الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: عدالة للعالمين

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 506

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

 

التعريف بالكتاب

تدور أحداث هذه الرواية حول رحلة بطل القصة إلى بعض البلاد الإسلامية، حيث تعرض للاعتقال بسبب منشورات كان يحملها.. وهو شخص باحث عن العدالة، وصادق في بحثه، لكنه تعرض لشبهات كثيرة جعلته يحجب عن العدالة التي جاء بها الإسلام كان سببها ذلك التاريخ المشوه الممتلئ بالاستبداد والفساد، كما كان سببها أولئك العلماء الذين خلطوا دين الله بدين الملوك.. فشوهوا دين الله بذلك أعظم تشويه.

وفي السجن الذي مكث فيه بطل القصة مدة من الزمن، والذي تجمع فيه كل طالبي العدالة من مختلف الملل والنحل، حصلت المفاجأة حيث لقي عشرة من المسلمين الصادقين وضعوا في السجن بسبب دعوتهم لتحقيق العدالة التي جاء بها الإسلام.. وكان كل واحد منهم قبل أن ينفذ فيه حكم الإعدام يتحدث عن ركن من أركان العدالة، كما تقتضيه الفطرة، وكما جاء بها الإسلام، ويجيب عن الإشكالات التي تطرح عليه.

وفي الأخير تحصل أحداث كثيرة، أدعها للقارئ ليتعرف عليها، ويحاول أن يقرأ من خلالها المنهج السلمي الرباني الذي يحقق العدالة.. لا المنهج الشيطاني الذي استطاع به - من خلال أدواته الكثيرة - أن يحول من الإسلام إلى دين عنف وإرهاب واستبداد.. 

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

أولا ـ الشريعة

الربانية

الخبرة:

القداسة:

التأثير:

الشمول

الواقعية

المصادر:

الأحكام:

المثالية

ثانيا ـ النظام

السياسة

الدستور:

الخليفة:

الرعية:

التنظيمات:

الاقتصاد

القيم:

التصورات:

السلوكات:

الحركة:

الاجتماع

التآلف:

التكافل:

التناصر:

التناصح:

التعليم

الحسبة

القضاء

الأمانة:

الحرية:

العدالة:

الرحمة:

الدفاع

ثالثا ـ الرفق

التكاليف

الطاقة:

السعة:

السماحة:

الرخصة:

التنظيمات

المرونة:

العفو:

التجاوز:

الانفتاح:

رابعا ـ الحزم

الحدود

الزنا:

القذف:

السكر:

السرقة:

الحرابة:

البغي:

الجنايات

القتل:

الجراح:

التعزيرات

خامسا ـ الحرية

الفكر

الحياة

الجانب المادي:

الجانب المعنوي:

سادسا ـ المسؤولية

العلماء

التعليم:

الاجتهاد:

الحسبة:

التضحية:

الحكام

الزهد:

النصح:

البطانة:

العفاف:

الرعية

الولاء:

المعارضة:

سابعا ـ المساواة

التصور

وحدة الإله:

وحدة البشرية:

وحدة الموازين:

وحدة المصير:

السلوك

الدعوة:

التكليف:

القانون:

الحقوق:

ثامنا ـ التنوع

التنوع الفطري

التنوع الكسبي

تاسعا ـ التكافل

تكافل الأسرة

تكافل المجتمع

تكافل الأمة

الإلزام الفردي:

الإلزام الجماعي:

التطوع المحدود:

التطوع الممدود:

تكافل الإنسانية

عاشرا ـ التوازن

التوازن التصوري:

التوازن السلوكي:

الهداية

 

المقدمة

تحاول هذه الرواية - من خلال أحداثها وحواراتها - أن تناقش مناقشة علمية موضوعية أمرين، كلاهما له علاقة بكبريات الحقائق التي اهتم بها العقل الإنساني، كما اهتمت بها قبل ذلك وبعده الأديان والمذاهب الدينية والوضعية، وقد اختلفت الأنظار في الموقف منها:

أما الأول: فهو ما فطر عليه الإنسان من عشق للعدالة ومقتضياتها المرتبطة بنفسه وبالمجتمتع وبالأمة وبالعالم أجمع، بل بالكون جميعا..

فالإنسان على حسب ما تقتضيه جبلته التي فطره الله عليها يكره الظلم والجور والاستعمار والاستبداد، وكل ما يرشح منها جميعا، وهو يعتقد في قرارة نفسه الفطرية أن كل عقيدة تؤيد ما يخالف العدالة عقيدة شيطانية لا علاقة لها برب الوجود، لأن الوجود قائم بالعدل، ويستحيل على الذي أقام كونه على العدل أن يأمر بخلافه أو يرضى بخلافه.

وهو يعتقد كذلك - بحسب فطرته التي فطره الله عليها - أنه يستحيل على رب الوجود القائم بالعدل ألا ينبه عباده إلى ممارسة هذا العدل، أو أن يتركهم جاهلين بكيفية ممارسة ما يقتضيه، لأن الله لم يخلق الكون واعتزله، بل خلقه، وكان هو الحاكم عليه.. والملك عليه.. فالله هو الملك المالك.

وقد حاولنا لتقرير هذه الحقيقة الفطرية والاستفادة منها في البرهنة على حقانية رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن نثبت - من خلال المصادر المقدسة - أن هذا الدين يحوي كل ما تتطلبه الفطرة من مقتضيات العدالة لينسجم الإنسان مع الكون جميعا، مع التنبيه على أن الخلل الذي حصل في التطبيق التاريخي أو التراثي لهذا الدين لا يلغي قيم العدالة منه، ذلك أن دين الله هو ما نصت عليه المصادر المقدسة.. أما التاريخ والتراث فهما دين البشر، وفكر البشر.. وعليهما أثارة من أهواء البشر.. ولذلك لا يمكن محاكمة دين الله من خلالهما.

وأما الثاني: فهو بيان المنهج الشرعي الذي وضعه الله للإنسان - ابتلاء واختبارا -  للسعي لتحقيق العدالة في نفسه ومجتمعه والعالم.

وقد اتفقت الأديان الربانية والوضعية على أن هذا السعي يحتاج إلى قوم يضحون بأنفسهم في سبيل مواجهة الظلم والجور والاستبداد، لأنه لا يقوم قائم بهذه المهمة الخطيرة التي تهز عروش الطغاة إلا وتعرض للمواجهة وللأذى، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾  [آل عمران: 21] ، فقد قرن الله تعالى بين الأنبياء والآمرين بالقسط من الناس، وأخبر أن كليهما تعرض للأذى بل للقتل.

وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله تعالى فيه مقال، فلا يقول : يا رب خشيت الناس، فيقول : فاياي كنت أحق أن تخشى)([1])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)([2])

وبناء على هذا كان قالب هذه الرواية التي تحاول أن تبرز هذه الحقائق الجليلة، وهي باختصار تدور حول رحلة بطل القصة إلى بعض البلاد الإسلامية، حيث تعرض للاعتقال بسبب منشورات كان يحملها.

وبطل القصة شخص باحث عن العدالة، وصادق في بحثه، لكنه تعرض لشبهات كثيرة جعلته يحجب عن العدالة التي جاء بها الإسلام كان سببها ذلك التاريخ المشوه الممتلئ بالاستبداد والفساد، كما كان سببها أولئك العلماء الذين خلطوا دين الله بدين الملوك.. فشوهوا دين الله بذلك أعظم تشويه.

وفي السجن الذي مكث فيه بطل القصة مدة من الزمن، والذي تجمع فيه كل طالبي العدالة من مختلف الملل والنحل، حصلت المفاجأة حيث لقي عشرة من المسلمين الصادقين وضعوا في السجن بسبب دعوتهم لتحقيق العدالة التي جاء بها الإسلام.. وكان كل واحد منهم قبل أن ينفذ فيه حكم الإعدام يتحدث عن ركن من أركان العدالة، كما تقتضيه الفطرة، وكما جاء بها الإسلام، ويجيب عن الإشكالات التي تطرح عليه.

وفي الأخير تحصل أحداث كثيرة، أدعها للقارئ ليتعرف عليها، ويحاول أن يقرأ من خلالها المنهج السلمي الرباني الذي يحقق العدالة.. لا المنهج الشيطاني الذي استطاع به - من خلال أدواته الكثيرة - أن يحول من الإسلام إلى دين عنف وإرهاب واستبداد.. 

هذه أحداث الرواية باختصار، أما أبطالها، فقد اخترت عشر شخصيات إسلامية كبرى كان لها دور كبير في الدعوة للعدالة، والتضحية بالنفس في سبيلها.. وهي جميعا محل اتفاق عند المعتدلين من الأمة جميعا بطوائفها المختلفة..

أما المتطرفون، فنحن لا نراعيهم في هذه الرسالة كما لم نراعهم في غيرها.. لأنهم - بسبب الانحرافات الفكرية التي أمليت عليهم، وغسلت بها عقولهم - لا يرضون إلا بما يخرب صفو الأمة، وصفو الحقيقة، وصفو الإنسانية.

والأمة والحقيقة والإنسانية أعز علينا من أن يكدرها أي أحد مهما كان.

وأنبه في الأخير إلى أن هذه الطبعة الجديدة تتميز باختصارها مقارنة بالطبعة السابقة، فقد حذفت الكثير من الروايات والتفاصيل التاريخية التي قد تجهد القارئ العادي في فهمها أو الاستفادة منها.. بالإضافة إلى أن مقاصد العدالة تتحقق في النصوص المقدسة وحدها، ولا حاجة للتفاصيل التاريخية التي تختلف الأمة في النظر إليها.

ونحن مأمورون بعرض رسالة الإسلام إلى العالم، لا بعرض تاريخ المسلمين للعالم.

البداية

في ذلك اليوم، استيقظت على أصوات كثيرة مختلطة أنشأت في نفسي مشاعر مختلفة متناقضة ممتلئة بالصراع.. سأحكيها لكم كما سمعتها.. فليس من العدل أن أذكر لكم النتيجة دون أن أذكر مقدماتها.

كان أول صوت سمعته فخما قويا ممتلئا بالأصداء التي تزرع المهابة والوجل، بل تكاد تزرع الرعب نفسه.. كان هذا الصوت على ما يبدو يخاطب جمعا لا يكاد يسمع له صوت.. وكان يقول لهم بنبرته القوية: هل أحضرتم بطاقاتكم معكم؟

قالوا جميعا بصوت واحد، وكأنهم جنود في ثكنة: أجل.. وقد حفظنا كل ما لقنته لنا.

رد عليهم: اذكروا لي ما تقولون عند مدخل قاعة الانتخاب.

قالوا بصوتهم الضعيف الذي لا يكاد يسمع: سنصيح بحياتك..

رد عليهم: وماذا تقولون غير هذا؟

قال أحدهم: أنا سأقول: هيا انتخبوا ـ أيها الجموع ـ من أرسله الله لينقذ الفقراء..

قال آخر: وأنا سأقول بعده: انتخبوا من سينشر العدل.. فلا نسمع بجور، ولا نرى مظلوما.

قال آخر: وأنا سأقول: انتخبوا من سينشر الفضلة.. ويميت الرذيلة.. ويحيي المكارم التي أماتها المفسدون من الذين سبقوه إلى كراسي المسؤولية التي لا يستحقونها.

قال آخر: وأنا سأقول: انتخبوا ابن الشعب.. ذلك الذي نبت مع الشعب.. وعاش مع الشعب.. وهو لا يحن إلا لخدمة الشعب.

قال آخر: وأنا سأقول: انتخبوا ذلك القوي الذي يخلصكم من سلطة المستكبرين.. ويرفع عنكم بما أوتي من قوة قيود الاستبداد التي قيدكم بها الأباطرة.

قال آخر: وأنا سأقول: انتخبوا ذلك الخبير في السياسة.. الداهية فيها.. فلا يصلح حالنا إلا الدهاة.

قال آخر: وأنا سأقول: انتخبوا ذلك الخبير في الاقتصاد.. الراسخ فيه.. رجل الأعمال الذي لا يرضى عن شركة إلا سبقت.. ولا يسخط على أخرى إلا سقطت.

قال آخر: وأنا سأقول: انتخبوا ذلك الألمعي العبقري.. من ملأه الله بالمواهب التي تفرقت في جميع العباقرة.. فله علم داود، وحكمة سليمان، وحنان يحي، ورحمة المسيح، وعدل أنيشروان..

قال آخر: وأنا سأقول: انتخبوا ذلك الذي يحمل الياقوت الأحمر، والدر الأزهر، والزبرجد الأخضر، والعنبر الأشهب، والعود الرطب الأنضر.. ويحمل مع ذلك كله الترياق الأكبر، والمسك الأذفر.

قال آخر: وأنا سأنشد بصوتي الرخيم الذي تعرفه ـ مشيرا إلى صورتك التي أحملها ـ قول ابن حبناء في المهلب بن أبي صفرة لما هزم قطري بن الفجاءة:

أمسى العباد بشر لا غياث لهم

 

إلا المهلب بعد الله والمطر

كلاهما طيب ترجى نوافله

 

مبارك سيبه يرجى وينتظر

بعد أن أنهى الرجل قصيدته بصوته الرخيم صاح الصوت القوي، وقد هزته نشوة ما سمعه: أحسنتم.. أحسنتم جميعا.. لقد حفظتم كل ما لقنتم إياه.. لكن انتبهوا.. سترون آخرين قد يصيحون بمثل ما تصيحون.. أولئك المجرمون المرتزقة الذين رضوا أن يجندوا أنفسهم لخصمي العنيد الذي طالما عكر أحلامي.

***

انصرف الجمع.. وحل بدله جمع آخر.. لم أسمع منه إلا أصواتا ضعيفة هزيلة لا تكاد تبين:

قال أحدها: ألم يكفهم أن امتصوا دماءنا.. واستلبوا أرضنا.. وأحالوا حياتنا جحيما لا يطاق؟

قال آخر: هم يريدون منا بعد هذا أصواتنا.

قال آخر: لقد ظللنا طول عمرنا نعطيهم من الأصوات ما يطلبون.. لكنا لم نجن شيئا.. لم نجن إلا المواعيد التي لم تغن عنا شيئا.

قال آخر: لقد ظللت طول عمري ذيلا من أذيالهم.. فلما أصابني ما أصابني الله به من العاهة طردوني كما يطرد الكلب العقور.

قال آخر: وأنا لم يكتفوا بطردي.. بل راحوا يفرضون علي من الإتاوات ما ملأني بالفاقة والعجز.. وهم ـ مع هذه الحال التي وصلت إليها ـ لا يكفون عن مطالبتي.. ولو وجدوا في دمائي ما يسد شرههم لامتصوا دمائي.

قال آخر: لقد حصل معي ذلك.. فبعد أن عجزت أن أقضي ما علي نحوهم من ديون ـ على حسب ما يعتقدون ـ راحوا يعبثون بجسدي.. فانتزعوا كليتي.. وكادوا ينتزعون قلبي لولا أنهم وجدوا فيه من العطب ما يحول بينهم وبينه.

قال آخر: فهل ستنتخبون؟

قالوا جميعا بصوت واحد: أجل.. لقد فرض ذلك علينا فرضا.. ولا نملك إلا أن نؤدي الفرائض.. فلن تتحقق الديمقراطية ولا العدالة إلا بأصواتنا.

***

قالوا ذلك، ثم انصرفوا لأسمع بعدهم أصواتا تبدو كأصوات المراهقين المشاغبين.. يختلط فيها الجد بالهزل.. والكلام الفصيح بالصياح القبيح:

قال أحدهم: احزروا كم أكلت اليوم من وجبة.

رد عليه أحدهم: مهما أكلت.. فلن تأكل مثلي.. لقد أكلت اليوم في مقر حزب اليمين.. وفي مقر حزب الشمال.. وفي مقر حزب المغامرين.. وفي مقر حزب الحكماء.. وفي مقر حزب الشباب.. وفي مقر حزب الشيوخ.. وفي مقر حزب العمال.. وفي مقر حزب البطالين.

قال له آخر، وهو يضحك: ما أكثر حديثكم عن الأكل.. أنا لا يهمني الأكل.. أنا يهمني المال.. لقد أعطاني حزب الثروة مالا كثيرا يكفيني أياما طويلة..

قالوا له: مقابل ماذا؟

قال: مقابل صوتي كما تعلمون.. فأنتم تعلمون أنا لا نساوي شيئا في كل الأيام إلا أيام الانتخابات.. لقد جنيت في الانتخابات الماضية مالا من حزب الثورة.. وأنا اليوم أجني من منافسه الخطير حزب الثروة.

قال آخر: عجبا لهؤلاء.. ما الذي يجعلهم يصرفون تلك الأموال الكثيرة من أجل أوراق توضع في صناديق.

قال آخر: والعجب الأكبر هو أن كل الذين يظهرون اليوم.. ويسيرون بيننا بكل تواضع.. بل بكل مذلة لا نراهم بعد هذا اليوم إلا بعد أن تأتي انتخابات جديدة..

قال آخر: دعونا من السياسة.. فلا ناقة لنا فيها ولا جمل.. وهلموا بنا نصرف بعض ما جنيناه من مال فيما تشتهيه أنفسنا.

قالوا ذلك.. ثم انصرفوا يصيحون ويصفرون ويولولون..

***

بعدها حضر اثنان بالكاد تبينت صوتهما:

قال أحدهما ـ وكان اسمه الحجاج على حسب ما علمت بعد ذلك ـ: لقد فعلت كل ما طلبته مني يا يزيد.. ولن يفوز اليوم في هذه الانتخابات غيرك.. لقد جندت القعقاع بن شور الذهلي، وشبيب بن ربعي التميمي، ومجاز بن أبي أبجر العجلي، وشمر بن ذي الجوشن الضبابي.. وغيرهم ممن كانوا مجندين عند غيرنا.. كلهم اليوم جندك.. وكلهم اليوم لا يصيح إلا باسمك.

قال الثاني: أنا لا أثق في أولئك المنافقين.. لقد تعاملت معهم كثيرا.. ولكني لم أر منهم إلا ما يمكن أن أرى منك.. تبيعونني جميعا بأبخس الأثمان.

قال الأول: كيف تقول لي هذا؟.. ألا تعلم التضحيات الكثيرة التي قدمتها لك؟

قال الثاني: كل شيء بثمنه.. أنت تضحي ما دمت أدفع.. فإذا توقفت أنا توقفت أنت..

قال الأول: لا.. لا تقل هذا.. معاملتي معك مختلفة تماما.. نعم أنا أقبض.. وأقبض كثيرا.. ولكن ليس لأجل القبض صرت من أنصارك.. بل من أجل تلك القيم النبيلة التي تحملها.

ضحك الثاني، وقال: دعنا من النفاق.. فنحن الآن وحدنا.

قال الأول: أنا لا أنافق.. أنا أعبر لك عما في نفسي.

قال الثاني: أنا أعلم بما في نفسك منك.. أنت عندي لا تختلف عن الحجاج.. وهو مصدر تقريبي لك، وإعجابي بك.. أتدري لم آثر عبد الملك بن مروان الحجاج على غيره؟

قال الأول: أجل.. أعلم ذلك.. وقد ذكرته لي في أول لقاء لي بك .. لقد ذكرت لي أن عبد الملك بن مروان قال للحجاج بن يوسف: ما من أحد إلا وهو عارف بعيوب نفسه، فعب نفسك، ولا تخبئ منها شيئا، فقال: يا أمير المؤمنين.. أنا لجوج حقود حسود،  فقال له عبد الملك: إذا بينك وبين إبليس نسب، فقال: يا أمير المؤمنين إن الشيطان إذا رآني سالمني.

قال الثاني: أضف إلى هذا ما روي عن سميك الحجاج أنه قال لرجل، وقد أراد أن ينفذه في بعض أموره: أعندك خير؟ قال : لا ولكن عندي شر.. فقال الحجاج: إياه أردت.. وأنفذه فيه.

ضحكا جميعا، ثم انصرفا.

***

سرت هذه الأصوات من أذني إلى قلبي.. فملأتني بالألم.. لقد ذكرت حينها قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلما وعدوانا، ثم يخرج رجل من أهل بيتي فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا )([3])

لقد تحققت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شقها الأول.. فها هي الأرض تمتلئ ظلما وجورا وعدوانا..

لقد صار الجور هو الشيطان الأكبر الذي اعتلى عرش البشرية.. فهو يعطي قراراته في جميع مجالسها ومجامعها وهيئاتها ومنظماتها.. ابتداء من تلك المنظمة الكبرى التي زعم البشر أنهم أسسوها لخدمة البشرية.

فهي منظمة تتكلم في الوقت الذي يشاء لها الأقوياء أن تتكلم.. وتسكت إذا شاءوا لها أن تسكت.. وإن تكلمت رغم أنف أحدهم كان بالخيار بين أن يسكتها بما يسميه حق الفيتو.. أو أن ينفذ رغبته دون أن يلتفت لما تمليه عليه.. ثم لا تجد تلك المنظمة المسكينة في الأخير إلا أن تسكت..

ثم هي لا ترضى بأن تسكت سكوتا نهائيا تعذر فيه لعجزها.. وإنما هي تستأسد على الضعفاء والمحرومين والمستضعفين في نفس الوقت الذي تتحول فيه دابة ذلولا ممتهنة لأي كبير من الكبار.

والأمر لا يتوقف عند تلك المنافقة العجوز.. الجور أخطر من أن يقف عندها.

فالعالم في منظماته الصغرى كما في تحالفاته الكبرى لا يناصر إلا الجور الذي يحلو له أن يسميه ديمقراطية أو حرية أو ما شاءت له أهواؤه من تسميات..

وقد بلغ الجور به إلى الحد الذي لا يمكن تصوره.. فللمرأة ـ مثلا ـ من الحرية أن تسير كاسية عارية مائلة مميلة.. ولكن ليس لها الحرية في أن ترتضي من اللباس ما يسترها أو يمنع تلك الأعين الملتهبة بالشهوات من خدشها أو خدش كرامتها.

كانت هذه الخواطر المليئة بالكدر تلح علي، وتملؤني بالألم..

لكني عندما تذكرت ذلك الضيف الغريب الذي دق باب بيتي، وراح يخبرني عن تفاصيل في حياتي لم يكن يعلمها سواي سرت نشوة لذيذة إلى مشاعري مسحت تلك الأحزان التي تسربت إليها.. لأني رأيت من خلال ملامحه أنه يحمل أسرار من علم العدالة لا يمكن أن أستفيدها من سواه.

أسرعت إليه أحمل طعام الإفطار.. وأنا ممتلئ أشواقا إلى حديثه.

استقبلني بابتسامة ممتلئة بالإيمان، وقال لي مفاجئا: لا يمكن أن تتحقق النبوءة الثانية قبل أن تتحقق الأولى.. فأبشر.

قلت: ما تقصد؟

قال: لا يمكن للبشر ـ ما داموا بشرا ـ أن يدركوا قيمة العدل حتى يحترقوا بنيران الجور.. فلذلك كان الجور هو علامة العدل.. كما أن العطش هو علامة الري.. والمرض علامة الشفاء.

قلت: لا أزال لا أفهم.

قال: عندما تجرب البشرية كل مناهجها.. وعندما يمتلئ البشر يأسا من أن تسن لهم عقولهم قوانين العدل الشاملة.. حينذاك فقط يلجأون إلى الله يطلبون منه تلك القوانين.. فإذا لجأوا إلى الله هداهم إلى الإسلام، وإلى مهدي الإسلام، ذلك الذي يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا.

قلت: لم كان الأمر كذلك؟.. لم لم يظفر البشر بالعدل من غير حاجة إلى المرور على صراط الجور.. ذلك الصراط المليء بالمآسي؟

قال: هذه سنة الله مع عباده ليتميز المحسن من المسيء، والعدل من الجائر، والساعي للخير من الساعي للشر.. ولن تعرف قيمة الخير إلا بمقارنتها بقيمة الشر، كما لا تعرف قيمة النور إلا بمقارنته بالظلمات.

قلت: فما ذنب الذين كتب لهم أن يعيشوا في ظلمات الجور؟

قال: إن سكتوا على الجور ورضخوا له كانوا شركاء فيه.. وإن نطقوا ونهضوا وصاحوا ضده كانوا مجاهدين شهداء.. وكان لهم من السعادة ما كان لأصحاب الأنبياء الذين علقت أجسادهم على الصلبان في سبيل الحق الذي يدعون إليه.

قلت: أنا لا أتكلم عن الأقوياء.. أنا أتكلم عن الضعفاء.. أولئك العامة البسطاء.

قال: لكل مسؤوليته.. ولكل واجبه.. ألم تسمع إلى ربك، وهو يقول :﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) ﴾(النساء)؟

قلت: بلى.

قال: فهل رأيت ربك عذر هؤلاء الذين تترسوا بضعفهم؟

قلت: لا.. لم يعذرهم الله.. ولم تعذرهم ملائكة الله.. بل ذكرت لهم أنه كان بإمكانهم أن يهاجروا في الأرض، ليظفروا فيها بالأرض التي تعينهم على طاعة الله.

قال: وهكذا لن يعذر كل أولئك الخاملين الذين تلذذوا بالسياط التي تلهب ظهورهم إلا إذا مدوا أيديهم للأيدي التي تريد أن تنتشلهم.

قلت: وأين مثل هذه الأيدي؟.. لقد قطعت.. ولم نعد نسمع إلا بأسماء أصحابها، ونترحم عليهم.

قال: جل جناب ربك أن يخلي الأرض من قائم له بالحجة.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) ([4])

قلت: بلى.. وقد سمعت معه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة) ([5])

قال: فكما لم تخلو الأرض من ورثة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.. وكما لم تخلو من هداة يدعون إلى الله على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فكذلك لن تخلو الأرض من دعاة للعدالة التي جاء بها الإسلام.. لينقذ البشرية من سجون الجور والظلم والعدوان.

قلت: فأين هم؟

قال: لقد شرفني الله.. فالتقيت ببعضهم.. وسأحكي لك في رحلة اليوم حديثي معهم.

قلت: من هم؟

قال: عشرة رجال.. كان كل واحد منهم جبلا من جبال الهمة والعزيمة والصدق والإخلاص.

قلت: فهل أعرفهم؟

قال: الكل يعرفهم.. فما نهض أحد لخدمة العدل والدعوة إليه إلا ملأ الله القلوب إقبالا عليه ومحبة له.

قلت: فحدثني حديثهم.

قال: سأبدأ حديثي من الأول.. فلا يفهم الآخر إلا بالأول.

***

اعتدل الغريب في جلسته، وحمد الله وصلى وسلم على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مستغرقا في كل ذلك، ثم قال: كانت بداية رحلتي إلى العدالة الإلهية التي مثلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومثلها ورثته من أئمة هذه الأمة، أني في ليلة من الليالي، وفي بيتي في تلك المدينة المتحضرة من أوروبا، قعدت أتفرج على التلفاز، فإذا بي أرى فيلما وثائقيا يعرض صورا لأيد تقطع، وأرواح تزهق، وظهور تجلد، وأفواه تكمم، وقمع ليس بعده قمع.. ثم يعرض بعد ذلك بعض دعاة المسلمين، وهو يدعو ـ بنبرته القوية الممتلئة بالأصداء ـ الحكام إلى المزيد من التسلط والاستبداد، ويدعو الرعية في نفس الوقت إلى الخضوع المطلق، باعتبار أن الحاكم هو سلطان الله في أرضه، وأن من أهان السلطان فقد أهان الله.

لا أكتمك أن تلك المناظر وما تلاها من الكلمات أثر في تأثيرا شديدا حتى أني امتلأت بشبه كثيرة.

ولكني مع ذلك تألمت ألما عظيما.. فقد كنت أعرف الإسلام من خلال كل البراهين التي تثبت أنه رسالة الله إلى عباده.. ولكني تعجبت أن تحوي رسالة الله كل تلك القسوة، وكل ذلك الجور.

ذهبت إلى الغابة التي كنت أفر إليها كلما ضاقت نفسي، وهناك سقط بجانبي غصن لشجرة من أشجار الغابة العملاقة.. وقد كان سقوطه قويا حتى أنه أثر على الأرض التي سقط عليها.. ولولا أن الله قدر أن أكون بعيدا بما يكفي عنه لكان سقط علي، ولكان قد قضى علي بسقوطه.

رفعت رأسي لأرى سبب سقوطه، فإذا بي أرى رجلا في قمة السلام والطمأنينة والحكمة، وهو صاعد في أعلى تلك الشجرة يشذب أغصانها، فصحت فيه من حيث لا أشعر: لقد كدت تقتلني.

أجابني بهدوئه المعتاد، وهو لا يزال أعلى الشجرة: وما الحرج في ذلك؟.. البشر كثيرون.. ولن يضر البشر فقدهم لك.

قلت: ما هذا المنطق الذي تتحدث به؟

قال: أنا لم أتحدث معك إلا بالمنطق الذي تحدث به نفسك، أو تحدثك به نفسك.. أنا كالمرآة لن ترى مني، ولا على وجهي إلا ما اختزنته فيك.

قلت: لا أرى أن عقلي قد خطر على باله مثل هذا التفكير.

قال: ربما لم يخطر هذا على عقلك الذي تفكر به.. ولكنه قد يكون خطر على العقل الذي يفكر به عقلك.. أي عقل عقلك.

قلت: وهل لعقلي عقل؟

قال: أجل.. لا يكون العقل عقلا إن لم يكن له عقل.. أم أنك تريد عقلا مجنونا؟

قلت: لم أفهم.

قال: لكل عقل منهج يفكر به.. ذلك المنهج هو العقل الباطن الذي يستوحي منه العقل الظاهر أفكاره ومواقفه.

قلت: لا يمكن أن يكون في المنهج الذي يستعمله عقلي هذا النوع من التفكير.. هذا تفكير المجرمين لا تفكير العقلاء.

قال: أرأيت لو أنك رأيت نيرون معلقا على خشبة الصليب.. وهو يسام ألوان العذاب.. أكنت ترحمه.. فتذهب وتفك عنه قيوده التي قيد بها، وتداوي جراحه؟

لم أجد ما أجيبه به، فقال: لقد احتار عقلك في الجواب.. فأنت لو قسوت عليه تكون قد تخليت عن عقلك الظاهر الذي لا يرى إلا الظواهر.. ولو أنك لم تقس عليه، وذهبت تفك قيوده لتخليت عن عقلك الباطن الذي يرى الحقائق، ولا تعميه الظواهر عنها.

قلت: أنا أميل إلى الرحمة أكثر من ميلي إلى القسوة.. بل لا أحسب أن للقسوة محلا في هذا الوجود.

قال: إن القسوة التي تمارسها بفك قيود نيرون لا يمكن أن تضاهيها أي قسوة.

قلت: كيف ذلك؟

قال: إذا رحمت نيرون، فقد قسوت على الآلاف من الذين حرقهم واضطهدهم وأبادهم.. ولو رحمت نيرون، لكنت قد دعوت كل نفس خبيثة لأن تلبس حلته ، فتحرق وتقتل وتبيد.. ولن يردعها بعد ذلك أي رادع.

قلت: ولكن القسوة مع ذلك نقص.

قال: هي نقص إذا توجهت لغير أهلها، أو وضعت في غير محلها.. لكنها إن وضعت في محلها كانت الكمال عينه.. ألم تر إلى ذلك الغصن الذي سقط بجانبك، وكاد يقضي عليك؟

قلت: ما به؟.. وما بالك قطعته؟

قال: لقد مررت على هذه الشجرة.. فرأيتها تئن من شدته عليها.. فرحت أقطعه عنها.. ولو أنه ترك لهلك وأهلكها معه.

قلت: صدقت في هذا.. فالشجرة لا بد أن تشذب أغصانها.. ذلك جزء من العناية بها.. وأنا لا أجادلك فيه.. ولكني أجادلك في تشذيب الإنسان.

قال: الإنسان كالنبات ككل شيء في هذا الوجود له قوانين تضبطه.. لا تستقيم حياته إلا بذلك.. أنا أسميها قوانين العدالة.. إن شئت أحصيتها لك.. فعساك تبحث عنها.. فلا يمكن للبشر أن ينعموا بظلال العدالة من دونها.

قلت: يسرني ذلك.. ولعلي لم أخرج إلا لذلك.. فما هي؟

قال: هي عشرة.. ولا يمكن للعدالة أن تتم من دونها.

قلت: فما أولها؟

قال: الشريعة.. أو البرنامج.. فلا يمكن للحياة المعتدلة أن تستقيم بدون قوانين تنظمها وتنظم مسيرتها.. فلكل مرحلة من الزمن، ولكل مكان من التضاريس، ولكل حال من أحوال الروح نظامه الذي خلقه الله عليه، والذي لا يستقيم إلا به..

قلت: فما الثاني؟

قال: النظام.

قلت: فما النظام؟

قال: الشريعة تحتاج إلى مجموعة أنظمة لتنفذ بصورتها الكاملة الصحيحة.. نظام يسوس، ونظام يضبط، ونظام ينفذ.. وأنظمة كثيرة لا غنى لها عنها.

قلت: فما الثالث؟

قال: تحتاج الشريعة والأنظمة التي تنفذها إلى الرفق واللين.. فما حل الرفق في شيء إلا زانه.

قلت: صحيح هذا، وقد سمعت بعضهم يحدث بمثله عن محمد رسول المسلمين ([6]).. فما الرابع؟

قال: الرفق وحده قد لا يجدي.. فلذلك تحتاج العدالة إلى ضبطه ببعض الحزم.. ألا ترى كيف تشذب الأشجار، وتقطع بعض أغصانها، ولولا ذلك ما استقام لها أن تنمو؟

قلت: بلى.. وقد رأيتك تفعله..  فما الخامس؟

قال: الحرية.. فلا يمكن للمسجون أن يشعر بالعدالة، ولا أن يعيشها.

قلت: فما السادس؟

قال: المسؤولية.. فلا يمكن لحرية الفرد أن تعتدي على حرية المجموع.. ولا يمكن لحرية المجموع أن تعتدي على حرية الفرد.

قلت: فما السابع؟

قال: المساواة.. فلا يمكن للعدل أن يتم في ظلال الطبقية والعنصرية وقوانين المحاباة والكيل بالمكاييل المختلفة.

قلت: فما الثامن؟

قال: التنوع.. فلا يمكن للعدل أن يقمع الطاقات والقدرات بحجة المساواة.

قلت: فما التاسع؟

قال: التكافل.. فلا يمكن للعدل أن يتم، والقوي لا يقتسم قوته مع الضعيف، والشبعان لا يقتسم لقمته مع الجائع.   

قلت: فما العاشر؟

قال:  التوازن.. فلا يضر العدالة شيء مثل التطرف والغلو والانحراف ذات اليمين أو ذات الشمال.

قلت: أهذه هي العشرة التي ترى أنها اختزنت قوانين العدالة؟

قال: أجل..

قلت: فأبشر.. فقد استطاع قومي بما أوتوا من حنكة أن ينفذوها في أرقى مراتبها.. لقد استطاعت حضارتنا أن تؤسس العدالة التي عجزت جميع أنظمة العالم أن تصل إليها.

قال: بل وصلت إلى الجور الذي لم تستطع جميع أنظمة العالم أن تصل إليه.

قلت: كيف ذلك؟

قال:  أرأيت لو أن قاضيا من القضاة جلس في مجلسه.. وراح يميز في أحكامه.. فيحكم على القريب لقربه.. ويحكم على البعيد بسبب بعده.. أتراه قاضيا عادلا؟

قلت: لا.. بل هو الجور عينه.

قال: فاسأل قومك عن قوانين العدالة التي توهموا أنهم سنوها.. لم سنوها لقوم دون قوم، ولشعب دون شعب، ولأعراق دون أعراق.. اذهب إليهم، وصح فيهم.

قلت: ما أقول لهم؟

قال: قل لهم: ( العدالة لن تكون عدالة حتى تكون عدالة للعالمين)

قلت: لقد ذكرتني برؤيا العذراء.. لقد ذكرت لي مثل هذا.. لقد ذكرت لي أن الشمس التي أضاء الله بها سماء الحقائق شمس تحمل أشعة العدالة التي تضيء العالم.

قال: صدقت العذراء.. فلا يمكن لشمس الله الدالة على الله أن تختزن الجور أو الظلم أو العدوان.

قلت: فمن هي؟.. أهي شمس محمد؟.. ولكني رأيت ـ أمس ـ ما يرغبني عنها.

قال: العاقل لا يسلم عقله لأي أحد.. العاقل هو الذي يسير في الأرض ليرى الحقائق بعينيه، ويلمسها بيديه.

قال ذلك، ثم انصرف إلى عمله في تشذيب أغصان الشجرة.. صحت فيه: أخبرني.. هل الشمس التي ذكرتها العذراء هي شمس محمد؟ 

ألقى غصنا من الأغصان كاد يسقط علي هو الآخر، ثم استمر في عمله.. ولم يجبني.

***

 في ذلك المساء دعاني أخي إلى مكتبه بعد أن ترقى فيه درجات كثيرة جعلته من المسؤولين الكبار الذين يحكمون العالم..

فوجئت عند دخولي عليه بكتيبات كثيرة.. ومطويات.. مكتوبة بلغات العالم المختلفة.

بمجرد دخولي إليه أشار أخي إليها، وقال: هل ترى هذه الأوراق الكثيرة؟

قلت: أراها .. وأرى أن لها أهمية.

قال: لها من الأهمية ما لا يمكن تصوره.

اقتربت من بعضها، وقد رأيته مكتوبا بالعربية، وكان عنوانه([7])(تصويب السهام على من عارض الحكام).. وكان عنوان كتاب آخر (مفاتيح الجنان لمن أطاع السلطان).. وكان عنوان كتاب آخر (القصور الفاخرة والدنيا والآخرة للولاة والحكام ومن أطاعهم من الخواص والعوام).. فتحته فوجدته مملوءا بالغثاء الذي لا يقبله عقل، ولا يرتضيه حكيم، فنظرت إلى أخي، وقلت: ما هذه الكتب؟

قال: هذه كتب لبعض المبشرين لنا من المنتشرين في البلاد العربية.

قلت: ولكنهم يحملون أسماء مسلمين؟

قال: وهذا مصدر قيمة هذه الكتب.. فهؤلاء مسلمون.. ولهم دعم من المحسنين من أغبياء غأغالمسلمين.. انظر إلى جميع هذه الكتب.. فكلها (وقف لله تعالى)

نظرت، فوجدت الأمر كما ذكر لي، فقلت: لقد طلبت مني أن أحضر إليك.. فما الذي تريده مني.. هل هناك مهمة جديدة تزمع تنفيذها؟

قال: أجل.. ومهمة خطير.. لقد وجدت بعد تفكير عميق أن الإسلام لا يمكن أن نقضي عليه بدعوى (الإرهاب) وحدها.

قلت: فما الدعوى الجديدة التي تريد إلصاقها بالإسلام؟

قال: أنا لا أريد إلصاقها به.. بل أريد إظهارها فقط.. هي ملتصقة فيه.. ولكن الكثير لا يرونها.. فلذلك ليس لنا من دور إلا إظهارها.

قلت: ما هي؟

قال: الجور.. والظلم.. والاستبداد.. فلا يحجب الناس شيء عن الإسلام مثلما يحجبهم الجور.

قلت: ولكن المسلمين.. في أوائل فترة الإسلام.. بل وفي عهد محمد نفسه نعموا بظلال العدالة التي لم ترها البشرية في تاريخها جميعا.

قال: سنستر كل ذلك.. وسنشيع بدله مناقب كل أولئك المستبدين الذين ملأوا الأرض ظلما وعدوانا وجورا.. سننسخ أسماء عمار وبلال وأبي ذر.. لنحيي بدلها أسماء أحيت الكسروية والقيصرية وأعادت مجدها.

قلت: لقد رأيت في بعض بلاد الإسلام من ينشر مثل هذا؟

قال: أولئك أعظم مبشرينا.. وفي هذه الكتب أحاديث جمة لهم.. ولا أريد منك إلا أن تنشرها.

قلت: أين؟

قال: في كل أرض تطؤها قدماك.

قلت: ولكن هناك عدولا من المسلمين يرفضون هذا؟

قال: أولئك أعظم أعدائنا.. وسنستعمل معهم أساليب خاصة.. أساليب قد نستعين فيها بحلفائنا من الساسة.

قلت: تقصد اعتقالهم وسجنهم.

قال: أنا لم أقل هذا.. ولكن الساسة قد يقولونه.. وإذا قالوه فسنسارع نحن لننتقده، وندعو لإطلاق سراح المعتقلين والسجناء.

قلت: أليس هذا نفاقا؟

قال: ليس هذا نفاقا.. هذه سياسة.. وفي السياسة تغلب المصالح.. ومصالحنا ترتبط بمواقفنا.

لم أدر بما أجيبه.. ولكني في الغد حملت جميع تلك الكتيبات والمطويات، وسرت إلى بلد من بلاد الإسلام.. لن أذكره لك.. فمن الحرج لي ولك أن أذكره لك.. لكني ما إن وصلت، وفتشت حقائبي، حتى وجدتني في معتقل من المعتقلات.. وهناك تنعمت بأشعة كثيرة من شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. وهي التي جئت لأجلها إليك، وسأحدثك عنها اليوم.

قلت: أهذه الأشعة نلتها في المعتقل؟

قال: أجل..

قلت: فحدثني عن حياتك فيه.

قال: لقد كان بالنسبة لي، ولكثير من المعتقلين كلية علمية.. استفدنا فيها الكثير.. كان معنا أصناف مختلفة من الناس فيهم الشيوعي.. وفيهم الرأسمالي.. وفيهم الذي يؤمن بالديمقراطية.. فيهم الذي يؤمن بالاستبداد.. وفيهم العلماني.. وفيهم الذي يدعو إلى الحكم الديني..

ولكن عشرة من الناس من بين هؤلاء جميعا هم الذين شدوا انتباهي.. وهم الذي يحق لي أن أعتبرهم أساتذة لي.. ولم أتألم في حياتي لشيء تألمي لفقدهم.

قلت: كيف فقدتهم؟

قال: لقد حكم عليهم بالإعدام جميعا([8]).. ثم نفذ حكم الإعدام فيهم واحدا واحدا.. على مرأى منا جميعا.. وقد استشهدوا جميعا مبتسمين مستنيرين بأنوار لا يمكن لأحد في الدنيا أن يصفها.

لقد كنت في تلك الأيام التي استنرت فيها بتلك الأشعة أعيش أحوالا متناقضة ممتلئة بالتناقض..

ففي تلك الأيام كنا نجلس كل يوم إلى ذلك الذي حكم عليه بالإعدام.. بل ذلك الذي سينفذ فيه الإعدام مساء لنسمع منه ما يريد أن يوصينا به.. وما يرى أن حياته كلها قد سارت في سبيله.

لقد كانت تلك النفوس التي امتطت خشبة الصليب خير نفوس رأيتها في حياتي.. كان لها من العقل والحكمة والحب والخير والعدل ما لا يمكن لأحد أن يتصوره.. ولكن المساكين بلوا بمستبدين كمموا أفواههم، ولم يكتفوا بذلك، بل راحوا يرضون شهواتهم للدماء بإزهاق أرواحهم.. ولم يكتفوا بذلك بل راحوا يستأجرون مفتين يتمسحون على أبواب السلاطين، ليكتبوا بالحبر المدنس بدنس الأهواء رميهم بالخروج.. أو رميهم بالزندقة.. أو رميهم بالإلحاد.

قال الرجل ذلك، ثم أجهش بالبكاء، فقلت: ما الذي يبكيك؟

قال: لا تزال صور أولئك العمالقة المعلقين في حبال المشانق تخطر على بالي كل حين.. فتصيبني منها رعشة كرعشة ذلك الذي حضر مقتل خبيب .. لقد كانت صورهم وهم على خشبة الصليب أكبر شعاع من أشعة الهداية.. فلا يمكن للهداية أن يدل عليها مثل الصدق والتضحية.

أذكر أن أحدهم.. وهو على خشبة الصليب جاءه بعض أصحاب العمائم من أصحاب السلطان، وقال له: قل لا إله إلا الله حتى تموت على الإسلام.. فالتفت إليه الرجل، وابتسم ابتسامة ممتلئة بمعاني كثيرة، وقال: شكرا يا شيخ.. لا إله إلا الله.. نحن نموت من أجلها.. وأنتم تأكلون بها الخبز.

قلت: فحدثني حديثهم.

نظر الرجل إلى الأفق البعيد، ثم قال:

أولا ـ الشريعة

في اليوم الأول..  وبينما أنا في سجني الانفرادي أقلب طرفي في مسيرة حياتي الممتلئة بالتناقضات.. إذا بي أسمع صوتا من مكبرات صوت السجن يقول: في هذا المساء.. سيساق إلى الموت (خبيب بن عدي) ([9]).. وقد رأت إدارة السجن ـ من باب الرحمة واللطف ـ أن تسمح لجميع للمساجين بزيارته وتوديعه.. من الصباح إلى المساء.. على ألا يتجاوزوا الحدود التي يسمح بها قانون السجن.

بعد فترة من صياحه هذا.. رأيت مجموعة من الحرس تفتح أبواب السجون المتنوعة الانفرادية منها والجماعية.. ليلتقي جميع السجناء في ساحة السجن.. وهناك أحضر كرسي للسجين الذي يراد إعدامه.. ليتكلم كلماته الأخيرة التي يودع بها أصدقاءه السجناء.

لم تطل الفترة حتى جاء خبيب مكللا بأشعة عميقة من الإيمان.. جلس بهدوء على الكرسي الذي وضع له كما يجلس الملوك، ثم قال، وهو يوزع نظراته الحانية على الجمع: بورك فيكم.. لقد شرفتموني بالجلوس بينكم.. فلذلك اسمحوا لي أن أحدثكم عن الرسالة التي ظللت حياتي جميعا أدعو إليها.. ولا حرج عليكم في أن تختلفوا معي.. أو تجادلوني.. فقد ظللت طول عمري أسمع للمخالفين، ولا أطلب منهم إلا أن يسمعوا لي.

في البداية اسمحوا لي أن أذكر لكم أن هذا الصليب الذي شرفني الله بامتطائه اليوم هو نفسه الصليب الذي امتطاه قبلي رجال من أهل الله.. لم يكن لهم من هم إلا أن يعيش البشر حياة ممتلئة بالسلام والعدالة والإيمان.. لقد قدموا نفوسهم فداء لصالح العدالة التي لن تتحقق إلا في المنهج الذي اختاره الله لعباده.

لقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عظم المكانة التي ينالها من قدم نفسه لأجل هذا، فقال: (ألا لا يمنعن رجلا مهابة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه.. ألا إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ([10])

من هؤلاء الرجال الرجل الذي اخترت بعد أن وفقني الله للإسلام لأن أسمى باسمه.. إنه خبيب بن عدي ذلك الرجل العملاق الذي قدم نفسه في سبيل أن تنتصر شريعة ربه على تلك الشرائع الجاهلية..

لقد قال عندما أراد القوم شنقه:

ولست أبالي حين أقتل مسلما
 

على أي جنب كان في الله مصرعي
  

وذلك في ذات الإله وإن يشأ
 

يبارك على أوصال شلو ممزع
  

لقد ردد جميع أولياء الله من الذين بذلوا أنفسهم في ذات الله ما قاله خبيب.. كلهم لم تغرهم الدنيا.. ولا تلك المناصب الرفيعة.. ولا ذلك البهرج الكاذب.. كلهم أبوا إلا أن ينصروا شريعة ربهم.. الشريعة التي لن تتحقق العدالة إلا بها.

قالوا: أنت تعلم أنا من مذاهب مختلفة.. وكلنا له شريعته التي يدين بها.. والتي لا يرى العدالة إلا فيها.. فحدثنا عن هذه الشريعة التي نراك تقدم روحك رخيصة من أجلها.

ابتسم، وقال: شريعتنا عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.. الشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل فهي قرة للعيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور الشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطي العالم، رفع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وآله وسلم هي عمود العالم وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة([11]).

كان الرجل يتكلم بكل مشاعره.. وقد أثر في الحضور لأجل ذلك تأثيرا شديدا.. لكن بعض الجالسين قام، وقال: هذا إجمال يحتاج إلى تفصيل.. وهذه دعاوى تحتاج إلى دليل.

نظر إليه خبيب، وقال: صدقت.. لا يمكن أن يقبل الإجمال من دون تفاصيله.. ولا الدعاوى من دون دليلها.. وإن شئتم أن أذكر لكم من ذلك ما تقر به أعينكم فعلت.

قالوا جميعا: كلنا آذان صاغية.. فحدثنا.

قال: سأحدثكم ـ أولا ـ عن نفسي.. أنتم تسمعون أن اسمي خبيبا، فتتصورون أني ولدت مسلما.. وأني من أسرة مسلمة.. وأني ورثت الإسلام كما ورثه أكثر الناس..

ليس الأمر كذلك.. أنا من أسرة غير مسلمة.. وعندما ولدت عمدت كما يعمد كل صبيان النصارى.. ولقنت ما يلقنون من مبادئ المسيحية..

كان ذلك في الصبي.. وفي صدر الشباب.. لكني بعد أن شببت عن الطوق، واكتمل لي العقل الذي أفكر به رحت أبحث عن شريعة الله.

وكان أول ما بدأت به (الكتاب المقدس).. لقد رحت أبحث عن شريعة الله في الكتاب الذي قيل لي: إنه وحي الله لأنبيائه.

قالوا: وما الذي جعلك تبحث فيه دون غيره؟

قال: لقد علمت علم اليقين، بأدلة كثيرة لا يمكن ذكرها هنا، أن الله الذي نظم هذا الكون جميعا يستحيل أن يترك الإنسان هملا.. فلذلك رأيت أن شريعة الله لن تغيب عن خلق الله.. ولكن الخلق هم الذين قد يغيبون عنها.

قالو: كيف؟

قال: الغفلة.. والكبرياء.. والجهل.. كل ذلك يمكن أن يقف بين الإنسان والبحث عن شريعة ربه..

قالوا: فما الذي وجدت في الكتاب المقدس؟

قال: وجدت فيه من الجور والظلم والجهالة ما جعلني أعتقد اعتقادا راسخا أن الشريعة التي يحويها يستحيل أن تكون شريعة الله.

لست أدري كيف صحت من حيث لا أشعر: هذه دعوى عريضة.. كيف تقول هذا عن الكتاب المقدس؟

التفت إلي بحنان، وقال: اعذرني.. فأنا لم أرد الإساءة إليك.. ولا إلى الكتاب المقدس.. ولكني أعتقد أن الشريعة التي تمتلئ بها جنبات الكتاب المقدس يستحيل أن تكون شريعة الله لعباده.

أنت تعلم أن الكذبة حملوا أقلام الكتبة، وراحوا بأهوائهم يحرفون الكتاب المقدس([12]).. لقد ذكر إرميا هذا، فقال:( فقال الرب لي: بالكذب يتنبأ الأنبياء باسمي.لم أرسلهم ولا أمرتهم ولا كلمتهم.برؤيا كاذبة وعرافة وباطل ومكر قلوبهم هم يتنبأون لكم) (إرميا: 14:14).. وقال:( الأنبياء يتنبأون بالكذب والكهنة تحكم على أيديهم وشعبي هكذا أحب.وماذا تعملون في آخرتها) (إرميا:5: 31)..

وهو يصرح بكل ألم قائلا:( كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا.. حقا إنه إلى الكذب حوّلها قلم الكتبة الكاذب ) (إرميا: 8: 8)

ليس إرميا وحده الذي صرح به.. لقد رأيت في المزامير:( اليوم كله يحرفون كلامي.عليّ كل افكارهم بالشر ) (مزمور:56/ 5)

ورأيت في (حزقيال:7 / 26):( ستاتي مصيبة على مصيبة.ويكون خبر على خبر.. فيطلبون رؤيا من النبي.. والشريعة تباد عن الكاهن والمشورة عن الشيوخ)

وسمعت إشعيا يقول:( ويل للذين يقضون أقضية الباطل وللكتبة الذين يسجلون جورا ليصدوا الضعفاء عن الحكم ويسلبوا حق بائسي شعبي لتكون الارامل غنيمتهم وينهبوا الايتام ) (إشعياء:10 /1-2)

إن إشعيا يتحدث عن المطامع التي جرت القضاة والكتبة إلى التحريف.. إنه يتحدث عن بيع كتاب الله بثمن بخس كما قال كتاب المسلمين.

بل هو يصرح بذلك قطعا لكل تأويل، فيقول:( ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب فتصير اعمالهم في الظلمة ويقولون من يبصرنا ومن يعرفنا. يا لتحريفكم. هل يحسب الجابل كالطين حتى يقول المصنوع عن صانعه لم يصنعني. أو تقول الجبلة عن جابلها لم يفهم )( إشعياء: 29 /15-16)

وهو يقول:( ويل للبنين المتمردين يقول الرب حتى انهم يجرون رأيا وليس مني ويسكبون سكيبا وليس بروحي ليزيدوا خطيئة على خطيئة ) (إشعياء: 30 /1 )

سكت قليلا، ثم قال: عندما قرأت هذا علمت أن الرب أرحم من أن يأمرنا بطاعة الشريعة التي حولها هؤلاء الكذبة إلى مسخ.. لقد قرأت في كتاب المسلمين المعاني الحقيقية للتوراة.. لقد جاء فيه :﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ((المائدة:44)

هكذا كانت التوراة قبل أن تحرف.. ولكنها عندما حرفت صارت تحوي النصوص الكثيرة الممتلئة بالخرافة والشعوذة والجور والدجل..

لن أقرأ لك كل ما صرفني عن شريعة الكتاب المقدس.. بل سأكتفي بجانب مهم منها.. رأيت أن الجور فيه قد ضرب أطنابه..

إنه الموقف من المرأة.. أنت تعلم أنه من الجور الكبير أن يفضل أحد الجنسين وأن يحقر غيره.. ولذلك فإن الشريعة التي تقوم بهذا الجور وتدعمه شريعة أهواء لا شريعة من رب العالمين.

لقد قرأت في سفر الخروج : ( و إذا باع رجل ابنته أمةً لا تخرج كما يخرج العبيد) (الخروج 21/7).. وقرأت أنه في أيام القضاة اشترى بوعز جميع أملاك أليمالك و مالكليون و محلون، ومن ضمن ما اشتراه راعوث المؤابية امرأة محلون(انظر راعوث 4/9-10).. وقرأت في( الجامعة 7/26-28 ) : (فوجدت أمرّ من الموت : المرأة التي هي شباك، و قلبها أشراك، و يداها قيود، الصالح قدام الله ينجو منها.. أما الخاطئ فيؤخذ بها…رجلاً واحداً بين ألف وجدت، أما امرأة فبين كل أولئك لم أجد)

بل إن سفر اللاويين يقرن المطلقة والأرملة بالزانية، فيعتبرهن دناياً يحرم على الكاهن الزواج منهن (اللاويين 21/10-15) كما يفرض السفر أحكاماً شديدة على المرأة حال حيضتها حتى أن مجرد مسها ينجس الماس إلى المساء كما ينجس كل من مس فراشها أو شيئاً من متاعها (اللاويين 15/19-32 )

وفي العهد الجديد رأيت بولس يحمل المرأة خطيئة آدم، ثم يحتقر المرأة تبعاً لذلك فيقول : ( لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع، و لكن لست آذن للمرأة أن تعلّم، و لا تتسلط على الرجل، بل تكون في سكوت، لأن المرأة أغويت، فحصلت في التعدي) (تيموثاوس(1) 2/11-14)، و يقول مبرزا ما في نفسه من احتقاره للمرأة : (الرجل ليس من المرأة، بل المرأة من الرجل، ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة، بل المرأة من أجل الرجل) (كورنثوس(1) 11/8-9)

لقد أوحت هذه النصوص للآباء والقديسين في ملتنا النصرانية بأن يفرضوا على المرأة شريعة مملوءة بالجور والظلم والإجحاف.. لقد قال القديس ترتليان (ق3) إثر تشبعه بأمثال تلك النصوص المقدسة عن المرأة:  (إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، ناقضة لنواميس الله، مشوهة لصورة الله (الرجل).. و يقول بعد حديثه عن دور حواء في الخطيئة الأولى:( ألستن تعلمن أن كل واحدة منكن هي حواء؟!أنتن المدخل الذي يلجه الشيطان..لقد دمرتن بمثل هذه السهولة الرجل صورةَ الله)

ومثله قال القديس سوستام عن المرأة: (إنها شر لا بد منه، و آفة مرغوب فيها، و خطر على الأسرة و البيت، و محبوبة فتاكة، ومصيبة مطلية مموهة)

ومثلهما قال القديس جيروم (ق5) في نصيحته لامرأة طلبت منه النصح: (المرأة إذن هي ألد أعداء الرجل، فهي المومس التي تغوي الرجل إلى هلاكه الأبدي، لأنها حواء، لأنها مثيرة جنسياً)

أما القديس أوغسطين (ق 5)، فيتساءل : ( لماذا خلق الله النساء؟).. ثم يجيب : (إذا كان ما احتاجه آدم هو العشرة الطبية، فلقد كان من الأفضل كثيراً أن يتم تدبير ذلك برجلين يعيشان كصديقين بدلاً من رجل و امرأة).. ثم تبين له بعد بحث مضن أن العلة من خلقها هي فقط إنجاب الأولاد، و منه استوحى لوثر فقال: (إذا تعبت النساء أو حتى ماتت فكل ذلك لا يهم، دعهن يمتن في عملية الولادة، فلقد خلقن من أجل ذلك)

ولم يكتف هؤلاء القديسون بهذه التصريحات الجائرة.. بل راحوا يعقدون المؤتمرات الغريبة للبحث عن حقيقة هذا العنصر الغريب الذي يسمونه (المرأة )، ففي القرن الخامس عقد مؤتمر ماكون للنظر هل للمرأة روح أم لا؟ وقرر المؤتمر خلو المرأة عن الروح الناجية.. و قال القديس جيروم: (المرأة عندما تكون صالحة تكون رجلاً).. أي أنها تشذ عن مثيلاتها الإناث فتصير مثل الرجال.

و في عام 586م عقد مؤتمر لبحث إنسانية المرأة، ثم قرر المؤتمر بأغلبية صوت واحد بأن المرأة إنسان خلق لخدمة الرجل.

و بعد ظهور البروتستانت في القرن السادس عشر عقد اللوثريون مؤتمراً في (وتنبرج) لبحث إنسانية المرأة.

التفت إلى الجمع، وقال: هل يمكن لشريعة يحمل كتابها المقدس هذه النظرة عن المرأة.. ويحمل رجال دينها بل قديسوها هذه النظرة القاسية الجائرة.. هل يمكن لشريعة مثل هذه أن تكون شريعة عادلة مع هذا الجانب المهم المشكل للمجتمع الإنساني.

التفت إلي، وقال: بمجرد أن عرفت كل هذا استحييت من أن أدين بشريعة يدين بها هؤلاء.. لقد رأيت أن الله أعظم رحمة وعدلا من أن يحكم على هذا الكائن الإنساني بكل هذه القسوة..

بعد أن يئست من أن أجد في الكتاب المقدس الشريعة العادلة رحت أبحث في القرآن..

أصدقكم القول أني لم أبدأ ببحثي فيه إلا وأنا ممتلئ بشبهات كثيرة كانت تقف حجبا بيني وبينه.. لكن الله أعطاني القوة، فحطمتها جميعا، ولم أبق أثناء قراءتي للقرآن الكريم وللنصوص المقدسة التي نطق بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا عقلي.. ذلك البرنامج الذي برمجني الله به لأميز الخبيث من الطيب، والحق من الباطل.

وكان أول ما شدني في القرآن الكريم هو تلك النظرة المحترمة للكائنات جميعا.. الإنسان والحيوان.. والنبات والجماد.. وكل شيء.. فالكل خلق الله.. والكل مسبح لله.. وليس هناك شيطان إلا الشيطان الذي رضي بمحض إرادته أن يصير شيطانا.

لقد قرأت في القرآن الكريم عن الحيوان.. بل عن البعوض قوله تعالى :﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) (البقرة:26)

وقرأت فيه عن النمل قوله تعالى :﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (النمل:18).. لقد رأيت هذه الآية تحضنا على احترام هذا العالم، واحترام قراه التي يؤسسها.

وبحثت فيه بعد ذلك كله عن المرأة.. فوجدت أنها والرجل فيه سيان، لا يختلفان إلا الاختلاف الذي تفرضه وظائفهما وقدراتهما.. لقد قرأت فيه قوله تعالى :﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِO (آل عمران:195)، وقوله تعالى:﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) (النساء:124)، وقوله تعالى :﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97)، وقوله تعالى :﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) (غافر:40)، وقوله تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13)

ووجدت القرآن ينسب الخطيئة للزوجين كليهما.. لا لحواء وحدها([13]).. قال تعالى :﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (البقرة:36)

ووجدت فيه أن التوبة حصلت من كليهما.. قال تعالى :﴿ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (لأعراف:23)

ووجدت القرآن ينعى على أهل الجاهلية تفضيلهم الذكر على الأنثى.. وذلك في مناسبات كثيرة مختلفة.. قال تعالى :﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)﴾ (النحل)

ووجدت ينعى عليهم ما كانوا يقعون فيه من وأد البنات.. قال تعالى :﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)﴾ (التكوير)

وجدت هذا وغيره كثير بالنسبة للمرأة والتصور نحوها.. ونحو وظيفتها.. ونحو حقوقها([14]).

وهكذا وجدت الأمر مع جميع أصناف الناس، وخاصة المستضعفين منهم.. لقد وجدت القرآن يوليهم كل العناية، ويحترمهم أعظم احترام.. وقد كان كل ذلك بوابتي للبحث الشامل في مدى قدرة شريعة الإسلام على تحقيق العدل للبشرية التي امتلأت بالجور..

وقد وجدت في الشريعة الإسلامية ـ بعد البحث المستفيض ـ أربع خصائص كبرى لم تتحقق بكمالها إلا فيها.. ولذلك رأيت أنها الشريعة الوحيدة الصالحة لأن تخرج البشرية من ظلمات الظلم والجور إلى أنوار الأمان والعدل.

قلنا: ما هذه الخصائص؟

قال: الربانية، والشمولية، والواقعية، والمثالية.

قلنا: فهل ستحدثنا عما وصلت إليه في أبحاثك؟

قال: أجل.. فلم تكن لي وظيفة في الحياة، بعد أن امتلأ قلبي ببرد اليقين إلا أن أبشر بشريعة الله.. وأنا الآن ممتلئ سرورا لأني سأستشهد في سبيلها كما استشهد خبيب وإخوانه من الصادقين من أهل الله.

الربانية

قلنا: فحدثنا عن الركن الأول.

نظر إلى السماء، وقال: الغريق الذي أحاطت به المياه من كل جانب.. ولم تبق له أي قوة يصارع بها تلك التيارات العنيفة التي تريد أن تصرعه.. ولم تبق له أي قوة يستطيع أن يصارع بها تلك الحيوانات المتوحشة التي تريد أن تلتهمه.. ثم جاءته سفينة ومدت حبالها إليه.. تريد أن تنقذه.. هل ترون من الحكمة أن يرفض مد يده لحبال النجاة التي مدت إليه؟

قلنا: مجنون إن فعل ذلك.

قال: فالبشرية ـ إذن ـ كلها مجنونة.

قلنا: وما علاقة هذا بذاك؟

قال: إن البحر العميق الذي تسبح فيه البشرية.. والشياطين الكثيرة التي تريد أن تمسخ طبيعة البشرية لا يشبهها شيء كما يشبهها ذلك البحر، وذلك الغريق.

قلنا: فما الحبال؟

قال: إن الرب الرحيم الذي خلق هذا الكون، ولم يغفل عن الدقيق والجليل فيه، مد حبالا كثيرة للبشرية لينقذها بها من نفوسها التي تصارعها.. ومن الشياطين التي تريد أن تلتهمها.

ولكن البشرية مع ذلك ترضى بأن تبقى في ذلك الصراع المميت، ولا ترضى بأن تمد يدها لحبال النجاة التي مدت إليها.

قلنا: أي حبال؟

قال: حبال الشريعة.. فالبشرية لا ينقذها إلا ربها الذي هو أعلم بطباعها، وأعلم بالشياطين الذين يتربصون بها.

قال رجل منا: دعنا من الإجمال، وهات التفصيل.

قال: لقد رأيت المسالك التي سلكتها البشرية لتقضي بها على الانحرافات المختلفة بأنواعها جميعا: النفسية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وغيرها.. وقد وجدت أن كل تلك المسالك باءت بالفشل..

وقد بحثت في سر ذلك الفشل فوجدته يرجع إلى أمرين:

أما أولهما، فهو أن الذي يضع تلك القوانين بشر كالبشر.. هو غريق مثلهم.. ولذلك لن يستطيع الغريق أن ينقذ الغريق..

وأما الثاني، فقد وجدت أن البشر لا يسلمون أنفسهم إلا لمن هو فوقهم.. أو لمن يرون له من القدسية ما يجعله أهلا لأن يطاع..

لقد كان هذان الأمران هما دليلي إلى ركن الربانية.. وكونه ركنا أساسيا لا يصح أن تخلو منه شريعة من الشرائع أو قانون من القوانين..

لقد رأيت أن البشرية الغريقة لن ينقذها إلا إله خبير مقدس.. له من السلطة ما يفرض به قوانينه على عباده، فإن أحسنوا جازاهم.. وإن أساءوا عاقبهم.

ولم أجد هذا الوصف إلا عند إله المسلمين.. وفي شريعة المسلمين.

الخبرة:

قلنا: فحدثنا عن الخبرة.

قال: لاشك أنكم تعرفون مدى التخبط الذي وقعت فيه البشرية عند بحثها عن الإنسان.. ولاشك أنكم عرفتم المدارس الكثيرة التي تاهت وهي تبحث عن حقيقة الإنسان([15]).

قال رجل منا: كيف تقول ذلك؟.. والبشرية لم تصل في تاريخها جميعا إلى مثل هذه الثروة المعلوماتية الضخمة التي استطاعت البشرية أن تكتشفها في هذا العصر.

قال: إن أكثر هذه الثروة الضخمة يدل على التيه أكثر من دلالته على الهداية..

قلنا: كيف ذلك؟

قال: لن أحدثكم عن رؤيتي في ذلك.. بل سأنقل لكم كلام عالم كبير من علماء هذه الحضارة لا شك أنكم تعرفونه.. إنه الدكتور ألكسيس كاريل.. لقد كتب هذا الدكتور كتاباً سماه (الإنسان ذلك المجهول).. وقد ضمنه شهادة ضد هذه الحضارة المادية القائمة، لقتلها أهم خصائص الإنسان.

وقد أطلق في هذا الكتاب المهم صيحة مدوية بالأخطار التي تهدد الجنس البشري من جراء الاعتداء على القوانين الطبيعية، التي لا تدع المعتدين عليها بلا عقوبة؛ وأعلن جهل (العلم) بحقيقة الإنسان.. بل بأبسط حقائق تكوينه الجسدي ذاته!

سأنقل لكم من كتابه هذا بعض ما قال.. لتدركوا مدى جهل الإنسان بحقيقته وطبيعته ووظيفته.. وهو الجهل الذي لا يتيح له أن يضع الشريعة لنفسه.. فالشريعة علاج.. ولا يمكن للطبيب أن يعالج جسما لا يعرفه.

لقد قال في مقدمة كتابه هذا:( إن هدف هذا الكتاب هو أن يضع تحت تصرف كل شخص مجموعة من المعلومات العلمية التي تتعلق بالكائنات الحية في عصرنا.. فقد بدأنا ندرك مدى ما في حضارتنا من ضعف.. وكثيرون يرغبون في أن يلقوا عنهم التعاليم التي فرضها عليهم المجتمع الحديث.. ولهؤلاء أكتب هذا الكتاب.. كذلك كتبت لأولئك الذين يجدون من أنفسهم شجاعة كافية ليدركوا ـ ليس فقط ضرورة إحداث تغييرات عقلية وسياسية واجتماعية ـ بل أيضاً ضرورة قلب الحضارة الصناعية وظهور فكرة أخرى للتقدم البشري)([16])

وقال فيه:( إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب، لأنها لا تلائمنا، فقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقية، إذ أنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس، وأوهامهم، ونظرياتهم ورغباتهم. وعلى الرغم من انها أنشئت بمجهوداتنا إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا) ([17])

بعد كل هذا.. فإن الدكتور كاريل يقترح على البشرية لتخرج من هذا التيه المزيد من الاهتمام بمعرفة الإنسان..

لقد قال يعبر عن ذلك : ( إن العلاج الوحيد الممكن لهذا الشر المستطير هو معرفة أكثر عمقاً بأنفسنا، فمثل هذه المعرفة ستمكننا من أن نفهم ما هي العمليات الميكانيكية التي تؤثر بها الحياة العصرية على وجداننا وجسمنا، وهكذا سوف نتعلم كيف نكيف أنفسنا بالنسبة للظروف المحيطة بنا، وكيف نغيرها، إذ لم يعد هناك مفر من أحداث ثورة فيها. ولئن استطاع هذا العلم- علم الإنسان- أن يلقي الضوء على طبيعتنا الحقة، وإمكانياتنا، والطريقة التي تمكننا من تحقيق هذه الإمكانيات، فانه سيمدنا بالإيضاح الصحيح لما يطرأ علينا من ضعف فسيولوجي.. كذا لأمراضنا الأدبية والعقلية.

إننا لا نملك وسيلة أخرى لمعرفة القواعد التي لا تلين لوجوه نشاطنا العضوي والروحي؛ وتمييز ما هو محظور مما هو مباح؛ وإدراك أننا لسنا أحراراً لنعدل في بيئتنا وفي أنفسنا تبعاً لأهوائنا..

وما دامت الأحوال الطبيعية للحياة قد حطمتها المدنية العصرية، فقد اصبح (علم الإنسان) أكثر العلوم ضرورة)([18])

صرخ رجل منا فرحا: ها هو كاريل قد أعطى الحل.. وهو يغنينا عن الشريعة التي تحدثنا عنها.

نظر إليه خبيب بابتسامة عذبة، وقال: لا.. إنه دلنا على الشريعة..

قال الرجل: هو دلنا على (علم الإنسان).. لا على الشريعة.

قال: وعلم الإنسان لن نجده إلا عند رب الإنسان.. إن الله هو خالق هذه الآلة الإنسانية العجيبة.. وهو العالم بكيفية حركتها، وبكيفية توجيهها، وبسبل كمالها، وبسبل هبوطها.. وهو بالتالي الوحيد الذي له الحق في أن يشرع لها..

صرخ رجل آخر، وقال: إنك توقعنا بهذا في حيرة أخرى.. فالشعوب كلها تعرف الله.. وكلها لها من الشرائع ما تزعم أن الله خصها به.. فكيف تزعم أن ذلك خاص بشريعة الإسلام؟

لقد قرأت لمستر دالاس.. وهو وزير خارجية أمريكا.. حديثه عن دور الكنيسة وإله الكنيسة في مقاومة انحراف الحضارة المادية.. والذي تجلى بصورته المثلى في الشيوعية التي يقوم نظامها الاجتماعي على أساس (المذهب المادي) و(التفسير الاقتصادي للتاريخ)

لقد كتب في كتابه:( حرب أم سلام)، وفي فصل بعنوان (حاجاتنا الروحية) يقول : (إن هناك شيئاً ما يسير بشكل خاطئ في أمتنا. وإلا لما أصبحنا في هذا الحرج، وفي هذه الحالة النفسية.. لا يجدر بنا ان نأخذ موقفاً دفاعياً، وان يتملكنا الذعر.. إن ذلك أمر جديد في تاريخنا!

وكتب يقول: إن الأمر لا يتعلق بالماديات، فلدينا أعظم إنتاج عالمي في الأشياء المادية، إن ما ينقصنا هو إيمان صحيح قوي. فبدونه يكون كل ما لدينا قليلاً. وهذا النقص لا يعوضه السياسيون مهما بلغت قدرتهم، او الدبلوماسيون مهما كانت فطنتهم، أو العلماء مهما كثرت اختراعاتهم، او القنابل مهما بلغت قوتها!

والحل الذي يقترحه مستر دالاس بعد هذه التصريحات عبر عنه بقوله : ( لن تكون هناك فائدة من إنشاء (أصوات أمريكا) أخرى عالية الصوت، إلا إذا كان لدينا شيء نقوله، يكون اكثر إغراء مما قيل حتى الآن!.

وإيجاد هذه الرسالة هو قبل كل شيء مهمة الزعماء الروحيين لأمتنا. وبعثورهم عليها يستطيعون أن يساهموا بشكل حاسم في الإحباط السلمي للأساليب الشريرة، والخطط التي تعدها الشيوعية السوفييتية.

إن كثيراً من الوعاظ والمعلمين يأسفون لأن المعرفة العلمية قد زادت قدرة الإنسان على الأذى إلى درجة كبيرة. ولا يجب أن نصدق ان المعرفة في حد ذاتها شيء يمكن الهرب منه.

إن القوة المادية الكبيرة تكون خطرة في عصر المادية فقط؛ وليس في عصر روحي. والمعرفة العلمية الجديدة خطرة اليوم لأنها حدثت في وقت أخفقت فيه الزعامة الروحية أن توضح الصلة بين العقيدة والعمل. ولعله يكون اكثر أهمية لو أن العبادة الروحية تطورت بدلاً من محاولة وقف التقدم العلمي، او الرجوع به القهقري ).

وفي الأخير.. بعد كل هذا يرى أن الحل يكمن في الكنيسة.. فهو يقول : ( هذا هو التحدي النهائي لكنائسنا ومنظماتنا السياسية وللرأسماليين عندنا، ولكل فرد يخاف الله، او يحب بلده! )

ابتسم خبيب، وقال([19]): سلني أنا عن الكنائس.. أنا الذي ربيت فيها.. ولدي من المعرفة بقدراتها ما جعلني أطمئن اطمئنانا تاما إلى أنها أعجز من أن تؤدي هذا الدور الخطير..

إن الكنائس لم يعد لديها من المسيحية ـ منذ ما أفسدها بولس أولاً، وقسطنطين ثانياً، والكنيسة والمجامع والبابوات ثالثاً ـ ما يصلح شريعة للإنسانية.

إن مستر دالاس ـ بحكم عدم خبرته في هذا المجال ـ يكلف رجال الكنيسة والزعماء الروحيين مالا قبل لهم به حين يطلب إليهم، بما بين أيديهم من رصيد مهلهل للمسيحية، ومن تاريخ مرير بين الكنيسة ورجالها والدين وأهله وبين ضمائر الناس وعقولهم، ومن فصام نكد قامت بعده كل جوانب الحياة والفكر والشعور على أساس العداء للدين كله([20])..

إنه يكلفهم بعد كل هذا مالا قبل لهم به.. إنه يطلب إليهم استحداث منهج من ذلك الرصيد المهلهل، يصل بين الإيمان والعمل، وبين الفردية والجماعية، وبين الروح والمادة، وبين التقدم العلمي والهيمنة الروحية على هذا التقدم، وبين العناية بتنمية الحياة للمجتمع مع سيطرة الروح الإيماني.. منهج لا يفرق بين الدين وممارسة الدين. ويرفض القول: بأنه من غير الممكن الحصول على عدالة اجتماعية بدون ممارسة الإلحاد والمادية. كما يرفض أن يكون للأشياء المادية الأولوية. أو أن تكون العبودية والاستبداد وسيلة الإكثار من الإنتاج المادي. او أن يعتدي على الحرية العقلية والروحية والاقتصادية في سبيل هذا الإكثار.. منهج لا يطلب وقف التقدم العلمي باسم (الدين)! ولا يجعل التدين وسيلة واحدة هي عودة العلم والمعرفة القهقري!.. وفي النهاية منهج تتطور (العبادة) فيه حتى يصبح (العمل) إحدى صورها..

إن منهجا بهذه الصفة لا يمكن أن يوجد في الكنيسة..

إن مستر دالاس يريد أن يجند (الدين) لحماية الأنظمة الغربية من الشيوعية.. ولكن الدين لا يملك أن يصنع شيئاً في هذه المعركة الصغيرة! بين أنظمة مادية وأنظمة مادية من نوع آخر! انه لا يملك أن يصنع شيئاً في صورته الباهتة التي تراد له.. لا يملك أن يدافع عن الناس وهو مطرود من حياتهم طرداً قبيحاً!

إن (دين الله) لا يصلح خادماً يلبس منطقة الخدم، ويقف بحضرة (أسياده)، ويوجهونه حيث يريدون! يطردونه من حضرتهم فينصرف، وهو يقبل الأرض بين أيديهم.. ثم يقف وراء الباب- في شارة الخدم - رهن الإشارة!.. ويستدعونه للخدمة، فيقبل الأرض بين أيديهم، وينحني قائلاً: لبيك يا مولاي! كما يفعل من يسمونهم (رجال الدين)!

قال بعض القوم: وأي دين يمكن أن يقبل هذه المسؤولية الضخمة؟.. لقد جربت الأديان هذا.. فلم تفلح.. لقد اكتفت من سياستها بتوزيع صكوك الغفران.

نظر إليه خبيب، وقال: الإسلام يملك هذا.. فهو الدين الوحيد من بين أديان البشرية جميعا الذي يملك منهجا جديدا للحياة غير الذي عرفته أوروبا وعرفه العالم في فترة الفصام النكد وقبلها وبعدها.. منهجا أصيلا، مستقل الجذور.. منهجا شاملا متكاملا. وليس مجرد تعديل للحياة الراهنة وأوضاعها القائمة.. إنه منهج للتصور والاعتقاد؛ كما أنه منهج للعمل والواقع.. ومن ثم فهو - وحده - الكفء للاضطلاع بمهمة إعادة إنشاء الحياة البشرية على قاعدة جديدة.

قال الرجل: إن هذه دعوى عريضة.. فكيف تثبتها؟

قال:  لقد بحثت في الإسلام كما بحثت في المسيحية.. وفي جميع الأديان.. فوجدت أن الإسلام بمبادئه.. كما هو بتاريخه جميعا لم يضع نفسه بديلاً عن العلم والحضارة، ولا عدوّاً للعلم والحضارة.

لقد وجدته يضع نفسه إطارا للعلم والحضارة، ومحورا للعلم والحضارة، ومنهجا للعلم والحضارة في حدود إطاره ومحوره الذي يحكم كل شؤون الحياة.

ووجدته الإعلان الشامل لحرية العقل البشري تجاه الكون المادي، وقوانينه، وقواه، ومدخراته.

ووجدته الإيذان العام بانطلاق العقل الإنساني ليعمل ويبدع في ذلك الملك العريض الذي استخلفه ربه فيه.

إن الإسلام يكل رسم التصميم الأساسي للحياة البشرية، إلى العلم الكامل الشامل، المبرأ من الجهل والقصور والهوى كذلك.. إنه يكله إلى علم الله.

سكت قليلا، ثم قال: إن هذه الحضارة التي تحيط بالبشرية اليوم، تحطم أهم ما في كيان (الإنسان) وتحارب أرفع مقوماته الإنسانية، وفي الوقت الذي تقدم له تلك التسهيلات الرائعة - وإن كانت هذه التسهيلات قد تكون مؤذية لكيانه المادي ذاته.

والإسلام - بطبيعة تصوره لحقيقة الكون ودور الإنسان فيه، وبطبيعة منهجه الواقعي التجريبي- لن يعمد إلى المصانع فيحطمها! ولن يعمد إلى تلك التيسيرات التي تقدمها الصناعة للحياة البشرية فيلغيها!

ولكن الإسلام سيعمد - ابتداء - إلى تغيير النظرة إلى هذه الحضاريات وقيمتها.. سيمنحها قيمتها الحقيقية بلا مبالغة وبلا بخس كذلك! بحيث يصبح الروح الإنساني المؤمن هو المسيطر عليها. لا أن تكون هي المسيطرة عليه، وعلى تصوراته ومشاعره وأوضاعه وأنظمته..

قال الرجل: فكيف كان للإسلام كل ما ذكرت.. ولم يكن لسائر الأديان؟

قال: لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي بقي محفوظا بصفائه وقدسيته من بين سائر الأديان جميعا.

والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد من بين الكتب المقدسة جميعا الذي ظل يحتفظ بقدسيته.. وبالتالي هو الوثيقة الوحيدة التي يمكن اعتبارها رسالة الله إلى عباده([21])..

أما سائر الأديان، فقد عراها من التحريفات ما جعلها أفكارا بشرية أو أوهاما بشرية لبست لباس الدين، وحاولت أن تعبر عن مراد الله.. وفي الحقيقة لا تعبر إلا عن تلك الأهواء والخرافات التي كانت تسكن عقول رجال الدين.

القداسة:

قلنا: حدثتنا عن الخبرة.. فحدثنا عن القداسة.

قال: لقد عرفت من خلال أدلة كثيرة أن الذي يضع الشرائع للعباد لا يصح أن يكون له من الهوى والجهل والغرور ما يحول بينه وبين التفكير السليم في المهمة العظيمة التي وكلت له..

وقد وجدت من خلال الواقع أن هذا لا يمكن أن يتحقق بصورته المثالية في الإنسان.. فالإنسان ـ مهما سما وتقدس ـ سيبقى إنسانا.. هو غريق كسائر الغرقى.. والغريق لا يمكن أن ينقذ نفسه.. فكيف يمكنه أن ينقذ غيره؟

لأجل التأكد من هذا بحثت في قوانين العالم ودساتيره..  منذ بدأ هذا العالم إلى اليوم.. وقد رأيت أن الإنسان لم يفلح إلي الآن في الكشف عن دستور حياته([22])!

ضحك رجل منا بصوت عال، وقال: كيف تقول هذا.. ولا نرى دولة من دول العالم إلا ولها دستورها وقوانينها التي تنظم حياتها.

التفت إليه خبيب مبتسما، وقال: وجود الشيء لا يعني صحته ولا فاعليته.. ألا ترى المريض قد يستعمل الدواء.. ولكن ذلك الدواء قد يكون سبب شفائه.. كما أنه قد يكون سبب هلاكه؟

قال الرجل: قد يكون سبب هلاكه إن وصفه له دجال.. أما إن وصفه له طبيب فلن يكون إلا سبب صحته وعافيته..

قال خبيب: صدقت في هذا.. وليس هناك من طبيب يعرف البشر، ويعرف ما يصلحهم غير ربهم الذي خلقهم:﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ (الملك:14)

قال الرجل: وأولئك العمالقة الخبراء من علماء القانون؟

قال خبيب: أولئك مهما سموا.. فسيظلون بشرا.. لهم شهوات البشر وأهواؤهم وأمراضهم.. ولا يمكن للمريض أن يعالج صحيحا. 

ولعل أكبر دليل على ذلك هو تخبط البشر في وضع القوانين.. كتخبطهم قبلها في تصورهم لحقيقة الإنسان:

لقد قال بعض خبراء التشريع مقررا هذا: (لو طلبت من عشرة خبراء أن يعرفوا القانون، فعليك أن تستعد لسماع أحد عشر جوابا! ! )

لقد انقسم خبراء التشريع إلي مدارس فكرية كثيرة ؛ ولكننا- رغم تعدد هذه المدارس- قد لا نجد لبعض كبار علماء القانون فيها مكانا!

قال الرجل: ما سر ذلك؟

قال خبيب: إن سبب ذلك يرجع إلى عجز هؤلاء الخبراء عن التوصل إلي أساس صحيح يمكن إقامة صرح التشريع عليه..  إنهم يجدون أن القيم التي يحاولون جمعها في هيكل الدستور يستحيل وضعها في ميزان واحد.. وأن مثل رجل القانون في محاولته هذه كمثل الرجل الذي يزن مجموعة من الضفادع بمجموعة أخرى مماثلة ؛ فكلما وضع مجموعة في كفة وجد أن ضفادع الكفة الثانية قد وثبت إلي الماء مرة أخرى، ومن ثم باءت كل الجهود- التي استهدفت الحصول علي الدستور المثالي- بالفشل الذر يع.

لقد عبر الأستاذ (و. فريدمان ) عن هذه المشكلة قائلا: ( وإنها لحقيقة: أن الحضارة الغربية لم تجد حلا لهذه المشكلة غير أن تنزلق من وقت لآخر، من نهاية إلي نهاية أخري)

ولاحظ (جون آستين) أن الدستور- أي دستور- لايصبح نافذ المفعول إلا إذا كانت تسنده قوة من ورائه، فعرف (القانون) في كتابه، الذي نشر لأول مرة عام1861 علي النحو التالي: (القانون هو الحكم الذي أصدره (رجل رفيع المنزلة سياسيا لمن هو أدني منه في المرتبة السياسية)

وقد أصبح التشريع بناء على هذا التعريف (مرسوما لصاحب السيادة)

ولذلك شن المحدثون من العلماء حملة شديدة علي هذه الفكرة، وقالوا: إنه لا يمكن منع انحرافات الحكام إلا إذا كان (رضا الشعب العام) دعامة أساسية في التشريع.. وأنكروا أي قانون أو دستور لا يحرز رضا الجماهير ؛ وترتب علي ذلك أن ضوابط كثيرة يجمع علي صحتها وإفادتها جميع أهل العلم ومعلمي الأخلاق لا يمكن تنفيذها، لأن الشعب لا يوافق عليها.

فالأمريكيون ـ مثلا ـ لم يتمكنوا من إدخال مشروع قرار يحرم الخمر، لأن الشعب لم يرض عنه.. كما اضطر البريطانيون إلي إدخال تعديلات هامة في قانون عقوبة القتل، واضطروا إلي إباحة أنواع محرمة من العلاقات الجنسية، علي الرغم من ضجيج المثقفين، واحتجاج علماء القانون !

ليس هذا فقط.. بل إن هناك مسألة أخرى تدل على تخبط المشرعين في هذا المجال.. إنها اختلافهم حول قابلية القانون للتغير:

لقد لقيت نظرة (القانون الطبيعي) رواجا كبيرا في العصور الوسطي، وفي العصور التي تلتها، ومؤداها أن الطبيعة البشرية هي المصدر الحقيقي للتشريع: (فالطبيعة تطالب أن يكون حق السيطرة والحكومة لمطالبها الطبيعية ودعائمها الرائدة. وقد أعطت الطبيعة هذه الدعائم للإنسان في صورة (العقل)، ولذلك لابد من إقامة حكومة بقوة العقل)

وقد أعطت هذه النظرية أساسا كونيا للمشرعين، فقيل :إنه لابد من دستور موحد صالح لكل العصور.. وهذه هي نظرية علماء القرنين السابع والثامن عشر حول القانون.

ثم جاءت مدرسة أخرى ادعت استحالة معرفة الأسس الكونية للدستور.. يقول (كوهلير) في هذا: (ليس هناك دستور أبدي، وأي تشريع يصلح لعصر ما ليس- بالضرورة- صالحا لعصر آخر. وليس لنا إلا أن نجهد أنفسنا في البحث عن دستور يلائم كل حضارة علي حدة. فقد يكون دستور ما خيرا لطائفة من الناس، ثم يسب هلاك طائفة أخري)

وقد قضت أفكار هذه المدرسة الأخيرة علي تحكم القانون واستقراره، فهي تدعو الإنسان إلي فكرة التغير العمياء والنسبية؛ وهي لن تنتهي إلي حد ما حيث إنها تفتقر إلي الأساس.. وقد قلبت هذه الفكرة جميع القيم الإنسانية رأسا علي عقب.

بالإضافة إلى هذه المدارس هناك مدرسة أخرى تدعو إلى إحراز أكبر قدر من مقومات العدل في التشريع.. لقد كتب (اللورد رايت) معلقا علي فكرة (دين راسكو باوند): (إن راسكو باوند يدعو إلي فكرة- اطمأننت إلي صدقها بعد جميع تجاربي ودراستي في القانون- وهي أن الهدف الأساسي والابتدائي للتشريع هو (البحث عن العدل)

فإذا سلمنا بهذه النظرية واجهنا سؤالا هاما هو: (ما العدل؟) ؛ (وكيف يمكن تعيينه؟)، وهكذا مرة أخري نرجع إلي (جون آستين)!

ومرة أخري نقف أمام ظاهرة أن الإنسان لن يستطيع الكشف عن أساس واقعي للتشريع ؛ رغم الجهود الجبارة التي بذلت في هذا الحقل منذ مئات السنين، ويزداد يوما بعد يوم شعور بالمرارة وخيبة الأمل بين رجال التشريع، لأن الفلسفة الحديثة قد فشلت في بحثها عن أهداف الدستور.

قال رجل منا: إن أكثر ما ذكرت تصريحات.. ونحن نريد إثباتات.. فالتصريحات لن توقعنا إلا في التقليد.

قال خبيب: صدقت.. أنا أكره التقليد.. ولهذا لم أكتف بما ذكرت لكم من تصريحات.. لقد رحت أبحث في مدى توفر الدين على جميع الأسس اللازمة التي يبحث عنها المشرعون لصياغة دستور مثالي.

وقد بدأت بأهم مشكلات التشريع الإنساني.. وهي مشكلة مصدر التشريع.. فأول الأسئلة وأهمها بالنسبة لأي تشريع هو البحث عن مصدر هذا التشريع: من الذي يضعه ! ومن ذا يعتمده حني يصبح نافذ المفعول؟

لم يصل خبراء التشريع إلى إجابة عن هذا السؤال حني الآن.. ومن الصعب أن يجدوا:

لأنه لو أننا خولنا هذا الامتياز للحاكم، لمجرد كونه حاكما، فليس هناك أساس نظري وعلمي يجيز تمتعه- هو أو شركاؤه في الحكم- بذلك الامتياز.. ثم إن هذا التحويل من ناحية أخري لا يجدي نفعا ؛ فإن إطلاق أيدي الحكام ليصدروا أي شئ لتنفيذه ـ بوسيلة القوة ـ أمر لا تطيقه ولا تحتمله الجماهير.

ولو أننا خولنا سلطة التشريع لرجال المجتمع، فهم أكثر جهالة وحمقا ؛ لأن المجتمع- أي مجتمع- إذا نظرنا إليه ككل، لا يتمتع بالعلم والعقل والتجربة، وهي أمور لابد منها عند التشريع.. فهذا العمل يتطلب مهارة فائقة وعلما وخبرة، وهو ما لا تستطيع العامة من الجماهير الحصول عليه ؛ كما أنها وإن أرادت لن تجد الوقت الكافي لدراسة المشكلات القانونية وفهمها.

قال رجل منا: من السهل أن نقوم بحل وسط.

قال خبيب: ما هو؟

قال الرجل: أن يختار الشعب من يمثله.. ثم يصدر هؤلاء القوانين والتشريعات باسم الشعب.

ابتسم خبيب، وقال: من الممكن أن ندرك حماقة هذا الحل الوسط، حين نجد أن حزبا سياسيا لا يتمتع إلا بأغلبية 51% من مقاعد البرلمان يحكم علي حزب الأقلية الذي يمثل 49% من أفراد المجتمع البالغين.

والأدهى من هذا أن هذا الحل يحتوي على فراغ كبير جدا تنفذ منه (أقلية) لتحكم علي أغلبية السكان.. فالحكومة التي حكمت بلادنا قبل فترة([23]) قد وصلت إلى مقاليد الحكم عن طريق الانتخابات العامة التي أجريت في البلاد..  وقد فاز حزب (اليمين) فيها بنسبة 70% من مقاعد البرلمان في حين أن نواب هذا الحزب لم يحصلوا إلا علي 40% من أصوات الشعب في الانتخابات. وهذا هو ما حدث في الانتخابات التي أجريت قبل سنة، وحصل حزب الشمال في كلتيهما علي أقل من 50% من مجموع الأصوات! ولكنه رغم ذلك كان له الحق في تشكيل الحكومة، لأن أصوات الناخبين الأخرى كانت موزعة بين نواب الأحزاب (المعارضة)، ولم تكن بطولة حزب (الشمال) إلا في أنه أحرز أصواتا أكثر من أي حزب آخر علي حدة.

ولا أستثني من هذه القاعدة إلا الانتخابات المزعومة التي تجري في الأنظمة الشمولية، فيفوز زعماؤها بأرقام خيالية للأصوات!

وهكذا نقف مرة أخري أمام ظاهرة البحث عن أساس القانون ومصدره.

قال الرجل: إن هذا تحد حقيقي.. فهل استطاع الدين أن يواجهه؟

قال خبيب: أجل.. لقد رأيت الدين يستجيب لهذا التحدي الخطير، الذي قد يدمر سعادة البشرية كلها..  إنه يقول: إن مصدر (التشريع) هو (الله) وحده خالق الأرض والكون ؛ فالذي أحكم قوانين الطبيعة هو وحده الذي يليق أن يضع دستور حضارة الإنسان ومعيشته.. وليس هناك من أحد غيره سبحانه يمكن تخويله هذا الحق.

إن هذا الجواب معقول وبسيط لدرجة أنه يصرخ قائلا، لو استطعنا أن نسمع نداءه: هل هناك أحد غير الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يسوى هذه المشكلة المصيرية؟

لقد وصلت بنا هذه الإجابة إلي مكانها الحقيقي من التشريع والمشرع ؛ بعد أن استحال علينا المضي خطوة ما في ظلام الضلالة عن الهدي الحقيقي.

أنه لا يمكن قبول إنسان حاكما ومشرعا للإنسان ؛ ولا يتمتع بهذا الحق إلا خالق الإنسان وحاكمه الطبيعي :الله.

قال رجل منا: وعينا هذا.. ووعينا الدور الذي يمكن أن يلعبه الدين فيها.. لكن التشريع لا يتوقف عند مصدره فقط..

قال خبيب: لقد بحثت في هذا أيضا.. وقد وجدت أن من أهم الأسئلة لدي علماء القانون تحديد عناصر التشريع.. هل هي كلها إضافية، أو أن هناك عنصرا أو عناصر أساسية في التشريع لا يمكن الاستغناء عنها في أي دستور عند تعديله، أو تجديده أو تغييره؟.

لم يستطع خبراء التشريع الوصول إلي اتفاق في هذا الصدد، رغم البحوث الطويلة التي أجريت في هذا الباب. وهم يسلمون نظريا بأنه لابد من عنصر في التشريع يتمتع بالدوام والأبدية، مع عناصر أخري تتصف بالمرونة، فيمكن الاستغناء عنها عند الضرورة.

ويرون أيضا أن افتقار الدستور إلي أحد العنصرين: (الأبدي والإضافي) سوف يكون مصدر شقاء دائم للبشرية. وقد عبر عن هذه الحالة أحد قضاة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو القاضي كاردوزو بقوله: (من أهم ما يحتاج إليه التشريع اليوم: أن نصوغ له فلسفة للتوفيق بين الرغبات المتحاربة حول ثبات عنصر وتغير عنصر آخر)

والحق أنه لا يمكن التوصل إلي أساس يميز بين عناصر القانون الذي وضعه الإنسان بعضها وبعض، فكل عنصر يدعي أنه صالح للدوام يلزمه أن يقدم دليلا علي ذلك ؛ وهو عاجز تماما عن الإتيان بذلك الدليل ؛ فقد نري اليوم عنصرا من الدستور يصاغ بناء علي رغبات الشعب، فقد لا يعجبهم ذلك أو يرونه قد فقد صلاحيته بمضي الزمن.

قال رجل منا: فهل يوجد في التشريع الإسلامي التمييز بين العناصر الثابتة والمتطورة؟

قال: أجل.. ولا يوجد في جميع أديان الدنيا التمييز بينهما كما يوجد في الإسلام.. وسأشرح لكم هذا عند حديثنا عن سائر خصائص الشريعة الإسلامية.

قال الرجل: فحدثنا عن المزايا الأخرى للتشريع الرباني.. والتي جعلتك تفضله على التشريع البشري.

قال خبيب: هي كثيرة جدا.. لا يمكنني أن أذكرها لكم جميعا..

ابتسم، وهو يقول مشيرا إلى المشنقة: إن المشنقة تنتظرني، وهي مشتاقة لأن تلف حبلها على عنقي.. ولذلك لابد أن أختصر.. ولكن مع ذلك سأذكر لكم بعض الأمثلة مما وجدت الشريعة قد نجحت فيه في الوقت الذي أخفق فيه التشريع البشري بسبب عدم تقدس من يضعون هذا التشريع.

لقد عرف الدستور الذي وضعه الإنسان (الجريمة) بأنها (كل عمل يضر بالأمن العام أو نظام الحكم القائم)، فالتشريع الإنساني لا يجد أساسا غير هذا لاعتبار عمل ما جريمة.. وقد دفع هذا الأساس القانون البشري إلى إقرار أن جريمة (الزنا) ليست بجريمة، إلا إذا تمت جبرا أو إكراها لأحد الطرفين. فالقانون البشري ـ على هذا الاعتبار ـ لا يعتبر (الزنا) جريمة، وإنما الجريمة الحقيقية عنده هي الجبر والإكراه الذي سبق (الزنا)

وهذا مخالف لما جاء به الدين من اعتبار (الزنا) جريمة مطلقة.. وقد وجدت أن الدين أصدق في هذا الاعتبار من القانون.. فالزنا يحمل فسادا نفسيا واجتماعيا كبيرا.. فهو ينشئ مشكلات الأطفال غير الشرعيين، ويضعف روابط الزواج ؛ بالإضافة إلى كونه يصدر عن عقلية تفضل اللذات السطحية في الحياة، وتربي عقلا خائنا، وتخلق السرقة واللصوص، وتروج الاغتيالات والانتحار والخطف ؛ ومن ثم يفسد المجتمع كله.. ولكن القانون - رغم ذلك- لا يستطيع اعتباره جريمة لأنه لا يجد أساسا لتحريم (الزنا) الذي تم بالرضا المتبادل.

وهكذا بالنسبة للخمر.. لأن القانون يتصور أن الأكل والشرب حق من الحقوق الطبيعية للإنسان، وهو حر في اقتناء ما يريد أن يأكله ويشربه ؛ وليس للقانون أن يتدخل في حقوق الطبيعة، ومن ثم لم يكن شرب الخمر والسكر الذي يتبعه جريمة في الواقع، إلا إذا اعتدي شارب الخمر علي أحد المواطنين في هذه الحالة من السكر ؛ أو خرج إلي الشارع وهو سكران ؛ فالجريمة ليست هي حالة السكر بل الاعتداء علي الآخرين في تلك الحالة!

لكن الشريعة تخالف ذلك وتعتبر شرب الخمر جريمة تعاقب عليها.. وقد وجدت أنها في هذا أصلح للإنسان من القانون.. فالخمر تضر بالصحة، وتبدد أموال الناس، وتؤدي بمدمنيها إلي كوارث اقتصادية محققة، وتضعف الشعور الأخلاقي، حني إن الإنسان يتحول إلي حيوان رويدا رويدا.. والخمر خير مساعد للمجرمين، فهي تشل الإحساسات اللطيفة، حتى يستطيع الإنسان اقتراف أية جريمة من السرقة والقتل، وهدر العصمة..  ولكن القانون الإنساني رغم هذه المعايب الشنيعة لن يتمكن من تحريم الخمر، لأنه لا يجد جوابا يسوغ تدخله في حق من حقوق الإنسان الطبيعية([24])! !

التأثير:

قلنا: حدثتنا عن الركنين الأولين.. فحدثنا عن الثالث الذي جعلك تعتبر الربانية ركنا من أركان الشريعة.. وخاصة من خصائصها الأساسية.

قال: لقد عرفت من خلال أدلة واقعية كثيرة أن الشريعة الوحيدة التي تستطيع أن تؤثر في الناس هي الشريعة التي يفرضها إله قوي حاكم له سلطة على عباده، فهو يجازيهم إن أحسنوا، ويعاقبهم إن أساءوا.. وهو مع ذلك كله مطلع عليهم يعرف سرهم وعلانيتهم.

وهذا الذي عرفته يمكنكم أن تعرفوه جميعا.. وبسهولة ويسر..

فأنتم تعرفون أنه لو طرحت ـ مثلا ـ قضية أمام القانون، وتعمد الفريقان وشهودهما الكذب، فلم يتبين الصدق أمام القاضي.. فإن القاضي في هذه الحالة لن يتمكن من الحكم بالعدل مهما حاول.

ولذلك كان لابد من قانون آخر (وراء القانون) يحرك الناس، ويحملهم علي الإدلاء بالبيانات الصادقة للوصول إلي العدل.. وقد اعترفت جميع محاكم العالم بهذا المبدأ، حتى إنها تلزم كل شاهد أن يقسم بالله أن يقول الحق قبل الإدلاء بشهادته.. وهو دليل واضح علي أهمية المعتقدات الدينية، حتى أصبحت أيمان المحاكم أضحوكة، تقليدا لا يأتي بأي نفع.

ليس هذا فقط ما أريده بالركن الثالث، والذي أسميه عادة (التأثير)..

هناك شيء مهم تفتقر إليه أكثر القوانين.. وهو قناعة المتلقي بالقانون الذي يحكمه..

فمما لابد منه أن يكون أي (عمل) يعاقب عليه القانون (جريمة) في نظر المجتمع أيضا، وأي بند من قانون مكتوب لا يمكنه أن يوفر نفسية في المجتمع، ترى في عمل ما جريمة، كما يراه القانون ؛ فإن القانون يبقى قاصرا ضعيفا.. سيجد بسهولة من يحتال عليه.. ولا يعاتب نفسه في احتياله.

إذ لابد من أن يشعر مرتكب الجريمة بأنه (مذنب) ويعتبره المجتمع مذنبا..  ويقبض عليه رجال الشرطة بكل اقتناع، ثم يصدر قاضي المحكمة - وهو في غاية الاطمئنان- حكما ضد ذلك الرجل. ولذلك كان لابد أن تكون كل جريمة (ذنبا) أيضا..

وهذا الذي أقوله هو ما يراه أصحاب المدرسة التاريخية من رجال القانون، فهم ينصون على ( أن أي تشريع لن يصيب هدفه إلا إذا كان مطابقا للاعتقادات السائدة عند المجتمع الذي وضع له ذلك القانون، ولو لم يطابق التشريع اعتقادات المجتمع فلابد من فشله)

هذا الرأي الذي عبرت عنه (المدرسة التاريخية) لرجال القانون غير صائب في مغزاه الحقيقي الذي يرمي إليه إطلاقا، ولكن له مع ذلك محلا من الصدق في هذا الجانب الذي نتحدث عنه.

سكت قليلا، ثم قال: أنتم تشاهدون في الواقع مدى ضعف الروادع التي تحاول أن تحمي القانون..

ذلك أن خوف الشرطة والمحكمة لا يكفي لدرء الجرائم، وإنما لابد أن يكون هناك وازع في المجتمع يمنع الناس من ارتكاب الجرائم، لأن الرشاوى، والمحسوبيات، وخدمات المحامين البارعين، وشهود الزور.. كل هذه العوامل تكفي لحماية المجرم من أية شرطة أو محكمة إنسانية، والمجرم لا يرهب عقابا، أي عقاب، لو استطاع أن يفلت من أيدي القانون.

قال رجل منا: فكيف حلت الشريعة الربانية هذه المشكلة؟

قال: لقد توفر في الشريعة الإلهية الصحيحة كل دوافع التأثير.. فعقيدة (الآخرة)، التي يحملها الشرع الإلهي هي خير وازع عن ارتكاب الجرائم، وهي تكفي لتبقي إحساسا بالجريمة واللوم يعتمل في قرارة ضمير الإنسان لو أدلي بشهادة كاذبة أمام القاضي.

سكت قليلا، ثم قال: سأضرب لكم مثالا يقرب ذلك.. في هذا المثل صرع القانون بكل أجهزته.. لكن الشريعة انتصرت انتصارا لا تزال آثاره نشهدها إلى اليوم:

إنه الموقف من الخمر.. لاشك أن البشرية جميعا تدرك مضار الخمر.. وهي مضار لا تقل عن مضار المخدرات.. ولكنها مع ذلك لا تستطيع أن تتخذ أي موقف إيجابي تجاهها.

وسبب ذلك بسيط.. وهو أنها تعلم عجزها عن سن قوانين ترتبط بهذا..

لست أتكلم عن مسألة افتراضية.. وإنما أتكلم عن مسألة واقعية..

لقد عقد السيد الفاضل أحمد ديدات مقارنة بين انتشار الخمر بين المسلمين وانتشارها بين المسيحيين، فذكر أن جمهورية جنوب إفريقيا ذات الاقلية البيضاء، والتي تقدر بأربعة ملايين نسمة، من بين مجموع السكان البالغ عددهم أربعين مليون نسمة. بها حوالي ثلاثمائة ألف مدمن خمر، يسمونهم ( الكحوليين ).

وتظهر الاحصائيات أن عدد مدمني الخمر من الملونين في جنوب إفريقيا يوازي خمسة أضعاف عدد مدمني الخمر ضمن أي جنس آخر.

ومثله المبشر الانجليزي، جيمي سواجرت الذي كتب في كتاب له بعنوان (الخمر):( إن أمريكا بها أحد عشر مليون مدمن، وأربعة وأربعين مليون من المفرطين في شرب الخمر)

لا شك أن هذه إحصائيات قديمة.. وفي الواقع أكثر من ذلك بكثير.

قارن هذه الأعداد الضخمة بأعداد الذين يشربون الخمر من المسلمين..

فهم رغم بعدهم عن دينهم إلا أن الخمر والكثير من المحرمات لا تزال راسخة الحرمة في أذهانهم..

إنها منذ أنزل على نبيهم:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ(91) (المائدة) وهم يجتنبون الخمر.. ويبتعدون عنها كل البعد.

أتدرون كيف فرض محمد هذا القانون.. قانون تحريم الخمر؟

لقد فرضه بالإيمان.. لم ينفق محمد صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك درهما واحدا، بل كفاه عن كل ذلك تينك الآيتين.. لقد جعلتا كل القلوب تنفر من الخمر من غير شرطة لا قوانين ولا مصادرات.

فعن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:( يا أيها الناس إن الله يبغض الخمر، ولعل الله سينزل فيها أمراً، فمن كان عنده شيء فليبعه ولينتفع به)، قال أبو سعيد: فما لبثنا إلا يسيراً، حتى قال:( إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية -يعني آية المائدة السابقة- وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبيع)، قال أبو سعيد: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها([25]).

وعن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب فجاءهم آت فقال: إن الخمر حرمت.. فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها.. فأهرقها([26]).

قارنوا هذا بما فعلته  الولايات المتحدة الأمريكية عندما فكرت أن تحرم الخمر..

أنتم تعلمون أن الولايات المتحدة فكرت في يوم من الأيام في أن تحرم الخمر على شعبها لما رأت من أضرارها الشديدة على البناء الصحي والخلقي للمجتمع.. وقد فعلت المستحيل لأجل ذلك:

بدأت ـ أولا ـ بإصدار قانون([27]).. ولم يكن مجرد أمر ملكي أو منشور إمبراطوري، بل كان تشريعا جاء عن طريق برلمان في بلد ديمقراطي دستوري حر، فحوالي عام 1918ثارت المشكلة في الرأي العام الأمريكي. وفي عام 1919أدخل في الدستور الأمريكي تحت عنوان « التعديل الثامن عشر »، وفي نفس السنة أيد هذا التعديل بأمر حظر، أطلق عليه التاريخ قانون (فولستد).

ولم يكتفوا بالقانون، بل جيشوا كل جيوشهم لتطبيقه، فجند الأسطول كله لمراقبة الشواطئ، منعاً للتهريب، وجند الطيران لمراقبة الجو، وشغلت أجهزة الحكومة، واستخدمت كل وسائل الدعاية والإعلام لمحاربة الخمر، وبيان مضارها وجندت كذلك المجلات والصحف والكتب والنشرات والصور والسينما والأحاديث والمحاضرات وغيرها.

ويقدر ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليوناً من الدولارات، وأن ما أصدرته من كتب ونشرات يبلغ عشرة ملايير صفحة، وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم -في مدة أربعة عشر عاماً_ لا يقل عن مائتين وخمسين مليون جنيه، وقد أعدم في هذه المدة ثلاثمائة نفس، وسجن 532،335 نفس، وبلغت الغرامات ستة عشر مليون جنيه، وصادرت من الأملاك ما بلغ أربعمائة مليون وأربعة ملايين جنيه.

ولكن الأمريكيين لم يزدادوا إلا غراماً بالخمر، وعناداً في تعاطيها، حتى اضطرت الحكومة سنة 1933الى إلغاء هذا القانون، وإباحة الخمر إباحة مطلقة.

الشمول

قلنا: حدثتنا عن الركن الأول.. فحدثنا عن الركن الثاني.

قال: أرأيتم لو أن طباخا ماهرا.. تفنن في نوع من أنواع الأطعمة.. بحيث صرف من يأكل عنده عن كل طعام إلا عن طعامه.. وكان ذلك الطعام لا يحتوي إلا على سكريات لذيذة.. مندمجة في وسط مشبع بالدهون.. هل ترون من يقتصر على طعامه محسنا أو مسيئا؟

قال رجل منا: أنا طبيب.. وأنا أدرى الناس بجوابك..

ابتسم خبيب، وقال: الحمد لله.. فأنت أولى الناس بالحديث في هذا.

قال الرجل: إن من يقتصر على ما ذكرت من الأطعمة سيصاب لا محالة بنقص التغذية.

قال خبيب: ولكنه يأكل طعاما كثيرا..

قال الرجل: ولو أكل في جفنة كالجفنة التي قال فيها الأعشى ميمون بن قيس:

تَرُوحُ عَلَى آل المَحَلَّق جَفْنَةٌ    كَجَابِيَة الشَّيخ العِراقي تَفْهَق

أو كتلك الجفنة التي قال فيها القرآن الكريم عن ملك سليمان u :﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ (سـبأ: 13)

قال خبيب: لم كان الأمر كذلك؟

قال: لأن أي شخص يفتقر غذاؤه بشدة إلى أي عنصر غذائي يقال إنه سيئ التغذية.. وقد يتوافر لبعض الناس سيئي التغذية كمية وفيرة من الغذاء، لكنهم يختارون تناول أطعمة لا تمد الجسم بجميع العناصر الضرورية.. وبعضهم يتعرض لمشاكل صحية لأنهم يأكلون بنهم، ويصبح وزنهم زائدًا على المسموح به.

قال خبيب: فما الحل الذي ينبغي لمن وقع في هذا الفقر الغذائي أن يفعل؟

قال الرجل: ينبغي لمن وقع في مثل هذا أن يبحث عن غذاء معتدل متوازن شامل لكل احتياجاته الغذائية.

قال ذلك، ثم التفت إلى خبيب، وقال: لم تسأل عن هذا؟

قال خبيب: ليت البشر الذين عرفوا حاجات الجسم.. عرفوا حاجات الروح والنفس والعقل والقلب.. وحاجات المجتمع بعد ذلك.

قلنا: لم؟

قال: حتى يتجنبوا الوقوع فيما يقع فيه الجسد إن لم يتكامل غذاؤه.. ألم تسمعوا ما ذكر الطبيب من تأثير نقص التغذية على الجسم؟

قلنا: بلى.

قال: إن كل ما ذكره هو نقص تغذية الجسم.. وليس بالجسم وحده يعيش الإنسان.

قلنا: فبم يعيش؟

قال: للإنسان لطائف كثيرة([28]).. هو كجهاز معقد تحتاج كل دارة فيه إلى نوع من أنواع الكهرباء.. ولذلك لا يمكن أن يتعامل معه إلا الخبير العارف بحاجاته جميعا.

قلنا: فمن هو ذاك؟

قال: ربه.. ربه الذي خلقه هو أدرى الناس بحاجاته.. ولذلك يسدها جميعا.

قلنا: أهذا ما تسميه الشمول؟

قال: أجل.. لقد بحثت في هذا.. فتشت جميع دواوين الدنيا من الكتب المقدسة.. والكتب التي كتبها المفكرون والفلاسفة ورجال القانون.. فلم أر في تلك الأسفار جميعا ما يغطي جميع احتياجات الإنسان الدقيق والجليل منها كما وجدته في شريعة الإسلام.. لقد رأيت جميع تلك الأديان والمذاهب في أحسن أحوالها لا تعدو أن تكون كذلك الطباخ الذي يقتل الناس بإطعامهم صنفا واحدا.

قلنا: فحدثنا عن شمولية الإسلام.

قال: إن الرسالة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي الرسالة الوحيدة التي خاطبت العالم أجمع.. فلم تقتصر في خطابها من أول يوم على أمة من الأمم أو عرق من الأعرق أو بلد من البلدان..

لقد قال المسيح معبرا عن خصوص رسالته لشعب إسرائيل: (لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة)(متى 15 / 24)

بينما نجد القرآن الكريم يقول عن رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم :﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ (الانبياء:107).. إن هذه الآية صريحة في التوجه العالمي لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي القرآن :﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ (لأعراف:158)

وفيه :﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ (الفرقان:1)

وفيه :﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴾ (الأنعام: 90)

وفيه :﴿  إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ (صّ:87)

وفيه :﴿ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ (القلم:52)

ولهذا أثنى الله على أمة الإسلام في كتابه حين خاطبها فقال:﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾  (آل عمران: 110)

وقد وجدت بالبحث المستفيض الشامل أن رسالة الإسلام هي الرسالة الوحيدة التي استوعبت حاجات الإنسان جميعا.. فهي ليست رسالة لعقل الإنسان دون روحه، ولا لروحه دون جسمه، ولا لأفكاره دون عواطفه، ولا عكس ذلك.. إنها رسالة الإنسان كله: روحه وعقله، وجسمه، وضميره، وإرادته ووجدانه.

وقد لاحظت أن العبادة في الإسلام تستوعب الكيان البشري كله:

فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:  أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله، والجهاد في سبيله قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمناً، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعاً أو تصنع لأخرق، قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس فإنها صدقةٌ منك على نفسك([29]).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقةٌ، فكل تسبيحةٍ صدقةٌ، وكل تحميدةٍ صدقةٌ، وكل تهليلةٍ صدقةٌ، وكل تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ. ويجزيء من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)([30])

وقال: ( عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساويء أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن)([31])

وقال: ( كل سلامى من الناس عليه صدقةٌ كل يومٍ تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقةٌ، وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقةٌ، والكلمة الطيبة صدقةٌ، وبكل خطوةٍ تمشيها إلى الصلاة صدقةٌ، وتميط الأذى عن الطريق صدقةٌ) ([32])

وقال : ( يا نساء المسلمات لا تحقرن جارةٌ لجارتها ولو فرسن شاةٍ) ([33])

وقال: (الإيمان بضعٌ وسبعون، أو بضعٌ وستون شعبةً: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان) ([34])

وجاءه ناس، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به: إن بكل تسبيحةٍ صدقةً، وكل تكبيرةٍ صدقةً، وكل تحميدةٍ صدقةً وكل تهليلةٍ صدقةً، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، وفي بضع أحدكم صدقةٌ، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجرٌ؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ([35]).

وقال: لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرةٍ قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين([36]).

وقال: ( كل معروفٍ صدقةٌ)([37])

وقال: ( ما من مسلمٍ يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقةً، وما سرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحدٌ إلا كان له صدقةً)([38])

وقال: ( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها)([39])

قال رجل منا: فكيف يتجلى شمول الإسلام في الأخلاق؟

قال: لقد لاحظت من خلال البحث المستفيض في الأديان والفلسفات والمذاهب أن الأخلاق في الإسلام هي الأخلاق الوحيدة التي لم تدع جانبا من جوانب الحياة الإنسانية: روحية أو جسمية، دينية أو دنيوية، عقلية أو عاطفية، فردية أو اجتماعية.. لذلك لخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسالته بأنها رسالة أخلاقية.. فقال : (إنَّما بُعِثتُ لأُتممَ مكارمَ الأخلاق)([40])

واعتبر أن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا، فقال : ( (أكمل المؤمنين إيمانا، أحسنهم خلقا)([41])

وقال: (حسن الخلق يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد)([42])

وقال: (حسن الخلق، خلق الله الأعظم)([43])

وقال: (حسن الخلق نصف الدين)([44])

وقال: ( إن الرجل ليدرك بحسن الخلق درجة القائم بالليل، والظامىء بالهواجر)([45])

وقال: ( إن الرجل المسدد ليدرك درجة الصوام القوام بآيات الله، بحسن خلقه وكرم سريرته)([46])

وقال: ( ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، فإن صاحب الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة)([47])

وقال: ( أول ما يوضع في الميزان، الخلق الحسن)([48])

وقال: ( ليس شيء أثقل في الميزان من الخلق الحسن)([49])

وقال: (  ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غدا؟ على كل هين لين قريب سهل)([50])

وقال: ( خير ما أعطي الناس خلق حسن)([51])

وقال: (  أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف)([52])

وقال: (  إن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفاسفها)([53])

وقال: (  إن العبد ليبلغ بحسن خلقه أعظم درجات الآخرة وشرف المنازل، وإنه لضعيف العبادة، وإنه ليبلغ بسوء خلقه أسفل دركات جهنم وإنه لعابد)([54])

وقال: ( إن أحبكم إليّ وأقربكم مني في الآخرة مجالس محاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مساوئكم أخلاقا الثرثارون المتفيهقون المتشدقون)([55])

ولم يكتف الإسلام بالتوجيهات العامة.. بل وصف وصفا دقيقا فروع الأخلاق وتفاصيلها.. بل كيفية تحصيبلها، وضوابط كل ذلك مما لم تبلغه جميع المدارس الأخلاقية في العالم جميعا.

الواقعية

قلنا: حدثتنا عن الركن الثاني.. فحدثنا عن الركن الثالث.

التفت إلي مبتسما، وقال: لا شك أنك رجل دين..

قلت: أجل.. وهل هناك حرج من كوني كذلك؟

قال: لا حرج عليك.. لقد كنت مثلك.. كنت أعلق على رقبتي الصليب.. وكنت ألبس طيالسة الأحبار.. ولكني عندما التمست أن أدعو لتطبيق الشريعة التي جاءت في الكتاب المقدس وجدتني عاجزا تمام العجز..

قلت: وما المعجز فيها؟

قال: اقرأ على هذا الجمع المبارك ما ورد في الشريعة من الأحكام المرتبطة بالبرص.. أم أنك لا تحفظ ما ورد في ذلك؟

قلت: أنا أحفظ ذلك.. وسأردد عليك بعض ما ورد من ذلك.. لقد جاء في (سفر الللاويين: 13: 45 ):( وعلى المصاب بداء البرص أن يشق ثيابه ويكشف رأسه ويغطي شاربيه، وينادي: (نجس! نجس!). ويظل طول فترة مرضه نجسا يقيم وحده خارج المخيم معزولا )

ثم التفت إليه، وقلت: أهذا ما تريد.. أهذا ما أزعجك من الكتاب المقدس.. ما أسهل أن يطبق هذا الحكم لمن أراد أن يطبقه.

قال: ليس هذا فقط ما ورد.. هناك أشياء أخرى.. سأعفيك من قراءتها.. سأقرؤها أنا بدلك.. لقد جاء في (اللاويين: 14: 35) فيما إذ اشتبه أهل المنزل في مرض منزلهم بالبرص:( يأتي صاحب البيت ويخبر الكاهن أن داء البرص قد يكون متفشيا بالبيت، فيأمر الكاهن بإخلاء البيت قبل أن يدخل إليه لئلا يتنجس كل ما في البيت، ثم يدخل الكاهن البيت ليفحصه. فإذا عاين الإصابة ووجد أن في حيطان البيت نقرا لونها ضارب إلى الخضرة أو إلى الحمرة، وبدا منظرها غائرا في الحيطان، يغادر الكاهن البيت ويغلق بابه سبعة أيام. فإذا رجع في اليوم السابع وفحصه، ووجد أن الإصابة قد امتدت في حيطان البيت، يأمر الكاهن بقلع الحجارة المصابة وطرحها خارج المدينة في مكان نجس، وتكشط حيطان البيت الداخلية، ويطرحون التراب المكشوط خارج المدينة في مكان نجس )

التفت إلى الجمع، وقال: تصوروا لو أن الكنيسة أصدرت مثل هذا القرار.. وأن هذا الحكم طولب بتطبيقه في مدننا التي تصاب بالبرص.. ما الذي سيحصل؟

إن هذا كلام يقرؤه مئات الملايين من المسيحيين في العالم، ويترجمونه إلى لغاتهم المختلفة!؟

تصوروا لو أن هذا الكلام يقرؤه الأطباء والصيادلة والعلماء على اعتباره كلاما لله.. فأي فائدة سيجنونها من المعرفة بالله، وهم يرونه يحدثهم عن أمور يضحك منها أبسط شخص منهم!؟

ألا ترون أن في هذا الكلام استغلالا خطيرا لا يختلف عن استغلال الكهان والعرافين والسحرة.. إن هذا الأبرص المسكين مكلف بكل التكاليف الثقيلة.. بالعصافير الحية.. وبالكبشين الصحيحين.. وبالنعجة الحولية.. وبالزيت.. وبالعجين..

قلت: ولكن كل هذا منسوخ في المسيحية.. ألم تسمع بما فعل بولس؟

قال: أجل.. لقد نسخ الشريعة.. ولكنه خالف المسيح بذلك.. لأن المسيح قال:( لا تظنوا أني جئت لانقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لانقض بل لأكمل)(متى 17:5).. ومع ذلك، فإني إبان مسيحيتي كنت أميل إلى بولس مني إلى المسيح.. أتدري لم؟

قلت: لم؟

قال: لأن بولس ـ على الأقل ـ كان واقعيا.. لقد رأى أن الشريعة التي يختزنها الكتاب المقدس.. شريعة أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.. إنها شريعة تجعل الإنسان يبحث عما لا يجديه نفعا.

ابتسم، وقال: لست أدري هل وجد أولئك الأغبياء البقرة الحمراء التي نص عليها الكتاب المقدس أم لا([56]).

قلت: إن لديك سوء فهم للمسيحية.. فالمسيحية التي جاء بها المسيح تعرفها من خلال العهد الجديد لا من خلال العهد القديم..

ابتسم، وقال: أما أنا فقد فهمت المسيحية من خلال العهد الأخير.. لا من خلال العهدين السابقين جميعا.. فالعهد الأخير هو الذي وضح كل الأمور.. ووضع جميع النقاط على حروفها.

قلت: لم أسمع بشيء اسمه العهد الأخير.

قال: إنه رسالة الإسلام.. إنها عهد الله الأخير والخاتم إلى عباده..

لن أحدثك في هذا.. فلعلك سمعت في حياتك من حدثك عنه.. ولكن أجبني.. هل يمكن أن يطبق واقعيا ما نصحنا به المسيح؟

قلت: أي نصيحة تريد؟

قال: لقد نصحنا بأن نحب أعداءنا، وأن نبارك لاعنينا.. لقد قال لنا المسيح:( لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضاً. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً )(متى5: 38)

ألا ترى أن هذه النصيحة مثالية؟

قلت: ولكنها ممكنة التطبيق..

قال: أجل.. هي ممكنة التطبيق.. وقد جاء في الإسلام الدعوة لمثلها.. ولكن الفرق بينهما أن الإسلام جاء بها بصورة واقعية.

قلت: كيف؟

قال: لقد جاء في القرآن :﴿ وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ الشورى: 40)..فهذه الآية ذكرت العدل والفضل، حتى لا يعول المجرم على الفضل، فيقدم على إجرامه.

وذكر القرآن مع ذلك الفضل المحض المصحوب بالترغيب العظيم، قال تعالى :﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (النور: 22)

هذا هو الدين الواقعي الذي يضع لك المراتب المختلفة.. المراتب الواقعية والمثالية لتعمل بحسب طاقتك.

التفت إلي، وقال: ماذا قال المسيح في غض البصر؟

قلت: لقد قال في (إنجيل متى: 18 / 8 ): ( فإن أعثرتك يدك أو رجلك فاقطعها وألقها عنك.. خير لك أن تدخل الحياة أعرج أو أقطع من أن تلقى في أتون النار الأبدية ولك يدان أو رجلان.. وإن أعثرتك عينك فاقلعها وألقها عنك خير لك أن تدخل الحياة أعور من أن تلقى في جهنم ولك عينان)

قال: هل ترى أنه من الممكن أن يطبق مثل هذا؟

قلت: أجل.. يمكن ذلك.. وقد حصل ذلك فعلا.. ففى تاريخ الكنيسة قصص لأناس مثل سمعان الخزاز  وأورجانيوس.. لقد قال القمص تادرس يعقوب فى تفسيره :( فإن كنا بالروح القدس النارى نعرف كيف نقدم أيدينا العثرة لصليب يسوع المسيح فتبتر لا نبقى بلا يدين إنما يصير المسيح نفسه يدينا العاملتين، وكذلك الرجلين نقدمهما بالروح القدس لصليب ربنا يسوع لبترها، ونلبس السيد نفسه ذى القدمين النحاسيتين حتى نعبر إلى حضن أبيه ونحن فى أمان روحى وسلام فائق) 

قال: أنا أوافقك في كل ذلك.. لقد كان هذا.. ولكن هل هذا التشريع واقعي؟.. تصور لو أن كل البشر فعلوا ما طلبه المسيح.. هل ستبقى الحياة على الأرض؟

سكتُّ، فقال: قارن هذا بما ورد في نصوص المسلمين المقدسة.. لقد أمر بغض البصر.. ولكن لم يؤمر بقلع البصر.. لقد قال الله تعالى يدعو إلى هذا :﴿  قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾ (النور)

وفي حال الوقوع في الخطيئة شرعت الشريعة التوبة.. لا قلع البصر..

فشريعة الله لم تفترض في المؤمنين المتقين أن يكونوا ملائكة لا تسول لهم أنفسهم سوءا.. كلا إن الإنسان جمع بين الطين نفخة الروح، فليس بمستنكر أن يذنب، ثم يتوب.. إنما المنكر أن يتمادى في الذنوب ويستمرئ الرذيلة.. لقد أذنب آدم ـ أبو البشر ـ وتاب فتاب الله عليه، فلا غرابة أن يكون بنوه مثله، لهذا جعل القرآن من أصناف المتقين :﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ (آل عمران:135)

كما فرق القرآن بين كبائر الإثم وفواحشه، وبين صغائر السيئات ولمم الذنوب التي قلما يسلم منها أحد، فهي في دائرة المسامحة والغفران ما اجتنبت الموبقات.. قال تعالى :﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾ (النساء:31)

قال رجل من الجمع: وعينا كل هذا.. ولكن الذي يحيرنا هو: كيف تستطيع شريعة جاءت قبل أكثر من أربعة عشر قرنا أن تحكم البشر بعد كل هذه المدة..

إن هناك قضايا كثيرة مستجدة جعلت من إنسان هذا العصر إنسانا مختلفا عن سائر العصور.. فكيف استطاعت شريعة الإسلام أن تحتفظ بواقعيتها مع كل هذه التطوات؟

ابتسم خبيب، ثم قال: أرأيت لو أن هناك موعظة وردتك من آلاف السنين.. وكان فيها مثل هذه الأوامر : ( كل واشرب ولا تسرف.. لا تأكل ما يضر بصحتك.. نظم مواقيت أكلك.. احرص على ما ينفعك، ودع ما يضرك)

هل يمكن لشخص تخاطبه بها أن يقول لك: إن هذه الأوامر قد وضعت للبشر الذين عاشوا قبل آلاف السنين.

قال الرجل: مجنون من يقول ذلك.. فالبشر في كل أزمنهم يمكن أن يطبقوا تلك الأوامر.. فهي أوامر لا ترتبط بزمن دون زمن.. وليس هناك بشر أولى بها من بشر.

قال خبيب: ولو وردتك وصية أخرى.. من نفس ذلك الزمن.. أو بما هو أبعد منه بكثير.. تقول([57]) : (في شهر يناير تشرب شراباً شديدياً كل غداة. وفي شهر فبرير لا تأكل السلق. وفي مارس لا تأكل الحلواء كلها وتشرب الأفسنتين في الحلاوة. وفي أبريل لا تأكل شيئاً من الأصول التي تنبت في الأرض ولا الفجل. وفي مايه لا تأكل رأس شيء من الحيوان. وفي يونيه تشرب الماء البارد بعد ما تطبخه وتبرده، على الريق. وفي أغشت لا تأكل الحيتان. وفي سبتمبر تشرب اللبن البقري. وفي أكتوبر لا تأكل الكراث نيئاً ولا مطبوخاً. وفي نبنبر لا تدخل الحمام. وفي دجنبر لا تأكل الأرنب)

هل يمكن لشخص تخاطبه بمثل هذا أن يقول لك: إن هذه الأوامر قد وضعت لبشر قبلنا.. ولست ملزما بما فيها.. لأنها منطلقة من ثقافة عصرها المحدودة.. وهناك فرق كبير بيننا وبينها؟

قال الرجل: صدق هذا في قوله.. وأنا لو عرض لي ما عرض له ما عدوت ما قال.

قال خبيب: أتدري ما الفرق بين القولين؟.. ولم كان أحدهما مصحا، والآخر مخطئا؟

قال الرجل: أجل.. ذلك واضح.. فالأول تحدث عن قضايا لا تختلف فيها العصور.. وأما الثاني، فحدث عن قضايا يصيبها الخلاف ويمسها التطور.

قال خبيب: ففي حياة الإنسان إذن دائرتان: دائرة التطور.. ودائرة الثبات([58])؟

قال الرجل: يمكنك أن تقول ذلك..

قال خبيب: ولكل دائرة نوع الخطاب المرتبط بها؟

قال الرجل: ذلك صحيح..

قال خبيب: إن هذا هو سر خلود الشريعة الإسلامية.. وهو نفسه سر واقعيتها..

قال الرجل: كيف ذلك؟

قال خبيب: قبل أن أذكر لك كيف ميز الإسلام بين الثوابت والمتطورات أحب أن أذكر لك بأني بحثت في تعامل الأديان والفلسفات مع هذا.. فوجدت العجب العجاب..

التفت إلي، وقال: لقد رأيت الكنيسة ـ في عصر من عصورها ـ تأثرت بالفكر الإغريقي في ميادين العلم والفلسفة، لا سيما آراء أرسطو وبطليموس.. ورأيتها قد بذلت كامل جهدها في التوفيق بين معتقداتها الدينية وآرائها الفلسفية.. ونشأ عن ذلك فلسفة مركبة تسمى (الفلسفة المسيحية)، وهي خليط من نظريات الإغريق وظواهر التوراة والأناجيل وأقوال القديسين القدامى، ولما كان العلم والفلسفة في ذلك العصر شيئاً واحداً، فقد أدمج الفلاسفة المسيحيون في صرح فلسفتهم كل ما وصل إليه العلم البشري في عصرهم من النظريات الكونية والجغرافية والتاريخية، ورأت الكنيسة في هذه الفلسفة التوفيقية خير معين على الدفاع عن تعليمها ضد المارقين والناقدين، فتبنتها رسمياً وأقرتها مجامعها المقدسة حتى أضحت جزءاً من العقيدة المسيحية ذاتها وامتدت يد التحريف فأدخلت بعض هذه المعلومات في صلب الكتب الدينية المقدسة([59]).

لقد تبنت الكنيسة آراء أرسطو في الفلسفة والطب ونظرية العناصر الأربعة ونظرية بطليموس في أن الأرض مركز الكون.. وما أضاف إلى ذلك كله القديس أوغسطين وكليمان الإسكندري وتوما الاكويني.. واعتبرت هذا المزيج من الآراء البشرية أصولاً من أصول الدين المسيحي وعقائد مقدسة لا يصح أن يتطرق إليها الشك.

وقد كانت هذه العلوم المسيحية تشتمل على معلومات تفصيلية عن الكون.. تذكر بأن الله خلق العالم ابتداء من سنة 4004 ق.م، وتوج ذلك بخلق الإنسان في جنة عدن على مسيرة يومين من البصرة بالضبط، والعجيب أنها ظلت مصرة على هذا الرأي حتى مطلع القرن التاسع عشر، فقد طبع كتاب الأسقف (آشر) الذي يحمل هذه النظرية سنة 1779 م ([60]).

ومن الطريف أن مجلساً كنسياً كان قد أعلن في بداية القرن العاشر للميلاد أن القرن الأخير من حياة العالم قد استهل، لأن الله قد جعل المدة بين إنزال ابنه ونهاية العلم ألف سنة فقط([61]).

هذه بعض معلوماتها التاريخية..

أما معلوماتها الطبية، فقد كانت أفضل وأنجح الوسائل العلاجية في نظرها إقامة الطقوس لطرد الشياطين التي تجلب المرض، ورسم إشارة لصليب ووضع صور العذراء والقديسين تحت رأس المريض ليشفي.

ولم تكتف الكنيسة بأن تتبنى هذه المعلومات التي وضح خطأ أكثرها بعد النهضة العلمية.. بل إنها راحت تدافع عنها.. وتستخدم الدين في دفاعها..

وقد حصل بسبب ذلك، ذلك الفصام الذي تعرفون بين العلم والدين..

لقد راحت السلطة الكنسية في ذلك الحين تعلن حالة الطوارئ ضد العلماء والباحثين الذين هداهم علمهم وبحثهم إلى الاختلاف مع الكنيسة..

وقد شكلت لأجل ذلك محاكم التفتيش في كل مكان تتصيدهم وتذيقهم صنوف النكال.. وأصدرت منشورات بابوية جديدة تؤكد العقائد السابقة وتلعن وتحرم مخالفيها.. وبذلك قامت المعركة بين الكنيسة والعلم، وأخذت تزداد سعاراً بمرور الأيام.

أتدرون ما الذي جعل الكنيسة تصر على تلك الآراء كل ذلك الإصرار؟

لقد رأت الكنيسة أن الأرض يجب أن تكون مركز الكون الثابت لأن الأقنوم الثاني.. الذي هو المسيح.. تجسد فيها، وعليها تمت عملية الخلاص والفداء، وفوقها يتناول العشاء الرباني.

وأضافوا إلى هذا ما فهموه من قول التوراة:( الأرض قائمة إلى الأبد، والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق)  (انظر: سفر الجامعة:1/ 5-6 )

أما كروية الأرض وسكنى جانبها الآخر، فنفتها الكنيسة بحجة أن (من خطل الرأي أن يعتقد الإنسان بوجود أناس تعلو مواطئ أقدامهم على رؤوسهم وبوجود نباتات وأشجار تنمو ضاربة إلى أسفل، وقالت إنه لو صح هذا الزعم لوجب أن يمضي المسيح إلى سكان الوجه الآخر من الأرض ويموت مصلوباً هناك من أجل خلاصهم »([62]) 

سكت قليلا، ثم قال: لقد اصطدمت هذه الآراء التي تتنافى مع الواقع كما تصطدم نظيراتها من الآراء.. فلم يكد القرن السابع عشر يستهل حتى كان لنظرية كوبرنيق وما أضاف إليها برونو وجاليلو آثار واسعة، ظلت راسخة في الفلسفة الأوروبية عامة.

وذلك ما أحدث أثرا خطيرا في ثقة الجماهير بالكنيسة جعلتهم يشكون في سلامة معلوماتها، وهو أثر له أهميته القصوى.

لقد قدم ذلك الصراع إيحاءات فلسفية جديدة، هزت فكرة الثبات المطلق التي كانت مسيطرة على العقلية الأوربية وحطت كذلك من قيمة الإنسان ومكانته في الوجود.

والأخطر من ذلك كله هو ما حصل من ثورة العلماء على الكنيسة كما ثار العامة عليها.. وتولد من تلك الثورة جاهلية جديدة فصلت العلم عن المبادئ والمثل([63]).

التفت إلى الجمع، وقال: إن الجنوح عن الواقع لم يكن مختصا بالكنيسة.. لقد رأيت في كثير من قوانين العالم ما يملؤك بالغثاء..

سأضرب لكم مثالا على ذلك.. إنه عن معاقبة الحيوان إذا ارتكب جريمة..

ضحكنا جميعا، فقال: لم تضحكون؟

قال رجل منا: لأن الجريمة مختصة بالعقلاء المكلفين.. أما الحيوان المسكين.. فليس له عقل.. وليس أي قوانين من القوانين التي تحكمنا.

قال خبيب: ومع ذلك.. فقد بحثت في هذا في شرائع الأمم وقوانينها عندما كنت أبحث عن واقعية الشرائع.. وقد رأيت من العجائب أن أكثر الشرائع كانت تعتبر الحيوانات جناة، وكانت تقيم عليهم لذلك ما تراه لها أهواؤها من العقوبات:

فشرائع اليهود ـ مثلا ـ تقرر وجوب رجم الثور إذا نطح رجلاً فقتله.. لقد نص سفر الخروج على أنه: (إذا نطح ثور رجلا أو امرأة، وأفضى ذلك إلى موت النطيح، وجب رجم الثور، وحرم أكل لحمه) (الخروج :21).. إن هذا النص صريح في اعتبار الثور أهلاً لاحتمال المسئولية الجنائية، وفي اعتبار رجمه جزاءً بالمعنى القانوني الدقيق لكلمة الجزاء، وقد تولدت مسئوليته تلك من جرم أحدثه ووقعت نتائجه عليه وحده.

وعند اليونان وجدت محاكمات خاصة للحيوانات في شرائع اليونان القديمة، ذكر فيها أفلاطون في (القوانين) أنه إذا قتل حيوان إنسانًا كان لأسرة القتيل الحق في إقامة دعوى على الحيوان أمام القضاء، وفي حالة ثبوت الجريمة على الحيوان، يجب قتله قصاصًا.

وفي القرون الوسطى كانت فرنسا أول أمة أوروبية أخذت في القرن الثالث عشر بمبدأ مسئولية الحيوان ومعاقبته بجرمه أمام محاكم منظمة.. ثم أخذت بذلك (سردينيا)، ثم بلجيكا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، وفي هولندا وألمانيا وإيطاليا في منتصف القرن السادس عشر الميلادي.. وظل العمل به قائمًا عند بعض الشعوب حتى القرن التاسع عشر الميلادي.

كانت محاكم الحيوان عند الأوروبيين تقوم على ادعاء المجني عليه أو النيابة العامة، ثم يتقدم وكلاء الدفاع عن الحيوان المجرم، وقد تقضي المحكمة بحبس الحيوان احتياطيًا، ثم يصدر الحكم بعد ذلك، وينفذ على ملأ من الجمهور، كما كان ينفذ على الإنسان. وقد يكون الحكم بإعدام الحيوان رجمًا، أو بقطع رأسه أو بحرقه، أو بقطع بعض أعضائه قبل إعدامه.

ضحكنا.. فقال: لا تظنوا أن هذه المحاكمات كانت هزلية للتسلية، بل كانت جدية تمامًا، بدليل ما يرد للأسباب الموجبة للحكم على الحيوان من مثل قولهم: (يُحكم بإعدام الحيوان تحقيقًا للعدالة)، أو(يُقضى عليه بالشنق جزاء لما ارتكبه من جرم وحشي فظيع)..

سكت قليلا، ثم قال: ليست هذه الممارسات الجائرة مع الحيوانات في تاريخهم القديم والوسيط فقط، بل ما زالت مستمرة إلى الآن في بعض أقطارهم، وليس أدل على ذلك من استمرار المسابقات الوحشية، المعروفة بمصارعة الثيران.. تلك المسابقات التي يجتهد فيها المصارع أن يقتل الثور تدريجيًا ليذيقه الموت البطيء، وذلك عن طريق رمي السهام في جسده، ورؤية دمائه تتفجر من كل مكان في جسده، لا لشيءٍ إلا لمجرد التسلية والاستمتاع.

إن هذه المصارعات تقام في حلبات كبرى يشاهدها الجمهور بكل حماس، وهو سعيد بتعذيب الثور بهذه الطريقة... ويدعون ذلك ضربًا من الحضارة.. حتى إن الإحصائيات تشير إلى أن ما يقرب من 35 ألف ثور تُعذَّب وتموت سنويًا في أسبانيا وحدها، ونحو10 آلاف ثور في حلبات أوروبا([64]).

ظهر الأسف على المستمعين، فقال: أعتذر إليكم.. لم يكن قصدي أن أسيء إليكم.. ولكني أريد أن أقول لكم بأن التطور والحضارة والتقدم لا تعني القيم..

قد تكون متطورا غاية التطور.. ولكنك فقير غاية الفقر من كل القيم الرفيعة التي تكون جبلية في الشعوب التي تحتقرها، وتسمها بالبدائية..

قلنا: فكيف وقفت الشريعة الإسلامية من مثل هذا؟

قال: لقد ذكرت لكم أن الشريعة الإسلامية عدل كلها ورحمة كلها.. ولذلك نظرت إلى الحيوان باعتباره حيوانا([65]).. وهو من جهة أخرى سخر للإنسان كما سخر له سائر الأشياء.. فلذلك لم تجز قتله إلا للضرر المتوقع منه.. والضرر هنا ليس ضررا تكليفيا.. والقتل هنا ليس عقوبة..

لقد تعاملت الشريعة معه في هذه الأحوال كما تتعامل مع السم.. فلا يمكن لعاقل أن يحاكم السم.. فالسم سم.. هذه طبيعته.. ولا يمكن لأحد أن يحاكم أحدا على ما تقتضيه طبيعته.

قال رجل منا: لقد ضربت لنا النماذج عن مدى واقعية الشرائع المختلفة.. ولكنك لم تحدثنا عن مدى واقعية الشريعة التي تريد أن تقدم روحك ضحية لنصرتها.

قال خبيب: بما أن هذه الشريعة شريعة ربانية.. والله أعلم بعباده.. أعلم بثوابتهم وأعلم بمتغيراتهم.. فقد راعت الشريعة الثوابت، فحافظت عليها، وأكدتها.. وتركت في نفس الوقت فرصة لتحرك المتغيرات حتى لا تضيق حياة أحد بالتضييق فيها.

قال الرجل: ما أسهل أن يقال هذا في أي شريعة من الشرائع!؟

قال خبيب: صدقت.. أنت تبحث عن التفاصيل.. سأذكر لك من باب الإشارة منها ما يدلك على مجامعها.

لقد وجدت من خلال بحثي في مدى واقعية الشرائع المختلفة أن الخلل دخل فيها بسببن:

أحدهما مرتبط بمصادر هذه الشرائع.. فقد وجدت أنها مصادر متشددة متزمتة لا تتيح للعقل التكيف مع الوقائع المختلفة مهما كانت خاضعة للتغير..

وأما الثاني، فهو مرتبط بالأحكام، وعدم التمييز فيها بين المتغيرات والثوابت..

المصادر:

قال رجل منا: ألا ترى أن المصادر الأصلية للإسلام تقمع التغير والتطور.. وبالتالي تحجر على العقول التفكير السليم الذي يخدمها؟

قال خبيب: لقد بحثت فيها بهذه النية.. فوجدتها على عكس ذلك تماما.. لقد وجدتها تنير للعقول الدروب السليمة التي تتيح لها التفكير السليم.. ولم أجد فيها أي قمع للعقول أو حجر عليها..

سأضرب لك أمثلة تقرب لك ما اكتشفت من ذلك:

وسأبدا بما يملأ دنيانا ضجيجا.. قومنا يسمونها الديمقراطية.. أو اشتراك الشعب في اتخاذ القرار.. والقرآن يعطي بديلا لذلك يسميه (الشورى).. لقد قال الله تعالى في وصف المجتمع المثالي للمؤمنين :﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (الشورى:38).. انظروا كيف قرن القرآن الشورى بأعظم شرائعة من الصلاة والزكاة.. بل إنه جعلها وسطا بين الصلاة والزكاة.

ولذلك فإن الأحكام الفقهية المستنبطة من هذه الآيات تنص على أنه لا يجوز لحاكم، ولا لمجتمع، أن يلغي الشورى من حياته السياسية والاجتماعية.. ولا يحل لسلطان أن يقود الناس رغم أنوفهم إلى ما يكرهون، بالتسلط والجبروت.

هذا القسم الذي فهمه الفقهاء من الآية يسمى ثابتا.. وأنتم ترون أن القيمة التي يحملها قيمة ثابتة..

أما المرونة التي رأيت أن النص يحملها.. ويحث العقل على التفكير فيها.. فهي الآلية التي تمارس بها الشورى.. فأنتم ترون أنه ليس في الآية أي تحديد لشكل معين للشورى، يلزم به الناس في كل زمان وفي كل مكان فيتضرر المجتمع بهذا التقييد الأبدي، إذا تغيرت الظروف بتغير البيئات أو الأعصار أو الأحوال.

سكت قليلا، ثم قال: مثال آخر قريب من هذا يمثله قوله تعالى :﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِO (النساء: 58)، وقوله :﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) (المائدة:49)

لقد أوجب الله تعالى في هذه الآيات التقيد بالعدل والالتزام بكل ما أنزل الله، والحذر من اتباع الأهواء، وكل هذا من الثوابت التي لا يصح التساهل فيها.. أما المرونة التي تحملها هذه النصوص.. فهي أنها لم تنص على شكل معين للقضاء والتقاضي.

سكت قليلا، ثم قال: مثال آخر يرتبط بناحية تعبدية.. وهي تقديم القرابين للتكفير عن بعض الخطايا.. لم يرد هذا في الإسلام إلا في عبادة الحج.. والمقصد الشرعي منه واضح.. فالحجيج يأتون من كل مكان.. وفيهم الفقراء، وتلك القرابين من الصدقات التي قد تقدم لهم.. لقد نص الله تعالى على هذه القرابين المكفرة في قوله تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) (المائدة:95)

انظروا كيف نصت الآية على الحكم الثابت.. ثم تركت التفاصيل للظروف المختلفة..

قارنوا هذا بما ورد في الكتاب المقدس حول نفس الموضوع.. لا يمكنني أن أقرأ لكم ما ورد من ذلك.. إن الأحكام المرتبطة بهذا هي أكثر ما ورد في الكتاب المقدس من أحكام([66]).

التفت إلي، وقال: صحح لي بعض ما أقع فيه من أخطاء.. فلي مدة طويلة لم أراجع ما أحفظه من الكتاب المقدس..

أخذ يقرأ من ذاكرته من بداية سفر اللاويين: (ودعا الرب موسى وكلمه من خيمة الاجتماع فقال: ( قل لبني إسرائيل: إذا قرب أحد منكم قربانا للرب من البهائم، فمن البقر والضأن يقربه. إن كان قربانه محرقة من البقر، فذكرا صحيحا يقربه. يقدمه عند باب خيمة الاجتماع ليكون مقبولا أمام الرب. ويضع يده على رأس المحرقة، فيقبلها الرب منه تكفيرا عنه. ويذبح العجل أمام الرب، فيقرب بنو هرون الكهنة الدم ويرشونه على أربعة جوانب المذبح الذي عند باب الخيمة. ويسلخ الرجل المحرقة ويقطعها قطعا. ويجعل بنو هرون الكهنة نارا على المذبح ويرتبون عليها حطبا، ويرتبون فوق الحطب قطع اللحم مع الرأس والشحم. وأما الأمعاء والأكارع فيغسلها الرجل بالماء، ويوقد الكاهن هذا كله على المذبح محرقة وقيدة ترضي رائحتها الرب. وإن كان قربانه محرقة من الضأن أو المعز، فذكرا صحيحا يقربه. يذبحه على جانب المذبح جهة الشمال أمام الرب، فيرش بنو هرون الكهنة دمه على أربعة جوانب المذبح. ويقطعه قطعا ويفصل رأسه وشحمه، فيرتبها الكاهن على حطب نار المذبح. وأما الأمعاء والأكارع فيغسلها الرجل بالماء، ويوقد الكاهن هذا كله على المذبح محرقة وقيدة ترضي رائحتها الرب..) (اللاويين: 1/1-15)

سكت قليلا، ثم قال: لم أقرأ لكم إلا ما يرتبط بقرابين الحيوانات.. هناك قرابين أخرى.. وهي الأخرى لا تخلو من التفاصيل الكثيرة التي لا مبرر لها..

اسمعوا مثلا ما ورد حول قرابين الحنطة.. : ( وإذا قرب أحد قربان تقدمة للرب، فليكن قربانه دقيقا يصب عليه زيتا ويضع لبانا. ويجيء به إلى بني هرون الكهنة، فيأخذ الكاهن ملء قبضته عينة من الدقيق والزيت وكل اللبان ويوقدها على المذبح وقيدة ترضي رائحتها الرب. وتذكره بمقدمها. وما فضل من التقدمة يكون لهرون وبنيه، وهو مقدس كل التقديس لأنه من الوقائد المقربة للرب. وإن قربت قربان تقدمة مخبوزا في تنور، فليكن أقراص فطير من دقيق ملتوتة بزيت، ورقاق فطير ممسوحة بزيت. وإن كان مخبوزا على الصاج، فليكن فطيرا من دقيق ملتوتا بزيت..) (اللاويين: 1/1-16) 

قال رجل منا: نعلم ما في الكتاب المقدس من مثل هذا.. فحدثنا عن شريعة الإسلام.. لقد ذكرت لنا أن القرآن يحوي الثوابت.. لكنه يترك التفاصيل ليحكم فيها على ضوء الظروف المختلفة.

قال خبيب: ذلك صحيح..

قال الرجل: ولكنا نرى القرآن يفصل أحكام المواريث تفصيلا يكاد يكون مبالغا فيه.. إنه يعطي كل واحد من الورثة بدقة شديدة..

قال خبيب: لقد رأيت القرآن يعطي الورثة بحسب قرابتهم من الميت.. أليس كذلك؟

قال الرجل: ولكنه لا يذكر العموميات التي تتيح للفقهاء التصرف بحسب الظروف المختلفة.. إنه يقسم التركة بدقة شديدة.

قال خبيب: ذلك أن كل ما يرتبط بالمواريث من الثوابت.. فمنذ بدأ البشر والابن ابن.. والبنت بنت.. والأب أب.. والأم أم.. وهكذا..

ولهذا فإن القرآن الكريم ـ حرصا على العدل ـ يذكر الثوابت المرتبطة بهذه الثوابت حتى لا تتلاعب بها العقول والأهواء.

قال رجل: لقد ذكرت لنا القرآن.. وأنه ترك المجال للعقول لتتحرك ضمن ثوابته.. ولكنك ذكرت أن السنة تشرح القرآن.. ألا يؤدي هذا إلى تحويل المتغيرات التي تركها القرآن الكريم إلى ثوابت؟

قال خبيب: نرى في السنة كما نرى في القرآن الكريم كلا الأمرين: الثوابت والمتغيرات جميعا:

سأضرب لكم مثلا مقربا لهذا من سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحياته الدعوية.. وفي كليهما تتجلى الثوابت والمتغيرات بأجلى صورة:

أنتم تعرفون أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كان في ثباته على مبادئه كالطود الأشم.. لقد رفض التهاون أو التنازل عن كل ما يتصل بتبليغ الوحي أو يتعلق بكليات الدين، وقيمه، وأسسه العقائدية والأخلاقية.

في مقابل هذا نجد مرونة واسعة في مواقفه السياسية في مواجهة من واجهوه بالمحاربة، بما يتطلبه الموقف دون تزمت أو تشنج أو جمود.

ففي يوم الأحزاب مثلا أخذ صلى الله عليه وآله وسلم برأي سلمان الفارسي في حفر الخندق حول المدينة.. وشاور بعض رؤساء الأنصار في إمكان إعطاء بعض المهاجمين مع قريش جزءا من ثمار المدينة، ليردهم ويفرقهم عن حلفائهم، كسبا للوقت إلى أن يتغير الموقف..وقال لنعيم بن مسعود الأشجعي ـ وقد أسلم، وأراد الانضمام إلى صفوف المسلمين ـ : ( إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت)

ومثل ذلك يوم الحديبية.. لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك اليوم: (والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها)

قارنوا هذا بقوله فيما يرتبط بالثوابت : (يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى على أن أترك هذا الأمر ـ حتى يظهره الله أو أهلك فيه ـ ما تركته )

أتدرون ما سر هذه المرونة في هذه المواقف مع ثباته في المواقف الأخرى؟

قلنا: ما سرها؟

قال: لقد كانت المواقف الأولى مرتبطة بالتنازل عن العقيدة والمبدأ، فهذا لم يقبل صلى الله عليه وآله وسلم فيها أي مساومة أو تساهل، ولم يتنازل قيد أنملة عن دعوته.. أما المواقف الأخيرة فتتعلق بأمور جزئية، وبسياسات وقتية، أو بمظاهر شكلية، فوقف فيها موقف المتساهل.

قال رجل منا: إن ما ذكرته مرتبطة بالسيرة.. والسيرة ليست إلا الحياة الشخصية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.. ونحن نبحث عن التشريعات..

ابتسم خبيب، وقال: إن المؤمنين لا يفرقون في استنباطاتهم بين سنة وسيرة.. فحياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلها موضع أسوة.. لقد قال تعالى يقرر هذا :﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾ (الأحزاب:21)

قال الرجل: لكن هناك دائرة أخرى غير الدائرتين اللتين ذكرتهما.. قد يكون فيهما من التشديد ما يجعل حياة الناس بعيدة عن الواقع مليئة بالحرج والضيق.

قال خبيب: تقصد دائرة الاجتهادات الفقهية؟

قال الرجل: أجل.. ففي هذه الدائرة يبسط الفقهاء سلطتهم على الأمة.. فيضيقوا حياتها بما شاءوا من التشريعات.

قال خبيب: الفقهاء عندنا ليسوا كما تعرفون عن رجال الدين.. إنهم مجتهدون.. قد يصيبون، وقد يخطئون.. وهم لا يفرضون آراءهم فرضا.. بل يحثون الأمة أن لا تسلم لهم تسليما مطلقا

لقد كان ابن عباسٍ وهو الفقيه والمفسر يقول:(ليس منا إلا ويؤخذ من قوله ويدع غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم) وكان يعاتب أصحابه يقول لهم:(يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر)

إن الفقيه المسلم مقيد بالنصوص المحكمة الثابتة من القرآن والسنة.. وهي المجزوم بثبوتها، القاطعة في دلالتها..

لقد أراد الشارع الحكيم من تلك النصوص أن تلتقي عندها الأفهام، ويرتفع عندها الخلاف، وينعقد عليها الإجماع، فهي أساس الوحدة الفكرية والسلوكية، للمجتمع المسلم، وهي للأمة كالجبال للأرض تمسكها أن تميد، وتحميها أن تضطرب وتتزلزل.

ومع هذا التقيد الملزم، يجد الفقيه المسلم نفسه في حرية واسعة أمام المنطقة التي تركتها النصوص ـ قصدا ـ لاجتهاد أولي الأمر بما يحقق المصلحة العامة، ويرعى المقاصد الشرعية، من غير أن يقيدنا الشارع فيها بأمر أو نهي.

 لقد ورد النص على هذه المنطقة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو ما عفا عنه)([67])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم : (ما أحل الله تعالى في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عاقيته، فان الله لم يكن لينسى شيئا)([68])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الله تعالى حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها)([69])

فالحدود التي قدرها الشرع، لا يجوز اعتداؤها، وما عداها أمور مسكوت عنها، متروكة للاجتهاد..

قال الرجل: ألا ترى أن في هذه المنطقة تقصيرا من الشريعة؟

قال خبيب: لا.. هذا علامة كمال الشريعة.. ولهذا ورد النهي عن كثرة السؤال.. فكثرة السؤال لا تفضي إلا إلى التعقيد..

قلنا: كثرة السؤال تفضي إلى التوضيح.. لا إلى التعقيد.

قال: وقد تفضي إلى التعقيد.. لقد قص علينا القرآن الكريم نموذجا لذلك.. قال تعالى :﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)﴾ (البقرة)

انظروا.. لقد كان في إمكان بني إسرائيل - حسبما تنص الآية - أن يسارعوا فينفذوا الأمر في أي بقرة تأتيهم.. لكنهم أبوا إلا أن يشددوا في التفاصيل، فشدد الله عليهم.. فكانت كثرة السؤال سبب التعقيد الذي حصل لهم.

الأحكام:

قلنا: عرفنا واقعية مصادر الشريعة الإسلامية.. فحدثنا عن واقعية الأحكام الإسلامية.

قال: لقد وجدت من خلال بحثي في فروع المسائل التي ذكرها الفقهاء أنها جميعا تنقسم إلى قسمين: قسم يمثل الثبات والخلود.. وقسم يمثل المرونة والتطور.

أما القسم الأول.. فنجده في العقائد الأساسية الكبرى التي جاء الإسلام لتقريرها.. ونجده في الأركان العملية من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام وغيرها.. ونجده في المحرمات اليقينية من قتل النفس وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، والتولي يوم الزحف والغصب والسرقة والغيبة والنميمة وغيرها.. ونجده في أمهات الفضائل من الصدق، والأمانة، والعفة، والصبر، والوفاء بالعهد، والحياء وغيرها من مكارم الأخلاق التي اعتبرها القرآن والسنة من شعب الإيمان.

أما القسم الثاني.. فنجده في الفروع التفصيلية الكثيرة المرتبطة بهذه الجوانب وغيرها..  وهي مما اختلفت فيها الأعصر والبلدان والفقهاء..

قال ذلك.. ثم نظر إلى السماء، وقال: لا أجد مثالا يقرب هذه الشريعة في ثباتها وحركتها في نفس الوقت كمادة هذا الكون.. سواء كانت هي الذرة أو الإشعاع البسيط المنطلق عند تحطيمها، أو أية صورة أخرى.

إنها من حيث حقيقتها ثابتة الماهية.. ولكنها مع ذلك تتحرك، فتتخذ أشكالاً دائمة التغير والتحور والتطور.

فالذرة ذات نواة ثابتة تدور حولها الإلكترونات في مدار ثابت.

وكل كوكب، وكل نجم له مداره، يتحرك فيه حول محوره، حركة منتظمة، محكومة بنظام خاص.

وهكذا إنسانية هذا الإنسان، المستمدة من كونه مخلوقاً فيه نفخة من روح الله اكتسب بها إنسانيته المتميزة عن سائر طبائع المخلوقات حوله.. إنسانية هذا الإنسان ثابتة.. ولكن هذا الإنسان يمر بأطوار جسدية شتى من النطفة إلى الشيخوخة.. ويمر بأطوار اجتماعية شتى، يرتقي فيها وينحط حسب اقترابه وابتعاده من مصدر إنسانيته.. ولكن هذه الأطوار جميعا لا تخرجه من حقيقة إنسانيته الثابتة. ونوازعها وطاقاتها واستعداداتها المنبثقة من حقيقة إنسانيته.

ونزوع هذا الإنسان إلى الحركة لتغيير الواقع الأراضي وتطويره.. حقيقة ثابتة كذلك.. منبثقة أولاً من الطبيعة الكونية العامة، الممثلة في حركة المادة الكونية الأولى وحركة سائر الأجرام في الكون.. ومنبثقة ثانياً من فطرة هذا الإنسان. وهي مقتضى وظيفته في خلافة الأرض.. فهذه الخلافة تقتضي الحركة لتطوير الواقع الأرضي وترقيته.. أما أشكال هذه الحركة فتتنوع وتتغير وتتطور([70]).

المثالية

قلنا: حدثتنا عن الركن الثالث.. فحدثنا عن الركن الرابع.

قال: أرأيتم لو أن رجلا كان له ابن.. وكان مشفقا عليه.. وهو لذلك لا يحب أن يرفض لابنه أي طلب مهما كان ذلك الطلب.. وكان أبغض شيء إلى نفسه أن يبكي ولده ..

وقد عرف الولد ذلك من أبيه.. فكان يصرخ باكيا لأجل أي شيء يريد أن يفرضه عليه أبوه مما فيه مصلحته..

أجيبوني.. هل يمكن لوالد مثل هذا أن يربي ولده.. أو يعلمه.. أو يجعل منه نشئا صالحا؟

قال رجل منا: إن نسبة نجاح هذا الولد في حياته ضعيفة جدا.. فالتدليل عادة يصرف الولد عن عظائم الأمور مما لا يطيقه إلا أصحاب الهمم العالية.. فما أسهل على هذا الولد أن يصرخ باكيا رافضا للدراسة.. أو رافضا لأي مطلب من مطالب أهل الهمم.

قال خبيب: فمن ترونه سببا فيما وقع له؟

قلنا جميعا: لا شك أنه والده.

قال: أتدرون لم؟

قلنا: لأنه أعطاه هواه.. ولم يرفعه إلى المثل العالية التي يطمح لها أصحاب الهمم.

قال: لقد كان هذا هو الذي جعلني أعتقد بأن الشريعة الحقيقية لا تكفي أن تكون شريعة واقعية.. فقد تكون واقعيتها سبب انحرافها.. لأنها ستجري بذلك وراء الأهواء المختلفة تلبيها بحجة واقعيتها.

قال رجل منا: وأي حرج في أن تجري الشريعة وراء الأهواء.. ما دامت تلك الأهواء مشروعة؟

لقد شهد العالم خلال القرون الثلاثة الأخيرة([71])، تقدماً كبيراً شمل جميع مرافق الحياة، ورقياً فكرياً مذهلاً استطاع به الانسان أن يسبر أعماق البحار، ويضع قدمه على جبين الأقمار وتغيرت، تبعاً لذلك، أوضاع المجتمعات ونظم الحياة.

أفترى في هذا الرفاه حرجا مع الشريعة المثالية.. هل تتناقض الحياة المثالية مع الشريعة المثالية؟

قال خبيب: لا.. الشريعة لا تتناقض مع الحياة.. ولا مع الرفاه.. فالله تعالى يقول :﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ (الاسراء:70)، وقال:﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (لأعراف:32)، وقال :﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الكهف:7)

ولكن الشريعة المثالية تتناقض مع الانحرافات الخلقية..

لقد رأيت أنه مع ذلك التقدم الكبير في المجالات التقنية وقعت الحضارة ـ بسبب التشريعات التي وضعت لها ـ في انحرافات كبيرة..

لعل أهمها أنها حضارة مادية متنكرة للأديان مستخفة بالقيم الخلقية التي لا تستقيم بدونها مجتمعات.

لقد رأيت أن صانعي هذه الحضارة الكبار لا يفكرون إلا في المكاسب المادية والمتع البدنية ولو أضرت بالآخرين، يستوي في ذلك أفرادهم وجماعاتهم وحكوماتهم.

لقد رأيت أن تشريعات هذه الحضارة لا يخدم الكثير منها إلا نوازع البشر الشيطانية وغرائزهم البهيمية.. لقد جعلتهم يجرون وراء الملذات ويتسابقون إلى جمع الأموال وكنز الثروات، ويتفننون في صنع آلات التدمير الكامل والإهلاك الشامل..

وقد أدى ذلك إلى ما ترون من انتشار المخدرات، وترويج أفلام الانحراف والعنف، والتلوث البيئي، والتمييز العنصري، وغش الأقوياء للضعفاء وتعريضهم لأخطار محققة ببيع الأغذية والأدوية الفاسدة لهم، ودفن النفايات المشعة المضرة بأرضهم، وحظر تصدير التكنولوجيا والآلات المتطورة إليهم، وحرمان طلبتهم من تلقي العلم في كلياتهم ومعاهدهم، وإيصاد أبواب بلدانهم في وجوههم.

أما على المستوى الدولي، فترون اللامساواة في التعامل على الساحة الدولية، فدولة يباح لها أن تقيم المصانع لإنتاج السلاح النووي والجرثومي دون أن تخضع مصانعها لأية رقابة، ودولة تقام من حولها الضجات لأنها أنشأت مصنعاً لإنتاج المواد الصيدلية أو مساحيق التجميل، هبات مالية كبرى تعطى لدولة واحدة صغيرة ويعطى أقل منها لشعوب أخرى مجتمعة أكثر سكاناً وأشد احتياجاً، وشرعية دولية تطبق بقوة الحديد والنار على شعب، وشرعية دولية تقرر في حق شعب آخر ثم يتناساها مقرروها غداة تقريرها، ومناحات تقام في كل مكان حزناً على طائر تلوث جناحه بنفط سفينة جنحت للشاطئ وأصوات خافتة تستنكر ـ نفاقاً ـ كسر سواعد أطفال بالحجارة وقتل صبيان وذبح رجال وتهجير شعب بأكمله من دياره..

هذا ما جنته التشريعات الواقعية التي لا تخضع لأي قيم أخلاقية.. أو مثل إيمانية..

قال رجل منا: ليست الشريعة وحدها هي التي أنتجت هذا النتاج.

قال خبيب: للشريعة نصيبها الوافر من هذا النتاج.. لأنها هي التي قننت له.. وهي التي شرعته.. لقد جعلني هذا أبحث عن شريعة نظيفة.. تحترم الإنسان، وتحترم القيم الرفيعة التي اتفق البشر جميعا على تبنيها.. فلم أجد ذلك إلا في الإسلام..

قال رجل منا: أنت لم تقرأ إذن ما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948م.. لقد كان ذلك الإعلان أكثر نضجًا وتوازنًا من كل ما سبقه([72]).

لقد تحدث هذا الإعلان بتفصيل عن حقوق الحرية، والمساواة، والحياة، والسلامة البدنية، والمحاكمة العادلة والعلنية، والإقامة، والتنقل، واللجوء هربًا من الاضطهاد، والتملك، وتقلد الوظائف العامة، والشغل، والأجر العادل، وحق الراحة والتمتع بأوقات الفراغ، والصحة، والرفاهية، والخدمات الاجتماعية، ومنع التعذيب والاعتقال التعسفي والنفي والمعاملة القاسية أو الوحشية.

ابتسم خبيب، وقال: إن هذا كله جيد ولا غبار عليه، ولكن الحقوق والتدابير التي تعتني بالإنسان وبجوهر الإنسان، وبالأبعاد السامية للإنسان، والتي تجعل الإنسان إنسانًا، وتجعله أكثر ارتقاءً وسموًا.. كل هذا غائب من هذا القانون..

قال الرجل: كيف تقول بغيابه.. والمادة الأولى من ذلك الإعلان حين تتحدث عن كون الناس يولدون أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق، تضيف : (وقد وُهبوا عقلاً وضميرًا).. ألست ترى في هذا اهتماما بضمير الإنسان وعقله؟

قال خبيب: أجل.. ولكن.. هل ترى في القوانين الموضوعة ما يحفظ العقل والضمير أو يطالب بالمحافظة عليهما أو يندد بتضييعهما وتخريبهما..

إن كل ذلك لا يوجد.. ولذلك كان ذلك الكلام مجرد جعجعة في طحين..

مثله مثل ما ورد في المادة الثانية عشرة من ذلك الإعلان، والتي تنص على أنه:( لا يتعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو مسكنه أو مراسلاته، أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات)

فشيء مهم أن يُحمى الإنسان في شرفه وسمعته بمقتضى القانون، لكن ما هو الأولى بالعناية والحماية: هل هو وجود هذا الشرف وبقاؤه بقاءً حقيقيًا، أم هو مجرد ادعاء الشرف واللجوء إلى القانون لحماية هذا الادعاء.

بل أكثر من هذا: كيف نبقي فكرة الشرف والسمعة موجودة وذات اعتبار لدى الناس؟ وإلا فقد لا نجد من يعتبر أن له شرفًا وسمعة، أو أن هناك شيئًا حقيقيًا ومصلحة حقيقية اسمها الشرف والسمعة، خاصة إذا لم يكن يترتب عليهما درهم ولا دينار، ولا سجن ولا تعذيب؟

قال الرجل: لعلك لم تقرأ ما ورد في الفقرة الثانية من المادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. لقد جاء فيها : (يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماءً كاملاً)

ابتسم خبيب، وقال: هذا جميل.. وقد قرأته وفرحت به.. لكني صدمت بعد ذلك بالحقيقة المرة.

قال الرجل: ما هي؟

قال خبيب: لقد رأيت أن هذا الإنماء الكامل وقع مبهمًا ومفتوحًا على جميع الاحتمالات، بينما لم يكن بيانه وضبطه يتطلب أكثر من كلمتين أو ثلاث، لو أضيفت لكانت هذه الجملة -على ضآلتها- إضافة نوعية إلى ثقافة حقوق الإنسان ومواثيق حقوق الإنسان.

غير أن المشكل الأكبر والأخطر لا يكمن في الأدبيات والمواثيق الحقوقية الكلاسيكية، وإنما يكمن في الممارسات والتطورات الجارية اليوم باسم حقوق الإنسان، وإن كانت تعتبر امتدادًا طبيعيًا لتلك.

فباسم حقوق الإنسان يحاولون إلغاء ما بين الرجل والمرأة من اختلافات وتمايزات فطرية ليفرضوا عليهما المساواة التطابقية القسرية.

وباسم هذه المساواة، تحولت المرأة إلى مجال الامتهان والابتذال، تساق إليه بوتيرة وكيفية مذهلة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإنسان.. فالمرأة أصبحت سلعة.. والمرأة مسخرة لترويج البضائع والإعلان عنها.. والمرأة للمتعة الحرام، وللمنافسة بين القنوات التلفزيونية وجلب المشاهدين لها.. والمرأة لعرض الأزياء، أو لعرض الأشلاء باسم الأزياء...!

قال رجل منا: إن ما تقوله صحيح.. فما سبب هذا السقوط الذي تعاني منه البشرية.. وما المخرج منه؟

قال خبيب: أما السبب فواضح.. إن البشرية انطلقت في تقريرها لحقوق الإنسان من نظرتها للإنسان.. هذا هو سبب كل الأخطاء..

لقد نظرت إلى الإنسان ككائن طيني لا روح له ولا مواجيد ولا أشواق ولا سمو([73]).. ولذلك راحت تخدم ذلك الجانب.. راحت تدعو إلى الحرية الجسدية، والحاجات الجسدية، والرعاية الصحية، والرفاهية المعيشية، ومنع الاعتقال والتجويع والتعذيب، وضمان قسط مناسب من الراحة، والاشتغال في حدود الطاقة، وحماية الضعيف من القوي، والانتصاف له ممن ظلمه.. وكل هذه المعاني جميلة.. ولكنها ـ للأسف ـ قاصرة على خدمة الجسد..

إنها لا تختلف كثيرا عن تلك الحقوق التي قررتها الشريعة الإسلامية للبهائم.. والتي لخصها عز الدين بن عبد السلام في قوله : ( القسم الثالث حقوق البهائم والحيوان على الإنسان، وذلك أن ينفق عليها نفقة مثلها ولو زمنت أو مرضت بحيث لا ينتفع بها، وأن لا يحملها ما لا تطيق، ولا يجمع بينها وبين من يؤذيها من جنسها أو من غير جنسها بكسر أو نطح أو حرج، وأن يحسن ذبحها إذا ذبحها، ولا يمزق جلدها ولا يكسر عظمها حتى تبرد وتزول حياتها، وأن لا يذبح أولادها بمرأى منها، وأن يفردها ويحسن مباركها وأعطانها، وأن لا يخذف صيدها ولا يرميه بما يكسر عظمه أو يرديه بما لا يحلل لحمه)([74])

قال الرجل: هذا السبب.. فما المخرج الذي وضعته الشريعة الإسلامية؟

قال: لقد انطلقت الشريعة الإسلامية من واقع الإنسان الذي يمثل حقيقته.. لا واقعه الذي أفرزته الشياطين.. لقد سمى الله الواقع الحقيقي للإنسان فطرة.. فقال تعالى :﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم:30)

ففي هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن الفطرة الأصلية مستعدة للخير استعدادا جبليا، وأن التغيير الطارئ عليها ليس ناشئا من طبيعتها الخلقية، وإنما نشأ من مؤثرات خارجية اقتضاها التكليف.

وفطرة الإنسان في ذلك تشبه فطر الأشياء المختلفة، فالله تعالى ـ مثلا ـ خلق الماء طاهراً مطهراً، فلو ترك على حالته التى خلقه الله عليها ولم يخالطه ما يزيل طهارته لم يزل طاهراً، ولكنه بمخالطة المؤثرات الخارجية من الأنجاس والأقذار تتغير أوصافه ويخرج عن الخلقة التى خلق عليها.

قال الرجل: فمهمة الشريعة إذن ـ على حسب ما يبدو من قولك ـ هي الحفاظ على فطرة الإنسان.

قال خبيب: بورك فيك.. وهي بالتالي تجمع بين الواقعية والمثالية.. فالواقع الحقيقي للماء هو كونه طاهرا لا ملوثا.. ولذلك فإن المشرع الحقيقي هو الذي يستعمل كل الوسائل للحفاظ على طهارة الماء.. ويضع القوانين التي تمنع تلويثه.

قال الرجل: فما القوانين التي وضعتها الشريعة لمنع تلوث الإنسان؟

قال خبيب: الشريعة كلها بجميع تفاصيلها لم توضع إلا لمنع تلوث الإنسان.. لقد نص القرآن الكريم على أن هذا من وظائف الرسل الأساسية.. فالله تعالى يقول :﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الجمعة:2)

لقد تكرر هذا المعنى في مواضع من القرآن الكريم.. ففي سورة البقرة، قال الله تعالى على لسان إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ :﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ (البقرة:129)

وفيها أيضًا :﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ (البقرة:151)

وفي سورة آل عمران :﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ (آل عمران:164)

ليس هذا فقط.. بل قد جاءت نصوص أخرى في القرآن الكريم تنبه على أن تزكية الإنسان يجب أن تكون هي الغاية القصوى والمقصد الأساسي لكل نشاط إنساني، والمعيار الذي يحدد نجاحه وفلاحه، كقوله تعالى :﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ (الشمس)، وقوله تعالى :﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى ﴾ (الأعلى:14)

ولذلك فإن كل التشريعات التي جاء بها الإسلام تصب في هذا الجانب.. جانب تزكية الإنسان والحفاظ على طهارته.

***

ما وصل خبيب بن عدي من حديثه إلى هذا الموضع حتى جاء السجان، ومعه مجموعة من الجنود، ثم أخذوا بيد خبيب، وساروا به إلى مقصلة الإعدام..

نظر إليهم خبيب بابتسامة، وقال: أتأذنون لي أن أختم حياتي بركعتين أصليهما لله كما صلاهما قبلي سميي خبيب.

أشاروا إليه بالموافقة.. فصلى ركعتين أوجز فيهما، ثم التفت إلى السجان، وقال: لولا أن يروا أن ما بي من جزع من الموت لزدت.

ثم صعد المقصلة، وهو يردد تلك الأبيات التي رددها قبله سميه خبيب..

بعد أن وضع الحبل على عنقه التفت إلينا بابتسامة، وقال: أستودعكم الله أيها الإخوان الأفاضل.. لا أريد منكم، وأنا أتقدم لنيل هذه الجائزة العظيمة إلا أن تجعلوا نفوسكم جنودا في جيش العدالة الإلهية.. وأن تتحملوا مسؤوليتكم في هذا الصدد.. فـ :﴿ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16)﴾ (الأحزاب)

قال ذلك، ثم تمتم بالشهادتين، ثم أسلم نفسه مبتسما لله.

بمجرد أن فاضت روحه إلى باريها كبر جميع السجناء بمذاهبهم وطوائفهم وأديانهم.. وقد صحت معهم بالتكبير دون شعور.. وقد تنزلت علي حينها أشعة جديدة اهتديت بها بعد ذلك إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

 

 

 

 

ثانيا ـ النظام

في اليوم الثاني، صاح السجان بصوته المزعج قائلا: في هذا المساء.. سيساق إلى الموت (الحسين بن علي)([75]).. وقد رأت إدارة السجن أن تسمح لجميع السجناء بتوديعه والجلوس إليه بشرط ألا يخترقوا قوانين السجن.. ومن يخترقها، فسيتحمل مسؤولية خرقه.

ما إن قال ذلك.. وما إن فتحت أبواب الزنازن.. حتى أسرع جميع السجناء إلى ساحة السجن حيث وجدوا الحسين بن علي جالسا على عرشه ينتظرهم.

كان فتى ممتلئا وقارا وهيبة وجمالا..

قال لنا بصوت قوي جليل ممتلئ بالحنان والرحمة: أيها الإخوان الكرام.. أنا اليوم في أسعد أيام حياتي.. لقد كانت أمنيتي الغالية منذ صباي أن يرزقني الله موتة كريمة عزيزة كموتة ذلك الأبي الشهم النبيل حفيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسين بن علي..

لقد كان يمثل لي ـ كما يمثل للملايين في الأجيال الطويلة المختلفة ـ الصوت الصارخ في البرية ضد الطغاة والمجرمين والمستبدين..

لقد  كان دوره البطولي العظيم في وقعة الطف إحياء للدين.. وإماتة لبدعة خطيرة كان يمكن أن تقوض النظام الإسلامي لتحوله نظاما كسرويا أو قصرويا..

لقد استشهد الحسين ليقول للناس: إن دين الله ليس في المساجد فقط.. بل إنه في كل محل.. في محال السياسة والاقتصاد والتعليم والاجتماع والحسبة والقضاء والدفاع.. وكل المؤسسات.

فدين الله دين الحياة.. بجميع تفاصيلها..

هذا ما نادى به الحسين، وهو يخرج معارضا الاستبداد والطغيان.. ليحيي سنة التضحية بالنفس من أجل المبادئ.. ويميت أول وأخطر بدعة أرادت أن تنحرف بالإسلام عن مسار العدالة الذي شرعه الله لعباده.

قال رجل منا: ولكن الحسين قتل.. وقد سمعت البعض يعتبر ما قام به محاولة تمرّد فاشلة.

قال الحسين: دعهم يقولون ما يشاءون.. فإنهم لا يرددون سوى ما ردده أولئك الطغاة وأذنابهم وأعوانهم.

قال الرجل: وما تقول أنت؟

قال الحسين: أنا لا أقول.. بل التاريخ والحقائق هي التي تقول.. لقد كان الحسين هو المنتصر الحقيقي في تلك المعركة.. وكانت المبادئ التي نادى بها الحسين هي المنتصرة..

لقد خرج الحسين في ذلك الحين ليحفظ دين جده من أن يتلاعب به الصبية الذين يحملون عقول أهل الجاهية، وقيم أهل الجاهية..

ولا زال الحسين بخروجه ذلك رمزا لكل الرجال الأبطال الذين يرفضون أن يحنوا رؤوسهم لأي طاغية.

قال رجل منا: دعنا من الحديث عن الحسين بن علي.. وحدثنا عنك.

قال: أنا أحقر من أن أضيع أوقاتكم بالحديث عن نفسي.. ولذلك أسمحوا لي أن تكون كلماتي الأخيرة التي أقولها في هذه الدنيا هي الكلمات التي خرج الحسين من أجلها..

لقد قام الحسين وأصحابه.. واسترخصوا نفوسهم في ذات الله، من أجل أن يبقى للنظام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم نقاءه وصفاءه وطهارته..

لقد جاء المستبدون بعقول الجاهلية.. وأرادوا أن يحولوا من الإسلام دينا يدع لقيصر ما له وما ليس له.. لكن الحسين وإخوانه في كل زمان كانوا يقفون في وجه هذا الفهم الخاطئ للدين.. فالدين ليس قيما رفيعة فقط يمكن لأي شخص أن يقوم بها بمفرده..

لا.. إنه فوق ذلك كله نظام.. نظام يشمل جميع المؤسسات: السياسية، والاقتصادية، والتعليمية، والاجتماعية، والإصلاحية، والقضائية، والعسكرية.. وغيرها من المؤسسات.

السياسة

قال رجل منا: فحدثنا عن النظام السياسي في الإسلام..

قال آخر: لم أسمع أن هناك في الإسلام شيء اسمه (نظام سياسي)

قال آخر: بلى.. هناك نظام سياسي.. وهو نظام ملكي.. تتوارثه العائلات الكبرى.. كان من بينها بنو أمية.. ثم بنو العباس.. ثم بنو عثمان.. وكان من بينها بنو الأحمر، وبنو الأصفر..

قال آخر: لا.. هو نظام يعتمد العصبية والقوة.. فمن كانت له العصبة والقوة كانت له شرعية الحكم.. ومن لم تكن له كان باغيا خارجيا ظالما.

قال آخر: هناك نظام سياسي.. ولكنه يعتمد على وجود القرشيين.. لأنه لا يمكن أن يقوم إلا بوجودهم.. وهذا يستدعي وجود النسابين حتى يميز القرشي عن غيره.

أشار إليهم الحسين أن يسكتوا.. بعد أن سكتوا قال: أنتم ترددون تلك الأفكار التي أشاعها من قتل الحسين، أو من لم يهتز له عرق لقتله..

إن النظام السياسي في الإسلام يختلف عن كل ما ذكرتم.. إنه نظام لا ينشأ إلا للعدل.. ولتحقيق العدل..

إنه نظام ينطلق من أن العباد عباد الله.. ولا يحق لأحد أن يحكمهم إلا ربهم الذي خلقهم.. ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ﴾ (الأنعام: 57).. :﴿ وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ (القصص:70).. :﴿ وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص:88)

وربهم الذي خلقهم أنزل عليهم بفضله وكرمه ورحمته ما يدلهم على مراضيه ليجعلوه دستور حياتهم الذي عليه تقام، وبه تستقر، فلا يحق لأحد أن يتجاوزه أو يقدم رأيه عليه، قال تعالى :﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) ﴾ (المائدة)

وهو نظام ينطلق من وجود الخليفة الصالح الحفيظ العليم الذي يكون قدوة لرعيته في تطبيقها لأحكام ربها، قال تعالى :﴿ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (صّ:26)

وهو نظام ينطلق من وجود رعية حكيمة واعية تطيع أميرها لطاعته لله وتعينه على ذلك.. فهي تتخذه إماما يصلي بها كما أمر الله..

وهو نظام ينطلق من وجود برامج تنظيمية تيسر تحقيق العدالة التي أمر الله بها، وجعل الهدف الأكبر لسياسة العباد.

قال رجل منا: ألا ترى أن ما ذكرته مجرد مبادئ عامة في السياسة.. أما السياسة في حقيقتها فهي أعظم من ذلك، وأشد تعقيدا([76]).

ابتسم الحسين، وقال: لقد خلق الله الحياة بسيطة.. فلا يصح أن نعقدها.

قال الرجل: ولكن المعقد يبقى معقدا.. ولا يستطيع أحد في الدنيا أن يجعله بسيطا.. وإلا حوله عن أصله الذي خلقه الله عليه.

قال الحسين: لقد خلق الله كل شيء على الفطرة.. والفطرة ليس فيها ما تذكره من التعقيدات..

التعقيد يأتي من الذين يريدون أن يتلاعبوا بالحقائق.. ليغشوا الرعية ويسرقوها.

لقد ردد جميع أحفاد الطغاة ما تذكره ليقولوا للرعية المسكينة: الأمر أعقد من أن تفهميه.. فلذلك ليس عليك إلا أن تطيعي.

قال الرجل: أنا لم أستند للطغاة في قولي هذا.. لقد استندت إلى علماء كبار.. علماء يرتدون من العمائم ما لا تستطيع أنت ولا أحد في الدينا أن يرتدي مثلها.. لقد وفقني الله فدرست على يد شيخ منهم.. هو من كبار شيوخ الأزهر.. كان اسمه (علي عبد الرازق).. لقد كتب كتابا في ذلك الحين لم يؤلف مثله من قبل ومن بعد.. سماه (الإسلام وأصول الحكم )..

أذكر أنه كتب كتابه هذا سنة ( 1925 م ) في تلك السنين التي ألغي فيها نظام الخلافة في تركيا.. وكان كتابه ذلك من أعظم هداياه لهم.

قال: أعرف ذلك الرجل.. لقد كان رجلا صادقا.. ولكنه كان مسكينا.. زار ذات مرة تلك البلاد التي تغرب منها الشمس، فرأى ما فيها من بهرج .. فعمي عن البهرج الذي فيها عن الحيات التي تسكنها وتوجهها([77]).

ومع ذلك.. فقد كان له ناصحون كثيرون([78]).. ولعله انتصح لهم.

قال الرجل: لم يكن ذلك الرجل وحده.. لقد قرأت في بعض المصادر المهمة أن في الإسلام نظريتين: إحداهما تقول بأن الإسلام دين ودولة، والأخرى تقول أن الإسلام دين روحي.. ولذلك ليس على أي طرف من الأطراف أن يفرض قناعته على غيره.

ابتسم الحسين، وقال: أعلم أن لك تأثرا بالمستشرقين.. فأجبني عما أسألك عنه.

أرأيت لو أن شخصا قال لك: إن في المسيحية نظريتين في الألوهية: إحداهما تقول (الآب والابن وروح القدس)، والثانية تقول ( لا إله إلا الله).. فهل تصدق هذا؟

قال: حسب معلوماتي.. فإن المسيحيين متفقون في الآب والابن ورح القدس.. ويختلفون في طبيعة المسيح.. ويختلفون في..

قال الحسين: دعني من اختلافهم.. أسألك عن اتفاقهم في كلمة  (الآب والابن وروح القدس)،

قال: هم متفقون فيها.

قال الحسين: وآريوس أسقف كنيسة بوكاليس في الإسكندرية (250 ـ 336 م) لقد كان مخالفا لهذا.. وقد كان له ألوف الأتباع ممن عرفوا بالآريوسيين... وقد بقي مذهبهم التوحيدي حيا لفترات زمنية طويلة...

قال: هم مع ذلك محدودون.. وقد أكلهم الدهر.. ولا يصح اعتبار مذهبهم خرقا للمسيحية.

قال الحسين: وما تقول في يوزيبيوس النيقوميدي أسقف بيروت، الذي نقل لنيقوميديا عاصمة الإمبراطورية الشرقية، و كان من أتباع لوسيان الأنطاكي، وقد كان من أصدقاء آريوس.

قال: أنت تتحدث عن تواريخ بائدة لا ندري صحة ما نقل منها، فكيف تريد أن تخرق بها الإجماع المسيحي([79])؟

قال الحسين: وكيف تريد أن تخرق أنت برجل واحد وقف الكل ضده الإجماع الإسلامي بوجود نظام سياسي.

قال رجل منا: دعنا من هذا.. النظريات لا تثبت هكذا.. النظريات تثبت بأدلتها.. وبالحقائق التي تنطوي عليها..

أنت تقول: إن هناك نظاما سياسيا في الإسلام.. ونحن لا نصدقك.. ولا نكذبك.. ولكنا نسألك عن الأسس التي يقوم عليها هذا النظام.. فإن كانت هذه الأسس صحيحة قويمة لها ما يدل عليها من النصوص أو من الواقع سلمنا لك بها.. وإلا فلن يجدي إجماع الملايين على وجود شيء لم نره بأعيننا أو لم نلمسه بأدينا.

قال الحسين: يقوم النظام السياسي في الإسلام على أربعة أركان كبرى.. هي: الدستور، والإمام، والتنظيمات التي يختارها الإمام، والرعية التي تحدد موقفها من الإمام.

سأذكرها لكم باختصار.. أما تفاصيلها، فتجدونها في المطولات التي كتبها فقهاء المسلمين في الأزمان الطويلة.

 

الدستور:

قلنا: فحدثنا عن الركن الأول.

قال: أرأيتم الآلات الكثيرة التي يتزاحم الناس عليها ابتغاء ما فيها من رفاه.

قلنا: ما بها؟

قال: ألستم تجدون معها من الدفاتر ما يوضح غرضها، ووجوه استعمالها، وأساليبه.. وكيفية تصحيح ما يقع لها من أعطاب.. وكيفية تجنب تلك الأعطاب قبل حصولها؟

قلنا: أجل.. وذلك من المحاسن لا من المساوئ.

قال: أرأيتم لو أن مؤسسة ما اخترعت جهازا معقدا غاية التعقيد.. وله من الاستعمالات ما لا يمكن حصره.. وكان فيه في نفس الوقت من الاستعداد للعطب ما يجعله يتأثر لأبسط المؤثرات..؟

قلنا: إن مثل هذا الجهاز قد لا يحتاج دفترا فقط.. إنه يحتاج فوق ذلك إلى تدريب خاص لمن يمتلكه.

قال: من يقوم بذلك التدريب.. ومن يعين عليه؟

قلنا: الجهة المصنعة هي الجهة المسؤولة عن ذلك.

قال: ولو قصرت الجهة؟

قلنا: تقصيرها لا يغتفر.. بل تكون إساءتها بالتقصير في هذا ناسخة لمحاسنها في صناعته.

قال: فهكذا الأمر مع صنعة الله.. الإنسان.. بنيان الله الفريد العجيب.. إنه آلة معقدة.. بل هو أعقد الآلات.. ولو جمعنا جميع عقول آلات الدنيا..  فلن تعدل عقل مجنون من مجانين بني آدم..

قلنا: نسلم لك بهذا.. فما تريد منه؟

قال: هل ترون الله الرحمن الرحيم الذي خلق هذه الآلة العجيبة.. وأمدها بكل ما تحتاجه.. البسيط والمعقد.. يمكن أن يقصر في هذا، في الوقت الذي لا تقصر فيه أبسط المؤسسات وأحقرها؟

سكتنا، فقال: ولهذا.. فنحن المسلمين نعتقد أن الله تعالى برحمته أرسل إلى البشرية.. في كل فترة من فتراتها.. وفي كل أمة من أممها ما يدلها على الطريق الصحيح الذي تعبد به ربها، وتمارس به حياتها:

لقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال :﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)﴾ (البقرة)

وقال تعالى عن تقصير بني إسرائيل ـ باعتبارهم نموذجا لرسالة من رسالات الله ـ فيما أنزل إليهم من كتاب:﴿  ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)﴾ (آل عمران)

وقال يصفهم :﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)﴾ (المائدة)

وعلى هذا النهج والسنة الإلهية أنزل القرآن الكريم ليؤدي الوظيفة التي أدتها سائر الدساتير الإلهية، قال تعالى :﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)﴾ (المائدة)

وقد سمى الله تعالى كل خلاف للمنهج الذي اختاره لعباده جاهلية، فقال :﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)﴾ (المائدة)

ضحك أحدنا بصوت عال، وقال: هل ترى أن الله ينزل من علياء عرشه.. ليحكم هذه الذرات التائهة المسماة (بشرية)؟

ابتسم الحسين، وقال: أليس الله هو الذي خلق النمل والنحل والبعوض ووحيدات الخلية، وأمدها بالفطرة السليمة التي تتيح لها أن تحيا الحياة السليمة؟

قد لا تقول بعض الديانات المحرفة بهذا.. أما تصورنا نحن المسلمين، فيقوم على هذا، فالله هو القيوم الذي يقوم به كل شيء من الخلق والأمر.. قال الله تعالى :﴿ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة:255)

لقد أخبرنا ربنا أن حركات النحل التي تتحركها لتصنع ذلك الشفاء الرباني العجيب لا تتحركها إلا انطلاقا من الوحي الإلهي، قال تعالى :﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(69)﴾ (النحل)

فإذا كان النحل البسيط يحتاج إلى الله في حركاته.. فكيف نستغني نحن عنه؟

قال رجل منا قد يكون مسيحيا، أو له علاقة بالمسيحية: لقد عرفت الله، وعرفت أنه أرفع من أن ينزل إلى عرش قيصر ليحكم بدل قيصر.. فلذلك قال لنا الكلمة: ( دعوا ما لقيصر لقصير، وما لله لله)

قال الحسين: أما لقيصر لله، أم ليس لله؟

قال الرجل: ما تقصد؟

قال: أليس البشر الذين يحكمهم قيصر عباد لله.. خلقهم الله وصورهم ووهبهم من أفضالهم ما وهبهم؟

قال الرجل: صحيح ما تقول.

قال: فهم لله.. وليسوا لقيصر.

قال الرجل: ولكن قيصر هو الذي يحكمهم.

قال: أرأيت لو أن رجلا سطا على بيتك.. وجلس على عرشك.. وراح يأمرك وينهاك أكنت تعتقد أن طاعته واجبة عليك لا مناص لك منها؟

قال الرجل: لا.. طاعتي له جريمة.. فكيف أرضى لمن سطا علي أن يتملكني.

قال: فكذلك قيصر.. وكذلك كل القياصرة.. لقد خلقنا الله أحرارا، فرحنا نبيع حريتنا للمستبدين ليحرقونا بنيرانهم.. ثم ننسب ذلك كله لله.

الخليفة:

قلنا: حدثتنا عن الركن الأول من الأركان التي يقوم عليها النظام السياسي الإسلامي.. فحدثنا عن الركن الثاني.

قال: ألا ترون السماء.. وأقمارها وكواكبها ونجومها ومجراتها؟

قلنا: بلى.. وما علاقتها بهذا؟

قال: ألا ترون كيف نظم الله الكون.. فالقمر تابع للكوكب.. والكوكب تابع للنجم.. والنجم سائر مع المجرة يتحرك وفق حركاتها.. فلا يشذ عنها ولا ينحرف.

قلنا: بلى.. فما علاقة ذلك بما نحن فيه؟

قال: إن الحركات المنتظمة تستدعي نقطة مركزية أو محورا.. ولا يمكن أن تنظم الحركات من دون ذلك.

قلنا: أتقصد أن الركن الثاني هو تلك النقطة المركزية؟

قال: أجل.. فلا يكفي الدستور وحده لأكثر الناس.. فلذلك هم يحتاجون إلى من ينظم حياتهم وحركاتهم.

قال رجل منا: ذلك متفق عليه عند البشر جميعا.. وقد قال الشاعر قديما:

لا يصلح الناس الفوضى لا سراة لهم
 

ولا سراة إذا جهالهم سادوا
  

والبيت لا يبتني إلا على عمد
 

ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
  

فما ميزة النظام الإسلامي في هذا؟

قال: ميزة الإسلام في هذا أنه وضع القوانين التي تتيح لشخص ما أو لجماعة ما هذه الوظيفة الخطيرة التي تتوقف عليها حياة الناس.

قلنا: فما هذه الضوابط؟

قال: لقد ذكر القرآن الكريم ضابطين عظيمين لذلك، تندرج ضمنهما سائر الضوابط، وذلك في قوله تعالى على لسان يوسف u :﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف:55)

لقد ذكر الله في هذه الآية الكريمة ضابطين عظيمين، أما أولهما، فالحفظ، وأما الثاني، فالعلم.

أما الحفظ، فيتمثل في جميع الأخلاق التي تجعل من وكلت إليه هذه المهمة لا يسعى لحظ نفسه.. بل يسعى لحفظ ما وكل به من شؤون الرعية..

وأما العلم.. فيتمثل في جميع القدرات والخبرات التي تمكنه من أداء وظيفته.. فلا يمكن أن تؤدى وظيفة من وظائف الوجود بالجهل.. فالجاهل لا ينفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟

ضحك بعض الحاضرين، وقال: فأين مثل هذا الرجل.. إنه كالدرة اليتيمة.

ابتسم الحسين، وقال: جل جناب الحق أن يخلي الأرض من أصحاب القدرات المختلفة.

قال الرجل: فما الذي يحول بينهم وبين الوصول إلى المناصب التي هم أهل لها؟

قال الحسين: أصحاب النفوس والأهواء هم الذين يحولون بينهم وبينها.. لقد ذكر الله ذلك فقال حاكيا عن بني إسرائيل وعنصريتهم التي حالت بينهم وبين قبول الحاكم الذي رضيه الله لهم.. قال تعالى :﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)﴾ (البقرة)

ومع ذلك لم يقبلوا إلى أن رأوا المعجزة التي تدلهم على أنه الحاكم الذي رضيه الله لهم.

ولم يكن الأمر قاصرا على بني إسرائيل.. فأكثر الأمم واجهت أنبيائها الذين هم أشرف الناس وأقدر الناس على تحمل مثل هذه المسؤوليات بالتكذيب والاحتقار لسبب بسيط كهذا السبب الذي أورده القرشيون في رفضهم لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.. قال تعالى :﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)﴾ (الزخرف)

وقد رد الله عليهم هذا المنطق، فقال :﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾ (الزخرف)

الرعية:

قلنا: فما الركن الثالث من أركان النظام السياسي الإسلامي؟

قال: الرعية.. الرعية هم الذين يتشكل منهم نظام السياسة في الإسلام.

قلنا: وفي غير الإسلام.. فلا يمكن أن يكون هناك نظام من غير رعية.

قال: لا أقصد بالرعية الشعب المجرد عن حرية الرأي، وقوة الإرادة، ونفاذ العزيمة.. بل أقصد الشعب الممتلئ بالحرية والوعي والقدرة على أن تكون له إرادته الحرة التي يهابها الحاكم، ويحسب لها حسابها.. بل لا يمكن للحاكم أن يحكم الرعية من دونها.

قلنا: تقصد الانتخاب؟

قال: لا أقصد الانتخاب وحده.. بل أقصد كل ما يربط الرعية براعيها حتى عزله إن أرادت.

قلنا: أفي الإمكان ذلك؟

قال: أجل.. بل يجب على الرعية أن تعمل على عزل راعيها إن أساء..

قلنا: نرى أن للرعية شأنا في النظام الإسلامي.. فما هو؟.. وما منطلقاته؟

قال: للرعية في النظام السياسي الإسلام أربع مسؤوليات([80]): البيعة لمن توفرت فيه الأهلية.. والطاعة في المعروف.. والمعصية في المنكر.. وعزل من لم تتوفر فيه الأهلية.

قلنا: فحدثنا عن أولها.

قال: تبدأ علاقة الرعية براعيها في النظام السياسي الإسلامي بالبيعة.. فلا يمكن للحاكم أن يصير حاكما قبل أن يبايع.

لقد طبق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ باعتباره أول حاكم للمسلمين ـ ذلك على نفسه.. فكان بين الحين والآخر يدعو إلى البيعة ويجددها.. وقد ذكر القرآن الكريم ذلك.. قال تعالى :﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ (الفتح:10)، فَيَدُه سبحانه في الثّواب فوق أيديهم في الوفاء، ويده في المنّة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطّاعة.

هذه الآية الكريمة تتحدث عن بيعة الرّضوان بالحديبية، وقد أنزل اللّه تعالى فيمن بايعه فيها قوله تعالى :﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ (الفتح:18)

وقبل ذلك.. وفي بيعة العقبة الأولى بايع المسلمون الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم على ما يسميه الفقهاء (بيعة النّساء)، وكان نص الببيعة هو: (بايعوني على أن لا تشركوا باللّه شيئاً، ولا تَسْرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على اللّه، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدّنيا فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثمّ ستره اللّه، فهو إلى اللّه، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه)

وقد بايعوه صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك مرات على حسب الأحوال.. بل بايعه النساء.. وقد ذكر القرآن الكريم ذلك، قال تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (الممتحنة:12)

هذه نماذج عن بعض بيعات المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهي دليل على أن من سنة الحاكم الراشد أن يبادر كل حين طالبا بيعة رعيته على حسب الأحوال المختلفة.

قال رجل منا: ما الحاجة للبيعة كل مرة.. ألا يكفي الحاكم أن يبايع مرة واحدة؟

قال الحسين: لا يكفي الحاكم الراشد أن يبايع مرة واحدة.. فهو قد يحكم رعيته في ظرف معين.. ثم تجد ظروف أخرى، وقد يضع لها الحاكم من البرامج ما يتناسب معها.. ولذلك يحتاج أن يأخذ رأيهم كل حين حتى يقفوا مع ما يريد أو يخالفوه..

قال الرجل: إذن ما أسرع أن يعزل هذا الحاكم في رعية لا تعرف إلا أهواءها.

قال الحسين: لا يستطيع الحاكم أن يحكم رعية لا تثق فيه ولا تتقبله وليس لها من العزم ما تستطيع به أن تنفذ ما يطلبه منها مما تقتضيه السياسة.

قلنا: عرفنا المسؤولية الأولى.. فما الثانية؟

قال: المسؤولية الثانية هي الطاعة في المعروف.. فالرعية التي بايعت الإمام ينبغي أن تخلص لبيعتها.. فتنفذ ما تقتضيه من طاعته ما دام يطيع الله.. لقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال :﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ (الفتح:10)

وأمر بالوفاء بالعقود، فقال :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ )(المائدة: 1)

وأثنى الله على المؤمنين بصدق الوفاء ببيعاتهم وعهودهم، فقال :﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾ (الأحزاب:23)

وقد ورد في السنة الحث على الوفاء بما تتطلبه البيعة، وورد فيها في نفس الوقت تهديد من نقض بيعته من غير موجب:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)([81])

وقال : (لكل غادر لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان)([82])

وقال في الحديث القدسي: (يقول الله - تعالى - ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه العمل ولم يعطه أجره)([83])

وقال : ( من خلع يدا من طاعة الله لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)([84])

وقال : (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر)([85])

قلنا: عرفنا المسؤولية الثانية.. فما الثالثة؟

قال: المسؤولية الثالثة هي المعصية في المنكر.. فقد عرفنا أن الله هو الحاكم الأعلى للمسلمين.. وما الخلفاء إلا نواب.. ولا يصح أن يعصى الحاكم الأعلى بطاعة النائب الأدنى.

وقد ورد في النصوص الكثيرة ما يدل على هذا.. فقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  بعث سرية، فاستعمل رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه فغضب، فقال: أليس أمركم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تطيعوني قالوا: بلى قال: فاجمعوا لي حطبا فجمعوا فقال: أوقدوا نارا فأوقدوها فقال: ادخلوها، فهموا، وجعل بعضهم يمسك بعضا، ويقولون فررنا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم  فقال: ( لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف)([86]).. فهذا الأمير أمر أصحابه بما يجلب المضرة لهم، وينفي مصالحهم، فأمرهم صلى الله عليه وآله وسلم بمعصيته في ذلك، بل أخبر أنهم لو أطاعوه فدخلوا النار ما خرجوا منها.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم يذكر قاعدة ذلك:( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)([87])، وقال : ( لا طاعة لبشر في معصية الله)([88])

قلنا: عرفنا المسؤولية الثالثة.. فما الرابعة؟

قال: المسؤولية الرابعة هي عزل الوالي إن أساء..

قاطعه الرجل الذي له علاقة بالفقهاء، وقال: كيف تقول ذلك.. وقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها) قالوا : يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال:(تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم)([89])

قال الحسين: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وليس الشأن فيما قال، ولكن الشأن في أن نفهم ما قال.

قال الرجل: فما الفهم الصحيح الذي تراه لهذا؟

قال الحسين: لقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نطيع الولاة.. لأنه لا يمكن أن تنتظم أمور حياتنا من غير ذلك..

وهذه الطاعة قد يعترضها أحيانا ما يشوشها.. وهذا لا حرج فيه.. فالحاكم بشر.. وقد يخطئ وقد يصيب.. ولو أن كل حاكم أخطأ خطأ بسيطا عزل وأهين لما قامت للولاية سوق.. ولصرنا نطلب من الله أن يرسل لنا أنبياء ليحكمونا.

بالإضافة إلى أن الحقوق قد تلتبس.. فالبعض يتصور ما ليس له بحق حقا.. وطاعة ذلك تؤدي إلى محالة إلى سيطرة الأهواء .. وسيطرة الأهواء لا تؤدي إلا إلى الفتنة.

بالإضافة إلى أن للأوضاع المختلفة تأثيرها في تصرفات الحاكم.. وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك في قوله:( إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار) ([90])

وهذا كله لا يعني عدم الوقوف في وجه الحاكم إن أخطأ.. بل قد ذكر الفقهاء العدول أن على الأمة أن تفعل ذلك بكل ما أوتيت من قوى([91])..

التنظيمات:

قلنا: حدثتنا عن الركن الثالث من الأركان التي يقوم عليها النظام السياسي الإسلامي.. فحدثنا عن الركن الرابع.

قال: أرأيتم لو أن رساما رسم على لوحته صورة لحديقة زينها بأجمل الزهور والألوان، ونسقها تنسيقا بديعا.. لكنه تلاعب بالألوان.. فجعل أوراق الأشجار سوداء.. وجعل المياه حمراء.. وجعل الشمس خضراء؟

قلنا: لا شك أن هذا رسام هازل.

قال: لا.. هو رسام جاد.. ولكنه أراد أن يبدع.. وقد رأى أن كل الرسامين يرسمون الأوراق خضراء، فراح يحولها إلى سوداء.

قلنا: فهذا مجنون إذن.

قال: لم ترون جنونه؟

قلنا: لأن الإبداع لا يكون بالتلاعب بحقائق الأشياء..

قال: ففيم يكون إذن؟

قلنا: في تنسيقه واختياراته والإيحاءات التي تعبر عنها صوره.

قال رجل منا: ما تريد بكل هذا؟

قال: أريد أن أبين لكم العلاقة بين التنظيمات والدستور.. فالدستور  الإلهي دوره أن يبين فطر الأشياء وحقائقها حتى لا يتلاعب الساسة بها.. وأما التنظيمات، فدورها أن تجعل صورة الحياة جميلة حية ممتلئة بالسعادة.

قلنا: فما علاقة هذا بالنظام السياسي الإسلامي؟

قال: كما أن الإسلام تشدد في دستوره الذي يحفظ حقائق الأشياء، فإنه في مقابل ذلك تفتح تفتحا تاما على كل ما يخدم الحياة من تنظيمات.. فالحياة لا تستقيم إلا بالتنظيمات الصالحة التي تيسر للرعية حياتها.

لقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك حين قال:( إن الله يحب إذا عمل أحدكم العمل أن يتقنه)([92])

 واعتبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإحسان أصلا من أصول الدين وقمة من قممه، فقال : (إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)([93])

ولذلك.. فإن جميع التنظيمات الصالحة التي تيسر تحقيق العدالة واجبة من جهة دخولها في الإحسان الذي أمرنا الله به.. بل كتبه علينا في كل شيء.

ولذلك.. فإن النظام السياسي في الإسلام يطلب من ولي الأمر البحث عن كل إبداع في هذا الباب.. ويطلب منه أن يستخدم جميع الوسائل التي تيسر عليه تحقيق العدالة التي لا ينتظم شأن الرعية إلا بها.

قام رجل منا، وقال: فمن هذا الباب ـ إذن ـ تأثر الفقه الإسلامي بالتشريع الروماني([94])؟

ابتسم الحسين، وقال: لقد علمنا ربنا أن لا نقر شيئا، ولا ننكره إلا بدليل، فقال:﴿ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الاسراء:36)، وقال :﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَO (البقرة: 111).. فما أدلتك على هذا؟

قال: لقد اتفق على هذا أكثر المستشرقين([95])..

ابتسم الحسين، وقال: لقد اتفق كل المدمنين على المخدرات على أن للمخدرات نشوة لا تعدلها نشوة.. فهل تقرهم على إجماعهم؟

قلت: كيف أقرهم وهم ضحايا الإدمان؟

قال الحسين: لكل إدمانه الخاص.. فلذلك لا يصح أن نعتبر آراء الرجال ـ مهما كانت ـ دليلا..

قال الرجل: من الأدلة التي أوردوها هو أنه كان في الشام مدارس للقانون الروماني عند الفتح الإسلامي في قيصرية وفي بيروت، وكان هناك محاكم تسير في نظامها وأحكامها حسب القانون الروماني، واستمرت هذه المحاكم في البلاد بعد الإسلام زمنا.. وطبيعي أن قوما لم يأخذوا من المدنية بحظ وافر إذا فتحوا بلادا ممدنة نظروا ماذا يفعلون، وبم يحكمون، ثم اقتبسوا عن أحكامهم.

بالإضافة إلى هذا، فإن المقارنة بين بعض أبواب الفقه وبعض أبواب القانون الروماني تقنعنا بهذا، بل إن هناك قواعد نقلت من القانون بنصها مثل: (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر)..

بالإضافة إلى أن كلمتي الفقه والفقيه استعملتا وفاقا لمعنى الكلمة المستعملة عند الرومان، فهم يستعملون كلمة، وهي تدل على الفهم والمعرفة والحكمة.

بالإضافة إلى هذا.. فإنه من المحتمل أن يكون الفقه الإسلامي قد استفاد من القانون الروماني إما مباشرة أو عن طريق التلمود.. لأن التلمود أخذ كثيرا من القانون الروماني، واتصال المسلمين باليهود مكنهم من الأخذ ببعض أقوال التلمود([96]).

ابتسم الحسين، وقال: لقد سمعت لأدلتك بكل صدق وإخلاص.. فاسمح لي أن أبين لك ما أراه من صواب.. لا بحسب كوني مسلما.. ولكن بحسب كوني باحثا عن الحقيقة.

لقد انطلت علي في يوم من الأيام هذه الشبهة وغيرها.. لكن الحقائق الكثيرة التي رأيتها في الإسلام جعلتني أراجع نفسي، وأتراجع عن تلك الأفكار التي لم يكن لها إلا هدف واحد هو تحويل الإسلام مسخا مركبا لا حقيقة له ولا أساس.

لقد كان من أول ما فند عندي هذه الشبهة هو أني رأيت المسلمين ـ منذ بدأ الإسلام ـ يعتقدون أن الله خاطب بالشريعة الإسلامية جميع البشر، بما أتى به محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أوامر ونواه وتخييرات.. ورأيتهم يعدون كل من لا يؤمن بالشريعة الإسلامية كافرا، كما قال تعالى :﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)

ورأيتهم يعتقدون أن أي حكم يخالف حكم الإسلام هو من أحكام الكفر، يحرم عليهم أخذه.. كما قال تعالى:﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(المائدة: 44)

 فلا يتأتى لمن يحمل مثل هذا الاعتقاد أن يأخذ أي حكم من غير الإسلام.

كان هذا أول ما صد عني رياح هذه الشبهة..

قال ذلك، ثم التفت إلى الرجل، وقال: أما كلمة (فقه) و(فقيه)، قد وردت في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف قبل أن يكون للمسلمين أي اتصال حضاري بتلك الشعوب.. فالله تعالى يقول:﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة:122)، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)([97])

وأما قاعدة (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر).. فقد وردت في الحديث قبل اتصال المسلمين بغيرهم.. ففي الحديث، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه)([98])

وفي حديث آخر: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)([99])

الاقتصاد

قال رجل منا: حدثتنا عن النظام السياسي.. فحدثنا عن النظام الاقتصادي..

قال آخر: لم أسمع أن هناك (نظاما اقتصاديا) له صلة بالإسلام.

قال آخر: (اقتصاد إسلامي)!؟.. لم أسمع بهذا من قبل.

قال آخر: بلى.. سمعت بهذا.. ولو أني لم أره..

قال آخر: بلى.. لقد رأيته بأم عيني.. بل دخلت محلاته .. وهي محلات مزخرفة ممتلئة بكل زينة.. لقد كتب على بابها بالبنط العريض (بنوك إسلامية).. ولكني لم أرها تبيع إلا السيارات الفاخرة التي تنتجها الدول العظمى.

قال آخر: لو كان في الإسلام نظام اقتصادي، فهو نظام فاشل.. وأكبر دليل على فشله هو أن بلاد المسلمين من أغنى أرض الله بالثروات، ومع ذلك ينام أهلها تحت وطأة الفقر والجوع.

أشار إليهم الحسين أن يسكتوا.. فلما سكتوا أخذ يرتل بجلال قوله تعالى :﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ﴾ (البقرة: 275)

ثم التفت إلى الجمع، وقال: هذه الآية الكريمة تختصر جميع النظام الاقتصادي الإسلامي..

قلنا: كيف؟.. ولا نراها إلا تحل البيع.. وتحرم الربا.. والاقتصاد أخطر من أن ينحصر في البيع والربا.

قال: إن هذه الآية العظيمة تدلنا على أمرين:

أما أولهما، فهو التصرفات المباحة.. والتي يشكل البيع واحدا منها.. وهو يمثل كل حركة للمال والجهد.

وأما الثاني، فهو كابح لتلك التصرفات والحركات حتى لا تنجرف إلى الربا وإخوان الربا.

إن مثل ذلك مثل سيارة تزود بكل ما يتيح لها الحركة الحرة في كل اتجاه.. ولكنها في نفس الوقت تحمى بفرامل تقيها العثرات.. ولا يمكن لأي سيارة في الدنيا أن تستغني عن مثل هذه الفرامل.

قلنا: من العجب أن يختصر الاقتصاد بتفاصيله في هذا.

قال: سأشرح لكم ذلك.. وسترون عظمة الاقتصاد الذي شرعه الله لعباده..

إن الاقتصاد حسبما تنص عليه تلك الآية يتكون من معنيين: من القيم الاقتصادية.. ومن الحركة الاقتصادية.

القيم:

قلنا: فحدثنا عن القيم وعلاقتها بالاقتصاد الإسلامي.

قال: هناك قيمتان كبيرتان تنطلق منهما جميع القيم التي جاء الإسلام لمراعاتها في هذا الباب.. أما إحداهما، فعقدية تتعلق بالتصورات والأفكار.. وأما الثانية، فأخلاقية متعلقة بالسلوك والآدب.

التصورات:

قلنا: حدثنا عن أولاهما.. تلك التي ترتبط بالعقيدة والتصورات.

قال: ينطلق الإسلام في كل مواقفه وتنظيماته من الإيمان بالله.. ولذلك فإن أول ما تفعله العقيدة في المؤمن أن تسلب منه ملكيته لماله، كما تسلب منه قبل ذلك ملكيته لكل شيء..

فالله في تصور المؤمن هو المالك الحقيقي للأشياء.. قال تعالى:﴿  لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة:120)

والله واحد في ملكه لا شريك له.. قال تعالى:﴿  وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (الاسراء:111)

وانطلاقا من هذا، فإن القرآن الكريم يملأ وجدان المؤمن بأن المال مال الله.. وأن المؤمن ليس له من حظ في هذا المال سوى أنه مستخلف أو وكيل فيه، قال تعالى:﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ O (النور: 33).. انظروا كيف نسب الله تعالى المال لنفسه.. وكأنه يقول للعبد: أنت مخطئ في تصورك أن هذا المال مالك.. إنما هو مال الله.

وقال تعالى مقررا علاقة الإنسان بالمال :﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ (الحديد:7)

قاطعه رجل منا، وقال: فالإسلام يتفق في ذلك مع العقيدة المسيحية إذن.. فقد حدث أصحاب الأناجيل - متى ومرقص ولوقا - عن المسيح: أن شاباً غنياً أراد أن يتبع المسيح، ويدخل في دينه، فقال له المسيح: ( بع أملاكك، ثم اعط ثمنها للفقراء، وتعال اتبعني)، فلما ثقل ذلك على الشاب قال المسيح: (يعسر أن يدخل غني ملكوت السموات) أقول لكم أيضاً: ( إن دخول جمل في ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غيى ملكوت الله )

قال آخر: والإسلام بذلك يختلف اختلافا جذريا عن جميع المذاهب الاقتصادية.. فكلها من رأسمالية وشيوعية وغيرها تجعل الاقتصاد محور الحياة وتجعل من المال (إله ) الأفراد والجماعة.

قال الحسين: الإسلام يتفق مع هذا وذاك..

قلنا: كيف ذلك؟.. ونحن نرى أنهما يسيران في خطين متوازيين..

قال: الإسلام.. رسالة الله وازنت بينهما.. لتحقق العدل الذي قامت عليه السموات والأرض.

قلنا: كيف ذلك؟

قال: عندما يعتقد الإنسان أن المال ماله.. وأنه أوتيه بجهده وقوته سوف يؤديه ذلك لا محالة إلى الطغيان..

لقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال :﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7)﴾ (العلق).. ففي هذه الآية يخبر تعالى أن من طبيعة الإنسان أنه ذو فرح وأشر وبطر وطغيان إذا رأى نفسه قد استغنى وكثر ماله.

ولهذا توعد الله بالويل من اختصر همته في حياته في جمع المال وعده، قال تعالى :﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)﴾ (الهمزة)

وقد ضرب الله المثل للتفاني في حب المال بقارون، فقال يحكي قصته باعتباره نموذجا لهذا الصنف من الناس ومن المذاهب والأفكار:﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)..﴾ (القصص)

اعذروني إن كنت قد قرأت لكم هذه الآيات بطولها.. فأنا لا أراها مجرد قصة لرجل من بني إسرائيل.. بل أراها أعظم من ذلك بكثير إنها تمثل دستور المسلمين الاقتصادي..

وقارون بالنسبة لي ليس مجرد شخص.. إنه يتمثل في أنظمة كاملة.. أنظمة ممتلئة بالكبر والجشع والأنانية..

ومصير قارون بالنسبة لي هو المصير النهائي الذي ستؤول إليه تلك الأنظمة.. فتلك الأنظمة التي استكبرت فوق الأرض ليس لها من مصير سوى أن تخسف بها تنال الأرض لتنال جزاء كبريائها.. ولهذا ختم الله تعالى قصة قارون بقوله :﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾ (القصص)

انظروا كيف وصفت هذه الآية العابدين للمال من دون الله.. لقد وصفتهم بالعلو والاستكبار.. كما وصفتهم بالفساد.. وكلاهما نتيحتان حتميتان لكل من اتخذ المال إلها من دون الله.

قال رجل منا: فالمال ممقوت إذن بسبب كل ما ذكرت.

قال الحسين: نعم.. المال إن جعل صاحبه مثل قارون فهو مال ممقوت.. هو ممقوت كما يمقت المرض، وكما تمقت الزلازل وجميع المصائب.. وكيف لا يمقت، وهو يؤدي بصاحبه إلى تلك النتيجة الخطيرة التي آل إليها أمر قارون.. وغيره.. في جميع أحقاب التاريخ.

لقد حذر الله المؤمنين من أن يشتغلوا بأموال قارون عن الوظيفة التي خلقوا لها.. قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ (المنافقون:9).. وقال :﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (لأنفال:28)

قال رجل منا: فكيف تزعم أن الإسلام جمع بين الأمرين.. بين حب المال وبغضه.. ووازن بين الزهد والحرص.. زهد المسيح وحرص المذاهب المادية؟

قال الحسين: الإسلام حذر من حب المال لأجل المال، أو من أجل المصالح الدنيا التي يتطلبها الترف.. لأن هذا الحب سيؤدي بصاحبه لا محالة إلى الشح، وإلى استخدام المال استخداما خاطئا.. وليس هناك ما يضر أي أمة من الأمم مثل هذين.. مثل الشح ومثل الاستخدام السيء للمال.

ولهذا.. فإن الله تعالى أخبر أن الأمم تهلك بانتشار ثقافة المترفين فيها، فقال :﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ﴾ (الاسراء:16)

وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مخبرا عن عواقب الشح : (اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)([100])

السلوكات:

قال رجل منا: أراك عبرت بنا إلى الركن الثاني من أركان القيم.. وهو الركن المرتبط بالأخلاق والسلوك.

قال الحسين: أجل.. فالأخلاق تنبع من التصورات والأفكار.. ولهذا فإن الأخلاق في الإسلام ليست مجرد ظواهر سلوكية قد تصدر من نفس متكلفة.. بل هي آثار لمعان عميقة يمتلئ بها الوجدان جميعا.

قلنا: فحدثنا عن القيم الأخلاقية التي دعا الإسلام أن يسلكها المسلم في تعامله مع المال.

قال: جميع القيم الأخلاقية التي دعا إليها الإسلام في هذا الجانب ترتبط بتحصين المسلم وتحصين اقتصاد المسلمين من عدوين لدودين: الطغيان، والفساد.

قلنا: فما الطغيان؟ وما نتاجه؟

قال: أرأيتم لو أن رجلا كان له مال كثير.. وكان مفرقا في مواضع مختلفة.. وقد كان له لذلك وكلاء في كل محل من المحلات.. ثم إن بعضهم تمرد عليه، وراح يعبث بماله ويتلاعب به([101])؟

قلنا: هذا لص متمرد طاغية.

قال: لم؟

قلنا: لأنه تصرف فيما لا يملكه بغير حق.

قال: فهكذا الأمر بالنسبة لله تعالى.. ولله المثل الأعلى.. فكل إنسان تمرد على ربه.. واعتقد أن المال ماله، وأنه لا يحق لأحد أن يتحكم فيه فقد طغا وبغا وظلم..

لقد ضرب الله المثل لهذا بحضارة من حضارات الطغيان.. هي حضارة ثمود.. كانت هذه الحضارة تمارس كل الانحرافات الاقتصادية.. وكان من أهمها الطغيان.. والذي تجلى بصورته الفاضحة في تطفيفهم للمكاييل والموازين.

وقد أخبر القرآن الكريم عن النفس الذي ينبع منها هذا السلوك عند ذكره لمخاطبة نبيهم صالح u لهم.. وكان من تلك المخاطبات قوله لهم :﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)﴾ (هود)

وعندما سمعت ثمود هذا منه استغربت.. فلم تكن تتصور ـ لطغيانها ـ أن هناك من يشكك في ملكيتها التامة لمالها.. وحريتها التامة في التصرف فيه.. قال تعالى حاكيا قولهم:﴿ يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)﴾ (هود)

حينذاك أجابهم صالح u بقوله :﴿ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)﴾ (هود)

فردوا عليه :﴿ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91)﴾ (هود)

فأجابهم بهدوئه وسلامه :﴿ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ(93)﴾ (هود)

اعذروني إن كنت قد نقلت لكم الحوار بطوله.. ففي هذا الحوار يتجلى موقف المؤمن من ماله، وهو موقف المسالم المتواضع الممتلئ بمعاني العدالة.. وفي نفس الوقت يتجلى الموقف الثاني موقف الباغي الطاغي الظالم الذي يرى أن له الحرية المطلقة في ماله يملكه كيف يشاء.. ويتصرف فيه كيف يشاء.

ومثل هذا الحوار هذا الحوار.. قال تعالى :﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)﴾ (الكهف)

قلنا: عرفنا الطغيان.. فما الفساد؟

قال: الطغيان يؤدي لا محالة إلى الفساد.

قلنا: كيف ذلك؟

قال: أرأيتم لو أن شخصا أكل من الطعام أضعاف ما يتحمله جهازه الهضمي.. وداوم على ذلك مدة.. ألا يؤدي ذلك لا محالة إلى فساد هذا الجهاز؟

قلنا: لا شك في ذلك.. وذلك ليس مختصا بالجهاز الهضمي.. فكل من حمل شيئا ما لا يحتمل فسد.

قال: فهكذا تعاملنا مع أموالنا.. إن نظرنا إليها نظرة الطغاة المتمردين.. فإننا لا شك سنقع في كل الموبقات.. موبقات الكسب الحرام.. وموبقات الإنفاق الخبيث.

قلنا: فما موبقات الكسب الحرام؟

قال: كثيرة.. ذكرتها النصوص المقدسة.. وحذرت منها.. وفصلتها كتبنا الفقهية تفصيلا شديدا.. وهي ـ لذلك الدعامة التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي.

منها الربا.. وقد تشدد الإسلام في حرمته.. بل اعتبر أكلة الربا محاربين لله تعالى.. قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (البقرة:275)

بل إن القرآن الكريم أخبرنا أن الربا كان محرما في الشرائع السابقة.. قال تعالى يعدد معاصي الإسرائيليين، وكونها السبب فيما حصل في شريعتهم من تشديد([102]) :﴿ وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) (النساء:161)

قال رجل منا: أنا إلى الآن لا أزال مستغربا من كل هذا التشديد في الربا.. أليس الربا مكسبا من المكاسب المحترمة؟

قال الحسين: لا.. الربا ليس إلا تعبير عن الجشع والطغيان.. فمالك المال المرابي لا يتعب نفسه في فلاحة ولا صناعة ولا تجارة.. بل يكتفي بأن يرسل ماله ليمتص جهود الناس وعرقهم، وهو ضامن ـ مع ذلك كله ـ لربحه ضمانا تاما..

وهذا يؤدي لا محالة إلى دفع فئة من الأمة إلى الكسل والبطالة وتمكنهم من زيادة ثروتهم بدون جهد أو عناء.. وذاك يؤدي بالضرورة إلى انتشار ظاهرة التضخم في المجتمع وتوسيع الهوة بين الفقراء والأغنياء.

وذاك يؤدي إلى تنمية الضغائن والأحقاد بين الناس لعدم اقتناع المقترض بما أخذ منه مهما كانت حاجته ورغبته فيه..

قلنا: فاذكر لنا عللا أخرى من العلل التي يسببها الطغيان والفساد.

قال: كل معاملة تحوي غررا).. أو جهالة.. أو غبنا.. أو تدليسا.. أو غشا.. أو خلابة..  وكل أكل لأموال للناس بالاحتيال والنصب.

لقد مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على صبرة طعامٍ، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس ! من غشنا فليس منا)([103])

وعن أبي ذرٍ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليه، ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليمٌ) قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مراتٍ. قال أبو ذرٍ: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال : ( المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)([104])

وعن أبي سباع قال : اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما خرجت بها أدركني يجر إزاره، فقال: اشتريت؟ قلت نعم.. قال: أبين لك ما فيها؟ قلت وما فيها إنها لسمينة ظاهرة الصحة، قال: أردت بها سفرا أو أردت لحما؟ قلت: أردت بها الحج، قال: ارتجعها، فقال صاحبها: ما أردت إلى هذا أصلحك الله؟ تفسد علي، قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا يحل لأحد أن يبيع شيئا إلا بين ما فيه، ولا يحل لمن علم ذلك إلا بينه)([105])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم : (المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعا فيه عيب أن لا يبينه)([106])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:(المؤمنون بعضهم لبعض نصحة وادون وإن بعدت منازلهم وأبدانهم، والفجرة بعضهم لبعض غششة متخاونون وإن اقتربت منازلهم وأبدانهم)([107])

وفي حديث آخر عن جرير قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة، وأن أنصح لكل مسلم..  وكان إذا باع الشيء أو اشتراه قال : ما الذي أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناك فاختر([108]).

قلنا: زدنا.

قال: كل حبس للسلع عن الناس من أجل التلاعب بأسعارها حرام.. وقد سماه الشرع احتكارا.. ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( من احتكر فهو خاطئ)([109]).. وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( من احتكر حكرةً يريد أن يغلّي بها على المسلمين فهو خاطئ، وقد برئت منه ذمّة اللّه)([110]).. وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللّه بالجذام والإفلاس)([111]).. وقال صلى الله عليه وآله وسلم : (من احتكر الطّعام أربعين ليلةً فقد برئ من اللّه وبرئ اللّه منه، وأيّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمّة اللّه)([112])

بل إن من المفسرين من حمل قوله تعالى :﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ (الحج: 25) على الاحتكار.. مستندين ذلك لما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (احتكار الطّعام في الحرم إلحاد فيه)([113])

الحركة:

قلنا: حدثتنا عن القيم.. فحدثنا عن الحركة، وعلاقتها بالاقتصاد الإسلامي.

قال: كما أن الشريعة كبحت جماح المسلم من أن يطلب المال من غير حله أو يضعه في غير محله.. فإنها أطلقت له العنان في العمل الحلال الذي يعمر الأرض، ويلؤها بالبركات([114])..

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعتبر العامل المكتسب مجاهدا في سبيل الله.. لا يقل أجره عن أي مجاهد.. ففي الحديث أن بعض الصحابة رأى شاباً قوياً يسرع إلى عمله، فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله! فرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم بقوله: ( لا تقولوا هذا ؛ فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان )([115])

بل صرح صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ الجهاد، فقال لبعض أصحابه:( أبشر، فإن الجالب إلى سوقنا كالمجاهد في سبيل الله، والمحتكر في سوقنا كالملحد في كتاب الله )([116])

وسر ذلك هو أن الجهاد الذي هو حمل السلاح لا يكون في الشريعة إلا لطارئ، وهو أشبه بالحراحة التي يقوم بها الطبيب لنزع علة معينة، أما الجهاد الذي هو حمل الفأس والضرب في الأرض، فإنه لعمارة الدنيا التي أمرنا بعمارتها، فلا يليق أن نملأ الدنيا التي هي دار الضيافة الإلهية بالجهاد المدمر، ولا نملؤها بالجهاد المعمر.

بالإضافة إلى هذا، فقد ورد في النصوص ما يدل على أن كل منتفع بعمل العامل يصب في أجره، فقد قال قال صلى الله عليه وآله وسلم في إحياء الأرض:( ما من امرئ يحي أرضا فتشرب منها كبد حرى أو تصيب منها عافية إلا كتب الله تعالى له به جرا )([117])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم في أجر من أحيا أرضا ميتة:(  من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العافية منها فهو له صدقة )([118])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم في غرس الغرس:( ما من مسلم يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كانت له به صدقة )([119])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( ما من رجل يغرس غرسا إلا كتب الله له من الأجر قدر ما يخرج من ثمر ذلك الغرس)([120])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:( ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه صدقة، وما أكل السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة )([121])

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا للعمل ولو لم يبق للعامل أي أمل في الحياة.. ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم:( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها)([122])

 

الاجتماع

قال رجل منا: حدثتنا عن النظام الاقتصادي.. فحدثنا عن النظام الاجتماعي في الإسلام..

قال آخر: لم أسمع أن هناك في الإسلام شيء اسمه (نظام اجتماعي)

قال آخر: بلى.. سمعت أن هناك نظاما اجتماعيا في الإسلام.. وقد سمعت أنه نظام ذكوري.. يجعل الرجل جبارا متسلطا على المرأة.. ويجعل المرأة عبدا ذليلا مهانا للرجل.

قال آخر: وقد سمعت أنه نظام يقوم على العصبيات والقبليات والعرقيات.

قال آخر: وقد سمعت أنه نظام يقوم على طبقات مختلفة.. تبدأ برجال الدين.. ثم برجال الدنيا.. وفي أسفل الهرم الدهماء والعامة.

قاطعهم الحسين، وقال: ائذنوا لي أن أحدثكم بالحقائق.. فما أيسر لأسماعكم أن تسمع ما تشاء.. وما أيسر لأي قائل أن يقول ما يشاء.. والعبرة ليس بما نسمع.. ولا بما نقول.. وإنما العبرة بالحقيقة.. الحقيقة هي وحدها التي تحررنا من كل الشبهات والأهواء..

قلنا: قد ذكرنا لك ما سمعنا.. فحدثنا بما تراه من الحقائق.

قال: لقد بحثت في النظام الاجتماعي في الإسلام بحسب مصادره الأصلية.. وبحسب ما بقي فيه من بقية صالحة تتوزع في أقطار مختلفة من بلاد المسلمين.. وبحسب ما رواه المؤرخون الثقاة الذين أرخوا للسياسة كما أرخوا للاجتماع..

وقد وجدت من خلال هذه البحوث جميعا أن بنيان المجتمع الإسلامي يقوم على أربعة أعمدة كبرى: هي التآلف، والتكافل، والتناصر، والتناصح ([123]).

التآلف:

قلنا: فحدثنا عن أولها.. ذلك الذي سميته التآلف.

قال: لقد عبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الركن من أركان النظام الاجتماعي، فقال : (المؤمن إلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف).. بل بين المنزلة الرفيعة التي أنزلها الله من اتصف بهذا الركن العظيم، فقال : (إن أقربكم مني مجلساً أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون)

وعبر عنه قبل ذلك قوله تعالى ـ وهو يقرر الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الاجتماعية ـ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾  (الحجرات:13)

وعبر عنه بعد ذلك قوله تعالى ـ وهو يقرر الرابطة الوحيدة التي لا يصح أن يربط غيرها بين المؤمنين ـ:﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات:10)

قلنا: سمعنا النصوص.. فما معانيها؟.. وكيف حولها الفقهاء إلى ممارسات واقعية؟

قال: ليس الفقهاء هم الذين حولوها.. بل هي التي جعل الله فيها من القوة واليسر ما حولت به جميع أنظمة الجاهلية إلى نظام السلام الذي جاء به الإسلام.

قلنا: فحدثنا عن هذه النصوص.. وكيف أطاقت أن تنشر الإلفة بين المؤمنين؟

قال: لقد ورد في النصوص ما يسمى بحقوق المسلم.. والمراد منها جميعا تلك اللحمات التي كانت تصل بنيان المجتمع الإسلامي بعضه ببعض.. والتي عبر عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)([124]) .. وعبر عنها، فقال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)([125])

وقد جمع العلماء من النصوص الكثير من تلك اللحمات التي تصل بين المسلمين.. بل صنفوا في ذلك المصنفات.. سأذكر لكم بعض ما ذكروا لتعلموا من خلاله أنه لا يوجد دين في الأرض وضع من أسرار الألفة الاجتماعية ما وضعه الإسلام.

من ذلك ما عبر عنه الغزالي بقوله : ( أن تسلم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتشمته إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبر قسمه إذا أقسم عليك، وتنصح له إذا استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنك، وتحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك)

لقد وردت النصوص الكثيرة التي لا يزال المسلمون يحفظونها عن ظهر قلب تقرر هذا.. ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض وأتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس)([126])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم :( أربع من حق المسلمين عليك: أن تعين محسنهم، وأن تستغفر لمذنبهم، وأن تدعو لمدبرهم، وأن تحب تائبهم)

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : (  حق المسلم على المسلم ست : إذا لقيته فسلم عليه: وإذا دعاك فأجبه، وإذا أستنصحك فأنصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته وإذا مرض فعده، وإذا مات فأتبعه)([127])

وقال:( للمسلم على المسلم ست بالمعروف : يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويتبع جنازته ويحب له ما يحب لنفسه)([128])

وقال:( للمؤمن على المؤمن ست خصال : يعوده إذا مرض، ويشهده إذا مات، ويجيبه إذا دعاه، ويسلم إذا لقيه، ويشمته إذا عطس، وينصح له إذا غاب أو شهد)([129])

ومن ذلك أن لا يؤذي أحداً من المسلمين بفعل ولا قول.. بأي صنف من صنوف الأذى.

لقد وردت النصوص الكثيرة تدل على ذلك.. قال صلى الله عليه وآله وسلم : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)([130])

وقال : ( من كانت عنده مظلمةٌ لأخيه؛ من عرضه أو من شيءٍ، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهمٌ؛ إن كان له عملٌ صالحٌ أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسناتٌ أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)([131])

وقال : ( من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة) فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ فقال : ( وإن قضيبا من أراك)([132])

وقال : ( إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار )([133])

وقال: ( لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما )([134])

وقال: (من مر في شيء من مساجدنا، أو أسواقنا، ومعه نبل فليمسك، أو ليقبض على نصالها بكفه ؛ أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء)([135])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم في حديث طويل يأمر فيه بجملة من الفضائل:( فإن لم تقدر فدع الناس من الشر، فإنها صدقة تصدقت بها على نفسك)([136])

وقال:( لا يحل لمسلم أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه)([137])

وقال:( إن الله يكره أذى المؤمنين)([138])

وقال مرة لأصحابه : ( أتدرون من المسلم؟)، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، قالوا: فمن المؤمن؟ قال: (من أمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم)، قالوا: فمن المهاجر؟ قال: (من هجر السوء واجتنبه)([139])

وقال لهم مرة : ( أتدرون من المفلس؟ ) قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال : ( إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)([140])

وقال لهم مرة:( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض : السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم : ثلاث متواليات : ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، أي شهر هذا؟) قلنا : الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال:( أليس ذا الحجة؟) قلنا : بلى. قال :( فأي بلد هذا؟ ) قلنا : الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال : ( أليس البلدة؟ ) قلنا : بلى. قال : ( فأي يوم هذا؟ ) قلنا : الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال : ( أليس يوم النحر؟ ) قلنا : بلى. قال : ( فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه )، ثم قال : ( إلا هل بلغت، ألا هل بلغت؟ ) قلنا : نعم. قال : ( اللهم اشهد)([141])

وقال له رجل: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال:( أن تسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك)([142])

ومن ذلك أن يتواضع لكل مسلم ولا يتكبر عليه:

لقد وردت في تقرير ذلك والتربية عليه النصوص المقدسة الكثيرة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا، ولا يبغ بعضكم على بعض)([143])

وقال: (ما نقصت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله)([144])

وقال : ( التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، والعفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله، والصدقة لا تزيد المال إلا كثرة فتصدقوا يرحمكم الله )([145])

وقال:( طوبى لمن تواضع في غير منقصة، وذل نفسه في غير مسألة، وأنفق مالا جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة.. طوبى لمن طاب كسبه، وصلحت سريرته، وكرمت علانيته، وعزل عن الناس شره.. طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله)([146])

وقال : ( إذا تواضع العبد رفعه الله إلى السماء السابعة)([147])

وقال : (من يتواضع لله درجة يرفعه الله درجة حتى يجعله في أعلى عليين، ومن يتكبر على الله درجة يضعه درجة حتى يجعله في أسفل سافلين)([148])

وقال : ( من تواضع لأخيه المسلم رفعه الله، ومن ارتفع عليه وضعه الله)([149])

وقال : ( إياكم والكبر فإن الكبر يكون في الرجل، وإن عليه العباءة)([150])

وقال : (إن من التواضع لله الرضا بالدون من شرف المجالس)([151])

وقال : ( تواضعوا وجالسوا المساكين تكونوا من كبار عباد الله، وتخرجوا من الكبر)([152])

وقال : (صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله إلا أن يكون ضعيفا يعجز عنه فيعينه عليه أخوه المسلم)([153])

وقال : ( عليكم بالتواضع فإن التواضع في القلب ولا يؤذين مسلم مسلما، فلرب متضعف في أطمار لو أقسم على الله لأبره)([154])

وقال : (ما من آدمي إلا وفي رأسه حكمة بيد ملك فإن تواضع قيل للملك : ارفع حكمته، وإذا تكبر قيل للملك : ضع حكمته)([155])

وقال : ( من تواضع لله رفعه الله، ومن اقتصد أغناه الله، ومن ذكر الله أحبه الله)([156])

وقال : ( من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه ضعيف وفي أنفس الناس عظيم، ومن تكبر وضعه الله فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير حتى لهو أهون عليهم من كلب أو خنزير)([157])

وقال : ( قال الله تعالى من لان لخلقي وتواضع لي ولم يتكبر في أرضي رفعته حتى أجعله في عليين)([158])

وقال : (ما من آدمي إلا وفي رأسه حكمة موكل بها ملك، فإن تواضع رفعه الله، وإن ارتفع قمعه الله، والكبرياء رداء الله فمن نازع الله قمعه)([159])

وقال : (ما من آدمي إلا وفي رأسه سلسلتان، سلسلة في السماء السابعة وسلسلة في الأرض السابعة، فإن تواضع رفعه الله بالسلسلة إلى السماء السابعة، وإذا تجبر وضعه الله بالسلسلة إلى الأرض السابعة)([160])

وقال : (من رفع رأسه في الدنيا قمعه الله يوم القيامة، ومن تواضع في الدنيا بعث الله إليه ملكا يوم القيامة فانتشطه من بين الجمع فقال : أيها العبد الصالح، يقول الله - عز وجل - : إلي فإنك ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)([161])

ومن ذلك أن لا يسمع بلاغات الناس بعضهم على بعض، ولا يبلغ بعضهم ما يسمع من بعض.. لقد وردت النصوص الكثيرة تقرر ذلك، وتربي عليه قلوب المؤمنين:

قال صلى الله عليه وآله وسلم: (النميمة والشتيمة والحمية في النار)([162])

وقال : ( النميمة والحقد في النار.. لا يجتمعان في قلب مسلم) ([163]) 

وقال : (ليس مني ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه)، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى :﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً ﴾ (الأحزاب:58)([164])

وقال : (خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت)([165])

وقال : ( الهمازون واللمازون والمشاءون بالنميمة الباغون للبرآء العيب يحشرهم الله في وجوه الكلاب)([166])

وقال : ( إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلى الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبرآء العيب)([167])

وقال : ( ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا بلى إن شئت يا رسول الله، قال : شراركم الذي ينزل وحده، ويجلد عبده، ويمنع رفده، أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى إن شئت يا رسول الله، قال : من يبغض الناس ويبغضونه.. قال : أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى إن شئت يا رسول الله، قال : الذين لا يقيلون عثرة، ولا يقبلون معذرة، ولا يغفرون ذنبا.. قال : أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال : من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره)([168])

وقال : ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال : إصلاح ذات البين، فإن إفساد ذات البين هي الحالقة)([169])

التكافل:

قلنا: فحدثنا عن ثانيها.. ذلك الذي سميته التكافل([170]).

قال: التكافل هو إعانة الأخ لأخيه إعانة تخرجه من العوز إلى الغنى.. وهو ركن أساسي لأن حياة الإنسان لا تقوم إلا بحياة هذا الجسد وصحته، وتوفر ما يلزمه وما يقتضيه بقاؤه، وذلك كله يقتضي توفر ما يلزم من قوت ومأوى ونحو ذلك.

وهذا الواجب لا يتحقق إلا بتوفر التربية التي تشعر الفرد بمسؤوليته على الجماعة..

ويشير إلى هذ من القرآن الكريم قوله تعالى :﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (الحشر:9)

ففي هذه الآية إخبار عن الإيثار الذي تحلى به الأنصار لما قدم المهاجرون إليهم، بعد أن تركوا في بلادهم كل ما يلزم لنفقتهم، فوجدوا لهم إخوانا لهم اقتسموا معهم زادهم، بل آثروهم على أنفسهم.

وقد عبر القرآن الكريم عن هذا التكافل بصورة أخرى جميلة، فقال تعالى :﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً ﴾ (الانسان:8 ـ 9)

ففي هاتين الكريمتين إخبار عن إيثار هؤلاء المحاويج من المؤمنين غيرهم بالطعام مع حبهم له وحاجتهم إليه، ثم هم لا يطلبون على ذلك جزاء ولا شكورا.

التناصر:

قلنا: فحدثنا عن ثالثها.. ذلك الذي سميته التناصر.

قال: التناصر هو نصرة الأخ لأخيه في مواقف الشدة والحاجة، لأن الأمن ركن أساسي في الحياة لا يقل عن ركن الغذاء، ولذلك جمع الله تعالى بينهما في قوله :﴿  وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾  (النحل:112)، وقال تعالى في ذكر نعمه على قريش:﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ (قريش:4)

لأن أسباب الهلاك لا تصيب الإنسان من جهة الجوع وحده، بل تصيبه أيضا من الأعداء الذين يتربصون به، بل إن هذا الجانب أكثر ضررا بالإنسان من جانب الجوع.

وقد أشار إلى هذا الركن قوله تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾  (لأنفال:72)

ففي هذه الآية الكريمة حض على نصر المؤمنين بعضهم بعضا، فلا يصح أن ينعم المسلم بالأمن في الوقت الذي يصاب إخوانه بكل أنواع البلاء.

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحض على رعاية هذا الركن:( المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(  انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، قيل: يا رسول الله! أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالما؟)، قال:( تمنعه من الظلم؛ فذلك نصرك إياه)([171])

ولأجل تحقيق هذا الركن شرع الإسلام الجهاد في سبيل الله، قال تعالى في تبرير الأمر بالجهاد مع كونه إزهاقا للأرواح التي جاءت الشريعة لحفظها:﴿ وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً( (النساء:75)

وقد ورد هذا التبرير في مواضع مختلفة، وكلها تنطلق من أن الغرض من القتال في الإسلام ليس المقصود منه التوسع ولا الاستعمار والسيطرة، وإنما المقصد منه نصرة المستضعفين، قال تعالى:﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ( (الحج:39)، وقال تعالى:﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ( (البقرة:190)

التناصح:

قلنا: فحدثنا عن رابعها.. ذلك الذي سميته التناصح.

قال: هذا ركن من الأركان الأساسية التي يقوم عليها بنيان المجتمع في الإسلام.. وهو أساسي لأن الإنسان ليس جسدا فقط يحتاج إلى غذاء قد يكفي أمره التكافل، أو حماية قد يكفي أمرها التناصر، ولكنه روح وعقل يحتاج إلى تعليم وتوجيه وتربية ونصح، وكل ذلك يستدعي وجود هذا الركن.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الركن في قوله تعالى:﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ( (البلد:17)، وقال:﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ( (العصر:3)

وإلى هذا الركن الإشارة بقول لقمان u في وصيته لابنه:﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ (لقمان:17)

وقد اعتبر القرآن الكريم هذا الركن خاصة من خصائص هذه الأمة، فقال تعالى:﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ (آل عمران: 110)

واعتبر أداء هذا الركن من علامات المؤمنين الصادقين، فقال تعالى:﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ (آل عمران:114)

بل اعتبره من صفات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الأساسية، قال تعالى:﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (الأعراف:157)

واعتبره بعد ذلك من علامات صحة التمكين في الأرض، قال تعالى:﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ (الحج:41)

وقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم هذا التناصح ركنا من أركان الدين، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( الدين النصيحة) ثلاثا، قلنا لمن؟ قال:( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)([172])، فقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم الدين نصيحة، ثم عد من النصيحة النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم.

التعليم

قال رجل منا: حدثتنا عن النظام الاجتماعي.. فحدثنا عن النظام التعليمي..

قال آخر: لم أسمع أن هناك في الإسلام شيء اسمه (نظام تعليمي)

قال آخر: بلى.. هناك نظام تعليمي.. وهو نظام تقليدي.. يعتمد على تحفيظ المعارف الدينية.

قال آخر: نعم.. نعم.. لقد عرفته.. إن دوره هو تكوين الفقهاء المتزمتين، والقضاة الجائرين..

قاطعهم الحسين، وقال: اصبروا.. ما بالكم تسارعون للشبهات.. إن الحقائق التي نطقت بها كل الأدلة تبين أن النظام التعليمي الذي جاء به الإسلام من أول يوم كان أكمل نظام وأعدل نظام وأحق نظام([173])..

لقد عبر القرآن الكريم في أول الآيات نزولا عن أركان هذا النظام، فقال :﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾ (العلق)

إن هذه الآية الكريمة تلخص المنهج الذي قام عليه النظام التعليمي الإسلامي.. فقد قام على ربط المعارف والعلوم المتنوعة بالله وبالنظام الذي رضيه الله لعباده.

قال رجل منا: وما علاقة العلوم بالله، وبالنظام الذي وضعه الله.

قال الحسين: إن العلوم التي تنشأ بعيدة عن الله وعن النظام الذي اختاره الله لعباده تنشأ ممتلئة بالمحق.. فلذلك لن تنتج إلا الهلاك والدمار.. ولعلكم رأيتم ما أثمرته العلوم في عصرنا من أنواع الدمار.

قال الرجل: ورأينا ما أثمرته من أنوع البناء والعمران.

قال الحسين: إن البناء الذي بنته هذه الحضارة الزائفة يمكن أن تخربه في أي لحظة.. فهي تمتلك من أنواع الجنون ما يقضي على كل ما بنته.

قال الرجل: فكلامك هذا لا يعني إلا أن الإسلام لا يتبنى في نظامه التعليمي ما تبنته هذه الحضارة من الاهتمام بالعمران والصناعات..

قال الحسين: لا.. هو يتبنى كل ذلك.. بل هو يدعو إلى كل ذلك.. ولكنه يربطه بالله.. ويربطه بالأخلاق والقيم الرفيعة.. فالعلم الذي لا يربطك بالله، ولا يجعلك نافعا لعباد الله لا بركة فيه.

ولهذا نرى في النصوص المقدسة تقييد العلم المبارك بالنافع.. لقد ذكر القرآن ذلك، فقال:﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة:102)

فهذه الآية الكريمة تشير إلى أن العلوم التي كان يبثها ذانك الملكان (هاروت وماروت) من العلوم التي تصف حقائق كونية.. كتلك الحقائق التي توصل إليها علماء عصرنا.. وقد كانت تلك العلوم تحمل ثمارا طيبة خيرة يمكن أن تستفيد منها البشرية، وتحمل في نفس الوقت ثمارا خبيثة يمكن أن تتحول إلى شر محض.. ولهذا، فإن هذين الملكين كانا ينبهان كل من يدرس على يديهما تلك العلوم إلى المحاذير التي تنطوي عليها المعارف التي يدرسونها.. فالعلم وحده إن لم يصحبه التوجيه الأخلاقي سيكون وبالا على أصحابه..

ولهذا فإن النظام التعليمي الإسلام ارتبط بالأخلاق وقيد العلم بها.. واعتبر انتفاع صاحبها بعلومه منوطا بمدى أخلاقيتها ومدى صدقه في تلقيها وفي تبليغها:

فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في دعائه:( اللهم إني أعوذ بك من نفس لا تشبع ومن علم لا ينفع)([174])

وكان يقول صلى الله عليه وآله وسلم:( كل علم وباله على صاحبه إلا من عمل به)([175]) وفي رواية مرفوعا:( أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه)

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه «  يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه([176]) فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالخير ولا آتيه وأنهاكم عن الشر وآتيه)([177])،

 وضرب صلى الله عليه وآله وسلم للذي لا يعمل بعلمه مثلا، فقال:(  مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل الفتيلة تضيء على الناس وتحرق هي نفسها)([178])

قال الرجل: ولكن لم حصر الإسلام العلوم في العلوم الدينية؟

ابتسم الحسين، وقال: لأن كل العلوم في الإسلام علوم دينية.. فالمسلم وهو يدرس الكون يتعرف من خلاله على المكون.. وعندما يبحث في الكون عن الأدوات التي تيسر عليه الحياة يبحث في الحقيقة عن فضل الله الذي خبأه له في مكوناته.

ولذلك فإن المسلم لا ينحجب بالعلم عن الله.. بل يزداد له معرفة.. ويزداد به اتصالا.

الحسبة

قال رجل منا: فحدثنا عن نظام الحسبة في الإسلام..

قال آخر: نظام الحسبة!.. ما نظام الحسبة؟

قال آخر: لقد سمعت به.. إنه لا يختلف كثيرا عن نظام الشرطة عندنا..

قال آخر: ليته كان كذلك.. لقد سمعت أنه نظام ليس له من قصد إلا التدخل في شؤون الناس الداخلية.

قال آخر: فهو نظام قمع إذن.

قال آخر: أجل.. لقد سمعت بأن المستبدين أنشأوه ليضربوا الرعية بعضها ببعض.

بعد أن ألقى أصحابي السجناء ما عندهم من الشبهات قام الحسين، وقال: مهلا.. مهلا.. فلا ينبغي أن نتحدث في شيء لم نؤت علمه.

قال رجل منا: فعلمنا علمه.

قال: نظام الحسبة نظام لم ينشئه المستبدون ولا الظلمة([179]) .. بل هو نظام سام أنشأه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. أنشأه بأمر من الله تعالى ليحفظ للمجتمع الإسلامي صفاءه وطهارته ونقاءه..

لقد نص القرآن الكريم على هذا النظام في قوله تعالى ـ وهو يدعو الأمة المسلمة إلى أن تتخذ منها طائفة صالحة لا هم لها إلا أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر ـ :﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (آل عمران:104)

ونص عليه، وهو يعدد أوصاف المسلمين الأساسية، قال تعالى :﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (التوبة:71)

ونص عليه، وهو يبين مصدر خيرية هذه الأمة ورساليتها، قال تعالى:﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران:110)

ونص عليه، وهو يبين شروط التمكين، وصفات الممكن لهم، قال تعالى:﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:41)

ونص عليه بعد ذلك، وهو يبين أسرار الانحطاط الذي وقعت فيه المجتمعات والأمم، قال تعالى :﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) ﴾ (المائدة).. فاللعنة التي حصلت لبني إسرائيل لا تعني الجانب الغيبي فقط.. بل لها حظ كبير في عالم الشهادة..

وبعد ذلك كله.. وتحقيقا لأمر الله تعالى.. جاءت الأوامر الكثيرة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تأمر الأمة بأن تتحمل مسؤولية إصلاح كل خلل يقع فيها:

ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( ما من رجل ينعش بلسانه حقا، فعمل به بعده إلا جرى عليه أجره إلى يوم القيامة، ثم وفاه ثوابه يوم القيامة)([180])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم :( الجهاد أربع : الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، والصدق في مواطن الصبر، وشنآن الفاسق)([181])

وقال:( إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى تكون العامة تستطيع تغير على الخاصة، فإذا لم تغير العامة على الخاصة عذب الله العامة والخاصة)