الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: سلام للعالمين

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 715

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

تتناول هذه الرواية أعقد مشكلة في الواقع بكل جوانبه النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها.. وهي مشكلة الصراع الذي تنفخ فيه جميع شياطين الإنس والجن، ليعيش الإنسان محجوبا عن ربه، وعن عوالم الجمال التي خلقها له ربه.

وهي - كما تصف الواقع بمرارته وآلامه - تحاول أن تضع بين يدي القارئ أنوار السلام الجميل التي أنقذ الله بها عباده عبر رسله الكرام، وأولياءه العظام.

فهي تصف بحيادية تامة- واقع الصراع بآلامه وهمومه وأحزانه.. كما تصف واقع السلام بكل آماله وأفراحه وسعادته.

والسلام الذي تصفه هذه الرواية هو المنطلق من الدين الإلهي الحقيقي.. لا الدين البشري المزيف الذي تفننت الشياطين في صناعته، وحاولت أن تخلطه بدين الله..

فهرس المحتويات

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

أولا ـ الأنا

الصراع

الرهبانية:

الحيوانية:

الغرائزية:

الشيطانية:

الأسطورية:

السلوكية:

الربوبية:

السلام

الجسد:

الروح:

النفس:

العقل:

القلب:

الخلافة:

العبودية:

الثاني ـ القلب

الصراع

السلام

الصحة:

العقل:

الفرح:

الحضور :

الحقيقة:

الاستقامة:

الحياة:

ثالثا ـ العقل

الصراع

السفسطة:

الحوارية:

الاستذكارية:

الصورية:

الإشراقية:

الثالوثية:

المدرسية:

التجريبية:

الرياضية:

العقلانية المادية:

الحسية التجريبية:

المثالية الفلسفية:

الشكوكية التجريبية:

النسبية الذاتية:

الجدلية المثالية:

الجدلية المادية:

السلام

المدارك الحسية:

قوة الحس:

ضعف الحس:

القوانين المنطقية:

التجارب الميدانية:

الخواطر النفسانية:

الخبرات البشرية:

الفيوضات الربانية:

الإشراقات الروحية:

رابعا ـ النفس

الصراع

السلام

الهدي الإلهي:

الهدي النبوي:

الصراط المستقيم:

العقل:

الطب:

السياسة:

التربية:

خامسا ـ الأسرة

الصراع

السلام

سادسا ـ المجتمع

الصراع

العنصرية:

الجريمة:

الانحلال:

العنف:

السلام

التآلف:

التكافل:

التناصر:

التناصح:

سابعا ـ الدولة

الصراع

الثيوقراطية:

الميكافيللية:

العلمانية:

الديمقراطية:

الفاشية:

السلام

الدستور:

الخليفة:

الرعية:

التنظيمات:

ثامنا ـ العالم

الصراع

الحروب:

الاستعلاء:

الاستعباد:

الاستعمار:

الإبادة:

الإرهاب:

العولمة:

السلام

التعارف:

التدافع:

التعايش:

الشهادة:

تاسعا ـ الكون

الصراع

السلام

عاشرا ـ الله

الصراع

الخرافة:

التحريف:

الضلال:

الإلحاد:

السلام

الواحد:

العلي:

الأول، والآخر، والظاهر، والباطن:

الخالق، البارئ، المصور:

البر، الوهاب، الكريم:

الرحمن الرحيم:

الودود:

العفو، التواب، الغفور:

الحَفيظُ:

الجليل، الجميل:

العليم، الخبير، اللطيف:

السميع البصير:

الحكيم:

الحكم، العدل:

الرزاق:

الهداية

هذا الكتاب

 


المقدمة

تتناول هذه الرواية أعقد مشكلة في الواقع بكل جوانبه النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها.. وهي مشكلة الصراع الذي تنفخ فيه جميع شياطين الإنس والجن، ليعيش الإنسان محجوبا عن ربه، وعن عوالم الجمال التي خلقها له ربه.

وهي - كما تصف الواقع بمرارته وآلامه - تحاول أن تضع بين يدي القارئ أنوار السلام الجميل التي أنقذ الله بها عباده عبر رسله الكرام، وأولياءه العظام.

فهي تصف بحيادية تامة- واقع الصراع بآلامه وهمومه وأحزانه.. كما تصف واقع السلام بكل آماله وأفراحه وسعادته.

والسلام الذي تصفه هذه الرواية هو المنطلق من الدين الإلهي الحقيقي.. لا الدين البشري المزيف الذي تفننت الشياطين في صناعته، وحاولت أن تخلطه بدين الله..

والعلامة الفارقة بين الدين الإلهي والدين البشري كما تصفه الرواية هو الصراع.. فحيثما يكون الصراع تكون الشياطين.. وحيثما يكون السلام والطمأنينة يكون الدين الإلهي، كما قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]

والرواية من عشرة فصول، ولكل فصل منها قصة مستقلة، يحكيها رجل من الرجال العشرة الذين ألقت عليهم القبض بعض الجماعات الإرهابية التي تمثل التزييف الذي أوقعه الشيطان في الدين الإلهي، ليصبغ مشروعه المدمر بصبغة الله.

وقد كان هؤلاء العشرة ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقهم.. لكنهم في نهاية الرواية ينجون بأعجوبة.. ويكتشفون العلاقة بين الإرهابيين والشياطين التي تدير الصراع في العالم.

ويمكن تقسيم الصراع والسلام في الرواية إلى قسمين:

الأول: الصراع والسلام الداخليان، وهما اللذان ينطلقان من الأنا وجميع القوى التي تشكلها من العقل والقلب والنفس.. وهي ما يتضمنه الجزء الأول من الرواية.

الثاني: الصراع والسلام الخارجيان، وهما اللذان يشملان جميع علاقات الإنسان الخارجية ابتداء من الأسرة، وانتهاء بالله.. وهي ما يتضمنه الجزء الثاني من الرواية.

ونحب أن ننبه هنا إلى ما يلي:

1 ـ أن الشخصيات التي نعتمدها في الرواية، والتي تمثل طوائف مختلفة، لا تعني أننا نقبلها في كل شيء أو نرفضها في كل شيء.. وإنما اخترناها لمناسبة بينها وبين ما نطرحه من رؤى وأفكار.. فنقبلها أو نرفضها من تلك الناحية، لا من غيرها من النواحي. 

2 ـ أن مقصودنا بالدين الإلهي أو المشروع الإلهي هو الإسلام المحمدي الأصيل الذي يمثله القرآن الكريم النور الممتد من السماء إلى الأرض.. ويمثله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبر سنته الصحيحة التي تتوافق مع القيم القرآنية والفطرية.. لا السنة التي عبث بها الوضاعون والمتلاعبون الذين مزج بهم الشيطان مشروعه بدين الله.

3 ـ أننا في ذكرنا للصراع لا نبرئ هذه الأمة من كونها عاشت الصراع، ولا تزال تعيشه بسبب الدخن الذي ألبسه الشيطان بدينها الأصيل.. وبسبب بعدها عن التمسك بالصراط المستقيم الذي أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمته.. ولهذا فإن السلام الإسلامي الذي نشيد به في الرواية هو سلام الإسلام الإلهي، لا الإسلام التاريخي أو التراثي الذي امتزج فيه الإلهي بالشيطاني، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك في نبوءاته الكثيرة.

4 ـ أن المقصود في الرواية هو الأفكار التي تحملها، وليس الأحداث، فالأحداث ليست سوى رموز تحاول أن تصل إلى الحقيقة بطريقة سهلة لينة رقيقة، كما هو عنوان السلسلة [حقائق ورقائق]

البداية

في صباح ذلك اليوم، نهضت على أصوات ملأتني بالرعب.. فقد سمعت ضجة كبيرة في الحارة التي كنت أسكن فيها.. ولم ألبث بعدها حتى سمعت أصوات الرصاص ترتفع.. ثم لم ألبث حتى سمعت أصوات سيارات الشرطة، وهي تملأ الفضاء بصوتها المميز.

كانت الحادثة ـ بالنسبة لي وبالنسبة لمن يسكنون معي تلك الحارة ـ بسيطة عابرة.. فلم تصر تأخذ منا تلك المساحة التي كانت تأخذها في بداية عهدنا بمثلها.

لقد كانت ـ في بداية عهدنا بمثلها ـ تأخذ منا اهتماما كبيرا.. تعقد له المجالس الطويلة.. أو تغلق لأجله الأبواب، وتكمم الأفواه، ويفر كل امرئ بنفسه عن كل شيء.

هكذا بدأ تعاملنا مع مثل تلك الحوادث.. ولكنا بعد أن تعودنا عليها.. وبعد أن تعودت أسماعنا على تلك الأصوات المزعجة، واندمجت لها، صارت لنا كأي صوت نسمعه، ولا نبالي به.

لم ألبث بعد ذلك حتى سمعت جارا لنا، كان شابا نشيطا يدرس في الجامعة، وكانت تلك الأيام أيام امتحانات، فأخذت أسترق السمع لما يحفظ رغما عني، كما تعودت أن أسترق، فلم أسمع منه إلا ما تعودت أن أسمعه.. فقد كان يردد كل حين أسماء حفظها صبياننا كما حفظها شبابنا.. بل حتى عجائزنا سرت إليهن العدوى، فنسين أبا زيد الهلالي وعنترة بن شداد، ورحن يرددنها لنا..

لقد كان بين الحين والحين يذكر أوجست كونت، ودوركايم، وليني بريل، وديفيد هيوم، وآدم سميث، وهويز، وهربرت سبنسر، وفرويد، وماركس، وأنجلز، وبافلوف، وديوي، وبرتراند راسل، وهارولد لاسكي.. وغيرهم كثير.. وكان كل اسم من تلك الأسماء ينفجر في أذني كما تنفجر أعتى المتفجرات.

حمدت الله، فقد انخفض صوته، ثم تلاشى بعدها.. لكني لم ألبث حتى سمعت من بيت جار آخر صوت فيلم بوليسي لم أسمع من كلماته غير كلمات الرصاص والتفجيرات وأصوات السيارات المزعجة.

بعدها ذهبت إلى النافذة لأطل على الشارع، فشاهدت صبية صغارا، وهم يلعبون لعبة الشرطي واللصوص، ويستعملون ما أبدعت هذه الحضارة الشقية في صناعته من أنواع المتفجرات التي لا تكاد تفرق بينها وبين المتفرجات الحقيقية.

أغلقت النافذة.. فما لبثت حتى سمعت صوت ولدي، وهو يبكي طالبا من أمه أن تشتري له نوعا جديدا من المتفجرات امتلأت به أسواقنا.. وكان يقول لها، وهو يبكي:( لقد اشترى كل الأولاد هذه المتفجرات، ولم نبق إلا نحن)، ثم أخذ يصيح :( صدق الناس عندما يعتبروننا بدوا متخلفين.. فنحن لسنا سوى ما ذكروا)

لم أدر كيف غضبت في ذلك الحين غضبا شديدا، ورحت أصيح في الولد وأمه بهستيرية، وأنا أقسم بأغلظ الأيمان بأن لا أشتري له أي لعبة..

بكى ولدي بكاء شديدا لم يحرك في ساكنا.. لكن أمه نهضت وأشغلت التلفاز.. فما إن رأى الولد فيلما من أفلام الرسوم المتحركة المليئ هو الآخر بالقنابل والمدافع والدبابات حتى راح ينشغل بالتفرج عليها عن المتفجرات التي كان يطلبها.

هكذا بدأ ذلك اليوم الذي سمعت فيه قصة ذلك الشيخ الممتلئ بالسلام، وهو يحكي رحلته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. والتي سأرويها لكم..

ومع أن المشهد لم يكن يختلف كثيرا عن سائر الأيام.. لكني في ذلك اليوم خصوصا امتلأت بالألم.

لقد رأيت الصراع في صورة شيطان قد استوى على عرش البشرية، فراح يملي عليها من ألوان الصراع ما لم يعرفه البشر في تاريخهم جميعا.

لكني فجأة.. شعرت بروحانية عميقة، وأنا أسمع صوت الشيخ الصالح في زحمة تلك الأصوات جميعا، وهو يردد بخشوع قوله تعالى:﴿ سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾ (يّـس:58).. ثم يكررها مرات كثيرة.. ثم تختلط دموعه بصوته، فلا أكاد أميز صوته عن دموعه.

لست أدري كيف دب الأمل إلى نفسي، وذهب عني ذلك الإحباط الذي سببه لي ما رأيته وسمعته.

أسرعت إليه.. وقلبي يردد ما يردده من الآية الكريمة.. استأذنت عليه، فأذن لي، ودموعه لا تزال تفيض من آثار ما قرأه من القرآن الكريم.

قلت له: سيدي.. ألم تزعجك أصوات المتفجرات التي استيقظنا عليها هذا الصباح؟

قال: نعم.. انزعجت لها كثيرا.. بل كدت أشتعل من فرط انزعاجي.. فلذلك رحت أقرأ آيات السلام لأغسل بها أدران الصراع التي أنشأتها في نفسي أصوات المتفجرات.

قلت: اعذرني ـ سيدي ـ فأنت تعلم الحال التي صار إليها قومي.. لقد استبدلوا بأصوات القرآن العذبة هذه الأصوات.. وليتهم استبدلوها بنهيق الحمير، ولم يستبدلوها بهذه الأصوات.

قال: أنا لم أنزعج لأجل الأصوات.. وإنما انزعجت من قومي..

قلت: قومك!؟.. وما علاقة قومك بهذا؟

قال: ألا ترى أن قومك لم يتخلوا عن أصوات القرآن إلى هذه الأصوات إلا بعد أن تخلوا عن التلمذة على القرآن الكريم وعلى نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، وراحوا يتتلمذون على قومي؟

قلت: أراك تلصق بقومك كل مثلبة.. فهل أنت من الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة([1])؟.. إن من يؤمن بها متخلف عندنا.

قال: ولم تعتبرونه متخلفا؟

قلت: لأنه لا دليل يدل عليها.. هي مجرد خرافات نسجها بعض الناس ليتهربوا من مسؤوليتهم..

قال: ألم تسمع ذلك الشاب.. وهو يحفظ كل ما لقنه قومنا من دروس؟

قلت: هو شاب جامعي.. وهو شاب نشيط.. وقد تعودنا على سماع هذا منه.

قال: فخيرة شبابكم يتتلمذ على أساتذة الصراع الذين خرجناهم.. ألا تعتبر ذلك الشاب خاضعا لمؤامرة؟

قلت: كيف يكون خاضعا لمؤامرة.. هو لم يفعل إلا أن راجع دروسه؟

قال: أرأيت لو أن ذلك الشاب.. وبدل أن يحفظ أسماء أساتذة الصراع حفظ أسماء أساتذة السلام.. هل سينجح في دراسته؟

قلت: هو لن ينجح حتى يعيد لأساتذته بضاعتهم التي باعوه إياها.

قال: فهو مكره إذن على أن يتعلم كل ذلك.

قلت: ليس في العلم حرج.

قال: ولكن الحرج في أن يعلم شيئا واحدا.. ثم لا يكون ذلك الشيء الواحد إلا الصراع.

قلت: على العموم.. ليس ذلك الشاب سوى فرد من أفراد المجتمع.. ولا يمكن أن يتغير المجتمع بتغير فرد واحد فيه.

قال: وأولئك الصبية الذين شغلناهم باللهث وراء المتفجرات.. أليسوا ضحايا مؤامراتنا؟

قلت: وما علاقتكم بذلك؟

قال: ألسنا الذين صدرنا لكم تلك المتفجرات.. وكان في إمكاننا أن نصدر لكم بدلها أناشيد السلام؟

قلت: ولكن قومي هم الذين اختاروا أن يشتروا تلك المتفجرات.. ولو اختاروا أن يشتروا بدلها ورودا لفعلوا.. ولكنهم أبوا إلا أن يشتروا متفجرات..

قال: ومن أملى على قومك أن يشتروا ما اشتروا؟

قلت: نفوسهم.. نفوسهم هي التي أملت عليهم ذلك.. وربما كان لشياطينهم سبب في ذلك.. ولكن السبب الأكبر هو نفوسهم.

قال: النفوس كالشياه لا يتشكل لحمها إلا من العلف الذي تعلفه.

قلت: وما علاقة العلف الذي تعلفه نفوسنا بالمؤامرة؟

قال: ألا ترى قومي كيف وضعوا قومك.. بل البشرية جميعا.. في زريبة واحدة، ثم راحوا يعلفونهم بجميع أنواع السموم كما علفوا البقر الذي جن؟

قلت: لم أر البشرية في زريبة.. ولم أر أي علف يقدم لها.

قال: ألم تر أولئك الراكعين الساجدين أمام ما يصدر قومي من كل ما يسمونه تسلية؟

قلت: بلى.. ولكنها تسلية..

قال: بل هي العلف الذي علفت به نفوس العالم.. إنكم لا تجلسون لتتسلوا، وإنما تجلسون لتعلفوا كل قيم الصراع التي يصدرها قومي.. لتصبحوا حيوانات كحيوانات الغابة يفترس القوي منها الضعيف، ويأكل ذو الناب منها من لا ناب له.

قلت: أهذه أدلتك على نظرية المؤامرة؟

قال: أخطر المؤامرات هي التي لا يقصدها أصحابها.. لأنهم لو قصدوها قد يخطئون في تخطيطاتهم، فينحرفوا عن مقصدهم الذي قصدوه.

قلت: أتقصد أنها مؤامرة قصدوها أو لم يقصدوها؟

قال: أجل.. فلا يمكن لأحد يملأ بستانه ببذور الشوك أن يجني عنبا.

قلت: أقومك هم الزارعون؟

قال: عندما ركن قومك إلى الكسل استولى قومي على جميع حقول العالم، وراحوا يزرعون جميع أنواع الأشواك..

قال ذلك، ثم تنفس الصعداء، وراحت دموع غزيرة تنحدر بقوة، فقلت: هون عليك.

قال: كيف أهون علي.. وأنا أحس بمسؤوليتي عن كل هذه المتفجرات التي تملأ حياتكم ضجيجا؟

قلت: لا تقل ذلك يا ولي الله.. فأنت أرفع من أن تكون سببا.

قال: بلى.. لقد كنت في يوم من الأيام.. كما كان قومي.. سببا من الأسباب.

قلت: ما تقول؟

قال: للأسف.. لقد مدت الكنيسة يدها إلى المصارعين من أول ما ظهر المصارعون.. وراحت تشجعهم على كل ألوان الصراع.. وما تراه من قومك هو ثمار بذور كثيرة غرسها من تربوا في كنائسنا، وتعمدوا على أيدينا.

قلت: ولكن المسيح رسول السلام.. ألستم تروون كل حين قوله :( طوبى لصانعي السلام، لأنهم يدعون أبناء الله([2]) )(متى 5/9)؟

قال: بلى.. لقد صلبنا ذلك المسيح الذي قال تلك الكلمات.. صلبناه بكل حقد، ثم رميناه في جهنم بعد أن صببنا عليه كل ألوان اللعنات([3]).

قلت: وأي مسيح بقي لكم؟

قال: مسيح لا علاقة له بكم.. إنه مسيح روماني.. يحمل كل بذور الصراع التي كانت تصدرها روما للعالم الذي تتهمه بالبربرية.

قلت: ما تقول؟.. إن ما تقوله خطير.

قال: ولكنه حقيقة.. حقيقة عشتها ورأيتها.. بل عاشتها جميع الأجيال التي تقلبت في أصلابها.

قلت: لم أفهم ما الذي تقصد.

قال: لقد رحت أبحث فينا.. في جذورنا.. فلم أجد إلا الصراع..

في البدء.. كان هناك شعبان.. الرومان واليونان.. وكان هذان الشعبان هما الهواء الذي تنفسناه، والماء الذي شربناه..

وقد شربنا مع مياه الرومان واليونان جميع أنواع الصراع.. ولبسنا جميع أثواب الصراع.

لقد كان هذان الشعبان يوحيان إلينا كل حين أن هناك عدوا يهدد وجودنا.. فنصيح من حيث لا نشعر بإعلان الحرب بكافة صورها.. ثم نغرق البشرية بعدها في حمامات من الدماء.

ألا تعلم أن أهم أسباب الحروب الصليبية ـ كما يذكر مؤرخونا ـ هو إعادة توجيه طاقة البارونات الأوروبيين من النزاعات الدموية المحلية إلى غاية نبيلة تتمثل في استعادة الأرض المقدسة وقبر المسيح من أيدي المسلمين؟

وإمعانا من الكنيسة في تحميس الصليبين الذين وهنت دواعي النصر فيهم لكثرة ما سفكوا من دماء بعضهم البعض أصدر البابا (أوربان) صكّه للغفران، والذي عرض فيه إسقاط ذنوب وخطايا الذين يقاتلون المسلمين.. فدبَّت اليقظة في أوصال الجندي المرتبك أخلاقيا، واشتعل حماسا كأنما هو يستيقظ من سبات عميق.

وهكذا كنا دائما..

حتى نظام الفروسة الذي يفخر به قومنا لم يكن إلا مثلا من أمثلة هذا التكريس الديني للنزعات الحربية التي حاولت الكنيسة حتى ذلك الحين قمعها لأغراض مثالية ورغبات نبيلة.. فالحروب الصليبية من هذه الناحية كانت تعتبر المظهر الهجومي للفروسية، والفروسة تعتبر بذرة الحروب الصليبية كما تعتبر ربيبته.. والفارس الذي يشترك في الحروب الصليبية، إنما يشبع بذلك النزعة الحربية الكامنة فيه تحت إشراف الكنيسة وبأمرها، وينال بذلك الخلاص التام والتطهر من الذنوب وهو ما يسعى إليه بشدة.. وربما أمعن الفارس طوال يومه في القتل والتذبيح، فإذا جاء الليل ركع أمام مذبح كنيسة القيامة، يهلل من فرط فرحه آملا أن يكون ما تخضب به من الدماء إنما جرى من أجل السيد المسيح.

قلت: ولكن أوربا طلقت الكنيسة من زمان..

قال: طلقتها.. ولكنها لم تطلق الصراع.. لقد ظلت نزعة الصراع تضرب على أوتار قلوبنا كما كانت تضرب في جميع فترات تاريخنا.

لقد ظهر الفكر الشيوعي.. ظهر كارل ماركس ثم لينن وظهر معهما الصراع الطبقي وكفاح العمال والفلاحين ضد الإقطاعية.. وظهر بعدهم جميع حملة فكر الصراع.. مكسيم جوركي ومايا كوفسكي وبوشكين وغيرهم في أدبهم الذي صار ترجمانا لإملاءات الشيوعية وشعاراتها المتطرفة.

ثم جاءت الوجودية التي قامت أساسا على إثبات حق الوجود ورأت أن قضيتها الأولى هي الصراع الذي بتحدي القوي الغيبية، وما لازمه من الشعور بالعبثية وفقدان الحكمة في الخلق.

وكانت مع هاتين الفلسفتين والنظامين (الرأسمالية) بمبادئها المتطرفة، تنهش عقولنا وحياتنا وتملأنا بالصراع.. لقد عمقت الرأسمالية فينا الأنانية.. لقد أعطت المال لطبقة رأسمالية تمسك بزمام المال والأعمال وتسوس الفكر مع وجود طبقة تعاني من الحرمان مما زاد من معدلات الجرائم واتساع الهوّة في المجتمع الواحد..

رأيت الألم باديا على وجهالشيخ الصالح، فأردت أن أغير الموضوع، فقلت: هون عليك.. فالله الرحمن الرحيم العدل الخبير لا يحاسب الأمم وهي أمم، بل يحاسبها أفرادا.. فلكل فرد ما جنت يداه، ولا يهم من أي أمة كان.

قال: صدقت.. وجزاك الله خيرا على هذه السلوى.. لقد قرأتها في قوله تعالى :﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) ﴾ (النساء)

قلت: فأبشر إذن.. فأحسب أنك على خير كثير.

قال: بشرك الله بكل خير..

ثم عقب يقول: أنا لا أريد البشارة لنفسي وحدها.. بل أريدها لجميع أمم الأرض، وأفرادها، فلا يمكن أن تستظل بظل السلام إلا في ظل الإسلام.

قلت: ذكرتني بالسلام.. لقد وعدتني أن تحدثني عن رحلتك لسلام الإسلام.

قال: أجل.. فلا يمسح أحزان الصراع إلا تلك الأحاديث الجميلة التي امتلأت بها في رحلتي إلى سلام الإسلام.

***

اعتدل الشيخ الصالح في جلسته، وحمد الله وصلى وسلم على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مستغرقا في كل ذلك، ثم قال: استدعاني أخي وتوأمي رجل الدين إلى مكتبه الضخم في الفاتيكان، وقال لي: لقد وردتني أنباء لم تصل بعد إلى وكالات الأنباء بأن طائفتين من المسلمين عظيمتين يهم بعضهما ببعض.. ولعل بعضهما يقضى على بعض، فنستريح منهما جميعا.

قلت: لم أسمع هذا في الأخبار.

قال: هناك أخبار يسمعها الناس جميعا.. وهناك أخبار لا يسمعها إلا نحن.

قلت: وكيف نسمعها من دون الناس؟

قال: لاشك أن الكاتب هو أول من يقرأ كتابه.. ولا يمكن لأحد في الدنيا أن يسبقه إلى قراءته.

قلت: الكاتب يحصل له ذلك لأنه هو الذي كتب الكتاب.

قال: ونحن حصل لنا ذلك.. لأنا بسلطان المسيح الذي وهبه لنا صرنا نحن الكتبة.. فنحن نملي على غيرنا.. وغيرنا لا يجد إلا أن يكتب ما نمليه عليهم.

قلت: فلم لا نملي عليهم الهداية التي حثنا المسيح على تعليمها؟

قال: إن هؤلاء الحمقى يقبلون منا كل شيء إلا الهداية التي جاء بها المسيح.. إنهم يزعمون أن الهداية التي جاء بها محمد أكمل وأشمل وأعلم وأوثق من التي جاءنا بها المسيح.

قال لي أخي ذلك، ثم طلب مني أن أسير معه إلى غرفة في بيتنا الجديد بالفاتيكان، وكانت غرفة أشبه ما تكون بغرف الأسرار.. وهناك دلني على تفاصيل السيناريو الذي سيمثله المسلمون بإملاء منا ومن كل المؤسسات العالمية التي اجتمعت على استئصال المسلمين من الوجود.

***

بعد أن امتلأت هما بما ذكره أخي.. وبعد أن أيقنت بالخطر الذي يحدق بالمسلمين.. لم يخطر على بالي شيء كما خطر على بالي أن أسرع إلى بلاد الإسلام لأتدارك الأمر قبل حصوله.

لكني.. وبعد أن فكرت طويلا.. وجدت أنه لا جدوى من ذلك.. فأولئك الذين يتربعون على عروش المسلمين الدينية أو الدنيوية لن يقبلوا مني ما أقول.. لأنهم تعودوا أن لا يقبلوا إلا لمن يملؤهم بالصراع والحقد والضغينة.

في ذلك المساء.. سرت إلى غابة قريبة من محل سكني  لأنفس عن نفسي بعض ما تعانيه من صراع.. وما إن سرت على ثراها قليلا حتى رأيت رجلا كصفحة الماء التي لم تعبث بها التيارات، بل لو أن أعاصير الدنيا اجتمعت ما حركت منه ساكنا.

رأيته قد خط دائرة صغيرة كتب في وسطها (الأنا).. ثم خط بعدها دائرة أخرى مركزها هو نفس مركز الدائرة السابقة سماها (العقل).. ثم تلاها بدائرة أخرى سماها (القلب).. ثم بدائرة أخرى سماها (النفس).. ثم بأخرى سماها (الأسرة).. ثم بأخرى سماها (المجتمع).. ثم بأخرى سماها (الدولة).. ثم بأخرى سماها (العالم).. ثم بأخرى سماها (الكون).. ثم بأخرى سماها (الله)

كان يرسم الدوائر، ويكتب الأسماء المرتبطة بها بتركيز عجيب لا يشبه إلا تركيز القادة الذين يخططون لأعتى المعارك، وقد دعاني ذلك لأن أقول له ساخرا: مرحبا بحضرة القائد العظيم.. أي معركة هذه التي تريد أن تخوضها اليوم؟

قال: معركة السلام.

قلت: أللسلام معركة؟

قال: لا يمكن للسلام أن يتحقق بغير المعارك.

قلت: أرى أن مظهرك لا يوحي إلا بالسلام.. بكيف تتحدث عن الحرب؟

قال: عن حرب أهل السلام، لا حرب أهل الصراع.

قلت: ألأهل السلام حرب؟

قال: أجل.. وهي تنطلق من هذه الدائرة..

أشار إلى الدائرة الأولى التي سماها (الأنا)، ثم قال: من هذه الدائرة يبدأ السلام.. ومن هذه الدائرة يبدأ الصراع.

قلت: كيف.. ألهذه الدائرة من السلطان ما يتيح لها أن تتصرف في كل شيء؟

قال: أجل.. هذه الدائرة هي المركز.. ولا دائرة إن خرب المركز.

قلت: فأي معركة هذه التي تريد أن تخوضها مع (الأنا)؟

قال: معركة التصحيح والتثبيت..

قلت: لم أفهم.

قال: تصحيح الأنا وتثبتها.. فلا يمكن للجندي الذي لم تصح نسبته للحندية، ولم يتثبت فيها أن ينتصر في أي معركة.

قلت: فبم تصحح الأنا، وبم تثبتها؟

قال: أنا الآن أبحث عن أقوم السبل لذلك..

قلت: فهل اهتديت لشيء؟

قال: أجل.. لقد عرفت أنه لا يمكن لعقلي أن يعرف مناهج التصحيح والتثبيت.. لابد من جهة عليا.. عليا بالقدر الذي لا يمكن تصوره.. فهي الوحيدة العالمة بي.. وهي الوحيدة التي تستطيع أن تصححني وتثبتني.

قلت: ولم لا تثبت نفسك بنفسك؟

قال: وهل يستطيع الوتد أن يتثبت نفسه بنفسه؟

قلت: لابد للوتد من مطرقة ومن طارق.

قال: ولابد للأنا من النور الذي يملؤها بالهداية، فترسخ قدمها في السلام الجميل الذي لا تهزه الأعاصير.

قلت: أحسبني وعيبت بعض هذا.. فما الدوائر التالية لدائرة الأنا؟

قال: علاقات الأنا.. وقد وجدت أن الأنا إن كانت ثابتة راسخة صحيحة سيكون ما حولها من الدوائر ثابتا راسخا صحيحا.

قلت: وإن لم تكن كذلك؟

قال: ستهزها الأعاصير.. وستمتلئ بجميع أنواع الحروب التي تستخدم فيها جميع أنواع الأسلحة.

قلت: لكأني بك تتحدث عن سفينة شراعية.

قال: الإنسان سفينة شراعية.

قلت: السفن الشراعية قد تغرق عند الأعاصير.

قال: ذلك عندما تكون أشرعتها ضعيفة.

قلت: فكيف تكون قوية؟

قال: هذا ما أبحث عنه.. وهذا ما ينبغي لكل عاقل أن يبحث عنه.. فكل من لم يبحث عنه سيغرق لا محالة.

قلت ـ مشيرا إلى دائرة العقل ـ : لقد جعلت العقل بعد أول دائرة من دوائر الأنا؟

قال: لا يمكن للأنا أن تمتلئ بالسلام، وهي تصحب عقلا مشوشا متناقضا مضطربا غافلا ممتلئا بالجهل والخرافة.

قلت ـ مشيرا إلى دائرة القلب ـ : لقد جعلت القلب هو الدائرة الثالثة؟

قال: لا يمكن للأنا أن تمتلئ بالسلام، وهي تصحب قلبا مريضا سكرانا ضعيفا تهوي به الأهواء في كل المهالك.

قلت ـ مشيرا إلى دائرة النفس ـ : لقد جعلت النفس هي الدائرة الرابعة؟

قال: لا يمكن للأنا أن تمتلئ بالسلام، وهي تصحب نفسا طماعة حريصة جشعة متكبرة ممتلئة بالشهوات، مستغرقة في الملذات، مدمنة على الغفلات.

قلت ـ مشيرا إلى دائرة الأسرة ـ : لقد جعلت الأسرة هو الدائرة الخامسة؟

قال: لا يمكن للأنا أن تمتلئ بالسلام، وهي تعيش في أسرة مفككة يحارب بعضها بعضا، ويعتدي بعضها على بعض.

قلت ـ مشيرا إلى دائرة المجتمع ـ : لقد جعلت المجتمع هو الدائرة السادسة؟

قال: لا يمكن للأنا أن تمتلئ بالسلام، وهي تعيش في مجتمع تملؤه النزعات الخسيسة، والأهواء الخبيثة.

قلت ـ مشيرا إلى دائرة الدولة ـ : لقد جعلت الدولة هي الدائرة السابعة؟

قال: لا يمكن للأنا أن تمتلئ بالسلام، وهي تعيش في دولة يحكمها الاستبداد والجور والظلم والطغيان والحريات الكاذبة.

قلت ـ مشيرا إلى دائرة العالم ـ : لقد جعلت العالم هو الدائرة الثامنة؟

قال: لا يمكن للأنا أن تمتلئ بالسلام، وهي تعيش في عالم قلق مضطرب متنازع.. القوي فيه يأكل الضعيف.. والمتكبر فيه يتسلط على المستضعف.

قلت ـ مشيرا إلى دائرة الكون ـ : لقد جعلت الكون هو الدائرة التاسعة؟

قال: لا يمكن للأنا أن تمتلئ بالسلام، وهي تعيش في كون قد أغارت عليه جنود الإفساد، فحولته عن فطرته السليمة.

قلت ـ مشيرا إلى دائرة الله ـ : لقد جعلت (الله) هو الدائرة العاشرة؟

قال: لا يمكن للأنا أن تمتلئ بالسلام، وهي تجحد الله، أو تحمل صورة مشوهة عنه، أو تحتقره، أو تعزله عن التصرف في وجوده الذي خلقه وأبدعه وصممه.

قال ذلك، ثم راح إلى دوائره مستغرقا فيها، وكأنه لم يكن يحدثني، ولم أكن أحدثه.

***

في تلك الأيام.. وبعد ذلك الحديث الذي حدثني به معلم السلام.. قررت أن أسير إلى تلك البلاد التي تعتزم الفتنة أن تستأصلها، ثم تستأصل بعدها سائر بلاد الإسلام، فاستأذنت أخي.. ففرح كثيرا.. وقال: إن ما تفعله سيرسخ قدمنا في الكنيسة إلى آخر الدهر.

قلت: كيف؟

قال: إن الكل يفر من تلك البلاد.. رجال الدين ورجال الدنيا.. وذهابك أنت تضحية لا تعدلها إلا تضحيات القديسين.. إنك ستعود إلينا إن عدت قديسا يتمسح الكل بك.

قلت: لم؟

قال: أنت هناك معرض للخطف في كل لحظة.. فليس هناك إلا من ملأناهم بالصراع.

قلت: ألا تخاف علي؟

قال: ما دمت قد أمنت عليك من أشعة محمد، فلن تضرك بعدها أي أشعة.

قلت: ولكن الذين سأذهب إليهم لهم حظ من أشعة محمد.

قال: إن الأشعة التي نالوها من محمد لن تزيدك إلا فرارا منه.. وهذا ما دعاني إلى السرور بقرارك، فإن الرحلة التي سترحلها هذه المرة ستغسل عنك كل تلك الشبهات التي علقت بقلبك من رحلاتك السابقة.

قلت: لم؟

قال: سترى من أولئك المصارعين الصورة الحقيقية لمحمد.. تلك الصورة التي ظلت تتزين لك لتملأك بالغواية.

***

كان أخي يدرك المخاطر التي يمكن أن أتعرض لها في كل لحظة في تلك البلاد التي قررت الذهاب إليها.. لذلك ودعني ـ كغير عهده ـ وداعا حارا، وكأنه قد تيقن أني لن أعود إليه من جديد.

امتطيت الطائرة.. وسرت إلى البلاد التي تموج بكل أنواع الصراع.

عندما دخلتها لم أشم إلا روائح الموت.. كان الموت في الطرقات والأزقة والبيوت كالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه.

في المطار رأيت عشرة من الرجال.. فيهم الكهل، وفيهم الشاب، وفيهم الشيخ.. كلهم وقفوا في انتظار الحافلة التي سننتقل بها إلى المدينة التي لا يولد فيها إلا الموتى.

كان أهل المطار ينظرون إلينا بشفقة وحزن، وكأنهم يعلمون ما ينتظرنا من دواه.

لم نلبث إلا قليلا حتى جاءت حافلة خربة عضتها السنون بنابها.. وقد كان إطارها مخترقا برصاصات كثيرة تدل على المخاطر الكثيرة التي نريد أن نسير إليها.

ركبنا الحافلة.. ولم نسر إلا أميالا حتى استقبلنا من يسميهم الناس (صناع الموت).. أخذونا وكأننا معهم على ميعاد، ووضعونا في مغارة لا تختلف كثيرا عن القبور.

بعدها عرضونا على محكمة صورية كان الكل فيها ملثما، فلم نميز أحدا منهم، وفيها حكم علينا بالإعدام.. وقد منوا علينا فوهبونا عشرة أيام من الحياة، لنودع فيها الحياة، ونودع فيها ما استودعناه ذاكرتنا من ذكريات.

في المغارة.. جلسنا جميعا، لا ندري ما نفعل.. تفرست في وجوه الجالسين معي، فلم أجد فيها من الحزن ما كنت أتصور أن يوجد، فقلت من دون أن أشعر: أراكم مطمئنين إلى الحكم الذي حكم علينا.. فهل ترونه حكما عادلا؟

قال أحدهم: لقد كنت نفذت في يوم من الأيام هذا الحكم على نفسي.. ولكني لم أنجح.. لقد وقف بعض المسلمين حائلا بيني وبين تحقيقه.. ومن عجائب الأقدار أن المسلمين الذين بسببهم مدت حياتي مدة طويلة هم أنفسهم الذين يريدون أن يضعوا حدا لحياتي.

قال آخر: إن ما حصل لك هو ما حصل لي.. لقد قدمت نفسي ذات يوم لمقصلة الموت.. فوقف مسلم دون ذلك.. وها هو أخوه ينفذ ما عجزت عنه.

قال آخر: لكأنكما تتحدثان عن نفسي.. أنا نفسي حصل لي ما حصل لكما.

قال آخر: وأنا كذلك.

نطقوا جميعا: إن هذا من العجائب.. كلنا حصل لنا ما تذكرون.

امتلأت عجبا بما سمعت.. فقلت لهم: إن ما تذكرونه عجيب.. فحدثونا بأحاديثكم، فلا أرى هؤلاء أخرونا هذه الأيام العشرة إلا ليسمع بعضنا حديث بعض. 

***

التفت إلي الشيخ الصالح، وقال: في هذه الرحلة لن أحدثك إلا بأحاديث هؤلاء العشرة الذين تعلمت منهم من سلام الإسلام ما لم أتعلمه في حياتي جميعا.

لقد وصلت إلى قناعة كبيرة في هذه الرحلة بأنه لا سلام إلا في الإسلام.. وأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي جعله الله سلاما لكل العوالم.. العوالم التي هيئ لحواسنا أن تراها، والعوالم التي لم يهيأ لها أن تراها.

أولا ـ الأنا

في اليوم الأول من تلك الأيام العشرة، نهض أحدنا، وكان أكبرنا سنا، وقال: سأبدا أنا بالحديث.. فأنا ـ على حسب ما يبدو ـ أكبركم سنا، ولعلي كنت أقربكم للموت، لولا أن القدر طرحنا في هذا المحل لنستوي جميعا في التهامنا للموت، أو التهام الموت لنا.

ليس هذا فقط ما يجعل لي الحق في التفرد بالبداية.. بل هناك أسباب أخرى ستعرفونها من خلال إيرادي لحكايتي.. فأنا الذي كتب له أن يتعلم على جمع من الأساتذة كانوا هم السبب في كل صراع عانيناه، وعانته الأجيال الطويلة من هذه البشرية..

قلنا: من أنت أولا؟

قال: لقد سماني أهلي أسماء كثيرة.. ولكني بعد أن التقيت النور طلقتها جميعا، ورحت أبحث عن اسم لي.. ولم أظفر بعد بذلك الاسم.. وإن شئتم الحقيقة، فقد جئت إلى هذه البلاد لأبحث عن اسم لي.. لكن القدر شاء أن أموت من غير اسم.. ولكن حسبي أني طلقت جميع الأسماء التي فرضت علي.

قلنا: من أي البلاد أنت؟

قال: أنا من كل تلك البلاد التي كان يسكنها الرومان واليونان وغيرهم من الشعوب.. أنا ابن لها جميعا، وعشت على ثراها جميعا، وتقلبت في أحضانها جميعا.. ولذلك أتيح لي أن أتتلمذ تلمذة مباشرة على أولئك الذين يسميهم الناس عباقرة.. فينصبون لهم التماثيل، ويجثون على ركبهم بين أيديهم يتتلمذون عليهم.

قلنا: نراك تحتقر أساتذتك.

قال: لقد أتيح لي بعد تلك الفترة الطويلة من التلمذة على أولئك الذين يتوهم قومنا أنهم عباقرة، أن ألتقي برجل واحد نال من أشعة شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما جعلني أحتقر جميع أساتذتي.. لقد كان رجلا عاميا بسيطا في مظهره.. لكن الأشعة التي تعرض لها من تلك الشمس جعلته أستاذا يحمل من الحقائق ما لا يحمله أعظم أساتذتنا وأكبرهم شأنا.

قلنا: فحدثنا عن هذا الرجل.

قال: لن تعرفوا قيمة حديثه حتى تعرفوا أساتذتي.. فلا يمكن للشمس أن يعرف قيمتها من لم يلهب عينيه سياط الظلام.

قلنا: فحدثنا عن أساتذتك([4]).

الصراع

غرق صاحبنا الأول في صمت عميق.. وكأنه يسترجع ماضيه البعيد، السحيق في بعده..

الرهبانية:

وبعد فترة انتظار طويلة لم نشأ أن نحرجه فيها، قال: أول حكايتي تبدأ من الكنيسة.. لقد كنت سليل أسرة لها ارتباط مقدس بالكنيسة، كانت تخدمها بجوارحها ومشاعرها.. وكانت تعتبر رجال الدين هم المقدسون الذين لا ينطقون إلا بالحق، ولا يسلكون إلا سبل الحق.

وقد سرى إلي من إرث عائلتي ما جعلني تابعا ذليلا لكل المواعظ التي ينطق بها رجال الدين، لا أناقشها، ولا أفكر في مناقشتها.

وقد قدر لي أن يكون أول أساتذتي رجل لم يكن يدعو في ظاهره إلا للزهد.. كان اسمه (سان بونافنتور)([5]).. لقد كان يردد على مسامعي كل حين ما ورد في الإنجيل من أنه (لا يدخل غني ملكوت السموات، حتى يدخل الجمل في سم الخياط.. ).. ويردد قول المسيح لشاب آمن به ودخل في دينه:( ذا أردت أن تكون كاملا، فاذهب وبع ما تملك واعطه للفقراء، ثم تعال واتبعني)، وقوله لتلاميذه:( وأنتم فلا تبحثوا عما تأكلون وما تشربون ولا تهتموا لذلك، لأن هذه الأشياء إنما يبحث عنها غير المؤمنين)

وكان يردد لي أقوال القديس أمبروز ـ أسقف ميلانو فى القرن الرابع ـ الذي كان يعظ تلاميذه وغيرهم فى أمر الروح معتبرا أنها نقيض للجسد الذى هو شر.. وقد كانت تلك الفكرة مصدر إلهام لتلميذه الكبير القديس أوغسطين الذى أصبح فيما بعد أسقفاً لمدينة هبو فى شمال إفريقيا..

لا أزال أذكر من أقوال أمبروز قوله: (فكر فى الروح بعد أن تكون قد تحررت من الجسد، ونبذت الانغماس فى الشهوات ومتع اللذات الجسدية، وتخلصت من اهتمامها بهذه الحياة الدنيوية)

وكان يذكر لي صلاة القديس أوغسطين التي يقول فيها: (آه! خذ منى هذا الجسد، وعندئذ أبارك الرب)

وكان يذكر لي ما اعتاد فرانسيس الأسيزى أن ينادى به جسده من قوله: (أخى الحمار)! كما لو كان الجسد مجرد بهيمة غبية شهوانية، تستخدم لحمل الأثقال.

وكان يذكر لي ما كان القديسون يتعهدون به أجسادهم من اعتداء يومى من أجل إماتتها بالتعذيب الذاتى بطرق تقشعر من هولها الأبدان.

وقد سرى لي من تأثير هذه التعاليم ما جعلني أحتقر جسدي احتقارا شديدا.. لقد كنت أنظر إليه كما ينظر العدو إلى عدوه.. لذلك كان الصراع بين روحي وجسدي لا يكاد ينتهي حتى يبدأ.

لقد علمني أستاذي ـ الذي بدأت بالتعلم على يديه حياتي ـ أن نظام الرهبنة الذي ينتظرني يتطلب مني أربعة شروط لا يمكنني أن أكون راهبا مقدسا من دونها.

قلنا: فما أولها؟

قال: العزوبة.. فلا يمكن للراهب ولا لرجل الدين.. بل ولا للمسيحي المخلص.. أن يكون متزوجا.. ولهذا، فإن هذا الأستاذ ملأ مشاعري نفورا من المرأة حتى لو كانت زوجة، فقد كان يقول لي كل حين:( إذا رأيت امرأة فلا تحسب أنك ترى كائنا بشرياً، بل ولا كائنا حياً وحشياً، وإنما الذى ترى هو الشيطان بذاته والذى تسمع هو صفير الثعبان)([6])

وكان يردد علي كل حين قوله :( من المشاكل المستعصية على الكنيسة مشكلة زواج رجال الدين غير الرهبان أو تسريهم.. لقد كانت الكنيسة منذ زمن بعيد تعارض زواج رجال الدين، لأن القس المتزوج يضع ولاءه لزوجه وأبنائه في منزلة أعلى من إخلاصه للكنيسة )..

وكان يقول لي: (إن القس المتزوج سيحاول أن ينقل كرسيه أو مرتبته لأحد أبنائه.. يضاف إلى هذا أن القس يجب أن يكرس حياته لله وبنى الإنسان، وأن مستواه الأخلاقي يجب أن يعلو على مستوى أخلاق الشعب وأن يضفي على مستواه هذه المكانة التي لا بد منها لاكتساب ثقة الناس وإجلالهم إياه)([7])

قلنا: هذا الشرط الأول للرهبانية، فما الشرط الثاني؟

قال: التجرد الكامل عن الدنيا.. فقد أقنعني هذا الأستاذ أن على الراهب ـ حتى يصير راهبا ـ أن يعتزل عزلة نهائية عن المجتمع، ويقطع النظر عن كل أمل في الحياة.

قلنا: فما الشرط الثالث؟

قال: عدم الاهتمام بالجسد.. بل تعذيب الجسد.. ألم أقل لكم: إنه كان يصور لي جسدي رماحا تحارب روحي وسيوفا تنهش حقيقتي؟

لقد حدثني عن الراهب ماكاريوس، وكيف أنه نام ستة أشهر في مستنقع ليقرض جسمه العاري ذباب سام، وكان يحمل دائما نحو قنطار من حديد.

وحدثني عن الراهب يوسيبيس، وكيف كان يحمل نحو قنطارين من حديد.. وقد أقام ثلاثة أعوام في بئر نزح

وحدثني عن الراهب يوحنا الذي تعبد ثلاث سنوات قائما على رجل واحدة، ولم ينم ولم يقعد طوال هذه المدة، فإذا تعب جداً أسند ظهره إلى صخرة.

وحدثني عن القديس كولمبان الذي كانت السناجب تجثم على كتفيه فتدخل في قلنسوته وتخرج منها، وهو ساكن.

وحدثني عن راهب اخترع درجة جديدة من الورع، بحيث  يربط نفسه بسلسلة إلى صخرة في غار ضيق([8]).

وحدثني عن بعض الرهبان.. نسيت أسماءهم.. كانوا لا يكتسون دائما، وإنما يتسترون بشعرهم الطويل ويمشون على أيديهم وأرجلهم كالأنعام.. وكان أكثرهم يسكنون في مغارات السباع والآبار النازحة والمقابر، ويأكل كثير منهم الكلأ والحشيش.

وكان يحدثني ـ بشوق عظيم ـ عن الرهبان الذين كانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح، ويتأثمون من غسل الأعضاء، وأزهد الناس عندهم وأنقاهم أبعدهم عن الطهارة وأوغلهم في النجاسات والدنس.

لقد حدثني عما قاله الراهب اتهينس من أن الراهب أنتونى لم يقترف إثم غسل الرجلين طوال عمره.. وعن الراهب أبراهام أنه لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين عاماً.. وعن الراهب الإسكندري الذي قال بعد زمان متلهفاً: و أسفاه، لقد كنا في زمن نعد غسل الوجه حراماً، فإذا بنا الآن ندخل الحمامات([9]).

قلنا: فما الشرط الرابع؟

قال: تحمل العقوبات الشديدة في حال التفريط في الطقوس الكثيرة التي يتطلبها نظام الرهبانية.. لقد كان أستاذي يعلمي كل حين تعاليم القديس (كولمبان) الذي أسس الأديرة في جبال الفوج بفرنسا:

ومن العقوبات التي لا أزال أذكرها: ستة سياط إذا سعل وهو يبدأ ترنيمة أو نسى أن يدرم أظافره قبل تلاوة القداس، أو تبسم أثناء الصلاة، أو قرع القدح بأسنانه أثناء العشاء الربانى.. وكانت اثنا عشر سوطاً عقاب الراهب إذا نسى أن يدعو الله قبل الطعام وخمسون عقاب المتأخر عن الصلاة، ومائة لمن يشترك في نزاع ومئتان لمن يتحدث من غير احتشام مع امرأة.

وأقام (كولمبان) نظام الحمد الذى لا ينقطع، فكانت الأوراد يتلوها بلا انقطاع ليلاً ونهاراً طائفة بعد طائفة من الرهبان يوجهونها إلى عيسى ومريم والقديسين([10]).

قلنا: فهل مارست كل هذه الشروط التي علمك إياها أستاذك؟

قال: أجل.. لقد مارستها بإخلاص وصدق إلى أن جاء اليوم الذي طلقتها فيه طلاقا بائنا، وطلقت معها أستاذي، وتخلصت من الاسم الذي سماني به.. ولم أندم على ذلك التطليق في أي يوم من أيام حياتي.

قلنا: كيف كان ذلك؟

قال: لقد رأيت بعيني في الدير الذي كنت راهبا فيه ما ذكره رئيس دير كلونى من قوله:( إن بعض رجال الدين في الأديرة وفي خارجها يستهترون بابن العذراء استهتاراً يستبيحون معه ارتكاب الفحشاء في ساحاته نفسها، بل في تلك البيوت التى أنشأها المؤمنين الخاشعون لكى تكون ملاذاً للعفة والطهارة في حرمها المسور، لقد فاضت هذه البيوت بالدعارة حتى أصبحت مريم العذراء لا تجد مكاناً تضع فيه الطفل عيسى)([11])

قلنا: فقد انحرفوا عن المنهج الذي كانوا يدعون إليه؟

قال: ليتهم انحرفوا إلى الفطرة.. لقد انحرفوا إلى الشذوذ.. واستبدلوا الصراع بالصراع.

قلنا: كيف كان ذلك؟

قال: لقد أدى كل ذلك التزمت والغلو ومغالبة الطبع السوي والفطرة السليمة إلى نتيجة عكسية تماماً.. لقد أصبحت الأديرة مباءات للفجور والفسق، تضرب بها الأمثلة في ذلك.

لن أحدثكم عن ذلك.. ولكني رأيت بعيني من الفضائح ما ملأني بالنفور التام من الدير ومن الرهبانية.. بل ومن الكنيسة نفسها([12]).

الحيوانية:

قلنا: فإلي أين التجأت؟

قال: بعد أن صارعت روحي جسدي زمنا طويلا.. وبعد أن اكتشفت السراب الذي أوقعتني فيه روحي.. عدت إلى جسدي أقبله وألتزمه ولا أرى في الوجود غيره.

قلنا: فهل وجدت من الأساتذة من أعانك على ذلك؟

قال: كثيرون هم.. كانوا يتبوأون أشرف المراتب.. ويسكنون أحسن القصور.. وينالون أعلى المرتبات..

قلنا: فحدثنا عنهم.

قال: أولهم رجل كان يدعوه الناس داروين ([13]).. لقد لقيته بعد أن عانيت الأمرين في دير الرهبان.. وقد كنت حينها مستعدا لاعتناق أي فكرة بشرط ألا يكون فيها رائحة للرهبانية.

في ذلك الوقت الذي كنت فيه مستعدا لأي شيء لقيته وهو يحمل جمجمة لست أدري لمن كانت.. هبته في البداية.. لكني سرعان ما انبهرت به.. ثم سرت تابعا له تبعية الظل لصاحبه.

ولم أكن لأتبعه لولا أنه.. وفي بداية لقائي به.. طلب مني أن أرمي الكتاب المقدس الذي كنت أحمله، وأعطاني بدله كتابا كان اسمه (أصل الأنواع)([14])

وقد أعجبت كثيرا بهذا الكتاب.. فهو كتاب لم يكن يتحدث عن ذلك الشعب المدلل المسمى (شعب إسرائيل).. وهو كتاب لم يكن يميز بين جنس وجنس.. فهو كتاب تستوي فيه البشرية جميعا العرق الإسرائيلي وغيره من الأعراق.. بل إنه فوق ذلك كله لم يكن يميز بين الإنسان والحيوان.. مهما كان ذلك الحيوان.

في أول لقاء لي به، قال لي: خذ هذا الكتاب.. فستجد فيه الحقيقة التي لا حقيقة فوقها..

قلت: أي حقيقة؟

قال: حقيقتك.. أنت.. الإنسان.

قلت: لقد دلني الكتاب المقدس على حقيقتي..

قال: ليس في الدنيا كتاب مقدس.. الكل يمكن أن يقدس.. والكل يمكن أن يدنس.. انظر إلى كتابي هذا.. إني أراه أقدس كتاب في الدنيا.

قلت: فما الذي جعله مقدسا.. هل تراه أوحي إليك كما أوحي للأنبياء تلك الأسفار المقدسة.

قهقه قهقهة عالية، وقال: أي أنبياء؟ وأي أسفار؟.. هل ترى أن الله ـ إن كان هناك شيء اسمه الله ـ ينزل من كبريائه ليقول لنا: (سلم على برسكا وأكيلا، وعائلة أونيسيفورس. أراستس مازال في مدينة كورنثوس. أما تروفيموس، فقد تركته في ميليتس مريضا. اجتهد أن تجيء إلي قبل حلول الشتاء.يسلم عليك إيوبولس، وبوديس، ولينوس، وكلوديا، والإخوة جميعا O (تيموثاوس: 4: 19)

أو ترى الله ينزل من علياء عظمته ليقول لنا: (وكان في سنة الاربع مئة والثمانين لخروج بني اسرائيل من ارض مصر في السنة الرابعة لملك سليمان على اسرائيل في شهر زيو وهو الشهر الثاني انه بنى البيت للرب. والبيت الذي بناه الملك سليمان للرب طوله ستون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وسمكه ثلاثون ذراعا. والرواق قدام هيكل البيت طوله عشرون ذراعا حسب عرض البيت وعرضه عشر اذرع قدام البيت. وعمل للبيت كوى مسقوفة مشبّكة. وبنى مع حائط البيت طباقا حواليه مع حيطان البيت حول الهيكل والمحراب وعمل غرفات في مستديرها. فالطبقة السفلى عرضها خمس اذرع والوسطى عرضها ست اذرع والثالثة عرضها سبع اذرع لانه جعل للبيت حواليه من خارج اخصاما لئلا تتمكن الجوائز في حيطان البيت. والبيت في بنائه بني بحجارة صحيحة مقتلعة ولم يسمع في البيت عند بنائه منحت ولا معول ولا اداة من حديد. وكان باب الغرفة الوسطى في جانب البيت الايمن وكانوا يصعدون بدرج معطّف الى الوسطى ومن الوسطى الى الثالثة. فبنى البيت واكمله وسقف البيت بألواح وجوائز من الارز. وبنى الغرفات على البيت كله سمكها خمس اذرع وتمكنت في البيت بخشب أرز )(ملوك 6: 1-10).. إلى آخر هذا الوصف الطويل الذي لا ينتهي حتى يبدأ غيره.

قلت: فما الذي جعل كتابك مقدسا؟

قال: العلم.. كتابي يعتمد على العلم والحقائق.. أما الكتاب الذي يسمونه مقدسا، فيعتمد على حكايات العجائز.. وأنا أتمتع بحكايات العجائز.. ولكني لا أتعلم على أيديهم.

قلت: فما دلك العلم والحقائق على حقيقة الإنسان؟

قال: لقد صورت فيلما رائعا عن ذلك.. فيلما يعتمد على الحقيقة وحدها..

قلت: فيلم واقعي، أم فيلم خيالي؟

قال: بل فيلم علمي واقعي.. فأنا أتمتع بالخيال، ولكني لا أثق فيه، ولا أعتمد عليه.

قلت: إن هذا لعجيب.. هل وجدت مركبة الزمن التي رحلت بك إلى بداية البشرية؟

أشار إلى الجمجمة التي كان يحملها، وقال: أجل.. هذه هي مركبتي.. في هذه الجمجة يخزن تاريخ الإنسان..

قلت: فحدثني عن هذه الجمجمة العجيبة.

قال: سأحدثك عما حصل قبلها.. فلن تفهم تاريخ هذه الجمجمة حتى تفهم ما حصل قبلها..

في البدء.. وبعدما بردت الارض وتكونت بحارها وجبالها وسهولها وغلافها الجوى واستعدت لاستقبال الحياة عليها، وذلك بعد تعرضها خلال ملايين السنين للتطور من حال إلى حال([15]).

وكان أول ظهور للحياة على الأرض فوق سطح الماء والمحيطات والمستنقعات وعلى شواطئ المسطحات المائية التى تكونت عندها مادة الطين، حيث اختلط الماء بالتراب.

ومن عفن الطين المنتن نشأت أبسط وأصغر أنواع الحياة التى نراها ممثلة في بعض أنواع البكتيريا وبعض الكائنات وحيدة الخلية التى لم تتميز بعد على أنها نبات أو حيوان.

ومن هذا الأصل المشترك لجميع الكائنات نبت فرعان من الخلايا المجهرية ـ أى التى لا ترى إلا بواسطة المجاهر المكبرة ـ تولد من أحدهما النبات، ومن الآخر الحيوان.

أما فرع الحلايا المكونة للنباتات، فسرعان ما استحدثت طريقة عجيبة لتركيب مادة الكلوروفيل الخضراء في هيكلها لتكسب بها الطاقة من ضوء الشمس، وتستعين بها على استخلاص الكربون من غاز ثانى أكسيد الكربون الموجود في الجو، ثم تحويله إلى مواد سكرية ونشوية، وكان هذا بدء ممارسة عملية التمثيل الضوئى لنمو النبات.

ثم إن الخلايا أخذت تحيط أجسامها الدقيقة بجدران من هذه المواد الكربونية في هيئة السليولوز، وكانت تستعمل الطاقة التى تنبعث في أجسامها نتيجه التمثيل الضوئى داخل هذه الجدران في التحرك.

ثم إن هذه الخلايا كانت كائنات متناهية في الدقة تعيش في غير جلبة أو ضوضاء، ويأتيها رزقها رغدا من الهواء وماء البحر وأملاحه.

وبعد زمن طويل مضى على هذه الخلايا، وهى تنمو وتتطور نشأت في البحار كائنات كثيرة لا عدد لها.

وكانت  هذه العضويات الأولى هي الأصل في جميع أعضاء مملكة النبات التى تكاثرت وغطت الارض بأعشابها وأشجارها وغاباتها الضخمة الكثيفة.

ومثل ذلك حصل لعالم الحيوان، فقد انقسمت الخلايا الحيوانية، وكونت الحيوانات التى عاشت على النبات وغيره، وصارت أنواعا مختلفة من الأحياء على الأرض.

قلت: هذا تفسيرك للحياة.. فما تفسيرك لهذه السلوكات العجيبة التي تبديها الحيوانات.. بل حتى النباتات؟

قال: إنها الغريزة.. فالغريزة هي التفسير العلمي لتلك السلوكيات.. إنها التفسير الصحيح لقابلية الحيوان للقيام بسلوك معين منذ الولادة.

قلت: فكيف اكتسبت الحيوانات هذه الغريزة؟.. وكيف كان ظهور أول سلوك غريزي لديها؟.. وكيف تم انتقال هذه الغريزة كابراً عن كابر؟

سكت قليلا، وكأنه يتأمل سؤالي، ثم قال: إن شئت الحقيقة.. هناك أجوبة كثيرة عن هذا.. ولكنها تكاد تكون أسئلة هي الأخرى، لا أجوبة.. فكل سؤال منها سيستدعي منك أسئلة أخرى.. ولو بقينا هنا إلى آخر الدهر مع مثل هذه الأسئلة، فلن نخرج أبدا.

ثم أضاف: ربما تكون الغرائز مجرد جينات موجودة لدى الحيوانات، تظهر على شكل أنماط سلوكية.

قلت: وهل تؤمن بهذا؟

قال: لقد ذكرت لك أن هذا نفسه سيحتاج إلى أسئلة جديدة، بل أسئلة كثيرة.

أولها ستقول لي: لو كانت الكائنات الحية مبرمجة على أن تسلك هذا السلوك المعين فمن الذي برمج هذا السلوك؟

أنا أعلم أنه لا يوجد أي برنامج مبرمج من تلقاء نفسه.. وأنه لا بد لكل برنامج من مبرمج.

قلت: نعم.. كنت سأسألك هذه الأسئلة.. فما الإجابة التي أعددتها لها؟

قال: لقد وفر أصحابنا العناء على أنفسهم.. فذكروا إجابة ربما ستستدعي منك أسئلة أخرى.

قلت: فما قالوا؟

قال: هم يقولون.. أو بالأحرى نحن نقول بأن الطبيعة الأم ـ التي تتشكل من البحيرات والجبال والأشجار والظواهر المختلفة ـ لها القدرة على الخلق، إنها بديل علمي منطقي عن الخالق..

قلت: إن الطبيعة كيان متعدد الأنواع.. فأي نوع منها لديه القدرة على إكساب الحيوانات المختلفة أنماطها السلوكية المختلفة؟

قال: كنت أعلم أنك ستسأل هذا السؤال.

قلت: لست أنا وحدي الذي يسأله.. بل عقلك أيضا يسأله، أنا أشعر أن عقلك يحتاج إلى إجابة منطقية على هذا السؤال.

إن الطبيعة تتألف من الحجر والتراب والأشجار والنباتات..

من من هذه العناصر تكون له القدرة على إكساب الكائنات الحية هذا السلوك المبرمج؟

أي جزء من الطبيعة لديه القدرة والعقل على فعل ذلك؟

هل ترى أنه يمكن للإنسان العاقل أن يقول، وهو يرى لوحة زيتية جميلة:( ما أحلى الأصباغ التي رسمت هذه اللوحة )؟.. بلا شك فإن كلامه لن يكون منطقيا.

إذن فإن ادعاء كون المخلوق خالقاً للأشياء هو بلا شك ادعاء غير منطقي..

قال: أنت تريد إذن أن تعود إلى الدير.. لاشك في ذلك.. أنت بين أمرين: إما الدير، وإما الحقائق التي ذكرتها لك.. والتي ستجد تفاصيلها في هذا الكتاب.

امتلأت رعبا بعد أن ذكر لي الدير.. فلذلك ألزمت عقلي بأن يقتنع بما قال.. بل رحت أقرأ كتابه الذي أهداه لي.. بل رحت أحفظه عن ظهر قلب، وأردده في كل المجالس.

وقد وجدتني بعد حين أقتنع بما يقول.. بل وجدتني أنقلب إنسانا آخر.. بل وجدت نفسي قد انسلخت من إنسانيتي، لأرتدي كل مرة حلة من حلل البهائم والسباع.. فمرة أصير خنزيرا أرتع من لذات الدنيا ما كانت الرهبانية قد حرمتني منه.. ومرة كنت أسير في الشوارع كما تسير الأسود مكشرة عن أنيابها.. ومرة كنت ـ وتحت الضغوط الشديدة ـ أتحول إلى فرد من عائلة الخنافس والجعلان..

وهكذا انتقلت من حيوان إلى حيوان.. وقد وجدت الكثير من الأساتذة يستغلون حالي في ذلك أبشع استغلال..

لقد عبر عن ذلك أحد أساتذتي الذين نبهوني إلى خطر هذه النظرية.. كان اسمه (ألكسس كاريل).. لقد قال لي ناصحا:( إن نظريات النشوء والارتقاء هي مصدر كل الهموم الإنسانية، وإنها ليست إلا حكايات خرافية وجدت من يحميها ومن يقدمها للجماهير بحلة خادعة لا يعرفها كثير من الناس)([16])

ورأيت بعد ذلك أن كل المخربين جعلوا من هذه النظريات فأسا يهدمون به كل القيم البشرية:

لقد قارن كارل ماركس الكفاح من أجل البقاء بين الكائنات العضوية مع الكفاح من أجل السيطرة السياسية بين الطبقات الاجتماعية.

واعتمد كُتّاب وباحثون آخرون على فكرة الانتخاب الطبيعي لكي يبرروا مفهوم تطور العنصر الإنساني الراقي للجنس البشري.

واستخدم بعض الدارسين الذين عرفوا باسم الداروينيين الاجتماعيين أفكارداروين لتأييد الفكرة التي تقول بأن على الناس في أي مجتمع، وعلى الجماعات أن تتنافس على البقاء حيثما كانت.

بل إن الاستعمار ـ وبدلاً من أن يشعر بتأنيب الضمير ـ صار يشعر، بل يعتقد من خلال هذه النظرية أنه يقوم برسالة حضارية عندما يزيل مواريث الأمم والبنى التحتية لها ومجتمعها المدني القائم بها والحرف والصناعات الخاصة بها، ويعتبر نفسه أنه يمدنها.. حتى أن ماركس اعتبر غزو فرنسا للجزائر من التمدن وإزالة الرجعية والتخلف وتحدث بنفس هذا المنطق عن الهند..

وفي الأخير.. وبعد معاناة طويلة، وصراع مرير.. لم أجد في هذا الأستاذ ما كنت أحلم به عن الإنسان.. فرحت أبحث عن أستاذ آخر.

الغرائزية:

قلنا: فأي أستاذ هذا الذي أنقذك من داروين؟

قال: هو لم ينقذني من داروين، وإنما أضاف إلى الركام الذي أنشأه داروين ركاما عجيبا جعلني أرى الحياة مرقصا للاشعور يتلاعب به كما يشاء.

قلنا: نراك تومئ إلى فرويد([17])؟

قال: أجل.. لقد كان فرويد هو أستاذي الثالث الذي انحرف بي عن إنسانيتي انحرافا خطيرا، ظللت تحت أسره دهرا طويلا من الزمان.

قلنا: فكيف تعرفت عليه؟

قال: لقد كان أول ما دلني عليه اللاشعور نفسه.

قلنا: فقد آمنت بتأثير اللاشعور قبل أن تراه؟

قال:  أجل.. ولا أرى أن أحدا من الناس يخالف في ذلك.. فكلنا يعرف تأثير باطن الإنسان وما يحمله من مشاعر وأفكار في حياته.. حتى الإسلام لا ينكر ذلك.. لقد ورد في القرآن الإشارة إلى هذا اللاشعور الذي لا يكاد صاحبه يعلمه.. ففي القرآن :﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ (طـه:7).. فالخفي ليس إلا تلك المعاني الخفية التي يمتلئ بها باطن الإنسان.

قلنا: فقد تأثر فرويد بما جاء به من علم بالقرآن؟

قال:  ليته فعل ذلك.. إذن لوقى نفسه، ووقى البشرية من مهالك تلك النظريات التي جاء بها، والتي لبست لباس العلم لترمي البشرية في أتون الرذيلة.

قلنا: فحدثنا عما لقنك هذا الأستاذ من علوم.

قال:  لقد بدأ هذا الأستاذ، فعمق في نفسي الهوة التي كانت قد بدأت تتوسع بيني وبين الدين.. فقد كان أول لقاء لي به سنة 1927م، وكنت حينها صحفيا.. وقد كلفتني الجريدة التي أعمل فيها بإجراء حوار معه.. وقد كان في ذلك اللقاء يستخف بالدين، ويحتقره احتقارا شديدا([18])..

أذكر أنه بعد نشر المقابلة كتب له أحد الأطباء الأمريكيين الشبان خطابا لامه فيه على عدم إيمانه هذا، وسرد له في خطابه قصة مؤثرة عن كيفية رجوعه للإيمان بعد شك في وجود الله جاء نتيجة لتأثره بوفاة مريضة عجوز بريئة ملامح الوجه؛ كما ذكر هذا الطبيب الشاب في خطابه لفرويد أنه بعد شكه في الله دخل في أزمة نفسية انتهت بسماع صوت من داخل نفسه مازال يحثه على الرجوع لإيمانه حتى رجع له يقينه بوجود الله.

لقد ضحك فرويد حينها كما لم يضحك في حياته جميعا، ثم رد عليه يقول :( إن الله لم يسمعني صوتا داخليا كالذي أسمعك إياه.. وإذا تباطأ الله في هذا الأمر رغم علمه بكبر سني، فإنه سوف لا يكون الخطأ خطئي لو بقيت إلى نهاية حياتي على اعتقادي الحالي.. يهوديا كافرا..)

ولم يكتف بذلك، بل راح يحلل خطاب الطبيب نفسيا وينشر ذلك كله في مقال بعنوان : A religious Experience.. في ذلك المقال يهوي فرويد بأحاسيس الرجل الإنسانية التي تجلت في ألمه لرؤية وجه السيدة الوقورة الميتة إلى حضيض التفسير الجنسي والعقدة الأوديبية بأسلوب متهافت ومنطق غريب.

ومما جاء في ذلك المقال :( إن رؤية جسد المرأة الميتة الذي ربما كان عاريا أو كان في طريقه لأن يتعرى من الملابس قد ذكَّر هذا الشاب الطبيب بأمه (لا شعوريا) وقد أثارت فيه هذه الذكرى شوقا لوالدته نبع من عقدته الأوديبية، وهذا الشعور سرعان ما أثار فيه البغض والغضب على والده، وبمــا أن أفكاره عن والده وعن الله لم تنفصل بعد بما فيه الكفاية فإن رغبته في تحطيم والده على المستوى اللاشعوري قد ظهر شعوريا في شكل شكه في وجود الله، وإنه لمن المعلوم لدينا أن الطفل يعتبر ما يفعل والده لأمــه في صلته الجنسية بها نوعا من سوء المعاملة والقسوة)

سألته حينها متعجبا من هذا الموقف، وقلت: أهذا هو مصدر العقيدة في الله؟

رد علي بثقة عظيمة:  أجل لقد وقفنا من خلال التحليل النفسي على هذا الرباط الوثيق بين عقدة الوالدية Complexe Parental - عقدة أوديب([19]) - وبين نشوة الإيمان بالله لدى الأفراد بما لا يدع مجالا للشك في أن الإله ما هو إلا صورة بديلة عن الأب Pere transfigure

ثم أضاف معقبا بطريقته التمثيلية التي كانت تجذبني بشدة في ذلك الوقت: إنه الصورة المكبرة عن تلك التي يكونها الطفل عن أبيه في طفولته كمصدر للحب والحماية والرعاية، فالتدين وثيق الصلة بالحاجة الدائمة للإنسان الطفل للحماية والمساعدة.

وكان يقول لي بعدها كل حين :( إن التحليل النفسي يمثل المرحلة الأخيرة من الثورة العلمية التي مازالت تعري للبشرية هذاءاتها المتمثلة في الدين)

وكان يقول لي ـ وهو يفسر نزعة التدين ـ:( إن هذه الاعتقادات التي تعرض في الدروس الدينية لا تنبع من الخبرات البشرية المتراكمة، وليست هي نتاج للتفكير المستقيم إنما هي نوع من الهذاءات ؛ بل هي إشباع لأقدم وأقوى وأشد رغبات الجنس البشري إلحاحا..إن الإحساس بالتهديد والخوف والشعور بعدم الأمان لدى طفل لا يقدر على مواجهة ظروف الحياة أيقظ لديــــه الحاجة إلى الحماية والحب في الوقت نفسه، وهو الأمر الذي يتولاه الأب عادة ثم إن عجز الإنسان البدائي على مواجهة قوى الطبيعة وقلة حيلتة جعلته في حاجة إلى حماية دائمة من هذه الأخطار التي تتهدد حياته فتعلق بـ (أب) أكبر في هذه المرة، إنه الله.. لقد وجدت مشاعر القلق التي تنتاب الإنسان أمام عجزه على مواجهة أخطار الحياة هذه حلها في الدين في ظل الحماية الإلهية والتعاليم السماوية التي سنت القوانين الأخلاقية التي تنتظم العالم وتلبي حاجة الإنسان إلى العدل الأخروي الذي قلما تحقق في عالم الناس، وما يتبع ذلك من الإيمان بالحساب والإيمان بحياة أخرى هي في الحقيقة امتداد لحياة قلما استطاع الإنسان أن يشبع فيها كل رغباته)

قلنا: لقد كان الإلحاد واللاتدين منتشرا قبل فرويد، بل إنه في العصر الذي جاء فيه فرويد كان التدين غريبا بين رجال العلم.. فما الجديد الذي لقنك إياه؟

قال:  لقد ذكرت لكم أني لم يكن يعنيني في الوجود إلا البحث عن أسرار الأنا.. فأنا لم يكن يهمني في هذا العالم إلا البحث عن أنا.

قلنا: فما الذي علمك فرويد عن الأنا؟

قال:  لقد قال لي في أول لقاءاتي به :( الشخصية الإنسانية مثل كتلة الجليد العائمة في البحار القريبة من القطب لا يعلو منها فوق سطح البحر إلا جزء ضئيل، ويبقى معظمها مغموراً بالماء، وكذلك الشعور يؤلف جزءاً ضئيلاً من العقل، أما الباقي وهو ما يُعرف باللاشعور أو العقل الباطن فهو الجزء الأعظم، وليس ذلك فحسب بل إنه الجزء المهم من العقل)

قلنا: ما ذكره يحمل الكثير من المعاني الصحيحة، فما المستغرب فيه؟

قال: المستغرب فيه أنه ادعى أن له المقدرة على الغوص في أعماق تلك البحار لاكتشاف تلك المناطق المغمورة في البحار الجليدية.. لم يدع ذلك فقط على سبيل الإجمال، بل ادعاه على سبيل التفصيل، فعمم ما توهمه على جميع جبال الجليد في العالم، بل في الكون جميعا.

قلنا: دعك من التهكم، وحدثنا بما لقنك.

قال: لقد علمني (سيدي المبجل فرويد !!) أن اللاشعور الشخصي هو محور السلوك الإنساني.. ثم علمني أن هذا اللاشعور هو مجموعة العوامل النفسية والفسيولوجية غير المحسوسة التي توثر في السلوك الإنساني..

وعندما سألته عن التفسير، قال: في النفس الإنسانية ثلاث قوى.. لن تستطيع أن تفهم النفس إلا من خلالها: الهو، والأنا، والأنا الأعلى.

سألته عن (الهو)، فقال: هو كل موروث.. أو كل ما يظهر عند الميلاد.. أو كل ما هو مثبت في الجبلّة.

سألته عن (الأنا)، فذكر لي أنه المسيطر على الحركة الإرادية، والمكلف بحفظ الذات.

سألته عن (الأنا الأعلى)، فذكر لي أنه راسب من رواسب فترة الطفولة الطويلة التي يعيش فيها الإنسان الناشيء معتمداً على والديه.. ففي تلك الفترة تتكون في الأنا منظمة خاصة يمتد فيها تأثير الوالدين.

سألته عن الطاقة التي يتصرف من خلالها (الهو)، والتي كانت مخزنة في الأصل في جبلته، والتي على أساسها يمكن تفسير جميع حركاته.. لم يمهلني حتى أنتهي من سؤالي، بل أجاب على الفور: الجنس.. الطاقة الجنسية هي الطاقة الكبرى التي يمكن من خلالها تفسير جميع سلوكيات الإنسان..

قلت: ولكن هذه الطاقة تبدأ في مرحلة متقدمة من السن.. فكيف يفسر بها السلوك الإنساني، والإنسان لا يبدأ شابا، بل يبدأ طفلا صغيرا ممتلئا بالبراءة؟

أجانبي، وهو يبتسم بسخرية: ألا ترى الطفل، وهو يمص ثدي أمه بتلك اللهفة، وذلك الشوق؟

قلت: هو يتغذى بذلك..

قال:  لا.. الأمر أخطر من أن يكون مرتبطا بالغذاء وحده.. إن الطفل في ذلك الحين يمر بمرحلة جنسية هي المرحلة الفمية..

ثم أضاف يقول: إن إلحاح الطفل في المص وتشبثه به في مرحلة مبكرة ينم بوضوح عن حاجة إلى الإشباع، على الرغم من أنها حاجة تنبعث عن تناول الغذاء وتتأثر به إلا أنها تسعى إلى الحصول على لذة مستقلة عن التغذية، وبالتالي يمكن ويجب أن توصف بأنها جنسية.

ثم أضاف يقول، وكأنه مجنون يخاطب نفسه: ثم تتطور طاقة (اللّبيدو)([20]) مع الطفل إلى المرحلة السادية الشرجية والمرحلة القضيبية التي يتجلى فيها الشكل النهائي للحياة الجنسية.

ثم بعد ذلك يأتي دور الأنا.. تلك الذات الواعية.. التي تحاول الموازنة بين الرغبات الخاصة، والواقع الخارجي بكل ما فيه من سلطة وقيم اجتماعية.

قلت: فكيف يتشكل الأنا الأعلى؟

قال:  يتشكل من تلبس الطفل بشخصية والده.. وحينئذ تنشأ (عقدة أوديب) كنتيجة طبيعية لحب الولد لأمه جنسياً.. وبما أن الأب يحول دون تحقيق مقتضيات هذا الحب فإنه يتكون في نفس الطفل نحو أبيه شعور مزدوج، طرفاه الحب والكراهية في آن واحد، ثم يتخلص الطفل من هذا الصراع.

قلت: هذا الولد.. والبنت!؟

قال:  تتخلص من العقدة (عقدة أليكترا)([21]) بزيادة تلبسها بشخصية أمها.. وعند ذلك ينشأ الضمير.. وتكون مهمته الكبت والقمع للشهوات الجنسية غير المرغوب فيها، وذلك لحماية الذات من عسف ذوي السلطان في الخارج الأب أو المجتمع أو الدين أو التقاليد.

قلت: فغريزة الجنس هي عاصمة الغرائز إذن؟

قال:  أجل.. فالإنسان ينشأ حاملاً في أعماقه هذه البذرة التي تصبح المحرك الرئيس لطاقاته في الحياة، ويغدو همه الوحيد في حياته هو إفراغ هذه الطاقة، إلا أن ذلك لا يتحقق على الوجه الأكمل حفاظاً على قيم المجتمع، وخوفاً من تعاليم السلطة، وهنا يأتي الحلم الذي تتحقق فيه الرغبة حين يخلد الأنا الأعلى في سباته العميق.

قلت: الحلم!؟

قال: أجل.. وقد يكون الحلم صريحاً وواضحاً وربما لا يكون.. وإذ ذاك تصبح لصور الحلم دلالة رمزية، فالصور التي تظهر في الحلم رموز الحقائق في اللاشعور: فالطائر ليس طائراً حقيقة بل رمزاً لشيء آخر قد يكون أما أو أباً، والطيران شبق جنسي، والسير إلى الشمال رغبة في الزنا بالمحارم.. وهكذا.. فإن كل ما تتصور البشرية أنه أبدعته أو وصلت إليه هو في الحقيقة نوع من الشبق الجنسي.

قلت: والدين والأخلاق والفن !؟

ابتسم، وقال: كل هذه الأشياء ليست إلا تعويضاً عن الدوافع الغريزيّة لدى الإنسان.. فالدين يستقي أصوله من رغبتنا إلى الرعاية السماوية التي نتصورها في صورة الأب الحنون الذي يحل محل الأب الحقيقي، لأن هذا لا يلبث أن يخيب آمالنا كلما شببنا عن الطوق، وبلغنا مبلغ الرجولة.

والأخلاق ما هي إلا قواعد أوجدها الإنسان لتكون كالحاجز تصد غرائزه التي لو انطلقت من زمامها لجعلت النظام الاجتماعي أمراً مستحيلاً.

أما الفن فقيمته إنما تنبثق من حاجة الإنسان إلى أن يبتدع أنواعاً من الوهم تقيه من النظر إلى الأشياء كما هي في حقيقتها مما لا يسهل على الإنسان أن يحتمله.

سكت قليلا، ثم قال، وهو يرفع يديه إلى السماء، وكأنه يخاطب نفسه: هذا هو التسامي.. فالأنا ـ التي هي المسيطر على الحركات الإرادية ـ تتقبل الدافع الغريزي وتتسامى به، وذلك بأن تحيله من صورته التي هو عليها أو من وضعه إلى وضع آخر ذي قيمة.

ثم أضاف يقول بقوة: إن المنبهات القوية الصادرة عن المصادر الجنسية المختلفة تنصرف وتستخدم في ميادين أخرى بحيث تؤدي الميول التي كانت خطرة في البداية إلى زيادة القدرات والنشاط النفسي زيادة ملحوظة..  تلك إحدى مصادر الإنتاج الفني، وإن تحليل شخصية الأفراد ذوي المواهب الفنية ليدلنا على العلاقات المتغيرة القائمة بين الخلق الفني والانحراف والعصاب، بقدر ما كان التسامي كاملاً أم ناقصاً.. وإن الجانب الأكبر لما نسميه الطبع مركب من مادة المنبهات الجنسية ومؤلف من ميول ثبتت منذ الطفولة أو اكتسبت عن طريق التسامي أبنية الغاية منها كبت الاتجاهات المنحرفة التي استحال استخدامها.

كان في القاعة التي نجلس فيها لوحة كبيرة من رسم (ليوناردو دافنشي)([22])، أشار إليها، وقال: هذه اللوحة دليل لما أقول.. لقد درست هذه اللوحة دراسة متمعنة.. بل درست جميع الجبل الذي كان سطحه (ليوناردو دافنشي)، وسميت تلك الدراسة (ليوناردو دافنشي دراسة نفسية جنسية لذكريات طفولية)

لقد قمت في ذلك البحث العميق بتحليل شخصية دافنشي تحليلاً نفسياً متكئاً على ملاحظة وجدتها في إحدى أوراق الرسام العظيم.. وهي رؤيا طفولية، فقد روى أنه يذكر عندما كان في المهد أنه رأى نسراً ينزل عليه ويفتح له فمه ويضربه بذيله على شفتيه عدة مرات.

وفي ضوء هذه الرؤيا اكتشفت سر ذلك البطء الذي اشتهر به دافنشي، وهو ينجز أعماله العظيمة، واكتشفت سر تنقلاته الكثيرة، وسر غموض ابتسامة (الجوكندا)([23]).. لقد اكتشفت أنه كان ضحية انحراف جنسي على مستوى اللاوعي، تأثرت به حياته، وتأثر به فنه.

أخرج من محفظته (رواية الإخوة كرامازوف)([24]) للروائي الروسي (دستوفيسكي)([25]).. ثم قال: لقد درست هذه الرواية دراسة تحليلية.. ووجدت في شخصية هذا الكاتب الروائي فناناً وأخلاقياً وعصابياً وآثماً، وبقدر ما يستحقه من مجد وخلود، فإنه سجان من سجاني الإنسانية، وهو سادي يعذب نفسه، ويعذب الآخرين، ومجرم يتعاطف مع الآثمين.

أخرج كتبا كثيرة.. وراح يحللها جميعا بمقاييسه التي وضعها، ثم قال: هكذا وجدت جميع المبدعين.. هم جميعا عصابيون، كثيرو الانطواء، على صدام دائم مع الواقع الذي لا يسمح لهم بإظهار دوافعهم الغريزية.. ولذلك يلجؤون لإشباعها إلى عالم الوهم حيث يجدون بديلاً عن الإرضاء المباشر لرغباتهم، ويستعينون للوصول إلى تحويل مطالبهم اللاواقعية إلى غايات قابلة للتحقيق من الوجهة الروحية على الأقل بما يمكن تسميته بالقدرة على التسامي.. وهذه إحدى آليات الدفاع التي تعفيهم من القصاص أو المرض، لكنها ـ مع ذلك ـ تجعلهم رهائن عالم وهمي لن يطول الأمد به حتى يصبح مرضاً عصابيا.

قلنا: أهكذا اختصر لك سيدك فرويد الإنسان؟

قال:  أجل.. للأسف بهذه الصورة الباهتة الحقيرة اختصر الإنسان.. فكل سلوك يسلكه الإنسان ناتج عن تلك الدوافع الغريزية التي يمتلئ بها اللاشعور..

ومهمة المحلل النفسي ـ التي تدربت على يديه عليها ـ منحصره في أن يكشف دلالات هذه الرموز الجنسية التي يستحيل فيها الإبداع إلى استراتيجية من الدعارة المقنعة، والهوس الجنسي المراوغ ؛ لأن كل قائم في صورة إنما يرمز إلى عضو الذكورة، وأن كل تجويف يعني أعضاء المرأة التناسلية، وأن العمود أو التمثال المنحوت لجسم إنسان منتصب لم يكن في الأصل غير رمز لعضو التناسل، وأن الجزء الداخلي من المبني يرمز إلى رحم المرأة.. وهكذا.

قلنا: فكيف ظهر لك أن تتركه، هل هناك أستاذ آخر حذرك منه، أو نقد لك توجهه؟

قال: إن كان هناك أستاذ يمكن أن يكون سببا في تحذيري من فرويد.. فهو فرويد نفسه.

قلنا: هل بلغ به الورع أن حذرك من نفسه؟

قال:  مثله لا يعرف الورع.. لقد كان سلوكه هو الذي جعلني أنفر منه.. لقد كان أنموذجا مشوها عن الإنسان، فلذلك لم أتصور أن في مقدرة رجل مثله أن يدعي كل تلك الدعاوى العريضة.

لقد رأيت فيه ـ بعد أن ذهبت تلك الهالة التي رسمت حوله ـ شخصية مضطربة مريضة جديرة بأن تبحث عمن يعالجها، لا أن تكون مصدرًا لرسم أسس لدراسة النفس البشرية.

لقد كان (فرويد) مجموعة من العقد النفسية والعادات الغريبة، ولم يستطع أن يشفي عقله الباطن من هذه العقد النفسية إلى آخر حياته.. كان يتبع أوراقه التي تدخل في ترجمة حياته فيحرقها.. وكان يؤمن بأنه سيموت في نهاية الحرب العالمية الأولى، فمات في بداية الحرب العالمية الثانية.. وكان يدخن عشرين سيجارًا في النهار ليهدئ من ثوراته العصبية([26]).. وكان عرضة للإغماء على أثر المفاجآت.. وكانت مرارة الطبع خلة ملازمة له في علاقاته بغيره.. وكانت لأحلامه وجوه خفية ترمز إلى دلائلها في سريرته الباطنة.. وكانت له ضروب من القلق، تنم على باعث من بواعث الحيرة المكتومة.. وكان في أطهر أحواله يحارب التشبث بالعقائد الدينية والعادات الخلقية، ويتشبث بالتفسير الجنسي للعقائد والعادات تشبثًا يربو في إصراره وشدته على تعصب المتعصب اللدود لمذهبه ودينه.

وكان في طفولته ـ كما ذكر لي ـ ينسى نفسه ليلا في فراشه، وكان يخشى من السفر بالقطار، ويحضر إلى المحطة قبل موعد قيامه بنحو ساعة، وكان دائم العزلة، لا يسمح لأحد أن يصاحبه طويلا.

وفوق ذلك، فقد ذكر لي صديقي (أرنست جونس).. وقد ذكر ذلك في كتابه (حياة وأعمال فرويد) خطابه إلى صديق له يقول: (لست في الحقيقة رجلا من رجال العلم، ولا من رجال الملاحظة ولا التجربة، لست مفكرًا، أنا لست إلا مغامرًا بطبيعة مزاجي وتكويني، ولديَّ  كل ما عند المغامر من فضول ومثابرة وجسارة)

قلنا: لا يمكن أن نحكم على أفكار الشخص من خلال سلوكه.. فالسلوك ـ مهما كان منحرفا ـ لا يدل بالضرورة على انحراف صاحبه.

قال:  صدقتم.. فلذلك طالت صحبتي له مع ما أراه من سلوكه.. لقد كنت أقول لنفسي :( خذي الحكمة.. ولا يهمك من أي وعاء خرجت)

قلنا: فما الذي صرفك عنه بعد هذا؟

قال:  الفطرة.. الفطرة وحدها دلتني على الأوهام التي وقع فيها فرويد عن قصد([27]) أو عن غير قصد..

أولا.. لقد رأيت الخطر العظيم الذي تحمله أفكار فرويد عن الإنسان في السلوك الإنساني.. لقد ساهم ما طرحه من فكر في تحويل البشرية إلى غابة من الحيوانات لا هم لها إلا إرواء غرائزها..

ثم تأملت في الواقع، فرأيت أنه لا تكاد توجد نظرية واحدة قد أحدثت ما أحدثته من الانقلاب في سير المجتمعات إلا نظرية دارون من قبل، ونظرية كارل ماركس التي سبقت فرويد في الزمن ولكنها لحقته في التنفيذ.. لقد اعتنقت آراءه الجماهير، يظاهرها في ذلك كثير من العلماء، ولم يكتفوا بنصوص نظرياته، بل توسعوا في تفسيرها على هواهم، وآمنوا جميعاً بأن الأمر الطبيعي هو أن تنطلق الغرائز من معقلها، ولا تقف عند حد إلا حد الاكتفاء.

وقد بحثت في أسباب هذا الإقبال الجماهيري.. فوجدت أنه ليس نابعا من دواعي البحث والمعرفة والعقل.. وإنما هو نابع من دوافع نفسية لا علاقة لها  بالعقل أو بالعلم:

لقد رأيت أن من أهم الأسباب هو تلك الثورة التي ظهرت بين قومنا على تعاليم الكنيسة التي رأينا فيها حجراً على الحريات، وسبباً للعقد والانحرافات الخلقية.

ثم ذلك الانبهار غير الواعي بالعلم وبمنجزات العلم..

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، وما نتج عن ذلك الشباب المسجون في متاريس الحرب، والذي قضى شبابه في السجون والخنادق والمعتقلات، وتعرض لحروب الميكروبات، والغازات السامة،  فخرج لا يفتش إلا على إشباع غرائزه الحيوانية، فكان فرويد هو الهادي، والداعي إلى هذه السنة، فلذلك كان في نظرهم أحد صناع الحضارة الحديثة في القرن العشرين.

قلنا: أنت لم تناقش أفكاره من الداخل.. بل اكتفيت بالنظر إلى آثارها؟

قال:  لا.. لم أكتف بآثارها.. لقد تعمقت في المنهج الذي كان فرويد يفكر به.. فوجدت أنه منهج بعيد عن العلم والعقلانية.. فقد اعتمد فرويد في آرائه على الحالات المرضية الشاذة التي كان يعالجها، والتي من خلالها أخذ يفسر السلوك المتزن العادي لدى الأسوياء في ضوء ما عاينه من السلوك الشاذ عند المصابين.

لقد رأيته يستخلص نظريته من معالجة أفراد من الطبقة المتوسطة في مدينة فيينا، كانت هذه الطبقة تتعرض لعوامل الكبت الجنسي وأنواع المحرمات الاجتماعية بالنسبة للعلاقة بين الجنسين، فهم ليسوا بأسوياء، وفيهم ما فيهم من عُقد نفسية جعلت همهم الأكبر والدافع الأول لسلوكياتهم هو الدافع الجنسي.

ثم رأيت أنه يشكك في العقل.. بل يعتبره مجرد خادم للغريزة، وليس هادياً إلى الحقيقة، ووظيفته ليس الحدس بالحقيقة، بل الإقناع بما نعتقده غريزياً، ولهذا فنتائجه لا يمكن الوثوق بها لأنها تبرير لمتعقداتنا فهو أداة ضعيفة في مجال المعرفة.

ثم رأيت أن الإرادة في التحليل النفسي ليست ملكة تُمارس بحرية، إذ ليس بمقدور الإنسان أن يضبط نفسه، فأساليب الإنسان في الحياة نتاج رغبات لاشعورية في أعماق نفسه، وعلى هذا ليس هناك ما يسمى بحرية الإرادة، ولم ينتج عن هذا التصور سوى الانزلاق في الشهوات، والاستغراق في الملذات.. بل إن فرويد كان يصيح بملء فيه:( إن كبح الدافع الغريزي مضر بالشخصية، ويورث الاضطرابات العصبية، والسخط من الحياة)

وفوق ذلك كله، فقد أثبتت الأبحاث التجريبية خطأ ما ذهب إليه فرويد حول الطفولة، وما يدور حولها، فقد أعلن فرويد بأن معارضة رغبات الطفل في صغره ومحاولة الأهل في أن يروضوه على النظام وأصول السلوك تؤثر في تصرفاته إذا كبر، ولذلك كان يرى أنه يجب أن يترك الطفل حرًا بدون توجيه حتى لا يكون ذلك مصدر عقد في حياته.

وقد روج علماء النفس والتربية لهذه النظرية على نحو اتخذ منها وسيلة لهدم أصول التربية وبناء الشباب تحت تهديد وهمي، غير أن العلماء الذين قاموا بإحصائيات وتجارب في البيئة نفسها، تبين لهم فساد هذه النظرية وعدم جدواها، وأن بعض العلماء الأمريكيين أعلن بعد دراسات طويلة بضرورة استخدام الضرب كوسيلة لتقويم الطفل، وقيد الضرب([28])، وقال: (إن مسلك الطفل لا يتأثر بعامل واحد كما ذكر فرويد، ولكنه يتأثر بعدد كبير من العوامل، منها: البيئة والوسط والحالة الاجتماعية، فلا سبيل لإخضاع الطفل إلى نسق واحد)

وقد أجرى الدكتور اسكندر توماس عددًا من البحوث بمعرفة فريق من الأطباء النفسيين، انتهى منها إلى أن نظرية فرويد لم تكن مطلقة، وأنهم درسوا في تجربتهم أحوال 158 طفلا غير منحرفين، منهم الفقراء والأغنياء، وقد نشأ الأولاد أصحاء مستقيمين بالرغم من القيود القاسية في تربيتهم، ودل ذلك على أن مسلك الطفل لا يتأثر بالتوجيه الأبوي، ولا بالزجر أو بالضرب.

كذلك أثبتت الدراسات العلمية بما لا يقبل الجدل أن الدافع الجنسي يأتي في مرتبة أدنى من كثير من الدوافع الأخرى كالدافع إلى الهواء أو الشراب أو المال([29])، ثم إن هذا الدافع الجنسي يخضع للتربية والتوجيه، بمعنى أننا نستطيع تربية الإنسان على العفة بحيث يضبط دافعه الجنسي، ويتحكم فيه.

وبذلك تكون العفة أمرًا ليس ممكنًا فحسب، بل ضروريًا، كذلك أثبتت الأبحاث أن هناك تنظيمًا طبيعيًا للشهوة في الإنسان بحيث يستطيع كثير من الوسائل كالرياضة الجسدية أو الروحية أو الشعر أو الموسيقى أن تستوعبه.

كذلك قال الباحثون: إن دعوى فرويد الأساسية هي أن المرض العصبي (العصاب) ينشأ عن أمور جنسية طفولية مكبوتة، ولكن البحث أثبت أن الأمور الجنسية الطفولية المكبوتة ليست وقفًا على الذين أصيبوا بعصاب في وقت ما في حياتهم، ولكنها موجودة عند كل إنسان، وتشكل عاملا هامًا في حياته.

وهكذا وجدت أن ما دعا إليه فرويد من أن الطفل يعاني مما أسماه كبت الميول الجنسية، ليس إلا أكذوبة، أراد بها تبرير الإباحة، وأثار بها الخوف في النفوس حتى يحول بين إعداد الشباب وتربيتهم وإعدادهم إعدادًا خلقيًا، وأن ما يرمي إليه من ترك الميول حرة تسلك سبيلها إلى ما تشاء، وأن ييسر لها هذا السبيل ليس إلا دعوة صريحة إلى الإباحية([30]).

الشيطانية:

قلنا: فعلى من تتملذت بعد فرويد؟

قال:  على تلميذ من تلاميذ فرويد..

قلنا: عجبا.. أتترك الإسناد العالي وتنزل للنازل([31])؟

قال:  لقد كنت مقتنعا ذلك الحين اقتناعا تاما بتأثير اللاشعور في حياة الإنسان.. ولكني لم أقتنع بما طرحه فرويد من طروحات حول نوع اللاشعور المسيطر على الإنسان..

قلنا: فهل وجدت في هذا التلميذ ما دلك عليه؟

قال:  أجل..

قلنا: من هو؟

قال:  هم كثيرون.. كان أولهم رجل يقال له (إدلر)([32]).. لقد جاءني في اللحظات التي بدأ الشك فيها يتسرب إلي من رؤى فرويد، وقال لي، وهو يهمس في أذني: أتدري.. لقد كان سيدنا فرويد مخطئا خطأ شديدا في إرجاعه السلوك الإنساني إلى الجنس([33]).. لا.. ليس الأمر كما يقول.. لقد بحثت وحللت.. فوجدت أن الموجه للسلوك الإنساني أمر أخطر بكثير من تلك النزوات الحقيرة الموقوتة..

نظرت إليه، والفرحة تملأ أسارير وجهي، وقلت: فما الذي اكتشفت؟

قال:  الشعور بالنقص..

قلت: الشعور بالنقص !؟.. ما تقصد؟

قال:  لقد رأيت أن كل نشاط يمكن تفسيره بهذه القوة الدافعة.. قوة الشعور بالنقص.. لقد رأيت أنه قوة الدفع الأولى للسلوك.. لقد كتبت في ذلك كتابا أثبت فيه هذا.

ناولني كتابا كان بيده، وقال: هذا هو الكتاب.. لقد سميته.. (فهم الطبيعة البشرية).. اسمع ما أقول فيه:( إن كل طفل وهو يقف بمفرده أعزل عن معونة الآخرين لا يلبث أن يشعر إن عاجلاً، أو آجلاً بعجزه عن معالجة شؤون العالم الواقعي، وهذا الشعور بالعجز هو القوة الدافعة ونقطة الارتكاز الأولى التي يبدأ منها جهاد الإنسان، وهو يقرر الهدف الأقصى لوجوده)

أغلق الكتاب، ثم نظر إلي، وقال: الطفل حين يولد، يكون بحاجة إلى نوع من الرعاية والاهتمام، وهي رعاية سرعان ما تستحيل في نظر الطفل إلى نوع من التسلط على نفسيته ؛ لأنها تشعره بعجزه، الأمر الذي يولِّد لديه شعوراً بالنقص، مما يفضي به إلى أن يبني لنفسه عالماً من الخيال يكون فيه سيداً مطاعاً، ويسعى إلى تقديم نفسه للآخرين على أنه مركز القوة، وسيد القرار.

قلت: أنت تقلد سيدنا فرويد في تركيزه في تحليله للسلوك الإنساني على سنوات الطفولة الأولى؟

قال:  نعم.. لقد اكتشفت أنها الموجّه للسلوك في المستقبل، لأن الأساليب التي يتخذها الطفل للتعويض عن شعوره بالنقص تقرر طبيعة الهدف الذي يوجه نشاطه خلال حياته كلها.

قلت: ولكن.. هل أمكنك تفسير كل النشاط الإنساني بهذا الدافع؟

قال:  أجل.. لقد وجدت أن كل النشاط الإنساني تعبير عن هذا الشعور.. فقط الناس يختلفون في طبيعة النقص، وطريقة التعبير عنه وتعويضه..

وقد وجدت أن هذا التعويض لا يتم إلا على أنقاض الآخرين من خلال قوة الإرادة، وفرضها على الجماعة، والتسلط على المجتمع، فلا يمكن أن تتحقق الأهداف من دون الكفاح، والاقتحام..

قلت: ألا يمكن تحقيق الأهداف عن طريق الألفة والتعاون مع المجتمع..

ضحك ضحكة عالية، وقال: لا.. لا يمكن للفرد النجاح في مساعيه، وهو يحمل هذه القيم.. إن النجاح لا يعني عندي إلا شيئا واحدا.. هو الحيلولة بين الآخرين وبين تحقيق أهدافهم.

قلت: إن هذا يجر إلى الصراع؟

قال:  لا يمكن للحياة أن تستقيم بلا صراع.. أليست المادية الجدلية عند لينين، والمادية التاريخية عند ماركس صراع على مطالب الإنسان في هذه الحياة؟

قلت: بلى..

قال:  لا يمكن لنظرية من النظريات أن تنجح، وهي تستظل بظل السلام.

قلنا: فهل صحبت هذا المصارع؟

قال:  أجل.. وتعلمت على يديه.. ولا أنكر أني استفدت الكثير من أفكاره.. لكني في الأخير تركته.

قلنا: لم؟

قال:  لقد علمت بصحبتي له علم اليقين صدق ما قاله لي صديقي  الفيلسوف الإنجليزي جود.. لقد قال لي:( بينما يذهب فرويد إلى الكشف عن جانب الوحش في الإنسان، فإن إدلر يذهب إلى الكشف عن جانب الشيطان المتمرد فيه)

الأسطورية:

قلنا: فمن صحبت بعده؟

قال:  لقد جاءني رجل يسمى (يونج)([34]) بعد أن علم عزمي على ترك صداقة (إدلر)، وقال لي: هلم إلي؟

قلت: من أنت؟

قال: أنا الذي تجد عنده الحقيقة التي تهت في البحث عنها.

قلت: ما اسمك؟

قال:  لا يهمك اسمي.. فاسمي هو اسم الجماعة.. فليس هناك اسم خاص لي.. كما أنه ليس هناك اسم خاص لكل من تراهم من الناس.

قلت: فما ترى في الإنسان.. أو ما ترى في الأعماق التي ينبني عليها سطح الإنسان؟

قال:  أنا بسيط جدا.. وواقعي جدا.. فلذلك لن أسلك بك تلك المتاهات التي سلكها بك صديقي فرويد..

قلت: فأنت تنكر اللاشعور إذن؟

قال:  لا.. أنا لا أنكره.. ولكني اكتشفت بديلا  للاشعور الذي وضعه فرويد.. فإن كان اللاشعور الشخصي هو محور نظرية فرويد في بناء الشخصية ونموها، فإن اللاشعور الجمعي هو جوهرها عندي.. أنا يونج.. وهو عندي صور ابتدائية لا شعورية، أو رواسب نفسية لتجارب ابتدائية لا شعورية، لا تحصى، شارك فيها الأسلاف في عصور بدائية، وقد ورثت في أنسجة الدماغ، بطريقة ما، فهي - إذن - نماذج أساسية قديمة لتجربة إنسانية مركزية.

قلت: الوعي الإنساني عندك إذن ليس مقصوراً على علاقة الطفل بوالديه كما ذكر فرويد؟

قال:  أجل.. الوعي الإنساني عندي.. أنا يونج.. إنما يتشكل في ظلال مخزون ثقافي موروث يمتد حتى تجربة الإنسان البدائي مع الكائنات والأشياء، وقوام هذا المخزون هو ما أسميه بـ (اللاشعور الجمعي) أو (الأنماط العُليا)

قلت: الأنماط العليا!؟

قال:  أجل.. وهي تتشكل من تلك الأساطير التي يحركها نداء اللاوعي، فتبدو في أحلام الأفراد ورؤى الفنانين العرافين، كي تعيد التوازن النفسي للعصر.

قلت: فمحور نظريتك ينطلق من الأنماط العليا إذن؟

قال:  أجل.. ولها عندي.. أنا يونج.. مرتبتان:

أما المرتبة الأولى، فقد أسميتها (الأنماط العليا الشخصية) كنمط الظل، والقِران المقدس والأنيما، وهذه تبرز في شكل شخصي فترى مباشرة.. فالإنسان يلتقي أولاً مع ظله أو مع وجهه الذي يخفيه بواسطة الشخصية، ويلتقي بوالديه اللذين يشكلان له نمط القِران المقدس، ويواجه أحوال اللاشعور، وهي الأنيما أو النفس.

أما المرتبة الثانية، فقد أسميتها (أنماط التحول)، كنمط الأم، ونمط الطفل، ونمط البنت.. فنمط الأم يحمل صورة الأم الطبيعية، والأم الأرض، والأم الروح، ونمط الطفل يحمل صورة الطفل الإله أو الطفل البطل، ونمط البنت يحمل صورة العذراء، والأنثى المجهولة، والأنثى الخرافية، والأنثى الأضحية.

وعلى هذا تكون هذه الأنماط الشخصية، وأنماط التحول ميراثاً إنسانياً انبثق من تصور الإنسان البدائي للكون، وهو ما يسمى بالأساطير.

قلت: أراك تعطي مصداقية كبرى للأساطير مع أنه لا دليل عليها.

لست أدري كيف غضب غضبا شديدا، وقال: لا.. ليست الأساطير كما تزعم.. إن الأساطير هي تاريخ البشرية الأولى.. نعم تنوسيت ملامحه الدقيقة، وأضفى الخيال الإنساني عليه جواً فضفاضاً.. لكنه يظل مع ذلك هو تاريخ الإنسانية الأول.

قلت: وما تقول في الأساطير التي تؤرخ للآلهة؟

قال:  لقد ذكرت لك أن العقل الإنساني أضفى خيالا على الحقائق التاريخية التي تحملها الأساطير، فلذلك، فإن الأساطير المرتبطة بالآلهة ليست في الحقيقة إلا تأريخا لعصر الأبطال، حين كان الإنسان يعجب بالقوة والجبروت، والبطولة في شتى ألوانها المادية والمعنوية، ويتطور هذا الإعجاب عند الأجيال إلى نزعة من التقديس تتلاشى معها حيناً بعد حين الحدود الفاصلة بين المحدود المطلق، وبين حقائق الواقع الإنساني، وخفايا الوجود الغيبي، فتصل إلى حد عبادة الآباء، ثم تصل إلى تناسي هذه الأبوة، ودخولها في مرحلة تالية.

قلت: سلمت لك بهذا.. فما تقول في عبقرية الإبداع الفني.. هل تراها كامنة في هذه الصور الأسطورية؟

قال:  أجل.. فالصور الأسطورية هي التي تشكل قاسماً مشتركاً بين الناس.. إنها هي التي تطلق قوى المخيلة للمبدع.. ومن هنا كانت الروائع في الأعمال الفنية خالدة ولا وطن لها.. ذلك لأنها إنما تنبع من اللاشعور الجمعي، حيث ينبسط التاريخ وتلتقي الأجيال، فإذا غاص الفنان إلى هذه الأعماق فقد بلغ قلب الإنسانية، وإذا عرض على الناس قبساً من هذا المنبع العظيم عرفوا أنه منهم ولهم.

قلت: لقد ذكر لي فرويد أن الإبداع يعتمد على التسامي..

قاطعني، وقال: أخطأ فرويد.. الإبداع لا يعتمد على التسامي.. بل يعتمد على الإسقاط.

قلت: ما الإسقاط؟

قال:  هو العملية النفسية التي يحول بها الفنان تلك المشاهد الغريبة التي تطلع عليه من أعماقه اللاشعورية إلى موضوعات خارجية يمكن أن يتأملها الأغيار.

قلت: كيف يتم هذا الإسقاط؟

قال:  هذا الإسقاط لا يتم إلا من خلال الرمز الناتج عن إطلاع المبدع حدسياً على اللاشعور الجمعي، ولهذا كان إبداع الرمز أعظم وظائف اللاشعور؛ لأنه أفضل صيغة ممكنة للتعبير عن حقيقة مجهولة نسبياً.

السلوكية:

بعد أن حدثني أستاذي (يونج) بتلك الأحاديث، بل أقنعني بها، لم يعد لي من هم في حياتي إلا البحث في الأساطير والخرافات القديمة لأحاول أن أجد من خلالها حقيقتي..

كان البحث مضنيا.. وكان فك الرموز أكثر صعوبة.. وفوق ذلك لم يكن لي من الدلائل ما يقنعني بصحة أي من التحليلات الكثيرة المتناقضة.

في غمرة تلك الجهود الشاقة جاءني أستاذي السادس، ليخرجني من تلك المتاهة، ويدخلني متاهة أخرى.

قلنا: من أستاذك السادس؟

قال:  رجل يقال له (واطسون)([35]).. شيخ (المدرسة السلوكية)([36]).. كان يحمل بعض الآلات التي تعود علماء الطبيعة أن يحملوها.. وقد بدأني بقوله: دع عنك أحاديث العجائز، وتعال إلي، فلن تعرف (أنا) من دوني.

قلت: ولكني أرى عليك ملامح نيوتن([37]) لا ملامح فرويد.

ضحك، وقال: ومتى استطاع ذلك الأبله المتعلق بأحاديث العجائز أن يفهم الإنسان؟

قلت: وهل استطاع نيوتن أن يفهم الإنسان؟

قال:  أجل.. نيوتن الذي استطاع أن يفسر الكون هو الوحيد المخول بأن يفسر الإنسان، لأنه الوحيد الذي يمكن أن يفهم الإنسان.

قلت: نيوتن يفهم الآلة.. لا الإنسان؟

قال:  ليس الإنسان سوى آلة.. لا تختلف عن أي آلة..

قلت: والعقل!؟

ضحك ضحكة هستيرية، وقال: العقل.. ما العقل!؟.. هل رأيته؟

قلت: الكل يذكر العقل.. ويذكر الشعور.. بل ويذكر اللاشعور..

قال:  ما الإنسان إلا ما تراه من جسمه..  أما ما تسميه الشعور فلا يعدو أن يكون حصيلة ثانوية لعمليات جسمية، يصاحبها أحياناً، وإن كان ذلك يحدث بصورة عرضية.

سكت قليلا، ثم استأنف يقول: لست وحدي الذي يقول هذا.. حتى ماركس.. ذلك الأحمق الشيوعي كان يقول:( في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس تراهم يقيمون علاقات محددة لا غنى عنها، وهي مستقلة عن إرادتهم، وعلاقات الإنتاج تطابق مرحلة محدودة من تطور قواهم المادية في الإنتاج، والمجموع الكلي لهذه العلاقات يؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع، وهو الأساس الحقيقي الذي تقوم عليه النظم القانونية والسياسية والتي تطابقها أشكال محدودة من الوعي الاجتماعي. فأسلوب الإنتاج في الحياة المادية هو الذي يعين الصفة العامة للعمليات الاجتماعية والسياسية والمعنوية في الحياة. ليس شعور الناس هو الذي يعين وجودهم، بل إن وجودهم هو الذي يعين مشاعرهم)

قلت: ولكنك بنزع العقل من الإنسان لن تبقي له أي شيء؟

قال:  بل أعيده إلى ذاته.. فمن الخطر ومن الخطأ أن يظل الإنسان يبحث في الأساطير عن ذاته.. بينما ذاته أمامه يستطيع أن يشرحها كما يشاء.

قال ذلك، ثم نظر إلي ليتأمل تأثير كلامه علي، ثم قال: لقد ظلت المادية تعاني ضعفاً منذ أن كانت تفتقد هذه الحلقة أي منذ كان الميكانزم العصبي مجهولاً، واستغل المثاليون هذا الضعف، واستفاد منه الرجعيون لنشر الجهل وتشويش الفكر وخلق أساطير عن الطبيعة البشرية..

قال ذلك، ثم نظر إلي، فوجدني لا أزال لا أنبس ببنت شفة، فقال: تعال معي.. لا يمكن أن تقتنع قبل أن ترى بعينك.. فليس الخبر كالعيان.

قلت: إلى أين تريد أن تأخذني؟

قال:  ألست تبحث عن الإنسان؟.. تعال أريك الإنسان.

سرت معه في كثير من المتاهات إلى أن وصلنا حجرة سمعنا فيها صياح كلب.. فالتصقت به، وقلت: أنا أخاف من الكلاب.. هيا بنا نبتعد عنها.

قال:  لن تفهم الإنسان حتى تفهم الكلاب.. تعال معي.

دخلنا حجرة استقبلنا فيها رجل اسمه (بافلوف)([38]).. لم يطل به ترحيبه لنا.. بل قادنا إلى حيث يوجد الكلب الذي أفزعني نباحه.. ثم قرع جرسا، فإذا بالكلب يسيل لعابه بقوة.. قال لنا بافلوف: انظروا.. لقد عودت هذا الكلب على أن لا أقدم له الطعام إلا بعد أن أقرع الجرس.. انظروا تأثير ذلك عليه.. صار الجرس عنده مثيرا.. لقد استطعت أن أستبدل رائحة الطعام بصوت الجرس.

التفت إلى صاحبي، وقلت: لقد أخبرتني أنك ستدلني على الإنسان.. فأين هو الإنسان؟

أشار إلى الكلب، وقال: هذا هو الإنسان.

قلت: هذا كلب.. وليس إنسانا.

ضحك مع صاحبه بافلوف ضحكة عالية، ثم قال: نعم.. هناك فروق بينهما.. لكن مع ذلك نستطيع أن ندرس الإنسان من خلال دراستنا للكلب.. بل للحشرات..

قلت: ما الجامع بينهما؟

قال:  ألم يفسر نيوتن جميع حركات الكون من خلال تفاحة؟.. فكذلك نحن يمكننا أن نفسر كل الظواهر السلوكية للإنسان من خلال الظواهر السلوكية للكلاب.

قالا لي هذا.. ثم سارا بي في متاهات كثيرة.. ومدة طويلة من الزمان صرت أرى فيها نفسي كما أرى أي آلة.. وقد عذبتني هذه الرؤية كثيرا..

قلنا: فكيف استطعت أن تتخلص منها؟.. وكيف استطعت أن تتخلص من تأثير هذا الأستاذ، وهو يحمل معه ذلك السلاح الخطير.. سلاح العلم؟

قال:  بالعلم استطعت أن أتخلص من ذلك الهذيان الذي كان يملأ رأسي به.

قلنا: العلم!؟

قال:  أجل.. وقد بدأت بالفيزياء، ذلك العلم الذي استند إليه أستاذي في اختصار الإنسان في آلات الإنسان..

لقد وجدت أن التطور العلمي في الفيزياء أطاح بتلك النظريات الآلية التي كانت تفسر الكون، فلم تعد المادة واضحة متماسكة تشكّل حيّزاً من الفراغ، كما كان يُعتقد، لقد أصبحت عالماً من الطلاسم والألغاز، وصارت شبكة من الشحنات الكهربائية، وسلسلة من الأحداث المحتملة ترتفع وتنخفض حتى تتلاشى في العدم.. بل إنه لا يمكن مشاهدتها.

لقد أصبحت تلك الذرة الصغيرة في فيزياء القرن العشرين كأنها نموذج مصغر لمنظومة شمسية.. في مركزها عدد من الشحنات الكهربائية الموجبة تعرف بالبروتونات، وهذه تؤلف النواة، ويدور حول النواة على مسافات مختلفة، وفي مدارات غير منتظمة عدد من الشحنات السالبة تسمى الالكترونات. والشحنة الموجبة في كل بروتون تساوي تماماً الشحنة السالبة من كل اليكترون غير أن عدد البروتونات التي تتألف منها النواة أكبر كثيراً في العادة من عدد الالكترونات، وإنما تحصل الموازنة بين الشحنات الموجبة للبروتونات، والشحنات السالبة للالكترونات التي تدور حول النواة، بوجود شحنات سالبة، الكترونات أخرى موجودة في النواة.

والذرة التي كانت صلبة في وضع مادي ثابت أصبحت بخلاف ذلك، فقد أخذ الفيزيائيون المحدثون يطاردونها - كما يقول أدنجتون - من السائل المتصل إلى الذرة، ومن الذرة إلى الالكترون، حتى أضاعوها في النهاية.

والذرة التي كان يُظن أن معرفتها لا يمكن الشك فيها أصبحت تلك المعرفة خادعة، لأنه ثبت حديثاً أنه إنما يستنتج وجودها من أحداث تقع خارجها، يظن أنها تُسببّها وتأتي عنها.

ونتيجة لهذا، فإن الإدراك الحسي في الفيزياء الحديثة، لم يعد في الوجود العيني للمادة، وإنما في الحادث النفسي الداخلي، فحقيقة الأشياء عقلية وليست مادية، فالظاهرة المادية ليس إلاّ أثراً للكيفية التي تتجلى فيها الحقيقة الروحية.

وهكذا.. لقد كانت الفيزياء القديمة تقول بالتمّاس بين ماديين عندما أضغط بأصبعي على طرف المنضدة مثلاً، أما الفيزياء الحديثة فتقول : إن الدفع ناشيء عن ذرات الأصبع وذرات المنضدة، وذلك الدفع يولد تياراً عصبياً يصل إلى الدماغ ينتج عنه شعور باللمس، فليس هناك علم بشيء يقع خارج الجسم، لأنه قد يحصل تنبيه للجهاز العصبي دون وجود منضدة.

فيزياء القرن العشرين بكشوفاتها الجديدة لم تكمل ما قام به ( نيوتن ) بل حطمت بنيانه، حيث هدم إنشتاين بنظرية النسبية فكرتي الزمان والمكان المطلقين، وأثبت أن علاقات المكان والزمان وقوانين الحركة لا يمكن تعريفها إلا بالمواقف الشخصية للمراقب، وليس بالحياد كما ذهب إلى ذلك ( نيوتن )

وجاءت ثورة فيزياء الجسيمات على يد (إيرنست رذرفورد) حيث أثبت أن الذرة عبارة عن نواة متناهية الصغر يحيط بها كم هائل من الإلكترونات أصبحت تفسيرات نيوتن لها تبعث على الإحباط، فانهارت إمبراطورية نيوتن وتطورت ميكانيكا الكم على يدي (نيلزبور) و(فيرنرها يزنبي)

وقد أدت كل هذه التطورات في الفيزياء إلى تطورات مماثلة في تصور علم الأحياء للحياة، فقد كانت النظرية الآلية ترى أن الحياة نتيجة عرضية لعمليات مادية، وأن العقل نشاط متولد من الدماغ.. لكن العلم الحديث أثبت ـ بما لا يدع مجالا للشك ـ أن أسلوب الكائن الحي ليس آلياً ولا يمكن تفسيره آلياً، فالحياة ظاهرة من صفتها التجدد والإبداع، واستحداث صور جديدة في الكائنات، ومنها ظهرت نظريات التطور المبدع، والتطور الناشيء، ونظرية الكائن الحي، والنظرية العضوية.

فالماء يتكون من الأوكسجين والهيدروجين بنسبة معينة، لكن في الماء خصائص ليست هي خصائص كل من الأوكسجين والهيدروجين.. وكذلك جسم الإنسان فهو دماغ ولحم وعظام وأعصاب، ولكل منها خاصية معينة، لكن له من اجتماع هذه الأجزاء خصائص ليست موجودة في تلك الأجزاء.

وبناءً على هذا فلم يعد كل مادي حقيقياً، وأصبح المعنوي كالدين، وقيم الحق والخير والجمال مما صح ثبوته، وعدّ باباً من أبواب الحقيقة، وبهذا تقوّض الأساس العلمي لهذه المدرسة، فالإنسان لم يعد شبيهاً بالآلة لا دخل للعقل في سلوكياته، فله عقل، وله غاية يسعى إلى تحقيقها، ومطالب يهدف إلى بلوغها هي أسمى من مطالب الجنس والغذاء والكساء.

فلم يعد التفسير الآلي أو الحيواني للسلوك الإنساني واعياً بأبعاد الإنسان، إن الإنسان يستجيب للمنبه، كما تستجيب الآلة، لكنه لا يعمل كما تعمل، فاستجابتها آلية أما استجابته فهي استجابة فعالة ونشيطة، فهو يدرك الموقف الخارجي، ولذلك فاستجابته لا تعتمد على قوة ذلك المنبه بقدر ما تعتمد على الدافع النزوعي الذي لديه، وهو مؤثر بالغ في الاستجابة، وهذه الاستجابة موجهة إلى غاية يمكن استمرارها بعد زوال المثير بخلاف الآلة([39]).

الربوبية:

قلنا: إلى من لجأت بعد أن يئست من هذا الأستاذ؟

قال:  أنا لم ألجأ.. لكن في ذلك اليوم هبت عاصفة هوجاء كادت تقتلعني من الأرض.. فلم أجد إلا أن ألجأ إلى بيت من البيوت أفر إليه من العاصفة.. فلقيت رجلا صلبا شديدا، قال لي بكل قوة: أنت الذي تبحث عن الإنسان؟

قلت: أجل..

قال:  فادخل.. أنا (فريدرك نيتشة)([40])

قلت: ومن فريدرك نيتشة؟

قال:  أنا العاصفة الهوجاء التي أطاحت بكل ما قيل حول الإنسان.. أنا الذي أحدث أكبر قطيعة مع كل الاتجاهات الفكرية والفلسفية سواء في الشكل أو المضمون أو اللغة.. أنا الذي اتهمت سقراط بأنه وراء الكارثة التي حلَّت بالحضارة الإنسانية، لاحتكامه إلى العقل وحده.. وأنا الذي اعتبرت التراجيديا الموسيقية وراء فقدان الإنسان سيادته على ذاته برضوخه واستسلامه لقيم وأخلاق وعقائد كبلته وأفقدته حريته.. وأنا العدو اللدود للمسيحية على الرغم من أنني ابن قس بروتستانتي.. أنا الذي قلت بأن المسيحية عبارة عن مجموعة أساطير الشعب اليهودي.. بل قلت بأن المسيحية أذلت الإنسان بعد ما أقامت عقائدها على بقايا تصورات بالية ومتناقضة حول العالم.. وأنا الذي قلت في (هكذا تكلم زرادشت) :( لقد مات الإله و نحن الذين قتلناه).. وأنا الذي قلت :(كل الأشياء خاضعة للتأويل، وأيا كان التأويل فهو عمل القوة لا الحقيقة).. وأنا الذي قلت :( كل المصداقية وكل الضمير وكل أدلة الحقيقة تأتي من الحواس فقط).. وأنا الذي قلت مخاطبا أختي: (إذا ما مت يا أختاه لا تجعلي أحد القساوسة يتلو علي بعض الترهات في لحظة لا أستطيع في الدفاع عن نفسي)([41]).. وأنا الذي قلت :( أشعر أن علي أن أغسل يدي كلما سلمت على إنسان متدين)..

قلت له، وقد ملأني بالرعب: إلى أي عقل تحتكم في كل هذه الدعاوى.

ضحك ضحكة مدوية، ثم قال:عن أي عقل تتحدث.. العقل أعجز من أن يدرك حقيقة الوجود.

قلت: لا أقصد ما فهمت.. بل أقصد المنطق العقلي.. ومبادئ الفكر التي تتيح لنا أن نرسل بأحكامنا.

قال: لا وجود لشيء اسمه (مبادئ الفكر).. إنها ليست سوى سراب من الأوهام.. نعم هي قد تكون ضرورية لحياة الناس، ولكنّها لا تستطيع بحال من الأحوال أن تعبّر عن الحقيقة، ولا أن تعبر إليها.

قلت: إذا لم نسلم لمبادئ الفكر.. فهذا يغني إلغاء العقل.

قال: العقل في حياة الإنسان لا حاجة إليه.. بل هو خطر.. والذي يمكن تصوّره عقلياً لا بد أن يكون وهماً لا حقيقة له.

قلت: هل ترى أن الحياة تسير من دون عقل؟

قال: لاشك في ذلك..

قلت: فلا وجود لعالم الحقائق إذن في هذا الوجود؟

قال: كما لا وجود لعالم الظواهر.. كلاهما عوالم وهمية.

قلت: فما هو الوجود إذن؟

قال: الوجود الحقيقي كلّه ينحصر في (الصيرورة).. كله بتفاصيله ينحصر في (التغيّر الدائم).. التغير الدائم هو الحياة.. وهو الطبيعة.. الثلاثة واحد.. والواحد ثلاثة.

قلت: فما هذا التغير الدائم.. وما هذه الصيرورة؟

قال: (الصيرورة) هي الوجود.. وهي الواقع الآني الراهن.. وليس لها غاية تنتهي إليها.. بل هي في نفسها غاية.. وهي كلّ شيء..ولا شيء وراءها.

قلت: فالمعرفة والوجود الحقيقي إذن يتنافيان ويتناقضان.

قال: لقد بدأت تفهمني.. فلا يمكن أن تكون المعرفة الإنسانية مطابقة للحقيقة بحال من الأحوال، إذ هما دائماً متنافيان متناقضان.

قلت: فما الفضيلة العظمى التي تحكم الوجود إذن؟

قال: هي القوة.. القوة هي الفضيلة العظمى التي تجكم الوجود.. بل هي الفضيلة الوحيدة.. ولذلك تراني لا أدعو إلا إلى القوة.. القوة وحدها دون الرحمة والشفقة هي محور الأخلاق.. ولذلك فأنا (فيلسوف القوة)

أقول دائما : (الخير هو كل ما يزيد الشعور بالقوة، هو إرادة القوة، هو القوة نفسها.. والشر هو كل ما ينشأ عن الضعف، هو الضعف)

قلت: فأنت تنطلق من مذهب التطوّر إذن؟

قال: أجل.. ولكني لا أنظر إليه كما ينظر داروين المسكين.. فإن كان مذهب النشوء والارتقاء يذكر أن كل صنف يخلق صنفاً أرقى منه.. فأنا أدعو الإنسان لأن لا يتوقف عند الإنسان.. أنا أدعوه ليضحي بالإنسان..

قلت: ليصل إلى ماذا؟

قال: ليصل إلى (السوبرمان).. ذلك  الإنسان الأعلى والأرقى.. والذي يضحي بالإنسان البسيط كما نضحي بالغنم والماعز والخنازير.

قال ذلك، ثم التفت إلى العاصفة وراح يصيح فيها بقوة، وكأنه يخاطب جمعا لا أراه: إنني أدعوكم ـ يامن تسميتم باسم الإنسان ـ إلى أن تخلعوا الإنسان.. وتلبسوا الإنسان الأعلى.. فإن الإنسان شيء يجب أن يُعلى عليه.. فماذا عملتم من أجل العلاء عليه؟

إن كل الكائنات حتى الآن قد خلقت شيئاً أعلى منها، فهل تريدون أنتم أن تكونوا جزراً لهذا المد العظيم، وتفضلوا الرجوع إلى الحيوانية على العلاء على الإنسانية؟!

إن الغاية من الإنسانية عندي هي خلق هذا الإنسان الأعلى..

قلت: إن ما تدعو إليه ممتاز ورائع.. فما أجمل القوة.. فما الذي أعددته من نظم لتحصيلها؟

قال: ذلك لا يتم إلا بطرائق التربية التي ترفع الفرد وتسمو به.. وبتحسين النسل البشري.. وباختيار الممتازين من الرجال والنساء للتزواج.. وأن يكون الزواج أساسه اختيار الأرقى من النساء بشرياً، للأرقى من الرجال بشرياً، حتى يخلق الزوجان بإرادتيهما إنساناً أرقى منهما، وهكذا.

قلت: لكن الحب هو الذي يتصرف في الزواج؟

قال: فلنضح به.. فخير الرجال لخير النساء.. أما الحب فنتركه لحثالة البشر، إذ ليس الغرض من الزواج مجرّد النسل، بل يجب أن يكون وسيلة للتسامي والرقي.

إن غرض التزاوج هو إرادة اثنين ليخلقا إنساناً يسمو على خالقيه.

قلت: لقد ذكرت طرائق التربية التي ترفع الإنسان.. فما هي القيم التي تحكمها؟

قال: إنها تتلخص في أن يكون الإنسان حراً.. يحطم كل القيود.. ويبدد الأوهام الثقيلة الخطيرة التي أتت بها المذاهب الأخلاقية، والدينية، والفلسفية... فالإنسان الأعلى فوق الناس.. وفوق الأخلاق.. وفوق القوانين.. وفوق التقويم التقليدي للأشياء.

قلت: إن هذا يقطع الإنسان عن كل شيء؟

قال: ذلك صحيح.. فالسوبرمان لا علاقة له بأي شخص.. ولا بأي وطن.. ولا بأي نوع من أنواع الشفقة والعطف.. هو فوق كل قيمة.. وفوق كل قانون.. وفوق كل ما يعتقده عامة الناس.. ولا يعنيه قال الناس عن هذا الشيء: إنه خير، أو قالوا عن الآخر : إنه شر.. لأن مهمته أن يكون هو خالقاً للقيم، يضع للأشياء من القيم ما يريد، مما يؤدي إلى تحقيق الغاية من الإنسانية.. فهو حرٌّ في أن يضع شرعة القيم التي يرتئيها في الأخلاق، والسياسة، والفلسفة، وغير ذلك.

ليس ذلك فقط.. بل إن هذا الإنسان الأعلى هو الذي يحدد معتقدات العصر بأكمله.. وهو الذي يعطي للحضارة صورتها.. وهو الذي يخلق القيم في حرية تامة، غير آبه لما يسمى بالخير والشر، أو الحق والباطل.. فهو كل شيء، يخلُق الأخلاق، ويحدّد الحق بإرادته، ويفرض على الناس ما يضع لهم من قيم فرضاً، وليس عليهم هم إلا أن يطيعوه، فالطاعة أولى فضائل الذين ليسوا هم من طبقة الإنسان الأعلى.

قلت: ألهذا أعلنت موت الإله؟

قال: أجل.. لقد وجدت أن الإله هو الوحيد الذي يحول بيننا وبين هذا الترقي.. ولذلك أردت أن أجعل من السوبرمان هو الإله.. لقد قلت على لسان (زرادشت): (إذا كان هنالك آلهة، فكيف أطيق أن لا أكون إلهاً؟ وإذن فلا آلهة هناك).. وقلت : ( لقد ماتت الآلهة جميعاً، ونريد الآن أن يعيش السوبرمان).. وقلت : ( إني أهيب بكم يا إخواني أن تخلصوا عهدكم للأرض، وأن لا تصدّقوا من يحدثونكم عن أملٍ سماوي، إنهم ينفثون فيكم السم بذلك، سواءٌ أعلموا بذلك أم لم يعلموا)

قلت: عرفت تصورك للوجود.. وللإنسان.. فما تصورك عن مصير الوجود والإنسان؟

قال: أما الوجود.. فإنه يسير في دورات متطابقة.. فهو يكرّر نفسه باستمرار.. والإنسان الأعلى (السوبرمان) هو نهاية دورة الوجود، ليعود بعد ذلك إلى نقطة البداية.. (إن التكرار الأبدي موعده بعد وجود الإنسان الأعلى، فسيعود كل شيء بالتفصيل الدقيق مرة ومرة، إلى ما لا نهاية له، حتى (نيتشه) سيعود، وهذه الأمة الألمانية التي يعيش بين ظهرانيها، والتي تمجّد الدم والحديد ستعود)

قلت: فأنت تقول بالوجود بعد الموت؟

ضحك بهستيرية، وقال: (ليس بعد الموت شيء.. وما بعد الموت لا يعنينا بعد)

إن القوة هي كل شيء.. ولذلك فإنا أدعو إلى الموت الإرادي.. وأنا من الداعين إلى الانتحار حينما يكون الوقت مناسباً لاختيار الموت.. فمتى وجد الإنسان أن الحياة لم يَعُد لها هدف لديه، فأحسن خيار له هو أن يسلم نفسه لرحى الموت..

لقد قلت على على لسان (زرادشت) : ( كثير من الناس يموتون في وقت متأخر جداً، وبعضهم يموتون في وقت مبكر جداً، ولا زال هذا القول : (مت في الوقت المناسب) يبدو غريباً)

***

لست أدري كيف ظللت في صحبة هذا الأستاذ الأرعن مدة طويلة من الزمن.. ربما كنت أنفس بها عن ذلك النقص الذي زرعه في نفسي الدير.. لقد كنت بقوة نيتشة أغطي النقص الذي زرعه في نفسي أول أستاذ لي (سان بونافنتور)

قلنا: فكيف بدا لك أن تتركه؟

قال: أنا لم أتركه.. ولكن عقله الذي كان يتيه به هو الذي تركه.

قلنا: ما تقصد؟

قال: لقد ظهر جنونه بعد أن كان خفيا.. فلذلك لم أجد في صحبته إلا ما يحولني كما يحول البشرية جميعا إلى قطيع من المجانين.. ويحول الأرض إلى مارستان كبير لا يحوي إلا المجانين.

قلنا: فكيف تخلصت من تأثير أفكاره؟

قال: لقد بدأ ذلك أولا بتخلصي من الإدمان على تلك الخمرة التي سقاني منها.

قلت: أي خمرة؟

قال: خمرة الغرور الذي يسميه قوة..

قلت: اكتشفت إذن بأن القوة التي يتحدث عنها ليست سوى غرور؟

قال: أجل.. ففرق كبير بين أن يسعى الإنسان لتحصيل القوة.. وبين أن يتيه بها.. ويمحو بها غيره.. إن القوة تستدعي الاستفادة من كل الطاقات والأفكار واحترامها..

وقد رأيت أن أول ما بدأ به أستاذي المجنون هو أنه رفع عني الثقة في كل الأفكار التي تطرح على الأرض.. 

قلت: فهل ناقشت أفكاره مناقشة عقلية؟

ابتسم، وقال: أجل.. لقد طبقت على الأفكار التي لقنني إياه المنهج الذي علمني إياه.. فمحوتها من ذاكرتي ومن التأثير في.

قلنا: كيف؟

قال: هو لا يثق في العقل.. ولا في الحقائق.. ولا في الظواهر.. هو يعتبرها كلها من الأوهام.. وبما أنه طرح آراءه كحقائق عقلية.. فقد اعتبرتها على حسب منهجه مجرد سراب من الأوهام.

السلام

قال ذلك، ثم غرق في صمت عميق.. انتظرناه برهة.. فلما طال، سألناه: أهؤلاء فقط هم أساتذتك؟

قال:  لا.. هناك أساتذة كثيرون.. أستحيي من ذكرهم.. أو ينعقد لساني دون ذكرهم.. لأني بعد أن لقيت النور والصفاء والسلام.. بعد أن لقيت الإنسان.. صرت أنظر إليهم باحتقار، وأخجل من تلك الأيام التي كنت أجثو بين أيديهم فيها كما يجثو الصبي أمام معلمه.

قلنا: فحدثنا عن النور والصفاء والسلام.. حدثنا عن الإنسان.. حدثنا عن الأستاذ الذي نسخ جميع ما لقنه لك أساتذتك.

قال: لم يكن أستاذي هذا خريج أي جامعة.. ولا أستاذا بأي كلية.. ولم ينل أي جائزة من تلك الجوائز الضخمة التي تعود قومنا أن يسلموها للمتفوقين..

قلنا: أي أستاذ هذا!؟

قال:  لقد كان بسيطا غاية البساطة.. وكان لذلك يمثل الفطرة في قمة قممها.

قلنا: من هو؟

قال: لا يمكن أن يعرف أحد من الناس من هو.. فقد كان له من القداسة والجمال والصفاء والنور ما تستحيي منه الأسماء والمسميات.. لكني سمعت بعضهم يناديه محمدا.. وحق له هذا الاسم فقد اجتمعت فيه أصناف المحامد، فلا يراه أحد من الناس إلا حمده..  وسمعت بعضهم يناديه الراعي.

قلنا: الراعي!؟

قال:  أجل.. لقد كان هذا الأستاذ راعيا.. ولم ألقه إلا في مرعاه.. أمام جبل من الجبال..

قلنا: وما الذي حملك إلى الجبال.. ألم تكن ابن المدينة؟

قال:  بعد أن لقنني أساتذتي كل تلك المعارف.. وبعد أن رأيت آثارها على نفسي وعلى الناس من حولي احتقرت الحياة.. واحتقرت الإنسان.. فلذلك لجأت إلى تلك الجبال ألتمس الخلاص.

قلنا: عند الراعي؟

قال:  لا.. لقد ذهبت إلى تلك الجبال لأطعم جثتي للجوارح.. فلم أرض لجسدي أن يلطخ بنفايات تلك المدينة الملعونة..

لقد ذهبت إلى الجبال لأسلم جسدي للموت..

قلنا: تنتحر!؟

قال:  لقد صارت الحياة ـ على ضوء تلك التعاليم القاسية التي تعلمتها ـ لا تساوي أن أعيش من أجلها.. فلذلك رأيت الانتحار هو الوسيلة الوحيدة التي أتخلص بها من الحياة التي لا معنى لها.

قلنا: فكيف لم تمت.. ها أنت بيننا؟

قال:  لقد أنقذني ذلك الراعي.. ثم لقنني من التعاليم ما حبب إلي الحياة.. بل ما جعلني بعد ذلك أرحل إلى هذه البلاد لأبحث عنه.

قلنا: هل رحل هو الآخر إلى هذه البلاد؟

قال:  أجل.. بعد أن بلغته أخبار تلك الفتنة العظيمة التي تريد أن تجتث أمة محمد ترك غنيماته، ثم سار إلى هذه البلاد ليطفئ نيران الفتنة.. ومنذ رحل، وقلبي مشتعل شوقا إليه.. وسأموت بحسرتي، لأني أموت، ولم أره، ولم أزدد من معرفته.

قلنا: فحدثنا عن التعاليم التي غيرتك كل هذا التغير.

قال: بعد أن لقنت كل تلك التناقضات عن الإنسان.. وبعد أن كاد يصيبني الجنون الذي أصاب أستاذي السابع قررت قرارا جازما بأنه لا خلاص لي إلا بالموت..

ومع أني أذعت نبأ هذا العزم في تلك المدينة الممتلئة بالصراع إلا أنه لم يأتني أحد ليثنيني عن عزمي.. بل رأيت الكل.. حتى أساتذتي.. يأتون إلي، ويباركون هذا القرار، بل ويعتبرونه أصوب قرار أتخذه في حياتي.. بل إن بعضهم أحضر وسائل التصوير.. وطلب مني ـ مقابل مبلغ من المال أغراني به ـ أن يأخذ لي صورة وأنا أنتحر على شرط أن أرمي نفسي من شاهق ناطحة سحاب.. لكني رفضت.. فلم أرد لجسدي أن يتلطخ بتراب تلك المدينة المتعفن.

قلنا: فكيف ظهر لك أن تختار الجبال والمراعي؟

قال: في ذلك الحين الذي كنت أبحث فيه عن الموتة الراضية بعد أن يئست من الحياة الراضية رأيت صورة جميلة لطبيعة بكر لم تغر عليها جحافل الإنسان.. فقلت في نفسي: لن يصلح قبرا لك إلا هذه الأرض.. وتلك المراعي.. وتلك السماء التي لم تتلطخ بعد بمزابل المصانع.

فسرت.. وبقلبي من السرور بالموت ما لم أجده في لحطة من لحظات حياتي..

لا أنكر أن بعض التردد أصابني في تلك اللحظة الصعبة التي وقفت فيها بين الحياة والموت.. لكني قهرت ذلك التردد.. وصممت.. ولم يبق بيني وبين الموت إلا نصف خطوة.. لكن يدا لم أكن أنتبه لها أمسكتني بقوة.. التفت فرأيت ما كنت أبحث عنه..

قلنا: ما رأيت؟

قال:  لقد رأيت الإنسان.. لقد كان ذلك الراعي يمثل الإنسان خير تمثيل.. فلذلك شعرت بانشراح عظيم في صدري.. وشعرت من حيث لا أدري بأن في الحياة من الجمال والسلام والنور والصفاء ما تستحق من أجله أن نعيشها.. بل أن نضحي من أجل أن نعيشها.

قلنا: فكيف ظهر لك أن تجلس بين يديه مجلس التلمذة، وأنت الأستاذ الذي تلقى من كبار أساتذة البشرية؟

قال: لقد رأيت من سمته وتواضعه وأدبه وسلامه وعلمه ما جعلني ـ رغما عني ـ أجلس معه ذلك المجلس الذي لم أجلس مثله في حياتي.

قلنا: لقد شوقتنا إليه، فحدثنا عنه.

قال:  لقد كانت أول كلمة قالها لي، وهو يربت على كتفي بحنان وقوة :( لا تهدم بنيان الله)([42])

التفت إليه، وقلت: أي بنيان لله؟

قال:  أنت.

قلت: من أنا؟

قال:  الذي تبحث عنه.. أنت.. أنت هو الإنسان..

قلت: لكني لم أجد الإنسان.

قال:  لأنك كنت تسأل الشياطين عن الإنسان، والشياطين لن يدلوك إلا على الشياطين.

قلت: فهل عندك من علم الإنسان ما يدلني عليه؟