الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: أنبياء يبشرون بمحمد

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 317

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

هذا الكتاب من الكتب التي حاولت فيها – من خلال الأدلة الكثيرة - أن أبين البراهين الدالة على صدق رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن كل ما في الكون يدل عليها.

وهو يختص بما ورد في الكتاب المقدس من النبوءات الكثيرة المتعلقة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي حاول الكثير من رجال الدين أن يتكتموا عليها، أو يصرفوها عن محلها، أو يهونوا من شأنها.

ولذلك فإننا في هذه الرواية حاولنا أن نناقش تلك النبوءات من خلال حوارات ومناظرات افتراضية اعتمدنا فيها على المصادر التي اهتمت بهذا الجانب ابتداء مما كتبه الأولون من المهتدين إلى الإسلام كعلي بن ربن الطبري، وانتهاء بما كتبه المعاصرون كالشيخ أحمد ديدات وغيره.

فهرس المحتويات

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

بشارة إبراهيم

بركة إسماعيل:

حساب الجمل:

برية فاران:

بشارة يعقوب

بشارة موسى

البشارة الأولى:

البشارة الثانية:

بشارة داود

البشارة الأولى:

البشارة الثانية:

البشارة الثالثة:

بشارة سليمان

العالمية:

النصرة:

الرحمة:

الخلود:

بشارة إشعيا

هجرة النبي:

نصر النبي:

رسالة النبي:

سمت النبي:

ثبات النبي:

شريعة النبي:

الإنقاذ:

الحج والآذان:

القوة:

تعظيم الشريعة:

نبوءة عن مكة:

أمية النبي:

علامات النبوة:

بشارات مكتومة:

بشارة إرميا

بشارة المسيح

الفارقليط:

مثل الكرامين:

مثل العرس:

مثل الزرع:

مثل حبة الخردل:

مثل العاملين:

مثل الكنز:

الكامل:

الأصغر:

بشارات من أسفار الأنبياء

بشارة ميخا:

بشارة دانيال:

بشارة حبقوق:

بشارة حجي:

بشارة زكريا

بشارة ملاخي:

بشارة يوحنا:

بشارة صفتيا:

بشارة حزقيال:

بشارات من أسفار العالم

الهداية

 

المقدمة

هذا الكتاب من الكتب التي حاولت فيها – من خلال الأدلة الكثيرة - أن أبين البراهين الدالة على صدق رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن كل ما في الكون يدل عليها.

وهو يختص بما ورد في الكتاب المقدس من النبوءات الكثيرة المتعلقة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي حاول الكثير من رجال الدين أن يتكتموا عليها، أو يصرفوها عن محلها، أو يهونوا من شأنها.

ولذلك فإننا في هذه الرواية حاولنا أن نناقش تلك النبوءات من خلال حوارات ومناظرات افتراضية اعتمدنا فيها على المصادر التي اهتمت بهذا الجانب ابتداء مما كتبه الأولون من المهتدين إلى الإسلام كعلي بن ربن الطبري، وانتهاء بما كتبه المعاصرون كالشيخ أحمد ديدات وغيره.

أما بالنسبة للمصادر اليهودية والمسيحية فقد اعتمدنا فيها على الكتاب المقدس المعتمد لديهم، وإن كان هناك فروق بين الطبعات أو التراجم وضعنا ذلك في الهوامش، أو في متن الرواية.

ولهذا لم نعتمد إنجيل برنابا باعتباره محل شك لدى المسيحيين، ولا يصح أن نلزمهم في الاحتجاج بمصادر لا يعتمدونها.

وتدور أحداث الرواية حول زيارة البابا للمؤلف، وهو في حالة إيمانية عالية، ويخبره أنه ـ منذ شبابه ـ تعرض لأشعة كثيرة من شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنه مع ذلك يعرض عنه لشبهات، أو لأسباب نفسية... ولكنه في الأخير قرر أن يعتنق الإسلام، ويترك أخاه التوأم ـ الذي كان يملي عليه الشبهات ـ بدله على كرسي البابوية.

والبابا وأخوه التوأم يرمزان للإنسان بشقيه: العقل والنفس ... والحوار في الرواية جميعا بين هذين... والصراع فيها جميعا بينهما.

وقد حكى البابا للمؤلف في هذا الجزء رحلته إلى الشام، حيث التقى فيها بالكثير من المهتدين إلى الإسلام بعد اطلاعهم على البشارات الواردة في الكتاب المقدس، والتي لا يمكن حملها إلا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. وقد جرت بينه وبينهم مناقشات ومناظرات هادئة في هذه الجوانب.

وقد حاولت بقدر الإمكان أن أبسط المادة العلمية الواردة في الرواية حتى يتيسر على الجميع فهمها والاستفادة منها، لأن مثل هذه المعلومات لا يصح أن تبقى محصورة في الدراسات الأكاديمية، ولا بين المختصين من الباحثين فقط، بل ينبغي أن تنزل إلى الناس جميعا، لتخاطب عقولهم وقلوبهم وأرواحهم، فتزيدها يقينا وطمأنينة وإيمانا.

بالإضافة إلى ذلك تعلم كل محب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكل حريص على دينه، كيف يجيب المخالف، بل كيف يقنعه ... فهي تبين لهم منهج الحوار مع المخالفين، وتعطيهم من القدرات العلمية، والطرق المنهجية ما لا يملك معه المخالف إلا التسليم... وهدفها من كل ذلك أن تجعل من كل مسلم داعية إلى الله، ومحاميا يذب عن دينه، ويحمي حمى رسوله.

ونحب أن ننبه فقط إلى أن هذا الكتاب الموسوم بـ [أنبياء يبشرون بمحمد] جزء فقط من سلسلة البراهين المثبتة لرسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. وإلا فإن كل سلسلة [حقائق ورقائق] تهدف إلى هذه الغاية، سواء بالبرهنة عليها، أو برد الشبهات التي تثار حولها، أو بمواجهة من يزعمون لأنفسهم أنهم أتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أنهم لا يزيدونه بسلوكاتهم المشينة وأفكارهم المتطرفة إلا تشويها وتحريفا.

.

البداية

فتحت الباب، فأشرقت شمسان عظيمتان، أما إحداهما فملأت جوانب غرفتي بالنور المضيئ الهادئ الجميل.. وأما الثانية، فملأت جوانب نفسي بالسلام والطمأنينة والسعادة.

سألت الثانية: من أنت أيتها الشمس التي تنكسف لمرآها الشموس؟

أجابني بكلام يشع كما تشع الأنوار: أنا لست شمسا.. ولكني رجل بحث عن الشمس، وأحبها، فلما ظفر ببعض شعاعها كسته ما توهمته شمسا.

قلت: فأي شمس هذه التي وهبتك من إشعاعها ما أحالك شمسا، أو قريبا من الشمس؟

قال: إنها شمس محمد.. وأنا لم أظفر إلا ببعض أشعتها.

قلت: أي محمد هذا الذي كان شمسا؟

قال: أهناك محمد غير رسول الله؟.. ألم يصفه الله، فقال :﴿ وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً (الأحزاب:46)؟

قلت: أجل.. ولكن لم خصك بهذه الأشعة دون غيرك؟

قال: لا.. إنه لم يخصني.. كل من يريد أن يظفر بأشعة شمسه نالها.. ألا ترى الشمس التي تسقي بأشعتها الحقول والمزارع والجبال!؟

قلت: وكيف لا أراها.. بل هي تسقي بأشعتها البحار والمحيطات.. بل هي تمتد إلى الأفلاك التي تحيط بها، فتملؤها بالدفء والحنان..

قال: فمن تبخل عليه الشمس بأشعتها؟

قلت: الشمس لا تبخل.. ولا تستطيع أن تبخل إذا أرادت.. فأي صبي يمكنه أن يتحداها أن تحجب أشعتها عنه؟

قال: وهكذا محمد.. لم يكن بخيلا.. بل ظل شمسا تمد الخلق بالنور والدفء والحياة والجمال.

قلت: ولكن هناك من يحتجب عن شمس محمد.

قال: هو الذي يحتجب.. أما شمس محمد فهي ممتدة لا يتحداها شيء، ولا يمتنع منها شيء.

قلت: أنت لا تعلم.. نحن الآن في عصر لا يتقن شيئا كما يتقن فن وضع الحجب على الشمس.. ولا يكتفي بذلك.. فهو يسب الشمس ويلعنها ويرسم الرسوم الساخرة ليضحك من وجهها الجميل.

قال: ولكن الشمس مع ذلك لا تبالي بعبث العابثين، ولا سخرية الساخرين، فأشعتها الجميلة تظل مرسلة لتقول لهم بحنان: نعم أنتم استهزأتم بي، وسخرتم مني، ولكني مع ذلك أدعوكم لأن تحتموا من البرد الذي تعانيه أرواحكم، والظلمة التي تركد فيها حياتكم.

قلت: إن الأمر لا يتوقف عند هؤلاء الصغار.. لقد امتد الأمر إلى البابا.. بابا الفاتيكان.. ألا تعرفه؟.. ذلك الذي يحمل الصليب ويطوف به العالم.. لقد مد يده إلى الأيادي الآثمة، وراح يشجعها على وقاحتها.. بل راح ينافسهم في السباب والسخرية.

قال: والشمس لن تنحجب عن البابا كما لن تنحجب عن غيره.. أليس البابا خلق من خلق الله!؟.. أليس الله هو الرحمن الرحيم الذي جعل شمس محمد رحمة للعالمين!؟

قلت: بلى.. فقد قال الله تعالى:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الانبياء:107)

قال: فشمس محمد تشرق على البابا، كما تشرق على غيره.

قلت: ولكنه ملأ قلوبنا أحقادا وضغائن، فكيف تقول هذا؟

قال: ألم يكن هناك أعداء كثيرون لمحمد رموه بما رماه به البابا، وبما لم يرمه به؟

قلت: بلى.. هم كثيرون.. فمن قومه من رماه بالجنون والسحر.. ومنهم من رمى القمامات على جسده الشريف.. ومنهم من مد يده الآثمة ليقتله.

قال: أليس من هؤلاء من نالته أشعة محمد، فنعم بدفئها وحنانها؟

قلت: أجل.. كثيرون هم.. يبدأون بسبه، وينتهون بحبه.

قال: فلم لا يكون البابا مثل هؤلاء.. يكون سبهم مقدمة لحبهم.. ويكون شكهم مقدمة لإيمانهم.. بل لإيمان الملايين الذين يدخلون في دين الله أفواجا؟

قلت: أجل.. ولكن البابا مختلف.. إنه مختلف تماما.. هو يمثل دينا من الأديان يتربع على مساحة هائلة من الأرض.. وهو يظفر لذلك من التقدير والمحبة والجاه ما لا يظفر به جميع ملوك الدينا.. وهو.. ؟

قاطعني قائلا: وهل يمنع كل ذلك من فضل الله أن يمتد إليه كما امتد لغيره.. ألم يمتد فضل الله إلى السحرة الذين دخلوا بأمنية واحدة هي أن يهزموا موسى.. ولكنهم خرجوا، وقد نالتهم أشعة موسى التي أطفأت الظلمات التي تقبع فيها أرواحهم؟

قلت: صحيح هذا.. وقد ذكره القرآن الكريم، وكرر ذكره.

قال: لم يكرر ذكره إلا لتعتبروا.. فكما أن السحرة يمكن أن يؤمنوا، فغيرهم ممن هو دونهم أو فوقهم يمكن أن يؤمن.. فلا تحجبوا أحدا عن شمس الله التي تمتد إلى الآفاق.

قلت: صدقت في هذا..

قال: فأخبر قومك أن الله التواب الهادي النور الرحيم لا تنحجب شمس نوره ورحمته وهدايته وتوبته عن الكل.. ولو أنك تصورت أن أحدا من الخلق أعظم من أن يناله الله بنوره ورحمته وهدايته وتوبته، فقد اتهمت الله وعظمت المخلوق.

قلت: أجل.. وكل قومي يؤمنون بهذا، ولا يحتاجون مني أن أذكرهم.

قال: هم يذكرون ذلك، ولكنهم يغفلون عنه.

قلت: ما تقصد بغفلتهم؟

قال: أراهم يسلمون للقضايا، وينكرون مستلزماتها، بل ويشاحنون فيها.

قلت: ما تقصد؟

قال: ما كنا نتحدث عنه.. أرأيت لو أنك دعوت قومك إلى استعمال أسلوب آخر مع هؤلاء الجاحدين الذين واجهوا رسول الله بالمحاربة؟

قلت: وما هو هذا الأسلوب؟

قال: أن ترسلوا مثلا لمن رسم الرسوم الساخرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسالة هادئة مضمخة بمسك طيب تقولون له فيها: نحن نعذرك يا أخي.. فقد وصلتك أنباء كاذبة عن الشمس التي نستدفئ بأشعتها.. فلذلك أنت لم تتصرف من منابع الحقد، وإنما تصرفت من منابع الجهل والشبهة، فلذلك ندعوك لأن ترى نبينا، وتتعرض لأشعته، لترى الحقيقة من منابعها.. تصرف كما تصرف السحرة الذين ألقوا حبالهم، فالتقمتها عصا موسى.

ولا تكتفوا بذلك، بل أرسلوا إليهم بدموعكم تعتذورن إليهم بها.

قلت: ما تقول؟.. هم الذين يعتذرون، أم نحن الذين نعتذر؟

قال: لولا تشويهكم صورة نبيكم، وتشويهكم دفء الأشعة التي يرسلها ما وقع الساخرون فيما وقعوا فيه.. لذلك كنتم أنتم سبب حجابهم.. وكنتم أنتم سبب سخريتهم.. ولذلك كنتم أنتم سبب ما وقعوا فيه من الإثم.. والخلق الذي علمكم إياه رسولكم يدعوكم إلى الاعتذار لهم.

قلت: فما نقول لهم في اعتذارنا.. أو ما عساها دموعها أن تقول لهم!؟

قال: ألم يقص عليكم ربكم قصة امرأة العزيز؟

قلت: بلى.. فأي حاليها تريد؟

قال: عندما طلب منها الملك أن تدلي بشهادتها حول يوسف عليه السلام.. ماذا قالت؟

قلت: لقد قالت ـ كما ذكر القرآن الكريم ـ :﴿ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (يوسف:51 ـ 52)

قال: فهل كان في كلامها براءة يوسف عليه السلام مما اتهموه به؟

قلت: أجل.. ولذلك لم يرض يوسف عليه السلام أن يخرج قبل أن تثبت براءته.

قال: لم ؟

قلت: حتى لا يتعرض لأي سخرية أو استهزاء.

قال:  فقد كانت امرأة العزيز التي خانته هي التي أثبتت براءته؟

قلت: أجل..

قال: بنسبة الخيانة إليها لا إليه.

قلت: ذلك واضح، وقد صرحت به الآية.

قال: فكذلك فافعلوا.. ولا تكونوا أقل شهامة من امرأة العزيز.. اخرجوا للعالم.. وقولوا بأعلى صوتكم: اعذرونا يامن تسكنون هذا العالم.. لقد خنا نبينا.. لم نستطع أن نعطي صورة حسنة عنه.. ولم نف بالعهود التي عهد إلينا بها.. فلذلك لكم أن تسبونا نحن.. ولكم أن تسخروا منا نحن.. أما نبينا فهو الطهر والصفاء والصدق والإخلاص.. ولا يحق لكم أن تسبوا هذه المعاني السامية.

قلت: أنرسل بمثل هذا الكلام لهؤلاء الساخرين؟

قال: أذيعوه على العالم أجمع حتى لا تكونوا حجبا بينهم وبين أشعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: وهل ترى ذلك مجديا؟

قال: لا يضرك أن يجدي ذلك أو لا يجدي، فالهداية بيد الله، لا بيدك ولا بيد غيرك.. والله هو الديان.. فلا تزاحموا الله دينونته لعباده.

قلت: ولكن قلوبنا الفائضة بحب رسول الله.. كيف ترضى أن يدنس أو يسب؟

قال: رسول الله أرفع من أن يسب أو يدنس.. هو كالشمس.. تراها، وتستفيد منها، ولا تعيش من دونها.. ولكنك مع ذلك لا تحلم بأن تصل إليها، فأشعتها ونورها أعظم من أن تصل إليه الأوهام والأحلام.

قلت: أجل.. ولكن الحرارة التي تتقد في قلوبنا تمنعنا من ممارسة ما دعوتني إليه من أساليب؟

قال: أليس المحب مطيعا لحبيبه؟

قلت: أجل.. فلا حب لعاص.. وقد قال تعالى:﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (آل عمران:31)

قال: فقد مارس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الأسلوب مع الذين رموه بما رموه به من صنوف السخرية والاستهزاء.. ألم يرد في السيرة الإخبار عن إسلامهم بعد ضلالهم، وحبهم لنبيهم بعد بغضهم له؟

قلت: صحيح هذا.. والسيرة تمتلئ بأخباره.

قال: ليست السيرة التي تدرسونها فقط.. بل الحياة جميعا.. فمحال على العقل والقلب والروح التي تتعرض لأشعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن ترغب عنها.. إنها أشعة تأسر الكيان كله.

قال ذلك بلهجة ممتلئة أشواقا.. نظرت إليه، وهو واقف أمام باب داري، فاستحييت، وقلت معتذرا: اعذرني.. لقد انشغلنا بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن واجب إكرامي لك.

قال: ألا تسألني عني؟

قلت: لاشك أنك ولي من أولياء الله..

قال: كل من تعرض لشمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم نال من ولاية الله وتقريبه ما لم يكن يحلم به.

قلت: فمن أنت منهم؟

قال: البابا..

قلت: أي بابا؟ … وما بابا؟

قال: بابا الفاتيكان.

قلت: أتسخر مني يا ولي الله؟

قال: معاذ الله أن أسخر من أحد بعد سخريتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فقد جعلت وفاء توبتي بيني وبين ربي أن لا أسخر من أحد من خلقه.

كدت أسقط، وأنا أستمع لكلامه، قلت: أحقا ما تقول؟.. أأنت البابا؟.. بابا الفاتيكان.. الذين يقولون عنه (قداسة البابا)

قال: لقد كانت هذه القداسة التي ينسبونها لي هي الحجاب الأعظم الذي حال بيني وبين نور محمد.. ولكني تخلصت منها.. وقد أعطاني الله أشرف وسام بعد تخلصي منها.. لقد أعطاني وسام العبودية.. فأنا الآن عبد الله.. لقد طرحت بطرحي لتلك القداسة جميع الحجب التي كانت تحول بيني وبين الله.. وبيني وبين الكون.. وبيني وبين محمد.

قلت: لا أكاد أصدق ما أسمع..

قال: من عرف الله، وعرف قدر الله، وعرف فضل الله لم يتعجب من شيء..

قلت: ولكن من كان يصدق أن يسلم البابا.. ذلك الذي أقيمت المظاهرات العريضة تندد به، وتحرق صوره..

قال: دعهم يحرقوا صوره.. فهم يحرقون الكبرياء التي كانت تحول بينه وبين أشعة محمد.. لقد قمت بإحراق صوري.. وإحراق ثيابي.. وإحراق كل ذلك الجاه العريض الذي كان يحول بيني وبين منابع النور والهداية والحقيقة.

قلت: ولكني لا أزال أرى البابا يحمل صليبه، ويرتدي طيلسانه.. كيف هذا.. هل أنت شقان.. شق معي.. وشق في الفاتيكان يحكم رعيته التي تمتد في الأقاليم السبعة.

قال: لا.. البابا واحد.. وهو الذي يقف أمامك.

قلت: والآخر.. الذي تنقل لنا وسائل الإعلام صوره.

قال: تلك قصة طويلة.. ولن تعرف آخرها حتى تسمع أولها.

قلت: فهل ستقصها لي؟

قال: أجل.. لقد أمرت بقصها عليك ليسمعها العالم.. لعله يتعرض لأشعة محمد التي تعرض لها البابا.. فيعود إلى الله كما عاد البابا.

قلت: ولكن العالم سينكر هذه القصة.. وسيضحك علي.

قال: لا ينبغي لمن تعرض لأشعة محمد أن يحجبه شيء.. لقد حجبتني الكراسي التي كنت أجلس عليها.. وحجبتني النياشين التي قلدوني إياها.. ولكني الآن حر.. لا يقيدني شيء.

قلت: فمن أمرك بقصها علي؟

قال: من جعله الله سببا لهدايتي.

قلت: فهو يعرفني إذن!؟

قال: لا شك في ذلك.

قلت: فمن هو؟

قال: أنا نفسي لا أعرفه.. لقد كان كالنور الذي نرى به، ولكنا لا نراه.. وإذا أردنا أن نلمسه لم نلمس إلا الهباء.

قلت: زدتني حيرة.

قال: لا حيرة لمن عرفه..

قلت: فصفه لي.

قال: لا يمكن أن أصفه بأكثر مما كان يصف نفسه.

قلت: فبم يصفها؟

قال: بالنقطة التي تحت الباء([1]).

قلت: عرفته.. إنه معلمي.. معلم السلام.. ما أعظم شوقي إليه.. كيف تركته؟

قال: هو يأمرك بأن تحمل قلمك وقراطيسك، وتكتب كل ما أمليه عليك من قصتي.

قلت: سمعا وطاعة لمعلمي.. فهلم معي إلى محل صالح نجلس فيه، لتحدثني عنك.. وتحدثني عن الأشعة التي تعرضت لها.

***

لست أدري … هل كانت هذه القصة التي حدثني حديثها البابا حلما جميلا رأيته وتلذذت برؤيته … أم هي حلم من أحلام اليقظة أفرزته حالة الحزن التي عشتتها بعد ما سمعت تصريحات البابا … أم هي قصة واقعية حدثت لي، لم تفطن لها وسائل الإعلام لتنشرها … أم هي قصة واقعية لم تحدث بعد، ولكنها ستحدث بعد حين؟

ولا يهمني أي واحد من هؤلاء كان … ولكني أعلم أن البابا وغير البابا لو مر بتجربة هذا البابا الذي جاءني وحدثني، فسينال من أشعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما شمل العالمين.

وأنا من منطق الأشعة التي نلتها بفضل الله من شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا أحب للبابا، ولا لرسامي الرسوم الساخرة، ولا لمن يبدعون الفنون في سب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويقيمون المسابقات المغرية لأجل ذلك، إلا أن يتعرضوا لأشعة شمسه صلى الله عليه وآله وسلم.. وسيكتفون بالتعرض لها عن كل جواب أو جدل.

ومن هذا المنطق أخاطب إخواني الذين امتلأت قلوبهم غيرة على رسول الله لأقول لهم: لكم أن تغيروا على رسول الله.. ولكم أن تفعلوا كل ما تنتجه هذه الغيرة من نتاج.. ولكن لا تفعلوا شيئا واحدا.. لا لأنه يؤذي هؤلاء الساخرين، ولكن لأنه يؤذي رسول الله.. لا تقفوا حجابا بين شمس رسول الله وبين هؤلاء الناس.. فرسول الله ليس رحمة خاصة بكم.. ولكنه رحمة للعالمين.

***

اتخذنا مجلسا صالحا في البيت.. وراح البابا يغوص في حديثه، قال:

كل قصتي تتلخص في ثلاثة نفر: أنا ورجلان.

أما أنا.. فرجل ولد في حضارة تمتلئ بكل المغريات.. فعزف عنها وولى وجهه نحو قبلة العقل والروح والكمال.. فلذلك لم أهتم بما يهتم به أترابي من مغريات تحول بينهم وبين البحث عن الحقائق.

ومع ذلك.. فقد كان لي عقل حرون لا يكاد يسلم لشيء.. فهو يجادل ويناقش ويبحث.. لا يكل في ذلك، ولا يمل.. ثم لا يقتنع إلا بعد أن يرده اليقين الذي لا يشك فيه.. والحق الذي لا يمازجه أي باطل.

البعض يشبهني بالعقل المجرد.. ولكني لا أرى نفسي كذلك.. فمع أني إنسان عقلاني بطبعي إلا أن البيئة الدينية والدنيوية التي عشتها جعلت عقلي معقولا عن التسليم.. وهذا ما جعلني أتأخر مع التسليم للحق.. مع توفر كل دواعي التسليم له.

هذا هو أنا.. وهذا سر تعرضي لتلك الأشعة الكثيرة من شمس محمد.. فقد كان لي من الكثافة ما يتطلب أشعة كثيرة تخرق ذلك الجدار الصلب الذي يجثم على قلبي وروحي.

هذا هو أنا..

أما الرجل الأول، فقد كان أخي التوأم، ولا يعرفه أحد من الناس إلا خاصة خاصتي، وقد كان له من الشبه بي ما يجعلني أشك في نفسي، بل أحيانا أشعر أني لست غيره، فقد كانت خواطرنا تتوارد في المواضيع الواحدة.. ولكن أخي هذا مع ما أكنه له من احترام كان هو الحجاب الأعظم الذي حاول كل جهده أن يمنع سريان أشعة شمس محمد للوصول إلى نفسي وقلبي وعقلي وروحي..

أما الرجل الثاني، فهو صاحبك الذي حدثتك عنه، وقد كان يأتيني، فلا أعلم من أين جاء، ويذهب، ولا أعلم أين انصرف.. وفد كان هو النور الذي دلني على أشعة محمد.. ولم أكن أتحرك إلا بهدايته ودلالته.

هؤلاء هم الذين قامت عليهم حياتي، وهؤلاء هم الذين تدور عليهم رحلاتي التي رحلتها للوصول إلى أشعة محمد.

قلت: عرفت أبطال قصتك.. فمن أين مبدؤها؟

قال: من رؤيا رأيتها.. فأحيانا تتلخص حياة الإنسان في رؤيا.

قلت: صدقت، وقد ذكر الله عن يوسف عليه السلام أن حياته لخصت في رؤياه التي قصها الله تعالى علينا، فقال :﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (يوسف:4)

قال: هذه رؤيا يوسف عليه السلام.. أما رؤياي التي انطلقت منها رحلتي، فهي أني رأيت العذارء.. وهي في جمال الشمس، وأنوار القمر، وحلاوة الربيع..

قلت: بورك لك هذه الرؤيا.. فنعم من رأيت.

قال: رأيتها تنظر إلي بنوع من الشفقة والرحمة، وقد كنت حينها أكابد من البرد والظلمة والألم ما لا يتحمله البشر.. صحت فيها مستغيثا: يا مريم المقدسة.. دليني على أشعة الشمس التي تطفئ ظلمتي، وتذهب هذا الزمهرير الذي تكتوي به أعضائي.

فالتفتت إلي، وقالت: ابحث عن الشمس التي بشرت بها الأنبياء، وتحطمت أمام أشعتها الطواغيت.. ومن أفواهها سارت الكلمات المقدسة.

ابحث عن الشمس التي فتحت لها خزائن العلوم، وخرقت لها أسوار الأقدار، وامتلأت القلوب حبا لها، وشوقا إليها.

ابحث عن الشمس التي هي رحمة وعدل وسلام.

ابحث عن الشمس التي تبشرك بحقيقة الوجود وحقيقة الإنسان، وحقيقة الحياة([2]).

فلن ينقذك من بردك وظلمتك إلا هذه الشمس.

قلت: من هي هذه الشمس أيتها القديسة المنورة بأنوار الحقائق؟

قالت: سر.. واخلع نعليك([3]).. فسوف تجد من يدلك على الطريق.. فقد جعل الله لكل ضال هاديا.. ولكل جاهل معلما..

قلت: فعلميني أنت..

قالت: لكل معلمه الذي يتعلم منه..

ثم انصرفت.. وقد تركتني محتارا في رؤياي، لا أجد لها تأويلا.. ولا أجد من ألجأ إليه ليفسرها لي.

في الصباح جاءني أخي التوأم الذي يشبهني وأشبهه، فقصصتها عليه، وسألته عن سرها، فسكت برهة، ثم قال: ليس هناك غير المسيح.. ولن يخلصك غير المسيح.. فلا تبحث عن أي أشعة.. فليس هناك غير شمسه.

قلت: ولكنها ذكرت أشياء كثيرة.. أشياء كثيرة لا أراها تنطبق على المسيح الذي أعرفه.

نظر إلي نظرة فيها بعض القسوة، وقال: لا تشتغل بالأحلام.. واشتغل بما يقربك من المسيح.. فمن اقترب من المسيح نال من أشعته ما يحميه من كل ظلمة، ويدفئه من كل برد.

قلت: فكيف أقترب من المسيح؟

قال: هو ذا الكتاب المقدس أمامك.. وهي ذي أسفار القديسين تمتلئ بها مكتبة بيتك.. وهي ذي الكنيسة تعج بالمصلين.. فالأجأ إليها، وتعلم من المسيح كيف تصل إلى الخلاص..

قلت: ولكني لا أجد في نفسي رغبة في ذلك.. فأنا عقلي بطبعي.. وليس لي من الميل للتدين ما يجعلني أغوص فيما تذكره لي.

قال: لا تنحجب بعقلك.. وسر نحو المسيح ليعلم عقلك ماذا يقرأ، وكيف يقرأ.

قلت: أأعزل عقلي؟

قال: إن عزلك عقلك عن المسيح، فاعزله، فلا خير في عقل يحول بينك وبين ملكوت الله.

قلت: ولكن عقلي من خلق الله، وما طبع فيه من علوم من تعليم الله.

قال: ولكن عقلك قد تعشش فيه الشياطين، وتنفخ فيه من الوساوس والأوهام ما يحول بينك وبين الخلاص.

قلت: أترى من يعتمد على عقله لن يصل إلى الخلاص؟

قال: من اعتمد على عقل يحجبه عن المسيح لن يصل إلى الخلاص.. فحقائق الإيمان أعظم من أن تسلم لها العقول، أو تصل لها العقول.

قلت: أنا أوافقك في عدم وصول العقل لحقائق الإيمان.. ولكن التسليم لها يحتاج إلى العقل.. وإلا لجأنا إلى الخرافة.

قال: أعظم خرافة هي الركون إلى العقل..

قال ذلك، ثم انصرف.. لست أدري هل اقتنعت بكلامه، أو لم أقتنع، ولكني وجدت نفسي أسير رغم عقلي لأقرأ كل ما سطر في مكتبة بيتنا الواسعة.. وكنت إذا ما اشتد علي شيء، أو أشكل علي أمر، ألجأ إلى رجال الكنيسة، فيفسرون لي ما أشكل علي.. وأقتنع بما يقولون، ولا أبالي بما يقول عقلي..

ظللت هكذا عشر سنوات.. وأنا لا همة لي إلا البحث في الأسفار، والتعمق في محاولة فهم أسرار المسيحية.

 لا أكتمك أني أحب المسيح.. ولكني لم أكن أشعر حوله بما يقتضيه الإيمان المسيحي.. لقد كان في عقلي من التمرد ما يجعلني في معاناة مستمرة.

كنت أشعر أن الألوهية وما تقتضيه من صفات، وما تفعله من أفعال أعظم من أن تختصر فيما نعتقده نحن من إيمان.. كنت أنظر إلى الكون وامتداده، فأراه أوسع من التصورات التي نحملها عنه، وعن الإله الذي يمسك به.

لكني لم أكن أجسر على التصريح بهذا، بل لم أكن أجسر على التفكير به، وكنت أتعذب بذلك الضعف الذي يجعل روحي تتشتت شتاتا خطيرا.. فالمنطق الذي زعمت صلته بالإيمان كان منقطعا في نفسي انقطاعا لا يطمع معه في أي وصال.

ذات يوم جاءني أخي مستبشرا، وهو يقول: إن البابا.. بابا الفاتيكان سيزور قريتنا.. وسنتشرف برؤياه، ولعلنا ننال من بركاته ما ننعم به إلى آخر الدهر.

في تلك الأيام كانت قريتنا مزدانة بكل أنواع الزينة، بل كان الناس من القرى المجاورة، والمدن المجاورة، والدول المجاورة يحجزون غرفا لهم في قريتنا، مما نشط اقتصادها، وملأها بالحيوية والنشاط.

في ذلك اليوم الموعود الذي ازدانت له السماء والأرض، دخل البابا قريتنا يتلك الهالة التي تحيط به من الوقار..

كان موكبا فخما اهتزت له القلوب.. وقد كانت التراتيل التي تتردد تملأ القلوب بأشواق عظيمة.. وكنت أرى الرجال الكبار الذي يملأون النفس مهابة صغارا بين يدي البابا، يتزاحمون على رؤيته، والمحظوظ منهم من نال من بركاته.

في ذلك اليوم دخل بعد جديد حياتي..

لقد كنت طموحا.. وكان طموحي هو الذي حال بيني وبين التخصص في الدراسات الدينية.. ولكني اليوم رأيت ما فيه البابا من الجاه الذي لا ينعم به إلا من هو مثله..

لقد طمحت في ذلك اليوم أن أصير بابا.. ولذلك حولت مسار حياتي كلها ليسير نحو هذا الاتجاه.. وقد كان لهذا فضله على تنعمي بالتعرض لأشعة محمد.. وقد كان كذلك الحجاب الذي حال بيني وبينها.

في ذلك المساء، سألت أخي: كيف يصير المرء بابا؟

ضحك، وقال: وهل تريد أن تصير بابا؟

قلت: لا أكتمك.. لقد كان للبابا من الاحترام ما يجعل الكل يحن لمنصبه.

قال: أنت مثلي.. فالبابا هو أقرب الناس إلى المسيح.. إنه وريث بطرس.. وبطرس تلميذ المسيح.. ولذلك أحن لأن أصير بابا.

كان أخي مخلصا في طلبه.. ولكني لم أكن أطلب إلا الجاه الذي ينالني من ذلك المقام الذي يتربع عليه البابا.

قلت: فكيف أصل إلى أن أصير بابا؟

قال: ذلك أمر صعب..

قلت: أهو مستحيل؟

قال: لا.. الصعب ليس مستحيلا.

قلت: فماذا أفعل؟

قال: أولا.. لا بد أن تحوز من العلوم ما يجعلك أهلا لهذا المنصب.

قلت: قد حزت الكثير منها.

قال: لا زال الكثير في انتظارك..

قلت: هذا يسير.. فما غيره؟

قال: أن تصير حواريا.

قلت: كيف أصير حواريا.. وقد مضت السنون الطوال بيننا وبين المسيح؟

قال: تسير في الأرض كما سار الحواريون.. وتقطع المفاوز والقفار تبشر بما بشر به الحواريون.

قلت: أأتغرب عن أهلي؟

قال: لن تثبت صدقك إلا بتغربك عن أهلك.

قلت: هذا صعب.. ولكني أطيقه.. فماذا أيضا؟

قال: أن تخدم الكنيسة.. فخدمتك الكنيسة تجعلك تترقى في مراتبها.. وهو ما يخول لك الوصول إلى الفاتيكان.. ومنه إلى كرسي البابوية.

قلت: كيف أحصل على هذا؟

قال: لا عليك.. هذا اتركه لي.. وسوف أرتقي بك في درجات الكنيسة ما يجعلك أهلا للوصول إلى ما تحلم به.

قلت: البابا واحد.. فلماذا تسعى لي، ولا تسعى لنفسك.

قال: أنا أنت.. إن وصلت أنت وصلت أنا.. والمجلس الذي تجلس فيه أنت أجلس فيه أنا.. وإذا مرضت أنت خلفتك أنا.. وإذا أفسدت أنت أصلحت أنا .. ألسنا توأمين لا يستطيع أحد مهما أوتي من قوة حدس أن يفرق بيننا.

ضحكت، وقلت: هذا صحيح.

كان ذلك اليوم محطة مهمة في حياتي.. لقد سرت مع أخي إلى الكنيسة، وهناك وظفت وظائف بسيطة فيها.. ثم تدرج بي الأمر، بعد أن لمسوا في الصدق والإخلاص إلى أن كلفوني بالسير لبعض البلاد العربية، بلاد الشام الجميلة.. لأنقذ أقلية من المسيحيين هناك تعرضت لزحف المسلمين.

وقد تعلمت لأجل ذلك اللغة العربية، وأتقنتها، وتعلمت من فنون الحوار ما يجعلني أهلا لهذا الوظيفة.

امتطيت الطائرة السائرة نحو تلك البلاد.. وفيها تم لقائي بالرجل الذي أرسلني إليك، والذي كان يظهر متى شاء، ويختفي متى شاء.

جلست على كرسي في الطائرة، لا أزال أذكر ذلك، ولا أحسب أني أنساه،  وقد ولد في نفسي عزم عظيم، وهمة لست أدري سرها.

لقد ذكرت رؤياي لمريم ـ والتي لم تكن تغادر ذهني ـ وصممت على أن أبحث عن سرها، بعد أن سرت في طريق الدين الذي كانت نفسي وعقلي تنفر منه.

وما استتمت هذه العزيمة في نفسي حتى التفت إلى الذي هو بجانبي، فإذا بي أجد صاحبك، مشرقا كالشمس، هادئا كصفحة الماء التي لم تعبث بصفائها التيارات.

قال لي: وأخيرا.. صممت على البحث عن الأسرار التي ذكرتها لك مريم الصديقة.

قلت: كيف عرفت ذلك؟.. لقد كان هذا الحلم بيني وبين نفسي، ولم أبح به إلا لأقرب الناس إلي، والذي يكاد يكون نفسي.

قال: لا تسأل عن الكيف.. فالكيف عقال عقل العقول عن الوصول إلى الحقائق.

قلت: فهل تراك تستطيع أن تفسر لي حلمي؟

قال: أنا لست مفسر أحلام.

قلت: فلم سألتني عنه إذن؟

قال: لأدلك، فقد رأيتك خلعت نعليك، فسارعت إليك.

قلت: لقد ذكرت لي العذراء هذا.. ولم أكن أفهم ما ترمي إليه.

قال: لقد كانت تدعوك لتخلع كل ما تعلمه من علم ورثته، لتبحث عن الحقائق التي يعقلها العقل، لا التي يرثها.

قلت: أتريد مني العذراء أن أصبح جاهلا؟

قال: كل من تلقى العلم وراثة أو تقليدا، فهو جاهل، ولو اتشح بطيالسة العلماء.

قلت: أراك تريد أن تزين لي ما لا يتزين أبدا.

قال: أرأيت لو دعتك نفسك لأن تكتب شيئا، فهل تكتبه على صفحة بيضاء، أم تكتبه على صفحة ملأتها كتابة؟

قلت: لا شك أني أبحث عن الصفحة البيضاء.

قال: فكذلك عقلك وقلبك لن يفهم الحقائق والعلوم، ولن يذوقها إلا بعد أن يتطهر كما تتطهر الأوراق البيضاء.

قلت: عرفت سر خلع النعلين، فما سر الأسرار التي دعتني العذراء إلى البحث عن صاحبها؟

قال: تلك شمس عظيمة زين الله بها سماء الحقائق، لا تنال بأشعتها شيئا إلا حولته جوهرا من جواهر النور، وياقوتة من يواقيت الهداية.

قلت: فمن هو؟

قال: لقد ذكرت لك أن دوري هو الدلالة، لا التعريف.

قلت: فما الفرق بينهما؟

قال: الدلالة تدعوك إلى البحث والاجتهاد، فتتعرف على الحقيقة بعد أن تعاني الأمرين في الوصول إليها، أما التعريف، فهو تلقين لا يختلف عن التقليد.

قلت: فلم لم تكن معرفا؟

قال: من لم يعان في البحث عن الحقائق لم يقدرها قدرها، ولم يذقها.. وقد يؤديه الإلف إلى الغفلة عنها.

قلت: صدقت.. وإني أرى الرجل الغني الذي كسب المال بجهده لا يكاد يفرط فيه مع كثرته، بينما أرى أولاده الذين جاءهم المال لقمة سائغة، لم يبذلوا فيه أي جهد، لا يكادون يمسكونه حتى يبذلوه من غير فائدة.

قال: فقس العلم على المال، وقس الحقيقة على العلم.

قلت: فما هي السبل التي أصل بها إلى تلك الأسرار؟

قال: بالبحث والنظر والاستماع.. احرص على أن يكون سماعك أكثر من كلامك.. واحرص على أن يكون كلامك بحثا عن الحق.. لا جدلا يحول بينك وبين الحق.

قلت: ومن أين لي أن أجد من أستمع له.. أتحسبني ذاهبا للجامعة لألاقي الأساتذة والطلبة؟

أنا ذاهب إلى عامة.. هم أحد طعام يأكله، أو شراب يشربه، أو لباس يلبسه.

قال: لن تصل إلى الحقائق حتى تسمع من العامة والخاصة.. ألا ترى عناية الله بعباده متجلية في الكائنات، بل في أبسط الكائنات؟

قلت: أجل.. فعناية الله تمتد لكل شيء، وتمده بما يتطلبه وجوده من حياة

قال: أترى هذه العناية التي وفرت لكل شيء حاجاته تغفل عن أي إنسان؟

قلت: كلا.. لقد أرسل الله ابنه الوحيد لينقذ العالم.. وهو أكبر رمز لعناية الله بعباده.

رأيته وقد اشتد عليه ما سمعه، لكنه حاول أن يستر ذلك، ثم قال: من أراد أن يعرف الحقيقة، فعليه أن يتخلص من كل حجاب يحول بينه وبينها.

قلت: وما هي هذه الحجب؟

قال: الهوى، وطموح النفس، ونوم العقل.

قلت: أينام العقل؟

قال: النائم قد يستيقظ.. والخوف من موت العقل لا من نومه.

قلت: ولكن العقل قد يعقلنا عن المسيح.

قال: وقد يقربنا منه..

قلت: يستحيل هذا.. فالعقل أضيق من أن يعرف أسرار المسيح.

قال: وأسرار المسيح أعظم من أن نفهمها بعقول نائمة أو ميتة.. إننا نصير حينها كالمجانين.

قلت: أنت تخالف ما لقنته من علوم.. فمن أنت؟.. لكأني بي أعرفك.. وكأني بي لا أعرفك.

قال: من بحث فيما لا يعنيه، أوشغل عقله بما لا يغنيه، شغله الفضول عن الأصول، أوقطعه الفضول عن الوصول.

قلت: عن أي أصول.. وعن أي وصول؟

قال: الوصول إليه.. وأصول التعرف عليه.

قلت: على أي عائد تعود الهاء، فإني لم أرك تذكر قبلها شيئا.

قال: الهاء لا تعود إلا إليه.. فكل شيء يشير إليه.

قلت: دعني من كل هذا، فإني لا أكاد أفهم عنك شيئا، وأخبرني من أنت، وما ترمي من حديثك إلي؟

قال: أما السؤال الأول، فلن تطيق الجواب عنه، ومن الحماقة أن أحدثك فيما لا تعقل.

وأما الثاني، فلن تعرفه سره الآن، ولكنك ستعرفه بعد حين.

ما قال هذا حتى جاءت المضيفة تطلب منه أن يعطيها أوراقه، فسار معها.. ولم يعد.

كان أول هدف لي بعد نزولي من الطائرة أن ألتقي بهذا الرجل الغريب.. سألت الكل.. فلم يدلني أحد.. هرعت إلى المضيفة التي طلبته لأسألها عنه، فضحكت، وانشغلت عني..

 

بشارة إبراهيم

في اليوم الأول خرجت باكرا من البيت، وسرت أتجول في تلك البلاد الجميلة التي تمتلئ بروائح القداسة التي فاحت بها أرواح النبيين.

ظللت فترة الصباح أسير على غير هدى.. وقد كان أول ما أفعله ـ على حسب ما تعلمت ـ هو التعرف على المنطقة، ثم على أهلها.

في منتصف النهار دب الجوع إلى بطني، فسرت طالبا مطعما أتغدى فيه.. لكن رجلا يبدو عليه الكرم ناداني طالبا مني أن أتغدى عنده.

سرت إليه، وحاولت التعرف عليه، قلت له: من أنت؟

قال: عبد الله.. واسمي إبراهيم.

قلت: أأنت مسيحي؟

قال: أجل..

قلت: أنا مثلك.. مسيحي أبا عن جد.

قال: أنا لست مسيحيا فقط.. بل إبراهيمي أيضا.. ألا ترى أن اسمي إبراهيم؟

قلت: كل مسيحي لا بد أن يكون إبراهيميا.. فإبراهيم من أنبياء العهد القديم الذين بشروا بالمسيح.

قال: وبشروا بمحمد..

انتفضت غاضبا، وقلت: ما تقول يا رجل.. كيف تكون مسيحيا، وتقول هذا؟

رد علي بهدوء: لأني مسيحي أقول هذا.. فقد تعلمت من المسيح الصدق والإخلاص، كما تعلمت من إبراهيم التضحية والإسلام..

قلت: تعلمت من إبراهيم الإسلام!؟

قال: أجل.. فإبراهيم هو رمز الإسلام الأول.. لقد ذكره الله تعالى فقال:﴿ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ (الحج: 78)، ورد الله على تنازع الملل لإبراهيم، فقال :﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (آل عمران:67)

قلت: أراك تكذب، وأنت تدعي الصدق.. وتغدر وأنت تدعي الوفاء.

قال: ما كذبتك، ولا خنتك.

قلت: فلم زعمت أنك مسيحي؟.. وهل يترك المسيحي كتبه ليقرأ كتابا إنما هو هرطقات وترهات وأساطير؟

قال: رويدك.. فلا ينبغي أن نسخر بشيء لا نعلمه.. المسيحية تطلب منا احترام الكل.

قلت: أجل.. ولكن كيف تزعم انتماءك للمسيحية، وأنت ترطن بنغمة أهل الإسلام؟

قال: أنا مسيحي أجل.. ولم أكذب في ذلك.. وإبراهيمي.. وها أنت تراني أبحث عن الأضياف، كما كان يبحث عنهم إبراهيم.. وفوق ذلك أنا محمدي..

قلت: كيف يجمع المرء بين هذه المتناقضات؟

قال: أنا جمعت ببينها.. بل لم أعرف المسيح إلا بعد أن عرفت محمدا.. لقد كان محمد هو دليلي إلى المسيح..

اسمعني يا أخي.. إن الصورة التي يحملها المسلمون عن المسيح أشرف بكثير من الصورة التي يخملها المسيحيون عنه.. ولذلك، فالمسلمون أقرب للمسيح وأجدر به من الذين يدعون انتسابهم للمسيح.

قلت: ما الذي رغبك في الإسلام حتى تركت من أجله دين آبائك وأجدادك؟

قال: أنا لم أترك دين آبائي وأجدادي.. ولكني صححت دين آبائي وأجدادي.. أما عن سؤالك.. فإن العمر جميعا لا يفي بالجواب عنه.. ولكني سأحدثك عن سر اختياري لاسم إبراهيم لأتسمى به بعد الإسلام:

لقد كان إبراهيم هو النبي الذي أعطاني المفتاح الذي أدخل به عالم محمد، وهو المصباح الذي استنرت به للوصول إلى أشعة محمد.

قلت: كيف ذلك؟.. هل زارك إبراهيم في الرؤى كما زارتني العذارء؟

قال: الرؤى تختلط فيها الحقائق بالأوهام.. ولكنه ترك وصية يقرؤها الكل، ويعرض عنها الكل..

قلت: أين هي؟

قال: في الكتاب المقدس.. الكتاب الذي تقرؤونه وتنتقون في قراءته، وتفهمونه، وتتملصون من فهمه.

قلت: أين ذلك في الكتاب المقدس؟

قال: في مواضع منه.. وسأذكر لك أمثلة تشير إليه([4]).

بركة إسماعيل:

قلت: حدثني.. فلعلك وقعت في شبهة منعتك من فهم أغراض الكتاب المقدس.

قال: ألم يخرج إبراهيم عليه السلام من أرض العراق إلى الأرض المباركة، أرض فلسطين؟

قلت: أجل.. وتذكر التوراة أن عمره كان حينذاك خمسة وسبعين عاما، ولما يولد له ولد حينها.. وقد بشره الله بعد خروجه، فقال: (أجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة.. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض) (التكوين 12/2 - 3)

قال: فقد وعد إبراهيم عليه السلام بأن يبارك له في ذريته.

قلت: أجل.. وما ذكرته من سفر التكوين يدل عليه.. بل إنه عندما ابتلى الله إبراهيم بذبح ابنه الوحيد يومذاك، فاستجاب وابنه لأمر الله، وحينها (نادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء، وقال: بذاتي أقسمت، يقول الرب، إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك، أباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيراً، كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه) (التكوين 22/1-17)

وقد ظل هذا الوعد بالمباركة مستمرا إلى آخر أيام إبراهيم، فإنه عندما بلغ إبراهيم التاسعة والتسعين تجددت البركة من الله لإبراهيم، وقد جاء في الكتاب المقدس: (قال له: أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملاً، فأجعل عهدي بيني وبينك، وأكثرك كثيراً جداً.. أجعلك أباً لجمهور من الأمم، وأثمرك كثيراً جداً، وأجعلك أمماً، وملوك منك يخرجون، وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهداً أبدياً..) (التكوين 17/1 - 8).

قال: أليس إسماعيل الذي هو جد محمد من نسل إبراهيم؟

قلت: بلى.. بل هو ابنه البكر.. وقد ورد ذلك في الكتاب المقدس، فعندما أذلت سارة هاجر، فهربت هاجر من وجه مولاتها (قال لها ملاك الرب: ارجعي إلى مولاتك واخضعي تحت يديها. وقال لها ملاك الرب: تكثيراً أكثر نسلك فلا يعد من الكثرة، وقال لها ملاك الرب: ها أنت حبلى فتلدين ابناً وتدعين اسمه: إسماعيل، لأن الرب قد سمع لمذلتك، وإنه يكون إنساناً وحشياً يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه، وأمام جميع إخوته يسكن " (التكوين 16/11 - 12)

قال: لقد بشرها الملاك إذن بابن عظيم يسود على كل أحد، لكنه أحياناً يكون على خلاف ذلك، فيتسلط عليه كل أحد.

قلت: أجل.. وقد ولدت هاجر ابنها إسماعيل فكان بكراً لإبراهيم، كما ورد في الكتاب المقدس: (وكان أبرام ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل) (التكوين 16/16)

قال: لقد وعد إبراهيم بالبركة في ذريته، فهل شملت هذه البركة ابنه إسماعيل؟

قلت: أجل.. فقد طلب إبراهيم من الله الصلاح في ابنه إسماعيل، ففي الكتاب المقدس: (قال إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك)(التكوين 17/18)، فاستجاب الله له وبشره بالبركة فيه وفي ابن آخر يهبه الله له، فقد بشره بميلاد إسحاق من زوجه سارة فقال: (وأباركها وأعطيك أيضاً منها ابناً، أباركها فتكون أمماً، وملوك شعوب منها يكونون.. وتدعو اسمه إسحاق، وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً لنسله من بعده، وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره، وأكثره كثيراً جداً، اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة)(التكوين 17/16-20)

قال: فقد وعد إبراهيم بالبركة في إسماعيل وإسحق.

قلت: أجل.. وقد ولد لإبراهيم أبناء آخرون من زوجته قطورة، لكن الله لم يعده بالبركة فيهم، ففي الكتاب المقدس: (عاد إبراهيم فأخذ زوجة اسمها قطورة، فولدت له زمران ويقشان ومدان ومديان ويشباق وشوحا)(التكوين 25/1-2)

قال: إن كل ما ذكرته من البركات يتفق فيه الكتاب المقدس مع القرآن الكريم.. فالقرآن يقرر بركة وعهداً لإبراهيم في صالحي ذريته من ابنيه المباركين إسماعيل وإسحاق، حيث يقول :﴿ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (الصافات:113)

ولكن هذه البركات ترتبط بصلاح الذرية، لا بمجرد كونهم من نسل إبراهيم، فقد قال تعالى:﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (البقرة:124)

قلت: وقد ورد في الكتاب المقدس هذا الشرط.. ففي الكتاب المقدس: (سر أمامي وكن كاملاً فأجعل عهدي..)(التكوين 17/1 - 2)، كما قال له:(إبراهيم يكون أمة كبيرة وقوية ويتبارك به جميع أمم الأرض، لأني عرفته، لكي يوصي بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب، ليعملوا براً وعدلاً، لكي يأتي الرب لإبراهيم بما تكلم به)(التكوين 18/18 - 19)

قال: فأنت تقر إذن بالبركة في كل من ذرية إسماعيل وإسحق..

قلت: أجل.. ولكنها تبدأ بإسحاق دون إسماعيل، وقد ورد في الكتاب المقدس: (ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق، الذي تلده لك سارة في هذا الوقت، في السنة الآتية) (التكوين 17/21)

قال: لا بأس.. لا يضرنا بمن تبدأ، ولا بمن تنتهي.

قلت: أجل.. لا يمكن أن أكابر في هذا.. فإسماعيل بورك كما بورك إسحق.

قال: فقد ظهر من بركات الله على ذرية إسحق كثير من الأنبياء، كما قال تعالى:﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (الجاثية:16)

قلت: أجل.. فكل أنبياء بني إسرائيل كانوا من ذرية إسحق.

قال: فأين آثار البركة على ذرية إسماعيل الذي وعد في البركة في ذريته؟

قلت: نحن نتفق في أن بركة إسحاق هي النبوة والملك والكتاب والكثرة والغلبة، والتي نص عليها كتابكم، ولكن بركة إسماعيل تقتصر على تكثيره فقط، كما ورد في الكتاب المقدس: (وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً، اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة)(التكوين 17/20)

قال: هذه مكابرة.. فالكثرة وحدها لا تحمل أي بركة.. نعم نحن نقر بأن البركة بدأت بإسحق.. كما نص على ذلك الكتاب المقدس، فلذلك لم يظهر في العرب نبي طيلة الفترة بين إبراهيم ومحمد.

ولكن هذا التأخر لا يعني الإلغاء.. بل هو يعني شيئا أعمق وأكثر دلالة.

قلت: وما هو؟

قال: إن قصر النبوة في ذرية إسماعيل عليه السلام في محمد صلى الله عليه وآله وسلم دليل على أهمية هذه الرسالة.. فالبركة فيها قد جمعت كل البركات التي فرقت على أنبياء بني إسرائيل.. هذه ناحية.

وناحية أخرى لها أهميتها هي أنه لو كان في ذرية إسماعيل من كان نبيا لربما اعتقد المكابرون بأن البركات انصرفت إليه.. ولكن اقتصار النبوة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم دليل على أنه هو المبارك الموعود.

فلذلك يقال للمنكرين: دلونا على صدق الوعد الذي وعد الله به إبراهيم في حق إسماعيل؟

فإنهم لو بحثوا لم يجدوا غيره صلى الله عليه وآله وسلم دليلا على هذه البركة.. وقد كان البحث في سلسلة ذرية إسماعيل هو الذي هداني إلى هذا، وهداني بعده إلى الإسلام.

لقد ساد العرب المسلمون الأمم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ودولته، وفيما عدا ذلك كانوا أذل الأمم وأضعفها وأبعدها عن أن يكونوا محلاً لبركة الله، إذ لا بركة في قبائل وثنية تكاثرت على عبادة الأوثان والظلم.

قلت: أراك تؤمن ببعض الكتاب، وتكفر ببعض.

قال: كيف ذلك؟

قلت: لقد نسيت أن تقرأ نصوصا مهمة في الكتاب المقدس توضح لك هذا الإشكال الذي وقعت فيه.

قال: وما هي؟

قلت: لقد نص الكتاب المقدس على أن الوعد في إسحاق وعد أبدي لن ينتقل إلى غيرهم، فقد جاء فيه: (فقال الله: بل سارة امرأتك تلد لك ابناً، وتدعو اسمه إسحاق. وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً، لنسله من بعده.. ولكن عهدي أقيمه مع إسحق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية) (التكوين 17/19-21)، فقد نص على أبدية العهد، أي أنه يظل في بني إسرائيل إلى يوم القيامة.

قال: لقد ذكرت لي أن ذلك مشروط باستقامتهم.

قلت: أجل.

قال: فقد غيروا وبدلوا، وقتلوا أنبياءهم، وأنتم تذكرون أنهم صلبوا المسيح، فكيف يظل العهد محصورا فيهم؟

قلت: ولكن نص الكتاب المقدس ذكر الأبدية، فقال: (وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً)

قال: صحيح هذا.. ولكنه مشروط بالصلاح والطاعة.

قلت: وما تقول في لفظ الأبدية.. ألا يفيد الاستمرار إلى قيام الساعة؟

قال: لا.. لا يعني ذلك.. وإن عناه فهو مشروط بالاستقامة.

قلت: اسأل أي صبي من الصبية عن الأبد، فسيخبرك أنه الزمن اللامتناهي.

قال: لن أسأل الصبية، ولكني سأسأل الكتاب المقدس.

قلت: كيف ذلك.. فالكتاب المقدس لن يجيبك إلا بما أجبتك به.

قال: ألم تقرأ في سفر الملوك: (فبرص نعمان يلصق بك وبنسلك إلى الأبد) (ملوك (2) 5/27)، فهل كان الأبد مقصودا هنا؟

سكت، فقال: لا.. لم يكن مقصودا.. ولو كان كذلك للزم أن نرى ذريته اليوم أمة كبيرة تتوالد مصابة بالبرص.

أخبرني متى انتهت مملكة سليمان.

قلت: انتهت مملكته منذ ما يربو على 2500 سنة على يد بختنصر البابلي.

قال: ولكن سفر الأيام يعبر عن تلك الفترة القصيرة التي امتد فيها ملك سليمان بالأبد، ألم تقرأ فيه: (وقال لي: إن سليمان ابنك، هو يبني بيتي ودياري، لأني اخترته لي ابناً، وأنا أكون له أباً، وأثبت مملكته إلى الأبد) (الأيام 28/6)

قلت: بلى.. قرأتها.

قال: فالمراد بالأبدية هنا الوقت الطويل فحسب.. وأزيدك شيئا.. لقد وقتَّ سفر التثنية الأبدية بما يساوي عشرة أجيال، فقال: (لا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر، لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد، من أجل أنهم لم يلاقوكم بالخبز والماء)(التثنية 33/3-4)، فالجيل الحادي عشر للمؤابي غير محروم من جماعة الرب، وهو دون الأبد والقيامة.

أخبرني.. في أي بلد يسكن الآن نبوخذ نصر، فإني أرغب في زيارته؟

قلت: ما بالك.. لقد اختلطت عظامه مع تراب الأرض.

قال: فكيف ورد في الكتاب المقدس إذن: (فتكلم دانيال مع الملك: يا أيها الملك عش إلى الأبد)(دانيال 6/21)؟

سكت، فقال: إن الأبد الذي أراده الكتاب المقدس ليس المقصود منه الأبد اللانهائي، أو الأبد المرتبط بالحياة الدنيا.. بل هو أبد مرتبط بالفترة التي تسبق البركة التي تظهر على ذرية إسماعيل.

وأقول لك: إن سوء فهمكم لمعنى الأبد هو الذي جعلكم تحجرون كل البشارات التي وردت في الكتاب المقدس على المسيح مع أنكم تتكلفون في ذلك.

قلت: دعنا من هذه، فهذه البشارة عامة لا خاصة، فهي لم تذكر اسما ولا صفة، بل ولا فردا.. بل هي بركة تشمل شعبا وأمة.. ويمكن تأويل ذلك بسهولة.

 قال: أنا لا أريد أن أجادلك في هذا.. ولو أني أعلم أنك تعلم أنه لم يظهر في بني إسماعيل من هو أكثر بركة من محمد.. ولكني مع ذلك أتجاوز هذا لأدلك على النصوص التي لا يفهم منها غير محمد.

قلت: محال هذا.. لقد قرأت العهدين.. ولم أجد فيها اسم محمد، ولا أي إشارة إليه.

حساب الجمل:

قال: أتصدق بما يفعله اليهود من الاعتماد على حساب الجمل([5]) في التعرف على النبوءات؟

قلت: هم يفعلون هذا.. وقد يخطئون، وقد يصيبون..

قال: المهم أنه مسلك من المسالك المعتمدة.. وأنا لا أذكره لك إلا تأكيدا لغيره من النبوءات.

ألم تقرأ ما جاء في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة أن الله تعالى خاطب إبراهيم عليه السلام، فقال: (وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك، قد باركت فيه، وأثمره، وأكثره جدا جدا)، ففي التوراة العبرية ورد النص هكذا: (ولشماعيل. شمعتيخا. هني. بيراختى. أوتو. وهفريتى. أوتو. وهربيتي. أوتو بماد، ماد)

فهذه الكلمة (بماد ماد) إذا عددنا حساب حروفها بالجمل وجدناه اثنين وتسعون، وذلك عدد حساب حروف (محمد) صلى الله عليه وآله وسلم فإنه أيضا اثنان وتسعون.

قلت: أنا لا أؤمن بهذا كثيرا.. فقد يكون مصادفة، فلماذا يرد مُلغّزاً مع إمكانية إيراده واضحا؟

قال: هذا أسلوب من أساليب الكتاب المقدس في نبوءاته.. بالإضافة إلى هذا، فإنه لو صرح به لبدلته اليهود وأسقطته من التوراة، كما أسقطت غيره من النصوص الصريحة.

بل يمكن أن يقال ـ على ما نعقتده من التحريف الذي مارسه اليهود مع هذه الكتب ـ بأن الله تعالى قد صرح به من قبل أن تغير التوراة، واليهود هم الذين غيروا الاسم الصريح بالرمز في مدينة بابل، ليعرفوه هم أنفسهم إذا جاء، ويسهل عليهم جحد نبوته إذا جاءهم بما لا تهوى أنفسهم.

قلت: أنت ترمي الغيب بسهام الظنون.. فكل ما تذكره من هذا الباب لا مستند له.

قال: لا.. لدي مستنداتي في ذلك، وقد كان السموأل([6])، وهو أحد أحبار اليهود المهتدين إلى الإسلام قد نبه إلى ذلك، ومثله فعل الحبر المهتدي عبد السلام في رسالته (الرسالة الهادية)

وقد ذكر هؤلاء أن اسم (محمد) صلى الله عليه وآله وسلم قد ورد في التوراة، في سياق بركة إسماعيل عليه السلام بحساب (الجمل) ليعرف الناس أنه بظهوره يبدأ ملك بني إسماعيل.

قلت: لهم أن يقولوا ما يشاءون.. ولكني امرؤ صاحب منطق وعقل، وما كان لي أن أستسلم لمثل هذه الأوهام.. فبحساب الجمل تستوي الترهات والأباطيل مع الحقائق والمعارف.

قال: لا بأس.. لن ألح عليك في الاقتناع بهذا.. ولكني سأذكر لك إشارة أخرى تتعلق ببشارة إبراهيم، لن يفهم منها إلا محمد.

قلت: هاتها.. لنزيل عنك شبهتها.

قال: أو قل: لنتعلم منك علومها.. فلا يصح لمسيحي يخلص لمسيحيته أن يتكبر بما يعلمه.

قلت: قل قولك، ودعني من نصائحك، فلولا ثقتي في ديني ما قلتها لك.

برية فاران:

قال: أتعرف برية فاران؟

قلت: وكيف لا أعرفها.. ألم أقل لك: إني رجل دين.. لقد ورد ذكرها في التوراة، فقد جاء فيها أنه بعد فطام إسحاق، هاجرت هاجر وابنها وأنها (مضت وتاهت في برية بئر سبع، ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار.. ونادى ملاك الله هاجر... قومي احملي الغلام، وشدي يدك به، لأني سأجعله أمة عظيمة، وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء.. وكان الله مع الغلام فكبر، وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر) (التكوين 21/17-21).

قال: فقد سكن إسماعيل ببرية فاران.

قلت: هذا ما تنص عليه التوراة.

قال: أنا لن أجدلك في مكان فاران، فستجد من يدلك عليها، ولكن.. ألم يرد التبشير بنبوءة تظهر فيها؟

قلت: أجل.. فقد جاء في الفصل العشرين: (أن الرب جاء من طور سينين، وطلع لنا من ساعير، وظهر من جبل فاران، ومعه عن يمينه ربوات القديسين فمنحهم العز، وحببهم إلى الشعوب، ودعا بجميع قديسيه بالبركة)

قال: هذه بشارة صريحة لا تنطبق إلا على محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. ولكني لن أشرحها لك هنا.. فأنا إبراهيمي.. ولكني أريد أن أقنعك فقط بأن برية فاران محل من محال النبوة.. وأن ذرية إسماعيل التي استوطنت فاران محل صالح لها.

قلت: فنلترك هذه الإشارة للبحث.. فما كان لي أن لزمك بقولي، وما كان لك أن تلزمني بقولك.

قال: اسمح لي أن أسألك سؤالا له علاقة بمحل البشارة.

قلت: سل ما بدا لك.

قال: ألا تتحدث التوراة عن قصة أمر الله إبراهيم بذبح ابنه الوحيد؟

قلت: بلى.. وقد جاء في القصة التوراتية: (خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب به إلى أرض المريا.. فلما أتيا الموضع... لا تمد يدك إلى الغلام، ولا تفعل به شيئاً، لأني الله علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني... فدعا إبراهيم ذلك الموضع: (يهوه يراه) حتى إنه يقال اليوم: في جبل الرب يرى.. يقول الرب: إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة....) (التكوين 22/1 - 18)

قال: هل تعتقد حقيقة أن هذا النص لم يحرف؟

قلت: أنا لا أعتقد بتحريف نص في الكتاب المقدس.

قال: إن هذا النص لو نزعت منه اسم إسحق المقحم إقحاما على من ينطبق؟

قلت: ما كان لي أن أنزع لفظا ورد في الكتاب المقدس، وإلا كنت محرفا.

قال: بورك لك في حرصك على كتابك.. ولكن أخبرني: هل حصل في يوم من الأيام أن كان إسحق وحيدا لإبراهيم عليه السلام؟

ترددت قليلا، ثم قلت: لا..

قال: وليس لك أن تقول غير ذلك.. فقد كان  إسماعيل وحيداً لإبراهيم أربع عشرة سنة.

صمت قليلا، ثم قلت: ولكنه كان ابنا لجارية، ولم يكن ابنا لسارة.

قال: فهل ينفي ذلك عنه كونه ابنا لإبراهيم؟

قلت: لا..

قال: فأنت تقر إذن بما قلت لك..

قلت: ومع ذلك يظل ابن جارية.

قال: مع ما يحمله قولك من عنصرية مقيتة إلا أني أسلم لك.. لقد كان إسماعيل ابن جارية.. فهل تنتفي عنه البكورية لأجل ذلك حسب الكتاب المقدس؟

قلت: لا.. لا تنتفي عنه، فمنزلة الأم لا تؤثر في بكورية الابن ولا منزلته، وقد جاء في التوراة: (إذا كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة، والأخرى مكروهة، فإن كان الابن البكر للمكروهة، فيوم يقسم لبنيه ما كان له لا يحل له أن يقدم ابن المحبوبة بكراً على ابن المكروهة البكر. بل يعرف ابن المكروهة بكراً ليعطيه نصيب اثنين في كل ما يوجد عنده، لأنه هو أول قدرته له حق البكورية) (التثنية 21/15 - 17)

قال: بالإضافة إلى هذا، فإن إبراهيم تزوج من هاجر.

لم أحر جوابا، فقال: ومما يبطل أن يكون الذبيح إسحاق ما عرفنا من قبل من أن إبراهيم قد وعد فيه بالبركة والذرية منه قبل ولادته، وأنه سيكون كعدد نجوم السماء([7]) فالأمر بذبحه لا ابتلاء فيه، لأنه يعلم أنه سيكون لهذا الابن نسل مبارك ([8])..

سكت قليلا، ثم قلت: وما فائدة كل هذا التحقيق.. وما علاقته بالبشارة؟

قال: أردت أن أقول لك بأن في التوراة إشارة صريحة إلى المحل الذي كان فيه إسماعيل، والذي وعد فيه بالبركة، وهو لا ينطبق إلا على مكة، البلد الذي ولد فيه محمد.

قلت: كيف هذا؟

قال: لقد حرف الذين ورثتم منهم  الكتاب اسم الذبيح، فأدرجوه إدراجا في نص لا يحتمل غير إسماعيل.. ثم حرفوا اسم المكان المعظم الذي جرت فيه أحداث القصة، فسمتها التوراة السامرية (الأرض المرشدة).. وسمتها التوراة العبرانية (المريا)، ولعله تحريف لكلمة (المروة)، وهو اسم لجبل يقع داخل المسجد الحرام في مكة المكرمة اليوم، أي في المكان الذي درج فيه إسماعيل.

بالإضافة إلى هذا، فقد اتفق النصان العبري والسامري على تسمية ذلك الموضع (جبل الله)، ولم يكن هذا الاسم مستخدماً لبقعة معينة حينذاك.. لذا اختلف اليهود في تحديد مكانه اختلافاً بيناً فقال السامريون([9]): هو جبل جرزيم([10])، وقال العبرانيون: بل هو جبل أورشليم الذي بني عليه الهيكل بعد القصة بعدة قرون([11]).

قلت: ما فائدة ذكر الخلاف في هذه المسألة؟

قال: الخلاف في مسألة مهمة مثل هذه يدل على أن كلا الموضعين ليس هو المحل المقصود، بل قد ورد عن المسيح ما يدل على هذا.. فعندما دخلت عليه امرأة سامرية، وسألته عن المكان الحقيقي المعد للعبادة، أفصح لها المسيح أن المكان ليس جبل جرزيم السامري، ولا جبل عيبال العبراني الذي بني عليه الهيكل.. وقد ورد النص هكذا في يوحنا:(قالت له المرأة: يا سيد أرى أنك نبي، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون أن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه، قال لها يسوع: يا امرأة صدقيني، إنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب، أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أما نحن فنسجد لما نعلم، لأن الخلاص هو من اليهود. ولكن تأتي ساعة وهي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق، لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له، الله روح، والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا)  (يوحنا 4/19-24)

قال: وما المكان الذي تراه لذلك؟

قلت: التحقيق فيها أن قصة الذبح جرت في الأرض المرشدة، وهي أرض العبادة، وهي مكة أو بلاد فاران، واختلافهم دليل على صحة ذلك، واتفاقهم على اسم المكان بجبل الرب صحيح، لكنهم اختلفوا في تحديده، وقد ربطوه بتسميات ظهرت بعد الحادثة بقرون عدة، وتجاهلوا البيت المعظم الذي بني في تلك البقعة حينذاك، ويسمى بيت الله كما سمي الجبل الذي في تلك البقعة جبل الله.

وقد قال ميخا النبي عن مكة والبيت الحرام وعن إتيان الناس للحج عند جبل عرفات: (يكون في آخر الأيام بيت الرب مبنياً على قلل الجبال، وفي أرفع رؤوس العوالي يأتين جميع الأمم، ويقولون: تعالوا نطلع إلى جبل الرب) (ميخا 4/1-2)

كما تحدثت المزامير عن المدينة المباركة التي فيها بيت الله، والتي تتضاعف فيها الحسنات، فالعمل فيها يعدل الألوف في سواها، وقد سماها باسمها (بكة)، فجاء فيها: (طوبى للساكنين في بيتك أبداً يسبحونك، سلاه، طوبى لأناس عزهم بك، طرق بيتك في قلوبهم، عابرين في وادي البكاء([12]) يصيرونه ينبوعاً، أيضاً ببركات يغطون مورة، يذهبون من قوة إلى قوة، يرون قدام الله في صهيون، يا رب إله الجنود اسمع صلاتي وأصغ يا إله يعقوب، سلاه، يا مجننا انظر يا الله والتفت إلى وجه مسيحك، لأن يوماً واحداً في ديارك خير من ألف، اخترت الوقوف على العتبة في بيت إلهي على السكن في خيام الأشرار)(المزامير 84/4-10)، فذكر أن اسمها بكة، وترجمته إلى وادي البكاء صورة من التحريف.

قلت: وما الفرق بين بكة وبين وادي البكاء؟

قال: فرق عظيم.. فبكة اسم لمكة البلد الذي ولد فيه محمد، وقد جاء في القرآن الكريم ذكرها بهذا الاسم، كما قال تعالى:﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ (آل عمران:96)

قلت: ولكن ما الذي جعلهم يعدلون عن اسم بكة إلى اسم وادي البكاء؟

قال: لا أريد أن أخوض في المقاصد والنيات.. فالله هو رب النيات والمقاصد، وهو الديان الذي يحاسب عليها، ولكني أقول لك بأن التصحيف والتغير في الأسماء كثير عند الترجمة بين اللغات، بل بين الطبعات، فاسم (بارباس) مثلا في الترجمة البروتستانتية هو في نسخة الكاثوليك (بارابا)، وكذا (المسيا، ماشيح) و(شيلون، شيلوه) وغير ذلك كثير.

***

 ما قال هذا حتى جاءنا الغداء، فدعاني إلى أكله، وأكل معي، وقد كان هشوشا بشوشا، يلح علي في الأكل من أنواع الطعام الطيب الذي حضره لي، وهو يرسل النكت بين ذلك.. وكأنني لم أكن أختلف معه، أو يختلف معي.

بعد انتهائي من الأكل، وتصميمي على العودة إلى الفندق الذي آوي إليه، مد يده إلي يدي، وصافحها بحرارة، وهو يقول: سررت بمعرفتك.. وأسأل الله أن يقيض لك من يعرفك به، ويدلك عليه.

وأخبرك قبل أن تنصرف بأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم أملك إلا أن أؤمن به، أخبر عن هذه العلاقة التي تربطه بإبراهيم، فقال: (إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول أمري: أنا دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج منها نور ساطع أضاءت منه قصور الشام)([13]) 

بل أخبر القرآن الكريم كتاب المسلمين المقدس على أن الله دعا لتلك البلاد التي ولد فيها محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يكون فيهم رسول منهم، قال تعالى:﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (البقرة:129)

انصرفت عنه.. وقد كان ذلك بداية الحيرة.. وكان في نفس الوقت بداية إشراقة النور التي هبت علي من شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

 

بشارة يعقوب

في اليوم الثاني، قررت أن أسير إلى بعض المستشفيات لزيارة المرضى، والتعرف عليهم.. فالمرضى أرق الناس قلوبا، وأكثرهم حبا للخلاص واستعدادا له، وقد لقنت من الأساليب ما يملأ المرضى لهفة لسماعي، وحرصا على اتباعي.

رأيت رجلا في المستشفى ملقى على سريره، وكأنه يجود بنفسه، هرعت إليه، وسألته عن حاله، فتكلم بصوت تختلط فيه الحياة بحشرجة الموت، وقال لي: اسمعني جيدا.. إنني في آخر لحظات حياتي، وقد أرسلك الله لي، لأنطق أمامك بما عجزت طول عمري عن النطق به.

قلت: هون عليك يا أخي.. فلعل الله يمد في عمرك.. ولعلني أستطيع أن أنقذك بما أستطيع أن أنقذك به.

قال: لا.. لم يبق من عمري إلا مقدار هذه الكلمات التي لم يسمعها مني غيرك.. فلا تشغل نفسك بشيء.

قلت: من أنت أولا؟

قال: أنا يعقوب.. ولا يهمك من أي قبيلة أنا.. ولا من أي بلد..

قلت: أنت يهودي على ما يبدو.

قال: كنت يهوديا، ثم بان لي عوار اليهودية وتحريفها، فهرعت إلى المسيحية، علني أجد عند عبدة المسيح ما لم أجده عند عبدة العجل.

قلت: لا شك أنك وجدت ما تبحث عنه عندهم؟

قال: لا.. لقد ضل هؤلاء، كما ضل أولئك.

قلت: فأنت لا دين لك إذن..

قال: قد كنت قبل ساعة لا دين لي.. لكني الآن سأموت على خير دين، وأصدق دين.

قلت: أي دين هذا الذي آثرته على كل الأديان؟

قال: دين محمد..

أصابتني رعشة، وقلت: ما الذي تقوله؟

قال: أصدقك.. لقد كنت من أحبار اليهود.. وعلمي بالكتاب المقدس وبلغات الكتاب المقدس لا يضاهيه أحد.. لقد كنت مرجعا في هذا الباب.. ولهذا عرفت الإسلام.

قلت: أعلمك بدينك وبلغات دينك هي التي أوصلتك للإسلام؟

قال: أجل.. وقد صدق كتاب المسلمين عندما قال :﴿ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (يونس:94)

قلت: وما في هذه الآية مما فهمته؟

قال: هذه الآية تشير إلى أن هذه المعرفة مرتبطة بمن يقرؤون الكتاب ويعلمونه، لا بمن يهجرونه ويتركونه.. بل ورد في آية أخرى أن هؤلاء أكثر معرفة به من معرفتهم بأبنائهم، كما قال تعالى:﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (البقرة:146)

قلت: فأنت الآن تعرف محمدا أكثر من معرفتك لأبنائك؟

قال: أجل..

قلت: فما الذي حجبك عن إظهار إسلامك إلى هذه اللحظة؟

قال: لقد كان لي أخ توأم، وكان يغريني بالجاه العريض.. والمناصب الرفيعة.. والأموال الكثيرة.. إنه ما ذكره القرآن الكريم عندما قال :﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (لأعراف:169)

قلت: فأين أخوك التوأم الآن؟

قال: هو غائب الآن.. لا أرجعه الله.. لقد كان الصخرة التي حجبت قلبي عن الخروج من كهف الظلمات الذي سجنت فيه طول حياتي.

قلت: فكيف بدا لك أن تترك كل ذلك الآن؟

قال: لقد كنت مارا على هذا الوادي، فسمعت من الغيب قارئا يقرأ ما قرأته عليك، فتحركت في نفسي همة تدعوني للترفع عن هذه القيود التي تحبسني عن السير إلى ربي، والتنعم بالدخول تحت لواء نبيه.

قلت: ولكنك تذكر أنه لم يبق من عمرك إلا هذه اللحظات، فكيف تزعم أنك تسير إلى الله؟

قال: من رزقه الله القبول، رزق في طرفه عين من الأمداد ما لا تفي به الأعمار.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)([14])

قلت: فما الذي في كتابك، وفي لغات كتابك مما دلك على محمد ودين محمد؟

قال: أنا اسمي يعقوب..

قلت: لقد ذكرت لي ذلك.. ولا أدري علاقة اسمك بالبشارة.

قال: لقد سمعت قرآن المسلمين يذكر وصية ليعقوب، يوصي فيها أولاده بالإسلام، فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (البقرة:133)

قلت: أجل.. لقد مر بي هذا النص.. ولكن ما علاقته بالبشارة؟

قال: هذا النص يخبر عن اهتمام يعقوب بدين أبنائه من بعده.

قلت: هذا واضح.. وأنا لا أريد الحديث عن هذا.. أريدك أن تحدثني عن بشارة يعقوب التي دعتك إلى محمد.. لعل لي من العلم ما ينفي عنك ما يرتبط بها من شبه.

قال: هل قرأت بشارة يعقوب بشَّيَّالوه (שילה)؟

قلت: وكيف لا أقرؤها وأنا رجل دين قضى مع الأسفار سنين طوالا.. لقد ورد في العهد القديم عن وصية يعقوب لبنيه قبل وفاته في سفر التكوين (49/10): (ثم دعا يعقوب بنيه، وقال اجتمعوا أبارك فيكم، وأخبركم بما ينالكم في آخر هذه الأيام، اجتمعوا واسمعوا ذلك يا بني يعقوب،  واقبلوا من إسرائيل أبيكم.. لا يزول القضيب من يهوذا، والرسم من تحت أمره، إلى أن يجئ شيلوه، وإليه تجتمع الشعوب)([15])

قال: ما هي الكلمة التي تسترعي الانتباه في هذه البشارة؟

قلت: لا شك أنها كلمة (شيالوه)، فهي كلمة غريبة، بل هي كلمة فريدة في العهد القديم، ولا تكرر في أي مكان آخر فيه.

قال: إذن.. من هذه الكلمة نحاول أن نبحث على من تصدق البشارة؟

قلت: ولماذا تتعب نفسك في البحث عنها؟.. وهي منطبقة كنار على علم على المسيح.

قال: أي مسيح؟.. مسيحكم أم مسيح اليهود.. ألا تعلم أن اليهود ـ أيضا ـ ينتظرون مسيحا؟

قلت: أجل وأعلم أنهم يفسرون هذه اللفظة على مسيحهم.. بل هم يضعون في ترجماتهم التفسيرية المعروفة بـ (الترجوم) ـ كترجوم أونقيلوس والترجوم الفلسطيني، والترجوم المنسوب إلى يوناثان، وترجوم مخطوطات قمران ـ محل كلمة (شيلوه) اسم المسيح (ماشيحا)

ولكن كل ذلك غير صحيح.. شيلوه المراد هنا هو المسيح.. مسيحنا.. المخلص الذي خلصنا على خشبة الصليب.

قال: ألا ترى أنك تتكلف في هذا التفسير؟

قلت: كيف ذلك؟

قال: اقرأ البشارة جيدا.. ألم يرد فيها: (لا يزول القضيب من يهوذا، والرسم من تحت أمره، إلى أن يجئ شيلوه، وإليه تجتمع الشعوب)؟.. أتدري ما المراد بالقضيب؟

قلت: أجل.. هو صولجان الحكم، وقد استبدلت هذه الكلمة في بعض الترجمات بكلمة (الصولجان).

قال: فهذه البشارة ـ إذن ـ تتحدث عن رجل يملك؟

قلت: أجل.. هذا هو الظاهر.. بل قد جاء فيها (الرسم من تحت أمره)أي أنه مبيِّن القانون ومفسِّره ومشِّرعه.

قال: فأنت تقر إذن بأن هذه البشارة لا تنطبق على المسيح؟

قلت: كيف؟

قال: لم يكن المسيح يملك.. ألم يهرب المسيح من تمليكه لما طلبوا ذلك؟

قلت: بلى.. وقد جاء في يوحنا: (لما علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً انصرف أيضاً إلى الجبل وحده)(يوحنا 6/15).

قال: ليس ذلك فقط، بل إنه لما ادعى عليه اليهود عند بيلاطس أنه يقول عن نفسه بأنه ملك نفى ذلك، وتحدث عن مملكة روحية مجازية غير حقيقية فقال: (مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود) (يوحنا 18/36)

قلت: هذا صحيح.. ولكنها مع ذلك قد تنطبق على موسى..

قلت هذا، ولم يكن لي من نية إلا صرفه عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد بدأ الشك يدب في نفسي من صدق النبوءات التي كنت أسلم لها تسليما مطلقا.

نظر إلي بنوع من السخرية الخفية، وقال: لعلك لم تقرأ البشارة.. تثبت جيدا منها.. إن هذه البشارة تنص على أنه بمبعث هذا النبي يزول الملك من إسرائيل.. بل ترفع الشريعة.. فكيف تقول بأن موسى هو الذي تحقق فيه ذلك.. ألا ترى خطورة مثل هذا الرأي؟

قلت: أجل.. لو سلمنا بأن موسى هو الذي تحقق بهذا الوصف لكان كل من عداه مدعيا.. فالشريعة لم تقطع بموسى، بل قطعت بالمسيح.

قال: ولم تقطع بالمسيح.. ألم تقرأ الإنجيل؟

قلت: بلى..

قال: ألم تقرأ فيه أنه ما جاء لنقض الناموس؟

قلت: هذا صحيح.. فقد جاء في (متى 5/17): (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل)

قال: ليس ذلك فقط، بل قد ورد في نص البشارة أنها ترتبط بشخص تخضع له الشعوب، لا شعب إسرائيل فقط، مع أن جميع أنبياء بني إسرائيل لم يرسلوا لغير بني إسرائيل.

قلت: إلا المسيح.

قال: حتى المسيح.. ألم تقرأ ما ورد في الأناجيل.. لقد جاء في متى: (لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة) (متى 15 / 24)؟

قلت: أرى أنك بهذا القول تريد أن تصرف هذه البشارة عن جميع بني إسرائيل.

قال: أجل .. عن جميعهم، حتى عن سليمان الذي كان ملكا.. فإنه لم يزل بوجوده ملك بني إسرائيل، ولا شريعتهم.

قلت: فعلى من ترى انطباق هذه البشارة إذن؟

قال: أرى أن هذه البشارات تنطبق على بشارات أخرى لها نفس الدلالة، وكلها تجتمع على التبشير بمخلص واحد.

إن هذا المبشر به هو نفسه الذي بشرت به هاجر وإبراهيم: (يده على كل واحد) (التكوين 16/12).

 وهو نفسه الذي قال عنه النبي حزقيال: (يأتي الذي له الحكم فأعطيه إياه) (حزقيال 21/27).

بل هو نفسه الذي بشر به المسيح حين قال متحدثا عن نسخ الشرائع بشريعة هذا المبشر به: (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل)(متى 5/17-18)، فهذا المبشر به هو الكل الذي له الكل..

قلت: لقد ذكرتني بقول آخر في تفسير لفظة (شيلوه)، فمن أهم الأقوال التي وردت فيها أنها ليست اسما لشخص، بل هي مصحفة عن كلمة (شلو)، وتعني (الذي لـه) أو (الذي حفظت الأشياء لـه).. وقال بعضهم بـل هي (شي لو)، وتعني (هدية الله)..

ونحن ـ معشر المسيحيين ـ لا نرى في هذا الكل الذي له الكل غير المسيح.

قال: أتريد أن تعود بنا إلى نفس ما ذكرنا.. ألم يخبر المسيح أنه لم يأت لينقض الناموس.. ولم يأت ليقيم ملكا؟

قلت: أجل.. صحيح، قد ذكرنا هذا.

قال: فكيف تنطبق هذه البشارة عليه إذن؟

قلت: فكيف تنطبق هذه البشارة على محمد؟

قال: أنت تعلم أنه لا أحد في الدنيا تنطبق عليه هذه البشارة غير محمد.

قلت: لا أعلم ذلك.. ولو أعلم ما سألتك.. بل لو كنت أعلم لاتبعتك في دينك، وما انتظرت حتى أصل إلى هذه المحل الذي أنت فيه.

قال: وأخوك التوأم أتراه يرضى.. إن التوائم لا يرضون.. سل كل من له أخ توأم ليخبرك بالحقيقة.

قلت: وأنت.. أين أخوك التوأم؟

قال: لقد أخبرتك بغيبته.. لا أرجعه الله.. ولو لم يغب ما نطقت أمامك بمثل هذه الكلمات.

قلت: حدثني بهذه البشارة.. ودع أخي.. فهو ينعم بكل صحة وعافية.

قال: حاول أن تفهم البشارة أولا، وما تستلزمه البشارة، لتستطيع أن تجد لها المحل المناسب لها.

لقد ذكرت البشارة أن الصولجان والمشرع، أي الحكم والشريعة سيظلان في سبط يهوذا طالما لم يظهر شيلوه.

وهذا يفند ادعاء اليهود بأن الشيلوه لم يظهر، لأن الصولجان الملكي والخلافة تخصان ذلك السبط، وقد انقرضا منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً.

ليس ذلك فقط.. بل إن اليهود مضطرون أن يقبلوا واحداً من الخيارين:

إما التسليم بأن شيلوه قد جاء من قبل، وأن أجدادهم لم يتعرفوا عليه.

و أن يتقبلوا أن سبط يهوذا لم يعد موجوداً، وهو السبط الذي ينحدر منه شيلوه.

ليس ذلك فقط.. بل إن النص يتضمن ـ بصورة واضحة ومعاكسة جداً للاعتقاد اليهودي والمسيحي ـ أن شيلوه غريب تماماً على سبط يهوذا وبقية الأسباط، لأن النبوة تدل على أنه عندما يجيء شيلوه، فإن الصولجان والمشرع سوف يختفيان من سبط يهوذا، وهذا لا يتحقق إلا إذا كان شيلوه غريباً عن يهوذا، فإن كان شيلوه منحدراً من يهوذا، فكيف ينقطع هذان العنصران من ذلك السبط.

بل إن النص يدل على أنه لا يمكن أن يكون شيلوه منحدراً من أي سبط آخر، لأن الصولجان والمشرع كانا لمصلحة إسرائيل كلها، وليس لمصلحة سبط واحد.

وهذا لا يقضي فقط على ادعاء اليهود، بل هو يقضي قبل ذلك، ومع ذلك، على الادعاء بأن المسيح هو شيلوه، لأن المسيح منحدر من يهوذا من جهة أمه.

قلت: فقد ترجمها آخرون ترجمات أخرى لن تنطبق على محمد بأي حال من الأحوال.

قال: فبم ترجموها؟

قلت: لقد ترجموها (حتى يَجيء الهدوءِ النّهائيِ) (final tranquility)، وقريب منها ما ترجمها به آخر، فذكر أنها (حتى يأتي السلام الأخير)، ومعنى ذلك أنها مصحفة عن (شَلْواه) التي تعني الهدوء والسلام.

قال: وذلك لا يتحقق إلا في محمد.

قلت: بل ذلك لا يتحقق إلا في المسيح.. فقد كان السلام الأخير الذي نعمت به البشرية.

قال: ولكنكم تزعمون أن التلاميذ من بعده كانوا رسلا.. فكيف يكون السلام الأخير؟

ثم إن المسيح وتلاميذه من إسرائيل، وقد عرفنا أن النبوءة لا يمكن وقوعها على بني إسرائيل.

قلت: فكيف ترى انطباقها على محمد.. ودينه دين حرب لا دين سلام؟

قال: السلام في دينه هو الأصل.. والحرب ضرورة تبحث عن السلام.. لقد ورد في كتاب المسلمين :﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (لأنفال:61)

قلت: وورد فيه :﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ (البقرة: 191)

قال: لماذا تقطع الآية من سياقها.. إن الآية تتحدث عن مبادئ السلام العظمى، لقد قال الله تعالى:﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين َ (البقرة:191)

فالآية الكريمة تبرر قتالهم بالدفاع عن النفس.. ولا يمكن أن يتحقق بالسلام من له تكن له القوة على الدفاع عن نفسه.

قلت: ولكن الإسلام يأمر بقتل المقاتلين وغيرهم، ألم تقرأ كتابهم، فقد ورد فيه :﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً (التوبة: 36)

قال: أنت مغرم بتقطيع النصوص.. ألا تعلم أن التقطيع انتقاء، وأن الانتقاء تحريف.. لقد قال الله تعالى في الآية :﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ﴾ (التوبة: 36)

ثم إن الكافة التي تحرصون عليها هنا ورد مثلها في الأمر بالسلم، فقد قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (البقرة:208)

ثم إن الله تعالى بين علة الحرب التي تبحث عن السلام، فقال :﴿ لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة:8)، فالآية تأمرنا بمسالمة المسالمين بل والإحسان إليهم.. ثم تأتي الآية بعدها بالنهي عن مسالمة المجرمين، قال تعالى:﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (الممتحنة:9)

قلت: أليس في ذلك ظلما !؟.. لقد أمرنا المسيح بمحبة أعدائنا.

قال: لا.. ليس ظلما.. أنت بين موقفين: إما أن تنصر الضحية، وإما أن تنصر الجلاد.

قلت: قد أنصر كليهما.

قال: نعم.. عندما تنهى الجلاد عن جلده يكون ذلك نصرا له ونصرا للضحية، ولكنه إن لم يستجب.. ماذا تفعل؟.. هل تترك الضحية للجلاد بحجة حبك للسلام، أم أنك تفعل ما فعله موسى حين نصر الإسرائيلي؟

لقد علل القرآن الكريم سر القتال، وأبان عن مقاصده، فقال :﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ  الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج:39 ـ 40)

قلت: دعنا من هذا.. ولأسلم بعض ما ذكرت.. ولكن مع ذلك، فقد ذكر آخرون أنها مشتقة من الفعل (نشل) الذي يعني (طرد، ونفى)، ومن ثم ترجمها إلى (حتى يأتي المنفي     (until the exile comes)

قال: وهذا لا ينطبق إلا على محمد.. لأن المسيح ـ كما تزعمون ـ صلب في بلده.

أما محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد خرج من بلاده فارا بدينه، بعد أن اتفق الملأ من المشركين على جميع ما أبدعته عقولهم من صنوف المكر، قال تعالى:﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (لأنفال:30)

ولم يهاجر وحده، بل هاجر معه أكثر أصحابه.. بل إن المهاجرين يمثلون المسلمين الأول الذين تعرضوا لجميع أنواع الاضطهاد.

ولا أظنك تحتاج إلى أي توثيق تاريخي لهذا.. فهو منقول بالتواتر.. بل نصت عليه آيات كتاب المسلمين المقدس، وهو منقول بأعظم أسانيد التواتر وثوقا.

قلت: ولكن بعضهم اعتبر (شيلوه) اسما لمكان معين، لذلك جاء في بعض الترجمات:(لا يزول قضيب من يهوذا، ومشترع من بين رجليه حتى يأتي الى شيلوه)، وفي ترجمة انكليزية: (حتى يأتي الرجال إلى شيلو)

قال: إن علمي بلغات الكتاب المقدس يحيل هذا الاحتمال.. ذلك أن كلمة شيلوه تتكون من أربعة أحرف عبرية هي: (شين)، (يود)، (لاميد)، (وهي)، وتوجد بلدة اسمها شيلوه ولكن لا يوجد فيها حرف (يود)، ولذلك لا يمكن أن يكون الاسم مطابقا أو مشيراً للبلدة.. فالكلمة حيثما وجدت تشير إلى شخص وليس إلى مكان.

بالإضافة إلى ذلك، فإن العلماء المتخصصون ضعفوا هذا الرأى، واستدلوا لذلك بأنَّ الواقع التاريخى لبنى إسرائيل يدحض وجود أهمية كبرى لمثل بلدة شيلوه هذه.. بل فوق ذلك نصوا على خطأ تلك الترجمة، وشككوا فى صحتها.

قلت: لقد ذكرت لي أنك عالم لغات.. فما المعاني التي ترجحها لهذه الكلمة؟

قال: اثنان.

قلت: فما أولهما؟

قال: أن تكون الكلمة سريانية مكونة من كلمتي (بشيتا) و(لوه)، ومعنى الأولى منهما: (هو) أو (الذي)، والثانية (لوه) معناها (له)، ويصبح معنى النبوءة حسب ترجمته المفسرة: (إن الطابع الملكي المتنبئ لن ينقطع من يهوذا إلى أن يجيء الشخص الذي يخصه هذا الطابع، ويكون له خضوع الشعوب)

قلت: فما الثاني؟

قال: أن تكون الكلمة محرفة من كلمة (شيلواح) ومعناها:(رسول الله)  كما يعبر بالكلمة مجازاً عن الزوجة المطلقة لأنها ترسل بعيداً، وتفسير الكلمة بالرسالة مال إليه القديس جيروم، فترجم العبارة: (ذلك الذي أرسل)

بالإضافة إلى هذا، فقد رأيت أن كلمة (شيَّالوه) العبرية تعادل الصيغة العربية رسول الله عند حسابها بحساب أبى جاد([16]) المعمول به عند اليهود. فمجموع أرقام حروفها يساوى 362 وهو هو مجموع أرقام الصيغة العربية رسول الله 362.

***

صمت قليلا، ثم قال: لقد عرفت منزلة النبي يعقوب عند المسلمين.. أتدري ما منزلته عندكم؟

قلت: هو نبي عظيم من أنبياء بني إسرائيل.

قال: ألا تعتبرونه سارقا للبركة؟.. إنكم تجعلون كل تلك البركات التي نزلت على إسرائيل وبيت إسرائيل مبنية على الغش والاحتيال.. أليس كذلك؟

صمت، فقال: سأقرأ عليك من الكتاب المقدس ما يذكرك بهذا.

قال: أول جريمة تنسبونها ليعقوب هو احتياله على أخيه، واشتراؤه ما لا يمكن أن يشترى.. ألم يشتر منه البكورية؟

صمت، فأخذ يقرأ: (فكبر الغلامان، وكان عيسو إنسانا يعرف الصيد إنسان البرية ويعقوب إنسانا كاملا يسكن الخيام، فأحب اسحق عيسو لأن في فمه صيدا. وأما رفقة فكانت تحب يعقوب، وطبخ يعقوب طبيخا فأتى عيسو من الحقل وهو قد أعيا، فقال عيسو ليعقوب: أطعمني من هذا الأحمر لاني قد اعييت. لذلك دعي اسمه أدوم، فقال يعقوب: بعني اليوم بكوريتك، فقال عيسو: ها أنا ماض إلى الموت، فلماذا لي بكورية، فقال يعقوب: احلف لي اليوم فحلف له فباع بكوريته ليعقوب، فأعطى يعقوب عيسو خبزا وطبيخ عدس، فأكل وشرب وقام ومضى، فاحتقر عيسو البكورية)(تكوين: 25/27 ـ 34)

صمت قليلا، ثم قال: وثاني جريمة هي أنكم تنسبون له الغش والاحتيال على أبيه.. نبي الله إسحق.. أليس كذلك؟

صمت، فقال: أنتم تقرؤون في الكتاب المقدس، وتتعلمون على يديه هكذا..

أخذ يقرأ: (وحدث لما شاخ اسحق وكلّت عيناه عن النظر انه دعا عيسو ابنه الاكبر وقال له يا ابني. فقال له هانذا، فقال: إنني قد شخت ولست اعرف يوم وفاتي. فالآن خذ عدتك جعبتك وقوسك واخرج الى البرية وتصيّد لي صيدا. واصنع لي اطعمة كما احب وأتني بها لآكل حتى تباركك نفسي قبل أن أموت وكانت رفقة سامعة اذ تكلم اسحق مع عيسو ابنه. فذهب عيسو إلى البرية كي يصطاد صيدا ليأتي به. وأما رفقة فكلمت يعقوب ابنها قائلة: إني قد سمعت اباك يكلم عيسو اخاك قائلا: ائتني بصيد واصنع لي اطعمة لآكل واباركك امام الرب قبل وفاتي، فالآن يا ابني اسمع لقولي في ما انا آمرك به.. اذهب الى الغنم وخذ لي من هناك جديين جيّدين من المعزى. فأصنعهما أطعمة لابيك كما يحب،فتحضرها إلى ابيك ليأكل حتى يباركك قبل وفاته.

فقال يعقوب لرفقة امه: هوذا عيسو أخي رجل أشعر وأنا رجل أملس ربما يجسّني أبي، فاكون في عينيه كمتهاون وأجلب على نفسي لعنة لا بركة.

 فقالت له أمه: لعنتك عليّ يا ابني اسمع لقولي فقط واذهب خذ لي، فذهب وأخذ وأحضر لأمه. فصنعت أمه أطعمة كما كان أبوه يحب.

وأخذت رفقة ثياب عيسو ابنها الأكبر الفاخرة التي كانت عندها في البيت وألبست يعقوب ابنها الأصغر وألبست يديه وملاسة عنقه جلود جديي المعزى. وأعطت الأطعمة والخبز التي صنعت في يد يعقوب ابنها فدخل إلى أبيه وقال: يا أبي. فقال: هانذا. من انت يا ابني،  فقال يعقوب لأبيه: أنا عيسو بكرك. قد فعلت كما كلمتني. قم اجلس وكل من صيدي لكي تباركني نفسك.

فقال اسحق لابنه: ما هذا الذي اسرعت لتجد يا ابني. فقال ان الرب الهك قد يسّر لي.

فقال اسحق ليعقوب: تقدم لاجسّك يا ابني. أأنت هو ابني عيسو أم لا؟

فتقدم يعقوب إلى اسحق ابيه. فجسّه وقال الصوت صوت يعقوب، ولكن اليدين يدا عيسو.

ولم يعرفه لأن يديه كانتا مشعرتين كيدي عيسو أخيه فباركه، وقال: هل انت هو ابني عيسو، فقال: أنا هو.. فقال: قدم لي لآكل من صيد ابني حتى تباركك نفسي. فقدّم له فأكل. وأحضر له خمرا فشرب.

فقال له اسحق أبوه: تقدم وقبّلني يا ابني.

فتقدم وقبّله. فشم رائحة ثيابه وباركه، وقال: انظر. رائحة ابني كرائحة حقل قد باركه الرب، فليعطك الله من ندى السماء. ومن دسم الارض. وكثرة حنطة وخمر، ليستعبد لك شعوب. وتسجد لك قبائل. كن سيدا لاخوتك. وليسجد لك بنو أمك. ليكن لاعنوك ملعونين. ومباركوك مباركين.

وحدث عندما فرغ اسحق من بركة يعقوب ويعقوب قد خرج من لدن اسحق أبيه أن عيسو أخاه أتى من صيده، فصنع هو أيضا أطعمة ودخل بها إلى أبيه وقال لأبيه: ليقم أبي ويأكل من صيد ابنه حتى تباركني نفسك.

فقال له اسحق أبوه: من أنت. فقال: أنا ابنك بكرك عيسو.

فارتعد اسحق ارتعادا عظيما جدا، وقال: فمن هو الذي اصطاد صيدا، وأتى به إليّ فأكلت من الكل قبل أن تجيء وباركته. نعم ويكون مباركا.

فعندما سمع عيسو كلام أبيه صرخ صرخة عظيمة ومرة جدا. وقال لأبيه باركني أنا ايضا يا أبي.

فقال: قد جاء اخوك بمكر واخذ بركتك.

فقال: ألا إن اسمه دعي يعقوب. فقد تعقبني الآن مرتين. اخذ بكوريتي وهوذا الآن قد اخذ بركتي. ثم قال: أما أبقيت لي بركة.

فأجاب اسحق وقال لعيسو: إني قد جعلته سيدا لك، ودفعت اليه جميع إخوته عبيدا وعضدته بحنطة وخمر. فماذا أصنع إليك يا ابني.

فقال عيسو لأبيه: ألك بركة واحدة فقط يا أبي. باركني أنا أيضا يا أبي. ورفع عيسو صوته وبكى.

فأجاب إسحق أبوه وقال له: هوذا بلا دسم الأرض يكون مسكنك. وبلا ندى السماء من فوق. وبسيفك تعيش. ولأخيك تستعبد. ولكن يكون حينما تجمح أنك تكسر نيره عن عنقك.

فحقد عيسو على يعقوب من أجل البركة التي باركه بها أبوه. وقال عيسو في قلبه قربت أيام مناحة أبي. فأقتل يعقوب أخي.

فأخبرت رفقة بكلام عيسو ابنها الأكبر. فأرسلت ودعت يعقوب ابنها الأصغر وقالت له هوذا عيسو أخوك متسلّ من جهتك بانه يقتلك. فالآن يا ابني اسمع لقولي وقم اهرب الى اخي لابان الى حاران. وأقم عنده اياما قليلة حتى يرتد سخط أخيك. حتى يرتد غضب اخيك عنك وينسى ما صنعت به. ثم أرسل فآخذك من هناك. لماذا اعدم اثنيكما في يوم واحد)(تكوين: 27/1 ـ 45)

 اعذرني إن كنت قد قرأت لك النص بطوله.. أترى مثل هذا السلوك سلوك أنبياء ينبغي أن يقتدى بهم.

ليس ذلك فقط.. أنتم تتهمون يعقوب بمصارعة الله، ألستم تروون في سفر التكوين، وفي الإصحاح [ 32 : 22 ]:(قال الرب لنبيه يعقوب حين صارعه، ورأى أنه لم يتغلب عليه:(أطلقني، فقد طلع الفجر) فأجابه يعقوب : لا أطلقك حتى تباركني. فسأله : ما اسمك؟ فأجاب : يعقوب. فقال : لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب، بل إسرائيل _ ومعناه: يجاهد مع الله _ لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت. فسأله يعقوب : أخبرني ما اسمك؟ فقال : لماذا تسأل عن اسمي؟ وباركه هناك.ودعا يعقوب اسم المكان فنيئيل إذ قال : لأني شاهدت الله وجها لوجه وبقيت حيا)

قلت: لست أدري لم تذكر لي هذه النصوص في هذا المحل؟

قال: لأنكم تتصورون أن النبوة والبركة يمكن أن تتلاعبوا بها كما تشاءون.. فتهبونها لمن ترضون عنه، وتنزعونها عمن تسخطون عليه.

النبوة وبركات الله لله.. لا لنا.. ولا لكم.. فسلموا لله.. وأسلموا لله..

وأنا في هذه اللحظات الأخيرة من عمري انجلت بين عيني الحقائق.. ولذلك سأموت مسلما لله.. فرحا بهذا الإسلام الذي عشت طول عمري أحن إليه.

ما قال ذلك حتى لفظ آخر أنفاسه.. والبسمة تغمر فاه، والنور يشرق من محياه.

أما أنا فانصرفت بحيرة جديدة.. وببصيص من النور اهتديت به بعد ذلك لشمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

بشارة موسى

في اليوم الثالث قررت أن أزور أصحاب الأشغال الشاقة.. أولئك الذين يحتاجون إلى الخلاص من العناء الذي تمتلئ به حياتهم.

سرت إلى الغابة، فرأيت حطابا يختار أغصانا ذات أشكال خاصة، ليقطعها، فقلت له: هل لي أن أساعدك؟

قال: لا.. ولن تستطيع.. فهذه حرفة تلقيتها أبا عن جدا..

قلت: وما تصنع؟

قال: أصنع العصي.. أنا موسى.. لئن ارتبط اسم موسى النبي بالعصا التي كان يحملها، فقد ارتبط اسمي بالعصي التي أصنعها.

أعطاني الفرصة للتحدث معه، فقلت: نعم الاسم الذي تحمله.. لقد بشر موسى بالخلاص الذي سيأتي.

قال: كل الأنبياء بشروا بالخلاص.. الخلاص هو حلم البشرية.

فرحت لتجاوبه، فقلت: كل من سعى للخلاص ناله.

قال: وكل من ناله نعم به.

قلت: فهل نلته؟

قال: ومالي لا أناله.. إن فضل الله أوسع من أن يغفل عني.

قلت: فأنت مسيحي إذن.

قال: نعم.. أنا مسيحي.

قلت: أنت مثلي إذن.

قال: كيف عرفت تماثلنا؟.. ونحن من بلاد مختلفة.. ومن أعراق مختلفة.

قلت: نواحي المثلية بيننا كثيرة.. أنت تفكر بالخلاص، وأنا أفكر به..  وأنت مسيحي، وأنا مسيحي.. وأنت تنعم بالإيمان وأنا أنعم به.

قال: صدقت.. هناك أشياء كثيرة تجمعنا.. فلذلك نحن متماثلان، ولا يحول بين تماثلنا ما يتوهمه الناس من مفارقات.

قلت: فهلم نبشر بالخلاص الذي جاءنا به المسيح.

قال: ليس لي من دور في الحياة إلا التبشير بالخلاص.

فرحت كثيرا، وقلت: نعم الرجل أنت.. فهيا نتذاكر ما قال المسيح.

قال: أنا موسى.. ولذلك سأذكرك بقول قاله موسى ينعت به طريق الخلاص.

قلت: لا بأس.. فما قال؟

البشارة الأولى:

قال: عندما نزل موسى من جبل الطور بعد ما كلمه ربه قال مخاطباً بني إسرائيل:(قال لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا،  أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه، وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاماً لم أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى، فيموت ذلك النبي. وإن قلت في قلبك: كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب؟ فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصِر، فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب، بل بطغيان تكلم به النبي، فلا تخف منه) (التثنية 18 / 17 - 22)([17])

قلت: أراك تحفظ النص عن ظهر قلب.. قل من يحفظ نصوص الكتاب المقدس.

قال: وكيف لا أحفظه.. لقد كان هذا النص هو سبب هدايتي، وتنعمي بأشعة الخلاص.

قلت: صدقت.. لقد ذكر هذا النص بطرس في سياق حديثه عن المسيح، فقال: (فإن موسى قال للآباء: إن نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به، ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب، وجميع الأنبياء أيضاً من صموئيل فما بعده، جميع الذين تكلموا سبقوا وأنبأوا بهذه الأيام) (أعمال 3/22 - 26)

قال: أترى أن بطرس يرى أن نبوءة موسى متحققة في شخص المسيح؟

قلت: أجل.. لا شك في ذلك.. وهكذا يؤمن كل مسيحي.

قال: ولكن هذا النص عندما عرضته على عقلي لم أفهم منه هذا.

قلت: كيف.. لا تترك عقلك يعقلك عن المسيح.

قال: لا تخف.. فهذا النص لم يذكر المسيح.. وبالتالي لا حرج علينا في أن نفهم منه ما نشاء من النبوءات بحثا عن الحقيقة التي كان المسيح يدعو إلى البحث عنها والاتصال بها.

ألم يكن المسيح يقول: (إن ثبتم في كلمتي، كنتم حقا تلاميذي، وتعرفون الحق، والحق يحرركم) (يوحنا:8/31 ـ 32)؟

اشتد إعجابي به، فاسترسلت معه في الحديث، فقد ناسبت طريقة تفكيره الطريقة التي بدأت بها حياتي، ثم تخليت عنها بالقناعات التي سربها إلي أخي.

قال لي: لماذا يصر الشارحون على أن المراد بالنبوة المسيح مع أنه لم يذكر بالاسم في هذا الموضع.. كما لم يذكر بالاسم في غيره؟

قلت: النبوءة وصف تصويري لأمور ستحدث في المستقبل، ولذلك لا تلتزم ذكر الاسم، وإنما تذكر ما يدل على المسمى.

قال:  لم؟

قلت: حتى لا يظهر الأدعياء، فلو سمى المسيح باسمه، لادعى الكل ذلك.

قال:  فما هو الطريق لمعرفة النبوءة وانطباقها على من نرى أنها انطبقت عليه؟

قلت: من خلال تعبيرات النص.

قال:  فهل ترى هذا النص يصف المسيح وصفا دقيقا؟

قلت: أجل.. وهكذا كل النبوءات؟

قال: فهلم نختار كلمة من النص.. لعلها أهم كلماته.. إنها كلمة (مثلك) ما تعني هذه الكلمة؟

قلت: هي واضحة.. تعني أن المسيح مثل موسى.

قال: فهل كان المسيح مثل موسى؟

قلت: أجل.. لقد كان موسى يهوديا، وكذلك كان المسيح..وكان موسى من بني إسرائيل، وكذلك كان المسيح.

قال: إن ما ذكرته من أمور متشابهة لا ينحصر في المسيح.. بل إن النبوءة في هذه الحالة تكون أكثر انطباقا على أي نبي من أنبياء العهد القديم: سليمان، وأشعيا، وحزقيال، ودانيال، وهوشع، ويوئيل، وملاخي، ويوحنا وغيرهم.. ذلك أنهم جميعا يهود مثلما هم أنبياء، فلماذا لا تكون هذه النبوءة خاصة بأحد هؤلاء الأنبياء؟

صمت، فقال: إذن نحتاج إلى البحث عن وجوه أخرى للتشابه.. فهل هناك وجوه أخرى للتشابه بين المسيح وموسى؟

صمت قليلا، ثم قلت: لا أذكر الآن وجوها أخرى للتشابه.

قال: بل لا توجد وجوه أخرى للتشابه.. بل إن الفوارق بين المسيح وموسى أكثر من أن تنحصر.

قلت: كيف ذلك؟

قال: إن المسيح ـ بمقتضى العقيدة المسيحية([18]) ـ هو الإله المتجسد، ولكن موسى لم يكن إلها، أهذا حق؟

قلت: نعم.

قال: بمقتضى العقيدة المسيحية، فإن المسيح مات من أجل خطايا العالم، لكن موسى لم يمت من أجل خطايا العالم.. أهذا حق؟

قلت: نعم.

قال: بمقتضى العقيدة المسيحية، فإن المسيح ذهب إلى الجحيم ثلاثة أيام.. ولكن موسى لم يكلف بالذهاب الى الجحيم.. أهذا حق؟

قلت: نعم.

قال: هل كان لموسى والدان؟

قلت: أجل.. فقد جاء في سفر الخروج: (وأخذ عمرام بوكابد عمته وزوجة له فولدت له هارون وموسى (خروج:20:6)

قال: فهل ولد موسى ولادة معجزة مثل المسيح؟

قلت: لا.. لقد ولد ولادة طبيعية.

قال: فهل تزوج موسى؟

قلت: أجل.. وأنجب أولادا.

قال: والمسيح.. هل تزوج؟

قلت: كلا.. لقد ظل أعزب طول حياته.

قال: فالنص إذن لا ينطبق على المسيح.

قلت: هو لا ينطبق عليه في كل النواحي.. فأنا وأنت متماثلان، ولكنا نختلف في أشياء كثيرة.. فالتماثل لا يعني التطابق.

قال: لا بأس.. فهلم نبحث في كلمة أخرى.. فهذه الكلمة لا تزيد النبوءة إلا بعدا عن المسيح.

قلت: هيا نبحث في النبوءة عن كلمة أخرى.

قال: لقد ورد في النبوءة: (أقيم لهم نبياً)، فهل كان المسيح نبيا؟

قلت: لا.. المسيح أرفع من ذلك.

قال: نعم.. المسيح إله.. بل هو عند الأرثوذكس هو الله نفسه.

صمت، فقال: فكيف يقول لهم: أقيم نبياً؟

صمت، فقال: فلننظر في النبوءة إلى كلمة أخرى لعل فيها النبراس الذي يهدينا إلى حقيقة هذه النبوءة.

قلت: لا بأس.

قال: لقد ذكرت النبوءة أنه من غير بني إسرائيل، فلذلك لا يمكن أن تصدق على المسيح بحال من الأحوال.

قلت: أين هذا؟

قال: لقد ورد في النبوءة أن هذا النبي من بين إخوتهم أي أبناء عمومتهم.. لقد ورد فيها:(من وسط إخوتهم)([19])، وعمومة بني إسرائيل هم بنو عيسو بن إسحاق، وبنو إسماعيل بن إبراهيم.

قلت: فرق كبير بين العمومة والأخوة.. فبنو عيسو وبنو إسماعيل أعمام بني إسرائيل.

قال: من المعهود في التوراة إطلاق لفظ الأخ على ابن العم، ألم تقرأ قول موسى لبني إسرائيل: (أنتم مارون بتخم إخوتكم بنو عيسو)(التثنية 2/4).. وجاء نحوه في وصف أدوم، وهو من ذرية عيسو: (وأرسل موسى رسلاً من قادش إلى ملك أدوم، هكذا يقول أخوك إسرائيل: قد عرفت كل المشقة التي أصابتنا) (العدد20/14)، فسماه أخاً، وأراد أنه من أبناء عمومة إسرائيل.

قلت: صحيح هذا.. ولا يمكن أن أكابر فيه.. ولكن ما الذي تريد أن تقوله؟

قال: أنا لا أريد أن أقول شيئا.. ولكني أريد للنبوءة أن تقول.. ألم نتفق إلى اللجوء إلى العقل؟

قلت: أجل..

قال: إن هذه النبوءة تدل على أن هذا الموعود من غير بني إسرائيل.

قلت: كيف استنتجت ذلك؟

قال: لقد ذكرت هذه النبوءة أن من خصائص هذا النبي أنه مثل لموسى.

قلت: لقد فرغت من الحديث عن المثلية.

قال: لقد نص الكتاب المقدس على أنه لم يقم في بني إسرائيل نبي مثل موسى.

قلت: أجل.. فقد ورد في التثنية: (ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه) (التثنية: 34/10)

قال: بل في التوراة السامرية ما يمنع صراحة قيام مثل هذا النبي فقد جاء فيها: (ولا يقوم أيضاً نبي في بني إسرائيل كموسى الذي ناجاه الله) (التثنية 34/10)

قلت: والمسيح؟

قال: ألم نتفق أنه ليس نبيا.. وحتى لو كان نبيا فإن المفارقات بينه وبين موسى أكثر من أن تنحصر.

قلت: فعلى من ترى انطباق هذه النبوءة إذن؟

قال: إن البحث العقلي يدعونا إلى البحث فيمن ادعى النبوة من نسل عيسو وإسماعيل لنرى انطباق مدى انطباق النبوءة عليه.

قلت: ليس هناك في هذا النسل إلا محمد الذي يزعم المسلمون نبوته.

قال: فدعنا نطبق هذه النبوءة عليه.

قلت: لا بأس.. لا حرج في أن نجرب ذلك.

قال: ألا يتشابه محمد مع موسى في كل ما ذكرناه من نواحي التشابه؟

قلت: ولكنه لم يكن إسرائليا.

قال: لقد عرفنا أن التماثل لا يعني التطابق.

قلت: إن أردت ميلادهما الطبيعي، وزواجهما، ونحو ذلك.. فهما متماثلان.

قال: وفي غيرهما أيضا يتماثلان.. وهلم نبحث في ذلك.

قلت: لا بأس.. فاذكر لي نواح أخرى للتشابه.

قال: ألم يكن محمد وموسى كلاهما صاحبا شريعة؟

قلت: أجل.. ولكن شريعة موسى إلهية، وشريعة محمد بشرية.

قال: لا ينبغي أن نستعجل.. نحن الآن نبحث بالعقل.. ولا ينبغي أن نخلط الأمور التي تحول بيننا وبين الحقيقة.

قلت: لا بأس.. نعم كلاهما له شريعة.. سواء كانت صحيحة أو مدعاة.

قال: من صفات محمد أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، والوحي الذي يأتيه وحي شفاهي، يغاير ما جاء الأنبياء قبله من صحف مكتوبة، بينما كان المسيح قارئاً كما في لوقا(انظر لوقا 4/16-18).

قلت: هذا صحيح.

قال: وهو ما تشير إليه النبوءة صراحة، فقد جاء فيها: (وأجعل كلامي في فمه)

صمت، فقال: ألا يتهم الناس محمدا بأنه جاء بالسيف خلافا للمسيح؟

قلت: بلى.. ولولا السيف ما انتشر الإسلام.

قال: دعنا من هذا الآن.. نحن الآن نتحدث عن نقطة معينة، فلا ينبغي أن نحجب العقل عنها.

قلت: نعم.. لقد جاء محمد بالسيف.

قال: وموسى..

قلت: أجل.. لقد جاء بالسيف.

قال: ألم يكن كلا من موسى ومحمد زعيمين، بالإضافة إلى النبوة التي مارسا ما تتطلبه من وظائف بغض النظر عن كل حقيقة أو دعوى؟

قلت: بلى.. لقد كان موسى يملك هذا السلطان، فقد أمر بأعدام عباد العجل كما في (خروج:32: 26)

قال: وكذلك كان لمحمد سلطان في الحكم بين الناس.. وهل كان للمسيح مثل هذا السلطان؟

قلت: لا.. فللمسيح سلطان من نوع آخر.

قال: إذن هو لا يشبه موسى في هذا..

قلت: أجل.

قال: هل جاء المسيح بشريعة جديدة؟

قلت: كلا.. بل كان يحاول دائما أن يثبت لليهود الذين كانوا يتهمونه بالتجديف بأنه لم يأت بشريعة جديدة، فيقول: (لا تظنوا أني جئت لانقض الناموس أو الانبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل) (متي 5: 17)

قال: وموسى.. هل جاء بشريعة جديدة؟

قلت: أجل.. فقد جاء موسى بالوصايا العشرة وطقوس جديدة شاملة لهداية الناس.

قال: ومثل ذلك محمد، فقد جاء إلى شعب يمتلئ جهالة بشريعة لا زلنا نراها، ونرى أثراها، وهي ـ كما يزعم المسلمون ـ تشمل جميع مناحي الحياة.

قلت: هذا صحيح.

قال: فموسى ومحمد يتشابهان في هذا؟

قلت: أجل..

قال: بل ليس هناك من ينطبق عليه هذا الشبه غير موسى ومحمد..

صمت، فقال: أخبرني.. كيف كان رحيل المسيح من الدنيا؟

قلت: أنت تعلم ذلك.. لقد صلب المسيح من أجل الفداء.

قال: ومحمد وموسى؟

قلت: لقد ماتا ميتة طبيعية.

قال: فالمسيح ليس مثل موسى في هذا، ولكنه مثل محمد.

صمت، فقال: فلننتقل إلى عبارة أخرى وردت في النبوءة.. لقد ورد فيها:(من وسط اخوتهم، مثلك) أليس هذا الخطاب موجه من موسى لشعبه من الإسرائيليين؟

قلت: بلى..

قال: فعندما تقول النبوءة من (إخوتهم)، لا يصدق هذا الوصف إلا للعرب.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أنت تعلم أنه كان لابراهيم زوجتان سارة وهاجر.. وأن هاجر ولدت لابراهيم ولدا، هو الابن البكر لابراهيم كما يقول الكتاب المقدس: (ودعا ابراهيم اسم ابنه الذي ولدته هاجر اسماعيل)(التكوين16 :15).. وقد وهب الله ابراهيم ابنا آخر من سارة اسماه اسحاق.

قلت: هذا صحيح.

قال: إذا كان اسماعيل واسحاق ابناء الوالد نفسه، وهو إبراهيم، وهو ما يقوله الكتاب المقدس، إذن هما أخوان.. وهكذا فإن الشعوب التي نشأت من سلالتهما، اخوة بالمعنى المجازي.. أي أن أبناء إسحاق الذين هم اليهود، وأبناء إسماعيل الذين هم العرب إخوة.

قلت: لا يمكنك أن تقول ذلك.. بل هما شعبان لا أخوان.

قال: لقد نص الكتاب المقدس على هذه الحقيقة، فقد جاء فيه: (وأمام جميع إخوته يسكن)(تكوين16 :12).. وعن وفاة إسماعيل تقول التوراة: (وهذه سنو حياة إسماعيل، مئة وسبع وثلاثون سنة، وأسلم روحه ومات وانضم الى قومه، وسكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر حينما تجيئ نحو أشور، أمام جميع إخوته) (تكوين 25: 17)

فأبناء إسماعيل هم إخوة لأبناء اسحاق.. ولهذا فإن محمدا من قوم هم إخوة بني اسرائيل، فهو من سلالة اسماعيل.

بل إن تطبيق نصوص التوراة على هذه النبوءة يجعلها لا تشير إلا لمحمد، فالتوراة لم تقل: (من بين أنفسهم)، بل قالت: (من وسط إخوتهم)

قلت: فأنت مقتنع بأن هذه النبوءة إذن تتوجه لمحمد؟

قال: اصبر علي.. ألم نتفق على البحث العقلي المحايد؟

قلت: بلى ..

قال: فلا ينبغي أن نتخذ موقفا من هذه النبوءة حتى نكمل كل ما ورد فيها.. فلعل فيها من الشبهات ما ينفي توجهها لمحمد.

قلت: أنصفت في هذا.

قال: تقول النبوءة: (أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به)(التثنية 18:18).. لقد عرفنا إلى الآن العبارة الأولى:(أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك)، فلنحاول فهم العبارة الثانية: (وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به)

قلت: فما ترى في ذلك؟

قال: لقد عرفنا أن أولى من تنطبق عليه العبارة الأولى هو محمد.. فلذلك هيا ننظر هل تنطبق عليه العبارة الثانية أم لا.

قلت: فما ترى؟ 

قال: ماذا يزعم المسلمون عن كتابهم؟

قلت: هم يزعمون أنه كلام الله.. ولكنهم يكذبون في ذلك.

قال: دعنا من التكذيب والتصديق.. فنحن الآن نعرضهم على محك العقل.

قلت: لا بأس.. اسأل ما بدا لك.

قال: وهل يتضمن كلام الله الذي جاء به محمد ـ على حد زعم المسلمين ـ وصايا للرب؟

قلت: أجل.. إن السيرة التي ينقلها المسلمون عن نبيهم تدل على أنه عندما بلغ من العمر أربعين عاما.. حين كان يتعبد في غار حراء، نزل إليه الملاك جبريل وأنزل عليه القرآن كتاب محمد المقدس.

قال: هل هذا فقط ما أنزل إليه؟

قلت: لا.. لقد ظل ثلاثة وعشرين سنة، يزعم أن هذا الوحي يوحى إليه.

قال: إن هذا الثبات طول هذه المدة ينبغي أن يستوقف العقل.. ألا يمكن أن يكون ثباته هذا دليلا على صدقه؟

قلت: لا.. فالثبات نراه على الباطل، كما نراه على الحق.

قال: ولكنه ادعى النبوة والاتصال بالله، بل تكلم مخبرا عن الله، فكيف يتركه الله، ألم يرد في النبوءة أن من صفات هذا النبي أنه لا يقتل، بل يعصم الله دمه عن أن يتسلط عليه السفهاء بالقتل، فالنبي الكذاب عاقبته (يموت ذلك النبي)، أي يقتل([20]).

وهذا يزيد النبوءة بعدا عن المسيح على حساب اعتقاد المسيحيين.. فالمسيح قتل، أما محمد، فقد ظل حيا يدعو إلى دينه إلى آخر حياته.

صمت، فقال: لا بأس.. ألا زال الوحي الذي قال محمد بأنه أوحي إليه موجود؟

قلت: بلى.. وهو القرآن، كتاب المسلمين.. ولكن فيها أمورا عن القتال وغير ذلك تدل على أنه ليس كلام الله.

قال: دعنا من ذلك الآن.. نحن الآن نبحث في صدق النبوءة.

قلت: أرى أنها إلى الآن تنطبق من حيث الظاهر عليه في هذه الناحية.

قال: لا تتسرع.. فلنسمع عبارات أخرى لعلها تصرف النبوءة عنه.

قلت: نعم.. لا ينبغي التسرع في مثل هذا.

قال: لقد ورد في النبوءة أن هذا النبي يتمكن من تبليغ كامل دينه.

قلت: أجل.. فقد ورد فيها:(يكلمهم بكل ما أوصيه به)

قال: فهل أكمل المسيح جميع وصاياه؟

قلت: لا.. لقد رحل المسيح، ولديه الكثير مما يود أن يبلغه إلى تلاميذه، لكنه لم يتمكن من بلاغه، لكنه بشرهم بحصول ذلك من بعده، فقال: (إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به) (يوحنا 16/12-13)

قال: أما محمدا، فلم يقل هذا.. لقد ورد في كتابه أنه أكمل دينه، وبلغ كل ما أمر بتبليغه([21])، لقد جاء في القرآن :﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً (المائدة: 3)

صمت، فقال: ناحية أخرى في النبوءة جديرة بالاهتمام.. ولكن قبل أن أسوقها لك، أجبني: هل توعد المسيح من لم يسمعوا كلامه، أو غيرهم بأي لون من ألوان الوعيد؟

قلت: لقد كان المسيح مملوءا بالرحمة التي تمنعه من هذا الوعيد.. فهو لم يتوعد حتى قاتليه، فكيف بأولئك الذين لم يسمعوا كلامه، لقد قال لوقا في سياق قصة الصلب: (فقال يسوع: يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون) (لوقا 23/34)

قال: ولكن النبوءة تقول: (ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي، أنا أطالبه)، وقد فسرها بطرس، فقال: (ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه)

قلت: فهل تحقق هذا الجزء من النبوءة في محمد؟

قال: أجل.. فقد ورد في النصوص التي جاء بها أنه نبي واجب السمع والطاعة على كل أحد، ومن لم يسمع له تعرض لعقوبة الله.

بل إن ذلك هو ما حصل بجميع أعدائه، حيث انتقم الله من كل من كذبه من مشركي العرب والعجم.

قلت: ولكن هذا ما ينفر النفس عنه.

قال: لا يهمك أن تنفر نفسك أو تقبل، بل يهمك أن تقنع عقلك.. فلا ينبغي أن نملي على الله صفات من يرسله إلينا.

قلت: ولكن المسيح يجذب العقول والنفوس.

قال: ألم تقرأ ما قال المسيح في نبوءة الكرامين؟.. لقد قال: (ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه)(متى 21/44)، فهو الحجر الصلب الذي يفني أعداءه العصاة.

إنه نفسه الذي بشر بمقدمه النبي دانيال: (وفي أيام هؤلاء يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً، ومَلِكها لا يُترك لشعب آخر، وتسحق وتفنى كل هذه الممالك، وهي تثبت إلى الأبد، لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين، فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب)(دانيال 2/21 - 45)

قلت: أرى أنك اقتعت بهذه النبوءة، واتبعت محمدا.

قال: أجل.. وأنا لأجل ذلك في سعادة من أجل انسجام عقلي مع روحي مع نفسي.

قلت: ولكنك ذكرت لي أنك مسيحي.. أتتخذ الكذب مطية للتلاعب بي.

قال: لم أكذبك في ذلك.. لقد ولدت مسيحيا.. لكن هذه النبوءة أضافت إلى إيماني بالمسيح إيماني بمحمد.. بل إنها عمقت إيماني بالمسيح وصححته من الأوهام التي ألصقها قومنا به.

قلت: أمن أجل نبوة واحدة تتحول عن إيمانك؟

قال: أنا لم أتحول عن إيماني.. بل صححته ودعمته.. ثم كيف تحتقر نبوءات الله..

صمت، فقال:ومع ذلك فإن لي أختا لها نطق بها فم ذلك النبي المبارك.

قلت: فما هي؟

البشارة الثانية:

قال: قبيل وفاة موسى ساق خبراً مباركاً لقومه بني إسرائيل، فقد جاء في سفر التثنية:(هذه البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته، فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة، فأحب الشعب، جميع قديسيه في يدك، وهم جالسون عند قدمك، يتقبلون من أقوالك)(التثنية 33/1-3)

وقد أكد هذه النبوءة النبي حبقوق، حيث قال: (الله جاء من تيمان، والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السماوات، والأرض امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور، له من يده شعاع، وهناك استتار قدرته، قدامه ذهب الوبأ، وعند رجليه خرجت الحمى، وقف وقاس الأرض، نظر فرجف الأمم) (حبقوق 3/3-6)

قلت: أراك تقرأ النصوص قراءة مختلفة.. فما في نسخي يختلف عما أوردته.

قال: أنت تعلم ما يفعله قومي وقومك من التلاعب بالترجمات.. ولست أدري سر ذلك، ولا أريد أن أتهمهم بشيء:

لقد جاء في الترجمة السبعينية: (واستعلن من جبل فاران، ومعه ربوة من أطهار الملائكة عن يمينه، فوهب لهم وأحبهم، ورحم شعبهم، وباركهم وبارك على أظهاره، وهم يدركون آثار رجليك، ويقبلون من كلماتك. أسلم لنا موسى مثله، وأعطاهم ميراثاً لجماعة يعقوب)

وفي ترجمة الآباء اليسوعيين: (وتجلى من جبل فاران، وأتى من ربى القدس، وعن يمينه قبس شريعة لهم)

وفي ترجمة 1622م: (شرف من جبل فاران، وجاء مع ربوات القدس، من يمينه الشريعة)

ومعنى ربوات([22]) القدس أي ألوف القديسين الأطهار، كما في ترجمة 1841م:(واستعلن من جبل فاران، ومعه ألوف الأطهار، في يمينه سنة من نار)

قلت: فكيف تنطبق هذه النبوءة على محمد؟

قال: في هذا النص تتحدث البشارة عن الأماكن التي سيظهر فيها وحي الله إلى أنبيائه، وهي تدعو بذلك إلى البحث عنها، أما الأول، فهو جبل سيناء، حيث كلم الله موسى.. وأما الثاني، فهو ساعير، وهو جبل يقع في أرض يهوذا كما في (يشوع 15/10)، وهو محل ظهور المسيح.. وأما الثالث، فهو جبل فاران([23]).

قاطعته قائلا: وهي منطقة موجودة بجنوب فلسطين([24]).

قال: إن وجود منطقة اسمها فاران في جنوب فلسطين لا يمنع من وجود فاران أخرى هي تلك التي سكنها إسماعيل، وقامت الأدلة التاريخية على أنها الحجاز، حيث بنى إسماعيل وأبوه الكعبة، وحيث تفجر زمزم تحت قدميه، وهو ما اعترف به عدد من المؤرخين كالمؤرخ جيروم واللاهوتي يوسبيوس اللذان شهدا بأن فاران هي مكة.

قلت: شهادتهما لا تلزم غيرهما.

قال: إن جبل فاران هو الجبل الذي سكنه إسماعيل، كما قالت التوراة عن إسماعيل:(كان الله مع الغلام فكبر.وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر)(التكوين: 21/20-21)

وقد انتشر أبناؤه في هذه المنطقة، فقد جاء في التوراة: (هؤلاء هم بنو إسماعيل.... وسكنوا من حويلة إلى شور)(التكوين 25/16 - 18)، وحويلة كما جاء في قاموس الكتاب المقدس منطقة في أرض اليمن، بينما شور في جنوب فلسطين.. وعليه فإن إسماعيل وأبناؤه سكنوا هذه البلاد الممتدة جنوب الحجاز وشماله، وهو يشمل أرض فاران التي سكنها إسماعيل.

قلت: دعنا من هذا.. لقد ذكر موسى هذه البشارة بصيغة الماضي، وهي بالتالي لا يصح انطباقها على محمد.

قال: أنت تدري بأن من عادة الكتب الإلهية استعمال الماضي في معنى المستقبل([25])، ألم تر أنه أخبر عن عيسى في هذه البشارة كذلك بصيغة الماضي، فإن قبلت هذه البشارة في حق عيسى، فهي في حق محمد ادعى للقبول.

قلت: ولكن النص أخبر عن مجيء الرب.. لا عن مجيء النبي..

قال: يقصد بهذا التعبير في اصطلاح الكتب المقدس الدين، فجاء الرب معناها ظهر دينه ودعي إلى توحيده.. بالإضافة إلى أن لفظة (رب) قد تقع على موسى وعيسى ومحمد، وهي مستعملة بهذا الإطلاق في اللغة السريانية والعربية فتقول العرب رب البيت، بمعنى صاحب البيت ويقول السريان لمن أرادوا تفخيمه: (مار)، ومار بالسريانية هو الرب.

وقد يراد بها: (الله)([26])ويكون معناها ظهور دينه.

قلت: لقد أخبر النص عن آلاف القديسين، والذين تسميهم بعض التراجم (أطهار الملائكة).. فمتى شهدت فاران مثل هذه الألوف من الأطهار؟

قال: هذا دليل آخر على هذه النبوءة.. فلنبحث في تاريخ فاران.. هل شهدت من القديسين كما شهدت في عهد محمد، وعهود أتباعه..

صمت، فقال: أعلم ما تقولون في هذا النص.. أنتم تلوون عنقه لتقولوا بأن المراد منه الحديث عن أمر قد مضى يخص بني إسرائيل، وأنه يتحدث عن إضاءة مجد الله وامتداده لمسافات بعيدة شملت فاران وسعير وسيناء.

قلت: هذا ما نفهم من النص.

قال: لو كان هذا هو المراد من النص لما كان نبوءة..

أما نحن فنرى فيه شهادة بنبوة المسيح، كما أن فيه شهادة بنبوة محمد، الذي أتى ومعه الآلاف من الأطهار مؤيدين بالشريعة من الله عز وجل.

وأزيدك على هذا أن هذه النبوءة ورد مثلها في القرآن الكريم، فالله تعالى يقول:﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (التين:3)، فالمواطن الثلاثة تجتمع في هذه السورة، كما تجتمع في نبوءة موسى.

قال هذا.. ثم انصرف لعيدانه يجمعها..

أما أنا فقد عدت بحيرة جديدة إلى غرفتي.. وببصييص من النور اهتديت به بعد ذلك إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

بشارة داود

في اليوم الرابع خرجت من بيتي باكرا لأتجول في شوارع القرية الخالية، وأرى جمال السكون، وهو يلف بيوتها البسيطة الجميلة.

لكني ما سرت قليلا حتى سمعت صوتا نديا، كأحسن ما تسمع من الأصوات، وسمعت بجانبه صوت مطرقة.. فتعجبت من هذين الصوتين وامتزاجهما مع ذلك السكون..

اقتربت من مصدر الصوت، فرأيت رجلا.. هو كهل في قوة الشباب، يرتل مزمورا من مزامير داود، ويطرق في نفس الوقت بمطرقته على حديد يصلحه في محل الحدادة الذي يعمل به.

اقتربت منه، فقلت: كيف تجمع بين هذين الصوتين المتناقضين: صوتك الجميل الندي الذي ترتل الطير صداه، وتميد الجبال بألحانه، بصوت هذه المطرقة المزعج الذي يوقظ النائم، ويزعج الحالم.

قال: أنا داود.. وقد كان من فضل الله علي أن أمدني بما سمعت من صوت رخيم، وأمدني معه بقوة يلين لي معها الحديد ([27]).

قلت: أراك تلغز بداود النبي.. فما علاقتك به؟

قال: أكبر من علاقة الأخ بأخيه، والمحب بحبيبه، والابن بأبيه.. هو النبي الذي انتشلني من ظلمات كثيرة إلى نور الله.

قلت: فأنت على دين داود؟

قال: نعم.. لقد كان داود مفتاحا فتح الله به علي أبواب الحقائق، فدخلت منه، فعرفت منها ما ملأني بالنور والحياة.

 قلت: ولكني لم أسمع أن هناك من يدين بدين داود.. ولا أعلم أن هناك دينا ينسب إليه.

قال: دين الأنبياء واحد.. ومن سار خلف أي نبي، فقد سار خلف الجميع.. كل واحد منهم يدلك على غيره إلى أن تصل إلى مصدر النور.

قلت: فما الذي جعلك ترغب في داود، وترغب عن غيره؟

قال: نعم أنا رغبت في داود.. ولكني لم أرغب عن غيره.. لقد كان داود هو المفتاح الذي فتح لي به، والنور الذي عرفت به الحقائق التي كان يحملها الأنبياء، ويبشرون بها.

قلت: أي مفتاح وجدته عند داود، جليت لك به الحقائق؟

قال: ما كنت أرتل فيه؟

قلت: أجل.. لقد كنت أسمعك تقرأ مزامير داود، ولكني لم أتبين ما كنت تقرأ، فقد شغلتني مزامير صوتك عن مزامير داود.

البشارة الأولى:

قال: لقد كنت أقرأ ما جاء في المزمور (110/1-6)، فقد جاء فيه: (قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك، يرسل الرب قضيب عزك من صهيون، تسلط في وسط أعدائك شعبك، فتدب في يوم قوتك في زينة مقدسة.. أقسم الرب ولن يندم: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق. الرب عن يمينك، يحطم في يوم رجزه ملوكاً يدين بين الأمم، ملأ جثثاً، أرضاً واسعة سحق رؤوسها)

قلت: الآن فقط فهمت ما ترمز إليه.. لقد كان داود هو دليلك إلى المسيح.. صدقت.. إن ما قرأته ينطبق على المسيح تماما، فالمسيح من ذرية داود.

قال: نعم.. لقد بشر داود بالمسيح.. ولكن هذا المزمور يبشر بشمس أخرى هي أعظم من جميع الشموس.. أشرقت ذات يوم على الأرض، ولا تزال مشرقة إلى اليوم، وقد من الله علي بالتنعم بأشعتها المنيرة الدافئة.

قلت: من تقصد؟

قال: محمد.. إنه شمس الهداية.. وهو الذي بشر به داود في ذلك المزمور.

قلت: لك أن تحب محمدا، ولك أن تتبع دينه، ولكن ليس لك أن تحرف كتابنا المقدس.. إذا شئت أن تحرف كتابا مقدسا، فحرف كتابكم، كتاب المسلمين.

قال: لقد كنت مسيحيا.. وكان كتابي هو كتاب المسيحيين المقدس.. وقد كنت طيلة عمري أرتله بخشوع.. وكانت لي عادة أن أبتغي الفأل من فتح الكتاب لأرى أي موضع سيفتح لي فيه.. وكان من حكمة الله ونوره الذي جذبني إليه أن لا يفتح لي الكتاب المقدس بكل كتبه ورسائله إلا على ذلك المزمور الذي يبشر بمحمد.

قلت: إن المزمور يبشر بالمسيح.. ألم تقرأ مقولة بطرس، الذي فسر النبوءة بالمسيح، فقال: (لأن داود لم يصعد إلى السموات، وهو نفسه يقول: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك، فليعلم يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً) (أعمال: 2/29-37)؟

فكيف تفهم منه أنت أن البشارة بمحمد؟

قال: لقد درست العهد الجديد، ورأيت فيه نصا قاطعا، علمت من خلاله أن البشارة لا تصح إلا في محمد.. أما بطرس، فإن ما ذكره فهم فهمه، لا وحي أوحي إليه، وهو معذور في ذلك الفهم، فقد شغف كتاب الأناجيل بنبوءات العهد القديم، فعمدوا في تكلف ظاهر إلى تحريف معاني الكثير من النصوص، ليجعلوا منها نبوءات عن المسيح، إن محبتهم للمسيح هي التي دعتهم إلى ذلك.. وحبك للشيء يعمي ويصم..

ألم تقرأ ما كتبه بولس في رسالته إلى العبرانيين، حيث حول بشارة الله لداود بابنه سليمان إلى المسيح مع أن النص لا يساعده على ذلك.. اسمع ما يقول بولس: (كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثاً لكل شيء.. صائراً أعظم من الملائكة، بمقدار ما ورث اسماً أفضل منهم، لأنه لمن مِن الملائكة قال قط: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك، وأيضاً أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً) (عبرانيين 1/5).

فقد اقتبس بولس العبارة الواردة في سفر صموئيل الثاني (7/14)، وجعلها نبوءة عن المسيح، ففيه: (أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً)، فقد ظن بولس أن هذه العبارة نبوءة عن المسيح، فنقلها في رسالته.

إلا أن هذا الاقتباس غير صحيح، فالنص جاء في سياق الحديث إلى داود، فقد أمر الله النبي ناثان أن يقول لداود: (فهكذا تقول لعبدي داود..متى كملت أيامك واضطجعت مع آبائك أقيم نسلك الذي يخرج من أحشائك، وأثبت مملكته، هو يبني بيتاً لاسمي، وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد، أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً، وإن تعوج أودبه بقضيب الناس وبضربات بني آدم..كذلك كلم ناثان داود)(صموئيل (2) 7/8-17).

فالمتنبئ عنه يخرج من أحشاء داود، وليس من أحفاده، وهو يملك على بني إسرائيل بعد اضطجاع داود مع آبائه أي موته، وهو باني بيت الله، وهو متوعد بالعذاب إن مال عن دين الله، وكل هذا قد تحقق في سليمان كما ورد في النصوص.

بل قد ورد التصريح بأن اسم صاحب تلك النبوءة هو سليمان، خلافا لما فهمه بولس، فقد جاء في سفر أخبار الأيام الأول قول داود: (هو ذا يولد لك ابن، يكون صاحب راحة، وأريحه من جميع أعدائه حواليه، لأن اسمه يكون سليمان، فأجعل سلاماً وسكينة في إسرائيل في أيامه، هو يبني بيتاً لاسمي، وهو يكون لي ابناً، وأنا له أباً، وأثبت كرسي ملكه على إسرائيل إلى الأبد)(الأيام (1) 22/9)

قلت: دعنا من تلك النبوءة.. وعد بنا إلى هذه النبوءة.. أنا رجل دين.. فأي نص قاطع هذا الذي دلك على أن البشارة ليست كما ذكر بطرس؟

قال: ألم تقرأ ما ورد في متى من إبطال المسيح لليهود قولهم، وإعلامهم أن القادم لن يكون من ذرية داود، ففي متى: (كان الفريسيون مجتمعين، سألهم يسوع: ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ قالو له: ابن داود، قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك، فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيب بكلمة)(متى 22/41 - 46)

وفي مرقس: (فداود نفسه يدعوه رباً. فمن أين هو ابنه)(مرقس 12/37)

ونفس النص ورد في لوقا، فقد ورد فيه: (كيف يُـقال للمسيح أنه ابن داود، وداود نفسه يقول في كتاب المزامير:(قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئا لقدميك)، فداود نفسه يدعو المسيح ربا، فكيف يكون المسيح ابنه؟)(إنجيل لوقا:20 : 42)

قلت: أنت لم تفهم مراد المسيح.. إن هذا القول من الأقوال التي نستدل بها على طبيعة المسيح.. ألا ترى أن داود يطلق الربوبية على المسيح في هذا النص؟

قال: أأنت تقول هذا؟

قلت: أقول هذا كما يقوله كل مسيحي.. وهو الحقيقة التي ينطق بها كل حرف من حروف النص.. فداود يدعو المسيح ربا.. ألا تقرأ قوله: (قال الرب لربي)؟

قال: فلنبدأ بنفي ما تدعيه من ألوهية للمسيح في هذا النص.. ثم ننتقل إلى صدق البشارة على محمد.. سأسلم لك جدلا أن المبشر به في هذا النص هو المسيح.. فهل ترى فيه ما يدل على ألوهيته؟

قلت: أجل.. النص واضح، لقد جاء فيه: (قال الرب لربي)

قال: عبارة المزامير تقول: قال الرب، أي الله لربي ـ أي المسيح على حسب ما تعقتد، وعلى محمد على حسب ما أعتقد ـ: (اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطأً لقدميك)، وبناء على هذه الجملة لا يمكن أن يكون المقصود من كلمة ربي الثانية هو الله أيضا، وذلك لأن المعنى سيصبح عندئذ: قال الله لِلَّه اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئا لقدميك.. وكيف يجلس الله عن يمين نفسه؟

قلت: هذا الكلام مبني على طبيعة المسيح.

قال: لا بأس.. إذا كان ربي الثانية إلهاً فإنه لا يحتاج لأحد حتى يجعل أعداءه موطئا لقدميه، بل هو نفسه يسخر أعداءه بنفسه، ولا يحتاج إلى من يسخرهم له.

صمت، فقال: مخاطبة الله لإلـه آخر تعني وجود إلهين اثنين، وهذا يناقض العقيدة التي تتبنونها.. فأنتم تعتبرون الثلاثة واحدا.

قلت: لا بأس.. ولكن كيف سمى داود المسيح ربا؟

قال: إذا اعتبرنا اختلاف الترجمات تفاسير للكتاب المقدس، فإن الإشكال سيزول بسهوله.. هذه البشارة هي الفقرة الأولى من المزمور رقم 110، ولفظها ـ كما في الترجمة الكاثوليكية الحديثة ـ:(قال الرب لسيّدي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئا لقدميك)([28]) 

فما عبر عنه المسيح بلفظة ربي، هو في الحقيقة بمعنى سيدي.. ولذلك نجد أن الترجمات العربية المختلفة للعهد الجديد، خاصة القديمة منها كانت تستخدم لفظة السيد في مكان لفظة الرب، ولفظة المعلم في مكان لفظة رابِّـي.

قلت: أنت تهرب إلى اختلاف الترجمات.

قال: لا بأس.. فلنبق على كلمة (ربي).. ولنذهب إلى الأناجيل لنرى استخدامات كلمة (الرب) فيها.. هل ترى الأناجيل تقصر هذه الكلمة على الله؟

أدركت ما يرمي إليه، فحاولت أن أتملص من الإجابة قائلا: أنت تريد أن نتشتت في بحار الكتاب المقدس.. ولن نفهم بذلك هذه البشارة، ولا غيرها.

قال: لن تفهم الكتاب المقدس إلا بالكتاب المقدس.. أجبني، فلي حق عليك في أن تجيبني عن سؤالي.

قلت: نعم.. الكتاب المقدس بعهديه يستعمل لفظة (الرب) بمعنى السيد والمعلم.

قال: بل ورد تفسيرها في الأناجيل بذلك، فقد جاء في إنجيل يوحنا [1 : 38]:(فقالا: ربي! الذي تفسيره يا معلم، أين تمكث؟).. وجاء فيه أيضا: [ 20 : 16]:(قال لها يسوع: يا مريم! فالتفتت تلك و قالت له: ربوني! الذي تفسيره يا معلم)

قلت: ذلك صحيح.

قال: ليست الأناجيل فقط هي التي استخدمت هذه الكلمة بهذا المعنى.. بل إن القرآن الكريم ـ مع تشدده في نفي ذرائع الشرك ـ استخدم هذه اللفظة بهذا المعنى، فقد جاء فيه :﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً (يوسف: 41)، وجاء فيه :﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (يوسف:42)

قلت: فما المراد من تلك العبارة إذن؟

قال: إن ما يريده المسيح من عبارته تلك ـ إن سلمت لك من أن المراد منها هو المسيح ـ هو تذكير اليهود بمقامه العظيم قائلا لهم: كيف تعتبرون المسيح مجرد ابنٍ لداود، مع أن داود نفسه اعتبر المسيح الآتي المبشر به، والذي سيجعله الله دائنا لبني إسرائيل يوم الدينونة : ربَّاً له: أي سيدا له ومعلما؟!

قلت: فالنبوءة بهذا لا تنطبق على محمد.

قال: لا.. لقد كنت أوضح لك فقط سوء ما فهمته وفهمه قومك من اعتبار المسيح إلها.. أما انطباق البشارة على محمد.. فذلك مما لا شك فيه، بل إن النص يكون أكثر وضوحا بتطبيقه على محمد.

قلت: ولكن المسيح صرح باسم المسيح في البشارة، كما في لوقا، فقد ورد فيه: (كيف يُقال للمسيح أنه ابن داود، وداود نفسه يقول في كتاب المزامير:(قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئا لقدميك)، فداود نفسه يدعو المسيح ربا، فكيف يكون المسيح ابنه؟)(إنجيل لوقا:20 : 42)

قال: أنت تعلم أن اسم (المسيح) لم يختص به المسيح بن مريم وحده، وإنما هو وصف أطلق في الكتاب المقدس على هارون وداود وإشعياء وغيرهم..

وذلك لأن كلمة (مسيح)أصلها عبري (مشيح)، وتعني  (من مسحه الله) أي جعله مسيحا، وكلفه بإبلاغ رسالة إلى الناس، و جعله رسولا.. أي أن معنى كلمة المسيح بالعبرية الرسول.

ألم تقرأ ما ورد في (المزمور 89 :21) من قول الله : (وجدت داود عبدي بدهن قدسي مسحته)؟.. فداود ـ حسب هذا النص ـ مسيح مسحه الله، ومثل ذلك ما في (المزمور 18/50):(والصانع رحمة لمسيحه لداود)

ومثل ذلك ما ورد في (سفر إشعياء 45:1): (يقول الرب لمسيحه إشعياء لكورش الذي امسكت بيمينه لادوس امامه امما)، فإشعياء، نبي الله إلى بني اسرائيل ـ حسب هذا النص ـ مسيح أيضا.

و في (سفر اللاويين 6:20): (هذا قربان هارون وبنيه الذي يقرّبونه للرب يوم مسحته) فهارون ـ حسب هذا النص ـ مسيح أيضا.

بل إن هذا الاسم لم يطلق على الأنبياء وحدهم في الكتاب المقدس.. بل نراه يطلق على الملوك:

فقد سمي كورش ملك فارس مسيحاً، كما في إشعيا: (يقول الرب لمسيحه لكورش) (إشعيا 1/45)

وشاول الملك سمي مسيحاً، إذ لما أراد أبيشاي قتل شاول، وهو نائم نهاه داود (فقال داود لأبيشاي: لا تهلكه فمن الذي يمد يده إلى مسيح الرب ويتبرّأ) (صموئيل (1) 26/7-9)

بل سمي الكهنة مسحاء، ففي سفر المزامير: (لا تمسوا مسحائي، ولا تسيئوا إلى أنبيائي)(المزمور 105/15)، واقرأ حديث سفر الملوك عن الكهنة المسحاء كما في (الملوك (2) 1/10)

فهذا اللقب الشريف ليس خاصاً بالمسيح، بل هو لقب يستحقه النبي القادم لما يؤتيه الله من الملك والظفر والبركة التي فاقت بركة الممسوحين بالزيت من ملوك بني إسرائيل.

أم أنك ترى أن الملوك الظمة، والكهنة الخونة، أحق بهذا الاسم من محمد؟

التفت إلي، فرآني صامتا، فقال: اسمع إلي.. وأجبني.. ولا تفر من الحقيقة.. لقد كنت مثلك أفر من الحقائق بالجدل إلى أن عرفت أن الحق لا مهرب منه.

أجبني: هل كان المسيح يدعى ابن داود أم لا؟

قلت: أجل.. فالمسيح ـ حسب متى ولوقا هو من ذرية داود  ـ ولهذا كثيراً ما نودي (يا ابن داود)، كما في متى(1/1، 9/27)، ولوقا (19/38)

قال: بورك فيك.. فهذا النص يفهم من هذا المنطلق.

قلت: لم أفهم.

قال: أجبني.. كيف يسمي الرجل ابنه، هل يسميه ابنا، فيقول له: (ابني)، أم يقول له: (سيدي)؟

قلت: في حال العادية يدعوه: (ابني) إلا إذا كان سيدا رفيع الجاه، فقد يدعوه: (سيدي)

قال: أنت تجادل.. إن الابن يظل ابنا حتى لو صار سيدا..

استحييت من نفسي، فقلت: أجل.. ولكن ما الذي ترمي إليه؟

قال: لقد قلت لك: إن النص يفهم من هذا.. فالمسيح أراد أن يصحح للفريسيين خطأهم في تصورهم أن المسيح من ذرية داود، فاستخدم معهم هذا الأسلوب، حيث بدأهم، فقال: (ماذا تظنون في المسيح، ابن من هو؟)، فقالوا له: ابن داود، فقال لهم: (فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟)(متى 22/41-45)

لقد كان جواب المسيح مسكتاً، فقد اعتبر أن القادم ليس من ذرية داود بدليل أن داود جعله سيده، والأب لا يقول ذلك عن ابنه.

صمت، فقال: لا بأس.. سنترك هذا لنرى وجها آخر من وجوه دلالة هذه النبوءة.. ولنعد إلى حديث المسيح.

أجبني: هل ادعى المسيح أنه المسيح المنتظر؟

قلت: لقد عرف الجميع أن يسوع هو المسيح المنتظر.

قال: لم أسألك عن موقف الجميع.. سألتك عن موقف المسيح، فهل ادعى المسيح أو قال لتلاميذه: إنه المنتظر.. فقد يظن الناس جميعا شيئا في شخص هو منه براء.

قلت: الظاهر من النصوص عدم ادعاء المسيح لذلك.. أنت لا تعرف المسيح.. لقد كان عظيم التواضع إلى حد بعيد.. حتى أنه كان يطلق على نفسه (ابن الإنسان)

قال: التواضع لا يلغي البيان.. أنا أعلم أنك تريد أن تفر بقولك هذا.. لكني سأورد لك من النصوص ما ينص على هذا.. لقد سأل المسيح تلاميذه ذات يوم عما يقوله الناس عنه، ثم سألهم: (فقال لهم: وأنتم من تقولون إني أنا؟)،  فأجاب بطرس وقال له: أنت المسيح، فانتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه، وابتدأ يعلّمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً، ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل)(مرقس 8/29-31)

إن هذا النص يدل دلالة قاطعة على أن الذي ينتظره اليهود لم يكن هو المسيح الذي كان بين أيديهم.

قلت: كيف فهمت ذلك من النص؟

قال: النص واضح.. لقد نهر المسيح تلاميذه، ونهاهم أن يقولوا ذلك عنه، وأخبرهم بأنه سيتعرض للمؤامرة والقتل، وهو عكس ما يتوقع من المسيح الظافر المنتصر الذي تنتظرون، والذي يوقنون أن من صفاته الغلبة والظفر والديمومة، لا الألم والموت، لذا (أجابه الجمع: نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد، فكيف تقول أنت: إنه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان، من هو هذا ابن الإنسان)(يوحنا 12/34)

وفي رواية لوقا تأكيد ذلك، فقد جاء فيها: (فأجاب بطرس، وقال: مسيح الله، فانتهرهم، وأوصى أن لا يقولوا ذلك لأحد، قائلاً: إنه ينبغي أن ابن الإنسان يتألم)(لوقا 9/20-21)

قلت: ولماذا لا تفهم من ذلك أنه قصد الحذر من نشر ذلك بين اليهود؟

قال: لا.. لم يقصد المسيح ذلك.. بل كيف تقول ذلك، وقد أخبر المسيح تلاميذه عن تحقق وقوع المؤامرة والألم، وعليه فلا فائدة من إنكار حقيقته لو كان هو المسيح المنتظر، لكنه منعهم لأن ما يقولونه ليس هو الحقيقة.

ومع ذلك.. فليس هذا هو النص الوحيد الذي يفيد ذلك، لقد حرص المسيح على نفي هذه الفكرة مرة بعد مرة، فقد جاء في يوحنا: (فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم، وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً انصرف أيضاً إلى الجبل وحده)(يوحنا 6/14-15)

أجبني لماذا هرب المسيح؟.. إن كان هو المنتظر، فلماذا هرب؟

صمت، فقال: هرب، لأنه ليس الملك المنتظر، وهم مصرون على تمليكه لما يرونه من معجزاته، ولما يجدونه من شوق وأمل بالخلاص من ظلم الرومان.

ليس ذلك فقط، بل إن النصوص الدالة على هذا كثيرة:

فذات مرة قال فيلبس لصديقه نثنائيل:(وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة)، فجاء نثنائيل إلى المسيح وسأله، وقال له: يا معلّم أنت ابن الله؟ أنت ملك إسرائيل؟ أجاب يسوع وقال له: (هل آمنت لأني قلت لك: إني رأيتك تحت التينة، سوف ترى أعظم من هذا)(يوحنا 1/45-50)، فقد أجابه بسؤال، وأعلمه أنه سيرى المزيد من المعجزات، ولم يصرح له أنه الملك المنتظر.

وفي بلاط بيلاطس نفى أن يكون الملك المنتظر لليهود، كما زعموا وأشاعوا:(أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلّم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا)(يوحنا 18/36)، فمملكته روحانية، في الجنة، وليست مملكة اليهود المنتظرة، المملكة الزمانية المادية، التي يخشاها الرومان.

لذلك ثبتت براءته من هذه التهمة في بلاط بيلاطس الذي سأله قائلاً: (أنت ملك اليهود؟ فأجابه وقال: أنت تقول، فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة والجموع: إني لا أجد علّة في هذا الإنسان)(لوقا 23/2-4)، فجوابه لا يمكن اعتباره بحال من الأحوال، فهو يقول له: أنت الذي تقول ذلك، ولست أنا.

ليس هذ فقط.. بل إن هناك علامة أخرى للمنتظر لا تتحقق في المسيح وردت بها الأناجيل، أرجو أن تجيبني عنها..

قلت: لقد وعدتك بأن أجيبك على كل ما تسألني عنه.

قال: هل كان المسيح معروفا لتلاميذه، ولليهود أم لا؟

قلت: بلى.. لقد كان معروفا بينهم، وقد ورد في يوحنا: (فنادى يسوع وهو يعلّم في الهيكل قائلاً: تعرفونني، وتعرفون من أين أنا، ومن نفسي لم آت، بل الذي أرسلني هو حق، الذي أنتم لستم تعرفونه، أنا أعرفه لأني منه وهو أرسلني.. فآمن به كثيرون من الجمع)(يوحنا: 7/25-30)

قال: أكمل النص.. ما بالك تقطعه، ما بالك تقرأ :﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (الماعون:4)، وتنسى الصفة التي استحقوا به الويل.

أكملت قائلا :(.. وقالوا: ألعل المسيح متى جاء يعمل آيات أكثر من هذه التي عملها هذا؟)

قال: لقد قطعت أهم جزء في النص.. لقد ذكر المسيح أنه رسول من عند الله، وأنه ليس الذي ينتظرونه، فذاك لا يعرفونه.

وقد آمن به الذين كلمهم، وفهموا أنه ليس المسيح المنتظر، كما ورد في يوحنا: (فآمن به كثيرون من الجمع وقالوا: ألعل المسيح متى جاء يعمل آيات أكثر من هذه التي عملها هذا؟)(يوحنا 7/30-31)

بل ثمة من عرف أنه ليس المنتظر مستدلين بمعرفتهم بأصل المسيح ونسبه وقومه، بينما المنتظر القادم غريب لا يعرفه اليهود، كما جاء في يوحنا: (قال قوم من أهل أورشليم: أليس هذا هو الذي يطلبون أن يقتلوه، وها هو يتكلم جهاراً، ولا يقولون له شيئاً، ألعل الرؤساء عرفوا يقيناً أن هذا هو المسيح حقاً؟ ولكن هذا نعلم من أين هو، وأما المسيح فمتى جاء لا يعرف أحد من أين هو) (يوحنا 7/25-27)، ذلك أن المسيح غريب عن بني إسرائيل.

قلت: عد بنا إلى بشارة داود.. أرانا تهنا عنها.

قال: لا .. لم نته.. لقد ورد في البشارة الإشارة إلى الملك العظيم القادم الذي يأتي مع هذا النبي المبشر به، وقد عرفت أن المسيح لا يمكن أن يصبح ملكاً على كرسي داود وغيره.

قلت: لم؟

قال: لأن الكتاب المقدس صرح بذلك.. فالمسيح يذكر أن مملكته ليست في هذا العالم، فقد قال لبيلاطس: (مملكتي ليست في هذا العالم)(يوحنا 18/36)، وهو يشير بهذا إلى مملكته الروحية، أو إلى مملكته الدنيوية بعد نزوله إلى الأرض كما أخبرنا بذلك نبينا، وهو في ذلك الحين لا ينزل إلا ليقضي على الخرافات التي ارتبطت باسمه.

بالإضافة إلى هذا.. فإن المسيح من من ذرية الملك الفاسق يهوياقيم بن يوشيا.. أليس هو أحد أجداد المسيح؟

أدركت ما يرمي إليه، فطأطأت رأسي خجلا، وقلت: أجل.

قال: لا يمكنك أن تنكر ذلك، فقد ورد في سفر الأيام الأول:(بنو يوشيا: البكر يوحانان، الثاني يهوياقيم، الثالث صدقيا، الرابع شلّوم، وابنا يهوياقيم: يكنيا ابنه، وصدقيا ابنه)(الأيام (1) 3/14-15)، فيهوياقيم جد للمسيح حسب روايات الكتاب المقدس.. ولا يضر إسقاط متى له، فقد ذكر يكنيا حفيده، ثم تلاه بأبيه يوشيا.

قلت: أعلم هذا.. ولعل هذا غفلة من النساخ لا خطأ من متى.

قال: هو تحريف.. سواء كان من متى أو من غيره.. وهو تحريف له خطره، فليس الأمر متعلقا بجد من الأجداد.. بل متعلق بجد له علاقة بنبوءة من النبوءات.. أتركها لك لتذكرها.

أدركت ما يرمي إليه، لكني لم أجد بدا من ذكرها، فقلت: نعم.. لقد جاء في إرميا: (قال الرب عن يهوياقيم ملك يهوذا: لا يكون له جالس على كرسي داود، وتكون جثته مطروحة للحر نهاراً وللبرد ليلاً..)(إرميا 36/30)

قال: فقد نص هذا النص على أن الله حرم الملك على ذرية يهوياقيم، فكيف تزعمون أن المسيح من ذرية يكينيا ابن الفاسق يهوياقيم.. وكيف تزعمون أن الذي سيملك، ويحقق النبوءات هو المسيح؟!

سكت قليلا، ثم قال: دعنا من يهوياقيم.. ولنذهب إلى سيرة المسيح.. فهي أدل على حقيقة المسيح، وحقيقة دوره الذي أنيط به.

ألا ترى أن سيرة المسيح تصيح بملء فيها لتقول لكم: لست الملك المخلص الذي تنتظرونه؟

ألا ترى أن المسيح لم يملك على بني إسرائيل يوماً واحداً، وما حملت رسالته أي خلاص دنيوي لبني إسرائيل، كذلك النبي الذي ينتظرونه، بل كثيراً ما هرب خوفاً من بطش اليهود.. فكيف يكون هو مخلصهم؟

ألم تعلم أن المسيح كان يدفع الجزية للرومان، وقد ورد في متى قوله:(ولما جاءوا إلى كفر ناحوم تقدم الذين يأخذون الدرهمين إلى بطرس، وقالوا: أما يوفي معلمكم الدرهمين؟ قال: بلى، فلما دخل البيت سبقه يسوع قائلاً: ماذا تظن يا سمعان، ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية أمن بنيهم أم من الأجانب؟ قال له بطرس: من الأجانب، قال له يسوع: فإذاً البنون أحرار، ولكن لئلا نعثرهم اذهب إلى البحر، وألق صنارة، والسمكة التي تطلع أولاً خذها، ومتى فتحت فاها تجد أستاراً، فخذه وأعطهم عني وعنك)(متى 17/24-27).. فكيف تخضع الشعوب لمن هذا حاله؟

إن المسيح رفض أن يكون قاضياً بين اثنين يختصمان، فكيف تزعمون له الملك والسلطان؟.. ألم يرد في الإنجيل المقدس: (قال له واحد من الجمع: يا معلّم، قل لأخي أن يقاسمني الميراث، فقال له: يا إنسان من أقامني عليكما قاضياً أو مقسّماً!؟)(لوقا 12/13-14)؟

قلت: إن كل هذا يصب في كمالات المسيح.

قال: وأنا لم أقل غير ذلك.. لقد انتدب المسيح لوظيفة أداها أحسن أداء، لقد كان خاتمة أنبياء بني إسرائيل الممهد لنبي الإسلام.. فلذلك ارتبطت رسالته بهذا الجانب..

أما النبي المبشر به في بشارة داود، فهو نبي ملك، تدين له الشعوب وتخضع.. فهو الذي نطقت به نبوءة داود القائلة: (تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار، جلالك وبهاءك، وبجلالك اقتحم.. اركب من أجل الحق والدعة والبر، فتريك يمينك مخاوف، نبلك المسنونة في قلب أعداء الملك، شعوب تحتك يسقطون، كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب ملكك) (المزمور 45/1 - 6)

وهو نفس النبي الذي أخبر عنه يعقوب، فقال:(يأتي شيلوه، وله يكون خضوع شعوب)(التكوين 49/10)

التفت إلي، فرآني حائرا فيما أجيبه، فقال: لا تحسبني ـ يا أخي ـ أنقص قدر المسيح بقولي هذا.. ولكني أذكر الحقيقة الجميلة التي امتلأ بها المسيح.

لست أدري كيف خطر على بالي أن أقول له: ولكن.. ألم تسمع النبوءة التي ذكرها الملاك لمريم، فقد قال لها: (ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية)(لوقا 1/33)؟

ضحك، وقال: بلى.. وبورك فيك فقد ذكرتني ما كنت ناسيا.. ولكنك في تذكيري كما قيل: يبحث عن حتفه بظلفه.

قلت: ما تقصد.. لقد أخبر الملاك مريم بأنه يعطيه ملك أبيه داود.

قال: وذكرت البشارة أنه يملك على بيت يعقوب إلى الأبد.

قلت: فأنت تسلم لي إذن.

قال: بل أنت الذي تسلم لي.

قلت: لم أفهم.

قال: قارن بين البشارتين: بشارة الملاك، وبشارة داود ويعقوب وغيرهما.

قلت: من أي ناحية؟

قال: لن أدعك في ارتباكك.. لقد أخبر الملاك مريم أن المسيح سيملك على بيت يعقوب فحسب، فقد قال:(ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد)، فغاية ما يمكن أن يملك عليه هو شعب إسرائيل.

بينما نصت النبوءات الأخرى على أن  النبي الموعود (له يكون خضوع شعوب) (التكوين 49/10)، و(شعوب تحتك يسقطون)(المزمور 45/5)، والشعوب تدل على كل الشعوب، لا على شعب إسرائيل وحده.

قلت: ولكن ألا يمكن أن تكون جميع هذه البشارات مرتبطة بالمسيح في عودته الثانية؟

قال: لعلك لم تقرأ الكتاب المقدس.. أو لعلك لم تظفر بمعلم يحل لك ألغازه؟

قلت: لا.. لقد قرأته، ومن رجال لا أرى لهم أمثالا في هذه البلاد.

تنفس الصعداء، ثم قال: نعم.. أعرفهم.. لكل منهم توأم يتحكم فيه.. ويلغي عقله بسببه.

اسمعني جيدا لأذكرك بما غفلت عنه.. إن وعد الله لبني إسرائيل بالملك القادم على كرسي داود ـ كما ينص الكتاب المقدس ـ وعد مشروط بطاعتهم لله وعملهم وفق مشيئته، كما أخبرهم الله بقوله: (إن نقضتم عهدي.. فإن عهدي مع داود عبدي يُنقض، فلا يكون له ابن مالكاً على كرسيه)(إرميا 33/20 - 21)، فهل تراهم نقضوا عهودهم.. أم تراهم حافظوا عليها؟

لم أدر بما أجيب، فقال: لا مناص لك من الإقرار بنقضهم لعهود الله.. ألستم تذكرون أنهم أرادوا صلب المسيح، بل ترون أنه صلب على أيديهم.. فهل يمكن أن يحافظ مثل هؤلاء على عهود الله؟

بل إن الكتاب المقدس.. والمزامير بالذات.. تنص على ذلك، ألم تقرأ فيها: (لماذا رفضتنا يا الله إلى الأبد! لماذا يدخن غضبك على غنم مرعاك! اذكر جماعتك التي اقتنيتها منذ القدم وفديتها)(المزمور 74/1-2)؟

قلت: أسلم لك هذا.. ولكن ما تقول فيما جاء في قصة المرأة السامرية التي أتت المسيح ورأت أعاجيبه وآياته، فأخبرته بإيمانها بمجيء المسيا، فكان جوابه لها أنه هو المسيا، ألم تقرأ ما ورد في يوحنا؟

قال: بلى..  ما أ أHقالت له المرأة: (أنا أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتي، فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء، قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو)(يوحنا 4/25-26)

قلت: ها أنت تحفظ النص.. فكيف تفر من مدلوله؟.. لقد اعترف المسيح بصراحه بأنه هو المسيا.

قال: لا شك في وقوع التحريف في هذه العبارة.. فهذا النص يخالف ما عهدناه من المسيح، بدليل أن أحداً من التلاميذ لم يكن يسمع حديثه، وهو يتحدث مع المرأة، فكيف عرفوا موضوع الحديث بينهما؟.. ألم تقرأ ما جاء في يوحنا: (قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو، وعند ذلك جاء تلاميذه وكانوا يتعجبون أنه يتكلم مع امرأة، ولكن لم يقل أحد: ماذا تطلب؟ أو لماذا تتكلم معها)(يوحنا 4/26-27)، فهم لم يسمعوا حديثهما، ولم يسألوه عما جرى بينهما.

سكت قليلا، كأنه يسترجع شيئا يحفظه، ثم ابتسمت أسارير وجهه، وقال: لقد قرأت لك أول القصة، فاقرأ لي آخرها.

بدون شعور أخذت أردد: (فتركت المرأة جرتها، ومضت إلى المدينة وقالت للناس: هلموا انظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت، ألعل هذا هو المسيح؟)(يوحنا 4/28-29)

ابتسم، وقال: أرأيت لو أن المسيح أخبرها بأنه المنتظر؟ ألم تكن لتذهب لتقول لقومها: (إنه يزعم أنه المسيح)

قلت: ذلك ما قالت المرأة.

قال: لا.. لقد ذكرت المرأة شكها في كونه المسيح بعد أن رأت أعاجيبه، وهذا يحيل أن يكون قد أخبرها بذلك.

بل إن الظاهر من خلال إعجابها به أنه لو ذكر لها أنه المسيح لاتبعته من غير أن تتردد في ذلك، فهي قد ذهبت تبشر باحتمال كونه المسيح.

التفت إلي، فرآني غارقا في البحث عن مخرج لما أوقعني فيه، وأنا أقول في نفسي: ما أعظم قدرة هذا الحداد على التماس المخارج..

 فقال: لا تتعب نفسك في البحث عن أي مخرج.. لأني ما آمنت حين آمنت إلا بعد أن اعتراني من الشكوك ما لو نزل على الجبال لأذابها، ولكن الله بمنته خلصني منها ببعض الصالحين من العلماء أعطاهم الله من علم الكتاب ما كشف لي الشبه، ورفع كل حجاب بيني وبين أشعة شمس محمد.

قلت ساخرا: ألم يكن لك أخ توأم ينهرك عن هذا، ويرد على هذا العالم شبهه.

قال: بلى.. كان لي أخ.. وهو لا يزال حيا.

قلت: فكيف تركك؟

قال: لقد سلم هو الآخر.. ونحن الآن نعيش في طمأنينة يحسدنا عليها الملوك.. إننا في عالم النفس المطمئنة التي قال فيها ربنا :﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (الفجر:27 ـ 28)

قلت: أتظن أني أسلم لك كما سلم أخوك؟

قال: أنا لا أطلب منك أن تسلم لي.. الحق أعظم من أن يسلم لأحد من الناس.. ثم أنا لا أقبل أن تسلم لي.. سلم للحق.. الحق أعظم مني ومنك.. ألم تسمع المسيح، وهو يقول: (إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلِمَتِي، كُنْتُمْ حَقّاً تَلاَمِيذِي، وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ)(يوحنا:8/31 ـ 32)؟

لم أجد ما أقول، فقال: قد يحجبك عن الحق الذي أذكره ما تراه من حالي.. تقول: هذا حداد لا علاقة له إلا بالمطرقة التي يطرق بها حديده، فكيف يتطفل على موائد الكتاب المقدس؟

لا بأس.. أنا أعذرك في هذا.. فأكثر البشر يعبدون المظاهر، ويسلمون للمظاهر.. ولكني سأخاطبك بما قد يخطر على نفسك.. اسمع ما يقول شارل جنيبر، وهو من هو علماء الكتاب المقدس.. لقد قال: (والنتيجة الأكيدة لدراسات الباحثين، هي أن المسيح لم يدع قط أنه هو المسيح المنتظر، ولم يقل عن نفسه إنه ابن الله.. فتلك لغة لم يبدأ في استخدامها سوى المسيحيين الذين تأثروا بالثقافة اليونانية)

ويقول عوض سمعان: (إن المتفحصين لعلاقة الرسل والحواريين بالمسيح يجد أنهم لم ينظروا إليه إلا على أنه إنسان …كانوا ينتظرون المسيّا، لكن المسيّا بالنسبة إلى أفكارهم التي توارثوها عن أجدادهم لم يكن سوى رسول ممتاز يأتي من عند الله)

 وسأضيف إلى هذه الأقوال شيئا لم أقصد به إيذاءك.. فإن آذاك فاغفر لي.

قلت: وما ذاك؟

قال: لقد كنت قسا محترما ذا جاه عريض، وقد أرسلت إلى التبشير في بعض البلاد.. وكان لي من الدنيا ما يحسدني عليه الأغنياء والكبراء.. لكني بعت ذلك كله، وآثرت الله، واكتفيت بما تراه من بسيط الرزق.

قلت: فكيف تغير حالك؟

قال: هذا شيء ستكتشفه في المستقبل.. ولعلك ترى كيف ينتقل المرتدون من المسيحية من رجال الدين من الحياة الهنية الرغدة إلى شظف العيش.. فكل ما وهب لهم في ظل الكنيسة يسلب منهم.. ولا يبقى لهم شيء.. نعم.. الكنيسة معذورة في ذلك.. ولكن اعلم أن هذا من أعظم الحجب التي تحول بين الكثير من رجال الدين واعتناق الإسلام مع أنهم يعرفون محمدا أكثر مما يعرفون أبناءهم، كما قال تعالى:﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (البقرة:146).. واعتبرهم في آية أخرى من الذين خسروا أنفسهم، فقال :﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (الأنعام:20)

التفت إلي، فرآني لا أزال على صمتي، فقال: فلنعد إلى البشارة.. لقد ذكرنا النصوص الكثيرة المخبرة عن عدم تحقق النبوءة في المسيح، وهي ربما تكفي الكثير، ولكنها قد تتطلب تعليلات معينة تزيد في عمقها.

ولا يمكن إجراء التعليلات إلا بعد معرفة الواقع الذي جاء فيه المسيح.. فأجبني.. هل كان اليهود في عهد المسيح أمة لها قوتها وعزتها، أم كانت مجرد مستعمرة يستضعفها غيرها؟

قلت: لقد كانوا مستضعفين.

قال: بل طال استضعافهم، فمنذ عام 63 ق. م وقعت القدس وفلسطين بيد الرومان الوثنيين، ليبدأ الاضطهاد الذي عانى منه بنو إسرائيل.

وفي ذلك الحين حنت قلوبهم ـ كما تحن جميع قلوب المستضعفين ـ إلى مخلص يرد إليهم الملك الضائع والسؤدد الذي ضاع منهم.

وفي ذلك الحين بدأوا يرددون ما ورد في بشارات الأنبياء من أخبار النبي الموعود الذي تستسلم له الشعوب.. لقد كانوا ينتظرون تحقق بشارة يعقوب وموسى وداود وغيرهم من الأنبياء بالقادم المنتظر.

التفت إلي، وقال: هل ما أقوله صحيح.. أم أنك تراه مجرد رجم بالغيب؟

قلت: بل هو صحيح..

قال: ولا تملك إلا أن تقول ذلك.. فالكتاب المقدس يدل على هذا، ومن أمثلة الذين كانوا يترقبون الملك المظفر المنتظر سمعان، الذي وصفه لوقا، فقال: (كان رجل في أورشليم اسمه سمعان، وهذا الرجل كان باراً تقياً ينتظر تعزية إسرائيل، والروح القدس كان عليه)(لوقا 2/25)، فسمعان هذا أحد منتظري الخلاص.

ومنهم نثنائيل الذي صارح المسيح بشعوره وظنه، كما في يوحنا: (أجاب نثنائيل وقال له: يا معلّم أنت ابن الله؟ أنت ملك إسرائيل؟ أجاب يسوع، وقال له: هل آمنت لأني قلت لك..)(يوحنا 1/49-50)

والمرأة السامرية لما رأته أعاجيبه أخبرته عن هذا النبي الموعود، فقالت: (أنا أعلم أن مسيّا ـ الذي يقال له المسيح ـ يأتي، فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء) (يوحنا 4/25-30)

وأندرواس قال لأخيه سمعان مبشراً: (قد وجدنا مسِيّا، الذي تفسيره المسيح) (يوحنا 1/41)

ولما شاع هذا الخبر في بني إسرائيل خشي رؤساء الكهنة من بطش الرومان إن عرفوا أن الموعود المنتظر العظيم المظفر قد ظهر في شخص المسيح، فسارعوا إلى الإيقاع به، متهمين إياه بإفساد الأمة وادعاء أنه المخلص المنتظر، كما في يوحنا:(فجمع رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعاً، وقالوا: ماذا نصنع، فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة، إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به، فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمّتنا؟ فقال لهم واحد منهم، وهو قيافا، كان رئيساً للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئاً، ولا تفكرون، إنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب، ولا تهلك الأمة كلها) (يوحنا 11/47-50)

وقد ورد في لوقا: (فقالوا لبيلاطس: إننا وجدنا هذا يفسد الأمة، ويمنع أن تعطى جزية لقيصر قائلاً: إنه هو مسيح ملك، فسأله بيلاطس قائلاً: أنت ملك اليهود؟ فأجابه وقال: أنت تقول، فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة والجموع: إني لا أجد علّة في هذا الإنسان)(لوقا 23/2-4)، فقد ثبت لبيلاطس براءته مما اتهموه، إذ هو لم يدع أنه ملك اليهود المنتظر.

بل إن هذا الشعور بالحاجة إلى النبي المحرر لم يكن خاصا بالمسيح.. بل سبق أن ظن شعب إسرائيل المتلهف لظهور النبي العظيم المظفر أن يوحنا المعمدان هو المسيح المنتظر، كما في لوقا: (إذ كان الشعب ينتظر، والجميع يفكرون في قلوبهم عن يوحنا، لعله المسيح)(لوقا 3/15)

ولهذا فإن الجموع المتربصة للخلاص لما رأت المسيح قالوا فيه ما قالوه من قبل عن يوحنا المعمدان (قالوا للمرأة: إننا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن، لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلّص العالم)(يوحنا 4/42)

التفت إلي، فرآني غارقا فيما أسمع، فطرق بمطرقته قليلا، ثم قال بعد أن تنفس الصعداء: كان هذا هو الشعور العام.. فرحة بالمخلص.. ولهفة للخلاص.. فلهذا راحوا يؤولون جميع بشارات الأنبياء لتنطبق عليه، ولو من باب التكلف.

حاول أن تضع نفسك بدلهم.. إن كل من يكون في تلك الحال قد يقع في نفس الشعور.. فمرارة الاستضعاف تجعلهم يتعلقون ولو بقشة.

لقد حصلت الصدمة للشعب المستضعف، ولأولئك المنتظرين المتلهفين، عندما سمعوا بصلب المسيح.

لقد حزنوا حزنا لم يمكنهم مقاومته لتخلف الخلاص المنشود في شخص المسيح، وقد ورد في الأسفار المقدسة ما يدل على هذا، فقد ذكرت أن المسيح بعد القيامة تعرض لتلميذين، وهو متنكر (فقال لهما: ما هذا الكلام الذي تتطارحان به، وأنتما ماشيان عابسين، فأجاب أحدهما ـ الذي اسمه كليوباس ـ وقال له: هل أنت متغرب وحدك في أورشليم، ولم تعلم الأمور التي حدثت فيها في هذه الأيام، فقال لهما: وما هي؟ فقالا: المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب، كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت، وصلبوه، ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل، ولكن مع هذا كله اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك) (لوقا 24/17-21)

وزادت الحسرة عندما سأل التلاميذ المسيح بعد القيامة، فقالوا:(يا رب هل في هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل؟ فقال لهم: ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه)(أعمال 1/6-7)، أي أن هذا ليس هو وقت الملك المنتظر، وهو يدل على أن الخلاص الذي كان يتنظره الإسرائيليون والذي وعدت به الأنبياء ليس كما تفهمون، لأنه لو كان كذلك، لقال لهم: لقد تحقق الخلاص بصلبي، وقد طهرتم من خطاياكم.

إن هذا النص يثبت انتظار بني إسرائيل للخلاص، ويثبت أن هذا الخلاص لم يتحقق كما أرادوا.

قلت: لقد تحقق الخلاص على يد المسيح.. لقد طهرنا بصلبه من الخطيئة.

قال: ذلك موضوع آخر.. أو قل تلك حيلة أوهمكم بها بولس ومن نحا نحوه.. لقد تلاعبوا بالنصوص الواضحة الصريحة ليربطوكم بأوهام كثيرة لا حقيقة لها.

أردت أن أتكلم، فقال: لا بأس.. لن نتناقش في هذا الآن.. أو لن أتناقش معك في هذه المسألة أبدا.. ولكن سأدع ذلك لإخلاصك.. فلو صدقت، فإن الله سيدلك على من يرفع هذه الغشاوة عن عينيك.

قلت: لقد حاولت بكل الطرق أن تبرهن لي أن المسيح لم يدع أنه الملك المنتظر، وأن كل الدلائل لا تدل عليه.. فهل ادعى محمد أنه هو المنتظر، وهل كانت الدلائل بجانبه؟

قال: أجل.. لقد صرحت النصوص الكثيرة بأنه هو النبي الموعود المنتظر، واسمح لي أن أرتل لك بعض كلام ربي الذي يدل على ذلك.

لقد أخبر الله تعالى أنه أخذ المواثيق على الأنبياء ليؤمن به، قال تعالى:﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (آل عمران:81)

وقد قال رجل من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم يفسر هذه الآية، وهو علي: (ما بعث الله نبياً آدم فمن دونه إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وليتبعنه)

بل إن القرآن الكريم ذكر ما في كتبهم من الصفات التي لا تنطبق إلا عليه، قال تعالى:﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (لأعراف:157)

وأخبر عن بعض ما ورد عنه من نبوءات في التوراة والإنجيل، فقال :﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً(الفتح:29)

نعم.. لم يذكر القرآن الكريم كل ما ورد عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم من نبوءات في هذه الكتب تاركا ذلك للبحث والاجتهاد، ولكنه أخبر أن هذه النبوءات من الوضوح والدقة ما تجعل العالم، بل الدارس للكتب يضطر للتسليم اضطرارا، قال تعالى:﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (البقرة:121)

كانت له قراءة مميزة للقرآن الكريم تجعل الجسد ينهد ويرتعش ارتعاشة لذيذة لا يمكن وصفها.

البشارة الثانية:

سكت عن القراءة، وقال: أتدري ما الذي صرف اليهود، وصرف قومك الذين سلموا لليهود عن تطبيق هذه البشارات على محمد؟

سكت، فقال: إنهم يتصورون الله كما يتصورون هتلر، أو كما يتصورون كل عنصري.

انتفضت غاضبا، وقلت: ما الذي تقول؟.. لقد كنت مؤدبا في حوارك، فكيف تحولت إلى السخرية والاستهزاء.

قال: أنا لا أسخر ولا أستهزئ.. ولكني أنبهك، والتنبيه قد يحمل ألما.. ولكن الأمل لا يتحقق ـ أحيانا كثيرة ـ إلا ببعض الألم.

قلت: فما تقصد؟

قال: لقد تصور الإسرائيليون، وأنتم تبعا لهم أن النبوة حكر على بني إسرائيل.. وأن الله لن يخرج أطباء يداوون العالم، ولا شموسا تضيء ظلماته إلا من ذلك الشعب.

إن النبوة ـ يا أخي ـ أعظم من أن يحتكرها أي شعب من الشعوب.. وإن الله أرحم من أن يخص شعبا بمئات الأنبياء، ويترك سائر الأمم تعيش في الجهالة.

طرق بمطرقته، ثم قال: لقد كان هذا من أكبر ما دعاني إلى الإسلام، فالقرآن يحمل احتراما كبيرا لكل شعوب العالم، بل يخبر أن كل هذه الشعوب كان فيها صالحون وأنبياء، لا كما تعتقدون من انحصار فضل الله في بيت إسرائيل.

لقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:﴿ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ (فاطر: 24).. فكل الأمم نالتها رحمة الله وفضله.. فلا تحجروا على الله فضله، ولا تضيقوا ما وسع الله من رحمته.

التفت إلي، وقال: لعلك تحسب أننا ابتعدنا عن بشارة داود..

صمت، فقال: لا.. لم نبتعد.. هناك بشارة أخرى تشير إلى هذا.. وكأنها تصحح الأخطاء التي وقعت فيما فصلنا فيه من بشارة.. وستكون خاتمة جلوسي معك هذه البشارة.. ولن يشتد عليك تفسيرها وتطبيقها..

لقد قال داود في بشارته الثانية: (الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا) (المزمور 118/22 ـ 23)

ولأعينك على فهمها وتطبيقها، أجبني: هل ورد في الكتاب المقدس ما يدل على أن الأمر سينتقل عنهم.

قلت: لقد ورد من ذلك الكثير.

قال: سأرتل لك من ذلك قول إشعيا على لسان الوحي: (أصغيتُ إلى الذين لم يسألوا، وُجِدت من الذين لم يطلبوني، قلت: ها أنذا ها أنذا لأمةٍ لم تسمَّ باسمي.. بسطت يدي طول النهار إلى شعب متمرد سائر في طريق غير صالح وراء أفكاره، شعب يغيظني بوجهي دائماً) (إشعيا 65/1 - 3)

فهذا النص يذكر انتقال النبوة والأمر عن الأمة القاسية العاصية إلى أمة لم تطلب الله قبل، ولم تسم باسم الله.. وهي الأمة الأمية التي لم ينزل عليها أي كتاب.

بل إن حزقيال يؤكد رفع الملك والشريعة من بني إسرائيل ودفعه لأمة مهملة، فيقول:(إني أنا الرب وضعت الشجرة الرفيعة، ورفعت الشجرة الوضيعة، وأيبست الشجرة الخضراء، وأفرخت الشجرة اليابسة، أنا الرب تكلمت وفعلت)(حزقيال 17/32)

وهو يقول: (أنت أيها النجس الشرير رئيس إسرائيل الذي قد جاء يومه في زمان إثم النهاية، هكذا قال السيد الرب: انزعِ العمامة وارفعِ التاج، هذه لا تلك، ارفعِ الوضيع، وضعِ الرفيع، منقلباً، منقلباً، منقلباً أجعله، هذا لا يكون حتى يأتي الذي له الحكم، فأعطيه إياه)(حزقيال 21/25 ـ 27)

وقد استمر الأمر بأنبياء إسرائيل يحذرون من زوال نعمة النبوة التي نعم بها بنو إسرائيل حتى جاء يوحنا المعمدان الذي  قال محذرا بني إسرائيل من الغضب الآتي الذي سيسلطه الله عليهم: (والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجر، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار، أنا أعمدكم بماء التوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار)(متى 3/10-11)

لقد كان المسيح هو الفرصة الأخيرة لبني إسرائيل ليثبتوا أهليتهم للاصطفاء لكنهم ضيعوها، فقد وضع الفأس على أصل الشجرة، فلما كفروا به وحاولوا قتله قطعت الشجرة الخضراء ويبست ودفعت للنار، نار الغضب الإلهي والضلال، وأزهرت شجرة أخرى كانت يابسة.

لقد أيبس الله شجرة بني إسرائيل وأحرقها، وأفرخ شجرة أخرى كانت يابسة لم تظهر فيها النبوات من لدن إسماعيل.

طرق بمطرقته بعض الطرقات، ثم قال: ليس داود وحده هو الذي نطق بهذه البشارة.. لقد ضرب المسيح للتلاميذ مثل الكرامين، ثم قال: (الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينـزع منكم، ويعطى لأمة تعمل أثماره) (متى 21/42 – 43)

إن المسيح يصرح بمن يستحق هذه البشارة.. وقد قال لتلاميذه بعد أن قص عليهم مثلاً من أمثال الملكوت، وهو مثل الزرع:(فانظروا كيف تسمعون، لأن من له سيعطى، ومن ليس له فالذي يظنه له يؤخذ منه)(لوقا 8/18)

قلت: ولكن من أدراك أن هذه النبوة ترتبط بمحمد وبقوم محمد.. أليس من الممكن أن يتحقق ذلك في أمة أخرى أكثر حضارة، وأعرق مدنية؟

قال: لقد صرح الكتاب المقدس بصفات الأمة البديلة التي ستخلف بني إسرائيل، كما جاء في التثنية: (فرأى الرب ورذل من الغيظ بنيه وبناته، وقال: أحجب وجهي عنهم وانظر ماذا تكون آخرتهم، إنهم جيل متقلب، أولاد لا أمانة فيهم، هم أغاروني بما ليس إلهاً، أغاظوني بأباطيلهم، فأنا أغيرهم بما ليس شعباً، بأمة غبية أغيظهم)(التثنية 32/19-21)

فالأمة المصطفاة، هي الأمة التي كانت مرذولة، وكانت جاهلة أو غبية محتقرة.. ولا يصدق ذلك إلا على العرب، بل قد صرح القرآن الكريم بهذا، فقال تعالى:﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ (الفتح: 29 (الفتح: 29)

وصرح بذلك أعظم تصريح، فقال :﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (الجمعة:2)

قال ذلك، ثم انصرف إلى مطرقته يطرقها، وعيناه تمتلئان بالدموع..

البشارة الثالثة:

رآني صامتا، فقال: سأقول لك شيئا لم أكتشفه إلا هذا الصباح.. لقد كنت أقرأ الكتاب المقدس في هذا الموضع.

أعطاني الكتاب المقدس، وهو مفتوح في محل معين، ثم قال: خذ، واقرأ.. فسترى محمدا في هذا النص.

أخذت أقرأ ما طلب مني: (فاض قلبي بكلام صالح، متكلم أنا بإنشائي للملك، لساني قلم كاتب ماهر: أنت أبرع جمالاً من بني البشر انسكبت النعمة على شفتيك لذلك باركك الله إلى الأبد. تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار جلالك وبهاءك، وبجلالك اقتحم. اركب من أجل الحق والدعة والبر، فتريك يمينك مخاوف، نُبُلُك المسنونة في قلب أعداء الملك، شعوبٌ تحتك يسقطون. كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الإثم. من أجل ذلك مسحك إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك... بنات ملوك بين حظياتك جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير. اسمعي يا بنت وانظري وأميلي أذنك انسي شعبك وبيت أبيك، فيشتهي الملك حسنك، لأنه هو سيدك فاسجدي له.. عوضاً عن آبائك يكون بنوك، تقيمهم رؤساء في كل الأرض أذكر اسمك في كل دور فدور. من أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والأبد)(المزمور 45/1 – 17)

ما وصلت إلى هذا الموضع حتى أمرني بإغلاق الكتاب، وقال: هل رأيت البشارة بمحمد في هذا المزمور؟

قلت: لا.. ما رأيت شيئا.. وإن كان يمكن أن أرى شيئا، فلا يمكن أن أرى غير المسيح.

قال: أنتم تتصورون محمدا والمسيح يتزاحمان.. لا.. هذا خطأ.. محمد والمسيح أخوان نبيان كريمان.. وكون البشارة ترتبط بأحدهما لا تعني أي إضعاف لقدر الآخر.. لأن هدف البشارات هو الحض على اتباع المبشر به.

ومع ذلك.. فلنتصور أنه المسيح.. إن البشارة لا يمكن أن تنطبق عليه، لقد ورد فيها (شعوبٌ تحتك يسقطون).. فأي شعوب سقطت تحت المسيح، وأنتم الذين قلتم عنه إنه (كشاة سيق إلى الذبح لم يفتح فاه)

لقد ورد فيها (أنت أبرع جمالاً من بني البشر)، وأنتم تقولون عن المسيح (لا صورة له ولا جمال، فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه)(إشعيا 52:2)

قلت: فكيف رأيت هذه البشارة تنطبق على محمد؟

قال: لقد تزوج محمد امرأة من اليهود اسمها صفية بنت حيى بن أخطب وهي من بني اسرائيل، وقد مات أبوها وشعبها كفارا بعد أن خانوا محمدا.

قلت: وما علاقة ذلك بهذه النبوءة؟

قال: لقد رأيت داود في هذا النص، وهو يوصي صفية بمحمد، فهو يأمرها بأن تنسى شعبها (بنى إسرائيل) وبيت أبيها، وأن تخضع لزوجها.

وقد حصل ذلك.. فقد نسيت السيدة صفية شعبها وبيت أبيها، وأصبحت أما للمؤمنين، وقد قال لها محمد صلى الله عليه وآله وسلم:(قولي لعائشة: (بل من أعلى مني نسبا.. أبي موسى، وعمي هارون، وزوجي محمد)([29])

***

طرق بمطرقته قليلا، ثم قال: أنتم تقولون بأن المسيح من نسل داود.. وتقولون بأن بشارات داود لا تنطبق إلا على المسيح؟

قلت: أجل..

قال: ولكنكم تحملون صورة مشوهة عن داود.. صورة لا يمكن لأحد أن يرضاها لنفسه، ولا لمن يحب.

سأفتح لك الكتاب المقدس لتقرأ لي بعض ما تذكرونه عن داود.. بل وتتعبدون بتلاوته.

فتح الكتاب المقدس، وأعطاني لأقرأه عليه.. قرأت: (وكان في وقت المساء ان داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحمّ وكانت المرأة جميلة المنظر جدا فأرسل داود وسأل عن المرأة فقال واحد أليست هذه بثشبع بنت اليعام امرأة اوريا الحثّي فأرسل داود رسلا وأخذها فدخلت اليه فاضطجع معها وهي مطهّرة من طمثها.ثم رجعت إلى بيتها وحبلت المرأة فأرسلت وأخبرت داود وقالت اني حبلى فأرسل داود إلى يوآب يقول ارسل اليّ اوريا الحثي.فأرسل يوآب اوريا إلى داود فأتى اوريا اليه فسأل داود عن سلامة يوآب وسلامة الشعب ونجاح الحرب وقال داود لاوريا انزل إلى بيتك واغسل رجليك فخرج اوريا من بيت الملك وخرجت وراءه حصة من عند الملك) (صموئيل الثاني 11 /2)

سكت، فقال: واصل القراءة..

واصلت، وقرأت: (فقال اوريا لداود ان التابوت واسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيدي يوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء وانا آتي الى بيتي لآكل واشرب واضطجع مع امرأتي وحياتك وحياة نفسك لا افعل هذا الامر)(صموئيل الثاني 11 /11)

قال: واصل..

واصلت: (ودعاه داود فأكل امامه وشرب وأسكره.وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده والى بيته لم ينزل وفي الصباح كتب داود مكتوبا إلى يوآب وأرسله بيد اوريا وكتب في المكتوب يقول: اجعلوا اوريا في وجه الحرب الشديدة وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت وكان في محاصرة يوآب المدينة انه جعل اوريا في الموضع الذي علم ان رجال البأس فيه فخرج رجال المدينة وحاربوا يوآب فسقط بعض الشعب من عبيد داود ومات اوريا الحثّي أيضا)(صموئيل الثاني 11 /13)

قال: اقرأ خطاب الله لداود بعد هذا..

قرأت: (لماذا احتقرت كلام الرب لتعمل الشر في عينيه.قد قتلت اوريا الحثّي بالسيف وأخذت امرأته لك امرأة واياه قتلت بسيف بني عمون والآن لا يفارق السيف بيتك إلى الابد لأنك احتقرتني وأخذت امرأة اوريا الحثّي لتكون لك امرأة هكذا قال الرب هاأنذا اقيم عليك الشر من بيتك وآخذ نساءك امام عينيك وأعطيهن لقريبك فيضطجع مع نسائك في عين هذه الشمس) (صموئيل الثاني 12 /9)

قال: حسبك.. ألا ترى أنكم تحملون صورة مشوهة عن داود..

لقد رجعت إلى كتاب المسلمين المقدس.. الكتاب الذي تحتقرونه.. بل تزعمون أنه لم يأت بجديد.. فرأيت داود فيه شخصا آخر.. مختلف تماما عن داود الذي ترسمونه في صفحات الكتاب المقدس..

إن داود في القرآن الكريم رجل أواب رقيق القلب عظيم الإيمان.. وسأقرأ لك من القرآن الكريم ما يترك لعقلك حرية المقارنة بين هذا النبي كما سجله أنبياؤكم وكتابكم، وكما هو في كتاب ربنا.

فتح القرآن الكريم على موضع محدد، وراح يقرأ بخشوع تهتز له الجبال قوله تعالى:﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة: 251)

ثم قال: هذا أول موضع في المصحف ذكر فيه داوود.. وقد ذكر معه هذا الوصف الطيب الملك والحكمة والعلم.. وفوق ذلك الثبات.. فلم يثبت مع طالوت إلا القليل.

فتح موضعا آخر، وراح يقرأ :﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً (الاسراء:55) انظر كيف ذكر الله داود عند ذكر ما فضل الله به أنبياءه.

فتح موضعا آخر، وراح يقرأ :﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (الأنبياء:78 ـ 80)

انظر الفضل العظيم الذي وهبه الله لداود وابنه سليمان.

فتح موضعا آخر، وراح يقرأ :﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (النمل:15) انظر الشكر الذي امتلأ به قلب داود وابنه.

فتح موضعا آخر، وراح يقرأ :﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (سبأ:11)

انظر عناية الله بعبده وتعلميه له.

فتح موضعا آخر، وراح يقرأ :﴿ اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ   (ص: 18 ـ 26)

انظر الإنابة والرجوع إلى الله.

كنت أعرف ما ذكر المفسرون في هذه الآيات، فقلت: إن القرآن يصرح بما في كتبنا.. ألم ترجع إلى كتب المفسرين؟

قال: لا.. كتب المفسرين ليست قرآنا.. كما أن شروح الكتاب المقدس ليست كتبا مقدسة.. ثم إن الأساطير التي سربها قومنا إلى كتب المسلمين هي التي ملأتها بذلك اللغو.. أما القرآن الكريم فهو لا يذكر إلا الكمال والجمال والطهارة.

فتلك الآيات الكريمة لم تذكر أي موقف مشين لداود، بل نرى السياق يشير إلى هذه الحادثة باعتبارها موضع قدوة، ومن دلائل تكريم الله لداود.

فالآيات التي نصت على القصة سبقت بقوله تعالى:﴿  اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ

وهي آيات تدعو إلى ذكر داود، وما من الله به عليه من ألطافه، وهي ألطاف لا يستحقها إلا الطاهرون المخلصون لا من ينسب إليهم ما ذكره المفسرون، وكأنه تفسير لمجمل القرآن الكريم، أو هو بالأحرى تحريف لما ورد في القرآن الكريم. 

ثم نجد آيات القصة تختم بقوله تعالى :﴿  يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ، وهو ما يدل على أن القصة لا تعدو حكما من الأحكام التي قد يكون داود أخطأ فيها، وهو خطأ من جنس أخطاء الصديقين (وحسنات الأبرار سيئات المقربين)

 ولذلك فإن تفسيرها الصحيح هو قراءتها، وهي تدل على أن داود النبي الملك، الذي كان إذا دخل المحراب للعبادة والخلوة لم يدخل إليه أحد حتى يخرج هو إلى الناس يفاجأ بشخصين يتسوران المحراب المغلق عليه، فيصيبه الفزع منهم، فيبادرانه بقولهما: (لا تخف،  خصمان بغى بعضنا على بعض)

وبدأ أحدهما فعرض شكواه التي عبر عنها بقوله: (إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، فقال: اجعلها لي وفي ملكي وكفالتي وشدد علي في القول وأغلظ)

وبمجرد سماع داود لهذه الشكوى المؤثرة من الذي يبدوا مظلوما مستضعفا، اندفع للحكم قبل سماع الخصم، فقال: (لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيراً من الأقوياء المخالطين بعضهم بعضا يبغي بعضهم على بعض. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) 

وبعد انتهاء داود من عرض الحكم، انتبه إلى خطئه في عدم سماع الخصم الثاني، وعلم أن ما حصل له فتنة([30]) ينبغي عليه تدارك خطئه فيها بالاستغفار.

وهذه القصة بهذا العرض القرآني المبسط تشبه ما حصل لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم من العتاب الإلهي له في شأن عبد الله بن أم مكتوم، أو العتاب الإلهي في شأن الأسرى وغيرهم، وهي مواقف تدل على كمال الرسل أكثر من دلالتها على نقصهم.

طرق بمطرقته عدة طرقات، ثم قال: أتدري لم رمى اليهود نبي الله داود بهذا.. القرآن الكريم يوضح ذلك.. لقد ورد فيه :﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (المائدة: 78 ـ 79) لقد انتقم اليهود من داود شر انتقام.. ثم تبعتموهم أنتم.. فرحتم تنتقمون من غير أن تعرفوا لم تنتقمون.

صمت داود، ثم راح يطرق بمطرقته بقوة.. وكأنه يضرب أعناق الذين شوهوا داود، وصورة داود..

تركته في تلك الحال.. وانصرفت بحيرة جديدة.. وببصيص من النور اهتديت به بعد ذلك إلى أشعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

بشارة سليمان

في اليوم الخامس خرجت طالبا النزهة والاستجمام، فقصدت حديقة تضم أصنافا من الطيور والحيوانات.. فأهل القرية ـ كما لاحظت من خلال سلوكهم ـ محبون للحيوانات محترمون لها.

في الحديقة لفت انتباهي رجل في منتهى الهيبة والوقار، بل يظهر من خلال أمور كثيرة أن له رئاسة ما يمارسها، ولكنه مع ذلك يتجول على حيوانات الحديقة، ويتفقدها واحدا واحدا، وكأنها رعية من رعيته، يحرص عليها، ويعتني بها.

ومما زاد عجبي من الرجل، ومن الحديقة، ومن أهل القرية أنهم جعلوا جناحا خاصا بالنمل.. وهذا ما لم أره في أي حديقة من حدائق الدنيا.

رأيت الرجل يسير نحو هذا الجناج، وهو يحمل معه ألوانا من الطعام، تتبعته، فإذا به يلقي السلام على النمل، ثم يرمي الطعام إليهن.

احترت في سلوكه، وفي شخصه، وفي حقيقته.. وقد كانت هذه حبالا كثيرة دعتني إلى التعرف عليه.

اقتربت منه، وسلمت عليه، وسألته: أراك تحن على النمل.

قال: أجل.. أنا سليمان.. جعل الله سليمان بابي إلى الهداية.. فأنا أسير على قدمه.

قلت: أي سليمان ذلك الذي كان بابك؟.. وكيف تسير على قدمه؟

قال: ألا تعرف سليمان النبي؟

قلت: بلى.. ومن لا يعرف سليمان؟

قال: فما تعرف عنه؟

قلت: أعرف عنه أشياء كثيرة لا حاجة لذكرها هنا.

قال: لا.. أنت تفر بقولك هذا.. أنت تحمل صورة خاطئة عن سليمان النبي، فلذلك تستحيي من ذكرها.

قلت: لست أدري لم تحرص على الحديث عن سليمان.. وماذا يفيدك الحديث عنه.

قال: لا تقل هذا.. لقد رزقني الله محبة عظيمة لسليمان.. فلذلك ترى حياتي كلها تسير على نهجه.

قلت: لم أفهم..

قال: لقد كان سليمان نبيا ملكا.. وأنا بحمد الله عمدة هذه القرية.. وقد كان سليمان يتفقد رعيته ويحرص عليها، وها أنت تراني أتفقد رعيتي، وأحرص عليها، وأقدم الطعام لها.

ضحكت، وقلت: أأنت عمدة قرية النمل.. أم عمدة قرية البشر؟

قال: أنا عمدة القرية جميعا ببشرها ونملها وكل طيورها وحيواناتها.. وهذا اليوم مخصص لتفقد الحيوانات والاهتمام بها، أليسوا إخوانا لنا ائتمننا الله عليهم؟

قلت: وما علاقة ذلك بسليمان؟

قال: لقد آتى الله سليمان النبي حبا عظيما وتواضعا عظيما أمام كل الحيوانات.. ألم تسمع قصته مع النمل؟

قلت: وهل له قصة مع النمل؟

قال: أجل.. لقد قصها الله علينا، فقال :﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (النمل:18 ـ 19)

ألا ترى كيف امتلأ سليمان بالتواضع لهذه النملة.

قلت: ولكني لم أر سليمان يتفقد النمل كما تتفقده.

قال: لقد أشار القرآن الكريم إلى تفقده لرعيته من الحيوانات، فقال :﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (النمل:20)، فقد شعر سليمان بغيبة الهدهد، فراح يبحث عنه.

قلت: والنمل!؟

قال: القرآن الكريم يذكر الحقائق المجملة، ويدع التفصيل للعقول.. أم أنك تريد أن تجعل من الرسالة الخاتمة قصة لسليمان وحيوانات سليمان؟

حركت رأسي بالموافقة، وقلت: أجل.. صحيح هذا.. إن حياة سليمان تستدعي أسفارا ضخمة.

قال: هذا هو سليمان في قرآننا ملك رحيم أواب امتلأ بالإيمان والرحمة، فوهبه الله من الفضل العظيم ما جعله قمة من قمم الهداية وشمسا من شموسها.. قال الله عنه :﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (النمل:16)، وقال عنه :﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (صّ:30)، وقال عنه :﴿ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (النمل:36)

كان يقرأ خاشعا بصوت جميل، فقلت: لقد ذكرتني قراءتك برجل التقيت به أمس.. كان حدادا، وكان صاحب صوت جميل، وكان ذا علم بالكتاب.

ابتسم، وقال: هل التقيته؟

قلت: ما به؟.. أو من يكون الرجل؟

قال: ذلك والدي.. إنه نشيط جدا.. إنه لا يمضي دقيقة من حياته في غير العمل الصالح.. حتى إنه لا يطرق بمطرقته طرقة إلا صحبها بذكر الله وترتيل آياته.

قلت: فأنت ولد عاق إذن؟

قال: معاذ الله.. كيف يكون سليمان عاقا لداود؟

قلت: فأنت عمدة البلدة كما تذكر، فكيف تترك أباك يمارس الحدادة؟

قال: هو يحب أن يأكل من عمل يده.. هو يحب داود.. وقد كان داود يعمل بيبده مع أنه كان ملكا.. إن العمل باليد شرف للمؤمن لا إهانة له.

ومع ذلك.. فقد سبقني إلى حكم هذه القرية.. بل سلم حكمها لي برضا أهل القرية زاعما أن لدي من القدرات التنظيمية ما ليس له.

صمت، فقال: وماذا تحمل أنت عن سليمان؟

لم أدر ما أقول، فقال:أنت تحمل صورة مشوهة عن سليمان.. وأنت معذور في ذلك.. فالكتاب المقدس الذي شوه بتحريف صورة النبيين هو الذي حملك على ذلك.

قلت: كف عن هذا.. أتسخر من كتابي؟

قال: معاذ الله أن أسخر من شيء.. ولكن أجبني: ألست وقومك تعتقدون أن سليمان ارتد في آخر عمره.. وهو الوقت الذي تتوجه فيه القلوب إلى الله.. مع أن جزاء المرتد في الشريعة الموسوية هو الرجم حتى لو كان المرتد نبيا ذا معجزات كما مصرح بذلك الباب الثالث عشر، والسابع عشر من سفر الاستثناء، بل لا يعلم من موضع من مواضع التوراة، أنه يقبل توبة المرتد، ولو كان توبة المرتد مقبولة، لما أمر موسى بقتل عبدة العجل، حتى قتل ثلاثة وعشرين ألف رجل على خطأ عبادته.

قلت: صدقت في هذا..

قال: ليس ذلك فقط.. بل أنتم تعتقدون أنه بنى المعابد العالية للأصنام في الجبل قدام أورشليم، وهذه المعابد كانت باقية مئتي سنة حتى نجسها، وكسر الأصنام يوسنا بن آمون ملك يهوذا في عهده، بعد موت سليمان بأزيد من ثلثمائة وثلاثين سنة.. لا يمكنك أن تخالفني في ذلك، فقد جاء ذلك صريحا في الباب الثالث والعشرين من سفر الملوك الثاني.

قلت: صدقت في هذا..

قال: ليس ذلك فقط.. بل أنتم تعتقدو أنه تزوج نساء من سائر الشعوب، التي منع الله من الزواج منهن، كما في الباب السابع من الاستثناء: (ولا تجعل معهم زيجة فلا تعط ابنتك لابنه، ولا تتخذ ابنته لابنك)

قلت: صدقت في هذا..

قال: ليس ذلك فقط.. بل انتم تعتقدون أنه تزوج ألف امرأة، وقد كانت كثرة الأزواج محرمة على من يكون سلطان بني إسرائيل في الآية السابعة عشر من الباب السابع عشر من سفر الاستثناء: (ولا تكثر نساؤه لئلا يخدعن نفسه)

قلت: صدقت في هذا..

قال: ليس ذلك فقط.. بل أنتم تعتقدون أن نساءه كن يبخرن ويذبحن للأوثان، مع أنه ورد في الباب الثاني والعشرين من سفر الخروج: (من يذبح للأوثان فليقتل)، فكان قتلهن واجباً.

بل أنتم تعتقدون أن هؤلاء النسوة أغوين قلبه، فكان رجمهن واجباً على ما هو مصرح به في الباب الثالث عشر من سفر الاستثناء، وهو ما أجرى عليهم الحدود إلى آخر حياته.

قلت: صدقت في كل هذا.. ولكن الله تواب رحيم.

قال: كل هذه كبائر لابد لها من توبة.. فهل ثبتت توبة سليمان في كتبكم؟

صمت، فقال: لقد قرأت الكتاب المقدس مرات لا تحصى.. ولم أظفر بشيء.. بل لو تاب لهدم المعابد التي بناها، وكسر الأصنام التي وضعها في تلك المعابد، ورجم تلك النساء المغويات.. على أن توبته ما كانت نافعة لأن حكم المرتد في التوراة ليس إلا الرجم.

صمت، فقال: أتفرس فيك أنك رجل دين.

قلت: لا حاجة للتفرس، فثيابي تدل علي، وتنم عني.

قال: أخرج كتابا مقدسا من جيبه، وقال: اقرأ ما ورد في الباب الحادي عشر من سفر الملوك الأول.

فتحت الكتاب، فقرأت: (وكان سليمان الملك قد أحب نساء كثيرة غريبة، وابنة فرعون، ونساء من بنات الموابيين، ومن بنات عمون، ومن بنات أدوم، ومن بنات الصيدانيين، ومن بنات الحيثانيين من الشعوب الذين قال الرب لبني إسرائيل لا تدخلوا إليهم، ولا يدخلوا إليكم لئلا يميلوا قلوبكم إلى آلهتكم، وهؤلاء التصق بهم سليمان بحب شديد وصار له سبعمائة امرأة حرة، وثلثمائة سرية، وأغوت نساءه قلبه فلما كان عند كبر سليمان أغوت نساءه إلى آلهة أخر، ولم يكن قلبه سليماً للّه ربه مثل قلب داود أبيه وتبع سليمان عستروت إله الصيدانيين وملكوم صنم بني عمون وارتكب سليمان القبح أمام الرب ولم يتم أن يتبع الرب مثل داود أبيه ثم نصب سليمان نصبة لكاموش صنم مواب في الجبل الذي قدام أورشليم، ولملكوم وثن بني عمون وكذلك صنع لجميع نسائه الغرباء، وهن يبخرن، ويذبحن لآلهتهن فغضب الرب على سليمان حيث مال قلبه عن الرب إله إسرائيل الذي ظهر له مرتين ونهاه عن هذا الكلام أن لا يتبع آلهة الغرباء، ولم يحفظ ما أمره به الرب فقال الرب لسليمان: إنك فعلت هذا الفعل، ولم تحفظ عهدي ووصاياي التي أمرتك بهن، أشق شقاً ملكك، وأصيره إلى عبدك(سفر الملوك الأول :11/ 1 ـ 11)

بعد أن أنهيت القراءة، قال: كل ما قرأته كذب وتخليط على نبي عظيم.. ولن تجد تبرئة لهذا النبي إلا في القرآن الكريم، فالله تعالى يقول عنه :﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا (البقرة: 102)، ويقول عنه :﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (صّ:34 ـ 35)

قرأ هذا، ثم جلس يتأمل النمل، ويرمي الطعام إليهن.

جلست لجلوسه، وقلت: لقد ذكرت لي أن سليمان هو بابك إلى الهداية.

قال: أجل.. لقد كنت على دينك.. لقد كنت مسيحيا، كما كان أبي..أما أبي، فقد استنار بشعاع داود ليصل إلى شمس محمد.. وأما أنا، فاستنرت بشعاع سليمان لأصل إلى تلك الشمس العظيمة التي استنارت بها الكائنات.

قلت: وبأي أشعة سليمان استنرت؟

قال: بأشعة كثيرة.. منها ما ورد في المزامير من قوله: (ويملك من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض، أمامه تجثو أهل البرية، وأعداؤه يلحسون التراب، ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة، ملوك شبا وسبإ يقدمون هدية، ويسجد له كل الملوك، كل الأمم تتعبد له، لأنه ينجي الفقير المستغيث والمسكين إذ لا معين له، يشفق على المسكين والبائس ويخلص أنفس الفقراء، من الظلم والخطف يفدي أنفسهم، ويكرم دمهم في عينيه، ويعيش ويعطيه من ذهب شبا، ويصلّي لأجله دائماً، اليوم كله يباركه، تكون حفنة بر في الأرض في رؤوس الجبال، تتمايل مثل لبنان ثمرتها ويزهرون من المدينة مثل عشب الأرض يكون اسمه إلى الدهر، قدام الشمس يمتد اسمه، ويتباركون به، كل أمم الأرض يطوّبونه، مبارك الرب الله إله إسرائيل الصانع العجائب وحده، ومبارك اسم مجده إلى الدهر ولتمتلئ الأرض كلها من مجده، آمين ثم آمين)(المزمور 72/8-19)

قلت: هذه النبوءة تتحدث عن المسيح..

قال: وما دليلك على ذلك.. لقد قال قرآننا :﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (البقرة: 111)

قلت: دليل واضح لا يمكن الشك في قوته.. لقد ورد في النبوءة: (ملوك يقدمون هدية له).. وهذا لا يصدق إلا على المسيح.

قال: لقد زعمتم أن الملوك صلبوه.. فكيف ترون أنهم قدموا له هدية، أم أن الصليب هو هديتهم له؟

قلت: إن هذه النبوءة تتحدث عن أولئك المجوس الذين قدموا هدية للمسيح بعد مولده.

قال: وهل كانوا ملوكا؟

صمت، فقال: أنتم تتعلقون بقشة.. إن هذه البشارة ينطق كل حرف منها بمحمد.. بل هي تكاد تصرح باسمه.

قلت: لا أرى اسمه في البشارة.

قال: وهل رأيت اسم المسيح حين حملت البشارة عليه؟

صمت، فقال: إن كنت تبحث عن الحقيقة.. فهلم نبحث عنها، ونقارن مدى انطباق كل عبارة من عبارات البشارة على محمد أو المسيح.

لقد كان لكلامه حلاوة تأسر القلوب، فلذلك لم أملك إلا أن أقبل العرض الذي عرضه علي.

العالمية:

قال: فلنبدأ بما ورد في البشارة من قوله:(ويملك من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض، أمامه تجثو أهل البرية).. ألا ترى أن هذه البشارة تتعلق بنبي صاحب رسالة عالمية؟

قلت: أجل.. وقد كان المسيح كذلك.. ألا ترى المسيحية تعم بقاع الأرض؟

قال: دعنا من الواقع.. ولنذهب إلى الكتاب المقدس ليخبرنا بالحقيقة..

قلت: أي حقيقة؟

قال: حقيقة المسيحية.. هل هي ديانة عالمية، أم هي ديانة مختصة بشعب إسرائيل؟

قلت: ما تقصد؟

قال: أنت تفهم قصدي.. أجبني: هل أرسل المسيح للناس كافة، أم أرسل لبني إسرائيل خاصة؟

لم أجد ما أقول، فقد كانت النصوص الكثيرة في الكتاب المقدس تؤيد الرجل فيما يذهب إليه، لكني قلت: المسيح هو شمس الحقيقة التي تضيء العالم أجمع..

قال: أنت تفر من الحقائق إلى الأشعار.. ولذلك سأنوب عنك في الإجابة.

لقد بحثت في الأناجيل التي هي المصدر الأول للتعرف على دعوة المسيح، فدلتني على أن دعوة المسيح قاصرة على شعب اليهود فقط، بل إن البشارة بمجيئة قبل مولده تشير إلى أن رعايته ستكون لشعب اليهود فقط.. أليس ذلك صحيحا، أم تراني وصلت إلى نتائج خاطئة؟

لم أجد ما أقول، فقال: لك الحق.. هذا كلام مجمل.. ولا ينبغي الاكتفاء بالمجمل.. أنت تبحث عن التفاصيل.

لقد بدأت بحثي بإنجيل متى، وكان أول ما رأيت فيه ما حكاه متى عن الله من قوله:(وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا، لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل)(متى:2 : 6)

أليس في قوله:(يرعى شعبي إسرائيل) إشارة واضحة على أن دعوة المسيح ستكون لشعب اليهود فقط؟

قلت: ليس بالضرورة.. فدخول شعب إسرائيل في دعوة المسيح لا يلغي دخول غيرهم.

قال: ولكن النصوص تخصص شعب إسرائيل فقط بدعوة المسيح.. وقد كان في إمكانها أن تقول: (يخلص الإنسان) أو (يخلص العالمين) لتشمل إسرائيل وغيرهم من الشعوب.

لا بأس.. لقد جاءت نصوص أخرى أكثر صراحة:

لما جاء الملاك إلي مريم العذراء، وبشرها بولادة يسوع أخبرها بأنه يكون على بيت يعقوب، كما في لوقا: (فقال لها الملاك : لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله، وها أنت ستحبلين أبناً وتسمينه يسوع.. ويعطيه الرب كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد)(لوقا 1 : 30)

ولما جاء الملاك الذي ظهر ليوسف النجار، قال له: (فَسَتَلِدُ ابْناً، وَأَنْتَ تُسَمِّيهِ يَسُوعَ، لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ)(إنجيل متى:1 : 21)

إن قول الملاك: (يخلص شعبه) دليل على أن دعوة المسيح خاصة ببني إسرائيل.

ولما اختار المسيح اثنى عشر تلميذاً ليكونوا تلاميذه ومساعديه في نشر دعوته كان اختياره لهم من بين اليهود أنفسهم، وأخبرهم أن دينونتهم خاصة بشعب إسرائيل، كما جاء في إنجيل متى أثناء نقله للمحاورة بين المسيح وبين أحد تلاميذه، وهو بطرس، فقد جاء فيها: (فأجاب بطرس حيئذ، وقال له: ها نحن قد تركنا كـل شيء وتبعناك، فماذا يكون لنا؟ فقال يسوع: الحق أقول لكم، إنكم أنتم الذين تبعتموني فـي التجديد، متى جلس ابن الانسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثنى عشـر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر)(متى 19 : 27)

فالمسيح يخبرهم أنهم يدينون أسباط إسرائيل فقط، ولم يذكر لهم أنهم يدينون شعوب العالم، وفي هذا إشارة إلى أن رسالته وهم من بعده قاصرة على شعب اليهودية المتفرع من أسباط الاثنى عشر.

وعندما رفضت أورشليم رسالة المسيح ناجاها بكلام يستفاد منه أن رسالته خاصة بشعب اليهود فقط، فقد قال:(يا أورشليم يا أورشليم.. يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا)(متى 37 : 23)

قلت: كل ما ذكرته يدل على أن المسيح أرسل إلى شعب إسرائيل.. ولكن ليس هناك نص ينفي إرساله إلى غيرهم.

قال: لا.. هناك نصوص كثيرة تكاد تصرح بذلك.. إن المسيح عندما أرسل تلاميذه لينشروا دعوته بين اليهود كرر لهم الوصية في أن يقصروا الدعوة على اليهود، بل إنه حذرهم من دخول مدن الأمم الأخرى، ولو كانـوا جيراناً لليهود، وقد ذكر إنجيل متى (10 : 5) ذلك، فقال: (هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلاً : إلى طريق أمم لا تمضوا إلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة)

ليس ذلك فقط.. بل إن المسيح لما بدأ الدعوة إلى الله أعلن أنها قاصرة على بني إسرائيل، ولا تمتد إلى غيرهم، لذلك تجده يقول في متى (15 : 24):(لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة)

ألا ترى أن (إلا) أداة للحصر، وهي تدل على انحصار رسالة المسيح ضمن الشعب الاسرائيلي؟

قلت: ولكن.. ألم تقرأ ما ورد في إنجيل (متى: 38):(اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم)

قال: إن هذا النص معارض بكل النصوص التي سبق ذكرها.. ولهذا ذهب المحققون إلى أن هذه العبارة إلحاقية بإنجيل متى، لأنها لم تذكر في بقية الأناجيل.

ألا ترى من الغرابة أن يختص متى بهذه الرواية دون غيره؟

لقد اتفقت الاناجيل الثلاثة على إيراد قصة دخول المسيح أورشليم راكباً على جحش، فهل كان ركوبه على جحش أهم من عالمية الرسالة!؟

بل إن الكثير من النصوص في إنجيل متى يشير إلى أن رسالة المسيح مختصة بإسرائيل، فقد ورد في إنجيل متى (2 : 1):(وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ ؟))

وينقل متى أن التهمة التي وجهت للمسيح هي أنه ملك اليهود: (فَوَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْوَالِي، فَسَأَلَهُ الْوَالِي: (أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟) فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: (أَنْتَ تَقُولُ) (متى 27: 11)

قلت: فقد ورد في إنجيل يوحنا ما يدل على عموم تخليصه، ألم تقرأ: (ولي خراف أخرى ليست من هذه الحظيرة، وينبغي أن آتي بتلك)(يوحنا: 16:10).. وجاء في نفس الإنجيل (32:12): (وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع)

قال: من قصد بالخراف الذين من الحظائر الأخرى؟

قلت: قصد بهم كل من يؤمن به من جميع الأمم؟

قال: لا.. إن مقصد المسيح واضح.. إنه يقصد ما ورد في إنجيل متى (24:15):(لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة)

قلت: ولكن خراف إسرائيل من حضيرته.

قال: لا.. لقد كان كل سبط من إسرائيل يشكل حضيرة خاصة.. فلهذا كان قصده من سائر الحظائر، أي الأسباط الإحدى عشر الأخرى.

قلت: وما تقول فيما جاء في نفس الإنجيل (32:12): (وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع)

قال: هل سيجذب المسيح إليه جميع الناس من آمن به ومن لم يؤمن؟

قلت:لا.

قال: إذن من قصد المسيح بالجميع ؟

قلت: أي أن جميع الأمم ستتبعه.

قال: لا.. هذا النص يفهم على ضوء النصوص السابقة.. لأن كلام المسيح جميعا يتعلق ببني إسرائيل.. فلا يخرج كلامه عن أصله إلا بدليل قوي صريح.

صمت قليلا، ثم أضاف: فنبوءة سليمان لا تنطبق في هذا الجانب على المسيح.

قلت: فهل تنطبق على محمد؟

قال: أجل.. بل إنها لا تنطبق إلا عليه، فنصوص كتابه المقدس، وحياته، وأقواله كلها تدل على أن نبوته عامة للعالمين.

إن رسالة محمد تخاطب كل الأمم، وكل الأجناس، وكل الشعوب، وكل الطبقات.. هي ليست خاصة بشعب إسرائيل الذي راح يزعم الخيرة لنفسه، ويرمي سائر الخلق في أتون الرذالة.

إن القرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة رادا بها على اليهود والنصارى، فيقول:﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (المائدة:18)

قلت: ربما قال اليهود هذا.. أما نحن فلا نقوله.

قال: ألستم تحملون عنصرية بغيضة تجاه الأجناس الأخرى؟

قلت: لا..

قال: فبماذا تفسر ما ورد في الإنجيل من أن امرأة مؤمنة من كنعان([31])، وهم سكان فلسطين قبل مجيء بني إسرائيل، جاءت المسيح، وأنها ظلّت تتوسل إليه، ولكنه لم يُلبّ طلبها إلا بعد أن أهدرت كرامتها، وقورنت بالكلاب، ورضيت.

أأترك لك قراءة النص.. أم أقرؤه أنا؟

صمت، فقال: لا بأس.. سأقرأه أنا لأنال أجر قراءته.. لقد جاء في إنجيل متى، وهو الإنجيل الذين تستندون إليه في نسبة العالمية للمسيحية:(ثم غادر يسوع تلك المنطقة، وذهب إلى نواحي صور وصيدا، فإذا امرأة كنعانية من تلك النواحي، قد تقدمت إليه صارخة: (ارحمني ياسيد، ياابن داود! ابنتي معذبة جدا، يسكنها شيطان) لكنه لم يجبها بكلمة، فجاء تلاميذه يلحون عليه قائلين: (اقض لها حاجتها. فهي تصرخ في إثرنا!)، فأجاب: (ما أرسلت إلا إلى الخراف الضالة، إلى بيت إسرائيل!)، ولكن المرأة اقتربت إليه، وسجدت له، وقالت: (أعني ياسيد!)، فأجاب: (ليس من الصواب أن يؤخذ خبز البنين ويطرح لجراء الكلاب!)، فقالت: (صحيح ياسيد؛ ولكن جراء الكلاب تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد أصحابها!)(متى 15: 23 ـ 27)

قال: ولكن المسيح أجاب المرأة.. فقد ورد في (متى: 28): (فأجابها يسوع:(أيتها المرأة، عظيم إيمانك! فليكن لك ما تطلبين!) فشفيت ابنتها من تلك الساعة)

قلت: أرأيت لو أن شخصا لم يلب طلبك البسيط بالنسبة له إلا بعد أن أهان كرامتك، واحتقرك، بل سماك كلبا، ثم لم يلبه إلا بعد إلحاح شديد، بل بعد سجودك له.. أتعتبر مثل هذا إنسانا محترما لا يحمل أي عنصرية.

سكت، فقال: ومع ذلك أنتم تسمونه إلها.. هل الإله هو الذي يفضل شعبا على شعب.. وأمة على أمة؟

سكت، فقال: إننا نجد هذه العنصرية المقيتة تفوح من آيات الكتاب المقدس، ألم تقرأ ما جاء في إنجيل يوحنا: (ورأى يسوع نثنائيل قادما نحوه فقال عنه: (هذا إسرائيلي أصيل لا شك فيه!) (يوحنا:ا/47)

لست أدري كيف تذكرت قائد المئة الرومي والذي جاء المسيح إليه بدلا من أن يذهب هو بنفسه إلى المسيح، فقلت: ولكن.. ألم تقرأ ما ورد في (لوقا 7: 1 ـ 10):(وبعدما أتم إلقاء أقواله كلها في مسامع الشعب، دخل بلدة كفرناحوم. وكان عند قائد مئة عبد مريض قد أشرف على الموت، وكان عزيزا عليه. فلما سمع بيسوع، أرسل إليه شيوخ اليهود، متوسلا إليه أن يأتي وينقذ عبده. ولما أدركوا يسوع، طلبوا إليه بإلحاح قائلين: (إنه يستحق أن تمنحه طلبه، فهو يحب أمتنا، وقد بنى لنا المجمع). فرافقهم يسوع. ولكن ما إن أصبح على مقربة من البيت، حتى أرسل إليه قائد المئة بعض أصدقائه، يقول له: (ياسيد، لا تكلف نفسك، لأني لا أستحق أن تدخل تحت سقف بيتي. ولذلك لا أعتبر نفسي أهلا لأن ألاقيك. إنما قل كلمة، فيشفى خادمي: فأنا أيضا رجل موضوع تحت سلطة أعلى مني، ولي جنود تحت إمرتي، أقول لأحدهم: اذهب! فيذهب؛ ولغيره: تعال! فيأتي؛ ولعبدي: افعل هذا! فيفعل). فلما سمع يسوع ذلك، تعجب منه، ثم التفت إلى الجمع الذي يتبعه، وقال: (أقول لكم: لم أجد حتى في إسرائيل إيمانا عظيما كهذا!) ولما رجع المرسلون إلى البيت، وجدوا العبد المريض قد تعافى)

قال: بلى.. قرأت ذلك.

قلت: فهل ترى في هذا أي مظهر من مظاهر العنصرية؟

قال: فرق كبير بين المرأة الكنعانية البسيطة، وهذا القائد.. إن كتبة الإنجيل رغم رفضهم لضعفاء الأمم حتى وإن آمنوا،لا نجدهم يحتقرون أولي النفوذ والقوة، كملة اليهود من قبلهم الذين كانوا على مدى تاريخهم ترتعد فرائصهم من أولي البأس والسلطان.. حتى إنهم ينافقونهم، ويخدمونهم، ويسجدون لهم.

ألم تقرأ ما قاله بولس، وهو ينافق السلطة الوثنية الغالبة في عصره:(على كل نفس أن تخضع للسلطات الحاكمة. فلا سلطة إلا من عند الله، والسلطات القائمة مرتبة من قبل الله. حتى إن من يقاوم السلطة، يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيجلبون العقاب على أنفسهم. فإن الحكام لا يخافهم من يفعل الصلاح بل من يفعل الشر. أفترغب إذن في أن تكون غير خائف من السلطة؟ اعمل ما هو صالح، فتكون ممدوحا عندها، لأنها خادمة الله لك لأجل الخير. أما إن كنت تعمل الشر فخف، لأن السلطة لا تحمل السيف عبثا، إذ إنها خادمة الله، وهي التي تنتقم لغضبه ممن يفعل الشر. ولذلك، فمن الضروري أن تخضعوا، لا اتقاء للغضب فقط، بل مراعاة للضمير أيضا. فلهذا السبب تدفعون الضرائب أيضا، لأن رجال السلطة هم خدام لله يواظبون على هذا العمل بعينه. 7فأدوا لكل واحد حقه: الضريبة لصاحب الضريبة والجزية لصاحب الجزية، والاحترام لصاحب الاحترام، والإكرام لصاحب الإكرام)(روميه 13/1 ـ 7)

ومن قبله قال المسيح كما في (متى 22/21):(أعطوا ما للقيصر للقيصر، وما لله لله)

وليس هذا المقت والاحتقار للشعوب المستضعفة جديدا.. بل هو قديم قدم الكتاب المقدس:

ألستم تقرأون في (المزامير: 82/6ـ7):(أنا قلت: (إنكم آلهة، وجميعكم بنو العلي. لكنكم ستموتون كالبشر)؟

ألستم تقرأون في (التكوين: 9/ 25 ـ 26): (ليكن كنعان ملعونا، وليكن عبد العبيد لإخوته)، ثم قال: (تبارك الله إله سام. وليكن كنعان عبدا له، ليوسع الله ليافث فيسكن في خيام سام. وليكن كنعان عبدا له)، رغم أن الذي شاهد عورة أبيه هو حام والد كنعان؟

ألستم تقرأون في (تكوين 21/ 10)(فقالت لإبر اهيم: (اطرد هذه الجارية وابنها، فإن ابن الجارية لن يرث مع ابني إسحق)، فقد جعل اليهود إسماعيل عم إسرائيل ابن جارية، وجعلوا إسحاق أبا إسرائيل ابن حرة، وجعلوه هو ابن أبيه الوحيد، متجاهلين أسبقية من جعلوه ابن الأمة؟

ألستم تقرأون في (صموئيل: 1/ 43): (فقال الفلسطيني لداود: (ألعلي كلب حتى تأتي لمحاربتي بعصي؟)؟

ألستم تقرأون في (مزامير: 60/8):(موآب مرحضتي، وعلى أدوم ألقي حذائي)؟

ألستم تقرأون في (تثنية 20/ 10ـ 15): (وحين تتقدمون لمحاربة مدينة فادعوها للصلح أولا. فإن أجابتكم إلى الصلح واستسلمت لكم، فكل الشعب الساكن فيها يصبح عبيدا لكم. وإن أبت الصلح وحاربتكم فحاصروها فإذا أسقطها الرب إلهكم في أيديكم، فاقتلوا جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما في المدينة من أسلاب، فاغنموها لأنفسكم، وتمتعوا بغنائم أعدائكم التي وهبها الرب إلهكم لكم. هكذا تفعلون بكل المدن النائية عنكم التي ليست من مدن الأمم القاطنة هنا) ؟

ألستم تقرأون في (صموئيل 1/ 15 : 3):(فاذهب الآن وهاجم عماليق.. لا تعف عن أحد منهم بل اقتلهم جميعا رجالا ونساء، وأطفالا ورضعا)؟

 ألستم تقرأون في (إشعياء 61/ 5 ـ 6):(ويقوم الغرباء على رعاية قطعانكم، وأبناء الأجانب يكونون لكم حراثا وكرامين. أما أنتم فتدعون كهنة الرب،.. فتأكلون ثروة الأمم وتتعظمون بغناهم)؟

ألستم تقرأون سفر يشوع.. ذلك السفر الذي يفوح بروائح العنصرية التي لا تقل عن عنصرية هتلر.. بل تزيد عليها.. سأقرأ لك شيئا أبتغي بذلك الأجر.. أليست قراءة الكتب المقدسة تقربنا إلى الله وإلى المسيح !؟

بدأ يقرأ: (ودمروا المدينة وقضوا بحد السيف على كل من فيها من رجال ونساء وأطفال وشيوخ حتى البقر والغنم والحمير. ثم أحرق الإسرائيليون المدينة بالنار بكل ما فيها واستحيا يشوع راحاب الزانية)(يشوع 6/ 21)

وورد فيه: (رجع المحاربون الإسرائيليون إلى عاي وقتلوا كل من فيها. 25فكان جميع من قتل في ذلك اليوم من رجال ونساء اثني عشر ألفا، وهم جميع أهل عاي. 26.. حتى تم القضاء على جميع أهل عاي) (يشوع 8/ 24)

أأزيدك أم تكتفي بهذا؟

سكت، فقال: كيف تقارن هذا بما ورد في القرآن الكريم عن رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنها رحمة للعالمين، قال تعالى:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الانبياء:107).. إن هذه الآية صريحة في التوجه العالمي لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

فليس في كل النصوص المقدسة الإسلامية: (إنما أرسلت لخراف إسماعيل الضالة).. بل إن فيها :﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (لأعراف:158)

وفيها:﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً (الفرقان:1)

وفيها :﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (الأنعام: 90)

وفيها :﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (صّ:87)

وفيها :﴿ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (القلم:52)

ولهذا أثنى الله على أمة الإسلام في كتابه حين خاطبها فقال :﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (آل عمران: 110)

فالله برحمته أخرج هذه الأمة إلى الناس، وتولى رعايتها، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بعد أن رغب بنو إسرائيل عن تولي هذه المهمة.

النصرة:

ثم التفت إلي، وقال: أرى أن الجزء الأول من البشارة ينطبق انطباقا تاما على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فهلم بنا إلى الجزء الثاني.

لم أدر إلا وأنا أردد من غير شعور: (وأعداؤه يلحسون التراب، ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة، ملوك شبا وسبإ يقدمون هدية، ويسجد له كل الملوك، كل الأمم تتعبد له)

قال: أنتم تستدلون بهذا الجزء على جعل النبوءة في المسيح.

قلت: أجل.. فقد ورد في الكتاب المقدس ذكر سجود المجوس له، كما في (متى: 2: 1 ـ 2):(وبعدما ولد يسوع في بيت لحم الواقعة في منطقة اليهودية على عهد الملك هيرودس، جاء إلى أورشليم بعض المجوس القادمين من الشرق، يسألون: (أين هو المولود ملك اليهود؟ فقد رأينا نجمه طالعا في الشرق، فجئنا لنسجد له)

وفي (متى: 2: 11 ـ 12):(ودخلوا البيت فوجدوا الصبي مع أمه مريم. فجثوا وسجدوا له، ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا، ذهبا وبخورا ومرا. ثم أوحي إليهم في حلم ألا يرجعوا إلى هيرودس، فانصرفوا إلى بلادهم في طريق أخرى)

قال: ألا ترى أن هذا هو التكريم الوحيد الذي حصل للمسيح في حياته؟

صمت، فقال: من قال لك بأن هؤلاء المجوس أعداء له.. لقد نصت البشارة على أن أعداء هذا الموعود يلحسون التراب.

قلت: أجل..

قال: فهل تحقق هذا في المسيح؟

صمت، فقال: لم يتحقق.. إن المسيح ـ بحسب الإنجيل ـ نال الكثير من الهوان، بل إن أعداءه تسلطوا عليه، فصلبوه.

لست أدري كيف قلت من غير أن أشعر: أنا مقر بأن هذه البشارة لم تتحقق في المسيح.. فهل تحققت في محمد؟

انتفض قائلا: هل ترى الشمس؟

قلت: وكيف لا أراها؟

قال: فهل يمكن أن يجادل أحد في الشمس؟

قلت: لا.. إلا إذا كان مغرما بالمخالفة، مشتهيا للجدل.

قال: فكذلك ما أمد الله به نبيه من نصر ومنعة وحماية رغم كل المخاطر التي حاقت به..

لقد كان أعداء محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الكثرة والقوة ما لا يقارن به أعداء المسيح، ومع ذلك نصر الله نبيه إلى أن أكمل دعوته، ونزل عليه ما ثبت كمالها.

بل إن هذه الانتصارات جاءت كنبوءات غيبية امتلأ بها القرآن الكريم، وكأنه يتحدى كل القوى التي واجهت محمدا صلى الله عليه وآله وسلم من أن تفعل شيئا في مواجهته:

فالله تعالى يقول لرسوله وللمؤمنين:﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (النور:55)

فقد وعد الله المؤمنين في هذه الآية بجعل الخلفاء منهم وتمكين الدين المرضي لهم، وتبديل خوفهم بالأمن، فوفى وعده في مدة قليلة.. بل إنه في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم استطاع المسلمون أن يفتحوا مكة، وخيبر والبحرين، ومملكة اليمن، وأكثر ديار العرب.

بل إن الله تعالى أخبر بأن هذا الدين سيظهر على الدين كله، قال تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (التوبة:33)

وبشره بأنه سيأتي اليوم الذي يدخل الناس فيه دين الله أفواجا، فقال :﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (النصر:1 ـ 3)

بل إن القرآن الكريم يتحدى الأعداء بالغلبة، فيقول :﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ (آل عمران:12 ـ 13)

أخبرني يا صاحبي.. هل ترى في كتابكم المقدس أي وعد بمثل هذا النصر؟

قلت: ولكن المسيحية انتصرت، وخضع الرومان.. وانتشرت في العالم، وهي الآن من أكثر الديانات في العالم انتشارا.

قال: نعم هي انتشرت.. ولكنها لم تنتشر بالطريقة التي انتشر بها الإسلام.. لقد كانت بين أمرين: المحافظة على صفائها الذي جاء به المسيح، أو تحولها إلى مزيج من الديانات لترضي أذواق الرومان والشعوب التي دخلت فيها.. ولكنها للأسف اختارت الثاني.. فحصل لها ما حصل من التحريف.

ومع ذلك.. فالبشارة التي جاء بها سليمان لا ترتبط بهذا، لقد أخبرت بأن الله سيكفي هذا المبشر أعداءه، وسينصره عليهم.. فهل حصل للمسيح؟

قلت: حصل في عالم الروح..

قال: لا.. البشارة تشمل الروح والجسد.

قلت: أنت تعرف بأن المسيح أوذي كثيرا.

قال: أنا أعرف ذلك.. وأعرف أن كثيرا من الأنبياء قتلوا في ذات الله، وهذا شرف لهم.. ولكني أبحث عن سر النبوءة.. النبوءة لغز يحتاج إلى عقل يفكك مفرداته وتراكيبه ليعرف المراد منه.. ولا علاقة لها بكمال التصرف أو نقصانه.. فنحن لا ننقص من قدر المسيح إن قلنا: إن النبوءة لا تنطبق عليه.. كما لا ننقص من قدر محمد إن قلنا بأن الكثير من النبوءات لا ينطبق عليه، وإنما ينطبق على المسيح أو غير المسيح.

قلت: فهل حصل لمحمد هذه الكفاية التي ذكرتها؟

قال: نعم.. حصلت له في حياته، وبعد مماته([32]).. واسمح لي أن أسوق لك من النصوص ما يثبت ذلك.. وكلها تحقيق لنبوءة قرآنية تقول :﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ (الحجر:95)، وتحقيق لنبوءة أخرى تقول :﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (المائدة:67).. فهل أنت مستعد لسماعي.

قلت: لا بأس.. تكلم بما شئت.

قال: أما في حياته صلى الله عليه وآله وسلم فقد رويت الأخبار الكثيرة ـ التي يفيد في مجموعها التواتر ـ عن عناية الله بنبيه وحفظه له وانتقامه من أعدائه:

ومن ذلك أن أبا لهب وابنه عتبة تجهزا إلى الشام، فقال ابنه عتبة: والله لأنطلقن إلى محمد، ولأوذينّه في ربه، فانطلق حتى أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنفذ وعيده، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك)

ثم انصرف عنه، فرجع إلى أبيه، فقال: يا بني ما قلت له؟ فذكر له ما قاله، فقال: فما قال لك؟ قال: قال:(اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك) قال: يا بني، والله ما آمن عليك دعاءه!

فساروا حتى نزلوا بالشراة، وهي أرضٌ كثيرة الأسد، فقال أبو لهب: إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي، وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة، والله ما آمنها عليه، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة، وافرشوا لابني عليها، ثم افرشوا حولها، ففعلنا، فجاء الأسد فشمَّ وجوهنا فلما لم يجد ما يريد تقبض فوثب وثبة، فإذا هو فوق المتاع فشمَّ وجهه، ثم هزمه هزمة ففسخ رأسه!! فقال أبو لهب: قد عرفت أنه لا يتفلت من دعوة محمد.

والله يكفي نبيه كيف شاء، وبما شاء:

فقد يقذف الله الخوف في قلب من يتعرض له بالأذى ليحول ذلك بينه وبين ما أراد، وقد روي من ذلك أن غورث بن الحرث قال: لأقتلن محمدًا، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له أعطني سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به. فأتاه فقال: يا محمد أعطني سيفك أشمّه، فأعطاه إياه فرعدت يده، فسقط السيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(حال الله بينك وبين ما تريد)

ومن ذلك ما يروى أن أبا جهل قال لقومه: (واللات والعزى لئن رأيت محمدًا يصلي لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب)، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يصلي ليطأ على رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل: مالك؟ فقال: (إن بيني وبينه خندقًا من نار وهولاً وأجنحة)،  فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا)

ويروي ابن عباس أن رجالاً من قريش اجتمعوا في الحجر، ثم تعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ونائلة وإساف أن لو قد رأوا محمدًا لقد قمنا إليه مقام رجل واحد، فقتلناه قبل أن نفارقه، فأقبلت ابنته فاطمة تبكي حتى دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت:(هؤلاء الملأ من قومك لقد تعاهدوا لو قد رأوك قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل واحد إلا قد عرف نصيبه من دمك)،  فقال: (يا بنية آتيني بوضوء)، فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: هاهو ذا، وخفضوا أبصارهمن وسقطت أذقانهم في صدورهم، فلم يرفعوا إليه بصرًا، ولم يقم منهم إليه رجل، فأقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى قام على رؤوسهم، وأخذ قبضة من التراب ثم قال: (شاهت الوجوه)، ثم حصبهم بها فما أصاب رجلاً منهم من ذلك الحصا حصاةٌ إلى قتل يوم بدر كافرًا.

وقد يوفر الله من أسباب الهلاك التي تبدو طبيعية ما ينصر به نبيه، ويهلك به أعداءه، ومن ذلك ما يروى عن عامر بن الطفيل وأربد بن قيس اللذين تآمرا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم..

واسمع القصة..

لقد كان عامر بن الطفيل شيطان نجد الذي غدر بأصحاب بئر معونة ومعه شيطان مثله هو أربد بن قيس، قد اتفقا على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم غدراً وغيلة، بحيث يشغل عامر بن الطفيل بالحديث، ويأتي أربد بن قيس من خلفه ويطعنه بالخنجر، ولكن الله عز وجل حبس يد أربد وشلها، ونجا الله رسوله من غدر الكافرين، وفى طريق عودتهما أرسل الله على أربد بن قيس وجمله الذى يركبه صاعقة من السماء فأحرقته، أما عامر بن الطفيل فأصيب بغدة في عنقه فصار يخور مثل البعير المنحور حتى هلك.

ومن ذلك ما حصل لعقبة بن أبي معيط الذي وضع رجله على عنق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقطعت عنقه.

لقد جاء والرسول صلى الله عليه وآله وسلم ساجد خلف المقام بالكعبة، فوضع رجله على عنق الرسول، وغمزها فما رفعها حتى كادت تخرج عينا الرسول من مكانها، ثم جاء مرة أخرى بسلا شاة، فألقاه على كتف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ساجد، فجاءت فاطمة فطرحته عن كتف أبيها.

فكان عاقبته أن يقع أسيراً في غزوة بدر، ويؤخذ من بين الأسرى، وتضرب عنقه، ثم يلقى في قليب بدر.. وهكذا كان جزاء من سولت له نفسه وضع قدمه على العنق المبارك الشريف، تقطع عنقه، ويلقى في المزابل.

ومن ذلك أن يخرق الله له السنن الكونية ليحفظه، ويعصمه، ومما يروى في ذلك المرأة التي جاءت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بشاة مشوية دست فيها سمًا كثيرًا، فلما لاك النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها مضغة لم يسغها، وقال: (إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم)، ثم دعا باليهودية فاعترفت.

ومن ذلك أن يقذف الله الهدى في قلب من آذاه، فيتوب، حتى يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أحب إليه من ماله وولده ووالده والناس أجمعين.. ومما يروى في ذلك قصة أبي سفيان بن الحارث أخي النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الرضاع، فقد كان يألف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيام الصبا وكان له تربًا، فلما بُعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاداه أبو سفيان عداوةً لم يعادها أحدًا قط، وهجا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهجا أصحابه.. ثم شاء الله أن يكفي رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لسان أبي سفيان وهجاءه، لا بإهلاكه وإنما بهدايته

حدث أبو سفيان عن نفسه، قال: ثم إن الله ألقى في قلبي الإسلام، فسرت وزوجي وولدي حتى نزلنا بالأبواء، فتنكرت وخرجت حتى صرت تلقاء وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما ملأ عينيه مني أعرض عنّي بوجهه إلى الناحية الأخرى، فتحولت إلى ناحية وجهه الأخرى.

قالوا: فما زال أبو سفيان يتبعُهُ، لا ينزلُ منزلاً إلا وهو على بابه ومع ابني جعفر وهو لا يكلمه، حتى قال أبو سفيان: والله ليأذنن لي رسول له أو لآخذن بيد ابني هذا حتى نموت عطشًا أو جوعًا، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رق لهما فدخلا عليه.

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يتحدى أعداءه، فيخرج بين أظهرهم من غير أن يروه، ومما يروى في ذلك أن أبا جهل، قال لأصحابه: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكا، فإذا متم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم جِنَانٌ خير من جنان الأرْدُن وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تُعَذَّبون بها. وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك، وفي يده حفنة من تراب، وقد أخذ الله على أعينهم دونه، فجعل يَذُرّها على رؤوسهم، ويقرأ :﴿ يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (يس:1 ـ 2)

الرحمة:

التفت إلي، وقال: أرى أن الجزء الثاني من البشارة ينطبق انطباقا تاما على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فهلم بنا إلى الجزء الثالث.

لم أدر إلا وأنا أردد من غير شعور: (لأنه ينجي الفقير المستغيث والمسكين إذ لا معين له، يشفق على المسكين والبائس ويخلص أنفس الفقراء، من الظلم والخطف يفدي أنفسهم، ويكرم دمهم في عينيه، ويعيش ويعطيه من ذهب شبا، ويصلّي لأجله دائماً، اليوم كله يباركه، تكون حفنة بر في الأرض في رؤوس الجبال، تتمايل مثل لبنان ثمرتها ويزهرون من المدينة مثل عشب الأرض)

قال: أنتم تستدلون بهذا الجزء على جعل النبوءة في المسيح.

قلت: أجل.. فقد ورد في الكتاب المقدس النصوص الكثيرة من رحمة المسيح..

قال: وورد فيه النصوص الكثيرة من قسوته.

انتفضت غاضبا، وقلت: ما تقول يا رجل؟

قال: أنا لا أقول.. بل الكتاب المقدس هو الذي يقول.. أنا لست سوى قارئ للكتاب المقدس لا مؤلفا له.

قلت: فأين ترى قسوة المسيح؟

قال: أنت تعلم المواقف التي ألصقتموها بها.. والتي نبرئه منها.

قلت: لا أذكر أي موقف.

قال: سأقرأ لك ما قد يذكرك.. وسأكتفي بموقفين تتجلى فيهما رحمة المسيح بالمرأة المستضعفة.

أخذ الكتاب المقدس، وراح يقرأ: (ثم غادر يسوع تلك المنطقة، وذهب إلى نواحي صور وصيدا، فإذا امرأة كنعانية من تلك النواحي، قد تقدمت إليه صارخة: (ارحمني ياسيد، ياابن داود! ابنتي معذبة جدا، يسكنها شيطان) لكنه لم يجبها بكلمة، فجاء تلاميذه يلحون عليه قائلين: (اقض لها حاجتها. فهي تصرخ في إثرنا!)، فأجاب: (ما أرسلت إلا إلى الخراف الضالة، إلى بيت إسرائيل!)، ولكن المرأة اقتربت إليه، وسجدت له، وقالت: (أعني ياسيد!)، فأجاب: (ليس من الصواب أن يؤخذ خبز البنين ويطرح لجراء الكلاب!)، فقالت: (صحيح ياسيد؛ ولكن جراء الكلاب تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد أصحابها!)(متى 15: 23 ـ 27)

هذا هو الموقف الأول..

أما الموقف الثاني، فإهانته لأمه وسط الحضور، وقوله لها: (مالي ولك يا امرأة) (يوحنا:2 : 4)؟

أهكذا تكون الرحمة بالأم؟

صمت، فقال: أما محمد.. فقد وصفه ربه بأنه ـ أساسا ـ رحمة للعالمين، فقال تعالى:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الانبياء:107)

قلت: أي رحمة تزعمها لمن نزل عليه الأمر بالجهاد والقتال؟

قال: إن الجهاد الذي يضحي فيه المؤمن بنفسه وماله من أجل نصرة المستضعف أعظم مظهر من مظاهر الرحمة، لقد علل الله الأمر بالجهاد بالرحمة، فقال :﴿ وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (النساء:75)

فقد علل الله قتال المستكبرين بنصرة المستضعفين..

أجبني..

أرأيت لو كنت تسير في الطريق، وكانت امرأة لا تعرفها تسير في نفس الطريق.. فتعرض لها بعضهم بسوء، أكنت تتركها لهم؟

قلت: لا.. بل أنهرهم عنها.

قال: فإن لم يستجيبوا؟

قلت: استعمل كل الوسائل.

قال: فإن لم يستجيبوا إلا لصوت القوة.

قلت: حينذاك لا بد من استعمالها إن كانت لدي طاقة.

قال: فقد أمرنا ديننا بالإعداد لهذه القوة حتى نستعملها في حال الحاجة، وهي التي نسميها الجهاد..

أجبني.. ألم يخبر المسيح بشرعية الجهاد.. ألم يمارس النبيون الذين تنقلون أخبارهم في الكتاب المقدس الجهاد في حياتهم ضد أعدائهم.

ثم أخبرني.. أيهما أكثر رحمة قوله تعالى:﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين(البقرة:190 ـ 191)

وقوله تعالى:﴿ وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (النساء:75)

وقوله تعالى:﴿ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً(النساء: 90)

وقوله تعالى:﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (لأنفال:47)

وقوله تعالى:﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (لأنفال:61)

وقوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (لأنفال:70)

وقوله تعالى:﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (التوبة:6)

أهذه النصوص التي تفوح بالرحمة والأدب مع كونها تتحدث عن القتال.. أو ما ورد في  الكتاب المقدس من الحديث عن هذه الناحية بالذات..

ولنبدأ بما يقول سفر حزقيال [ 9 : 5 ] من قول الرب: (اعبروا في المدينة خلفه واقتلوا. لا تترأف عيونكم ولا تعفوا. أهلكوا الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء. ولكن لا تقربوا من أي إنسان عليه السمة، وابتدئوا من قدسي). فابتدأوا يهلكون الرجال والشيوخ الموجودين أمام الهيكل. وقال لهم: (نجسوا الهيكل واملأوا ساحاته بالقتلى، ثم اخرجوا). فاندفعوا إلى المدينة وشرعوا يقتلون)

ألا تعلم يا صاحبي أن الكتاب المقدس هو الكتاب الوحيد على وجه الأرض الذي يأمر بقتل الأطفال؟

ليس هذا فقط، لقد جاء في سفر يشوع [ 6 : 16 ]:(قال يشوع للشعب: اهتفوا، لأن الرب قد وهبكم المدينة. واجعلوا المدينة وكل ما فيها محرما للرب،.... أما كل غنائم الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد، فتخصص للرب وتحفظ فى خزانته. فهتف الشعب، ونفخ الكهنة في الأبواق. وكان هتاف الشعب لدى سماعهم صوت نفخ الأبواق عظيما، فانهار السور في موضعه. فاندفع الشعب نحو المدينة كل إلى وجهته، واستولوا عليها. ودمروا المدينة وقضوا بحد السيف على كل من فيها من رجال ونساء وأطفال وشيوخ حتى البقر والغنم والحمير)

انظر الرحمة التي يحملها الكتاب المقدس للرجال والنساء والأطفال حتى البقر والغنم والحمير..

وفي سفر هوشع [ 13 : 16 ] يقول الرب: (تجازى السامرة لأنها تمردت على إلهها. بالسيف يسقطون. تحطم أطفالهم، والحوامل تشق)

وفي سفر إشعيا [ 13 : 16 ] يقول الرب: (وتحطم أطفالهم أمام عيونهم وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم) 

أين هذا الأوامر الاجرامية المثبتة في كتابكم المقدس من وصية محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمقاتلين حينما كان يقول لهم: (انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة، ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)

وكان يقول لهم: (سيروا باسم الله، وفي سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله. ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدا)

قلت: أنت تحدثني بما في أسفار الأنبياء.. لا بكلام المسيح..وتقارن بينها وبين ما جاء به محمد.

قال: لقد أبقى المسيح ـ كما تذكرون ـ أسفار الأنبياء كما هي، بل أخبر أنه لم يأت لينقض الناموس.. أي أن كل ما ذكر هنا أقره المسيح.

ومع ذلك، فأنتم تروون قوله: (لا تظنوا أني جئت لأرسي سلاما على الأرض. ما جئت لأرسي سلاما، بل سيفا فإني جئت لأجعل الإنسان على خلاف مع أبيه، والبنت مع أمها، والكنة مع حماتها. وهكذا يصير أعداء الإنسان أهل بيته)(إنجيل متى :10)

ليس ذلك فقط.. فللرحمة مجالاتها المختلفة التي جاء الإسلام جميعا لرعايتها.. فهو رحمة للمعوزين، وللقاصرين، وللمستضعفين، وللمذنبين، وللرجال، وللنساء، وللأطفال، وللكائنات.. إن محمدا ودين محمد رحمة محضة.. فإن كنت صادقا، فسيقيض الله لك من يدلك على رحمة محمد ودين محمد([33]).

الخلود:

نظر إلي، وقال: أظن أن هذا الجزء لا ينطبق على أحد في العالم كما ينطبق على محمد.. فلنبحث في جزء آخر.

لم أدر إلا وأنا أقرأ: (يكون اسمه إلى الدهر، قدام الشمس يمتد اسمه، ويتباركون به، كل أمم الأرض يطوّبونه، مبارك الرب الله إله إسرائيل الصانع العجائب وحده، ومبارك اسم مجده إلى الدهر ولتمتلئ الأرض كلها من مجده، آمين ثم آمين)

قال: إن هذا الجزء من البشارة يتحدث عن خلود دين هذا المبشر به.

قلت: بلى.. وقد تحقق ذلك في المسيحية.

قال: إن أردنا الخلود مجرد البقاء.. فقد تحقق ذلك في المسيحية واليهودية وكل الديانات.

قلت: وهل الخلود يعني شيئا آخر غير البقاء؟

قال: نعم.. الخلود الصحيح هو الذي يجتمع فيه البقاء مع الصفاء.. فالبقاء الظاهر وحده لا يعني شيئا.

قلت: لم أفهم ما الذي تريد قوله؟

قال: لا يمكنني الآن أن أفسر لك ذلك.. فهو يحتاج علوما كثيرة لا يكفي هذا المجلس لذكرها.. ولكني سأكفتي بذكر خلاصة لك.. وستجد من يبين لك مدى صدقها.

قلت: ما هي؟

قال: لا يوجد دين في الأرض لا يزال غضا طريا كما أنزل إلا دين محمد.. ولا يوجد كتاب مقدس يقرأ بنفس الحروف والكلمات التي أنزل بها إلا كتاب محمد.. ولا توجد سيرة نبي تحمل نموذجا كاملا للإنسان الكامل غير سيرة محمد.. ولا توجد تعاليم في أي دين من الأديان يمكنها أن تبني المدينة الفاضلة، والمجتمع الفاضل إلا تعاليم محمد..

قلت: حسبك.. أراك ترسل الأحكام هكذا جزافا.. فإن كل حكم من هذه الأحكام يستدعي الأسفار الضخمة لإثباته([34]).

قال: ولذلك قلت لك: إنني لا أستطيع أن أذكر لك في هذا المحل كل ما يمكنه أن يثبت لك خلود هذا الدين..

قلت: لا بأس لن أطالبك الآن بإثبات ذلك.. ولكن ألا ترى أن المسيحية قد حصل لها من الخلود ما حصل لدين محمد؟

قال: أي مسيحية تلك التي حصل لها هذا الخلود؟

قلت: المسيحية واحدة.. الدين الذي جاء به المسيح.

قال: إن أردت ذلك.. فالمسيحية لم تبق إلا فترة قصيرة في حياة بعض الصادقين الذين ظلوا مخلصين للمسيح ولما جاء به المسيح.. وتلك الثلة القليلة الباقية سرعان ما انضمت إلى محمد بمجرد مجيئه، بل كانت تتلهف لمجيئه.

قلت: وسائر المسيحية؟

قال: لقد وقعوا بين مطرقة بولس، وسنديان أباطرة الرومان.

قلت: لم أفهم ما الذي تريده؟

قال: كما أني لم أستطع أن أبين لك في هذا المحل سر خلود الإسلام.. فلن أستطيع أن أثبت لك سر خلود المسيحية.. ولكن إن كنت صادقا، فسيقض الله لك من يعلمك ما فعل بولس، وما فعل الأباطرة بالمسيح ودين المسيح.

قلت: لقد انتهينا من الحديث عن هذه النبوءة، فهل أتركك مع رعيتك.. لقد شغلتك عنها.

قال: لا.. لا عليك إنها تحب مثل هذه الأحاديث، وتأنس لها، إنها تحب محمدا وتحن له.. ألم تسمع بحنين الجذع لمحمد؟.. ألم تسمع بمحبة جبل أحد لمحمد؟

صمت، فقال: ربما لم تكفك تلك البشارة التي ذكرتها لك.. لدي أخت لها.. سأذكرها لك لعلك تنال منها بصيصا يهديك إلى شمس محمد.

في كتاب نشيد الأناشيد، وفي الجزء الخامس منه نرى وصفا لرجل يذكر اليهود أنه سليمان، بينما تذكرون أنتم أنه المسيح،  والمتكلم في النص مجهول لكنه يبدو لنا أنه أنثى.

اليهود يرجحون أن المتكلم هو زوجة سليمان المسماة شولميث، و أنها تصف سليمان نفسه، وأنتم تذكرون أن لديكم أدلة قوية على أن الخطاب هو للمسيح.

فإن كان هذا صحيحاً فإننا أمام نبوءة تتعلق بموعود يأتي.. فلنبحث عن الأوصاف التي ذكرت لنرى على من تنطبق: هل على سليمان، كما يقول اليهود.. أو على المسيح، كما تقولون أنتم.. أو على غيرهما.. وربما يكون محمدا..

لقد أحضرت معي الجزء الخامس من نشيد الأناشيد.. خذه واقرأ علي..

أخذت الكتاب المقدس، ورحت أقرأ هذا الحوار:

(بَنَاتُ أُورُشَلِيمَ): بِمَ يَفُوقُ حَبِيبُكِ الْمُحِبِّينَ أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ؟ بِمَ يَفُوقُ حَبِيبُكِ الْمُحِبِّينَ حَتَّى تَسْتَحْلِفِينَا هَكَذَا؟

(الْمَحْبُوبَةُ): حَبِيبِي أَبيَضٌ وَ أَزْهَرُ (متورد)، عَلَمٌ بَيْنَ عَشَرَةِ آلاَفٍ. رَأْسُهُ ذَهَبٌ خَالِصٌ وَغَدَائِرُهُ مُتَمَوِّجَةٌ حَالِكَةُ السَّوَادِ كَلَوْنِ الْغُرَابِ. عَيْنَاهُ حَمَامَتَانِ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ، مَغْسُولَتَانِ مُسْتَقِرَّتَانِ فِي مَوْضِعِهِمَا. خَدَّاهُ كَخَمِيلَةِ طِيبٍ (تَفُوحَانِ عِطْرَاً) كَالزُهُوْرِ الحُلْوَة، وَشَفَتَاهُ كَالسُّوْسَنِ تَقْطُرَانِ مُرّاً (صمغ ذكي الرائحة) شَذِيّاً. يَدَاهُ حَلْقَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ مُدَوَّرَتَانِ وَمُرَصَّعَتَانِ بِالزَّبَرْجَدِ، وَجِسْمُهُ عَاجٌ مَصْقُولٌ مُغَشًّى بِالْيَاقُوتِ. سَاقَاهُ عَمُودَا رُخَامٍ قَائِمَتَانِ عَلَى قَاعِدَتَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ، طَلْعَتُهُ كَلُبْنَانَ، كَأَبْهَى أَشْجَارِ الأَرْزِ. فَمُهُ عَذْبٌ، نعم: إِنَّهُ مَحَمَد. هَذَا هُوَ حَبِيبِي وَهَذَا هُوَ صَدِيْقٍي يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ([35])!

انفضت غاضبا، وقلت: هذا كتاب محرف.. لا يوجد في الكتاب المقدس اسم محمد.. فكيف أثبت هنا؟

قال: صدقت.. أنت تقصد المقطع رقم 16.. هذا النص ترجمة حرفية للنص العبري.. أما كلمة محمد.. فتركناها في هذه الترجمة كما هي من غير أن نتصرف في ترجمتها باعتبارها علما.. الأعلام لا تترجم في جميع لغات العالم ما عدا في الكتاب المقدس خاصة إذا تعلق الأمر بمحمد.

إن هذا المقطع يحتوي على الكلمة العبرية مَحَمَد  فهل هي مصادفة أن يكون إسم الشخص الذي نتبأ عنه كاسم نبينا؟

الكلمة العبرية (محمد)  تتألف من الحروف العبرية الأربعة (ميم حيت ميم داليت)، وهي نفس الأحرف العربية (ميم حاء ميم دال)، والفرق الوحيد بين مَحَمَد  ومُحُمَّد  هو التشكيل.. وهذا التشكيل لم يخترعه اليهود إلا في القرن الثامن الميلادي، أي بعد حوالي مئة سنة من بدء الإسلام ([36]).

زيادة على هذا، فإن كلمة مُحُمَّد في العربية والعبرية لها معنى واحد هو صيغة التفضيل من الرجل المحمود، أما كلمة مَحَمَد فإن لها حسب قاموس (بن يهودا) أربعة معان، وهي: (المحبوب، المُشتهَى، النفيس، المحمّد).. وبالطبع فإن المترجمين للكتاب المقدس يميلون لاختيار أول ثلاث كلمات لإبعاد القارئ عن الكلمة الحقيقية.

التفت إلي، وقال: ها هو اسم النبي الموعود في الكتاب المقدس.. فابحثوا عمن ينطبق عليه هذا الاسم.. ولن تجدوا غير محمد رسول الله.

قال ذلك، ثم انصرف إلى حيواناته يطعمها، ويتفقدها.

أما أنا، فانصرفت بحيرة جديدة، وببصيص من النور اهتديت به بعد ذلك إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

بشارة إشعيا

في اليوم السادس خرجت من غرفتي، وأنا لا أدري أين سأذهب، ولا من سيلاقيني.. لم أبتعد قليلا، حتى وجدت رجلا تبدو عليه المهابة، ولكن وجهه مملوء هما وغضبا.

تقدمت منه، وقلت: ما بال وجهك قد كسي بثياب الهم والغضب، أفلا كسوته بثياب الفرح والسكينة؟

قال: وأين الفرح والسكينة؟.. ألا ترى قومي وقومك؟

قلت: ما بالهم؟

قال: ضيعوا وصايا الرب.. وامتلأوا بعبودية الشياطين..

قلت: فهلا صحت فيهم، وأنكرت عليهم؟

قال: لقد صحت فيهم كما صاح إشعيا في بني إسرائيل.. لكنهم لم يسمعوا لي.. ولم يستجيبوا لي.

قلت: فهلا عدلت من التشديد إلى التيسير، ومن الإنذار إلى التبشير؟

قال: لقد بشرتهم بكل ما بشر به النبي إشعيا.. ولكني أراهم يلوون أعناقهم، ويصمون آذانهم، ويستغشون ثيابهم لئلا يسمعوني، ولا يسمعوا إشعيا الذي ينطق بلساني.

قلت: أرى أن لك مع إشعيا صلة.. فما سر اهتمامك به؟

قال: لقد كان النور الذي سرت خلفه حتى وصلت إلى شمس محمد.

قلت: ما تقول يا رجل؟

قال: أنا إشعيا..

قلت: لا أريد اسمك، بل أريد سر علاقتك بإشعيا.

قال: لقد كنت من اليهود.. وكنت أكثر من قراءة الكتاب المقدس بعقلي، لا بما يمليه علي قومي.. فهداني الكتاب المقدس إلى المسيح.. ثم عدت وقرأته من جديد.. وكان أحب الأسفار إلى نفسي سفر إشعيا.. فاهتديت به إلى النور الذي جاء به محمد.

قلت: لقد كان إشعياء أعظم أنبياء اليهود، وهو صاحب الإنجيل الخامس كما يرى قومي.. فهل كان هذا النبي مبشرا بمحمد؟.. نحن لا نراه مبشرا إلا بالمسيح.

قال: بل قل إنه كان مؤرخا لمحمد.. لقد كانت بشارته أعظم بشارة.. وكانت من الوضوح بحيث لا تحتاج أي جهد عقلي لتفسيرها.

قلت: أنا مسيحي.. بل رجل دين مسيحي.. ولكني لا أرى في سفر إشعيا ما تراه.. أنا لا أرى فيه أي بشارة بمحمد.

قال: فاسمع لي.. وتأدب بين يدي.. وسأحدثك بما حدث به إشعيا.. لتنهل من منبعه الصافي بعض أشعة شمس محمد.

قلت: اقرأ.. أنا أحب سماع الكتاب المقدس.

بدأ يقرأ بخشوع جعلني أطير إلى ذلك الزمن الذي كان يتحدث فيه إشعيا.. لقد كان في صوته من القوة والجمال والجاذبية ما جعلني أستشعر بأن لهذا الرجل علاقة بإشعيا أكبر من العلاقة التي وصفها لي..

لقد خطر على بالي أنه إشعيا نفسه عاد إلى الدنيا.. ليعيد إلى سمعي بشارته بمحمد.. ويفسر لي منها ما حاول رجال الدين أن يحجبوه عني.

قرأ من سفر (إشعيا 21/ 6 – 17): (قال لي السيد: اذهب أقم الحارس، ليخبر بما يرى، فرأى ركاباً أزواج فرسان، ركاب حمير، ركاب جمال، فأصغى إصغاء شديداً، ثم صرخ كأسد: أيها السيد أنا قائم على المرصد دائماً في النهار، وأنا واقف على المحرس كل الليالي، وهوذا ركاب من الرجال، أزواج من الفرسان.فأجاب وقال: سقطت، سقطت بابل وجميع تماثيل آلهتها المنحوتة كسرها إلى الأرض.

يا دياستي وبني بيدري، ما سمعته من رب الجنود إله إسرائيل أخبرتكم به، وحي من جهة دومة. صرخ إلي صارخ من سعير: يا حارس ما من الليل، يا حارس ما من الليل. قال الحارس: أتى صباح وأيضا ليل، إن كنتم تطلبون فاطلبوا. ارجعوا تعالوا، وحي من جهة العرب: ستبيتين في صحاري بلاد العرب يا قوافل الددانيين، فاحملوا يا أهل تيماء الماء للعطشان، واستقبلوا الهاربين بالخبز، لأنهم قد فروا من السيف المسلول، والقوس المتوتر، ومن وطيس المعركة. لأنه هذا ما قاله لي الرب: في غضون سنة مماثلة لسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار، وتكون بقية الرماةالأبطال من أبناء قيدار، قلة. لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم)

قلت: لقد قرأت هذه النبوءة كثيرة.. لكني لم أتصور أبدا أنها تبشر بمحمد.. فما الذي جعلك تخص بها محمدا؟

قال: أجبني أولا.. إن في هذا النص أسماء لأعلام من بلدان وأشخاص، وهي تيسر تطبيق البشارة.

قلت: ما تقصد بذلك؟

قال: أرأيت لو أن رجلا ذكر لك لغزا، ثم قربه بذكر ما يرتبط به من أسماء أماكن وأشخاص.. ألا يكون بذلك قد يسر لك حل لغزه؟

قلت: أجل..

قال: فهكذا فعل إشعيا.. إن التحريف قد يمس المعاني، ولكنه لا يطيق مس الأسماء.

قلت: فصل لي هذا الإجمال الذي ذكرته.

هجرة النبي:

قال: لقد ورد في البشارة ذكر لقوافل الددانيين([37])، وهي تنسب هذه القوافل إلى وددان، وهي قرب المدينة النبوية المنورة، وهي المدينة التي هاجر إليها محمد.

وفيها يأمر أشعيا أهل تيماء أن يقدموا الشراب والطعام لهارب يهرب من أمام السيوف، ومجيئ الأمر بعد الإخبار عن الوحي الذي يكون من جهة بلاد العرب قرينة بأن الهارب هو صاحب ذلك الوحي الذي يأمر الله أهل تيماء بمناصرته: (هاتوا ماءًا لملاقاة العطشان، يا سكان أرض تيماء وافوا الهارب بخبزه)

ألا تعلم أين تقع أرض تيماء([38])؟

قلت: لا.. قرأتها في الكتاب المقدس لكني لم أهتم بها.. لعلها في الشام، فهي المنطقة الجغرافية للكتاب المقدس.

قال: لا.. إنها مدينة تقع شمال المدينة، وسميت كذلك نسبة إلى تيما بن إسماعيل، وقد كان يسكنها اليهود لأنهم كانوا يتوقعون ظهور النبي، وكانوا يقولون لأهل المدينة:(إن نبيا يظهر فينا نقتلكم به قتل إرم وعاد)

قلت: فأنت ترى أن هذا النص خطاب لأولئك اليهود الذين استوطنوا تيماء؟

قال: أجل.. أهل يثرب من اليهود الذين هم من أهل تيماء هم المخاطبون في هذا النص.

قلت: أتدري متى خاطب إشعياء اليهود بهذا النص؟

قال: نعم لقد نطق إشعيا بهذا النص في النصف الأخير من القرن الثامن قبل الميلاد.

قلت: ولكن من تذكر أنهم خوطبوا بهذا النص لم يولدوا إلا في القرن السابع من الميلاد، وهو القرن الذي نزل فيه محمد منطقة المدينة.

قال: أليست هذه نبوءة؟.. بل هي نبوءة تكاد تؤرخ لهجرة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة.. إن نص النبوءة يخبر أن الهارب هرب ومعه آخرون.. لقد جاء فيها: (فإنهم من أمام السيوف قد هربوا)

ثم يذكر الوحي الخراب الذي يحل بمجد قيدار بعد سنة من هذه الحادثة، مما يدل على أن الهروب كان منهم، وأن عقابهم كان بسبب تلك الحادثة.. لقد جاء في البشارة: (فإنه هكذا قال لي السيد الله : في مدة سنة كسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار، وبقية عدد قسي أبطال بني قيدار تقل)

ألا تعلم من هو قيدار([39]) الذي نصت عليه البشارة؟

قلت: لقد ذكر الكتاب المقدس هذا الاسم.. ففي (سفر التكوين 25 :13-18):(وهذه اسماء بني اسماعيل باسمائهم حسب مواليدهم: نبايوت بكر إسماعيل وقيدار وأدبئيل ومبسام ومشماع ودومة ومسّا وحدار وتيما ويطور ونافيش وقدمة، هؤلاء هم بنو إسماعيل، وهذه اسماؤهم بديارهم وحصونهم اثنا عشر رئيسا حسب قبائلهم، وهذه سنو حياة اسماعيل، مئة وسبع وثلاثون سنة.واسلم روحه ومات وانضمّ الى قومه، وسكنوا من حويلة الى شور التي أمام مصر حينما تجيء نحو أشور. أمام جميع إخوته نزل)  

قال: فأنت ترى أن هذا النص يخبر أن بني اسماعيل كانوا يسكنون في جزيرة العرب.

قلت: أجل..

قال: وقد كان بنو قيدار الذين نصت عليهم البشارة هم قومه صلى الله عليه وآله وسلم، والذين هرب من بين أيديهم.. لقد كانت مكة التي هاجر منها محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي أرض بني قيدار قريش، الذين كانوا قد عينوا من كل بطن من بطونهم شاباً جلداً ليجتمعوا لقتل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة هجرته.. فجاء الشباب ومعهم أسلحتهم، فخرج الرسول مهاجراً هارباً، فتعقبته قريش بسيوفها وقسيها.

إن البشارة تنص على ذلك بكل صراحة ووضوح.. اسمع معي.. ( فإنهم من أمام السيوف قد هربوا، من أمام السيف المسلول، ومن أمام القوس المشدودة)

إن شئت أن تتأكد من ذلك فاذهب إلى الكتب الكثيرة ذات الأسانيد الصحيحة التي أرخت لحياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم..

اذهب إلى سيرة ابن هشام.. واسمع لما يقول ابن إسحق.. والذي اتفق معه على نقل ذلك الكثير من العدول..

لقد ذكر كما ذكر غيره أنه لما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا، وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم وعرفوا أنهم قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دارالندوة ـ وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمراً إلا فيها ـ يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين خافوه.

وقد ذكر ابن إسحاق ناقلا عن عن عبد الله بن عباس صاحب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنهم لما أجمعوا لذلك، واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غدوا في اليوم الذي اتعدوا له، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بتلة، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشيخ، قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحاً، قالوا: أجل.. فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريش.. فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا.

فقال قائل منهم: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم.

فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره.

فتشاوروا ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا، فننفيه من بلادنا فإذا أخرج عنا فو الله ما نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.

فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد.. دبروا فيه رأيا غير هذا.

فقال أبو جهل بن هشام ـ وهو أعدى أعداء محمد ـ : والله إن لي فيه لريا ما أراكم وقعتم عليه بعد.

قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟

قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جليداً نسيباً وسيطاً فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعاً، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فقلناه لهم.

فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل.. هذا الرأي الذي لا رأي غيره فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له.

وقد أوردت الأخبار بأسانيد الثقاة أن جبريل عليه السلام أتى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.. فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: (نم على فراشي وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر)، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم.

فلما أجتمعوا لما دبروه، وفيهم أبو جهل، فقال وهم على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كضنان الأردن وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها.

فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهم يتحدثون بمثل ذلك ـ فأخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: (أنا أقول ذلك أنت أحدهم)، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه، فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم، وهو يتلو آيات من سورة يس.

ولم يكتفوا بهذا التدبير، بل تعقبوه صلى الله عليه وآله وسلم ليقتلوه.. والروايات بذلك متواترة لا شك في ثبوتها.. بل إن القرآن الكريم أثبت ذلك.. فقد جاء فيه قوله تعالى:﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (لأنفال:30)

ثم التفت إلي، وقال: إن شئت أن تتأكد من هذا، فاذهب إلى الأسفار الكثيرة الممتلئة بالأسانيد الموثوقة لتخبرك بصدقه.

قلت: أنا لا أكذب ما ذكر من ذلك في السيرة.. ولكني أشك في انطباق ذلك على محمد.

قال: هو ذا التاريخ أمامك.. فهل هناك نبي هاجر من مكة إلى المدينة، واستقبله أهل تيماء غير محمد؟

وهل نزل وحي في بلاد العرب غير القرآن؟

نصر النبي:

قال: ثم إن النبوءة تنص على أبناء قيدار الذين هم قوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد نزلت بهم العقوبة الإلهية بعد مدة وجيزة من هجرة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. لقد ورد في النبوءة: (كما قال لي الله : في مدة سنة كسنة الأجير، يفنى كل مجد قيدار، وبقية عدد قسي أبطال بني قيدار)

لقد حصل كل ما أخبرت به هذه النبوءة، فبعد سنة ونيف من هجرة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقعت غزوة بدر.. وكانت هزيمة نكراء أذهبت مجد قريش، وقتلت كثيرا من أبطالهم الذين بارزوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم الحرب..

اقرأ ما في التاريخ الموثق بأدق الأسانيد ليخبرك بذلك.. بل قد أرخ الكتاب المقدس.. عهد الله الأخير للبشرية لذلك، فقال تعالى:﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (آل عمران:123)

بل إن الله تعالى يسمي واقعة بدر بيوم الفرقان، لتفريقها بين الحق والباطل، كما قال تعالى:﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (الأنفال:41 ـ 42)

وقد تنبأ القرآن الكريم بهذه الهزيمة المنكرة التي فرقت الحق عن الباطل، قبل ذلك، في الفترة التي كان فيها المسلمون مضطهدين، فقد نزل حينها قوله تعالى:﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (القمر:45)