الكتاب: عدالة للعالمين

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 506

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

الكتاب موافق للمطبوع

التعريف بالكتاب

تدور أحداث هذه الرواية حول رحلة بطل القصة إلى بعض البلاد الإسلامية، حيث تعرض للاعتقال بسبب منشورات كان يحملها.. وهو شخص باحث عن العدالة، وصادق في بحثه، لكنه تعرض لشبهات كثيرة جعلته يحجب عن العدالة التي جاء بها الإسلام كان سببها ذلك التاريخ المشوه الممتلئ بالاستبداد والفساد، كما كان سببها أولئك العلماء الذين خلطوا دين الله بدين الملوك.. فشوهوا دين الله بذلك أعظم تشويه.

وفي السجن الذي مكث فيه بطل القصة مدة من الزمن، والذي تجمع فيه كل طالبي العدالة من مختلف الملل والنحل، حصلت المفاجأة حيث لقي عشرة من المسلمين الصادقين وضعوا في السجن بسبب دعوتهم لتحقيق العدالة التي جاء بها الإسلام.. وكان كل واحد منهم قبل أن ينفذ فيه حكم الإعدام يتحدث عن ركن من أركان العدالة، كما تقتضيه الفطرة، وكما جاء بها الإسلام، ويجيب عن الإشكالات التي تطرح عليه.

وفي الأخير تحصل أحداث كثيرة، أدعها للقارئ ليتعرف عليها، ويحاول أن يقرأ من خلالها المنهج السلمي الرباني الذي يحقق العدالة.. لا المنهج الشيطاني الذي استطاع به - من خلال أدواته الكثيرة - أن يحول من الإسلام إلى دين عنف وإرهاب واستبداد..

فهرس المحتويات

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

أولا ـ الشريعة

الربانية

الخبرة:

القداسة:

التأثير:

الشمول

الواقعية

المصادر:

الأحكام:

المثالية

ثانيا ـ النظام

السياسة

الدستور:

الخليفة:

الرعية:

التنظيمات:

الاقتصاد

القيم:

التصورات:

السلوكات:

الحركة:

الاجتماع

التآلف:

التكافل:

التناصر:

التناصح:

التعليم

الحسبة

القضاء

الأمانة:

الحرية:

العدالة:

الرحمة:

الدفاع

ثالثا ـ الرفق

التكاليف

الطاقة:

السعة:

السماحة:

الرخصة:

التنظيمات

المرونة:

العفو:

التجاوز:

الانفتاح:

رابعا ـ الحزم

الحدود

الزنا:

القذف:

السكر:

السرقة:

الحرابة:

البغي:

الجنايات

القتل:

الجراح:

التعزيرات

خامسا ـ الحرية

الفكر

الحياة

الجانب المادي:

الجانب المعنوي:

سادسا ـ المسؤولية

العلماء

التعليم:

الاجتهاد:

الحسبة:

التضحية:

الحكام

الزهد:

النصح:

البطانة:

العفاف:

الرعية

الولاء:

المعارضة:

سابعا ـ المساواة

التصور

وحدة الإله:

وحدة البشرية:

وحدة الموازين:

وحدة المصير:

السلوك

الدعوة:

التكليف:

القانون:

الحقوق:

ثامنا ـ التنوع

التنوع الفطري

التنوع الكسبي

تاسعا ـ التكافل

تكافل الأسرة

تكافل المجتمع

تكافل الأمة

الإلزام الفردي:

الإلزام الجماعي:

التطوع المحدود:

التطوع الممدود:

تكافل الإنسانية

عاشرا ـ التوازن

التوازن التصوري:

التوازن السلوكي:

الهداية

المقدمة

تحاول هذه الرواية - من خلال أحداثها وحواراتها - أن تناقش مناقشة علمية موضوعية أمرين، كلاهما له علاقة بكبريات الحقائق التي اهتم بها العقل الإنساني، كما اهتمت بها قبل ذلك وبعده الأديان والمذاهب الدينية والوضعية، وقد اختلفت الأنظار في الموقف منها:

أما الأول: فهو ما فطر عليه الإنسان من عشق للعدالة ومقتضياتها المرتبطة بنفسه وبالمجتمتع وبالأمة وبالعالم أجمع، بل بالكون جميعا..

فالإنسان على حسب ما تقتضيه جبلته التي فطره الله عليها يكره الظلم والجور والاستعمار والاستبداد، وكل ما يرشح منها جميعا، وهو يعتقد في قرارة نفسه الفطرية أن كل عقيدة تؤيد ما يخالف العدالة عقيدة شيطانية لا علاقة لها برب الوجود، لأن الوجود قائم بالعدل، ويستحيل على الذي أقام كونه على العدل أن يأمر بخلافه أو يرضى بخلافه.

وهو يعتقد كذلك - بحسب فطرته التي فطره الله عليها - أنه يستحيل على رب الوجود القائم بالعدل ألا ينبه عباده إلى ممارسة هذا العدل، أو أن يتركهم جاهلين بكيفية ممارسة ما يقتضيه، لأن الله لم يخلق الكون واعتزله، بل خلقه، وكان هو الحاكم عليه.. والملك عليه.. فالله هو الملك المالك.

وقد حاولنا لتقرير هذه الحقيقة الفطرية والاستفادة منها في البرهنة على حقانية رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن نثبت - من خلال المصادر المقدسة - أن هذا الدين يحوي كل ما تتطلبه الفطرة من مقتضيات العدالة لينسجم الإنسان مع الكون جميعا، مع التنبيه على أن الخلل الذي حصل في التطبيق التاريخي أو التراثي لهذا الدين لا يلغي قيم العدالة منه، ذلك أن دين الله هو ما نصت عليه المصادر المقدسة.. أما التاريخ والتراث فهما دين البشر، وفكر البشر.. وعليهما أثارة من أهواء البشر.. ولذلك لا يمكن محاكمة دين الله من خلالهما.

صفحة ( 9)

وأما الثاني: فهو بيان المنهج الشرعي الذي وضعه الله للإنسان - ابتلاء واختبارا - للسعي لتحقيق العدالة في نفسه ومجتمعه والعالم.

وقد اتفقت الأديان الربانية والوضعية على أن هذا السعي يحتاج إلى قوم يضحون بأنفسهم في سبيل مواجهة الظلم والجور والاستبداد، لأنه لا يقوم قائم بهذه المهمة الخطيرة التي تهز عروش الطغاة إلا وتعرض للمواجهة وللأذى، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21]، فقد قرن الله تعالى بين الأنبياء والآمرين بالقسط من الناس، وأخبر أن كليهما تعرض للأذى بل للقتل.

وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله تعالى فيه مقال، فلا يقول: يا رب خشيت الناس، فيقول: فاياي كنت أحق أن تخشى)(1)

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)(2)

وبناء على هذا كان قالب هذه الرواية التي تحاول أن تبرز هذه الحقائق الجليلة، وهي باختصار تدور حول رحلة بطل القصة إلى بعض البلاد الإسلامية، حيث تعرض للاعتقال بسبب منشورات كان يحملها.

وبطل القصة شخص باحث عن العدالة، وصادق في بحثه، لكنه تعرض لشبهات كثيرة جعلته يحجب عن العدالة التي جاء بها الإسلام كان سببها ذلك التاريخ المشوه الممتلئ بالاستبداد والفساد، كما كان سببها أولئك العلماء الذين خلطوا دين الله بدين الملوك.. فشوهوا دين الله بذلك أعظم تشويه.

__________

(1) رواه أحمد وابن ماجة.

(2) رواه أحمد وابن ماجة وغيرهما.

صفحة ( 10)

وفي السجن الذي مكث فيه بطل القصة مدة من الزمن، والذي تجمع فيه كل طالبي العدالة من مختلف الملل والنحل، حصلت المفاجأة حيث لقي عشرة من المسلمين الصادقين وضعوا في السجن بسبب دعوتهم لتحقيق العدالة التي جاء بها الإسلام.. وكان كل واحد منهم قبل أن ينفذ فيه حكم الإعدام يتحدث عن ركن من أركان العدالة، كما تقتضيه الفطرة، وكما جاء بها الإسلام، ويجيب عن الإشكالات التي تطرح عليه.

وفي الأخير تحصل أحداث كثيرة، أدعها للقارئ ليتعرف عليها، ويحاول أن يقرأ من خلالها المنهج السلمي الرباني الذي يحقق العدالة.. لا المنهج الشيطاني الذي استطاع به - من خلال أدواته الكثيرة - أن يحول من الإسلام إلى دين عنف وإرهاب واستبداد..

هذه أحداث الرواية باختصار، أما أبطالها، فقد اخترت عشر شخصيات إسلامية كبرى كان لها دور كبير في الدعوة للعدالة، والتضحية بالنفس في سبيلها.. وهي جميعا محل اتفاق عند المعتدلين من الأمة جميعا بطوائفها المختلفة..

أما المتطرفون، فنحن لا نراعيهم في هذه الرسالة كما لم نراعهم في غيرها.. لأنهم - بسبب الانحرافات الفكرية التي أمليت عليهم، وغسلت بها عقولهم - لا يرضون إلا بما يخرب صفو الأمة، وصفو الحقيقة، وصفو الإنسانية.

والأمة والحقيقة والإنسانية أعز علينا من أن يكدرها أي أحد مهما كان.

وأنبه في الأخير إلى أن هذه الطبعة الجديدة تتميز باختصارها مقارنة بالطبعة السابقة، فقد حذفت الكثير من الروايات والتفاصيل التاريخية التي قد تجهد القارئ العادي في فهمها أو الاستفادة منها.. بالإضافة إلى أن مقاصد العدالة تتحقق في النصوص المقدسة وحدها، ولا حاجة للتفاصيل التاريخية التي تختلف الأمة في النظر إليها.

ونحن مأمورون بعرض رسالة الإسلام إلى العالم، لا بعرض تاريخ المسلمين للعالم.

صفحة ( 11)

البداية

في ذلك اليوم، استيقظت على أصوات كثيرة مختلطة أنشأت في نفسي مشاعر مختلفة متناقضة ممتلئة بالصراع.. سأحكيها لكم كما سمعتها.. فليس من العدل أن أذكر لكم النتيجة دون أن أذكر مقدماتها.

كان أول صوت سمعته فخما قويا ممتلئا بالأصداء التي تزرع المهابة والوجل، بل تكاد تزرع الرعب نفسه.. كان هذا الصوت على ما يبدو يخاطب جمعا لا يكاد يسمع له صوت.. وكان يقول لهم بنبرته القوية: هل أحضرتم بطاقاتكم معكم؟

قالوا جميعا بصوت واحد، وكأنهم جنود في ثكنة: أجل.. وقد حفظنا كل ما لقنته لنا.

رد عليهم: اذكروا لي ما تقولون عند مدخل قاعة الانتخاب.

قالوا بصوتهم الضعيف الذي لا يكاد يسمع: سنصيح بحياتك..

رد عليهم: وماذا تقولون غير هذا؟

قال أحدهم: أنا سأقول: هيا انتخبوا ـ أيها الجموع ـ من أرسله الله لينقذ الفقراء..

قال آخر: وأنا سأقول بعده: انتخبوا من سينشر العدل.. فلا نسمع بجور، ولا نرى مظلوما.

قال آخر: وأنا سأقول: انتخبوا من سينشر الفضلة.. ويميت الرذيلة.. ويحيي المكارم التي أماتها المفسدون من الذين سبقوه إلى كراسي المسؤولية التي لا يستحقونها.

قال آخر: وأنا سأقول: انتخبوا ابن الشعب.. ذلك الذي نبت مع الشعب.. وعاش مع الشعب.. وهو لا يحن إلا لخدمة الشعب.

قال آخر: وأنا سأقول: انتخبوا ذلك القوي الذي يخلصكم من سلطة المستكبرين.. ويرفع عنكم بما أوتي من قوة قيود الاستبداد التي قيدكم بها الأباطرة.

قال آخر: وأنا سأقول: انتخبوا ذلك الخبير في السياسة.. الداهية فيها.. فلا يصلح حالنا إلا الدهاة.

صفحة ( 12)

قال آخر: وأنا سأقول: انتخبوا ذلك الخبير في الاقتصاد.. الراسخ فيه.. رجل الأعمال الذي لا يرضى عن شركة إلا سبقت.. ولا يسخط على أخرى إلا سقطت.

قال آخر: وأنا سأقول: انتخبوا ذلك الألمعي العبقري.. من ملأه الله بالمواهب التي تفرقت في جميع العباقرة.. فله علم داود، وحكمة سليمان، وحنان يحي، ورحمة المسيح، وعدل أنيشروان..

قال آخر: وأنا سأقول: انتخبوا ذلك الذي يحمل الياقوت الأحمر، والدر الأزهر، والزبرجد الأخضر، والعنبر الأشهب، والعود الرطب الأنضر.. ويحمل مع ذلك كله الترياق الأكبر، والمسك الأذفر.

قال آخر: وأنا سأنشد بصوتي الرخيم الذي تعرفه ـ مشيرا إلى صورتك التي أحملها ـ قول ابن حبناء في المهلب بن أبي صفرة لما هزم قطري بن الفجاءة:

أمسى العباد بشر لا غياث لهم...  أمسى العباد بشر لا غياث لهم *إلا المهلب بعد الله والمطر  أمسى العباد بشر لا غياث لهم *إلا المهلب بعد الله والمطر... إلا المهلب بعد الله والمطر

كلاهما طيب ترجى نوافله... مبارك سيبه يرجى وينتظر

بعد أن أنهى الرجل قصيدته بصوته الرخيم صاح الصوت القوي، وقد هزته نشوة ما سمعه: أحسنتم.. أحسنتم جميعا.. لقد حفظتم كل ما لقنتم إياه.. لكن انتبهوا.. سترون آخرين قد يصيحون بمثل ما تصيحون.. أولئك المجرمون المرتزقة الذين رضوا أن يجندوا أنفسهم لخصمي العنيد الذي طالما عكر أحلامي.

***

انصرف الجمع.. وحل بدله جمع آخر.. لم أسمع منه إلا أصواتا ضعيفة هزيلة لا تكاد تبين:

صفحة ( 13)

قال أحدها: ألم يكفهم أن امتصوا دماءنا.. واستلبوا أرضنا.. وأحالوا حياتنا جحيما لا يطاق؟

قال آخر: هم يريدون منا بعد هذا أصواتنا.

قال آخر: لقد ظللنا طول عمرنا نعطيهم من الأصوات ما يطلبون.. لكنا لم نجن شيئا.. لم نجن إلا المواعيد التي لم تغن عنا شيئا.

قال آخر: لقد ظللت طول عمري ذيلا من أذيالهم.. فلما أصابني ما أصابني الله به من العاهة طردوني كما يطرد الكلب العقور.

قال آخر: وأنا لم يكتفوا بطردي.. بل راحوا يفرضون علي من الإتاوات ما ملأني بالفاقة والعجز.. وهم ـ مع هذه الحال التي وصلت إليها ـ لا يكفون عن مطالبتي.. ولو وجدوا في دمائي ما يسد شرههم لامتصوا دمائي.

قال آخر: لقد حصل معي ذلك.. فبعد أن عجزت أن أقضي ما علي نحوهم من ديون ـ على حسب ما يعتقدون ـ راحوا يعبثون بجسدي.. فانتزعوا كليتي.. وكادوا ينتزعون قلبي لولا أنهم وجدوا فيه من العطب ما يحول بينهم وبينه.

قال آخر: فهل ستنتخبون؟

قالوا جميعا بصوت واحد: أجل.. لقد فرض ذلك علينا فرضا.. ولا نملك إلا أن نؤدي الفرائض.. فلن تتحقق الديمقراطية ولا العدالة إلا بأصواتنا.

***

قالوا ذلك، ثم انصرفوا لأسمع بعدهم أصواتا تبدو كأصوات المراهقين المشاغبين.. يختلط فيها الجد بالهزل.. والكلام الفصيح بالصياح القبيح:

قال أحدهم: احزروا كم أكلت اليوم من وجبة.

صفحة ( 14)

رد عليه أحدهم: مهما أكلت.. فلن تأكل مثلي.. لقد أكلت اليوم في مقر حزب اليمين.. وفي مقر حزب الشمال.. وفي مقر حزب المغامرين.. وفي مقر حزب الحكماء.. وفي مقر حزب الشباب.. وفي مقر حزب الشيوخ.. وفي مقر حزب العمال.. وفي مقر حزب البطالين.

قال له آخر، وهو يضحك: ما أكثر حديثكم عن الأكل.. أنا لا يهمني الأكل.. أنا يهمني المال.. لقد أعطاني حزب الثروة مالا كثيرا يكفيني أياما طويلة..

قالوا له: مقابل ماذا؟

قال: مقابل صوتي كما تعلمون.. فأنتم تعلمون أنا لا نساوي شيئا في كل الأيام إلا أيام الانتخابات.. لقد جنيت في الانتخابات الماضية مالا من حزب الثورة.. وأنا اليوم أجني من منافسه الخطير حزب الثروة.

قال آخر: عجبا لهؤلاء.. ما الذي يجعلهم يصرفون تلك الأموال الكثيرة من أجل أوراق توضع في صناديق.

قال آخر: والعجب الأكبر هو أن كل الذين يظهرون اليوم.. ويسيرون بيننا بكل تواضع.. بل بكل مذلة لا نراهم بعد هذا اليوم إلا بعد أن تأتي انتخابات جديدة..

قال آخر: دعونا من السياسة.. فلا ناقة لنا فيها ولا جمل.. وهلموا بنا نصرف بعض ما جنيناه من مال فيما تشتهيه أنفسنا.

قالوا ذلك.. ثم انصرفوا يصيحون ويصفرون ويولولون..

***

بعدها حضر اثنان بالكاد تبينت صوتهما:

قال أحدهما ـ وكان اسمه الحجاج على حسب ما علمت بعد ذلك ـ: لقد فعلت كل ما طلبته مني يا يزيد.. ولن يفوز اليوم في هذه الانتخابات غيرك.. لقد جندت القعقاع بن شور الذهلي،

صفحة ( 15)

وشبيب بن ربعي التميمي، ومجاز بن أبي أبجر العجلي، وشمر بن ذي الجوشن الضبابي.. وغيرهم ممن كانوا مجندين عند غيرنا.. كلهم اليوم جندك.. وكلهم اليوم لا يصيح إلا باسمك.

قال الثاني: أنا لا أثق في أولئك المنافقين.. لقد تعاملت معهم كثيرا.. ولكني لم أر منهم إلا ما يمكن أن أرى منك.. تبيعونني جميعا بأبخس الأثمان.

قال الأول: كيف تقول لي هذا؟.. ألا تعلم التضحيات الكثيرة التي قدمتها لك؟

قال الثاني: كل شيء بثمنه.. أنت تضحي ما دمت أدفع.. فإذا توقفت أنا توقفت أنت..

قال الأول: لا.. لا تقل هذا.. معاملتي معك مختلفة تماما.. نعم أنا أقبض.. وأقبض كثيرا.. ولكن ليس لأجل القبض صرت من أنصارك.. بل من أجل تلك القيم النبيلة التي تحملها.

ضحك الثاني، وقال: دعنا من النفاق.. فنحن الآن وحدنا.

قال الأول: أنا لا أنافق.. أنا أعبر لك عما في نفسي.

قال الثاني: أنا أعلم بما في نفسك منك.. أنت عندي لا تختلف عن الحجاج.. وهو مصدر تقريبي لك، وإعجابي بك.. أتدري لم آثر عبد الملك بن مروان الحجاج على غيره؟

قال الأول: أجل.. أعلم ذلك.. وقد ذكرته لي في أول لقاء لي بك.. لقد ذكرت لي أن عبد الملك بن مروان قال للحجاج بن يوسف: ما من أحد إلا وهو عارف بعيوب نفسه، فعب نفسك، ولا تخبئ منها شيئا، فقال: يا أمير المؤمنين.. أنا لجوج حقود حسود، فقال له عبد الملك: إذا بينك وبين إبليس نسب، فقال: يا أمير المؤمنين إن الشيطان إذا رآني سالمني.

قال الثاني: أضف إلى هذا ما روي عن سميك الحجاج أنه قال لرجل، وقد أراد أن ينفذه في بعض أموره: أعندك خير؟ قال: لا ولكن عندي شر.. فقال الحجاج: إياه أردت.. وأنفذه فيه.

ضحكا جميعا، ثم انصرفا.

***

صفحة ( 16)

سرت هذه الأصوات من أذني إلى قلبي.. فملأتني بالألم.. لقد ذكرت حينها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلما وعدوانا، ثم يخرج رجل من أهل بيتي فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا)(1)

لقد تحققت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شقها الأول.. فها هي الأرض تمتلئ ظلما وجورا وعدوانا..

لقد صار الجور هو الشيطان الأكبر الذي اعتلى عرش البشرية.. فهو يعطي قراراته في جميع مجالسها ومجامعها وهيئاتها ومنظماتها.. ابتداء من تلك المنظمة الكبرى التي زعم البشر أنهم أسسوها لخدمة البشرية.

فهي منظمة تتكلم في الوقت الذي يشاء لها الأقوياء أن تتكلم.. وتسكت إذا شاءوا لها أن تسكت.. وإن تكلمت رغم أنف أحدهم كان بالخيار بين أن يسكتها بما يسميه حق الفيتو.. أو أن ينفذ رغبته دون أن يلتفت لما تمليه عليه.. ثم لا تجد تلك المنظمة المسكينة في الأخير إلا أن تسكت..

ثم هي لا ترضى بأن تسكت سكوتا نهائيا تعذر فيه لعجزها.. وإنما هي تستأسد على الضعفاء والمحرومين والمستضعفين في نفس الوقت الذي تتحول فيه دابة ذلولا ممتهنة لأي كبير من الكبار.

والأمر لا يتوقف عند تلك المنافقة العجوز.. الجور أخطر من أن يقف عندها.

فالعالم في منظماته الصغرى كما في تحالفاته الكبرى لا يناصر إلا الجور الذي يحلو له أن يسميه ديمقراطية أو حرية أو ما شاءت له أهواؤه من تسميات..

وقد بلغ الجور به إلى الحد الذي لا يمكن تصوره.. فللمرأة ـ مثلا ـ من الحرية أن تسير كاسية عارية مائلة مميلة.. ولكن ليس لها الحرية في أن ترتضي من اللباس ما يسترها أو يمنع تلك الأعين الملتهبة بالشهوات من خدشها أو خدش كرامتها.

__________

(1) رواه أبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم.. والحديث متواتر تواترا معنويا.

صفحة ( 17)

كانت هذه الخواطر المليئة بالكدر تلح علي، وتملؤني بالألم..

لكني عندما تذكرت ذلك الضيف الغريب الذي دق باب بيتي، وراح يخبرني عن تفاصيل في حياتي لم يكن يعلمها سواي سرت نشوة لذيذة إلى مشاعري مسحت تلك الأحزان التي تسربت إليها.. لأني رأيت من خلال ملامحه أنه يحمل أسرار من علم العدالة لا يمكن أن أستفيدها من سواه.

أسرعت إليه أحمل طعام الإفطار.. وأنا ممتلئ أشواقا إلى حديثه.

استقبلني بابتسامة ممتلئة بالإيمان، وقال لي مفاجئا: لا يمكن أن تتحقق النبوءة الثانية قبل أن تتحقق الأولى.. فأبشر.

قلت: ما تقصد؟

قال: لا يمكن للبشر ـ ما داموا بشرا ـ أن يدركوا قيمة العدل حتى يحترقوا بنيران الجور.. فلذلك كان الجور هو علامة العدل.. كما أن العطش هو علامة الري.. والمرض علامة الشفاء.

قلت: لا أزال لا أفهم.

قال: عندما تجرب البشرية كل مناهجها.. وعندما يمتلئ البشر يأسا من أن تسن لهم عقولهم قوانين العدل الشاملة.. حينذاك فقط يلجأون إلى الله يطلبون منه تلك القوانين.. فإذا لجأوا إلى الله هداهم إلى الإسلام، وإلى مهدي الإسلام، ذلك الذي يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا.

قلت: لم كان الأمر كذلك؟.. لم لم يظفر البشر بالعدل من غير حاجة إلى المرور على صراط الجور.. ذلك الصراط المليء بالمآسي؟

قال: هذه سنة الله مع عباده ليتميز المحسن من المسيء، والعدل من الجائر، والساعي للخير من الساعي للشر.. ولن تعرف قيمة الخير إلا بمقارنتها بقيمة الشر، كما لا تعرف قيمة النور إلا بمقارنته بالظلمات.

قلت: فما ذنب الذين كتب لهم أن يعيشوا في ظلمات الجور؟

صفحة ( 18)

قال: إن سكتوا على الجور ورضخوا له كانوا شركاء فيه.. وإن نطقوا ونهضوا وصاحوا ضده كانوا مجاهدين شهداء.. وكان لهم من السعادة ما كان لأصحاب الأنبياء الذين علقت أجسادهم على الصلبان في سبيل الحق الذي يدعون إليه.

قلت: أنا لا أتكلم عن الأقوياء.. أنا أتكلم عن الضعفاء.. أولئك العامة البسطاء.

قال: لكل مسؤوليته.. ولكل واجبه.. ألم تسمع إلى ربك، وهو يقول: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)} (النساء)؟

قلت: بلى.

قال: فهل رأيت ربك عذر هؤلاء الذين تترسوا بضعفهم؟

قلت: لا.. لم يعذرهم الله.. ولم تعذرهم ملائكة الله.. بل ذكرت لهم أنه كان بإمكانهم أن يهاجروا في الأرض، ليظفروا فيها بالأرض التي تعينهم على طاعة الله.

قال: وهكذا لن يعذر كل أولئك الخاملين الذين تلذذوا بالسياط التي تلهب ظهورهم إلا إذا مدوا أيديهم للأيدي التي تريد أن تنتشلهم.

قلت: وأين مثل هذه الأيدي؟.. لقد قطعت.. ولم نعد نسمع إلا بأسماء أصحابها، ونترحم عليهم.

قال: جل جناب ربك أن يخلي الأرض من قائم له بالحجة.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)(1)

قلت: بلى.. وقد سمعت معه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة)(2)

__________

(1) رواه البخاري ومسلم.

(2) رواه مسلم.

صفحة ( 19)

قال: فكما لم تخلو الأرض من ورثة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.. وكما لم تخلو من هداة يدعون إلى الله على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فكذلك لن تخلو الأرض من دعاة للعدالة التي جاء بها الإسلام.. لينقذ البشرية من سجون الجور والظلم والعدوان.

قلت: فأين هم؟

قال: لقد شرفني الله.. فالتقيت ببعضهم.. وسأحكي لك في رحلة اليوم حديثي معهم.

قلت: من هم؟

قال: عشرة رجال.. كان كل واحد منهم جبلا من جبال الهمة والعزيمة والصدق والإخلاص.

قلت: فهل أعرفهم؟

قال: الكل يعرفهم.. فما نهض أحد لخدمة العدل والدعوة إليه إلا ملأ الله القلوب إقبالا عليه ومحبة له.

قلت: فحدثني حديثهم.

قال: سأبدأ حديثي من الأول.. فلا يفهم الآخر إلا بالأول.

***

اعتدل الغريب في جلسته، وحمد الله وصلى وسلم على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مستغرقا في كل ذلك، ثم قال: كانت بداية رحلتي إلى العدالة الإلهية التي مثلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومثلها ورثته من أئمة هذه الأمة، أني في ليلة من الليالي، وفي بيتي في تلك المدينة المتحضرة من أوروبا، قعدت أتفرج على التلفاز، فإذا بي أرى فيلما وثائقيا يعرض صورا لأيد تقطع، وأرواح تزهق، وظهور تجلد، وأفواه تكمم، وقمع ليس بعده قمع.. ثم يعرض بعد ذلك بعض دعاة المسلمين، وهو يدعو ـ بنبرته القوية الممتلئة بالأصداء ـ الحكام إلى المزيد من التسلط

صفحة ( 20)

والاستبداد، ويدعو الرعية في نفس الوقت إلى الخضوع المطلق، باعتبار أن الحاكم هو سلطان الله في أرضه، وأن من أهان السلطان فقد أهان الله.

لا أكتمك أن تلك المناظر وما تلاها من الكلمات أثر في تأثيرا شديدا حتى أني امتلأت بشبه كثيرة.

ولكني مع ذلك تألمت ألما عظيما.. فقد كنت أعرف الإسلام من خلال كل البراهين التي تثبت أنه رسالة الله إلى عباده.. ولكني تعجبت أن تحوي رسالة الله كل تلك القسوة، وكل ذلك الجور.

ذهبت إلى الغابة التي كنت أفر إليها كلما ضاقت نفسي، وهناك سقط بجانبي غصن لشجرة من أشجار الغابة العملاقة.. وقد كان سقوطه قويا حتى أنه أثر على الأرض التي سقط عليها.. ولولا أن الله قدر أن أكون بعيدا بما يكفي عنه لكان سقط علي، ولكان قد قضى علي بسقوطه.

رفعت رأسي لأرى سبب سقوطه، فإذا بي أرى رجلا في قمة السلام والطمأنينة والحكمة، وهو صاعد في أعلى تلك الشجرة يشذب أغصانها، فصحت فيه من حيث لا أشعر: لقد كدت تقتلني.

أجابني بهدوئه المعتاد، وهو لا يزال أعلى الشجرة: وما الحرج في ذلك؟.. البشر كثيرون.. ولن يضر البشر فقدهم لك.

قلت: ما هذا المنطق الذي تتحدث به؟

قال: أنا لم أتحدث معك إلا بالمنطق الذي تحدث به نفسك، أو تحدثك به نفسك.. أنا كالمرآة لن ترى مني، ولا على وجهي إلا ما اختزنته فيك.

قلت: لا أرى أن عقلي قد خطر على باله مثل هذا التفكير.

قال: ربما لم يخطر هذا على عقلك الذي تفكر به.. ولكنه قد يكون خطر على العقل الذي يفكر به عقلك.. أي عقل عقلك.

صفحة ( 21)

قلت: وهل لعقلي عقل؟

قال: أجل.. لا يكون العقل عقلا إن لم يكن له عقل.. أم أنك تريد عقلا مجنونا؟

قلت: لم أفهم.

قال: لكل عقل منهج يفكر به.. ذلك المنهج هو العقل الباطن الذي يستوحي منه العقل الظاهر أفكاره ومواقفه.

قلت: لا يمكن أن يكون في المنهج الذي يستعمله عقلي هذا النوع من التفكير.. هذا تفكير المجرمين لا تفكير العقلاء.

قال: أرأيت لو أنك رأيت نيرون معلقا على خشبة الصليب.. وهو يسام ألوان العذاب.. أكنت ترحمه.. فتذهب وتفك عنه قيوده التي قيد بها، وتداوي جراحه؟

لم أجد ما أجيبه به، فقال: لقد احتار عقلك في الجواب.. فأنت لو قسوت عليه تكون قد تخليت عن عقلك الظاهر الذي لا يرى إلا الظواهر.. ولو أنك لم تقس عليه، وذهبت تفك قيوده لتخليت عن عقلك الباطن الذي يرى الحقائق، ولا تعميه الظواهر عنها.

قلت: أنا أميل إلى الرحمة أكثر من ميلي إلى القسوة.. بل لا أحسب أن للقسوة محلا في هذا الوجود.

قال: إن القسوة التي تمارسها بفك قيود نيرون لا يمكن أن تضاهيها أي قسوة.

قلت: كيف ذلك؟

قال: إذا رحمت نيرون، فقد قسوت على الآلاف من الذين حرقهم واضطهدهم وأبادهم.. ولو رحمت نيرون، لكنت قد دعوت كل نفس خبيثة لأن تلبس حلته، فتحرق وتقتل وتبيد.. ولن يردعها بعد ذلك أي رادع.

قلت: ولكن القسوة مع ذلك نقص.

صفحة ( 22)

قال: هي نقص إذا توجهت لغير أهلها، أو وضعت في غير محلها.. لكنها إن وضعت في محلها كانت الكمال عينه.. ألم تر إلى ذلك الغصن الذي سقط بجانبك، وكاد يقضي عليك؟

قلت: ما به؟.. وما بالك قطعته؟

قال: لقد مررت على هذه الشجرة.. فرأيتها تئن من شدته عليها.. فرحت أقطعه عنها.. ولو أنه ترك لهلك وأهلكها معه.

قلت: صدقت في هذا.. فالشجرة لا بد أن تشذب أغصانها.. ذلك جزء من العناية بها.. وأنا لا أجادلك فيه.. ولكني أجادلك في تشذيب الإنسان.

قال: الإنسان كالنبات ككل شيء في هذا الوجود له قوانين تضبطه.. لا تستقيم حياته إلا بذلك.. أنا أسميها قوانين العدالة.. إن شئت أحصيتها لك.. فعساك تبحث عنها.. فلا يمكن للبشر أن ينعموا بظلال العدالة من دونها.

قلت: يسرني ذلك.. ولعلي لم أخرج إلا لذلك.. فما هي؟

قال: هي عشرة.. ولا يمكن للعدالة أن تتم من دونها.

قلت: فما أولها؟

قال: الشريعة.. أو البرنامج.. فلا يمكن للحياة المعتدلة أن تستقيم بدون قوانين تنظمها وتنظم مسيرتها.. فلكل مرحلة من الزمن، ولكل مكان من التضاريس، ولكل حال من أحوال الروح نظامه الذي خلقه الله عليه، والذي لا يستقيم إلا به..

قلت: فما الثاني؟

قال: النظام.

قلت: فما النظام؟

قال: الشريعة تحتاج إلى مجموعة أنظمة لتنفذ بصورتها الكاملة الصحيحة.. نظام يسوس، ونظام يضبط، ونظام ينفذ.. وأنظمة كثيرة لا غنى لها عنها.

صفحة ( 23)

قلت: فما الثالث؟

قال: تحتاج الشريعة والأنظمة التي تنفذها إلى الرفق واللين.. فما حل الرفق في شيء إلا زانه.

قلت: صحيح هذا، وقد سمعت بعضهم يحدث بمثله عن محمد رسول المسلمين (1).. فما الرابع؟

قال: الرفق وحده قد لا يجدي.. فلذلك تحتاج العدالة إلى ضبطه ببعض الحزم.. ألا ترى كيف تشذب الأشجار، وتقطع بعض أغصانها، ولولا ذلك ما استقام لها أن تنمو؟

قلت: بلى.. وقد رأيتك تفعله.. فما الخامس؟

قال: الحرية.. فلا يمكن للمسجون أن يشعر بالعدالة، ولا أن يعيشها.

قلت: فما السادس؟

قال: المسؤولية.. فلا يمكن لحرية الفرد أن تعتدي على حرية المجموع.. ولا يمكن لحرية المجموع أن تعتدي على حرية الفرد.

قلت: فما السابع؟

قال: المساواة.. فلا يمكن للعدل أن يتم في ظلال الطبقية والعنصرية وقوانين المحاباة والكيل بالمكاييل المختلفة.

قلت: فما الثامن؟

قال: التنوع.. فلا يمكن للعدل أن يقمع الطاقات والقدرات بحجة المساواة.

قلت: فما التاسع؟

قال: التكافل.. فلا يمكن للعدل أن يتم، والقوي لا يقتسم قوته مع الضعيف، والشبعان لا يقتسم لقمته مع الجائع.

__________

(1) أشير به إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (عليك بالرفق، إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)(رواه مسلم)

صفحة ( 24)

قلت: فما العاشر؟

قال: التوازن.. فلا يضر العدالة شيء مثل التطرف والغلو والانحراف ذات اليمين أو ذات الشمال.

قلت: أهذه هي العشرة التي ترى أنها اختزنت قوانين العدالة؟

قال: أجل..

قلت: فأبشر.. فقد استطاع قومي بما أوتوا من حنكة أن ينفذوها في أرقى مراتبها.. لقد استطاعت حضارتنا أن تؤسس العدالة التي عجزت جميع أنظمة العالم أن تصل إليها.

قال: بل وصلت إلى الجور الذي لم تستطع جميع أنظمة العالم أن تصل إليه.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أرأيت لو أن قاضيا من القضاة جلس في مجلسه.. وراح يميز في أحكامه.. فيحكم على القريب لقربه.. ويحكم على البعيد بسبب بعده.. أتراه قاضيا عادلا؟

قلت: لا.. بل هو الجور عينه.

قال: فاسأل قومك عن قوانين العدالة التي توهموا أنهم سنوها.. لم سنوها لقوم دون قوم، ولشعب دون شعب، ولأعراق دون أعراق.. اذهب إليهم، وصح فيهم.

قلت: ما أقول لهم؟

قال: قل لهم: (العدالة لن تكون عدالة حتى تكون عدالة للعالمين)

قلت: لقد ذكرتني برؤيا العذراء.. لقد ذكرت لي مثل هذا.. لقد ذكرت لي أن الشمس التي أضاء الله بها سماء الحقائق شمس تحمل أشعة العدالة التي تضيء العالم.

قال: صدقت العذراء.. فلا يمكن لشمس الله الدالة على الله أن تختزن الجور أو الظلم أو العدوان.

قلت: فمن هي؟.. أهي شمس محمد؟.. ولكني رأيت ـ أمس ـ ما يرغبني عنها.

صفحة ( 25)

قال: العاقل لا يسلم عقله لأي أحد.. العاقل هو الذي يسير في الأرض ليرى الحقائق بعينيه، ويلمسها بيديه.

قال ذلك، ثم انصرف إلى عمله في تشذيب أغصان الشجرة.. صحت فيه: أخبرني.. هل الشمس التي ذكرتها العذراء هي شمس محمد؟

ألقى غصنا من الأغصان كاد يسقط علي هو الآخر، ثم استمر في عمله.. ولم يجبني.

***

في ذلك المساء دعاني أخي إلى مكتبه بعد أن ترقى فيه درجات كثيرة جعلته من المسؤولين الكبار الذين يحكمون العالم..

فوجئت عند دخولي عليه بكتيبات كثيرة.. ومطويات.. مكتوبة بلغات العالم المختلفة.

بمجرد دخولي إليه أشار أخي إليها، وقال: هل ترى هذه الأوراق الكثيرة؟

قلت: أراها.. وأرى أن لها أهمية.

قال: لها من الأهمية ما لا يمكن تصوره.

اقتربت من بعضها، وقد رأيته مكتوبا بالعربية، وكان عنوانه (1)(تصويب السهام على من عارض الحكام).. وكان عنوان كتاب آخر (مفاتيح الجنان لمن أطاع السلطان).. وكان عنوان كتاب آخر (القصور الفاخرة والدنيا والآخرة للولاة والحكام ومن أطاعهم من الخواص والعوام).. فتحته فوجدته مملوءا بالغثاء الذي لا يقبله عقل، ولا يرتضيه حكيم، فنظرت إلى أخي، وقلت: ما هذه الكتب؟

قال: هذه كتب لبعض المبشرين لنا من المنتشرين في البلاد العربية.

قلت: ولكنهم يحملون أسماء مسلمين؟

__________

(1) هذه العناوين ـ كما هو واضح ـ ليست حقيقية.. ولكنها تدل على معان موجودة في كثير من الكتب والمطويات.

صفحة ( 26)

قال: وهذا مصدر قيمة هذه الكتب.. فهؤلاء مسلمون.. ولهم دعم من المحسنين من أغبياء المسلمين.. انظر إلى جميع هذه الكتب.. فكلها (وقف لله تعالى)

نظرت، فوجدت الأمر كما ذكر لي، فقلت: لقد طلبت مني أن أحضر إليك.. فما الذي تريده مني.. هل هناك مهمة جديدة تزمع تنفيذها؟

قال: أجل.. ومهمة خطير.. لقد وجدت بعد تفكير عميق أن الإسلام لا يمكن أن نقضي عليه بدعوى (الإرهاب) وحدها.

قلت: فما الدعوى الجديدة التي تريد إلصاقها بالإسلام؟

قال: أنا لا أريد إلصاقها به.. بل أريد إظهارها فقط.. هي ملتصقة فيه.. ولكن الكثير لا يرونها.. فلذلك ليس لنا من دور إلا إظهارها.

قلت: ما هي؟

قال: الجور.. والظلم.. والاستبداد.. فلا يحجب الناس شيء عن الإسلام مثلما يحجبهم الجور.

قلت: ولكن المسلمين.. في أوائل فترة الإسلام.. بل وفي عهد محمد نفسه نعموا بظلال العدالة التي لم ترها البشرية في تاريخها جميعا.

قال: سنستر كل ذلك.. وسنشيع بدله مناقب كل أولئك المستبدين الذين ملأوا الأرض ظلما وعدوانا وجورا.. سننسخ أسماء عمار وبلال وأبي ذر.. لنحيي بدلها أسماء أحيت الكسروية والقيصرية وأعادت مجدها.

قلت: لقد رأيت في بعض بلاد الإسلام من ينشر مثل هذا؟

قال: أولئك أعظم مبشرينا.. وفي هذه الكتب أحاديث جمة لهم.. ولا أريد منك إلا أن تنشرها.

قلت: أين؟

صفحة ( 27)

قال: في كل أرض تطؤها قدماك.

قلت: ولكن هناك عدولا من المسلمين يرفضون هذا؟

قال: أولئك أعظم أعدائنا.. وسنستعمل معهم أساليب خاصة.. أساليب قد نستعين فيها بحلفائنا من الساسة.

قلت: تقصد اعتقالهم وسجنهم.

قال: أنا لم أقل هذا.. ولكن الساسة قد يقولونه.. وإذا قالوه فسنسارع نحن لننتقده، وندعو لإطلاق سراح المعتقلين والسجناء.

قلت: أليس هذا نفاقا؟

قال: ليس هذا نفاقا.. هذه سياسة.. وفي السياسة تغلب المصالح.. ومصالحنا ترتبط بمواقفنا.

لم أدر بما أجيبه.. ولكني في الغد حملت جميع تلك الكتيبات والمطويات، وسرت إلى بلد من بلاد الإسلام.. لن أذكره لك.. فمن الحرج لي ولك أن أذكره لك.. لكني ما إن وصلت، وفتشت حقائبي، حتى وجدتني في معتقل من المعتقلات.. وهناك تنعمت بأشعة كثيرة من شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. وهي التي جئت لأجلها إليك، وسأحدثك عنها اليوم.

قلت: أهذه الأشعة نلتها في المعتقل؟

قال: أجل..

قلت: فحدثني عن حياتك فيه.

قال: لقد كان بالنسبة لي، ولكثير من المعتقلين كلية علمية.. استفدنا فيها الكثير.. كان معنا أصناف مختلفة من الناس فيهم الشيوعي.. وفيهم الرأسمالي.. وفيهم الذي يؤمن بالديمقراطية.. فيهم الذي يؤمن بالاستبداد.. وفيهم العلماني.. وفيهم الذي يدعو إلى الحكم الديني..

ولكن عشرة من الناس من بين هؤلاء جميعا هم الذين شدوا انتباهي.. وهم الذي يحق لي أن أعتبرهم أساتذة لي.. ولم أتألم في حياتي لشيء تألمي لفقدهم.

صفحة ( 28)

قلت: كيف فقدتهم؟

قال: لقد حكم عليهم بالإعدام جميعا (1).. ثم نفذ حكم الإعدام فيهم واحدا واحدا.. على مرأى منا جميعا.. وقد استشهدوا جميعا مبتسمين مستنيرين بأنوار لا يمكن لأحد في الدنيا أن يصفها.

لقد كنت في تلك الأيام التي استنرت فيها بتلك الأشعة أعيش أحوالا متناقضة ممتلئة بالتناقض..

ففي تلك الأيام كنا نجلس كل يوم إلى ذلك الذي حكم عليه بالإعدام.. بل ذلك الذي سينفذ فيه الإعدام مساء لنسمع منه ما يريد أن يوصينا به.. وما يرى أن حياته كلها قد سارت في سبيله.

لقد كانت تلك النفوس التي امتطت خشبة الصليب خير نفوس رأيتها في حياتي.. كان لها من العقل والحكمة والحب والخير والعدل ما لا يمكن لأحد أن يتصوره.. ولكن المساكين بلوا بمستبدين كمموا أفواههم، ولم يكتفوا بذلك، بل راحوا يرضون شهواتهم للدماء بإزهاق أرواحهم.. ولم يكتفوا بذلك بل راحوا يستأجرون مفتين يتمسحون على أبواب السلاطين، ليكتبوا بالحبر المدنس بدنس الأهواء رميهم بالخروج.. أو رميهم بالزندقة.. أو رميهم بالإلحاد.

قال الرجل ذلك، ثم أجهش بالبكاء، فقلت: ما الذي يبكيك؟

__________

(1) آثرنا في هذه الرسالة أن يكون أبطالها جميعا من الشخصيات التي حكم عليها بالإعدام أو أعدمت فعلا.. وذلك لبيان أن الإسلام بما يحمله من معاني العدالة السامية هو الذي زرع في تلك النفوس القدرة على التضحية من أجل مبادئ العدالة، وهو معنى لا نجده في سموه إلا في الإسلام.

ونحن نعتذر ـ كما اعتذرنا من قبل ـ لتصرفنا في حياة الشخصيات التي نقدمها.. لأن الغرض من ذكرها غرض فني لا علمي.. ولتفادي الأخطاء التي قد يقع فيها القارئ، فقد ذكرنا في الهامش المعلومات الصحيحة من مصادرها الصحيحة.

صفحة ( 29)

قال: لا تزال صور أولئك العمالقة المعلقين في حبال المشانق تخطر على بالي كل حين.. فتصيبني منها رعشة كرعشة ذلك الذي حضر مقتل خبيب.. لقد كانت صورهم وهم على خشبة الصليب أكبر شعاع من أشعة الهداية.. فلا يمكن للهداية أن يدل عليها مثل الصدق والتضحية.

أذكر أن أحدهم.. وهو على خشبة الصليب جاءه بعض أصحاب العمائم من أصحاب السلطان، وقال له: قل لا إله إلا الله حتى تموت على الإسلام.. فالتفت إليه الرجل، وابتسم ابتسامة ممتلئة بمعاني كثيرة، وقال: شكرا يا شيخ.. لا إله إلا الله.. نحن نموت من أجلها.. وأنتم تأكلون بها الخبز.

قلت: فحدثني حديثهم.

نظر الرجل إلى الأفق البعيد، ثم قال:

صفحة ( 30)

أولا ـ الشريعة

في اليوم الأول.. وبينما أنا في سجني الانفرادي أقلب طرفي في مسيرة حياتي الممتلئة بالتناقضات.. إذا بي أسمع صوتا من مكبرات صوت السجن يقول: في هذا المساء.. سيساق إلى الموت (خبيب بن عدي)(1).. وقد رأت إدارة السجن ـ من باب الرحمة واللطف ـ أن تسمح لجميع للمساجين بزيارته وتوديعه.. من الصباح إلى المساء.. على ألا يتجاوزوا الحدود التي يسمح بها قانون السجن.

بعد فترة من صياحه هذا.. رأيت مجموعة من الحرس تفتح أبواب السجون المتنوعة الانفرادية منها والجماعية.. ليلتقي جميع السجناء في ساحة السجن.. وهناك أحضر كرسي للسجين الذي يراد إعدامه.. ليتكلم كلماته الأخيرة التي يودع بها أصدقاءه السجناء.

لم تطل الفترة حتى جاء خبيب مكللا بأشعة عميقة من الإيمان.. جلس بهدوء على الكرسي الذي وضع له كما يجلس الملوك، ثم قال، وهو يوزع نظراته الحانية على الجمع: بورك فيكم.. لقد شرفتموني بالجلوس بينكم.. فلذلك اسمحوا لي أن أحدثكم عن الرسالة التي ظللت حياتي جميعا أدعو إليها.. ولا حرج عليكم في أن تختلفوا معي.. أو تجادلوني.. فقد ظللت طول عمري أسمع للمخالفين، ولا أطلب منهم إلا أن يسمعوا لي.

__________

(1) أشير به إلى خبيب بن عديّ الصحابي الجليل.. شهد بدراً، وأسر في غزوة الرّجيع سنة ثلاثٍ، ثم صلب بالتنعيم، وهو أول من صلب في الإسلام، وأول من سنَّ صلاة ركعتين عند القتل.

وقد حدث ابن شهاب عن حادثة الأسر والصلب، فقال: مكث خبيب عندهم أسيراً حتى إذا اجتمعوا على قتله استعار موسى من إحدى بنات الحارث ليستحد بها فأعارته، قالت فغفلت عن صبي لي، فدرج إليه حتى أتاه، قالت: فأخذه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعاً عرفه في، والموسى في يده، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل إن شاء الله، قال: فكانت تقول ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ من حديقة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزقاً آتاه الله إياه، قال: ثم خرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين ثم قال: لولا أن يروا أن ما بي من جزع من الموت لزدت، فكان أول من صلى ركعتين عند القتل هو، ثم قال: (اللهم أحصهم عدداً وأقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً)(انظر: الاستيعات لابن عبد البر)

صفحة ( 31)

في البداية اسمحوا لي أن أذكر لكم أن هذا الصليب الذي شرفني الله بامتطائه اليوم هو نفسه الصليب الذي امتطاه قبلي رجال من أهل الله.. لم يكن لهم من هم إلا أن يعيش البشر حياة ممتلئة بالسلام والعدالة والإيمان.. لقد قدموا نفوسهم فداء لصالح العدالة التي لن تتحقق إلا في المنهج الذي اختاره الله لعباده.

لقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عظم المكانة التي ينالها من قدم نفسه لأجل هذا، فقال: (ألا لا يمنعن رجلا مهابة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه.. ألا إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)(1)

من هؤلاء الرجال الرجل الذي اخترت بعد أن وفقني الله للإسلام لأن أسمى باسمه.. إنه خبيب بن عدي ذلك الرجل العملاق الذي قدم نفسه في سبيل أن تنتصر شريعة ربه على تلك الشرائع الجاهلية..

لقد قال عندما أراد القوم شنقه:

ولست أبالي حين أقتل مسلما... على أي جنب كان في الله مصرعي...

وذلك في ذات الإله وإن يشأ... يبارك على أوصال شلو ممزع

لقد ردد جميع أولياء الله من الذين بذلوا أنفسهم في ذات الله ما قاله خبيب.. كلهم لم تغرهم الدنيا.. ولا تلك المناصب الرفيعة.. ولا ذلك البهرج الكاذب.. كلهم أبوا إلا أن ينصروا شريعة ربهم.. الشريعة التي لن تتحقق العدالة إلا بها.

قالوا: أنت تعلم أنا من مذاهب مختلفة.. وكلنا له شريعته التي يدين بها.. والتي لا يرى العدالة إلا فيها.. فحدثنا عن هذه الشريعة التي نراك تقدم روحك رخيصة من أجلها.

__________

(1) رواه أحمد والترمذي والحاكم.. وغيرهم.

صفحة ( 32)

ابتسم، وقال: شريعتنا عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.. الشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل فهي قرة للعيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور الشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطي العالم، رفع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وآله وسلم هي عمود العالم وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة (1).

كان الرجل يتكلم بكل مشاعره.. وقد أثر في الحضور لأجل ذلك تأثيرا شديدا.. لكن بعض الجالسين قام، وقال: هذا إجمال يحتاج إلى تفصيل.. وهذه دعاوى تحتاج إلى دليل.

نظر إليه خبيب، وقال: صدقت.. لا يمكن أن يقبل الإجمال من دون تفاصيله.. ولا الدعاوى من دون دليلها.. وإن شئتم أن أذكر لكم من ذلك ما تقر به أعينكم فعلت.

قالوا جميعا: كلنا آذان صاغية.. فحدثنا.

قال: سأحدثكم ـ أولا ـ عن نفسي.. أنتم تسمعون أن اسمي خبيبا، فتتصورون أني ولدت مسلما.. وأني من أسرة مسلمة.. وأني ورثت الإسلام كما ورثه أكثر الناس..

ليس الأمر كذلك.. أنا من أسرة غير مسلمة.. وعندما ولدت عمدت كما يعمد كل صبيان النصارى.. ولقنت ما يلقنون من مبادئ المسيحية..

__________

(1) أشير به إلى قول معروف لابن القيم، كتبه في (إعلام الموقعين)

صفحة ( 33)

كان ذلك في الصبي.. وفي صدر الشباب.. لكني بعد أن شببت عن الطوق، واكتمل لي العقل الذي أفكر به رحت أبحث عن شريعة الله.

وكان أول ما بدأت به (الكتاب المقدس).. لقد رحت أبحث عن شريعة الله في الكتاب الذي قيل لي: إنه وحي الله لأنبيائه.

قالوا: وما الذي جعلك تبحث فيه دون غيره؟

قال: لقد علمت علم اليقين، بأدلة كثيرة لا يمكن ذكرها هنا، أن الله الذي نظم هذا الكون جميعا يستحيل أن يترك الإنسان هملا.. فلذلك رأيت أن شريعة الله لن تغيب عن خلق الله.. ولكن الخلق هم الذين قد يغيبون عنها.

قالو: كيف؟

قال: الغفلة.. والكبرياء.. والجهل.. كل ذلك يمكن أن يقف بين الإنسان والبحث عن شريعة ربه..

قالوا: فما الذي وجدت في الكتاب المقدس؟

قال: وجدت فيه من الجور والظلم والجهالة ما جعلني أعتقد اعتقادا راسخا أن الشريعة التي يحويها يستحيل أن تكون شريعة الله.

لست أدري كيف صحت من حيث لا أشعر: هذه دعوى عريضة.. كيف تقول هذا عن الكتاب المقدس؟

التفت إلي بحنان، وقال: اعذرني.. فأنا لم أرد الإساءة إليك.. ولا إلى الكتاب المقدس.. ولكني أعتقد أن الشريعة التي تمتلئ بها جنبات الكتاب المقدس يستحيل أن تكون شريعة الله لعباده.

صفحة ( 34)

أنت تعلم أن الكذبة حملوا أقلام الكتبة، وراحوا بأهوائهم يحرفون الكتاب المقدس (1).. لقد ذكر إرميا هذا، فقال: (فقال الرب لي: بالكذب يتنبأ الأنبياء باسمي. لم أرسلهم ولا أمرتهم ولا كلمتهم. برؤيا كاذبة وعرافة وباطل ومكر قلوبهم هم يتنبأون لكم)(إرميا: 14:14).. وقال: (الأنبياء يتنبأون بالكذب والكهنة تحكم على أيديهم وشعبي هكذا أحب. وماذا تعملون في آخرتها)(إرميا:5: 31)..

وهو يصرح بكل ألم قائلا: (كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا.. حقا إنه إلى الكذب حوّلها قلم الكتبة الكاذب)(إرميا: 8: 8)

ليس إرميا وحده الذي صرح به.. لقد رأيت في المزامير: (اليوم كله يحرفون كلامي. عليّ كل افكارهم بالشر)(مزمور:56/ 5)

ورأيت في (حزقيال:7/ 26): (ستاتي مصيبة على مصيبة. ويكون خبر على خبر.. فيطلبون رؤيا من النبي.. والشريعة تباد عن الكاهن والمشورة عن الشيوخ)

وسمعت إشعيا يقول: (ويل للذين يقضون أقضية الباطل وللكتبة الذين يسجلون جورا ليصدوا الضعفاء عن الحكم ويسلبوا حق بائسي شعبي لتكون الارامل غنيمتهم وينهبوا الايتام)(إشعياء:10/ 1 - 2)

إن إشعيا يتحدث عن المطامع التي جرت القضاة والكتبة إلى التحريف.. إنه يتحدث عن بيع كتاب الله بثمن بخس كما قال كتاب المسلمين.

بل هو يصرح بذلك قطعا لكل تأويل، فيقول: (ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب فتصير اعمالهم في الظلمة ويقولون من يبصرنا ومن يعرفنا. يا لتحريفكم. هل يحسب الجابل كالطين حتى يقول المصنوع عن صانعه لم يصنعني. أو تقول الجبلة عن جابلها لم يفهم)(إشعياء: 29/ 15 - 16)

__________

(1) انظر الأدلة المثبتة لهذا في رسالة (الكلمات المقدسة) من هذه السلسلة.

صفحة ( 35)

وهو يقول: (ويل للبنين المتمردين يقول الرب حتى انهم يجرون رأيا وليس مني ويسكبون سكيبا وليس بروحي ليزيدوا خطيئة على خطيئة)(إشعياء: 30/ 1)

سكت قليلا، ثم قال: عندما قرأت هذا علمت أن الرب أرحم من أن يأمرنا بطاعة الشريعة التي حولها هؤلاء الكذبة إلى مسخ.. لقد قرأت في كتاب المسلمين المعاني الحقيقية للتوراة.. لقد جاء فيه: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة:44)

هكذا كانت التوراة قبل أن تحرف.. ولكنها عندما حرفت صارت تحوي النصوص الكثيرة الممتلئة بالخرافة والشعوذة والجور والدجل..

لن أقرأ لك كل ما صرفني عن شريعة الكتاب المقدس.. بل سأكتفي بجانب مهم منها.. رأيت أن الجور فيه قد ضرب أطنابه..

إنه الموقف من المرأة.. أنت تعلم أنه من الجور الكبير أن يفضل أحد الجنسين وأن يحقر غيره.. ولذلك فإن الشريعة التي تقوم بهذا الجور وتدعمه شريعة أهواء لا شريعة من رب العالمين.

لقد قرأت في سفر الخروج: (و إذا باع رجل ابنته أمةً لا تخرج كما يخرج العبيد)(الخروج 21/ 7).. وقرأت أنه في أيام القضاة اشترى بوعز جميع أملاك أليمالك ومالكليون ومحلون، ومن ضمن ما اشتراه راعوث المؤابية امرأة محلون (انظر راعوث 4/ 9 - 10).. وقرأت في (الجامعة 7/ 26 - 28): (فوجدت أمرّ من الموت: المرأة التي هي شباك، وقلبها أشراك، ويداها قيود، الصالح قدام الله ينجو منها.. أما الخاطئ فيؤخذ بها... رجلاً واحداً بين ألف وجدت، أما امرأة فبين كل أولئك لم أجد)

بل إن سفر اللاويين يقرن المطلقة والأرملة بالزانية، فيعتبرهن دناياً يحرم على الكاهن الزواج منهن (اللاويين 21/ 10 - 15) كما يفرض السفر أحكاماً شديدة على المرأة حال حيضتها حتى أن

صفحة ( 36)

مجرد مسها ينجس الماس إلى المساء كما ينجس كل من مس فراشها أو شيئاً من متاعها (اللاويين 15/ 19 - 32)

وفي العهد الجديد رأيت بولس يحمل المرأة خطيئة آدم، ثم يحتقر المرأة تبعاً لذلك فيقول: (لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع، ولكن لست آذن للمرأة أن تعلّم، ولا تتسلط على الرجل، بل تكون في سكوت، لأن المرأة أغويت، فحصلت في التعدي)(تيموثاوس (1) 2/ 11 - 14)، ويقول مبرزا ما في نفسه من احتقاره للمرأة: (الرجل ليس من المرأة، بل المرأة من الرجل، ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة، بل المرأة من أجل الرجل)(كورنثوس (1) 11/ 8 - 9)

لقد أوحت هذه النصوص للآباء والقديسين في ملتنا النصرانية بأن يفرضوا على المرأة شريعة مملوءة بالجور والظلم والإجحاف.. لقد قال القديس ترتليان (ق 3) إثر تشبعه بأمثال تلك النصوص المقدسة عن المرأة: (إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، ناقضة لنواميس الله، مشوهة لصورة الله (الرجل).. ويقول بعد حديثه عن دور حواء في الخطيئة الأولى: (ألستن تعلمن أن كل واحدة منكن هي حواء؟!... أنتن المدخل الذي يلجه الشيطان.. لقد دمرتن بمثل هذه السهولة الرجل صورةَ الله)

ومثله قال القديس سوستام عن المرأة: (إنها شر لا بد منه، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة، ومصيبة مطلية مموهة)

ومثلهما قال القديس جيروم (ق 5) في نصيحته لامرأة طلبت منه النصح: (المرأة إذن هي ألد أعداء الرجل، فهي المومس التي تغوي الرجل إلى هلاكه الأبدي، لأنها حواء، لأنها مثيرة جنسياً)

أما القديس أوغسطين (ق 5)، فيتساءل: (لماذا خلق الله النساء؟).. ثم يجيب: (إذا كان ما احتاجه آدم هو العشرة الطبية، فلقد كان من الأفضل كثيراً أن يتم تدبير ذلك برجلين يعيشان كصديقين بدلاً من رجل وامرأة).. ثم تبين له بعد بحث مضن أن العلة من خلقها هي فقط

صفحة ( 37)

إنجاب الأولاد، ومنه استوحى لوثر فقال: (إذا تعبت النساء أو حتى ماتت فكل ذلك لا يهم، دعهن يمتن في عملية الولادة، فلقد خلقن من أجل ذلك)

ولم يكتف هؤلاء القديسون بهذه التصريحات الجائرة.. بل راحوا يعقدون المؤتمرات الغريبة للبحث عن حقيقة هذا العنصر الغريب الذي يسمونه (المرأة)، ففي القرن الخامس عقد مؤتمر ماكون للنظر هل للمرأة روح أم لا؟ وقرر المؤتمر خلو المرأة عن الروح الناجية.. وقال القديس جيروم: (المرأة عندما تكون صالحة تكون رجلاً).. أي أنها تشذ عن مثيلاتها الإناث فتصير مثل الرجال.

و في عام 586 م عقد مؤتمر لبحث إنسانية المرأة، ثم قرر المؤتمر بأغلبية صوت واحد بأن المرأة إنسان خلق لخدمة الرجل.

و بعد ظهور البروتستانت في القرن السادس عشر عقد اللوثريون مؤتمراً في (وتنبرج) لبحث إنسانية المرأة.

التفت إلى الجمع، وقال: هل يمكن لشريعة يحمل كتابها المقدس هذه النظرة عن المرأة.. ويحمل رجال دينها بل قديسوها هذه النظرة القاسية الجائرة.. هل يمكن لشريعة مثل هذه أن تكون شريعة عادلة مع هذا الجانب المهم المشكل للمجتمع الإنساني.

التفت إلي، وقال: بمجرد أن عرفت كل هذا استحييت من أن أدين بشريعة يدين بها هؤلاء.. لقد رأيت أن الله أعظم رحمة وعدلا من أن يحكم على هذا الكائن الإنساني بكل هذه القسوة..

بعد أن يئست من أن أجد في الكتاب المقدس الشريعة العادلة رحت أبحث في القرآن..

أصدقكم القول أني لم أبدأ ببحثي فيه إلا وأنا ممتلئ بشبهات كثيرة كانت تقف حجبا بيني وبينه.. لكن الله أعطاني القوة، فحطمتها جميعا، ولم أبق أثناء قراءتي للقرآن الكريم وللنصوص المقدسة التي نطق بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا عقلي.. ذلك البرنامج الذي برمجني الله به لأميز الخبيث من الطيب، والحق من الباطل.

صفحة ( 38)

وكان أول ما شدني في القرآن الكريم هو تلك النظرة المحترمة للكائنات جميعا.. الإنسان والحيوان.. والنبات والجماد.. وكل شيء.. فالكل خلق الله.. والكل مسبح لله.. وليس هناك شيطان إلا الشيطان الذي رضي بمحض إرادته أن يصير شيطانا.

لقد قرأت في القرآن الكريم عن الحيوان.. بل عن البعوض قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ)(البقرة:26)

وقرأت فيه عن النمل قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)(النمل:18).. لقد رأيت هذه الآية تحضنا على احترام هذا العالم، واحترام قراه التي يؤسسها.

وبحثت فيه بعد ذلك كله عن المرأة.. فوجدت أنها والرجل فيه سيان، لا يختلفان إلا الاختلاف الذي تفرضه وظائفهما وقدراتهما.. لقد قرأت فيه قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ }(آل عمران:195)، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً)(النساء:124)، وقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(النحل:97)، وقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)(غافر:40)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات:13)

صفحة ( 39)

ووجدت القرآن ينسب الخطيئة للزوجين كليهما.. لا لحواء وحدها (1).. قال تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)(البقرة:36)

ووجدت فيه أن التوبة حصلت من كليهما.. قال تعالى: {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(لأعراف:23)

ووجدت القرآن ينعى على أهل الجاهلية تفضيلهم الذكر على الأنثى.. وذلك في مناسبات كثيرة مختلفة.. قال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)} (النحل)

__________

(1) وهذا ما يدل على أن الحديث المروي في ذلك عن أبي هريرة وهو (لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها) لا يصح رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. بل هو على الأصح من حديث كعب الأحبار.. فقد كان أبو هريرة يروي عن كعب الأحبار، فيختلط على الرواة، فيرفعونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وقد روى مسلم عن بسر بن سعيد قال: (اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويحدثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله)، وفي رواية: (يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب، فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث)