الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: رحمة للعالمين

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 458

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

تحاول هذه الرواية أن تصور - عبر النماذج الكثيرة - سعة الرحمة التي جاء بها الإسلام، والتي مثلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن تمثيل .. وفي نفس الوقت حاولت أن تظهر المشاريع التي استعملت كل ما أوتيت من قوة شيطانية لتشويه هذه القيمة، وتحويل دين الرحمة إلى دين قسوة وغلظة وجفاء.

وتدور أحداثها باختصار حول مشروع يقوم به المفسدون في الأرض مستثمرين التشويهات التي حصلت في الدين عبر تاريخه الطويل لينشروا في قرية من القرى .. هي نموذج مصغر عن الأمة جميعا .. أن الإسلام دين ظلم وعدوان .. وأنه خال تماما من الرحمة والإنسانية ..

لكن هؤلاء – وفي أثناء تنفيذهم لمشاريعهم – يجدون من الصالحين الذين يمثلون الدين الإلهي الصحيح من يصحح لهم تصوراتهم .. ويبين لهم الحقيقة التي اختلطت بالزيف .. والصدق الذي اختلط بالكذب.

وبناء على ذلك ينتصر المشروع الإلهي على المشروع الشيطاني .. فلا يملك أصحاب المشروع الشيطاني إلا التسليم أو الإسلام ..

فهرس المحتويات

بيانات الكتاب

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

أولا ـ النساء

المساواة

الكرامة

الصيانة

الرعاية

ثانيا ـ الأطفال

الوجود

الحياة

اللطف

التربية

ثالثا ـ العجزة

رابعا ـ المتألمون

النفس

الجسد

خامسا ـ المحبطون

السكينة

الحركة

سادسا ـ الفقراء

الاستغناء

القناعة

الاستعفاف

الفضل

السعي:

الإحسان:

سابعا ـ المستضعفون

التوكل

الإيمان

المصادر:

الثمار:

الثبات

الثورة

ثامنا ـ العبيد

تجفيف

حقوق

تحرير

إدماج

تاسعا ـ الخطاءون

الأمل

القرآن:

السنة:

الحكمة:

العقل:

الدينونة

التصحيح

العلاقة بالله:

العلاقة بالنفس:

العلاقة مع الخلق:

الترقي

عاشرا ـ الكائنات

الهداية

 

المقدمة

تعالج هذه الرواية قيمة من قيم الإسلام العظمى التي تمثله في عقائده وشرائعة وأخلاقه وعلاقاته مع عوالم الأفكار والأديان والمذاهب.. وعلاقاته مع عوالم البشر والأمم المختلفة، بل والكون جميعا.. ولا يكون المسلم مسلما إلا بتحققه بها ظاهرا وباطنا.. ولا يكون المجتمع مجتمعا مسلما إلا إذا دبت فيه روحها، وكانت هي قلبه النابض، ورئته التي يتنفس بها.

وهي القيمة .. والتي جاءت بها جميع النصوص المقدسة.. ومثلتها السيرة المطهرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. ومثلها من بعده وورثته الطاهرون الصادقون أحسن تمثيل..

هذه القيمة العظيمة التي لا يمكن وصف أهميتها، وعلاقتها بالإسلام، وعلاقة الإسلام بها هي قيمة (الرحمة).. فالإسلام رسالة ورسولا (رحمة للعالمين).. والله رب العالمين هو الرحمن الرحيم.. والكون كله نشأ رحمة من الله.. وتحرك في طريق العبودية لله رحمة من الله.. وما ينتظره من أنواع الرحمات لا يمكن تصوره.

والرسالة التي كلف المسلم أن يتحرك بها في الأرض لينشر هداية الله تنطلق من رحمته بهم، وحرصه عليهم، ولذلك هو يسير بينهم ممثلا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رحمته وسلامه وأخلاقه العالية، ليجذبهم بمغناطيس الرحمة، كما قال تعالى عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159]

لكن هذه القيمة ووجهت كما ووجهت القيم الأخرى بمن يحرفها عن مسارها الصحيح، ليحول دين الرحمة إلى دين قسوة وغلظة وجفاء.. ويحول رب الرحمة إلى مخادع وماكر ومستهزئ.. ويحول شريعة الرحمة إلى شريعة استعباد واستبداد وطغيان.. ويحول رسول الرحمة إلى رسول ينشر الكراهية والأحقاد بين الأمم والمجتمعات.. ويحول رسالة الرحمة التي كلف المسلمون أن يسيروا بها في الأرض إلى جيوش ليس لها من هم إلا القتل والذبح والسبي وإحراز المغانم.

وقد استغل كل من يعادي هذا الدين تلك التشويهات الخطيرة التي أصابت هذه القيمة العظيمة في مقاتلها، فراحوا ينفرون من الإسلام، يستثمرون لذلك كل ما أفرزه الدين البشري الذي اختلط بالدين الإلهي وحرفه عن مساره الصحيح.

ولا يمكن لأي عاقل في الدنيا أن يؤمن بدين يشرع القسوة والاستبداد والعبودية والظلم.. فلذلك كان تحطيم هذه القيمة في الدين أكبر حجاب ينتصر للمشروع الشيطاني للإنسان، ويحارب المشروع الإلهي.

وبناء على هذا كانت هذه الرواية التي حاولت أن تصور عبر النماذج الكثيرة سعة الرحمة التي جاءت بها النصوص المقدسة، والتي مثلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن تمثيل.. وفي نفس الوقت حاولت أن تظهر المشاريع التي استعملت كل ما أوتيت من قوة شيطانية لتشويه هذه القيمة، وتحويل دين الرحمة إلى دين قسوة وغلظة وجفاء.

وتدور أحداثها باختصار حول مشروع يقوم به المفسدون في الأرض مستثمرين التشويهات التي حصلت في الدين عبر تاريخه الطويل لينشروا في قرية من القرى.. هي نموذج مصغر عن الأمة جميعا.. أن الإسلام دين ظلم وعدوان.. وأنه خال تماما من الرحمة والإنسانية..

لكن هؤلاء – وفي أثناء تنفيذهم لمشاريعهم – يجدون من الصالحين الذين يمثلون الدين الإلهي الصحيح من يصحح لهم تصوراتهم.. ويبين لهم الحقيقة التي اختلطت بالزيف.. والصدق الذي اختلط بالكذب.

وبناء على ذلك ينتصر المشروع الإلهي على المشروع الشيطاني.. فلا يملك أصحاب المشروع الشيطاني إلا التسليم أو الإسلام..

وفي الأخير يتجمع أصحاب المشروع الإلهي، وينتفضون على أصحاب المشروع الشيطاني..

وقد اخترت كالعادة في أمثال هذه الروايات عشرة نماذج كبرى أصابها التشويه الخطير، ابتداء من المرأة التي حولها من سرقوا الإسلام إلى مجرد أمة رقيق لا قيمة لها إلا بخدمتها لزوجها وسجودها له.. وانتهاء بالكون الذي حوله المفسدون في الأرض إلى مرتع للفساد والإفساد.

وبين ذلك تناولت رحمة الإسلام بالأطفال والعجزة والمتألمين والمحبطين والفقراء والمسضعفين والعبيد والخطائين.

وهي تتوجه كسائر هذه السلسلة لأصحاب العقل والحكمة من المسلمين وغير المسلمين، ليصححوا نظرتهم إلى دين الله.. وليأخذوه من مصادره المقدسة، لا من التراث الذي اختلط فيه دين الله بدين البشر، ولا من التاريخ الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سينحرف عن الدين الصحيح كما انحرف تاريخ سائر الأمم.

وأحب أن أذكر في الأخير أن هذه الطبعة الجديدة تتميز باختصارها مقارنة بالطبعة السابقة، فقد حذفت الكثير من الروايات والتفاصيل التي قد تجهد القارئ العادي في فهمها أو الاستفادة منها.

البداية

في ذلك الصباح المبارك، استيقظت على مشاعر غريبة وفدت علي من حيث لا أشعر..كانت موحشة مظلمة ممتلئة بالقساوة..

كانت بدايتها موقفا من المواقف تذكرته.. لعله كان سبب تلك المشاعر التي كانت مخبأة في وجداني، ولم يتح لها أن تظهر إلا في تلك اللحظات التي كنت أنتظر فيها بشوق بالغ حديث الغريب الذي جاءني من غير ميعاد ليحدثني عن رحلته إلى شمس الهداية محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

سأذكر لكم الحادثة بتفاصيلها.. ولكل منكم الحرية في أن يفسر سر تلك المشاعر ليربطها بها، أو ينفيها عنها.

في شبابي.. ذهبت إلى بعض أهلي في البادية.. هناك حيث لا ترى في الأفق البعيد إلا الحجارة القاسية التي تملأ الجبال.. ولا ترى في الأفق القريب إلا رمالا جافة لا يضاهيها في قساوتها إلا تلك الحجارة.. وبين هذين كنت ترى صخورا أخرى كثيرة قد ملأتها رمال البيداء وصخور الجبال قسوة وغلظة وجفاوة..

كنت أرى النساء في تلك البيداء مهانات محتقرات.. لا تكاد تسمع لهن صوتا.. فهن في شغل دائم.. لا يلقين بعده جزاء ولا شكورا..

وكنت أرى الأولاد الصغار.. وهم لا يقلون شغلا عن الكبار.. وقد ذهبت ملامح براءة الصبا من وجوههم.. فهم يهتمون بما يهتم له الكبار.. ويحرصون على ما يحرصون عليه.

وكنت أرى في هذا الجو الكئيب شيخ القرية أو مختارها أو عمدتها أو ما شيء له من أسماء صاحب صوت مجلجل.. وصاحب عصا قوية.. وصاحب حرس شديد.. وصاحب أوامر ليس لها إلا أن تنفذ رغبت رعيته في تنفيذها أو أنفت.

وكنت أرى بين هذا وذاك منافقين كثيرين.. لا قلوب لهم ولا مشاعر.. هم فقط مجموعة هياكل عظمية مكسوة بأكداس من اللحم والشحم الذي لا يختلف في لونه وقساوته عن ذرات الرمال وطبقات الصخور..

كل هذه الصور لم أكن أكترث لها كثيرا.. ولكن الذي اكترثت له هو فقيه القرية وقارئها وعالمها.. ذلك الذي يجلس على عرش القرية الديني.. فهو إمامهم في الصلاة.. وهو قاضيهم في المحكمة الشرعية الصغيرة.. وهو معلمهم في الكتاتيب.. وهو فوق ذلك كله مستشارهم الذي يرجعون إليه كل حين([1])..

كان هذا الشخص مع بداوته الشديدة.. بداوته التي تغلبت على دينه.. أو بداوته التي جعلها نظارة ينظر بها إلى دينه.. أو بداوته التي فسر بها كتاب ربه وسنة نبيه.. بل فسر بها الحياة جميعا.. كان هذا الشخص هو مصدر إزعاجي الأكبر..

لقد حاولت بكل ما أطقت أن أمسح تلك الذكريات التي جمعتني به، فلم أطق.. لقد كانت تلح علي كل حين.. وكانت تملؤني بالحزن كل حين ..

وكانت كل مرة تخطر علي بالي تلك الذكريات أمد يدي من حيث لا أشعر.. وكأني أخنق بها شيئا لست أدري ما هو.. ولا لماذا.

كان للرجل أربع نسوة.. هن في الظاهر زوجاته.. ولكنهن في الحقيقة لسن إلا خدما في ضيعته الكبيرة التي اكتسبها بجشعه الكبير.. فهو لا يفتي إن أفتى إلا بالمال.. ولا يصلي إن صلى إلا بالمال.. ولا يقرأ القرآن على الموتى إلا بالمال.. ولا يضع يده المباركة على جبين المرضى ليخلصهم من العفاريت التي تسكنهم إلا بالمال.. حتى لعابه المملوء بالبركات كان لا يبيعه إلا بالمال..

ولم يكن يكتفي بكل ذلك.. بل كان فوق ذلك يسخر من يشاء ليعمل له في مزرعته الكبيرة من غير أجر إلا أجر الوساطة بينه وبين ربه..

كان كلما لمح شابة جميلة طلق زوجة من زوجاته القديمة.. وراح يتقدم لخطبة الجديدة التي تحل محلها.. ولم يكن لأهل الشابة إلا أن يقبلوا.. ولا يهمه أكان ذلك بطيب نفس، أم لم يكن بطيب نفس..

أذكر مرة أن بعضهن رفضت.. واستجاب أهلها لرفضها.. فأقام الدنيا ولم يقعدها.. كان في كل خطبه في ذلك الحين يردد قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)([2])

كان يردده بصوت قوي شديد.. وكأنه سياط يلهب بها الظهور..

ومع ذلك لم يكن يكتفي بذلك.. بل كان يقصد وجهاء القرية ليضيقوا على أهل الفتاة حتى يضطروا في الأخير إلى الإذعان..

كان له ذرية كثيرة.. وكان يختلط عليه أمرهم.. ولهذا راح يسمهم بما يذكره بهم.. ولم يكن يناديهم إلا بيا ابن فلانة..

لم يكن يستخدمهم كما يستخدم سائر الناس.. ولكنه كان يتعامل معهم بشدة وقسوة وعنف.. ويبرر كل ذلك بحديث كان يردده كل حين.. هو قوله: (اخشوشنوا وتمعددوا، واجعلوا الرأس رأسين)([3])

وكان لهذا الشيخ فوق ذلك كله ومع هذا كله دعاوى عريضة.. فهو يتصور الدين كما يتصور ضيعته.. فهو يراه ملكه الذي لا يجوز لأحد أن ينافسه فيه.. فإن ظهر بعضهم وتحدث في الدين بحسب ما هداه إليه علمه أو عقله راح ينشر البيانات في القرية.. بيانات التكفير والتبديع والتضليل والحرمان.. وكان يتبع تلك البيانات التقريرية بنقاط عملية من خالفها خرج من الفرقة الناجية ليسقط في هاوية الفرق الهالكة الكثيرة..

كان أقل تلك النقاط شأنا هجر المبتدع وترك السلام عليه وعدم عيادته إذا مرض، وعدم المشي في جنازته إذا مات.. وعدم البيع له.. وعدم الشراء منه.. ومن تجرأ وابتسم في وجهه فقد أتى بالكبيرة التي ليس دونها كبيرة..

كان الناس يسمعون هذه البيانات ويقرأونها ويمتلأون رعبا منها..

لقد كانوا يتصورون أن للرجل من السلطة ما يمكنه أن يضع أي اسم شاء في قوائم أهل النار.. كما أن له السلطة ما يمكنه أن يضع أي اسم شاء في قوائم أهل الجنة.. ولذلك كانوا يمتلئون بالرعب منه.. وكان ذلك الرعب يجعلهم يتزلفون أحيانا بكل ما يملكون ليكتسبوا من رضاه ما يضمنون به مصيرهم الذي وضع بين يديه.

كنت أجلس ـ أحيانا ـ لأستمع إلى دروسه الفقهية التي كان يتكرم بها على أهل القرية.. أو ليحضر نفوسهم بها.. فكنت أسمع من التقريعات والتشديدات ما يملأ القلوب بالمهابة..

والعجب في دروسه أنه كان لا يهتم بشيء كما يهتم بالمسائل المرتبطة بالرقيق.. وكان فهمه للرق فهما ممتلئا بالعنصرية والكبرياء.. كان كلما ذكر الرقيق يردد بحزن قائلا:(متى يأتي ذلك اليوم الذي نرى فيه الرقيق الأسود والأبيض والأصفر.. حتى نعيد إحياء هذه الأحكام التي لن تحيا إلا بعودة الرقيق)

أذكر أني في يوم من الأيام ضاقت نفسي.. فتحدثت أمامه، منكرا عليه بعض الأمور.. فأقام الدنيا ولم يقعدها..

لقد عقد المجالس الطويلة يحذر مني وينفر.. إلى أن اضطر أهلي أن يطردوني بالتي هي أحسن من تلك البادية التي ولد فيها أجدادي جميعا..

لقد خشوا علي من بطش كلماته وبطش مواقفه وبطش أتباعه الذين لم يكونوا يحملون إلا العصي..

لقد ظل هذا الرجل فترة طويلة في حياتي يملأ أحلامي بالكوابيس..

وكان مما يزيد في آلامي أنه كان يصور نفسه خليفة للنبي ووارثا له.. وكان كثير من الناس يعتقدون ذلك.. مع أنه في الحقيقة لم يكن إلا دجالا لا يختلف عن المسيح الدجال..

في ذلك اليوم جثم على قلبي كما تجثم الأدواء.. فقلت في نفسي: كيف غفل قومي عن هذا، وراحوا ينكرون على الرسامين وعلى البابا وعلى جميع الأبواق الخارجية.. !؟  

ألم يكن الأولى بهم أن يبدأوا بهذا السرطان الذي ينهش ديننا وقيمنا وحقائقنا.. فيبتروه.. لأنه لم يكن للرسامين ولا لغيرهم أن يفعلوا ما فعلوه لولا أنهم وجدوا أمثال هؤلاء الدجالين الذين يلبسون قمصان محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. ولكن قلوبهم لا تحمل إلا أضغان أبي جهل.. وأحقاده.. وأطماعه.. وقساوته !؟

ألم يكن الأولى بنا أن نخرج في مظاهرات عارمة لنحرق دمى هؤلاء الدجالين بدل أن نحرق دمى غيرهم.. فلم يكن لغيرهم أن يتحدث لولا هؤلاء؟

ألم يكن الأولى بنا أن نصيح كما صاح قبلنا رواد الثورة الصناعية، وهم يقولون: (ليشنق آخر دوق بأمعاء آخر قسيس).. فنقول معهم أو على شاكلتهم: (ليشنق آخر مستبد بأمعاء آخر دجال)؟

كنت أقول هذا.. وأنا أمد يدي لأخنق بها شيئا لست أدري ما هو..

بينما أنا كذلك إذا بي أسمع الغريب يردد بصوت حنون خاشع قوله تعالى:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ (الانبياء:107).. فإذا بشمس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تطل على قلبي.. وتزيح كل تلك الكوابيس والآلام التي نشرتها تلك الذكريات المريرة..

لقد ذاب ذلك الكابوس كما يذوب الدجال عندما يرى المسيح.. فلذلك امتلأت بالبشارة.. ورحت أسرع إلى البابا.. وفي قلبي أشواق عظيمة لأسمع رحلته الجديدة إلى شمسه صلى الله عليه وآله وسلم.

***

عندما دخلت عليه وجدته يمسك بقدم عصفور يعالجها بحنان.. فقلت: ما هذا؟

ابتسم، وقال: لقد سقط هذا العصفور من عشه.. وقد رأيته يتعثر في مشيته.. فرحت أعالجه.. يوشك أن تعود إليه العافية.. لدي خبرة في هذا.

قلت: أرى لك قلبا حنونا..

قال: لقد استفدته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعظم الناس رحمة وشفقة.. لقد مر مرة مع صحابته بشجرة فيها فرخان لحمرة، فأخذهما بعض الصحابة، فجاءت الحمرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي تقرب من الأرض وترفرف بجناحها، فقال: (من فجع هذه بفرخيها؟)، فقالوا: نحن، قال: (ردوهما) فردوهما إلى موضعهما([4]).

قلت: أعرف عظم رحمة رسول الله.. لقد وصفه الله بها، فقال:﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران:159)..

بل إن الله سماه باسمين من أسمائه الحسنى يحملان هذا المعنى، فقال:﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:128)

بل إن الله عم رحمته على العالمين، فقال:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾  (الانبياء:107)

أنا أعرف كل هذا.. ولكني أتعجب كيف ينتسب لرسول الله من امتلأ قلبه قسوة وغلظة.. ولم يكتف بذلك بل راح يصور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصورة القاسي الغليظ.. فينفر الناس عنه، وينفر القلوب منه.

قال: هذه سنة الله في أتباع أنبيائه، فمنهم من يمثلهم تمثيلا حسنا.. ومنهم من يخطئ في تمثيله، لقد ذكر الله ذلك، فقال:﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾ (فاطر:32)

وذكره، فقال:﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (لأعراف:169)

وذكره، فقال:﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ (مريم:59)

قلت: لعل هؤلاء الورثة المذكورين عوام يعذرون لجهلهم.. ولكن الشأن في أولئك الذين يتصورون أنهم ورثة رسول الله وخلفاؤه.. إنهم بقساوتهم وغلظتهم يسيئون لرسول الله ودين الله أعظم إساءة.

قال: لقد ذكر الله ذلك، ونبه إليه، وحذر منه، وأقام الحجة على عباده بكل ذلك.. فقال:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (التوبة:34)

قلت: هذه الآية في الأحبار والرهبان..

قال: وهي في الأئمة والفقهاء والمفتين والمحتسبين.. وكل من ينتسب لأي وظيفة من الوظائف التي ترتبط بالدين.. هؤلاء جميعا هم المقصودون بهذه الآية.. كل من تاجر بالدين سواء كان مسلما أو غير مسلم مخاطب بهذه الآية..

قلت ـ وأنا أمد يدي لأخنق بها شيئا لا أدري ما هو ـ: فلم لا نخنق هؤلاء.. لم لا نطعنهم.. لم لا نفجر فيهم القنابل.. لم لا نرسل عليهم بالويلات التي تبيدهم.. لم لا نحرق دماهم.. ؟

قاطعني مبتسما، وقال: يمكنك أن تفعل كل ذلك.. ويمكنك أن تدعو الكل لينفذ ذلك.. ولكن لا تنس شيئا واحدا.. لا تنس أن تبدأ بقتل الشيطان وقتل النفس الأمارة قبل أن تبدأ بهم.

قلت: فكيف أصل إلى الشيطان؟

قال: ما دام الشيطان موجودا.. وما دامت النفوس الأمارة موجودة.. فإنه من العبث أن تريق دماء هؤلاء.. ومن العبث الأكبر أن تحرق دماهم.

أطلق العصفور من يده، وقال: ما دامت المدرسة التي تكون المجرمين موجودة.. وأساتذتها أحياء.. فمن العبث أن تقتل التلاميذ المتخرجين منها..

قلت: فما الحل؟.. أرى أن الأمر لو استمر بيد هؤلاء، فسيشوه دين الله تشويها لا مطمع في إصلاحه.

قال: دين الله لا يشوه.. دين الله محفوظ كحفظ كتابه.. ألم يقل الله تعالى:﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9)؟

قلت: بلى..  إن هؤلاء لم يطيقوا أن يحرفوا حروفه وألفاظه.. ولكنهم يطيقون أن يحرفوا معانيه ومقاصده.. فيحولوا من شريعة الرحمة شريعة قسوة.. ومن دين العدالة دين جور..

قال: إن الله الرحيم الرحمن الذي تولى حفظ حروف كتابه تولى حفظ معانيه ومقاصده.. ولذلك لا تمضي فترة من الزمان دون أن يكون فيها قائم لله بالحجة.

ثم سكت قليلا، وقال: سأحدثك اليوم عن ورثة قدر الله أن ألتقي بهم لأتعرف على رسالة الرحمة الشاملة العامة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

قلت: ما أشوقني لأحاديث الورثة.. فلا ينسخ همومي شيء مثلما تنسخه أحاديثهم.. فحدثني عنهم.

قال: سأبدأ لك  من الأول.. فلا يفهم الآخر إلا بالأول.

***

اعتدل الغريب في جلسته، وحمد الله وصلى وسلم على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مستغرقا في كل ذلك.. ثم قال: في تلك الأيام التي كنت فيها عضوا في تلك الجمعية الشيطانية التي لا هم لها إلا حرب الإسلام، ووضع الحجب على شمس هدايته محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعيت إلى حفل كبير.. حضره الكثير.. منهم رجال سياسة.. ومنهم رجال دين.. ومنهم رجال فكر.. ومنهم رجال مال .. كان الحضور من كل الأصناف..

في ذلك الحفل وضعت خطة جديدة.. بدأ بالحديث عنها رجل كأنه الشيطان.. وكان اسمه الذي نعرفه به هو (...؟)

قام أمام الحضور، وهو ممتلئ بهجة وسرورا، وقال: لقد استطعنا أن نرمي الإسلام بالإرهاب.. وبالجور.. وبقي شيء واحد إن استطعنا أن نقرره في نفوس العالم.. فإنا نكون بذلك قد استأصلنا الإسلام من جذوره..

ساد صمت عميق في القاعة في انتظار هذا الجديد.. فقال: ألا تعرفون البسملة؟

قال الجميع: وكيف لا نعرفها.. والمسلمون يرددونها كل حين.. بل إنهم لا يقرأون قرآنهم إلا بعد قراءتها.

قال: ألم تنتبهوا لشيء في تلك البسملة؟

قال بعضنا: لقد ذكر فيها اسم الله.. واسمين من أسمائه ـ عند المسلمين ـ هما (الرحمن) و(الرحيم)

قال: ألا تعرفون قيمة هذين المسلمين عند المسلمين؟

قلنا: بلى.. نعرف ذلك.. فما مرادك من كل ذلك؟

قال: لقد اكتشفت من خلال بحث طويل أن السبب الأكبر الذي أمد الإسلام في جميع أجياله بالبقاء هو (الرحمة).. لقد رأيت أنها الوصف الغالب فيه..  فهي اسم إله المسلمين.. وهي اسم نبيهم.. وهي القاسم المشترك في جميع تشريعاتهم..

وقد رأيت من خلال الواقع أن سلوك الرحمة الذي سلكه الدعاة من المسلمين هو السبب الأكبر في انفتاح القلوب على الإسلام.

ولذلك رأيت أن خلع الرحمة من الإسلام ومن المسلمين هو خلع للإسلام نفسه .. خلع له من الوجود.. وخلع له من الاستمرار.

قال رجل منا ـ وهو يبتسم ـ: لو كانت الرحمة سنا لخلعناها.. ولكنها وصف.. وهي وصف خفي تمتلئ به جوانح القلوب.. فكيف نصل إليها؟

قال: ما فعلناه مع السلام والعدالة نفعله مع الرحمة.

قلنا: لم نفهم.

قال: أليس الناس على دين علمائهم وملوكهم؟

قلنا: بلى..

قال: فلنكون المدارس التي تنتج علماء ممتلئين غلظة وجفارة.. ولنكون المدارس التي تنتج ساسة وحكاما ممتلئين قسوة وظلما.

قلنا: وما علاقة ذلك بالإسلام؟

قال: الإسلام يمثله هؤلاء.. والناس لا يعرفون الإسلام إلا من خلال هؤلاء.. سوف نري العالم أجمع من خلالهم أن الإسلام دين القسوة والغلظة والجفاء.

قلنا: لا زلنا إلى الآن ننتظر تفاصيل الخطة.

قال: ألا ترون أن للرحمة تجليات يتبين من خلالها الراحمون من القساة؟

قلنا: بلى..

قال: فلنبدأ بها.

قلنا: كيف؟

قال: لنبدأ بالمرأة.. لنبين أن الإسلام قسا على المرأة وظلمها وحرمها من أبسط حقوقها.

قلنا: وما بعد ذلك؟

قال: نمر بعدها على الطفولة.. فنبين أن الإسلام بتشريعاته القاسية حرم الأطفال من أن يحافظوا على براءة طفولتهم.. ونبين أن التعاليم التي جاء بها الإسلام في شأن الأطفال ملأت حياة الأطفال بالكآبة والإحباط.

قلنا: وما بعد ذلك؟

قال: نمر بعدها على العجزة.. ثم على المتألمين.. ثم على المحبطين.. ثم على الفقراء.. ثم على المستضعفين.. ثم على العبيد.. ثم على الخطائين.. وهكذا حتى الحيوانات وسائر الكائنات.. سنبين كيف تعامل الإسلام معها جميعا بقسوة وغلظة تنفجر لها الصخور.

قلنا: عرفنا كل هذا.. فما لديك من خطة التنفيذ؟

قال: سنستغل كل ما لدينا من وسائل لننشر هذا الوعي بين الناس.. وسيكون أول من نستغله أولئك الذين لا يخدمنا أحد كما يخدموننا.

قلنا: من تقصد؟

قال: أنتم تعلمون من أقصد.

قلنا: فهل تشرح لنا خطة التنفيذ؟

قال: لا يمكنني أن أصرح بتفاصيل الخطة هنا.. ولكني أدعوكم في هذا المجلس إلى أنكم جميعا ستؤدون أدواركم لنجاح هذه الخطة.. لا تفكروا في المال، فسأعطي كل واحد منكم الحرية في أن يصرف ما يشاء من الأموال..

لا يهمني إلا شيء واحد هو أن ينظر الناس إلى دين محمد كما ينظرون إلى تلك الحجارة القاسية التي لا يفيض منها إلا الموت..

***

في الغد استدعاني أخي إلى مكتبه بالفاتيكان، وقال، وهو ممتلئ زهوا وفرحا وسرورا: أبشر ـ يا أخي ـ فها نحن نقترب كثيرا من كرسي البابا.. ذلك الكرسي الذي طالما حلمنا به..

لا يحول بيننا وبينه الآن إلا هذا البابا.. وهو عجوز مسن كما تراه.. ويوشك أن يدعوه ربه إليه ليخلو الجو لنا.

قلت: لقد زهدت في ذلك الكرسي منذ زمن بعيد.

ضحك بصوت عال، وقال: ذلك شيء يهيأ لك.. أما الحقيقة.. فهي أن الجلوس على ذلك الكرسي هو حلمك الأكبر.. حلمك الذي يمتلئ به سرك الباطن الذي لا تعرفه.

قلت: فكيف عرفت أنت؟

قال: ألست سواك.. أنا وأنت توأمان.. بل شقان لبذرة واحدة.. أنا أمثل طرفا من أطرافها، وأنت تمثل الثاني.. ولا يوجد في عقلك إلا ما يوجد في عقلي.. ولا أحلم إلا بما تحلم به.

قلت: أنا أحلم بالحقيقة.. أنا أريد أن أستظل بشمس الحقيقة.

قال: شمس الحقيقة لا ينالها إلا من جلس على كرسي بطرس.. ذلك الكرسي الذي يجعلك قريبا جدا من المسيح، ولن تنال الخلاص إلا بقربك من المسيح.

قلت: ولكن.. ألا ترى أن فيما نستخدمه من أساليب ما يبعدنا عن المسيح؟.. ألم يكن المسيح داعية سلام وداعية رحمة وداعية أخوة وإنسانية؟.. فكيف نرغب عن كل دعواته لنضع أيدينا في أيدي الشياطين؟

قال: وأي شياطين نضع أيدينا في أيديهم؟

قلت: ألم تسمع ـ أمس ـ ذلك الشيطان.. وما وضعه من الخطط؟

قال: أنت لا تعرف ذلك الرجل.. فلذلك تتكلم عنه بهذا الأسلوب.

قلت: فعرفني به.

قال: لن أعرفك به الآن.. ولكني أقول لك: لا يمكن لأحد من الناس أن يصل إلى أي كرسي على هذه الأرض من كراسي السياسة أو كراسي الدين ما لم يرض عنه..

وأي شخص لا يرضى عنه.. فإن مصيره معروف.

قلت: أنت تريدني أن أتزلف إليه إذن؟

قال: أجل.. بقلبك وقالبك.. فلذلك الرجل من القدرات ما يقرأ به أسرارك.. فلذلك احذر أن يطلع منك على أي خيانة.. فإنه لا شيء يزعجنا عن أحلامنا كما يزعجنا غضبه.

قلت: فأنت الآن تريد أن تنفذ الخطة التي أرادها.

قال: ولم أدعك إلا لأجل ذلك.. إن كل من رأيتهم قد حضروا الحفل لا يهتمون الآن بشيء كما يهتمون بتنفيذ خطته.. لأنه لا تنفذ مآربهم ولا تحقق أحلامهم إلا بذلك.

قلت: ولكنا لم نسمع في الحفل بأي خطة؟

قال: هو لا يتكلم في هذه الأمور علانية.. هو يأخذ حذره أكثر مما تتصور.. ولذلك هو يرسل إلى خاصة خاصته برسائل مشفرة لا يقرؤونها إلا هم.. بل إنه أحيانا كثيرة، وإمعانا في الاحتياط، لا يثق في الرسل الذين يرسلهم، فلذلك يأتي هو، ويسر لمن يريد أن يتحدث إليه، ويناجيه ليس بينه وبينه أحد.

قلت: لكأنه يمارس أساليب الشياطين.

ضحك أخي، وقال: لقد ذكرتني.. فكثيرا ما يقول لنا هذا عن نفسه..

قلت: ما يقول؟

قال: إنه يقول لنا ـ مازحا بالطبع ـ: أحيانا تقتضي منا التضحية أن نتحول إلى شياطين.. لأنه لا يمكن أن نحقق أهدافنا ونحن نسلك سبل الملائكة.

 قلت: ويله.. أيتهم الملائكة بالعجز؟

قال: هو لا يتهم الملائكة بالعجز.. ولكنه يتهم السبل النظيفة بالعجز.

قلت: أرى أن هذا ليس إلا الشيطان.. فكيف نسلم أنفسنا له؟

قال: إن اضطر العاقل أن يستخدم الشيطان لأجل غرضه الشريف، فمن الجنون أن لا يستخدمه.

قلت: أي غرض شريف هذا؟.. إن الرجل يريد أن يتهم محمدا ودين محمد ورب محمد بما هم منهم برآء.

قال: ألم تر المسلمين.. وهم يسلون تلك السكاكين الحادة، فيزهقون بها أرواح الحيوانات البريئة، وهم ممتلئون سرورا؟

ألم تقرأ آيات الاستعباد في القرآن؟

ألم تقرأ الأمر بضرب النساء في القرآن؟

ألم تقرأ ما وصف به القرآن إله المسلمين.. لقد كان من ضمن ما وصفه به قوله:﴿.. وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)﴾ (الأنفال)([5]) ؟

لم أجد ما أجيبه به.. فلما رأى صمتي، قال: أعلم صدقك وإخلاصك.. وأعلم أن بينك وبين دين محمد كما بين السماء والأرض.. ولكني في نفس الوقت أعلم أن بعض الفيروسات قد تسربت إليك نتيجة رحلاتك السابقة لبلاد المسلمين.. أنا أعذرك في ذلك.. فالكثير ممن تعرض لما تعرضت له أصابه ما أصابك.. بل إن الكثير منهم لم يتحمل فراح يحترق في شمس محمد.

ولذلك.. فقد هيأت لك رحلة إلى بلد من بلاد المسلمين.. بلد مملوء بالقساوة.. لتبصر فيه حقيقة الإسلام التي ربما تكون قد خفيت عليك.

قلت: وما وظيفتي في هذه الرحلة؟

قال: ليس لك إلا وظيفة بسيطة لا تختلف عن كثير من الوظائف التي كنت قد كلفتك بها.

قلت: وما هي هذه الوظيفة البسيطة؟

قال: لقد أرسلنا نفرا من قومنا لبلد من بلد المسلمين.. لنعرفهم بحقيقة القساوة التي يحملها الإسلام.

قلت: قد أرسلتموهم.. فما علاقتي أنا بهم؟

قال: أنت بمكانتك الرفيعة في الكنيسة ستكون رقيبا عليهم.. لترى سلامة السبل التي يتخذونها لهذا الغرض.. ولنرى مدى نجاح الطرق التي ينتهجونها لنعممها بعد ذلك على سائر بلاد الإسلام.

قلت: فكيف لي أن أعرفهم؟

قال: سأعطيك دفترا يحوي أسماءهم وصورهم والأماكن التي يمكن أن تجدهما فيها.. لترى مدى نشاطهم في الوظائف التي كلفوا بها.. واطمئن فلن يعرفك أحد منهم.. ولذلك، فستقوم بوظيفتك من دون أن يحرجك أي أحد.. هذا هو الغرض الوحيد الذي أردت أن أبعثك له في هذه الرحلة.

قال ذلك.. ثم ابتسم.. وكأنه يخفي شيئا.. فقلت له: لكأني بك تخفي شيئا لا تريد أن تصرح لي به.

ابتسم، وقال: أجل.. لي هدف آخر من وراء إرسالك لهذه المنطقة.. ولهذه الوظيفة..

قلت: ما هو؟

قال: لقد عرفت الجروح التي أصابتك من رحلاتك السابقة.. فلذلك أردت أن تكون هذه الرحلة رحلة علاج.. رحلة تكتشف فيها من قسوة محمد، وقسوة دينه ما يملؤك بالغثاء.. لترجع إلينا بعدها حبرا صالحا يمكنه أن يصير في يوم من الأيام خليفة من خلفاء بطرس وأولئك القديسين الكثيرين الذين جلسوا مجلسه.

***

في ذلك المساء امتلأت هما وغما لما ذكره لي أخي من مظاهر القسوة في الإسلام، فلذلك ذهبت ـ كعادتي في مثل هذه الأحوال ـ إلى الغابة التي تعودت أن ألتقي فيها بمعلم السلام.

لم أسر في الغابة إلا قليلا حتى رأيته، وهو يحمل حجارة يرمي بها حيوانا لم أتبينه، فأسرعت إليه، وقلت: ماذا تفعل؟.. لم أكن أتصور أن رجلا في مثل حكمتك يحمل الحجارة.

قال: لقد دفعتني الرحمة إلى حمل هذه الحجارة.

قلت: الرحمة لا تدفعك لحمل الحجارة.. لا يرمي بالحجارة إلا من قلوبهم مثل الحجارة.

قال: لقد رأيت حيوانا عاديا يهم بحيوان قاصر ضعيف.. وقد خيرت بين أن أترك الضعيف للقوي.. أو أصد القوي عن الضعيف.. وقد دلتني الرحمة أن أنتصر للضعيف من القوي.

قلت: نعم ما اخترت.. ولكن ألم تجد إلا الحجارة؟

قال: لم يكن لي خيار إلا الحجارة.. فالرحمة أحيانا قد تتطلب بعض القسوة.

قلت: لقد قال الشاعر العربي يعبر عن ذلك:

وقسا ليزدجروا ومن يك راحما
 

فليقس أحيانا على من يرحم
  

قال: صدق الشاعر.. فقد نظر إلى الحقيقة من بابها الصحيح..

قلت: ألا ترى أن هذا قد يصبح حجة للظلمة والمستكبرين والطغاة، فيفعلون ما تطلبه نفوسهم من القسوة، ثم يلبسون على الناس وعلى أنفسهم، فيزعمون أنهم لا ينطلقون إلا من الرحمة؟

سأضرب لك مثالا يقرب لك ذلك.. لقد ذهبنا إلى أراضي المستضعفين نستولي عليها ونتسلط.. ونحن نزعم لهم مع ذلك أن قصدنا هو رحمتهم.. رحمتهم بإخراجهم من التخلف إلى الحضارة.

قال: ولكن كير الامتحان يميز الخبيث من الطيب، والغليظ من اللين، والقاسي من الرحيم.

قلت: وما كير الامتحان؟

قال: أليس قومك يهتمون بالنتائج قبل الوسائل.. فلذلك يتذرعون بكل وسيلة للحصول على ما يرغبونه من النتائج؟

قلت: ذلك صحيح.. وهم يعبرون عن ذلك بأن الغاية تبرر الوسيلة.

قال: فكير الامتحان هو النظر إلى النتائج.. فبذور الشوك يستحيل أن تنبت ثمار العنب.

قلت: أتقصد أن ننتظر النتائج حتى نرى حقيقة الدوافع؟

قال: أجل.. فالنتائج هي التي تبين المنطلقات.. فلا يمكن أن يخرج إلى الوجود إلا ما بذر في أرض النفوس.

قلت: إني أرى أقواما يحملون رايات كثيرة قد التبست علي فلم أدر أهي رايات رحمة أم رايات قسوة؟

قال: لا تنظر إلى الرايات.. وانظر إلى ما يحركها..

قلت: لم أفهم.

قال: أرأيت الطبيب الذي يضطر إلى إجراء عملية جراحية لولد صغير.. فتقف في وجهه الرايات الكثيرة تدافع عن الطفل.. وترمي بالحجارة وجه الطبيب، لكونه يريد أن يقسو على الولد.

قلت: مخطئون هم.. وقساة هم.. وليس الرحيم إلا الطبيب.

قال: لم؟

قلت: لأن رحمتهم القاصرة المحدودة ستقسو على الولد، وستملأ حياته بالألم .. بينما قسوة الطبيب الظاهرة لا تنتج إلا الصحة والعافية.. فقسوته رحيمة.. ورحمتهم قاسية.

قال: فانظر بهذا المنظار للحقائق.. فلا ينبغي للعاقل أن تغره القشور، فينشغل بها عن اللباب.

قال ذلك، ثم انصرف تاركا لي كعادته.

بمجرد أن سار شعرت بهمة عظيمة تدفعني لأرحل تلك الرحلة التي كلفني بها.. بصدق وعزيمة وإخلاص..

لقد قلت في نفسي: فليكن ما يكون.. فالحقائق لابد أن تبرز عن نفسها لا محالة..

***

بعد أيام قليلة سرت إلى البلد الذي طلب مني أن أذهب إليه.. كان بلدا قاسيا في ظاهره، فليس في تضاريسه ولا أجوائه إلا القسوة..

لقد امتلأت بالكآبة عندما نزلت فيه.. لكني ما إن رأيت ورثة النبوة وعاشرتهم حتى تحول كل شيء في نظري إلى جمال لا يضاهيه أي جمال..

لم أمكث في ذلك البلد الطيب طويلا.. ولكني استفدت من كل يوم مكثت فيه ـ بفضل الله ـ من أشعة شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يستطيع اللسان التعبير عنه..

قلت: فهل ستحكي لي خبر ما رأيت؟

قال: أجل.. فقد كانت الأنوار التي تحملها براهين جديدة اقتربت بها خطوات كثيرة من شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

 

 

أولا ـ النساء

في صباح اليوم الأول، سرت على غير هدى إلى أن وجدت مجلسا لنسوة مجتمعات.. وكان من فضل الله وتوفيقه أن رأيت فيهن امرأة كانت من الذين جئت لأتجسس عليهم.. وقد تعجبت عندما رأيت النسوة المجتمعات معها يطلقن عليها اسم (مريم هاري)([6]).. تصورته في البداية اسما مستعارا أرادت استخدامه لأداء الوظيفة التي كلفت بها.. لكني بعد ذلك علمت أنه اسمها الذي اختارته عن طواعية بعد ولادتها الثانية..

لن أستعجل.. سأحدثك بحديثها.. وحديث النسوة اللاتي كن معها.. واللاتي كن على حسب ما يبدو من جنسيات مختلفة([7]).. فقد كانت ألوانهن وأزياؤهن مختلفة تماما.. ولكنهن مع ذلك كن يشتركن في معرفة العربية والنطق السليم بها..

جلست في محل قريب منهن، لأتنصت عليهن من حيث أراهن ولا يرينني..

وقد عرفت من خلال أحاديثهن أن إحداهن كان اسمها (فرانسواز ساجان)([8]).. وأن أخرى كان اسمها (دانيالي كوتيدن)([9]).. وأن أخرى كان اسمها (مسز آرنون)([10]).. وأن أخرى كان اسمها (اللادي كوك)([11]).. وأن أخرى كان اسمها (بريجيت باردو)([12]).. وأن أخرى كان اسمها (الدكتورة أيبرين)([13]).. وأن أخرى كان اسمها (بيتو لاهايت)([14]).. وأن أخرى كان اسمها (بريجت أوف هاهر)([15]).. وأن أخرى كان اسمها (هيلسيان ستانسبري)([16]).. وأن أخرى كان اسمها (اللادي ماري مونتكاد)([17])..

وكان مع هؤلاء جميعا المسلمة التي حدثتك عنها (مريم هاري).. والتي رأيت من خلال حديثها أنها انقلبت على الوظيفة التي جاءت من أجلها.. فبدل أن تجلس مع مسلمات لتقنعهن بقساوة الإسلام.. صارت تجلس مع نساء من قومنا لتحدثهم عن رحمة الإسلام.. ولتحولهم من خلالها إلى دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

كان حديث هؤلاء النسوة الإحدى عشر هو مبعث أشعة كثيرة من نور النبوة نسخت بها تلك الظلمات التي سربها إلي أخي..

سأحدثك بما لا أزال أحفظه من حديثهن.

بدأت الحديث (فرانسواز ساجان) قائلة لمريم هاري: أنا إلى الآن لا أزال حائرة في سر إسلامك.. ألم تثنك عنه كل تلك الأحاديث التي يذيعها قومنا كل حين عن المرأة.. وعن القسوة التي عامل بها الإسلام المرأة؟

قالت مريم: لذلك قصة طويلة.. سأحكيها لكم.. ولكن بشرط واحد هو أن تخبرني كل امرأة منكن عن تجربتها في هذا..

أنا أعلم أنكن جميعا مثقفات واعيات.. وأنكن جميعا مررتن بتجارب مختلفة.. وقد مررت مثلكن بذلك..

فلذلك لن أفضي لكن بسري حتى تفضين لي بسركن..

نهضت (بيتو لاهايت)، وكانت أكبرهن سنا، وقالت: إئذن لي أن أبدأ الحديث أنا.. فأنا أكبركن سنا، وأطولكن تجربة..

لقد بدأت حياتي في أسرة مسيحية متدينة.. بل مغالية في تدينها.. وقد عرفت من خلال تأمل طويل أنه يستحيل أن يحمل دين الله أي عصبية ضد أي جهات من الجهات.. وضد أي جنس من الأجناس..

وقد دعاني هذا البحث إلى أن أبحث عن موقف المسيحية من المرأة لأعرف من خلال ذلك مدى مصداقيتها.. وقد أوصلني ذلك البحث إلى الخروج من المسيحية والارتماء بعدها في أحضان اللاشيء.. فلم يكن لدي من القدرة ما أواصل به مشوار البحث عن الحقيقة..

قالت النسوة: حدثينا عما وجدت في المسيحية عن المرأة.

قالت: لقد بدأت بالكتاب المقدس.. لقد قلت لنفسي: فلأطرح ذاتي بين يدي الله ليخبرني عن حقيقتي وعن وظيفتي.. وعن علاقتي به، وعلاقته بي..

وقد صدمت من أول نظرة.. لقد قرأت في رسالة بولس إلى أهل كورونثوس الأولى (11 /3-9): (ولكن أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح. واما رأس المرأة فهو الرجل ورأس المسيح هو الله.. كل رجل يصلّي أو يتنبأ وله على راسه شيء يشين رأسه. وأما كل امرأة تصلّي أو تتنبأ ورأسها غير مغطى فتشين رأسها لأنها والمحلوقة شيء واحد بعينه. إذ المرأة إن كانت لا تتغطى فليقص شعرها. وإن كان قبيحا بالمرأة أن تقص أو تحلق فلتتغط. فإن الرجل لا ينبغي أن يغطي راسه لكونه صورة الله ومجده. وأما المرأة فهي مجد الرجل. لأن الرجل ليس من المرأة بل المرأة من الرجل. ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة بل المرأة من أجل الرجل)

وقرأت في رسالته إلى أهل رومية ما يؤكد أن المرأة لا قيمة لها بدون الرجل وأن ناموسها هو زوجها، وقد سماه بولس بالناموس الحي وقال: (إن مات زوجها فقد تحررت من الناموس الحي﴾ (رومية 7 /2-3)

وفي (رومية7 /2):(فان المرأة التي تحت رجل هي مرتبطة بالناموس بالرجل الحي. ولكن إن مات الرجل فقد تحررت من ناموس الرجل. فإذا ما دام الرجل حيّا تدعى زانية ان صارت لرجل آخر. ولكن إن مات الرجل فهي حرة من الناموس حتى أنها ليست زانية إن صارت لرجل آخر)

ورأيته في (أفسس) يأمر النساء أن يكن خاضعات للرجال كما يخضعن للرب، ويزيد في الأمر أن الرجل هو رأس المرأة مشبهاً ذلك بعبادة الرب، وأنه عقيدة فهي أقل من الرجل.. اسمعوا ما ورد في (أفسس: 5 /22-24):(أيها النساء اخضعن لرجالكنّ كما للرب لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضا رأس الكنيسة، وهو مخلّص الجسد، ولكن كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهنّ في كل شيء)

 ومثل ذلك قرأت في (كورنثوس1:11 /3): (ولكن أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح.. وأما رأس المرأة فهو الرجل.. ورأس المسيح هو الله)

وقرأت في (كورنثوس1:11 /7): (فإن الرجل لا ينبغي أن يغطي رأسه لكونه صورة الله ومجده، وأما المرأة فهي مجد الرجل، لأن الرجل ليس من المرأة بل المرأة من الرجل، ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة بل المرأة من أجل الرجل)

وقرأت في (كورنثوس1:14 /34): (لتصمت نساؤكم في الكنائس لأنه ليس مأذونا لهنّ أن يتكلمن بل يخضعن كما يقول الناموس أيضا، ولكن إن كنّ يردن أن يتعلمن شيئا فليسألن رجالهنّ في البيت لأنه قبيح بالنساء أن تتكلم في كنيسة)

وقرأت في (تيموثاوس1:2 /11-13): (لتتعلّم المرأة بسكوت في كل خضوع، ولكن لست آذن للمرأة أن تعلّم ولا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت، لان آدم جبل أولا ثم حواء)

وقرأت في  (بطرس:3 /5): (فإنه هكذا كانت قديما النساء القديسات أيضا المتوكلات على الله يزيّن أنفسهن خاضعات لرجالهن)

وقرأت في (يشوع 15 /16-17) أن المرأة مجرد هدية فقط يتهاداها الرجال ففيه: (وقال كالب: من يضرب قرية سفر ويأخذها أعطيه عكسة ابنتي امرأة. فاخذها عثنيئيل بن قناز اخو كالب. فاعطاه عكسة ابنته امرأة)

وقرأت في (قضاة 19 /22-29) أن المرأة مجرد هدية قد يدفعها سيدها للزنا.. ففيه: (وفيما هم يطيبون قلوبهم اذا برجال المدينة رجال بليعال أحاطوا بالبيت قارعين الباب، وكلموا الرجل صاحب البيت الشيخ قائلين: أخرج الرجل الذي دخل بيتك فنعرفه، فخرج إليهم الرجل صاحب البيت وقال لهم: لا يا إخوتي لا تفعلوا شرا. بعد ما دخل هذا الرجل بيتي لا تفعلوا هذه القباحة. هو ذا ابنتي العذراء وسريته دعوني أخرجهما فأذلوهما وافعلوا بهما ما يحسن في أعينكم وأما هذا الرجل فلا تعملوا به هذا الأمر القبيح. فلم يرد الرجال أن يسمعوا له. فأمسك الرجل سريته وأخرجها اليهم خارجا فعرفوها وتعللوا بها الليل كله إلى الصباح وعند طلوع الفجر أطلقوها. فجاءت المرأة عند إقبال الصباح وسقطت عند باب بيت الرجل حيث سيدها هناك إلى الضوء. فقام سيدها في الصباح وفتح أبواب البيت وخرج للذهاب في طريقه واذا بالمرأة سريته ساقطة على باب البيت ويداها على العتبة)

وقرأت في (قضاة:19:29): (ودخل بيته وأخذ السكين وأمسك سريته وقطعها مع عظامها الى اثنتي عشرة قطعة وأرسلها الى جميع تخوم إسرائيل)

وقرأت في سفر (العدد30 /3-13) أن المرأة ليس لها الحق في أن تنذر للرب إلا بموافقة أبيها أو زوجها.. ففيه: (وأما المرأة فإذا نذرت نذرا للرب والتزمت بلازم في بيت أبيها في صباها وسمع أبوها نذرها واللازم الذي ألزمت نفسها به فإن سكت أبوها لها ثبتت كل نذورها. وكل لوازمها التي ألزمت نفسها بها تثبت. وإن نهاها أبوها يوم سمعه فكل نذورها ولوازمها التي ألزمت نفسها بها لا تثبت. والرب يصفح عنها لأن أباها قد نهاها. وإن كانت لزوج ونذورها عليها أو نطق شفتيها الذي ألزمت نفسها به وسمع زوجها فإن سكت في يوم سمعه ثبتت نذورها ولوازمها التي ألزمت نفسها تثبت. وإن نهاها رجلها في يوم سمعه فسخ نذرها الذي عليها ونطق شفتيها الذي ألزمت نفسها به والرب يصفح عنها. وأما نذر أرملة أو مطلقة فكل ما ألزمت نفسها به يثبت عليها. ولكن إن نذرت في بيت زوجها أو ألزمت نفسها بلازم بقسم وسمع زوجها فإن سكت لها ولم ينهها ثبتت كل نذورها. وكل لازم ألزمت نفسها به يثبت. وإن فسخها زوجها في يوم سمعه فكل ما خرج من شفتيها من نذورها أو لوازم نفسها لا يثبت. قد فسخها زوجها.والرب يصفح عنها. كل نذر وكل قسم التزام لإذلال النفس زوجها يثبته وزوجها يفسخه)

وقرأت في (تيماثوس الأولى 2 /11-15): (لتتعلّم المرأة بسكوت في كل خضوع. ولكن لست آذن للمرأة أن تعلّم ولا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت. لأن آدم جبل أولا ثم حواء. وآدم لم يغو لكن المرأة أغويت فحصلت في التعدي. ولكنها ستخلص بولادة الأولاد إن ثبتن في الايمان والمحبة والقداسة مع التعقل)

وقرأت في (تثنية 21 /10-14) أن المرأة تعامل كالحيوانات إن وقعت في السبي.. اسمعوا ما يقول الرب في هذا السفر: (إذا خرجت لمحاربة أعدائك ودفعهم الرب إلهك إلى يدك وسبيت منهم سبيا ورأيت في السبي امرأة جميلة الصورة والتصقت بها واتخذتها لك زوجة فحين تدخلها إلى بيتك تحلق رأسها وتقلم أظفارها وتنزع ثياب سبيها عنها وتقعد في بيتك وتبكي اباها وأمها شهرا من الزمان ثم بعد ذلك تدخل عليها وتتزوج بها فتكون لك زوجة. وإن لم تسرّ بها فأطلقها لنفسها. لا تبعها بيعا بفضة ولا تسترقها من أجل أنك قد أذللتها)

وقرأت في (لوقا 20 /29-35) أن المرأة ليست سوى ميراث للرجل.. ففيه: (فكان سبعة إخوة، وأخذ الأول امرأة ومات بغير ولد، فأخذ الثاني المرأة ومات بغير ولد، ثم أخذها الثالث وهكذا السبعة، ولم يتركوا ولدا وماتوا، وآخر الكل ماتت المرأة أيضا، ففي القيامة لمن منهم تكون زوجة، لأنها كانت زوجة للسبعة. فأجاب وقال لهم: يسوع أبناء هذا الدهر يزوجون ويزوجون، ولكن الذين حسبوا أهلا للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يزوجون ولا يزوجون)

وفي (تثنية 25 /5-6): (إذا سكن إخوة معا ومات واحد منهم وليس له ابن فلا تصر امرأة الميت إلى خارج لرجل أجنبي. أخو زوجها يدخل عليها ويتخذها لنفسه زوجة ويقوم لها بواجب أخي الزوج. والبكر الذي تلده يقوم باسم أخيه الميت لئلا يمحى اسمه من إسرائيل)

وفي نفس السفر ذكر للعقوبة التي يتلقاها إن رفض ذلك.. ففيه (تثنيه:25 /9): ( تتقدم امرأة أخيه إليه أمام أعين الشيوخ وتخلع نعله من رجله وتبصق في وجهه وتصرح وتقول هكذا يفعل بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه، فيدعى اسمه في إسرائيل بيت مخلوع النعل)

وقرأت في (راعوث:4/1-10): (فصعد بوعز إلى الباب، وجلس هناك، واذا بالولي الذي تكلم عنه بوعز عابر، فقال: مل واجلس هنا أنت يا فلان الفلاني فمال وجلس، ثم أخذ عشرة رجال من شيوخ المدينة وقال لهم اجلسوا هنا فجلسوا، ثم قال للولي أن نعمي التي رجعت من بلاد موآب تبيع قطعة الحقل التي لأخينا اليمالك، فقلت إني اخبرك قائلا: اشتر قدام الجالسين وقدام شيوخ شعبي، فان كنت تفكّ ففكّ، وان كنت لا تفكّ فأخبرني لأعلم لأنه ليس غيرك يفك وأنا بعدك. فقال: إني افكّ. فقال بوعز: يوم تشتري الحقل من يد نعمي تشتري أيضا من يد راعوث الموآبية امرأة الميت لتقيم اسم الميت على ميراثه. فقال الولي: لا اقدر أن أفك لنفسي لئلا أفسد ميراثي. ففكّ أنت لنفسك فكاكي لأني لا أقدر أن أفكّ، وهذه هي العادة سابقا في اسرائيل في أمر الفكاك والمبادلة لأجل إثبات كل أمر يخلع الرجل نعله ويعطيه لصاحبه. فهذه هي العادة في اسرائيل. فقال الولي لبوعز اشتر لنفسك. وخلع نعله فقال بوعز للشيوخ ولجميع الشعب أنتم شهود اليوم أني قد اشتريت كل ما لاليمالك وكل ما لكليون ومحلون من يد نعمي. وكذا راعوث الموآبية امرأة محلون قد اشتريتها لي امرأة لأقيم اسم الميت على ميراثه ولا ينقرض اسم الميت من بين إخوته ومن باب مكانه. أنتم شهود اليوم)

وقرأت في سفر (الخروج) شريعة خاصة بالعبد وزوجته جاء فيها (الخروج 21 /2-6): (إذا اشتريت عبدا عبرانيا فست سنين يخدم وفي السابعة يخرج حرا مجانا. إن دخل وحده فوحده يخرج. إن كان بعل امرأة تخرج امرأته معه. إن اعطاه سيده امرأة وولدت له بنين أو بنات فالمرأة وأولادها يكونون لسيده وهو يخرج وحده. ولكن إن قال العبد أحب سيدي وامرأتي وأولادي لا أخرج حرا يقدمه سيده إلى الله ويقربه إلى الباب أو إلى القائمة ويثقب سيده اذنه بالمثقب.فيخدمه إلى الأبد)

وقرأت في (التكوين: 31 /11-17) قصة يعقوب وهروبه من لابان أبي زوجتيه راحيل وليئة بعد أن استولى على كل ما للرجل.. وفيها: (فأجابت راحيل وليئة وقالتا له ألنا أيضا نصيب وميراث في بيت أبينا.. ألم نحسب منه أجنبيتين. لأنه باعنا وقد أكل أيضا ثمننا. إن كل الغنى الذي سلبه الله من أبينا هو لنا ولأولادنا. فالآن كل ما قال لك الله افعل، فقام يعقوب وحمل اولاده ونساءه على الجمال.)

وقرأت في (التكوين: 36 /8-10) أن المرأة إذا ورثت تكون هي نفسها مجرد ميراث حتى لا يخرج الميراث خارج عائلتها.. ففيه: (وكل بنت ورثت نصيبا من أسباط بني إسرائيل تكون امرأة لواحد من عشيرة سبط أبيها لكي يرث بنو إسرائيل كل واحد نصيب آبائه. فلا يتحول نصيب من سبط إلى سبط آخر بل يلازم اسباط بني اسرائيل كل واحد نصيبه كما أمر الرب موسى كذلك فعلت بنات صلفحاد)

وفوق ذلك كله قرأت في الكتاب المقدس عقوبات خاصة بالنساء دون الرجال.. ولم أدر سر تخصيصهن بذلك..

منها ما ورد في (تثنية: 25 /11-12): (إذا تخاصم رجلان بعضهما بعضا رجل وأخوه وتقدمت امرأة أحدهما لكي تخلّص رجلها من يد ضاربه ومدّت يدها وأمسكت بعورته (فاقطع يدها ولا تشفق عينك)

وفي الولادة البنت تنجس أمها أسبوعين بينما الولد ينجسها أسبوع (لاويين 12/6)

وهكذا..

قالت النسوة: ولكن المسيحية لا تتشكل من الكتاب المقدس وحده.. هناك رجال الكنيسة ومجامعها.. ولا يمكن أن تفهم المسيحية من دونهم؟

قالت (بيتو لاهايت): لقد بحثت في هذا أيضا..

قالت النسوة: فما وجدت؟

قالت: لم يزدني ذلك إلا بعدا عن المسيحية ونفورا منها..

قالت النسوة: فحدثينا عما وجدت في هذا.

قالت([18]): لقد أثرت تلك النصوص في رجال الكنيسة أجيالا طويلة اعتبروا خلالها المرأة مسئولة عن كل خطيئة وقعت في العالم، فلولا المرأة ماخرج آدم من الجنة.. ولهذا قرروا أن الزواج دنس يجب الابتعاد عنه.. وأن الأعزب أكرم عند الله من المتزوج.. وأن السمو فى علاقة الإنسان بربه لا يتحقق إلا بالبعد عن الزواج.. وأن الحمل والولادة، والشهوة، واشتياق الرجل لامرأته، واشتياق المرأة لزوجها من الآثام، التى جلبت على المرأة الويل والعار على مدى التاريخ كله، وهى عقوبة الرب لحواء على خطيئتها الأزلية.

وفوق ذلك كله أعلنوا أنها باب الشيطان..

لاشك أن هذا الكلام المجمل لن يقنعكم.. فلذلك اسمحوا لي أن أسرد عليكم ما قال القديسون وآباء الكنيسة والمجامع المقدسة لتعلموا موقف جميع هؤلاء من المرأة:

لقد كتب جيروم يدعو المرأة أن تتخلص من أنوثتها ليتم خلاصها فى الآخرة.. يقول في ذلك:(بما أن المرأة خُلِقَت للولادة والأطفال، فهى تختلف عن الرجل، كما يختلف الجسد عن الروح. ولكن عندما ترغب المرأة فى خدمة المسيح أكثر من العالم، فعندئذ سوف تكف عن أن تكون امرأة، وستسمى رجلاً)([19])

وقال ممتهنا المرأة وحقوقها: (إذا امتنعنا عن الاتصال الجنسى فإننا نكرم زوجاتنا، أما إذا لم نمتنع: حسناً فما هو نقيض التكريم سوى الإهانة)

وقال القديس أوغسطين: (إذا كان ما احتاجه آدم هو العشرة الطيبة، فلقد كان من الأفضل كثيراً أن يتم تدبير ذلك برجلين يعيشان معاً كصديقين، بدلاً من رجل وامرأة)

وقد كان توما الأكوينى متحيراً تماماً مثل سلفه أوغسطين فى سبب خلق الله للمرأة، فكتب يقول: (فبما يختص بطبيعة الفرد، فإن المرأة مخلوق معيب وجدير بالإزدراء، ذلك أن القوة الفعَّالة فى منى الذكر تنزع إلى انتاج مماثلة كاملة فى الجنس الذكرى، بينما تتولد المرأة عن معيب تلك القوة الفعَّالة، أو حدوث توعك جسدى، أو حتى نتيجة لمؤثر خارجى)

وقال تروتوليان ـ أحد أقطاب المسيحية الأولى وأئمتها ـ يبين نظرة المسيحية إلى المرأة: (إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، وإنها دافعة الى الشجرة الممنوعة ناقضة لقانون الله ومشوهة لصورة الله أي الرجل -) مستندا في ذلك إلى ما ورد في (تيموثاوس الأولى 2/ 14-15):(وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ لَكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي، وَلَكِنَّهَا سَتَخْلُصُ بِوِلاَدَةِ الأَوْلاَدِ، إِنْ ثَبَتْنَ فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ مَعَ التَّعَقُّلِ)

أما البابا (اينوسنسيوس الثامن) فقد أعلن فى براءة (1484﴾ (أن الكائن البشرى والمرأة يبدوان نقيضين عنيدين)

وقال لوثر: (المرأة كمسمار يُدَّق فى الحائط)، وقال:  (إذا تعبت النساء، أو حتى ماتت، فكل ذلك لا يهم، دعهن يمتن فى عملية الولادة، فلقد خلقن من أجل ذلك)

وقال: (كم هو شىء مرعب وأحمق تلك الخطيئة! إن الشهوة هى الشىء الوحيد الذى لا يمكن شفاؤه بأى دواء، ولو كان حتى الزواج الذى رُسِمِ لنا خصيصاً من أجل هذه النقيصة التى تكمن فى طبيعتنا)

وقالت الراهبة كارين أرمسترونج: (إن المسيحية خلقت أتعس جو جنسى فى أوروبا وأمريكا بدرجة قد تصيب بالدهشة كلا من يسوع والقديس بولس. ومن الواضح كيف كان لهذا تأثيره على النساء. فبالنسبة لأوغسطين الذى كان يناضل من أجل البتولية، كانت النساء تعنى مجرد اغراء يريد أن يوقعه فى شرك، بعيداً عن الأمان والإماتة المقدسة لشهوته الجنسية. أما كون العصاب الجنسى للمسيحية قد أثر بعمق فى وضع النساء، فهذا ما يُرى بوضوح من حقيقة أن النساء اللاتى التحقن بالجماعات الهرطيقية المعادية للجنس، وصرن بتولات، قد تمتعن بمكانة واحترام كان من المستحيل أن يحظين بهما فى ظل المسيحية التقليدية)

وقالت: (لقد كانت المسيحية مشغولة طيلة مئات السنين بجعل النساء يخجلن من أمورهن الجنسية، ولقد عرفت النساء جيداً كما قال أوغسطين ولوثر قبل عدة قرون، أن تشريع الزواج كان مجرد دواء ضعيف المفعول لمعالجة شرور الجنس)

وقالت: (لقد كان يُنظر إلى جسد المرأة باشمئزاز على نحو خاص، كما كان مصدر إرباك لآباء الكنيسة أن يسوع ولد من امرأة. فكم ضغطوا بشدة فى موعظة تلو موعظة، وفى رسالة تلو رسالة على أن مريم بقيت عذراء، ليس فقط قبل ميلاد المسيح بل وبعده أيضاً)

و كتب أودو الكانى فى القرن الثانى عشر يقول: (إن معانقة امرأة تعنى معانقة كيس من الزبالة)

وكتب أسقف فرنسى عاش فى القرن الثانى عشر يقول: (إن كل النساء بلا استثناء مومسات، وهن مثل حواء سبب كل الشرور فى العالم)

وقال الراهب البنديكتى برنار دى موريكس دون مواربة فى أشعاره: (إنه لا توجد امرأة طيبة على وجه الأرض)

وقال الراهب الانجليزى اسكندر نكهام: (أنه نظراً لأن المرأة لا تشبع جنسيا، فإنها غالبا ما تصطاد بائساً حقيراً لينام معها فى فراشها ليشبع نهمها إذا كان زوجها غير موجود فى لحظة شبقها. ونتيجة لذلك كان على الأزواج أن يربوا أطفالاً ليسوا أولادهم)

وقال القديس ترتوليان: (إن المرأة مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، ناقضة لنواميس الله، مشوهة للرجل)

وكتب ترتليان فى القرن الثالث رسالة تعالج زى المرأة، قال فيها: (لقد كان حريا بالمرأة أن تخرج فى زى حقير، وتسير مثل حواء، ترثى لحالها، نادمة على ما كان، حتى يكون زيها الذى يتسم بالحزن، مكفراً عما ورثته من حواء: العار، وأقصد بذلك الخطيئة الأولى، ثم الخزى من الهلاك الأبدى للانسانية. فلقد قال الرب للمرأة: (تَكْثِيراً أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ. بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَداً. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ) _تكوين 3: 16) ألستن تعلمن أن كل واحدة منكن هى حواء؟)

وقال القديس برنارد ـ الذى فعل كل ما استطاع لنشر عبادة العذراء فى الكنيسة ـ عن أخته بعد زيارتها إياه فى الدير الذى يقيم فيه مرتدية زياً جديداً: (مومس قذرة، وكتلة من الروث)

لم يقتصر الأمر على أشخاص ممتلئين حقدا على المرأة.. وإنما شمل الأمر المجامع المقدسة أيضا..

ففي القرن الخامس الميلادى اجتمع مجمع باكون وكانوا يتباحثون: (هل المرأة جثمان بحت، أم هى جسد ذو روح يُناط به الخلاص والهلاك؟)

وقد قرر هذا المجمع أن المرأة خالية من الروح الناجية، التى تنجيها من جهنم، وليس هناك استثناء بين جميع بنات حواء من هذه الوصمة إلا مريم..

كما قرر مجمع آخر، أن المرأة حيوان نجس، يجب الابتعاد عنه، وأنه لاروح لها ولا خلود، ولاتُلقن مبادئ الدين لأنها لاتقبل عبادتها، ولاتدخل الجنة، ولا الملكوت، ولكن يجب عليها الخدمة والعبادة، وأن يكمم فمها كالبعير، أو كالكلب العقور، لمنعها من الضحك ومن الكلام لأنها أحبولة الشيطان.

لقد جرت هذه الأفكار المشوهة إلى سلوكات أكثر تشويها..

لقد جعلت تلك الأفكار الكثير يفكر في السبل التي يتخلص بها من المرأة.. لأنها الجسد الشرير.. ولأنها مصدر متاعب الحياة.. ولأنها مصدر غضب الرب:

لقد كان من ثمار تلك الأفكار أن تشكل مجلس اجتماعى فى بريطانيا فى عام 1500 لتعذيب النساء، وابتدع وسائل جديدة لتعذيبهن، وقد أحرق الألاف منهن أحياء، وكانوا يصبون الزيت المغلى على أجسامهن لمجرد التسلية.

وكان من ثمارها أن ظلت النساء طبقاً للقانون الإنجليزى العام ـ حتى منتصف القرن التاسع عشر تقريباً ـ غير معدودات من (الأشخاص) أو (المواطنين)، الذين اصطلح القانون على تسميتهم بهذا الاسم، لذلك لم يكن لهن حقوق شخصية، ولا حق فى الأموال التى يكتسبنها، ولا حق فى ملكية شىء حتى الملابس التى كنَّ يلبسنها.

وكان من ثمارها أنه كان شائعاً فى بريطانيا حتى نهاية القرن العاشر قانون يعطى الزوج حق بيع زوجته وإعارتها بل وفى قتلها إذا أصيبت بمرض عضال.. بل إن القانون الإنجليزى لعام 1801 م وحتى عام 1805 حدد ثمن الزوجة بستة بنسات بشرط أن يتم البيع بموافقة الزوجة.. وقد حدث أن باع إنجليزى زوجته عام 1931 م بخمسمائة جنيه، وقال محاميه فى الدفاع عنه: (إن القانون الإنجليزى عام 1801 م يحدد ثمن الزوجة بستة بنسات بشرط أن يتم البيع بموافقة الزوجة)، فأجابت المحكمة بأن هذا القانون قد أُلغِىَ عام 1805 م بقانون يمنع بيع الزوجات أو التنازل عنهن، وبعد المداولة حكمت المحكمة على بائع زوجته بالسجن عشرة سنوات.)

وكان من ثمارها أن أصدر البرلمان الإنجليزى قراراً فى عصر هنرى الثامن ملك إنجلترا يحرم على المرأة أن تقرأ (العهد الجديد)، لأنها تعتبر نجسة..

قالت الدكتورة أيبرين: أتدرين يا صديقتنا (بيتو) سر تلك التصريحات والتشريعات التي وردت في المسيحية؟

قالت بيتو: لاشك أنها أهواء المستبدين والظلمة ألبسوها بالدين وخلطوها به.

قالت الدكتورة أيبرين: لقد بحثت في ذلك.. وقد وجدت أن الكنيسة وقبلها اليهود تأثروا بما كانت عليه الشعوب المختلفة من تعاملهم مع المرأة ونظرهم لها..

فقد كانت المرأة عند الشعوب البدائية حين تبلغ طور المراهقة، تُعزَل فلا تكلم أحداً غير أمها، ولا تكلمها إلا بصوت خفيض، كما أن الولد إذا وصل إلى مرحلة البلوغ يأخذونه ليغتسل فى بعض العيون المقدسة، وذلك لكى يخلص من روائح الأنوثة التى علقت به من مصاحبته لأمه.

وكانت المرأة عند الهنود القدماء تعتبر مخلوقاً نجساً.. ولم يكن للمرأة فى شريعة مانو حق فى الاستقلال عن أبيها أو زوجها أو ولدها، فإذا مات هؤلاء جميعاً وجب أن تنتمى إلى رجل من أقارب زوجها، وهى بذلك قاصرة طيلة حياتها، ولم يكن لها حق فى الحياة بعد وفاة زوجها، وكانت إذا مات عنها زوجها تُحرَق مع جثته بالنار المقدسة، بل إن بعض القبائل الهندية القديمة كانت لا تراها أهلاً لتُحرَق مع جثة زوجها باعتبارها المخلوق النجس، ولذلك كانوا يرون دفنها حية أو حرقها بعد موت زوجها.. فإذا كان للرجل أكثر من زوجة دُفِنَّ جميعاً أو حُرِقْنَ جميعاً.

وفى حياة الزوج كان له أن يُطلِّق الزوجة متى شاء وكيف شاء، أما هى فليس لها الحق فى أن تطلب الطلاق من زوجها مهما يكن من أمر الزوج، حتى لو أصيب بأمراض تمنع من أهليته للحياة الزوجية.

وقد لقيت الحكومات الهندية أشد الفتن من مجتمعاتها، خاصة من رجال الدين الهنود، حين حاولت القضاء على مثل هذه العادات والتى استمرت تهضم حقوق المرأة وكيانها حتى القرن السابع عشر.

وفى شرائع الهندوس أنه: (ليس الصبر المقدر، والريح، والموت، والجحيم، والسم، والأفاعى، والنار، أسوأ من المرأة)

ويذكر جوستاف لوبون أن المرأة فى الهند (تُعِّد بعلها ممثلاً للآلهة فى الأرض، وتُعَدُّ المرأة العزب، والمرأة الأيم، على الخصوص من المنبوذين من المجتمع الهندوسى، والمنبوذ عندهم فى رتبة الحيوان، والمرأة الهندوسية إذا فقدت زوجها ظلت فى الحداد بقية حياتها، وعادت لا تُعامَل كإنسان، وعُدَّ نظرها مصدراً لكل شؤم على ما تنظر إليه، وعدت مدنسة لكل شىء تلمسه، وأفضل شىء لها أن تقذف نفسها فى النار التى يحرق بها جثمان زوجها، وإلا لقيت الهوان الذى يفوق عذاب النار)

أما في الصين، فقد كانت المرأة لا تقل مهانة أو مأساة عن بقية المجتمعات، فكانت النظرة إليها واحدة، ويظهر مدى امتهان المرأة فى المثل الصينى الذى يقول: (إن المرأة كالكرة، كلما ركلتها برجلك ارتفعت إلى أعلى)

وشبهت المرأة عندهم بالمياه المؤلمة التى تغسل السعادة والمال، وللصينى الحق فى أن يبيع زوجته كالجارية، وإذا ترملت المرأة الصينية أصبح لأهل الزوج الحق فيها كإرث، وللصينى الحق فى أن يدفن زوجته حية.

أما المرأة الكلدانية، فقد كانت خاضعة خضوعاً تاماً لرب الأسرة، وكان للوالد الحق فى أن يبذل زوجته أو ابنته لسداد دينه، وكانت المرأة تحتمل وحدها الأعباء المنزلية، فتذهب كل يوم لجلب الماء من النهر أو البئر، وتقوم وحدها بطحن الحبوب بالرحى وإعداد الخبز، كما تقوم بغزل ونسج وحياكة الملابس. وهذا كان حالها فى الطبقات الفقيرة.

أما فى الطبقات الموسرة فكانت المرأة لا تخرج من منزلها، بل يقوم على خدمتها فى المنزل خدم وحشم. وأما نساء الملوك الكلدانيين فكان لا يُسمَح لأحد برؤيتهن ولا التحدث إليهن أو حتى التحدث عنهن.

وكان من حق الرجل طلاق زوجته متى أراد، أما المرأة فإذا أبدت رغبة فى الطلاق من زوجها طُرِحَت فى النهر لتغرق، أو طردَت فى الشوارع نصف عارية لتتعرض للمهانة والفجور.

وقد روى هيرودوت المؤرخ اليونانى القديم أن كل امرأة كلدانية كان عليها فى مدينة بابل أن تذهب إلى الزهرة الإلهة (مليتا) ليواقعها أجنبى حتى ترضى عنها الإلهة، ولم يكن من حقها أن ترد من يطلبها كائناً من كان، ما دام أول رجل يرمى إليها بالجعالة ـ المال المبذول والذى كان يُعتبر حينئذ مالاً مقدساً ـ ثم ترجع بعد ذلك إلى منزلها لتنتظر الزوج.

وكانت إذا تزوجت ولم تحمل لفترة طويلة اعتبرت أنها أصابتها لعنة الآلهة أو أصابها مس من الشيطان فتصبح فى حاجة إلى الرقى والطلاسم، فإذا ضلت عاقراً بعد ذلك فلابد من موتها للتخلص منها.

وهذا أقرب ما يكون للقانون اليهودى عند إصابة أحد بالمس فإنه يُقتَل رجلاً كان أم امرأة: (وَإِذَا كَانَ فِي رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ جَانٌّ أَوْ تَابِعَةٌ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. بِالْحِجَارَةِ يَرْجُمُونَهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ﴾ (لاويين 20: 27)

وكان معبد الإلهة (عشتروت) فى بابل القديمة يمتلىء من العاهرات اللائى يتقدمن إلى زائرى المعبد.. كما كان على كل امرأة أن تتقدم مرة على الأقل إلى معبد فينوس ليواقعها أى زائر فى المعبد.. وكانت الفتيات من الصين واليابان وغيرهما من بلاد العالم يتقدمن إلى الكهنة فى المعابد، وكان من الشرف الكبير أن يواقعها الكاهن الذى هو ممثل الإلهة على الأرض، وكان هذا النوع من البغاء يُعرَف بالبغاء الدينى، وهو قريب من قول نيكولاوس فون كليمانجيس (أحد علماء اللاهوت وعميد جامعة باريس سابقا: (أن تترهبن المرأة اليوم فمعنى هذا أنها أسلمت نفسها للعهارة)

وقد سبقه فى مثل هذا القول دومبريديجر جايلر فون قيصربرج: (إن المرأة فى الدير ليست إلا عاهرة)

وقد شاع المثل الشعبى فى العصور الوسطى القائل: (من لفت رأسها، عرت بطنها، وهذه عادة كل الراهبات)

وقد اقترح أوجستين عام 388 قانونا يمنع أن يدخل شاب على الراهبات أما العجائز المُسنَّات فيسمح لهم بالدخول حتى البهو الأمامى فقط من الدير، ولأن الراهبات كُنَّ فى حاجة إلى قسيس للصلاة بهن، فقد سمح القيصر جوستنيان فقط للرجال الطاعنين فى السن أو المخصيين بالدخول إليهن والصلاة بهن. حتى الطبيب لم يُسمَح له بالدخول إلى الراهبات وعلاجهن إلا إذا كان طاعناً فى السن أو من المخصيين. وحتى المخصيين ففقدوا الثقة فيهم، لذلك قالت القديسة باولا: (على الراهبات الهرب ليس فقط من الرجال، ولكن من المخصيين أيضاً)

وكان من يقتل بنتاً يُفرَض عليه أن يقدم ابنته لأهل القتيلة يقتلونها أو يملكونها. وإذا لم يُثمر الزواج مولوداً خلال عشر سنين يُعتبر العقد فيه مفسوخاً،. وكان للرجل حق قتل أولاده وبيعهم. ولم يحرَّم ذلك إلا فى القرن الخامس قبل الميلاد. ولم تكن المرأة لترث، فإذا لم يكن هناك ذكور من أسرة الموروث ورثوا الذكور من أسرة زوجته ولكن زوجته لا ترث.

أما عند اليونان.. فقد كانت المرأة مُحتقرة مهانة، مثل أى سلعة تباع وتُشترى، مسلوبة الحقوق، محرومة من حق الميراث وحق التصرف فى المال، بل أكثر من ذلك، فقد سموها رجساً، ولم يسمحوا لها إلا بتدبير شئون البيت وتربية الأطفال. وكان الرجل فى أثينا يُسمَح له أن يتزوج أى عدد يريده من النساء، بلا قيد ولا شرط.

ومما يُذكر عن سقراط قوله: (إن وجود المرأة هو أكبر منشأ ومصدر للأزمة والانهيار فى العالم، إن المرأة تشبه شجرة مسمومة، حيث يكون ظاهرها جميلاً، ولكن عندما تأكل منها العصافير تموت من فورها)

كما كان لزوجها الحق فى بيعها وأن تظل عند المشترى فترة تحت التجربة، كما كان لزوجها الحق فى قتلها إذا اتهمت، ولو بمجرد النظر إلى شخص غريب ولا مسئولية عليه فى ذلك، ومع هذا فإن له الحق فى أن يزنى فى منزل الزوجية، وليس لزوجته حق الاعتراض، كما أن حق الطلاق مكفول له متى شاء وكيف شاء. ومع ذلك فإنها تظل بعد طلاقها منه مقيدة برأيه فى زواجها لمن يريده. ويوصى عند موته بزواجها ممن يرتضيه هو وليس لها أو لأحد من أهلها حق الاعتراض.

وتذكر الأساطير اليونانية أن المرأة هى سبب الأوجاع والآلام للعالم كله، وذلك لأن الناس فى اعتقادهم كانوا يعيشون فى أفراح ولا يعرفون معنى الألم ولا الحزن، ولكن حدث أن الآلهة أودعت أحد الناس صندوقاً وأمرته ألا يفتحه، وكان له زوجة تُسمَّى (باندورا) مازالت تغريه بفتحه حتى فتحه فانطلقت منه الحشرات. ومنذ تلك اللحظة أُصيب الناس بالآلام والأحزان. فلهذا كانت المرأة سبباً فى الكوارث التى حلت بالبشرية كلها نتيجة لفضول المرأة وإغراء زوجها بالعصيان.

لعلكم تلاحظون شبهاً فى هذه الرواية بما تحدث عنه سفر التكوين من إغواء حواء لآدم بالأكل من الشجرة المحرمة بعد أن أغوتها الحية: (فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضاً مَعَهَا فَأَكَلَ... فَقَالَ آدَمُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ﴾ (تكوين 3: 6-12)

وكان أرسطو يعيب على أهل إسبرطة التهاون مع النساء ومنحهن بعض الحقوق..

وكان سقراط يعزو سقوط إسبرطة إلى منحها الحرية للنساء على الرغم من أن هذه الحرية لم تنالها النساء إلا لانشغال الرجال الدائم فى الحروب.

أما المرأة فى إسبرطة فكانت تستمتع بحرية لا يُسمَح بها للرجل، ولكنها حرية هى أقرب إلى الدعارة منها إلى الحرية، فكان لها أن تتزوج أكثر من رجل واحد فى الوقت الذى كان يُحرَّم فيه على الرجل أن يتزوج من امرأة واحدة إلا فى الحالات الضرورية جداً.

ومن الغريب أن يرى الفيلسوف اليونانى أفلاطون شيوعية النساء، وإلغاء نظام الأسرة على أن تتكفل الدولة بتربية الأبناء.

ويحدثنا التاريخ عن اليونان فى إدبار دولتهم كيف فشت فيهم الفواحش والفجور، وعُدَّ من الحرية أن تكون المرأة عاهراً، وأن يكون لها عُشَّاق، ونصبوا التماثيل للغوانى والفاجرات، وقد أفرغوا على الفاحشة ألوان القداسة بإدخالها المعابد، حيث اتخذ البغاء صفة التقرب إلى آلهتهم، ومن ذلك أنهم اتخذوا إلهاً أسموه (كيوبيد) أى (ابن الحب)، واعتقدوا أن هذا الإله المزعوم ثمرة خيانة إحدى آلهتهم (أفروديت) لزوجها مع رجل من البشر.

ولم يكن يُسمَح بتعليم المرأة اليونانية الحرة، إنما كان التعليم قاصراً على البغايا، حتى كان الرجل الذى يكره الجهل فى المرأة يلجأ إلى البغى.

أما  عند البابليين.. فقد كانت المرأة تُحسَب فى قانون حمورابى من عِداد الماشية المملوكة، وكان تشريع بابل يعطى رب الأسرة حق بيع أسرته أو هبتهم إلى غيره مدة من الزمن، وإذا طلق الزوج زوجته تُلقى فى النهر، فإذا أراد عدم قتلها نزع عنها ثيابها وطردها من منزله عارية، إعلاناً منه بأنها أصبحت شيئاً مُباحاً لكل إنسان. وقضت المادة 143 من قانون حامورابى أنها إذا أهملت زوجها أو تسببت فى خراب بيتها تُلقَى فى الماء. ومن قتل بنتاً لرجل كان عليه أن يُسلِم ابنته ليقتلها أو يمتلكها أو يبيعها إن شاء.

وقد أعطى تشريع حمورابى للمرأة بعض الحقوق، وإن كان هذا التشريع لم يمنع اتخاذ الخليلات إلى جانب الزوجات فى الوقت الذى يقرر قيه إفرادية الزوجة. وقد ظل هذا القانون يمنح الرجل السيادة المطلقة على المرأة، وإن كان قد منح الزوجة حق الطلاق إذا ثبت إلحاق الضرر بها. أما إذا طلبت الطلاق، ولم يثبت الضرر فتُطرَح فى النهر، أو يُقضى عليها بالحرق. كما أنها إذا نشزت عن زوجها بدون إشارة منه تُغرَق، والمرأة المسرفة تُطلَّق أو يستعبدها زوجها.

أما المرأة الرومانية، فقد كانت تُبَاع وتُشتَرى كأى سلعة من السلع، كما أن زواجها كان يتم أيضاً عن طريق بيعها لزوجها. وكان لهذا الزوج بعد ذلك السيادة المطلقة عليها. ولم يكن يُنظَر إلى المرأة كأنها ذو روح بل كانت تُعتَبر مخلوقاً بغير روح، ولهذا كان يُحرم عليها الضحك والكلام إلا بإذن.. كما كان بعضهم يُغالى أحياناً فيضع فى فمها قفلاً من حديد، كانوا يسمونه الموسيلير، وكانوا يحرمون عليها أحيانا أكل اللحوم كما كانت تتعرض لأشد العقوبات البدنية باعتبارها أداة للغواية وأحبولة من حبائل الشيطان، وكان للرجل أن يتزوج من النساء ما يشاء ويتخذ من الخليلات ما يريد.

وكانت الزوجة تكلف بأعمال قاسية وكان من حق الزوج بيعها أو التنازل عنها للغير أو تأجيرها، ولما اعتنق الرومان المسيحية أصبح للزوجة الأولى بعض الميراث ـ أما بقية الزوجات فكنَّ يُعتَبرن رفيقات. والأبناء منهن يُعاملن معاملة أبناء الزنا اللقطاء، ولذلك لا يرثون ويُعتبرون منبوذين فى المجتمع.

ومن عجيب ما ذكرته بعض المصادر أن ما لاقته المرأة فى العصور الرومانية تحت شعارهم المعروف (ليس للمرأة روح) تعذيبها بسكب الزيت الحار على بدنها، وربطها بالأعمدة، بل كانوا يربطون البريئات بذيول الخيول، ويسرعون بها إلى أقصى سرعة حتى تموت.

أما المرأة العربية فى الجاهلية، فقد كانت تعدُّ جزءاً من ثروة أبيها أو زوجها. وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا، وكان ابن الرجل يرث أرملة أبيه بعد وفاتها.. وكانوا يرثون النساء كرهاً، بأن يأتى الوارث ويلقى ثوبه على زوجة أبيه، ثم يقول: ورثتها كما ورثت مال أبى، إلا إذا سبقت ابنها أو ابن زوجها بالهرب إلى بيت أبيها، فليس له أن يرثها. فإذا أراد أن يتزوجها تزوجها بدون مهر، أو زوجها لأحد عنده وتسلَّمَ مهرها ممن تزوجها، أو حرَّمَ عليها أن تتزوج كى يرثها بعد موتها([20]).

وكان العرب فى الجاهلية يمنعون النساء من الزواج، فالابن الوارث كان يمنع زوجة أبيه من التزوج، كى تعطيه ما أخذته من ميراث أبيه، والأب يمنع ابنته من التزوج حتى تترك له ما تملكه، والرجل الذى يُطلِّق زوجته يمنع مطلقته من الزواج حتى يأخذ منها ما يشاء، والزوج المبغض لزوجته يسىء عشرتها ولا يطلقها حتى ترد إليه مهرها([21]).

وكان الرجل إذا تزوج بأخرى، رمى زوجته الأولى فى عرضها، وأنفق ما أخذه منها على زوجته الثانية، أو المرأة الأخرى التى يريد أن يتزوجها.([22])

وكانت المرأة تُعَد متاعاً من الأمتعة، يتصرف فيها الزوج كما يشاء، فيتنازل الزوج عن زوجته لغيره إذا أراد، بمقابل أو بغير مقابل، سواء أقبلت أم لم تقبل. كما كانوا يتشاءمون من ولادة الأنثى، وكانوا يدفنونهن عند ولادتهن أحياء، خوفاً من العار أو الفقر.

وكان أحدهم إذا أراد نجابة الولد حمل امرأته ـ بعد طهرها من الحيض ـ إلى الرجل النجيب كالشاعر والفارس، وتركها عنده حتى يستبين حملها منه، ثم عاد بها إلى بيته، وقد حملت بنجيب!

قالت اللادي كوك: ليس الأمر قاصرا على تلك الشعوب البدائية المتخلفة.. إن هذه الحضارة المتعفنة تمارس من أساليب الإذلال للمرأة ما مارسته جميع الشعوب البدائية.. ولكنها تحتال لذلك بأنواع من الزخارف والطلاء لتموه به على الحقائق.

إن أخطر ما تمارسه هذه الحضارة هو إخراج المرأة عن فطرتها وعن وظيفتها التي هيئت لها..

إنها ترمي بها في الشارع.. لتتحول البيوت بعدها خرابا..

لقد قال العالم الإنجليزي (سامويل سمايلي) في كتابه (الأخلاق) ينبه إلى هذا الخطر الذي يحدق بالبيت وبالمرأة: (إن النظام الذي يقضي بأن تشتغل المرأة في المعامل ودور الصناعات مهما نشأ عنه في الثروة، فإن النتيجة هادمة لبناء الحياة المنزلية، لأنه هاجم هيكل المنزل، وقوض أركان العائلة، وفرق الروابط الاجتماعية، لأن وظيفة المرأة الحقيقية هي القيام بالواجبات المنزلية، كترتيب مسكنها، وتربية أولادها، والاقتصاد في وسائل معيشتها، مع القيام بالاحتياجات العائلية، ولكن المعامل سلختها من كل هذه الواجبات بحيث أصبحت المنازل غير المنازل، وأضحى الأولاد يشبون على غير التربية الحقيقية، لكونهم يلقون في زوايا الإهمال، وأطفئت المحبة الزوجية، وخرجت المرأة عن كونها الزوجة الظريفة والقرينة المحبة للرجل، وصارت زميلته في العمل والمشاق، وباتت عرضة للتأثيرات التي تمحو غالبًا التواضع الفكري والخلقي الذي عليه مدار حفظ الفضيلة)

وقد صرحت إحدى أساتذة الجامعات في بريطانيا وهي تودع طالباتها بعد أن قدمت استقالتها: (ها أنا قد بلغت سنّ الستين من عمري، ووصلت فيها إلى أعلى المراكز، نجحت وتقدّمت في كل سنة من سنوات عمري، وحقّقت عملاً كبيرًا في نظر المجتمع، لقد حصلت على شهرة كبيرة وعلى مال كثير، ولكن هل أنا سعيدة بعد أن حققت كل هذه الانتصارات؟!)

ثم  تجيب نفسها، فتقول: (لا، إن وظيفة المرأة الوحيدة هي أن تتزوج وتكوّن أسرة، وأي مجهود تبذله بعد ذلك لا قيمة له في حياتها بالذات)

أذكر أن بعض الباحثين قام على امتداد سنتين بمسح ميداني للعائلة الغربية، تنقّل فيه بين مختلف البلاد الأوربية وعبر الأطلسي إلى الولايات المتحدة وكندا، ليعود بعدها بجعبته المليئة بالأصوات التي تحذر من اتجاه العائلة الغربية نحو الانقراض([23]).

سكتت قليلا، ثم قالت: لقد كانت لي صديقة اسمها (ميريام كورفي)، وهي امرأة هولندية، وأم لثلاثة أطفال قالت لي: (زوجي يعمل من الثامنة صباحًا وحتى السادسة مساءً، وأنا أعمل من الثامنة صباحًا حتى الواحدة ظهرًا، أعتقد أننا في حالة مادية معقولة، ونسكن في شقة جيدة، ويبدو أن هذا لا يكفي، فثمة تشققات هائلة داخل العائلة، لكأننا من عالم مختلف تمامًا عن عالم أطفالنا، أنا وزوجي نجتر بعض الحنين السابق وبعض التفاؤل السابق، الأمر لأطفالنا مغاير جدًا، قد أكون مخطئة لكنني أشعر بحدس الأم، إن أطفالي ملوّثون بيأس خاصّ، أعتقد أنه استوطن بقوّة في اللاوعي. إنني لا أفهم الدافع لذلك، فهم يتابعون دروسهم في مدرسة متفهمة، كما أنهم يشاهدون التلفزيون كل مساء.

لقد سألت أحد الأصدقاء وهو أستاذ في علم النفس عن هذه الحالة، فأجاب: إن ملاحظتي هذه مجرد خيال، وإن الأطفال في صحة حضارية جيدة، كلمة (حضارية) هذه هي التي أفزعتني، فأنا أعتقد أن أولادي ككل الأولاد الآخرين يعانون حصارًا ما، إنني لا أفهم، كل ما أستطيع أن أقوله هو أن الحنان الذي أقدمه لأطفالي لا يكفيهم على ما يبدو، لا يمكنني أن أقدم أكثر من ذلك، وأعتقد أننا نبني جيلاً سيكرهنا بالضرورة)

***

بعد أن انتهت النسوة من حديثهن مما ذكرت لك بعضه، فلم أحفظ جميع ما قالوا، التفتن إلى (مريم هاري)، وقلن: ها قد بحنا بما عندنا.. فهل تبوحين لنا بما عندك ؟.. ما سر لجوئك إلى الإسلام؟.. ألم تسمعي كل تلك الضجة التي أثيرت حوله.. وحول موقفه المتشدد من المرأة؟

قالت: بلى.. لقد سمعت بذلك.. بل كنت في يوم من الأيام أحد تلك الأصوات.. بل أحد تلك الأصوات الشديدة.. لقد كنت عضوا في مؤامرة لم يكن لها من هدف سوى أن ترمي دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالغلظة والقسوة والجفاء.

وقد استعملت في ذلك الأساليب المختلفة إلى أن جاء اليوم الذي أبصرت فيه الحقيقة..

سأقص عليكن القصة من البداية..

لقد رأيت بعد مشاورات طويلة أن خير ما يمكن أن يؤثر على المدى القريب والبعيد في توفير أي قناعة للرأي العام هو المؤتمرات التي نصفها بالعلمية.. فقراراتها وتوصياتها كقرارات المجامع المقدسة وتوصياتها..

ولذلك عملت مع الثلة التي معي على عقد مؤتمر في هذه البلاد يدور حول حقوق المرأة.. وكيف هضمها الإسلام..

بعد تحضيرات طويلة بدأ المؤتمر..

لقد تعمدنا أن نبدأه بالمراسيم التي تعود المسلمون أن يبدأوا بها مؤتمراتهم، فكلفنا قارئا أن يقرأ نصوصا من القرآن الكريم، انتقيناها له بدقة، فقرأ القارئ ـ وقد شغله جمال صوته عن الآيات التي انتقيناها له ـ قوله تعالى:﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (النساء:34)، ثم قرأ قوله تعالى:﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾ (النساء:34))، ثم قرأ قوله تعالى:﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (النساء:3)

ثم تلوناه بخطيب مصقع زاد من صوته ما نقص من عقله، فقدم خطبة نزلت على قلوبنا كالماء البارد.. لقد بدأ خطبته بقوله: الحمد لله الذي فضل الذكر على الأنثى، فقال:﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ (النساء:11)، وقال:﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى.. (36)﴾ (آل عمران)

ثم أخذ يتحدث عن ضرورة طاعة المرأة لزوجها.. يأتي لذلك بما صح وما ضعف من الأخبار والآثار.. ثم يضيف إليها من تحليلاته ما ملأ قلوبنا فرحا وسرورا.. وكان من جملة ما قال:(إن تعليم النساء يفسد أخلاقهن، فإن المرأة التي لا تقرأ ولا تكتب تكون بعيدة عن متناول شياطين الإنس، فإن القلم كما لا يخفى أحد اللسانين، فبعدم معرفتها للقراءة والكتابة تأمن شر هذا اللسان وبضرب الحجاب المتين عليها تأمن شر اللسان الثاني، فيتم لها الأمن.

وكم رأينا من متعلمات لم يأتهن الشر إلا من قبل تعلمهن، وهذا في زمان الإسلام والعفاف والأنفة العربية، وأما في هذا الزمان فقد بلغ السيل الزبى، واتسع الخرق على الراقع. فإن معرفة الفتاة للقراءة توصل إلى ذهنها جميع ما يقع في الدنيا من الفساد والمخادنة وتملأ فكرها بهواجس خبيثة كانت في عافية منها)

وكان من جملة الأحاديث التي رواها حديث عرفت بعد ذلك أنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أن رجلا خرج وأمر امرأته أن لا تخرج من بيتها، فمرض أبوها، فاستأذنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لها: أطيعي زوجك فمات أبوها فاستأذنت منه صلى الله عليه وآله وسلم في حضور جنازته فقال لها: أطيعي زوجك فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله قد غفر لأبيها بطاعتها لزوجها)([24])

لقد كان ما ذكره في خطبته كافية لتحقق كل الثمار التي رجوناها..

ولكنا لم نكتف بها.. لقد طمعناها بالمحاضرات التي أعددناها بدقة مؤيدة بالإحصاءات وأقوال الخبراء في كل المجالات.

انتهت الفترة الصباحية من اليوم الأول بنجاح لتبدأ الفترة المسائية، والتي خصصناها لبعض الشهادات انتقيناها انتقاء، حيث سمعنا لامرأة تشكو زوجها، وأخرى تشكو أباها، وأخرى تشكو نظرة المجتمع إليها.. وقد كان لشهاداتهن من التأثير النفسي في الحاضرين أكثر من كل المحاضرات المقدمة، فقد تعمدنا أن نختار نساء غزيرات الدمع، حلوات الحديث، قادرات على التلاعب بالعقول.

كان لهذا اليوم أن ينجح نجاحا لا نظير له، وكان له أن يترك تأثيره العميق في علاقة الناس بمحمد وبالإسلام لولا أن حدثت المفاجأة التي لم نكن نحسب لها أي حساب.

كانت هناك عجوز جالسة في الكراسي الخلفية للقاعة، ومعها أفراد من أسرتها، لم نكن نهتم بها، ولا نأبه لها، بل كنا نتصور أنها ـ في حال فهمها لما يدور في المؤتمر ـ ستكون أول الناس تأثرا بما نقول، وأنها ستتأسف على عمرها الذي قضته، وهي مهانة لا كرامة لها، ولا حقوق تنالها.

رفعت يدها بأدب لتتحدث كما تحدثت سائر الشاهدات، فلم تجد رئيسة الجلسة بدا من الإذن لها، فلم تكن تتصور أنها بحديثها ستنسخ كل ما قيل من أحاديث.

قالت: لقد تحدثتم جميعا.. وكلكم صببتم ما تملكونه من غيظ وحقد على محمد ودين محمد.. وأنا الآن أقف بينكم لا كمحامية على هذا الدين، ولا على تلك الشمس التي أنارت برحمتها العالمين، فالشمس أرفع من أن تحتاج من يدافع عنها.. ولكني أقف كشاهدة على واقع عشته في ظل رجال استناروا بأشعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

نعم لقد قرأ القارئ، وتحدث الخطيب، وهؤلاء المساكين شغلهم جمال أصواتهم عن النور الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يتفقهوا في دينه، ولم يتعلموا من هديه، فلم يعبروا إلا عن الظلام الذي ترقد فيه أرواحهم.

وتحدثت النسوة.. وهؤلاء لا أكذبهن، ولكن ما حصل لهن من عناء ثمرة للبعد عن محمد ودين محمد، وفي إمكانكم أن تسألوهن عن هؤلاء الرجال الذين أهانوهن.. وسترون أنهم لا علاقة لهم بمحمد ولا دين محمد.

ساد القاعة صمت رهيب شجع العجوز على مواصلة حديثها، فقالت: أنتم تتحدثون عن المرأة، وقد مررت بجميع مراحل المرأة التي تمر بها، كنت بنتا، ثم زوجة، ثم أما، ثم ها أنا الآن بينكم عجوز طاعنة في السن.

فلذلك سأكون ممثلة لجميع النساء.. فاسمحوا لي أنا التي مررت بجميع هذه المراحل أن أذكر لكم كيف كان يعاملني الرجال الذين استناروا بأشعة محمد، واهتدوا بهديه.

أقول لكم هذا لنخرج من التعميم الخاطئ الذي تقعون فيه.. فأنتم تتحدثون عن المرأة، وكأنها كائن من المريخ، مع أنها بينكم، وهي لا تخرج عن المراحل التي ذكرتها، فإن كنتم أردتم استماع الحقيقة من منابعها، فاسمعوا لي.. وإن أبيتم إلا أن تنتقوا في سماعكم فأذنوا لي في  الجلوس.

لم تجد رئيسة الجلسة بدا من الإذن لها.. فقد كنا نحب أن نظهر بمظهر الديمقراطية والحرية.

صمت الجميع، وبدأت العجوز تتحدث بلسان عذب فصيح.. قالت: ليكون كلامي علميا دقيقا.. فسأذكر لكم أربع قيم  نشرها الإسلام في المسلمين.. يمكن من خلالها أن تفسر كل المعاملات التي عامل بها الإسلام المرأة.. كل هذه القيم رحمة ولطف وشفقة وعدالة..

أما الأولى.. فهي المساواه

وأما الثانية.. فهي الكرامة

وأما الثالثة.. فهي الصيانة

وأما الرابعة.. فهي الرعاية

المساواة

قال الجمع: فحدثينا عن الأولى.. حدثينا عن المساواة.

قالت: اسمحوا لي أن أحدثكم عن تجربتي معها..  أنا رابعة أخواتي.. ولم يرزق والدي غيرنا.. فلم يكن له إلا البنات.. ولذلك، فقد سماني (رابعة)([25])

قالت لها إحدى الحاضرات: إذن كنت شؤما في البيت.

قالت: لا.. لقد استنار والدي بأشعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكسفت جميع الظلمات التي نشرتها الجاهلية.. لقد حدثتني أمي عن الفرحة العظيمة التي كانت تبدو على ملامح أبي حينما ولدت..

وقد ذكرت لي ما قال لها حينما ولدت، لقد قال لها: إن الله وهب لنا هذه البنت لتكون جوازا لنا إلى الجنة، فقد بشرنا صلى الله عليه وآله وسلم بالجزاء العظيم الذي نناله من تربية البنات، فقال:(من كانت له بنت، فأدبها فأحسن أدبها، وعلمها فأحسن تعليمها، وأسبغ عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له سترا أو حجابا من النار)([26])

ففي هذا الحديث إخبار بأول جزاء يناله من رزق إناثا، فأحسن إليهن، وبرهن، وهو أن هؤلاء البنات يقفن حجابا بينه وبين النار.

بل ورد  ما هو أكثر من ذلك.. ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يكون لأحد ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان فيتقي الله فيهن ويحسن إليهن إلا دخل الجنة)([27])

 وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من كان له ثلاث بنات، فصبر على لأوائهن وضرائهن وسرائهن، أدخله الله الجنة برحمته إياهن)، فقال رجل: واثنتان يا رسول الله ؟ قال: (واثنتان). قال رجل: يا رسول الله، وواحدة؟ قال: (وواحدة)([28])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها، ولم يؤثر ولده - يعني الذكور - عليها، أدخله الله الجنة)

بل ورد ما هو أعظم من ذلك كله، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:( من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو)([29])،  وضم أصابعه.. وهذا أعظم جزاء تهفو إليه قلوب المؤمنين.

قالت إحدى الحاضرات: ولكن.. ورد في بعض الأحاديث التي سقتها التعبير عن هبة الإناث بأنها من البلاء.. أليس ذلك احتقارا للأنثى؟

قالت: لا.. معاذ الله.. كل ما في الدنيا بلاء سواء كانت منحا أو محنا.. والبلاء لا يعني إلا الاختبار، والله يختبر بالنعمة، ويختبر بالنقمة.. ألم تسمعي قوله تعالى:﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ (الانبياء:35)؟.. فالبلاء قد يكون خيرا، وقد يكون شرا.

بل عبر الله تعالى عن نعمة الأموال والأولاد بأنها من الفتنة والبلاء، قال تعالى:﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (لأنفال:28)، وقال تعالى معبرا بصيغة الحصر:﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التغابن:15)

قالت إحدى الحاضرات: فلماذا لا يكون هذا من الابتلاء بالنقمة.

قالت العجوز: لأن الله عبر عنها بالهبة، فقال تعالى:﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (الشورى:49 ـ 50)

فقد عبر القرآن الكريم عن عن إعطائه الإناث بصيغة الهبة، مسويا لهم في ذلك مع الذكور.

بل إن الله تعالى قدم الإناث في الذكر على الذكور، ليبين أن رحمته بإعطاء الأنثى قد تكون أعظم من رحمته بإعطائه الذكور، لمن عرف كيف يتعامل مع هبة الله.

وفي التعبير بالهبة دلالة أخرى لها أهميتها الواقعية، وهي أن الكثير من العامة يتصورون أن جنس المولود سببه الأم، فلذلك قد يطلق الرجل امرأته إن ولدت له إناثا، فرد الله تعالى بأن جنس المولود هبة منه لا علاقة له بأحدهما.

وفي التعبير دلالة أخرى أعمق من ذلك كله لتعلقها بالجنس البشري جميعا، وهو أن الأمر لو ترك للأهواء لانقرض الجنس البشري من زمن بعيد، لأن الأهواء قد تميل إلى جنس معين مما ينشأ عنه اختلال التوازن الذي يحفظ النوع، فلذلك كان هذا هبة من الله لا اختيارا من البشر.

قالت إحدى الحاضرات: ولكن ألم تسمعي ما ورد في القرآن من الحديث عن ولادة مريم، فقد جاء فيها:﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ (آل عمران:36)، فاعتبر الذكورة خيرا من الأنوثة؟

قالت العجوز: يا ابنتي هذا فهم خاطئ لكتاب الله.. فأنت تحملين الآية ما لا تحتمل..هل قالت الآية:(الذكر خير من الأنثى) أم قالت:﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾ 

قالت المرأة: بل قالت:﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾ 

قالت العجوز: فالآية تعبر عن حقيقة.. فالذكر مختلف في نواح كثيرة عن الأنثى.. والعدالة والرحمة تقتضي أن يعامل كل جنس بما تقتضيه طبيعته.

وفي قول أم مريم دلالة على هذا، فقد نذرت هذه المرأة الصالحة مولودها لخدمة المسجد، فلما رأته أنثى لا تصلح لهذه الخدمة اعتذرت إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدته فيها.

ثم كيف يفهم من كلام الله هذا، وهو الذي اعتبر تسخط البنات من الجاهلية، فقال تعالى:﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ (النحل:58 ـ 59)

فالآيات الكريمة تصف رجلا قد ترسخت فيه قيم الجاهلية وتصوراتها حتى ملأت صدره ظلمة، انبعث منها سواد كالح غمر وجهه.

وبما أن عقله قد حجب في تلك اللحظة عن النظر للحقيقة التي يرشد إليها القرآن الكريم، ويمتلئ بجمالها قلب المؤمن، بل تركه لتصورات المجتمع تنقش فيه ما تشاء، فإن تلك التصورات جعلته إنسانا سلبيا منكمشا على نفسه كظيما يكره أن يراه الناس، وكأنه قد أجرم جرما عظيما يخاف عقابه.

وهو في تلك اللحظة التي غرق فيها في بحر السواد والظلام يعيش بصحبة الشيطان الذي يملي عليه ما سيفعله ﴿ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ﴾ (النحل:59)

وفي كلا الحالين يرضى الشيطان الذي زين له هذه التصورات ثم عذبه بها، فهو إن قتل تحمل جرم قتلها، وإن أمسكها أبقاها مهانة لا يورثها ولا يعتني بها، ويفضل أولاده الذكور عليها، ويذيقها فوق ذلك من العذاب النفسي ما يفوق قتله لها.

بهذه الصورة ترسم الآيات الكريمة كيفية استقبال الجاهلي للأنثى، وهي لا تصفه واقعا جغرافيا أو تاريخيا، وإنما تصف حالة نفسية قد تعرض في أي زمان ولأي شخص لا زال فيه حظ من الجاهلية.

قالت إحدى الحاضرات: إنك تصفين واقعنا لا واقع الجاهلية.

قالت العجوز: هذا واقع جاهلي.. والجاهلية قد تدخل المجتمع المسلم لتشوه صورة الإسلام فيه..

قالت إحدى الحاضرات: فكيف نفرق بين سلوك الجاهلية والسلوك الذي حض عليه الإسلام؟

قالت العجوز: بالرجوع إلى هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والاستنارة بأشعته.

قالت إحدى الحاضرات: فكيف كان هدي محمد مع البنات؟

قالت العجوز: لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم محبا لابنته فاطمة – سيدة نساء العالمين- عظيم الرحمة بها، لقد كان يقول عنها:(فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني)([30])

وكان يقول فيها:(فاطمة بضعة مني، يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري)

وكانت إذا دخلت على أبيها رحب بها وقام إليها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه.

أتدرون أيها السادة في أي مجتمع كانت هذه التعاليم؟

لقد كانت في مجتمع ينظر إلى البنات نظرة احتقار وازدراء ومهانة.. لقد كان العرب كما كان غيرهم يتشاتمون بميلاد البنات، ويضيقون بهن، حتى قال أحد الآباء - وقد بشر بأن زوجه ولدت أنثى -: (والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة).. يريد أنها لا تستطيع أن تنصر أباها وأهلها إلا بالصراخ والبكاء لا بالقتال، ولا أن تبرهم إلا بأن تأخذ من مال زوجها لأهلها.

وكانت التقاليد المتوارثة عندهم تبيح للأب أن يئد ابنته.. يدفنها حية.. خشية من فقر قد يقع، أو من عار قد تجلبه حين تكبر على قومها.. وقد أنكر القرآن الكريم هذا إنكارا شديدا، فقال مقرعا لهم:﴿ وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير:8 ـ 9)

وكانت بعض الشرائع القديمة تعطي الأب الحق في بيع ابنته إذا شاء.. وكان بعضها الآخر، كشريعة حمورابي، تجيز له أن يسلمها إلى رجل آخر ليقتلها، أو يملكها إذا قتل الأب ابنه الرجل الآخر.

ولهذا كان القرآن الكريم وكان هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو النور الوحيد الذي وقف مع البنات يدافع عنهن ويحميهن، فقال في القتلة الذين لا يتورعون عن قتل أولادهم إناثاً كانوا أو ذكوراً:﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (الأنعام:140)، وقال:﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾ (الاسراء:31)

ولم يكتف بذلك، بل وضع منهجا متكاملا لتربية البنات والإحسان إليهن، وضرب نموذجا للتربية الصالحة وثمراتها بمريم العذراء ـ عليها السلام ـ التي تلقت تربية صالحة جعلتها من سيدات نساء العالمين، بل أخبر الله تعالى أنه اصطفاها وطهرها واصطفاها على نساء العالمين، وقد كانت أمها عندما حملت بها تتمنى أن تكون ذكراً يخدم الهيكل، ويكون من الصالحين، كما قال تعالى:﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (آل عمران:35)

ولكن الله تعالى وهب لتلك الأم بتلك الفتاة الطاهرة أعظم مما تمنت، لأن أمنيتها كانت مجرد خادم يخدم الهيكل، فإذا بها ترزق بالصديقة أم المسيح، قال تعالى:﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ((المائدة:75)

صاحت امرأة من الحاضرات: فهمنا ما قلت أيتها العجوز.. ولكن ألم يقل القرآن:﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ (النساء:11)، فأي عدل هذا الذي يعطي الذكر ضعف الأنثى؟

قالت العجوز: هذا عدل الله.. فالله يعطي لكل شخص ما يتناسب مع حاجته.. هل الرضيع يأكل ما يأكله الكبير؟

قالت المرأة: لا.. وما علاقة هذا بما نحن فيه.

قالت العجوز: لأن معدة الرضيع وجهازه الهضمي لا يطيق ما يطيق الجهاز الهضمي للكبير.. بالإضافة إلى أن حاجة الرضيع من الطعام تجعله في غنى عن كثير مما يأكله الكبير.

قالت المرأة: هذا صحيح.. فهل تعتبرين المرأة رضيعا.. والرجل هو الكبير؟

قالت العجوز: نعم.. من استناروا بأشعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعتبرون المرأة في هذه الناحية كالرضيع.. فهم لا يكلفونها بالسعي على رزقها، ولا بالعمل للوفاء بمتطلبات حياتها.. فهي تعيش في كنف والديها، أو قوامة زوجها، فإذا لم يبق لها واحد من هؤلاء كلفت جماعة المسلمين بالإنفاق عليها.

فما حاجتها بعد ذلك للمال؟.. وهل ترون الرضيع ينتفع بالمال إذا ما أعطي له؟

ثم إن الشريعة التي فضلت الابن في العطاء هي الشريعة التي كلفته بالإنفاق على أخته، وهي التي كلفته بدفع المهر لمن يريد الزواج منها.. فهل تكلفه بكل هذا، ثم لا تجعل له من الحقوق ما يفي بما تتطلبه هذه الواجبات.

فلنترك كل هذا، ونسأل الواقع.. هل يتساوى الناس في أجورهم؟

قالت المرأة: لا.. بل يختلفون.

قالت العجوز: بأي درجة يختلفون؟

قالت المرأة: قد يصل الاختلاف إلى الأضعاف المضاعفة.

قالت العجوز: فواقعكم الذين تدعوننا للالتزام به يقع فيما تحذروننا منه.

قالت المرأة: نعم.. ولكن الوظائف مختلفة في يسرها ومشقتها.

قالت العجوز: إني أرى أن أكثر الوظائف يسرا أكثرها أجرا.. أليس كذلك؟

قالت المرأة: صحيح هذا..

قالت العجوز: فتعلموا العدل أولا.. ثم استدركوا على الله ما تريدون أن تستدركوا عليه.

نهض بعض الشباب الحاضرين، وقال: اسمحوا لي أن أتحدث.. فما تذكرونه الآن يتعلق بي لقد مات أبي، وتركني مع أخت لي، وقد ترك لنا ثروة مقدراها مائة وخمسين ألف دينار.. نعم هي ثروة ضخمة.. أخذت منها ضعف أختي أي أني أخذت مائة، بينما لم تأخذ أختي إلا خمسين.

بعد استلامنا الإرث تقدمت أنا للزواج.. وخطبت أختي.. أما أنا فقد كنت ملزما بأن أدفع مهراً وهدايا لخطيبتي.. وقد كان مقدارها خمسة وعشرين ألفا.. فلم يبق من تركتي إلا خمسة وسبعين ألفا

أما أختي، فقد جاءها مهر وهدايا بنفس ما مهرت وأهديت أنا لخطيبتي.. فصارت تركتها مثلي تماما..

ثم إن أختي لن تصرف من مالها شيئا إلا ما تريده لزينتها.. أما أنا فإني مكلف بالإنفاق على زوجتي..

وها هي أختي حاضرة، وهي تشهد على ما أقول.

نهضت الأخت، وقالت: صدق أخي.. وأنا لا أنظر إلى هذا من الزاوية التي تنظرون إليها.. لقد جاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوم لا يعترفون بالمرأة ولا يورثونها، بل يرونها تورث كما يورث المتاع، فأكرمها، وأعطاه كل الفضل.. فكيف تهينون الشريعة التي حققت كل هذه العدالة؟

صاحت امرأة من الحاضرات: فهمنا هذا ووعيناه.. ولكن ألا ترين أن من الجور أن تعتبر دية المرأة نصف دية الرجل.. أليس ذلك احتقارا لها وإهانة.. أليس ذلك تشجيعا على ممارسة العدوان عليها؟

ابتسمت العجوز، وقالت: سأجيبك عن هذا من جهتين: الجهة الأولى جهة الموقف الحقيقي للشريعة من المسألة.. والجهة الثانية هي ما يمكن تمسيته بالإجابة الجدلية.. والتي تنطلق من صحة ما ذكرته من شبهة.

أما الجهة الأولى([31]).. فالآية التي أثبتت مشروعية الدية في القرآن الكريم، شملت بإجماع الفقهاء والمفسرين الرجل والمرأة على حد سواء، ولم تفرق بينهما بشيء.. فالله تعالى قال:﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ (النساء:92)

ومثل ذلك ما ورد في السنة المطهرة حديث واحد صحيح صريح، يدل على تنصيف دية المرأة.

أما ما احتجوا به من حديث معاذ بن جبل، الذي يقول: (دية المرأة على النصف من دية الرجل)، فقد حكم العلماء بضعفه([32]).

ومثل ذلك الآثار الواردة عن الصحابة فليس فيها أثر واحد صحيح صريح، ينص على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل.

أما ادعاء الإجماع علي تنصيف دية المرأة، فإنما هو مجرد دعوى لا أكثر، إذ هو منقوض بعدم وجود نقل صحيح ثابت عن حصول مثل هذا الإجماع، ومتى كان وممن كان.. بالإضافة إلى تعذر إجماع الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي أواخر العصر الأول على شيء من ذلك، لكثرتهم ـ أولاً ـ ولتفرقهم في الأمصار المتباعدة ـ ثانياً ـ ولصعوبة الاتصال بهم ـ ثالثاً ـ

بالإضافة إلى أنه تبين لنا أنه لم يثبت عن بعض أفراد الصحابة أنهم قالوا بذلك، فكيف يمكن إذن أن يقال باجتماعهم جميعاً عليه؟

أما دعوى انعقاد إجماع العلماء على تنصيف دية المرأة، فليس ذلك صحيحا.. فابن حزم ومن من معه من أتباع المدرسة الظاهرية يقولون بمساواة دية المرأة بدية الرجل في النفس والأعضاء.. لأن الأحاديث الصحيحة التي وردت في الدية، إنما جاءت شاملة للرجال والنساء دون تمييز، وكذلك الأحاديث الواردة في الجراحات: (وفي النفس المؤمنة مئة من الإبل، وفي العين خمسون وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون)

فإذا كان الرجل يقتل بالمرأة، ويقاد بها عيناً بعين، وأذناً بأذن، وسناً بسن، ويقتص لها منه في كل الجراحات فما الذي يمنع من أن تكون ديتها كديته؟

هذه هي الجهة الأولى.. وهي الجهة الأساسية المعتبرة.

وأما الجهة الثانية([33]).. فأبدؤها من أن ما يتخوف منه من الاستهانة بدم المرأة لا مبرر له، لأن عقوبة القتل تنفذ في قتل الرجل والمرأة على السواء.. فتقتل المرأة بالرجل، ويقتل الرجل بالمرأة مع أنها امرأة وهو رجل، وذلك لأن المسلمين ـ ذكوراً وإناثاً ـ سواء في الإنسانية، ولهذا تتكافأ دماؤهم، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:(المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم على يد مَن سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)

بالإضافة إلى هذا، فينبغي أن تعلموا أن الشريعة حرصت على دماء المرأة أكثر من حرصها على دماء الرجل.. فقد منع الإسلام قتل المرأة ـ مسلمة كانت أو غير مسلمة ـ وأمر بعدم التعرض لها، إذ جاء النهي عن قتلها عند الغزو، فقد روي أنه وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنهى عن قتل النساء والصبيان، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً ولا امرأة)([34])

بالإضافة إلى هذا، فينبغي أن تعلموا أن المرأة في الشريعة لا تكلف ـ مقابل تنصيف ديتها إن فرضنا ذلك ـ بالمساهمة في أداء الدية إلى أهل القتيل، بل تكلف بها العاقلة من الرجال، والغريب أن هذا الحكم يسري حتى لو كانت هي القاتلة بخلاف الرجل، فإن القاتل كأحدهم.

بالإضافة إلى هذا، فينبغي أن تعلموا أن المرأة التي أعفيت من أداء الدية تتشارك مع العاقلة في الإرث! فترث من دية قريبها المقتول.

بالإضافة إلى هذا، فينبغي أن تعلموا أن الدية ليست تقديراً لقيمة المقتول الإنسانية إنما هي تعويض مادي لا معنوي لأهل القتيل جزاء ما لحق بهم من ضرر مادي، ونظراً لأن الرجل هو المعيل والمنفق على الأسرة فإن ديته تتضاعف على دية المرأة.

الكرامة

قالت إحدى الحاضرات: يمكنك أن تقولي هذا وغيره.. ولكنا لا نقصد الجوانب النفسية وحدها بل نقصد الحياة.. ألم يجعل محمد مستقبل البنت وحياتها بيد أبيها.. فهو وليها أمرها الذي يفترض عليها طاعته في المنشط والمكره؟

قالت العجوز: سامحك الله يا ابنتي.. لقد أسأت إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعظم إساءة.. وأنا أعذرك في ذلك، فالجاهلية التي قد تتسمى بالإسلام، والبدعة التي قد تتلبس لباس السنة هي التي تشوه نور محمد وجمال هديه.

أما محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهديه فهو خلاف ذلك تماما..

فهو لا يعطي للأب الذي هو أولى الأولياء بولاية ابنته أي سلطة على بناته سوى سلطة التأديب والرعاية والتهذيب الديني والخلقي، مثل إخوانها الذكور، فيأمرها بالصلاة إذا بلغت سبع سنين، ويضربها عليها إذا بلغت عشراً، ويلزمها أدب الإسلام في اللباس والزينة والخروج والكلام، وينفق عليها حتى تتزوج.

قالت المرأة: نحن لا نناقش في هذا.. ولكنا نناقش في ولاية الزواج.

قالت العجوز: لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يبطل زواج من أجبرها أبوها بمن لا ترضاه، وقد روي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه، وأنا لذلك كارهة، فقال لها صلى الله عليه وآله وسلم:(أجيزي ما صنع أبوك)، فقالت:(ما لي رغبة فيما صنع أبي)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(اذهبي فلا نكاح لك.. انكحي من شئت)،  فقالت:(أجزت ما صنع أبي، ولكني أردت أن يعلم النساء أن ليس للآباء من أمور بناتهم شيء)([35])، ولم ينكر عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالتها.

قالت المرأة: لقد خصص الفقهاء ذلك بالثيب([36]).

قالت العجوز: لقد حملوا النصوص ما لا تحتمل.. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسأل هذه المرأة.. أهي بكر أم ثيب.. بل ورد في حديث آخر عن ابن عباس  أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت له أن أباها زوجها كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال ابن القيم:(وهذه غير خنساء، فهما قضيتان قضى في إحداهما بتخيير الثيب،وقضى في الأخرى بتخيير البكر)([37])

قالت امرأة من الحاضرات: ولكن ألم تسمعي بالولاية الجبرية ([38]) ؟

قالت العجوز: ليست الولاية كما تفهمين يا ابنتي.. وليست كما يمارسها بعض الجهلة.. إنها مثل توكيل أي شخص المحامين الذي يحفظون له حقوقه.. فلو ترك الأمر للمرأة وحدها لأهينت، وربما احتال عليها من شاء من الناس.. فلذلك وكل الأمر لوليها، لا ليجبرها على الزواج بمن لا ترضى، ولا ليعضلها عمن ترضى، ولكن ليقف حائلا بينها وبين من يريد العبث بها.

والولاية بهذا لا تختلف عن توكيل المحامين الذين يحفظون الحقوق، وليس للمحامي أن يستبد، فيأخذ الحق من أهله.

قالت المرأة: أنت تخالفين الفقهاء بهذا.

قالت العجوز: لا … كل من استنار بأشعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقول هذا..

قالت المرأة: والأعراف التي نعيش في ظلها، والتي ألجأتنا إلى التبرئ من محمد ودين محمد؟

قالت العجوز: تبرأن من أعراف الجاهلية لا من محمد ودين محمد.. ثم أخبرنني يا من تحررتن عن حماية الآباء ماذا أعطت لكن هذه الحرية..

لقد كانت المرأة في بيتها ملكة يتهافت الخطاب عليها.. وهي مصونة في سترها ممتلئة كرامة.. ولكنها الآن تعرض نفسها على الرجال.. فيعبثون بها كما شاءوا ثم يرمونها إلى المزابل.

قال رجل من الحاضرين: صدقت يا أماه.. كنت في بريطانيا التي تمثل قمة من قمم هذه الحضارة.. فاسمحي لي أن أعرض لك بعض مشاهداتي فيها ([39]).. لقد كنت أستغرب عند بداية إقامتي فيها أن المرأة هي التي تنفق على الرجل، وكنت أشاهد هذه الظاهرة عندما أركب القطار أو أدخل المطعم، إذ ليس في قاموس الغربيين شيء اسمه (كرم).. وبعد حين زال هذا الاستغراب، وأخبرني المرضى عن أسباب هذه الظاهرة، وفهمت منهم بأن الرجل لا يحب الارتباط بعقد زواج، ويفضل ما أسموه [صديقة]، والمرأة تسميه [صديقاً]، وليس هو أو هي من الصدق في شيء.. والصديق عندهم يعيش مع امرأة شهوراً أو سنين، ولا ينفق عليها، بل هي تنفق عليه في معظم الحالات، وقد يغادر البيت متى شاء، أو قد يطلب منها مغادرة بيته، إن كانت تعيش معه في بيته، ولهذا فالمرأة عندهم تعيش في قلق وخوف شديدين، وتخشى أن يرتبط صديقها بامرأة ثانية ويطردها، ثم لا تجد صديقاً آخر.

وسأضرب لكم مثلا على ذلك ببعض مريضاتي التي كانت تزورني في عيادتي النفسية.. لقد كانت امرأة في العشرينات من عمرها، وكانت حالتها النفسية منهارة، وبعد حين من الزمن شَعَرتْ بشيء من التحسن، وأصبحت تتحدث عن وعيٍ، فسألتها عن حياتها، فأجابت والدموع تنهمر من عينيها، قالت:(مشكلتي الوحيدة أنني أعيش بقلق واضطراب، ولا أدري متى سينفصل عني صديقي، ولا أستطيع مطالبته بالزواج منى، لأنني أخشى من موقف يتخذه، ونُصِحتُ بالعمل على إنجاب طفل منه، لعل هذا الطفل يرغبه في الزواج، وها أنت ترى الطفل، كما أنك تراني ولا ينقصني جمال، ومع هذا وذاك فأبذل كل السبل من تقديم خدمات وإنفاق مال، ولم أنجح في إقناعه بالزواج، وهذا سر مرضي، وسبب قهري أنني أشعر بأنني وحدي في هذا المجتمع، فليس لي زوج يساعدني على أعباء الحياة، ولي أهل ولكن وجودهم وعدمه سواء، وليتني بقيت بدون طفل؛ لأنني لا أريد أن يتعذب ويشقى في هذه الحياة كما تعذبت وشقيت)

التفت لبعض الحاضرات، فوجدت الدموع تسيل بغزارة من عيونهن، واصل الرجل حديثه قائلا: لا تظنوا أيها السادة أن هذه المرأة المريضة من شواذ المجتمع الغربي.. إن الشواذ هناك هم الذين يعيشون حياة هادئة.

قد تسألون عن سر ذلك.. والجواب ـ كما عشته ـ واضح:

إن هذا أثر من آثار فكرة الحرية الفردية وعلو شأنها حوالي منتصف القرن الماضي - بما تحمله تلك الكلمة من حق وباطل - فإن الوحدة الرئيسية للمجتمع لم تعد العائلة، بل صارت (الفرد) رجلاً كان أم امرأة.. ومن ثم.. وبعد أن تبدلت القيم والمفاهيم، وشاعت الحرية - صارت المرأة لا تعني الزوجة أو الأم للرجل، بل زميلة العمل أو الصديقة والخليلة، ولم يعد الرجل بحاجة إلى الزواج وإقامة العائلة كوحدة اجتماعية ـ في غالب الأحيان ـ فحاجاته الطبيعية ملباة دون مسؤوليات تلقى على عاتقه، وهو حر في التنقل بين امرأة وامرأة، كما أن المرأة حرة في التنقل بين رجل ورجل، كما تقتضيه دفعة الجسد العمياء.

وهذا كله جر عواقب وخيمة على المجتمع الغربي الذي يراد نسخ كل مجتمعات العالم على نمطه:

من أول العواقب كثرة العوانس بين الفتيات والعزاب من الشباب.. وذلك لتيسر إرواء غليل الشهوات من الطرق المحرمة بغير تحمل تبعة الزواج وبناء الأسرة، متمتعين في نفس الوقت بلذة التنويع، دون التقيد بالحياة المتشابهة المتكررة كما يزعمون، وكان من نتيجة ذلك وجود كثرة هائلة من الفتيات، تقضى شبابها محرومة من زوج تسكن إليه ويسكن إليها، إلا العابثين الذين يتخذونها أداة للمتعة الحرام، ويقابل هؤلاء الفتيات كثرة من الشباب العزاب المحرومين من الحياة الزوجية.

وقد دلت على ذلك أحدث الإحصاءات، فقد صرح مدير مصلحة الإحصاء الأمريكية في 22 من ذي القعدة 1402 هـ (الموافق 10 سبتمبر - أيلول -1982 م): أنه لأول مرة منذ بداية هذا القرن تصبح أغلبية سكان مدينة سان فرانسيسكو من العزاب.

وأوضح (بروس شامبمان) في مؤتمر صحفي نظمته الجمعية الاجتماعية الأمريكية أنه وفقا لأرقام آخر تعداد فإن 53بالمائة من سكان سان فرانسيسكو غير متزوجين، وأعرب عن اعتقاده بأن هذه الأرقام يمكن أن تكون مؤشراً على أفول الأنموذج العائلي التقليدي.

وأضاف شامبمان: إن هذه التغييرات الاجتماعية ملائمة لتحقيق الرفاهية في المدينة التي زاد عدد سكانها من الشباب بين 25 و 34 سنة بمقدار (4ر40بالمائة) خلال العشر سنوات الأخيرة وقال: إن التعداد لم يشمل عدد المصابين بالشذوذ الجنسي الذين يقطنون المدينة والذين يشكلون 15 بالمائة من السكان تقريبا .

ولا عجب بعد ذلك أن نقرأ في الصحف مثل هذا الخبر:( خرجت النساء السويديات في مظاهرة عامة، تشمل أنحاء السويد، احتجاجا على إطلاق الحريات الجنسية في السويد، اشتركت في المظاهرة (000 ر100) امرأة، وسوف يقدمن عريضة موقعة منهن إلى الحكومة، تعلن العريضة الاحتجاج على تدهور القيم الأخلاقية.

ومن عواقب ذلك الانحلال الأخلاقي.. ففي أمريكا والسويد وغيرهما من بلاد الحرية الجنسية، أثبتت الإحصاءات أن السعار الشهواني لم ينطفئ بحرية اللقاء والحديث، ولا بما بعد اللقاء والحديث، بل صار الناس كلما ازدادوا منه عباً، ازدادوا عطشاً، فالأرقام والوقائع التي تفيض بها الإحصاءات والتقارير، هي التي تتكلم وتبين في هذا المجال.

قال الرئيس كنيدي في تصريح مشهور له، تناقلته الصحف ووكالات الأنباء عام 1962 :( إن الشباب الأمريكي مائع مترف منحل، غارق في الشهوات، وإن من بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين، بسبب انهماكهم في الشهوات)،وأنذر بأن هذا الشباب خطر على مستقبل أمريكا.

وفي كتاب لمدير مركز البحوث بجامعة هارفارد بعنوان (الثورة الجنسية) يقرر المؤلف، أن أمريكا سائرة إلى كارثة في الفوضوية الجنسية، وأنها تتجه إلى نفس الاتجاه، الذي أدى إلى سقوط الحضارتين الإغريقية والرومانية في الزمن القديم، ويقول :( إننا محاصرون من جميع الجهات بتيار خطر من الجنس، يغرق كل غرفة من بناء ثقافتنا، وكل قطاع من حياتنا العامة)

وقد نتج عن هذا كثرة الأبناء غير الشرعيين، فقد قامت بعض المؤسسات في أمريكا، بعمل إحصاء للحبالى من طالبات المدارس الثانوية، فكانت النسبة مخيفة جداً، ولننظر ما تقوله بعض الإحصاءات بهذا الصدد حيث تقول :( إن أكثر من ثلث مواليد عام 1983 في نيويورك هم أطفال غير شرعيين، أي أنهم ولدوا خارج نطاق الزواج، وأكثرهم ولدوا لفتيات في التاسعة عشرة من العمر وما دونها، وعددهم (353ر112) طفلاً أي 37 بالمائة من مجموع مواليد نيويورك)

الصيانة

بعد أن شهد الرجل شهادته، ساد صمت رهيب القاعة، قطعته امرأة سافرة، نهضت، وقالت: لقد كان أبي أحسن الناس خلقا، وأعظمهم تدينا.. ولكنه مع ذلك اضطرني إلى الفرار من بيتي اضطرارا.. لقد كان يفرض علي الحجاب.. فأي دين هذا الذي يلزم المرأة بأن تلبس ما يستر محاسنها؟.. وأي نبي هذا الذي يتدخل في الشؤون الخاصة للناس؟

التفتت إليها العجوز، وقالت: ما تقولين في ابنتي في الطبيب الذي يحذر من طعام معين مبينا خطره على الصحة.. هل هو مصيب في ذلك.. أم أنك ترينه يتدخل في حياة الناس الشخصية ليمنعهم مما تشتهيه نفوسهم من الشهوات؟

قالت المرأة: إن أثبت الدراسات والتجارب صحة ما يقوله فله الحق في ذلك.

قالت العجوز: فالأمر في اللباس لا يختلف عنه في الطعام.. فكلاهما من الشؤون الشخصية.. ولكن من الشؤون الشخصية ما يكون صالحا نافعا، ومنها ما يكون ضارا.

قالت المرأة: لا أزال لا أفهم ما تقصدين.

قال العجوز: لتفهمي هذا يا ابنتي ينبغي أن تعلمي أن الحجاب الذي دعا إليه الإسلام ليس إلا مفردة من مفردات نظام العفة الذي جاء به.

لاشك أنك ككل إنسان فاضل تدركين قيمة العفة، وأنها خلق من أخلاق الإنسان الرفيعة.. وأن المجتمع الفاضل هو المجتمع الذي تسوده العفة.

إن هذا فطرة في كل نفس إنسانية فاضلة..

فإن كنت لا توقنين بهذا، أو تشكين فيه.. فلاشك أنك لا تقبلين من زوجك أن يخونك.. ولا تقبلين من ابنتك أن تصبح لعبة بين أيدي المنحرفين.. ولا ترضين لنفسك قبل ذلك وبعده أن تدنس سمعتك أو يتكلم أحد في عرضك، أو يتخذك أحد من الناس مطية لشهواته، ثم يرميك دون اهتمام أو مبالاة.

ما دمت لا تقبلين هذا.. فإن هذا لا يعني إلا شيئا واحدا هو أنك تؤمنين في قرارة نفسك بضرورة وجود نظام يحفظ للعفة وجودها الواقعي.. ويحفظ لها كذلك استمرارها ودوامها.

ونظام العفة كأي نظام يلجم الرغبات الجامحة للنفوس يحتاج بعض القيود..

هو نفسه النظام الذي يجعلنا ننتقي ما نأكله حتى لا تصبح شهوات نفوسنا مصايد لنا..

قالت المرأة: فحدثينا عن نظام العفة الذي جاء به الإسلام وعلاقته بالحجاب([40])..

قالت العجوز: لا يمكنني في هذا المجلس أن أحدثك عن كل التفاصيل المرتبطة بهذا.. ولكني سأقرأ عليك آيات من القرآن الكريم تبين السياق الذي ورد فيه الأمر بالحجاب.. وستدركين من خلالها لم جعلت الشريعة الحجاب جزءا من منظومة العفاف التي يقوم عليها المجتمع المسلم.

قال تعالى:﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) إِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)﴾ (النور)

هذه الآيات الكريمة تتحدث عن المجامع التي يقوم عليها نظام الإسلام للعفة([41])..

ومقصد التشريعات الإسلامية يبدو من خلالها واضحا جليا.. فهي لا تعتمد على العقوبة في إنشاء المجتمع النظيف، إنما تعتمد قبل كل شيء على الوقاية.. وهي لا تحارب الدوافع الفطرية، ولكن تنظمها وتضمن لها الجو النظيف الخالي من المثيرات المصطنعة.

والفكرة السائدة في منهج التربية الإسلامية في هذه الناحية، هي تضييق فرص الغواية،  وإبعاد عوامل الفتنة ; وأخذ الطريق على أسباب التهييج والإثارة، مع إزالة العوائق دون الإشباع الطبيعي بوسائله النظيفة المشروعة..

ومن هنا اعتبرت الآيات الكريمة للبيوت حرمة لا يجوز المساس بها ; فلا يفاجأ الناس في بيوتهم بدخول الغرباء عليهم إلا بعد استئذانهم وسماحهم بالدخول، خيفة أن تطلع الأعين على خفايا البيوت، وعلى عورات أهلها وهم غافلون.. ذلك مع غض البصر من الرجال والنساء، وعدم التبرج بالزينة لإثارة الشهوات.

ومن هنا كذلك ييسر الزواج للفقراء من الرجال والنساء، فالإحصان هو الضمان الحقيقي للاكتفاء.. وينهى عن تعريض الرقيق للبغاء كي لا تكون الفعلة سهلة ميسرة، فتغري بيسرها وسهولتها بالفحشاء.

قالت المرأة: أنا مقتنعة بكل ما ذكرته الآيات عن التشريعات المرتبطة بالاستئذان وغيره، فهي تشريعات حضارية لا تنكرها الفطر السليمة.. ولكن الذي تنكره هو الحجاب..

قال العجوز: لا بأس.. سألتمس لإقناعك أسلوبا آخر..أنا أعلم أنّ الحديث عن الحجاب في عصرنا الذي سمّوه عصر السفور والحرية، ليس حديثاً سارّاً حيث يتصوّه الكثير أُسطورة تعود لعصور خلت.. إلاّ أنّ الفساد الذي لا حدّ له، والمشاكل المتزايدة والناتجة عن هذه الحريّات التي لا قيد لها ولاحدود، أدى بالتدريج إلى ايجاد الأُذن الصاغية لهذا الحديث:

أولا.. لا شك أنك تعلمين أن سفور النساء وما يرافقه من تجميل وتدلل ـ وما شاكل ذلك ـ يحرك الرجال ويحطّم أعصابهم، وتراهم قد غلب عليهم الهياج العصبي، وأحياناً يكون ذلك مصدراً للأمراض النفسية، فأعصاب الإنسان محدودة التحمّل، ولا تتمكن من الإِستمرار في حالة الهيجان؟

ألم يقل أطباء علم النفس بأنّ هذه الحالة من الهيجان المستمر سبب للأمراض النفسية؟

خاصّة إذا لاحظنا أنّ الغريزة الجنسية، أقوى الغرائز في الإنسان وأكثرها عمقاً، وكانت عبر التاريخ السبب في أحداث دامية وإجرامية مرعبة، حتى قيل: إنّ وراء كلّ حادثة مهمّة امرأة!.. أليس إثارة الغرائز الجنسية لعباً بالنار؟.. وهل هذا العمل عقلاني؟

الإسلام يريد للرجال والنساء المسلمين نفساً مطمئنة وأعصاباً سليمة ونظراً وسماعاً طاهرين، ولهذا دعا إلى الحجاب وألزم به، فلا يمكن أن يتحقق الاستقرار من دونه.

ثانيا.. تبين الإحصاءات الكثيرة الموثقة ارتفاع نسب الطلاق وتفكّك الأُسرة في العالم، بسبب زيادة السفور، لأنّ الناس أتباع الهوى غالباً، وهكذا يتحوّل حبّ الرجل من امرأة إلى أخرى، كلّ يوم، بل كل ساعة.

أمّا في البيئة التي يسودها الحجاب والتعاليم الإسلامية الأُخرى، فالعلاقة وثيقة بين الزوج وزوجته، ومشاعرهما وحبهما مشترك.

وأمّا في سوق السفور والحرية الوهمية، حيث المرأة سلعة تباع وتشترى، أو في أقل تقدير موضع نظر وسمع الرجال، عندها يفقد عقد الزواج حرمته، وتنهار أُسس الأُسر بسرعة كانهيار بيت العنكبوت، ويتحمل هذه المصيبة الأبناء.

ثالثا.. لا شك أنك تعلمين أن انتشار الفحشاء وازدياد الأبناء غير الشرعين يعتبران من أنكى نتائج إلغاء الحجاب، ولا حاجة إلى إحصائية بهذا الصدد، فشواهدها ظاهرة في المجتمع الغربي، واضحة بدرجة لا تحتاج إلى بيان.

فكلّما انتشر الفساد الجنسي في المجتمعات البشرية اتّسع التهديد لهذه المجتمعات وتعاظم الخطر عليها، وقد برهنت دراسات العلماء في التربية على ظهور الأعمال المنافية للعفة، وتفشّي الإهمال في العمل والتأخر، وعدم الشعور بالمسؤولية، في المدارس المختلطة والمنشئات التي يعمل فيها الرجال والنساء بشكل مختلط.

بعد هذا كله، فإن ابتذال المرأة وسقوط شخصيتها يفقدها كلّ قيمتها الإنسانية، إذ يصبح شبابها وجمالها وكأنّه المصدر الوحيد لفخرها وشرفها، حتى لا يبقى لها من إنسانيتها سوى أنّها أداةٌ لإشباع شهواتِ الآخرين، الوحوش الكاسرة في صور البشر!

كيف يمكن للمرأة في هذا المجتمع أن تبرز علمياً وتسمو أخلاقياً؟!

إنه من المؤسف أن تلعب المرأة باسم الفن، وتشتهر وتكسب المال الوفير، وتنحطّ إلى حد الإبتذال في المجتمع، ليرحب بها مسيّرو هذا المجتمع المنحط خلقيّاً، في المهرجانات والحفلات الساهرة؟!

قالت المرأة: إن كل ما ذكرته صحيح.. ولكن ألا ترين أن الحجاب يجعل النساء – اللاتي يشكلن نصف المجتمع - في معزل عن المجتمع، ويكون ذلك سبباً في تأخرهنّ الثقافي، وانعدام الإستفادة من طاقاتهن العظيمة في ازدهار الإقتصاد.. وإذا شغر مكانهنّ في المنشئات الثقافية والإجتماعية أصبحن موادَّ استهلاكيّة ليست بذات جدوى للمجتمع؟

قالت العجوز: لا.. يا ابنتي.. إن ما تقولينه غير صحيح.. فالشرع الذي حرم على المرأة أن تلبس من اللباس ما قد يؤدي إلى أي ضرر نفسي أو اجتماعي هو نفسه الشرع الذي دعا المرأة إلى أن تكون إيجابية في المجتمع.

وأدنى درجات الإيجابية أن تقوم المرأة بإدارة المنزل وتربية الأبناء الأصحّاء رجال المستقبل الذين يديرون عجلة الحياة في المجتمع.

إن الذين لا يعدّون هذه المسؤولية للمرأة أمراً ايجابياً جاهلون بحقيقة دور المرأة في الأُسرة وفي التربية، وفي بناء مجتمع سليم فعّال، بل لا يعترفون إلاّ بمغادرة الرجال والنساء المنازل صباحاً ليلتحقوا بالدوائر والمصانع. ويجعلون أبناءهم تحت رعاية الآخرين، في دور الحضانة، أو يغلقوا عليهم المنازل ليعيشوا في معتقل دون رعاية، حتى يعود الوالدان من العمل وقد أرهقهما التعب!

هؤلاء غافلون عن أنّ افتقاد الأطفال للرعاية والعطف، يؤدي إلى تحطّم شخصيتهم ويعرض المجتمع إلى الخطر.

قالت المرأة: ولكن لم كان الإسلام هو الدين الوحيد الذي يفرض الحجاب من دون سائر الأديان.

قالت العجوز: ومن قال لك ذلك.. إن الحجاب الذي يعني اللباس الملتزم مكتوب في كل فطرة نبيلة، وفي كل شريعة صحيحة.. ولا تجدين دينا إلا وله أثارة لا تزال توجد فيه.

سأضرب لك مثالا على ذلك من الكتاب المقدس..

لقد ورد في رسالة بطرس الأولى (3: 1-5):(كذلك، أيتها النساء، اخضعن لأزواجكن. حتى وإن كان الزوج غير مؤمن بالكلمة، تجذبه زوجته إلى الإيمان، بتصرفها اللائق دون كلام، وذلك حين يلاحظ سلوكها الطاهر ووقارها. وعلى المرأة ألا تعتمد الزينة الخارجية لإظهار جمالها، بضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب الفاخرة. وإنما لتعتمد الزينة الداخلية، ليكون قلبها متزينا بروح الوداعة والهدوء. هذه هي الزينة التي لا تفنى، وهي غالية الثمن في نظر الله! وبها كانت تتزين النساء التقيات قديما، فكانت الواحدة منهن تتكل على الله وتخضع لزوجها)

وفي الرسالة الأولى إلى تيموثاوس (2: 9-10):(كما أريد أيضا، أن تظهر النساء بمظهر لائق محشوم اللباس، متزينات بالحياء والرزانة، غير متحليات بالجدائل والذهب واللاليء والحلل الغالية الثمن، بل بما يليق بنساء يعترفن علنا بأنهن يعشن في تقوى الله، بالأعمال الصالحة!)

وفي سفر الأمثال (31: 30):(الحسن غش والجمال باطل، أما المرأة المتقية الرب فهي التي تمدح. أعطوها من ثمر يديها، ولتكن أعمالها مصدر الثناء عليها)

وفي الرسالة الأولى إلى كورنثس (11: 1): (وأما كل امرأة تصلي أو تتنبأ ورأسها غير مغطى فتشين رأسها لأنها والمحلوقة شيىء واحــد بعينه.. إذ المرأة إن كانت لا تتغطى: فليقص شعرها)

وفي نفس الرسالة (11: 13): (احكموا في أنفسكم: هل يليق بالمرأة أن تصلي إلى الله وهي غير مغطاة؟!)

الرعاية

جلست المرأة، فقامت أخرى، وقالت: لقد حدثتنا عن الثلاث، وقد اقتنعت بما ذكرت.. فحدثينا عن الرابعة.

قال العجوز: الرابعة هي الرعاية.. فالشريعة التي أكرمت المرأة وصانتها هي نفسها التي جاءت لترعى لها كل حاجاتها الدينية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية باعتبارها كالرجل تماما([42]).

لقد وردت النصوص الكثيرة ومعها التشريعات المختلفة تؤكد ذلك وتؤسس له..

فمن ذلك رعاية حاجتها للتعليم.. فقد حثّ الإسلام على العلم ورغب فيه الرجال والنساء على السواء، وليس هناك نص واحد صحيح يحرم على المرأة أن تتعلم.. بل إن التاريخ الإسلامي مليء بمئات العاملات والأديبات، والمحدثات ممن اشتهرن بذلك ودونت سيرتهن في كتب التراجم..

ومن ذلك حقها في العمل والوظيفة.. فلا يوجد في الإسلام ما يمنع من تولي المرأة الوظائف لكمال أهليتها، ولكن يجب أن يتم ذلك وفق مبادئ الإسلام وأخلاقه، فلا يصح أن تكون الوظيفة معطلة لعمل الأم في بيتها وإشرافها على شؤون عائلتها..

وذلك ليس هو النظام الشرعي الاجتماعي فقط بل هو النظام الطبيعي، ولهذا فإن عمل المرأة لا يكون من الناحية الإجتماعية أصلاً، بل يكون استثنائياً..

ومن وجوه الاستثناء في هذا أن تكون المرأة ذات نبوغ خاص يندر في الرجال والنساء معاً، والمصلحة الاجتماعية توجب في هذه الحالة أن تعمل ليعود ذلك النبوغ على المجتمع بنفع عام، وفي هذا تترك جزء من أمومتها في سبيل المصلحة العامة.

ومن وجوهه أن تتولى المرأة عملاً هو أليق بالنساء كتربية الأطفال وتعليمهم فيكون الطفل في حضانة أمه داخل البيت، وفي عطف المرأة ورعايتها في المدرسة، ومثل تعليم الأطفال تطبيب النساء، وقد قرر الفقهاء أن بعض هذه الأعمال فرض كفاية كالقابلات فإن عملهن من فروض الكفاية.

ومن وجوهه أن تعين زوجها في ذات عمله، وهذا كثير في الريف، فالمرأة الريفية إذا كان زوجها عاملاً زراعياً، أو مالكاً غيراً، أو مستأجراً لمساحة ضئيلة تعاونه امرأته في عمله.

ومن وجوهه أن تكون في حاجة إلى العمل لقوتها، وقوت عيالها إذا فقدت العائل هي وهم، فكان لا بد أن تعمل هذه الضرورة أو تلك الحاجة الملحة.

قامت امرأة، وقالت: فما تقول الشريعة في الحقوق السياسية للمرأة.

قال العجوز: ما دامت المرأة إنسانا كالرجل.. ومسؤولة مثله عن الشؤون الاجتماعية.. فإن لها الحق مثله في جميع الحقوق السياسية..

وأولها حقها في انتخاب أولياء الأمور..

ولها حق النيابة بفروعها جميعا..

فلها الحق في تشريع القوانين والأنظمة.. فليس في الإسلام ما يمنع أن تكون المرأة مشرعة، لأن التشريع يحتاج قبل كل شيء إلى العلم مع معرفة حاجات المجتمع وضروراته التي لا بد منها، والإسلام يعطي حق العلم للرجل والمرأة على السواء.

ولها الحق في مراقبة السلطة التنفيذية.. بل هو واجب عليها كوجوبه على الرجل.. ذلك أن هذه الرقابة ليست سوى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.. والرجل والمرأة في ذلك سواء في نظر الإسلام قال الله تعالى:﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)﴾ (التوبة)

وفي السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية أي السنة التي هاجر فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم لديه خمسة وسبعون مسلماً من المدينة منهم ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، وبايعوه جميعاً بيعة العقبة الثانية، وهي بيعة حرب وقتال، وبيعة سياسية، وبعد أن فرغوا من بيعته قال لهم جميعاً: (أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم كفلاء)، وهذا أمر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توجه للجميع بأن ينتخبوا من الجميع، ولم يخصص الرجل، ولم يستثن النساء، لا فيمن يَنتخب ولا فيمن يُنتخب، والمطلق يجرى على إطلاقه ما لم يرد دليل التقييد، كما أن العام يجري على عمومه ما لم يرد دليل التخصيص.

وهنا جاء الكلام عاماً ومطلقاً، ولم يرد دليل التقيد أو التخصيص فيدل على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر المرأتين أن تنتخبا النقباء وجعل لكل من المرأتين حق انتخابها من المسلمين نقيبتين.

وبعد ذلك كله، فلها الحق في الشورى..

وقد روي أنه لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صلح الحديبية ولقي مقاومة عنيفة من المسلمين لشروطها، وأمرهم أن ينحروا، ويحلقوا، فرفض المسلمون جميعاً ذلك، فدخل على زوجته أم سلمة، وأخبرها بما صنعه المسلمون فأشارت عليه أن يخرج، وينحر، ويحلق، فأخذ برأيها، وفعل كما قالت له، فهبّ المسلمون ينحرون ويحلقون حتى كادوا يتذابحون لسرعتهم في التقيد بفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهذا يدل على حق المرأة في الشورى، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يشاور النساء، ويأخذ برأيهن.. وبناء على هذا فيجوز أن تكون المرأة عضواً في مجلس الشورى لتعطي رأيها كما فعلت أم سلمة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قامت أخرى، وقالت: ولكن الإسلام مع كل هذا لم يتح للمرأة أن تتولى المناصب المحترمة في الدولة؟

قالت العجوز: إن أكثر الفقهاء يرون أن المناصب الحكومية ليست ممنوعة على المرأة سوى منصب واحد - وهو ممنوع على أكثر الرجال - وهو منصب (رئاسة الدولة العليا)([43])

والسر في هذا المنع ليس عائدا إلى موقف الإسلام من إنسانية المرأة، وكرامتها، وأهليتها، وإنما هو وثيق الصلة بمصلحة الأمة وبحالة المرأة النفسية ورسالتها الاجتماعية.. فرئيس الدولة في الإسلام ليس صورة رمزية للزينة والتوقيع، وإنما هو قائد المجتمع، ورأسه المفكر، ووجه البارز، فهو الذي يعلن الحرب على الأعداء، ويقود جيش الأمة في ميادين الكفاح، ويقرر السلم والمهادنة إن كانت المصلحة فيها، أو الحرب والاستمرار فيها إن كانت المصلحة تقتضيها، وطبيعي أن يكون ذلك كله بعد استشارة أهل الحل والعقد في الأمة..

ومما لا ينكر أن هذه الوظائف الخطيرة لا تتفق مع تكوين المرأة النفسي، والعاطفي، وبخاصة ما يتعلق بالحروب وقيادة الجيوش، فإن ذلك يقتضي من قوة الأعصاب، وتغليب العقل على العاطفة والشجاعة في خوض المعارك.

قامت أخرى، وقالت: دعينا من السياسة.. فلا ناقة لنا فيها ولا جمل.. وعودي بنا إلى الأسرة.. وأجيبينا على هذا السؤال المحير.. لم جعل الطلاق بيد الرجل، ولم يجعل بيد المرأة؟

قالت العجوز: إن فصم رابطة الزوجية أمر خطير، يترتب عليه آثار بعيدة المدى في حياة الأسرة والفرد والمجتمع، فمن الحكمة والعدل ألا تعطى صلاحية البت في ذلك، وإنهاء الرابطة تلك، إلا لمن يدرك خطورته، ويقدر العواقب التي تترب عليه حق قدرها، ويزن الأمور بميزان العقل، قبل أن يقدم على الإنفاذ، بعيداً عن النزوات الطائشة، والعواطف المندفعة، والرغبة الطارئة.

والثابت الذي لا شك فيه أن الرجل في الأغلب أكثر إدراكاً وتقديراً لعواقب هذا الأمر، وأقدر على ضبط أعصابه، وكبح جماح عاطفته حال الغضب والثورة، وذلك لأن المرأة خلقت بطباع وغرائز تجعلها أشد تأثراً، وأسرع انقياداً لحكم العاطفة من الرجل، لأن وظيفتها التي أعدت لها تتطلب ذلك، فهي إذا أحبت أو كرهت، وإذا رغبت أو غضبت اندفعت وراء العاطفة، لا تبالي بما ينجم عن هذا الاندفاع من نتائج ولا تتدبر عاقبة ما تفعل، فلو جعل الطلاق بيدها، لأقدمت على فصم عرى الزوجية لأتفه الأسباب، وأقل المنازعات التي لا تخلو منها الحياة الزوجية، وتصبح الأسرة مهددة بالانهيار بين لحظة وأخرى.

وهذا لا يعني أن كل النساء كذلك، بل إن من النساء من هن ذوات عقل وأناة، وقدرة على ضبط النفس حين الغضب من بعض الرجال، كما أن من الرجال من هو أشد تأثراً وأسرع انفعالاً من بعض النساء، ولكن الأعم الأغلب والأصل أن المرأة كما ذكرنا، والتشريع إنما يبني على الغالب وما هو الشأن في الرجال والنساء، ولا يعتبر النوادر والشواذ، وهناك سبب آخر لتفرد الرجل بحق فصم عرى الزوجية.

إن إيقاع الطلاق يترتب عليه تبعات مالية، يُلزم بها الأزواج: فيه يحل المؤجل من الصداق إن وجد، وتجب النفقة للمطلقة مدة العدة، وتجب المتعة لمن تجب لها من المطلقات، كما يضيع على الزوج ما دفعه من المهر، وما أنفقه من مال في سبيل إتمام الزواج، وهو يحتاج إلى مال جديد لإنشاء زوجية جديدة، ولا شك أن هذه التكاليف المالية التي تترتب على الطلاق، من شأنها أن تحمل الأزواج على التروي، وضبط النفس، وتدبر الأمر قبل الإقدام على إيقاع الطلاق، فلا يقدم عليه إلا إذا رأى أنه أمر لا بد منه ولا مندوحة عنه.

أما الزوجة فإنه لا يصيبها من مغارم الطلاق المالية شيء، حتى يحملها على التروي والتدبر قبل إيقاعه إن استطاعت بل هي تربح من ورائه مهراً جديداً، وبيتاً جديداً، وعريساً جديداً.

فمن الخير للحياة الزوجية، وللزوجة نفسها أن يكون البت في مصير الحياة الزوجية في يد من هو أحرص عليها وأضن بها.

والشريعة لم تهمل جانب المرأة في إيقاع الطلاق، فقد منحتها الحق في الطلاق، إذا كانت قد اشترطت في عقد الزواج شرطاً صحيحاً، ولم يف الزوج به، وأباحت لها الشريعة الطلاق بالاتفاق بينها وبين زوجها، ويتم ذلك في الغالب بأن تتنازل للزوج أو تعطيه شيئاً من المال، يتراضيان عليه، ويسمى هذا بالخلع أو الطلاق على مال، ويحدث هذا عندما ترى الزوجة تعذر الحياة معه، وتخشى إن بقيت معه أن تخل في حقوقه، وهذا ما بينه الله تعالى في قوله:﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)﴾ (البقرة)

ولها طلب التفريق بينها وبينه، إذا أُعسر ولم يقدر على الإنفاق عليها، وكذا لو وجدت بالزوج عيباً، يفوت معه أغراض الزوجية، ولا يمكن المقام معه مع وجوده، إلا بضرر يلحق الزوجة، ولا يمكن البرء منه، أو يمكن بعد زمن طويل، وكذلك إذا أساء الزوج عشرتها، وآذاها بما لا يليق بأمثالها، أو إذا غاب عنها غيبة طويلة.

كل تلك الأمور وغيرها، تعطي الزوجة الحق في أن تطلب التفريق بينها وبين زوجها، صيانة لها أن تقع في المحظور، وضناً بالحياة الزوجية من أن تتعطل مقاصدها، وحماية للمرأة من أن تكون عرضة للضيم والتعسف.

***

ما انتهت العجوز من حديثها إلى هذا الموضع حتى طلبت إحدى الشاهدات التدخل، فأذنت لها رئيسة الجلسة طمعا في أن تنقذ المؤتمر من الموقف الحرج الذي وضعته فيه العجوز.

قالت الشاهدة: لقد أدليت بشهادتي، وكنت صادقة في ذلك.. لكني كاذبة لأني لم أعط شهادتي حقها من التفصيل والتعليل.

نعم لقد أهنت وسلبت حقوقي.. ولكن الذين أهانوني وسلبوا حقوقي لم يتعرضوا في يوم واحد من حياتهم لأشعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. لقد كانت حياتهم مبنية على أعراف تعارفوها، وأفكار سرت إليهم من مجتمعات مختلفة..

لقد كان أبي شيخا جاهلا باعني كما باع بقرته.. ولو أنه استنار بهديه صلى الله عليه وآله وسلم، وتعلم من معاملته لابنته فاطمة لما فعل هذا بي..

وكان زوجي رجلا شحيحا حريصا يبيع دينه بأي شيء، فلذلك لم يكن ينظر إلي إلا كما ينظر إلى مواشيه وسلعه.. وسأفصح لكم عن سر لو أني لم أفصحه الآن لوقفت خجلة من محمد صلى الله عليه وآله وسلم طول حياتي.

قالوا: وما هذا السر؟

قال: لقد سببت زوجي وأهنته، ومع ذلك سأذهب إلى بيته هذا المساء.. وسيكرمني أعظم إكرام مع ما قلت في حقه.. أتدرون سر ذلك؟

صمت الجميع محتارين، فقالت: لقد قبض زوجي مبلغا مقابل شهادتي.. لقد تآمر مع بعض المحضرين لهذا المؤتمر لأدلي بهذه الشهادة.. فهو من الناس الذين يرددون:(أعطني المال، وسمني بأي اسم شئت)

ولن أفضح زوجي أكثر من هذا.. ولكني أقول لكم: إن هذا الزوج الذي أردتم أن ترموا به محمدا صلى الله عليه وآله وسلم قد تخلى عن دينه إن كان له دين.. وقد التحق بركب المرتدين.. لقد ذهب إلى المسيح.. لا حبا في المسيح.. ولكن حبا في المال الذي يدر عليه من خدمة المسيح أو خونة المسيح.

جلست الشاهدة التي زادت طين المؤتمر بلة، فرفعت الشاهدة الثانية يدها، والثالثة والرابعة.. خشيت رئيسة الجلسة أن تزداد الفضائح، فرفعت الجلسة.

لقد رأيت وجه رئيسة الجلسة المتغير، لقد ارتسمت قناعات كثيرة في وجهها.. ومع أنها من دعاة التحرر إلا أني شعرت أنها قد امتلأت حياء من محمد وأشعة محمد.

لقد دعاني ما رأيت إلى البحث المستفيض عن الإسلام.. والحمد لله.. لقد دلني الله على الحقيقة التي حاول الكل طمسها وتشويهها.. ولكن أنى لهم أن يشوهوا الشمس التي جعلها الله رحمة للعالمين.

***

قالت (مريم هاري) هذا، ثم التفتت إلى صواحبها، وقالت: هذا هو حديثي.. فهل ترينني ملومة فيه؟

قالت فرانسواز: كلا.. أنا أرى بأنك اخترت الطريق الصحيح.. فأنا لم أجد طول بحثي في المذاهب والأديان دينا احترم المرأة احترام الإسلام لها.. إن احترامه ينبع من بحر عميق من الرحمة التي تفتقدها الأديان والمذاهب.

قالت دانيالي: إن حديثك هذا رغبنا كثيرا في الإسلام.. ونحن نريد منك الآن أن تكملي لنا جميلك، فتذكري لنا رحلتك في البحث عن الحقيقة.. فما أحوجنا إلى أن نسلك سلوكك.

قالت مريم: على العين والرأس.. هيا سرن معي إلى بيتي.. وسأريكن من الحقائق الجميلة التي جاء بها الإسلام ما لم ترينه طول حياتكن.

قامت مريم، وقامت معها النسوة، وقد أحسست أن أشعة كثيرة من النور تتنزل عليهن.. وقد رزقني الله بفضل الاستماع لهن بصيصا من النور اهتديت به بعد ذلك إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

 

ثانيا ـ الأطفال

في اليوم الثاني، سرت إلى روضة للأطفال كان قد أسسها في تلك المدينة القاسية رجل من رجالنا.. كان لكثرة ترديده لاسم منظمة (اليونيسيف)([44])  يطلق عليه في تلك البلاد اسم (يونيسيف).. وقد أعجبه الاسم ورضي به، فصار لا يعرف إلا به.

وكان على حسب ما علمت قد تفنن في تصميمها، فحولها إلى جنة غناء من جنان الدنيا، تفيض بكل أنواع الجمال.

وبعد أن انتهى من تصميمها وبنائها جمع لها من أبناء المدينة أكثرهم ذكاء، وأوفرهم فطنة، ليصيغهم على حسب تصوره إلى أنموذج تحتذي به المدينة جميعا، أو تنبهر به المدينة جميعا.

وقد نجح صاحبنا في كل ذلك.. وذلك ما دفعه إلى أن يركب من مطايا الغرور ما جعله يقيم حفلا كبيرا يدعو له الوجهاء والعلماء، بل والعامة من الناس، ليروا إنجازه العظيم.. فإذا ما انبهروا به، سهل عليه أن يمرر عليهم رسالته التي لم يأت هذه المدينة، ولم يتكبد ذلك الشقاء إلا من أجل تحقيقها.

بعد أن اجتمع العامة والوجهاء في قاعة الحفل.. وذلك بعد مرورهم على كل أجنحة الروضة، وامتلائهم إعجابا بها، وبالأنشطة التي يقوم بها الصبية فيها.. خرج صاحبنا الممتلئ غرورا لينعق أمام الصبية وآبائهم ومن زار الروضة ذلك اليوم بمحاضرة لم تكن تهدف في الحقيقة إلا إلى شيء واحد هو أن الإسلام ظلم الطفولة، وهضمها حقوقها، وأنه تعامل بقسوة بالغة مع براءة الطفولة..

وكان من ضمن ما قال: اسمعوا لأمر محمد بضرب الأطفال.. إنه يقول بكل قسوة:(اضربوهم إذا بلغوا عشرا)([45]).. بل يأمر قبل ذلك.. وفي اليوم السابع من ميلادهم بإجراء عملية يسمونها الختان لا هدف لها إلا إذيتهم من غير قيام أي داع لذلك.. هي عملية جبرية قسرية تنم عن قسوة الإسلام، وعدم احترامه لبراءة الطفولة.

بعد أن أملى على الحضور في لحظة نشوته تلك الرسالة.. أراد أن يبرهن عليها، فأحضر أشرطة تصور حال صبية الروضة قبل قدومهم إليها.. وكيف كانوا يعانون جميع أنواع المشاق.. وكيف كانوا يعاملون بكل أنواع القسوة.

ثم أردف ذلك بإخراج أولئك الصبية أنفسهم ليراهم الحضور، وكيف تغير حالهم..

بل إنه إمعانا في بيان الدور العظيم الذي قام به.. طلب من الصبية أن يتحدثوا.. فتحدثوا شاكرين له، ولمجهوده الكبير الذي قدمه..

وكان للحفل أن ينجح، ويؤدي دوره الذي أراده منه لو أنه اكتفى بذلك.. ولكنه في لحظة نشوته راح من غير شعور يخير الصبية بين تلك الحياة الجميلة التي يحيونها في روضته وبين الإسلام قائلا لهم، وبسمة الغرور تملأ فاه: ما رأيكم الآن- أحبائي الصغار في هذه الحياة التي منت بها عليكم هذه الحضارة، وبين الحياة التي أراد محمد أن تعيشوها.

وهنا تغيرت وجوه الصبية تغيرا تاما.. بل إن أحدهم لم يطق الاكتفاء بتغير الوجه، فراح يقول لصاحب الروضة بكل قوة: أي محمد تقصد؟

قال الرجل: ليس هناك إلا محمد واحد.. ذلك البدوي القاسي الذي صاغ دينا بدويا، وطلب من البشر جميعا أن يتحولوا إلى بدو قساة..

قال الصبي: تقصد محمدا الذي أرسله الله رحمة للعالمين؟

قهقه الرجل بصوت عال، وقال: أجل..

ثم التفت إلى الجموع، وراح يصيح: انظروا الغرور العظيم الذي كان عليه ذلك الرجل.. إنه لم يكتف بأن يزعم لنفسه الرحمة لقومه حتى راح يزعم أنه رحمة للعالمين..

وكيف يكون رحيما ذلك الذي يدعو إلى ضرب الصبية.. وإعناتهم.. وملأ حياتهم بالتكاليف الشاقة!؟

قاطعه الصبي، وقال: لقد سمعنا موقفك حضرة الأستاذ الفاضل- فهل تأذن لنا في الجواب؟

قال الرجل بكل غرور: أجل.. لقد خيرتكم بين هذه الحياة الكريمة التي وفرتها هذه الحضارة الرحيمة، وبين الحياة القاسية التي دعاكم محمد إلى تحملها.

قال الصبي: قبل أن أجيبك عن هذا السؤال، أخبرك - أولا- أن القسوة التي كنت أعيش فيها مع رفاقي جميعا لم تكن قسوة مرتبطة بتشريعات الإسلام، ولا بتعاليم محمد.. وإنما كانت قسوة ناشئة عن الحالة المادية التي اضطرتنا الحياة إليها اضطرارا.

ومع ذلك.. ومع تلك القسوة الظاهرية.. كنا ننعم برحمة باطنية كبيرة تملأ حياتنا بالجمال الذي لا يراه الناس.

نعم لم يكن للبيوت التي تكننا مثل هذا الجمال الذي تمتلئ به هذه الروضة.. ولم يكن فيها من المرافق ما فيها.. ولكنا مع ذلك كنا نشعر أن آباءنا لم يكونوا يقصدون شيئا من القسوة حولنا.. ولكن ذات يدهم جعلتهم لا ينيلوننا من الحياة إلا ما رأيتموه.. وليس لذلك كله صلة بالإسلام.

تغير وجه (يونيسيف) لإجابة هذا الصبي، وقال، وهو يحاول أن يستر موقفه: لا بأس.. دعنا من حياتكم.. وأخبرني عن التعاليم التي جاء بها محمد.. ألا ترى أن فيها وحدها ما يكفي للبرهنة على موقف الإسلام القاسي من الطفولة؟

ابتسم الصبي، وقال: إن أذنت لي، وأذن لي هذا الجمع المبارك، فسأحدثكم مع رفاقي الصبية عن التعاليم العظيمة التي جاء بها الإسلام حول الطفولة.. وسترون فيها البرهان الكافي على رحمة الإسلام بالطفولة.. وهي نفس رحمته التي شملت الحياة جميعا.

تغير وجه (يونيسيف)، ولكنه ستر تغيره بابتسامة عريضة قال بعدها: لقد خططتم لهذا اليوم إذن؟

قال الصبي: لا.. لم نخطط.. ولكن الله أتاح لنا أن نقرأ تعاليم الإسلام من مصادرها الأصلية.. وقد أعطانا ذلك قناعة كبرى بما نقول.. فهل تراك تأذن لنا في الحديث؟

قال (يونيسيف): أجل.. أجل.. يسرني ذلك.. تحدثوا.. فما أجمل أن يسمع الكبار للصغار.

قال الصبي: لقد رأينا من خلال استقراء النصوص المقدسة أن الإسلام أعطى للأطفال أربعة حقوق كبرى تنتظم فيها جميع الحقوق.

أما أولها، فحقهم في الوجود.. وأما الثاني، فحقهم في الحياة.. وأما الثالث، فحقهم في المعاملة النفسية الرقيقة.. وأما الرابع، فحقهم في التربية الصحيحة الصالحة.

التفت إلى رفاقه الصبية، وقال: سيحدثكم أصدقائي عن هذه الحقوق، ولكم أن تسألوهم ما شئتم.

الوجود

تقدم الصبي الأول، وقال - بشجاعة لا تقل عن شجاعة صديقه-: أنا أسامة.. وهو اسم لصاحب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. صحبه صبيا([46]).. وقد كان الناس يطلقون عليه (حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) لما يرون من عناية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به، واهتمامه الخاص به، خاصة بعد استشهاد أبيه.

لقد ذكر لكم صاحبنا أني سأحدثكم عن حق الوجود.. وهو أول حق من حقوق الطفل.. ولا يمكن أن تقوم سائر الحقوق إلا عليه.

ضحك (يونيسيف) بصوت عال، وقال: حق الوجود!؟.. لم نسمع بهذا.. إن هذا أقرب إلى الهزل منه إلى الجد.. من ناقش في حق الوجود حتى يتحدث عنه؟ أوحتى يطالب أحد به؟

ابتسم أسامة، وقال: لقد ناقش هذا الحق اثنان.. أما أحدهما فحمل سلاح الدين ليحارب به هذا الحق.. وأما الثاني، فحمل سلاح الحضارة.

قال (يونيسيف): فمن حمل السلاح الأول؟

التفت الصبي إلي، وكأنه يقصدني، وقال: أما السلاح الأول، فحمله رجال من رجال الدين أرادوا أن يحاربوا فطرة الله في عباده، فاعتبروا الكمال في العزوبة، والانقطاع عن الناس، وحياة الرهبانية.

قال (يونيسيف): ومن حمل السلاح الثاني؟

قال أسامة: لقد حملته هذه الحضارة.. عندما نادى بعض قادتها بضرورة تحديد النسل.. لاشك أنك تعرفه.. إنه مالتوس([47]).. لقد صاح بملء فيه يقول:(السكان يتزايدون بمعدلات حسابية... إنه إذاً الاختلال، فالمجاعة..)

قال (يونيسيف): ذاك رجل كلاسيكي..  فدعنا منه.

قال أسامة: لم يكن مالتوس وحده هو الذي نادى بذلك.. لقد صاح بعده وفي سنة 1968 - العالم البيولوجي (بول أيرلخ) في كتابه الشهير (القنبلة السكانية) يقول:(لقد انتهت معركة توفير الغذاء للجميع بالفشل التام، وسيعاني العالم في السبعينات من هذا القرن (العشرين) من المجاعات وموت ملايين من البشر جوعاً، وذلك على الرغم من أن أي برنامج قد نبدؤه اليوم لتفادي ذلك)

وقد استمر هذا العالم يطلق صيحاته التحذيرية هذه.. حتى أنه في عام 1970 ذكر أن هناك احتمال موت 65 مليون من البشر - أمريكيين بالتحديد - من الجوع، وأربعة بلايين من بقية سكان العالم، بين سنتي 1980/1989.

إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث.. ومع أن سكان العالم قد تضاعفوا منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، إلا إنتاج الغذاء قد تضاعف ثلاث مرات في الفترة نفسها.

إن صيحات التحذير لم تكف بعد.. ففي هذه الأيام ظهرت صيحات جديدة مدعومة بالإحصاءات والدراسات، فتقارير منظمة الفاو (منظمة الأغذية والزراعية) تؤكد أن نحو 25 ألف مليون طن من التربة الخصبة تتعرض للزوال سنوياً، بفعل عوامل التعرية.. وأن تصيب الفرد من الأرض الصالحة للزراعة سينكمش بحلول عام 2010، من 0.85 إلى نحو 0.4 هكتار، ويقول (كيث كولينز) وهو كبير اقتصادي وزارة الزراعية الأمريكية :  (ينبغي معالجة الوضع عن كثب)، ويذكر تقرير المعهد الدولي لأبحاث السياسية الغذائية (أنه ستصبح العلاقة بين إنتاج المواد الغذائية على مستوى العالم والأسعار علاقة مضطربة، الأمر الذي سيترجم على مخاطر أكبر بالنسبة للأمن الغذائي في دول العالم النامي) ([48])..

قال (يونيسيف): نعرف هذا.. ونحن نريد أن تحدثنا عن موقف الإسلام لا عن موقف قومنا.. فنحن أعرف به منكم.

قال أسامة: الإسلام ينطلق في هذه المعاني من قناعات إيمانية بأن الله الذي خلق هذا الكون جميعا، لن يعجزه أن يرزق الخلائق جميعا قلوا أو كثروا..

لقد كان هذا هو الأسلوب الذي استعمله القرآن الكريم مع من كانوا يقتلون أولادهم مخافة على أنفسهم وعليهم من الفقر.. لقد قال الله تعالى ينهى عن ذلك:﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31)﴾ (الإسراء)، وقال:﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.. (151)﴾ (الأنعام)

وفي الحديث عن ابن مسعود قال:  سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال:(أن تجعل لله ندا وهو خلقك) قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي ؟ قال: (أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك)، قلت: ثم أي ؟ قال: (أن تزاني حليلة جارك)([49])، ثم تلا هذه الآية ([50]):﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ.. (70)﴾ (الفرقان)

ولهذا، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شجع على الأكثار من الأولاد، مع مراعاة تنشئتهم نشأة صالحة.. ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم)([51])

ولهذا، فإن الإسلام حرم الإجهاض، وكل ما يؤدي إلى حرمان الأولاد من حق الوجود..

قال يونسيف: ولكن ألا يمكن أن يكون ما ادعاه مالتوس ورفاقه صحيحا.. وأن الزمان الذي يحصل فيه ما ادعوه لم يحل فقط؟

قال: بالنسبة لنا نحن المسلمين فإن إيماننا بالله يحول بيننا وبين هذه الدعاوى.. نحن نؤمن بأن وعد الله لابد أن يتحقق لا محالة..

لقد قال تعالى يعدد نعمه على عباده:﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10)﴾ (فصلت)، فأقوات العباد مقدرة، وهي مبثوثة في كل الأرض، وقد اختص الخالق عز وجل كل جزء منها بثروة تكفي ساكنيها وتسد احتياجاتهم.

قال يونسيف: ولكن.. ألا ترى أن هذا الوعد قد تخلف مرات كثيرة.. فكم ضربت المجاعات البشر.. وهي لا تزال تضربهم؟

قال أسامة: ذلك يعود للبشر.. لا لرب البشر.. فرب البشر أرحم بعباده من أن يقتلهم بالجوع، وهو يملك خزائن كل شيء.

قال يونسيف: فما تقول في المجاعات؟

قال أسامة: سل عنها الإنسان.. ذلك الذي راح بجشعه يرمي القمح في البحار في الوقت الذي يموت فيه إخوانه من البشر جوعا.. لعلك تعلم ذلك.

ولعلك تعلم ما يقوله الخبراء من أن تهديد العالم الثالث بنضوب الثروات أكذوبة كبرى، فالخطر الحقيقي كامن في سوء استخدام الثروات والكنوز التي تفيض بها الأراضي البكر.. وسوء التخطيط لتطوير إنتاجي أفضل.. وبينما تنقل هذه الخامات إلى بلاد الغرب وتنهب، ثم تعيد تصديرهما للأمم المترفة الاستعمارية لا يحصل أصحاب هذه الثروات إلا على الفتات.

ولعلك تعلم كذلك أن الأبحاث الحديثة تتحدث عن ظاهرة الانحسار السكاني في الغرب، وتصفها بأنها ظاهرة مخيفة وخطيرة تقلق الخبراء الاجتماعيين والسياسيين ورجال الأعمال، فأمريكا تتجه نحو حالة الصفر في النمو السكاني. فهي تقف الآن في النقطة التي يكون فيها عدد المواليد مساوياً لعدد الوفيات.. وتتحدث الأبحاث عن هذا الخطر الهائل الذي يتهدد الولايات المتحدة والدول الغربية على بعد بضعة أجيال، مما يؤدي إلى انخفاض القوة العاملة وما يؤدي إلى ركود الإنتاج، في حين أن الدول الفقيرة تنموا نمواً متزايداً.

وتقول الأبحاث أن عدد سكان أمريكا([52]) (212 مليون نسمة) وأن النمو السكاني في أمريكا يصل إلى درجة الصفر عندما يبلغ السكان 260 مليون نسمة.. ويشارك الولايات المتحدة في هذه الظاهرة السويد وألمانيا الغربية، اليابان، هنغاريا، رومانيا.. وأن نسبة المواليد في هذه الدول في هبوط مستمر منذ الحرب العالمية الأخيرة، وأن الهبوط كان هائلاً في السنوات الأربع الماضية، في السويد وفنلندا والنمسا وبلجيكا وألمانيا.. أما هنغاريا وبريطانيا فقد بلغت درجة الصفر.. والقلق ناجم من أن القوة العاملة سوف تتضاءل في المستقبل بما يؤدي إلى ركود الإنتاج، ومن أجل ذلك شددت بعض دول أوروبا في قضايا الإجهاض وفرضت عقوبات على من يفعله، ومنع السوقيات تداول الحبوب المانعة للحمل، وأعطوا إجازات أطول للزوجة الحامل.

ويتوقع الخبراء أن تصل أكثر دول أوروبا إلى درجة الصفر في النمو السكاني في بداية القرن الواحد والعشرين، كما يرى بعض الخبراء أن الانحسار السكاني إلى درجة الصفر سيؤدي إلى ركود اقتصادي واجتماعي خطير.

قال يونسيف: أجل.. أعلم كل هذا.. ولكن.. كيف تقول هذا، ونحن نرى في المسلمين من يدعو إلى تحديد النسل؟

قال: أولئك هم أعداء المسلمين الذين عز عليهم أن يكثر الله سواد المسلمين، فراحوا بكل صنوف الوساوس يدعون إلى هذه الخدعة ليحموا بها أهواءهم.

الحياة

بعد أن ذكر الصبي الأول ما يكفي من الأدلة على احترام الإسلام لحق الوجود، تقدم الصبي الثاني، وهو عمير، وقال - بشجاعة لا تقل عن شجاعة صديقيه-: أنا عمير.. وهو اسم يذكرني بصاحب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. صحبه صبيا.. كان اسمه أبا عمير، وقد ورد موقف لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرتبط به، ففي الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدخل على أم سليم ولها ابن من أبي طلحة، يكني أبا عمير، وكان يمازحه، فدخل عليه فرآه حزينا فقال: (ما لي أرى أبا عمير حزينا؟) قالوا: يا رسول الله مات نغره الذي كان يلعب به فجعل يقول: (أبا عمير ما فعل النغير([53]) ؟)([54])

لقد تحدث صاحبي أسامة عن حق الوجود.. وسأحدثكم أنا عن حق الحياة.

ابتسم يونسيف، وقال: ألا ترى أن الوجود والحياة شيء واحد؟

قال عمير: لا.. حق الوجود مرتبط بالحي قبل وجوده.. وأما حق الحياة، فمرتبط به بعد وجوده.

قال يونسيف: لا بأس.. فما شرع الإسلام في هذا؟

قال عمير: لقد شرع الإسلام في هذا كل ما يحفظ الحياة الكريمة للولد من أول أيام حياته إلى الوقت الذي يستطيع أن يقوم فيه بنفسه بعيدا عن حضانة والدية.

وأول ذلك أنه أوجب على الأم إرضاع ابنها رضاعة طبيعية.. قال تعالى:﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ (البقرة:233)، إن هذه الآية الكريمة تبين حرص الشريعة على إرضاع الصبي مهما كان حال الأسرة التي ينتمي إليها..

وهي تدل في نفس الوقت على أن الرضاع واجب لا يكفي فيه أي بديل إلا إذا حكم الطبيب المختص بعدم صلاحية لبن الأم للرضاعة أو عدم استعداد الرضيع لرضاعتها.

ابتسم يونسيف، وقال: لقد قالت شريعتكم بذلك قبل أن تنتج حضارتنا الراقية هذه الأنواع الكثيرة من الألبان التي تملأ حياة الرضع بالصحة والعافية.. وتغنيهم عن السموم التي تسقيهم بها أمهاتهم.

ابتسم عمير، وقال: إن قولك هذا حضرة الأستاذ الفاضل يستدعي مقارنة علمية مفصلة بين الرضاع الطبيعي والإرضاع الصناعي..

وإن أذنت لي.. فسأذكر لك من المعان ما ترى من خلاله نصح الشريعة وغش هذه الحضارة التي لا تبتغي من وراء كثير مما تنتجه إلا الربح المادي([55])..

قال يونسيف: لا حاجة لذلك.. وأنا أسلم لك بأهمية الرضاع.. ولكن ما تقول في الختان.. تلك العلمية الإجبارية التي فرضها الإسلام عقوبة على الأطفال من غير ذنب اقترفوه؟

قال عمير: قال: لم يفرض الإسلام الختان عقوبة حضرة الأستاذ وإنما فرضه رحمة.. وقد أثبتت الأيام أن التشريعات التي جاء بها الإسلام في هذا الباب كلها تشريعات رحمة ونصح ولطف من الله بعباده.. وإن أذنت لي، فسأذكر لك من أدلة ذلك ما تقر به عينك، وتعلم به الرحمة العظيمة التي يحملها هذا التكليف([56]).

ابتسم يونسيف، وقال: لا بأس.. لقد سلمت لك بكل ما ذكرت.. فهل هذا كل ما جاء به الإسلام لحفظ صحة الصغار؟

قال عمير: لا.. معاذ الله.. فالإسلام الذي هو رحمة الله لعباده يستحيل أن يقتصر على الجزئيات والطقوس.

قال يونسيف: فما جاء به غير هذا؟

قال عمير: لقد جاء الإسلام بمنظومة صحية كاملة([57]) لا يمكننا في هذا المجلس أن نذكرها.. ولكنا نعلم على حسب ما ربانا آباؤنا أن الإسلام أمر الوالدين وكل من يتولى شؤون الصغار أن يحرصوا على كل ما يحفظ للأبناء صحتهم.. فلا يمكن الإنسان أن يؤدي الأدوار العظيمة التي أمر بها الإسلام إلا بصحة وقوة وعافية.

اللطف

بعد أن انتهى الصبي الثاني من حديثه، قام الصبي الثالث، وقال - بشجاعة لا تقل عن شجاعة أصدقائه-: أنا حسنين .. وهو اسم سماني به والدي ليجمع لي بين الحسنين حفيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن والحسين ..

لقد روى المحدثون كيف كان صلى الله عليه وآله وسلم يعامل حفيديه الحسن والحسين.. ففي الحديث: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في إحدى صلاتي العشاء، وهو حامل حسناً أو حسيناً، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوضعه، ثم كبَّر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي، وإذا الصبي على ظهر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي؛ فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة، قال الناس: (يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يُوحى إليك)، فقال:(كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته)([58])

وفي حديث آخر: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر فحملهما، ووضعهما بين يديه، ثم قال: (صدق الله:﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ.. (15)﴾ (التغابن)، فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما)([59])

وفي حديث آخر: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس، فقال الأقرع: (إن لي عشرة من الولد، ماقبَّلت منهم أحداً)، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه ثم قال: (مَن لا يَرحم لا يُرحم)([60])

وفي حديث آخر: أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: أتقبِّلون صبيانكم؟! فما نقبِّلهم، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(أو أملِك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟)([61])

وكان من رحمته صلى الله عليه وآله وسلم بالأطفال أنه كان يخفف الصلاة إن سمع بكاءهم.. حرصا عليهم.. ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم يحدث عن نفسه:(إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجاوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكاءه)([62])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يتعهد الأطفال بالهدايا.. ففي الحديث: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا أخذه قال: (اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنا)، ثم يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثمر([63]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يصطحب الصغار للصلاة ويمسح على خدودهم رحمة وتشجيعاً لهم.. فعن جابر قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الأولى- أي الظهر- ثم خرج إلى أهله، وخرجت معه، فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدَّي أحدهم واحداً واحداً، قال: وأما أنا فمسح خدي، فوجدت ليده برداً أو ريحاً كأنما أخرجها صلى الله عليه وآله وسلم من جونة عطار ([64]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن الكذب الأطفال، أو إخلافهم الوعد.. فعن عبد الله بن عامر قال: دعتني أمي ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاعد في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطك، فقال لها صلى الله عليه وآله وسلم: (ما أردت أن تعطيه؟)، قالت: أعطيه تمرا، فقال لها:(أما أنك لو لم تعطِه شيئا كُتبت عليك كذبة)([65])

ولم تقتصر رحمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أطفال المسلمين فحسب، بل امتدت لتشمل جميع الأطفال حتى لو كانوا أبناء غير المسلمين.. فقد كان من وصاياه صلى الله عليه وآله وسلم في الحرب: (ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا)([66])

وعن الأسود بن سريع قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغزوت معه فأصبت ظفرًا، فقتل الناس يومئذ حتى قتلوا الولدان، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (ما بال أقوام جاوز بهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية؟)، فقال رجل: يا رسول الله إنما هم أبناء المشركين، فقال: (ألا إن خياركم أبناء المشركين)، ثم قال: (ألا لا تقتلوا ذرية.. كل مولود يولد على الفطرة، فما يزال عليها حتى يعرب عنها لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)([67])

التربية

تقدم الصبي الرابع، وهو عبد الله، وقال - بشجاعة لا تقل عن شجاعة أصدقائه-: أنا عبد الله.. وهو اسم لجملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الصغار.. وكان منهم واحد يلقب بترجمان القرآن، كان اسمه عبد الله بن عباس.. صحبه صبيا.. وقد حكى موقفا من مواقف تربية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له، فقال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما فقَالَ:(يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، إذا سألت فسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعَنْ باللَّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعت عَلَى أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، وإن اجتمعوا عَلَى أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)([68])، وفي رواية:(احفظ اللَّه تجده أمامك، تعرف إِلَى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا)

انظروا حضرات المستمعين لهذه المعاني العظيمة التي يحملها الحديث..

إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يخاطب فيه شيخا كبيرا.. ولا كهلا.. ولا شابا.. بل كان يخاطب بها طفلا صغيرا.. ليعمق فيه من معاني الإيمان ما يحمي به حياته جميعا.. فلا يمكن للحياة أن تستقيم من دون إيمان.

ضحك يونسيف بصوت عال، وقال: فكيف استقامت حياتنا من دون إيمان؟

قال عبد الله: إن أردت بالحياة أنكم تأكلون وتشربون وتنامون.. فيمكنك أن تقول ذلك.. ويمكنك أن تفخر به.. ولكنك في ذلك الحين تكون قد غفلت عن أهم معنى من معاني الحياة.

قال يونسيف: وما هو هذا المعنى؟

قال عبد الله: تكون غافلا عن ربك الذي خلقك.. وعن حقيقتك التي جعلها الله فيك.. وعن وظيفتك التي ندبت إليها في هذا الوجود.

قال يونسيف: أنا أصارحك.. أنا لا يهمني إلا أن يعيش أولادي الحياة المادية التي أراها.. أما ما عداها فلا يهمني منها شيء.. أنا إنسان لا تهمني إلا منفعة أولادي التي أراها بعيني، والتي أسست لأجلها هذه الروضة لتنعموا أنتم أيضا بها.

قال عبد الله: حتى لو كنت كما تقول، فإنك بالإيمان تستطيع أن تجعل من أولادك أفرادا صالحين.. فلا يمكن للحياة أن تستقيم من غير صلاح صاحبها.. ولا يمكن لشخص أن يصير صالحا من غير أن يكون له من زاد الإيمان ما يهيئه لذلك.

لست أنا فقط الذي أقول هذا الكلام.. ولا ديني فقط هو الذي يقوله.. بل إن من قومك من وصل إلى هذه القناعة.

لقد قرأت للدكتور (هنري لنك) - وهو طبيب نفسي أمريكي - كلاما مهما يرد به على خصوم التربية الدينية.. ذكره في كتابه (العودة إلى الإيمان)، ومما قال فيه: (إن تربية الأطفال لمن أشق الواجبات وأخطرها وأدقها، ومشاكلها شديدة التعقيد والعسر، وهي بعد ذلك ذات أوجه متناقضة عند حلها يكون معها الآباء في مسيس الحاجة إلى أية معونة خارجية، مهما بلغت درجة تواضعها وبساطتها.

وقد كان طبيعياً: بعد أن استغنى الآباء المستنيرون عن المعتقدات الدينية، وضربوا بها عرض الحائط، أن يولوا وجوههم شطر مصدر جديد من مصادر المعونة. فلم يجدوا أمامهم سوى علم النفس الخاص بالأطفال، ولكن علم نفس الأطفال لم يكن بعد، على استعداد لتقديم المعونة لهم، لآن الثقة بهذا العلم لم تكن قد تعدت الثقة النظرية حتى ذلك الوقت. وكان البرهان العلمي حينذاك في مهده صغيراً برغم تعدد نظرياته.

ومن هنا بدأ الآباء يعتنقون هذه النظريات التي كان أبرزها أن العقوبة البدنية ضارة من الوجهة النفسية، وأنه من الأفضل إقناع الطفل بعمل شيء ما، لا إرغامه بالقوة والعنف عليه، وأنه لا يجوز كبت الطفل بل على العكس يجب منحه الفرصة كي يعبر عن ذاته.. وأنه يجب منح الأطفال علاوة منتظمة حتى يمكنهم إدراك قيمة المال، وأن بعض الأطفال يولدون بطبيعتهم عصبيين أو ذوى حساسية مرهفة، وعليه فلا يجوز إرغامهم على أن يفعلوا، ويعملوا ما يفعله ويعمله غيرهم.

وللأسف، لم يظهر أي برهان علمي أو نفسي يؤيد هذه النظريات، بل بالعكس ثبت أن كل هذه النظريات خاطئة)([69])

وهو إذ يهدم هذه الأفكار التي راجت باسم العلم يوماً ما، يرى ضرورة العودة إلى الدين، واتباع منهجه في تربية الأطفال وتهذيب سلوكهم، وتقويم أخلاقهم، فليس أصلح للطفل من أن تقول له: هذا حسن، لأن الله أمر به، وأنه يحبه ويرضاه ويثيب عليه بالجنة، وبأن هذا قبيح، لأن الله نهى عنه وأنه يبغضه ويسخطه، ويعاقب عليه بالنار.

ولهذا ينكر على الآباء الذين يتخلون عن هذه الطريقة المقنعة المقبولة إلى طرائق لم يثبت صحتها ولا نفعها فيقول:(فقد سمعنا الكثيرين من الآباء يرددون: انهم لا يبعثون بأولادهم إلى الدروس الدينية أو إلى محلات العبادة، حتى يصلوا إلى السن التي يدركون عندها ما يجري. غير أن ما يضايقهم، ويقض مضجعهم هو هذا السؤال:

ترى هل يكتسب هؤلاء الأولاد ذلك الشعور القوي الذي يمكنهم به أن يميزوا بين الخطأ والصواب؟ هل يؤمنون بتلك المثل الخلقية الواضحة التي آمنا بها منذ طفولتنا؟

لقد قلنا فيما مضى أن بعض الأعمال خطأ والبعض الآخر صواب، لأن الله سبحانه وتعالى قد بين ذلك، أو لأن كتابه قد أورد ذلك بمعنى آخر. وقد تكون هذه الطريقة فطرية بدائية، غير أنه مما لا شك فيه أن تأثيرها كان طيباً فقد عرفنا على الأقل الكثير عن طيب الأفعال وخبيثها. أما الآن فإننا لا نقول لأولادنا إلا أن هذا التصرف خطأ، وأن ذاك صواب، لأننا نرى ذلك، أو لأن المجتمع قد اتفق على ذلك. فهل لهذا الود من القوة والبيان ما لسابقه؟ وهل له مثل أثره وهل يكتسب أطفالنا القيم الخلقية الأساسية للحياة دون الحاجة إلى ضغط العقائد الدينية، تلك القيم التي نتقبلها ونسلم بها حتى بعد أن أصبحنا لا نسلم بمصدرها الإلهي؟)([70])

ويؤكد الدكتور (لنك) أن الدروس الدينية، والتردد على بيوت العبادة لها في نفس الصبي أعمق الأثر، وأطيب الثمرات، كما أثبتت ذلك التجارب والمقارنة بين الأطفال بعضهم وبعض.. وفي ذلك يقول:(ومهما بلغت المساوئ، التي نلمسها في أماكن العبادة، والاستماع إلى العظات الدينية، فإن هذه البيوت تساعدنا على غرس الأسس السليمة للخطأ والصواب، والأعمال الأنانية وغير الأنانية في نفوس الأطفال. كما أنها تساعد على غرس الإيمان بالله والاعتقاد في ناموسه الخلقي الإلهي كمصدر لتلك الأسس. ولذا فهي ذات فائدة عظمى للآباء والمجتمع، كي يبثوا الأسس الضرورية لتكوين الخلق القويم والشخصية الناجحة. وبناء على ذلك، ليس من المستغرب أن يدلنا الاختبار السابق الذكر على أن الطفل الذي يستمع إلى الدروس الدينية يتمتع بصفات شخصية أفضل ممن لا يحضرها، وأن الطفل الذي يذهب والداه إلى المعبد ذو شخصية أحسن من الطفل الذي لا يذهب والداه إليه.

وقد اتضح لي بعد دراسة كاملة لعشرة آلاف شخص، أن أولئك الذين يواظبون على الذهاب إلى دور العبادة، كانوا ذوى صفات شخصية أفضل ممن لا يذهبون) ([71])

ولا يقتصر على ذلك، بل يلح على التبكير بإعطاء هذه الدروس للأطفال وأعوادهم غضة، ولو لم يفهموا كل ما يقال لهم، ويرى من الخطأ والخطر تأخير هذه الدروس الدينية إلى السن التي يفهمون فيها.

يقول: (إن الوقت الأمثل لتعليم الطفل كيف يخضع دوافعه لقيم عليا، هو السن التي يستطيع فيها أن يتقبل ما يقال له دون أن يفهمه.

فإذا استقر رأي الآباء على عدم إرسال أولادهم إلى الدروس الدينية، حتى يبلغوا السن التي يفهمون عندها ما يستمعون إليه، فهم في الحقيقة يتبعون مبدأ هاماً، لأن الوقت يكون قد فات لإصلاح ما فسد إذا بلغ الطفل السن التي يفهم بها كل ما حوله، فانه حينئذ يكون قد أضاع من عمره سنين ثمينة)([72])

ويختتم حديثه عن التربية والتعليم بقوله: (إن ميدان التعليم لفي مسيس الحاجة إلى جمع القيم والحقائق الأساسية التي تبحث في الطبيعة البشرية وتصنيفها، حتى يمكن المحافظة على تلك التقاليد النبيلة التي اكتسبها الجنس البشرى، ووضعها في المكان اللائق بها، وحتى يمكن إخضاع الغطرسة الفكرية لنظام الحياة غير الأنانية. ولن تجد ما يجمع بين تلك القيم الماضية القديمة والمثل الحاضرة الحديثة غير الدين) ([73])

بعد أن ألقى علينا عبد الله هذه الكلمات توجه إلى يونسيف، وقال: هذه شهادة من بعض قومك على جدوى ما جاء به نبينا أوجهه إليك، وإلى من يفكر بالأسلوب الذي تفكر فيه.

أما نحن.. فقد حفظنا بفضل استظلالنا بأشعة شمسه صلى الله عليه وآله وسلم من الانحراف إلى أي قبلة غير القبلة التي وجهنا إليها ربنا، وأمرنا بالتوجه إليها.. وقام آباؤنا رغم فاقتهم وحاجتهم بها خير قيام.

لقد امتثلوا فينا أوامر الله التي يأمر فيها عباده بأن يحموا أنفسهم وأهليهم من أن تلتهمهم نيران الجاهليات، وبعدها نيران العذاب.. قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (التحريم:6)

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن مسؤولية الإنسان عن أهله وولده، قال r:(كلكم راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته)([74]) 

وقد ترك صلى الله عليه وآله وسلم لآبائنا من الهدي ما جعلهم يمتلئون رحمة لنا في هذا الباب، كما امتلأوا رحمة في غيره([75]).

ومن ذلك أمره صلى الله عليه وآله وسلم بتربية الأبناء على الصلاة.. وعلى الحرص عليها.. تطبيقا لقوله تعالى:﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)﴾ (طه)

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو الآباء للتشدد مع الأبناء في شأن الصلاة:(علموا الصبي الصلاة لسبع سنين واضربوه عليها ابن عشر سنين)([76])

 هنا قام يونسيف، وكأنه قد ظفر بضالته، وقال: ها.. ها.. ها هو يذكر دعوة محمد لضرب الصبيان.

ابتسم عبد الله، وقال: أرأيت حضرة البروفيسور الكبير   لو أن ولدك أصابه مرض استدعى أن يشرب دواء مرا.. أو يرتمي بين يدي جراح ليعمل سكينه في جسده الضعيف.. أترى ذلك قسوة؟

قال يونسيف: لا.. ولكن ما علاقة هذا بهذا؟

قال عبد الله: لقد أمر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم الآباء أن يستعملوا كل الأساليب الهادئة المسالمة مع أبنائهم.. أمرهم بالحوار معهم لإقناعهم.. وأمرهم بموعظتهم.. وأمرهم بأن يكونوا قدوة صالحة لهم..

فإذا استنفذ الآباء كل هذه الوسائل وغيرها أباح لهم استعمال الشدة المضبوطة بالضوابط الشرعية..

انظر- حضرة البروفيسور المسافة الزمنية بين الأمر بالصلاة، وبين الضرب على تركها..

لقد أمر صلى الله عليه وآله وسلم الآباء أن يأمروهم لسبع.. ويدربوهم عليها من ذلك السن.. فإذا وصلوا إلى العشر، ولم يقتنعوا بالصلاة أو لم يحرصوا عليها أبيح لوالديهم حينذاك أن يستعملوا العنف المضبوط بالضوابط الشرعية.

قال يونسيف: وما علاقة هذا بالعملية الجراحية؟

قال عبد الله: أليس غرض العملية الجراحية أو الدواء المر هو استئصال مادة الشر من المريض؟

قال يونسيف: تستطيع أن تقول ذلك.

قال عبد الله: وهذا هو نفسه دور ذلك التنبيه الذي أباح الشرع للوالد أن يستعمله إذا ما اضطر إليه.

قال يونسيف: دعنا من هذا.. وأنا لا يهمني هذا كثيرا.. ولكن ألا ترى اقتصار الإسلام على الحث على الصلاة فقط قصورا تربويا.

قال عبد الله: لا.. الصلاة جزء من أجزاء الإسلام.. وركن من أركانها.. ولذلك فإن التربية التي جاء بها الإسلام وحث عليها الآباء وغيرهم أعظم من أن تنحصر في ذلك.. إنها تربية تشمل الحياة جميعا بجميع مناحيها.

قال يونسيف: فحدثنا عنها.

***

أخذ عبد الله يحدث يونسيف والحضور عن المعاني التربوية الكثيرة التي جاء بها الإسلام، والتي شملت مناحي الحياة المختلفة([77]) إلى أن قال يونسيف من غير أن يشعر: إن ما تقوله عظيم.. لقد زرت كثيرا من البلاد، واطلعت على الكثير من الثقافات، واختطلت بكثير من الأديان.. لكني لم أر دينا ولا فكرا ولا ثقافة تحدثت عن هذا بهذا التفصيل الجميل.

ثم قام، وقال: اسمحوا لي أيها الجمع أن أقول لكم بكل صراحة: لقد جئت إلى هذه البلاد، وليس لي إلا همة واحدة هي اقتلاع الإسلام من قلوب هؤلاء الأبرياء.. ولذلك أسست هذه الدار، وملأتها بكل ما أطقته من المغريات.

لكني أرى أنه لا يقاوم هذ الدين شيء..

وذلك لا يدل إلا على أنه دين الله..

وأنا أشهدهم من هذا المحل استسلامي لهذا الإله العظيم الذي كنت أحاربه من حيث لا أشعر..

وعلامة صدقي في إسلامي وتوبتي أن أجعل هذه الدار دارا للإسلام، ولتربية الأبناء على الإسلام.. عسى ذلك أن يقربني لربي، وأن يمسح تلك الذنوب التي رانت على قلبي منذ أخذت حربتي ورحت أحاربه.

قال ذلك بشوق عظيم.. وقد كبر الجمع بعدها صغارا وكبار.. وقد صحت معهم بالتكبير من حيث لا أشعر.. وقد تنزلت علي حينها أنوار جديدة اهتديت بها بعد ذلك إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

 

 

 

 

ثالثا ـ العجزة

في اليوم الثالث، سرت نحو دار للعجزة.. كان قد أسسها صاحب لنا اسمه (برنارد بيرجمان)([78]) .. ذلك الذي يطلق عليه أصحابنا لقب (ملك بيوت المسنين)..

وقد جاء تلك المدينة ليغرس فيها ما كان قد سبق أن غرس مثله في الولايات المتحدة الأمريكية..

وقد استفاد من كل التجارب التي مر بها.. والتي كان آخرها دخوله السجن، ودفعه مبلغا كبيرا غرامة على ما وقع فيه من التلاعب بالأموال، واستعمال المسنين شبكة لصيده الوافر.

كان ظاهر الدار لوحة من لوحات الجمال.. ولكن باطنها كان مميزا وغريبا لم أر مثله في أي دار أخرى.

لقد كانت كل دور العجزة التي رأيتها في حياتي لا تحوي إلا الشيوخ المسنين الذين ألجأتهم الأيام إليها مرغمين لا مختارين.. بينما رأيت تلك الدار التي أسسها (ملك بيوت المسنين) لا تحوي إلا شبابا ممتلئين جلدا وقوة، ولم يقدموا إليها إلا وهم ممتلئون رغبة واختيارا.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد كانت الدار مع ما فيها من المرافق خالية من أي مسن، فلم يكن فيها إلا العمال والخدم والممرضون.. والذين اختاروا بمحض رغبتهم العمل في هذا المجال.

قلت: والشيوخ؟

قال: هذا هو الحديث الذي أريد أن أحدثك عنه.. والذي استفدت منه شعاعا جديدا من الأشعة التي اهتديت بها إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

في ذلك اليوم.. وفي تلك الدار رأيت (برنارد بيرجمان) جالسا على كرسي من كراسي الحديقة، وقد أحاط به الهم والحزن.. فكسا وجهه سربالا من اليأس والقنوط.

اقتربت منه، وقلت: ما بال ملك المسنين حزينا يائسا؟

قال: وكيف لا أيأس.. وأنا مع كل تلك المكاسب التي كسبتها قد لجأت إلى هذه الديار المملوءة بالقسوة والألم.

لقد كنت في أمريكا ملكا حقيقيا يرى في الشيوخ عوضا عن أبنائهم.. بل كانوا إذا ما خيروا بين صحبتي وصحبة أبنائهم اختاروا صحبتي.. وها أنت تراني الآن في هذه الدار قد قلاني الشيوخ، وودعوني.. مع أني وفرت لهم كل ما يحتاجونه من ألوان الرعاية مما لم أوفر مثله لزبائني في ذلك العالم المتحضر.

قلت: فما ترى سر ذلك؟

قال: لست أدري.. إلى الآن لا أزال لا أدري السبب.. ولكن الذي أدريه أني في تلك الديار كنت أرى من عجائب التعامل مع المسنين ما لم أر مثله في هذه الديار..

ففي تلك الديار([79]) يعيش العجزة في حالة بائسة، فلا يسأل الولد عن أمه ولا أبيه، ولا ينفق عليهما، ولو كانت حاجتهما شديدة.. فكم من رجل مسن وامرأة مسنة يموتان في أوربا وأمريكا في كل عام من البرد والجوع!!

بل قد تبقى الجثة في الشقة أياماً دون أن يحس بها أحد، إذ يعيش معظم هؤلاء الشيوخ بمفردهم، فلا يزورهم أحد إلا نادراً، وقد لا يرون إلا مندوب الضمان الاجتماعي في كل شهر مرة([80]).

وقد ورد في تقرير أعدته لجنة في مجلس النواب الأمريكي، بعد دراسة استمرت ست سنوات جاء فيها: (إن أكثر من مليون مسن ومسنة، تجاوزت أعمارهم (65 عاماً) يتعرضون لإساءات خطيرة، فيضربون ويعذبون عذاباً جسدياً ونفسياً، وتسرق أموالهم من قبل ذويهم.. كما أن هذه الإساءات، ليست مقتصرة على طبقة اجتماعية معينة، بل إنها تحدث في كل طبقات المجتمع على حد سواء، في المدن والقرى والأرياف)

ومن أبشع ما ورد في هذا التقرير: (أن امرأة قامت بتقييد أبيها البالغ من العمر(81 عاماً) بسلسلة وربطته أمام الحمام، وأخذت تعذبه لعدة أيام!! وقد أكد التقرير أن الإساءة للمسنين، تأخذ عدة أشكال، منها الضرب والإهمال والحرمان من الطعام والشراب وقد يصل الأمر إلى القتل أحياناً)

وقد علق النائب (كلودبير) على هذا قائلاً: (لا أحد يدرك حتى الآن أبعاد هذه المشكلة المرعبة، ولا يرى أحد أن يعترف بما يجري، لقد تجاهلنا المشكلة لأنها مخيفة، لدرجة تمنعنا من الاعتراف بوجودها، ولا نريد أن نصدق أن مثل هذه الأشياء، يمكن أن تحدث في دولة متحضرة)

وقد حدثتني الدكتورة (سوزان ستايتمتر) أستاذة الدراسات العائلية في جامعة (ملاوير) قائلة: (لقد تعودنا طوال تاريخنا على الإساءة للمسنين، إننا نميل إلى العنف البدني، وقد أصبح هذا جزءاً ثابتاً من طبيعة عائلات كثيرة تسيء للمسنين، بالعنف والاضطهاد، وأصبح إهمالهم وعدم الرفق بهم، أو حتى نجدتهم من الأمور الشائعة في المجتمعات الأوربية)([81])

وحدثني صديق لي كان يعمل مناوباً في أحد المستشفيات هناك، وكان قد توفي رجل مسن في تلك الليلة عنده، فأحب أن يعزي أسرة المتوفى، واتصل بولده في الساعة الثانية عشرة ليلاً، وعزاه بوفاة والده على وجل.. فما كان من الابن إلا أن امتعض من هذا الاتصال وقال: أتتصل بي في هذه الساعة المتأخرة من الليل، لتخبرني بوفاة والدي؟! وماذا تنتظر مني أن أفعل؟!.. أنا مسافر صباحاً لمدة ثلاثة أيام، ضعوه في الثلاجة، وسأراجعكم حين عودتي، من أجل استلام الجثة)([82])

وحدثني آخر.. كان هو الآخر طبيبا في بعض الدور التي أسستها.. قال لي: (كنت أعجب من أحد الشيوخ المرضى، الذين كنت أقوم بعلاجهم في أحد المستشفيات التي كنت أعمل فيها، في إحدى ضواحي مدينة لندن، فقد كان الرجل لا يمل من الكلام عن ابنه البار الذي ليس له نظير في عالم اليوم.

ولم أر ابنه يزوره أبداً، فسألته عن ولده، أمسافر هو؟! فأجاب لا، إنه موجود، ولكنه لا يأتي لزيارتي إلا يوم الأحد، فقد عودني ذلك منذ سنين عديدة.. تصور يا دكتور! كان يأتيني كل يوم أحد حاملاً معه باقة من الورود، ونذهب سوياً لنضعها على قبر أمه.

ولما سألته: هل ينفق عليه؟! قال: لا أحد ينفق على أحد في هذه البلاد.. إنني أستلم كذا من الجنيهات، من الضمان الاجتماعي، وهي لا تكاد تكفيني للقوت والتدفئة، ولكن هل هناك أحد في الدنيا مثل ولدي، الذي يزورني كل يوم أحد منذ سنوات؟!)

وقرأت في بعض لصحف قصة الشاب الذي رضي أن يؤوي أمه العجوز في بيته، مقابل أن تقوم بخدمته وخدمة زوجته وأولاده، وتنظف بيته، وقد اعتبرت الصحيفة هذا كرماً من هذا الولد البار بأمه.

وقرأت أن الشرطة في بعض بلادنا، اعتقلت شاباً، قتل والده بمساعدة الطبيب الذي كان يتولى علاجه.. وبينت التحقيقات أن الشاب (يوسف زوهر) طمع في أموال والده، ومن ثم فقد وعد الطبيب المشرف على علاج والده بحصة معتبرة إن ساعده على قتل والده.. فقام طبيب الموت بفصل جهاز التنفس عن المريض، ووقف يرقب المغدور، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، دون تقديم أية مساعدة له.. وقد وجهت الشرطة للابن تهمة القتل مع سبق الإصرار والترصد([83]).

قال ذلك، ثم سار قليلا في أرجاء داره الخاوية من المسنين، ثم رجع إلي، وقال: لا بأس.. لن تطول الأيام حتى يبدأ الشيوخ في الوفود إلى هذه الدار.. لقد أرسلت من يسعى لي في هذا السبيل.

***

لم يطل الزمن على قوله هذا حتى دخل بعض الشيوخ الدار، فرأيت البشر قد كسا وجه (برنارد بيرجمان)، فبدد ما كان فيه من ظلمات اليأس والحزن.

التفت إلي برنارد، وقال: ألم أقل لك؟.. ها هو أول الفأل.

رأيت العمال جميعا يسرعون إلى الشيخ يحيونه، ويرحبون به، وكل واحد منهم يحاول أن يقدم له أي خدمة.

اقتربت مع برنارد نحو الشيخ، وسأله برنارد قائلا: أهلا ومرحبا بك في بيتك بين أبنائك وخدمك وأطبائك.

رد الشيخ التحية، ثم قال: أهذه الدار التي أسسها (برنارد بيرجمان) للمسنين.

قال برنارد: أجل.. هذه هي الدار التي أسستها لخدمتكم، وتوفير كل أصناف الرعاية لكم.. وعندنا ستنسى كل ألم، وستحضى بكل عناية.

قال الشيخ: شكرا جزيلا.. أرى أن هذه الدار محل صالح ليقضي المرء فيها ما بقي له من عمر.

ما قال ذلك حتى سمعنا ضجة خارج (دار المسنين)، فأسرعت مع (برنارد بيرجمان) وجميع العمال نبحث عن سرها.. فوجدنا جمعا كبيرا من الناس قد اختلطت أصواتهم، فلم نفهم منها شيئا إلا أنهم جميعا كانوا يرددون اسم الشيخ الوافد.

بعد برهة توقفت الأصوات، فسألهم برنارد عن سرهم، وسر حضورهم، فقال أحدهم: لقد سمعنا أن رجلا قد قدم إليكم.. وقد تهنا في البحث عنه، فلم نجد له أثرا.

قال برنارد: ما شأنه؟.. وما تريدون منه؟

قال الرجل: هو والدي.. وهؤلاء جميعا إما أولاده أو أحفاده أو أقاربه.. وهم جميعا قدموا يبحثون عنه.

لقد بحثنا في محال كثيرة إلى أن دلنا بعض الناس عليكم.. فإن كان هذا الرجل عندكم، فنرجو أن تسمحوا لنا بلقائه.. ونرجو أن تسمحوا لنا بإعادته إلى داره.. فقد صارت مظلمة منذ افتقدناه.

قال برنارد، وقد خاف أن يكون الشيخ الذي يبحثون عنه هو ذلك الذي قدم قبل حين: نحن لا نعرف من تبحثون عنه.. فاذهبوا إلى محل آخر.

ما قال ذلك حتى خرج الشيخ، فراح الجميع يسرعون إليه يحتضنونه، ويقبلون يديه ورجليه في منظر عجيب لم أر مثله في حياتي.

سألهم برنارد: ما تريدون من الشيخ.. لقد قدم بمحض إرادته، فاتركوه ليعيش الحياة التي يريدها.

قال أحدهم: كيف نتركه؟.. أتريد منا أن نغضب ربنا؟.. هذا والدنا.. هذا الذي أوصانا ربه ببره والإحسان إليه..

هذا الذي قرن ربنا طاعته بطاعته، والتقرب إليه بالتقرب إليه.. فقال:﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.. (36)﴾ (البقرة)

وقال:﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.. (151)﴾ (الأنعام)

وقال:﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)﴾ (الإسراء)

وقال:﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)﴾ (العنكبوت)

وقال:﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)﴾ (لقمان)

وقال:﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)﴾ (الأحقاف)

قال آخر: هذا الذي وردت النصوص المقدسة الكثيرة تحث على بره.. وتقرن رضا الله برضاه..

ففي الحديث أن رجلا أتى رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، مَنْ أبَرُّ ؟ قال: (أمَّك وأباك، وأختك وأخاك، ومولاك الذي يلي ذلك، حقًّا واجِبًا، ورَحِمًا موصولة)([84]) 

وأتاه رجل، فقال: يا رسول الله إنَّ لي مالاً ووَلَدًا، وإن أبي يَجْتَاحُ مالي، فقال: (أنت ومالُك لأبيك، إن أولادَكُم مِنْ أطْيَبِ كَسْبِكُم، فكُلُوا مِنْ كَسْبِ أوْلادِكُم)([85])

وجاءه رجل، فقال: أبَايِعُكَ على الهجرة والجهاد، أبتَغِي الأجرَ من الله، قال: (فهل من والديك أحدٌ حَيٌّ ؟) قال: نعم، بل كلاهما حَيٌّ، قال: (فتبْتَغِي الأجرَ من الله؟) قال: نعم ! قال: (فارجع إلى وَالِدَيْكَ فأحْسِنْ صُحْبَتَهُما)([86])

وجاءه رجل فقال: جئتُ أبَايِعُكَ على الهجرة، وتركتُ أبَوَيَّ يبكيان، قال: (فارجع إليهما، فأضْحِكْهُما كما أبْكَيْتَهُما)([87])

وروي أنَّ رجلاً من أهل اليمن هَاجَرَ إلى رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: (هل لك أحدٌ باليمَن؟) قال: أبَوَايَ، قال: (أذِنَا لك ؟) قال: لا، قال: (فارجع إليهما فاسْتَأذِنْهُما، فإن أذِنَا لك فجاهِدْ، وإلا فَبرَّهما)([88])

وجاءَه رجل، فقال: يا رسول الله، أرَدْتُ أن أغْزُوَ، وقد جِئْتُ أسْتَشيرك، فقال: (هل لك من أمٍّ ؟) قال: نعم! قال: (فالْزَمْها، فإن الجنَّةَ عند رِجْلِها)([89])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(رَغِمَ أنْفُهُ، رَغِمَ أنفه، رَغِمَ أنفه) قيل: مَنْ يا رسول الله ؟ قال: مَنْ أدْرَكَ والديه عِنْدَ الْكِبَرِ: أحدُهُما أو كلاهما ثمَّ لم يدخل الجنة)([90])

وقال: (لا يَجْزي وَلَدٌ وَالِدَهُ: إلا أنْ يجدَه مملوكًا فيشتريه فَيُعْتِقَهُ)([91])

وقال: (رِضَى الرَّبِّ في رضى الوالد، وسَخَطُ الرَّبِّ في سخط الوالد)([92])

قال آخر: ليس ذلك فقط.. بل ورد في النصوص المقدسة أن حق الوالدين لن يضيع مطلقا ما دام هناك أي أثر لهما..

ففي الحديث، قال رسولُ الله  صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّ أبَرَّ البِرِّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلُ وُدِّ أبيه)([93])

وروي أن رجلاً أتى النبي  صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ ذنبًا عظيمًا، فهل ليَ من توبة ؟ فقال: (هَلْ لَكَ مِن أمٍّ ؟) قال: لا، قال: (فهل لك من خَالةٍ ؟) قال: نعم، قال: (فَبِرَّها)([94]) 

وعن مالك بن ربيعة قال: بينا نحن جلوسٌ عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ جاءه رجُل من بني سَلِمة، فقال: يا رسول الله:(هل بَقِيَ من برِّ أبَوَيَّ شَيءٌ أبَرَّهُما بعد موتهما ؟) فقال: (نعم، الصلاةُ عليهما، والاستغفار لهما، وإنْفَاذُ عهدهما من بعدهما، وصِلَة الرَّحِمِ التي لا تُوصَلُ إلا بهما، وإكرامُ صديقهما)([95]) 

***

بقي الأبناء والأحفاد مدة، وهم يذكرون ما ورد في النصوص المقدسة من الحديث عن حرمة الوالدين، ووجوب برهما، إلى أن ضاق (برنارد بيرجمان) منهم، وقال: ما تريدون من الرجل.. لقد نفر منكم ومن طريقة تفكيركم، فلو أنه وجد عندكم ما يبحث عنه ما جاء عندنا؟

قال ذلك، ثم التفت للشيخ، وقال: أخبرهم بعدم رغبتك فيهم.. فلا أظن أنهم سينصرفون عنك لو لم تواجههم بذلك.

أراد الشيخ أن يتحدث، فراح أحد أبنائه يقاطعه، والدموع تجري من عينيه، وهو يقول: لا بأس.. يا والدي.. لا تسمع لما يقول هذا الرجل الذي يريد أن يبعدك عنا.. لقد جئت أعتذر إليك.. لقد كنت أتصور أن ذلك تصرف لا يؤذيك.. وأنا الآن رهن إشارتك يا والدي.. فافعل بي ما بدا لك.

سقطت دموع من الشيخ، قال بعدها: بل أنا الذي أعتذر إليك يا ولدي.. فلم يكن يحق لي أن أمنعك مما أحبته نفسك ورغبت فيه مما أباحه الله لك.

لقد كنت بجهلي لا أفرق بين ما ورد في النصوص المقدسة من البر بالوالدين والإحسان لهما، وبين وجوب طاعة الأبناء لآبائهم..

لقد كنت بجهلي أتصور أن حياة الابن ملك للأب.. وأنه وحده الذي يحق له أن يرسم له منهج حياته..

ولقد كنت بجهلي لا أقرأ إلا النصوص التي تحث الأبناء على رعاية آبائهم.. دون أن أهتم أو ألقي بالا إلى النصوص التي تحث الآباء على رعاية أبنائهم وبرهم والإحسان إليهم.

لكني.. وفي فترة غيابي عنكم قيض الله لي رجلا صالحا.. لقد كان من ورثة النبوة.. وكان اسمه (ابن عوسجة)([96]).. وكان مما حدثني به قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(رحم الله والدا أعان ولده على بره)([97])

وحدثني أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله من أبر؟ فقال: (بر والديك)، فقال: ليس لي والدان، فقال:(بر ولدك كما أن لوالديك عليك حقا كذلك لولدك عليك حق)([98])

بعدما سمعت منه ذلك وغيره امتلأت حياء منك ومن إخوانك.. وقد جئت إلى هذه الدار لأكفر عن سيئاتي، ولأدعكم وما تشاءون من الحياة التي تختارونها.

لقد شعرت أني كنت ثقيلا عليكم.. فلم يكن يرضيني إلا أن تسير حياتكم على المنهج الذي سارت عليه حياتي مع أن الحياة تستلزم التطور والتغير.. فليس للآباء الحق في أن يضعوا أبناءهم في قوالبهم فلكل زمان حياته.

تقدم الابن من أبيه، وقال: لا يا والدي.. أنت حكيمنا.. ومن الخطأ الكبير أن نهملك أو نهمل حكمتك وخبرتك في الحياة وتجاربك فيها.

قال الأب: أنا لن أبخل عليكم بشيء من خبرتي.. ولكني مع ذلك أشعر أن الموقف الذي وقفته معك خصوصا كان موقفا خاطئنا.. فلا يمكنني أن أمنعك مما رغبت فيه نفسك ما دام قد أباحه لك الشرع.

ولذلك فسر على بركة الله.. فقد أذنت لك فيه.. كما أذنت لك في غيره مما أباحه لك ربك.. فلا يحق لمسلم مهما كانت مرتبته - أن يحرم ما أحل الله..

نعم.. نحن الآباء.. ونتيجة لما رأيناه من تعظيم ربنا لحقوقنا رحنا نتصور أن لنا الحرية المطلقة في كل شيء..

وهذا خطأ كبير وغرور عظيم.. فالرب رب الجميع.. والشرع شرع الجميع.. ونحن كلنا عباد الله.. ولا يحق لأي عبد كان أن يستذل غيره، أو يتعامل معه من موقع غير موقع العبودية الذي وضعه الله فيه وشرفه به.

قال الابن: حاضر يا أبي.. أنا طوع أمرك.. ولكني لن أتحرك من هنا.. ولن يتحرك هؤلاء جميعا إلا إذا سرت معنا إلى ذلك العرش الذي وضعك الله فيه.. فلا يمكن لبيوتنا أن تستقر، ولا لبالنا أن يستريح وأنت بعيد عنا.

التفت الشيخ إلى (برنارد بيرجمان)، وقال: آسف يا ملك بيوت المسنين.. ها أنت ترى حرص أولادي على الذهاب معهم.. فاعذرني.. فأولادي قد نصبوا لي عرشا في بيوتهم وفي قلوبهم، ولا يمكنني أن أتخلى عن عرشي.. ولذلك سأدعك لعرشك.. واسمح لي أن أذهب لعرشي.

***

بعد هذا الموقف الذي رأيته بعيني ازداد إحباط (برنارد بيرجمان)، فراح يتحرك حركات عشوائية.. قال بعدها، وكأنه يهدد شخصا لا أراه: أنت هو السبب.. أعلم أنك أنت السبب.. ولذلك انتظر.. سأستعمل كل وسائلي لأصرف الناس عنك.. فلا يمكن لهذه الدار أن تمتلئ.. وصورتك في عيون الناس، وحبك في قلوبهم، وذكرك في أفواههم.

أنت الآن أعلنت الحرب علي.. وأنا قبلت الحرب..

قال ذلك، ثم نادى على عماله جميعا، وقال: منذ اليوم ستتحول هذه الدار إلى مركز ترفيه.. سنحول جناحها الأول إلى سينما، وجناحها الثاني إلى مرقص.. وهكذا كل أجنحتها.

فمن شاء منكم أن يستمر للعمل معي، فليستمر.. ومن لم يشأ فالطريق أمامه.

قال بعض العمال: أتريد أن تتخلى عن لقبك العظيم بهذه السهولة.

قال (برنارد بيرجمان): أحيانا يحتاج الملوك إلى الركوب على الخيل، وخوض غمار المعارك.. وما هذه إلا معركة من المعارك التي أحفظ بها وجودي، وأحافظ بها على عرشي.

***

بعد أن سمعت هذا الحديث من (برنارد بيرجمان) خرجت.. وقد رأيت جميع العمال يخرجون معي.. ويتركون ملك بيوت المسنين يصيح وحده بهستيرية وجنون.. وفي وسط ذلك الصياح تنزلت علي أنوار جديدة اهتديت بها بعد ذلك إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

 

 

 

 

 

 

 

رابعا ـ المتألمون

في اليوم الرابع.. سرت نحو مستشفى عجيب.. كنت قد سمعت به، لكني لم أتشرف برؤيته إلا في ذلك اليوم.

لقد كان هذا المستشفى يقوم على أركان متحولة لا تكاد تثبت على أرض أياما حتى تتحول إلى غيرها.

قلت: ما أغرب هذا.. كيف كانت له كل هذه القدرات؟

قال:  هذا المستشفى من إبداع صاحب لي من أمريكا يدعى (بات روبرتسون).. وقد كان منصرا.. وكان يمارس السياسة، وقد رشح نفسه للانتخابات الأمريكية لعام 1987..

وقد أسس صاحبي هذا منظّمة من المنصرين تدعى (عملية البركة الدولية)، وهي تابعة لمنظمة (شبكة الإذاعة المسيحية)، والتي يرأسها صاحبي (بات روبرتسون)

وقد قامت هذه المنظمة بتجهيز طائرة لوكهيد (L-50-1011)، وتحويلها إلى مستشفى طائر ضخم بكلفة خمسة وعشرين مليون دولار، مزوّد بجميع المعدّات اللازمة للعمليات الجراحية والعلاجية، بحيث يجوب مناطق كثيرة في العالم، ويمكث في مناطق محدّدة ومختارة لمدد تتراوح ما بين أسبوع إلى عشرة أيام، ويقدّم خدماته بالمجّان.

قلت: ما شاء الله.. ما أعظم كرم هذا الرجل.. وما أعظم كرم منظمته.

قال: لقدكنت أقول مثلك هذا.. لكني عندما اكتشفت السر الذي حمله، وحمل منظمته على ذلك الكرم تحول في عيني لؤما ليس يعدله لؤم.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد كنت أسمع بأن هذا المستشفى الغريب لم يكن يقدم خدماته إلا بعد أن يسأل المريض عن ديانته، ثم يستمع لمحاضرة حول المسيح وحول المسيحية.. وحول ضرورة البحث عن الخلاص في رحاب المسيح، ثم يعطى كمية من الكتب والنشرات، ويُطلَب منه دراستها والحضور إلى عنوان معيّن بعد أيّام([99]).

كنت أسمع بهذا، ولا أستغربه، فلكل صاحب دين الحق في أن يدعو لدينه.

ولكن الذي حول صورتها في عيني هو التزييف.. فللمرئ الحق في أن يدعو لدينه، ولكن ليس لديه أي حق في أن يزور الحقائق.

في ذلك اليوم.. وبعد أن حضرت جموع كثيرة من المرضى.. بدأت المحاضرة.. وقد فوجئت عندما رأيت المحاضر.. لقد كان رجلا أعرفه تمام المعرفة.. وقد كان ذلك ما ملأني ألما.

لقد كان ذلك الرجل كالشيطان.. أو هو الشيطان نفسه..

كان اسمه (الدكتور منجل).. وقد كان في فترة الحكم النازي يقوم بتجاربه على التوائم.. وكانت له طرق مميزة في تجاربه.. فقد كان من تجاربه أنه يفصل التوأمين ويضعهما في غرفتين منفصلتين، ثم يعذب أحدهما أحياناً ليدرس أثر عملية التعذيب على الآخر، بل كان يقتل أحدهما لدراسة أثر هذه العملية على الآخر.. حتى أن بريمو ليفي قال: (إن ألمانيا النازية هي المكان الوحيد الذي كان بوسع العلماء أن يدرسوا فيه جثتى توأمين قُتلا في نفس اللحظة)

وقد علمت بعد ذلك أن دراسات منجل على التوائم لا تزال أهم الدراسات في هذا المجال، ولا تزال الجامعات الألمانية والأمريكية تستفيد من النتائج التي توصل إليها الباحثون العلميون الألمان في ظروف فريدة لم تُتح لعلماء غيرهم من قبل ومن بعد.. وقد أُثيرت مؤخراً قضية مدى أخلاقية الاستفادة من معلومات تم الحصول عليها في مثل هذه الظروف التجريبية الجهنمية، وبهذه الطريقة الموضوعية الشيطانية([100]).

لم يكن الدكتور منجل فريدا في هذا الباب.. بل كان معه نفر كثير.. منهم من رأيته.. ومنهم من لم أره، ولكني سمعت به، وسمعت بالكثير من آثارهم المؤلمة القاسية..

كان منهم من يقوم بعمليات استئصال لمرضاه دون تخدير ليدرس أثرها..

وكان منهم من يطلق الرصاص عليهم لاختبار فعاليتهم في الحرب..

وكان منهم من يعرض مرضاه لغازات سامة في عمليات اختبارية..

وكان منهم من يضعهم في غرفة مفرغة من الهواء لمعرفة المدة التي يستطيع الإنسان خلالها أن يظل حياً وهو على ارتفاعات عالية أو بدون أوكسجين.. وكان الأوكسجين يُقلل تدريجياً ويخفض الضغط، فتزداد آلام خنازير التجارب البشرية شيئاً فشيئاً حتى تصبح آلاماً لا يمكن احتمالها حتى تنفجر رئاتهم.. كما كان الضغط الداخلي على أغشية طبلات الآذان يسبب لهم عذاباً يوصلهم إلى حد الجنون.

وكان منهم من أجرى تجارب على أمخاخ الضحايا، وقد اختار د. برجر، التابع لإدارة الإس. إس. عدداً من العينات البشرية (79 يهودياً ـ بولنديان ـ 4 آسيويين ـ 30 يهودية) تم إرسالهم لمعسكر أوشفيتس ثم قتلهم بناء على طلب عالم التشريح الأستاذ الدكتور هيرت الذي أبدى رغبة علمية حقيقية في تكوين مجموعة كاملة وممثلة من الهياكل العظمية اليهودية (كما كان مهتماً بدراسة أثر الغازات الخانقة على الإنسان)..

أما الدكتور برجر نفسه فكان مهتماً بالآسيويين وجماجمهم، وكان يحاول أن يكوِّن مجموعته الخاصة.

ويبدو أن عملية جمع الجماجم هذه وتصنيفها لم تكن نتيجة تخطيط محكم، وإنما نتيجة عفوية للرؤية النفعية المادية.. إذ ورد إلى علم البروفسور هاليروفوردن أنباء عن إبادة بعض العناصر البشرية (التي لا تستحق الحياة)، فقال للموظف المسئول بشكل تلقائي: (إن كنتم ستقتلون كل هؤلاء، فلماذا لا تعطوننا أمخاخهم حتى يمكن استخدامها؟)، فسأله: كم تريد؟ فأجاب: عدد لا يحصى، كلما زاد العدد كان أفضل.. ويقول البروفسور المذكور إنه أعطاهم بعد ذلك الأحماض اللازمة والقوارير الخاصة بحفظ الأمخاخ.. وكم كانت فرحة البروفسور حينما وجد أمخاخ معوقين عقليين (في غاية الجمال، على حد قوله)، و(أمخاخ أطفال مصابة بأمراض الطفولة أو تشوهات خلقية).. وقد لاحظ أحد العاملين في مركز من مراكز البحوث أن عدد أمخاخ الأطفال المتوفرة لإجراء التجارب أخذت تتزايد بشكل ملحوظ، ونتيجةً لهذا تم الحصول على مواد مهمة تلقي الضوء على أمراض المخ.

ومن أطرف الأمثلة الموضوعية قضية البروفسور النازي كلاوس الذي اكتشف البعض أنه يعيش مع سكرتيرته اليهودية، وفي دفاعه عن نفسه ذكر أنه يواجه مشكلة في دراسته لليهود، وهي أنه لا يمكنه أن يعيش بينهم، ولذا كان عليه أن يحصل على عينة مُمثِّلة يمكنه دراستها عن قرب، فهي بالنسبة له لم تكن سوى موضوع للدراسة فكان يراقبها (كيف تأكل، وكيف تستجيب للناس، وكيف تقوم بتركيب الجُمل)([101])

بعد أن طاف خيالي بتلك الذكريات الأليمة التي حكيت لك بعضها.. انتبهت إليه، فرأيت الدموع تفيض من عينيه.. فحسبت أن قلبه قد لان بعد شدة.. وأن تلك الدموع كانت تغسل تلك القسوة التي كان قلبه مشحونا بها.. لكني ما إن سمعت السموم التي تفوه بها لسانه حتى يئست منه.

لقد سمعته يقول للمرضى المتألمين أمامه: اسمعوني جيدا.. لن يمكن للعافية أن تزور أجسادكم.. ولا للراحة أن تحل بأرواحكم إلا بعد أن تحلوا في المسيح..

المسيح هو الوحيد في العالم الذي لديه الشفاء الذي عجز جميع صيادلة الدنيا أن يجدوه([102])..

لقد شفي المسيح جميع المرضي الذين قُدِّموا إليه من جميع الأمراض مهما كانت أنواع أمراضهم ومهما كان عددهم، ولأزيد من يقينكم بما ذكرت، سأذكر لكم نماذج لبعض المرضي الذين شفاهم المسيح، والأمراض التي شفوا منها:

فمن الأمراض التي شفاها المسيح، الحمى، فقد شفى ابن خادم الملك الذي كان مريضا بالحمي، وطلب من الرب يسوع المسيح أن يذهب إلي بيته ليشفيه، فقال له:(اذهب. ابنك حي)، فشفي ابنه في تلك اللحظة([103]).

ومن الأمراض الخطيرة التي شفاها داء الشلل، فقد شفى المسيح مقعدين ومفلوجين؛ فقد شفي مريض بركة بيت حسدا الذي أقعده المرض في الفراش مدة ثمان وثلاثين سنة عندما قال له:(قم. احمل سريرك وامش). فحالا برئ الإنسان وحمل سريره ومشى)([104])

وشفي عبد قائد المئة من الفالج، وكان قائد المئة هذا يؤمن أن المسيح يستطيع أن يشفي عبده بكلمة دون أن يذهب إليه:(يا سيد لست مستحقا أن تدخل تحت سقفي لكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي)، فشفي غلامه في تلك الساعة([105]).

وشفي رجلا يده يابسة فقال له:(مد يدك)، فمدها. فعادت صحيحة كالأخرى﴾ (متى:12/13)

أما إخراج الشياطين والأرواح النجسة؛ فقد كان يخرج الشياطين بكلمة الأمر منه، وكانت الشياطين عندما تراه تصرخ مرتاعة ومرتعبة وتتوسل إليه أن لا يرسلها إلي الجحيم قبل الموعد، يقول الكتاب:(وكان في المجمع رجل به روح شيطان نجس فصرخ بصوت عظيم: (آه ما لنا ولك يا يسوع الناصري! أتيت لتهلكنا! أنا أعرفك من أنت: قدوس الله). فانتهره يسوع قائلا:(اخرس واخرج منه)، فصرعه الشيطان في الوسط وخرج منه ولم يضره شيئا. فوقعت دهشة على الجميع وكانوا يخاطبون بعضهم بعضا قائلين:(ما هذه الكلمة! لأنه بسلطان وقوة يأمر الأرواح النجسة فتخرج﴾ (لوقا: 4/33-36)

وأخرج الشيطان من أخرس مجنون:(وفيما هما خارجان إذا إنسان أخرس مجنون قدموه إليه. فلما أخرج الشيطان تكلم الأخرس فتعجب الجموع قائلين: (لم يظهر قط مثل هذا في إسرائيل!) (متى: 9/23-33)

وفوق هذا كله، فقد شفى المسيح البرصى، وطهرهم من برصهم، وقد ذكر الكتاب المقدس حديث هذا الأبرص:(وإذا أبرص قد جاء وسجد له قائلا: (يا سيد إن أردت تقدر أن تطهرني). فمد يسوع يده ولمسه قائلا:(أريد فاطهر). وللوقت طهر برصه ) (متى: 8/2- 3)

كما ذكر الكتاب المقدس شفاء عشرة برص آخرين:(وفيما هو داخل إلى قرية استقبله عشرة رجال برص فوقفوا من بعيد وصرخوا: (يا يسوع يا معلم ارحمنا). فنظر وقال لهم:(اذهبوا وأروا أنفسكم للكهنة). وفيما هم منطلقون طهروا ﴾ (لوقا: 17/12-14)

ويذكر الكتاب المقدس أن المسيح فتح أعين العميان بمجرد لمس أعينهم، كما حدث مع أعميين:(حينئذ لمس أعينهما قائلا: (بحسب إيمانكما ليكن لكما ) (متى: 9/27-31)، وشفى أعمي في بيت صيدا كما في (مرقس: 8/2-26)

والأخطر من ذلك كله أنه شفي مولودا أعمي بعد أن خلق له عينين من طين:(تفل على الأرض وصنع من التفل طينا وطلى بالطين عيني الأعمى. وقال له: (اذهب اغتسل في بركة سلوام). الذي تفسيره مرسل. فمضى واغتسل وأتى بصيرا ) (يوحنا:9/6- 7)، فهذا يدل على أنه خلق له عينين من طين كما خلق آدم من تراب الأرض.

وشفى ـ إلى جانب هذا كله ـ أمراضا كثيرة أخرى مثل شفاء المرأة النازفة الدم:(وامرأة بنزف دم منذ اثنتي عشرة سنة وقد أنفقت كل معيشتها للأطباء ولم تقدر أن تشفى من أحد) لأنها قالت في نفسها: (إن مسست ثوبه فقط شفيت ﴾ (متى: 9/21). ففي الحال وقف نزف دمها. فقال يسوع: (من الذي لمسني!)000 (قد لمسني واحد لأني علمت أن قوة قد خرجت مني ﴾ (لوقا: 8/43-48)

وشفي أصم أعقد بأن (وضع أصابعه في أذنيه وتفل ولمس لسانه ورفع نظره نحو السماء وأن وقال له:(إفثا). أي انفتح. وللوقت انفتحت أذناه وانحل رباط لسانه وتكلم مستقيما ﴾ (مرقس: 7/33-35)

هذه نماذج قليلة لما صنعه الرب يسوع المسيح من كم كبير لا يمكن حصره لم يدون في الإنجيل تفصيلا، وإن كان يذكر بصورة إجمالية، يقول القديس يوحنا بالروح (وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب) (يوحنا: 20/30)، (وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة) (يوحنا:21/25)

فقد شفي جميع المرضي الذين قدموهم إليه من جميع أنواع الأمراض مهما كان عددهم ومهما كانت أنواع هذه الأمراض (فأرسلوا إلى جميع تلك الكورة المحيطة وأحضروا إليه جميع المرضى وطلبوا إليه أن يلمسوا هدب ثوبه فقط. فجميع الذين لمسوه نالوا الشفاء) (متى: 14/35-36)

***

قال ذلك، ثم التفت للجمع، وقال: من منكم يريد أن تشفيه يد المسيح الممتلئة بالبركة.. ؟

قبل أن ينتظر أي جواب، قال: لا.. ليس بالسهولة التي تتصورونها.. لا يمكنكم أن تنعموا بشفاء المسيح إلا بعد أن تتخلصوا من ذلك الكابوس الثقيل الذي يجثم على أرواحكم.. ذلك الذي تدعونه (محمدا).. فلا يمكنكم أن تظفروا بالمسيح، وأنتم مقيدون بأغلال محمد.

هنا رأيت وجوه المرضى تتغير تغيرا شديدا.. بل رأيت المقعدين قاموا، والذابلين قد دبت في وجوههم مياه الحياة..

وإذا بالدكتور منجل ينتفض لما رآه، متصورا أن ذلك كان من وحي كلماته.. لذلك راح يقول بغرور لم يستطع أن يخفيه: ألم أقل لكم.. لا يقيم المقعدين إلا المسيح.. ولا ينشر الحياة في الفانين الذابلين غير ذكرى المسيح؟

قام بعض المرضى، وقال، والغضب باد على وجهه: إن كان دواؤكم الذي تريدون أن تصفوه لنا – حضرة الطبيب - مرتبطا بالابتعاد عن محمد.. فنحن لا نحتاج دواءكم.. بل نحن نرضى أن نعيش مرضى.. ونموت مرضى.. بل نرضى أن نذوق كل الآلام.. ولا نرضى أن يغيب عنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لحظة واحدة..

إننا لا ننعم في هذه الدنيا إلا بذكراه.. وبذكر لقائنا به في ذلك اليوم العظيم الذي نتشرف بالشرب من يده الشريفة..

إن ذكرى محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي أعظم دواء لنا..

إن وجهه السمح الجميل الممتلئ بأنوار الإيمان هو العافية التي تنعم بها أرواحنا.. والتي تنسينا كل ألم يحتضن أجسادنا.

فلذلك خذ دواءك الملطخ بسموم الحجب عن محمد ودين محمد.. وسر عنا.. فنحن الذين فنينا في حب محمد لا نرضى لأرواحنا وأجسادنا أن تتلطخ بأي سم يبعدنا عنه.

رأيت وجه الدكتور منجل تغير تغيرا شديد، لكنه أراد أن يخفي تغيره بقوله: لا بأس.. هذه الحالة أعرفها جيدا.. سبق لي أن رأيت مثلها كثيرا..

هذه الحالة مرض من الأمراض النفسية.. وهي منتشرة للأسف في الأجناس الدانية.. تلك الأجناس التي تذوب في زعمائها وقادتها الروحيين منشغلة عن حياتها ومصيرها بحياة غيرها ومصيرها..

قام رجل من الجمع، وقال بنوع من السخرية لم يلتفت لها الدكتور منجل: فما العلاج لهذا المرض.. فإنا كلنا مصابون به.. فنحن من الأجناس التي تحدثت عنها؟

قال الدكتور منجل: لقد ذكرت لكم العلاج.. العلاج بسيط.. فقط يحتاج منكم إلى إرادة.. إرادة تجعلكم تقطعون تلك الحبال التي تصلكم بالوهم.. وتسقيكم بالسراب.

ما قال الدكتور منجل هذا حتى وفد إلى الجمع رجل هو كالشمس، أو قريب من الشمس، كان أشبه الناس برجال الله من الورثة الذين ذكرت لك بعض أخبارهم، وقد علمت بعد ذلك أن اسمه (علي الرضا)([106])، عندما وصل إلى المجلس راح يصيح بصوت عال، وكأنه كان حاضرا معنا: دعنا من كل هذه الأحاديث العامة حضرة الدكتور منجل.

رأيت وجه الدكتور منجل تغير تغيرا شديدا، فقد تعجب أن ينطق هذا الرجل الغريب باسمه، ولعله خشي أن يكون ملما بما كان يفعله، فخشي الفضيحة لذلك..

استأنف الرضا كلامه قائلا: عد بنا إلى الحقيقة – حضرة الدكتور – تلك الحقيقة التي لا تستطيع الألفاظ الرنانة أن تتلاعب بها.. ولا يستطيع سحر الألفاظ أن يصرف الوجوه عنها.

تنفس الدكتور منجل الصعداء، ثم قال: لم أفهم قصدك.. ماذا تريد بالضبط؟

قال الرضا: لقد أتيتنا بدعوى، وتريد منا تصديقها.. والدعاوى تحتاج إلى البراهين الدالة عليها.. فما براهينك على دعواك([107]

لم يجد الدكتور منجل ما يجيب به، فبادر الرضا يقول: لقد ذكرت في دعواك أن الإسلام ونبي الإسلام يمتلئ قسوة على المبتلين والمرضى والمتألمين.. وهذا يستدعي أن تأتي من نصوص الإسلام المقدسة ما يبرهن على ذلك.

قال الدكتور منجل: ألا يكفي لإثبات ذلك ما ورد في هذه النصوص التي تزعم لها القداسة من تمجيد المرض؟

ألم تقرأ ما ورد في الحديث عن نبيكم قوله:(يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض)([108]).. وقوله في حديث آخر:(إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة، يريد عينيه)([109]).. وغيرها من النصوص؟

ألا ترى أن هذه النصوص تمجد البلاء والمرض.. وكأنها تدعو الناس لأن يمارسوا من الأسباب ما يوقعهم في المرض؟

ألا ترى أن ذلك هو قمة القسوة والظلم والتضليل؟

ابتسم الرضا، وقال: لا بأس.. لقد عرفت سر ما وقعت فيه من الشبهة.. فاترك لي الفرصة لأعرفك بحقيقة المقاصد التي دلت عليها هذه النصوص، فمن الخطأ أن نقطع النصوص عن مواردها التي قيلت فيها.

قال الدكتور منجل: تكلم.. فكلي آذان صاغية.

استجمع الرضا أنفاسه، ثم نظر إلى الجمع، وقال: أنتم تعرفون أن الطريق الأمثل للتعامل مع النصوص المقدسة والاستفادة منها هو الإلمام بها جميعا، لا ضرب بعضها ببعض، أو تقديم بعضها على بعض.. فكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم يكمل بعضه بعضا، ويدل بعضه على بعض.

لقد ذم الله تعالى من يأخذون ببعض الكتاب ويدعون بعضه، فقال مخبرا عن بني إسرائيل مبكتا لهم:﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)﴾ (البقرة)

وأخبر أن في كلام الله ما يمكن أن يجد فيه أصحاب القلوب الزائغة ما يملؤهم بالفتنة إذا هم لم يجمعوا بين محكمه ومتشابهه، فقال:﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)﴾ (آل عمران)

ولهذا، فإن الله تعالى يدعونا في جميع أمورنا إلى أن نأخذ بالإسلام كله، وهو يعني أن نجمع بين مقتضيات جميع النصوص، فلا يفهم مراد الله من عباده إلا بها جميعا.. قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)﴾ (البقرة)

قال ذلك، ثم التفت إلى الدكتور منجل، وقال: إنك – حضرة الدكتور – أتيت من هذا الباب.. ذلك أنك أخذت بعض النصوص، فتصورت أنها تمجد المرض والبلاء، وأنها تدعو – بذلك - المريض إلى السكون إلى مرضه، وعدم مواجهته.. وهذا خطأ كبير.. فالنصوص التي ذكرت قيمة البلاء وفضله هي نفسها النصوص التي دعت إلى مواجهته بأنواع الوقاية والأدوية..

ضحك الدكتور منجل بصوت عال، وقال: ألا ترى أن النصوص المقدسة بذلك تتحول إلى نصوص متناقضة يعارض بعضها بعضا.. فهي تدعو إلى البلاء في نفس الوقت الذي تنهى عنه؟

ابتسم الرضا، وقال: التعارض يكون عندما تتوجه النصوص لجهة واحدة من الجهات بأوامر متناقضة.. لكن عندما تتغير محال الخطاب لا يكون هناك أي تعارض.

قال الدكتور منجل: ولكن الخطاب في جميعها متوجه لجهة واحدة هي الإنسان.

قال الرضا: والإنسان متعدد النواحي.. ففيه النفس وفيه الجسد.. وخطاب النفس مختلف عن خطاب الجسد.. ألا ترى أن الطب ينقسم إلى طب نفسي، وطب جسدي([110]

قال الدكتور منجل: بلى..

قال الرضا: فالشريعة بنصوصها المقدسة خاطبت كلا الجهتين.. كلا بما يناسبها.

النفس

قال الدكتور منجل: فاذكر لنا ما خاطبت به الشريعة النفس في هذا الباب.

قال الرضا: النفس في حال مرض صاحبها وعجزه تطلب أربعة أمور.. لا تتحقق رحمتها إلا بها.. ولم تكتمل هذه الأربعة في دين كما اكتملت في الإسلام.. ففيه وحده جميع المعاني التي تجعل المريض يعيش حياة طبيعية لا تختلف عن حياة أي سليم.

قال الجمع المحيط به: فما هذه الأربع؟

قال الرضا: أما أولاها، فالنفس تطلب سندا قويا عظيما تحتمي إليه من ضعفها.. فتشعر بالراحة في احتمائها، وبالقوة في التجائها.

وأما الثانية، فهي تطلب أملا تطمح إليه ينسيها الآلام التي تسكن جسدها..

وأما الثالثة، فهي تطلب عملا متناسبا معها، يجعلها إيجابية فاعلة حية.. فلا يؤذي النفس الصالحة مثل سلبيتها وسكونها.. فسكونها لا يعني سوى موتها.

وأما الرابعة، فهي تنفر من عزلة المجتمع عنها، نفرة  منها.

قالوا: فحدثنا عن الأولى؟

قال: اسمحوا لي - قبل أن أذكر لكم ما جاء به الإسلام في هذه الناحية - أن أخبركم عما قاله العلم الحديث في علاقة الإيمان بالله، والالتجاء إليه في توفير الصحة والعافية للنفس والبدن([111])..

لعلكم تعلمون أنه قبل الثورة الحالية في مجال العلوم التجريبية لم يكن ممكنا لبشر معرفة آلية الوظائف العقلية العليا التي تميز الإنسان عن الحيوان وتحديد مواقعها بالمخ.. وشيئا فشيئا اكتُشفت المناطق المتعلقة بالحواس والكلام والحركة، وبدأت تتضح معالم المنظومة العاطفية، ومنظومة الأنشطة اللاإرادية، والأساس الكيميائي للنشاط العصبي.. بل أصبح بالإمكان تسجيل كهربية المخ من الخارج باستخدام جهاز رسم المخ، وتمييز مختلف الأنشطة الذهنية، والتصوير الإشعاعي لكشف تراكيبه.. ونتيجة لذلك عرفت بعض الفوارق التشريحية والوظيفية مع الحيوان، وأمكن تصور آلية بعض الوظائف العليا كالتذكر والتعلم.

على ضوء هذه التطورات فاجأتنا تلك الأبحاث العلمية باكتشاف يجعل الإيمان بالله تعالى وعبادته نزوعا فطريا وملكة مغروسة بالمخ لها آلياتها ومراكزها، وإذا لم يحسن الإنسان توظيفها فقد أهم ما يميزه عن الحيوان، وتعرض لفقدان التوازن النفسي والبدني([112]).

وخلاصة الأبحاث العلمية التي نشرت للمرة الأولى عام 2001 وأجريت على المخ بتقنية جديدة للأشعة السينية، قام بها فريق علمي على رأسه د. أندرو نيوبيرج أستاذ علم الأشعة بكلية الطب بجامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية هي أن: (الإيمان بالله تصميم داخلي داخل المخ)، وبهذا لا يمكن لأحد التخلص منه إلا تعاميا عن الفطرة السوية التي جعلت الإنسان ينزع للتدين على طول التاريخ وتعطيلا لقدرات هائلة وإمكانات بالغة التعقيد والتطور تمكنه من إدراك قدرة الله تعالى بالتفكر والاستقراء للخلق والتحليل والاستنتاج.

ويمكن وصف الإنسان وفق عبارات د. نيوبيرج نفسه بأنه: (موجه بقوة نحو التدين)، وأن (التجربة العملية لا يمكنها أن تخبرنا بطريقة مباشرة عن ذات الله، ولكنها تخبرنا كيف خلق الإنسانَ لكي يعرفه ويعبده)، وهي تخبرنا أن: (عبادة الله وظيفة والإيمان به مطلب طبيعي يماثل الطعام والشراب)، وأن (المخ البشري ليس معدا تشريحيا ووظيفيا فحسب للإيمان بالله وعبادته، وإنما هو أيضا مهيأ عند قيامه بوظيفة العبادة لحفظ سلامة النفس والبدن بتوجيه العمليات الحيوية خلال منظومة عصبية وهرمونية متشابكة)

وبهذا نزداد يقينا في وجود الله تعالى وقدرته، وإلا فلا فائدة من الملكات الهائلة الممنوحة للإنسان، والتي ميزته عن كافة الأحياء الأخرى في الأرض، وهكذا لم يعد الإيمان بالله تعالى في الدراسات العملية الحديثة ضربا من الفلسفة والخيال الشعبي كما كان يردد الملاحدة بلا مستند في أوائل القرن العشرين، فقد خاب ظنهم أن الإنسان قد صنع ديانته بعدما تأكد أن: (الله قد خلقه متدينا بطبيعته ومؤهلا بقدرات كي يعرفه ويعبده)

وكما يصبح الإنسان نظيفا إذا مارس الوضوء حتى ولو لم يكن مسلما كذلك يناله الخير إذا مارس سلوكيات العبادة كالتفكر والخشوع والتأمل، لأنها توظف مراكز أشبه ما تكون بمراكز الإيمان داخل المخ تعمل على الارتخاء والتخلص من المشاعر السلبية مثل الخوف والقلق والاكتئاب، وينتقل الإنسان من حالة الاستنفار والتوتر إلى حالة الراحة والسكينة حتى ولو لم يكن لصاحبها نصيب في ثواب الآخرة.

وباستخدام تقنية خاصة في التصوير بالأشعة السينية تجعل في الإمكان معاينة التغير في نشاط مختلف المناطق الوظيفية بالمخ أمكن تحديد مناطق تختص بالتركيز الفكري بالفص الجبهي (الناصية) يزداد نشاطها أثناء تلك الخبرة التأملية، ولكن تغير النشاط في منطقة الفص الصدغي التي تجعل الإنسان يدرك وجهته بالفراغ كان ملفتا للنظر، ويفترض نيوبيرج أن تغير نشاط تلك المنطقة يفسر إحساس الزهاد الذين بلغوا في صلواتهم درجة استغراق عميقة بانتقالهم بعيدا عن العالم الفيزيائي حولهم إلى حالة روحية لا يدركها غيرهم إلا بمعايشة نفس التجربة، وهم خلال تلك الحالة من التحليق الروحي والتسامي الإيماني يشعرون خلال أداء الأذكار والصلوات بعدم الاهتمام بالعالم الفيزيائي المحيط وأنهم في حضرة جلال أسمى ومعية ذات عليا قاهرة تأسر الفؤاد وتملك الوجدان يتضاءل معها كل شيء ويفقد أهميته.

وهكذا تأكد العلماء أن الاستغراق في العبادة يفتح آفاقا من الشعور بالتسامي، ويقدم عونا على التخلص من آلام ومعاناة النفس والشفاء من الاضطراب كالقلق والتوتر والكآبة وتأثيراتهم البدنية، وتكرر الممارسة بانتظام يجدد القدرات بالانتقال إلى عالم تسترخي فيه النفس وتستريح من الضغوط، وفي تلك الحالة يُفقد الاهتمام بالعالم الخارجي رغم تزايد التنبه والوعي والجلاء أو تزايد الشعور به، بل ربما عند درجة ما تزداد القدرة على احتمال الألم العضوي، قال د. لورنس ميكيني عميد المؤسسة الأمريكية لعلاج الاضطرابات الذهنية: (إن ممارسة التأمل العميق باعتباره صوره من الخشوع قد يساعد في حد ذاته على التغلب على الشعور بالألم النفسي والإحباط ويعيد التوازن في توزيع النشاط في مراكز المخ ويفرغ شحنات الشعور بالتعاسة وفقدان الأمل حتى عند غير المؤمنين)

ووفق ما قاله د. ميكيني، فقد بدأت (الدراسات النفسية الدينية) في الستينيات من القرن الماضي عندما ذهبت مجموعة من الباحثين الأمريكيين إلى الهند لدراسة الموجات الكهربية للدماغ EEG لممارسي اليوجا، وفي عام 1980 أطلق ميكيني ومساعدوه مصطلح (الدراسات النفسية الدينية Neurotheology)، وأخرج عام 1994 كتابه بنفس الاسم، ويقدم هذا العلم الجديد تأييده التام للحقيقة الجوهرية في الدين وهي الإيمان بالله، قال ميكيني: (ويكفي أننا قد أوجدنا طرقا عملية لقياس الأنشطة الفكرية ولم يعد الإيمان بالله والمشاعر خلال الممارسات الدينية نشاطا فكريا غير قابل للتجربة والإثبات، ومن تلك التقنيات الجديدة طريقة التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي، وقد أكدت نتائج نيوبيرج بالفعل)

وبالمثل أكدت مجموعات طبية أخرى تلك النتائج منها فريق في بوسطن قام بفحص عدة متطوعين باستخدام تقنية الرنين المغناطيسي، فأكد وجود النشاط غير العادي خلال فترات الاستغراق التعبدي والخشوع لمناطق التركيز الفكري، واكتشف تغيرات في نشاط مناطق أخرى بالمخ تتعلق بالإثارة، ووجد فريق آخر بقيادة د. دوسيك عميد المعهد الطبي للأبحاث الذهنية تغييرا ملحوظا كذلك في نشاط مراكز بالمخ تتعلق بالذاكرة.

ويقول د. بليتريني من جامعة بيزا في إيطاليا: (إن كل شئ نفعله أو نستشعره من نشاط بسيط كحركة إصبع إلى أعمق الانفعالات العاطفية الخبيئة بالنفس أو البادية مثل الغضب والحب يرسم خريطة مميزة المعالم للمراكز المتأثرة بالمخ، ويصاحب كل شعور نموذج محدد يمكن تسجيله وتحليله كالتحاليل الطبية العضوية تماما، وهذا المجال الجديد لاستطلاع دخيلة الإنسان من عواطف ومشاعر وأفكار ومدى تأثره بالاعتقاد الديني ساحر حقا، ويدخل فيه الباحثون اليوم بحذر حريصين على المنهج العلمي في البحث والتحليل كبقية مجالات العلوم التجريبية)

ويقول د. مايكل ماكلوف من جامعة دالاس بالولايات المتحدة الأمريكية: (يتأثر الوجدان النفسي الروحي بالعالم الخارجي ويؤثر في الجسد ويمثل الإيمان والعبادة صمام أمان لتلك التأثيرات الطبيعية، وقد أفضت دراسته إلى أن الطبيعة البشرية مصممة بحيث تحفظها العبادة في توازن تام وتقيها الاضطراب)

قالوا: عرفنا ما استطاع العلم أن يكتشفه في هذا الباب.. فما الذي جاء به الإسلام؟

قال: لقد استطاع العلم أن يصف الداء.. واستطاع مع ذلك أن يضع الخصائص التي يمكن للدواء أن يفعل بها مفعوله في مقاومة الداء.. ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يضع الدواء.. لأن مثل ذلك الدواء لا يمكن إلا أن يكون من لدن الله نفسه..

لقد ذكر الله ذلك، فقال في كتابه الكريم عن كتابه الكريم:﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)﴾ (الإسراء 82)، وقال:﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)﴾ (فصلت)، وقال:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين﴾ (يونس:57)

أتدرون السر في كون القرآن الكريم شفاء؟

قالوا: ما السر في ذلك؟

قال: ألا ترون المريض كيف يستريح ويطمئن إن خاطبه طبيبه أو تحدث إليه؟

قالوا: بلى.. نرى ذلك.. خاصة إن غسل آلامه بمراهم الأمل.

قال: فالأمل عند الله وحده.. والقدرة عند الله وحده.. والفضل عند الله وحده.. ولذلك يجد المؤمن في ترديد كلام ربه، وتأمل معانيه من الأنس الروحي ما يجعله مطمئنا مستريحا.. بل ممتلئا سعادة وسرورا.

لقد ذكر الله ذلك عن كتابه، فقال:﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)﴾ (التوبة)

قالوا: ولكن القرآن ذكر أنه يزيد المرضى مرضا؟

قال: المريض الذي لا يعرف كيف يستعمل الدواء لا شك أنه يتضرر به...

قالو: فكيف يستعمل دواء القرآن؟

قال: لقد ذكر الله ذلك، فقال:﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (الحشر:21)

قالوا: فما في هذه الآية مما نحن فيه؟

قال: المريض الذي يريد أن يستشفي بالقرآن لا بد أن يعرف قيمة وعظمة وسمو الدواء الذي يستعمله، فهو ليس دواء كيميائيا قد ينفع عضوا، ويضر أعضاء، وقد ينفع الجسد ويغفل عن الروح، وقد ينفع اليوم ويصر غدا.

وهو ليس دجل مشعوذ، يعطي من الوهم بقدر ما يعطى من النقود.

بل هو كلام رب العالمين، كلام رب السموات والأض، كلام الذي ليس كمثله شيء، وكما لا يصح أن تقارن به أي شيء، فلا يصح أن تقارن بدوائه أي دواء.

ولذلك، فإن الذي يتعامل مع العلاج القرآني بمقاييسه البشرية المحدود، أو يتصور أن الأدواء والعلل من القوة بحيث لا يطيق القرآن إزاحتها، فهو لم يصل بعد إلى درجة الانتفاع بالقرآن الكريم، فـ (كيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال، لصدعها، أو على الأرض، لقطعها، فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبـيل الدلالة على داوئه وسببه، والحمية منه لمن رزقه الله فهما في كتابه)

وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى:﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)﴾ (العنكبوت)

قالوا: فإذا ما قرأ المريض القرآن بالصفة التي ذكرتها؟

قال: إذا قرأه بتلك الصفة امتلأ قلبه تعظيما لله.. ونال بعد ذلك من المعارف ما يجعله مطمئنا إلى أن الحالة التي يمر بها ليست سوى عارض بسيط يتخلل حياته الأبدية الجميلة التي قدرها الله له.

لاحظوا الفرق بين من يعتقد بأن المرض غول يريد أن يلتهم سعادته الوحيدة التي جعلت له في لحظات الدنيا، وبين من يرى أن المرض محطة من المحطات.. وأن لحظات السعادة التي كتبها الله لعباده إن هم عرفوه وعبدوه لا نهاية لها..

تصوروا الفرق بين من يعتقد بوجود سند قوي قادر على كل شيء يمكنه أن يخلصه من كل ضر وألم، وبين من لا يرى هذا السند إلا في طبيبه العاجز اليائس الذي قد يقف في حالات كثيرة لا يدر ماذا يفعل.

إن هذا يجعل المؤمن يلتجئ إلى الله، ويتضرع إليه..

وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف نلتجئ إلى الله، وكيف نمتلئ طمأنينة أثناء التجائنا.

ومن ذلك ما ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(ما أصاب أحدا قط هم، ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي إلا أذهب الله همه، وحزنه، وأبدله مكانه فرجا)، فقيل: يا رسول الله ألا نتعلمها ؟ فقال: (بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها)([113])

فهذا الدعاء يتضمن اعتراف العبد أنه مملوك لله، وأنه لا غنى له عنه، وليس له سيد سواه، والتزام بعبوديته، وإعلان الخضوع والامتثال لأمره ونهيه، وأن الله يصرفه، ويتحكم فيه كيف يشاء، وإذعان لحكم الله، ورضى بقضائه، وتوسل إلى الله بجميع أسمائه قاطبة، ثم سؤال المطلوب، ونشدان المرغوب.

وكل هذه المعاني لها تأثيرها النفسي الكبير في نفس المريض والمبتلى..

ومن ذلك ما ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول عند الكرب:(لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم)([114])

ومن ذلك ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا كربه أمر قال:(يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)([115])

ومن ذلك ما روي عن أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب، أو في الكرب: الله الله ربي لا أشرك به شيئا)([116])

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت)([117])

بالإضافة إلى هذا.. ما ورد في خصوص المرض من الآثار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وورثته الكرام من أنواع الالتجاء.. والتي تملأ قلب المؤمن رضا وطمأنينة وسكينة.

ففي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات([118])، وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها([119]).

و كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات([120]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: (اللهم رب الناس أذهب الباس، واشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما)([121])

وعن بعضهم أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعا في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل باسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر([122])([123])

وفي حديث آخر: أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا محمد، اشتكيت؟ فقال: نعم. قال: (باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد. الله يشفيك، باسم الله أرقيك)([124])

ومن الأدعية الواردة عن ورثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من آل بيته الكرام، ما ورد عن جعفر الصادق فقد أثر عنه هذا الدعاء الجليل في المرض:(اللهم إني أدعوك دعاء العليل الذليل الفقير، دعاء من اشتدت فاقته، وقلت حيلته، وضعف عمله، وألح البلاء عليه.. دعاء مكروب إن لم تدركه هلك، وإن لم تسعده فلا حيلة له، فلا تحط بي مكرك، ولا تثبت علي غضبك، ولا تضطرني إلى اليأس من روحك والقنوط من رحمتك.. اللهم إنه لا طاقة لي ببلائك، ولا غنى بي عن رحمتك، وهذا أمير المؤمنين أخو نبيك ووصي نبيك أتوجه به إليك، فإنك جعلته مفزعا لخلقك، واستودعته علم ما سبق، وما هو كائن، فاكشف به ضري وخلصني من هذه البلية إلى ما عودتني من رحمتك يا هو يا هو يا هو انقطع الرجاء إلا منك)

وكان يقول:(اللهم اجعله أدبا و لا تجعله غضبا)

و كان زين العابدين إذا مرض يدعو قائلا:(اللهم لك الحمد على ما لم أزل أتصرف فيه من سلامة بدني، ولك الحمد على ما أحدثت لي من علة في جسدي، فما أدري يا إلهي على ما لم أزل أتصرف فيه إلى أي الحالين أحق بالشكر لك، وأي الوقتين أولى بالحمد إليك، أوقت الصحة التي هنأتني فيها طيبات رزقك وأنشطتني بها لابتغاء مرضاتك وفضلك وقويتني على ما أهبت بي إليه من طاعتك، أم وقت العلة التي أفديتنيها والسقم الذي أتحفتني به تخفيفا لما ثقل علي من الخطيئات وتطهيرا لما انغمست فيه من السيئات وتنبيها لتناول التوبة وتذكيرا لمحو الحوبة بقديم النعمة، وفي خلال ذلك ما يكتب لي الكاتبان من زكي الأعمال ما لا قلب فكر فيه ولا لسان نطق به ولا جارحة تكلفته إفضالا منك علي وإحسانا من صنيعك إلي اللهم فصل على محمد وآله وحبب إلي ما رضيت لي ويسر علي ما أحللت بي وطهرني من ذميم ما أسلفت وامح عني سيئ ما قدمت وأوجدني حلاوة العافية وأذقني برد السلامة واجعل مخرجي عن علتي إلى عفوك ومتحولي عن مصرعي إلى تجاوزك وخلاصي من كربي إلى روحك وسلامتي من هذه الشدة إلى فرجك إنك المتفضل بالإحسان المتطول بالامتنان الوهاب الكريم خير معين ومستعان)

قالوا: حدثتنا عن الأولى.. فحدثنا عن الثانية؟

قال: الثانية هي ما ورد في النصوص المقدسة من البشارات بما يلقاه المريض من فضل الله إن هو أحسن تعامله مع مرضه، فلم يجره إلى السخط أو الجزع أو الشكوى([125]) ..

وأول ذلك أن ما أصابهم من البلاء يرفع عنهم ثقل الحساب، فلا يحاسبون كما يحاسب غيرهم، وقد روي في ذلك أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها لمم فقالت:(يا رسول الله، ادع الله أن يشفيني) قال:(إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك)، قالت:(بل أصبر ولا حساب علي)([126])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يؤتى بالشهيد يوم القيامة، فينصب للحساب، ويؤتى بالمتصدق، فينصب للحساب، ثم يؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبا، حتى إن أهل العافية ليتمنون في الموقف أن أجسادهم قرضت بالمقاريض، من حسن ثواب الله لهم)([127])

وقد روي في تعليل سر رفع الحساب عن المبتلين هو أن ما وقعوا فيه من الذنوب يطهرون منه بالبلاء.. فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل إلى زيد بن أرقم  وهو يشتكي عينيه فقال له:(يا زيد، لو كان بصرك لما به كيف كنت تصنع؟)، قال:(إذا أصبر وأحتسب)، قال:(إن كان بصرك لما به ثم صبرت واحتسبت لتلقين الله عز وجل وليس لك ذنب)([128])

قام بعض المرضى، وقال: إن هذه نعمة عظيمة.. فإن أعظم ما يخافه كل مؤمن هو الحساب.. أن تنشر صحفه، فيعاين جرائمه.. أو يفضح بين الخلائق.. إنه موقف صعب جدا.. فأحدنا لا يطيق الوقوف في محكمة الدنيا ليحاسب، فكيف يطيق الوقوف في محكمة الآخرة؟

قال الرضا: ليس ذلك فقط.. فقد ورد في النصوص تبشيرهم بالجنة.. ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة، يريد عينيه)([129])

وعن عطاء قال، قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة مِنْ أهل الجنة؟ فقلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم  فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع اللَّه تعالى لي، قال:(إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت اللَّه تعالى أن يعافيك)، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع اللَّه أن لا أتكشف، فدعا لها)([130])

وعن أبي سنان قال: دفنت ابناً لي فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة (يعني الخولاني) فأخرجني وقال لي: ألا أبشِّرك؟ قلت: بلى، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:(قال اللّه: يا ملك الموت قبضت ولد عبدي؟ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم، قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد)([131])

قام مريض آخر، وقال: هذا ثواب عظيم.. فالجنة هي الدار التي تهفو لها القلوب.. وحسب المبتلى أن يبشر بها حتى ينسى كل بلاء ينزل به.

قال الرضا: ليس ذلك فقط.. بل ورد في النصوص أن المبتلى يرفع إلى الدرجات العليا بحسب صبره ورضاه عن ربه.. ففي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم صبره على ذلك، حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى)([132])، وقال:(ما من مسلم يصاب بشيء في جسده فيصبر إلا رفعه الله به درجة، وحط عنه به خطيئة)([133])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(أشد الناس بلاء الانبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)([134]) 

وحدث بعضهم، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالساً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحب أن يصح ولا يسقم؟)، قلنا: نحن يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (مه؟!)، وعرفناها في وجهه، فقال: (أتحبون أن تكونوا كالحمير الصيّالة؟)، قال، قالوا: يا رسول الله لا، قال: (ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات؟)، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فوالله إن الله ليبتلي المؤمن وما يبتليه إلا لكرامته عليه، وإن له عنده منزلة ما يبلغها بشيء من عمله دون أن ينزل به من البلاء ما يبلغ به تلك المنزلة)([135])

قام مريض آخر، وقال: ما شاء الله.. ما شاء الله.. حسبنا بهذا.. فما أعظم نعم الله علينا، والتي كنا غافلين عنها.

قال الرضا: ليس ذلك فقط.. بل ورد في النصوص ما هو أعظم من ذلك كله.

قالوا: فما هو؟

قال: صلاة الله على عبده الصابر الراضي عنه.. لقد قال تعالى يقرر ذلك:﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ (البقرة:155 ـ 157)

قال بعض المرضى: فهل صلاة الله على عبده جزاء؟

قال الرضا:  أجل.. بل هي جزاء فوق الأجزية.. بل لا تعدلها أي جائزة أخرى.

قال المريض: لم كانت كذلك؟

قال الرضا: إن صلاة الله على عبد تعني تقريبه له.. والقرب لا يساويه جزاء ولا يطاوله ثواب، فهو إخراج من الظلمات إلى النور، ومن الحجاب إلى المشاهدة.. لقد ذكر الله ذلك، فقال:﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ﴾ (الأحزاب:43)؟ 

قالوا: حدثتنا عن الثانية.. فحدثنا عن الثالثة؟

قال: الثالثة هو ما ورد في الشريعة من التشجيع على العمل الصالح في جميع الأحوال، من غير أن يقعد المؤمن عنه بأي سبب من الأسباب..

بل ورد فيها اعتبار الأعمال الصالحة سببا مهما من أسباب الشفاء.. فمن ذلك ما نص عليه قوله تعالى:﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)﴾ (البقرة)، ففي هذه الآية يأمرنا الله تعالى بالاستعانة بالصلاة على جميع ما يصيبنا من أنواع البلاء..

وقد كان من سنته صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا حزن من أمر فزع إلى الصلاة..

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يصفها لأصحابه، ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إنما مثل الصلاة كمثل نهر عذب غمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات فهل يبقى من درنه شيء؟)([136])

ومثل ذلك الصوم.. ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به، ورغب فيه.. ففي الحديث عن أبي أمامة، قال: قلت: يا رسول مرني بعمل ينفعني الله به، قال: (عليك بالصوم فإنه لا مثل له)([137])

وفي حديث آخر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(صوموا تصحوا)([138]) 

التفت الرضا إلى الدكتور منجل، وقال: لقد أثبتت الدراسات العلمية والأبحاث الدقيقة على جسم الإنسان ووظائفه الفسيولوجية أن الصيام ظاهرة طبيعية يجب للجسم أن يمارسها حتى يتمكن من أداء وظائفه الحيوية بكفاءة، وأنه ضروري جدا لصحة الإنسان تماما كالأكل والتنفس والحركة والنوم، فكما يعاني الإنسان بل يمرض إذا حرم من النوم أو الطعام لفترات طويلة، فإنه كذلك لا بد أن يصاب بسوء في جسمه لو امتنع عن الصيام.

وفوق ذلك.. فقد أثبتت الوقائع الكثيرة دور الصوم في الصحة النفسية، وتوقد الذهن.. لقد قال (توم برنز)، وهو من مدرسة كولومبيا للصحافة: (إنني أعتبر الصوم تجربة روحية عميقة أكثر منها جسدية، فعلى الرغم من أنني بدأت الصوم بهدف تخليص جسدي من الوزن الزائد إلا أنني أدركت أن الصوم نافع جدا لتوقد الذهن، فهو يساعد على الرؤية بوضوح أكبر، وكذلك على استنباط الأفكار الجديدة وتركيز المشاعر، فلم تكد تمضي عدة أيام من صيامي في منتجع (بولنج) الصحي حتى شعرت أني أمر بتجربة سمو روحي هائلة.. لقد صمت إلى الآن مرات عديدة، لفترات تتراوح بين يوم واحد وستة أيام، وكان الدافع في البداية هو الرغبة في تطهير جسدي من آثار الطعام، غير أنني أصوم الآن رغبة في تطهير نفسي من كل ما علق بها خلال حياتي، وخاصة بعد أن طفت حول العالم لعدة شهور، ورأيت الظلم الرهيب الذي يحيا فيه كثيرون من البشر، إنني أشعر أنني مسئول بشكل أو بآخر عما يحدث لهؤلاء ولذا فأنا أصوم تكفيرا عن هذا.. إنني عندما أصوم يختفي شوقي تماما إلى الطعام، ويشعر جسمي براحة كبيرة، وأشعر بانصراف ذاتي عن النزوات والعواطف السلبية كالحسد والغيرة وحب التسلط، كما تنصرف نفسي عن أمور علقت بها مثل الخوف والارتباك والشعور بالملل.. كل هذا لا أجد له أثرا مع الصيام، إنني أشعر بتجاوب رائع مع سائر الناس أثناء الصيام، ولعل كل ما قلته هو السبب الذي جعل المسلمين وكما رأيتهم في تركيا وسوريا والقدس يحتفلون بصيامهم لمدة شهر في السنة احتفالا جذابا روحانيا لم أجد له مثيلا في أي مكان آخر في العالم)

ومثل ذلك الصدقة.. ففي الحديث:(حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع)([139])

وهكذا كل عمل صالح.. فإن له تأثيره النفسي الكبير على المريض، بالإضافة إلى تأثيره الغيبي الذي جعله الله مؤثرا في حصول الشفاء..

وقد وعى الصالحون هذا المعنى.. فقد روي عن بعضهم أنه سأله رجل عن قرحة خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فقال له:(اذهب فاحفر بئراً في مكان الناس بحاجة إلى الماء فإني أرجوا أن ينبع هناك عينً ويمسك عنك الدم)، ففعل الرجل فبرأ.

وقال آخر: مرضت مرضا خطرا، فرآني جار لي صالح، فقال استعمل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(داووا مرضاكم بالصدقة)، وكان الوقت ضيقا، فاشتريت بطيخا كثيرا، واجتمع جماعة من الفقراء والصبيان، فأكلوا ورفعوا أيديهم إلى الله عز وجل، ودعوا لي بالشفاء، فوالله ما أصبحت إلا وأنا في كل عافية من الله تبارك وتعالى)

وأخبر آخر: أن رجلاً من أهل القصيم أصيب بمرض خطير، فتصدق على أم أيتام، فبدأت تدعو له فشفاه الله من هذا المرض.

بالإضافة إلى هذا كله.. فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الله الشكور الحليم لا يضيع عمل عبده إن قعد به الداء عنه، ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن العبد إذا مرض أوحى الله تعالى إلى ملائكته: أنا قيدت عبدي بقيد من قيودي، فإن أقبضه اغفر له، وإن أعافه فحينئذ يقعد لا ذنب له)([140]).

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:( ما من مسلم يصاب في جسده إلا أمر الله تعالى الحفظة: اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة من الخير ما كان يعمل، ما دام محبوسا في وثاقي)([141])

وفي الأثر الإلهي:(قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدا من عبادي مؤمنا فحمدني وصبر على ما ابتليته، فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الرب للحفظة: إني أنا قيدت عبدي هذا وابتليته فأجروا له ما كنتم تجرون له قبل ذلك من الأجر وهو صحيح)([142])

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بأن مجرد الاسترجاع عند تذكر المصيبة له ثوابه عند الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما من مسلم ولا مسلمة يُصاب بمصيبة فيذكرها، وإن طال عهدها فيحدث لذلك استرجاعاً إلا جدّد اللّه له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب)([143])

قالوا: حدثتنا عن الثالثة.. فحدثنا عن الرابعة؟

قال: الرابعة هو ما ورد في الشريعة من دعوة المجتمع إلى الاهتمام بالمريض، وعدم الانعزال عنه إلا إذا اقتضت الضروروة ذلك..

فقد ورد في النصوص المقدسة الدعوة إلى عيادة المريض بأساليب مختلفة..

منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(حق المسلم على المسلم خمس - فذكر منها: - وعيادة المريض)([144])

وقال: (إن الله عز و جل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب: كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده ؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده)([145]) 

وقال:(عودوا المرضى واتبعوا الجنائز تذكركم بالآخرة)([146]) 

وقال:(خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريض وشهد جنازة وصام يوما وراح إلى الجمعة وأعتق رقبة)([147]) 

وقال:(من عاد مريضا ناداه مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا)([148])

وقال:(من توضأ فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم محتسبا بوعد من جهنم مسيرة سبعين خريفا([149])([150])

وقال:(ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريفا في الجنة)([151])، وفي رواية([152]):(إذا عاد المسلم أخاه مشي في خرافة الجنة([153])  حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة)([154])  

وقال:(إذا دخلت على مريض فمره يدعو لك فإن دعاءه كدعاء الملائكة)([155])

وقال: (عودوا المرضى ومروهم فليدعوا لكم فإن دعوة المريض مستجابة وذنبه مغفور)([156])

وقال: (لا ترد دعوة المريض حتى يبرأ)([157])

بالإضافة إلى كل ذلك.. فقد مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسلوكه العملي هذه الأوامر خير تمثيل..

ففي الحديث عن بعض الصحابة قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا مريض في أناس من الأنصار يعودوني([158]).

وعنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عاد عبد الله بن رواحة، قال: فما تحور له عن فراشه.. الحديث([159]).

وعن آخر أنه كان يخطب، فقال: (أما والله قد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحضر والسفر، فكان يعود مرضانا، ويشيع جنائزنا، ويغدو معنا ويواسينا بالقليل والكثير)([160])

وعن آخر قال: كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاء رجل من الأنصار فسلم عليه، ثم أدبر الأنصاري، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(يا أخا الأنصار.. كيف أخي سعد بن عبادة؟) فقال: صالح، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(من يعوده منكم؟)، فقام وقمنا معه ونحن بضعة عشر، ما علينا نعال ولا خناف ولا قلانس ولا قمص نمشي في تلك السباخ حتى جئناه، فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الذين معه([161]).

وعن آخر أن طلحة بن البراء مرض فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعوده فقال: (إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لحيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله)([162]) 

وعن آخر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا فقد رجلا من أصحابه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائبا دعا له، وإن كان شاهدا زاره، وإن كان مريضا عاده([163]).

وعن آخر - أن مسكينة مرضت، فأخبر رسول الله بمرضها، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعود المساكين، ويسأل عنهم.. الحديث([164]).

قال الدكتور منجل: ما أجمل ما دعاكم إليه نبيكم.. ولكن ألا ترى أن في تجميع الناس على المريض مما يزيده مرضا؟.. فالمريض يحتاج من الراحة ما لا يحتاج إليه السليم.

قال الرضا: وقد نبهنا صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا.. ودعانا إلى مراعاة الأدب عند عيادة المرضى..

ومن ذلك ما ورد في النصوص المقدسة من الدعوة إلى التنفيس عن المريض، وملئه بالأمل في الله، وفي شفاء الله، وفي فضل الله عليه بالبلاء المطهر.. ففي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل على أعرابي يعوده، قال: وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل على مريض يعوده قال: (لا بأس طهور إن شاء الله)، قال: قلت: طهور! كلا، بل هي حمى تفور ـ أو تثور ـ على شيخ كبير تزيره القبور. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فنعم إذا)([165])

وعن أم العلاء قالت: عادني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا مريضة، فقال: (أبشري يا أم العلاء، فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الذهب والفضة)([166])

وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل على أم السائب، فقال: (مالك يا أم السائب تزفزفين (أي: ترعدين) قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال: (لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد)([167])

ومن ذلك أن على من عاد المريض أن يتخير الوقت المناسب لعيادته؛ لأن مقصود العيادة إراحة المريض وتطييب قلبه، لا إدخال المشقة عليه..

ومن ذلك أن لا يطيل المكث والجلوس عنده، إلا إن أحب المريض ذلك، وكان في الجلوس فائدة ومصلحة.

ومن ذلك أن يدعو للمريض، ففي الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا عاد المريض جلس عند رأسه، ثم قال سبع مرار: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، فإن كان في أجله تأخير عوفي من وجعه)([168])

ولما عاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم سعدا وضع يده على جبهته، ثم مسح يده على وجهه وبطنه، ثم قال: (اللهم اشف سعدا)([169])، وفي وضع اليد على المريض تأنيس له، وتعرف على مرضه شدة وضعفا، وتلطف به.

وعليه أن أن ينصح للمريض بالدعاء، وأن لا يقول عنده إلا خيرا، ففي الحديث عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون)([170])

ومن ذلك نصح المريض وتوجيهه.. ففي الحديث عن جابر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أم السائب، وهي ترفرف، فقال: ما لك ؟ فقالت: الحمى - أخزاها الله تعالى - فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لا تسبيها، فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد)([171]) 

وروي أن غلاما من اليهود كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمرض فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: (أسلم)، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم فأسلم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار)([172]) 

الجسد

قال الدكتور منجل: عرفنا علاج الإسلام للنفس في حال مرضها.. فما جاء به لعلاج الجسد؟

قال الرضا: أربعة أمور.. لا تتحقق رحمة الجسد إلا بها.. ولم تكتمل هذه الأربعة في دين كما اكتملت في الإسلام.. ففيه وحده جميع المعاني التي تجعل المريض يعيش حياة طبيعية لا تختلف عن حياة أي سليم.

أما أولاها.. فهو ما جاء في الشريعة من الدعوة لحفظ الأجساد باعتبارها أمانة من الله لعباده يتوجب عليهم حفظها.. ولم يكتف الإسلام بذلك، بل شرع التشريعات المختلفة.. والتي تجمع كل ما جاء الطب الوقائي لتقريره.

وأما الثانية.. فهو ما جاء في الشريعة من الدعوة إلى التداوي.. ووضع القوانين الكثيرة التي تحفظ التداوي من السقوط في الخرافة والدجل.

وأما الثالثة.. فهو ما جاء من تشريعات التخفيف على المريض، مراعاة لمرضه.. فلا يتعارض التدين مع المرض.

وأما الرابعة.. فهو ما حفلت به النصوص المقدسة من الأدوية التي لم يتأكد من جدواها العالم إلا بعد أن توفر له من الأجهزة والوسائل ما أتاح له ذلك..

قال الجمع المحيط به: فحدثنا عن الأولى([173]).

قال: لقد نصت الشريعة في نصوصها القطعية على وجوب المحافظة على الصحة - بمفهومها الواسع - باعتبارها نعمة من نعم الله على عباده، والنعم يجب حفظها.. ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)([174])

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرن العافية والصحة، باليقين، فيقول: (سلوا الله المعافاة، فما أوتي أحد بعد اليقين خيراً من المعافاة)([175]) 

ويقول: (سلوا الله العفو والعافية، فما أوتي أحد بعد يقين خيراً من معافاة)([176])

ويقول: (ما سئل الله شيئاً أحب من العافية)([177]) 

ويقول: (يا أيها الناس إن الناس لم يعطوا في الدنيا خيراً من اليقين والمعافاة فسلوها الله عز وجل)([178]) 

وروي أن رجلاً قال: اللهم إني أسألك الصبر، فقل له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (سألت الله البلاء فاسأله العافية)([179])

ولهذا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعتبر حفظ الجسد من الحقوق الواجبة، فيقول:(إن لجسدك عليك حقاً)([180])

وبسبب ذلك يعتبر:(المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)([181]) 

إن هذه النصوص التي تمجد الصحة، وتعتبرها نعمة لا تقل عن نعمة الإيمان.. لم تكن نصوصا مجردة عن التشريعات التي تضمن وقوعها.. فالإسلام لا يكتفي بالنظريات المجردة، والمثل التي قد لا تجد ما يوفر لها الوجود الواقعي..

ولذلك، فإن تأمل ما جاء به الإسلام في هذا الباب يضعنا أمام منظومة صحية متكاملة لم يأت بمثلها دين من الأديان، ولا مذهب من المذاهب..

قال الدكتور منجل: كيف تقول ذلك.. ونحن لا نرى في مجامع كتب المسلمين الفقهية أبوابا خاصة بالطب.. وإن وجدناه في الحديث وجدنا مجموعة من الأدعية والرقى لا علاقة لها بالصحة إلا ما تنشره في قائلها من إيحاءات وهمية؟

قال الرضا: من الخطأ الكبير – حضرة الدكتور – أن نبحث عن المنظومة الصحية الإسلامية في فصل من الفصول، أو باب من الأبواب..

قال الدكتور منجل: فأين نبحث عنها إذن؟

قال الرضا: في الشريعة جميعا.. في كل فصل من فصولها، وباب من أبوابها.. فمراعاة حفظ الصحة نجده في كل أمر من الأوامر ونهي من النواهي([182]).

أليس في طهارة الثوب والبدن والمكان المطلوبة قبل أداء الصلاة.. وفي الوضوء خمس مرات يومياً.. والغسل من الجنابة، والأغسال المسنونة نظافة رائعة لها دورها في وقاية البدن من كثير من الأمراض؟

ونحن – المسلمين – مع كوننا نصلي تعبداً وخضوعاً وامتثالاً لأمر الخالق العظيم إلا أنه لا ينكر أحد أن أداء الصلاة بإتقان ركوعها وسجودها أمر يدرب عضلات الجسم ويمتع تيبس مفاصله.. وهي آفات قلما تحصل عند المسلمين كما يؤكد ذلك كبار الأطباء.

ومثل ذلك الصوم، فمع أننا نؤديه تقرباً إلى الله طاعة وزلفى، ولكن ألم يثبت للعلماء من غير المسلمين أن الصوم الإسلامي ينقي البدن من فضلاته وسمومه، ويصقل الأجهزة ويعيد إليها (جدتها) وعملها الفيزيولوجي السوي؟

ثم أليس في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)([183]) سبق صحي ليس له مثال.. لقد دعا إليه نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم يوم كانت نبيلات روما يتمضمضن بالبول.. أليس عود الأراك مفخرة لأمتنا بين الأمم يوم لم يكن هناك فرشاة ولا معجون لتنظيف الأسنان، وهو بما فيه من مواد لكيماوية طبيعية صالح لأن يجمع خواص كل من المعجون والفرشاة على السواء؟

وهكذا فإن آداب الطعام والشراب في شريعتنا تلحظ صحة البدن والمحافظة عليه، ولها السبق في ذلك على كل ما قرره الطب الوقائي الحديث..

أليس في قوله تعالى:﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾(الأعراف)، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث لنفسه)([184]) وقاية للبدن من أمراض البدن التخمة وويلاتها؟

أليس في قواعد الشرب وآدابه التي وصفها محمد صلى الله عليه وآله وسلم  للشاربين، من النهي عن الشرب واقفاً، والشرب على ثلاث، وغيرها كثير من الأمور التي أثبت الطب الحديث إعجازها، خاصة وقد أمر بها النبي الأمي  صلى الله عليه وآله وسلم، الذي لم يصل الطب في زمانه إلى كل هذه المعطيات؟

حتى النوم الذي لا يلتفت الكثير إليه، ولا يهتم به، وضع له الإسلام من القواعد والضوابط والنظم ما أثبت العلم الحديث مدى دقته ومدى خدمته لصحة الإنسان..

لقد وضع الإسلام قواعد صحية رائعة لتنظيم ساعات العمل والنوم ما تزال هي الأمثل بين كل التشريعات الوضعية.. قال تعالى يقرر بعض هذا القواعد:﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)﴾ (النبأ)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم بارك لأمتي في بكورها)([185]) .. وغيرها كثير.. وهي كلها مما تؤكد الدراسات العلمية أهميته.. فإحصاءات منظمة الصحة العالمية تذكر كثرة انتشار الأمراض بين فئة العاملين نهاراً.. كما أكدت أن الإنتاج العضلي والفكري للإنسان في ساعات الصباح الباكر تفوق إنتاجه بقية ساعات النهار أو الليل نوعاً وكماً.

وقد أثبت الطب أن النوم على البطن يؤدي إلى تشوهات عضوية وآثار مرضية سيئة على البدن.. وذلك متوافق تماما مع تلك التشريعات الغالية التي شرعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين نهي عن النوم على البطن، بل عده (ضجعة يبغضها الله ورسوله)([186]).. وعندما أثبت الطب اليوم أن أفضل ضجعة للنوم هي النوم على الجانب الأيمن لم يخرج في ذلك عما دعا إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. مع العلم أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يدرس التشريح.. بل لم يكن علم التشريح في عهده صلى الله عليه وآله وسلم ليعرف تفصيلات كثيرة في الجسد لم تعرف إلا حديثا، ومع ذلك فإن دعوته صلى الله عليه وآله وسلم تنسجم تماماً مع كل معطيات العلم الحديث.

وهكذا نجد في الشريعة الإسلامية منظومة كاملة تنظم غريزة الجنس، وتضعها في إطار يفجر طاقاتها لمصلحة الجسد لا لتدميره:

لقد دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الزواج المبكر حين قال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)([187])، ودعا إلى اختيار الزوجة الصحيحة السليمة، فقال: (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس)([188])

ونظم أمور المعاشرة الزوجية، بحيث ضمن سلامة الزوجين من الإصابة بعدد من الأمراض الجنسية، ووضع أسس صحة المرأة وعافيتها، فنهى عن المواقعة قبل المداعبة، ونهى عن إتيان الزوجة في المحيض، وعن الإتيان في غير موضع الحرث مما أثبت الطب الحديث مضاره ومفاسده وما يلحق به من أذى لكل من الزوجين.

وهل ينكر عاقل أو منصف من أطباء ما للانحرافات الجنسية من أثر مفجع في انتشار الأمراض كالزهري والسيلان وغيرها، وهي أمراض يحتمي منها المؤمن المطبق لقوله تعالى:﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)﴾ (الإسراء)؟

وهل يجد المسئولون اليوم وسيلة لمكافحة الإيدز (طاعون العصر) أفضل من إدخال التعاليم الدينية في روع الناس وتحذيرهم مغبة الإصابة بهذا الطاعون الجديد؟ 

أليس في تحريم الخمر و المخدررات في تشريعنا رحمة كبرى لمجتمعنا المسلم عندما نقارنه بما تعانيه المجتمعات الغربية من مشاكل صحية خطيرة أمام قضية الإدمان؟

ألم تؤكد دراسات منظمة الصحة العالمية علاقة التدخين – الذي تقول الشريعة بتحريمه - بانتشار السرطانات علاوة على اشتمال أضراره لكل أجهزة البدن وفي مقدمتها الجهاز العصبي ؟

أليس في تطبيق قوله تعالى:﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ.. (3) ﴾  (المائدة) وقاية للبدن من الإصابة بعدد من الأمراض، منها داء عضال خبيث ينتقل إلى الإنسان بتناول لحم الخنزير، أما الميتة وما تحمل من لحم متفسخ بتأثير الجراثيم فقد يكون فيها المهلكة لآكلها؟

أليس في منع قضاء الحاجة في الطرق - الذي نص عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل)([189]) - تشريع صحي هام لمنع انتشار البلهارسيا والأنكلستوما والزحار وغيرها من الأمراض الطفيلية المهلكة لعضوية بني آدم؟

بالإضافة إلى هذا كله نطق المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بأول قانون للحجر الصحي لمنع انتشار الأمراض السارية وللوقاية من العدوى فيها، والتي تعتمد أصلاً على عزل المريض عن الصحيح.. قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يورد ممرض على صحيح)([190]).. وقال: (إذا سمعتم بالطاعون فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها)([191]).. انظروا لقد نطق النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا قبل أن تكتشف (الجراثيم) و(الطفليات) العوامل الممرضة للأوبئة بأكثر من ألف عام.

هذه نماذج فقط على ما جاء به الإسلام من تشريعات تحفظ الصحة.. وتحمي الإنسان من الوقوع في شباك الأمراض مهما كان نوعها.. وتستطيع حضرة الدكتور أن تقرأ الشريعة من أولها إلى آخرها، وأنا أتحداك أن تجد فيها حكما شرعيا واحدا يتنافى مع ما تقرره القواعد الصحية ([192]).

قالوا: حدثتنا عن الأولى.. فحدثنا عن الثانية؟

قال: الثانية هي ما جاء في الشريعة من الدعوة إلى التداوي.. ووضع القوانين الكثيرة التي تحفظ التداوي من السقوط في الخرافة والدجل.

أنتم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث في بيئة أمية جاهلة اعتمدت في معالجة مرضاها على الرقى والتمائم، وبالغت في استعمال الكي وتعليق الودع والخرز.

وقد واجه صلى الله عليه وآله وسلم هذا الواقع المنحرف، ووضع القواعد الصحيحة للتداوي، ومنع أو نهى عن التعلق بالأوهام والخرافات..

وأول ذلك إخباره صلى الله عليه وآله وسلم بحصول الشفاء بإذن الله إذا ما وافق الدواء الداء، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)([193]) 

وقال: (تداووا يا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحداً، الهرم)([194])

وقال: (ما خلق الله من داء إلا وجعل له شفاء علمه وجهله من جهله إلا السام، والسام الموت)([195]) 

ففي هذه الأحاديث إثبات للمداواة، وحث عليها، وتعريف بأنها سبب للشفاء.. وأن الأدوية ليست سوى أسباب خلقها الله وسائل للشفاء، والأخذ بسنة الله في كونه.

وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (علمه من علمه، وجهله من جهله) حث للأطباء المسلمين على البحث والاستقصاء لاكتشاف أدوية للأمراض التي لم يعرف لها بعد دواء ناجع، واستخراج أدوية أفضل من سابقتها.

وفي تأكيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لكل داء دواء تقوية لنفس المريض عندما يستشعر بنفسه وجود دواء لدائه يقوى به رجاؤه وترتفع معنوياته ويذهب توهمه الذي هو عدو آخر بعد المرض.

وقد علق النبي صلى الله عليه وآله وسلم البرء بموافقة الدواء للداء، فللأدوية مقادير معينة تفعل بها يجب ألا تزيد عنها ولا تنقص.. وفي هذا حث للأطباء على زيادة معرفتهم ومهارتهم في الطب وعلومه ليتسنى لهذه المعرفة أن تصيب الداء بالمقدار المناسب من الدواء.

 وفوق ذلك، فقد نصت الشريعة على جميع ما يرتبط بالأخلاق الطبية والقوانين التي تحميها..

ومن ذلك أنها أوجبت الضمان على من استغل حاجة الناس للتداوي، فراح يصف له من الأدوية من غير أن يكون له علم بذلك، ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم:(مَنْ تطبَّبَ([196]) ولم يُعْلَم مِنْهُ الطِّبُّ قَبْلَ ذلك، فهو ضَامِنٌ)([197])

فالحديث يدل على أنه لا يحل لأحد أن يتعاطى صناعة من الصناعات وهو لا يحسنها، سواء كان طباً أو غيره، وأن من تجرأ على ذلك، فهو آثم.. وما ترتب على عمله من تلف نفس أو عضو أو نحوهما، فهو ضامن له، وما أخذه من المال في مقابلة تلك الصناعة التي لا يحسنها، فهو مردود على باذله؛ لأنه لم يبذله إلا بتغريره وإيهامه أنه يحسن، فيدخل في الغش.

قالوا: حدثتنا عن الثانية.. فحدثنا عن الثالثة؟

قال: الثالثة هو ما جاء من تشريعات التخفيف على المريض، مراعاة لمرضه.. فلا يتعارض التدين مع المرض، وقد نص على هذا الأصل المهم في الإسلام قوله تعالى:﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)﴾ (الطلاق)، وقوله تعالى:﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)﴾ (النساء)

ونص عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الدين يسر ولن يشاد ا لدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا)([198])، وقوله: (إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا)([199])، وقوله:(إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره)([200])، وعندما قيل له: يا رسول الله.. أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: (الحنيفية السمحة)([201])..

بناء على ذلك نص الفقهاء على أن المريض الذي يعجز عن بعض واجبات الصلاة تسقط عنه.. وإذا كان يعجز عن بعضها فإنه يسقط عنه القدر الذي يعجز عنه.

ونصوا على جواز الصلاة قاعدًا إذا شق عليه الوقوف، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب)

ونصوا على جواز التيمم للمريض الذي يشق عليه التطهر بالماء.

ونصوا على أن المريض الذي يشق عليه الصيام فإنه يجوز له الفطر.

ونصوا على أن من أصيب بمرض لا يرجى برؤه فإنه يفطر ويطعم عن كل يومٍ مسكينًا.

ونصوا على أن الحج بالنفس يسقط عن المريض الذي لا يستطيع الركوب، وله أن يقيم بدله بماله من يحج عنه ويعتمر.

ونصوا على أن المريض الذي لا يستطيع الطواف ماشيًا فله أن يطوف راكبًا أو محمولاً.

ونصوا على أن المريض الذي لا يستطيع تطهير ثيابه يجوز له أن يصلي بها ولو كان عليها شيء من النجاسات.

ونصوا على أن الجهاد لا يجب على الأعمى ولا على الأعرج ولا على المريض لأنهم يعجزون عنه ويشق عليهم.

ونصوا على أنه يجوز للحاج الذي به أذى من رأسه أن يغطيه، ولكن عليه الفدية.

ونصوا على أن المريض لا يقام عليه الحد حتى يبرأ خوفًا من السراية.

ونصوا على أن الحامل لا يقام عليها الحد حتى تضع خوفًا من هلاك الجنين.

ونصوا على جواز إجراء الجراحة الطبية ولو بلا إذن المريض إذا حصل الضيق والحرج وحلت الضرورة ؛ لأن الأمر إذا ضاق اتسع.

ونصوا على سقوط وجوب حضور الجمع والجماعات عن المريض الذي يشق عليه ذلك.

ونصوا على جواز الصلاة لغير القبلة إذا كان في توجيهه إليها حرج وعسر ومشقة وضيق.

ونصوا على أن المغمى عليه لا إثم عليه في إخراج الصلاة عن وقتها، ولكن يجب عليه إذا أفاق أن يصلي ما فاته من الفروض، هذا إذا كانت مدة الإغماء قليلة عرفًا وهي بمقدرة ثلاثة أيام.

وغيرها من الفروع الكثير التي تتيح للمريض أن يمارس حياته التعبدية من غير أي حرج قد يصيبه، أو يصيب مرضه.

قالوا: حدثتنا عن الثالثة.. فحدثنا عن الرابعة

قال: الرابعة هو ما حفلت به النصوص المقدسة من الأدوية التي لم يتأكد من جدواها العالم إلا بعد أن توفر له من الأجهزة والوسائل ما أتاح له ذلك([202]).

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(الشفاء في ثلاثٍ: في شرطة محجمٍ، أو شربة عسلٍ، أو كيةٍ بنار، وأنا أنهي أمتي عن الكي)([203])

ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(في الحبة السوداء شفاءٌ من كل داءٍ، إلا السام)([204])

ومنه قوله:(إن أمثل ما تداويتم به الحجامة، والقسط البحري)([205])

ومنه قوله:(لا تعذبوا صبيانكم بالغمز([206]) من العذرة([207])، عليكم بالقسط)([208])

ومنه قوله:(الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء) ([209])

وعن أسماء بنت عميس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألها: بم تستمشين([210])؟ قالت: بالشبرم([211])، قال: (حارٌ حارٌ) قالت: ثم استمشيت بالسنا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(لو أن شيئاً كان فيه الشفاء من الموت؛ لكان في السنا)([212])

وعن أبي سعيد ، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أخي استطلق بطنه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(اسقيه عسلاً)، فسقاه، ثم جاء، فقال: سقيته فلن يزده إلا استطلاقاً. فقال له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة، فقال: (اسقيه عسلاً)، فقال: لقد سقيته، فلم يزده إلا استطلاقاً.. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(صدق الله، وكذب بطن أخيك)، فسقاه، فبرأ([213]).

التفت الرضا إلى الدكتور منجل، وقال: في وسعك – حضرة الدكتور – أن تتأكد من كل ما ورد في هذه النصوص من أنواع الأدوية.. وأنا متأكد تماما أنك لن تجد فيها إلا البراهين القوية القاطعة على أن محمدا رسول الله، وأنه رحمة الله للعالمين.

***

بعد أن تحدث الرضا كل تلك الأحاديث لم نشعر إلا بالدكتور منجل يسرع إلى الطائرة من غير أن ينبس ببنت شفة.. ثم لم نشعر إلا بأصوات محركات الطائرة.. ثم لم تلبث إلا قليلا حتى ارتفعت لتعود من حيث جاءت من غير أن تعالج مريضا واحدا.

كان الناس لا يزالون ملتفين بالرضا، وهم متعجبون مما يحصل أمامهم.. ولعل بعضهم كان متحسرا من فوات فرصة العلاج.

وقد توجه الرضا إلى هذه الجموع قائلا: اطمئنوا – إخواني – فالعلوم التي تحملها هذه الطائرة نملكها نحن، ونملك أضعافها.. ولذلك هلموا لنؤسس مستشفياتنا التي تغنينا عن مستشفياتهم.

قال بعض المرضى: ولكن لهؤلاء من العلوم ما ليس لنا.

قال الرضا: ومن قال لك ذلك.. إن لنا من العلوم ما لهم.. وليس لهم من العلوم ما لنا.

قال المريض: كيف ذلك؟

قال الرضا: لقد ملأنا نبينا تواضعا، فلذلك رحت، وراح معي