الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: ثمار من شجرة النبوة

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 514

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

تجري أحداث هذه الرواية بين مبشر مسيحي - هو بطل الرواية، وهو الذي أسلم بعد ذلك، وحكى قصته للمؤلف - ومجموعة من المستشرقين المنصفين الكبار الذين بهرتهم القيم العظيمة التي جاء بها الإسلام، فشهدوا شهادات صادقة كانت أحسن رد على شهادات المجحفين والمناوئين من المبشرين والمستشرقين والمستغربين.

وتدور أحداث الرواية في جامعة السربون وما حولها .. وفيها مقارنات كثيرة بين كل ثمرة جاء بها الإسلام من خلال مصادره المقدسة، والثمار التي جاءت بها سائر الأديان والمذاهب السماوية أو الوضعية.

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

أولا ـ خلاص

أمراض الجاهلية

حضارات

ديانات:

إكسير الإسلام

الدعوة:

التنوير:

الدين:

الحياة:

ثانيا ـ صمود

العقيدة:

الشعائر:

السلوك:

الانتشار:

ثالثا ـ قيم

قيم الجاهلية

المسيحية:

اليهودية:

الحضارة الغربية:

قيم الإسلام

العفاف:

الكرم:

المروءة:

التضحية:

القوة:

الأمانة:

الصدق:

رابعا ـ إنسانية

حقيقة الإنسان

العبودية:

الازدواج:

الآدمية:

الخلافة:

الخلود:

حقوق الإنسان

الحرية:

الإخاء:

المساواة

خامسا ـ روحانية

الربانية:

العقلانية:

الإنسانية:

سادسا ـ سلام

سلام الجاهلية

سلام الإسلام

الضرورة:

الوفاء:

الرحمة:

سابعا ـ نظام

نظم الجاهلية

المسيحية

الديمقراطية:

الشيوعية

نظام الإسلام

الفرد:

المجتمع:

الأمة:

ثامنا ـ علوم

علوم الجاهلية

المسيحية:

العقلانية:

المادية:

علوم الإسلام

التعميم:

الانفتاح:

القيم:

الرفاه:

تاسعا ـ فنون

فنون الجاهلية

المسيحية:

التيه:

الكلاسيكية الجديدة:

الرومانسية:

الواقعية:

اللامعقول:

فنون الإسلام

التهذيب:

التوحيد:

عاشرا ـ حضارة

حضارة الجاهلية

الشذوذ:

الصراع:

حضارة الإسلام

الهداية

 

المقدمة

تنطلق هذه الرواية من مقولة للمسيح عليه السلام في إنجيل متى (15:7-17) يقول فيها: (احترزوا من الأنبياء الكذبة، يأتونكم بثياب الحملان الوديعة، ولكنهم من الداخل ذئاب خاطفة.. من ثمارهم تعرفونهم، هل تجتنون من الشوك عنبا، أو من الحسك تينا.. هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارا  جيدة، وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارا ردية)

ولذلك هي تخاطب بالدرجة الأولى من يجمعون بين الإيمان بهذه المقولة، وبين جحود رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. ذلك أنه يستحيل على رجل أمي في بيئة بدوية بعيدة عن كل منتجات الحضارة أن يخرج دينا ممتلئا بالقيم وبكل معاني الخلاص التي كانت تنتظرها البشرية، ولا زالت تتعطش إليها.

وهي تخاطب كذلك كل صاحب عقل سليم، ليجري مقارنة شاملة بين الثمار التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والثمار التي تفتخر بها سائر الأديان.. ليخرج من تلك المقارنة - على الأقل - بأن هذا الدين يحتاج إلى مزيد بحث وتأمل، وأنه لا يصح أن يستعجل العاقل في الحكم عليه ابتداء.

وبناء على هذا الهدف كانت أحداث هذه الرواية .. والتي تجري بين مبشر مسيحي - هو بطل الرواية، وهو الذي أسلم بعد ذلك، وحكى قصته للمؤلف – ومجموعة من المستشرقين المنصفين الكبار الذين بهرتهم القيم العظيمة التي جاء بها الإسلام، فشهدوا شهادات صادقة كانت أحسن رد على شهادات المجحفين والمناوئين من المبشرين والمستشرقين والمستغربين.

وتدور أحداث الرواية في جامعة السربون وما حولها.. وفيها مقارنات كثيرة بين كل ثمرة جاء بها الإسلام من خلال مصادره المقدسة، والثمار التي جاءت بها سائر الأديان والمذاهب السماوية أو الوضعية.

وهي تقر في نفس الوقت بالتخلف الذي حصل للمسلمين، والانحرافات التي شوهتهم، وشوهت دينهم.. ولكنها في نفس الوقت تقر بأن بذور الخير لا تزال في هذه الأمة ما دامت مصادرها المقدسة محفوظة.. ولذلك يمكنها أن تسترد حقيقتها، وأن تعود لأداء دورها الرسالي الذي كلفت به.

ومن أهداف الرواية أيضا إخراج القارئ من تلك التعميمات المجحفة التي ترمي جميع المستشرقين بالعمالة وعدم العلمية والنوايا الخبيثة.. بل هي تصنفهم بحسب أعمالهم وأفكارهم.. فمنهم المنصفون .. كالأبطال العشرة لهذه الرواية.. ومنهم غيرهم، والذين لم نهتم في الرواية بذكر أسمائهم.. لأن هدفنا منها هو بيان الثمار العظيمة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. والتي لم تر البشرية ثمارا مثلها في تاريخها الطويل.

وقد قسمناها – كأخواتها من الروايات – إلى عشرة فصول.. كل فصل منها يتناول ثمرة من الثمار:

وهي تبدأ بثمرة الخلاص التي جاء بها الإسلام لينقذ البشرية من الانهيارات التي مرت بها، وكادت تقضي عليها..

ثم بثمرة صمود هذا الدين ومصادره المقدسة رغم الحروب الكثيرة التي شنت عليه.

ثم بثمرة القيم الأخلاقية التي جاء بها، لا كمعان نظرية فقط، بل كتشريعات عملية لا يزال صدى الكثير منها موجودا في الواقع الإسلامي رغم انحرافه.

ثم بثمرة إنسانية الإسلام، وحفاظه على حقيقة الإنسان، وحقوقه مقارنة بغيره من الأديان والمذاهب.

ثم بثمرة روحانيته وتطلعه إلى المعارف السامية المرتبطة بحقائق الوجود الكبرى.

ثم بثمرة سلامه الشامل للكون والإنسان والحياة.

ثم بثمرة النظام العادل الذي دعا إليه..

ثم بثمرة العلوم التي جاء بها، ودعا إليها، ووضع المنهج المثالي للتوصل إليها.

ثم بثمرة الفنون والجماليات التي شجع عليها.

ثم بثمرة الحضارة التي تحافظ على رفاه الإنسان، وفي نفس الوقت تحافظ على إنسانيته.

هذه هي الفصول العشرة التي تتشكل منها الرواية، وفي كل فصل منها يلتقي بطل الرواية مستشرقا من المسشترقين ليبرهين له على كل واحد منها.

وهي – كما تحاول أن تغرس الأمل في قلوب المؤمنين بهذا الدين – إلا أنها تحذرهم من الاغترار بمجرد الانتساب إليه .. فهذا الدين هو القيم التي جاء بها .. ولا يمثله إلا من امتلأ بتلك القيم، وسار بها في الناس.. أما من شوهها، فلا يصدق عليه سوى قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ [الأنعام: 26]، وقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: 169]

وأحب أن أذكر في الأخير أن هذه الطبعة الجديدة تتميز باختصارها مقارنة بالطبعة السابقة، فقد حذفت الكثير من التفاصيل التي قد تجهد القارئ العادي في فهمها أو الاستفادة منها.

البداية

لا أخفي عليكم أني كنت ـ قبل أن أسمع الحكاية التي سأحكيها لكم  ـ أحمل مستنقعا من العقد التي نشرتها في نفسي أوهام النقص التي كنت أحملها، والتي لم يستطع ذلك الإيمان الوراثي أن ينزعها مني.

لقد كنت أنظر بأسف إلى الأمة الإسلامية التي تمثل أعظم رسول في الدنيا، وأكمل رسالة نزلت إلى الأرض، نظرة ممتلئة بالازدراء والاحتقار.

فهي أمة متخلفة في جميع الميادين.. بينما غيرها يتقدم في جميع الميادين:

هي متخلفة في السياسة، تحاول أن تقلد حرية الغرب وديمقراطيته، ولكنها لا تستطيع أن تتخلى عن مواريث الاستبداد التي تملكتها، فلذلك تنشئ ديمقراطيات مشوهة تحفظ لها استبدادها وقمعها وتسلطها وقوانين الطوارئ التي ظلت تفرضها منذ ولد الملك العضوض.

وهي متخلفة اقتصاديا.. بل ليس هناك في العالم من هو متخلف مثلها في هذا الميدان.. لقد من الله عليها بثروات يسيل لها لعاب العالم، وبمواقع استراتيجية تحسد عليها، ولكنها تأبى إلا أن تسلم جميع ثرواتها ـ مقابل متاع زهيد ـ لمن يكيلونها أصناف العذاب، بل هي تقيم المسابقات بينهم، فمن كان أكثر عداوة لها، كان أكثر تنعما بخيراتها.

وهي متخلفة اجتماعيا، لا تزال تنخر فيها العنصريات التي جاء الإسلام ليقمعها، ومعها الأعراف البائدة التي وجدت من فتاوى الفقهاء من يبررها، بل يجد لها من الأسانيد الواهية ما يحولها أصلا من الأصول، وشريعة من الشرائع.

وهي متخلفة فوق ذلك دينيا.. لا تزال الفرقة تشتت شملها.. ولا يزال التعصب للرجال يشغلها عن نبيها.. ولا يزال الاهتمام بالجزئيات والحرفيات والطقوس يشغلها عن كليات هذا الدين ومقاصده وحقائقه.

والخطر الأكبر من ذلك كله هو جهلها بتخلفها، أو حبها لتخلفها:

فساستها يناوئون كل إبداع، ويفرضون عليه من قوانين الطوارئ، ما يجعل من بلادنا جميعا معتقلا كبيرا، أو سجنا عريضا، أو زنزانة ضخمة لا يتنعم بعذابها إلا المبدعون الصادقون.

والكثير من فقهائها أو المشهور منهم يقف مع ساستها ليبرر تصرفاتهم، فهم ظل الله في أرضه، والله يؤتي ملكه من يشاء، ومن لم يطع سلطان الأرض لم ينل سلطان السماء.

أما عامتهم، فهمهم أن تملأ بطونهم، فهم لا يهتمون بشيء كما يهتمون بأصناف الغذاء، وكتب الطبخ، وموائد الولائم.. فإن انصرف اهتمامهم للدين لم يجدوا إلا الرقاة، ومفسري الأحلام، والمتشبثين بالخرافة والشعوذة.

هذه هي النظرة التي كنت أنظر بها إلى الأمة.. وكنت أتألم بسببها، وأحيانا أصيح مع ذلك الشاعر الذي كان يردد بألم قائلا: (هذه الأمة ماتت والسلام)([1])

كانت تراودني ذلك الصباح ـ كما كانت تراودني كل حين ـ هذه الخواطر..

وكيف لا تراودني، وأنا أتغذى عليها في اليوم عشر مرات.. ففي كل نشرة أخبار لا أسمع إلا أخبار قومي الذين ينتشرون من المشرق إلى المغرب.. وفي كل نشرة أخبار لا يقتل إلا قومي، ولا يقهر إلا قومي، ولا يموت من الجوع إلا قومي.

ولست الوحيد في تلك الآلام.. بل كل من أراه كان يتألم ألمي.. ومنهم من كان يود أن ينسلخ من جلده، ليتحول فرنسيا أو إنجليزيا أو ألمانيا.. فإذا لم يطق ذلك حاول أن يلوي لسانه لينطق بما حفظه من الأفلام الأجنبية، ثم يلبس ما رآه من ألبستها، ويسير في الشوراع كما يسيرون، ويصفر ويصفق كما يصفرون، وكما يصفقون.

في ذلك الصباح.. وبذلك العقل المتألم، وبتلك النفس المملوءة خجلا، سمعت طرق الباب.. فرحت أهرع إليه لأفتحه.. وبمجرد فتحه دخل رجل غريب ممتلئ بالأنوار، قاصدا البيت الذي تعود أن يزورني فيه الغرباء، وكأن له به معرفة، وكأنه معي على ميعاد.

دخل مسرعا، وخلع حذاءه، ثم استلقى على قفاه، وراح يقول:: هيا أسرع بالفطور.. فالجوع يعصر بطني .. لم أصل إليك إلا بمشقة وعسر.

تعجبت من هذا الغريب الذي لم يستأذن.. لكني رجوت أن يكون مثل من سبقه من الغرباء الذين ملأوا قلبي بالأشعة الجميلة من شمسه صلى الله عليه وآله وسلم.

لذلك أسرعت إلى المطبخ أبحث له عن الطعام الذي طلبه.. لكني لم أجد إلا حبات تمر، وكوب لبن، وكسرة خبز.. فرحت أقدمها له، وجبيني يتقطر حياء، وأنا أقول له: اعذرني.. فهذا ما تعودنا على أكله، فأرجو أن تتحمل حياتنا البسيطة، فنحن لا نزال نعيش الحياة البدائية.

اعتدل في جلسته، ثم ابتسم، وقال: أليست هذه هي الحياة التي كان يعيشها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟.. ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأكل التمر، ويشرب اللبن، ويأكل مثل هذه الكسر التي تأكلونها؟

قلت: بلى.. ولكن الحياة تطورت الآن، وللأسف، فقد تخلف قومي عنها.. تخلفوا بأميال كثيرة، وسنوات طويلة، وقد استبد بهم اليأس، فتوقفوا عن السير، واكتفوا بالتفرج على السائرين.

قال: ومن هم السائرون الذين وقف قومك يتفرجون عليهم؟

قلت: أولئك الذين يسكنون وراء البحار.. أليسوا هم رواد الحضارة وأساتذتها؟

أليسوا هم الذي اخترعوا جميع قيم الحياة الجميلة، وما تحتاجه الحياة الجميلة؟

فهم الذين اخترعوا التلفزيون والحواسيب والشبكات العنكبوتية.. وهم الذين اخترعوا الطائرات والسيارات والقطارات وجميع وسائل النقل.. وهم الذين صمموا الأنبية الضخمة وناطحات السحاب.. وهم الذين اكتشفوا أعماق البحار، وقمم الجبال، بل راحوا إلى الأفلاك من حولهم يزورونها ويقيمون العلاقات معها.

قال: تقصد قومي؟

قلت: أأنت منهم.. أجئتني من وراء البحار؟

قال: نعم.. وأنا أعرفهم جيدا.. وأعرف الحياة التي يعيشونها..

قلت: إن حياتهم المميزة تجعلنا نشعر بالعقد الكثيرة.

قال: الحياة ليست ذلك فقط.. الحياة أعمق من ذلك بكثير.. ولو تأملت حياة كثير من الحيوانات لوجدت لديها من الاختراعات ما يوازي بالنسبة لها جميع ما صنعه من ذكرت، وراحوا يفخرون على العالم بصنعه.

قلت: وحق لهم أن يفخروا.

قال: بم يفخر المساكين؟

قلت: بما نراه من اختراعات واكتشافات..

تنفس الصعداء، ثم قال: نعم هم الذين اخترعوا التلفزيون.. لكنهم لم يجدوا ما يملأونه به، فراحوا ـ بعقولهم المملوءة بالشهوات ـ يجعلونه ماخورا من مواخير الرذيلة، وحانة من حانات الفساد.

وهم الذين أنشأوا الشبكات العنكبوتية التي تحول العالم قرية صغيرة تربط بين أطراف الأرض.. ولكن المساكين لم يجدوا إلا أن يعمقوا بهذه الشبكات ما سبق للتلفزيون والفيديو البدء به.

وهم الذين اخترعوا جميع وسائل النقل.. ولكنهم ملأوا الأرض بسببها تلوثا، وملأوا الطرقات جثثا.

وهم الذين اخترعوا الأشياء الكثيرة.. ولكنهم لم يأخذوا من الأشياء إلا ذلك الجانب المظلم منها..

شرد ذهنه قليلا، كأنه ينظر إلى شيء مجهول لا أراه، ثم قال: ولم لا تذكر ما فعله قومي بالعباد والبلاد من أنواع الفساد؟

هل يستطيع أحد في الدنيا أن يعد من قتله قومي في قرن واحد؟

وهل يستطيع أحد في الدنيا أن يعرف مقدار الدمار الذي تختزنه أنواع الأسلحة المخبأة في سراديب الأرض، وأعماق المحيطات؟

وهل يستطيع أحد في الدنيا أن يسأل ذرات الجو، وقطرات المياه، وحبيبات التربة، وأنواع الحيوانات عن الجرائم التي ارتكبها قومي في حقها، والتي لم يسمع بها أحد، ولم يرها أحد؟

نعم.. ربما يكون قومي هم الذي أنشأوا هذه الأشياء الكثيرة التي تراها جميلة.. ولكنهم هم.. هم أنفسهم.. الذين أنشأوا بسببها من الدمار أضعاف ما يوازي منافعها.

قلت: أنت تريد أن تجرد قومك من كل مكرمة.

قاطعني بحزن قائلا: لأنه ليس لديهم أي مكرمة.. لقد بحثت في بطون التواريخ، فلم أجد في تواريخهم غير سفك الدماء، واللعب بالأعراض، والتجارة بالإنسان.

قلت: فقومي مثل قومك إذن.. وأنت تختزن من عقد النقص ما أختزنه!؟

قال: وضعكم مختلف تماما.. لقد أتيح لكم أن تعيشوا تحت ظلال شجرة النبوة، وقد أمدتكم تلك الشجرة المباركة بثمارها اليانعة، فلذلك لم تجوعوا جوعنا، ولم تظمأوا ظمأنا، ولم تحرقكم أشعة الشمس التي أحرقتنا، ولم تلهب شهواتكم شياطين الشهوات التي ابتلعتنا.

قلت: ولكننا متخلفون.

قال: ولولا تلك الشجرة لكنتم معدومون..

ثم استأنف قائلا: نعم أنتم متخلفون.. ولكن ليس عن قومي، وإنما عن نبيكم، وعن الصالحين الذين تربوا على يديه، وشربوا من منبعه..

أما قومي، فلا حرج عليكم أن تتخلفوا عنهم، لأنكم إن لحقتموهم لم تجدوا إلا السراب الذي يحسبه الظمآن ماء، فإذا جاءه لم يجده شيئا.

هكذا قومي.. يلهثون وراء السراب.. ويظلون يلهثون، ثم لا يجدون الماء العذب الذي يسقيهم، ويبل السغب الذي يحرق أجوافهم.. لأن الماء لديكم أنتم.. أنتم وحدكم في هذه الأرض الذين تملكون الماء العذب الذي يروي كل عطش.

قلت: ولكننا عطشى مثلكم.. ونحن الذين ننحني أمام قومك ليسقونا.

قال: تلك غفلة دبت إليكم.. وهي من الجرائم التي ارتكبها قومي نحوكم.

قلت: وما علاقة قومك بذلك؟.. أراك تنسب إليهم كل فساد.

قال: منذ اليوم الأول الذي نبتت فيه شجرة النبوة، وقومي يحاولون استئصالها، فلما لم يطيقوا حاولوا شنق الثمار التي تنتجها.

قلت: لست أفهم سر شجرة النبوة التي تتحدث عنها، وعلاقة قومي وقومك بها.

قال: كنت مثلك أجهل هذه الشجرة.. ولا أعرف قيمتها إلى أن هداني الله إليها، فعرفتها، وعرفت المعاول التي توجهت لتقطعها، والنيران التي توجهت لتحرقها.

قلت: فهل ستحدثني حديثها؟

قال: أجل.. فلم أعاني المشقات في رحلتي إليك إلا لأحدثك حديثها.. فهات قلمك ودواتك وقراطيسك لأحكيها لك.

***

بعد أن أكمل الغريب فطوره، وحمد الله، وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مستغرقا في كل ذلك، ممتلئا خشوعا، رمى ببصره إلى الأفق البعيد، ثم قال:

في ذلك اليوم من أيام الشتاء الباردة سرت إلى مدينة تمتلئ بالحضارة والثقافة والعلوم، لأذهب إلى جامعة من جامعاتها التي اشتهرت بتخريج المستشرقين.

قلت: لا شك أنك تقصد باريس، وتقصد جامعة السربون.

قال: أجل.. لقد كنت حينها ممتلئا إعجابا بما أنشأه قومي من حضارة، كانت روحي تسجد أمام كل عمارة، وتتمسح بكل جسر، وتصافح كل تمثال، وتقبل كل لوحة.

لقد كنت أنظر إلى الأشياء الكثيرة التي أمامي، فلا أرى فيها غير الجمال.. الجمال الذي يصيح بكل ألوان العذوبة.

لست أدري كيف خطر على بالي أن أذهب إلى برج إيفل، وفي الحديقة التي تحيط به جلست على كرسي أتأمل ذلك الجمال الذي ينطق به هذا البرج.

خطر على بالي حينها صاحبك معلم السلام.. وتساءلت بيني وبين نفسي: هل رأى هذا البرج؟.. وهل رأى قبله ثمار الحضارة التي تنعمنا ـ معشر أهل الغرب ـ بها؟

ما استتم هذا الخاطر في ذهني حتى التفت إلى جانبي، فإذا به يجلس بجانبي يحدق إليه كما أحدق، ولكني لم أر في وجهه من الانبهار ما رأيت في وجهي.

صافحته بحرارة قائلا: ها نحن نلتقي أخيرا في باريس.. كيف خطر على بالك أن تأتي إلى هذا الموضع؟

قال: لقد أردت أن أرى بعض ثمار الشجرة التي أسست هذه الحضارة؟

قلت: إنها ثمار يانعة ممتلئة طيبة.. أم أنك تخالفني في ذلك؟

قال: لا أخالفك.. ولا أوافقك.. أحيانا قد تكون الثمار يانعة، طيبة المذاق، حلوة الرائحة، جميلة المنظر، ولكنها تختزن السم الزعاف.

قلت: ما الذي تقوله؟

قال: ألست ترى القتلة المجرمين إذا دسوا سما دسوه في أطيب الأطعمة وألذها؟

قلت: أجل.. حتى تغري الآكلين بأكلها.

قال: فإذا أكلوها سقتهم الموت؟

قلت: ذلك عندما يكون الطعام سما.

قال: كل طعام قد يكون سما، وقد يختزن سما.

قلت: لا يزال الشك الذي اعتراك في الكتاب المقدس يعتريك في الطعام أيضا.

قال: لقد ذكرت لك أني لا أتيقن حتى أشك، ولا أطمئن حتى أضطرب.

قلت: لقد سمعت بأسوار الكلمات المقدسة التي تضع في القلب اليقين بمصدرها الإلهي.. فهل هناك أسوار للثمار الطيبة تفرق بينها وبين الثمار الخبيثة.

قال: أجل.. وسأضرب لك مثالا يوضح لك هذه الأسوار، ويقربها لعقلك:

أرأيت لو أن بك مرضا يمنع جسدك من ثمار معينة، فراح بعض الناس يغريك بكل صنوف الإغراء لتأكلها، ويتفنن في تزيينها لك بكل ما أتيح له من قدرات التزيين.. هل ترى هذا ناصحا لك؟

قلت: هذا لا يريد إلا قتلي.. ولكنه لم يرد أن يلطخ يداه بقتلي، فراح يقتلني بيدي، وببطني، ويستعمل ما ملئت به نفسي من شهوات ليسقيها السم الزعاف.. إن هذا مجرم لا ناصح.

قال: ولكن الناس عندما يرونه لا يرونه إلا ناصحا متملقا في نصحه.

قلت: هم لا يرون ما أرى.. ولا يعيشون ما أعيش.

قال: فهذا هو الحصن الأول للثمار الطيبة.

قلت: لم أفهم..

قال: الثمار الطيبة ثمار تناسب الإنسان، وكأنها صنعت خصيصا من أجل الإنسان، وأول ما تبحث عنه هذه الثمار هو مصلحة الإنسان.

قلت: فما الحصن الثاني؟

قال: أرأيت لو جلست في قاعة امتحان يرتبط بها مصيرك.. مصيرك العلمي، ومصيرك الوظيفي.. فجاء بعض الناس، وشغلك بثمار كثيرة بهيجة المنظر حلوة المذاق، تصيح بكل لسان، وتدعوك بكل أسلوب، فانشغلت بها عن امتحانك.. أترى من قدمها لك ناصحا؟

قلت: كلا.. فهذا لا يختلف عن ذاك.. كلاهما لا يريد إلا هلاكي.

قال: ولكنك لن تموت بأكل هذه الثمرة الأخيرة.

قلت: ولكني سأحيا حياة أشبه بالموت.

قال: فهذا هو الحصن الثاني.

قلت: لم أفهم ما ترمي إليه.

قال: كل ثمرة تبعدك عن الوظائف التي أنيطت بها حياتك، أو الرسائل التي كلفت بتبليغها ثمرة سامة، وإن بدت لك حلوة، هي كالشيطان الذي يتزين بكل صنوف الزينة ليجذبك إليه.

قلت: فهل هناك حصون أخرى؟

قال: لا.. هناك حصنان فقط.. بهما تعرف طيبة الثمار من خبثها.

قلت: فهل طبقت هذا على ما أنتجته حضارتنا؟

قال: أجل.. ولكني للأسف.. لم أجد بعد جهد مضن إلا الثمار الخبيثة، وقلما أظفر بثمرة طيبة.

قلت: كيف ذلك؟

قال: انظر إلى كل من حولك بعين الحقائق لا بعين الشهوات، وسترى ما لم تكن ترى، وتسمع ما لم تكن تسمع.

التفت لأرى ما لم أكن أرى، وأسمع ما لم أكن أسمع.. فإذا به يبتعد عني من غير أن أشعر.

أسرعت إليه، وقلت: إلى أين تذهب، وتدعني!؟

قال: أنا أبحث عن الثمار الطيبة لأكتشف من خلالها الشجرة الطيبة.

قلت: فإذا عرفت الشجرة الطيبة، فما يغنيك معرفتك لها؟

قال: أبحث عمن زرعها.

قلت: فإذا عرفته؟

قال: إذا عرفته جعلته إمامي الذي به أأتم، وقدوتي التي بها أقتدي، ولم أتناول ثمرا إلا من يديه.

***

بعد أن تركني وسار، حاولت أن أقترب أكثر من تلك الجموع لأرى ما لم أكن أرى، وأسمع ما لم أكن أسمع، فرأيت، وسمعت ما ملأ نفسي بالغثاء..

لقد تخيلت نفسي في حضيرة حيوانات لا هم لها إلا العلف الذي تعلفه، والحياة البهيمية التي لا تعيش إلا من أجلها..

***

عند باب جامعة السربون، رأيت رجلا لاح لي من مظهره أنه رجل دين، بل يظهر من مظهره أن له مكانة في الكنيسة، ولكني تعجبت منه إذ رأيته يرمي صليبه الذي كان يطوق رقبته، ويرتمي على الأرض ساجدا، يبلل الأرض بدموعه.

اقتربت منه لأسمع ما يقول، واقترب جمع من الناس نحوه كما اقتربت.

كانت الدموع تحول دون فهم الجمع لما يقول، فلذا تصوروه مجنونا، فانصرفوا عنه، أما أنا، فقد وعيت كل كلمة نطق بها.

لقد كان يردد ما قاله المسيح في إنجيل متى (15:7-17): (احترزوا من الأنبياء الكذبة يأتونكم بثياب الحملان الوديعة، ولكنهم من الداخل ذئاب خاطفة.. من ثمارهم تعرفونهم، هل تجتنون من الشوك عنبا، أو من الحسك تينا.. هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارا  جيدة، وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارا ردية)

عندما قام من سجوده، اقتربت منه، وحييته، وقلت: لقد رأيتك تفعل عجبا حيرني.. أنت تسجد سجود المسلمين، ثم تقرأ في سجودك إنجيلنا نحن المسيحيين، فهل أنت مسلم أم مسيحي؟

قال: أنا مسلم مسيحي.. أو مسيحي مسلم..

قلت: لا يمكن أن تخلط بين الأديان، فالمسلمون لا يقبلون مسيحيا يظل على مسيحيته، والمسيحيون لا يقبلون مسلما يظل على إسلامه.

قال: لقد كنت مسيحيا خالصا، بل مسيحيا متعصبا.. ولكني الآن تحولت إلى المسيحية الحقيقية التي جاء المسيح يبشر بها.

قلت: فما هي هذه المسيحية؟.. وكيف وصلت إليها؟

قال: لقد ظللت سنة في هذه الجامعة.. أستمع من علمائها: الصديق منهم والعدو.. ورحت أقارن كل ما أسمعه عن الإسلام بما في سائر الأديان والمذاهب والأفكار.. وقد كانت خلاصتي تفكيري ما رأيته الآن..

ثم التفت إلي، وقال: لقد كنت سائرا الآن لألقي موعظة في حفل من الناس دعوني لأذكر لهم ثمرات المسيحية في الدين والحياة.. وكنت أحمل الكتاب المقدس.. وأقلب طرفي في ذلك السور المنيع الذي وصفه المسيح للنبوة الصادقة.

قلت: تقصد سور الثمرات.

قال: أجل.. من أراد أن يعرف النبي الصادق من الكاذب، فلينظر إلى تعاليمه، وإلى ثمار تعاليمه؟

قلت: فهل وجدت في ثمار محمد ما دلك على صدق نبوته؟

قال: أجل..

قلت: فما وجدت؟

قال: لا يمكنني أن أعبر لك عن كل ما وجدت.. لقد طبقت قول المسيح: (لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثمارا ردية، ولا شجرة ردية أن تصنع أثمارا جيدة، كل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع  وتلقى في النار، فإذن من ثمارهم تعرفونهم) (متى: 18:7-20) على جميع ما أعرفه من المذاهب والأديان، فلم أجد شجرة طيبة إلا شجرة محمد..

فما عرفت ذلك حتى سجدت.. ورحت أترنم بالنص المقدس الذي سمعته من المسيح.. والذي جعله الله سبب هدايتي.

قال ذلك، ثم استمر سائرا من غير أن يسألني عني، قلت له: إلى أين؟

قال: لقد تأخرت.. والجماعة تنتظرني.

قلت: لكنك قد غيرت رأيك.

قال: بل صححت رأيي.. إن أعظم ثمرة للمسيح هي دلالتنا على محمد.. ولذلك.. فإن كل ثمرات محمد ثمرات للمسيح.

هؤلاء كلهم أنبياء.. ولا أحد منهم ينازع الآخر، أو يصارعه.. الصراع لا تجده إلا عندنا..

قال ذلك ثم انصرف.. والبسمة تملأ محياه.

***

بعد هذه المواقف التي كانت توجهني وجهة واحدة.. وكأنها تحثني على الاستعداد العقلي والنفسي لتلقي هذا النوع من الأشعة.. ذهبت إلى جامعة السربون، وهناك طلبت مقابلة مدير الجامعة، الذي رحب بي غاية الترحيب.. ثم دار بيننا هذا الحوار الذي حاول من خلاله أن يبين لي الوظيفة التي تنتظرني في هذه الجامعة.

قال: لقد تعودت أن أستقبل كل من ترسله الكنيسة بنفسي..

قلت: لم تكلف نفسك هذا مع كثرة أشغالك؟

قال: بالإضافة إلى احترامي العظيم للكنيسة ورجال الكنيسة، هناك سببان يدعواني لهذا الاهتمام:

أما أولهما، فلأن ما أقوله لرجال الدين الذين يشرفون مكتبي هذا يكاد يكون سرا لا ينبغي أن يسمع به أحد.

وأما الثاني، فلأني لا أجد فيمن أراهم معي من يحملون العزيمة التي أحملها، والتي تجعلهم يبلغون الرسالة كما ينبغي.

قلت: فكلي آذان صاغية، فحدثني عن الرسالة التي تريد أن تبلغني إياها.

قال: قبل أن أحدثك عن تلك الرسالة.. والتي جعلتنا نطلبك، أو نطلب بالأحرى من له من القدرات العلمية واللغوية ما لك.. أريد أن أحدثك عن علاقة هذه الجامعة بالدين.. أو بالأحرى علاقة التبشير بالاستشراق.

هذه الجامعة ـ كما تعلم ـ جامعة تهتم بالدراسات الشرقية، أو بالخصوص الدراسات المهتمة بالإسلام.. وهي تحمل في الظاهر لواء العلمية والموضوعية، ولكنها في نفس الوقت تحمل نفس اللواء الذي يحمله المبشرون..

التفت إلي مبتسما، وقال: أنتم تبشرون بالمسيح، ونحن نقرب المسلمين لكم لتبشروهم بالمسيح.. فنحن نقوم بعمل متكامل.

قام من مجلسه، وقال: ربما لم تفهمني جيدا، وربما فهمتني فهما خاطئا، ولذلك سأوضح لك أكثر.

في البداية.. لم يكن هناك استشراق..

ابتسمت، وقلت: في البداية لم يكن أي شيء.. ليس الاستشراق وحده.

نظر إلي، وقال: لم تفهمني.. لم أقصد ما فهمته.. حاول أن تركز معي.

ركزت معه كما طلب مني.

كان يحاول أن يقول أشياء كثيرة، وكنت أشعر أنه كان يستحي من ذكرها، ولكنه كان مضطرا لقولها، فلذلك كان يبدوا مضطربا ينحرف ذات اليمين وذات الشمال ليعبر عما يريد أن يوصله لي، وهو مع كل ذلك ينظر إلى وجهي بدقة ليحدد مدى استيعابي لما يقوله.

قال: أقصد أن الاستشراق لم يبدأ من هذه الجامعة.. ولا من أي جامعة من جامعات الدنيا.

قلت: فمن أين بدأ؟

قال: من  الكنيسة.. لقد كانت البداية الرسمية للاستشراق من الكنيسة.

نظرت إليه متعجبا، فقال: لا تتعجب.. لقد بدأ الاستشراق من مجمع فينا الكنسي سنة 1312 من ميلاد المسيح، فقد أوصى هذا المجمع بإنشاء عدة كراسي للغات، ومنها اللغة العربية، ولا سيما التشريع الحادي عشر الذي قضى فيه البابا (إكليمنس الخامس) بتأسيس كراسي لتدريس العبرية واليونانية والعربية والسريانية والآرامية في الجامعات الرئيسية([2]).

وكانت هذه التوصية قائمة على دعوة (ريموند لول)([3]) لإنشاء كراسي للغة العربية في أماكن مختلفة، لقد كان هدفه واضحا من تلك الدعوة..

لقد كان الهدف تبشيريا محضا، ولم يكن له علاقة بالدراسات العلمية المجردة.

نظر إلي ليرى تأثير ما يقوله على وجهي، فلما رآني منصتا مستغرقا في الإنصات أتاح له ذلك حرية الكلام، فقال: منذ ذلك الحين نال الاستشراق رعاية الكنيسة ومباركتها.. وخاصة عندما فشلت الحروب العسكرية من خلال انحسار المد الصليبي بعد جهود قرنين من الزمان.

ولهذا اتجهت الكنيسة الغربية إلى التبشير من خلال الفكر والثقافة والعلم.. فكان التوجه إلى الحرب الفكرية، لتحقق ما فشل فيه سلاح الغزو الحربي.

لقد كان الهدف من هذه الدعوة هو أن تؤتي محاولات التبشير ثمارها بنجاح من خلال تعلم لغات المسلمين، وقد عبر عن هذه الثمار في دعوة (لول) بارتداد العرب إلى المسيحية من الإسلام، كما كان (غريغوري العاشر) يأمل في ارتداد المغول إلى المسيحية، وقبله كان (الإخوة الفرنسيسكان) قد توغلوا في أعماق آسيا يدفعهم حماسهم التبشيري، ومع أن آمالهم لم تتحقق في وقتها إلا أن الروح التبشيرية قد تنامت منذئذ.

وهذا يعني بتعبير أوضح (إقناع المسلمين بلغتهم ببطلان الإسلام، واجتذابهم إلى الدين المسيحي)([4])

سكت قليلا، ثم استأنف قائلا: لقد انتظم الاستشراق في الفاتيكان، وانتشر واستمر على أيدي البابوات والأساقفة والرهبان، فكان رجال الدين، ومجمعهم الفاتيكان يومئذ، يؤلفون الطبقة المتعلمة في أوربا، ولا سبيل إلى إرساء نهضتها إلا على أساس من التراث الإنساني الذي تمثلته الثقافة العربية، فتعلموا العربية، ثم اليونانية، ثم اللغات الشرقية للنفوذ منها إليه.

نظر إلي وتمعن في تأثير كلماته علي، ثم قال: مما يدلك على الصلة العظيمة بين الاستشراق والتبشير أنه كان هناك فئة مهمة من المستشرقين لم تتورع عن قبول اللقب الديني، أو الرتبة الدينية.. فمنهم (الأب).. ومنهم (الأسقف).. ومنهم (البطريرك).. ومنهم (المطران)

سأضرب لك بعض النماذج عن هؤلاء:

لاشك أنك تعرف الأب آسين بلاثيوس (1871 - 1944 م) الإسباني، ذلك الرجل الذي اشتهر بدراسة حركة التفاعل الثقافي بين الإسلام والمسيحية، والذي كتب عن (مذهب ابن رشد، ولاهوت توما الإكويني)، وعني بـ (محيي الدين بن عربي)، وأجرى (مقارنة بين ابن عباد الرندي ويوحنا الصليبي)، وصنف في (الغزالي والمسيحية)، وكتب في (الآثار الإنجيلية في الأدب الديني الإسلامي)([5])

لقد حاول كل جهده أن يلبس الإسلام ثوب المسيحية، وقد نجح في ذلك، ولا تزال آثاره تتداول.. أتدري من كان؟.. لقد كان أبا مسيحيا.. كان رجل دين قبل أن يكون رجل استشراق.

ومثله الأب أبوجي(1819 - 1895 م) الفرنسي، لقد كان من الرهبان اليسوعيين([6])، وقد صنف كتبا دينية ومدرسية، لقد جمع هذا الرجل الفاضل بين الوظيفتين: وظيفته الدينية ووظيفته العلمية، بل استخدم الوظيفة العلمية في خدمة وظيفته الدينية.

ومثلهما نعمة الله أبو كرم (1851 - 1931 م)، لقد كان من مستشرقي المدرسة المارونية بلبنان، نصب مطرانا، وكان قد تخرج من جامعة القديس يوسف ببيروت، وعاون في تحرير مجلة البشير، ثم عين رئيسا للمدرسة المارونية في رومة، ومستشارا في المجمع الشرقي، ومن آثاره: قسطاس الأحكام في القانون مع مقارنته بما يقابله في الشرع الإسلامي.

ومثلهم الأب يوسف الأشقر (ق 18 م)، لقد كان من مستشرقي المدرسة المارونية بلبنان، ترجم إلى الفرنسية من العربية والسريانية كتبا كثيرة أشهرها سلسلة تواريخ بطاركة الموارنة الأنطاكيين، وقد اعتمد عليه (لي كيين) في كتابه الشرق المسيحي.

كان هناك غيرهم ممن لا يحمل هذه الألقاب.. ولكنه مع ذلك لم يتتلمذ إلا في المدارس اللاهوتية المسيحية أو اليهودية:

منهم أرنست رينان (1823 ـ 1892)، الذي تلقى تعليمه في المدارس اللاهوتية، وتعلم العربية في مدرسة اللغات الشرقية بباريس، وزار المشرق وعاش بلبنان فترة من الزمن، واهتم بالعقيدة الإسلامية.

لاشك أنك تعرف موقفه المشهور من العقل السامي، وأنه لا يصلح لدراسة العلم([7]).

ومنهم جورج سيل  (1697-1736) الذي ولد في لندن، والتحق بالتعليم اللاهوتي.. لقد كان من أبرز أعماله ترجمته لمعاني القرآن التي قدم لها بمقدمة احتوت على كثير من الشبهات الجادة([8]).

ومنهم وليام ميور  (1819 -1905).. لقد كان مستشرقا ومبشّرا وموظفا إداريا.. وهو إنجليزي، تعلم العربية في أثناء عمله في الهند واهتم بالتاريخ الإسلامي شارك في أعمال جمعية تنصيرية في الهند.

وقد ألف كتاباً يناصر الجهود التنصيرية بعنوان (شهادة القرآن على الكتب اليهودية والمسيحية).. ومن أهم مؤلفاته كتابه في سيرة محمد في أربعة مجلدات، وكتابه حول الخلافة، كما ألف كتاباً حول القرآن بعنوان (القرآن تأليفه وتعاليمه)([9])

وغيرهم كثير..

قلت: فأنت ترى إذن بأن التبشير هو الأصل الحقيقي للاستشراق؟

قال: أجل.. وليس العكس كما يذهب أغلب الباحثين.

قلت: ولكن الاستشراق ليس خاصا بالمسيحيين، فهناك مستشرقون يهود وعلمانيون.. بل وملحدون([10]).

قال: بورك كل أولئك المستشرقين.. ولا يهمنا من يكونون ما دمنا نتفق على نفس الهدف..

قلت: أتبارك الملحدين واللادينيين؟

قال: لم أباركهم أنا.. أنتم الذين باركتموهم.. الكنيسة هي التي تبارك كل من يقف في وجه الإسلام.. ولا يهمها من يكون، ولا ما يرتدي.

قلت: سمعت كل ما ذكرته، وفهمته، ولكني لم أع الرسالة التي تريد أن تبلغني إياها من خلال هذا الكلام.

قال: اصبر علي.. فليس من عادتي أن أملي على أحد ما يفعل.. عادتي مع جميع من ينتمي لهذه الجامعة أن أقنعه، وأبعث فيه الهمة، ثم أترك له الأسلوب الذي يراه مناسبا لتحقيق القناعة التي أوصلته إليها.

ليس ذلك مع من ينتمي لهذه الجامعة فقط.. أنا أمارس هذا الأسلوب مع أولادي.. أكتفي بحوارهم وإقناعهم، ثم أترك لهم بعد ذلك اختيار القرار المناسب.

قلت: لقد ذكرت لي علاقة التبشير بالاستشراق، وحاولت أن تقنعني بأن أصل الاستشراق هو التبشير.

قال: بورك فيك.. لقد وعيت كل ما ذكرته لك.

قلت: ولكني لم أع الرسالة التي يحملها هذا الكلام.

قال: لقد كان ذلك في البدء.. في البدء ولد الاستشراق في محضنة الكنيسة، وظل وفيا لها عهودا طويلة.. ولكنه أحيانا كان ينحرف عن مساره، ويظهر بعض المستشرقين المتمردين الذين يتصورون ـ حسب أوهامهم ـ أنهم يغلبون المنهج العلمي الموضوعي على الرؤية الذاتية الدينية.

قلت: أعلم ذلك.. وأعلم كذلك أن المسلمين يتبنون هذا النوع من المستشرقين، ويفرحون بهم، وينقلون شهاداتهم في كتبهم.

قال: وهذا هو مصدر الخطورة.. إن وجود هذا النوع من المستشرقين أحدث شرخا خطيرا في المقاصد التي يرمي إليها الاستشراق.. لقد تاه أولئك المستشرقون عن الهدف..

لقد صاروا كذلك المحارب الذي لم يكتف بأن يرمي سلاحه، ويولي دبره، وإنما ذهب، وأمد العدو بسلاح كثير، وقنابل كثيرة.

قال ذلك، ثم صاح بنوع من الهستيرية: إنها خيانة.. خيانة عظمى.. لو كنت حاكما عسكريا لحكمت على أولئك بالشنق.. لا يجدي معهم غير الشنق.

التفت إلى نفسه، ورأى خطأه في إظهار ما تكنه نفسه من ألوان الحقد، ثم ابتسم، وقال: اعذرني.. كنت أمزح فقط.. لست أدري لم طغت لغة الحرب هذه الأيام.. صرنا لا نتكلم إلا بالمدافع والأسلحة والقنابل.. لعل ذلك من تأثير وسائل الإعلام.

ثم قال: على العموم، فقد كان هذا النوع الخطير من المستشرقين أفرادا محدودين، ومع ذلك كان لهم ذلك التأثير الخطير.. ولكنهم ـ الآن ـ أمة من الناس.. هم الآن يتكاثرون كما تتكاثر الطفيليات.. لهذا صار خطرهم أعظم.. ولهذا صرنا نفضل المستغربين على المستشرقين.

المستغربون جاءونا أصلا لينسلخوا من هويتهم.. فلذلك نراهم يتزلفون كما لا يتزلف أحد.. أما أولئك المستشرقون الأغبياء.. فهم لا يزالون يلقون أسلحتهم ليمدوا بها عدوهم.

قلت: وهل يوجد أمثال هذا النوع من المستشرقين في هذه الجامعة؟

قاطعني، وقال: أجل.. وهم يتكاثرون كما يتكاثر النمل.. وقد عرفنا السر في ذلك التكاثر.

قلت: وما هو؟

قال: العلمانية.

ابتسمت، وقلت: وما علاقة العلمانية بهذا؟.. ثم ألسنا في دولة علمانية؟

قال: العلمانية هي فصل الدين عن الحياة وعن الدولة وعن الأخلاق..

قلت: أعلم ذلك.

قال: وهؤلاء فصلوا الدين.. أو فصلوا اهتمامهم الديني وانتماءهم الديني عن دراساتهم لتراث المسلمين وفكر المسلمين.

قلت: وما يضيرنا من ذلك.. فهم إن لم يدخلوا بعدهم المسيحي أدخلوا بعدهم الإلحادي، أو بعدهم الوجودي، أو أبعاد أخرى.

قال: ليت الأمر سار على هذا النحو.. هؤلاء أدخلوا البعد الموضوعي.. لقد صاروا يتعاملون مع التراث الإسلامي والفكر الإسلامي بموضوعية وحياد..

قلت: هذا بعد جيد..

قال: وخطير جدا..

قلت: ما خطره؟.. ما داموا يلبسون ثياب العلم، ويتبنون التحقيق العلمي.

قال: لم تفهم إذن كل ما قلت لك.

قلت: بل فهمت.. ولكني لم أفهم خوفك من البعد الموضوعي.

سار في أرجاء القاعة، وكأنه يهم أن يقول شيئا يخاف على نفسه منه، أو يخاف علي منه.

لكنه تحدى ذلك، وقال بلسان متلعثم: البحث الموضوعي في تراث المسلمين خطير.. خطير جدا..

ثم قال، وكأنه يستعيد ذكريات مر بها: سلني أنا.. لقد جربت في شبابي هذا النوع من البحث.. ولكني كدت أحترق.. لقد كانت شمس محمد شمسا محرقة كادت تصليني بنارها..

لست أدري مدى صدق قومه في إطلاق لفظ الساحر عليه.. ولكنه ـ معي ـ لا يوجد لقب أصدق منه.. لقد سحرني كما لم يسحرني أحد من الناس.. ظللت دهرا من عمري منشغلا بالتفكير فيه، وفي الشجرة التي تركها لترمي كل حين من الثمار ما يجعل وجوده حيا مستمرا.

لست أدري كيف قلت له مقاطعا: فلماذا تريد قطع هذه الشجرة؟

قال ـ وكأنه لا يدري ما يقول ـ: لست أنا الذي أريد أن أقطعها.. كلهم يريد أن يقطعها.. وما نحن إلا معاول بسيطة.

قلت: ومن يشارككم في الاهتمام بقطعها؟

قال: كثيرون.. منهم أنتم المبشرون.. ومنهم أولئك العساكر المستعمرون.. بالإضافة إلينا نحن المستشرقون.. بالإضافة إلى أولئك الذيول من المستغربين..

كلنا نشكل معاول لهدم شجرة ذلك الساحر التي تؤتي أكلها كل حين، ولا تمل من إعطاء الثمار كل حين.

قلت: فلم نهتم جميعا بقطعها؟

قال: لأنها الشجرة الوحيدة في العالم التي تقف في وجه شجرتنا، وتمنع امتدادها.

قلت: فلم لا نترك الشجرتين تتعايشان مع بعضهما، فنأكل ثمرا ناضجا من كليهما([11])؟

انتفض، وقال: يستحيل ذلك.. يستحيل ذلك..

قلت: وما وجه الاستحالة؟

قال: ألا تعلم أن شجرة محمد شجرة مسحورة!؟.. إن كل من أكل من ثمارها أصابه سحر محمد.

ابتسمت، وقلت: أراك تؤمن بالسحر، وتبالغ في الإيمان به؟

قال: لو لم أجرب تأثيره ما آمنت به.

قلت: فلنفرض أنا قطعنا شجرة محمد..

قاطعني قائلا: ذلك مستحيل.. هي شجرة ضاربة الأطناب في التربة، بل لعل لها جذورا في السماء يستحيل قطعها.

قلت: فلم نجتهد في تحقيق المستحيل؟

قال: ذلك منهج خاطئ سلكه أسلافنا، ونحن اليوم نعرف استحالته.

قلت: فهل رأيت منهجا آخر يمكن سلوكه؟

قال: أجل.. نترك للشجرة وجودها.. لكنا نترك ثمارها تتساقط من غير أن يأكلها أحد.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ذلك بسيط.. نحذر من ثمارها.. نصف حلاوة ثمارها بحلاوة العلقم، ونصف إكسيرها وترياقها بالسم الزعاف.. ثم نرمي كل من يأكل ثمارها بالتخلف والرجعية والإرهاب والخرافة..

قلت: وحينذاك لن يقترب منها أحد.

قال: وحينذاك ستذبل الشجرة وتموت من غير أن نقطعها.

قلت: فكرة جيدة.. ولكن ألسنا نسيء للبشرية إن فعلنا هذا؟

قال: بل نحسن غاية الإحسان.. لا يمكن للبشرية أن تعيش على ثمار شجرتين متناقضتين غاية التناقض.. لذلك إن أردنا السلامة لشجرتنا، فهذا ما ينبغي أن نمارسه مع شجرة محمد.

قلت: فهل تسيرون في هذا السبيل؟

قال: كنا نسير فيه.. ولكنه ظهرت فئة من المستشرقين غفلت عن مبادئها وهدفها وغلبت الموضوعية العلمية في تصورها.. ونخاف على هذه الفئة أن يصيبها سحر محمد.

قلت: فما دوري أنا في هذا؟

قال: لست وحدك.. هناك إخوان كثيرون لك في هذه الجامعة، وهم ينتشرون بين هؤلاء المستشرقين ليقدموا لهم من الرقى والتعاويذ ما يقيهم من سحر شجرة محمد.

قلت: أطلبتم حضوري لأقدم لكم رقى ضد السحر؟

قال: ليس ضد كل سحر.. ضد سحر محمد وحده.

قلت: لا أعرف هذا النوع من الرقى.. بل لا أكاد أؤمن بالسحر.

ابتسم، وقال: أنت لم تفهمني.. الرقى التي نقصدها هي الشبهات.. ليس هناك شيء يقتل شجرة محمد كالشبهات.

قلت: فهمت.. أنت تريدني أن أتصل بهذا النوع من المستشرقين لأملأ عقولهم بالشبهات التي تبعدهم عن شجرة محمد.

قال فرحا: أجل.. هذا ما أريده، وقد ذكرت لك أنك لست وحدك في هذه الجامعة.. هناك كثيرون من أمثالك.

قلت: إن هذا يحتاج وقتا..

قال: لقد أعددنا لك في هذه الجامعة كل ما يريحك، وكل ما يخدمك، ويخدم الهدف النبيل الذي جئت من أجله.

لقد وفرنا لك مسكنا لائقا، وسيارة فارهة، وأموالا سوف تصب كل حين في رصيدك.. وإن احتجت إلى أي نفقات زائدة، فليس عليك سوى الاتصال بي.

قال ذلك، ثم التفت إلى صليب كنت أعلقه ليشير إلى وظيفتي الدينية، فأمسكه بيده، ثم قبله، وقال: لا أطلب منك سوى طلب واحد.

قلت: وما هو؟

قال: انزع هذا الصليب..

قلت: لم؟

قال: لا تظهر أي علاقة لك بالدين في هذه الجامعة.. نحن في جامعة علمانية، ولذلك حاول أن تكون علمانيا في ظاهرك قدر ما استطعت، وخاصة أمام أولئك المرتدين الذين لبسوا لباس الموضوعية العلمية، وتركوا الرسالة النبيلة التي كلفتهم بها أمتنا العظيمة.

***

خرجت من مكتبه، فصحبني مرشد جال بي في أنحاء الجامعة، ثم أعطاني دفترا يعرفني بالمستشرقين الذين يطلب مني الاتصال بهم والتعامل معهم، ثم سار بي إلى المسكن الفاره المعد لي.. ومعه كل ما تهفو إليه النفوس من الحياة الرغيدة.

لقد ظللت في تلك الجامعة سنة كاملة، رأيت فيها أشياء كثيرة، واستمتعت نفسي بنعم كثيرة.. لكني لا أذكر منها إلا عشرة أيام..

لقد كانت تلك الأيام العشرة هي الأيام التي تنعمت فيها بأشعة جديدة من شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. ولن أحكي لك في هذه الرحلة إلا حكاية تلك الأيام العشرة.. أما ما عداها فأكثره لغو فارغ.

أولا ـ خلاص

في اليوم الأول من تلك الأيام العشرة المباركة، التقيت المستشرق الذي قطفت على يده أول ثمرة من شجرة النبوة، وهي (ثمرة الخلاص)

وهي الثمرة التي عرفت بها سر قوله تعالى:﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة:19)

وعرفت بها سر قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن ربي أمرني أن أعلِّمكم ما جهلتم مما عَلَّمني في يومي هذا: كل مال نَحَلْته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حُنَفَاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضَلَّتْهُم عن دينهم، وحَرَّمَتْ عليهم ما أحللت لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، ثم إن الله، عز وجل، نظر إلى أهل الأرض فَمَقَتَهُمْ، عجَمَهم وعَرَبَهُم، إلا بقايا من أهل الكتاب)([12])

فهذه النصوص المقدسة تخبر عن الحالة التي كان عليها العالم حين جاءه الإسلام.. وتشير ـ في نفس الوقت ـ إلى الدور العظيم الذي قام به الإسلام في إنقاذ البشرية وتخليصها من الهلاك الذي كاد يقضي عليها.

***

سمعت بتوماس وولكر آرنولد([13])، وهو مستشرق بريطاني كان من النوع الذي حدثني عنه مدير جامعة السربون، واسمه من الأسماء التي وضعت في الدفتر الذي سلمني إياه المرشد، وقد كنت أتحين الفرص للقائه والاستماع إليه، ولكني لم أظفر بذلك إلا في ذلك اليوم الجميل...

فقد كنت سائرا أمام حديقة بيته، فوجدته يسقي شجرة ذابلة تكاد تموت.

رفعت كل كلفة، واقتربت منه، وحييته باللغة العربية التي كان يتقنها غاية الإتقان، ويحب أن يجد من يحدثه بها.

نظر إلي، وابتسم، وقال: هل أنت من الشام، أم من مصر؟

قلت: لا هذا ولا ذاك..

قال: فأنت من المغرب إذن؟

قلت: أنا من ألمانيا..

قال: نسبا، أم جنسية مكتسبة؟

قلت: بل نسبا.. أنا ألماني أبا وأما.. ولم أعش في أي دولة عربية.

قال: أنت تتقن العربية جيدا، وكأنك عربي..

قلت: أنا مهتم بها كثيرا، ومهتم بكل ما يرتبط بها من ألوان الثقافة.

قال: هذا شيء جيد.. أنت مثلي في هذا.. أنا أيضا أحب هذه اللغة، وكل ما يرتبط بها من ثقافة، ولست أدري سر ذلك..

نظر إلى الشجرة الذابلة التي كان يسقيها، ثم قال: لعل سر ذلك يعود إلى الإكسير الذي أعاد لهذه الشجرة حياتها.

قلت: ما علاقة هذه الشجرة باهتمامك باللغة العربية، والثقافة العربية؟

قال: لقد كان مصير هذه الشجرة هو الفناء والذبول والموت.. لقد أحاط بها الموت من كل جانب، ولم يعد لي أمل في حياتها.. ولكن بعضهم أهداني إكسيرا عجيبا، ما إن وضعته في الماء، وسقيته بها حتى عادت إليها الحياة، وأنت تراها الآن مقبلة على حياة جميلة تنتظرها.

قلت: لا أزال عاجزا عن فهم علاقة الشجرة والإكسير الذي أعاد إليها الحياة باللغة العربية والثقافة العربية.

قال: يمكن أن تشبه العالم الذي نعيش فيه بهذه الشجرة..

قلت: من أي جهة؟

قال: من جهة الحياة والموت.. والمرض والصحة.. والذبول والنشاط.

قلت: ذلك صحيح.. فالشجرة كائن حي لا يختلف عن الإنسان.. يعتريه ما يعتري الإنسان من أسباب العافية والبلاء.

قال: لعل هذا هو سر اهتمامي بالعربية والثقافة العربية.

قلت: هذا ما لم أفهمه.

قال: أنا مهتم كثيرا بتاريخ العالم.. وبأسباب عافيته وأسباب بلائه.. وأوقات انحداره وأوقات ارتفاعه.. ولحظات إنسانيته ولحظات بهيميته..

في بيتي سجلت منحنيات كثيرة للسقوط وللنهوض، وللصعود وللهبوط.

لم أشأ أن أقاطعه لأستفهم عن سر هذا الكلام الغامض، فأخذ يقول: لقد وجدت العالم في جميع فتراته يشبه هذه الشجرة التي اعتراها الذبول وكاد يميتها.. ولكنها عادت للحياة من جديد لما سقيتها بإكسير الحياة.

قلت: فهل وجدت البشرية في فترات سقوطها من يسقيها إكسير الحياة؟

قال: لقد سجلت أعظم انحدار لمنحنى سقوط البشرية.. ورأيت بأم عيني الإكسير الذي حمى البشرية من الفناء الذي كان يترصد بها.. وذلك الإكسير هو الذي حملني على أن أتعلم اللغة العربية، وأسافر إلى البلاد العربية، وأتعلم الثقافة العربية.

قلت: فما ذاك الإكسير؟

قال: هو أعظم رجل على الإطلاق.. لعله هو المخلص الذي عناه المسيح عندما قال لتلاميذه: (إن كنتم تحبونني، فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر، ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم، ويكون فيكم.. إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبي وإليه نأتي، وعنده نصنع منـزلاً.

الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي، والكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني، بهذا كلمتكم وأنا عندكم، وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم.. قلت لكم الآن قبل أن يكون، حتى متى كان تؤمنون، لا أتكلم أيضاً معكم كثيراً، لأن رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيّ شيء) (يوحنا 14/15 – 30)([14]).. نعم.. بل هو..

لقد كانت البشرية تنتظر الخلاص.. لقد كانت كالظمآن الذي كاد يهلكه العطش، ولولا محمد، ولولا المياه العذبة التي جاء بها لماتت البشرية من الظمأ.

قلت: كيف تقول ذلك؟.. لقد كان محمد في بيئة صحراوية بدوية.. وكان مع ذلك أميا.. كيف كان هو المخلص؟

قال: أحيانا كثيرة يجعل الله فيما نحتقره من أشياء سر خلاصنا..

هذه الشجرة مثلا.. يئست منها، وتألمت ليأسي، كنت أراها تذبل أمامي، وأنا لا أطيق معها أي حراك.. ولكن ذلك الرجل الفاضل، بل العبقري الفذ وصف لي إكسيرها.

في البداية عندما وصفه ضحكت بيني وبين نفسي.. بل ظننته يسخر مني، وعندما جربته لم أجربه إلا كما يجرب الغريق تعلقه بقشة لا تغني عنه شيئا.. ولكني بعد أن طبقت ذلك الإكسير العجيب فعل فعله، وأعاد لهذه الشجرة حياتها.

وبالمناسبة.. فالرجل الذي وصف لي هذا الإكسير رجل أمي.. هو يشبه تماما محمد الذي كان أميا، ولكنه كان يحمل الإكسير الذي أعاد به الحياة لشجرة البشرية.

قلت: لقد كانت في عهد محمد حضارات عريقة وديانات قديمة.. ألم يكن في أحدها سر الخلاص؟

قال: لقد كان من سر الخلاص الذي جاء به محمد أنه لم يكن في بقعة من بقاع الأرض غير تلك البقعة البسيطة القريبة جدا من الفطرة.

قلت: لم؟.. هل تعادي الحضارات؟

قال: لا أعاديها، ولكن محمدا لو ولد في بيئة غير تلك البيئة لتلطخت تعاليمه كما تلخطت تعاليمنا نحن المسيحيين.

لقد ذكر القرآن شيئا قريبا من هذا عندما قال:﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾(الأنعام:124)

لقد طلب هؤلاء القوم أشياء مماثلة لما جاءت بها الرسالات السابقة، والتي امتلأت تحريفا، فرد عليهم القرآن بأن الله أعلم بالمحل الذي يجعل فيه رسالته.

قلت: أراك تتحامل على تلك الحضارات العريقة.. والتي لا زلنا نشم عطر ما أنتجته.

قال: كلامك يحتاج بحثا موضوعيا بعيدا عن لغة الخطاب التي تعودنا أن نسمعها.

قلت: وما الكلام الموضوعي في هذا؟

قال: الموضوعية العلمية تتطلب استقراء واقع البشرية في عصر محمد، لنرى بموضوعية تامة الحالة التي كانت تعيشها، والدواء الذي كانت تبحث عنه.

قلت: فهل تسمعني حديث ذلك؟

قال: لا يسرني إلا ذلك.. تعال معي إلى البيت.. فمثل تلك التفاصيل لا يمكن أن نتحدث عنها ونحن واقفون.

أمراض الجاهلية

دخلت إلى بيته الذي لا يختلف في تصميمه الداخلي عن البيوت العربية، وقد فرش على أرضه زرابي عربية رأيتها في رحلتي إلى بلاد الشام.

أحضر لي (توماس) الشاي، وأحضر لي معه مجموعة خرائط، وقال: في هذه الخرائط، سنتعرف على العالم القديم.. وكيف كان حاله وقت بعثة محمد.

ولتكون دراستنا موضوعية.. فسنبحث عن جانبين لا مناص لمن يريد أن يعرف الخلاص الذي جاء به محمد من أن يبحث فيهما.

قلت: ما هما؟

قال: الحضارات.. والديانات.

قلت: ما وجه الحصر في ذلك؟

قال: الحضارات تنبئ عما وصل إليه الفكر البشري من البحث عن خلاص البشر.

قلت: والديانات؟

قال: هي الوحي الإلهي المنزل لإنقاذ البشر.

قلت: أفلم يكن في كل الحضارات والديانات المنتشرة في ذلك الوقت ما يحمل سر الخلاص؟

قال: لنرى ذلك.. تعال بنا نطبق ما ذكرناه من القواعد في هذا المجال.

حضارات

قلت: أجل.. ولنبدأ بالحضارات([15]).

أشار إلى بقعة كبيرة من الأرض، وقال: هذه هي حدود الدولة الرومانية.. وفي هذه البقعة الواسعة نشأ ما يسمى بالحضارة الرومانية.

التفت إلي، وقال: لاشك أن اسمها يقرع الأذن بهيبة عظيمة.

قلت: ذلك صحيح.. فالدولة الرومانية دولة ترمز إلى القوة والشباب والحياة.

قال: وترمز إلى الاستبداد والانحلال والتجبر.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد بلغ الاستبداد غايته في الدولة الرومانية، فعلى كثرة مصائب الرعية ازدادت الإتاوات، وتضاعفت الضرائب، حتى أصبح أهل البلاد يتذمرون من الحكومات، ويبغضونها بغضا شديداً، بل ويفضلون عليها كل حكومة أجنبية، وقد حدثت لذلك اضطرابات عظيمة وثورات.

لقد هلك عام 532 في الاضطراب ثلاثون ألف شخص في العاصمة، وعلى شدة الحاجة إلى الاقتصاد في الحياة أسرف الناس فيه، ووصلوا في التبذل إلى أحط الدركات.. بل أصبح الهم الوحيد اكتساب المال من أي وجه، ثم إنفاقه في الترف وإرضاء الشهوات.

لقد ذابت أسس الفضيلة، وانهارت دعائم الأخلاق، حتى صار الناس يفضلون العزوبة على الحياة الزوجية ليقضوا مآربهم في حرية.

وكان العدل كما يقول (سيل) يباع ويساوم مثل السلع، وكانت الرشوة والخيانة تنالان من الأمة التشجيع.

لقد قال (جيبون) يصف كل ذلك: (وفي آخر القرن السادس وصلت الدولة في ترديها وهبوطها إلى آخر نقطة، وكان مثلها كمثل دوحة عظيمة كانت أمم العالم في حين من الأحيان تستظل بظلها الوارف، ولم يبق منها إلا الجذع الذي لا يزداد كل يوم إلا ذبولاً) 

أما المجتمع الروماني، فقد كان مليئا بالتناقض والاضطرابات، وقد صور حاله صاحب كتاب (الحضارة ماضيها وحاضرها) بقوله: (كان هناك تناقض هائل في الحياة الاجتماعية للبيزنطيين، فقد رسخت النزعة الدينية في أذهانهم، وعمت الرهبانية، وشاعت في طول البلاد وعرضها، وأصبح الرجل العادي في البلاد يتدخل في الأبحاث الدينية العميقة، والجدل البيزنطي، ويتشاغل بها، كما طبعت الحياة العادية العامة بطابع المذهب الباطني، ولكن نرى هؤلاء ـ في جانب آخر ـ حريصين أشد الحرص على كل نوع من أنواع اللهو واللعب، والطرب والترف، فقد كانت هناك ميادين رياضية واسعة تتسع لجلوس ثمانين ألف شخص، يتفرجون فيها على مصارعات بين الرجال والرجال أحيانًا، وبين الرجال والسباع أحيانًا أخرى، وكانوا يقسمون الجماهير في لونين: لون أزرق ولون أخضر، لقد كانوا يحبون الجمال، ويعشقون العنف والهمجية، وكانت ألعابهم دموية ضارية أكثر الأحيان، وكانت عقوبتهم فظيعة تقشعر منها الجلود، وكانت حياة سادتهم وكبرائهم عبارة عن المجون والترف، والمؤامرات والمجاملات الزائدة، والقبائح والعادات السيئة)

بالإضافة إلى هذا، فقد كان الرومان متجبرين غاية التجبر، عنصريين غاية العنصرية، لقد كان المبدأ الأساسي الذي يجتمعون عليه، ويجمعون عليه هو تقديس الوطن الرومي، والشعب الرومي.

ولم تكن الأمم والبلاد التي كانت تسيطر عليها الدولة الرومانية([16]) إلا خادمة لمصلحتها، وعروقاً يجري منها الدم إلى مركزها.. فلهذا كانت الدولة الرومانية تستهين بكل حق ومبدأ، وتدوس كل شرف وكرامة، وتستحل كل ظلم وشنيعة، لا يمنعها من ذلك  الحيف والظلم اشتراك في دين وعقيدة، ولا إخلاص ووفاء للملكة.

يقول مؤرخ عربي شامي عن الحكم الروماني في الشام: (كانت معاملة الروماني للشاميين بادئ ذي بدء عادلة حسنة مع ما كانت عليه مملكتهم في داخليتها من المشاغب والمتاعب، ولما شاخت دولتهم انقلبت إلى أتعس ما كانت عليه من الرق والعبودية، ولم تضف رُومية بلاد الشام مباشرة ولم يصبح سكانها وطنيين رومانيين، ولا أرضهم أرضاً رومانية، بل ظلوا غرباء ورعايا، وكثيراً ما كانوا يبيعون أبنائهم ليوفوا ما عليهم من الأموال، وقد كثرت المظالم والسخرات والرقيق، وبهذه الأيدي عمر الرومان ما عمروا من المعاهد والمصانع في الشام)([17])

وقد كان ذلك السلوك العنصري المتجبر هو سبب سقوط الدولة الرومانية، يقول (Robert Briffault) عند ذكره لسبب سقوط الدولة الرومانية: (لم يكن سبب انقراض الدولة الرومية وسقوطها الأساسي الفساد الزائد (كالرشوة وغيرها) بل كان الفساد والشر وعدم المطابقة بالواقع مما صحب نشوء هذه الدولة من أول يومها وتغلغل في أحشائها، إن كل مؤسسة بشرية تقوم على أساس زائف منها ولا تستطيع أن تنقذ نفسها بذكاء أو نشاط، ولما كان الفساد مما قامت عليه هذه الدولة فكان لا بد أن تبيد يوماً وتنهار، لقد رأينا أن الدولة الرومية إنما كانت وسيلة لرفاهية طبقة صغيرة على حساب الجماهير الذين كانت هذه الطبقة تستغلهم وتمتص دمائهم، لقد كانت التجارة تسير في رومة بأمانة وعدل، وقد كان ذلك مما طبعت عليه هذه الدولة، وقد كانت فائقة في قوة الحكم والقضاء، وفي الكفاءة، ولكن هذه المحاسن كلها لم تكن لتحفظ الدولة من عواقب الزيف الأساسي والخطأ)

***

أشار (توماس) إلى بقعة أخرى في خارطة العالم القديم، وقال: هذه هي الهند.

قلت: إنها معدن الحكمة، وينبوع العدل والسياسة، وأهل الأحلام الراجحة، والآراء الفاضلة.. هكذا وصفها صاعد الأندلسي في طبقات الأمم.

قال: ولكنها كانت في العهد الذي جاء فيه محمد على حافة الهاوية، كانت كتلك الشجرة الذابلة التي رزقها الله إكسير الحياة.

لقد اتفقت كلمة المؤرخين على أن أحط أدواره الهند ديانة وخلقاً واجتماعاً ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس الميلادي، أي في العهد الذي تزامن مع مجيء محمد([18]).

لقد اشتركت الهند مع جاراتها وشقيقاتها في التدهور الخلقي والاجتماعي، الذي شمل الأرض جميعا في ذلك الزمن.. وأخذت نصيباً غير منقوص من هذا الظلام الذي مد رواقه على المعمورة.

لقد كان النظام الاجتماعي السائد هو نظام الطبقات الجائر المبالغ في جوره.. بل لم يعرف في تاريخ أمة من الأمم نظام طبقي أشد قسوة، وأعظم فصلاً بين طبقة وطبقة، وأشد استهانة بشرف الإنسان من النظام الذي اعترفت به الهند دينياً ومدنياً، وخضعت له آلافاً من السنين.

وقد بدت طلائع التفاوت الطبقي في آخر العهد الويدي بتأثير الحرف والصنائع وثوراتها، وبحكم المحافظة عل خصائص السلالة الآرية المحتلة ونجابتها.

وقبل ميلاد المسيح بثلاثة قرون ازدهرت في الهند الحضارة البرهمية، ووضع فيها مرسوم جديد للمجتمع الهندي، وألف فيه قانون مدني وسياسي اتفق عليه البلاد وأصبح قانوناً رسمياً ومرجعاً دينياً في حياة البلاد ومدنيتها وهو المعروف الآن بـ (منوشاستر)

يقسم هذا القانون أهل البلاد إلى أربع طبقات ممتازة وهي البراهمة، وهي طبقة الكهنة ورجال الدين.. وشتري رجال الحرب.. وويش رجال الزراعة والتجارة.. وشودر رجال الخدمة.

وقد منح هذا القانون طبقة البراهمة امتيازات وحقوقاً ألحقتهم بالآلهة، فقد ذكر أن البراهمة هم صفوة الله، وهم ملوك الخلق، وإن ما في العالم هو ملك لهم، فإنهم أفضل الخلائق وسادة الأرض، ولهم أن يأخذوا من مال عبيدهم شودر من غير جريرة ما شاءوا، لأن العبد لا يملك شيئاً وكل ماله لسيده.

ونص هذا القانون على أن البرهمي الذي يحفظ رك ويد (الكتاب المقدس) هو رجل مغفور له، ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه وأعماله، ولا يجوز للملك حتى في أشد ساعات الاضطرار والفاقة أن يجبي من البراهمة جباية أو يأخذ منهم إتاوة، ولا يصح لبرهمي في بلاده أن يموت جوعاً، وإن استحق برهمي القتل لم يجز للحاكم إلا أن يحلق رأسه، أما غيره فيقتل.

أما الشتري، فإن كانوا فوق الطبقتين (ويش وشودر)، ولكنهم دون البراهمة بكثير.. يقول  (منو): (إن البرهمي الذي هو في العاشرة من عمره يفوق الشتري الذي ناهز مائة كما يفوق الوالد ولده)

أما شودر (المنبوذون)، فكانوا في المجتمع الهندي ـ بنص هذا القانون المدني الديني ـ  أحط من البهائم وأذل من الكلاب، فيصرح القانون بأن من سعادة شودر أن يقوموا بخدمة البراهمة وليس لهم أجر وثواب بغير ذلك، وليس لهم أن يقتنوا مالاً أو يدخروا كنزاً فإن ذلك يؤذي البراهمة، وإذا مد أحد من المنبوذين إلى برهمي يداً أو عصاً ليبطش به قطعت يده، وإذا رفسه في غضب فدعت رجله، وإذا هم أحد من المنبوذين أن يجالس برهمياً، فعلى الملك أن يكوي إسته وينفيه من البلاد، وأما إذا مسه بيد أو سبه فيقتلع لسانه، وإذا ادعى أنه يعلمه سقي زيتاً فائراً، وكفارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والوزغ والغراب والبومة ورجل من الطبقة المنبوذة سواء.

أما المرأة.. فقد نزلت في هذا المجتمع منزلة الإماء، وكان الرجل قد يخسر امرأته في القمار، وكان في بعض الأحيان للمرأة عدة أزواج، فإذا مات زوجها صارت كالموءودة لا تتزوج، وتكون هدف الإهانات والتجريح، وكانت أمة بيت زوجها المتوفى وخادم الأحماء وقد تحرق نفسها على إثر وفاة زوجها تفادياً من عذاب الحياة وشقاء الدنيا.

***

أشار (توماس) إلى بقعة أخرى في خارطة العالم القديم، وقال: هذه هي مصر.

قلت: إنها بلد النيل السعيد، والخير الكثير، والحضارة العظيمة.

قال: ولكنها كانت تعيش في ذلك العهد أسوأ أيام حياتها([19]).. لقد كانت في القرن السابع من أشقى بلاد الله بالمسيحية، وبالدولة الرومية معاً، أما الأولى فلم تستفد منها إلا خلافات ومناظرات في طبيعة المسيح، وفي فلسفة ما وراء الطبيعة والفلسفة الألهية، وقد ظهرت في القرن السابع في شر مظاهرها، وأنهكت قوى الأمة العقلية، وأضعفت قواها العملية.

وأما الأخرى فلم تلق منها إلا اضطهاداً دينياً فظيعاً واستبداداً سياسياً شنيعاً تجرعت في سبيلهما من المرائر في عشر سنين ما ذاقته أوربا في عهد التفتيش الديني في عقود من السنين، فألهاها ذلك عن كل وطر من أوطار الحياة، وعن كل مهمة شريفة من مهمات الدين والروح، فلا هي تتمتع بالحرية السياسية رغم كونها مستعمرة رومية، ولا هي تتمتع بالحرية الدينية والعقلية، رغم كونها مسيحية.

يقول الدكتور غوستاف لوبون في كتابه المعروف (حضارة العرب): (ولقد أكرهت مصر على انتحال المسيحية، ولكنها هبطت بذلك إلى حضيض الانحطاط الذي لم ينتشلها منه سوى الفتح العربي، وكان البؤس والشقاء مما كانت تعانيه مصر التي كانت مسرحاً للاختلافات الدينية الكثيرة في ذلك الزمن، وكان أهل مصر يقتتلون ويتلاعنون بفعل تلك الاختلافات، وكانت مصر التي أكلتها الانقسامات الدينية، وأنهكها استبداد الحكام تحقد أشد الحقد على سادتها الروم، وتنتظر ساعة تحريرها من براثن قياصرة القسطنطينية الظالمين)([20])

وفوق هذا، فقد اتخذها الروم مصر شاة حلوباً يستنزفون مواردها، ويمتصون دماءها، يقول ألفرد: (إن الروم كانوا يجبون من مصر جزية على النفوس وضرائب أخرى كثيرة العدد.. مما لاشك فيه أن ضرائب الروم كانت فوق الطاقة، وكانت تجري بين الناس على غير عدل) 

وهكذا اجتمع لمصر من الاضطهاد الديني، والاستبداد السياسي والاستغلال الاقتصادي ما شغلها بنفسها، وكدر عليها صفو حياتها، وألهاها عن كل مكرمة.

***

أشار (توماس) إلى بقعة أخرى في خارطة العالم القديم، وقال: هذه هي أوروبا، وهذه بالتحديد أقاليمها الشمالية الغربية.

قلت: أوروبا بلد الحضارة الراقية والطبيعة الفاتنة.. إنها بلادنا التي غذونا من لبانها.

قال: لقد كانت ـ في ذلك الحين ـ تتسكع في ظلام الجهل المطبق، والأمية الفاشية، والحروب الدامية.. يقول (Robert Briffault): (لقد أطبق على أوربا ليل حالك من القرن الخامس إلى القرن العاشر، وكان هذا الليل يزداد ظلاماً وسواداً، قد كانت همجية ذلك العهد أشد هولاً وأفظع من همجية العهد القديم، لأنها كانت أشبه بجثة حضارة كبيرة قد تعفنت، وقد انطمست معالم هذه الحضارة وقضي عليها بالزوال، وقد كانت الأقطار الكبيرة التي ازدهرت فيها هذه الحضارة وبلغت أوجها في الماضي، كإيطاليا وفرنسا، فريسة الدمار والفوضى والخراب)

***

أشار (توماس) إلى بقعة أخرى في خارطة العالم القديم، وقال: هذه آسيا الوسطى وهذا بالتحديد شرقها.

قلت: إنها بلد المغول والترك واليابانيين.

قال: لقد كانت هذه الشعوب ـ في ذلك الوقت ـ بين بوذية فاسدة، ووثنية همجية، لا تملك ثروة علمية، ولا نظاماً سياسياً راقياً، إنما كانت في طور الانتقال من عهد الهمجية إلى عهد الحضارة، ومنها شعوب لا تزال في طور البداوة والطفولة العقلية.

***

أشار (توماس) إلى بقعة أخرى في خارطة العالم القديم، وقال: هذه هي بلاد العرب، وهذه هي جزيرتهم.

قلت: إنها بلاد محمد، وقد امتازوا ـ في ذلك الحين ـ بأخلاق كادوا يتفردون بها، كالفصاحة وقوة البيان وحب الحرية والأنفة والفروسية والشجاعة والحماسة في سبيل العقيدة والصراحة في القول وجودة الحفظ وحب المساواة وقوة الإرادة والوفاء والأمانة.

قال: لكنهم ـ في ذلك الحين أيضا ـ ولشدة تمسكهم بدين آبائهم وتقاليد أمتهم أصيبوا بانحطاط ديني شديد، ووثنية سخيفة، قلما يوجد لها نظير في الأمم المعاصرة لهم.

بالإضافة إلى ذلك، فقد كان فيهم أدواء كثيرة متأصلة:

لقد كان شرب الخمر واسع الشيوع، شديد الرسوخ فيهم، يتحدث عن معاقرتها والاجتماع على شربها الشعراء، وقد شغلت جانباً كبيراً من شعرهم وتاريخهم وأدبهم، وكثرت أسماؤها وصفاتها في لغتهم، وكثر فيها التدقيق والتفصيل كثرة تدعو إلى العجب، وكانت حوانيت الخمارين مفتوحة دائماً.

قال قتادة: كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله فيقعد حزيناً سلبياً ينظر إلى ماله في يد غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضاً.

وكان أهل الحجاز، العرب واليهود، يتعاطون الربا، وكان فاشياً فيهم، وكانوا يجحفون فيه ويبلغون إلى حد الغلو والقسوة.

أما المرأة، فقد كانت في ذلك المجتمع عرضة غبن وحيف، تؤكل حقوقها وتُبْتز أموالها، وتُحرم إرثها، وتعضل بعد الطلاق أو وفاة الزوج من أن تنكح زوجاً ترضاه، وتورث كما يورث المتاع أو الدابة.

لقد ذكر القرآن كل ذلك مصححا له، ففي القرآن:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (النساء:19)

قال ابن عباس في تفسيرها: (كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضُهم تزوجها، وإن شاءوا زَوَّجُوها، وإن شاؤوا لم يُزَوِّجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك)([21])

وقد بلغت كراهة البنات إلى حد الوأد، وقد ذكره القرآن، ففيه:﴿ وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ(8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)﴾ (التكوير)، وفيه:﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾ (الاسراء:31)

وكانت العصبية القبلية والدموية شديدة جامحة، وكان شعارهم في ذلك قولهم (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) فكانوا يتناصرون ظالمين أو مظلومين.

قلت: لقد ورد في حديث محمد هذا الشعار!؟

قال: لقد قاله محمد مصححا له، فقد ورد في الحديث: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما)، قيل: كيف أنصره ظالما؟ قال: (تحجزه عن الظلم، فان ذلك نصره)([22]) 

استأنف توماس حديثه عن طبيعة العرب قائلا: وفوق ذلك كان الحرب والغزو مما طبعت عليه طبيعتهم العربية، وألهمتهم إياه معيشتهم البدوية، حتى صارت الحرب مسلاة لهم، قال قائلهم:

وأحياناً على بكر أخينا      إذا ما لم نجد إلا أخانا

لقد هانت عليهم الحرب وإراقة الدماء حتى كانت تثيرها حادثة ليست بذات خطر، فقد وقعت الحرب بين بكر وتغلب ابني وائل ومكثت أربعين سنة أريقت فيها دماء غزيرة، وما ذاك إلا لأن كليباً، وهو رئيس معدّ رمى ضلع ناقة البسوس بنت منقذ فاختلط دمها بلبنها، وقتل جساس بن مرة كليباً،واشتبكت الحرب بين بكر وتغلب.

ديانات:

التفت إلي توماس، وقال: هذه هي دول العالم.. وتلك هي حضارتها وانحطاطها.. لقد كانت أشبه شيء بتلك الشجرة قبل أن أعالجها بذلك الإكسير.

قلت: والأديان.. أين ذهبت الأديان؟.. وأين ذهب رجالها من الأحبار والرهبان؟

قال: لقد تحول الدين إلى تجارة لا تختلف عن سائر أنواع التجارة..

لقد ذكر القرآن هذا، ففيه:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (التوبة:34)

وقد دفعهم حبهم للمال وتعظيمهم له إلى تحريف الدين من أجله، كما في القرآن:﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة:79)

قلت: هذا النقد القرآني قد يصح مع اليهود.. ولكنه لا يصح أبدا عن المسيحية التي هي دين الزهاد والرهبان والعباد.

قال: اسمح لي أن أصارحك بموقفي من المسيحية..

قلت: لا بأس.. تحدث كما تشاء.

قال: لم تكن المسيحية في يوم من الأيام أهلا لخلاص الإنسان.

قلت: ما تقول؟.. والمسيحية هي الدين الوحيد في العالم الذي يصيح بالخلاص، ويستعمل مصطلح الخلاص.

قال: الخلاص الذي يصيحون به أقرب إلى الأسطورة منه إلى الحقيقة..

سكت قليلا، ثم قال بأسف([23]): لقد كان في المسيحية أثارة من تعليم المسيح كان يمكنها أن تخلص البشرية، لكن بولس جاء، فطمس نورها، وطعّمها بخرافات الجاهلية التي انتقل منها والوثنية التي نشأ عليها، وقضى قسطنطين على البقية الباقية، حتى أصبحت المسيحية مزيجاً من الخرافات اليونانية والوثنية الرومية والأفلاطونية المصرية والرهبانية، اضمحلت في جنبها تعليم المسيح البسيطة كما تتلاشى القطرة من اليم، وعادت نسيجاً خشبياً من معتقدات وتقاليد لا تغذي الروح، ولا تمد العقل ولا تشعل العاطفة، ولا تحل معضلات الحياة، ولا تنير السبيل، بل أصبحت بزيادات المحرفين، وتأويل الجاهلين، تحول بين الإنسان والعلم والفكر، وأصبحت على تعاقب العصور ديانة وثنية.

ثم ثارت حول الديانة، وفي صميمها مجادلات كلامية، وسفسطة من الجدل العقيم شغلت فكر الشعوب، واستهلكت ذكاءها، وابتلعت فدرتها العملية، وتحولت في كثير من الأحيان حروباً دامية وقتلاً وتدميراً وتعذيباً، وإغارة وانتهاباً واغتيالاً، وحولت المدارس والكنائس والبيوت معسكرات دينية متنافسة، وأقحمت البلاد في حرب أهلية.

وكان أشد مظاهر هذا الخلاف الديني ما كان بين مسيحيي الشام والدولة الرومية، وبين مسيحيي مصر، أو بين (الملكانية) و (المنوفيسية)

لقد كان شعار الملكانية عقيدة ازدواج طبيعة المسيح، وكان المنوفيسيون يعتقدون أن للسيد المسيح طبيعة واحدة، وهي الإلهية التي تلاشت فيها طبيعة المسح البشرية، كقطرة من الخل تقع في بحر عميق لا قرار له.

وقد اشتد الخلاف بين الحزبين في القرنين السادس والسابع، حتى صار كأنه حرب عوان بين دينين متنافسين، أو كأنه خلاف بين اليهود والمسيحيين، كل طائفة تقول للأخرى: (إنها ليست على شيء)

لقد ذكر القرآن هذا، ففيه:﴿ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (مريم:37)

لقد حاول الإمبراطور هرقل (610-641) بعد انتصاره على الفرس سنة 638 جمع مذاهب الدولة المتصارعة وتوحيدها، وأراد التوفيق بينها، وتقررت صورة التوفيق، وهي أن يمتنع الناس عن الخوض في الكلام عن كنه طبيعة المسيح، وعما إذا كانت له صفة واحدة، أم صفتان، ولكن عليهم بأن يشهدوا بأن الله له إرادة واحدة أو قضاء واحد.

وفي صدر عام 631 حصل وفاق على ذلك وصار المذهب المنوثيلي مذهباً رسمياً للدولة، ومن تضمهم من أتباع الكنيسة المسيحية، وصمم هرقل على إظهار المذهب الجديد على ما عداه من المذاهب المختلفة له متوسلاً إلى ذلك بكل الوسائل، ولكن القبط نابذوه العداء، وتبرأوا من هذه البدعة والتحريف، وصمدوا له واستماتوا في سبيل عقيدتهم القديمة.

وحاول الإمبراطور مرة أخرى توحيد المذاهب وحسم الخلاف، فاقتنع بأن يقر الناس بأن الله له إرادة واحدة، وأما المسألة الأخرى، وهي نفاذ تلك الإرادة بالفعل، فأرجأ القول فيه، ومنع الناس أن يخوضوا في مناظراتها، وجعل ذلك في رسالة رسمية، وبعث بها إلى جميع جهات العالم الشرقي، ولكن الرسالة لم تهدئ العاصفة في مصر ووقع اضطهاد فظيع على يد قيرس في مصر واستمر عشر سنين، وقع خلالها ما تقشعر منه الجلود، فقد كان الرجال يعذبون ثم يقتلون إغراقاً، وتوقد المشاعل وتسلط نارها عليهم حتى يسيل الدهن على الأرض، ويوضع السجين في كيس مملوء من الرمل ويرمى به في البحر.. إلى غير ذلك من الفظائع.

قلت: واليهود؟

ابتسم، وقال: ألا تعرف اليهود!؟.. إنهم وباء العالم وسرطانه القاتل، وقد كانوا في ذلك الوقت أضعب الأمم، فقد كانوا عرضة للاضطهاد والاستبداد، والنفي والجلاء، والعذاب والبلاء.

وقد أورثهم تاريخهم الخاص وما تفردوا به بين أمم الأرض من العبودية الطويلة والاضطهاد الفظيع والكبرياء القومية، والإدلال بالنسب، والجشع وشهوة المال وتعاطي الربا، أورثهم كل ذلك نفسية غريبة لم توجد في أمة وانفردوا بخصائص خلقية كانت لهم شعاراً على تعاقب الإعصار والأجيال، منها الخنوع عند الضعف، والبطش وسوء السيرة عند الغلبة، والختل والنفاق في عامة الأحوال، والقسوة والأثرة وأكل أموال الناس بالباطل.

وقد وصفهم القرآن في آيات كثيرة وصفاً دقيقاً عميقاً يصور ما كانوا عليه في القرنين السادس والسابع من تدهور خلقي، وانحطاط نفسي، وفساد اجتماعي، عزلوا بسببه عن قيادة العالم.

وقد تجدد في أوائل القرن السابع من الحوادث ما بغضهم إلى المسيحيين، وبغض المسيحيين إليهم وشوه سمعتهم، ففي السنة الأخيرة من حكم فوكاس (610 م) أوقع اليهود بالمسيحيين في أنطاكية، فأرسل الإمبراطور قائده (أبنوسوس) ليقضي على ثورتهم، فذهب وأنفذ عمله بقسوة نادرة، فقتل الناس جميعاً، قتلاً بالسيف، وشنقاً وإغراقاً وتعذيباً، ورمياً للوحوش الكاسرة.

قلت: والديانات الأخرى.. ورجالها.. ألم يكن فيهم من يصلح لإنقاذ البشرية؟

أشار توماس إلى بقعة من الأرض، وقال: هنا كانت تنتشر المجوسية.

قلت: ألم يكن في المجوسية ما يصلح لإنقاذ البشرية؟

قال: لقد جاء زرادشت، ودعا إلى التوحيد، وأبطل الأصنام([24])،  وقال: (إن نور الله يسطع في كل ما يشرق ويلتهب في الكون)، وأمر بالاتجاه إلى جهة الشمس والنار وساعة الصلاة، لأن النور رمز إلى الإله وأمر بعدم تدنيس العناصر الأربعة وهي: النار والهواء والتراب والماء.

وجاء بعده علماء سنوا للزرادشتيين شرائع مختلفة، فحرموا عليهم الاشتغال بالأشياء التي تستلزم النار، فاقتصروا في أعمالهم على الفلاحة والتجارة.

ومن هذا التمجيد للنار واتخاذها قبلة في العبادات تدرج الناس إلى عبادتها حتى صاروا يعبدونها عيناً ويبنون لها هياكل ومعابد، وانقرضت كل عقيدة وديانة غير عبادة النار وجُهلت الحقيقة ونسي التاريخ([25]).

ولما كانت النار لا توحي إلى عبّادها بشريعة ولا ترسل رسولاً، ولا تتدخل في شئون حياتهم ولا تعاقب العصاة والمجرمين أصبحت الديانة عند المجوس عبارة عن طقوس وتقاليد يؤدونها في أمكنة خاصة في ساعات خاصة، أما في خارج المعابد، وفي دورهم ودوائر حكمهم وتصرفهم، وفي السياسة والاجتماع، فكانوا أحراراً يسيرون على هواهم، وما تملي عليهم نفوسهم، أو ما يؤدي إليه تفكيرهم، أو ما توحي به مصالحهم ومنافعهم، شأن المشركين في كل عصر.

وهكذا حُرِم الفرس في حياتهم ديناً عميقاً جامعاً يكون تربية للنفس، وتهذيباً للخلق، وقامعاً للشهوات، وحافزاً على التقوى وفعل الخيرات، ويكون نظاماً للأسرة وتدبيراً للمنزل وسياسة للدولة، ودستوراً للأمة، ويحول بين الناس وطغيان الملوك، وعسف الحكام، ويأخذ على يد الظالم، وينتصف للمظلوم، وأصبح المجوس لا فرق بينهم وبين اللادينيين والإباحيين في الأخلاق والأعمال.

أشار إلى بقعة أخرى من العالم، وقال: هذه هي الصين القديمة، وهنا ـ وفي ذلك الزمان ـ كانت تنتشر ثلاث ديانات: ديانة (لا وتسو)، وديانة (كونفوشيوس)، والبوذية:

أما ديانة (لا وتسو)، فقد تحولت إلى ديانة وثنية في عهد قريب، فهي تُعني بالنظريات أكثر منها بالعمليات، وكان أتباعها متقشفين زاهدين، لا يتزوجون ولا ينظرون إلى المرأة، ولا يتصلون بها، فلم يكن لها أن تكون أُسّاً لحياة سديدة أو حكومة رشيدة، حتى التجأ الذين جاءوا بعد مؤسسها إلى مخالفته والعدول عنه إلى غيره.

أما (كونفوشيوس) فقد كان يعني بالعمليات أكثر من النظريات، ولكن انحصرت تعاليمه في شؤون هذه الدنيا وتدبير الأمور المادية والسياسية والإدارية، وقد كان أتباعه لا يعتقدون ـ في بعض الأزمنة ـ بعبادة إله معين، فيعبدون ما يشاءون من الأشجار والأنهار، وليس فيها نور من يقين ولا باعث من إيمان ولا شرع سماوي، وإنما هي حكمة حكيم وتجارب خبير، يستفيد بها الإنسان إذا شاء ويرفضها إذا شاء.

أما البوذية، فقد فقدت بساطتها وحماستها، وابتلعتها البرهمية الثائرة الموتورة، فتحولت وثنية تحمل معها الأصنام حيث سارت، وتبني الهياكل، وتنصب تماثيل بوذا  حيث حلت ونزلت.

وقد غمرت هذه التماثيل الحياة الدينية والمدنية التي ظهرت في عهد ازدهار البوذية.

ولم يزل وجود الإله الإيمان به في البوذية موضع خلاف وشك عند مؤرخي هذه الديانة ومترجمي مؤسسها، حتى يحار بعضهم ويتساءل: كيف قامت هذه الديانة العظيمة على أساس رقيق من الآداب التي ليس فيها الإيمان بالله، فلم تكن البوذية إلا طرقاً لرياضة النفس وقمع الشهوات، والتحلي بالفضائل، والنجاة من الألم، والحصول على العلم.

أشار إلى جزيرة العرب، وقال: في هذه المنطقة التي ولد فيها محمد لم يكن يعبد إلا التماثيل التي يصنعها الناس بأيديهم.

لقد كان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص، بل كان لكل بيت صنم خصوصي.

وقد استهترت العرب عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتاً، ومنهم من اتخذ صنماً، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجراً أمام الحرم، وأمام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت وسموها الأنصاب، وكان في جوف الكعبة وفي فنائها ثلاث مائة وستون صنماً، وتدرجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة جنس الحجارة.

وكان للعرب آلهة شتى غير هذه الأصنام من الملائكة والجن والكواكب، فكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله، فيتخذونهم شفعاء لهم عند الله ويعبدونهم ويتوسلون بهم عند الله، واتخذوا كذلك من الجن شركاء لله وآمنوا بقدرتهم وتأثيرهم وعبدوهم([26]).

أشار إلى مناطق أخرى، وقال: لم تكن الوثنية سائدة في بلاد العرب وحدها، بل كل هذه المناطق كانت لا تعرف دينا غير الوثنية المتطرفة.

لقد بلغت الوثنية أوجها في القرن السادس، فقد كان عدد الآلهة في (ويد) ثلاثة وثلاثين، وقد أصبحت في هذا القرن 330 مليون.

وقد أصبح كل شيء رائع، أو كل شيء جذاب، بل كل مرفق من مرافق الحياة إلهاً يعبد.

ولهذا جاوزت التماثيل والآلهة والإلاهات الحصر، وأربت على العد، فمنها أشخاص تاريخية، وأبطال تمثل فيهم الله في عهود وحوادث معروفة، ومنها جبال تجلى عليها بعض آلهتهم، ومنها معادن كالذهب والفضة تجلى فيها إله، ومنها نهر الكنج الذي خرج من رأس (مهاديو) الإله، ومنها آلات الحرب وآلات الكتابة وآلات التناسل وحيوانات أعظمها البقرة والأجرام الفلكية وغير ذلك، وأصبحت الديانة نسيجاً من خرافات وأساطير وأناشيد وعقائد وعبادات لم يستسغها العقل السليم في زمن من الأزمان.

وقد ارتقت صناعة نحت التماثيل في هذا العهد، وبلغت أوجها في القرن السادس والسابع، حتى فاق هذا العصر في ذلك العصور الماضية.

وقد عكفت الطبقات كلها، وعكف أهل البلاد من الملك إلى الصعلوك على عبادة الأصنام، حتى لم تجد الديانة البوذية والجينية منها بدا، وتذرعت هاتان الديانتان بهذه الوسيلة للاحتفاظ بحياتهما وانتشارهما في البلاد.

ولعل أشهر ديانة ارتبطت بذلك ديانات الهند منذ العهد القديم، فقد تناقلت الكتب الهندية، وتحدثت الأوساط الدينية عن ظهور صفات الإله، وعن وقوع الحوادث العظيمة وعن تعليل الأكوان روايات وأقاصيص عن اختلاط الجنسين من الآلهة وغارة بعضها على البيوت الشريفة تستك منها المسامع ويتندى لها الجبين حياء.

وتأثير هذه الحكايات في عقول المتدينين المخلصين المرددين لهذه الحكايات في إيمان وحماسة دينية وفعلها في عواطفهم وأعصابهم واضح، زاد إلى ذلك عبادتهم لآلة التناسل لإلههم الأكبر (مهاديو)، وتصويرها في صورة بشعة، واجتماع أهل البلاد عليها من رجال ونساء وأطفال وبنات.

أضف إلى ذلك ما يحدث به بعض المؤرخين من أن رجال بعض الفرق الدينية كانوا يعبدون النساء العاريات، والنساء يعبدن الرجال العراة.

وقد أصبح كثير من المعابد مواخير فساد، يترصد فيها الفاسق طلبته، وينال فيها الفاجر بغيته، وإذا كان هذا شأن البيوت التي رفعت للعبادة والدين، فما ظنك ببلاط الملوك وقصور الأغنياء!؟

إكسير الإسلام

بعد أن استعرض توماس من ذاكرته التاريخية ما كان عليه أهل العصر الذي ولد فيه محمد r من انحطاط وارتداد وسقوط، قال لي: في هذا الوضع الذي ذبلت فيه شجرة البشرية جاء الإكسير الذي أعاد لها الحياة.

قلت: تقصد الإسلام.

قال: أجل.. لقد جاء الإسلام بتلك القيم النبيلة.. ولم يكتف بأن يبشر بها في جزيرة العرب، بل راح ينشرها على العالم.

فقد كان من مزايا الإسلام الكبرى التي خولت له هذا الدور كونه دينا عالميا.. لا يدبن به قومية من القوميات.. ولا شعب من الشعوب.

قلت: لقد تم ذلك بحد السيف؟

قال: لقد فعل ذلك التاريخ، وليس الإسلام.. ذلك أنه يستحيل أن تحصل أي قناعة بالسيف.

الدعوة:

قلت: ولكن .. ما سر انتشار الإسلام مع كونه لم يستعمل أي شدة أو عنف في فرضه؟

قال: شيئان، كلاهما يطلق عليه الإسلام (الدعوة)

قلت: ما هما؟

قال: السلوك الطيب الذي أبداه المسلمون مع أهل البلاد التي دخلوا إليها، ووسائل الإقناع بالحجة والبراهين التي مارسوها.

قلت: فحدثني عنهما.

قال: أما في عهد محمد.. فقد كانت سيرة محمد الممتلئة بالطهارة والصدق والإيمان تجذب القلوب إليه جذبا.. فلذلك دخل الكثير إلى الإسلام بسبب سلوكه وأخلاقه وإيمانه وما كان له من الدلائل الكثيرة التي أرشدتهم إلى نبوته.

وأما في عهد من بعده.. فقد كان سلوك محمد الذي ورثه أتباعه وراحوا ينشرون طيبه هو السر في دخول الناس في الإسلام أفواجا.

لقد شهد أصدقاؤنا من المستشرقين للإسلام بهذا..

لقد قال أوليفر: (إن الإسلام لم يأخذ طريقه خلف الصحراء بإفريقية، إلا بعد انحلال دولته الكبرى في المغرب، وكانت وسيلة الإسلام لهذه البقاع هي الثقافة والفكر والدعوة، فانتشر الإسلام بين شعوب البربر، وقامت خلف الصحراء دول إسلامية لعبت في التاريخ دورا كبيرا)

وقال اللورد هدلي: (لا أظن أبدا أن المسلمين اجتهدوا في حين من الأحيان أن يحشوا أفكارهم ومعتقداتهم الدينية في حلوق الناس وصدورهم بالقوة أو الفظاعة أو التعذيب، ولم يشهر محمد السلاح إلا حين الحاجة القصوى لحماية البشرية، وإن أعداء الإسلام لأعجز من أن يأتوا بدليل أومثل من الأمثلة التي أثرت فيها الحرب على هداية قبيلة واحدة أو شخصواحد)

ويقول المسيو (هنري ديو كاستري)، وهو أحد حكام الجزائر الفرنسيين في كتابه عن الإسلام: (هكذا كانت تعاليم النبي محمد بعد أن دخل العرب في الإسلام، وقد اقتفى أثره خلفاؤه من بعده، وذلك يضطرنا الى القول بما قاله (روبنسون) قبلنا: أن شيعة محمد هم وحدهم الذين جمعوا بين محاسنة الأجانب، ومحبة انتشار دينهم، هذه العاطفة هي التي أثرت دفعتهم في سبيل الفتح وهو سبب لا حرج فيه... فنشر القرآن جناحيه خلف جيوشه الظافرة، وانقضوا انقضاض الصاعقة على افريقيا الشمالية من البحر الاحمر الى المحيط الاطلسي، ولم يتركوا أثرا للعنف في طريقهم، إلا ما كان لا بد منه في كل حرب، ولكنهم لم يبيدوا أمة قط أبت الإسلام)

أنا لم أكتف بالشهادات وحدها.. وإن كان لها تأثيرها الخطير في إبراز الحقائق..

ولكني رحت أتتبع مسيرة الدعوة الإسلامية في كل مراحلها.. وقد تبين لي ـ بعد البحث الطويل ـ أن الإسلام لم يكره في أي فترة من فترات تاريخه أي أحد في الدخول للإسلام..

حتى ما أظهر المتطرفون الذين يطلق عليهم المسلمون (الخوارج)، فقد كانوا مع شدتهم مع مخالفيهم من المسلمين متسامحين مع غيرهم من أهل الديانات الأخرى مما اضطر بعض المسلمين إلى التظاهر بالكفر حتى يحتموا منهم.

لقد كان حاديهم إلى ذلك ما ورد في القرآن من تأمين المخالفين، ففيه:﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)﴾(التوبة)

وقد روي أن واصل بن عطاء أقبل في رفقة فلقيهم ناس من الخوارج، فقالوا لهم: من أنتم؟ قال لهم واصل: مستجيرون حتّى نسمع كلام اللّه، فاعرضوا عليّنا. فعرضوا عليهم فقال واصل: قد قبلنا. قالوا: فامضوا راشدين، قال واصل: ما ذلك لكم حتى تبلغونا مأمننا. قال اللّه تعالى:﴿  وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾، فأبلغونا مأمننا)، فجاءوا معهم حتى بلغوا مأمنهم([27]).

سكت قليلا، ثم قال: تلك الآية تمثل حقيقة الدعوة في الإسلام.. وعلاقة السيف بها.

الإسلام ـ إذا استعمل السيف ـ لا يستعمله إلا ليوفر للمخالفين الجو المناسب الذي يتيح لهم أن يسمعوا القرآن.. هذه الآية تشير إلى ذلك.

ولهذا كان محمد يعطي الأمان لمن جاءه، مسترشدًا، ولو كان من المحاربين، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش، منهم: عروة بن مسعود، ومِكْرَز بن حفص، وسهيل بن عمرو، وغيرهم واحدًا بعد واحد، يترددون في القضية بينه وبين المشركين، فرأوا من إعظام المسلمين لمحمد ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم فأخبروهم بذلك، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم.

وقد استنتج الفقهاء من هذا أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة، أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية، أو نحو ذلك من الأسباب، فطلب من الإمام أو نائبه أمانًا، أعطي أمانًا ما دام مترددًا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه.

التفت إلي، وقال: قلب الطرف في جغرافية البلاد التي انتشر فيها الإسلام لتعلم أن الدعوة هي التي جذبت قلوب الناس للإسلام لا السيف..

فأكثر المسلمين في العالم ينتشرون في بلاد لم تطأها جيوش المسلمين..

لقد دخلت شعوب عظيمة في الإسلام دون أن تطأ أرضها جيوش المسلمين كشعوب جنوب شرقي آسيا التي انتشر فيها الإسلام على أيدي التجار والدعاة، وتفوق الإسلام في أندونيسيا، وتفوق على الديانات الكنفوشية والبوذية والمسيحية.

حتى المغول الذين اكتسحوا العالم الإسلامي فقتلوا وحرقوا ودمروا، نجدهم بعد ذلك يدخلون في الإسلام، وينضوون تحت لوائه، ويكونون من حماته.. لقد قلت في كتابي (الدعوة إلا الإسلام) أذكرهم: (لا يعرف الإسلا م بين ما ترك به خطوب وويلات خطبا أعنت قسوة من زوات المغول.. على أن الإسلام لم يلبث أن نهض من رقدته، وظهر بين الأطلال، واستطاع بواسطة دعاته أن يجذب هؤلاء الفاتحين البرابرة ويحملهم على اعتناقه)

أتدري السر في كل ذلك؟

قلت: ما سره؟

قال: تلك السماحة والسلام والنبل والترفع الذي ربى عليه محمد أتباعه.. لقد كانت البذور التي بذرها محمد في نفوس أتباعه، والتربية التي رباهم عليها هي السر في كل ذلك النجاح.

لقد أرسل البطريرك النسطورى الثالث إلى البطريرك (سمعان) زميله فى المجمع بعد ظهور الإسلام رسالة يقول فيها: (إن العرب الذين منحهم الرب سلطة العالم وقيادة الأرض أصبحوا معنا، ومع ذلك نراهم لا يعرضون النصرانية بسوء، فهم يساعدوننا ويشجعوننا على الاحتفاظ بمعتقداتنا، وإنهم ليجلون الرهبان والقسيسين، ويعاونون بالمال الكنائس والأديرة)

وقد قال المؤرخ العالمى (هـ. ج. ويلز) فى كتابه (معالم تاريخ الإنسانية): (لقد تم فى 125 عاماً أن نشر الإسلام لواءه من نهر السند إلى المحيط الأطلسى وإسبانيا، ومن حدود الصين إلى مصر العليا، ولقد ساد الإسلام لأنه كان خير نظام اجتماعى وسياسى استطاعت الأيام تقديمه، وهو قد انتشر لأنه كان يجد فى كل مكان شعوباً بليدة سياسياً: تسلب وتظلم وتخوف، ولا تعلم ولا تنظم، كذلك وجدت حكومات أنانية سقيمة لا اتصال بينها وبين أى شعب. فكان الإسلام أوسع وأحدث وأنظف فكرة سياسية اتخذت سعة النشاط الفعلى فى العالم حتى ذلك اليوم، وكان يهب بنى الإنسان نظاماً أفضل من أى نظام آخر)

لقد كان ذلك العدل الذي طالما حلمت الشعوب به هو السر الأكبر في انتشار الإسلام..

لقد فتح المسلمون مصر، وكان سكانها على دين المسيحية، فلم يكرههم المسلمون على اعتناق الإسلام، ولو كان هناك إكراه ما بقى الأقباط على دينهم حتى هذه اللحظة.

إنما أقام المسلمون العدل الذي أمرهم به دينهم، فردوا للأقباط كرامتهم الإنسانية المفقودة التى سلبهم إياها حكامهم الرومان، وهم على نفس الدين، ولكن على مذهب مخالف.

لقد كان الرومان يلهبون ظهور الأقباط بالسياط لمخالفتهم إياهم فى المذهب، فلا يتحرك الأقباط لرد العدوان، ولا يجدون ملجأ يلجئون إليه يمنحهم الحرية الاعتقادية ويمنحهم العدل والكرامة، فلما جاء المسلمون منحوهم كل ذلك.

سكت قليلا، ثم قال: لقد بحثت في تاريخ الدعوات، فلم أجد دعوة اكتملت، واكتمل لها من أسباب النجاج ما اكتمل لمحمد، ولدين محمد.

قلت: أنت وصلت لهذا.. وغيرك ربما وصل إلى غيره.

قال: كل الصادقين من الباحثين من أصحابنا المستشرقين ومن غيرهم وصلوا إلى ما وصلت إليه.. ولكن منهم من كسر الحواجز، فأقر، ومنهم من كسرته الحواجز، فسكت، أو شهد بما لم يعلم..

سأنقل لك بعض شهادات([28])من عرفتهم من المستشرقين الذين كانوا يبحثون عن المثالب قدر ما استطاعوا.. لكنهم لم يجدوا غير المناقب، فراحوا يشهدون بما علموا([29]):

لقد قال (رودي برت)، وهو من علماء ألمانيا المعاصرين: (كان العرب يعيشون منذ قرون طويلة في بوادي وواحات شبه الجزيرة يعيثون فيها فساداً،حتى أتى محمد ودعاهم إلى الإيمان بإله واحد خالق بارئ، وجمعهم في كيان واحد متجانس) 

ويقول (مارسيل بوازار)([30])، وهو مفكر، وقانونى فرنسى: (لم يكن محمد على الصعيد التاريخي مبشراً بدين وحسب، بل كان كذلك مؤسس سياسة غيرت مجرى التاريخ وأثرت في تطور انتشار الإسلام فيما بعد على أوسع نطاق)

ويقول (أرنولد توينبي)، وهو المؤرخ البريطاني الشهير: (لقد كرس محمد حياته لتحقيق رسالته في كفالة هذين المظهرين في البيئة الاجتماعية العربية، وهما: الوحدانية في الفكرة الدينية، والقانون والنظام في الحكم، وتم ذلك فعلاً بفضل نظام الإسلام الشامل الذي ضم بين ظهرانيه الوحدانية والسلطة التنفيذية معاً، فغدت للإسلام بفضل ذلك قوة دافعة جبارة لم تقتصر على كفالة احتياجات العرب، ونقلهم من أمة جهالة إلى أمة متحضرة، بل تدفق الإسلام من حدود شبه الجزيرة واستولى على العالم السوري بأسره من سواحل الأطلسي إلى شواطئ الأوراس)

 ويقول الدكتور م. ج. دوراني: (وأخيراً أخذت أدرس حياة النبي محمد، فأيقنت أن من أعظم الآثام أن نتنكر لذلك الرجل الرباني الذي أقام مملكة الله بين أقوام كانوا من قبل متحاربين لا يحكمهم قانون، يعبدون الوثن، ويقترفون كل الأفعال المشينة، فغيَّر طرق تفكيرهم، لا بل بدل عاداتهم وأخلاقهم، وجمعهم تحت راية واحدة وقانون واحد ودين واحد وثقافة واحدة وحضارة واحدة وحكومة واحدة، وأصبحت تلك الأمة التي لم تنجب رجلاً عظيماً واحداً يستحق الذكر منذ قرون، أصبحت تحت تأثيره وهديه تنجب ألوفاً من النفوس الكريمة التي انطلقت إلى أقصى أرجاء المعمورة تدعو إلى مبادئ الإسلام وأخلاقه ونظام الحياة الإسلامية، وتعلم الناس أمور الدين الجديد)  

ويقول (غوستاف لوبون)، وهو المؤرخ المعروف: (إنَّ هذا الكتاب (القرآن) تشريع ديني وسياسي واجتماعي).

ويقول (مونتجومري وات) عميد قسم الدراسات العربية في جامعة أدنبره سابقاً: (يعتبر القرآن قلاقل العصر نتيجة أسباب دينية بالرغم من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وأنه لا يمكن تقويمها إلا باستخدام الوسائل الدينية مثل كل شيء، وإنه لمن الجرأة الشك في حكمة القرآن نظراً لنجاح محمد في تبليغ الرسالة)

 ويقول العالم (مايكل هارت) الأمريكي الشهير: (إن محمداً كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والدنيوي.. إن هذا الاتحاد الفريد الذي لا نظير له للتأثير الديني والدنيوي معاً يخوله أن يُعْتَبَر أعظم شخصية ذات تأثير في تاريخ البشرية)

ويقول (إدوارد بروي)، وهو باحث فرنسي معاصر وأستاذ بهذه الجامعة: (عندما قبض النبي العربي عام 632م كان قد انتهى من دعوته، كما انتهى من وضع نظام اجتماعي يسمو كثيراً فوق النظام القبلي الذي كان عليه العرب قبل الإسلام، وصهرهم في وحدة قوية وهكذا تم للجزيرة العربية وحدة دينية متماسكة لم تعرف مثلها من قبل)

ويقول (فيليب حتي): (إذا نحن نظرنا إلى محمد من خلال الأعمال التي حققها فإن محمداً الرجل والمعلم والخطيب ورجل الدولة والمجاهد يبدو لنا بكل وضوح واحداً من أقوى الرجال في جميع أحقاب التاريخ، لقد نشر ديناً هو الإسلام، وأسس دولة هي الخلافة، ووضع أساس حضارة هي الحضارة العربية الإسلامية، وأقام أمة هي الأمة العربية، وهو لا يزال إلى اليوم قوة حية فعالة في حياة الملايين من البشر) 

ويقول (السير لنتجنستادير): (إن تاريخ الحكم الإسلامي يدحض ظنون بعض الغربيين من أن الإسلام لا يصلح لإقامة دولة تساس فيها الأمور على قواعد المصلحة الاجتماعية وحسن العشرة بين المسلمين وغير المسلمين، وأن مفكري الإسلام في جميع العصور بحثوا قواعد الحكم والعرف من الوجهة الفلسفية، وأخرجوا لأممهم مذاهب في السياسة والولاية تسمو إلى الطبقة العليا)

ويقول (إدوارد كيبون): (إن من عبقرية النبي العربي وفي خلال أمته وفي روح دينه أسباب انحلال الدولة الرومانية الشرقية وسقوطها، وإن أبصارنا لتتجه دهشة إلى ثورة من أعظم الثورات التي طبعت أمم الأرض بطابع خالد)  

ويقول (برناردشو) بأسلوبه الساخر: (إنَّ محمداً أصلح العالم وهو جالس يشرب قهوة في المدينة) 

ويقول (صامويل هنتغتون) المفكر الأمريكي في إحدى محاضراته: (لا آدم سميث ولا توماس جيفرسون سيفيان بالاحتياجات النفسية والعاطفية والأخلاقية للإنسان، ولا المسيح سيفي بها على المدى الطويل، محمد سينتصر)

التنوير:

قلت: وعيت هذا.. وأحسب أن كل من قرأ كتابك (الدعوة إلى الإسلام) سيعيه مثلما وعيته.

قال: لقد كتبت ذلك الكتاب في بداية بحثي عن الحقيقة.. وقد ذكرت فيه بعض ما ندمت عليه بعد ذلك([31]).. ولكن الحقيقة أعظم من أن يحتويها كتابي ذلك أو غيره.. إن الحقيقة أعظم من أن تحويها جميع كتب الدنيا.

قلت: لقد ذكرت لي الإكسير الذي استفاد منه من اهتدوا بهدي الإسلام، وانضموا تحت لوائه.. وبقينا نحن.. نحن الوحيدون.. أهل أوروبا.. الذين لم يصبنا إكسير الإسلام.. ولكنا مع ذلك من أكثر شعوب العالم تحضرا.

ابتسم، وقال: لولا إكسير الإسلام ما نال قومنا من الحضارة ما نالوا.. لولا الإسلام لظلت أوروبا في ظلمات القرون الوسطى.. أو لقضى بعضها على بعض.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد بحثت في هذا كما بحثت في غيره.. وسأعطيك خلاصة موجزة لأبحاثي في هذا المجال.

لقد قدم الإسلام لقومي خدمات لا يمكن إحصاؤها، وهي تشمل الجانبين: الدين والحياة.

الدين:

قلت: الدين!؟.. وما علاقة ديننا بإكسير الإسلام؟

قال: إن له علاقة وطيدة.. ليس بالمسيحية وحدها.. بل باليهودية أيضا..

وسأبدأ بتأثيره على اليهودية التي هم أم المسيحية الأولى..

لقد كان الإسلام والتعاليم العظيمة التي جاء بها سببا من أهم أسباب حركات التنوير التي حصلت في اليهودية([32]).. فقد انطلق دعاة حركة التنوير اليهودية من المنطلقات نفسها التي انطلقت منها حركة الاستنارة الغربية بكل محاسنها ومساوئها وبكل تعميماتها وتناقضاتها.

فقد أنكر دعاة التنوير ما تصوروه طفيلية اليهود وهامشيتهم، وهي سمات مرتبطة بالوظائف التقليدية لليهود ومسألة التجارة والربا، فطالبوا بضرورة تغيير ذلك حتى يمكن تحويل اليهود من عناصر هامشية منعزلة إلى عناصر منتجة مندمجة.

كما طالبوا بضرورة تشجيع اليهود على الاشتغال بالزراعة والحرف اليدوية.

ولم يكن للدعوة إلى تحديث وظائف اليهود وحرفهم ومهنهم مضمون اقتصادي وحسب، وإنما كان لها مضمون ثقافي ونفسي عميق، إذ كانت دعوة إلى أن يتحرك أعضاء الجماعة من مسام المجتمع كجماعة وظيفية وسيطة منعزلة لها ثقافتها الخاصة إلى نخاعه أو صلبه. فيصبحون مثل بقية أعضاء المجتمع، يتحدثون بلغته ويرتدون أزياءه وينتمون إليه ويدينون له وحده بالولاء.

وقد طالب هؤلاء التنويريون بأن تتم العملية التعليمية خارج الإطار الديني وأن تشمل الجماهير كلها وليس الأرستقراطية الفكرية وحدها من الحاخامات وغيرهم، كما طالبوا إخوانهم في الدين بأن يرسلوا أولادهم إلى المدارس غير اليهودية حتى يتقنوا كل الفنون العلمانية، مثل الهندسة والزراعة، وشجعوا ممارسة الأعمال اليدوية، كما دافعوا عن تعليم المرأة.

وبالفعل، بدأت المدارس اليهودية العلمانية تظهر، لأول مرة في تاريخ الجماعات اليهودية الأوربية، مع منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وافتُتحت أول مدرسة يهودية لتعليم المرأة في روسيا عام 1836. وكان دعاة التنوير يرون أن التعليم العلماني هو السـبيل إلى تحـديث اليهود ودمجهم وعلمنتهم.

وقد حاولوا أن يُدخلوا نزعة عقلانية على اليهودية، فأحيوا كتابات المفكر العربي (الإسلامي) المؤمن باليهودية موسى بن ميمون الذي كان يطالب منذ العصور الوسطى بإدخال التعليم غير الديني على الدراسات الدينية اليهودية.

ويُعَدُّ المفكر الألماني موسى مندلسون، الذي تأثر بأعمال موسى بن ميمون، أباً للتنوير اليهودي.

وقد صاغ موسى بن ميمون المبادئ الثلاثة عشر التي جعلها أساس الدين اليهودي وأركان الإيمان فيه على غرار أصول الإيمان في الإسلام، وأدرج فيها بعض أصول الإيمان الإسلامية مما لم يكن معروفًا في اليهودية من قبل أو مدرجًا في العهد القديم، كالاعتقاد بأن الله عالم، وبالثواب والعقاب في الآخرة، والاعتقاد في بعث الموتى.

وحدد مفهوم النبوة والمعجزة لأول مرة في اليهودية، وقد جاء إما متأثرًا بنظرية الفلاسفة المشائين كالفارابي وابن سينا، وإما متابعًا لجمهور علماء الإسلام في استدلالهم على هذه المعتقدات بالنصوص القرآنية.

وقد أقر ابن كمونة بعدم ذكر الثواب والعقاب الأخروي في التوراة وراح يعتذر عن ذلك ويحاول تسويغه، وهذا يؤكد اقتباس ابن ميمون هذه الأصول من الإسلام.

بالإضافة إلى هذا، فقد بدأ نقد التوراة، يقول (واكسمان) صاحب كتاب (الأدب اليهودي): (في القرن الحادي عشر دخلت الفلسفة اليهودية مرحلة جديدة متأثرة بالمؤلفات الفلسفية الإسلامية والأفكار الإسلامية، وكان من أثر هذا أن بدأ الشك في التلمود، وبدأت تظهر أفكار حرة، ولم يقتصر الهجوم والنقد الذي قام به القراءون والطوائف المتصلة بهم على التلمود، بل شمل الكتاب المقدس أعظم إنتاج عقلي في الدين اليهودي)([33])  

أما التأثير الإسلامي على المسيحية، فواضح لا شك فيه.

ولعل أهم هذه الآثار هو حماية الإسلام المسيحية من السقوط في حمأة الوثنية التي كان لا يفرق بينها وبينها إلا قاب قوسين أو أدنى.

قلت: إن ما تقوله غير صحيح.. فلم تقترب المسيحية في يوم من الأيام من رجس الوثنية.

وكيف تقترب من الوثنية، وكتابها المقدس يقول لها: (لا تصنع لك تمثالا منحوتا، ولا صورة ما مما في السماء من فوق، وما في الأرض من أسفل، وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن، ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك غيور) (سفر التثنية: 5: 8)

ويقول لها: (فاحذروا لأنفسكم جدا، فأنتم لم تروا صورة ما حين خاطبكم الرب في جبل حوريب من وسط النار. لئلا تفسدوا فتنحتوا لكم تمثالا لصورة ما لمثال رجل أو امرأة)(تثنية: 4: 15)

ويقول لها: (لا تصنعوا لكم أصناما، ولا تقيموا لكم تماثيل منحوتة، أو أنصابا مقدسة، ولا ترفعوا حجرا مصورا في أرضكم لتسجدوا له) (اللاويين: 26: 1)

هذه هي نصوص التوراة التي وردت في النهي عن عمل الصور والتماثيل وعن عبادتها، والسجود لها.. وأنت تعرف أن التوراة تعتبر كتابا مقدسا لدى المسيحيين، بالإضافة إلى أن العهد الجديد خال من أي دعوة لعبادة الأوثان.

قال: ولكن المسيحيين اقتبسوا هذه العبادة كما اقتبسوا غيرها.. بل كادت تصبح ديانة وثنية لولا أن حماها الله بالإسلام.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألا تسمع بالأيقونات([34])؟

قلت: بلى..

قال: ألم تسمع بأنه مر بها يوم من الأيام صارت تعبد فيه من دون الله؟

سكت، فقال: لقد جاء يوم على المسيحية عبدت فيه الصور والتماثيل، فلا تكاد تجد ديرا أو كنيسة إلا وهما ممتلئان بشتى الصور والتماثيل، للمسيح، ولمريم، والقديسين منهم، وهي موضع تقديسهم وعبادتهم.

وبالتتبع التاريخي لهذه الشعيرة نجد أنها لم تكن في أول أمرها كما هي عليه الآن، بل قد كانت نشأتها في البداية محدودة النطاق، ثم ما لبثت أن نمت تدريجيا، وانتشرت انتشارا واسعاً، ثم أصبحت من ضمن شعائر المسيحية، وذلك عن طريق مجامعهم.

هذا ليس كلامي.. بل إن الشهود من المسيحيين يثبتون هذا.. يقول المؤرخ المسيحي (ول ديورانت): (كانت الكنيسة أول أمرها تكره الصور والتماثيل، وتعدها بقايا من الوثنية، وتنظر بعين المقت إلى فن النحت الوثني الذي يهدف إلى تمثيل الآلهة، ولكن انتصار المسيحية في عهد قسطنطين، وما كان للبيئة والتقاليد والتماثيل اليونانية من أثر.. كل هذا قد خفف من حدة مقاومة هذه الأفكار الوثنية.

ولما تضاعف عدد القديسين المعبودين، نشأت الحاجة إلى معرفتهم وتذكرهم، فظهرت لهم ولمريم العذراء كثير من الصور، ولم يعظم الناس الصور التي يزعمون أنها تمثل المسيح فحسب، بل عظموا معها خشبة الصليب، حتى لقد أصبح الصليب في نظر ذوي العقول الساذجة طلسماً ذا قوة سحرية عجيبة.

وأطلق الشعب العنان لفطرته، فحول الآثار، والصور، والتماثيل المقدسة إلى معبودات، يسجد الناس لها، ويقبلونها، ويوقدون الشموع ويحرقون البخور أمامها، ويتوجونها بالأزهار، ويطلبون المعجزات بتأثيرها الخفي.

وفي البلاد التي تتبع مذهب الكنيسة اليونانية بنوع خاص، تستطيع أن ترى الصور المقدسة، في كل مكان، في الكنائس، والأديرة، والمنازل، والحوانيت، وحتى أثاث المنزل، والحلي، والملابس نفسها لم تخل منها.

وأخذت المدن التي تتهددها أخطار الوباء، أو المجاعة، أو الحرب، تعتمد على قوة ما لديها من الآثار الدينية أو على ما فيها من الأولياء والقديسين للنجاة من هذه الكوارث)

ولكنه ما إن انتشر الإسلام، وعم أرجاء المعمورة، وخاصة في القرن الثامن الميلادي، وعرفت تعاليمه لغير أهله ـ وما فيه من النهي عن اتخاذ الصور والتماثيل فضلا عن تقديسها ـ حتى بدأ بعض المنصفين من المسيحيين وأرباب السلطان في نبذ هذه البدعة والعمل على إزالتها.

ومن هؤلاء الإمبراطور (ليو الثالث)، الذي تشبعت نفسه بفكرة سرت إليه من المسلمين وغيرهم الذين ذموا عكوف جمهرة المسيحيين على تعظيم الصور والتماثيل في الكنائس وفي خارجها، فعقد مجلسا من الأساقفة وأصدر مرسوما عام (726م) يطلب فيه إزالة جميع الصور والتماثيل الدينية من الكنائس، وحرم تصوير المسيح والعذراء، وأمر بأن يغطي بالجص ما على جدران الكنائس من صور، لكن لم يقابل هذا المرسوم بالموافقة الجماعية، فكان أن عارضته الكنيسة، وثار عليه الشعب. واتفقوا على عزل (ليو) وطرده من الحكم.

واجتمع مجلس من أساقفة الغرب دعا إليه البابا (جريجوري الثاني)، وصب اللعنة فيه على محطمي الصور والتماثيل، إلا أن أولاد (ليو الثالث) ساروا على نهجه، منهم ابنه (قسطنطين الخامس 741 – 775م) حيث جمع هذا الإمبراطور مجلسا من أساقفة الشرق في القسطنطينية سنة (754م) قرر فيه بصفة قاطعة: تحريم اتخاذ الصور والتماثيل في العبادة، ووصفها بأنها عمل ممقوت، وحرم طلب الشفاعة من العذراء، وأمر بأن يمحى أو يدمر كل ما في الكنائس من صور وتماثيل.

وعلى هذا سار أحفاده من بعده حتى كان عام (787م) حيث دعت الإمبراطورة (إيريني) ـ التي كانت معاصرة لهارون الرشيد ـ رجال الدين في العالم المسيحي إلى عقد مجمع عام للبحث في مسألة (الصور والتماثيل)، واتخاذ قرار حاسم بشأنها. فاجتمع في مدينة نيقية عام (787م) حوالي (377) أسقفا، وأصدروا قرارا بتعظيم صور المسيح وأمه والقديسين، لا بعبادتها.

وجاء في قرار هذا المجمع ما يلي: (نحكم بأن توضع الصور ليس في الكنائس والأبنية المقدسة والملابس الكهنوتية فقط، بل في البيوت وعلى الجدران في الطرقات، لأننا إن أطلنا مشاهدة ربنا يسوع المسيح ووالدته القديسة والرسل، وسائر القديسين في صورهم، شعرنا بالميل الشديد إلى التفكير فيهم، والتكريم لهم، فيجب أن تؤدى التحية والإكرام لهذه الصور)

واستمر الحال هكذا، حتى قامت حركة الإصلاح الكنسي في القرن الخامس عشر الميلادي، وكان من مبادئها منع اتخاذ الصور والتماثيل في الكنائس والسجود لها متأثرين في ذلك بما رأوه من المسلمين عن طريق الحروب الصليبية.

بالإضافة إلى هذا، فقد ظهر لمقاومة هذه الظاهرة الخطيرة حركة تُسمَّى (أيكونوكلازم) (iconoclasm)، أي (تحطيم الأيقونات) أو (تحطيم الأوثان)، وقد ظهرت حول القسطنطينية في القرنين الثامن والتاسع تحت تأثير الإسلام.

لقد رأت هذه الحركة أن الأيقونات تشكل سقوطاً في الوثنية باعتبار أن كثيراً من المصلين أصبحوا يظنون أن الأيقونة هي نفسها الشخص المقدَّس المرسوم عليها.

وقد نجحت الحركة بشكل مؤقت إذ ظهر أباطرة معادون للأيقونات، وحتى بعد قمع الحركة، كان الفنانون البيزنطيون يحاولون الابتعاد عن التصوير الواقعي والميل نحو التجريد، وذلك حتى يبتعدوا عن التجسيم والتوثين.

ليس هذا فقط هو تأثير الإسلام في المسيحية..

فمن تأثيره فيها ما دعا إليه البروتستانت من حرية قراءة الكتاب المقدس، ورفض احتكار الكنيسة تفسيره، والتي فتحت الباب أمام حركة نقد الكتاب المقدس في الغرب، تلك الحركة المنهجية التي تدين بالفضل لعلماء الإسلام الذين كتبوا في الرد على هذا الاحتكار كابن حزم والغزالي والقرطبي وابن تيمية وابن القيم، وغيرهم.

لقد شهد قاموس (برتلس مان) لديانات العالم على تأثير الإسلام في المسيحية، فقال: (لقد أثَّر الإسلام تأثيرًا عظيمًا في العقيدة المسيحية والفلسفة، وقاد على سبيل المثال إلى نقاش جديد حول عبادة الصور وتقديسها في المسيحية)

الحياة:

قلت: وعيت كلامك في تأثير الإسلام في الإصلاح الديني.. فما تأثيره في إصلاح الحياة.. حياتنا نحن الأوروبيين؟

قال: لهذا أيضا بعض علاقة بالدين.. وبالخصوص بالكنيسة.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أنت تعلم أن الكنيسة كانت ذات سطوة عنيفة على كل مرافق الحياة فى أوروبا فى قرونها الوسطى المظلمة.. وكان سبب ذلك سيطرة الفساد الكامن فى الكنيسة على كل مرافق الحياة.

لقد أخطأ بعض قومنا، أو كثير منهم، فتصوروا أن الدين هو سبب ذلك التخلف، وسبب ذلك الظلام الذي غمر قروننا الوسطى بينما الدين بريء من ذلك..

لقد كان المسلمون في تلك العصور في أزهى فترات حياتهم مع كونهم كانوا ملتزمين بدينهم.

وقد ذكر التاريخ ـ الذى تكره أوروبا الاعتراف به إلا القلة المنصفة ـ أن أوروبا بدأت تخرج من ظلمات قرونها الوسطى المظلمة حين احتكت بالمسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها، سواء فى الحروب الصليبية، أو البعوث التى بعثتها للتعلم فى مدارس المسلمين فى الأندلس بصفة خاصة، وفى صقلية وغيرها من البلاد التى نورها الإسلام.

بل تذكر الروايات التاريخية أن رجال الدين المسيحى أنفسهم كانوا يتعاطون الثقافة الإسلامية فى تلك المدارس، أو فيما ينقل منها إلى اللغات الأوروبية، وأنهم كانوا يترقون فى مناصب الأكليروس بقدر ما يحصلون عليه من تلك الثقافة.

وقد قال روجر بيكون فى القرن الثالث عشر الميلادى: (من أراد أن يتعلم، فليتعلم العربية لأنها هى لغة العلم)

لقد وجدت أوروبا عندما احتكت بالمسلمين ـ في المواطن المختلفة التي أتيح لها أن تحتك بهم فيها([35]) ـ عالما عجيبا بالنسبة لها، ليس فيه بابورات، ولا رجال دين.. وليست فيه أسرار عقدية يختص بعملها فريق من الناس دون فريق.. وليس فيه نبلاء يستعبدون الناس فى إقطاعياتهم.. وليس فيه حجر على العقول أن تفكر، ولا حجر على العلم أن يبحث ويجرب وينشر أبحاثه على الناس.

قال (راندال) فى كتابه (تكوين العقل الحديث): (وبنوا ـ يقصد المسلمين ـ فى القرن العاشر فى أسبانيا حضارة لم يكن العلم فيها مجرد براعة فحسب، بل كان علما طبق على الفنون والصناعات الضرورية للحياة العملية، وعلى الإجمال كان العرب يمثلون فى القرون الوسطى التفكير العلمى والحياة الصناعية العلمية اللذين تمثلهما فى أذهاننا اليوم ألمانيا الحديثة)([36])  

وقال ليوبولد فايس ـ الذي بهره الإسلام، فأسلم، وتسمى محمد أسد ـ فى كتابه (الإسلام على مفترق الطرق): (إن العصور الوسطى قد أتلفت القوى المنتجة فى أوروبة.. كانت العلوم فى ركود، وكانت الخرافة سائدة، والحياة الاجتماعية فطرية خشنة إلى حد من الصعب علينا أن نتخيله اليوم، فى ذلك الحين أخذ النفوذ الإسلامى فى العالم ـ فى بادئ الأمر بمغادرة الصليبيين إلى الشرق، وبالجامعات الإسلامية الزاهرة فى أسبانيا المسلمة فى الغرب، ثم بالصلات التجارية المتزايدة التى أنشأتها جمهوريتنا جنوة والبندقية ـ أخذ هذا النفوذ يقرع الأبواب الموصدة دون المدنية العربية.

وأمام تلك الأبصار المشدوهة، أبصار العلماء والمفكرين الأوروبيين، ظهرت مدنية جديدة، مدنية مهذبة راقية خفاقة بالحياة، ذات كنوز ثقافية كانت قد ضاعت، ثم أصبحت فى أووربة من قبل نسيا منسيا، ولكن الذى صنعه العرب كان أكثر من بعث لعلوم اليونان القديمة.. لقد خلقوا لأنفسهم عالما علميا جديدا تمام الجدة.. لقد وجدوا طرائق جديدة للبحث وعملوا على تحسينها، ثم حملوا هذا كله بوسائط مختلفة إلى الغرب، ولسنا نبالغ إذا قلنا إن العصر العلمى الحديث الذى نعيش فيه لم يدشن فى مدن أوروبا النصرانية، ولكن فى المراكز الإسلامية: فى دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة)([37])

قلت: فكيف تسنى لأوروبا أن تتصل بالمسلمين، وتستفيد منهم، بالرغم مما كان بينهما من شحناء وبغضاء لا تزال أثارة منها إلى يومنا هذا؟

قال: لقد كانت لذلك طرق كثيرة.. وجسور ممتدة.. وأنت تعرف المسلمين.. فهم أكثر الناس طيبة ولو مع أعدائهم.

لقد كان من تلك الجسور التي وصلت أوروبا بالإسلام جسر الأندلس([38]).. أو إسبانية حالياً.. فالأندلس قطعة من أوروبة، تجاور فرنسا وهي قريبة من إيطاليا وإنكلترا وغيرها من الأقطار الأوروبية.

وقد أرسلت كثير من البلاد الأوروبية أبناءها على شكل بعثات ترعاها مستويات رسمية عالية، للدراسة في بلاد الأندلس.. وتصدى كثيرٌ منهم للقيام بعملية ترجمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي إلى اللاتينية وغيرها، وعلى رأس ذلك كله القرآن، وقد بدأوا بدراسة العلوم، واستمر الانتفاع مما لدى أهل الأندلس من علوم نظرية وفلسفية وعلوم مادية وتطبيقية طيلة وجود العرب في الأندلس.

وبذلك تعتبر المكتبة الإسبانية العامة في مدريد من المكتبات المهمة التي تحتوي على الكثير من المخطوطات العربية والإسلامية، التي تصدى الغرب لدراستها والانتفاع منها بعد نقلها إلى لغاتهم، وهكذا كانت بذور النهضة الأوروبية.

ومن تلك الجسور الحروب الصليبية التي وضعت الأوروبيين في مواجهة مباشرة مع الشرق وحضارته وعلومه، ورغم الإساءة في البداية إلى التراث العربي الإسلامي إذ حرق الصليبيون في أنطاكية عند الاستيلاء عليها الكثير من المخطوطات العربية الإسلامية، فقد التفت الأوروبيون إلى ضرورة الانتفاع من هذا التقدم الذي يشاهدونه، فنقلوا في سفنهم كل ما استطاعوا نقله من كتب، وأدوات، ومحاصيل يمكن زراعتها في بلادهم، حتى الحِرَف المختلفة نقلوها إلى بلادهم، ونشطوا في إقامة المعاهد والجامعات وتدريس كتب العرب المسلمين في جامعاتهم.

لقد بقي كتاب (القانون) في الطب لابن سينا يُدرّس في بروكسل ـ بلجيكا ـ حتى 1909م، ومثل ذلك كتب الجبر، والرياضيات، وعلوم الطب، والصيدلة، وعلم الحيل (الميكانيك)، والكيمياء، والنبات، كل ذلك انتقل إلى جامعاتهم، واستمر تدريس تلك الكتب لعدة قرون، وبذل علماؤهم جهوداً كبيرةً في الدراسة التطبيقية والتجريبية حتى وضعوا بلادهم على عتبة الحضارة الحديثة والمعاصرة، وعجّت معاجمهم بالمفردات والمصطلحات العربية الإسلامية العلمية، على اختلاف أنواعها مع شيء من تطويع هذه المفردات لإدخالها في لغتهم.

ومن تلك الجسور جسر صقلية وجنوب إيطاليا، فقد فتح العرب المسلمون صقلية في العهد العباسي، وحيثما حلّ العرب حلّت معهم رسالتهم وعلومهم.

وحتى عندما غادر العرب جنوب إيطاليا وصقلية على يد روجر النورمندي، حرص روجر على تشجيع العرب المسلمين للبقاء في صقلية، وذلك لعلمه بغزارة علومهم وعظمة حضارتهم، ومنهم الشريف الإدريسي الذي رسم العالم المعروف لديه على لوح من الفضة وأهداه للملك، كما أهداه كتاباً في الجغرافية هو (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق)([39])

كما شجع روجر ترجمة العلوم العربية الإسلامية إلى لغتهم، وسار على نهجه من بعده، أمثال فريدريك ملك صقلية، الذي بشّر بالحضارة الإسلامية في أوروبة، وبنى مدرسة للطب في سالرنو، وأسس جامعة نابولي.. وهكذا وجدت الحضارة العربية الإسلامية طريقاً ثالثاً سلكته إلى أوروبة.. فكانت ولادة الحضارة الأوروبية.

قلت: ولكن الأوروبيين اليوم ينكرون ذلك أعظم إنكار؟

قال: دعهم ينكروا.. فلا خير فيمن ينكر خير غيره..

ومع ذلك، فليس كل الأوروبيين بذلك الحقد.. لقد كان هناك علماء منصفون شهدوا بتأثير الحضارة الإسلامية العظيم في أوروبا وحياة أوروبا ونهضة أوروبا.

ومنهم المؤرخ الفرنسي المعروف (جوستاف لوبون) الذي تناول في كتابه (حضارة العرب) تأثير حضارة الإسلام في الغرب وأرجع فضل حضارة أوربا الغربية إليها وقال: (إن تأثير هذه الحضارة بتعاليمها العلمية والأدبية والأخلاقية عظيم، ولا يتأتى للمرء معرفة التأثير العظيم الذي أثره العرب في الغرب الا إذا تصور حالة أوربا في الزمن الذي دخلت فيه الحضارة)([40])  

وقد ذكر في كتابه هذا بأن عهد الجهالة قد طال في أوربا العصور الوسطى، وأن بعض العقول المستنيرة فيها لما شعرت بالحاجة إلى نفض الجهالة عنها، طرقت أبواب العرب يستهدونهم ما يحتاجون إليه، لأنهم كانوا وحدهم سادة العلم في ذلك العهد.

ويقرر لوبون أن العلم دخل أوربا بواسطة الأندلس وصقلية وإيطاليا، وأنه في سنة 1120م أنشئت مدرسة للترجمة في طليلة بالأندلس بعناية (ريمولة) رئيس الأساقفة، وأن هذه المدرسة أخذت تترجم إلى اللاتينية أشهر مؤلفات المسلمين، ولم يقتصر هذا النقل على كتب الرازي وابن سينا وابن رشد فحسب بل نقلت اليها كتب اليونان التي كان العرب قد نقلوها إلى لسانهم.

ويضيف لوبون أن عدد ما ترجم من كتب العرب إلى اللاتينية يزيد على ثلثمائة كتاب.

وهو يؤكد فضل العرب على الغرب في حفظ تراث اليونان القديم بقوله: (فإلى العرب، وإلى العرب وحدهم، لا إلي رهبان القرون الوسطى ممن كانوا يجهلون حتى وجود اللغة اليونانية، يرجع الفضل في معرفة علوم الأقدمين، والعالم مدين لهم على وجه الدهر لإنقاذهم هذا الكنز الثمين، وأن جامعات الغرب لم تعرف لها، مدة خمسة قرون، موردًا علميًا سوى مؤلفاتهم وأنهم هم الذين مدنوا أوربا مادة وعقلاً، وأخلاقًا، وأن التاريخ لم يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير، وأنه لم يفوقهم قوم في الإبداع الفني)([41])  

وأكد لوبون أثر الاسلام وأثر حضارته في كل بلد استظلت برايته قائلاً: (كان تأثير العرب في عامة الأقطار التي فتحوها عظيمًا جدًا في الحضارة، ولعل فرنسا كانت أقل حظاً في ذلك، فقد رأينا البلاد تتبدل صورتها حينما خفق علم الرسول الذي أظلها بأسرع مايمكن، ازدهرت فيها العلوم والفنون والآداب والصناعة والزراعة أي ازدهار)([42])  

وأشاد لوبون بفضل العرب في نشر العلوم وفتح الجامعات في البلاد التي استظلت برايتهم فيقول: (ولم يقتصر العرب على ترقية العلوم بما اكتشفوه، فالعرب قد نشروها، كذلك بما أقاموا من الجامعات وما ألفوا من الكتب، فكان لهم الأثر البالغ في أوربا من هذه الناحية، ولقد كان العرب أساتذة للأمم المسيحية عدة قرون، وأننا لم نطلع على علوم القدماء والرومان الابفضل العرب، وأن التعليم في جامعاتنا لم يستغن عما نقل إلى لغاتنا من مؤلفات العرب)([43])  

ومن الشهداء المنصفين الفيلسوف الفرنسي (رينيه جينو)، الذي أسلم، وتسمى (عبد الواحد يحيى)، فقد قال: (والأثر الواضح الذى يثبت لنا انتقال المؤثرات الثقافية من المسلمين إلى أوربا هو تلك الكلمات العربية الأصل التي تستعمل لنقل الأفكار وإظهار ما تكنه النفوس، فإن من السهل علينا أن نستنتج انتقال تلك الأفكار والآراء الإسلامية نفسها، وفي الحق أن تأثير الحضارة الإسلامية قد تناول إلى درجة بعيدة، وبشكل محسوس كل العلوم والفنون والفلسفة وغير ذلك، وقد كانت إسبانيا مركز الوسط إلهام الذي انتشرت منه تلك الحضارة، فالكيمياء احتفظت دائما باسمها العربي، وعلم الفلك أكثر اصطلاحاته الخاصة ماتزال محتفظة في كل اللغات الأوربية بأصلها العربي، كما أن كثيرا من النجوم مايزال علماء الفلك في كل الأمم يطلقون عليها أسماء عربية، ومن السهل جدًا أن نوضح أن كثيرًا من المعارف الجغرافية عرفت من الرحالة العرب الذين جابوا كثيرًا من  الأقطار وحملوا معهم معلومات جمة.. وإننا لنجد أثر الثقافة الإسلامية في الرياضيات أكثر وضوحًا، وهذا علم الحيوان الذي يسهل علينا من اسمه العربي أن نعرف طريق انتقاله إلى الغرب، كما أن الأرقام الحسابية التي يستعملها الأوربيون هي نفس الأرقام التي استعملها العرب، وأن كثيرًا من المعاني التي جادت بها قرائح الكتاب والشعراء المسلمين أخذت واستعملت في الأدب الغربي، كما نلاحظ أن أثر الثقافة الإسلامية واضح كل الوضوح وبصفة خاصة في فن البناء وذلك في العصور الوسطى.      

ولم تكن هناك وسيلة لتعرف أوربا الفلسفة اليونانية الا عن طريق الثقافة الإسلامية، لأن التراجم اللاتينية لأفلاطون وأرسطو لم تنقل أو تترجم من الأصل اليوناني مباشرة، وإنما أخذت من التراجم العربية، وأضيف إليها ماكتبه المعاصرون المسلمون مثل ابن رشد وابن سينا في الفلسفة الإسلامية.

ويختم رينيه جينو شهادته بقوله: (هذا جزء من كل من أثر الثقافة الإسلامية في الغرب، ولكن الغربيين لايريدون أن يقولوا به لأنهم لا يريدون الاعتراف بفضل الشرق عليهم، ولكن الزمن كفيل بإظهار الحقائق)([44])  

ليس العلماء وحدهم هم الذين شهدوا لفضل الإسلام على الغرب.. هناك ساسة منصفون شهدوا له أيضا.. ففي مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي، ظهر كتاب (توكيد الذات الأوربية: آفاق القرن الحادي والعشرين) للمستشار الألماني  هيلموت شميت، وقد وضح فيه مساهمة الثقافة الإسلامية العربية في روافد الثقافة الأوربية، وضرورة الإسلام في تطور أوروبا مستقبلاً.

وقد أفرد لهذه النقطة عشر صفحات في كتابه الذي يقع في 255صفحة، وهو يقول في ختام معالجة هذه النقطة: (خلال القرن الجديد سيصبح الجوار الجديد مع الإسلام أحد الشروط الأساسية لتأكيد الذات الأوربية والحفاظ عليها، ومن المحتمل أن يعتمد إحلال السلام والاستقرار في أوروبا على هذا الشرط)

في حفل تكريم المستشرقة الألمانية (آنا ماري شميل) وتسليمها جائزة السلام من (رابطة الكتاب الألمان)، في 10/1/1995م، لمناصرتها الفكر الإسلامي، ودعوتها إلى فهمه وتغيير الصورة الشوهاء التي شكلها الإعلام الأوربي عن الإسلام والمسلمين، ألقى الرئيس الألماني (رومان هوتسوج) كلمة دعى فيها إلى أهمية فهم الإسلام فهماً صحيحاً، وأشاد فيها بالتنوير الإسلامي الذي حفظ للغرب ـ قبل ستة أو سبعة قرون ـ أجزاء عظيمة من التراث القديم

وقال الرئيس الألماني: (هل يجوز لنا أن نصنف المسلمين الأتقياء مع (الأصوليين الإرهابيين) فقط لمجرد افتقادنا نحن للإحساس السليم تجاه استهزاء بالمشاعر الدينية للآخرين، أو لكوننا لم نعد قادرين على التعبير عن هذا الإحساس السليم)

وفي الختام دعا الرئيس الألماني إلى فهم الإسلام فهماً صحيحاً لتحديد موقف آخر منه غير الموقف الذي بنى على الجهل به.

بالإضافة إلى هؤلاء ألقى الأمير تشارلز (ولى عهد بريطانيا) خطاباً في قسم الدراسات الإسلامية بإحدى الجامعات البريطانية في بدايات النصف الثاني من تسعينات القرن العشرين الميلادي، تحدث فيه عن جوانب في علاقة الغرب بالإسلام ودعا إلى ضرورة التعاون بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، وأهمية التواصل فيما بينهما، ونبذ ما تركته الحروب الصليبية في العالم الإسلامي من آثار سيئة لا تزال متبقية في النفوس.

وقد أشار إلى وجود نقاط اتفاق بين الإسلام والغرب أكثر من وجود نقاط اختلاف فيما بينهما، وانتقد الصورة الشوهاء التي يروجها البعض، فيقول: (والكثيرون في الغرب يرون الإسلام على أنه حرب أهلية دامية في الشرق الأوسط، وأصولية إسلامية إن حكمنا قد شابه التشوه لاعتبار أن التطرف هو القاعدة، ويظن الكثيرون أن أحكام الشريعة غير عادلة، ولكن ينبغي أن نتدارس تطبيقاتها قبل أن نصدر أحكاماً.. إن هناك عدداً من الدول الإسلامية أعطت حق التصويت للمرأة في نفس الوقت مع أوروبا، كما أن النساء المسلمات لا يعتبرن مواطنات من الدرجة الثانية) 

ولم يتوقف إنصاف الأمير تشارلز للإسلام عند هذا الحد، بل أكد فضل الإسلام والحضارة الإسلامية على أوروبا في نهضتها الحديثة، وقال بصراحة: (كثير من السمات التى تفخر بها أوروبا الحديثة جاءت إلينا من الأندلس.. إن الإسلام جزء من ماضينا ومن حاضرنا)

وأخذ الأمير في خطابه يلح على الحوار بين الإسلام (يقصد المسلمين) والغرب ويوضح أهمية اتسام هذا الحوار بالصبر، ويقول: (لكن ذلك يتطلب جهدا ًشاقاً لكي يفهم بعضنا الآخر، ولكي نتمكن من إبعاد شبح الخوف والتشكك)

كما دعا الأمير تشارلز في كلمة ألقاها في مؤتمر سنوي للخارجية البريطانية بمـــركز (ويلتون بارك) بلندن، في عام 1997م، رجال الدين من بني جنسه، وكذلك خبراء الاقتصاد، إلى الاستعانة بالمسلمين في حماية القيم لدى الصغار، وقال: (في كل أنحاء العالم يمكننا أن نجد من يريد تعلم الإنجليزية، لكننا هنا في الغرب نحتاج إلى التعلم على أيدي مدرسين مسلمين كيف نتدبر الأمور مرة أخرى، بقلوبنا لا بعقولنا فقط)

كما أردف قائلاً: (إننا في الغرب يمكننا الاستفادة من الرسالة الإسلامية في اكتشاف جذور مفاهيمنا الحالية التي ندين فيها للقيم الإسلامية التي تحترم الطبيعية الثابتة للقوانين الطبيعية)

قلت: ذكرت لي الجسور التي كانت صلة وصل بيننا وبين المسلمين، وذكرت لي الشهادات المنصفة التي تثبت حصول ذلك التأثير، ولم يبق إلا أن تحدثني عن نماذج عن بعض ذلك التأثير.. فالنماذج هي التي تحدد المدى الذي وصل إليه التأثير.

قال: لا يمكنني في هذا المجلس أن أعدد لك إلا بعض النماذج التي يظهر فيها أثر المسلمين علينا.. وكل نموذج منها سيل من السيول تكونت بعده أنهار كثيرة لا نزال نستقي منها.

 لقد كان تأثير الثقافة الإسلامية على أوربا تأثيرًا عميقًا في شتى نواحى الحياة.. وسأختار لك منها ما يرتبط بالمعارف والعلوم والفنون:

ففي الأدب.. قامت صلة وثيقة بين طائفة من عباقرة الشعر في أوربا بأسرها، خلال القرن الرابع عشر الميلادي وما بعده، وموضوعات الأدب العربي والثقافة الإسلامية على وجه لايقبل التشكيك.

ومن هؤلاء (بوكاشيو) و(بترارك) و(دانتي) وهم من أعلام النهضة الايطالية، و(شسر) الكاتب الانجليزي الشهير، و(سرفانيتس) الإسباني، وإلى هؤلاء يرجع التأثير البارز في قيام النهضة الأدبية في أوربا.

ففي عام 1346م كتب بوكاشيو حكاياته التي سماها (الليالي العشرة)، وحذا فيها حذو ليالي ألف ليلة وليلة، التي كانت منتشرة حكاياتها في مصر والشام، وقد ضمن حكاياته مائة حكاية على غرار ألف ليلة وليلة، وأسندها إلى سبع من السيدات وثلاثة من الرجال الذين اعتزلوا في بعض ضواحي المدينة فرارا من مرض الطاعون، وفرضوا على كل منهم حكاية يقصها على أصحابه في كل صباح لقضاء وقت الفراغ، وقد ملأت هذه الحكايات أقطار أوربا، واقتبس منها الكاتب الإنجليزي (وليم شكسبير) موضوع مسرحية (العبرة بالخواتيم)، واقتبس منها (ليسينج) الألماني مسرحية (ناتان الحكيم).

وكان شوسر إِمام الشعر الحديث في اللغة الإنجليزية من أكبر المقتبسين من بوكاشيو في زمانه، لأنه التقى به حين زار إيطاليا، ونظم بعد ذلك قصصه المشهورة باسم (قصص كانتربري)

وكانت صلة دانتي([45]) بالثقافة الإسلامية وثيقة، لأنه أقام في صقلية في عهد الملك فردريك الثاني، الذي درس الثقافة الإسلامية في مصادرها العربية الأصيلة، وقد لاحظ أحد المستشرقين أن الشبه قريب جدًا بين وصف الجنة في كلام الصوفي الكبير محي الدين بن عربي (1164-1240م) في مؤلفه الكبير (الفتوحات المكية) وأوصاف دانتي لها في الكوميديا الالهية.

وقد كان دانتي يعرف شيئا غير قليل من سيرة محمد، فاطلع على الأرجح من هذا الباب على قصة الإسراء والمعراج ومراتب السماء، ولعله اطلع على رسالة الغفران لأبي العلاء المعرى، واقتبس من كل هذه المصادر معلوماته عن العالم الآخر التي أوردها في الكوميدا الالهية، وأكبر القائلين بالاقتباس على هذا النحو هو عالم من أمة الأسبان انقطع للدراسات العربية، وهو الأستاذ آسين بالسيوس([46]).

وقد عاش بترارك في عصر الثقافة الإسلامية بإيطاليا وفرنسا، ودرس العلم بجامعتي مونبلييه وباريس بفرنسا وكلتاهما قامتا على تلاميذ علماء المسلمين في الجامعات الأندلسية.

أما سرفانتيس فقد عاش في الجزائر بضع سنوات وألف كتابه (دون كيشوت) بأسلوب لا يشك من يقرأه في اطلاع كاتبه على العبارات العربية والأمثال التي لاتزال شائعة بين العرب حتى هذه الأيام. وقد جزم برسكوت صاحب الاطلاع الواسع على تاريخ الأسبان بأن فكاهة (دون كيشوت) كلها أندلسية في اللباب.

أما عن الشعر، فقد ذكر دانتى أِنّ الشعر الايطالي ولد في صقلية بفضل الشعر العربي وبتأثير منه، ولقد شاع نظم الشعر بالعامية في إقليم بروفانس في جنوب فرنسا، وانتشر الشعر في ذلك الإقليم على يد الشعراء الجوالين الذين عرفوا باسم (التروبادور) وواضح أن الأوربيين اشتقوا هذا الاسم من كلمة طروب العربية، وقد وجدت في أشعار الأوربيين بشمال الأندلس كلمات عربية وأشارات لعادات إسلامية.

والشعر العربي الأندلسي في الموشحات والزجل كان السبب في نشأة الشعر الأسباني نفسه، والزجل يكون عادة باللغة الدارجة، بينما يكون الموشح بالعربية الفصحى، وهذان اللونان من النظم من ابتكار أهل الأندلس، وهما اللذان أثرًا في نشأة الشعر الأوربي، وقد أثبت الباحثون انتقال بحور الشعر الأندلسي والموسيقي العربية إلى أوربا.

وامتد التأثير العربي في نشأة الشعر الأوربي إلى بعض الموضوعات كالمغامرات، وطريقة علاج هذه الموضوعات، كما يتمثل هذا في فكرة الحب العذري التي تسود الغزل في الشعر البروفنسالي، فإنه يرتد إلى الشعر الأندلسي، وأزجال ابن قزمان، وقد عرض فكرة الحب العذري، ابن حزم في كتابه (طوق الحمامة).

أما في مجال القصة الأوربية، فنجد أن هذه القصة تأثرت في نشأتها بما كان عند العرب من فنون القصص في العصور الوسطى وهي: المقامات، وأخبار الفروسية، وأمجاد الفرسان مغامراتهم لإحراز المجد أو في سبيل الحب.

وترى طائفة من النقاد الأوربيين أن رحلات (جليفر) التي ألفها سويفت، ورحلة (روبنسون كروزو) التي ألفها ديفوى، تدين لقصص ألف ليلة وليلة، ولرسالة حى بن يقضان التي ألفها الفيلسوف الأندلسي المسلم ابن الطفيل، وقد وضح أنه كان لترجمة ألف ليلة وليلة إلى اللغات الأوربية أول القرن الثاني عشر أثر عظيم وبالغ الخطورة على الأدب الأوربي.

ولم تنقطع الصلة بين الأدب الإسلامي والآداب الأوربية الحديثة حتى اليوم،  ويكفي لبيان الأثر الذي أبقاه الأدب الإسلامي في آداب الأوربيين أننا لا نجد أديبا واحدا من نوابغ الأدباء عندهم قد خلا شعره أو نثره من الإشارة إلى بطل إسلامي، أو نادرة إسلامية، ومن هؤلاء: شكسبير، أديسون، بايرون، سودى، كولردج، شيلي من أدباء الإنجليز، ومن أدباء الألمان، جيته، هرور، وليسنج، ومن أدباء فرنسا: فولتير، لافونتين.

وقد صرح لافونتين باقتدائه في أساطيره التي ألفها بكتاب (كليلة ودمنة) الذي عرفه الأوربيون عن طريق المسلمين.

وقد ذكر (ألفارو القرطبي) اهتمام أهل الأندلس من المسيحيين بالآداب العربية، فقال: (يطرب إخواني المسيحيون بأشعار العرب وقصصهم، فهم يدرسون كتب الفقهاء والفلاسفة المحمديين لا لتفنيدها، بل للحصول علي أسلوب عربي صحيح رشيق، فأين تجد اليوم علمانيا يقرأ التعليقات اللاتينية علي الكتب المقدسة؟ وأين ذلك الذي يدرس الإنجيل وكتب الأنبياء والرسل؟ وأسفاه! إن شباب المسيحيين الذين هم أبرز الناس مواهب، ليسوا علي علم بأي أدب ولا أية لغة غير العربية، فهم يقرأون كتب العرب ويدرسونها بلهفة وشغف، وهم يجمعون منها مكتبات كاملة تكلفهم نفقات باهضة ن وإنهم ليترنمون في كل مكان بمدح تراث العرب. وإنك لتراهم من الناحية الأخري يحتجون في زراية إذا ذكرت الكتب المسيحية بأن تلك المؤلفات غير جديرة بالتفاتهم، فواحر قلباه! لقد نسب المسيحيون لغتهم، ولا يكاد يوجد منهم واحد في الألف قادر علي إنشاء رسالة إلي صديق بلاتينية مستقيمة! ولكن إذا استدعي الأمر كتابة العربية ن فكم منهم من يستطيع أن يعبر عن نفسه في تلك اللغة بأعظم ما يكون من الرشاقة، بل لقد يقرضون من الشعر ما يفوق في صحة نظمه شعر العرب أنفسهم)([47])  

أما في الفلسفة، فقد كان أثر المسلمين في التفكير الفلسفي لأوربا عظيمًا، وكانت أسبانيا هي مركز تأثير الفلسفة الإسلامية على الفكر الأوربي الغربي، لأن أوربا لم تعرف فلاسفة الشرق إلا عن طريق الأندلس حيث أشرف ريموند أسقف طليطلة على ترجمة أعمال الفارابي وابن سينا والغزالي وغيرهم.

والمسلمون هم الذين حفظوا فلسفة كبار فلاسفة اليونان وعلى ما سطروه في كتبهم وبخاصة أرسطو وأوصلوا هذا التراث إلى الغرب، فاتصال العقلية الأوربية الغربية بالفكر العربي هو الذي دفعها لدراسة الفلسفية اليونانية.

وقد قرر روجر بيكون أن معظم فلسفة أرسطو ظلت عديمة الأثر في الغرب لضياع المحفوظات التي حوت هذه الفلسفة أو لندرتها وصعوبة تذوقها حتى ظهر فلاسفة المسلمين الذين قاموا بنقل فلسفة أرسطو وشرحها وعرضها على الناس عرضًا شاملاً.

ومن فلاسفة الأندلس الذين كان لهم أعمق الأثر في الفكر الأوربي، ابن باجه، وابن الطفيل، وابن رشد.

ويعد ابن رشد الشارح الأعظم لفلسفة أرسطو، وكان أول من أدخل فلسفته إلى أوربا (ميخائيل سكوت) سنة 1230م، ولم يأت منتصف القرن الثالث عشر حتى كانت جميع كتب هذا الفيلسوف قد ترجمت إلى اللاتينية، ولم ينتصف القرن الخامس عشر حتى صار ابن رشد صاحب السلطان المطلق في كلية بارو بإيطاليا والمعلم الأكبر دون منازع([48]).

ويبدو أثر ابن رشد واضحًا في خروج كثير من الغربيين على تعاليم الكنيسة وتمسكهم بمبدأ الفكر الحر وتحكيم العقل على أساس المشاهدة والتجربة.

وقد ظهر أثر آراء ابن رشد واضحًا في فلسفة القديس توما الأكويني (1125-1274م) حتى أن الفصول التي كتبها توما في العقل والعقيدة وعجز العقل عن إدراك الأسرار الإلهية ليست إلا مقابلاً لما كتبه ابن رشد في باب (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة ومن الاتصال)

وبلغ تأثر توما بفلسفة ابن رشد أن كتاب (الخلاصة) لتوما يحوي بعض مذاهب إسلامية الأصل، مما يثبت أن الأثر الذي تركه ابن رشد في عقلية الغرب لم يكن مجرد شروح كتابات أرسطو، وإنما كان أبعد وأعمق من ذلك بكثير([49]).

ويعد الفيلسوف الألماني المعاصر كانت من أكبر تلاميذ ابن رشد، وقد قال جوستاف لوبون عن ابن رشد: (إِنه كان الحجة البالغة للفلسفة في جامعاتنا منذ أوائل القرن الثالث عشر من الميلاد، لما حاول لويس الحادي عشر تنظيم أمور التعليم في سنة 1473م أمر بتدريس مذهب هذا الفيلسوف العربي ومذهب أرسطو)([50])  

وكان للفيلسوف الصوفي المسلم محي الدين بن عربي (560هـ ـ 638هـ) أثر كبير في عقول النساك والمتصوفة من فقهاء المسيحية الذين ظهروا بعده، وقد ذكر (آسين بلاسيوس) المستشرق الأسباني أن نزعات دانتى الصوفية وأوصافه لعالم الغيب مستمدة من محي الدين بن عربي بغير تصرف كثير.

ومن المعلوم أن أول الفلاسفة الصوفيين من الغربيين هو جوهان أكهارت الألماني، فقد نشأ في القرن التالي لعصر ابن عربي ودرس في جامعة باريس، وهي الجامعة التي كانت تعتمد على الثقافة الأندلسية في الحكمة والعلوم، وأكهارت يقول كما يقول ابن عربي: (إِن الله هو الوجود الحق ولا موجود سواه([51])، وأن الحقيقة الإلهية تتجلى في جميع الأشياء، ولا سيما روح الإنسان التي مصيرها إلى الاتصال بالله من طريق الرياضة والمعرفة والتسبيح، وأن صلة الروح بالله ألزم من صلة المادة بالصورة، والأجزاء بالكل، والأعضاء بالأجسام)([52])

وقد اقتبس الفيلسوف المتصوف الأسباني ـ رايموندلول ـ من ابن عربي خاصة في كتابه (أسماء الله الحسنى) لأنه كان يحسن العربية، وعاش بعد ابن عربي بقرن واحد، وجعل أسماء الله مئة، وهي لم تعرف بهذا العدد في الديانة المسيحية قبل ذاك.

أما في الطب.. فقد عرف في طب العرب موسوعات طبية إسلامية ترجمت كلها إِلى اللاتينية، اطلع عليها أطباء أوربا، ونهلوا من معينها حتى مطلع العصور الحديثة، كان في مقدمتها كتاب (القانون) لابن سينا في القرن الثاني عشر، وقد جمع خلاصة الطب عند العرب واليونان والسريان والأقباط، وضم ملاحظات جديدة عن الالتهاب الرئوي وعدوى السل، مع وصف لسبعمائة وستين دواء، وقد ترجمه جيرار الكريموني إلى اللاتينية وطبع عشرات المرات.

كما ترجم الحاوي للرازي (ت 320هـ/ 926م) وهو أكبر من القانون وأوسع مادة وموضوعًا، وقد أكمله تلاميذ الرازي بعد موته، وترجم إلى اللاتينية في عام 1486م، وفيه آراء جديدة عن الفتق والحجامة والحميات وأعصاب منطقة الحنجرة وعضلاتها، وله كتاب (المنصوري) الذي ترجم عام 1481م ورسالة عن الجدري والحصبة بوصف وتشخيص آية في الدقة لأول مرة.

وكان الكتاب الملكي في الطب لعلي بن عباس (ت 384هـ / 994م) شائعًا عند الأوربيين لستة قرون من الزمان([53])، كما كان خلف بن قاسم الزهراوي (ت414هـ/1013م) معروفاً عند الأوربيين بكتابه (التصريف لمن عجز عن التأليف) بأجزائه الثلاثة، وقد أفرد القسم الأخير منها للجراحة، وفيه أشار إلى أهمية التشريح للجراح، ووصف كثيرًا من الجراحات باسهاب، وأجرى جراحات في شق القصبة الهوائية وتفتيت الحصارة في المثانة وخاصة عند النساء عن طريق المهبل، وسبق إلى استخدام ربط الشرايين، ووصف استعداد بعض الأجسام للنزيف وعلاجه بالكى، وقد زود كتابه برسوم للآلات الجراحية، وقد ترجمه إلى اللاتينية جيرار الكريموني وطبع في أوربا عشرات المرات، وكان مرجعًا في جامعات سالرنو ومونيليه وغيرهما.

وفطن المسلمون إلى أمراض النساء والولادة، وقد كتب في هذا المجال علي بن عباس في توليد الجنين الميت، والأدوية المانعة للحمل، أو النصائح التي تتعين مراعاتها عند التوليد.

وكان الأطباء في البلاد الإسلامية في القرن العاشر، يعلمون تشريح الجثث في قاعات مدرجة خصصت لذلك في جامعة صقلية، واكتشف ابن النفيس الدمشقي المصري الدورة الدموية الصغرى، ونقلها عنه (هارفن) الإنجليزي وعزاها لنفسه ومثل ذلك فعل (سرفينوس) الإيطالي، ويدعم ذلك ما قاله المؤرخ المعاصر (مايرهوف): (إن ما أذهلني حقًا، مماثلة الجمل الأساسية في أقوال هذين الطبيبين لما كتبه ابن النفيس وكأنها ترجمت ترجمة حرفية)، ويؤيد ذلك ايضًا العالم (الدوميالي) في كتابه عن علوم العرب، كما يؤيده الأستاذ الدكتور (ليون بينه) أستاذ الفسيولوجيا بباريس.

قلت: أهذه هي العلوم التي برع فيها المسلمون.. واقتبسها منهم أجدادنا؟

قال: هذه بعض العلوم فقط.. والأهم من ذلك كله هو المناهج التي كان يمارس بها المسلمون تفكيرهم، وكنا نفتقر إليها.

قلت: تقصد المنهج العقلي.

قال: لا.. أقصد المنهج التجريبي([54]).

قلت: ذلك منهجنا.. به عرفنا.. وعليه قامت حضارتنا.. فقد أسسه في بلادنا (روجر بيكون) و(فرنسيس بيكون)

قال: لقد اعترف الأول بأنه اقتبس هذا المنهج من المسلمين.

يقول دوهرنج: (إن آراء روجر بيكون فى العلوم أصدق وأوضح من آراء سميه المشهور(فرنسيس بيكون).. ومن أين استقى روجر بيكون ما حصله فى العلوم؟ثم يجيب: (من الجامعات الإسلامية فى الأندلس)

 ويقول بريفولت فى كتابه: (بناء الإنسانية): (إن روجر بيكون درس اللغة العربية، والعلم العربى، والعلوم العربية فى مدرسة أكسفورد، على خلفاء معلميه العرب فى الأندلس، وليس لروجر بيكون ولا لسميه الذى جاء بعده الحق فى أن ينسب إليهما الفضل فى ابتكار المنهج التجريبى، فلم يكن روجر بيكون إلا رسولاً من رسل العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوروبا المسيحية، وهو لم يمل قط من التصريح بأن تعلم معاصريه للغة العربية وعلوم العرب، هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة0 والمناقشات التى دارت حول واضعى المنهج التجريبى، هى طرف من التحريف الهائل لأصول الحضارة الأوروبية، وقد كان منهج العرب التجريبى فى عصر بيكون قد انتشر انتشاراً واسعاً، وانكب الناس، فى لهف، على تحصيله فى ربوع أوروبا)([55])  

ويقول: (لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج.. إن العبقرية التى ولدتها ثقافة العرب فى أسبانيا، لم تنهض فى عنفوانها إلا بعد مضى وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام، ولم يكن العلم وحده هو الذى أعاد إلى أوروبا الحياة، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوروبية)([56])

ويقول: (إنه على الرغم من أنه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحى الازدهار الأوروبى إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة، فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون وأهم ما تكون، فى نشأة تلك الطاقة التى تكون ما للعالم الحديث من قوة متمايزة ثابتة، وفى المصدر القوى لازدهاره، أى فى العلوم الطبيعية، وفى روح البحث العلمى)([57])

ويقول: (إن ما يدين به علمنا للعرب ليس فيما قدموه إلينا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة، بل يدين لها بوجوده نفسه، فالعالم القديم ـ كما رأينا ـ لم يكن للعلم فيه وجود، وعلم النجوم عند اليونان ورياضياتهم كانت علوماً أجنبية استجلبوها من خارج بلادهم، وأخذوها عن سواهم، ولم تتأقلم فى يوم من الأيام، فتمتزج امتزاجاً كلياً بالثقافة اليونانية، وقد نظم اليونان المذاهب وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات، ولكن أساليب البحث فى دأب وأناة وجمع المعلومات الإيجابية وتركيزها، والمناهج التفصيلية للعلم، والملاحظة الدقيقة المستمرة، والبحث التجريبى، كل ذلك كان غريباً تماماً عن المزاج اليونانى، ولم يقارب البحث العلمى نشأته فى العالم القديم إلا فى الإسكندرية فى عهدنا الهلينى، أما ما ندعوه (العلم) فقد ظهر فى أوروبا نتيجة لروح من البحث جديدة، ولطرق من الاستقصاء مستحدثة، بطرق التجربة والمقاييس وتطور الرياضيات إلى صورة لم يعرفها اليونان، وهذه الروح، وتلك المناهج أوصلها العرب إلى العالم الأوروبى)([58])

التفت إلي، وقال: هذا في الماضي.. ونحن إلى الآن لا نزال نستفيد من خبرات المسلمين وعلمائهم وباحثيهم.. بل نحن نمارس كل الوسائل لنمتص كل القدرات والكفاءات لننعم بها نحن دونهم([59]).. ثم نظل على جحودنا وكبريائنا وحقدنا.

***

 ما وصل (توماس) من حديثه إلى هذا الموضع حتى انهمرت دموع حارة من عينيه، فأخرج منديلا من جيبه، وراح يمسحهما به.

قلت له: ما الذي دعاك إلى البكاء؟

قال: أمران طالما هطلت دموعي بسببهما.

قلت: ما هما؟.. فعساك تهيج من دموعي ما هيج من دموعك.

قال: أولهما.. أني ذكرت تلك النفوس الطيبة التي ربيت على يدي محمد.. فراحت تنشر خيرها وخلاصها للأمم لا تبتغي بذلك أجرا.. فحررت العبيد.. وأنارت الدنيا.. ونشرت من القيم ما لا تستطيع الدنيا جميعا إحصاءه.

قلت: فما يبكيك من هذا؟

قال: لم يبكني ما فعلوا بنا.. ولا بأهل الأرض من إخواننا.. ولكن يبكيني ما فعلنا بهم..

لقد رحنا بجشعنا وحرصنا وطمعنا ننهب خيرات البلاد التي آوتنا وعلمتنا.. ورحنا نعض الأيدي التي توجهت لتحريرنا من كل القيود التي طوقت أعناقنا.. ورحنا نقتل أحفاد من سالت دماؤهم في سبيل خلاصنا.

قلت: هذا الأول.. وهو جدير بأن يجعلني أشاركك في بكائك.. فما الثاني؟

قال: أبكاني قومي الذين نهلوا من خلاص محمد القشور، وتركوا اللباب.. لقد اهتموا بالظواهر، ونسوا البواطن، واهتموا بالعلوم، ونسوا القيم، واهتموا بالدنيا، ونسوا الآخرة.

قلت: فما كنت فاعلا لو رجعت إلى ذلك الزمان؟

قال: آخذ بخلاص المسلمين روحه وجسده.. باطنه وظاهره.

قلت: أتسمح لي حضرة العلامة الجليل أن أسألك سؤالا قد يحرجك؟

قال: سل ما بدا لك.

قلت: أنا أتعجب من كل هذه الحماسة التي تبديها للإسلام، ولكني مع ذلك أراك تحتفظ بصليبك، ودينك.. هل ترى أن الذي قدم كل هذا الخلاص للبشرية كان كاذبا في دعوى النبوة؟

انتفض، وقال: يستحيل ذلك.. يستحيل ذلك..

قلت: ولكني لا أزال أراك على دينك.. كيف هذا؟

صمت قليلا، ثم قال: لن أحدثك عن نفسي.. سأذكر لك ما قال (اللورد هدلي).. وافهم أنت ما تشاء.

قلت: أعرفه.. فما قال؟

قال: لقد قال: (إنني أعتقد أن هناك آلافاً من الرجال والنساء أيضاً، مسلمون قلباً، ولكن خوف الانتقاد والرغبة في الابتعاد عن التعب الناشئ عن التغيير، تآمروا على منعهم من إظهار معتقداتهم)

قلت: لكن (اللورد هدلي)  أظهر إسلامه، وتحدى كل من وقف في طريقه.. وقد كان لإسلامه ضجة كبيرة، وذلك لمكانته بين قومه، وعلو قدره العلمي، وقد حج بيت الله الحرام، ومر في طريقه بالإسكندرية، فأقام له أهالي الثغر حفلة كبيرة برعاية الأمير عمر الطوسوني، وبرئاسة الشيخ عبد الغني محمود شيخ علماء الإسكندرية آنذاك.

قال: لقد قال في سبب اعتناقه الإسلام: (عندما كنت أقضي ـ أنا نفسي ـ الزمن الطويل من حياتي الأولى في جو الكنيسة كنت أشعر دائماً أن الدين الإسلامي به الحسن والسهولة، وأنه خلو من عقائد الرومان والبروتستانت، وثبتني في هذا الاعتقاد زيارتي للشرق التي أعقبت ذلك، ودراستي للقرآن الكريم)

ويقول: (فكرت وصليت أربعين سنة كي أصل إلى حل صحيح)

ويقول: (إذا أصبح كل فرد في الإمبراطورية الإنجليزية محمدياً حقيقياً بقلبه وروحه لأصبحت إدارة الأحكام أسهل من ذلك، لأن الناس سيقادون بدين حقيقي)

ويقول: (ليس هناك في الإسلام إلا إله واحد نعبده ونتبعه، إنه أمام الجميع وفوق الجميع، وليس هناك قدوس آخر نشركه معه، إنه لمن المدهش حقاً أن تكون المخلوقات البشرية ذوات العقول والألباب على هذا القدر من الغباوة، فيسمحون للمعتقدات والحيل الكهنوتية أن تحجب عن نظرهم رؤية السماء)

ويقول في شعوره بعد إسلامه: (إن الدين الإسلامي تملك رشدي صدقاً، وأقنعني نقاؤه، وأصبح حقيقة راسخة في عقلي وفؤادي، إذ التقيت بسعادة وطمأنينة ما رأيتها قط من قبل، كما استنشق هواء البحر الخالص النقي، وبتحققي من سلامة وضياء وعظمة الإسلام ومجده، أصبحت كرجل فر من سرداب مظلم إلى فسيح من الأرض تضيئه شمس النهار) 

كانت هذه النصوص تخرج من أعماق أعماق قلبه.. وكأنها قد ولدت تلك اللحظة، قلت: لقد سمعت بكل ما قال من هذا وغيره.. وأنا لا أسألك عنه.. وإنما أسألك عن نفسك.

قال: أحيانا تجد غيرك يوفق في التعبير عما في نفسك أكثر من قدرتك.. فتكتفي بتعبيره عن تعبيرك.. وبلسانه عن لسانك.

قلت: فأنت مقتنع بما قال؟

قال: وأنا حزين لما أفعل.

قال ذلك.. ثم صمت صمتا طويلا.. استحييت أن أقطعه عليه.. فخرجت، ومعي بصيص جديد من النور اهتديت به بعد ذلك إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ثانيا ـ صمود

في اليوم الثاني من تلك الأيام العشرة المباركة، التقيت المستشرق الذي قطفت على يده ثمرة الصمود من شجرة النبوة..

وهي الثمرة التي عرفت بها سر قوله تعالى:﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9)، وسر قوله تعالى:﴿  يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) ﴾(التوبة)

وعرفت بها سر قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة)([60])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون)([61])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليبلغن هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَر إلا أدخله هذا الدين، بعِزِّ عزيز، أو بِذُلِّ ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر)([62])  

فهذه النصوص المقدسة تخبر عن التأييد الذي أمد الله به هذا الدين، فقام صامدا في وجه كل المؤمرات التي كانت ولا تزال تحاك ضده.

وإلى جنب هذا عرفت سر تلك النصوص الكثيرة التي تنبئ المسلمين عن العداوات الكثيرة التي تختزنها لهم الأيام، والتي عبرت عنها النصوص القرآنية والنبوية خير تعبير:

قال تعالى:﴿  وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)﴾(البقرة)

وقال تعالى:﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102)﴾(النساء)

وقال تعالى:﴿  إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)﴾(الممتحنة)

وقال تعالى:﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)﴾(التوبة)

فهذه النصوص المقدسة جميعا تقريرات ربانية تخبر المسلمين عبر التاريخ عما يريد الجاهلون والجاهليون أن يفعلوه بالشجرة المباركة التي بذر بذورها نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم.

***

سمعت بـ (جابرييلي فرانشيسكو)([63]) وهو مستشرق إيطالي كان من النوع الذي حدثني عنه مدير جامعة السربون، واسمه من الأسماء التي وضعت في الدفتر الذي سلمني إياه المرشد، وقد كنت أتحين الفرص للقائه والاستماع إليه، ولكني لم أظفر بذلك إلا في ذلك اليوم الجميل...

في صباح ذلك اليوم سرت إلى حديقة جميلة بضاحية باريس، سمعت أن بها شجرة ولدت قبل أن تولد أكثر مباني المدينة، كان يأتيها الشيوخ ليتذكروا شبابهم، ويأتيها الشباب، ليسألوا الله أن يمدهم من العمر ما أمدها.

عندما رأيتها لم أصدق أنها شجرة عجوز، فقد كانت نضارة الشباب تملؤها، فأوراقها لا تزال غضة طرية، وسيقانها الجديدة تضاهي سيقان أصغر الأشجار وأرقها، وثمارها لا تزال تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

ولكن ما أكد لي هذا العمر الطويل الذي رزقها الله إياه هو ضخامة أصولها، وامتداد جذورها، وتعالي هامتها، ورسوخها الشديد في أرضها، فهي لا تهزها العواصف، ولا تعبث بها الأعاصير، ولا تميد بأغصانها الرياح.

وفوق ذلك، فقد اكتسبت مقاومة فعالة ـ لست أدري مصدرها ـ ضد كل تلك الحشرات الضارة التي عبثت بصحة نظيراتها، فأسلمتها إلى الموت المحتوم.

هناك رأيت (جابرييلي فرانشيسكو) المستشرق الإيطالي، جالسا على عشب تلك الحديقة، يحدق بشدة إلى تلك الشجرة، وكأنه يرى في أوراقها وأغصانها وهامتها ما لا يرى سائر الناس.

فرحت فرحا شديدا للقائه، فحييته باللغة العربية، لأنال فرصة الحديث معه، فقد كنت أعلم هيامه الشديد بها.

عندما سمعني أتحدث بالعربية، طلب مني أن أجلس بجانبه، فجلست، وبدأ يسألني عني، فذكرت له ما أذن لي في ذكره، وحجبت عنه ما نهيت عن ذكره.

قلت له بعدها: أراك مستغرقا في هذه الشجرة، أتتذكر فيها شبابك؟

قال: لا.. أتذكر فيها رجلا غرس شجرة لا تختلف كثيرا عن هذه الشجرة.. لقد غرسها منذ قرون طويلة، ومع ذلك لا تزال غضة طرية ممتلئة شبابا.

مرت عليها الأعاصير.. كل الأعاصير.. فلم تجتثها.

أصيبت الأرض بجانبها بالزلازل، ولكن أرضها لاتزال مستقرة ثابتة.

اجتمعت جميع أسود الدنيا وسباعها لتغرز أنيابها في أصولها، وتقطع منابع الرزق عن فروعها، فعادت إليها أنيابها خاسئة حسيرة عاجزة.

صوبت في وجهها المدافع.. فلم تفلح المدافع، ولم يفلح القائمون عليها.

أضرمت حولها النيران، فلم تحرقها، ولم تجفف أوراقها، ولم تشوه صورتها.

ثم نظر إلى، وقال: هذه الشجرة تذكرني بتلك الشجرة العظيمة.

قلت: من ذلك العظيم الذي غرس تلك الشجرة العظيمة.

قال: صدقت، فالشجرة العظيمة لا يغرسها إلا عظيم.

قلت: فمن هو؟

قال: محمد.

قلت: أي محمد تقصد؟

قال: وهل هناك غير محمد؟

قلت: لعلك تقصد نبي العرب.

قال: بل نبي العالم.. نعم إن شجرة محمد نبتت في بلاد العرب، ولكن أغصانها وأوراقها وثمارها شملت العالم أجمع.

قلت: أي شيء أغراك بتلك الشجرة حتى نالت منك كل هذا الاهتمام؟

قال: الصمود..

قلت: الصمود!؟.. ما تعني بالصمود؟

قال: لقد كنت مغرما منذ صغري بالأبطال الصامدين الذين لا يهتزون لشيء، ولا يتأثرون لشيء.. الأبطال الثابتون على مبادئهم أمام كل ترغيب، وأمام كل ترهيب.

وقد كان من الأبطال الذين امتلأ قلبي تعظيما لهم محمد.. لقد سمعت قوله لعمه الذي جاء يخبره بما أغراه قومه به، وبما رهبوه.. فقال: (يا عم.. والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته)([64])

قلت: والمسيح ـ أيضا ـ ثبت أمام خشبة الصليب.. لقد قضى ست ساعات على الصليب، وقد تألم فيها بأنواع عديدة من الآلام لم تزعزعه، ولم تهد كيانه المقدس.

لقد تألم آلاما كثيرة.. آلاما في جسده..  وآلاما في نفسه.

لقد تفل عليه، وضرب بالسياط، ووضعوا إكليل شوك فوق رأسه القدوس، وهو الملك صاحب التيجان الكثيرة.

وطعنوه بحربة في جنبه، وسالت منه ينابيع الغفران من خلال ذلك الدم الذي يطهر من كل خطية، والذي لا يزال يتكلم ويطلب الغفران لأجلنا.

ثقبوا يديه ورجليه بمسامير حديدية غليظة بواسطة أيدي الجنود الرومانيين الذين كانت قلوبهم غليظة.

رددت هذا الكلام من غير شعور، فقال: أنت مهتم بالدين المسيحي إذن؟

قلت: وكيف لا أهتم، وأنا مسيحي؟

قال: وأنا مثلك مسيحي.. أذهب كل أحد إلى الكنيسة.. ولكني لا أشعر بأي اهتمام بالمسيحية.

قلت: لم؟

قال: ألم أذكر لك بأني مغرم بالبطولة والصمود إلى الغاية التي لا تتصورها؟

قلت: ولم تتجل البطولة في أحد كما تجلت في المسيح، وهو على خشبة الصليب.

قال: إن شئت الحق، فإن هناك آلاف المصلوبين في العالم أبدوا من البطولة والصمود على ما هو أخطر من الصليب أضعاف ما ذكر عن المسيح..

بل إنه لا أحد من المجرمين المصلوبين من صاح بذلك الرعب الذي صاح به المسيح عندما قوّله كتبتنا قوله: (إيلي إيلي.. لماذا شبقتني!؟ أي إلهي إلهي لماذا تركتني) (متى:27)([65])

ثم التفت إلي، وقال: حتى لو فرضنا أن ما حصل من المسيح صمود لا نظير له، فإنه صمود شخص يبعث على الإعجاب.. لا صمود أمة..

قلت: ولكن أتباع المسيح أبدوا من الصمود والثبات ما لا نظير له.

إن التاريخ يشهد بالبطولات العظيمة التي أبداها أتباع المسيح في القرون الثلاثة الأولى تجاه جميع أنواع المحن والبلايا والاضطهادات التي مورست عليهم.

قال: ولكنهم ـ في الأخير ـ تزعزعوا أمام إرادة الامبراطور..

نعم.. لم تطق معهم أسلحة الترهيب.. ولكن أسلحة الترغيب جذبتهم.. فتحولت المسيحية من دين المسيح إلى دين قسطنطين.. يغير فيها ما يشاء، ويثبت ما يشاء.

قلت: كيف تقول هذا؟

قال: أنا مؤرخ.. ولا أتعامل إلا مع الوثائق التاريخية، ولدي من الوثائق الكثيرة ما يثبت تلك الانحناءات الخطيرة التي انحناها ورثة المسيح، ليتركوا ـ في الأخير ـ الأمر للبابا الأول حضرة الامبراطور قسطنطين ليتصرف في دينهم كيف يشاء.

اسمح لي.. يا أخي.. أن أقول لك بأن ديننا الذي ندين به ورثناه من الامبراطور، لا من المسيح.

قلت: إن هذا الكلام الذي تقوله خطير جدا.

قال: ولكنه صحيح جدا للأسف..

قلت: لا بأس قد أقر لك بما ذكرت .. ولكن كيف صمدت الثمار التي جاء بها الإسلام؟

نظر إلى الشجرة برهة، ثم قال: ألم تتساءل عن سر نشاط هذه الشجرة وحياتها واستمرارها في العطاء طول تلك السنين التي مرت بها؟

قلت: لا أحتاج إلى التساؤل عن ذلك.. فهو واضح.. فأرضها طيبة تمدها بالماء وما تحتاجه من غذاء الأرض، وهواؤها عليل يمدها بما تحتاجه من غذاء السماء.. وهي مع ذلك كريمة لا تحتفظ بهذه الأقوات لنفسها.. بل تمد بها من قصدها، فتحييه بحياتها، وتشمله ببركاتها.

قال: فكذلك الشجرة التي غرسها محمد.. لقد كان لصمود المصادر التي تغذت بها شجرته أثرها الكبير في حفظ حياة دينه، وحفظ ثمراته.

قلت: ولكنا نرى الإسلام تقزم بعد أن كان عملاقا، وهرم بعد أن كان شابا.

قال: هو هرم مزيف، وهو تقزم تكذب العين في رؤيته.. الإسلام في حقيقته لا يزال يحتفظ بكل مقومات حياته.. ولكن الحروب العظيمة التي ووجه بها جعلتنا نرى في المسلمين ما نراه.. ولو أن هذه الحروب توقفت أياما، وتركت المسلمين لأنفسهم لعادوا إلى قوتهم التي تختزن في مصادرهم.

إن الشجرة التي غرستها المصادر المقدسة لهذا الدين شجرة لا تنتج إلا الثمار الطيبة.. وهي ثمار قد يعرض عنها البعض في وقت من الأوقات، ولكنهم سرعان ما يحنون إليها، ويحدو بهم الشوق للأكل منها.

قلت: هذا كلام عام أريد تفاصيله.

قال: ولن تجد عندي إلا تفاصيله.. لقد عشت كثيرا في المجتمعات المسلمة.. ومع كونها تخلفت كثيرا عن دينها، ولكنها مع ذلك لا تزال تحتفظ بكل المقومات التي يمكن أن تعيد لها الحياة من جديد، وتعيد لهذا الدين دوره الرائد في العالم.

العقيدة:

قلت: فلنبدأ بالعقيدة.. والتي هو أصل أصول الدين، وأساس أسسه.

قال: لقد بحثت في الأديان جميعا.. وقرأت تراثها المقدس.. وتغلغلت في أديرتها ومعابدها لأبحث عن صورة مقدسة لله.. فلم أجدها إلا في دين محمد..

إنه الدين الوحيد الذي يعرض تعريفا لله ينسجم مع الفطرة والعقل والكون والحياة..

إن كل شيء يبرهن على كل كلمة يحملها دين محمد عن الله.

والمسلمون في جميع فترات تاريخهم يحملون تصورات مقدسة عن الله تسمو كثيرا عن كل ما حصل في جميع الأديان من تحريفات.

أنت مثلي تحب التفاصيل.. ولا تقنع بالأسلوب الخطابي.. فلذلك سأذكر لك ما يبرهن لك على أن الشجرة الوحيدة التي صمدت في وجه جميع التحريفات هي الشجرة التي غرسها محمد.

إن أهم ما يميز العقيدة الإسلامية هو تناسبها مع الفطرة السليمة التي يلتقي فيها العقل والروح والنفس من غير أن يحصل بينها أي اضطراب.. لقد عبر القرآن عن هذه الخاصية بقوله:﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم:30)

هذه العقيدة الفطرية تشرحها سورة قصيرة قل أن يوجد مسلم لا يستظهرها هي سورة الإخلاص.. وهي السورة التي نزلت جواب إلهياً للمشركين عندما سألوا محمدا أن يصف لهم ربه.

وهذه الحقيقة هي التي تجذب اهتمام وتركيز دارسي الإسلام من أول لحظة، وتدفع من كتبت له الهداية منهم إلى نفض ما علق بفطرته من ركام والدخول في دين الله بطمأنينة،  ذلك أن (أول ما يستشعره القلب والعقل أمام العقيدة الإسلامية هو الاستقامة والبساطة والوضوح..وهذه السمة التي تجتذب الأفراد الذين يدخلون في هذا الدين من الأوربيين والأميركيين المعاصرين فيتحدثون عنها بوصفها أول ما طرق حسهم من هذا الدين وهي ذاتها السمة التي تجتذب البدائيين في إفريقيا وآسيا في القديم والحديث لأنها سمة الفطرة التي يشترك فيها الناس أجمعين متحضرين وبدائيين)([66])   

لقد قال بعض قومنا من المسيحيين ممن عشقوا هذه العقيدة الفطرية المنطقية: (بدأت أدرس الأديان بصفة عامة، والإسلام على وجه الخصوص، فأيقنت في غضون دراستي أن دنيا تفكيري وإحساسي أقرب للإسلام منها للمسيحية، وبالتدريج اكتشفت أن الإسلام كمنهج حياة كان ينسجم من كافة الوجوه مع فطرتي البشرية)

ويقول: (عندما درست وجهة النظر الإسلامية حول النبي عيسى عليه السلام ابن الله، كما عرفت فيما بعد من أستاذ بروتستانتي أن عدداً كبيراً من المسيحيين ـ حوالي 80 بالمائة ـ منهم أقرب إلى الإسلام منه إلى المسيحية في هذه الناحية على الأقل من عقيدتهم، أما من الناحية العملية فحتى قبل إسلامي كنت أنفر من الخمور والرقص وما شابه ذلك من الأمور التي عرفت فيما بعد أنها محرمة في الإسلام، وهكذا كان الإسلام بالنسبة لي كعملية اكتشافي لفطرتي)([67])  

ويقول: (والعجيب في قضية التثليث التي تنسب أوروبا الفضل في إنكارها إلى فلاسفة عصر التنوير (ق18) من أمثال فولتير، ويعرب بعض الباحثين عن دهشتهم لان عقلية جبارة كتلك التي يتمتع بها ديكارت لم تستنكر هذه العقيدة ولو بكلمة واحدة.. هذا في حين أن الإسلام ـ دين الله الحق ـ سبق إلى نقص هذه العقيدة وإبطالها ليس من خلال تنفيره العام من الشرك وإنكاره المطلق فحسب بل أفرد الحديث عنها استقلالاً وفصله من وجوه منوها بأنها عقيدة وثنية قديمة وهي الحقيقة التي لم تعرفها أوروبا إلا بعد ظهور علم مقارنة الأديان الذي يعد من أحداث علومها النظرية، قال تعالى:﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (التوبة:30))([68])

هذا في العقيدة في الله التي هي أصل العقائد ولبابها.. وهكذا في سائر العقائد.

قارن بين موقفنا من الخطيئة الموروثة التي تنبني عليها المسيحية، وبين قول القرآن:﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام:164).. وقوله:﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الاسراء:15).. وقوله:﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (الزمر:7)

وغيرها من الآيات الكثيرة التي تنفي مسؤولية الإنسان على ما لم يعمله.. بل إن القرآن ينفي مسؤولية الإنسان على ما أكره عليه.. لأن العمل لايعتبر عملا يستحق الجزاء إلا إذا كان عن طواعية تامة.. يقول القرآن:﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل:106).. ويقول:﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء:65)

قارن هذه العقيدة التي تنسجم مع المنطق العقلي بعقيدتنا في الخطيئة الموروثة..

لقد أزعجت الخطيئة المورثة فولتير وباسكال.. بل أقلقت الضمير الأوروبي كله وأرقته منذ أن اعتنقها إلى الآن..

أما القرآن، فإنه يذكر الحادثة باعتبارها حدثا تاريخيا يذكر للعبرة.. لا لتبنى حياة البشر كلها على أساسه..

بالإضافة إلى ذلك.. فالقرآن ذكر القصة مذيلة بذكر التوبة والاستغفار وبيان أن الله قبل التوبة وغفر الخطيئة، ففي سورة البقرة ينتهي سياق القصة إلى قوله:﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:37)

وفي سورة الأعراف تنتهي القصة بقوله:﴿ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (لأعراف:23)

وفي سورة طه يقول:﴿ فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى(121)ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)﴾(طه)

انظر.. إن الآيات القرآنية لا تعطي الخطيئة ذلك الحجم الضخم الذي تعطيها إياه تعاليم الكنيسة، فهي أمر عرضي في حياة آدم، بل في حياة كل بشر، تمحوه التوبة ويذهبه الاستغفار.

أما الهبوط إلى الأرض ـ على حسب القرآن ـ فقد كان هو الغرض الأصلي من خلق آدم.. فقد قال الله للملائكة قبل خلق آدم:﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ (البقرة:30).. ولم تكن المعصية إلا سببا لذلك([69])..

إن هذه العقيدة المنطقية ـ مقارنة بعقيدتنا ـ هي الأساس السليم الذي بني عليه السلوك الإسلامي الرفيع.

أما تصوراتنا.. فقد كانت محل سخرية من المسلمين.. ومحل نقد لاذع.. وقد كان علماء المسلمين أسبق من فلاسفة عصر التنوير وأتباع مدرسية النقد التاريخي في هذا المضمار.. كما قال ابن القيم: (فنسبوا الإله الحق سبحانه إلى ما أنف أسقط الناس وأقلهم أن يفعله بمملوكة وعبده، وإلى ما يأنف عباد الأصنام أن ينسبوا إليه.. ونسبوه إلى غاية السفه حيث خلصهم من العذاب بتمكينه أعداءه من نفسه حتى قتلوه وصلبوه وأراقوا دمه، ونسبوه إلى غاية العجز حيث عجزوه أن يخلصهم بقدرته من غير هذه الحيلة ونسبوه إلى غاية النقص حيث سلط أعداءه على نفسه وابنه ففعلوا به ما فعلوا.. وبالجملة فلا نعلم أمة سبت ربها ومعبودها وإلهها بما سبت به هذه الأمة)

هذا الكلام نموذج من بين انتقادات عقلية لا حصر لها دونها علماء المسلمين قبل أن يخلق سبينوزا وباسكال وفولتير بقرون، وقبل أن تفكر أوروبا في شيء اسمه (النقد التاريخي) أو حرية التفكير.

قلت: أنا أقر بالكثير مما ذكرت من الانحرافات الخطيرة التي دخلت المسيحية.. ولكنها مع ذلك لا تقل عن الانحرافات التي دخلت الإسلام.. وبذلك انحنى الإسلام أمام الهرطقات الكثيرة التي دخلته كما انحنت المسيحية..

قال: لا.. لقد أتيحت لي فرصة الاطلاع على مقولات الفرق الإسلامية المرتبطة بهذا الجانب.. فوجدتها كلها تصب في بحر واحد هو بحر الوحدانية والتقديس والتعظيم.. المسلمون كلهم موحدون لله.. يحملون تصورات غاية في القداسة عن الله.

قلت: ولكني قرأت الكثير من الكتب والمطويات التي تحذر من طوائف المبتدعة من المؤولة والمفوضة والمشبهة والمجسمة..

قال: تلك ـ كما يقال ـ زوبعة في فنجان.. وأولئك قوم من المتطرفين.. هم أشبه الناس بأولئك الذين اجتمعوا بأمر قسطنطين في مجمع نيقية.. ليس لهم من هم إلا التفريق بين صفوف إخوانهم..

قلت: ولكن لقولهم مصداقية عظمى.

ابتسم، وقال: لقد أتيحت لي مخالطة بعضهم.. وقد رأيت من قصر عقولهم ما صرفني عن الاستماع لهم..

قلت: ولكن كلامهم مهم جدا.. لقد لاحظت اهتمام الكنيسة به.

قال: إن الكنيسة تهتم بمقولاتهم لأنها من التبشير غير المباشر.. أما الحقيقة.. فلا خلاف بين المسلمين جميع المسلمين في جميع مسائل العقيدة.

قلت: الشيعة والسنة والمعتزلة والخوارج..

قال: أجل.. جميعهم يعبدون إلها واحدا.. ويؤمنون بنبي واحد.. وكل الذي يثار ليس إلا زوبعة في فنجان([70]).

الشعائر:

قلت: عرفت صمود ثمار عقائد الإسلام.. فهل صمدت ثمار شعائره؟

قال: أجل.. وبنفس صمود عقيدته.. ذلك أن كليهما يستمد من مصادر ثابتة صحيحة غاية في القوة..

قلت: فهل صمد الإسلام في هذا الميدان؟

قال: كما لم يصمد دين من الأديان.. بل هو لا يزال غضا طريا كما جاء.. وقد كان للنظام الذي اتسمت به شعائر الإسلام السر الأكبر في بقائها وصمودها.

فكل الشعائر التي وضعت النصوص الإسلامية المقدسة طرقها وأساليبها ليس لها إلا هدف واحد هو ربط المسلمين بربهم ورسولهم ودينهم، فلا يمر وقت من الأوقات على المسلم يكون فيه بعيدا عن ربه وذكره وعبادته([71]):

فارتباط المسلم بربه مستمر دائم في كل لحظة من لحظات عمره، بل هو على صلة دائمة به: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) ﴾ (الأنعام)

فهو يصلي كل يوم وليلة خمس صلوات مفروضة، في أوقات محددة موقوتة، ليس له أن يتقدم عليها أو يتأخر بدون عذر شرعي.. وهو مأمور بالطهارة الكبرى والصغرى لكل صلاة منها..هذا عدا نوافل الصلاة المؤكدة وغيرها مما لا حصر له منها..

وهو يصوم شهرا كاملا في السنة فرضا لا يسقطه عنه سقوطا مؤقتا أو مطلقا إلا عذر شرعي..هذا عدا نوافل الصوم التي أفضلها صوم يوم وإفطار يوم على القادر في عمره كله.. وهناك أيام محدودة في الأسبوع وفي الشهر وفي العام يشرع للمسلم صيامها..

وهو يحج حجا مفروضا عليه مرة في عمره، لا يجوز له تركه إلا بعذر شرعي.

وهو يخرج زكاة ماله في أوقاته المحددة، لا يجوز له تأخير ذلك، وأمره الله تعالى بنوافل الصدقات والإنفاق مما رزقه الله، في كل ما يحقق الخير للإسلام والمسلمين..

وهو مأمور بذكر الله تعالى الواجب والمندوب، بحيث لا يزال لسانه رطبا بذكر ربه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42)﴾ (الأحزاب)

وهو مأمور بتعاطي ما أحل الله، وترك ما حرم الله في كل تصرفاته، فلا يخلو المسلم في أي وقت من أوقاته من فعل طاعة أو ترك معصية.

فليس له أن يعصر خمرا ولا يبيعها ولا يعلن عنها ولا يسقيها ولا يملكها..

وليس له أن يصنع سلاحا أو يبيعه لمن يقتل به نفسا حرم الله قتلها مسلما كان أو غير مسلم بغير حق، ولا يتلف به مالا ولا حرثا ولا حيوانا..

وليس له أن يبيع أو يشتري بيعا أوشراءا فيه غش للناس، وضرر بهم.

وليس له أن يسرق مال غيره ولا يغتصب أرضه ولا يستحل عرضه ولا يطلع على عورات جاره..

فهو في كل حال من أحواله مرتبط بربه، لأنه يضبط جميع تصرفاته بطاعته وترك معصيته..

وهو مرتبط بجماعة المسلمين من أي جنس كانوا، وفي جميع أنواع الشعائر.. ففي الإسلام عبادات جماعية، يقوم بها المسلمون قياما جماعيا، سواء كان التكليف بها فرض عين أو فرض كفاية أو مندوبا..

ولهذا شرع للمسلمين عمارة الجوامع والمساجد في مدنهم وأحيائهم، وشرع لهم عمارتها بذكر الله فيها، وبخاصة صلوات الجماعات خمس مرات في اليوم والليلة، وصلوات الْجُمَع الأسبوعية، التي ينادي المؤذنون فيها لكل صلاة من تلك الصلوات.

وشرع لهم أن يكون أئمتهم من القراء الذين يحفظون كتاب الله أو كثيرا منه، ويفقهون أحكام الله، فيسمع منهم المصلون في الصلوات الجهرية ما يقرؤون من كتاب الله، فيتدبرونه وينتفعون به..

والمسلم في هذه الحالة العبادية الخاشعة الراغبة الراهبة، شديد البحث والتفتيش عن نفسه في آيات كتاب ربه، ليعرف أين هو فيها من النواحي الإيمانية والعبادية والأخلاقية، والاجتماعية، والفقهية والدعوية، أين هو من رضا ربه أو سخطه.. وهل يتصف بصفات من رضي الله عنهم من المؤمنين، أو بصفات من سخط الله عليهم من الكافرين والمنافقين، وهل صلته بالله تؤهله لدخول الجنان أو لعقاب ربه في النيران.

ويتدبر ذكر ربه المشروع في قيامه وركوعه وسجوده وقعوده، فيمتلئ قلبه حبا لله ورغبة فيما عنده وخوفا ورهبة من قوته وجبروته، وطمعا في عزته ونصره على أعدائه، فلا يخاف إلا الله ولا يطلب العزة إلا من مولاه، فلا يخرج من صلاته إلا وقد تحقق له الهدف من إقامتها والحكمة من أدائها.. ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت:45)

يضاف إلى هذه الصلوات الخمس صلوات أخرى لها مناسبات معينة.. لا علاقة لأي منها بأي قومية أو عنصرية أو وثنية:

منها صلاة الاستسقاء عند الجدب والقحط لطلب الغيث من ربهم الذي يسقي أرضهم وينبت زرعهم ويدر ضرعهم ويغذيهم ويغذي أنعامهم..

ومنها صلاة الكسوف والخسوف عندما تكسف الشمس ويخسف القمر، تضرعا إلى الله تعالى من أن لا ينزل بهم غضبه عقابا على معصيته، ففي الكسوف والخسوف تذكير لعباده بكمال قدرته، وتغيير الأحوال المعتادة إلى غيرهما مما لا قدرة لأحد على اتقائه إلا برحمة الله وفضله ([72])..

ومنها صلاة العيدين: عيد الفطر وعيد النحر، اللتين يؤديها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، في يوم واحد أو أيام متقاربة، بحسب المطالع.

وللمسلمين يومُ عيدٍ أسبوعي، وهو يوم الجمعة الذي فرض فيه على كل مكلف من رجالهم، حضور خطبتيه وصلاته، حيث يعلو خطباء الجوامع الكبيرة والصغيرة في القرى و المدن و الأحياء المنابر، أمام الجموع الحاشدة، لتذكيرهم بكل ما يحتاجون إليه في حياتهم من أمر الإيمان والعبادة والأخلاق والحلال والحرام في المعاملات، والشئون السياسية والعلاقات الدولية، مبنية كلها على كثير من آيات القرآن والسنة وما استنبطه منهما علماء الإسلام.

إنها مظاهرة مشروعة في يوم واحد وفي كل مكان من الأرض لنصر هذا الدين وجمع كلمة المسلمين على الحق، وتفقههم في دين الله، لا يستطيع أحد أن يمنعها.

وفرض على المسلمين جميعا فرض عين على كل قادر صيام شهر رمضان كله، لذلك ترى المسلمين في هذا الشهر المبارك، جميعا صائمين نهاره، تجتمع أسرهم في المنازل لتنال وقت الإفطار ووقت السحور، في غاية من الفرح والحبور، يتسابقون في مناولة أحدهم أخاه حبات التمر أو لقمة العيش.

وهكذا تجد جماعاتهم في المساجد عند أذان المغرب، يمدون موائدهم ويقربون تمرهم وأطعمتهم، ويتنافسون في استضافة المصلين على مشاركتهم في الإفطار معهم.

إنه شهر تربية وتدريب وإيمان وتقوى وعبادة جماعية ذات أثر عظيم في جمع الكلمة والثبات على هذا الدين وقوة الصلة برب العالمين..

وفرض على الصائمين في ختامه حقا لفقرائهم، سميت بزكاة الفطر، لتكون طهرة لهم وغناء لإخوانهم المحتاجين في يوم العيد الذين يفرحون فيه بتوفيق الله لهم بإتمام الصيام، فلا يفرح فيه الغني دون الفقير، ولا يترك الفقير فيه يتكفف لقمة عيشه وعيش أولاده.

وهكذا تراهم في الحج يفدون إلى البيت الحرام من كل فج عميق، يملأون الجو والبر والبحر، متحدين لباسا ونية وذكرا، مؤدين نسكهم في وقت واحد طوافا وسعيا ووقوفا، ومبيتا ورميا ونحرا، بصفة قلما تجد لها نظيرا في أمة من الأمم، وهم يلهجون في كل أوقاتهم بذكر الله.

يلتقي المسلمون ليحققوا في لقائهم ما ذكره القرآن من حكم الحج ومنافعه: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (الحج:28)

يُعَلِّم عالِمُهم جاهلَهم، ويتحاورون فيما يعود عليهم وعلى أمتهم بالخير في دينهم ودنياهم.

التفت إلي، وقال: قارن هذا بشعائرنا وقداساتنا التي يتحول فيها الخبز جسدا، والخمر دما.. أو قارنه بصكوك الغفران..

إن كثيرا من قومنا امتلأوا إعجابا بشعائر المسلمين التعبدية التي يتوجه فيها المسلم مباشرة إلى الله من غير حاجة إلى أي وسائط..

يقول توماس أرنولد: (إنه لا يتأتي لأحد يكون قد رأى ذلك المشهد أن يبلغ تأثره به أعماق قلبه وأن لا يلحظ ببصره القوة التي تمتاز بها هذه الطريقة من العبادة عن غيرها)([73])

وقال رينان: (لم أدخل مسجداً إلا شعرت بانفعالات نفسية وأسف بالغ حينما أذكر أنني لست مسلماً)([74])  

ويقارن المستشرق الأمريكي (بودلي) بين المسيحية والإسلام في ذلك قائلاً: (لو أن القديس بطرس عاد إلى روما لامتلأ عجباً من الطقوس الضخمة وملابس الكهنوت المزركشة والموسيقى الغربية في المعبد المقرونة باسمه، ولن يعيد البخور والصور والرقى إلى ذهنه أي شيء من تعاليم سيده المسيح.. ولكن إذا ما عاد محمد إلى أي مسجد من المساجد المنتشرة بين لندن وزنجبار فإنه سيجد نفس الشعائر البسيطة التي كانت تقام في مسجده في المدينة الذي كان من الآجر وجذوع الشجر)([75])  

أما المهزلة العظمى (صكوك الغفران) التي تعد صفحة سوداء في تاريخ الإنسانية، فلا يستطيع أحد من أعداء الإسلام أو دعاة العلمانية مهما بلغت به المكابرة أن يزعم أنها وجدت في التاريخ الإسلامي فضلاً عن أصوله التشريعية ذاتها.

فهذه المهزلة لم يعرفها المسلمون حتى في أحط وأحلك عصورهم حين فشا الجهل وعلقت بعض الخرافات بأذهان الجهلة والعوام.. فلم يحدث قط أن كتب أحد ممن يسمون أولياء وثيقة غفران.. ذلك أن الأمة الإسلامية مهما انحرفت وتخبطت تظل لديها مسكة من عقل وبقية من إيمان تمنعها عن ارتكاب مثل هذه الحماقات الصفيقة التي لم يتورع عنها بابوات الكنيسة قرابة ثلاثة قرون.

قلت: ولكن مع ذلك.. فقد انتشرت بدع كثيرة بلاد المسلمين.

قال: لقد طفت المجتمعات الإسلامية كما ذكرت لك.. بل دخلت مساجدها.. فلم أر إلا صلاة واحدة، لعلها هي الصلاة التي صلاها محمد.. بل إن الأسانيد الكثيرة تشير إلى أنها نفس صلاة محمد..

ولم أر المسلمين يصومون إلا شهرا واحدا قد يختلفون في يوم من أيامه.. ولكنهم يتفقون في كل أيامه.. ويتفقون مع ذلك في كل أحكامه..

وأنت ترى المسلمين يقصدون كعبة واحدة، ويصلون خلف إمام واحد، ويقفون على جبل واحد.. هو نفس الجبل الذي وقف عليه محمد، وخطب خطبة الوداع.

ألا ترى في كل هذا دلائل صمود الإسلام؟

قلت: ولكني أرى حلقا كثيرة تعقد تختلف فيها المجتمعات..

قال: تقصد حلق الذكر التي قد يختلط فيها الرقص واللعب.

قلت: أجل.. أليس ذلك انحناء؟

قال: لا.. تلك عادات توارثتها تلك الشعوب، وحاولت أن تمزجها ببعض شعائر الإسلام.. والإسلام يتساهل كثيرا في هذا الباب.

قلت: فهو انحناء إذن.

قال: ليس هذا انحناء.. وإن كان انحناء فهو انحناء عادات الشعوب للإسلام وعقيدة الإسلام.

قلت: كيف ذلك؟

قال: إن تلك العادات كانت مملوءة بالوثنية أو بغيرها من العناصر التي يرفضها الإسلام، وهي في حركاتها من اللهو المباح الذي لا يرفضه الإسلام.. ولذلك وقف العدول من المسلمين موقفا وسطا.. حفظوا بها عادات تلك الشعوب.. وحفظوا به في نفس الوقت سلامة عقيدتها.

قلت: فما هذا الموقف الوسط؟

قال: أقروا الحركات التي لا علاقة لها بالدين.. وأضافوا إليها ذكر الله.. والترنم بحبه.. فتحولت العادة عبادة.. وتحولت الطقوس الوثنية طقوسا دينية.

قلت: لم أفهم ما تقصد.. فإني أرى البعض يعتبر هؤلاء مارقة من الدين.

قال: تلك نظرة المتطرفين.. وهم لا يشكلون إلا جزءا لا يكاد يذكر أمام جماهير المسلمين.

أما عوام المسلمين.. وعلماء المسلمين.. فهم متشددون في أصول الدين.. متساهلون في العادات التي لا تمس جوهر الدين، ولا تؤذي حقيقته.

قلت: فأنت تقر كل ما يمارس في تلك المجامع.

قال: أنا ليس لي سلطة الإقرار ولا سلطة الإنكار.. ولكني لا أرى في ذلك خطرا على الإسلام.. بل أرى فيه صمودا عجيبا للإسلام.

ذلك أن أولئك يمارسون كل شعائر الإسلام بحرص شديد.. ولا يكتفون بذلك، بل يحولون عاداتهم عبادة، ولهوهم ذكرا.

قلت: ولكن العوائد مختلفة.. وهي تفرق بين المسلمين.

قال: مفهوم الوحدة في الإسلام مفهوم أسمى من كل المفاهيم التي نعرفها.. ذلك أنه يقرر القواعد والأصول.. ثم يترك لأتباعه ميادين كثيرة يمكنهم أن يختلفوا فيها من غير أن ينكر بعضهم على بعض([76]).

السلوك:

قلت: فلنتحدث عن الناحية الثالثة من نواحي الدين.. وهي السلوك.. وهي الناحية التي أرى أن حضارتنا المؤسسة على الكنيسة أفلحت فيها.. وخفق الإسلام.

قال: كيف عرفت ذلك؟

قلت: ألسنا أصحاب السلوك الحضاري الذي لم يصل أحد في الدنيا إلى سلوكه.

ابتسم، وقال: أي سلوك حضاري؟.. لو كنت قلت: إن هذه الحضارة التي سلمت زمامها للشيطان جمعت كل جرائم من سبقها من الحضارات كنت صادقا..

قلت: كيف ذلك؟

قال: تفصيل ذلك يطول.. وربما تجد من يتحدث لك عن تفصيل المقارنات في هذا الجانب([77]).. ولكني أقول لك من وحي دراستي للمصادر الإسلامية والتاريخ الإسلامي.. بل والواقع الإسلامي لكثير من شعوب المسلمين:

ليس هناك في الدنيا.. ولا في التاريخ.. ولا في مصادر الأديان سلوك أنظف ولا أرفع ولا أسمى من سلوك المسلمين.. ذلك أن السلوك في الإسلام عبادة لا تقل عن أي عبادة شعائرية.

ولهذا وردت النصوص الكثيرة تخبر بأن أرفع المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، ففي الحديث: (خياركم  أحاسنكم أخلاقا)([78])، وفي الحديث: (إن من أكمل المؤمنين إيمانا  أحسنهم خلقا، وخياركم  خياركم لنسائهم)([79]) 

بل ورد ما هو أعظم من ذلك، وهو أن درجة القرب من محمد ـ الذي يمثل الكمال الإنساني ـ بقدر حسن الخلق، ففي الحديث: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة  أحاسنكم أخلاقا وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون) قالوا: (يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون) قال: (المتكبرون)([80])

ولذلك، فإن الدرجات العليا والأجور العظيمة لا يحوزها إلا من حسن خلقه، ففي الحديث: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء)([81])، وفي الحديث: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة  لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، ويبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه)([82])، فجعل البيت العلوي جزاء لأعلى المقامات الثلاثة، وهي حسن الخلق والأوسط لأوسطها وهو ترك الكذب، والأدنى لأدناها وهو ترك المماراة وإن كان معه حق ولا ريب أن حسن الخلق مشتمل على هذا كله.

وسئل محمد عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: (تقوى الله وحسن الخلق)، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: (الفم والفرج)([83])

بل أخبر أن ( المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)([84])

ولهذا فإن القرآن يربط بين قضايا الإيمان والعبادة والسلوك في كل آياته.. ففي الآية التي تصف أصول البر يقول:﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة:177)

وفي الآية التي تثني على أوصاف المؤمنين يقول:﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (الأحزاب:35)

انطلاقا من هذا.. فإن للأخلاق الإسلامية مزايا كثيرة تميزها عن غيره من أنواع الأخلاق التي جاءت بها الأديان والمذاهب والفلسلفات..

فمن مزاياها ([85]) الثبات.. فالثبات في الأخلاق ضرورة، لأنها الضوابط التي تضبط سلوك الناس، ولأنّها المقياس الذي يلتقي عنده الجميع.. وتتميز الأخلاق الإسلاميّة في ذلك على الأخلاق المنبثقة عن العادات والتقاليد، والتي هي متغيرة لأنها من وضع الإنسان القاصر.

ومن مزاياها الفطرية.. وذلك ما يجعلها يسيرة وفعّالة في حياة البشر.. أمّا الأخلاق المنبثقة عن العادات والتقاليد فتكون في أحيان كثيرة منافية للفطرة، وعلى وجه الخصوص في حالات انتكاس المجتمع وتدهور أخلاقياته، وتكون في أحيان أخرى مثاليّة ومجافية لواقع النفس البشريّة، وهذا يعني أنّ الأخلاق الإسلاميّة واقعيّة، لأنها تراعي واقع الإنسان وفطرته.

ومن مزاياها العملية.. فهي إيمان وعمل، وهي تختلف عن الأخلاق في المنظور الفلسفي، حيث أنّ الفلسفة تقدم الجانب المعرفي ولا تهتم بالجانب العملي التطبيقي.

ومن مزاياها.. أنها تستند إلى العقيدة، وتنبثق عنها، وهذا ما يجعلها قناعات قبل أن تكون سلوكاً، على خلاف الأخلاق التي تستند إلى العادات والتقاليد؛ فكثيراً ما تُمارس هذه الأخلاق على أساس من التقليد غير الواعي وبُحكم العادة، ويغلب أن يكون الدافع إليها الرغبة في إرضاء المجتمع.

ومن مزاياها.. أنها عبادة يثاب فاعلها، ويتقرب بها إلى الله تعالى، مما يجعلها ذات منفعة دنيويّة وأخرويّة، على خلاف الأخلاق المنبثقة عن العادات والتقاليد، ولذلك يسهل نبذها عندما تتعارض مع المصالح الدنيويّة للفرد أو الجماعة.

ومن مزاياها.. أنها مُلزمة، وتأتي سلطة الإلزام ابتداءً من القناعة الدينيّة، ثم من الرغبة في مثوبة الخالق والرهبة من عقوبته، ثم من نظرة المجتمع المؤمن الذي يعيش فيه المسلم، ثم ما يكون من قانون يُنظّم المجتمع ويحمي قيمه.. أمّا الأخلاق المنبثقة عن العادات والتقاليد فتضعف فيها سلطة الإلزام والتي يغلب أن تكون منحصرة في نظرة المجتمع، حيث أنّ القانون الوضعي لا يشمل الكثير من مسائل الأخلاق.

ومن مزاياها.. أنها شاملة لكل سلوكيات الإنسان، لا يستثنى من ذلك أي سلوك.. ثم هي تشمل الفرد والجماعة، والحاكم والمحكوم، وتشمل جميع فئات المجتمع في جميع الظروف.. وهي تشمل ظاهر الإنسان وباطنه وجميع جوانب شخصيّته، على خلاف الأخلاق المنبثقة عن العادات والتقاليد والفلسفات، حيث أنها قاصرة ولا تشمل كل سلوك، ثم هي تتعامل مع الظاهر ولا سلطان لها على الباطن، ثم هي في ظروف الحرب، مثلاً، تختلف عنها في ظروف السلم، ونجدها أحياناً تختلف بين حاكم ومحكوم، وخادم ومخدوم، وصغير وكبير، وطبقة اجتماعيّة أخرى.

قلت:  ولكن الواقع الإسلامي يختلف كثيرا عن هذه المثالية التي تذكرها.

قال:  نعم.. الواقع الإسلامي متخلف كثيرا عن هذه المثل.. ولكن.. ألم تتساءل عن سر ذلك؟

قلت:  لم أتساءل.

قال:  أنا تساءلت عن ذلك، وبحثت عنه، وقد وجدت أن أولئك المتخلفين لم يتتلمذوا على محمد في سلوكهم، ولم يتعرضوا لأشعة محمد حتى يرتفعوا إلى هذه المثل.

قلت:  فعلى من تتلمذوا؟

قال:  علينا نحن.. تتلمذوا على ما نبثه لهم عبر وسائل الإعلام الكثيرة التي لا هم لها إلا إفسادهم وتضليلهم.

قلت:  فقد انحنى الإسلام في هذه الناحية إذن؟

قال:  لا.. مدرسة الإسلام لم تنحن.. ولكن بعض المسلمين انحنوا.. ولو أتيح لهم الجو المناسب، فسيقومون من جديد..

قلت:  من ضمن لك ذلك؟

قال:  أنا لست في شك من ذلك.. لأن الفطرة التي تملأ نفوسهم لن يؤثر فيها أي انحراف.

الانتشار:

قلت:  فحدثني عن صمود الانتشار..

قال:  لقد ذهبت إلى التاريخ أقارن أنواع البلاء التي تعرضت لها العقائد والمذاهب والأفكار، فلم أجد مواجهات عنيفة كتلك المواجهات التي قوبل بها الإسلام.. ولم أجد صمودا كذلك الصمود الذي أبداه المسلمون.

إن تاريخ الإسلام حافل بالمواجهات بينه وبين أعدائه والمكيدين له والمتآمرين عليه.. وفي كل مرة كان الإسلام يخرج منتصرا شامخا([86])..

لقد اجتمع على محمد العدوان الثلاثي: المشركون كلهم في جزيرة العرب، واليهود والمنافقون في غزوة الأحزاب، فخرجوا من ذلك العدوان منتصرين.

وحاربتهم الدول العظمى في ذلك العهد: الروم في الشمال، والفرس في الشرق، والأحباش في الجنوب، فكان النصر لهم على تلك الدول جميعا.

واجتمعت على حربهم الدول الصليبية، وكانوا في غاية من الضعف والتفرق، ولكن أعداءهم خرجوا في النهاية يجرون أذيال الهزيمة..

واجتاح التتار وزعيمهم هولاكو عاصمة الخلافة بغداد، وسيطروا على المسلمين سيطرة لم يكونوا يظنون أنهم سيطردون منها شر طردة، ولكن النصر كان حليف المسلمين.

واستجاب أتاتورك لليهود والصليبيين، وأغلق مدارس المسلمين وغير مناهجهم وأكرههم على إظهار موافقته في كتابة أغلى كتاب على وجه الأرض بغير حروفه العربية، وأرغمهم على الأذان بغير ألفاظه العربية، وأنزل بالمسلمين من المحن والمصائب ما لا يخفى على قارئ التاريخ، ولكن المسلمين درَّسوا أولادهم في دهاليز منازلهم، وفي حظائر دوابهم القرآن والحديث، والفقه، والتفسير، والتاريخ الإسلامي، وإذا الجيل الذي نشأ في عهده يظهر بعد إدباره حافظا للقرآن، متقنا للغة العربية، متمسكا بدينه.. رافضا مبادئ أتاتورك وزمرته على رغم تسلطهم واستبدادهم الشامل الذي تدعمه القوة العسكرية..

وجثم الاتحاد السوفييتي على صدور المسلمين في آسيا الوسطى سبعين عاما، قتل من قتل، واعتقل من اعتقل، وشرد من شرد، وحظر على المسلمين حمل القرآن، ومع ذلك خرج الجيل الذي نشأ في ظل هذا النظام الظالم، وهو يحفظ القرآن، ويحفظ أحكام دينه ويلتزم بها، وما جوهر دوداييف، وزملاؤه الذين سلكوا سبيله إلى الآن إلا دليل على أن المسلمين يستعصون على أي عدو يحاول القضاء عليهم وعلى دينهم..

والمحتلون الأوربيون البريطانيون، والفرنسيون والإيطاليون، والبرتغاليون، والألمان والأسبان، الذين اغتصبوا بلدان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وبقوا فيها فترات طويلة، حتى أصبحت في ظاهر الأمر جزءا من بلد المحتل، خرجوا جميعا وهم يجرون أذيال الهزيمة..

وهاهم المسلمون اليوم، يجاهدون أعداءهم الأقوياء ماديا المعتدين عليهم في بلدانهم، في فلسطين والعراق والفيليبين والشيشان وأفغانستان وغيرها من البلدان، برغم ضعفهم المادي، صابرين مستبسلين، لا يخافون إلا ربهم، وسيبقون كذلك حتى يحقق الله لهم النصر على عدوهم..

ولم تكن الحرب حربا عسكرية فقط.. ولم يكن الصمود صمودا عسكريا فقط..

لقد وضعت مخططات كثيرة.. وحيكت مؤامرات كثيرة لينحرف المسلمون عن دينهم.. لكنها كلها باءت بالفشل..

لقد قال (زويمر) في بداية المؤتمر العالمي للتبشير في القدس سنة (1933) يفضح هذه المؤامرات، ويبين الهدف منها: (إن مهمتكم إخراج المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا  لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاقية التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، إنكم أعددتم شبابا  في بلاد الإسلام لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقا  لما أراده له الإستعمار، لا يهتم بعظائم الأمور ويحب الراحة والكسل ولا يصرف همه في الدنيا إلا في الشهوات، فإذا تعلم فللشهوات وإذا جمع المال فللشهوات، وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بأغلى ما يملك)

ويقول زويمر: (إن السياسية الإستعمارية لما قضت منذ سنة (1882) على برامج التعليم في المدارس الإبتدائية أخرجت منها القرآن، ثم تاريخ الإسلام، وبذلك أخرجت ناشئة لا هي مسلمة ولا هي مسيحية ولا هي يهودية، ناشئة مضطربة مادية الأغراض لا تؤمن بعقيدة ولا تعرف حقا  للدين ولا للوطن حرمة)

ويقول (هاملتون جب) المستشرق الإنجليزي في كتابه (جهة الإسلام) سنة (2391م): (إن العالم الإسلامي سيصبح خلال فترة قصيرة لا دينيا في كل مظاهر حياته)([87])  

هذا ما كان قومنا يتوقعونه من الأجيال القادمة.. لقد عادوا يفركون أيديهم فرحا  بعد أن رأوا مجموعات من خريجي جامعاتهم لا يعبأون بدين، ولا يهتمون بخلق ولا قيمة، ولكن كل تلك المخططات باءت بالفشل، وانحنت أمام صمود الإسلام.

لقد أنفقوا أموالهم وأحكموا خططهم ودبروا مكائدهم لإخراج جيل لا ديني، توقع سادته أن يكون سحق الإسلام في المنطقة على يده، وأقموا الجامعات وفرضوا الإختلاط وأقصوا الصادقين من حملة القيم والأخلاق عن كل المراكز الحساسة، وقربوا دعاة الإباحية والإلحاد والعلمانية والفساد إليهم، ونصبوهم قضاة وسادة وأقاموا حولهم الهالات، ونفخوا في الأقزام حتى أضحوا عمالقة في أعين الرعاع والدهماء، ولكن هل كان لهم الذي أرادوا؟ هل أقصي الإسلام نهائيا  عن حياة الفرد والأسرة والمجتمع؟

قلت:  نعم.. لقد نجحوا في كثير من ذلك..

قال:  ولكن تلك المدارس التي خططوا لها أن تصير مدارس علمانية لا صلة لها بدين ولا خلق راحت تدفع بالأفواج إلى الإسلام.

لقد أضحت الجامعات التي سهروا على منهاجها وظنوها مراكز التدمير تقدم نماذج من الشباب الصادق الملتزم الذي يضحي بكل شيء من أجل عقيدته ودينه.

لقد أصبحت الجامعات كبلاط فرعون يربى فيه موسى عليه ليهدم بيده عرش فرعون ويسحب البساط من تحت رجليه.

أما سحر حضارتنا.. فلم يعد يخدع الأبصار.. فققد تفتحت أعين المسلمين على نور الإسلام، وانفتحت بصائرهم لتقبل الحق، بعد انبلاج الحق وسطوع نوره على القلوب والنفوس.

فحيثما تتوجه الآن في الكرة الأرضية تجد رجوعا  إلى الإسلام.. تجد نفوسا  متعطشة للدين، حتى تستظل بفيئه بعد أن أضناها لفح الهاجرة وأرهقها طول المشي في التيه([88]).

قلت:  ولكن الإسلام ـ الآن ـ يواجه حروبا عظيما.. حروبا في كل النواحي، ومن كل الجهات.. فهل تراه سيصمد لها؟

قال: لا أقول يصمد لها فقط.. بل إنه سينتصر فيها.. وسيعود أولئك المحاربون إلى الإسلام أفواجا كما عاد القرشيون..

هذا (ديباسيكييه) المفكر الفرنسي، يرشح الإسلام كمنقذ وحيد للبشرية فيقول: (إن الغرب لم يعرف الإسلام أبدا، فمنذ ظهور الإسلام اتخذ الغرب موقفا  عدائيا  منه، ولم يكف عن الإفتراء عليه والتنديد به لكي يجد المبررات لقتاله، وقد ترتب على هذا التشويه أن رسخت في العقلية الغربية مقولات فظة عن الإسلام، ولا شك أن الإسلام هو الوحدانية التي يحتاج إليها العالم المعاصر ليتخلص من متاهات الحضارة المادية المعاصرة التي لا بد أن استمرت أن تنتهي بتدمير الإنسان)([89])

إن هؤلاء الكتاب الغربيين يقفون نفس الموقف الذي وقفه هرقل عندما وصله كتاب محمد، فقد سأل أبا سفيان عن أحوال محمد، وبعد أن أخبره قال هرقل لأبي سفيان: (إن كان ما تقول حقا، فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه)([90])   

لقد كان هرقل عاقلا  يدرك أن أمر العقائد إلى إقبال، وأمر السلطان الذي لا يدعمه فكر وعقيدة إلى زوال، كان هرقل آنذاك يحكم إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، ولكنه يراها متفسخة من داخلها، وسرعان ما تتهاوى على رؤوس أصحابها، ولأول ضربة من ضربات أعدائها.

ولهذا فإن أعداء الإسلام الذين درسوا تاريخه يعرفون قدرته على الممانعة والمواجهة والخروج من الأزمات.. يقول ابن غوريون: (نحن لا نخشى الإشتراكيات ولا القوميات ولا الملكيات في المنطقة، إنما نخشى الإسلام، هذا المارد الذي نام طويلا  وبدأ يتململ في المنطقة، إني أخشى أن يظهر محمد جديد في المنطقة)

وبمثل هذا شهد أصدقاؤنا من المستشرقين، يقول (كوستاف لوبون): (مع ما أصاب حضارة العرب من الدثور، كالحضارات التي ظهرت قبلها: لم يمس الزمن دين النبي الذي له من النفوذ ما له في الماضي، والذي لا يزال ذا سلطان كبير على النفوس، مع أن الأديان الأخرى التي هي أقدم منه تخسر كل يوم شيئًا من قوتها.. وتجمع بين مختلف الشعوب التي اتخذت القرآن دستورًا لها وحدة اللغة والصلات التي يسفر عنها مجيء الحجيج إلى مكة من جميع بلاد العالم الإسلامي. وتجب على جميع أتباع محمد تلاوة القرآن باللغة العربية بقدر الإمكان، واللغة العربية هي لذلك أكثر لغات العالم انتشارًا على ما يحتمل، وعلى ما بين الشعوب الإسلامية من الفروق العنصرية ترى بينها من التضامن الكبير ما يمكن جمعها به تحت علم واحد في أحد الأيام)([91])

ويقول: (كان سلطان الإسلام السياسي والديني قويًا في بلاد الهند، ورسخ فيها ثمانية قرون بفضل ملوك الإسلام الذين تداولوا حكمها، ولا يزال سلطان الإسلام الديني قائمًا في بلاد الهند، وإن توارى سلطانه السياسي عنها، وهو يمضي قدمًا نحو الاتساع)([92])

ويقول: (تأثير دين محمد في النفوس أعظم من تأثير أي دين آخر، ولا تزال العروق المختلفة التي اتخذت القرآن مرشدًا لها تعمل بإحكام كما كانت تفعل منذ ثلاثة عشر قرنًا)([93])

ويقول: (دخلت حضارة العرب في ذمة التاريخ منذ زمن طويل، ولا نقول، مع ذلك أنهم ماتوا تمامًا، فنرى الآن ديانتهم ولغتهم اللتين أدخلوهما إلى العالم أكثر انتشارًا مما كانتا عليه في أنضر أدوارهم.. ولا يزال الإسلام جادًا في تقدمه.. واليوم يدرس القرآن، فيما عدا جزيرة العرب، في مصر وسورية وتركية وآسية الصغرى وفارس وقسم مهم من روسية وأفريقية والصين والهند، وتناول القرآن مدغشقر وأفريقية الجنوبية، وعرف في جزر الملايو، وعلمه أهل جاوة وسومطرة وتقدم إلى غينيا الجديدة، ودخل أمريكا مع زنوج أفريقية.. ويتقدم الإسلام في الصين تقدمًا يقضي بالعجب.. حيث اضطر المبشرون الأوروبيون إلى الاعتراف بالحدود وسيقوم الإسلام كما يقول وازيليف مقام البوذية، ومسلمو الصين لا يشكون في ذلك وهذه المسألة على جانب عظيم من الأهمية. فإذا اعتنقت الصين دين الإسلام تغيرت علاقات العالم القديم السياسية تغيرًا عظيمًا وأمكن دين محمد أن يهدّد النصرانية من جديد)([94])

يقول جب في كتابه (Wither Islam) (جهة الإسلام)، وهو كتاب كتبه مجموعة من المستشرقين نتيجة أبحاث قدمت لمؤتمر في جامعة (برنستون في أمريكا: (إن الحركات الإسلامية تتصور عادة بسرعة مذهلة مدهشة، فهي تنفجر انفجارا  مفاجئا  قبل أن يتبين المراقبون من إماراتها ما يدعوهم إلى الإسترابة في أمرها، فالحركات الإسلامية لا ينقصها إلا الزعامة وظهور صلاح الدين)

***

عندما وصل (جابرييلي فرانشيسكو) من حديثه إلى هذا الموضع استأذنني في الانصراف، فقلت له:  اسمح لي حضرة الأستاذ الفاضل أن أسألك هذا السؤال الذي حيرني..

قال:  تريد أن تسأل عن سر عدم إسلامي مع هذه الحماسة التي أبديها للإسلام.

قلت:  أجل.. فأنا في غاية العجب منك.

قال: أنت تعلم ما قاله (اللورد هدلي)

قلت: تقصد قوله: (إنني أعتقد أن هناك آلافاً من الرجال والنساء أيضاً، مسلمون قلباً، ولكن خوف الانتقاد والرغبة في الابتعاد عن التعب الناشئ عن التغيير، تآمروا على منعهم من إظهار معتقداتهم)

قال:  أجل.. وهذا ما أستطيع أن أجيبك به، ولن أزيد.

قال ذلك.. ثم انصرف سائرا من غير أن يسألني عني..

بقيت أتأمل تلك الشجرة العظيمة لأرى فيها من عزة الإسلام وصموده ما كان محجوبا عن بصيرتي.

وفي تلك الأثناء تنزلت علي أنوار جديدة اهتديت بها بعد ذلك إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ثالثا ـ قيم

في اليوم الثالث من تلك الأيام العشرة المباركة، التقيت المستشرق الذي قطفت على يده ثمرة القيم من شجرة النبوة..

وهي الثمرة التي عرفت بها سر قوله تعالى:﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) (المائدة)

وسر قوله تعالى:﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)﴾(الإسراء)

وعرفت بها سر قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما بعث لاتمم مكارم الاخلاق)([95])  

فهذه النصوص المقدسة تخبر عن مقصد شريف من مقاصد الإسلام، وهو التزكية والتربية وبث القيم الرفيعة في النفوس والمجتمعات المسلمة، وهو هدف لم يتحقق إلا في الإسلام.. ولم أعرف برهان ذلك إلا في ذلك اليوم المبارك.

***

منذ وطئت قدماي أرض السربون كان لي شوق عظيم لأن ألتقي (آرثر جون آربري)([96]).. لقد كنت أشعر بأن بيننا صلات قرابة كثيرة..

فهو يهتم بالقيم الإنسانية الرفيعة، ويعتبرها الثمرة الكبرى لكل دين، بل يقيم الأديان على أساسها، وكنت مثله في ذلك.

وقد كانت القيم التي يبشر بها هي نفس القيم التي أشعر بأهميتها الكبرى في بناء الحياة الإنسانية.

وقد كان مع ذلك يتألم كثيرا لتخلف القيم عن المجتمعات المعاصرة التي باعت نفسها للشياطين الذين وضعوا لها دساتير تخالف دساتير الفطرة التي طبعت عليها.

في ذلك الصباح الجميل.. وفي حديقة من حدائق باريس تشتهر بأنواع جميلة من الأزهار.. تفوح بكل روائح العطر العذبة.. وتشرق منها جميع ألوان الابتسامة.. رأيته كراهب يجثو أمام زهرة من الزهرات يتأملها، ويغرق في تأمله.

كنت أعلم حبه للغة العربية.. فلذلك اقتربت منه، وأنشدته قول مسعود سماحة:

تمتعْ بأزهارِ هذي الحياة            فإِن حياتكَ بعضُ الزمنْ

وخلِّ النضارَ وجمعَ النضار      فما زاد نفسكَ غيرُ الكفنْ

التفت إلي، وقال: صدقت.. ولا فض فوك..

ثم نظر إلى الأزهار، وقال: صدق مسعود سماحة.. لقد عبر خير تعبير عن جمال الحياة التي تختزنها هذه الأزهار.

قلت: أراك غارقا في التأمل فيها.. فهل ترى فيها ما لا نرى؟

قال: ربما ترى فيها أنت ـ ما دمت تتذوق الشعر ـ ما أرى.. ولكن الكثير ممن ترى لا يرى ما نرى.

قلت: أنا لا أرى إلا زهرة تفوح بأريج العطر، وتملأ العين بثغرها الجميل المبتسم.

قال: إن هذه الزهرة التي تراها تختزن جميع القيم الكريمة..

ثم التفت إلى البشر الذين حوله، وقال: لقد كان في إمكان كل فرد من هؤلاء أن يكون كهذه الزهرة.. وكان في إمكان البشر جميعا أن يتحولوا إلى أزهار طيبة تفوح بأعذب ألحان العطر.. وكان في إمكان الأرض أن تصبح بذلك حقلا كبيرا وحديقة عظيمة وجنة من الجنان لا تقل عن جنان الآخرة..

قاطعته قائلا: فما الذي حال بينهم وبين أن يكونوا كذلك؟

قال: الشهوات التي ملأتهم بها الشياطين، والأنانية التي جعلتهم يدوسون كل زهرة، ويخنقون كل عطر.

قلت: فأنت يائس إذن من البشر.. سلمت نفسك لعالم الأزهار..

قال: لا.. لست يائسا.. لقد ترك رجل من البشر وطئت قدماه ثرى الأرض ذات يوم بذورا كثيرا لأزهار جميلة ظلت تتفتح في كل العصور.. لعلها في يوم من الأيام تستطيع أن تحول الأرض حديقة غناء..

قلت: تقصد المسيح.. لا شك أنك تقصده.

قال: المسيح ترك بذورا كثيرا لأزهار جميلة.. لكن المجرمين خنقوها في مهدها، لعلهم حافظوا على ألوانها وبعض روائحها، ولكنهم سقوها السم الزعاف، فلا يقترب منها أحد إلا أصابه من سمها.

قلت: فمن هذا الذي بقيت أزهاره سالمة لم تخنق؟

قال: محمد.

قلت: نبي المسلمين.

قال: نبي العالمين.. إنه النبي الوحيد الذي لا تزال بذور أزهاره حية عطرة جذابة يمكنها أن تحول الأرض جميعا حديقة غناء.

 قلت: أنت مغرم باللغة والأدب.. وقد قرأت لك ترجمتك لمسرحية (مجنون ليلي) لأحمد شوقي.. فما الذي جعلك تربط بين تعاليم محمد، وبين الأزهار؟.. أو ما هو وجه الشبه بينهما؟

قال: انظر إلى هذه الزهرة الجميلة.. وأخبرني عن سر جمالها.

قلت: أنت تكلفني عنتا.. فالجمال ذوق من الصعب الحديث عن أسراره.

قال: أما أنا.. فقد حاولت أن أجعله علما.. وحاولت أن أبحث عن سر أسراره.

قلت: لم؟

قال: لأبحث عن كيفية تحويل البشر إلى أزهار.. لقد وجدت أثناء بحثي المضني سبعة أسرار.. فلما انتهيت من تحديدها رحت أبحث في الفلسفات وفي الأديان عمن عبقت تلك الأسرار السبعة من تعاليمه، وفي الأجيال التي تربت على تعاليمه، فلم أجد ذلك إلا في دين محمد.

قلت: فما هذه الأسرار السبعة.

قال: العفاف، والكرم، والنبل، والتضحية، والقوة، والأمانة، والصدق.. وقد رأيت من خلال بحثي عن سر الزهرية في الأزهار أنها كلها ترجع إلى العفاف.. أو كلها تنطلق من العفاف.. فالفرد العفيف مأوى لكل فضيلة، والمجتمع العفيف مأوى لكل القيم.

لقد صدق محمد عندما عبر عن ذلك، فقال: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الاولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت)([97]).. فالحياء الذي أساس العفة.. هو الحاجز بين الإنسان وكل رذيلة، وهو الحامل لكل إنسان على كل فضيلة.   

قلت: فهل ترى في هذه الأزهار ما تذكره من هذه الصفات؟

قال: لولا توفر الأزهار على هذه الصفات ما كانت أزهارا..

قلت: فحدثني عنها.

قال: حديثها طويل.. وسأختصره لك اختصارا.. ولكني لن أحدثك عن القيم التي جاء بها محمد حتى أحدثك عن القيم التي نشرتها شياطين الرذيلة في مجتمعاتنا.. فلا يظهر جمال النور إلا في الظلمة.

قيم الجاهلية

نظر إلى الأزهار بحزن، ثم قال: لقد خلق الله البشر مثل هذه الأزهار براءة وعذوبة وجمالا.. لقد كان عبير البشر الأزهار يسيح في الأرض، فيملأها بالجمال..

لكن المجرمين الذين استسلموا لأهوائهم راحوا يحولون من تلك الأزهار الجميلة أشواكا وسموما.. فصارت الأرض التي كانت جنة سجنا.. وصارت الأرض التي كانت مأوى الطيبة والعفاف ماخورا للخبث والرذيلة..

لقد صارت كما ذكر القرآن في (جاهلية)..

قلت: نعم.. لقد وصف القرآن قوم محمد بأنهم كانوا يعيشون جاهلية.

قال: كما وصف غيرهم بأنهم في جاهلية.. فالجاهلية في المفهوم القرآني لا تعني فترة زمنية.. ولا محلا مكانيا.. بل تعني قيما منحطة، ونظما جائرة، وأخلاقا منحرفة، وفكرا شيطانيا..

إن الجاهلية في المفهوم القرآني هي الكلمة البديلة عن كل ذلك..

لقد ذكر القرآن جاهلية التصور، فقال:﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ (آل عمران:154)

وذكر جاهلية الحكم، فقال:﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:50)

وذكر جاهلية التبرج، فقال:﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ (الأحزاب:33)

وذكر جاهلية العصبية والقومية والوطنية، فقال:﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ (الفتح:26)

قلت: ولكن الجاهلية مشتقة من الجهل.. والجهل لا يعني إلا تخلف العلم.

قال: أعظم الجاهليات هي الجاهليات التي تحول من العلم حمارا تركبه لتنفذ به مآربها الخسيسة.. لا تحول العلم فقط.. بل تحول كل مسؤولية تناط بها.

وقد كان قومنا من هؤلاء..

أما رجال ديننا، فحولوا من الكتاب المقدس شبكة يصطادون بها أموال الناس وأعراضهم..

وأما رجال دنيانا، فحولوا من السلطات التي خولت لهم وسيلة لجر رعاياهم إلى مستنقعات الشياطين، لأنه لا يستقيم لهم الأمر إلا إذا عبدت رعيتهم الشياطين.

قلت: أراك متحاملا على رجال الدين ورجال الدنيا!؟

قال: لست متحاملا.. ولكنها الحقيقة التي عرفتها بعد كل تلك السنين..

لقد عرفت أن القيم النبيلة لم تكن في يوم من الأيام إلا في الإسلام.. وأنها لن تكون في يوم من الأيام إلا بالإسلام..

الإسلام وحده هو الإكسير الذي يقضي على كل سموم الجاهلية.

المسيحية:

نظر إلي، ثم قال: قد تتهمني بالحياد.. وتخطئ في ذلك.. لأني لم أكن في يوم من الأيام مسلما، ولكني أحدثك عن جهود وبحوث امتدت بي إلى ما تراه من عمر.

لقد بدأت بالمسيحية.. بحكم كوني من أسرة مسيحية.. وأعجبت بالرهبان الذين مثلوا العفاف والمروءة والنبل ـ في نظري في ذلك الوقت ـ في أرقى درجاتها.. ولكني بعد ذلك عرفت أن سلوك الرهبان لم يزد الفجور إلا انتشارا، ولا الانحراف إلا رسوخا.

قلت: كيف ذلك؟

قال: حديث ذلك يطول.. فالجاهلية التي تغلغلت في جميع مناحي الحياة من الصعب جمع جميع تفاصيلها.. ولذلك سأحدثك عن بذرة خطيرة من بذور الجاهلية، وهي في نفس الوقت ثمرة من أخطر ثمارها.

لقد اعتبرها الإسلام حماية الفرد والمجتمع منها مقصدا من مقاصده، بل من ضروريات مقاصده.

قلت: تقصد حفظ العرض والنسل.

قال: أجل.. لقد قال محمد يبين خطورة هذا النوع من الانحراف: (من وقاه الله شر ما بين لحييه، وشر ما بين رجليه دخل الجنة)([98])  

وقد وضع الإسلام لأجل وقاية المجتمع لأجل تحقيق هذا المقصد منظومة كاملة من التشريعات.. لا يزال قومنا يسخرون منها ويضحكون مع أنه لا يمكن للبشر أن يتحولوا إلى أزهار من دونها.

قلت: لقد كنت تحدثني عن الرهبان..

قال: أجل.. لقد أراد الرهبان أن يصادموا الفطرة بموقفهم من المرأة، فصدمتهم.

لقد كان الرهبان..حسب ما استنتجت بعد ذلك سببا من أسباب الرذائل التي تعيشها مجتمعاتنا.

لقد كانوا ينشرون إيحاء عاما في المجتمع بأن المرأة مخلوق شيطانى دنس ينبغى الابتعاد عنه.. وكانوا يرون أن الزواج ضرورة غريزية حيوانية للعامة، ولكن السعيد الأتقى من استطاع أن يرتفع عنها ولا يتزوج([99]).

لقد قال أحد رجال الكنيسة لتلاميذه مرة: (إذا رأيتم امرأة فلا تحسبوا أنكم ترون كائناً بشرياً، بل ولا كائنا وحشياً، وإنما الذى ترون هو الشيطان بذاته والذى تسمعون هو صفير الثعبان)([100])

وقد عبرت (رأى ستراتشى) إحدى المطالبات بحقوق المرأة فيما بين الحربين، عن موقف الرهبانية، فقالت: (يستفاد من النظرية التى أوصت بهذا التطاول عن المرأة أن الشهوة الجنسية هى أشنع الخطاياً جميعاً، وأنها كانت فى الحقيقة الخطيئة التى سببت سقوط الإنسان، وإن العفة الكاملة هى أعلى مثل فى الحياة وأنه يجب أن يلعن النساء لأنهن سبب الغواية، وكان يقال أن الشيطان مولع بالظهور فى شكل أنثى وأنه طالما زار النساك بهذه  الصورة فى كهوفهم الجبلية وصفوة القول أن مجرد التفكير فى النساء كان خطراً وأن المرأة نفسها كان نحساً من النحوس)([101])  

ومضت الأمور على ذلك حيناً طويلا: مباذل شنيعة بشعة فى الإمبراطورية الرومانية على اتساعها، ورهبانية واسعة الآفاق على حدود الصحارى، وفى داخل المدن، فراراً من الفساد.

لقد ذكر (ليكى) فى كتابه (تاريخ الأخلاق فى أوروبا) تأثير سلوك الرهبان السلبي في انتشار الرذائل، فقال: (كانت الدنيا فى ذلك الحين تتأرجح بين الرهبانية القصوى والفجور الأقصى، وإن المدن التى ظهر فيها أكبر الزهاد كانت أسبق المدن فى الخلاعة والفجور، وقد اجتمع فى هذا العصر الفجور والوهم اللذان هما عدوان لشرف الإنسان وكرامته)([102])  

ويصور الكاتب النفور من المرأة وما يرتبط بها من علاقات فى ظل الرهبانية،  فيقول: (وكانوا يفرون من ظل النساء، ويتأثمون من قربهن والاجتماع بهن، وكانوا يعتقدون أن مصادفتهن فى الطريق والتحدث إليهن، ولو كن أمهات أو أزواجاً وشقيقات تحيط أعمالهم وجهودهم الروحية)

وقال ترتوليان Tertulian، وهو أحد أقطاب المسيحية الأول وأئمتها، مبينا نظرية المسيحية فى المرأة: (إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، وإنها دافعة بالمرء إلى الشجرة الممنوعة، ناقضة لقانون الله. ومشوهة لصورة الله ـ أى الرجل ـ)

وقال كرائى سوستام Chry Sostem الذى يعد من كبار أولياء الديانة المسيحية فى شأن المرأة: (هى شر لابد منه، ووسوسة جبلية، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة، ورزء مطلى مموه)

لقد كانت هذه أقوالهم.. ولكن أفعالهم لم تكن كأقوالهم..

فالتاريخ يشهد في جميع فتراته على الفضائح الكثيرة التي كانت تنتشر داخل دور العبادة وبين الرهبان والراهبات.. ولا تزال مثل هذه الفضائح تنشرها الجرائد كل حين..

نظر إلي، وقال: لا تستغرب.. فمن يقرأ ما في الكتاب المقدس من نصوص تكاد تصور الرذيلة للعين، بل تكاد تجعلها شيئا مقدسا لا يستغرب أن يحصل كل ذلك.

ففي الكتاب المقدس نصوص كثيرة تبيح الرذيلة، بل تكاد تقدسها([103]).

فـ (البغاء) من الوظائف المحترمة في الكتاب المقدس، والبغيُّ شخصية مقبولة فيه، وإن كانت مُحتقَرة في المجتمع العبراني القديم، ففي سفر التكوين (38/14 ـ 19) ذكر أن يهودا عاشر عاهرةً نظير أجر، ولا يوجد في السياق ما يدل على أن هذا أمر مرفوض أخلاقياً، وقد اتضح فيما بعد أن العاهرة هي تامار زوجة ابنه الذي مات، وقد أنجبت من والد زوجها طفلين.

ويذكر سفر يشوع قصة العاهرة راحاب التي ساعدت العبرانيين على دخول أريحا (يشوع 2/1 ـ حتى نهاية السفر)، وترد في سفر الملوك الأول  3/16) ـ 27) قصة سليمان مع الأُمَّين اللتين تنازعتا طفلاً، وهما في القصة عاهرتان.

وتوجد في سفر القضاة (16/1) إشارة إلى زيارة شمشون لعاهرة في غزة.

ليس ذلك فقط.. بل إن إبراهيم ذلك النبي الذي اجتمعت الأمم على فضله يتحول في الكتاب المقدس إلى بائع لعرضه.. ففي العهد القديم إشارة صريحة إلى أن إبراهيم قد استفاد مالياً من العلاقة الجنسية لزوجته بفرعون مصر.

وإستير البطلة اليهودية التي يوجد في الكتاب المقدس سفر مسمَّى باسمها هي الأخرى عاهرة.

والإشارات والقصص في الكتاب المقدس كلها تدل على أن مهنة البغاء مهنة طبيعية، قد تكون وضيعة ولكنها، مع هذا، جزء من البناء الاجتماعي والأخلاقي.

وقد ورد في العهد القديم فقرات لا تُحرِّم البغاء في حد ذاته، وإنما تُحرِّم على العبرانيين أن يدعوا بناتهم يعملن بهذه المهنة: (لا تدنس ابنتك بتعريضها للزنى لئلا تزني الأرض وتمتلئ الأرض رذيلة) (لاويين 19/29)

وهناك فقرات تُحرِّم على الكهنة الزواج من عاهرات: (امرأة زانية أو مدنَّسة لا يأخذ ولا يأخذوا امرأة مطلقة من زوجها) (لاويين 21/7). وهي تحريمات ليست عامة أو مطلقة وإنما مقصورة على أفراد معيَّنين وتحت ظروف معيَّنة. ولذا، فإننا نجد إشارات عديدة في العهد القديم إلى عاهرات يقمن بوظيفتهن بشكل شبه عادي (أمثال 7/1. ـ 23، أشعياء 23/16، ملوك 22/38)([104]) 

طأطأت رأسي خجلا، فقال: ليت الأمر اقتصر على هذا.

قلت: أهناك ما هو أخطر من هذا؟

قال: أجل.. لقد تحولت الكنائس التي يأوي إليها الشاردون الذين غلبتهم شهواتهم لتملأهم بالعفاف محال لا تكتفي بالسكوت على الرذائل فقط.. بل تيسر الطريق إليها..

سأذكر لك شهادة رجل مسلم عاش في أمريكا مدة، واختلط ببعض كنائسها، وقد وصف بدقة ما رآه ([105])..

لقد قال يقدم لتلك الشهادة: إن كثيرين مممن لم يعيشوا بعض الوقت فى أوروبا أو أمريكا ـ أو ممن عاشوا هناك ولكنهم لم يتعمقوا وراء الظواهر ـ كثيراً ما تخدعهم كثرة الكنائس وانتشارها ـ وبخاصة فى الولايات المتحدة ـ حيث تقوم فى البلد الصغير الذى لا يتجاوز تعداده عشرة آلاف نسمة أكثر من عشرين كنيسة أحياناً.. وكثيراً ما تخدعهم كثرة مظاهر الاحتفالات الدينية والمراسم والأعياد الدينية.. وكثيراً ما تخدعهم كثرة الأحزاب التى تحمل أسماء (المسيحية).. ثم كثيراً ما يخدعهم ما يكتبه ويذيعه رجال الدين من كتب ومقالات وبحوث وإذاعات فى موضوعات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية البحتة أحياناً..

كثيراً ما يخدعهم هذا كله فيحسبون أن للدين شأناً فى أوروبا وأمريكا، وأن لرجال الدين أثراً فى الحياة الاجتماعية هناك.. وهذه نظرة سطحية لا تدرك حقيقة ما هو واقع هناك.

إن الكنيسة ـ بعد أن ذاقت مرارة الإهمال، ووحشة البعد عن الحياة الاجتماعية، بعد شرود الناس منها منذ عصر النهضة، وخاصة منذ عصر التنوير، ثم عصر الفلسفة الوضعية المادية ـ قد عادت تلهث وراء المجتمع، وتتعلق بأهداب الناس. لا لتقود المجتمع ولا لتنقل الناس إلى الدين. ولكن لتجرى وراء المجتمع، ولتتملق شهوات الناس!

عادت لتقيم فى الكنائس ـ بعد القداس ـ حفلات مختلطة للجنسين يشرب فيها النبيذ، وتدور حلقات الرقص، وتعرض فيها ألعاب التسلية، ويتخاصر فيها الفتيان والفتيات المخمورين، ويلتذون نشوة المخاصرة والعناق حتى الفجر.. كل أولئك لاجتذاب الشبان والشواب إلى الكنيسة!

لقد جربت الكنيسة حين وقفت ـ بالباطل ـ فى وجه ميول الناس الفطرية، كيف خرجوا عليها وداسوها وأهملوها، فعادت الآن تتجنب أن تقف ـ بالحق ـ فى وجه شهواتهم ونزواتهم، فيدوسوا عليها ويهملوها!

لقد عادت أوروبا إلى حياة الرومان القديمة التى تسمح للآلهة والأرباب أن تنطق بالرجز على ألسنة الكهان، وأن تكون مواسمها مواسم بهجة ولذة ومتاع.. وذلك دون أن يسمحوا لها بالتدخل فى شئون حياتهم أو توجيهها وجهة تنافى اللذة والمتاع.

بعد هذه المقدمة ذكر بعض مشاهداته في كنائس أمريكا، فقال: (إذا كانت الكنيسة مكاناً للعبادة فى العالم النصرانى ـ على تفاوت ـ فإنها فى أمريكا مكان لكل شىء إلا للعبادة، وإنه ليصعب عليك أن تفرق بينها وبين أى مكان آخر معد  للهو والتسلية، أو ما يسمونه بلغتهم time (fun) good ومعظم قصادها إنما يعدونها تقليداً اجتماعياً وضرورياً، ومكاناً للقاء والأنس، ولتمضية (وقت طيب) وليس هذا شعور الجمهور وحده، ولكنه كذلك شعور سدنة الكنيسة ورعايتها.

ولمعظم الكنائس ناد يتألف من الجنسين ـ شباناً وشواب ـ ويجتهد راعى كل كنيسة أن يلحق بالكنيسة أكبر عدد ممكن، وبخاصة أن هناك تنافساً كبيراً بين الكنائس المختلفة بالمذاهب والنحل.

ولهذا تتسابق جميعاً فى الإعلان عن نفسها بالنشرات المكتوبة، وبالأنوار الملونة على الأبواب والجدران، للفت الأنظار، وبتقديم البرامج اللذيذة المشوقة، لجلب الجماهير، بنفس الطريقة التى تتبعها المتاجر، ودور العرض السينمائى والتمثيل.. وليس هناك من بأس فى استخدام أجمل فتيات المدينة وأرشقهن وأبرعهن فى الغناء والرقص والترويح.. تماماً كما تقف فتيات فى ثياب شديدة اللمعان والإثارة فى مداخل وطرقات دور السينما لجذب الأنظار..

وهذه ـ مثلاًـ محتويات إعلان عن حفلة كنيسة، كانت ملصقة فى قاعة اجتماع الطلبة فى إحدى الكليات،لجذب طلبة الكلية وطالباتها إلى كنيسة معينة فى المدينة الجامعية الصغيرة: (يوم الأحد ـ أول أكتوبر سنة 1950ـ فى الساعة السادسة مساء.. عشاء خفيف. ألعاب سحرية. ألغاز. مسابقات. تسلية. رقص)

وليس فى هذا أى غرابة. لأن راعى الكنيسة لا يحس أن عمله يختلف فى شئ عن مدير المسرح، أو المدير المتجر.. النجاح أولاً وقبل كل شئ.. ولا تهم الوسيلة.. وهذا النجاح يعود عليه بنتائجه الطيبة: المال، والجاه، فكلما كثر عدد الملتحقين بكنيسته عظم دخله وزاد كذلك احترامه ونفوذه فى البلدة. لأن الأمريكى بطبيعته يؤخذ بالضخامة فى الحجم والعدد. وهى مقياسه الأول فى الشعور والتقدير)([106])

قلت: علمت ما حصل للعفة.. فما حصل لغيرها؟

قال:  لقد ذكرت لك أن العفاف هو الأساس الذي تقوم عليه القيم.. فمن ذهب العفاف عنه تملكته الشياطين، ولم يدر في أي واد من أوديتها يهلك.

ولهذا كان محمد يحذر من الوقوع في الفواحش.. وكان يقول: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعلمون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فان أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)([107])   

اليهودية:

التفت إلي، فرآني صامتا لا أجد كلمة أستطيع أن أرد بها على ما ذكره من فضائح الكنيسة.. فقال: ذلك عندنا.. معشر أتباع المسيح.. أو معشر عبدة المسيح..

أما عند اليهود.. فالأمر لا يختلف كثيرا.. ولا يستغرب ذلك من دين يمتلئ كتابه المقدس بكل تلك الرذائل الخلقية.

ولهذا كان من أهم الوظائف التي مارسها اليهود في المجتمعات التي حلوا فيها في جميع فترات التاريخ تجارة الرقيق الأبيض([108]).

نظر إلى الأزهار الجاثية أمامه بألم، ثم قال: ليت الأمر اقتصر على البغاء المجرد.. لقد حاول هؤلاء الذين لم ينالوا من أنبيائهم غير اللعنات أن يجعلوا الأرض جميعا ماخورا من مواخير الرذيلة.

لقد نقلوا فن الرذيلة إلى الجامعات والمدارس.. بل إلى المستشفيات والعيادات النفسية.. ليجعلوا الإنسان كائنا جنسيا لا هم له إلا إرواء شهواته.. وبأي السبل؟

قلت: أراك تلمح إلى فرويد!؟

قال: فرويد وغيره من الذين أرادو أن يمسحوا كل براءة لا زالت تطبع وجه البشرية.

قلت: ولكن ما علاقة فرويد وأوليائه باليهود؟

ابتسم، وقال: لم يكن فرويد إلا ثمرة من الثمار اليانعة التي أثمرتها شجرة اليهودية الملقحة ببراعم الوثنية.

قلت: نعم.. فرويد نبت بين اليهود.. ولكنه ليس واحدا منهم.. ولا ينبغي أن نتهم دينا من الأديان لانحراف فرد من أفراده.. وإلا لم يبق دين في الأرض.. بما فيها الإسلام.

قال: لقد كنت أقول قولك هذا إلى أن بان لي وجه الحق الذي حاول البعض ستره.

قلت: فما بان لك([109])؟

قال: لقد قرأت أقوال الكثير من المحللين الذين ربطوا بين فرويد واليهودية ([110]).. ولم أقتنع بكل ما قالوا إلى أن سمعت ما قال فرويد نفسه.

قلت: فما قال؟

قال: لقد رأيت فرويد يربط كثيرا بين التحليل النفسي وانتمائه اليهودي، فالمقاومة التي لاقاها التحليل النفسي كانت، في تَصوُّره، جزءاً من رفض الحضارة الغربية لكل ما هو يهودي، والتحليل النفسي في تصوره كان من إبداعه.. لقد قال: (لمدة عشر سنوات كنت أنا الشخص الوحيد الذي انشغل به ولا أحد يعرف أكثر مني ما هو التحليل النفسي)

وكان فرويد يتصور أن عالم الأغيار (غير اليهود) سيرفض التحليل النفسي بسبب يهوديته، ولذا كان يتصـور أنه لابد من إعطائه واجهة (مسيحية)، وكان هذا هو الدور المُوكَل ليونج ابن الراعي السويسري.

فكتب فرويد إلى كارل أبراهام خطاباً يحثه فيه على كسب مودته، (فيونج مسيحي وابن قسيس (ولذا فهو) يجد عناصر مقاومة داخلية شديدة تعوق اقترابه مني. ونحن لا غنى لنا إطلاقاً عن رفاقنا الآريين كافة، وإلا سقط التحليل النفسي ضحية معاداة اليهود)

وحينما اعترض أتباع فرويد على ترشيح يونج لرئاسة الجمعية الدولية قال لهم فرويد: (إن معظمكم من اليهود، ومن ثم فإنكم لن تستطيعوا ضم أصدقاء للفكر الجديد، على اليهود أن يَقنَعوا بدورهم المتواضع في تمهيد الطريق، فمن أشد الأمور أهمية بالنسبة لي أن أستطيع إيجاد روابط مع دنيا العلم. وها أنتم ترون أني أتقدم في السن وأشعر بالتعب من الهجوم المتواصل. إننا جميعاً (أي اليهود العاملين في حقل التحليل النفسي) في خطر)

ثم أمسـك فرويد بثنيـة سـترته، ومـضى يقول بطريقة مسرحية: (إنهم لن يتركوا لي سترة أغطي بها ظهري ولكن السويسريين (أي المسيحيين) سينقذوننا سينقذونني، وسينقذونكم جميعاً أيضاً)

وكان فرويد كثيراً ما يتباهى باليهودية وبانتمائه اليهودي، فكان يرى أن الشعب اليهودي قَدَّم التوراة للعالم، وأن اليهودية مصدر طاقة لكثير مما كتب.

وقد أكد أكثر من مرة أنه كان دائماً مخلصاً لشعبه (ولم أتظاهر بأنني شيء آخر: يهودي من مورافيا جاء أبواه من جاليشيا)

وحينما سأله صديق يهودي عما إذا كان من الواجب على اليهود أن يوجهوا أولادهم لاعتناق المسيحية، وهو أمر كان شائعاً بين اليهود آنـذاك، بل من المعروف أن بعـض أقـارب فرويد قد تَنصَّروا، رد قـائلاً: (اليهودية مصدر طاقة لا يمكن أن تُعوَّض بأي شيء آخر، (فاليهودي) عليه كيهـودي أن يكافح، ومن الواجـب أن يُنـمِّي في نفسـه كل هذا الكفاح، فلا تحرمه من هذه الميزة)

وقد انضم فرويد لجماعة (بناي بريت) عام 1895 وفيها ألقى أولى محاضراته عن تفسير الأحلام. وفي 6 مايو عام 1926 أقامت الجمعية حفلاً خاصاً بمناسبة بلوغه السبعين من عمره، ولم يَحضُر فرويد هذا الحفل وأناب عنه في حضوره طبيبه الخاص البروفسور لدفيج براون الذي ألقى كلمته والتي تضمنت قوله (.. إن كونكم يهوداً لأمر يوافقني كل الموافقة لأنني أنا نفسي يهودي. فقد بدا لي دائماً إنكار هذه الحقيقة ليس فقط أمراً غير خليق بصاحبه، بل هو عمل فيه حماقة أكيدة. إنني لتربطني باليهودية أمور كثيرة تجعل إغراء اليهودية واليهود أمراً لا سبيل إلى مقاومته، قوى انفعالية غامضة كثيرة كلما زادت قوتها تَعذَّر التعبير عنها في كلمات. بالإضافة إلى شعور واضح بالذاتية الداخلية، الخلوة الآمنة لتركيب عقلي مشترك. ثم بعد هذا كله كان إدراكي أنني مدين بالفضل لطبيعتي اليهودية فيما أملك من صفتين مميزتين لم يكن في وسعي الغناء عنهما خلال حياتي الشاقة: فلأني يهودي وجدت نفسي خلواً من التحيزات التي أضلت غيري دون استخدام ملكاتهم الذهنية، وكيهودي كنت مستعداً للانضمام إلى المعارضة وللتصرف دون موافقة الأغلبية الساحقة. وهكذا وجدت نفسي واحداً منكم أقوم بدوري في اهتماماتكم الإنسانية والقومية، واكتسبت أصدقاء من بينكم، وحثثت الأصدقاء القليلين الذين تبقوا على الانضمام إليكم)

ولكنه بعد خمسة أعوام نجده يكتب رداً على تهنئة حاخام فيينا له بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين يقول: (في مكان ما في أعماق روحي أشعر أني يهودي متعصب.. وأني شديد الدهشة أن أكتشف نفسي هكذا، رغم كل جهودي للوصول للموضوعية ولإنكار التحيز)، أي أن اليهودية التي جعلته خلواً من التحيزات في سن السبعين، جعلته غير قادر على إنكار التحيز في سن الخامس والسبعين.

بل إن فرويد كان يغازل الصهيونية ويظهر هذا في تباهيه بما يُسمَّى (الشعب اليهودي)، وكان يعرف تيودور هرتزل ويوليه الاحـترام ويشـير إليـه باعتـباره (الشـاعر والمحارب من أجل حقوق شعبنا)، وأرسل إليه أحد كتبه مع عبارة إهداء شخصي عليه، وكان أحد أبناء فرويد عضواً في جماعة قديما الصهيونية، كما كان هو نفسه عضواً فخرياً بها.

وقد كتب فرويد إلى إحدى تلميذاته من العاملات بالتحليل النفسي، وهي إشبيلر اين، بعد أن علم أنها توشك أن تضع طفلاً، يقول لها: (أود لو خرج الطفل ذكراً أن يصير صهيونياً متعصباً.. إننا يهود، وسـنظل يهوداً.. وسـيبقى الآخرون، على اسـتغلالهم لنا، دون أن يفهمونا، أو يقدرونا حق التقدير)([111])

قلت: أراك تريد أن تثبت لي بأن المنظومة الفرويدية (منظومة يهودية)، وأن التحليل النفسي (علم يهودي).. إن هذا هو نفس ما يدَّعيه الصهاينة وأعداء اليهود في آن واحد؟

 قال: بل هو نفس ما يدعيه فرويد..بل هو نفس ما تبرزه الأدلة الكثيرة التي تبين النشأة الحقيقية لتلك النظرية التي لم يكن لها من هدف غير الإجهاز على البقية الباقية من البراءة الإنسانية.

ولتستوعب ذلك، وتقتنع به تحتاج إلى دراسة متمعنة للتلمود، وللقبَّالاه، باعتبارها من التراث المقدس لليهود([112]).

فأهم نقط التماثل بين المنظومة الفرويدية والمنظومة القبَّالية هي مركزية الجنس في كليهما، فقد سُمِّيت الفرويدية (النظرية الجنسية الشاملة) أي (الواحدية الجنسية)، وهي تسمية لها ما يبررها، فالجنس ـ حسب تصور فرويد ـ ليس وراء كل سقم نفسي وحسب، بل إن طاقته هـي المحرك أيضـاً لكل ما يَصدُر عنه من وجوه النشـاط من لحظة أن نُولَد، والجنس ليس مقصوراً على العلاقة الجنسية، ولكنه في واقع الأمر صورة مجازية تتخلل على نحو ما كل النشاط الإنساني، وضمن ذلك نشاط الإنسان العلمي والفني، وهذا لا يختلف كثيراً عن استخدام القبَّالاه للجنس كصورة مجازية أساسية في رؤيتها للعالم، فقد عزا التراث القبَّالي إلى الإله صفة الجنسية، فالتجليات النورانية العشرة (سفيروت) كان يتم التعبير عنها من خلال رموز وصور مجازية جنسية، وتُعدُّ الشخيناه (السفيروت العاشر) التعبير الأنثوي عن الإله.

وفي صدد ما جاء عن الجنس في التراث القبَّالي يذكر باكان أن هذا التراث يتضمن عشرة أسفار هي الفيض القدسي والسلطات الخفية للإله، وكل جزء منها مرتبط بجانب من الإله. وتاسع هذه الأسفار اسمه (يسود) أي الأساس، ومكان اليسود الأعضاء الجنسية لآدم قدمون أو الإنسان الأول وهو المايكروكوزم (العالم الأصغر) الذي يقابل الماكروكوزم (العالم الأكبر).

وقد وصف بعض الحاخامات القبَّالاه بأنها قامت بتجنيس الإله وتأليه الجنس، وهذا وصف دقيق أيضاً للمنظومة الفرويدية على الأقل في جانبها الاختزالي الشائع.

ومن نقاط الالتقاء بين الفكر القبَّالي والفكر الفرويدي المعرفة أو (داث)، فداث في التراث القبَّالي تَنتُج من اتحاد (حوخماه) أو الحكمة و(بيناه) أو الفهم. والحوخمـاه مفهـوم ذَكَري والبيـناه مفهـوم أنثوي، وبذا تكون داث النسل المقدَّس لاتحادهما الخفي.

غير أن المعرفة (داث) تُستخدَم أيضاً في التوراة بمعنى الاتصال الجنـسي، وأول اسـتخدام لهـا ورد في (تكوين 4: 1) بهـذا المعـنى، (وعرف آدم امرأته حواء فحبلت..)، وقد تكرر استخدام الكلمة بالمعنى نفسه في مناسبات متعددة بعد ذلك.

ويذكر باكان أن الزوهار يتحدث عن الاتصال الجنسي بوصفه (الكشف عن العرى)، ولما كانت كلمة بيناه التي تعني (الفهم) تعني في الوقت نفسه (الأم)، فإن الرجل الذي يخطئ جنسياً يكون في الوقت نفسه كأنه قد (كشف عن عرى الأم)

وفرويد يخال أنه وصل إلى الفهم (بيناه) بالكشف عن اللاشعور، أي الكشف عن عرى العقل في الإنسان. ويتضمن مفهوم الموقف الأوديبي خيال الأم العارية. والمعرفة (داث) في التراث القبَّالي تَنتُج من اتحاد الحكمة والفهم، والمعرفة (الاستبصار) عند أصحاب التحليل النفسي الفرويدي ثمرة اتحاد الشعور واللاشعور. وهذا الاتحاد في ذاته كما يقولون خبرة شهوية عميقة من حيث أنه يتناول الكشف عن الموقف الأوديبي، أي اكتشاف المرء عقدة أوديب داخل نفسه والكشف عنها ثم الكشف عما تنطوي عليه من خيال الأب والأم في العلاقة الجنسية، ومن حلول الطفل، خيالاً أيضاً، محل الأب في هذه العلاقة.

والعلاقة بين المعرفة والجنسية لها شواهد أخرى عند فرويد أيضاً، فقد ذكر في مجموعة مقالاته أن الطفل في سن الثالثة إلى الخامسة، حين تصل حياته الجنسية إلى قمتها الأولى، يبدأ يبدي من النشاط ما يمكن أن يُعزَى إلى رغبته في التقصي والمعرفة، كما أن الرغبة في المعرفة لدى الأطفال، فيما يرى فرويد، تتجه على نحو عنيف وفي فترة مبكرة إلى المشكلات الجنسية. بل إن التحليل الفرويدي ليمضي في هذا الاتجاه إلى مدى أبعد فيزعم أننا نكون أكثر دقة إذا قلنا إن هذه المشكلات (الجنسية) قد تكون أول ما ينبه رغبته في المعرفة عموماً.

ومن نقاط الالتقاء تلك المرتبطة بما جاء بالزوهار من نسبة الجنسية الثنائية للإنسان، فالإله ينطوي داخل نفسه على الشخيناه وهي مرادفه الأنثوي. وآدم الذي خُلق على مثال الإله كان ينطوي على مرادف أنثوي هو الضلع الذي خُلقت منه حواء، والفكر القبَّالي ينطوي على أن الذكر والأنثى قطبان لكيان واحد، كما أن الزوهار يتضمـن أن (الإلــه لا يبـارك مكاناً إلا حيـث يجتمــع فيــه رجل وامرأة، وأن الرجل لا يُسمَّى رجلاً إلا إذا اتصـل بامرأة، والرجل غير المتزوج ناقص وتعوزه نعمة الإله)

ويذهب فرويد إلى أن الإنسان يُولَد بتركيب جنسي ثنائي، وأن هذه الثنائية تنفصل فيما بعد، ولكن التحقيق في حياة الإنسان لا يصل إلى غايته إلا بعودة هذه الثنائية إلى الاتصال مرة أخرى في العلاقة الجنسية السوية.

وفي سفر براخوت في التلمود وردت آراء عن الأحلام تشبه كثيراً من آراء فرويد، فقد ورد في هذا السفر (إن المرء لا يرى في الحلم إلا ما توحي به أفكاره)، فالأحلام تعبير عن رغبة لدى الحالم وبالإمكان تفسيرها عن طريق اللـعب بالألفـاظ وهي ذات مدلول جنسي،وهي في أساسها تعبير رمزي،كما أنها تعبِّر عن الصراع بين دوافع (الخير) ودوافع (الشر) وهذه جميعاً تطابق ما قال فرويد عن الأحلام.

ومن المعالم البارزة في سفر براخوت أنه يستخدم الخيالات الجنسية ليرمز إلى المعرفة فيقول (إذا حلم إنسان بأنه يتصل بأمه جنسياً فله أن يتوقع الوصول إلى الفهم، وإذا حلم بأنه يتصل جنسياً بعذراء مخطوبة، فله أن يتوقع الوصول إلى معرفة التوراة، وإذا حلم شخص بأنه يتصل جنسياً بامرأة متزوجة فله أن يثق في أنه على موعد مع القدر بالنسبة لمستقبل العالم، بشرط ألا يكون على معرفة بها، وألا يكون قد فكَّر فيها أثناء المساء)

الحضارة الغربية:

قلت: حدثتني عن بحثك في موقف المسيحية واليهودية من قيم العفاف والحرص على العرض والشرف.. ولكن المجتمعات ـ وخاصة المجتمعات الحديثة ـ لا يحكمها الدين وحده.. فهناك فلسفات ومذاهب وشيع.

قال: أجل.. لقد أمضيت في الاهتمام بهذا الجانب جزءا مهما من حياتي، وكان من أهم ما بحثت فيه البذور التي أنبتت أشجار الرذيلة في المجتمعات الغربية التي تتوهم أنها تعيش قمة قمم الحضارة مع أنها في حقيقتها لا تعدو نوعا من التطوير المخزي لحضارة سدوم وعمورية.

قلت: فماذا وجدت؟

قال: لقد أدت الثورة على الكنيسة التي لم تعرف كيف تمثل الدين تمثيلا صحيحا إلى ظهور فلسفات كثيرة لا هم لها إلا خلع اللباس الإنساني عن الإنسان، وإلباسه لباس البهيمية الغارقة في مستنقعات الشهوات.

لن أطيل الحديث عليك.. ولكني سأذكر لك ثلاثة من أعمدة الرذيلة التي قامت عليها مواخير الفساد التي تعج بها مجتمعاتنا: ماركس.. فرويد.. ودركايم([113]).. فهؤلاء الثلاثة وغيرهم كثير هم الذين تأسست عليهم الحضارة الغربية والقيم الغربية والانحرافات الغربية.

 أما ماركس ـ صاحب التفسير المادى للتاريخ ـ فيبرز موقفه من العفاف في قوله: (إن (العفة) من فضائل المجتمع الإقطاعى البائد كقيمة موقوتة لابد أن توجد فى هذا الطور الاقتصادى.. لا كقيمة ذاتية ينبغى أن تتبع بصرف النظر عن الظروف الاقتصادية، لأنها مرتبطة بكيان (الإنسان) ذاته المتميز عن الحيوان)

أما فرويد، فقد عرفنا موقفه من قبل.. إنه لا يكتفى بتصوير الإنسان حيواناً، وإنما يصوره حيواناً ممسوخاً مشوهاً، ينبع كله من طاقة واحدة من طاقاته.. هى الطاقة الجنسية.

أما دوركايم،  فيقول: (إن الأخلاقيين يتخذون واجبات المرء نحو نفسه أساساً للأخلاق، وكذا الأمر فما يتعلق بالدين، فإن الناس يرون أنه وليد الخواطر التى تثيرها القوى الطبيعية الكبرى أو بعض الشخصيات الفذة لدى الإنسان (يقصد الرسل والأنبياء والقديسين)، ولكن ليس من الممكن تطبيق هذه الطريقة على الظواهر الاجتماعية اللهم إلا إذا أردنا تشويه طبيعتها)([114])

أما الدين الذي كان يمكن أن يغرس وازع الفضيلة في النفس، فقد وقف هؤلاء الثلاثة، كما وقف غيرهم ممن هو تبع لهم، أو ممن كان مثلهم يحتقرونه ويزدرون به:

أما دركايم، فيقول إن الدين ليس فطرة!

وأما ماركس، فيقول: إن الدين أفيون الشعب، ويقول إنه مجموعة من الأساطير ابتدعها الإقطاعيون والرأسماليون لتخدير الجماهير الكادحة، وتلهيتها بنعيم الآخرة عن حياة الحرمان فى الأرض.

وأما فرويد، فيقول: إن الدين ناشئ من الكبت، من عقدة أوديب..

وراح هؤلاء الثلاثة الذين رضعنا فلسفاتهم مع حليب أمهاتنا يرمون بمعاولهم على الأخلاق:

أما دركايم، فراح يبشر بأن الجريمة ظاهرة سوية، والزواج ليس من الفطرة، والأخلاق شىء لا يمكن الحديث عنه ككيان ثابت، وإنما كل ذلك من صنع (العقل الجمعى) الذى لا يثبت على حال، وينتقل من النقيض إلى النقيض.

وأما ماركس، فراح يبشر بأن الأخلاق مجرد انعكاس للوضع الاقتصادى المتطور على الدوام، وليس قيمة ثابتة.

وأما فرويد، فراح يبشر بأن الأخلاق تتسم بطابع القسوة حتى فى صورتها الطبيعية العادية، وهى كبت ضار بكيان الإنسان.

لقد كانت هذه الأفكار الخطيرة هي البذور التي تلقفها جميع سدنة الرذيلة ليحولوا الحضارة الغربية إلى ناد من نوادي سدوم وعمورية.

قلت: أراك لا ترى من فلسفات هؤلاء إلا جانبها المظلم.

قال: لأنه لم يكن فيها أي نور.. لقد حملت جميع مصابيح الحقيقة لأبحث عن ذرة من النور في فلسفاتهم، فلم أجدها.

قلت: ولكن الحضارة الغربية بفضل فلسفاتهم وصلت إلى ما وصلت إليه من رقي مادي.

ابتسم بسخرية، وقال: نعم.. نسيت.. لقد وصلنا إلى صناعة السينما والتلفزيون والكمبيوتر والإنترنت..

قلت: أجل.. وغيرها كثير.

قال: ولكنا لم نستخدمها إلا في تمكين الرذائل والانحرافات.. لنجعل في كل بيت ماخورا من مواخير الرذيلة..

كان يمكننا بهذه الأجهزة ـ لو أنا التزمنا الهدي العظيم الذي جاء به محمد، وجاء به قبله الأنبياء ـ أن نحول البشر إلى زهور.. ونحول الأرض إلى حديقة.. ولكنا أبينا إلا أن نحولها إلى ما تراها.

لقد قال الدكتور (بلومر): (إن الأفلام التجارية التي تنتشر في العالم تثير الرغبة الجنسية في معظم موضوعاتها، كما أن المراهقات من الفتيات يتعلمن الآداب الجنسية الضارة من الأفلام، وقد ثبت للباحثين أن فنون التقبيل والحب، والمغازلة، والإثارة الجنسية، والتدخين يتعلمها الشباب من خلال السينما، والتلفزيون)([115])  

وقد أجرى بعضهم دراسة على (500) فيلم طويل تبين أن موضوع الحب والجريمة والجنس يشكل 72 بالمائة منها([116]).

أما الإنترنت التي استطاعت أن تصل العالم جميعا بعضه ببعض، لتحوله مجتمعا واحدا، بل أسرة واحدة، فقد مارست هي الأخرى الوظائف المنحطة التي مارسها قبلها التلفزيون والسينما.. بل إن ممارستها لها تفوق جميع الممارسات السابقة.

نظر إلى الأزهار بألم.. وقال: وهكذا قام المجرمون بخنق أزهار الفضيلة.. ليغرسوا بدلها شجرة الرذيلة..

لقد تعاون العلم مع التكنولوجيا مع الفلسفة ليملأوا النفوس العطشة بكل ما تبتغي من شهوات.. فانحط الأفراد، وانحطت الأسر، وانحط المجتمع.

قيم الإسلام

قلت:  حدثتني عن ضياع القيم في ظل الأديان والمذاهب والفلسفات.. فأين نجدها إذن؟

قال:  في الإسلام.. لقد ذكرت لك أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي احتفظ بالقيم الإنسانية النبيلة، وأنه الوحيد الذي يستطيع أن يحول البشر إلى حقل كبير من الأزهار التي تفوح بأجمل ألوان العطر..

قلت:  فحدثني عن قيم الإسلام.

قال:  لقد ذكرت لك أن القيم النبيلة تجتمع في سبع.

قلت:  أجل.. وقد ذكرت لي أن تلك السبع هي سر جمال الأزهار.

العفاف:

قال:  وقد ذكرت لك أن أول سر من أسرار الأزهار (العفاف)؟

قلت:  أجل.. فعليه تبني سائر القيم.

قال: نعم.. فهو يعني البراءة والطهر والصفاء.. ولا يمكن أن تكون الأزهار أزهارا من غير براءة ولا طهر ولا صفاء.

إن جمال محيا العفيف لا يختلف كثيرا عن جمال محيا أجمل زهرة من أزهار العالم..

ألا تعلم سر جمال يوسف؟.. لقد اعتبره القرآن رمزا للعفاف.. كما اعتبره المصريون والناس رمزا للجمال.. وفي ربط القرآن بينهما دليل على أن قمة الجمال لا تكون إلا مع قمة العفاف.

قلت: ولكن هذه الناحية لم تتحقق إلا في المسيحية.. فهي الدين الوحيد الذي يعتبر العفاف أصل أصوله..

قال: لعلك تقصد قول المسيح: (وسمعتم أنه قيل: لا تزن! أما أنا فأقول لكم: كل من ينظر إلى امرأة بقصد أن يشتهيها، فقد زنى بها في قلبه! فإن كانت عينك اليمنى فخا لك، فاقلعها وارمها عنك، فخير لك أن تفقد عضوا من أعضائك ولا يطرح جسدك كله في جهنم)(متى:5/ 27-29)

قلت: أجل..ألا ترى في هذا قمة العفاف؟

قال: بلى.. وهو يتفق تماما مع ما جاء في القرآن من الأمر بغض البصر والتشديد فيه، ففي القرآن:﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)﴾(النور)

ففي هاتين الآيتين منظومة كاملة للعفاف.. فهي لا تأمر فقط بغض البصر، والذي قد يطيقه فرد من الناس، وتعجز عنه أمة منهم، ولكنه يوفر الجو المناسب للعفاف والبراءة والطهر.

نظر مليا إلى الزهرة الجميلة التي كانت سبب التقائنا، ثم قال: لا يمكن للبراءة والطهر أن تتم من خلال زهد يمارسه بعض الناس فقط..

الطهارة والبراءة والعفاف تقتضي منظومة كاملة.. وللأسف لم أجد في أي دين من الأديان ولا فلسفة من الفلسفات هذه المنظومة فيما عدا الإسلام.

قلت: إن من قومنا من يعتبرون موقف الإسلام من هذا.. ودعوته الملحة للعفاف نوعا من الكبت الذي لا ينسجم مع الفطرة السوية.. ففي الإنسان غرائز.. والمواقف السليم من الغرائز أن تطلق لا أن تحد([117]).

قال: أنت تذكرني بمواقف كثير من علماء النفس عندنا.. وموقفهم من الدين.. فقد ذكروا أن الدين يكبت النشاط الحيوي للإنسان، ويظل ينكّد عليه حياته نتيجة الشعور بالإثم، ذلك الشعور الذي يستولي على المتدينين خاصة، فيخيل لهم أن كل ما يصنعونه خطايا لا يطهرها إلا الامتناع عن ملذات الحياة.

ولهذا ظلت أوربا غارقة في الظلام طيلة تمسكها بالدين، فلما نبذت قيود الدين تحررت مشاعرها من الداخل، وانطلقت في عالم العمل والإنتاج.

قلت:  أجل.. إنك تردد ما يقولونه بدقة.. أفلا ترى في هذا القول حجة كافية للرد على الإسلام في موقفه من العفاف؟

قال: إن الرد على هذا يحوجنا إلى التعرف على معنى (الكبت)، فإن هذه اللفظة كثيراً ما يساء فهمها واستخدامها في كلام المثقفين، فضلاً عن العوام والمقلدين.

قلت: الكبت على حسب ما أعرف.. على حسب ما يقولون.. هو الامتناع عن إتيان العمل الغريزي.

قال: لا.. ليس هو الكبت هو الامتناع.. وإلا لكان كل الإنسان حدثته نفسه بفاحشة من الفواحش، فلم يقع فيها مصابا بالكبت.

قلت:  فما هو الكبت إذن؟

قال: الكبت في الحقيقة هو استقذار الدافع الغريزي في ذاته، وعدم اعتراف الإنسان بينه وبين نفسه أن هذا الدافع يجوز أن يخطر في باله أو يشغل تفكيره.

والكبت بهذا المعنى مسألة لا شعورية، والعمل الغريزي قد لا يكفي وحده لعلاجها.. فالذي يأتي هذا العمل، وفي شعوره أنه يرتكب قذارة لا تليق به، شخص يعاني الكبت حتى ولو فعل هذا عشرين مرة كل يوم.. لأن الصراع سيقوم في داخل نفسه كل مرة بين ما عمله وما كان يجب أن يعمله.

وهذا الشد والجذب في الشعور وفي اللاشعور هو الذي ينشئ العقد والاضطرابات النفسية.

قلت: هذا تفسيرك للكبت؟

قال: لا.. بل هذا تفسير علماء النفس أنفسهم.. بل هو تفسير فرويد نفسه الذي أنفق حياته العلمية كلها في هذه المباحث، وفي التنديد بالدين الذي يكبت نشاط البشرية. فهو يقول: (ويجب أن نفرق تفريقاً حاسماً بين هذا (الكبت الشعوري)، وبين عدم الإتيان بالعمل الغريزي، فهذا مجرد (تعليق للعمل)

قلت: فهل ترى هذا التفسير كافيا لدفع هذه الشبهة عن الإسلام؟

قال: هذه الشبهة لا تقع إلا من دين ينفر من الغرائز، ويدعو إلى كبتها.. والإسلام لم يفعل هذا.. بل ليس في أديان العالم ونظمه ما هو أصرح من الإسلام في الاعتراف بالدوافع الفطرية، وتنظيف مكانها في الفكر والشعور.. فالقرآن يقول:﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (آل عمران:14)

ففي هذه الآية يجمع القرآن شهوات الأرض، ويقرر أنها أمر واقع مزين للناس، لا اعتراض عليه في ذاته، ولا إنكار على من يحس بهذه الشهوات.

قلت:  فالإسلام إذن دين إباحي؟

قال: أنت تتصور أن أمر الغرائز إما أن يكون كبتا، وإما أن يكون إباحية؟

قلت: أنا أذكر ما يقولون.. فهل ترى أن هناك منطقة وسط بينهما؟

قال:  أجل.. وقد وضع لها الإسلام منظومة من الشرائع والتوجيهات لا يكفي هذا المحل لسردها جميعا.

 فالإسلام لا يبيح للبشر أن يهبطوا لعالم الحيوان بحجة مقاومة الكبت.. لأن هناك فرقاً هائلاً بين هذا وبين الكبت اللاشعوري، أي أن هناك فرقا بين استقذار هذه الشهوات في ذاتها، ومحاولة الامتناع عن الإحساس بها رغبة في التطهر والارتفاع.

وطريقة الإسلام في معاملة النفس الإنسانية هي الاعتراف بالدوافع الفطرية كلها من حيث المبدأ، وعدم كبتها في اللاشعور، ثم إباحة التنفيذ العملي لها في الحدود التي تعطي قسطاً معقولاً من المتاع، وتمنع وقوع الضرر سواء على فرد بعينه، أو على المجموع كله.

والضرر الذي يحدث للفرد من استغراقه في الشهوات، هو إفناء طاقته الحيوية قبل موعدها الطبيعي، واستعباد الشهوات له بحيث تصبح شغله الشاغل، وهمه المقيم، فتصبح بعد فترة عذاباً دائماً لا يهدأ، وجوعة دائمة لا تشبع ولا تستقر.

أما الضرر الذي يحدث للمجتمع، فهو استنفاد الطاقة الحيوية التي خلقها الله لأهداف شتى، في هدف واحد قريب، وإهمال الأهداف الأخرى الجديرة بالتحقيق، فضلاً عن تحطيم كيان الأسرة، وفك روابط المجتمع، وتحويله إلى جماعات متفرقة لا يجمعها رابط ولا هدف مشترك.

وفي هذه الحدود التي تمنع الضرر يبيح الإسلام الاستمتاع بطيبات الحياة، بل يدعو إليها دعوة صريحة فيقول مستنكراً على من حرمها:﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (لأعراف:32).. ويقول:﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ (القصص:77).. ويقول:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (البقرة:172).. ويقول:﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (لأعراف:31)

بل إن محمدا يذكر في حديث له أن الرجل يثاب على أداء ما تتطلبه هذه الغريزة زوجته، فيقول المسلمون متعجبين: (يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟)، فيرد عليهم: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)([118])  

ولهذا.. فإنه يستحيل أن يحصل أي كبت في ظل الإسلام.. ذلك أن الإسلام يطلب من الشباب شيئا واحدا، وهو أن يضبط هذه الشهوات فقط دون أن يكبتها.. يضبطها في وعيه وبإرادته، وليس في لاشعوره، أي يعلق تنفيذها إلى الوقت المناسب، وليس تعليق التنفيذ كبتاً باعتراف فرويد، وليس فيه من إرهاق الأعصاب ما في الكبت، وليس يؤدي مثله إلى العقد والاضطرابات النفسية.

قلت:  ولكن أولئك يعتبرون هذا نوعان من الحرمان، ولو كان حرمانا مؤقتا؟

قال:  ليست في الدعوة إلى ضبط الشهوات أي تحكم.. لأنه لا يمكن أن تقوم أمة من الأمم، وهي لا تتحكم في شهواتها.. ولا تنظمها.. إنها تتحول بذلك إلى غابة لا يأمن فيها الإنسان على نفسه، ولا على عرضه..

التفت إلي، وقال: للأسف لم تعطنا حضارتنا أي كابح يجعل طاقات الأمة تتوجه نحو القيم الرفيعة لتوجه طاقتها فيها كما فعل الإسلام.. وهو دليل خطير على هزيمة الحضارة في هذا الجانب المهم من الحياة.

قلت:  أيقنت هذا ووعيته.. فأخبرني عن التشريعات التي وضعها الإسلام ليحفظ بها الفرد والمجتمع من هذه الانحرافات الخطيرة التي وقعت فيها مجتمعاتنا.

قال:  لا يمكن إحصاء ذلك في هذه الجلسة.. ولكني سأذكر لك أصول ما شرعه الإسلام في هذا الجانب الخطير.. والذي لم أجد مثيلا له في أي دين من الأديان، أومذهب من مذاهب الأخلاق.

أولا.. لقد بدأ الإسلام، فملأ النفس نفورا من الفواحش وهربا منها حتى صارت بالنسبة لها هي القذارة بعينها،  ففي الحديث: (إذا زنى الرجل أخرج منه الإيمان وكان عليه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الإيمان)([119])  

وفي حديث آخر: (لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم الزنا فإذا فشا فيهم الزنا فأوشك أن يعمهم الله بعذاب)([120])  

وفي حديث آخر: (إذا ظهر الزنا ظهر الفقر والمسكنة)([121])