسب أني سأضع دفاتر أخرى لشخصيات أخرى.. ولكني كلما هممت بذلك انصرفت إلى محمد.

قلت: أراك وضعت في هذا الفصل أسماء كثيرة؟

قال: كل هؤلاء من العامة البسطاء الذين أتيح لي أن ألتقي بهم، وأحادثهم عن سر إقبالهم على محمد ودين محمد.

قلت: كيف أتيح لك ذلك؟

قال: لقد لاحظت مراكز الدراسات المختلفة ـ والتي تزود الفاتيكان بما يحتاجه من معلومات ـ الإقبال الشديد على الإسلام رغم التشويهات الكثيرة التي تناله من وسائل الإعلام، وقد دفع ذلك الكنيسة إلى تكليفي بالبحث عن هؤلاء المسلمين الجدد والتحاور معهم لنعرف سر الإقبال الشديد على الإسلام.

قلت: لقد أتيحت لك فرصة عظيمة إذن؟

قال: أجل.. لقد كانت هذه فرصة لا تعوض.. فقد أتيح لي أن ألتقي بأكبر عدد من المسلمين الجدد، والذين فتحوا لي قلوبهم، وحدثوني بكل إخلاص عن رحلتهم إلى الإسلام ([13]).

قلت: في أي بلد تمكنت من لقائهم؟

قال: في بلاد كثيرة .. فأنت تعلم سخاء الكنيسة.

قلت: فقد استغللت سخاء الكنيسة إذن؟

قال: لا.. لقد كنت صادقا معها.. ولكن صدقي مع الحق كان أعظم من صدقي معها، فلذلك انشغلت بالبحث عن أسرار الصدق عن البحث الذي طلبته مني الكنيسة، وأحسبني قد عملت بإخلاص، ولم أتقاض على ذلك إلا ما هو حق لي.

قلت: لم أفهم.

قال: لقد أريد من تلك الأموال التي صرفت على رحلاتي أن أسمع الحقائق من أهلها، وأنقلها بكل صدق وموضوعية، وأحسبني لم أفعل إلا ذلك.

الفتى عماد:

قلبت دفتر الغريب في هذا الفصل، فرأيت اسم (الفتى عماد)([14])، فسألت الغريب عنه، فقال: قصة هذا الفتى مع الإسلام طويلة، ولا يمكنني في هذا المجلس أن أحدثك عنها جميعا، ولهذا سأكتفي باختصارها لك أو ذكر ما تمس إليه الحاجة فقط منها.

قلت: فمن حدثك بها؟

قال: الشاب عماد نفسه.. لقد أتيحت لي فرصة قدمت له فيها ـ بفضل الله ـ بعض الخدمات، وقد ارتاح إلي، وأخبرني عن قصته بتفاصيلها.

قلت: فحدثتني بما وعدتني منها.

قال: لقد بدأ هذا الشاب الطيب الذي أنار الإسلام عقله وقلبه حديثه بحمد الله على نعمة الإسلام، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي جعله الله واسطة لتلك النعمة، ثم أخذ يحدثني عن أسرته قبل الإسلام وبعد الإسلام، فقال: كانت أسرتي تتكون مني وأختي وأمي وأبي.. أربعة أفراد فقط وكانت أسرة نصرانية متدينة تواظب على دروس الكنيسة وتؤدي العبادات النصرانية بانتظام، وكنت أختلف إلى دروس الكنيسة مع أسرتي وكنت أواظب على أداء الصلوات.. وقد كان أول ما هداني الله به إلى الإسلام أمي.

قلت: أكانت أمه مسلمة؟

قال: لا.. ولكنها كانت سبب دخوله الإسلام.. لقد ذكر لي هذا الشاب الفاضل أنه شعر بتوجه أمه نحو الإسلام وميلها إليه، وقد اكتشف ذلك من خلال تعلقها بدرس التفسير الأسبوعي للشيخ محمد متولي الشعراوي - رحمه الله - فيقول: (لاحظت أن لحديث الشيخ الشعراوي الأسبوعي أثرًا أشبه بالرعد في آذان المتعصبين من النصارى، وساعة الحديث الأسبوعي ساعة نحس عندهم، وتمثل عبئًا نفسيًا ومعاناة لهم، بيد أن الأمر كان مختلفًا مع أمي كل الاختلاف حيث كنت أراها تفتح التلفاز وتشاهد درس الشيخ الشعراوي الأسبوعي يوم الجمعة فأسألها دهشا: ماذا تصنعين ؟! فتجيب قائلة: أتابع هذا الشيخ لأنظر ماذا يقول؟ وأسمعه ربما يخرف!.. ولم أكن أدري أن ردها عليّ وقتها كان من باب التمويه حتى لا أخبر أبي([15])!

وهناك برنامج آخر كانت تتابعه أمي، وهو برنامج (ندوة للرأي) أراها تشاهده، فلما أنكر عليها ذلك مستفسرًا ترد قائلة: أشاهد وأسمع لأرى ما يقوله هؤلاء العلماء عن النصرانية والنصارى!فأسمع جوابها دون تعليق.. وأواصل مراقبتها، وكانت أمي سمحة المعاملة لطيفة المعشر، وكادت في معاملتها تبدو أقرب للإسلام والمسلمين، حتى أن أحد القساوسة سبّها ذات مرة، لأنها قالت أمامه: (والنبي) على طريقة العامة من المسلمين في مصر، فسبّها القس ونهرها قائلاً لها: أي نبي ذلك الذي تقصدين ؟! وعنفها حتى سالت الدموع من عينها.

ولما فكرت أمي في الإسلام، استدعتني ذات مرة وقالت لي: تعال يا عماد أنت ابني الوحيد ولن أجد أحدًا يسترني غيرك! فقلت لها خيرًا يا أمي، فقالت: أنت ابني الكبير وأنا مهما كانت الأمور وفي كل الأحوال أمك.. ومن المستحيل أن تتخلى عني أو ترميني في التهلكة، فقلت لها: نعم يا أمي. فقالت: ماذا تفعل لو أن أهلك قالوا عني كلامًا سيئًا ورموني بتهم باطلة ؟! فقلت لها: ولم يفعلون ذلك وهم جميعا يحبونك. قالت: ماذا تفعل لو حاولوا قتلي والتخلص مني؟فقلت لها: كيف ذلك؟ولم يحاولون قتلك وهم يحبونك ؟! قالت: ماذا تفعل لو صرت مسلمة؟هل ستحاربني مثلما الحال مع أبيك وأعمامك وأخوالك وأقاربك ؟! فكانت إجابتي لها: الأم هي الأم، وأنت أمي في كل الأحوال.

قلت ذلك.. ولكن نفسي كانت ممتلئة بالمخاوف عليها، وقوّى ذلك لدي كثرة مشاجرتها مع أبي في شأن رغبتها في اعتناق الإسلام.. وكان أبي يغضب من تهديدها بترك النصرانية ويتحداها أن تعتنق الإسلام.

وذات يوم عدت إلى المنزل قادمًا من المدرسة، فلم أجد أمي، فأخذت أسأل عنها في كل مكان يمكن أن تذهب إليه وكانت الصدمة أني وجدت أنها أعلنت إسلامها أمام الجهات المسؤولة، وأنها لن تعود إلى البيت أبدًا..

لقد جن جنون العائلة كلها وفقدت توازنها وصارت تقول في الإسلام والمسلمين كل ما يمكن أن يقال من ألفاظ السباب واللعن والتهديد والوعيد وصار الجميع من أخوال وأعمام فضلاً عن الأب في حالة عصبية انفعالية في الكلام والسلوك فهم غاضبون من كل شئ ومن أي شئ

وكنت أستمع إلى الشتائم توجه إلى أمي من الأقارب والأخوال والأعمام، فمن قائل: إنها كانت تشبه المسلمين في كذا وكذا، وهذا الخال يوجه كلامه إلي قائلاً: (انظر كيف تركتكم، وتخلت عنك وعن أختك ؟! انظروا من سوف يرعاكم ويقوم على تربيتكم ؟!).. أما العم فقد كان يقول كلامًا مشابهاً ويقول موجهاً كلامه لي ولأختي: (ترى لو ذهبت أنت وأختك إليها وتوسلتما إليها وبكيتما بين يديها.. هل ترجع إليكم؟!)

وكان العم يذهب إليها في الجهات المختصة ليوقع الإقرار تلو الإقرار بعدم التعرض لها.. وأحيانًا كان يلقاها ويستعطفها كي تعود إلى ولديها لشدة حاجتهما إليها، ولكن أمي رفضت بشدة بعدما ذاقت حلاوة الإسلام والإيمان وأسلمت لله رب العالمين وتركتنا وديعة عند من لا تضيع عنده الودائع سبحانه هو خير حافظٍ وهو أرحم الراحمين، وأيقنت أن الله سوف يحرسنا بعينه ويرعانا برعايته([16]).

قال الغريب: ثم أخبرني هذا الفتى عن بعض البلاء الذي تعرض له بسبب إسلام أمه، ثم كيف بدأ يتلقى أنوار الإسلام، فقال: أخذت العنوان وقفلت راجعًا إلى منزلنا أفكر في الأمر، وبعد يومين أو ثلاثة عزمتُ على زيارة أمي على عنوانها الجديد في موعد يسبق يوم الثلاثاء اللاحق لموقف القس السابق في درس الكنيسة، وبلغت مسكن الوالدة وشاء الله أن يكون ذلك مع أذان المغرب.. وأستمع إلى أذان المغرب وكأني أسمعه لأول مرة برغم سماعي له آلاف المرات ولكن الأذان هذه المرة وقع مغاير تمامًا لما ألفته من قبل.

وتستقبلني أمي أثناء الأذان مرحبةً بي، وأراها وأسمعها تردد الأذان وهي لا تكاد تنتبه لحديثي إليها، وبعد الأذان ذهبت فتطهرت وتوضأت ثم دخلت في صلاتها وجعلت تتلو القرآن في الصلاة بصوت مسموع فكنت لأول مرة أسمع القرآن من أمي، إنها تتلو سورة الإخلاص، وكان لذلك وقع لا يوصف في قلبي وأثر ساحر في نفسي.

إن مشاعري في تلك اللحظة لا أقوى على وصفها، فقد شملني نورٌ ربانيٌ وتملكني شعور غريب تمنيت معه في تلك اللحظة لو جثوت على ركبي وقبلت قدم أمي وهي تصلي، شعرت بشيء ما يغسل قلبي، وداخلني صفاءٌ ونقاءٌ لم أشعر بهما من قبل، أجل إن شعوري في ذلك اليوم لا يمكن وصفه أو التعبير عنه.. إنه روح جديدة تسري في جسدي وعروقي، أحسست بمدى الظلم الذي وقع على أمي من ذلك القس([17]) في درس الثلاثاء الماضي، تمنيت لو خنقته لافترائه على أمي دون وجه حق، لماذا يشوه سيرتها؟! أهذا عدل؟ وهل المسيح أمر بذلك ؟!

ثم حدثني الفتى عن لجوئه إلى الإنجيل ليبحث فيه عن السكينة والهداية والهدوء فيكتشف أنه محرف، وأن القرآن الكريم هو كتاب الله حقًا، هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال: فالإنجيل عندما طالعته وجدته كتابًا كأي كتاب يؤلف في سيرة شخص أو عظيم حيث تطالعك أخبار عن المسيح الذي يأكل والمسيح الذي يشرب والمسيح الذي يموت والمسيح الذي يقوم من الذي يتحدث بهذه الأخبار؟ هل هو الله؟أم هو المسيح ؟! 

إن الإنجيل كتاب كأي كتاب يحكي قصة شخص أكل وشرب ونام، وفعل كذا من المعجزات أو له كذا من المعجزات والخوارق، من المتحدث في كل هذا؟أو من الذي كتب هذه الأخبار بعد وفاة المسيح؟ ولماذا تتعدد الروايات وتختلف وتتناقض أحياناً بتعدد الأناجيل واختلافها، حتى والمسيح على الصليب - كما يزعمون - ينادي: (إيلي إيلي لماذا؟ شبقتني !)

أي: إلهي إلهي لماذا تركتني وخذلتني ؟! لماذا؟ينادي مَنْ؟وهو من؟وكيف يتخلى الأب عن ابنه وهو يستصرخه ويستنصره ويستنجد بـه ؟! أهذا منطق؟! أسئلة كثيرة رَسمتْ أمامي علامات استفهام كبيرة.

وقد أصاب الفتى الملل من قراءة الإنجيل ـ كما يحكي ـ لأن قراءته الإنجيل ضاعفت من حيرته ولم تجب عن أسئلته، ويمضي الفتى قائلاً: ولكن حرصي على الوصول للحقيقة دفعني لمزيد من المراجعة ومعاودة قراءة الإنجيل مرة أخرى حتى انتهيتُ من قراءته لأصل إلى الاطمئنان النفسي والعقلي والروحي فما وجدت إلا المزيد من الإبهام والغموض، فاشتدت حيرتي حتى طالعت في الإنجيل قول السيد المسيح: (الحق الحق أقول لكم: إن من يتبع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية)

الله أكبر. الله أكبر إذاً جاءت صريحة وعلى لسان المسيح عبارته تلك التي تؤكد أنه رسول من عند الله، فقوله: (الحق. الحق) قسم وقوله: (إن من يتبع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني) تأكيد على أنه رسول من عند الله وقوله: (فله حياة أبدية) أي له الجنة والحياة الخالدة في الجنة.

قلت للبابا: فقد أسلم الفتى بعد هذا إذن؟

قال: أجل.. لقد أسلم.. وأسلمت بعد ذلك عائلته بعد عناء شديد تعرض له، ولكن الله أنقذه بفضله وكرمه كما ينقذ كل صادق ومخلص.

إيفا ماريا:

من الأسماء التي رأيتها في دفتر الغريب في هذا الفصل اسم (إيفا ماريا)، فسألت الغريب عنه، فقال: هذه سيدة ألمانية، وقد التقيت بها في بلدي ألمانيا، وقد حدثتني عن قصة دخولها الإسلام، فقالت: لقد وجدت بادىء الأمر أن صورة المعبود عند النصارى قريبة جداً منا معشر البشر، وقد أضيفت عليها صفات الإنسان لدرجة لا تجعلها تنطبق على خالق كل شىء، كما أن صورة السيد المسيح عليه السلام التى يجمع فيها بين الإنسان وصفة الخالق، هذه الصورة لا يمكن تصديقها أبداً.

إلى جانب ذلك، فقد ورد بخاطرى أن المسيحية ليست إلا علاقة بين الإنسان وربه، ولاشأن لها بأى حال من الأحوال بشئون الناس الاعتيادية كالشئون المالية مثلا أو العمالة أو أى نوع من أنواع التقنين لحياة الناس، أضف إلى ذلك التوجيهات العامة، التى وجدت أنها عسيرة التطبيق، ومن ذلك مبدأ المحبة، محبة الإنسان لأخيه الإنسان، هذا المبدأ لا يمكن أن تطبقه جماهير الناس فى ظل العقيدة النصرانية.

هذه الأفكار التى كانت بخاطرى وقعت إبان الفترة التى تسمى فترة تمرد الطلاب على الرأسمالية، فعندما بحثت هذه القضايا مع زميل مسلم ـ أصبح فيما بعد زوجاً لى ـ وجدت أن الإسلام قد وضع فى اعتباره كل هذه المشكلات، واهتم بها أعظم الاهتمام كمشكلة الاستغلال أو القوانين العامة الديقراطية وغير الديمقراطية ومشكلة المال والإقتصاد وغيرها.. فقد أوجد الإسلام الحلول المناسبة لكافة هذه المشكلات الدنيوية.

وكم كان تأثرى عظيماً حينما علمت أن الإسلام يعترف بالإنسان باعتباره مخلوقاً له روح وجسد فى آن واحد، كما أحببت مبدأ الاتصال المباشر بين الإنسان وخالقه دون أية وساطة من أى نوع بينهما، فقد شعرت أن من اللائق جداً للإنسان أن يخضع لخالقه فقط لا لأى أحد من خلقه.

كذلك شرح لى زميلى المسلم بأنه لا يوجد فى الإسلام أى فصل بين الدين والدولة، فاقتنعت بذلك تماماً، حيث وجدت من الضرورى أن لا يقتصر الإيمان والاعتقاد الدينى على الشئون الشخصية فحسب، بل لابد أن يشمل كافة جوانب الحياة الإنسانية.. وهذه صفة مميزة وخاصية فريدة للدين الإسلامى الحنيف، فهو لا يرفع شعار (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، بل على العكس من ذلك تماماً إذ أن العبادة فى الإسلام لا تقتصر على المساجد، بل تمتد لتشمل الحياة البشرية بأسرها.

سكتت قليلا تسترجع ذكرياتها، ثم قالت: عندما كنت أمر فى هذه المرحلة من تجميع المعلومات والقيام بدراسات دينية صادفت بعض المصاعب والعقبات، وكان عسيراً على نفسى أن أتقبل القيود التى يفرضها الإسلام على المرأة، والتى ظننت خطأ حينذاك أنها تحد من حريتها الشخصية، وهذه على كل حال هى نفس الحرية والتسيب الذى أعتدت أن انتقده فى ديانتى السابقة، وهى حرية يساء فهمها واستخدامها فقد اكتشفت أن الفهم النظرى شىء والتطبيق العلمى شىء آخر تماماً، وأذكر هنا اللباس الإسلامى للمرأة، فقد كان فى البداية مشكلة كبرى بالنسبة لى، وأظن أن هذا ينطبق على معظم السيدات الألمانيات المسلمات، فإلى جانب الإحساس بعدم الارتياح والشعور بالحر الشديد والمرأة فى لباس كامل فى الصيف، فقد كان من العسير على أن أصمد أمام اسئلة التهكم والاحتقار التى كانت توجه لى، وقد استمر ذلك حتى وفقنى الله إلى الرد بإجابات كريمة وردت لى اعتبارى أمام نفسى وأمام الناس، دون أن أحس بأننى قد أوذيت أو أخدش حيائى.

ثم تعرفت على مجموعة من الشابات المسلمات، فكم كان تأثرى عظيماً لما لمسته بين أفرادها من حب وجو أخوى يسود بين الجميع، وهو جو يختلف تماماً عما هو سائد بين أى جماعة عرفتها من قبل، فقد منحنى الانضمام إلى هذه الجماعة الإسلامية إحساساً بالسعادة واليقظة، وهكذا اقتنعت أننى اتخذت القرار الصحيح حين أصبحت مسلمة، وقد كان ذلك الإحساس بمثابة تعويض مناسب لكل ما لقيته من عقبات نتيجة لهذا القرار، ولدينا الآن اجتماع أسبوعى للمرأة المسلمة مع أطفالنا حيث نتعلم المزيد عن ديننا الإسلامى الجديد.

ايريس صفوت:

من الأسماء التي رأيتها في دفتر الغريب في هذا الفصل اسم (إيريس صفوت)([18])، فسألت الغريب عنه، فقال: هذا اسم لسيدة ألمانية أسلمت، وقد التقيت بها وحدثتني عن قصة إسلامها، ومما ذكرته لي قولها: نشأت في أسرة مسيحية علمانية ابتعدت عن الكنيسة، وعندما كنت في سن العاشرة شعرت بأن شيئا ينقصني في حياتي، وفطرتي دائما تشتد نحو الدين وأخذت أبحث لي عن دين، وكنت في ذلك الوقت أقرأ في الكتب عن الإسلام.. ووقتها شعرت بشيء يشدني بقوة إلى الإسلام كدين سماوي يرفع من كيان الانسان ويحمل جميع الفضائل والاخلاق الفاضلة وأخذت اهتم بهذا الدين وتحدثت الى زميلاتي في المدرسة وعن الإسلام وأنني أحب هذا الدين، وحينئذ كنت بلغت الثانية عشرة من عمري، وبالفعل أسلمت وكتمت إسلامي لأن زميلاتي وصفنني بالجنون.

قلت: أسلمت في ذلك السن.. فما كان موقف أسرتك؟

قالت:  في البداية اعتبرت أسرتي أنني أمر بمرحلة اضطراب وتقلب في المزاج..  لكن عندنا في الغرب حرية، واذا بلغ الابناء سن الثالثة عشرة فمن حقهم أن يتصرفوا كيفما شاءوا، ومن حقهم أيضا أن يتركوا أهلهم، ولهذا تركوا لي حرية الديانة.

وعندما وصلت للثانوية العامة، وكان عمري حيئذ ثلاثة عشرة سنة، وذلك عام 1967 وكنت في رحلة الى لندن، ذهبت الى المركز الإسلامي هناك والتقيت بالشيخ محمد الجيوشي (عميد كلية الدعوة الاسبق بجامعة الازهر) وكان اماما للمركز، وقلت له: إنني اريد ان اعلن إسلامي، وأذهب إلى الازهر وأدرس الدين الإسلامي واللغة العربية، كما التقيت بالشيح أحمد حسن الباقوري (وزير الاوقاف المصري الاسبق) في ذلك الحين، ووعدني بالدراسة في الازهر، واعلنت اسلامي أمام الشيخين ونطقت بكلمة التوحيد، وفي عام 1969 سافرت الى مصر، وتعلمت اللغة العربية، ثم عدت الى المانيا لدراسة الماجستير في جامعة كيسين، وفي اثناء دراستي للماجستير تعرفت على شاب مصري كان يدرس في مرحلة الدكتوراه، وتزوجنا وسافرنا عام 1975 إلى مصر وواصلت دراستي للغة العربية، وزادت معرفتي بالإسلام.

قلت لها: لقد مر أكثر من ثلاثين عاما منذ اعتناقك الإسلام.. فهل استطعت إيصال الإسلام إلى أهلك؟

قالت:  منذ اللحظة الاولى لاسلامي، وأنا انتمي لهذا الدين وادعو اليه والحمد لله استطعت ان اقنع اثنين من اقاربي بأن يسلما هم جدتي ورجل آخر من أقاربي، والذين لم يسلموا كنت أعطي لهم فكرة عن الإسلام، وهم عندما يسمعونني كانوا يحترمون الإسلام.

قلت: فعلاقتك بأسرتك جيدة إذن؟

قالت: علاقتي بأسرتي في ألمانيا جيدة منذ أعلنت إسلامي، لأن في المانيا تسامح واحترام لحرية العقيدة، ويعتبرون الدين مسألة شخصية.

سألتها عن أكبر ما جذبها للاسلام، فقالت: قبل ان أعلن اسلامي كنت اقرأ عن شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته فأحببت هذه الشخصية كثيرا لما تتميز به من خصال لا توجد في بشر على وجه الارض.

عبدالرحمن محمود داود:

من الأسماء التي رأيتها في دفتر الغريب في هذا الفصل اسم (عبدالرحمن محمود داود)([19])، فسألت الغريب عنه، فقال: هذا رجل ينحدر من أسرة هندية برهمية، تنصرت على أيدي المبشرين الذين قاموا مع طلائع الاستعمار، وكان كثير القراءة للكتب الدينية، ولما أتيح له أن يطلع على القرآن الكريم كان جوابه هو انتماؤه للإسلام، وقد ذكر ذلك في بعض تصريحاته لمن سألوه، فقال: (تناولت نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية، لأنني عرفت أن هذا هو الكتاب المقدس عند المسلمين، فشرعت في قراءته وتدبّر معانيه، لقد استقطب جل اهتمامي، وكم كانت دهشتي عظيمة حين وجدت الإجابة المقنعة عن سؤالي المحيّر: (الهدف من الخلق) في الصفحات الأولى من القرآن الكريم.. لقد قرآت الآيات (30ـ39) من سورة البقرة.. وهي آيات توضح الحقيقة بجلاء لكل دارس منصف، إن هذه الآيات تخبرنا بكل وضوح وجلاء وبطريقة مقنعة عن قصة الخلق)

وقال: (إن دراستي للقرآن الكريم وضحت أمام ناظري العديد من الإشكالات الفكرية وصححت الكثير من التناقضات التي طالعتها في الكتب السماوية السابقة)

وقال: (بفضل دراستي الحرّة البعيدة عن كل تعصّب مقيت أصبح إيماني بهذا الدين [الإسلام] قويًا راسخًا، لقد آمنت برسالة القرآن، وأحسست أن الإسلام هو دين الفطرة والكمال، أنزله الله على قلب آخر الأنبياء وخاتمهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. لقد اكتشفت أن الإسلام يخاطب الناس مباشرة ودون أية واسطة من أي نوع. من أجل ذلك كان هذا الدين متمشيًا مع الفطرة البشرية)

وقال: (إن الإسلام يخاطب الإنسان الكامل. وهكذا أيقنت أن هذا الدين هو خير الأديان جميعًا. لقد شرعت في التحدث عن معتقداتي الجديدة، حول الإسلام والنصرانية وصارحت بها العديد من العلماء المرموقين والقسس المعروفين، وكنت صريحًا وصادقًا في مناقشاتي معهم. لقد سألت القسس لماذا يخدعون الناس بإخفاء الحقيقة ولا يخبرونهم بوضوح وصدق أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم هو رسول الله؟ ولما سمعوا مني ذلك غضبوا ولكنهم لم يستطيعوا أن يحيروا جوابًا)

 

 

ثانيا ـ الخاصة

فتحت دفتر الغريب على فصله الثاني، فوجدت عنوانه (الخاصة)، فقلت: من تقصد بالخاصة؟

قال: أولئك الذين تعلقوا من الدنيا بحبلها المتين، فراحت الأبصار تحنو عليهم، وراحت القلوب تحن إلى كراسيهم.

قلت: ما أصعب أن يبصر هؤلاء الحق.

قال: أجل.. لقد خالطت بعض هؤلاء، فوجدتهم صنفين، بعضهم ائتم بالنجاشي، والآخر ائتم بهرقل.

قلت: لم أفهم قصدك.

قال: أما النجاشي، فقد عرف الحق وآمن به، ولم يمنعه منصبه الرفيع من ذلك الإيمان.. وأما هرقل، فقد عرف الحق، ولكنه حجب عنه، وكان منصبه هو الحجاب الأكبر بينه وبينه.

قلت: فحدثني حديثهما قبل أن تحدثني عن أصحابك.

قال: أما النجاشي، فقد حدثتنا بحديثه أم سلمة، فقد قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة.

وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم، فجمعوا له أدما كثيرة، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية. ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم. ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم.

قالت: فخرجا فقدما على النجاشي فنحن عنده بخير دار، وعند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم. فإن قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم، من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم، لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.

 قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم قال: فغضب النجاشي ثم قال: لاها الله أيم الله إذن لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوما جاوروني نزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهم ورددتهم إلى قومهم إن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني.

قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدعاهم، فجاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه قال: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كائن في ذلك ما هو كائن. فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم. قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فعدد عليه أمور الإسلام.

ثم قال: وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، فصدقناه وآمنا واتبعناه على ما جاء به من الله تعالى: فعبدنا الله تعالى وحده ولم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم الله علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا إلا نظلم عندك إيها الملك.

فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به من شئ، فقال له جعفر: نعم؟

فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من (كهيعص) قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والله، والذي جاء به عيسى، ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد. قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لأنبئنهم غدا عيبهم عندهم، ثم أستاصل به خضراءهم.

قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا، لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد قالت: ثم غدا عليه الغد فقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه؟قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثله، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟قالوا: نقول والله فيه ما قال الله، وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم، ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال: وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم: الآمنون - من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، فما أحب أن لي دبرا ذهبا وإني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسان الحبشة الجبل - ردوا عليهم هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين، مردودا عليهما ما جاء ا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.

وفي رواية: أن النجاشي قال للمسلمين: أيؤذيكم أحد؟قالوا: نعم.

فأمر مناديا ينادي: من آذى أحدا منهم فأغرموه أربعة دراهم.

ثم قال: أيكفيكم؟قلنا: لا.

قال: فأضعفوها.

وعند موسى بن عقبة: من نظر إلى هؤلاء نظرة تؤذيهم فقد غرم.

ثم قال: ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، فخرجا من عنده مقبوحين مردود عليهما ما جاءا به.

ثم إن الحبشة اجتمعت فقالت للنجاشي: إنك فارقت ديننا ـ وخرجوا عليه ـ فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا حيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا.

ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبده ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن وخرج إلى الحبشة وصفوا له صفين فقال: يا معشر الحبشة ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى.

قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟قالوا: خير سيرة؟قال: فما لكم؟قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد، هو ابن الله.

فقال النجاشي ـ ووضع يده على صدره على قبائه ـ: هو يشهد أن عيسى ابن مريم لم يزد على هذا، وإنما يعني ما كتب، فرضوا عنه وانصرفوا([20]).

قلت: هذا النجاشي، وهو إمام المهتدين من الخاصة، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى عليه الجنازة لما مات.. فحدثني خبر هرقل.

قال: أما هرقل، فقد حجب المسكين بملكه عن الإسلام، وقد حدث بخبره أبو سفيان ـ الذي كان زعيم أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ فذكر أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشأم، في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبا، فقال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه.

ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟قلت: هو فينا ذو نسب.

قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟قلت: لا.

قال: فهل كان من آبائه من ملك؟قلت: لا.

 قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم.

قال: أيزيدون أم ينقصون؟قلت: بل يزيدون.

قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟قلت: لا.

قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟قلت: لا.

قال: فهل يغدر؟قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة.

قال: فهل قاتلتموه؟قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه([21]).

قال: ماذا يأمركم؟قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.

فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول، فذكرت أن لا، فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله.. وسألتك هل كان من آبائه من ملك، فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت رجل يطلب ملك أبيه.. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.. وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.. وسألتك أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.. وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.. وسألتك هل يغدر، فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.. وسألتك بما يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه، لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه.

ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فقرأه، فإذا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران:64)

قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام.

وكان ابن الناطور، صاحب إيلياء وهرقل، أسقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء، أصبح يوما خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟

قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما استخبره هرقل قال: أذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر.

ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال: ردوهم علي، وقال: إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل([22]).

قلت: لقد عرفت خبر هؤلاء.. فهل ستحدثني عن أصحاب هرقل أم عن أصحاب النجاشي؟

قال: بل سأكتفي بالحديث عن أصحاب النجاشي.

قلت: وأصحاب هرقل.. ألم تلتق بهم؟

قال: بلى.. وما أكثرهم.. ولكني لو كتبت أخبارهم، فسيملؤون الدنيا ضجيجا، ويصادرون كل ما تكتبه حرصا على مصالحهم.

اللورد جلال الدين برانتون:

من أول الأسماء التي رأيتها في دفتر الغريب في هذا الفصل اسم (اللورد جلال الدين برانتون)، فسألت الغريب عنه، فقال: هذا رجل أشهر من نار على علم.. وقد كان باروناً إنجليزيًّا، ورجلاً ذا شعبيَّةٍ كبيرةٍ وسمعةٍ عريضة.. وقد أتمَّ دراسته في جامعة أكسفورد.. وقد حدثني حديثه الأستاذ محمد كامل عبدالصمد([23])، فقال: ولد ونشأ بين أبوين مسيحيين.. وولع بدراسة اللاهوت وهو في سن مبكرة، وارتبط بالكنيسة الإنجليزية، وأعطى أعمال التبشير كل اهتمامه.

وحدث ذات يوم أن زاره صديق هندي مسلم تحدث معه في موضوع العقائد المسيحية ومقارنتها بالعقيدة الإسلامية، وانتهت الزيارة، إلا أنها لم تنته في نفسه، فقد أثارت انفعالاً شديداً في ضميره وعقله، وصار يتدبر كل ما قيل فيها من جدال، مما دفعه إلى إعادة النظر في العقائد المسيحية.

وقد عبر عن ذلك، فقال: عندئذ قررت أن أبحث بنفسي، متجاهلاً عقائد الناس، بعد أن أيقنت بضرورة البحث عن الحقيقة مهما طال المدى في هذا السبيل، ومهما كان الجهد، حتى أصل لمزيد من المعرفة بعد أن قيل إن الإنجيل وتعاليم المسيح قد أصابها التحريف..

فعدت ثانياً إلى الإنجيل أوليه دراسة دقيقة، فشعرت أن هناك نقصاً لم أستطع تحديده.. عندئذ ملك عليّ نفسي رغبة أن أُفرغ كل وقتي لدراسة الإسلام.. وبالفعل كرست كل وقتي وجهدي له، ومن ذلك دراسة سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم أكن أعلم إلا القليل النادر عنه، برغم أن المسيحيين أجمعوا على إنكار هذا النبي العظيم الذي ظهر في الجزيرة العربية.

ولم يمض بي وقت طويل حتى أدركت أنه من المستحيل أن يتطرق الشك إلى جدية وصدق دعوته إلى الحق وإلى الله.

ثم أخذ يكرر هذا المعنى، وهو يقول: (نعم شعرت أنه لا خطيئة أكبر من إنكار هذا الرجل الرباني بعد أن درست ما قدمه للإنسانية، وجعل من المسلمين أقوى مجتمع رفيع يعاف الدنايا.. إني غير مستطيع أن أحصي ما قدمه هذا الرسول من جليل الأعمال)

بعدها تساءل في ألم ووجوم قائلاً: (أمام كل هذا الفضل وهذا الصفاء.. أليس من المحزن الأليم حقاً أن يقدح في شأنه المسيحيون وغيرهم !؟)

وقد حانت لي فرصة للاستماع إليه في جمع كان قد دعي إليه، وكان من أقواله في ذلك الجمع: أشعر بعميق الامتنان على إتاحة هذه الفرصة لي لأُعبِّر فيها ببعض الكلمات عمَّا دفعني لإعلان إسلامي، لقد تربَّيْت تحت تأثير أبويْن مسيحيَّيْن. وأصبحت في سنوات عمري المبكِّرة مهتمًّا بعلم اللاهوت. فشاركت بنفسي في الكنيسة الإنجليزيَّة، واهتممت بالعمل التبشيريِّ دون أن يكون لي فيه مشاركةً فعليَّة.

وقبل بضع سنواتٍ مضت انصبَّ اهتمامي على عقيدة (العذاب الأبدي)([24])لكلِّ البشريَّة عدا بعض المختارين، وأصبح الأمر بالنِّسبة لي مقيتاً جداًّ بحيث صار يغلب عَلَيَّ الشكُّ، فقد فكَّرت منطقيّاً بأنَّ ذاك الإله الَّذي يمكن أن يستخدم قدرته لخلق الكائنات البشريَّة الَّتي يجب أن تكون ـ في سابق علمه وتقديره ـ مُعذَّبةً للأبد، لابدَّ أنَّه ليس حكيماً، أو مُحِبّاً ـ سبحانه وتعالى عمَّا يصفون علوّاً كبيراً ـ فمستواه لابدَّ وأن يكون أقلَّ من الكثير من البَشَر، ومع ذلك واصلت الاعتقاد بوجود الله تعالى، ولكنِّي لم أكن راغباً بقبول الفهم السائد للتعاليم الَّتي تقول بالوحي الإلهيِّ للرِّجال، فحوَّلت اهتمامي للتَّحقيق في الأديان الأخرى، ممَّا أشعرني بالحيرة فقط.

وكَبُرَت في داخلي رغبةٌ جديَّةٌ للخضوع للإله الحق وعبادته، ومع أنَّ المذاهب المسيحيَّة تدَّعي أنَّها أُسِّسْت على الإنجيل إلَّا أنَّني وجدتها متناقضة، فهل من الممكن أنَّ الإنجيل وتعليم السيِّد المسيح ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ كانا مُحرَّفيْن؟!

لذلك صببت اهتمامي ـ وللمرَّة الثانية ـ على الإنجيل، وصمَّمت أن تكون الدِّراسة عميقة، وشعرت بأنَّه كان هناك شيء ناقص وصمَّمت على فعل ذلك لنفسي، بغضِّ النظر عن مذاهب البشر، فبدأت أتعلَّم بأنَّ النَّاس يمتلكون الرُّوح، وقوَّةً ما غير مرئيَّةٍ، وهي خالدة، وأنَّ الآثام سيُعاقَب عليها في هذا العالم وفي العالم الآخر، وأنَّ الله تعالى برحمته وإحسانه يمكنه دوماً أن يغفر ذنوبنا إذا ما تبنا إليه حقّاً.

ولإدراكي أهميَّة البحث العميق والعيش على مستوى الحق، ولكي أجد الجوهرة الثمينة، كرَّست وقتي مرَّهً أخرى لدراسة الإسلام. كان هناك شيئٌ في الإسلام شدَّني في ذلك الوقت.

وفي زاويةٍ مغمورةٍ -بالكاد معروفة- من قرية (إتشرا) كنت مكرِّساً وقتي وعبادتي لله العظيم بين أدنى طبقات المجتمع مع رغبةٍ صادقةٍ لرفعهم إلى مستوى معرفة الإله الحقِّ والواحد، ولغرس الشعور بالأخوَّة والطَّهارة.

ليس في نيَّتي أن أحدِّثكم كيف عملت بين هؤلاء الناس، ولا ما هي التضحيات الَّتي قدَّمتها، ولا المصاعب الجمَّة الَّتي مررت بها، فقد واصلت العمل ببساطةٍ من أجل هدفٍ واحدٍ، وهو أن أخدم هذه الطبقات ماديّاً ومعنويّاً.

وأخيراً بدأت بدراسة حياة النبيِّ محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم كنت أعرف القليل عمَّا فعله، ولكنِّي كنت أعرف وأشعر بأنَّ المسيحيِّين ـ وبصوتٍ واحدٍ ـ أدانوا مجد النبيِّ العربيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأردت حينها أن أنظر في المسألة دون تعصُّبٍ وحقد، وبعد القليل من الوقت وجدت أنَّه من غير الممكن وجود شكٍّ في جديَّة بحثه صلى الله عليه وآله وسلم عن الحقِّ وعن الله تعالى.

فأدركت بأنَّه من الخطأ ـ في نهاية الأمر ـ إدانة هذا الرجل المقدَّس بعد قراءتي عن الإنجازات الَّتي حقَّقها للبشريَّة.

فالنَّاس الَّذين كانوا في الجاهليَّة يعبدون الأصنام، ويعيشون على الجريمة، وفي القذارة والعُري، علَّمهم صلى الله عليه وآله وسلم كيف يلبسون، واستُبدلت القذارة بالطهارة، واكتسبوا كرامةً شخصيّةً واحتراماً ذاتيّاً، وأصبح كرم الضِّيافة واجباً دينيّاً، وحُطِّمت أصنامهم، وبدأوا يعبدون الله تعالى الإله الحق، وأصبحت الأمَّة الإسلاميَّة هي المجتمع الشَّامل القويُّ والأكثر منعةً في العالم. وأُنجزت الكثير من الأعمال الخيِّرة والَّتي هي من الكثرة بحيث لا يمكننا ذكرها هنا([25])، فكم من المحزن -أمام كلِّ هذا، وأمام صفاء عقله صلى الله عليه وآله وسلم حين نفكِّر كيف استطاع المسيحيُّون أن يحطُّوا من شخصه الكريم، واستحوذني تفكيرٌ عميق.

وخلال لحظات تأمُّلاتي زارني سيِّدٌ هنديٌّ اسمه (معن أمير الدِّين)، وكان من الغريب حقّاً أنَّه هو الَّذي أعطى النار الَّتي في حياتي الهواء لتزداد اشتعالاً، فتأمَّلت في المسألة بشكلٍ عميق؛ وقدَّمت الحجَّة تلو الأخرى مُتحاملاً على الدِّين المسيحيِّ المعاصر، ومستنتجاً كلَّ شيءٍ لصالح الإسلام، وشاعراً بالاقتناع أنَّه دين الحقِّ، واليُسْرِ، والتَّسامحِ، والإخلاص، والأُخوَّة.

وقد ختم كلماته العذبة الصادقة بقوله: (لم يعد لي الآن سوى القليل من الزَّمن لأعيش على هذه الأرض، وأريد أن أكرِّس كلَّ ما بقي لي في خدمة الإسلام)

الدكتور روبرت كرين:

من الأسماء التي رأيتها في دفتر الغريب في هذا الفصل اسم (الدكتور روبرت كرين)، فسألت الغريب عنه، فقال:  هو أحد كبار الخبراء السياسيين في أمريكا، وهو المؤسس والمنشىء لمركز الحضارة والتجديد في أمريكا، وبعد حصوله على شهادة الماجستير في الأنظمة القانونيّة المقارنة من جامعة هارفارد، وبعد تأسيسه لصحيفة (هارفارد) للقانون الدوليّ وتسلّمه منصب الرئيس الأوّل لجمعيّة هارفارد للقانون الدوليّ عمل لمدّة عقد من الزمن فيما يسمّى بـ (المراكز الاستشاريّة لصنّاع السياسة في واشنطن)

وفي عام 1962م شارك في تأسيس مركز الدراسات الاستراتيجيّة الدوليّة، وفي عام 1963م وحتّى عام 1968م كان أكبر مستشاري الرئيس السابق ريتشارد نيكسون في السياسة الخارجيّة.. وفي عام 1969م عيّنه نيكسون نائباً لمدير مجلس الأمن القوميّ في البيت الأبيض.. وفي عام 1981م عيّنه رونالد ريغان سفيراً للولايات المتّحدة في الامارات العربيّة.

وقد اعتنق الإسلام عام 1980م، وصار اسمه بعد إسلامه (فاروق عبد الحق)، وبعد إسلامه، عمل كمدير للقسم القانوني للمجلس الإسلامي الأمريكي، وهو الرئيس المؤسس لرابطة المحامين الأمريكيين المسلمين، وهو حاصل على دكتوراه في القانون عام 1959م.

وقد نشر عشرة كتب وخمسين مقالة اختصاصيّة حول الأنظمة القانونيّة المقارنة والاستراتيجيّة العالميّة وإدارة المعلومات.

وقد تشرفت بالالتقاء به، فسألته عن سر إسلامه، فكان مما أجابني قوله: في عام 1980م، وعلى أثر انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، ازداد اهتمام الناس في الغرب بالإسلام، ولم يكن اهتمامهم اعجاباً به، وانّما اعتبروه تهديداً لهم، لذلك نادى العديد من صنّاع الفكر الى عقد الندوات والمؤتمرات، حول هذا الموضوع.

وقد حضرت إحدى المؤتمرات كي أرى ماهيّة هذه الدراسات والاطروحات المقدّمة، (في خريف 1980م)، وكان مشاركاً في المؤتمر الكثير من قادة الفكر الإسلاميّ، ومنهم الدكتور حسن الترابيّ الذي تكلّم عدّة مرّات، وشرح الإسلام تماماً، كما كنتُ أبحث عنه، فادركتُ أنّه متقدّم في أفكاره، ثمّ رأيته وهو يصلّي ويسجد، وكنتُ ضدّ مسألة السجود، لأنّ الانسان في نظري لا يجب أن يسجد لأحد، ففي هذا إهانة له ولانسانيّته.

ولكنني أدركتُ أنّ الشيخ حسن الترابي ينحني لله ويسجد له، فالأولى أن أنحني وأسجد أيضاً، وهكذا فعلتُ ودخلتُ الإسلام، من يومها، على يد الدكتور حسن الترابيّ.

وقد حدثني عن الهواجس التي كانت تملأ عليه نفسه، ولم يجد إجابة لها إلا في الإسلام، فقال: كان والدي يعمل استاذاً في جامعة هارفارد، وقد علّمني أن أهتم وادافع عمّا هو صواب، وأن احاول تجنّب الخطأ، وقد قضيتُ معظم وقتي في التحرّي عن العدل والعدالة قبل أن أصبح مسلماً.

وفي الندوة التي جمعتني مع البروفسور (روجيه غارودي) في دمشق سمعته يتحدث ويهاجم الرأسمالية منذ كان شيوعياً، وكلانا كان لديه نفس الهدف، وهو أن يدعم العدالة، وكلانا كان ضدّ التركيز على الثروة، لأنّ الاهتمام بجمع الثروة ليس بعدل.

لقد اتّبع غارودي المبدأ الماركسي الذي يسعى لتحطيم الملكيّة([26])، في حين أنّي كنتُ أعتبر الملكيّة مفتاحاً للحريّة، لكن كلانا كان يرى أن الملكيّة تؤدّي في النهاية الى الظلم وعدم انتشار العدل، وكلانا كان يدعو الى نظام يدعو الى إنتاج واعطاء العدالة للجميع.. لذلك وجدنا أنّ الإسلام هو الحلّ الوحيد، فهو الذي يحمل العدالة في مقاصد الشريعة وفي الكليّات والجزئيّات والضروريّات، وأنا كمحام كنتُ أسعى الى مبادىء ليست من وضع البشر.

انطلاقا من هذه القناعات بدأتُ أسعى واُفتش عن العدالة، والمفارقة أنّني عندما ذهبتُ إلى جامعة هارفارد وحصلتُ على شهادتي في القانون، مكثتُ هناك ثلاث سنوات لم أسمع خلالها كلمة العدل ولا مرّة واحدة.

قلت: كيف اختاروك لذلك المنصب الخطير؟

قال: تقصد (مستشاراً للشؤون الخارجيّة الأميركيّة)

قلت: أجل.. وغيرها من المناصب الخطيرة.

قال: لقد كان ذلك في عام 1963م، وذلك بعد أن كتبتُ مقالة طويلة عن الصّراع بين روسيا وأميركا، وقد قرأ الرئيس نيكسون هذه المقالة وهو في الطائرة.

واستدعاني بعدها، وكلّفني بوضع كتاب حول السياسة الخارجيّة الأمريكية، وحول الشيوعيّة، ثمّ عملت مستشاراً للشؤون الخارجيّة منذ عام 1968م.

وكنتيجة لهذا الكتاب عُينتُ نائباً للرئيس نيكسون للأمن القوميّ في البيت الأبيض، وكان هناك أربعة نوّاب للرئيس كنتُ أحدهم.

وفي عام 1969م عندما استلم هنري كيسنجر وزارة الخارجية أنهى عملي بسبب 25 ورقة كانت في كتابي تضمّنت موضوع فلسطين، وقد اقترحتُ يومها تشكيل دولتين: يهوديّة وفلسطينية، وقد بُحِثَ هذا الموضوع لسنوات عديدة على أعلى المستويات في دوائر الولايات المتحدة وفي البيت الأبيض. ولكنّ كيسنجر كان ضدّ كل إنسان يبحث في هذا الموضوع.

ووقف كيسنجر ضدّي في كلّ مجال دخلتُ أو عملتُ فيه، ثمّ عينني نيكسون نائباً لإدارة شؤون احدى الولايات في البيت الأبيض، كما عملتُ في مسألة (ووترغيت).

بعد فضيحة (ووتر غيت) وجدتُ أنّني لا أستطيع أن أؤثّر على سياسة الولايات المتحدة بشكل فعّال من داخل الدولة، ورأيتُ أنّ الحلّ الوحيد لإزالة الظلم هو إنشاء حركة فكريّة تعود للمثاليّات في أمريكا، وتنادي باستعادة التراث الأمريكي الذي كاد أن يضيع.

وهذا التراث الذي ضاع، وتلك المثل العُليا لم تعد موجودة في أمريكا، لكنّي وجدتها في الإسلام، لذلك أرى أنّ الطريق إلى إنعاش التراث الأمريكي سيكون عن طريق الإسلام، وهذا ما أقوم بالعمل عليه منذ إسلامي عام 1980م.

وقد أخبرني بأنّ الحاجة قائمة الى صناع فكر إسلامي لكي يشرحوا للأمريكيين كيف يجب على أمريكا أن تدير سياستها الخارجيّة، وأن يبيّنوا أنّ العدل هو الطريق الطويل الذي يجب أن تسلكه أمريكا.

وفي الوقت الذي لا يبدي فيه د. فاروق قلقاً على بقاء الإسلام في أمريكا، غير أنّه يحب التركيز على بناء فكر عال للمفهوم الإسلامي بين الشباب بشكل خاص، وقد قال في ذلك: (يجب أن يفهموا العالم الحديث، ويجدوا ردوداً اسلاميّة لكل المشاكل المطروحة في المجتمع، ومن جانب آخر يجب أن ننمّي ونطوّر قيادة فكريّة بين المسلمين وفي كلّ حقول المعرفة، ويكون الهدف من كلا الأمرين هو تدعيم العدل والعدالة في العالم.. وهذا يجعل الإسلام قوّة إيجابيّة من أجل الخير في العالم، وهذه الأولويّات تنطبق على الغرب كما تنطبق على العالم الإسلاميّ)

وقد قرأت عليه بعد ذلك آراء وتصوّرات عميقة في أمّهات القضايا والتحدّيات التي تواجه المسلمين في عالم اليوم، وهو حين يوجّه النقد الى الغرب لنظرته المنحازة والقاصرة تجاه الإسلام، فانّه لا ينسى توجيه اللّوم الى بعض المسلمين في الشّرق أو الغرب ممّن لا يفهمون التعاليم الإسلامية، ومن الصّعب ـ كما يقول ـ أن تفهم الغربيين حقيقة الإسلام لأنّ الكثير من المسلمين الذين يعيشون في الغرب لا يمارسون ولا يعيشون حسب تعاليم الإسلام.

ديفد كيربا:

من الأسماء التي رأيتها في دفتر الغريب في هذا الفصل اسم (ديفد كيربا)، فسألت الغريب عنه، فقال: هذا الرجل تبوأ أعظم منصب يمكن أن يتبوأه امرؤ في بلده.. هذا الرجل كان رئيسا لجمهورية جامبيا.

قلت متعجبا: رئيس جمهورية!؟

قال: أجل.. ولا تكمن الغرابة في كونه رئيساً لجمهورية، وإنما لأن هذا الرئيس ولد مسلماً ثم أبحر للغرب، وتشرب من فكره وقيمه وعقيدته، ودخل عالم السياسة، فدانت له، واستهوته شهوة المناصب التي وصل إلى أقصاها، ولكن حين اقترب من القصر السياسي أكتشف أنه قد نسي شيئاً مهماً.. نسي فطرته، فعاد إليها مسرعاً، وقد عبر عن ذلك بقوله: (كنت أشعر دائماً أن لي قلبين في جوفي.. قلب لي وقلب علي.. أما القلب الذي لي، فكان يدفعني إلى الدراسة والسياسة وخوض معركة الحياة.. وأما القلب الذي علي، فكان ما يفتأ يلقي على عقلي وقلبي سؤالاً لم يبرحه قط، هو: من أنت ؟ وما بين القلبين مضت بي الرحلة الطويلة استطعت معها ومن خلالها أن أحقق كل ما أصبو إليه، تحرير وطن أفريقي أسود، ووضعه على خريطة الدنيا كدولة ذات سيادة)

واستطرد قائلاً: (وكان هذا نصراً منتزعاً من فم الأسد، يكفي لأن يدير الرؤوس، ويصيب الشبان الحالمين من أمثالنا في هذا الوقت بدوار السلطة.. كانت تلك معركة كبرى سلخت من أعمارنا نصف قرن من الزمان مع الحرب والنضال، والمفاوضات وتكوين الأحزاب، وخسارة المعارك والفوز بها أيضاً، وما كان أسعدنا حينئذ ونحن ننشل وطننا من وهده الاحتلال والتخلف والضياع الفكري والاقتصادي.. ولم يكن هذا الفوز سوى لإرضاء النفس وغرورها، أما فطرة النفس فأخذت تحضني على خوض المعركة الكبرى.. لقد كسبت معركتك مع الحياة فاكسب معركتك مع نفسك، عد إلى ذاتك، اكتشف المعدن الثمين الذي بداخلك.. أزح ما عليه من هذا الركام من التغريب والعلمانية والدراسة في مدارس اللاهوت.

كان الصوت يخرج من داخلي يقول لي: عد إلى الطفل البريء الذي كان يجلس بين أيدي شيوخه ومعلميه يتلو القرآن ويسعى للصلاة.. وهنا أحسست أن قلبي يصدقني وأن لا شيء في الدنيا يعادل أن يخسر الإنسان نفسه، أن أعود لإسلامي الذي ضاع مني وأنا في خضم في الحياة ومشاغلها ومباهجها، أستشعر الآن أني قد كسبت نفسي وتعلمت درساً لا يتعلمه إلا من كان في قلبه حس نابض، وعقل واع)

لقد عاد هذا الرئيس إلى فطرته الصحيحة وأعاد اسمه إلى (داود جاوارا) بعد أن كان اسمه (ديفد كيربا)

مستر وليم:

من الأسماء التي رأيتها في دفتر الغريب في هذا الفصل اسم (مستر وليم)، فسألت الغريب عنه، فقال: هذا الرجل كان مدير دريم بارك الأمريكي في مصر، وقد التقيت به في بعض رحلاتي إلى مصر، وقد سألته عن علاقته بالإسلام، فقال: عندما جئت إلى مصر لم أكن متعودًا كما هو الحال في الغرب أن أرى الناس عندما يسمعون الآذان يتجمعون ويصلون، فكان هذا غريبًا عليّ في بداية الأمر، كما أن هناك مهندسين وزملاء آخرين مصريين بدأوا يكلمونني عن الإسلام، وبدأت أحس أن بداخلهم طمأنينة وراحة نفسية معينة لم أحسها من قبل هي سبب تمسكهم بهذا الدين، مما جعلني أبدأ في التفكير في الإسلام وأقرأ عنه وأقارنه بالمسيحية، ومن خلال قراءاتي والخبرة الواقعية حولي عن طريق زملائي المسلمين اعتنقت هذا الدين، ومن أهم الكتب التي قرأتها عن الإسلام [تفسير معاني القرآن الكريم] باللغة الإنجليزية.. وكتاب دين الحق، الزواج في القانون الإسلامي وكتب أخرى كثيرة تشرح ما يحويه الإسلام، كما أنني أحمل مصحفًا معي دائمًا، وأحاول تعلم اللغة العربية حتى أستطيع قراءة القرآن الكريم.

قلت: ما هي المعاني الإسلامية التي جذبتك إلى الإسلام؟

قال: لا يمكنني أن أحصر لك تلك المعاني في هذا المجلس، ولكني أقول لك بأني في البداية سمعت عن الإسلام قبل أن أعتنقه لكن ليس بالقدر الكافي، وبدأت بالفعل في القراءة عنه، وأخبرني زملائي المسلمون أن أهم شيء في معرفة الإسلام معناه البسيط بداية، وليس شرطًا أن أعرف قواعده وقوانينه في بداية الأمر، فقد تكون صعبة ومعقدة بعض الشيء بالنسبة إلى وسأستطيع معرفتها بعد ذلك، وقد أشهرت إسلامي، ولم أغير اسمي، ولكن أضفت إليه اسم [يوسف] فأنا معجب بشخصية سيدنا يوسف عليه السلام فقد قرأت عنه قبل وبعد اعتناق الإسلام فاحترمته وأحببت اسمه، ولكن في نفس الوقت لم أغير اسمي لأنه لقب والدي وعمومًا فأنا أعتز بالإسمين معًا.

قلت: ألم تعترض أسرتك على إسلامك؟

قال: والدي ووالدتي متمسكان بدينهما وملتزمان بتعاليم المسيحية، وكانا يحبانني، ولذلك عندما أخبرتهما أنني سأعتنق الإسلام سألا عن هذا الدين وذهبا إلى القسيس في الكنيسة وطرحا عليه عددًا من الأسئلة حول الإسلام فهما لم يكونا يعرفان عنه شيئًا، وقالا لي طالما ستظل كما أنت أبيض القلب وطيب النفس، وأن هذا الدين لن يغير فيك ذلك، فليس هناك مانع.

أما أصحابي فربما لم يفهموا موقفي، ولكنهم يعرفونني جيدًا، وهم متأكدون أنني لن أتحول عن ديني إلى دين آخر إلا إذا كان هذا الدين سيحسن من نفسي وسيزيد إيماني وسيجعلني أحس بشعور أفضل، ولذلك تقبلوا الموقف ولكن لم يفهموه بالضبط.

قلت: هل واجهتك ضغوط للحيلولة دون اعتناقك للإسلام؟

قال: لم تواجهني أي ضغوط عندما قررت اعتناق الإسلام، بل إن من حولي تقبلوا الأمر، ولكن لم يكونوا قد تفهموه بعد، خاصة أن الغرب لا يرانا مثلاً ونحن نصلي بل يرون جانب التعصب في المسلمين، فوسائل الإعلام تنقل إليهم صورة غير حقيقية، ولا تنقل إليهم صورة الإسلام الحقيقية، فالتعصب ليس من الإسلام في شيء، ولكن الغرب للأسف لا يرى سوى ذلك، وبالنسبة إلي لم أجد مشاكل في أمريكا بسبب إسلامي ولكن أقابل أناسًا لا يفهمون موقفي.

قلت: فكيف تعلمت إقامة شعائر الدين الجديد مع أنك لا تتقن العربية([27])؟

قال: للأسف لم أتعلم اللغة العربية بعد، ولكن قالوا لي ليس هناك مشكلة الآن طالما أنك تصلي وتقف أمام الله بقلب سليم وتعرف كيف تصح صلاتك وعندما أقول (الله أكبر) أحس أنني قريب من الله وصلاتي ستقبل كما أخبرني بذلك علماء من الأزهر، وأن الأمر يأتي خطوة خطوة، وزملائي المسلمون يصلون بي دائمًا، والفرصة المتاحة لي هي أن أتعلم العربية ممن حولي، فليس عندي وقت كثير فأنا أعمل من 12 إلى 16 ساعة يوميًا، وبالنسبة لصيام شهر رمضان فلم تكن عندي مشكلة في الامتناع عن الطعام فأنا متعود على ذلك في العمل، ولكن عانيت بعض الشيء أولاً، ثم اعتدت ـ بحمد لله ـ على ذلك، وأنا أنوي الحج إلى بيت الله برفقة زوجتي [منى] التي ارتبطت بها بعد اعتناقي الإسلام.

قلت: هل ترى أي فروق بين الإسلام والمسيحية؟

قال: الإسلام منحني الأمان والسلام، وهو دين لم يتغير ولم يتبدل ولم يطرأ عليه أي تغيير، أما المسيحية، فقد حدث فيها تغيير وتحريف من قبل القساوسة والكهنة، فمنهم من يؤمن بأن عيسى عليه السلام هو الله، وهذا خطأ فعيسى هو عبد الله ورسوله، ونحن ـ المسلمين ـ نؤمن بجميع الرسالات، وأن المسيح هو رسول من رسل الله، ونؤمن بالدين الذي جاء به، وهنا يقف المسيحيون عند الإيمان بالمسيحية فقط، فلم يؤمنوا بأي شيء بعدها أما نحن فقد آمنا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ودينه، وهذا هو الفرق.

قلت: ما الجديد في حياتكم إثر تحولكم إلى الإسلام؟

قال: منحني الإسلام شيئًا جديدًا وقوة وجعلني لا أخشى أحدًا إلا الله، بل أنا لا أهتم بأي مشكلة مهما كانت طالما أنها مشكلة دنيوية، ولا تتعلق بالآخرة، ولا تمس حياتنا بعد الموت، وهذا ما لاحظته في تعاملي مع بعض الزملاء، فمثلاً توفيت أختي الصغيرة بعد إسلامي بفترة، فتقبلت الأمر لأنه من الله، وعليّ أن أؤمن بالقضاء والقدر، ولو حدث ذلك قبل إسلامي لكان من الممكن أن أعترض وأتساءل لماذا يحدث ذلك.

قلت: هل طرأ تغير على تعامل المحيطين بك بعد اعتناقك الإسلام؟

قال: إن زملائي المسلمين سعدوا جدًا بإسلامي لدرجة الانبهار، وقالوا لي: (مبارك)، وهم يعاملونني جيدًا حتى قبل أن أسلم أو أخبرهم أنني أفكر في الإسلام، ومعاملتهم لي لم تجعلني أشهر إسلامي، ولكن جعلتني أفكر بإيجابية في اعتناق هذا الدين، وأعتقد أنه لو كانت سيئة ربما لم أعتنق الإسلام، لأنه طالما أن هؤلاء المسلمين معاملتهم سيئة وتصرفاتهم خاطئة، فلماذا أكون على دينهم؟

قلت: هل حاولت أن تدعو أحدًا من الشعب الأمريكي إلى الإسلام؟

قال: لقد تحدثت مع أصدقائي عن الإسلام والجديد فيه، ولكني أعتقد أن المهم هو تصرفاتي وأفعالي، فهي أفضل دعوة صريحة للتأثير في الآخرين، وحثهم على تقليدي واعتناقهم الإسلام.

وللأسف هناك كثير من الناس، لا يعرفون أي شيء عن الإسلام ومعلوماتهم بشأنه تكاد تكن منعدمة حتى أن أصدقائي لم يستطيعوا أن يسألوني سؤالاً محددًا، فكانت استفساراتهم ما هو الإسلام؟ فهم لا يعرفون أن الإسلام دين يدعو للتسامح مع كل الأديان وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين، والمشكلة تكمن في أن الغرب لا يعرف الكثير عن الإسلام، فالصلة التي تربطه بالشرق تتركز في النواحي السياسية.

قلت: من وجهة نظرك ما هي رؤية الأمريكيين للإسلام؟

قال: الناس في الولايات المتحدة يتقبلون الأديان، ولذلك تجد مزيجًا من الأديان في دول الغرب، وليس هناك مشكلة أن تكون مسلمًا، ولكن للأسف هناك من يسيئون لصورة الإسلام.

د.مراد هوفمان:

من الأسماء التي رأيتها في دفتر الغريب في هذا الفصل اسم (مراد هوفمان)، فسألت الغريب عنه، فقال: هذا رجل أشهر من نار على علم، وقد كان سفير ألمانيا في المغرب وفي مصر، وقد نال شهادة دكتوراه في القانون من جامعة هارفرد.

وبعد إسلامه ابتدأ د.هوفمان مسيرة التأليف، ومن مؤلفاته: كتاب (يوميات مسلم ألماني)، و(الإسلام عام ألفين) و(الطريق إلى مكة) وكتاب (الإسلام كبديل) الذي أحدث ضجة كبيرة في ألمانيا.

ولما أشهر إسلامه حاربته الصحافة الألمانية محاربة ضارية، وحتى أمه لما أرسل إليها رسالة أشاحت عنها، وقالت: (ليبق عند العرب)

ولكن هوفمان لم يكترث بكل هذا، بل قال: (عندما تعرضت لحملة طعن وتجريح شرسة في وسائل الإعلام بسبب إسلامي، لم يستطع بعض أصدقائي أن يفهموا عدم اكتراثي بهذه الحملة، وكان يمكن لهم العثور على التفسير في هذه الآية:﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة:5)

وقد التقيته مرات عديدة حدثني خلالها عن سر إسلامه.. وسأعرض لك بعض ما دار بيننا لتعلم سر انجذاب مثله إلى الإسلام([28]).

لقد ذكر لي في أول لقاء لي به أن الله تعالى  بكرمه وفضله من عليه بأن يعيش ثلاثة أحداث كبرى كان لها تأثيرها الكبير في توجيهه للإسلام، وهي ذات طبيعة انسانية، وجمالية فنية، وفلسفية.

أما الحدث الأول فيرتبط بالجزائر، قال: في أثناء عملي بالجزائر في عامي 61/1962، عايشت فترة من حرب استمرت ثماني سنوات بين قوات الاحتلال الفرنسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية، وانضم اثناء فترة وجودي هناك طرف ثالث هو (منظمة الجيش السري)، وهي منظمة إرهابية فرنسية، تضم مستوطنين وجنودا متمردين، ولم يكن يوم يمر دون أن يسقط عدد غير قليل من القتلى في شوارع الجزائر.

وغالبا ما كانوا يقتلون رميا بالرصاص على مؤخرة الرأس من مسافة قريبة، ولم يكن لذلك من سبب، إلا كونهم عربا، أو لأنهم مع استقلال الجزائر([29])، وكنت عند سماعي صوت سلاح آلي، أتصل تليفونيا بزوجتي الاميركية لتسرع إلى شراء ما تحتاج اليه، لان الهجوم التالي في المنطقة نفسها لا يتوقع حدوثه قبل عشرين دقيقة.

وكانت أنبل مهماتي هي إعادة أفراد الفرقة الأجنبية من الالمان الفارين الى الوطن بمعاونة من السلطات الفرنسية، وكان عدد هؤلاء الرومانسيين المساكين غير قليل، منذ فر قائد قوات المظلات في العام السابق. وكم كان الموت يجذبهم! وكانت منظمة الجيش السري قد جندت عددا منهم ضمن قوات خاصة (كوماندوز). ومن ثم وجدوا انفسهم بين نارين. كما أن فرص نجاتهم من الموت كانت ضئيلة جدا. وكنت، بصفتي ممثلا للقنصلية العامة الالمانية، أضع الزهور على قبور الكثير منهم.

كنت، وأنا أبحث عن ألمان بين الجرحى في المستشفيات، أحمل سلاحي معدا للاستخدام. وكنت أدقق النظر في وجه من يقابلني، بل وفي يديه. وعندما كانت القامات تتقابل، كان كل شخص يبتعد عن الآخر عائدا الى الخلف، طلبا للامان، وفي بعض الأحيان كانت زوجتي المذعورة تصر على حماية ظهري، فكانت تسير خلفي على مسافة عدة خطوات حاملة في كم ثوبها سكينا حادة.

سكت قليلا، يسترجع ذكرياته، ثم قال: ما تزال بعض ذكريات تلك الايام تثير كآبة في نفسي حتى الآن، فعندما كنت في طريقي إلى مقر إذاعة فرنسا 5، حيث كان من المقرر أن ألقي، تنفيذا لتكليف من القنصل العام، محاضرة عن (وضع الرقص المسرحي) في ألمانيا، تعطلت مضخة البنزين في سيارتي في شارع ايزلي الضيق، كثير المنحنيات، وسرعان ما اصطفت السيارات خلف سيارتي، مطلقة اصوات النفير، وفي تلك الاثناء، كان امامي رجل يعبر الشارع، واطلق عليه شخص الرصاص من الرصيف المقابل، فسقط جريحا أمام رفرف سيارتي الايسر، واذا بالمهاجم يشير لي بسلاحه آمرا ان اواصل سيري، كي اخلي ساحة اطلاق الرصاص.

ولم اكن ارغب في ذلك، بل ولم اكن استطيعه ايضا، وأخيرا، تقدم الشخص الذي يحمل السلاح من الرجل المصاب وأطلق عليه رصاصة اخرى أردته قتيلا، ثم اختفى في زحام البشر في تؤدة وعلى مهل، ولقد استأت كثيرا ايضا، عندما رأيت مضطرا اعضاء منظمة الجيش السري، وهم يشعلون النار في سيارات شحنوها سلفا ببراميل من الوقود، ويدفعونها من فوق منحدر الى حي يسكنه العرب، ولا بد للمرء من ان يتوقع ان يكون على قائمة القتلى، اذا ما اصبح شاهدا غير مرغوب فيه.

وكان حلاقي في الابيار يدرك ذلك جيدا، فحين هاجمت قوات (منظمة الجيش السري) مكتب التلغراف المقابل لمحله في شارع جاليني، ادار مقعده حتى لا يكون شاهدا على ما يجري. ولم يكن تصرفه اقل غرابة من تصرف احد افراد الشرطة الذي عرض عليّ في مايو (ايار) عام 1962 ان يحرس سيارتي، بينما كانت النيران مشتعلة خلف ظهره في مكتبه بالابيار.

عندما توصل الرئيس الفرنسي شارل ديجول، في ايفيان في مارس (اذار) عام 1962، الى اتفاق مع الحكومة المؤقتة لجبهة التحرير الوطني الجزائري على وقف اطلاق النار في يوليو (تموز) التالي، صعدت منظمة الجيش السري من اعمالها الارهابية، بهدف استفزاز الجزائريين لخرق الاتفاق، فبدأ أفرادها في تصفية النشء الاكاديمي الجزائري، وراحوا يقتلون، رميا بالرصاص، النساء اللاتي يرتدين الحجاب.

وقبل تحقيق الاستقلال بأيام قلائل، اطلقوا الرصاص على آخر بائع جزائري جائل في الابيار، فأردوه قتيلا أمام مكتبي مباشرة، وكان هذا البائع قد عاش ينادي على أسماكه منذ عقود طويلة، دون أن يلحق أذى بأي إنسان كائنا من كان، وفي الشارع الذي كنت اقطنه، كان جيراني من الفرنسيين يلقون من النوافذ على المنتصرين بكل ما لا يبخلون به.

قلت: فقد عرفت المسلمين إذن انطلاقا من هذه المشاهد المأساوية؟

قال: أجل.. لقد شكلت هذه الوقائع الحزينة خلفية أول احتكاك لي عن قرب بالاسلام المعيش، وقد لاحظت مدى تحمل الجزائريين لآلامهم، والتزامهم الشديد في رمضان، ويقينهم بأنهم سينتصرون، وسلوكهم الانساني، وسط ما يعانون من آلام. وكنت ادرك ان لدينهم دورا في كل هذا.

ولقد أدركت إنسانيتهم في أصدق صورها، حينما تعرضت زوجتي للاجهاض تحت تأثير الاحداث الجارية آنذاك، فقد بدأت تنزف عند منتصف الليل، ولم يكن باستطاعة سيارة الاسعاف أن تحضر إلينا قبل الساعة السادسة صباحا، بسبب فرض حظر التجول، وبسبب شعار (القتل دون سابق انذار) المرفوع آنذاك. وحينما حانت الساعة السادسة، ادركت وانا اطل من نافذة مسكني في الطابق الرابع، ان سيارة الاسعاف لا تستطيع العثور علينا، لان منظمة الجيش السري كانت قد غيرت في تلك الليلة اسماء كل شوارع الحي الذي اقطنه، بحيث أصبحت كلها تحمل أسماء مثل شارع (سالان) وشارع (يهود) وشارع (منظمة الجيش السري)

بعد تأخير طال كثيرا، كنا في طريقنا متجهين الى عيادة الدكتور شمعون (قبل ان تنسفها منظمة الجيش السري بوقت قصير)، حيث صادفنا حاجزا أقامته الجمعية الجمهورية للامن، وعلى الرغم من صفير البوق الذي كان السائق يطلقه، فانه لم يكن باستطاعته ان يشق طريقه الا ببطء شديد، وكانت زوجتي تعتقد، في تلك الاثناء، انها ستفقد وعيها. ولذا، وتحسبا للطوارئ، راحت تخبرني ان فصيلة دمها هي O سالب. وكان السائق الجزائري يسمع حديثها، فعرض أن يتبرع لها ببعض من دمه الذي هو من نفس فصيلة دمها. ها هو ذا العربي المسلم يتبرع بدمه، في أتون الحرب، لينقذ أجنبية على غير دينه.

ولكي أعرف كيف يفكر ويتصرف هؤلاء السكان الاصليون المثيرون للدهشة، بدأت أقرأ كتابهم (القرآن) في ترجمته الفرنسية لـPesle/Tidjani.  ولم أتوقف عن قراءته منذ ذلك الحين، حتى الآن، وحتى تلك اللحظة، لم أكن قد تعرفت على القرآن الا من خلال النوافذ المفتوحة لكتاتيب تحفيظ القرآن في ميزاب جنوب الجزائر، حيث يحفظه اطفال البربر، ويتلونه في لغة غريبة عنهم، وهو ما دهشت له كثيرا. وفيما بعد ادركت ان حفظ وتلاوة القرآن، باعتباره رسالة الله المباشرة، فرض تحت الظروف كافة.

وقد أزعجني رد الفعل الغاضب من جانب أحد الجزائريين، عندما حدثته في بار فندق ترانس ميدترانيان في غرداية، عن قراءتي للقرآن، اذ استنكر في صراحة لا ينقصها الوضوح، وجود ترجمات له، واعتبر محاولة ترجمة كلام الله الى لغة اخرى بمثابة تجديف.

ولم استغرق وقتا طويلا قبل ان استوعب رد فعله. فاللغة العربية تشتمل على مفردات لا تدل على وقت محدد بعينه. فالمفردات التي تشير الى مستقبل مؤكد يمكن أن تدل على امر حدث في الماضي ايضا. ناهيك عن ان اللغة العربية تتضمن بعض ما يمكن للعربي ان يفهمه تلميحا. وبغض النظر عن ذلك، فهناك المشكلة المعتادة التي تكمن في أن  الكلمات التي تعبر عن ذات المعنى في لغتين لا تتطابق في ما يختص بتداعي الخواطر الا نادرا. ومن ثم، فان كل ترجمة للقرآن ان هي الا تفسير يفقر المعنى ويجرده من مضمونه. وهكذا كان الرجل في البار على حق.

لم تشأ هذه الجزائر، التي أدين لها بالكثير، أن تتركني لحالي، وانما تبعتني كالقدر، فعندما أصبحت سويسرا ترعى مصالحنا في الجزائر، في عام 1966، كان عليّ أن أعمل من السفارة الالمانية في برن على استمرار الاتصال مع من تبقى من بعثتنا الدبلوماسية في الجزائر، من خلال القسم السياسي في السفارة السويسرية. وكان البريد المرسل من بون الى الجزائر، يمر من خلالي اسبوعيا.

وبعد 25 عاما من عملي بالجزائر لأول مرة، عدت اليها سفيرا في عام 1987، ومنذ اعتمدت سفيرا في المغرب، المجاور للجزائر، في عام 1990، يندر أن تفارق مخيلتي صورة الجزائر التي ما تزال تعاني آلاما مأساوية، فهل يمكن ان يكون ذلك كله محض مصادفة؟!

قلت: فحدثني عن الجانب الثاني الذي تعرفت من خلاله على الإسلام، وهو الجانب الجمالي الفني.

قال: لذلك قصة.. وهي تتلخص في أنني كنت منذ صباي معجبا بالجانب الشكلي للجمال، وأرغب في الغوص في أعماقه حتى عندما كانت حماتي الاميركية تقول ـ استنادا الى المنهج البيوريتاني ـ إن الجمال مجرد أمر سطحي، وانه ليس الا خداعا على السطح.

وعندما تلقيت في عام 1951 الدفعة الاولى من منحة التفوق، التي تمنحها وزارة الثقافة في بافاريا للموهبين جدا، دفعتها بأكملها ثمنا لشراء نسخة مطبوعة على قطعة من الجوت من لوحة بول جوجان (الفتاة وثمار المانجو)، وبما أنني لم اكن ممن يقطنون حي Maximilianeum  الواقع على اليمين من نهر ايزار، وانما كنت اقيم في المستوطنات السكنية للثوريين الديمقراطيين، عند ميدان ماسمان، حيث يتقاسم العمال والطلبة غرفها، فقد نقلت لوحة جوجان التي اشتريتها الى مسكني هناك، ورحت أحللها، ولم ألبث أن اقتنعت بأن الفن الساكن ـ الرسم والنحت والعمارة والخط والاعمال الفنية الصغيرة ـ مدين بالفضل في تأثيره الجمالي للحركة المجمدة، ومن ثم، فانه مشتق من الرقص. ولذلك، يزداد احساسنا بجمال الفن التشكيلي كلما ازدادت قدرته على الايحاء بالحركة. وهذا ما يفسر انبهاري الشديد بالرقص الذي دفعني الى مشاهدة عروض الباليه كافة في مسرح برينزرجنتن في ميونخ، ومنذ ذلك الحين ازداد اهتمامي بالرقص، واتسع ليشمل كل ما يتصل به. وكنت اقضي كل ساعة فراغ بين مواعيد المحكمة في صالات عروض الباليه، بالقرب من قصر العدل، وحصلت على تمارين للباليه، لكي أتعلم ـ ولو على نحو متخلف ـ رقص الباليه الكلاسيكي، حتى أعرف ماهية ما أكتب عنه.

وكعاشق للباليه، ذلك الفن المجرد الذي يجسد الموسيقى، كنت في الواقع أبحث عن الأسباب التي ترغمنا على الإحساس بجمال أشياء أو حركات بعينها. ولهذا السبب، كنت أقبع لأسابيع طويلة في احدى الغابات البافارية باحثا في أسس علم جمال الحركة.

وهناك تبين لي أننا كبشر لا نملك إلا أن نحس جمال الجسد البشري الصحيح وما يتطابق مع مقاييسه. وهو ما ينطبق ايضا علينا كمحللين بصريين لما تفرزه الطبيعة من صور وأنواع.

يضاف إلى ذلك أننا نقرأ الصور في ذات الاتجاه الذي نكتب فيه، وتبين لي أخيرا أن الحركات تستحوذ على انتباهنا بسبب ما يمكن أن تنطوي عليه من مخاطر. وتبين لي آخرا أننا نعجب بحركات الطرد المركزي، لاننا نستطيع ان نتخيلها ممتدة في ما لا نهاية.

عبر هذا الطريق، صار الفن الاسلامي بالنسبة لي تجربة مهمة ذات قيمة عالية ومثيرة، ألا يماثل في سكونه تماما ما أسعدني في حركات الباليه، التجريدية: القدرة الانسانية، والحركة الداخلية، والامتداد في ما لا نهاية؟ وذلك كله في اطار الروحانية التي يتسم بها الاسلام.

وألهمتني أعمال معمارية، مثل الحمراء في غرناطة والمسجد الكبير في قرطبة، اليقين بأنها افراز حضارة راقية رفيعة. واستوعبت جيدا ما كتبه راينر ماريا ريلكا بعد زيارته لكاتدرائية قرطبة، اذ كتب: (تملكني منذ زيارة قرطبة عداء وحشي للمسيحية، إنني اقرأ القرآن وهو يتجسد لي صوتا يستوعبني بقوة طاغية، واندفع بداخله كما تندفع الريح في الارغن)

وصار الفن الاسلامي لي وطنا جماليا، مثلما كان الباليه الكلاسيكي من قبل، وأصبحت ارى الاعمال الفنية للعصور: الاغريقي والروماني والقوطي، ولعصر النهضة والروكوكو مثيرة، وعريقة، واصيلة، بل وعبقرية، ولكنها لا تنفذ الى داخلي، ولا تحرك عواطفي ولا مشاعري.

سكت قليلا، ثم قال: إنني أدرك قوة جاذبية فن هذا الدين الآن افضل من ذي قبل، حيث انني محاط في المنزل الآن بفن تجريدي، ومن ثم بفن اسلامي فقط. وأدركها أيضا عندما يستمر تاريخ الفن الغربي عاجزا عن مجرد تعريف الفن الاسلامي. ويبدو أن سره يكمن في حضور الاسلام في حميمية شديدة في كل مظاهر هذا الفن، كما في الخط، والارابيسك، ونقوش السجاد، وعمارة المساجد والمنازل والمدن. إنني أفكر كثيرا في أسرار إضاءة المساجد وفي بنائها الديمقراطي، وفي بناء القصور الاسلامية، الذي يوحي بحركة متجهة الى الداخل، بحدائقها الموحية بالجنة بظلالها الوارفة وينابيعها ومجاريها المائية، وفي الهيكل الاجتماعي ـ الوظيفي المبهر للمدن الاسلامية القديمة (المدينة) الذي يهتم بالمعيشة المتجاورة تماما كما يهتم بابراز موقع السوق وبالمواءمة او التكيف لدرجات الحرارة وللرياح، وبدمج المسجد والتكية والمدرسة والسبيل في منطقة السوق ومنطقة السكن. وان من يعرف واحدا من هذه الاسواق ـ وليكن في دمشق، او اسطنبول او القاهرة او تونس او فاس ـ يعرف الجميع، فهي جميعا، كبرت ام صغرت، منظمات اسلامية من ذات الطراز الوظيفي. فما اكثر ما تجولت في سوق مدينة سالي المؤاخية للرباط لكي استعيد حيويتي، إنه ذروة مجتمعية حيوية يجد فيها كل انسان مكانا له، شيخا كان ام شابا، صحيحا كان ام مريضاً، فقيرا ام غنيا، ابيض ام اسود، ولا يوجد به عجلة، ولا أزمة ضيق وقت، ولا مبالغة في تقييم الذات، ولا خمور ولا وسائل نقل ثقيل، ولا سياج ولا ابتزاز، وحيث الجميع سواسية، وكل عملية شراء ترتبط بـ (دردشة)، وحيث تغلق الحوانيت ابوابها وقت الصلاة.

كان ما احسست منذ البداية أنه إسلامي وباعث على السعادة هو في واقع الأمر التأثير الناضج للتناغم الإسلامي، وللإحساس بالحياة والمكان الاسلاميين على العقل والروح. وهذا ما احسست به في متحف جولبينكيان الاسلامي في لشبونة، مثلما أحسست به في المسجد الاموي بدمشق، وفي مسجد ابن طولون بالقاهرة، وفي مسجد القيروان القديم أو المسجد السليمي في درنة.

وقبل أن يقودني الدرب الفلسفي إلى الاسلام، الذي قادني بدوره الى تجربة اساسية ثالثة في حياتي، كنت قد حصلت، وانا بعد في سن المراهقة في مدينة اشفنبرج، على قسط وافر من التعليم الجيزويتي، من خلال عضويتي لجمعية Congregatio Mariana وهي المقابل لحركة (المانيا الجديدة) المتمركزة في الشمال.

ويعود ارتباطنا، بل تعلقنا الرومانسي، بهذه المنظمة إلى فترة حكم النازي، وذلك لان الجستابو لم يتمكن من الكشف عنها عندما كانت تقاوم هذا الحكم سرا. ولم يكن حتى ابي المشتت الفكر يعلم بعضويتي لهذه المنظمة. وكنا نجتمع أسبوعيا مع أحد القساوسة الجيزويت في احدى المقابر، في ظل اجراءات أمنية مشددة. فكان كل فرد منا لا يعرف سوى أفراد مجموعته فحسب. ولكننا تمكنا بمرور الوقت من استقطاب أفضل عناصر تلاميذ المدارس الثانوية. وقطعنا بذلك الطريق على منظمة (شبيبة هتلر)، أي أننا منعنا هذه العناصر الجيدة من أن تنضم إلى منظمات الشباب التابعة للحكم النازي، ولقد أدهشنا أن عدد أفراد المنظمة بلغ عند انتهاء الحرب 80 فردا، بعد أن انقضت الحرب، عدنا الى الاستمتاع بحياة واساليب منظمات الشباب التي كانت سائدة في عشرينات هذا القرن.

ونظرا لما سبق ذكره، فقد كنت على دراية تامة بالديانة الكاثوليكية، وبأدق شؤونها من الداخل، ولكنني في الوقت ذاته، كنت قد بدأت اضع هذه الديانة محل تساؤلات وشكوك. كنت أنا وCarl Jacob Burckherdt  نتساءل دوما عما اذا كان من الصواب أن يكون عالم اللاهوت ودارس الاديان مسيحيي الديانة.

وبالرغم من اعجابي بفلسفة  Ludwig Wittgenstein فإني كنت على يقين تام من عدم وجود دليل ينفي وجود الله، وكنت شديد التمسك بالرأي القائل بأن عدم وجود الله غير مؤكد بشكل قاطع، وأن الاعتقاد بوجود الله أو نفي وجوده يظل مسألة تحسمها العقيدة ويقين الفرد، وقد حسمت هذا باعتقادي في وجود الله.

وبعد ذلك، ثار سؤال عن ماهية الاتصال بين الله الانسان، وقد كنت شديد الاقتناع بامكانية، بل قل بضرورة، تدخل الله وتسييره لمجريات الامور.

ويرتكز اقتناعي هذا على دراستي ودرايتي بتاريخ الانسانية والعلوم والحق، التي استنتجت من خلالها أن مجرد مراقبة الطبيعة وتتبعها فقط لن يقودنا إلى إدراك حقيقة علاقتنا ببيئتنا وبالله. ألا يشهد تاريخ العلوم على حقيقة مفادها ان الحقائق العلمية يغير بعضها بعضا بسرعة شديدة؟! كنت بهذه الخطوة قد حسمت يقيني بامكانية، بل بضرورة، الوحي والدين، ولكن اي دين؟ واي عقيدة؟ هل هي اليهودية، او المسيحية او الاسلام !؟

وهنا تداركني الله بلطفه، فجاءتني الإجابة من خلال تجربتي الثالثة التي تتلخص في قراءتي المتكررة للآية 38 من سورة النجم:﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (لنجم:38)، ولا بد من أن تصيب هذه الآية بصدمة شديدة كل من يأخذ مبدأ حب الآخر الوارد في المسيحية مأخذ الجد، لانه يدعو في ظاهر الامر إلى النقيض. ولكن هذه الآية لا تعبر عن مبدأ اخلاقي، وانما تتضمن مقولتين دينيتين تمثلان أساسا وجوهرا لفكر ديني، هما:

1 ـ انها تنفي وتنكر وراثة الخطيئة.

2 ـ انها تستبعد، بل وتلغي تماما، إمكانية تدخل فرد بين الانسان وربه، وتحمل الوزر عنه.

وهذه المقولة الثانية تهدد، بل وتنسف مكانة القساوسة وتحرمهم من نفوذهم وسلطانهم الذي يرتكز على وساطتهم بين الانسان وربه وتطهيرهم الناس من ذنوبهم. والمسلم بذلك هو المؤمن المتحرر من جميع قيود وأشكال السلطة الدينية.

أما نفي وراثة الخطيئة وذنوب البشر، فقد شكل لي أهمية قصوى، لانه يفرغ التعاليم المسيحية من عدة عناصر جوهرية، مثل: ضرورة الخلاص، التجسيد، الثالوث، والموت على سبيل التضحية. وبدا لي ان تصور فشل الله في خلقه، وعدم قدرته على تغيير ذلك الا بانجاب ابن والتضحية به ـ أي أن الله يتعذب من أجل الإنسانية ـ أمر فظيع ومروع، بل وتجديف وإهانة بالغة.

وبدت لي المسيحية وكأنها تعود لترتكز في أصولها على أساطير متنوعة ومتعددة، وتبين لي جليا الدور الخطير والشرير الذي لعبه بولس الرسول.. لقد قام بولس، والذي لم يعرف المسيح ابدا ولم يصاحبه في حياته، بتغيير بل وبتزوير التعاليم اليهودية ـ المسيحية والتي ترى في المسيح أحد رسل الله وأنبيائه. وتيقنت ان المجلس الملي، الذي انعقد في نيقيا (عام 325)، قد ضل طريقه تماما، وحاد عن الصواب وتعليمات المسيحية الاصلية، عندما اعلن ان المسيح هو الله، واليوم، اي بعد مرور ما يزيد على ستة عشر قرنا، يحاول تصحيح هذا الخطأ بعض علماء اللاهوت الذين يتمتعون بجرأة شديدة.

ومجمل القول انني بدأت انظر الى الاسلام كما هو، بوصفه العقيدة الاساسية الحقة التي لم تتعرض لأي تشويه او تزوير.. عقيدة تؤمن بالله الواحد الاحد الذي:﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)(الاخلاص)

رأيت في الإسلام عقيدة التوحيد الاولى، التي لم تتعرض لما في اليهودية والمسيحية من انحراف، بل ومن اختلاف عن هذه العقيدة الاولى، عقيدة لا ترى أن معتنقيها هم شعب الله المختار، كما أنها لا تؤله أحد انبياء اليهود.

لقد وجدت في الاسلام أصفى وأبسط تصور لله، تصور تقدمي، ولقد بدت لي مقولات القرآن الجوهرية ومبادئه ودعوته الاخلاقية منطقية جدا حتى أنه لم تعد تساورني أدنى شكوك في نبوة محمد.

ولقد سمعت مرارا قبل اعتناقي الاسلام مقولة أن التحول من دين الى دين آخر ليس له أي أهمية، حيث أن الاديان كلها تؤمن في آخر الامر بإله واحد، وتدعو الى الاخلاقيات والقيم ذاتها، وأن السلوكيات والاخلاق الحميدة، بالاضافة الى الايمان بالله في قلب الانسان، وان يتوجه الانسان الى الله سرا، لأهم من الصلاة خمسا، ومن صوم رمضان وأداء فريضة الحج، كم من مرة اضطررت الى الاستماع الى هذه المقولات من مسلمين أتراك تخلوا عن عقيدتهم دون أن يدركوا ذلك.

إن إلها خاصا سريا ليس بإله، وكل هذه الحجج والمقولات تبدو واهية، اذا ما تيقنت ان الله يتحدث الينا في قرآنه. ومن يدرك هذه الحقيقة لا يجد مفرا من ان يكون مسلما بأعمق معاني هذه الكلمة.

سكت قليلا يسترجع أفكاره التي ربطته بالإسلام.. ثم قال: لقد كنت قريبا من الاسلام بأفكاري قبل أن اشهر إسلامي في عام 1980، بنطق الشهادتين متطهرا كما ينبغي، وإن لم اكن مهتما حتى ذلك الحين بواجباته ونواهيه فيما يختص بالحياة العملية.

لقد كنت مسلما من الناحية الفكرية او الذهنية، ولكني لم اكن كذلك بعد من الناحية العملية، وهذا على وجه اليقين ما يتحتم ان يتغير الآن جذريا. فلا ينبغي ان اكون مسلما في تفكيري فقط، وانما لا بد أن اصير مسلما أيضا في سلوكياتي.

اذا كان الدين يعني رباطا يربط الانسان بربه، واذا كان الاسلام يعني أن يهب المسلم نفسه لله، فقد كانت أهم واجباتي، كمسلم حديث عهد بالاسلام، في الخمسينات من العمر، أن أتعلم صلاة الاسلام. وليس من الضروري ان يكون المرء خبيرا في الحاسب الآلي ليدرك أن الامر هنا يتعلق بمسألة اتصال.. ما أصلح فنون الاتصال للاتصال به؟

ومن المؤكد، على اي حال، انه لا شيء يعرض إسلام المرء للخطر اكثر من انقطاع صلته بربه، من ثم يصبح التسبيح بحمد الله هو العنصر المحوري في حياة كل من يعي ويدرك معنى ما يقوله، عندما يقول انه يؤمن بالله.

وبناء على ذلك، فإن من لا يصلي ليس بمؤمن من وجهة نظري([30])، فمن يؤكد لامرأة غائبة حبه لها، دون ان تكون لديه رغبة في التحدث اليها تليفونيا أو في الكتابة اليها، ودون ان يلقي نظرة واحدة على صورتها طوال اليوم، ليس محبا لها في حقيقة الامر.

وهذا ما ينطبق تماما على الصلاة، فمن يعي ويدرك حقا المعنى الحقيقي لوجود الله، ستكون لديه بالضرورة رغبة في التأمل وفي التوجه الى الله كثيرا. وبذلك فقط، يصير ما يردده المسلم كثيرا وهو يقرأ سورة الفاتحة:﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة:5) حقيقة واقعة.

وكنت حتى تلك اللحظات أجهل ما يجب فعله واتباعه في الصلاة. ناهيك عن قدرتي على الحفظ والتلاوة باللغة العربية، ومن ثم كانت أولى أولوياتي آنذاك هي التغلب على هذا النقص. وقبل أن امعن في دراسة مقدمة مصورة باللغة الالمانية للصلاة الاسلامية، تحظى بأكبر قدر من الثقة، طلبت من صديق تركي أن يعلمني الوضوء وكيفية الوقوف في الصلاة، والركوع والسجود، والجلوس على الأرض مستندا على القدم اليسرى، ورفع الذراعين، واتجاه النظر، ومتى يقرأ المرء جهرا، ومتى يقرأ سرا مع تحريك الشفتين في القراءة، وكيف يقف المرء موقفا صحيحا خلف الامام، وكيف يتصرف المرء عندما يأتي متأخرا الى المسجد، وكيف يتحرك داخل المسجد، إنه علم كامل! وفي الحقيقة، فإنه من الخطر أن يتصرف المسلم كمسلم دون أن يكون كذلك.

وتبدأ الصلاة الاسلامية، وإن بدا ذلك امرا غريبا، في الحمام أو عند مصدر المياه في الفناء الامامي للمسجد بالوضوء، وينبغي تعلم ذلك بحسب تتابعه وتسلسله، وكيف يغسل المرء اليدين، وكيف يمسح الرأس، وكيف يتأكد من غسل الكعبين، كل شيء وضع وحدد على نحو دقيق تماما. وحينما ينوي المرء الصلاة ويرفع اليدين الى الرأس مكبرا مفتتحا الصلاة، فانه ينفصل تماما عن مشاغل حياته اليومية، مما يؤكد قدسية الصلاة بالنسبة له.

وينبغي أن يتعلم المرء ايضا عدد الركعات في كل من الصلوات الخمس: الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وان يعرف مواقيتها، وما ينبغي على المسافر ان يراعيه من احكام الصلاة.

وتعلمت أخيرا كيفية الوقوف في صلاة الجماعة، حيث ينبغي ان يصطف المسلمون في صف مستقيم تتلاصق فيه الاقدام وتسد الفرج، وهذا التلاصق يرمز بالنسبة لي اكثر من مجرد ضم صفوف. انه يرمز الى التضامن على نحو يؤثر فيّ مجددا كل مرة. ويتجدد هذا التضامن في نهاية كل صلاة مع تحية (السلام عليكم) التي ينطقها المصلي وهو يلتفت يمينا ثم يسارا، وبعد ذلك يمسح وجهه بكلتا يديه اعلانا عن انتهاء الصلاة، وبعدها يمد يديه الى جاره في الصلاة مصافحا ومتمنيا أن يتقبل الله صلاته (تقبل الله صلاتك)

وروى لي عبد الوهاب عبادة، السكرتير العام لوزارة الخارجية الجزائرية أنه غير هذه التحية مرة عندما كان طفلا، فقد بدا له انه من الاقرب الى المنطق ان يقول (السلام عليك)، وكانت نتيجة ذلك انه تلقى تأنيبا من والده الذي علمه أن المسلم يقول دائما: (السلام عليكم)، لأن تحيته تشمل جميع المخلوقات المرئية وغير المرئية، تشمل الملائكة وتشمل الصراصير.

قلت: لقد كنت أسمع بحبك للخمر، وهو شيء طبيعي بين قومنا وأهل بلدنا، فكيف استطعت أن تتخلص منها، أو كيف لم تقف الخمر حجابا بينك وبين الإسلام؟

قال: لقد ظننت في بادئ الأمر انني لن استطيع النوم جيدا دون جرعة من الخمر في دمي، ولكن ما حدث بالفعل كان عكس ما ظننت تماما، فنظرا لأن جسمي لم يعد بحاجة الى التخلص من الكحول، أصبح نبضي أثناء نومي اهدأ من ذي قبل.

سكت قليلا، يسترجع ذكرياته، ثم قال: كنت في جاهليتي الشخصية قبل اعتناقي الاسلام خبيرا بالخمور حتى إنني كنت أحدد أنواع الأنبذة الحمراء المدهشة بمجرد تذوقها بطرف لساني.

لقد وجدت مع ذلك ان التحريم القرآني للخمر والمخدرات ليس ضرورة اجتماعية فحسب، وانما هو ايضا منفعة شخصية للفرد، اذ يمكنه ان يكون متيقظا صافي الذهن دائما، ومن ثم، انهيت هذه المرحلة من حياتي مرة واحدة، وإلى الابد، فان الانسان، بفضل قدرته على التفكير وإعمال عقله، يفاخر بأنه اعظم المخلوقات. فنحن البشر نستطيع ان نمعن التفكير في العالم من حولنا وفي احوالنا، وان نتصرف بحكمة، وهذه الصفات التي ترقى بنا، هي ذات الصفات التي ندمرها على نحو منتظم بتعاطي الخمور والمخدرات، ونحن بذلك نمتهن انفسنا ونحط من قدرتنا داخل المنظومة الكونية، وننحدر بالتالي الى مكانة ادنى من مكانة الحيوانات، التي لا يغيب عنها وعيها ابدا. فادمان تعاطي الخمور والمخدرات نوع من التشويه الذهني الذاتي. وكانت مديرة منزلي الصربية في بلغراد مثالا منذرا لي، اذ كانت تعود دائما الى ادمان الخمر، حتى بعد علاج لفترات طويلة.

إن مشهد مدمني تعاطي الخمر مشهد مهين، يبعث على الاكتئاب، ويثير الشفقة، وكثيرا ما يقدم هؤلاء على الانتحار، وهم يعلمون حقيقة حالهم، ولكنهم لا يستطيعون الرجوع عما هم فيه، لان الخمر سلبتهم العزيمة والارادة والقدرة على اتخاذ القرار. من النادر ان تجد عدد مدمني الخمر في المجتمع الاحدث في المدن التركية الكبيرة أقل من عددهم في المانيا. فهم يمسكون ـ من وقت الظهيرة ـ بكأس الراكيا في يد، وبالسيجارة في اليد الاخرى، مبرهنين بذلك على انهم لم يعودوا سادة انفسهم، وهم من الناحية الدينية، يمارسون بذلك نوعا من الشرك بالله، لأن الخمر ونيكوتين الدخان اهم عندهم من كل ما عداهما في العالم بمن في ذلك ربهم الذي خلقهم. فهم يستطيعون ـ في ظنهم ـ ان يعيشوا بدونه، ولكن ليس بدون الراكيا.

يهدف القرآن من وراء التحريم المطلق للخمر الى منع البدء في تعاطيها، حيث لا يبدو ضارا في حالة احتساء كأس واحدة. فالكأس الواحدة لا تبدو خطيرة في الظاهر يمكن في يوم ما ان تصبح كؤوسا عديدة، ومن المعتاد الا يرى المدمن انه معرض للخطر، وان يقدم ما لا حصر له من الاعذار والحجج لتبرير اعتياده التدخين او احتساء الخمر، في هذا الوقت بصفة خاصة، ومن ذلك كون المدمنين سعداء او تعساء، يعانون من ضغط العمل او في اجازة منه، جماعة او فرادى، مرضى او اصحاء، جوعى او شبعى.

لقد واجهت كرئيس مسؤول هذه المشكلة، فكنت، عندما انبه احد العاملين معي حتى قبل احتسائه الخمر بيوم واحد، كنت اعد معتديا على حقه في ان يعبر عن شخصيته بحرية (واواجه بذلك مشكلة مع مستشار شؤون العاملين). ومع ذلك، كان مستشار شؤون العاملين نفسه يستطيع ان يتأكد في اليوم التالي ان الموظف المعني صار في واقع الامر مدمنا للخمر. ومن ثم، فانه يعد رسميا من هذه اللحظة مريضا بادمان الخمر.

قلت: ألا ترى تحريم الخمر سببا حائلا بين قومنا، وبين الإسلام؟

قال: هذا صحيح.. فالألماني قد ينادي بحق المرء في تعدد الزوجات إذا أراد، ولكنه من الصعب أن يتنازل عن الخمر.

قلت: ألا ترى الإسلام قاسيا بهذا النوع من التشريع؟.. أو أنه لم يلاحظ في هذا التشريع خصوصيات المناطق المختلفة التي قد تستدعي القول بإباحة الخمر؟

قال: إن ما تطرحه خطير جدا.. فالخمر هي الخمر.. فما يزال النساء والاطفال يتعرضون اليوم للضرب تحت تأثير الخمر.. بل تسقط الطائرات اليوم تحت تأثيره، وقد تسبب قائد احدى الناقلات البحرية تحت تأثير الخمر في وقوع اسوأ كارثة بيئية حتى الآن.

وعلى الرغم من توفر احصاءات عن حوادث الطرق وحوادث المصانع، فانه لا يمكن تقدير الخسائر البشرية والمادية التي تصيب المجتمع الغربي بسبب ادمان الخمر والمخدرات. وفي بعض المستشفيات التركية، تتجاور أقسام علاج الادمان واقسام علاج الامراض العقلية، لما ينطوي عليه ذلك من انذار، ان عاجلا او آجلا، هذا اذا ما دمر العقل قبل ان يتوقف الكبد عن أداء وظائفه.

لقد كنت واحدا من ضحايا حوادث المرور التي تقع تحت تأثير الخمر، ففي نهاية عام دراسي في كلية الاتحاد بشينيكتادي بولاية نيويورك، قمت بجولة في الولايات المتحدة الاميركية بطريقة الاوتوستوب (اي ايقاف السيارات والانتقال بها مجانا من موقع الى آخر). وفي اثناء هذه الجولة، تعرضت يوم 28 من يوليو (تموز) عام 1951 لحادث سيئ بالقرب من هول سبرنجز بولاية مسيسيبي، فبينما كنا في طريقنا على الطريق السريع من اتلانتا بولاية جورجيا الى ممفيس في ولاية مسيسيبي، ظهر امامنا ونحن على مقربة من غايتنا شبح، ولا اتذكر شيئا عما حدث بعد ذلك. ولكني علمت في ما بعد ان هذا الشبح لم يكن سوى سيارة اصطدمت بنا، كان سائقها ومرافقه قد احتسيا كميات كبيرة من الخمر في تنيسي، التي تسمح باحتسائه اثناء القيادة، قبل ان يتوجها الى مسيسيبي التي تمنع احتساءه اثناءها.

وقد تبين لي بوضوح أن ذراعي المصابة الآن، والتي كنت اضعها على وسادة المقعد الخلفية، قد وقتني مما هو أكثر، ومع ذلك، كانت خسارتي في هذا الحادث تسع عشرة من أسناني. وبعد انتهاء الجراح من خياطة ذقني وشفتي السفلى، سألني قائلا: إنه من الممكن إصلاح وجهي بعد سنوات عن طريق إجراء عملية تجميل، وأضاف قائلا: (إن مثل هذا الحادث لا ينجو منه في الواقع أحد، وإن الله يدخر لك يا عزيزي شيئا خاصا جدا)

وقد كنت أفكر في هذا الامر، وانا اتجول في هول سبرنجز بذراع مربوطة وضمادة تحيط بالذقن وفم مخيط، وكنت أفكر في ما أرفه به عن نفسي في يوم عيد ميلادي العشرين، ولكن كل شيء كان يؤلمني.. تناول الطعام او الشراب، او التنزه، او الاجابة عن الاسئلة، وأخيرا ذهبت لأقص شعري، فهذا على الاقل لا يؤلم، ولم أدرك المغزى الحقيقي لنجاتي وبقائي على قيد الحياة الا بعد ثلاثين سنة، عندما اشهرت اعتناقي للاسلام.

مالكولم إكس:

من الأسماء التي رأيتها في دفتر الغريب في هذا الفصل اسم (مالكولم إكس)، فسألت الغريب عنه، فقال: لقد كان هذا الرجل زعيم الملوّنين الأمريكيين، وكان يُلقَّب قبل إسلامه بالشيطان و(أحمر دويترويت) إذ كان زعيما عنصريا متطرفا في عداوته للبيض، ولكنه عدل عن هذا النهج بعد إسلامه.

قلت: فهل التقيته؟

قال: لا.. لم أتشرف بلقائه، ولكني ـ عندما كنت في أمريكا ـ قرأت رسالة له كانت أهم عندي وأعظم أثرا من أي لقاء.

قلت: فما كتب في تلك الرسالة؟

قال: بعد رحلته للحج أرسل إلى أتباعه من مكة رسالة يقول فيها: (ما رأيت قط كرماً أصيلاً، ولا روحاً غامرة من الأخوة كهذه التي تسود هنا بين الناس من كل لون وجنس، في هذه الأرض المقدسة، وطن إبراهيم ومحمد فها هنا عشرات الألوف من الحجاج قدموا من كل أنحاء العالم، ليؤدّوا المناسك نفسها بروح من الوحدة والأخوة، ما كنت أظن بحكم خبراتي في أمريكا أنها يمكن أن تنشأ بين البيض والسود

وإن أمريكا في حاجة إلى أن تفهم الإسلام، لأنه هو الدين الوحيد الذي يمكن أن يمحو المشكلة العنصرية في مجتمعها لقد تقابلت مع مسلمين بيض وتحدثت معهم، بل تناولت الطعام معهم!ولكن النزعة العنصرية محاها من أذهانهم دين الإسلام..

إننا هنا نصلي لإله واحد، مع أخوة مسلمين لهم أعين زرقاء كأصفى ما تكون الزرقة، ولهم بشرة بيضاء كأنصع ما يكون البياض)

اللورد هدلي:

من الأسماء التي رأيتها في دفتر الغريب في هذا الفصل اسم (اللورد هدلي)، فسألت الغريب عنه، فقال: هذا الرجل سليل الأسرة المالكة في بريطانيا، وهو من أغنى البريطانيين، ومن أرفعهم حسبا، درس الهندسة في كامبردج، وقد أسلم وأصدر مجلة (The Islamic renew)، وأصدر كتاب (إيقاظ العرب للإسلام)وكتاب (رجل غربي يصحو فيعتنق الإسلام)، وقد تسمى بعد إسلامه باسم (رحمة الله فاروق)

قلت: فحدثني عنه.

قال: سأحدثك بما حدثني به بعض من لقيه وعرفه خير معرفة، فقد ذكر لي أنه رغم مولده في بيت مسيحي عريق، لم يشعر يوماً في قرارة نفسه بإيمان صادق نحو المسيحية، بل طالما راودته الشكوك في صحة التعاليم التي تروج لها الكنيسة، والطقوس التي يمارسها آباء الكنيسة في صلواتهم وأقداسهم، وطالما توقف بفكره عن أسرار الكنيسة السبعة.

إذ لم يستطع ـ وهو المثقف الواعي ـ أن يهضم فكرة أكل جسد المسيح أو شرب دمه، ولم يقتنع بفكرة الفداء التي هي من أسس عقيدة الكنيسة

وشاء قَدَرُ الله أن يسافر إلى منطقة كشمير التي يدين أهلها بالإسلام، وذلك من أجل مشروعات هندسية، حيث كان يعمل ضابطاً في الجيش البريطاني ومهندساً

وهناك أهدى إليه صديق ضابط بالجيش نسخة من المصحف الشريف حين لمس انبهاره بسلوكيات المسلمين، وكان هذا الإهداء بداية تعرفه الحقيقي على الإسلام، إذْ وجد في كتاب الله ما يوافق طبيعة نفسه ويلائم روحه

لقد وجد أن مفهوم الألوهية ـ كما جاء في القرآن الكريم ـ يتوافق مع المنطق والفطرة، ويتميز ببساطة شديدة، كما لمس في الدين الإسلامي سمة التسامح، وهي السمة التي لم ير لها وجوداً بين أهله من النصارى الذين عُرِفُوا بتعصبهم ضد الديانات الأخرى، بل ضد بعضهم بعضاً، فالكاثوليك يتعصبون ضد البروتستانت، وهؤلاء بدورهم يتعصبون ضد الأرثوذكس، الذين لا يقلون عن الطائفتين السابقتين تعصباً ضدهما، فكل فريق يزعم أن مذهبه هو الحق وما عداه باطل، ويسوق في سبيل ذلك من الحجج أسفاراً يناقض بعضُها بعضاً.

ولم يكن بوسع اللورد هدلي إلا أن يميل للإسلام بعد اطلاعه على ترجمة معاني القرآن الكريم، وما قرأه عن العقيدة الإسلامية، وأبطال الإسلام الأوائل الذين استطاعوا أن يصيروا أعظم قواد العالم، وبقوة عقيدتهم أسسوا حضارة عظيمة ازدهرت لقرون طويلة، في وقت كانت أوربُا ترزح تحت وطأة الجهل وطُغيان البابوات والكرادلة.

كما وجد اللورد هدلي في الشريعة الإسلامية وسيرة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته ومن تلاهم من التابعين القدوة الحسنة التي تروّى روحه العطشى للحق.

وبرغم اقتناع اللورد هدلي بالإسلام فقد ظل قرابة عشرين عاماً يكتم إسلامه لأسباب عائلية، حتى كتب له الله أن يعلنه على الملأ في حفل للجمعية الإسلامية في لندن..

ففي ذلك المحل صاح بصوت مرتفع قائلا: إنني بإعلاني إسلامي الآن لم أَحِدْ مطلقاً عمَّا اعتقدته منذ عشرين سنة، ولمّا دعتني الجمعية الإسلامية لوليمتها سُرِرْتُ جداً، لأتمكن من الذهاب إليهم وإخبارهم بالتصاقي الشديد بدينهم، وأنا لم أهتم بعمل أي شيء لإظهار نبذي لعلاقتي بالكنيسة الإنجليزية التي نشأت في حجرها، كما أني لم أحفل بالرسميات في إعلان إسلامي، وإن كان هو الدين الذي أتمسك به الآن.

سكت قليلا، ثم قال: إن عدم تسامح المتمسكين بالمسيحية كان أكبر سبب في خروجي عن جامعتهم، فإنك لا تسمع أحداً من المسلمين يذم أحداً من أتباع الأديان الأخرى، كما نسمع ذلك من النصارى بعضهم في بعض.

نظر إلى الجمع الملتف به، والمشدوه لذلك الإعلان الخطير، ثم قال: إن طهارة الإسلام وسهولته وبُعده عن الأهواء والمذاهب الكهنوتية ووضوح حجته ـ كانت كل هذه الأمور أكبر من أثَّرَ في نفسي، وقد رأيت في المسلمين من الاهتمام بدينهم والإخلاص له ما لم أَرَ مثله بين النصارى، فإن المسيحي يحترم دينه ـ عادة ـ يوم الأحد، حتى إذا ما مضى يوم الأحد نسي دينه طول الأسبوع وأما المسلم فبعكس ذلك، يحب دينه دائماً، سواء عنده أكان هو الجمعة أو غيره، ولا يفتر لحظة عن التفكير في كل عمل يكون فيه عبادة الله.

قلت: إن رجلا بهذا المحل من أهل بلده لا بد أن يكون لإسلامه تأثيرا كبيرا.

قال: أجل.. لقد كان لإسلامه أكبر الأثر في تقوية نشاط المسلمين في بريطانيا، إذْ لم تكد تمر أشهر قليلة على إعلان إسلامه حتى اقتفى أثره أكثر من أربعمائة بريطاني وبريطانية، بعد ما استرعى انتباههم ما تَحَدَّثَ به عن محاسن الإسلام، فأقبلوا على قراءة الكتب الإسلامية، ودخلوا في دين الله أفواجاً.

قلت: ألم يصبه ما يصيب المسلمين الجدد من الأذى؟

قال: بلى.. لقد كان لإشهار إسلامه صَدىً واسعا في بريطانيا للَّقَبِ الكبير الذي يحمله، ولكونه سياسياً بارزاً، وعضواً قيادياً في مجَلسٍ اللوردات، فقد انتقدته الصحف البريطانية، واتهمته في صدق دينه مُحاوِلةً تفسير موضوع إشهار إسلامه بأنه لتحقيق مكسب رخيص، وهو أن يصبح ممثل المسلمين في مجالس اللوردات وزعيماً لهم.

وقد دفعته هذه التهمة  إلى الرد عليها بمقال عنوانه (لماذا أسلمت؟) قال فيه: نحن ـ البريطانيين ـ تعودنا أن نفخر بحبنا للإنصاف والعدل، ولكن أي ظلم أعظم من أن نحكم ـ كما يفعل أكثرنا ـ بفساد الإسلام قبل أن نلم بشيء من عقائده، بل قبل أن نفهم معنى كلمة إسلام !؟

وقال فيه: (من المحتمل أن بعض أصدقائي يتوهم أن المسلمين هم الذين أثروا فيَّ، ولكن هذا الوهم لا حقيقة له، فإن اعتقاداتي الحاضرة ليست إلا نتيجة تفكير قضيتُ فيه عدة سنين ولا حاجة بي إلى القول بأني مُلِئْتُ سروراً حينما وجدتُ نظرياتي ونتائجي متفقة تمام الاتفاق مع الدين الإسلامي)

ومن ردوده على هؤلاء ما نشرته مجلة (إسلاميك رفيو) حيث قال: (إن كل هذه المحاولات العقيمة والوسائل الدنيئة التي يقوم بها المُنَصَّرُونَ لتحقير شريعة النبي العظيم صلى الله عليه وآله وسلم، بالبذاءة وبالسفاسف لا تمسه بأذىً، ولا تغيّر عقيدة تابعيه قَيْدَ أنملة)

ورد على المبشرين قائلاً: (لا عَجَبَ أن يكذب المنصرون وقد افتروا على الله كذباً، فكم تظاهر اللص بالأمانة والداعر بالاستقامة والزنديق بالتدين، ولكن لا عجَبَ، فقد غاض من وجههم ماء الحياء، وقد قال نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم: (إذَا لَمْ تَسْتَحِ فاصنع ما شِئْتَ).. فلو كانوا يستحيون من أنفسهم ـ أو على الأقل من الناس ـ لما أقدموا على هذا الادعاء الباطل، والافتراء الواضح)

سكت الغريب قليلا، ثم قال: لقد حفظت من كلامه جواهر من الحكم سأعرضها عليك لتكتشف من خلالها سر اعتناقه للإسلام، وإخلاصه له:

لقد قال معبرا عن ساعة اعتناقه الإسلام: (لا ريب إن أسعد أيام حياتي هو اليوم الذي جاهرت فيه على رؤوس الأشهاد بأنني اتخذت الإسلام ديناً.. فإذا كنت قد ولدت مسيحياً، فهذا لا يحتم عليّ أن أبقى كذلك طوال حياتي، فقد كنت لا أعرف كيف أستطيع أن أؤمن بالمبدأ القائل: إذا لم تأكل جسد المسيح، وتشرب دمه، فلن تنجو من عذاب جهنم الأبدي!

ويقول: (إنني بإسلامي أعتبر نفسي أقرب إلى المسيحية الحقة مما كنت من قبل، ومن يعادي المسيحية الحقة فلا أمل فيه )

ويقول: (لم أولد في الخطيئة، ولست مولود سخط وغضب، ولا أحب أن أكون مع الخاطئين) 

ويقول: (لقد تملك الإسلام لبي حقا، وأقنعني نقاؤه، فأصبح حقيقة راسخة في عقلي وفؤادي، اذ التقيت بسعادة وطمأنينة ما رأيتهما قط من قبل)

ويقول: (بما أننا نحتاج إلى نموذج كامل ليفي بحاجاتنا في خطوات الحياة، فحياة النبي تسد تلك الحاجة، فهي كمرآة نقية تعكس علينا الأخلاق التي تكون الإنسانية، ونرى ذلك فيها بألوان وضاءة..

خذ أي وجه من وجوه الآداب، تتأكد بأنك تجده موضحاً في إحدى حوادث حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم)

ويقول: (الإسلام هو الدين الذي يجعل الإنسان يعبد الله حقيقة مدى الحياة!لا في أيام الآحاد فقط أصبحت كرجل فر من سرداب مظلم إلى فسيح من الأرض تنيره شمس النهار، وأخذ يستنشق هواء البحر النقي الخالص)

اللادي ايفلين كوبولد:

من الأسماء التي رأيتها في دفتر الغريب في هذا الفصل اسم (اللادي ايفلين كوبولد)، فسألت الغريب عنه، فقال: هذا اسم نبيلة إنكليزية، اعتنقت الإسلام، وزارت الحجاز، وحجت إلى بيت الله، وقد كتبت مذكراتها عن رحلتها تلك في كتاب لها بعنوان: (الحج إلى مكة)، والذي ترجم إلى العربية بعنوان (البحث عن الله)

قلت: فهل التقيت بها لتسألها عن سر إسلامها؟

قال:  لا.. لم أتشرف بذلك.. ولكني قرأت كتابها الذي ذكرت فيه رحلتها إلى الله، وتعرفها على الإسلام، وفيه يتجلى سر إسلامها.

قلت: فما الذي جذبها إلى الإسلام؟

قال: أول ما جذبها إليه القرآن الكريم .. فقد قالت في بيان تأثيره في الحضارة الإسلامية: (إن أثر القرآن في كل هذا التقدم الحضاري الإسلامي لا ينكر، فالقرآن هو الذي دفع العرب إلى فتح العالم، ومكّنهم من إنشاء إمبراطورية فاقت إمبراطورية الإسكندر الكبير، والإمبراطورية الرومانية سعة وقوة وعمرانًا وحضارة)([31])

وذكرت موقف القرآن من العلم، وما في القرآن من سبق علمي، فقالت: (وذكرتُ أيضًا ما جاء في القرآن عن خلق العالم وكيف أن الله سبحانه وتعالى قد خلق من كل نوع زوجين، وكيف أن العلم الحديث قد ذهب يؤيد هذه النظرية بعد بحوث مستطيلة ودراسات امتدت أجيالاً عديدة)([32])

وذكرت تأثرها بأسلوب القرآن في مواضع عديدة، فقالت: (الواقع أن جمل القرآن، وبديع أسلوبه أمر لا يستطيع له القلم وصفًا ولا تعريفًا، ومن المقرر أن تذهب الترجمة بجماله وروعته وما ينعم به من موسيقى لفظية لست تجدها في غيره من الكتب. ولعل ما كتبه المستشرق جوهونسن بهذا الشأن يعبر كل التعبير عن رأي مثقفي الفرنجة وكبار مفكريهم قال: (إذا لم يكن شعرًا، وهو أمر مشكوك به، ومن الصعب أن يقول المرء بأنه من الشعر أو غيره، فإنه في الواقع أعظم من الشعر، وهو إلى ذلك ليس تاريخًا ولا وصفًا، ثم هو ليس موعظة كموعظة الجبل ولا هو يشابه كتاب البوذيين في شيء قليل أو كثير، ولا خطبًا فلسفية كمحاورات أفلاطون، ولكنه صوت النبوة يخرج من القلوب السامية، وإن كان عالميًا في جملته، بعيد المعنى في مختلف سوره وآياته، حتى إنه يردد في كل الأصقاع، ويرتل في كل بلد تشرق عليه الشمس)([33])

وقالت: (أشار الدكتور مارديل المستشرق الفرنسي الذي كلفته الحكومة الفرنسية بترجمة بعض سور القرآن، إلى ما للقرآن الكريم من مزايا ليست توجد في كتاب غيره وسواه فقال: (أما أسلوب القرآن فإنه أسلوب الخالق عز وجل وعلا، ذلك أن الأسلوب الذي ينطوي عليه كنه الكائن الذي يصدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهيًا. والحق والواقع أن أكثر الكتاب ارتيابًا وشكًا قد خضعوا لتأثير سلطانه وسحره، وأن سلطانه على ملايين المسلمين المنتشرين على سطح المعمور لبالغ الحدّ الذي جعل أجانب المبشرين يعترفون بالإجماع بعدم إمكان إثبات حادثة واحدة محققة ارتد فيها أحد المسلمين عن دينه إلى الآن. ذلك أن هذا الأسلوب.. الذي يفيض جزالة في اتساق منسق متجانس. كان له الأثر العميق في نفس كل سامع يفقه اللغة العربية، لذلك كان من الجهد الضائع الذي لا يثمر أن يحاول المرء نقل تأثير هذا النثر البديع الذي لم يسمع بمثله بلغة أخرى)([34])

وقالت: (الواقع أن للقرآن أسلوبًا عجيبًا يخالف ما كانت تنهجه العرب من نظم ونثر، فَحُسنُ تأليفه، والتئام كلماته، ووجوه إيجازه، وجودة مقاطعه، وحسن تدليله، وانسجام قصصه، وبديع أمثاله، كل هذا وغيره جعله في أعلى درجات البلاغة، وجعل لأسلوبه من القوة ما يملأ القلب روعة، لا يمل قارئه ولا يخلق بترديده.. قد امتاز بسهولة ألفاظه حتى قلّ أن تجد فيها غريبًا، وهي مع سهولتها جزلة عذبة، وألفاظه بعضها مع بعض متشاكلة منسجمة لا تُحِسُّ فيها لفظًا نابيًا عن أخيه، فإذا أضفت إلى ذلك سموّ معانيه أدركت بلاغته وإعجازه)([35])

بالإضافة إلى هذا، فقد ذكرت الثمرات العظيمة التي أنجزها محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتي تبرهن على صدق الإسلام، وكونه من عند الله، فقالت: (كان العرب قبل محمد أمة لا شأن لها ولا أهمية لقبائلها ولا لجماعتها، فلما جاء محمد بعث هذه الأمة بعثًا جديدًا يصح أن يكون أقرب إلى المعجزات فغلبت العالم وحكمت فيه آجالاً وآجالاً)([36])

وقالت: (هذه هي مدينة الرسول.. تعيد إلى نفسي ذكرى جهوده في سبيل لا إله إلا الله، وتلقي في روعي صبره على المكاره واحتماله للأذى في سبيل الوحدانية الإلهية)([37])

وقالت: (لعمري، ليجدن المرء في نفسه، ما تقدم إلى قبر الرسول  روعة ما يستطيع لها تفسيرًا، وهي روعة تملأ النفس اضطرابًا وذهولاً ورجاء وخوفًا وأملاً، ذلك أنه أمام نبي مرسل وعبقري عظيم لم تلد مثله البطون حتى اليوم.. إن العظمة والعبقرية يهزان القلوب ويثيران الأفئدة فما بالك بالعظمة إذا انتظمت مع النبوة، وما بالك بها وقد راحت تضحي بكل شيء في الحياة في سبيل الإنسانية وخير البشرية)([38])

وقالت: (لقد استطاع النبي القيام بالمعجزات والعجائب، لَمّا تمكن من حمل هذه الأمة العربية الشديدة العنيدة على نبذ الأصنام وقبول الوحدانية الإلهية.. لقد وفّق إلى خلق العرب خلقًا جديدًا ونقلهم من الظلمات إلى النور)([39])

وقالت: (مع أن محمدًا كان سيد الجزيرة العربية.. فإنه لم يفكر في الألقاب، ولا راح يعمل لاستثمارها، بل ظل على حاله مكتفيًا بأنه رسول الله، وأنه خادم المسلمين، ينظف بيته بنفسه ويصلح حذاءه بيده، كريمًا بارًا كأنه الريح السارية، لا يقصده فقير أو بائس إلا تفضل عليه بما لديه، وما لديه كان في أكثر الأحايين قليلاً لا يكاد يكفيه)([40])

بالإضافة إلى هذا ذكرت إعجابها الشديد بالمنهج الإسلامي في العقيدة والشريعة والسلوك، واعتبرته من الأسباب الأولى لإسلامها، فقالت: (سألني كثيرون كيف ومتى أسلمت؟ وجوابي على ذلك أنه يصعب عليّ تعيين الوقت الذي سطعت فيه حقيقة الإسلام أمامي فارتضيت الإسلام دينًا. ويغلب على ظني أنني مسلمة منذ نشأتي الأولى. وليس هذا غريبًا إذا ما راح المرء يفكر بأن الإسلام هو الدين الطبيعي الذي يتقبله المرء فيما لو ترك لنفسه ولم يفرض عليه أبواه الدين الذي يعتنقانه فرضًا. ألم يصف أحد مشاهير النقاد في أوروبا: (بأنه دين العقل والإنسانية)([41])

وقالت: (الإسلام كلمة تعني التسليم لله، وهي تعني السلام أيضًا، ويعرف المسلم بأنه الرجل الذي يسير في حياته وفاقًا لمشيئة خالقه وأوامره والذي يعيش بسلام مع الله وعباده. ولعل أجمل ما في الإسلام ما يضطرب فيه من وحدانية إلهية، وأخوة إنسانية، وخلوه عن التقاليد والبدع والتصاقه اللصوق كله بما في الحياة من أمور عملية.. والإيمان في القرآن إنما يقوم على العمل الصالح وليس هناك في الإسلام إيمان دون ما عمل صالح أبدًا)([42])

وقالت: (من فوائد الحج أنه يوطد الوحدة الإسلامية ويغذي الأخوة التي أنشأها محمد وهو يدعو المسلمين في كل عام مرة واحدة إلى التعارف والتقارب والتحدث فيما بينهم.. فالحج والحالة هذه ليس فرضًا دينيًا فحسب، وإنما هو إلى ذلك كله، جمعية أمم عظمى. ولقد أشار إلى هذه الظاهرة الخطيرة الأستاذ سنوك هيروغرنجه المستشرق الهولندي فقال: (لقد سبق الإسلام الحكومات الأوروبية في التوحيد بين الأمم والتقارب بين الشعوب بما أقره من وجوب الحج على كل مسلم يستطيع إلى الحج سبيلاً، ولعمري إن هذه الديمقراطية والأخوة التي أقرها الإسلام وجعلها عامة بين أتباعه لما يخجل الجماعات الأخرى التي لم تفطن لها ولا دعت إليها)([43])

وقالت: (إذا لم يكن في الإسلام إلا هذه الأخوة التي قتلت التفرقة وجعلت من الإنسانية شخصًا واحدًا لا يعلو واحدها على رفيقه إلا بالتقوى والعمل الصالح، لكفى ولكان الإسلام خير الأديان وأقربها إلى الله وأرفعها درجات. ولقد أشار المستر بيكتول الكاتب الإنكليزي، إلى هذه الظاهرة الغريبة الفذة في تاريخ الإنسانية، وراح يضرب الأمثال بهذا الاختلاف العظيم يعمّ الغرب من أقصاه إلى أقصاه ويفصل بين المرء وولده وشقيقه ونسيبه وجاره، وكيف أن الإسلام يقف وحيدًا في هذه الظاهرة حيث تقوم الأخوة الإسلامية فيه مقام العصبية والجوار وغيرها من الصلات)([44])

وقالت: (إن الإسلام دين حي، حي في قلوب أتباعه ومريديه، وهو دين كلما تقدمت به الأيام زادت حيويته وقوي أمره وتبسط سلطانه وفشت دعوته ولولا ذلك لما أمكنه أن يعيش وأن يظل محتفظًا بقوته وتأثيره وحب أتباعه له)([45])

وقالت: (إن روحانية الإسلام قوية شديدة، فهي أبدًا تدفع المسلمين بعضهم إلى بعض وتجعل منهم قوة إنسانية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر مما لا يوجد مثله في العالم الحاضر)([46])

وقالت: (الحق أقول: إن الحب عندنا وكما يفهمه الغربيون ما يزال قريبًا من الغريزة الجنسية، مقصورة دائرته أو تكاد، على ما تلهمه هذه الغريزة.. فأما المناطق العليا  التي يرتفع الحب المهذب إليها، أما الحب بمعناه الإنساني السامي.. الحب على أنه عاطفة إنسانية سامية أساسها إنكار الذات والرقي النفسي إلى عالم الخير والجمال والحق فهذا ما لا يفكر به أحد أو يتصور وجوده إنسان، وهو إلى ذلك كله موجود في الإسلام، منطوٍ في هذه الأخوة الإسلامية التي تجعل من الفرد عبدًا يعمل لخير المجموع وفردًا قصارى همه أن يعمل للإحسان والإحسان أبدًا)([47])

وذكرت إعجابها بالتسامح الإسلامي، فقالت: (إن الإسلام لا يعرض لمعتنقي الأديان الأخرى بسوء وهو لا يحملهم على قبول دينه والنزول تحت شرعته.. كما أنه لم يحارب الذين لم يعتنقوا دينه، ولا عمل على قتلهم وحرقهم وتعذيبهم كما فعل غيره وسواه، وآية القرآن الكريم ظاهرة بينة:﴿ لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (البقرة:256)([48])

قلت: ألم يصرفها عن الإسلام تلك الشبهات الكثيرة التي تثار حول موقف الإسلام من المرأة؟

قال: لقد كانت هذه المرأة الفاضلة صادقة في بحثها عن الله، فلذلك هداها الله إلى التعرف عن كثب على حقيقة موقف الإسلام والمسلمين من المرأة، ومما ذكرته في هذا قولها: (لم تكن النساء المسلمات متأخرات عن الرجال في ميدان العلوم والمعارف فقد نشأ منهن عالمات في الفلسفة والتاريخ والأدب والشعر وكل ألوان الحياة)([49])

وقالت: (لما جاء الإسلام ردّ للمرأة حرّياتها، فإذا هي قسيمة الرجل لها من الحق ما له وعليها ما عليه ولا فضل له عليها إلا بما يقوم به من قوة الجلد وبسطة اليد، واتساع الحيلة، فيلي رياستها فهو لذلك وليها يحوطها بقوّته ويذود عنها بدمه وينفق عليها من كسب يده، فأما فيما سوى ذلك فهما في السّرّاء والبأساء على السواء. ذلك ما أجمله الله بقوله تعالى:﴿  وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ، وهذه الدرجة هي الرعاية والحياطة لا يتجاوزها إلى قهر النفس وجحود الحق، وكما قرن الله سبحانه بينهما في شؤون الحياة، قرن بينهما في حسن التوبة وادخار الأجر وارتقاء الدرجات العليا في الدنيا والآخرة. وإذا احتمل الرجل مشقات الحياة، ومتاعب العمل وتناثرت أوصاله، وتهدّم جسمه في سبيل معاشه ومعاش زوجه فليس ذلك بزائد مثقال حبة عن المرأة إذا وفت لبيتها وأخلصت لزوجها وأحسنت القيام في شأن دارها)([50])

وقالت: (كتبت اللادى ماري مونتكاد، زوجة السفير الإنكليزي في تركيا إلى شقيقتها تقول: (يزعمون أن المرأة المسلمة في استعباد وحجر معيب، وهو ما أودّ تكذيبه فإن مؤلفي الروايات في أوروبا لا يحاولون الحقيقة ولا يسعون للبحث عنها، ولولا أنني في تركيا، وأنني اجتمعت إلى النساء المسلمات ما كان إلى ذلك سبيل، وإني أستمع إلى أخبارهم وحوادثهم وطرق معيشتهم من سبل شتى، لذهبت أصدق ما يكتب هؤلاء الكتاب، ولكن ما رأيته يكذب كل التكذيب أخبارهم، ولا أبالغ إذا قررت لك أن المرأة المسلمة وكما رأيتها في الأستانة أكثر حرية من زميلاتها في أوروبا ولعلها المرأة الوحيدة التي لا تعنى بغير حياتها البيتية، ثم إنهن يعشن في مقصورات جميلات ويستقبلن من يرد من الناس)([51])

وقالت: (إن جهل النساء في الإسلام أمرٌ لا يتفق  وأوامر الرسول الكريم، فقد أمر رسول الله النساء بطلب العلم وحظر الإسلام الجهل على المؤمنين به وشدّد في ذلك بما لا يدعو مجالاً للشبهة والتأويل)([52])

ثالثا ـ الأدباء

فتحت دفتر الغريب على فصله الثالث، فوجدت عنوانه (الأدباء)، فقلت: من تقصد بالأدباء؟

قال: أولئك الذين فتحت لهم خزائن الكلام، ونبعت لهم من منابع المشاعر عيون عبروا بها عما لم يطق غيرهم التعبير عنه.

قلت: فما الفرق بين هؤلاء وبين غيرهم؟

قال: هؤلاء هم لسان البشر الذي يعبر عنهم.

قلت: ولكنهم قد يتيهون في أودية الأماني، كما قال تعالى:﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) (الشعراء:224- 225)، وقد روي في الحديث عن أبي سعيد قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعَرْج، إذ عَرَض شاعر يُنشد، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (خذوا الشيطان -أو امسكوا الشيطان -لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا)([53])

قال: وقد يصدقون، فيمتلئ غيرهم صدقا، وقد استثنى الله تعالى المؤمنين، فقال:﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (الشعراء:227)، وقد ورد في الحديث أنه لما نزلت:﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ، جاء حسان بن ثابت، وعبد الله بن رَوَاحة، وكعب بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم يبكون فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء. فتلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم:﴿ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثم قال: (أنتم) ﴿ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا قال: (أنتم )، ﴿ وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا قال: (أنتم)([54])  

وقد روي عن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله، عز وجل، قد أنزل في الشعّر ما أنزل، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده، لكأن ما ترمونهم به نَضْح النبْل)([55])

قلت: أما إن قلت هذا، فقد كان في الإسلام شعراء كثيرون يمتلئون صدقا، وقد قدموا للإسلام أعظم ما يقدمه مسلم ناصح.

قال: ولذلك تراني قد بدأت بهم في هذا الدفتر.

شعراء من الصحابة

قلت: قد رأيت ذلك، وتعجبت منه، فكيف التقيت بابن رواحة، أو بحسان.

قال: لقد التقيت بشعرهم، وأعجبت به، ولاحظت فيه من الصدق ما لم ألحظه في جميع أشعار الدنيا، فليس هناك من هو أحق بالمدح من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

عبد الله بن رواحة:

قلت: فلنبدأ بعبد الله بن رواحة، فإني أراه يستهل قائمة الشعراء في دفترك هذا.

قال: أجل.. فلي محبة خاصة لهذا الشاعر المحب الصادق.

قلت: وكيف لا تحبه، وهو من المنتجبين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد حضر بيعتي العقبة الأولى والثانية، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق.. وأكرمه الله بالشهادة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال: وفوق ذلك  كان أحد شعراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عمرة القضاء، وكان يقول:

خَلُّوا بني الكُفَّار عَنْ سَبيلِهِ       نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ

ضَرْبًا يُزِيلُ الهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيـله

فنادى عليه عمر وقال له: في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول هذا الشعر؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (خَلِّ عنه يا عمر، فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وَقْعِ النبل)([56])

وقد أنشد ذات يوم من شعره بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله:

إِنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الخَيْرَ أَعْرِفُهُ
 

وَاللهُ يَعْرِفُ أنْ ما خَانَنِي الخَبَرُ
  

أَنْتَ النبي وَمَنْ يُحْرَمْ شَفَاعَتُهُ
 

يَوْمَ الحِسَابِ لَقَدْ أَزْرَى بِهِ القَدَرُ
  

فَثَّبَتَ اللهُ مَا آتَاكَ مِنْ حُسْنٍ
 

تَثَبِيتَ مَوسى وَنصْرًا كَالذي نصَروا
  

فدعا له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قائلا: (وإياك فثبَّتَكَ الله)([57])

وكما نصر عبد الله الإسلام في ميدان الكلمة، فقد نصره باقتدار في ميدان الحرب والجهاد بشجاعته وفروسيته.

ففي شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة، علم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن الروم قد حشدوا جيوشهم استعدادًا للهجوم على المسلمين، فأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم جيشًا إلى حدود الشام عدده ثلاثة آلاف مقاتل؛ ليؤمِّن الحدود الإسلامية من أطماع الروم، وجعل زيد بن حارثة أميرًا على الجيش، وقال لهم: (إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رَواحة)

فلما وصل جيش المسلمين إلي حدود الشام، علموا أن عدد جيش الروم مائتا ألف فارس، فقالوا: نكتب إلى النبي ليرسل إلينا مددًا من الرجال، أو يأمرنا أن نرجع أو أي أمر آخر، فقال لهم ابن رواحة: (يا قوم، والله إن التي تكرهون هي التي خرجتم تطلبون، إنها الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة) 

فكبر المسلمون وواصلوا مسيرتهم حتى نزلوا قرية بالشام تسمى مؤتة، وفيها دارت الحرب، وقاتل المسلمون أعداءهم قتالاً شديدًا، وأخذ زيد بن حارثة يقاتل ومعه راية المسلمين، فاستشهد زيد، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب، وراح يقاتل في شجاعة حتى استشهد، فأخذ عبد الله الراية، فأحس في نفسه بعض التردد، ولكنه سرعان ما تشجع، وراح يقاتل في شجاعة ويقول:

أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّه
 

طَائِعَةً أَوْ لَتُكْرهِنَّه
  

فَطَالَمَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّة
 

مَالِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الجَنَّةْ
  

يَا نَفْسُ إلا تُقْتَلِى تَمُوتي
 

وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيت
  

إِنْ تَفْعَلِى فَعْلَهُمَا هُدِيتِ
 

وَإِنْ تَأَخَّرْتِ فَقَد شُقِيتِ
  

ونال عبد الله الشهادة، ولحق بصاحبيه زيد وجعفر.

وقد كان فوق هذا مثال المسلم الصادق، وقد أرسله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى يهود خيبر؛ ليأخذ الخراج والجزية مما في أراضيهم، فحاولوا إعطاءه رشوة؛ ليخفف عنهم الخراج، فقال لهم: يا أعداء الله، تطعموني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم.

حسان بن ثابت:

كان الاسم الثاني في دفتر الغريب في هذا الفصل هو اسم الشاعر المشهور (حسان بن ثابت) فطلبت من الغريب أن يحدثني عنه، فقال:

لقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يضع لحسان المنبر في المسجد يقوم عليه قائماً يهجو الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([58])  

ومن قصائده التي رثى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([59]):

بطيبة رسم للرسول ومعهد
 

منير وقد تعفو الرسوم وتهمد
  

ولا تمتحي الآيات من دار حرمة
 

بها منبر الهادي الذي كان يصعد
  

وواضح آثار وباقي معالم
 

وربع له فيه مصلى ومسجد
  

بها حجرات كان ينزل وسطها
 

من الله نور يستضاء ويوقد
  

معارف لم تطمس على العهدآيها
 

أتاها البلى فالآي منها تجدد
  

عرفت بها رسم الرسول وعهده
 

وقبرا بها واراه في الترب ملحد
  

ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت
 

عيون ومثلاها من الجفن تسعد
  

يذكرن آلاء الرسول وما أرى
 

لها محصيا نفسي فنفسي تبلد
  

مفجعة قد شفها فقد أحمد
 

فظلت لآلاء الرسول تعدد
  

وما بلغت من كل أمر عشيره
 

ولكن لنفسي بعد ما قد توجد
  

أطالت وقوفا تذرف العين جهدها
 

على طلل القبر الذي فيه أحمد
  

فبوركت يا قبر الرسول وبوركت
 

بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد
  

وبورك لحد منك ضمن طيبا
 

عليه بناء من صفيح منضد
  

تهيل عليه الترب أيد وأعين
 

عليه وقد غارت بذلك أسعد
  

لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة
 

عشية علوه الثرى لا يوسد
  

وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم
 

وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
  

يبكون من تبكي السموات يومه
 

ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد
  

وهل عدلت يوما رزية هالك
 

رزية يوم مات فيه محمد ؟